الله والشر والمصير
كوستى بندلى
1993
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الكتاب مكوّن من مجموعة من مقالات كُتبت بين حزيران 1982 وكانون الأول 1991, وقد استعيدت هنا وبُوّبت وأُدخل عليها بعض الإضافة والتعديل, وكانت تقوم على أسئلة يطرحها الشباب حول كل ما يتصل بالإيمان الأرثوذوكسى, وعلاقته بفكرهم وحياتهم, ثم يشاركون فى الإجابة عنها تحت إشراف محاضر ( وقد كنت واحدًا من هؤلاء المحاضرين ) كان ينسق مداخلاتهم ويختتمها بعض يلقيه حول السؤال المطروح.
هذا وإذا تمعنّا فى الأسئلة التى انطلقت منها مواضيع الكتاب, لفتت نظرنا صورة عن الله تُستشف من خلالها, وهى صورة إله جبار منتقم " يُنزل غضبه على الإنسان" و " يقتل فى سبيل التأديب" و " يرسل إلى جهنم" و يضحى بابنه الوحيد لارضاء عدالته المهانة , وأخيرًا " يفنى البشرية" فى اليوم الأخير.
ذلك التصوّر عن الله استمده الشباب من محيطهم العائلى والاجتماعى وتشربوه عبر التربية التى تلقوها ( وهى تربية قمعية عادة, تستند لتبرير نهجها إلى هذا التصور وتغذيه وتخلده بآن ).
لكن الشباب لم يرتاحوا إلى هذه الصورة , رغم تليقهم إياها, لا لأنها صدمت حسّهم الإنسانى وحسب, بل لأنهم اكتشفوا ـ كما تعبر بعض أسئلتهم ـ تناقضًا صارخًا بينها وبين الصورة التى وصلتهم عن الله من احتكاكهم بالإنجيل وتأثرهم بمناخه عبر انتمائهم إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسية, فأثار هذا التناقض مشكلة لديهم ودفعهم إلى السعى لاستجلاء الحقيقة رفعًا لكا غموض.
هذا ما قادنا إلى التركيز, فى هذا الكتاب, على التعرض لصورة شائعة بين الناس, تشوّه وجه الله تشويهًا فادحًا. إنها صورة إله تُنسب إليه الشرور الطبيعية كالأمراض والمصائب والكوارث, سواء أتمّت هذه النسبة بصورة فظّة كما فى التعبير الشعبى الذى يتردد على الألسنة بشكل تمنِّ: " الله لا يضرك" ( مما يفترض أن الله كائن يُخشى ضرره وأذاه ), أو بالصيغة الملطفة التى يستخدمها المتنورون وهى أن الله " يسمح" بهذه الشرور, وكأنه يتنصل منها ويغض النظر عنها بآن ( وكأن هؤلاء, كما أشار أحد اللاهوتيين, يجعلون من موقف الله موقفًا شبيهًا بموقف بيلاطس البنطىّ عندما " غسل يديه" متنصلاً من موت يسوع المسيح ), هذا بالنسبة للشر الطبيعى.
أما الشر الخلقى, أى الخطيئة, فموقف الله منها, على حدّ الرأى الشائع الذى نحن بصدده, أشبه ما يكون بموقف أحدنا إذا ما لحقته إهانة, فهو متربص لمرتكبى الخطيئة ويصبّ عليهم جام غضبه وينزل بهم أشد الويلات, ويميتهم " تأديبًا", وإذا ما أصروا على عصيانه " يرسلهم" بعد موتهم إلى جهنم ويعذبهم بالنار بلا رحمة إلى الأبد.
هذا الإله " الإرهابى", الذى هو على صورة قسوة قلب الإنسان ( الناتجة عن ضعفه وعجزه وفنائيته ), بدل أن يكون نقيض الشر, إنما هو كليًا من جهته, فهو الذى يرسل الشر الطبيعى أو يتغاضى عنه, وهو الذى يعاقب على الشر الخلقى بشر أعظم, باسم عدالة هى أشبه ما تكون بالانتقام. وبالتالى , فى هذا المنظور, يكون الشر هو المنتصر الأكبر, ويكون للموت الكلمة الأخيرة فى الوجود.
إلا أن هذا " الإله" إنما هو على نقيض الإله الذى انكشف لنا فى تعليم يسوع وسيرته, والذى " لا نعرف آخر سواه", لأن كل تصور لله ما عداه مشوب بالأهواء والهوامات البشرية. وقد عرفنا بيسوع المسيح أن:
[ اللهَ مَحَبَّة ] و [ وَمَادَامَ اللهُ قَدْ أَحَبَّنَا هَذِهِ الْمَحَبَّةَ اَلْعَظِيمَةَ، أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، فَعَلَيْنَا نَحْنُ أَيْضاً أَنْ نُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً ] [ 1يوحنا 4: 8, 11 ].
وأن المحبة اسمه الفريد وصفته المميزة. من هنا أن هذا الإله لا يرسل الشرور الطبيعية ....
بل لا يجوز أن يقال أنه " يسمح بها", ما يسمح به بالحقيقة هو أن توجد الخليقة فعلاً لا شكلاً, أى أن لا تكون مجرد ظل له, مما يفترض أن يمدّها بالوجود ( وإلا لما كانت ) وأن ينسحب منها بآن ( وإلا لما كانت متمايزة عنه, أى لما كانت فعلاً ).
هذا ناتج عن كون الله محبة وعن كون الخلق هو فعل محبة, ومن شأن المحبة أن تقيم المحبوب بإزائها وأن ترفض تذويبه فيها وإلغاء فرادته. لكن ارتضاء الله بأن توجد المخلوقات, يعنى السماح لها بأن توجد بما لديها من خصوصية, أى بما تتسم به من محدودية ناتجة عن طبيعتها كمخاوقات صادرة من العدم وبالتالى بعيدة عن كمال الوجود.
وبعبارة أخرى السماح بأن تكون الكائنات الطبيعية ناقصة وبأن تكون العاقلة معرضة إلى جنوح حريتها, هكذا فإن الله, إذ ارتضى الخليقة, قيد قدرته الإلهية, إذ قبل أن تجد هذه القدرة لها حدودًا ترسمها محدودية المخلوقات, وهذا ليس تعبيرًا عن ضعف فى الله, كما قد نتصوره, بل عن هذه القدرة المذهلة لديه أن يعلو فوق اقتداره بدل أن يكون أسير هذا الاقتدار. سر الشرّ ( بوجهيه الطبيعى والخلقى ), هذا السرّ الذى لا يمكن لأحد أن يدّعى جلاءه بالكلية إنما جلّ همنا هنا أن نتصدى للتعابير المشوهة عنه, هذا السرّ إنما هو كامن فى ذلك الاحترام, المحيّر لمداركنا, الذى يبديه الله لواقع مخلوقاته المحدود, وفى إحجامه عن أن يغتصبها اغتصابًا.
ولكن الله, لكونه الخير المطلق والمحبة المطلقة, لا يمكنه أن يكون حياديًا حيال الشر الناتج عن محدودية مخلوقاته, كما توحى العبارة القائلة بأنه " يسمح" بهذا الشرّ ...
كلا, فالشر نقيض الله ولا يمكن أن يقف منه الله موقف الحياد, إنه طعنة له فى الصميم ...
والله يعانى من هذه الطعنة ( وإن كانت كيفية هذه المعاناة تفوق مداركنا وتتجاوز تصوراتنا ) كما انكشف لنا فى صليب يسوع المسيح ...
إن ارتضاء الله بأن توجد الخليقة فعلاً لم يكن إذًا قبولاً بحد قدرته الإلهية وحسب, بل كان أيضًا دخولاً بمعاناة هى بمثابة صليب الجلجلة سوى أبلغ ترجمة له فى التاريخ البشرى ...
من هذه الزاوية, ومنها فقط, يمكن أن نفهم مأساة الشرّ الخلقى, أى الخطيئة, على حقيقتها. فقصة الخطيئة ليست قصة عصيان وعقاب, إنها قصة حب مرفوض يعذّب المحبوب والمحبّ معًا. فالموت, بمعناه لا البيولوجى بل الكيانىّ, ليس قصاصًا ينزله الله بالإنسان, بل نتيجة محتومة لاغتراب الإنسان, بالانغلاق والرفض, عمّن هو ينبوع حياته, وضياعه, من جراء ذلك, فى صحراء العزلة والعقم والجفاف والعطش ...
الله, بهذا المعنى, لا يحكم على الإنسان ولا يدينه, إنما الإنسان يحكم على نفسه بالجدب والتلاشى ...
وما أبدية جهنم إلا ترجمة لهذه القدرة الرهيبة التى خُوّل الإنسان إياها, بأن يقول, إذا شاء ( ولكن هل يشاء؟ ), " لا" لله إلى الأبد, تلك القدرة التى هى الوجه الآخر, المظلم, لقدرته على أن يستجيب بحرية لنداء الحب الذى يخاطب به الله قلبه, فيسعد بلقائه إلى الأبد ...
فلا بدّ للحرية المخلوقة من أن يكون لها هذان الوجهان, والله, إذ ارتضاها, دخل , بسابق علمه المطلق, فى التعرض لرفض المحبوب له, بما يعنيه هذا الرفض من شقاء, لا للإنسان الرافض وحسب, بل لله أيضًا الذى, بما أنه يحب الإنسان أكثر مما يحبّ الإنسان نفسه, يشقى بالتالى لشقائه أكثر مما هو يشقى به ...
لكن الله ليس معاديًا للشر فحسب, إنه مقاوم له أيضًا, هذا ما يشير إليه وجهـا السرّ الفصحىّ: صليب وقيامة ...
إن احتجاب الله الظاهرى عن الخليقة ( كى يدعها تكون, كى لا يذيبها ذاته ) مقرون بحضور خفىّ فى قلبها, حضور لولاه لما كانت أصلاً ولما استمرت فى الوجود...
هذا الحضور ( هذه " الطاقات الإلهية" المنبثّة فى الموجودات ) يوجّه الخليقة بخفر بدل أن يغتصبها اغتصابًا, ويسمو بها تدريجيًا فوق نواقصها وحدودها ...
ولنا فى الخط التصاعدى الذى سلكه تطور المادة والحياة فى الكون رغم عثراته, صورة عن هذا التوجه الإلهى الخفى, الفاعل من خلال نواميس المادة ...
ولنا فى المنجزات التى حققها تدريجيًا الرقىّ الإنسانى عبر آلاف من السنين, فى مجالات تنظيم الطبيعة وتحسينها وتجميلها, ومكافحة المرض والبؤس والظلم, وإحقاق القيم الحضارية من معرفة وفن وعدل وأمن ورفاهية, صورة عن كيفية إكمال الله لعملية الخلق من خلال الإنسان " صورته" , على حد تعبير الكتاب المقدس, " وخليفته", كما ورد فى القرآن...
ولنا فى خطّ الوحى, الذى تُوّج بيسوع المسيح وبالكنيسة التى هى امتداده فى التاريخ, صورة عن تربية الله المتأنية, الصبورة, للإنسان, بغية مساعدته على التحرر من شروره وعلى إحقاق إنسانيته وفق المثال الإلهى ...
ولم يكن موت يسوع المسيح, فى هذا المنظار, وسيلة لإخماد الغضب الإلهى, بل كان تتويجًا لنهج حياة كشفه الله لنا فى إنسانية يسوع المسيح, نهج محرّر من انحرافاتنا المميتة وقادر, إذا ما تمثلناه, أن يعتقنا منها وأن يعيدنا إلى أصالتنا الإنسانية...
هكذا يعانى الله ( على طريقته الإلهية التى تفوق إدراكنا ) ما نعنيه من شرور, ويكافحها معنا بآن. ولأنه يكافحها, فالكلمة الأخيرة لن تكون للشرّ بل له. لأنه وحده حقيقة الوجود, ولأن الشر لا حقيقة كيانية له, بل هو مجرد تزييف للوجود, يحيا منه ويشوهه بآن, كما تستمد الطفيليات حياتها من الكائنات الحية التى تعيش على استغلالها وتدميرها. انتصار الله النهائى على الشر, الذى هو أيضًا انتصار الإنسان, هو ما سوف يتجلى فى " اليوم الأخير", الذى به سيتوّج الله عملية تجديد الكون التى بدأها منذ القديم والتى دُشِّن اكتمالها بقيامة المسيح, وللمؤمنين رجاء, عبّر عنه أبرار كبار فى المسيحية والإسلام, بأن لا يبقى أحد خارج هذا التجديد, وبأن تعود كل حرية منحرفة عن انحرافها وتقبل إلى الله فى مصالحة شاملة يكتمل بها فرح الله بانتصار الحياة فى كل إنسان ...
تلك هى صورة الله التى حاولنا أن بيرزها من خلال صفحات هذا الكتاب. إنها تشكّل لحمته وحصيلته, ونرجو أن تتوضح للقارئ كلما تقدم فى مطالعة هذا المؤلف الذى حاولنا قدر الإمكان أن تأتى لغته خالية من التعقيد ومفهومة من إنسان اليوم. نأمل أن تكون هذه الصورة الإنجيلية مبيدة لأوهام طالما تساورما وتشوه علاقتنا بالله وبالتالى علاقتنا بالناس. نأمل أن تكون نورًا للقلوب والأذهان وسبيلاً إلى ألفة متزايدة مع الإله الذى كشف لنا ذاته بيسوع المسيح, وحافزًا على مزيد من الثقة بأننا محبوبون منه, وبأن حبه هذا أقوى من كل شر, وبأنه عربون لمصير نحظى به بما [ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اَللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ ] [ 1كو 2: 9 ]. إذا قبلنا أن نندرج فى تيار المحبة هذا ونقلنا لإخواتنا ما نتلقاه من حبّ.
المؤلف
طرابلس ـ الميناء(لبنان)فى 30/4/1993م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" هل الشرّ هو نتيجة غياب الخير أم أن الخير والشر وُجدَا فى وقت واحد؟".
خلافًا للمذهب الثنوى الذى يقول بصراع أزلى بين الخير والشر, تؤكد المسيحية أن لا وجود أصيلاً إلا للخير وأن الشرّ ما هو إلا انحراف عن الخير.
1ـ تقديم هذه النظرية:
قوة الشرّ واستفحاله ومقاومته الضارية للخير قد توحى, وقد اوحت فعلاً, بأنه مبدأ أزلى يتصارع مع مبدا أزلى آخر وهو الخير. هذا ما نراه فى مذهب الزراداشتية الذى يقول بتصارع بين إله الخير أورموزد وبين إله الشر اهريمان, كما أننا فى عدة مذاهب " غنوسية" ( مذاهب المعرفة) , كالمانوية وسواها.
2ـ نقد هذه النظرية:
I. أن هذه النظرية, بافتراضها وجود إلهين, تناقض طبيعة الألوهة وتتنكر لها. فالله, إما أن يكون المطلق وملء الوجود ( وهذا ما يقتضيه, من جهة, تعليل توق الإنسان إلى المطلق, ومن جهة ثانية, طبيعة الكائنات التى تحتاج أن تستمدّ وجودها العرضىّ من وجود مطلق ), وبالتالى أن يكون ذاك الذى لا يحدّه أى وجود آخر, أو أن لا يكون.
II. أن هذه النظرية تتجاهل كون الشرّ لا يستمد وجوده إلا من تستره بالخير وتقنعه به. إنه سعى إلى الخير يخطئ المرمى ويضلّ الطريق, فالإنسان, من خلال الشرور التى يرتكبها, يسعى إلى قيم خيّرة بحد ذاتها, كالسعادة والطمأنينة والقوة وتأكيد الذات, أى أنه يسعى إلى تحقيق وجوده على أكمل وجه, ولكنه يضل الطريق إذ يعتقد أن تحقيق وجوده يتم عن طريق التسلط أو الطمع أو الاستغلال أو الاعتداء أو السكر أو الشراهة أو الفسق أو الادمان أو الكسل ... فيما أن كل هذه الممارسات تدمرّ بالفعل إنسانيته وتنتقص بالتالى من وجوده. ليس الشرّ إذًا شيئًا قائمًا بذاته, إنما هو تزييف للخير وانحراف فى طريق السعى إليه.
3ـ من هنا إن الإنسان, إذا اهتدى إلى الخير بعد انصرافه إلى الشرّ, لا يشعر بأنه تغرب عن ذاته أو عن جزء من كيانه, بل أنه حقق اكتمال كيانه واهتدى إلى ذاته الحقيقة التى كانت محتجبة عنه ردحًا من الزمن, وأنه وجد ضالته التى كان عبثًا ينشدها إذ كان يفتش عنها فى غير موضعها, وأنه تحوّل من السراب الخادع إلى الحقيقة التى تروى وحدها عطش كيانه.
ليس من مبدأين للوجود, إنما هناك مبدأ واحد, وهو الله الذى هو بطبيعته ملء الخير والصلاح. فى النظرة الكتاابية, ليس الشيطان صنوًا لله, ليس إلهًا بل مخلوقًا.
الخليقة, من حيث أنها تستمد وجودها من الله, إنما صالحة فى الأساس: [ وَرَأَى اَللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً ] [ تكوين 1: 31 ]. والشيطان نفسه, فى النظرة الكتابية, كان فى الأساس ملاكصا نورانيًا يُدعى " كوكب الصبح". وقد ورد فى سفر الحكمة: [ فَإِنَّك تُحِبّ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ, وَلا تَمْقُتْ شَيْئًا مِمَّا صَنَعْتَ, فَإِنَّك لَوْ أَبْغَضْتَ شيْئًا لِمَا كَوَّنْتَه, وَكَيْفَ يَبْقَى شَئ لَمْ تُرِدْه؟ , أَمْ كَيْفَ يُحْفَظ مَا لَمّ تَدْعُهُ؟ , إِنَّك تُشْفِق على كُلّ شَئّ , لأَنَّ كُلّ شَئْ لَكْ, أَيُّهَا السَيَّدِ المُحِبّ لِلْحَيَاةِ , فَإِنَّ رُوحَكْ غَيْر القَابِلِ لِلْفَسَادِ هُوَ فِى كُلّ شَئّ ] [ سفر الحكمة 11: 23 ـ 26 , 12: 1 ].
وكتب أحد شارحى الكتاب المعاصرين:
" إن المؤلف ( الكهنوتى لرواية الخخليقة ) يردّد كما تردّد لازمة: [وَرَأَى اَللهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ] [ تكوين 1: 10, 13, 21, 18, 25].
ويخلص قائلاً: [ وَرَأَى اَللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً ] [ تكوين 1: 31 ].
ولسوف يجد هذا التفاؤل مقابله عندما سيلاحظ الكاتب نفسه تكاثر الخطايا البشرية : [ وَفَسَدَتِ اَلأَرْضُ أَمَامَ اللهِ وَاِمْتَلأَتِ اَلأَرْضُ ظُلْماً. وَرَأَى اَللهُ اَلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ قَدْ فَسَدَتْ إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى اَلأَرْضِ ] [ تكوين 6: 11, 12 ]. إنما الخليقة, بحد ذاتها, ينبغى أن لا تُصوّر حلبة صراع تتجابه فيها مبادئ متعارضة, صالحة وشريرة. كل أسطورية ثنوية غير واردة, لأن الله لم يعمل إلا ما هو حسن. إن هذه النظرة إلى الأشياء تتعارض مع أسطورة الخلق البابلية وتقف على نقيضها, ويجدر هنا التذكير بأن التاريخ المقدس الكهنوتى كتب أثناء نفى اليهود إلى بابل, كردّ فعل ضد الوثنية المحيطة ...".
فإن كان الله لا يصدر عنه إلا ما هو حسن ...
من أين يأتى الشرّ إذًا؟ ...
الشرّ ناتج من كون الخليقة, وإن كانت تستمد وجودها من الله, متمايزة عن خالقها, ومن كون الخالق يحترم هذا التمايز, هذه الخصوصية التى لولاها لما كانت الخليقة قائمة فعلاً بل تحولت إلى مجرد ظل وامتداد للخالق...
فالله يمدّ الخليقة بالوجود وينسحب منها بآن, كى يتسنى لهذا الوجود أن يقوم بحد ذاته ...
ينسحب منها كما ينسحب البحر لتوجد القارات, يقول أحد اللاهوتيين فى صورة معبرة: " يحتجب ويتوارى كى تقوم لوجود الكون قائمة. يرتضى بالتالى بان يكون لوجود الخلائق نمطه الخاص المتميز عن نمط وجود الخالق. ومن طبيعة هذا النمط الخاص بالخلائق أن يكون عرضة للاضطراب, وبالتالى للشرّ, لأنه بالضبط متمايز عن كمال الخالق.
هذا علمًا بأننا ندرك بالإيمان أن الله يعمل باستمرار فى صميم الخليقة موجهًا إياها نحو أقصى ما يمكن لطبيعتها أن تبلغه من كمال,
إنما عمل الله هذا عمل تدريجى وطويل النفس لآنه يراعى طبيعة الكائنات ولا يغتصبها اغتصابًا ويحرص على أن يصنع الكون نفسه بمعنى من المعانى عبر تطوّر ومخاض,
على منوال المربى الحكيم الذى لا بدّ وأن يراعى تدرّج مراحل المنوّ لدى الذين يرعاهم.
هذا الشرّ الناتج عن تمايز الخليقة, إنما على نوعين, طبيعى وخلقىّ:
ولكن لا يصح أن يُقال أنها من الله تأتى, بل الحق" أنه لا يمكنها أن لا تكون, لأن الكون ليس الله"...
لا بل لا يصح أن يُقال, كما نسمع عادة, بأن " الله يسمح بها", لأن الله, إذا سحق ناموس الكون الأبرياء, لا يتجلى , كما يوضح الفيلسوف الآرثوذكى الكبير نقولا بردياييف, إذ ذاك فى ناموس الكون بل فى آلام الأبرياء...
وقد عرفنا, فى يسوع المسيح, أن الله يعانى معنا, وأكثر منا بكثير, من كل الشر الذى يفتك بالأرض, [ الفيلسوف الكاثوليكى الكبير جاك ماريتان ] , وبأنه هو " حاضر مصلوبًا على كل شر الكون" حسب تعبير أوليفيه كليمان.
يقول اللاهوتى الأرثوذكسى كالّيسوس وار:
{ ... حاصل الكلام, لماذا سمح الله للملائكة والإنسان بأن يخطئوا؟ ... نجيب: لأنه إله محبة, المحبة تعنى المشاركة.المحبة تعنى أيضًا الحرية. الله, وهو ثالوث محبة, كان يرغب بأن يشرك فى حياته أشخاصًا مخلوقين, مصنوعين على صورته, وقادرين أن يجيبوه بحرية عبر علاقة حب. حيثما لا توجد حرية, لا يمكن أن يوجد حب. الإكراه ينفى الحب. وكما كان بول أفدوكيموف يقول: الله يستطيع كل شئ ... إلا إرغامنا على محبته. لذا فإن الله, إذ كان راغبًا فى مقاسمة حبه, لم يخلق كائنات آلية تطيعه آليًا, بل ملائكة وبشرًا زودّهم بالحرية. ومن جراء ذلك عينه, فقد خاض مجازفة, إذ مع هبة الحرية هذه وردت أيضًا إمكانية الخطيئة, ولكن الذى لا يجازف لا يحب فعلاً ...
لولا الحرية, لما كانت خطيئة, ولكن لولا الحرية لما كان الإنسان على صورة الله. لولا الحرية, لما كان الإنسان قادرًا أن يشارك الله فى علاقة حب }.
وقد كتب لاهوتى أرثوذكسى آخر:
{ كما بيّن دوستويفسكى بشكل رائع فى أعماله الروائية, حتى الشرّ الذى نفعله يذيع مجد الله لأنه مؤشر حريتنا التى بتحوّلها المفسد إلى تعسّف, إلى تأكيد متمرد للذات, تقودنا إلى الشرّ. الشر, برأى دوستويفسكى, دليل على أنه يوجد, فى كيان الإنسان الشخصىّ, عمق هو عمق الحرية, عمق يذيع, بصفته هذه, مجد الله }.
أما انحراف الحرية الإنسانية نحو الشرّ, فإنه يتمّ من خلال سعيها إلى خير زائف لأنه جُعِل فى غير موضعه. ويحصل هذا الانحراف بموجب النمطين التاليين, المتكاملين:
فقد يتوقف المرء عند ذاته الراهنة ويضفى على هذه الذات صفة مطلقة ويعتبرها محورًا للوجود. ولكنه, من جراء هذا الموقف, يسئ إلى ذاته معتقدًا أنه يسعى إلى خيرها, وذلك لكونه, بموقف هذا, يحجّمها, يقزّمها, يحكم عليها بالتقوقع وبالتالى بالاختناق, لأنه يحول دون انفتاحها على الآخرين وعلى الآخر المطلق ( أى الله ), ودون اتصالها بهم وانطلاقها من جراء ذلك فى رحاب المشلركة التى لا حياة لها حقيقية بدونها, لأن الإنسان, تحديدًا, هو ذاك الذى يشارك ولا يحقق إنسانيته إلا بالمشاركة. فمن تعبّد لذاته المحدودة يحول دون ولادة ذاته الواسعة, الرحبة, الغنية, المنتعشة, التى لا تتحقق ألا بتجاوز الإنسان لنفسه دون إنقطاع: [ مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا ] [ لوقا 17: 33 ].
هذا التأليه للذات كثيرًا ما يتمّ عن طريق عزل رغبة من الرغائب, وإضفاء صفة الإطلاق عليها على حساب الرغائب الحيوية الأخرى التى يجرى تجاهلها وطمسها, مما يؤدى إلى تعبئة الطاقات كلها لتلبية حاجة جزئية تتضخم بشكل سرطانى فتمتص الحيوية كلها وتحول دون تحقيق متكامل للكيان الإنسانى يحفظ توازنه وانسجامه وياخذ بعين الاعتبار كل أبعاده ومقوماته. هكذا ينقلب الخير المبتور, المحجّم, المنعزل, ذات الأفق الضيق, إلى شرّ.
فالحاجة إلى التملك مشروعة شرط أن تقترن بالسخاء, الذى يلبى حاجة المرء إلى العطاء. والحاجة إلى تأكيد الذات مشروعة شرط أن تقترن بمراعاة ذات الآخر والانفتاح إليها واحترامها ورعايتها, ذلك الآخر الذى احتاج إلى إيلائه أهمية لأنى به وحده اغتنى وبدونه أبقى عل هزالتى. والحاجة الجنسية أمر مشروع شرط أن تقترن بحاجتى, كى أبقى إنسانًا, إلى التوصل مع الآخر بتعهده بالحنا وبالاعتراف بفرادته. فالرغائب الإنسانية تسعى بحد ذاتها إلى غايات خيّرة, إنما تنقلب هذه الغايات إلى شرّ إذا تفرّدت إحدى هذه الرغائب واستقلت , وانعزلت , واستأثرت بطاقات المرء على حساب رغبته المحورية فى تحقيق ذاته على وجه متكامل. هذه الرغائب التى تزيح الرغبة الأساسية لتحتل مكانها هى ما يُسمى بالأهواء.
أ ـ إن الزوّان لا ينبت بشكل مستقل, إنما ينبت على حساب الحنطة, يغتذى مما هو معدّ أصلاً لغذائها. وبعبارة أخرى, إن كيانه طفيلى مستمد من كيان الحنطة ومسلوب منه. هكذا الشرّ لا يقوم إلا على حساب تحويل الطاقات الساعية أصلاً إلى الخير وتحريفها عن مسارها وغايتها.
يقول كاليستوس وار:
{ خلافًا للثنوية بكل إشكالها, تؤكد المسيحية أنه يوجد " خير أسمى" , أى الله نفسه. ولكن لا يوجد, ولا يمكن أن يوجد " شرّ اسمى" , ليس الشر أزليًا مثل الله. فى البدء, لم يكن سوى الله, فكل الموجودات إنما هى خليقته, سواء السماء أوالأرض, سواء الكائنات الروحية أو المادية, بحيث أنها كلها, فى حقيقتها الجوهرية, حسنة.
{ ماذا يسعنا إذًا أن نقول عن الشر؟ ... إذا كانت كل الأشياء المخلوقة حسنة بحد ذاتها, فالخطيئة أو الشرّ ليس " شيئًا" بحد ذاته, ولا كائنًا, ولا جوهرًا موجودًا ... " الخطيئة عدم", يقول لنا القديس أوغسطينوس:" الشرّ بحصر المعنى, ليس جوهرًا, إنه غياب الخير, كما أن الظلمات هى غياب النور".
{ ويؤكد القديس غريغويوس النيصصى أنه : لايوجد شرّ خارج خيار, شر يمكن رؤيته بقوامه الذاتى فى طبيعة البشر.
{ الشياطين هى أيضًا ليست بطبيعتها شريرة, كتب القديس مكسيموس المعترف, ولكنها صارت هكذا باستعمالها الردئ لملكاتها الطبيعة".
{ الشر هو دائمًا طفيلى. إنه ينتج عن تشويه شئ حسن فى منطلقه وعن إساءة استعماله. الشر يكمن لا فى الشئ نفسه, وإنما فى موقفنا حيال هذا الشئ, فى إرادتنا.
{ وقد يُعتقد أن وصف الشرّ على أنه " نقص", هو قلة تقدير لقوته وديناميته. ولكن ك.س.لويس يلفتنا إلى أن " اللا شئ قوى جدًا". القول بأن الشرّ انحراف للخير وأنه إذًا, فى آخر المطاف, وهم ولا حقيقة, ليس إنكارًا لسلطانه القوىّ علينا. ذلك أن ما من قوة فى الخليقة أعظم من قوة الخيار الحر الذى يمنحنا وعيًا وقدرة على الفهم الروحى. لذا فإن سوء استعمال هذا الخيار الحرّ يمكن أن تكون له نتائج مرعبة }. [ كاتب روحىّ انكليكانىّ 1898 ـ 1963 ].
إن هذا التلازم الوثيق بين الخير والشر فى الحياة الإنسانية يدعو إلى كثير من الحكمة والحذر, كما يشير المثل الإنجيلى الذى نحن بصدده, بتحذيره من اقتلاع الزوان قبل الأوان المناسب لئلا يُقتلع القمح معه [ متى 13: 28, 329 ].
والحكمة المطلوبة فى هذا المجال ( وهو المشار إليها فى التراث بموهبة " تمييز الأرواح" ) لها وجهان متكاملان:
· التنبه إلى الشرّ الذى قد يتستر وراء خير ظاهرىّ
فمن جهة ينبغى أن نتنبه إلى أن الشر قد يتستر وراء سلوك خيّر بظاهره. فالتقوى قد تُبطن التكبر والاستعلاء ( تلك هى التقوى الفريسية ). والإيمان قد يضمر التعصب وما يتضمنه هذا التعصب من خوف وكراهية وإدعاء احواء الله وتملك الحقيقة. والطاعة والتواضع قد يُتخذان ذريعة للجثبن وستارًا للتهرب من المواجهة ومن تحمّل عبء المسؤلية. والعفة قد تخفى خوفًا من الحياة ومحاولة لاستبعاد الآخر والاكتفاء بالذات. وهلم جرا.
· التنبه إلى الطاقات الخيّرة الموظفة فى الشر:
بالمقابل, ينبغى أن ندرك ـ كما يدعونا المثل الإنجيلى بشكل مباشر ـ أن السلوك المنحرف نفسه يوظف طاقات إيجابية ينبغى تحريرها من انحرافها وتوجيهها فى طريق الخير والبنيان, وأن نظرة سلبية بحتة إلى ذلك السلوك من شانها أن ترسخه فى سوئه وأن تعقّم طاقات الخير الكامنة فبه ( أى أنها تقتلع القمح مع الزوّان ), بينما النظرة المترفقة دون تساهل, والمتفهمة دون تواطؤ, والعامرة بالرجاء, كنظرة يسوع إلى الخطأة ( راجع مثلاً نظرته إلى زكا العشار: [ لوقا 19: 5 ] ), من شأنها أن توقظ وتحرر فى المرء أصالته السليبة وأن تحوّل فيه مجرى الطاقات المنحرفة وتعيدها إلى جادة الصواب وسبيل الحياة الحقة.
وقد يكون الإنسان الذى اندفع بكليته فى سبيل غرض منحرف, وجارف فى سبيله, أقرب إلى الخلاص من " الآدمى" الذى همّم الأول تجنب المشاكل واسترضاء الناس وتحاشى انتقاداتهم والمحافظة على سمعته بينهم:
[مَاذَا تَظُنُّونَ؟ كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ فَجَاءَ إِلَى الأَوَّلِ وَقَالَ: يَا ابْنِي اذْهَبِ الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي. فَأَجَابَ: مَا أُرِيدُ. وَلَكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيراً وَمَضَى. وَجَاءَ إِلَى الثَّانِي وَقَالَ كَذَلِكَ. فَأَجَابَ: هَا أَنَا يَا سَيِّدُ. وَلَمْ يَمْضِ. فَأَيُّ الاِثْنَيْنِ عَمِلَ إِرَادَةَ الأَبِ؟ } قَالُوا لَهُ: { الأَوَّلُ }. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ ][ متى 21: 28 ـ 32 ].
[أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِداً وَلاَ حَارّاً. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِداً أَوْ حَارّاً. هَكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِداً وَلاَ حَارّاً، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي ] [ رؤيا 3: 15, 16 ].
قد يكون المسترسل فى حب فاسق أقرب إلى الله من ذاك الذى يحتمى ببخل من الحب محافظة على طمأنينته فيحيا فى الإكتفائية وجفاف القلب وعقمه. وقد يحوّل الأول, إذا اهتدى, زخم حبه المنحرف إلى توغّل فى أعماق المحبة الخالصة وفى دروب القداسة ( كما حصل للبارة مريم المصرية ).
وقد كتب القديس يوحنا السلّمى بهذا الصدد:
{ رأيت نفوسًا نجسة هائمة هيامًا شديدًا بعشق الأجسام. ولما أخذت تحفظ التوبة استفادت من تجربة العشق إذ نقلت غرامها على الرب وعلت فوق كل خوف وذاقت حب الله ذوقًا لا يشبع. ولهذا لم يقل ربنا للزانية أنك خشيت كثيرًا بل أحببت كثيرًا. وهكذا تمكنت أن تدفع عشقًا بعشق }.
من هنا أننا, فى التربية, ينبغى أن نواجه خطر الانحرافات, بالتوجه البنّاء لا بالموقف القمعّ. فالميل الجنسى البارز قد يؤول, إذا كُبت بفعل القمع, إلى شحّ فى العاطفة وقسوة القلب, أما إذا وُجه بشكل إيجابى بفعل المناخ الذى يوجده المربى بكلامه ومواقفه, فمن شانه أن يتسامى فيغذى طاقة الحب على اختلاف وجوهها. كذلك فالميل العدوانى البارز ( لدى ولد مشاكس مثلاً ) قد يؤدى, إذا كُبت بفعل تربية قمعية, إلى نشوء شخصية مراوغة ترضخ للقوة وتستأسد بالمقابل على الضعفاء ...
أما إذا وُجّه بالتى هى أحسن, فمن شأنه أن يساعد على تكوين شخصية مستقلة مقدامة لا تخشى النضال فى سبيل قناعاتها, والتصدى للظلم بغية تحرير الضعفاء منه, والشهادة لما تراه حقًا وعدلاً.
هكذا نرى أن الشر, على فداحة واقعه المدمرّ, ليس جوهريًا...
إنه نتيجة غياب الخير ... كما ورد فى نص السؤال الذى انطلقنا منه ..
إنه, فى ىخر المطاف, مجرد كيان طفيلى يعطّل الخير ويشوهه وينحرف به عن مساره ...
ولكنه لا يحيا إلا من زخمه ....
هذه الرؤية تتطلب منا يقظة حادة وحذرًا وتمييزًا ...
ولكنها تدعونا بآن إلى تغليب الإيجابية والرجاء فى موقفنا من أنفسنا ومن الآخرين ...
الأرواح الشريرة
من هو الشيطان؟ هل هو الأعمال الشريرة؟ كما يُقال لنا؟ أو هل هناك وجود له؟...
النزعة الحاضرة إلى إنكار الشيطان:
1ـ فى الماضى كان البشر يميلون إلى رؤية
الشيطان فى كل شاردة وواردة, وأن ينسبوا إلى عمله المباشر كل شرّ ومرض وويل. أما
اليوم, وقد شاعت ذهنية جديدة تتّسم بالتنقيب عن الأسباب الطبيعية لمختلف الظواهر,
وازداد من جرّاء ذلك تحكّم الإنسان فى سياق الطبيعة والحياة, فقد تفشّت نزعة مضادة
إلى إنكار وجود الشيطان, بحيث يُنْسب إلى أسباب طبيعة أو خلقية كل ما كان سابقًا
ينسب إليه...
2ـ النزعة هذه
منتشرة حتى بين المسيحيين. ولكنها تصطدم بتأكيدات المسيح الصريحة...
فيسوع قد واجه
شخصيًا الشيطان طيلة رسالته...
صحيح أنه, كإنسان
بالفعل لا بالظاهر وحسب, تبنّى تصورات عصره من حيث نسبة الأمراض, والنفسية منها
بنوع خاص, إلى الأرواح الشريرة...
ولكن الأمر يذهب
عنده على أعمق وأبعد من هذا...
فقد اختبر الشيطان خصمًا قويًا وعنيدًا
لخطة الله من أجل إحياء الإنسان وتحريره, واختبر سلطانه الرهيب على البشر وسماه
[
رَئِيسَ هَذَا
الْعَالَمِ
]
[ يوحنا 14:
30 ], واختبر رسالته على أنها تدمير
مملكة الشيطان لإقامة ملكوت الله على أنقاضها...
لقد خاض يسوع ضراوة
هذا الصراع حتى النهاية, حتى ساعة الظلمة :
[
إِذْ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ فِي اَلْهَيْكَلِ لَمْ تَمُدُّوا عَلَيَّ
اَلأَيَادِيَ.وَلَكِنَّ
هَذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ اَلظُّلْمَةِ
]
[ لوقا 22: 53 ]
حيث تمكن الشرير فى الظاهر من القضاء عليه عن طريق مؤامرة رؤساء شعبه, ولكن
انتصاره الظاهرى انقلب عليه وتحوّل بالقيامة إلى شر هزيمة له ...
لأن المسيح بالموت
وطئ الشر والموت ودخل إلى عقر دار العدوّ ليفجرها من الداخل...
[
يَسُوعُ
النَّاصِرِيُّ
رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ
اللهِ
بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا
اللهُ
بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ. هَذَا أَخَذْتُمُوهُ
مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ
اللهِ
الْمَحْتُومَةِ
وَعِلْمِهِ
السَّابِقِ
وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.
اَلَّذِي أَقَامَهُ
اللهُ
نَاقِضاً أَوْجَاعَ
الْمَوْتِ
إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ.
لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى
الرَّبَّ
أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ. لِذَلِكَ
سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى
رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي
الْهَاوِيَةِ
وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ
الْحَيَاةِ
وَسَتَمْلأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ
]
[ أعمال
الرسل 2: 22 ـ 28 ].
هذا وإن كبار الروحانيين الذين ساروا فى
أثر يسوع المسيح, شاركوه فى اختباره هذا...
من الرسول بولس الذى كتب:
[
الْبَسُوا سِلاَحَ
اَللهِ
الْكَامِلَ
لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ
مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ
مَعَ
الرُّؤَسَاءِ،
مَعَ
السَّلاَطِينِ،
مَعَ وُلاَةِ
الْعَالَمِ،
عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا
الدَّهْرِ،
مَعَ أَجْنَادِ
الشَّرِّ
الرُّوحِيَّةِ
فِي
السَّمَاوِيَّاتِ]
[ أفسس 6: 11, 12 ]
...
إلى أنطونيوس الكبير الذى صمد ضد تجارب
شيطانية مريعة داهمته ... إلى الفيلسوف الأورثوذكسى الوجودى الكبير نقولا بردياييف
الذى سمعت المطران جورج خضر ينقل عنه, وقد عرفه شخصيًا أثناء دراسته فى المعهد
اللاهوتى الأرثوذكسى فى باريس, أنه يقول أنه اختبر شخصيًا وجود الشيطان.
إن يسوع المسيح, الذى من فيض خبرته
الروحية ـ التى لا مثيل لها ـ نغتذى كلنا, واتباع يسوع المسيح هؤلاء, هم مرجعنا فى
تأكيد وجود الشيطان. إننا على خبرتهم نستند لتأكيد ما قد لا يكون, فى خبرتنا نحن,
واضحًا بهذا المقدار. فكما أننى أصدق بوجود القطبين لأن هناك أناسًا موثوقين
استكشفوهما وتحدثوا عنهما, كذلك أسلّم بوجود ذلك الكيان العظيم, المتميز عن البشر,
لأن يسوع المسيح وتلاميذه استكشفوا ذلك الكيان ودفعوا الثمن غاليًا...
3ـ
أما نحن, عامة المسيحيين, فقد لا يُتاح لنا أن نواجه الشيطان شخصيًا, سافر الوجه
إذا صح التعبير, ولكن بوسعنا أن نستدل إلى وجوده بالقرائن التالية ( التى ليست
بالبراهين بالمعنى الدقيق بل قرائن لا يُستهان بها ):
فالإنسان, الذى لم يستطع حتى الآن ـ
وربما لن يستطيع أبدًا ـ أن يصنع ولو خلية حية واحدة, بلغ, من حيث قدرته على القتل
والتدمير, شأوًا مرعبًا, تشهد عليه مثلاً فظائع الحرب العالمية الثانية حيث قُتل
حوالى أربعون مليونًا من البشر, ومخازى معسكرات الاعتقال النازية والستالينية التى
شهدت تفننًا مرعبًا فى أساليب الاذلال والتعذيب والإبادة الجماعية, كما تشهد عليه
القوة التميرية الهائلة التى تمتلكها الأسلحة الحديثة التى يصنعها البشر, من
السيارات المفخخة التى تحصد الأبرياء بالعشرات, إلى الأسلحة النووية التى يبلغ
مخزنها ما يعادل قوة أكثر من مليون قنبلة من التى دمرت هيروشيما, وما بوسعه أن يزيل
من الوجود حوالى 140 مليار إنسان أى ما يوازى عدد سكان الأرض 35 مرة.
إن التفاوت الشائع بين هشاشة الإنسان
وسرعة عطبه من جهة, وبين قدرته المرعبة على التدمير من جهة أخرى, لمؤشر يستدل منه
إلى وجود قوة تفوق الإنسان تمدّه بطاقة تدميرية تتجاوز حدود قدراته التلقائية.
فكما أن الإنسان, عندما يبدى إنجازات
سامية من المعرفة والابداع والبطولة والقداسة, إنما يرتفع فوق ذاته بفعل قدرة إلهية
تحمله وتجنحه, هكذا فإنه لالأعمال لمتوغلة فى الشر والدمار, يذهب أيضًا إلى أبعد من
ذاته إنما فى إتجاه الظلمة والموت, بقعل قدرة شريرة خارقة تدفعه فى سبيل الهلاك
هذا...
فكثيرًا ما تتجاوز تصرفات الإنسان, من
حيث فداحة نتائجها البشعة والمدمرة, مقاصده الواعية, فيفاجأ بما جلبه على نفسه وعلى
سواه من شرّ وشقاء ولم يكن ليفطن أن تصرفه سوف يقود إليهما...
وكأن هناك قوة شريرة تسخر منه وتمعن فى
تضخيم مساوئ سلوكه وتدفع به إلى حيث لم يكن يريد أن يذهب. فالذين قتلوا المسيح لم
يكونوا مجرمين محترفين بل أناسًا متديّنين كانوا يعتقدون أنهم, بفعلهم هذا, إنما "
يقدمون عبادة لله", ولكن عمى قلوبهم وتحجّرها أسلماهم إلى قوى الظلمة التى سخّرتهم
فى تنفيذ مآربها, فتحققت فيهم كلمة السيد المسيح فى صلاته من أجلهم على الصليب:
[
فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ
اِغْفِرْ
لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ
]
[ لوقا 23: 34 ].
والحياة الحاضرة تقدم العديد من الأمثلة
فى هذا المجال...
خذوا مثلاً هذين الزوجين اللذين يحوّلان
زواجهما إلى جحيم فى حين أن كلاً منهما كان يرغب بالسعادة لنفسه ولشريكه, أو هذين
الوالدين اللذين يحطمان شخصية ولدهما فى حين أنهما كانا يرغبان فى توفير ما يعود
إلى خيره ومصلحته...
أم خذوا, على الصعيد الجماعى, السلوك و
التعصب الطائفى وحجم الخراب الذى يحلّ بالجميع وينقلب على الطوائف كلها, فى حين أن
المقصود قد يكون مجرد مزيد من تأكيدات الذات فرديًا وجماعيًا على حساب الآخرين
وجماعاتهم؟...
هذا التفاوت بين القصد والنتائج له
بالطبع أسباب طبيعية, ومنها مثلاً اللاوعى وما يحمله من " شهوة التدمير". ولكن هذه
الأسباب, على أهميتها, لا تضع حدًّا للتساؤل. إذ من حقّنا أن نسال مثلاً ما الذى
يعطى " شهوة التدمير" تلك الفعالية الرهيبة ...
فإذا كانت تجربة السيد المسيح وكبار
أتباعه, وما نستدلّه نحن من خبرتنا الذاتية وخبرة من حولنا ومعاناة التاريخ, إذا
كان ذلك كله يشير إلى وجود فعلىّ للشيطان ككائن قائم بذاته, لا كمجرد تسمية رمزية
لأعمالنا ودوافعنا الشريرة, فمن يكون هذا الكائن وما هى هويته؟.
عبارة " شيطان" تعنى فى أصلها العبرانى
" خصمًا" ...
وهى اسم جنس يتّخذ أحيانًا اسم علم يُطلق على قدرة شريرة متمرّدة على الله ومبغضة
له, تسعى , مدفوعة بهذه الكراهية, إلى إيذاء الإنسان كونه على صورة الله, وإلى
تشويه تلك الصورة فيه, مما يؤدى إلى تدمير إنسانيته ...
إن كلمة
DIABOLLEIN
باليونانية, تعنى " ألقى هنا وهناك" , " فَرَّقَ".
الشيطان هو المُفرّق ...
عندما يسأل أولادنا: هل الشيطان
موجود؟...
ربما باستطاعتنا أن نجيبهم على الوجه
التالى: إذا كنت تتحدث عن وحش له قرون وذنب مفلوق, فأعتقد جيدًا أنه لا يوجد إلا فى
الصور...
وإذا كنت تتحدث عن رغبتك فى صنع الشر,
وعن اللذة التى تجدها فى ذلك, فهذا موجود....
هل هذا أنت وحدك؟ ...
أم أنه موحى لك من قوة موجودة خارجًا
عنك؟ ...
الناحية الشريرة التى تحسّها فى كيانك,
وما تشعره من رداءة فى نفسك .... هل يأتى ذلك من أرواح شريرة؟ ...
كثيرون يعتقدون فى ذلك ...
على كل حال, فأنت غاضب ضد ذاتك, ناقم
عليها, أنت منقسم, مُقرّق ...
هذا الانقسام إنما هو ما أسميه أنا
شيطانًا ...
لأن الشيطان عبارة أخرى للدلالة على
الانقسام.
ليس الشيطان كائنًا أبديًا وإلهيًا...
كإله الشر فى الدين الفارسىّ القديم
الذى كان يتصوّر مبدأين إلهيين متصارعين منذ الأزل, مبدأ الخير والنور ( أورموزد )
ومبدأ الشر والظلمة ( أهريمان ) ...
الكتاب المقدس لا يقر هذه الثنوية لأنه يؤكد وحدانية الله ...
الشيطان, فى التراث الكتابى, مخلوق لا
جسد له ...
كان فى الأصل صالحًا نورانيًا ( لأن
خلقة الله صالحة بجملتها ) ...
ولكنه شاء أن يكتفى بذاته فى محاولة منه
بأن يصبح معادلاً لله كما تصوره ...
[
كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ اَلسَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ بِنْتَ اَلصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ
إِلَى اَلأَرْضِ يَا قَاهِرَ اَلأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ
إِلَى اَلسَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اَللَّهِ وَأَجْلِسُ
عَلَى جَبَلِ اَلاِجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي اَلشِّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ
مُرْتَفَعَاتِ اَلسَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ اَلْعَلِيِّ. لَكِنَّكَ اِنْحَدَرْتَ
إِلَى اَلْهَاوِيَةِ إِلَى أَسَافِلِ اَلْجُبِّ
]
[ أشعياء 14: 12 ـ 15].
فانفصل من جراء ذلك عن النور الإلهى,
وأصبح ساقطًا ومظلمًا ...
خصائص الشيطان عبر عنها اليسد المسيح
بقوله:
[
أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ
تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ
الْبَدْءِ
وَلَمْ يَثْبُتْ فِي
الْحَقِّ
لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ
مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو
الْكَذَّابِ
]
[ يوحنا 8: 44 ].
يتضح إذًا من هذا القول أن الشيطان "
كذاب" وأنه "
مهلك".
أ ـ
كذاب:
إنه كذّاب لأنه يحاول أن يفتن البشر
بتقليده لله ( كونه يدرك أن قلوبهم فى الأساس توّاقه إليه, تفتش عنه ) تقليدًا
ممسوخًا ( ربما أتى من هنا هذا التقليد الشعبى الذى يجعل ترادفًا بين الشيطان و "
القرد", ذلك المخلوق الذى يبدو وكأنه صورة ممسوخة عن الإنسان ), أى بإتخاذه مظاهر
الحق والخير والجمال التى هى سمات الله...
فالشيطان يتراءى للناس بأبعد ما يكون عن
المظهر المنفّر الذى يصوّر به عادة ( السواد والقرون والذنب ), إنما نكون أقرب
بكثير إلى الواقع لو صورناه بمظهر " الجنتلمان" المتأنق, المتأدب المظهر, الحسن
المعشر, ذات الحديث الجذاب, الذى لا تنكشف حقيقته إلا لذاك الذى استطاع أن يلحظ ذلك
البريق الخبيث المقلق الذى يلتمع فى عينيه بين الفنية والفنية.
فى إفتتاحية لصحيفة "
لموند دبلوماتيك"
يبين المعلق السياسى الكبير كلود جوليان أن المجال الذى يسود فيه الشيطان حقًا ليس
مجال التجديف الفاقع الذى يتجلى فى روايات وأفلام تثير غضب المتديننين, إنما هو
صقيع مملكة المال التى يضحى فى سبيلها بحياة جماهير من البشر وكرامتهم: "
... يمكن الاعتقاد أن الشيطان جعل نفسه صاحب
مصرف. إنه يغالى فى المجاملة ويعرف كيف يراقب نزواته ويتحاشى جدًا التجديف. على قطع
نقده وأوراقه المالية, يكتب باحترام "
بالله نثق"
... " أنا البرد عينه"
يقول هذا الشيطان الغريب . هذا العالم المصقع, حيث حرارة الإخاء تتراجع أمام جنون
التملك ".
فالشيطان بارع, كما يشير
الرسول بولس, إلى التستر بزى
ملاك نور.
[
وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ اَلشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ
مَلاَكِ نُورٍ!
]
[ كورونثوس الثانية 11: 14 ]
, إنه يتقن إخفاء قباحته وراء ستار برّاق
من الوعود المضللة, وعود بالحياة والحرية والعظمة والمعرفة والجمال والسعادة ...
إنه مثلاً وراء أحابيل المجتمع الاستهلاكى الذى يغرى الملايين من البشر باللهاث
وراء اقتناء سلعه المتجددة أبدًا, سعيًا وراء سراب سعادة يوهمهم بأنها تكمن فى تلك
الأشياء, فيضيعون العمر فى الجرى وراء هدف يتوارى عنهم باستمرار مخلفًا فى نفوسهم
خيبة واحباطًا دائمين...
وهو كذلك وراء الدعايات الطائفية التى
تلوّح للناس بالعظمة والسمو فى حين أنها تقودهم إلى الهمجية والتهلكة, وتتسربل
ببريق التدين فيما هى بالحقيقة أدهى أشكال الكفر...
وهو أيضًا وراء المخدرات وما تعد به
المدمنين عليها من احلام فردوسية سرعان ما تتحوّل إلى كوابيس ...
لا بل إنه يبرع فى حمل البشر إلى إسقاط
صورته البشعة على خصومهم ليحوّل أبصارهم عن الشر الذى فيهم ويمنحهم ذريعة لتبرير
أشنع الأعمال يرتكبونها بحق هؤلاء الخصوم الذين سُوّدت صفحتهم إلى حد انهم لم
يعودوا يظهرون وكأنهم بشر بل وكأنهم الشر المجسّد, مما يعطى المبرر لإبادتهم شر
إبادة...
هكذا فالعديد من الأصوليين اليوم, من
مختلف الأديان والأيديولوجيات, يرون فى الطرف الآخر معسكر الشيطان (
" إمبراطورية الشر", حسب التعبير الشائع
للرئيس ريجان ) الذى تُعتبر كل
وسيلة لإبادته مشروعة ومبررة ( حتى
إذا كانت حربًا نووية, كما يعتقد العديد من الأصوليين الإنجيليين فى الولايات
المتحدة, أو كانت أعمالاً إرهابية لا إنسانية كما يعتقد غيرهم ...
). فى هذ الحالات يبلغ خداع الشيطان أوجه إذ أنه يحقق انتصارًا ساحقًا فى الوقت
الذى يعتقد فيه الفريق المتشنّج أنه قضى عليه بتصفية الخصوم, ينتصر بهم فيما
يتوهمون أنهم انتصروا عليه...
ب ـ مهلك
ولكن مَنّ اِنقاد لغواية الشيطان فسعى
إلى ما زَيّن له على انه نور وحق وعظمة وحرية وسعادة وسموّ ..., إنما يكون قد
استجاب فعلاً لنداء الفراغ والعدم... إن الإنسان الفرد أو الجماعة الإنسانية اللذين
ينقادان لهذه الغواية يسيران على درب تدمير الإنسانية فيهما وفى الآخرين , لا يل
كثيرًا ما يندفعان فى طريق الفناء الجسدى, فرديًا أو جماعيًا, ويحملان الفناء عينه
للآخرين...
فى ضوء ما سبق, يمكننا أن نرسم, على ما
أرى, معالم موقف من الشيطان يستجيب لمطالب الإيمان والعقل...
فهناك أولاً فخان يقتضى الاحتراس من
السقوط فى أحدهما. فمن جهة ينبغى أن لا نضخم أهمية دور الشيطان, ومن جهة أخرى أن لا
نستهتر بوجوده.
أ ـ أن لا نُضَخّم دور الشيطان:
*** علينا أن لا نتخذ من الشيطان ذريعة
لنستعفى من التفتيش عن الأسباب الفردية والاجتماعية التى تؤدى إلى الشر والبؤس:
فالطب النفسى, مثلاً, لم يتسنّ له أن
ينطلق إلا عندما بدأ الناس يتخلون عن تعليل الاضطرابات النفسية والعقلية بتأثير
مباشر للشيطان ( فى حين أن هذا التعليل كان يعيق اكتشاف الآسباب العضوية والنفسية
للمرض النفسى أو العقلى, لا بل كان يبرّر فى احيان كثيرة المعاملة اللا إنسانية
للمريض بضربه وتعذيبه, مما كان يشكل انتصارًا فعليًا للشيطان بحجة ردعه وقمعه! )...
كذلك فإنه من الجهل والتقصير بمكان أن
نكتفى بأن ننسب احتدام الخلاف الزوجى إلى الشيطان, فنطلب من الزوجين أن " يلعنا
الشيطان", وكأن بذلك يكون الحلّ الشافى لمشكلتهما, فى حين أنه ينبغى تقصّى الأسباب
اللا واعية للخلاف ومساعدة الطرفين على مواجهتها, عبر إنشاء مراكز متخصصة للارشاد
الزوجى مثلاً...
فى مجال آخر لا يصح بحال من الأحوال أن
يغنينا إيماننا بدور الشيطان فى إذكاء الصراعات الطائفية إلى حد الجنون المدمر, عن
تحليل أسباب هذه الصراعات على الصعيدين النفسى والاجتماعى ....
*** علينا كذلك أن لا نتّخذ من الشيطان
ذريعة لنتهرب من مواجهة مسؤولياتنا الشخصية فى ما نرتكبه من آثام وما نقع فيه من
اخطاء, وأن نحترس من نزعتنا إلى أن نُسْقِط عليه نزواتنا المكبوتة:
فالسواد الذى يصوّر به الشيطان إنما
يعبر أيضًا عن الناحية التى لا نجرؤ على مواجهتها فى شخصيتنا فتشكل فيها منطقة
مظلمة يطلق عليها المحلل النفسى " يونج" تسمية " الظـلّ ", ويسهل بالتالى إسقاطها
على كائنات أخرى وكأنها ليست لنا.
هذا الاسقاط على الشيطان لذواتنا المكبوتة
يؤول إلى الإمعان فى كبتها أى فى استبعادها عن مركز شخصيتنا,
ويحُول بالتالى دون إمكانية ضبطها الواعى,
كما أنه يعيق توجهها وتهذيبها والتسامى بها...
*** هكذا فإننا, إذا اتخذنا الشيطان
حُجّة للتهرب من تحليل الأسباب الطبيعية للشر أو من مواجهة مسؤوليتنا وخفايانا,
فإننا نكون بالفعل قد دخلنا فى لعبته وحققنا مآربه:
لأننا عند ذلك نستقـل من مواجهة الشر
على قدر طاقتنا بحجة أن الأمر يتجاوزنا, فنصبح بذلك لقمة سائغة للشر كا يريد لنا
الشيطان أن نكون...
*** لقد أكد الروحيون مرارًا أن الشيطان
لا قدرة له علينا إن لم نتواطأ نحن معه ونسلمه زمام أمرنا:
ويحضرنى هنا تشبيه قد يكون معبرًا عمّا
نحن بصدده. فالصر لوحده لا يمثل شيئًا, إنه عدم مطلق. ولكننى إذا وضعت رقمًا عن
يساره, فهو يعطى هذا الرقم عشرة أضعاف قيمته...
هكذا فالشيطان عاجز حيالى
إن لم أ قدم لمسعاه الخبيث مساهمة
يتلقفها فيضاعف أثرها المؤذى فى حياتى وحياة من حولى
...
ب ـ أن لا نستهتر بهذا الدور:
هذا المثل الأخير, إن عنى شيئًا, فهو
يعنى أنه يقتضى , إلى جانب الاحتراس من تضخيم دور الشيطان, عدم الانقياد إلى
الاستهتار بهذا الدور, لأن المرء, إن فعل, جعل نفسه فى وضع من الأمن الزائف الذى
يتيح للشيطان مجالاً أكبر للعمل...
فتجاهُل الخطر يحول دون اتخاذ
الاحتياطات اللازمة لدرئه ومقاومته....
من هنا صحة قول أحدهم بأن:
أعظم انتصار أحرزه الشيطان فى عصرنا هو أنه قد جعل الناس يتناسون وجوده
...
الموقف الحكيم هو الذى يتجنب كلاً من
المقلبين السابقين ويتجلى بيقظة واثقة:
أ ـ يقظة:
فاليقظة واجبة لأن ضعفاتنا الفردية
والجماعية إنما هى الثغرة التى يمكن للشيطان أن يتسلل منها فيضاعف, بشكل مرعب
أحيانًا آثارها ونتائجها...
ب ـ واثقة:
ولكن اليقظة هذه بعيدة عن الارتباك
والخوف. إنها يقظة واثقة, وذلك:
لأن الكتاب المقدس يؤكد لنا أن الله لا
يسمح بان نُجرّب فوق طاقتنا:
[
لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اَللهَ أَمِينٌ اَلَّذِي
لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ
اَلتَّجْرِبَةِ أَيْضاً اَلْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا].
[ كورونثوس الأولى 10: 13 ].
ولأن المسيح حقّق, بحياته وموته
وقيامته, غلبة حاسمة ونهائية على الشيطان:
[
فَلأَنَّ رَئِيسَ هَذَا
الْعَالَمِ
قَدْ دِينَ]
[ يوحنا 16: 11].
[
فَقَالَ لَهُمْ: رَأَيْتُ
رلشَّيْطَانَ
سَاقِطاً مِثْلَ
الْبَرْقِ
مِنَ
السَّمَاءِ.
هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَاناً لِتَدُوسُوا
الْحَيَّاتِ
وَالْعَقَارِبَ
وَكُلَّ قُوَّةِ
الْعَدُّوِ
وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ
]
[ لوقا 10: 18, 19 ].
إن الشيطان قد هُزم وكُسرت شوكته, ولو
كانت انتفاضته الأخيرة لا تزال مرعبة ...
ينبغى أن لا ندع فكرة الشيطان تستحوذ علينا...
إن من كان مأخوذًا بمحبة الله له ومشغولاً بخدمة الله لا يكاد يجد الوقت ليفكر بـ
"
الخصم"
...
ولكنه, إلى ذلك, يعرف أنه, على حدود منطقة النور التى فيها يحيا ويتحرك,
تتربّص قوة مظلمة ينبغى درء هجماتها الدائمة الاحتمال...
وينبغى, أكثر من ذلك,
الجهاد لإرغامها على التراجع كى تتسع باستمرار فينا
, وفى الكون قاطبة, بتعاوننا مع قوة الله الظافرة,
رقعة الملكوت النورانى...
***************
الأرواح هل يمكن أن تسيطر على الإنسان؟...
السؤال يرتبط على الأرجح بموضوع احتمال
وجود علاقة بين الأرواح الشريرة وبين ما يحصل للإنسان أحيانًا من اضطراب شديد على
الصعيد العقلى والنفسى...
من هنا رأينا أن نبدا بلمحة تاريخية عن
تطوّر مفهوم الأمراض العقلية عبر الأجيال...
ثن أن ننتقل إلى موقف يسوع المسيح من
المرض العقلى كما نستشفه من الإنجيل ...
وصولاً إلى تحديد سمات لموقفنا اليوم
كمؤمنين مستفيدين من مكتسبات تقدم البشرية ...
وجد البشر أنفسهم منذ القديم أمام أعراض
المرض العقلى المتنوعة والمتفاوتة الخطورة, من عُصاب يُفقد المرء توازنه دون أن
يقصيه بالكلية عن متطلبات الحياة العائلية والاجتماعية والمهنية ...
وذُهان ينفيه تمامًا عن عالم الواقع
ومقتضياته ويسجنه فى عالم خاص به مغرق فى الأوهام...
وقد لاحظوا كيف أن المريض, فى كل هذه
الحالات, يفقد, وإن بدرجات متفاوتة, القدرة على التحكم بتصرفاته وفقًا لما يقتضيه
العقل والأعراف ولما يتناسب مع مصلحته وسلامته ومصلحة أقرب الناس إليه وسلامتهم,
إلى حدّ أنه قد يُقدم على إيذاء نفسه أو حتى قتلها أو الاعتداء على أقرب الناس إليه
...
كان لا بد
للبشر, بفضل الملكية العقلية التى يتميزون بها, أن يتساءلوا عن علة هذه الظواهر
الغريبة المقلقة...
وبم أنهم,
قبل القرن التاسع عشر , لم يكونا قد توصلوا بعد إلى معرفة أسباب المرض, من عضوية
ونفسانية, التى تكمن وراء هذه الاضطرابات, وبما أنه كان لا بد لهم من إيجاد تفسير
لها يشبع فضولهم ويخفّف من حدّة قلقهم ويسمح لهم بالتعامل معها بشكل محدّد منهجى,
فقد نسبوها إلى أرواح شريرة قالوا أنها تتسلط على المريض فتخرجه من طوره وتسيّره
وفقًا لمشيئتها الخبيثة التى تتناقض بالطبع كليًا مع حاجاته وسلامته وكرامته, بحيث
أنها تجعل منه, فى أقصى الحالات, كائنًا مستلب الإنسانية, متغربًا عن ذاته وعن
محيطه ( هذا ما توحى به كلمة
ALIENE
التى
تعنى "
المجنون"
بالفرنسية, والتى تشق من
أصل
لاتينى
ALIUS
الذى يعنى "
الآخر"
أى الغريب )...
تسلّط
الأرواح المزعوم هذا عبّرت عنه اللغة العربية بقولها أن ذلك الإنسان " به مسّ" ...
أى أن الأرواح قد مسّته فحوّلته عن الخط السوىّ, أو أنه " مجنون" ( وهو أصلاً مَنّ
جُنَّ , أى استحوذت عليه الجنّ )...
هذا
الاعتقاد بأن السلوك الشاذ مردّه إلى عوامل غيبية خارقة كان يمثل المحاولة الأولى
التى قامت بها الإنسانية لتفسير ظاهرة المرض العقلى ...
هذه النظرة
قد تكون برزت منذ قبل التاريخ, كما توحى به جماجم بشرية من ذلك العهد وُجدت مثقوبة
بفعل عملية جراحية نسميها اليوم " التربنة"
TREPHINE
,
ولربما كان المقصود من هذه العملية إتاحة الفرصة أمام الأرواح للخروج من تلك
الثقوب, فيتحرر المريض من وطأتها...
ومهما يكن
من أمر, فقد سادت هذه النظرة فى العالم القديم وتسببت فى موقف اضطهادى حيال المرضى
العقليين غذاه هذا القلق الغامض الذى يشعر به الإنسان " السوى" حيال المريض العقلى
والنابع من كون هذا الأخير يقدم له صورة مضخمة عما يشعر به هو فى قرارة نفسه من
نزعة إلى اختلال التوازن ( ألا نتوجه إلى الإنسان الذى يتصرف بشكل متهور بقولنا: "
أو هل جننت؟", ألا يقول الواحد منا: " أنا مجنون بهذا أوذاك من الأشياء؟ ... ),
فيكره فى المريض صورة الخطر الذى يتهدده فى داخله, مما يدفعه إلى الإمعان فى إقصائه
عنه بشتى الوسائل, كأنه بذلك يحاول أن يطرد عن نفسه شبح المرض بإقناع نفسه بأن ذلك
المريض لم يعد إنسانًا ولم يعد بالتالى يمت بصلة الشبه إلى البشر" الأسوياء" ...
أن نظرية
تسلط الأرواح الشريرة على المريض العقلى, تعطى لهذه النزعة الاستعبادية والاضطهادية
مبررًا قويًا, إذ يقنع الإنسان نفسه بفضلها أنه بإقصائه المريض واضطهاده له لا
يتعرض لإنسان مثله بل للأرواح الخبيثة التى اتخذت من ذلك الإنسان مسكنًا وأداة لها
...
هذا ما أدى
إلى ترك المرضى العقليين يهيمون فى البراراى والأماكن المقفرة, أو إلى إيداعهم فى
غياهب السجون, لا بل إلى قتلهم أحيانًا ...
مع ذلك برزت
فى العالم القديم محاولات لتفسير الأمراض العقلية بالأسباب الطبيعية...
هذا ما فعله
أبقراط
(
حوالى 400 ق.م. ) إذ نسب السلوك الشاذ إلى أسباب عضوية تعود, برأيه, إلى اضطراب فى
" الأخلاط" أو " الأمزجة" وهى خليط من السوائل كان يزعم أنها تتحكم بالجسم, وأن
امتزاجها بهذ النسبة أو تلك يحدد نمط سلوك الفرد ويفسر أحوال الصحة والمرض...
ثم أتى
جالينوس
( وهو طبيب رومانى عاش بين 100 و 200 ب.م. ) فطوّر أفكار أبقراط وأيد النظرة
الطبيعية إلى المرض العقلى...
لقد كانت
هذه المحاولات, على بدائيتها, خطوات رائدة فى طريق التفسير الموضوعى لاضطرابات
السلوك ...
ولكن
النموذج الشيطانىّ عاد إلى السيطرة
بسبب تأويل خاطئ لمعطيات الإيمان المسيحى.
فقد أدى هذا
التأويل إلى إحياء التصورات الخرافية القديمة ودعمها, للأسف, بسلطة الكنيسة التى
كان لها, كما هو معلوم, نفوذ اجتماعى وسياسى بالغ الأهمية فى العصر الوسيط وما تلاه
...
فلا بداية
الأمر, أى فى الجزء الأول من العصور الوسطى, كانت المحاولات التى تُبذل لطرد
الأرواح الشريرة لطيفة نسبيًا, تقوم معظمها على الصلوات والأدعية ....
ولكن الموقف
من المرضى العقليين اتخذ قرب نهاية العصر الوسيط شكلاً بالغ القسوة لا بل وحشيًا...
وقد نجد
تعليلاً لذلك فى الاضطرابا الشديدة التى عصفت بالمجتمع الأوروبى فى ذلك العهد ( من
حروب وأوبئة وما شابه ذلك ), وهى حالات ينزع فيها الناس إلى إتخاذ كبش فداء
يحمّلونه وزر كل ما يعانونه من مصائب ويسقطون عليه التأثيم الذى يشعرون به من جراء
حلول تلك الويلات بهم ...
وعادة ما
يكون كبش الفداء هذا من فئة تختلف عن سائر المجتمع بميزة أو بأخرى ـ وهذا كان شأن
المرضى العقليين ...
ولكن المحزن
جدًا أن تلك القسوة اللا إنسانية التى أُلحقت بأناس كانوا أجدر بالرثاء والمساعدة,
إتخذت من الدين ( ومن دين المحبة والرحمة بالذات ) ذريعة لها ...
فتحقق بذلك
النداء المأساوى الذى أطلقه شوقى:
يا حَامِل الآلاِم عَنْ هَذَا الوَرَى كَثُـَرتْ عَلَيْه بِاسمِك الآلامُ.
ذلك أن
المرضى العقليين اعتُبروا سَحَرة يتحكم بهم الشيطان, وبالتالى أُعتُبِروا مستحقين
لعقوبة الموت وفقًا لما نصّ عليه ناموس العهد لقديم:
[
وَإِذَا كَانَ فِي رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ جَانٌّ أَوْ تَابِعَةٌ فَإِنَّهُ
يُقْتَلُ. بِالْحِجَارَةِ يَرْجُمُونَهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ
]
[
لاويين 20: 27 ].
وتجند العديد من الرهبان للتحرّى عن هؤلاء وتقديمهم للمحاكمة حيث كانوا يُرغمون على
الاعتراف بما نُسب إليهم باخضاعهم لشتى أنواع التعذيب. وكثيرًا ما كان يُنفّـذ بهم
حكم الإعدام خنقـًا أو حرقـًا أو بوسيلة أخرى ...
ومن وسائل
التحرّى عن هؤلاء السحرة المزعومين التفتيش عمـا زُعم أنه " علامات الشيطان"
المسجلة فى أجسامهم, ومنها مواضع مخدّرة من الجلد ( يُعرف اليوم أنها من أعراض
العُصاب الهستيرى ). واستخدمت " مطارق الوخز" فى تشخيص مثل هذه الحالات, ووضعت كتب
بتكليف من بابا الفاتيكان, مثل " مطرقة السحرة" سنة 1486م, الذى كان يبين كيفية
الكشف عن هؤلاء والإجراءات اللازمة لتقديمهم إلى المحاكمة وإصدار الأحكام
عليهم!!!...
هكذا اُضطهدَت أعداد كبيرة من الأبرياء وتعرض الألوف منهم للإبادة المنظمة, باسم
الكنيسة وباسم الله, وبحجة مطاردة الشيطان, فى حين أن أكبر انتصار للشيطان إنما
كان, برأيى, فى انتصار الوحشية لدى الإنسان على هذا الشكل المخزى...
هذا فى حين
أن قلة من الأصوات الشجاعة ارتفعت بالاحتجاج, ولكن لم تلبث أن غطت عليها الهيستيريا
الجماعية التى تفشّت فى تلك الأيام القلقة المضطربة ....
والجدير
بالذكر أن ذلك العدوان الوحشى قد اِنّصب بتحيز صارخ على النساء [
Malleus
Maleficarum
]
. إذ
يُقدّر لأنه, مقابل كل رجل كان يُدان لاتصاله بالأرواح الشريرة, كانت هناك خمسون
إمرأة يتمّ إعدامهن حرقًا. وكان تبرير ذلك أن النساء مخلوقات ضعيفات فاسدات, أكثر
استعدادًا من الرجال للخضوع لتأثير الشيطان. وكان يُقال أن النسوة يتحولن إلى
ساحرات من خلال الاتصال الجنسى بالشيطان. هذا الادعاء الأخير يفضح السبب الحقيقى
الكامن وراء ذلك التحامل السافر على النساء...
فالنزعة
الجنسية التى طُردت من مجال الوعى إلى عتمة اللا شعور وبقيت قابعة هناك فى عنفوان
تأججها الغريزى العشوائى دون أن يتاح للشخصية الواعية أن تتعامل معها فتضبطها
وتوجهها وتصقلها وتحولّها, هذه النزعة الجنسية التى قُمِعت ولم تُهذّب إذا أفلتت من
رقابة العقل الواعى, والتى استُبْعِدت, ولكنها ما زالت تصرخ فى الأعماق فيُشيع
نداؤها الفجّ الاضطراب فى الفكر والسلوك, هذه النزعة الجنسية المكبوتة ـ بالمعنى
العلمى لهذه الكلمة ـ لا بدّ وأن توحى لصاحبها بنظرة إلى المرأة, يعقلنها بشتى
المبررات لأنه لا يعى منابعها الانفعالية المظلمة, نظرة لا ترى فيها سوى جسد مغوٍ
وخطِر بآن, فتجعل منها شيطانًا أو عملية شيطانية ...
الرجل يُسقط
عن ذاك على المرأة حصيلة صراعاته النفسية اللا واعية, يحمّلها وزر ذلك النداء
المكتوم الذى يضجّ فى داخله ويقضّ مضجعه, هذا ما قد يحصل خاصة لرجال متبتلين (
كهؤلاء الرهبان الذين كان هاجسهم مطاردة الساحرات ) إذا ما اكتفوا من البتولية
بحرفها ولم ياخذوا بالروح التى تلهم الحرف وبها يستقيم معناه, روح المحبة التى لا
تتجاهل الجنس ولا تحتقره بل تتعهد طاقاته وتذهب بها إلى مداها الأبعد والأرحب ...
وفى القرن السادس عشر, تعالت الأصوات المحتجة على نظرية الأرواح الشريرة فى تفسير
المرض العقلى. وكان أقوى هذه الأصوات صوت طبيب ألمانى يُدعى " جوهان ويبر". هذا
أصدر سنة 1563 كتابًا من جزئين بعنوان " نفوذ الشيطان" فند فيه الفروض غير المنطقية
التى بُنى عليها كتاب " مطرقة السحرة". كما انه حمل على الرهبان الساديين
وإجراءاتهم غير الإنسانية, وذكّرهم بأن واجبهم يفرض عليهم العلاج لا القتل. فكان
كتابه بداية انطلاق رأى مستنير عن المرض العقلى...
ومع أن
نظرية السحر وإحراق السحرة أخذا يتضاءلان فى منتصف القرن السابع عشر, إلا أن
النموذج الشيطانى فى تفسير المرض العقلى لم يزل سائدًا, وقد اتضح ذلك فى طريقة
معاملة المرضى العقليين فى البلاد الأوروبية...
فالعديدون
منهم كانوا يودعون السجون أو يتركون يتسكعون فى الشوارع يستجدون الطعام. أما الذين
كانوا نزلاء المستشفيات العقلية, فكانوا يعاملون معاملة بالغة القسوة, تُقيد أيديهم
بالأغلال ويشدون بالسلاسل يسكنون أكواخًا لا يدخلها الضوء عراة أو شبه عراة,
يعاقبون بالسياط والحبس فى زنزانات تحت الأرض, وهم تحت رحمة قيمين على أمورهم
يتميزون بالبربرية والجهل معًا...
كل ذلك كان
بتأثير النموذج الشيطانى السائد فى تفسير المرض العقلىّ, إذ أن كل معاملة للمصاب
بالمرض العقلى على أساس من الرأفة والكرامة, كانت تعتبر وكأنها مهادنة للقوى
الشيطانية المتسلطة عليه, وكل قمع له يعتبر بمثابة ردع للشيطان المتحكم به ...
ولكن النظرة
إلى المرض العقلى كانت آخذة بالتطور, نابذة النموذج الشيطانى ومتبينة من جديد
النموذج الطبيعى الذى حاول أبقراط ومن بعده جالينوس إطلاقه كما أشرنا ...
هذا أدى على
تحول فى معاملة المرضى العقليين كان رائده " فيليب بينيل" وهو طبيب فرنسى عُيّن سنة
1793 مديرًا لمستشفى بيستر الكبير, فبادر بتخليص المرضى من السلاسل وحرم الممارسات
العنيفة القاسية والطرق الفظة فى العلاج, واقنع العاملين بالمستشفى بأن يعاملوا
المرضى معاملة تحفظ كرامتهم. فكان أن استجاب المرضى لذلك استجابة طيبة , حيث غادرها
عددًا منهم بعد أن كانوا نزلاء بالمستشفى طيلة عشرات السنين...
وقد انتصرت
النظرة الطبيعية إلى المرض العقلى بين 1800 و 1900, وأدت إلى نشأة نظريتين فى علم
الأمراض النفسية, كلاهما تنتميان إلى المذهب الطبيعى, وهما بالفعل تتكاملان:
1ـ المذهب العضوى
الذى فسّر السلوك الشاذ بتأثير سبب عضوى يؤدى إلى اضطراب فى وظائف الجهاز العصبى,
وبالتالى إلى اختلال فى السلوك. هذا السبب هو تلف فى الأنسجة العصبية أو اختلال
كيمائى أو كهربائى فى المخ...
2ـ المذهب النفسى,
وأهمه مذهب التحليل النفسى الذى أطلقه " فرويد " ( 1856 ـ 1939 ), والذى يفسر
الاضطرابات النفسية ناسبًا إياها إلى تأثير العقل الباطن وما تكوّن فيه من عقد
عائدة فى الأساس إلى مآزم الطفولة...
فى هذا
المنظور تكون القوة الغامضة التى تتحكم بسلوك المريض بمعزل عن إرادته, لا قوة روح
شرير مسيطر على الإنسان, بل قوة دوافعه المكبوتة التى تبدو وكأنها غريبة عن ذاته
لأنها بالفعل غريبة عن شخصيته الواعية ونابعة من كيان باطنى استقل عن إدراكه
وإرادته وأضحى فيه وكانه جسم غريب...
1ـ إذا كنا نؤمن أن يسوع كان إنسانًا
كاملاً بالفعل, وأن ابن الله لم يقتصر على اتخاذ مظهر بشرى ليس إلا كما زعمت بدعة
الدوسيتية التى شجبتها الكنيسة ورفضتها فى عهدها الأول,
فعلينا أن نقبل بأن يسوع المسيح الإنسان الكامل كان ابنًا لعصره بكل معنى الكلمة
ومنتميًا بالتالى إلى حضارة ذلك العصر ومفاهيمها...
2ـ من هنا أنه كان من الطبيعى أن يتبنى
نظرة عصره إلى المرض العقلى على أنه من فعل الشيطان. فالأعراض التى يصفها لنا
الإنجيليون على أنها أعراض " ممسوسين" شفاهم يسوع بعد أن تعامل معهم على هذا
الأساس, أى على أنهم واقعون تحت سيطرة أرواح شريرة, إنما هى أعراض نفسية تُفسّر
اليوم على أنها وليدة أسباب طبيعية.
فإذا راجعنا مثلاً قصة الولد الذى أخرج
يسوع الشيطان منه نزولاً عند رغبة والده, كما وردت فى إنجيل مرقس الرسول, نجد أن
الإنجيل يقدم لنا وصفًا شبه عيادىّ لأعراض داء الصرع : الصيحة التى تبدأ بها النوبة
أحيانًا والوقوع أرضًا, والتشنج, بما فيه تشنج الفكين , الانتفاض , الغيبوبة
الختامية العميقة مع فترة من توقف التنفس, والطابع الفجائى للنوبات :
[
يَا مُعَلِّمُ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكَ اِبْنِي بِهِ رُوحٌ أَخْرَسُ وَحَيْثُمَا
أَدْرَكَهُ
يُمَزِّقْهُ فَيُزْبِدُ
وَيَصِرُّ بِأَسْنَانِهِ وَيَيْبَسُ.....
فَقَدَّمُوهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا رَآهُ لِلْوَقْتِ صَرَعَهُ اَلرُّوحُ فَوَقَعَ
عَلَى اَلأَرْضِ يَتَمَرَّغُ وَيُزْبِدُ. فَسَأَلَ أَبَاهُ: { كَمْ مِنَ
اَلزَّمَانِ مُنْذُ أَصَابَهُ هَذَا؟ } فَقَالَ: { مُنْذُ صِبَاهُ.
وَكَثِيراً مَا أَلْقَاهُ فِي اَلنَّارِ وَفِي اَلْمَاءِ لِيُهْلِكَهُ.
لَكِنْ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئاً فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا }.
فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: { إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ فَكُلُّ شَيْءٍ
مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ }. فَلِلْوَقْتِ صَرَخَ أَبُو اَلْوَلَدِ بِدُمُوعٍ
وَقَالَ:{ أُومِنُ يَا سَيِّدُ فَأَعِنْ عَدَمَ إِيمَانِي }. فَلَمَّا رَأَى
يَسُوعُ أَنَّ اَلْجَمْعَ يَتَرَاكَضُونَ اِنْتَهَرَ اَلرُّوحَ اَلنَّجِسَ قَائِلاً
لَهُ: { أَيُّهَا اَلرُّوحُ اَلأَخْرَسُ اَلأَصَمُّ أَنَا آمُرُكَ: اُخْرُجْ مِنْهُ
وَلاَ تَدْخُلْهُ أَيْضاً! }
فَصَرَخَ وَصَرَعَهُ شَدِيداً
وَخَرَجَ فَصَارَ كَمَيْتٍ حَتَّى قَالَ كَثِيرُونَ:
إِنَّهُ مَاتَ.
فَأَمْسَكَهُ يَسُوعُ بِيَدِهِ وَأَقَامَهُ فَقَامَ
]
[ مرقس 9: 17 ـ 27 ].
3ـ هذا لا ينفى البتة حقيقة مواجهة
السيد المسيح للشيطان, تلك المواجهة القاسية التى تقول عنها الأناجيل أنها كانت
محورية فى رسالته...
إنما ينبغى أن نؤول هذه المواجهة وفقًا
لمكتسبات عصرنا ( التى هى على كل حال ناقصة ونسبية )...
يمكن القول, فى هذا المنظار, أن العوامل
الطبيعية التى تتحكم بالمرض العقلى لا تنفى تدخلّ ذلك الكائن الذى رأى فيه المسيح
عدوًا لدودًا لله وللإنسان المخلوق على صورته, والذى بوسعه أن يستفيد من العوامل
الطبيعية نفسها ليؤذى الإنسان به ومن خلالها...
لأنه كما يقول السيد:
[
ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ
الْبَدْءِ
وَلَمْ يَثْبُتْ فِي
الْحَقِّ
لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ
مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو
الْكَذَّابِ
]
[ يوحنا 8: 44 ].
فيزيدها أذى على أذى, ويكون دوره شبيهًا إلى حد ما بدور الحافز
Catalyst
, الذى لا يتدخل مياشرة فى التفاعل
الكميائى ولكنه ينشط بحضوره هذا التفاعل...
وقد يكون هذا الدور المنشط للشيطان
بارزًا بشكل خاص فى بعض حالات المرض النفسى, دون أن يلغى, حتى فى هذه الحالات,
أولوية العوامل الطبيعية...
4ـ ثم أنه لا بدّ من الإشارة إلى أن
يسوع المسيح, رغم تبينه النظرية الشيطانية فى تفسير المرض العقلى, التى كانت شائعة
فى عصره, لم يجنح يومًا إلى معاملة المرضى العقليين بقسوة تشبه من قريب أو بعيد تلك
التى عاملهم بها, للأسف, أتباعه فى ما بعد, أو التى عوملوا بها فى المجتمعات التى
تسمت باسمه...
بل كان رئيفًا بهم, يميز بوضوح بينهم
وبين القوى الشريرة التى يرى أنها تسلطت عليهم, ويُسخّر فى سبيل تحريرهم منها ما
أوتى من طاقة شافية وسلطان...
لا بد لنا أن نكون اليوم حذرين جدصا من حيث تصوّر الدور الذى قد تلعبه الأرواح
الشريرة فى مختلف انحرافات السلوك الإنسانى. ولمزيد من الدقة والوضوح ينبغى, برأيى,
أن نميز بين مجالات ثلاثة: التجربة, المرض النفسى, إزدواجية السلوك.
فهناك أولاً التجربة, أى محاولة الشيطان
إذكاء الميول الشريرة فينا وتنشيط قوى الوهم التى ترينا الخير شرًا والشر خيرًا...
لا بدّ هنا من التذكير بأن الكلمة
الإلهية تؤكد لنا, كما سبق فأشرنا, أن الله لا يدع الشرير يجربنا فوق طاقاتنا:
[
لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اَللهَ أَمِينٌ اَلَّذِي
لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ
اَلتَّجْرِبَةِ أَيْضاً اَلْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا
] [ كورونثوس الأولى 10: 13 ].
إذا لا يمكن للشرير أن يخضعنا قسرًا للتجربة إن لم نختر نحن أن ننقاد لها, علمًا
بأن هذا الانقياد قد يحصل من جراء تنازلات متكررة ترسّخ شيئًا فشيئًا تبعيتنا
لغوايته ...
أما فى حال
حصول المرض النفسى, من عُصاب أو ذهان, فلا بدّ من إعطاء الأولوية فى تفسيره للعوامل
الطبيعية, من عضوية ونفسية. مما يسمح بالتوجه إلى العلاج المتخصص لدى شخص تؤهله له
كفاءاته العلمية. هذا لا يمنع بالطبع أن يُرفق هذا العلاج بصلوات فيها المعونة
الإلهية للمريض وحفظه من كل روح شرير ...
هذا وقد تراودنا فكرة احتمال سيطرة روح
شريرة علينا إذا ما عانينا من ازدواجية فى سلوكنا, بحيث نجد انفسنا مدفوعين بقوة,
بين الحين والحين, إلى أعمال تتنافى كليًا مع مألوف توجهاتنا...
فمثلاً قد نشعر بعدوانية مدمرة تتملكنا
حيال هذا الشخص أو ذاك وتدفعنا إلى إذائه, فى حين أننا ننفر عادة من غيذاء أى كان
ونرغب بالخير للجميع ونودّ مسالمة كل الناس. من هنا إننا نرتاع إذا ما اكتشفنا فجأة
هذا الجانب المظلم فى شخصيتنا, فننزع إلى إلقاء مسئوليته على قوة خارجية تبغى
التحكم بنا ...
فى هذه الحال ينبغى أن يكون لنا من
الوعى والحكمة ما يقينا من ان نتسرع فننسب النزعة المستغربة التى برزت فينا إلى روح
شرير يحاول التسلط علينا...
فالتفسير الأقرب للواقع والمعقول, والذى
يأخذ بعين الاعتبار مكتسبات العلم الحديث فى تقصيه لتعقيدات النفس البشرية, هو ذاك
القائل بأننا فى ما اشرنا إليه, لا نواجه أساسًا قوة خارجية بل نزعة من نزعات
كياننا الذاتىّ, نزعة تجاهلناها ولم نمنحها حقها من الاهتمام, فاستقلت عن مسار
شخصيتنا حتى أضحت بالنسبة إليها بمثابة جسم غريب مستقر فيها من غير اندماج... وإذا
بها تتصرف بهذه الصفة فتبرز أحيانصا على الواجهة على غير انتظار وتثار من إهمالنا
لها بفرض إرادتها علينا...
وإليكم مثلان على ذلك:
أ ـ مثل عن
النزعة العدوانية:
ينبغى ان نراعى وجود هذه النزعة فينا..
فهى بحد ذاتها ليست سيئة, بل ضرورية
للحياة ولا بدّ منها فى كل نضال, مهما سمت أهدافه ووسائله..
ينبغى بالتالى أن لا نهمل هذه النزعة بل
أن نمنحها ما تتطلبه من إشباع مشروع:
مثلاً: أن ندافع عن رأينا إذا كنا
مقتنعين بصوابه, أن نطالب بحقوقنا المشروعة بحزم مقرون بالاتزان .. إلخ.
هكذا نبقى فى تعامل حىّ مع هذه النزعة
ونستطيع, عبر هذا التعامل, أن نلطفها ونهذبها ونوجهها.
أما إذا تجاهلناها وتصرفنا كأنها غير
موجودة فينا ( مثلاً إذا تحاشينا أن نقاوم أحدًا, أن نعارض أحدًا, أن نخالف أحدًا,
إذا تهربنا من إبداء أى رأى شخصى تلافيًا للصدام مع سوانا, إذا تجنبنا أن نرفع
صوتنا ولو فى ما ندر .. إلخ ), فإن النزعة العدوانية, التى تجاهلنا وجودها على هذه
الصورة, لا تتلاشى فينا كما قد نظن بل تتوارى فى أعماقنا وتبقى رابضة فى عتماتها,
وتبنى لذاتها كيانًا مستقلاً عن قيمنا وقناعاتنا, وتنحرف لغياب وقابتنا عليها
وتوجيهنا لها...
فتتخذ من جراء هذا الانحراف شكلاً
عشوائيًا مدمرًا, ويصبح بمقدورها, لغياب الرقابة الواعية عليها, أن تباغتنا بين
الحين والحين , إذا سنحت لها الفرصة, فتنقضّ علينا وتتحكم بسلوكنا وتقودنا إلى حيث
لا نريد...
من هنا ضرورة الاعتراف بوجود النزعة
العدوانية فينا وإعطائها حقها لخدمة أهداف متوازنة راقية, بدل أن تسمح لنا باتخاذ
هذا الوجه
" الشيطانى" الذى تداهمنا به وتتحكم بنا وفقًا لطبيعته المدمرة ...
ب ـ مثل عن
النزعة الجنسية:
المثل الثانى يتعلق بالنزعة الجنسية.
فإذا ما شعرنا بين الحين والحين بشهوة جنسية عارمة تداهمنا وتجتاح كياننا بحيث لا
يعود بمقدورنا, فى تلك اللحظات, أن نرى فى المرأة أكثر من جسد أنثوى يضج بالغواية,
فى حين أننا اعتدنا على حياة العفة والتعقل, فلا بدّ, والحالة هذه, أن نطرح السؤال
على أنفسنا حول نمط هذه العفة ومدى أصالتها...
فلعلنا نكتشف, إذا ما كنا جادين بهذه
المراجعة لذواتنا ووضعها على المحك, أن هذه " العفة" لم تقم الحساب بما فيه الكفاية
للناحية الجنسية الكائنة فينا ولأهميتها الفعلية...
ذلك أننا قد نتصرف وكأن لا جنسية لنا,
تحاشيًا لكل مشكلة وصراع, فيثأر الجنس لنفسه بأن يبرز بشكل صارخ بين الحين والحين
فى وجداننا, فيذكرنا بوجوده ويعكر علينا صفو طمأنينتنا الزائفة ويخربط سائر
حساباتنا المبنية على كذب تجاهله...
وهو بذلك يدعونا إلى رؤية لأنفسنا أكثر
صدقًا وشمولاً وواقعية وتوازنًا, وإلى إعادة النظر فى أسلوب حياتنا كما ألفناه,
بحيث نقبل بالإصغاء إلى نداء الجنس فينا ونعطى هذا النداء حقه...
مما لا ينبغى أن ننقاد إلى ممارسات
جنسية مبتذلة, بل أن نتعامل بصدق وإخلاص مع النزعة الجنسية فينا, فنعطيها مكانها
المشروع فى حياتنا وفقًا لمبادئنا وقناعاتنا, وبذلك نقدم لها إشباعًا معقولاً ينفس
من ضغطها علينا ويجعلها بالتالى أكثر مطواعية لما نبذله من سعى لتهذيبها
وتوجيهها...
فمثلاً, بدل أن نتفرغ كليًا للدرس أو
لما شابهه من أعمال قد نعتبرها وحدها جديّة وجديرة بالاهتمام, نخصصّ بعضًا من وقتنا
لمخالطة الجنس الآخر وإقامة الرفقة أو الصداقة البريئة مع أفراده, نستمع إلى
الألحان الكنسية أو الأغانى, نشاهد أفلامًا سينمائية تعالج العلاقات بين الجنسين,
إلى ما هنالك من ممارسات رياضية بناءة تسمح لنا بترويض النزعة الجنسية والتعايش
معها فى سلام, وتحول دون اتخاذها وجهًا شيطانيًا مرعبًا ومدمرًا...
إن التعامل الصادق مع النزوة الجنسية
هو وحده الكفيل بأن يؤول إلى وحدة للكيان لا تجزئة فيها ولا إزدواجية,
وبالتالى إلى هذا التكامل الإنسانى الذى يرى فيه التراث الروحى الشرقى سمة الفعة
الأصلية ...
إن الاعتراف بالغريزة وإيفاءها حقها من
الاهتمام والرعاية, من شأنه أن يجنّب المرء خطر طغيانها عليه, لا بل إنه يخوّله أن
يتخذ منها حليفة لبلوغ أهداف أبعد منها وأسمى, كالحب الزوجى أو البتولية
المكرّسة...
والمثل الفرنسى معبّر بهذا الصدد إذ
يقول: " من أراد السفر إلى مكان
بعيد, كان عليه أن يراعى مطيّته"...
أما تجاهل الغريزة, فإنه يعطيها فرصة
الانقضاض على الكيان وتملّكه على حين غفلة, أو التحكم به بشكل خفىّ مقنّـع
والانحراف به عن أهدافه الواعية المعلنة...
ألم يعبّر باسكال عن هذه الحقيقة
بقوله:"
ليس الإنسان ملاكًا ولا هو بهيمة, فمن أراد أن يصطنع الملائكية سقط فى البهيمية".
لا بدّ من التروى الكثير فى تحديد دور الأرواح الشرية فى حياتنا.
إن وجودها وفاعليتها اللذين تشهد عليهما الكلمة الإلهية,
ينبغى أن لا يكونا ذريعة لاعتماد حلّ كسول يلقى المرء بموجبه على هذه الأرواح وزر
كل أمراضه واضطراباته وشروره,
فيستقيل بالتالى من مسئولية مواجهة أوضاعه وتطويرها نحو الأفضل بما أوتيه من عقل
وقدرة ...
فكلما وعى الإنسان أهمية العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية والتربوية والروحية
... التى تؤثر فى سلوكه...
وكلما ازداد إحساسه بمسئوليته الشخصية فى التعامل مع تلك العوامل وتحديد مواقفه
منها وخياراته ...
كلما ازدادت لديه تلك الحرية التى أعدّه الله لها, وتعاظمت قدرته, التلا تستمد من الله مصدرها, على التحرر من كل تسلط داخلى أو خارجى.
الخطئية: تحديدها وأنواعها
سنبدأ باستعراض مفاهيم عن الخطيئة تبدو لنا ناقصة ومجترأة, علّ ذلك يكون بمثابة تمهيد لتحديد الخطيئة لأقرب إلى الأصالة والشمول...
هناك مفاهيم عن الخطيئة شائعة بين الناس, ولكن يبدو لنا أن هذه المفاهيم تخفق فى الإحاطة بجوهر الخطيئة لأنها تتناولها بشكل ناقص ومجتزأ ....
ومن هذه المفاهيم:
صحيح أن مخالفة الشريعة الإلهية مؤشر للخطيئة ...
كون هذه الخالفة, إذا وقعت, تشير إلى إنقطاع حاصل بين الإنسان وصاحب الشريعة ...
يبقى أن هذه المخالفة لا تكفى على الاطلاق لتحديد جوهر الخطيئة ...
وذلك للاعتبارات التالية:
أ ـ لأن علاقة الله
بالإنسان أبعد وأعمق بكثير من علاقة سيد يحاسب عبيده على قوانين فَرَضَ عليهم
تنفيذها
...
إنها علاقة صميمة تفترض تحولاً كيانيًا فى ذات الإنسان واتصالاً حميمًا بينه وبين ربه ...
فلا بدّ بالتالى من تحديد للخطيئة يأخذ بعين الاعتبار تلك العلاقة الصميمة التى يفترض أن تقوم بين الله والإنسان, ومقتضياتها , وموقع الإنسان منها ...
لقد قال الله على لسان النبى هوشع الذى عاش فى القرن الثامن قبل الميلاد: [ إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً وَمَعْرِفَةَ اَلْلَّهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ ] [ هوشع 6:6] ...
والمقصود أن الأهم بنظر الله من التقيد بأوامره من حيث تقديم الذبائح والمحرقات, إنما هو تحول الإنسان إلى " معرفة الله" , أى , بلغة هوشع النبى, إلى علاقة المحبة والألفة معه, بحيث يتجلى هذا التحوّل فى سلوك الإنسان, " رحمة لأخيه"...
وقد أكد الرب يسوع هذا التعليم الذى ورد فى نبوءة هوشع واستشهد به مرتين كما ورد فى إنجيل متى:
[ فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى اَلتَّوْبَةِ ] [ متى 9: 13 ] و
[ فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى اَلأَبْرِيَاءِ! ] [ متى 12: 7 ]...
ب ـ لأن الخطيئة قد
تتواجد مع تتميم دقيق للشرائع الإلهية ...
ذلك أن الإنسان قد يتوهم أنه استنفد البرّ من جراء تتميمه ظاهر الشريعة بحذافيره, فيكتفى بذاته وينطوى على برّه المزعوم ويصبح من حيث لا يدرى عابدًا لنفسه, مستغنيصا عن الله, بينما هو يتصور أنه شديد الغيرة على الدين, بالغ الحرص على إطاعة شرائعه...
وينعكس هذا الانقطاع الفعلى عن الله, المتستر وراء نقيضه الظاهرىّ, فى علاقات هذا الإنسان بالآخرين التى تصبح خير مؤشر لزيف موقفه الروحى...
ذلك أنه يستعلى على الناس ويحتقرهم وينبذهم عوض أن يرى فيهم أبناء لله مثله جديرين, بهذه الصفة, بكل اهتمام واحترام ورعاية رغم كل ما يشوب سلوكهم من مساوئ...
تلك هى " خطية البار" التى تعتبر بحق ذروة الخطيئة لأنها تتخذ من الله نفسه ذريعة للانغلاق الفعلى دونه...
وهى التى أدّت إلى الصراع المرير بين يسوع المسيح وبين الذين كانوا فى عهده غلاة المحافظة على الشريعة, ألا وهم الفريسيون...
مفهوم ناقص آخر للخطيئة... شبيه بالأول ومرتبط به ... هو تحديد الخطيئة على أنها تدنيس الإنسان لنفسه من جراء ارتكاب المحرمات ...
صحيح أن الخطيئة هى, بمعنى من المعانى, دنس يلحق بالإنسان... لأنها تشويه لنقاوته ... خاصة إذا أخذنا " النقاوة" بمعنى " الأصالة" ...
ولكن المفهوم الذى نحن بصدده لا يكفى, مع ذلك, للإحاطة بطبيعة الخطيئة, وذلك للاعتبارات التالية:
أ ـ
لأننا تعلمنا من الرب يسوع المسيح أن بعض ما كان محرمًا فى العهد القديم ...
والمرتبط بتصنيف الأشياء ( كالأطعمة والوظائف الجسدية وغير ذلك ) إلى طاهرة أو نجسة, لا علاقة له بجوهر علاقة الإنسان بربه, وبالتالى بجوهر الخطيئة, وأن ما يدنس الإنسان فعلاً ليس ما يحصل فى جسده أو ما يتصل به من أشياء, بل إرادته الشريرة النابعة من قلبه أى من صميم كيانه:
[ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ اَلإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ لَكِنَّ اَلأَشْيَاءَ اَلَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ اَلَّتِي تُنَجِّسُ اَلإِنْسَانَ... لأَنَّهُ مِنَ اَلدَّاخِلِ مِنْ قُلُوبِ اَلنَّاسِ تَخْرُجُ اَلأَفْكَارُ اَلشِّرِّيرَةُ: زِنىً فِسْقٌ قَتْلٌ سِرْقَةٌ طَمَعٌ خُبْثٌ مَكْرٌ عَهَارَةٌ عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ تَجْدِيفٌ كِبْرِيَاءُ جَهْلٌ. جَمِيعُ هَذِهِ اَلشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ اَلدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ اَلإِنْسَانَ ] [ مرقس 7: 15, 21 ]...
ب ـ لأن تحديد الخطيءة كدنس يركّز على طهارة الإنسان الذاتية ...
وبالتالى على فرديته ...
بينما الأهم هو نوعية علاقته بالآخر...
فقد يهمل افنسان سواه بداعى تجنب المحرمات, وهو ما وبخ عليه الرب يسوع الكتبة والفريسيين عندما عارضوا شفاء الرجل ذى اليد اليابسة يوم السبت:
[ ثُمَّ دَخَلَ أَيْضاً إِلَى اَلْمَجْمَعِ وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ. فَصَارُوا يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِيهِ فِي اَلسَّبْتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ لِلرَّجُلِ اَلَّذِي لَهُ اَلْيَدُ اَلْيَابِسَةُ: { قُمْ فِي اَلْوَسَطِ! } ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: { هَلْ يَحِلُّ فِي اَلسَّبْتِ فِعْلُ اَلْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ اَلشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ؟ }.فَسَكَتُوا. فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ حَزِيناً عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: { مُدَّ يَدَكَ }. فَمَدَّهَا فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. فَخَرَجَ اَلْفَرِّيسِيُّونَ لِلْوَقْتِ مَعَ اَلْهِيرُودُسِيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ ] [ مرقس 3: 1ـ 6] و..
[وَفِي سَبْتٍ آخَرَ دَخَلَ اَلْمَجْمَعَ وَصَارَ يُعَلِّمُ. وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ اَلْيُمْنَى يَابِسَةٌ وَكَانَ اَلْكَتَبَةُ وَاَلْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِي فِي اَلسَّبْتِ لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شِكَايَةً. أَمَّا هُوَ فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ اَلَّذِي يَدُهُ يَابِسَةٌ: { قُمْ وَقِفْ فِي اَلْوَسَطِ }. فَقَامَ وَوَقَفَ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: { أَسْأَلُكُمْ شَيْئاً: هَلْ يَحِلُّ فِي اَلسَّبْتِ فِعْلُ اَلْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ اَلشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ إِهْلاَكُهَا؟ }.ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: { مُدَّ يَدَكَ }. فَفَعَلَ هَكَذَا. فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. فَامْتَلأُوا حُمْقاً وَصَارُوا يَتَكَلَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: مَاذَا يَفْعَلُونَ بِيَسُوعَ؟ ] [ لوقا 6: 6ـ 11]...
وقد يرتكب الإنسان مظالم فادحة وهو متوهم بأنه طاهر لمجرد تقيده بظاهر التحريمات الشرعية...
على شاكلة الكتبة والفريسيين الذين شبههم الرب يسوع بـالقبور المبيضة المكلسة: [ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. ] [ متى 23: 27 ]...
وأخذ عليهم أنهم: [ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ اخْتِطَافاً وَدَعَارَةً! ] [ متى 23: 25 ]...
هؤلاء الذين, إذ كانوا فى طريق اقترافهم جريمة نكراء بتسليمهم الرب يسوع للموت ظلمًا, كانوا إلى ذلك متشبثين بالطهارة الناموسية ولذا :
[ ... َلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ اَلْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا فَيَأْكُلُونَ اَلْفِصْحَ ] [ يوحنا 18: 28 ]...
من هنا يتضح أن الرب يسوع قد قسا على خطايا تحكم شهوة المال وشهوة التسلط بالإنسان...
لأن هاتين الشهوتين تغلقان قلب الإنسان دون سواه وتنتزعان الرحمة من نفسه ...
أما خطيئة الجنس, فتكمن فى نظر الرب يسوع, لا فى اللذة الجسدية, كما لو كانت هذه اللذة دنسة بحدّ ذاتها, بل فى غعتبار الآخر مجرد أداة للمتعة, وبالتالى فى تشييئه...
من هنا أن جوهر خطيئة الجنس فى نظر الرب يسوع, إنما هو كامن فى نظرة إلى الآخر تجرّده من إنسانيته لتختزله مجرد موضوع شهوة وذرية للذة, أنه بعبارة أخرى, يكمن فى نظرة استعبادية إلى الآخر...
هذا هو معنى العبارة الإنجيلية:
[ إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى إمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ ] [ متى 5: 28 ]...
**************
جوهر الخطيئة هى فى كونها اضطـراب فى عـلاقة الإنسان بالله...
من هنا أن لا معنى للخطـيئة إذا لم تُختـبر فى سيـاق تلك العـلاقة ...
قد يخـالف المـرء شرائع وقوانيـن, وقد يعصى أوامـر مـن لهـم حـق السلطة عليه...
وقد يشعر بأنه مـن جـراء ذلك مـذنب...
ولكن الشعور بالـذنب يخـتلف نوعيًا عن الشعور بالخطيئة...
فالذنب لا يتحول إلى خطـيئة إلا إذا شعـر المـرء أنه مـذنب حيـال الله وأنه ارتـكـب الشـر أمامه...
أى أن ذنبه ليس مجـرد مخـالفـة لقـاعـدة يـراهـا واجبـة, أو لسُلطـة يعتـبرها مشروعة, أو حتى لقيـمة يؤمـن بها ( كالعدالة أو الصدق أو ما شابه ذلك ), إنمـا هو أبعـد من ذلك, إساءة إلى العـلاقة التى تربطـه بكائـن هو أصـل وجـوده ومرجـع هذا الـوجـود...
ومن جهة أخرى, فقد يخالف المرء سلطة العائلة أو العشيرة أو الحكام أو حتى المؤسسة الدينية عينها, إذا أمره هؤلاء بما هو مناف لإرادة الله, وقد يعتريه, من جراء ذلك, شعور بالذنب بفعل ما انطبع فى نفسيته من تشريط تربوى واجتماعى, لكنه, مع ذلك لا يعتريه شعور بالخطيئة, لأنه مقتنع بأنه حافظ على علاقته بالله سليمة عبر ما أقدم عليه من مخالفة, إذ:
[ يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اَللهُ أَكْثَرَ مِنَ اَلنَّاسِ ] [ اعمال الرسل 5: 29 ].
يتضح مما سبق أن الخطيئة مفهوم دينى فى الأساس,
يتعدى المفهوم الأخلاقى أو الاجتماعى الذى يرتبط به مجرد الذنب..
ولا يكتمل معنى الخطيئة ـ على الأقـل فى منظـار الإيمان المسيحى ـ إلا إذا شعر المرء أنه مخـطئ لا لمجرد كـونه قد عصى إرادة الله, وكأنه لمجرد هذا العصيان قد أسخط إلهًا متسلطًا لا يحتـمل أية مخالفـة لأوامـره ونواهيـه ويطـالب الإنسان بالخـضوع كغاية بحد ذاتـه وكشرط لا بـدّ منه للحصول على رضاه, وكأن الاستقـلال من حيث هو, إجـرام بحـق هذا الإله يستوجب مرتكبه العقاب...
خلافًا لهذه الصورة التى تعـكس وتخلـّد فى التدين موقف الطفل الصغير من والديه, فالخـطيئة بمفهـومها الإنجيـلى, جـوهـرها لا العـصيان بحـد ذاته, إنما ما يعـبّر عنه هذا العـصيان من تغـرّب المـرء عن حضـور الله, من نـبذ للألفـة التى أرادها الله بينـه وبيـن النـاس لكى يحيـوا به ويفـرحوا ولكـى يفـرح بفرحهم وحيـاتهم والتعـامل معهم...
الخطيئة هى إذًا فى الأساس أن يتوارى الإنسان عن الله كمـا توارى آدم عـن خالقه بين أشجار الفـردوس فيمـا كـان الله ينـاديه قائلاً :
[ وَسَمِعَا صَوْتَ اَلرَّبِّ اَلإِلَهِ مَاشِياً فِي اَلْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ اَلنَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَاِمْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ اَلرَّبِّ اَلإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ اَلْجَنَّةِ. فَنَادَى اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ آدَمَ: «أَيْنَ أَنْتَ؟» ] [ تكوين 3: 8, 9 ].
هى أن يرفض أن يكون محبـوبـًا من الله كما رفض الابن " الشاطر" أن ينعم بحب أبيه " فشطر" مصـيره عن مصـير ذاك...
من هنا تأكيد الأب " بول فرغيـز" وهو لاهـوتى من الكنيسة السريانية الأورثوذكسية فى الهند, بأن:
" الخطيئة هى ما يحـول دون الولوج إلـى حضـرة الله ..." ...
من هنـا أيضـًا قول اللاهـوتى الأورثوذكسى " بول أفدوكيموف" أن:
" خطـيئة الإنسان لا تكمـن فـى وجهـها السلبىّ الذى هو المخـالـفة والعـصيان,
بقـدر مـا تكـمن فى وجهـها الإيجـابى ألا وهو
إمتـناع الإنسان عـن الاغتـناء بقـرب الله منه"...
هنـا لا بـدّ أن يتبـادر إلى الذهـن هـذا السؤال:
لمـاذا يتغـرّب الإنسان عـن الله ويتـوارى عـن حبـه؟...
الجـواب هـو:
أن الإنسان يرفـض بأن يكـون محبـوبًا لأنـه يتوهـم أنـه إذا رضـى بأن يتـلقى حـب الله وأن يتفـاعل مع هـذا الحب, فقـد استقلاله...
ذلك أن كـل مـن يتقـبل أن يدخـل فى عـلاقة حبيـة, على اختلاف أنواعهـا, لا بدّ له من اعتبار الآخـر الذى تربطـه به هـذه العـلاقة, مرجعـًا له وقطـبًا لوجـوده...
لـذا فقـد يهـرب الإنسان مـن الحب كـى يتـسنى له أن يبـقى المرجـع الوحيـد لنفسه والقطب الأوحـد لوجـوده, وبالأحـرى إذا كـان الأمـر يتعـلق بكائن لا بـدّ لنـا, إذا تجاوبنا مع حبـه, أن نعتبره ألِفنـا وياءنا وأن نسلم إليـه ذواتـنا فى أعمـق أعماقـها...
تلك هى قصـة الإنسان مـع ربـه عندمـا يحتمى من حبـه ليتشبث لا بوجـوده ـ فالله لا ينتـزع منـه الوجود ـ بل بمـلكيته هـذا الوجـود...
فاخطيئة, كمـا يحددهـا الفيلسوف الوجودى المسيحى " غبريال مارسيل", إنما:
" هى فى الأساس فعـل الانغلاق عـلى الـذات أى اتخـاذ الذات مركـزًا"...
الخطيئة تتخـذ من الذات
( سواء أكانت الذات الفـردية أو الـذات الحمـاعية: العشيرة, الطائفة, الأمـة .. إلخ )
مرجعـًا مطلقـًا دون الله...
إنـها بهـذا المعـنى, تعبـّد للـذات عـوض التعبـّد لله,
ولـذا فقـد نعتهـا الكتاب المقدس تكـرارًا بالصنميـة...
الخطيئة إكتفـاء بالـذات دون الله,
إنهـا انعـزال فى حـدود الذات ورفـض تجاوزها إلى رحـاب الله اللامتناهـية...
إنهـا إلحـاد عمـلى, أى رفض وجودىّ بأن يكون الله إلهى أى مرجعى المطلق, وإن كنت أعترف بالله نظريـًا وذهنيـًا...
ولأن الخطيئة انغـلاق على الـذات وأهـوائهـا, فقـد شبهها الكتاب المقـدس بالخيـانة الزوجيـة ووصفـها بأنها زنـى وبغـاء...
ذلك أن كتاب الله, بـدءًا من نبـوة هـوشع, ومـرورًا بأرميـا وحـزقيـال وأشـعيـاء ونشيـد الأنشاد, ووصولاً إلى أمثال الرب يسوع ورسائل بولس ورؤيـا يوحنـا, قد شبّه علاقة الله بالإنسان بحب زوجى وغيور طالمـا بادلـه الإنسان, فـردًا وجماعة, بالجحـود والخيـانة, جانحـًا بالخطيـئة إلى الاسترسال فى أهـوائه والتعبّـد له...
من هنا نداء الأنبيـاء المُلِـحّ إلى العـودة بالتـوبة إلى الحب الإلهـى وتجـديـد عهـد الوفـاء له...
**************
ومن حيث هى انقطاع عن الله, فالخطيئة انقطاع عن الآخرين أيضـًا...
ذلك أن تغـرّب الإنسان عـن الله يعطّـل التجانس القائم بينه وبين ربّـه, تلك الصورة افلهية التى بموجبها خُلق الإنسان كما يقول الكتاب المقدس:
[ فَخَلَقَ اَللهُ اَلإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اَللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ ] [ التكوين 1: 27 ]...
فالله بطبيعته, كما تكشّف لنا فى يسوع المسيح, [مَحَبَّة ] [ 1 يوحنا 4: 8] تقترن فيها الوحدة الكاملة بالتمايز الكامل...
إنه بطبيعته مَحَبَّة لأنه ثاَلُوث, ولذا فهو يُـوجـد الكون من العـدم ويرعاه بفيض من حبـه...
فمن تغـرّب عن الله ليغـرق فى ذاتـه
يتغـرّب عن المحبة والمشاركة
اللتين توقظهمـا وتفجـرهما فى القلب البشرى معاشرة الإلـه المحبـة ...
إنه يتنكر للنمـوذج الإلهـى الثـالوثـى المطبوع فى كيانه, فيتغرب عن الآخرين معتبرًا إياهـم مجـرد أدوات ومطـايا لأهـوائه...
وقد أوضـح الفيلسوف المسيحى " عمانوئيل مونييه" أن فى منطلق الفكـر الآبـائى برمـته:" أن الخطيئة ليست فى الأساس تدنيسـًا للفرد بل قبـل كـل شئ تمـزيقـًا للوحـدة البشرية ناتجـًا عن انفصـالها عن الله"...
وقد يكون هـذا التغـريب عـن الآخـر المـؤشر الأول للتغـرّب عن الله...
تلك هى حـال من إعتقـد نفسه بـارًا لمجـرد تتميمـه حـرف الشريعـة,
وإتخـذ من بـرّه المزعـوم حجـة للاستعـلاء عـلى الآخـرين ونبذهـم واحتقارهـم,
شأن الفـريسى الـذى احتقـر العشار فى صلاته, فقـال عنـه يسوع أن صـلاته هـذه لم تـبرره أمـام الله:
[ وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هَذَا الْمَثَلَ ... أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّراً دُونَ ذَاكَ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ ] [ لوقـا 18: 9 ,14 ]...
تلك هـى أيضـًأ حـال الذين يمارسون أعمـال التقـوى, ولكنهـم يتجاهلـون بؤس إخـوتهم لا بل قـد يستفيدون منـه لمصـالحهم, فـإن:
[وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي اللهِ، وَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ ] [ 1 يوحنا 4: 16 ],
أما [... الَّذِي يَمْلِكُ مَالاً يُمَكِّنُهُ مِنَ الْعَيْشِ فِي بُحْبُوحَةٍ، وَيُقَسِّي قَلْبَهُ عَلَى أَحَدِ الإِخْوَةِ الْمُحْتَاجِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ مَحَبَّةُ اللهِ مُتَأَصِّلَةً فِيهِ؟ ] [ 1 يوحنا 3: 17 ]...
**************
ولكن انقطاع الإنسان عـن الله ينشئ عنـده لا إنفصـامًا عن الآخرين, وحسب, بل تغـربًا عـن ذاته الحقيقيـة أيضـًا...
تلك هى المفارقة: أن الإنسان ينغـلق على ذاته معتقـدًا أنـه هكـذا يجـد ذاتـه, فإذا بـه يخسرها, لأن ذاتـه لا تتحقـق فعـلاً إلا إذا تجـاوزت حدودهـا فى سعى دائب لا ينتهـى إلى الله الذى يشير إليه عطشهـا اللامتناهى العاجـزة عـن إروائـه كل خيرات الأرض...
" فالإنسان يتجاوز الإنسان" كما قال باسكال ... لذا فإنه إذا إنطـوى عـلى ذاتـه , خسر ذاتـه بمسخـه إياهـا وتقـزيمه لهـا, كمـا علّم الـرب يسوع منـذرًا بـأن : [ مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا ] [ لوقا 17: 33 ]...
الخطيئة هى:
أن اتشبث بحدودى وارتاح نهـائيـًا إليهـا,
هـى بأن أكـون أكثـر مـن ذاتى,
هـى أن أرفـض النمـو والاتساع,
هى قصـر ونقـص فى الطمـوح...
يقول اللاهوتى الارثوذكسى الأب الكسندر شميمان:
" ... نعرف أن الخطيئة هى بالدرجـة الأولـى رفـض الحيـاة كتقـدمة,
كذبيـحة لله ,
أو بكلمـة أخـرى كاتجـاه إلهـى ...
والخطيئة إذًا هى بالأصل انحـراف حبنـا عـن غايتـه الأخيرة وهى الله" ...
فالإنسان فى جوهـره, امتـداد إلـى الله...
فإن تقـوقـع عـلى ذاتـه عطـل طبيعتـه الأصليـة وأخفـق فى بلـوغ ملء تَوْقـه الإنسانى...
ويتجـلى هـذا الاخفـاق على صعيدين:
يركز الإنسان المنقطـع عن الله اهتمـامه عـلى رغـائبه الجزئيـة ( كشهوة السلطة والتملّك واللذة والمعـرفة ومـا إليها ... ), عازلاً إياهـا عن مُجمـل مسار شخصيتـه ومُتجـاهلاً بقيـة أبعـاد كيانـه...
هكذا تتضخـم هـذه الرغائب الجزئيـة بشكـل مُفـرط, عشوائى, سرطـانى ـ إذا صـح التعبير ـ فتحجب وتُعطـّل الرغبـة المحـورية العميقـة التى هـى وحـدها قـادرة على جمـع الرغائب كلهـا, والمؤالفة فيما بينها, وتعبئتها فى مسعى موحـّد إلى تحقيـق كامـل للذات عبـر الألفـة مع الله ومشاركـة النـاس...
هكـذا يفقـد الإنسان حريتـه إذ تتحكـم به رغبـة مـن رغائبـه على حساب تـوقه المحـورى العميق...
إنه, خلافـًا لما قد يعتقـد, لا يفعـل عنـد ذاك ما يريـد, بل ما تريـده عنـه وتفرضـه عليـه رغبـة استطاعت أن تصـادر لحسابهـا الخاص مُجمـل طاقـاته فحـرمته من إمكانيـة توظيفهـا بصورة متوازنـة ومنسجمـة, لصالح كيانه الشامل بمختلـف أبعاده...
هكـذا فالخطيئة استعبـاد للإنسان واستلال له, كما عـلّم الرب يسوع:
[ ألْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ ] [ يوحنا 8: 34 ]...
هـذا وقد اكتشف علم نفس الأعماق الحديث, فى خط مدرسة كارل جوستاف يونج, بطريقته الخاصة, وعلى الصعيد السيكولوجى, فداحـة الانفصـام الذى يحصل فى الإنسان عندمـا ينعـزل أحـد ميولـه ويتضخـم بشكـل مفـرط على حساب كيانـه الجوهـرى المتكامـل...
أمـا على صعيد العلاقة بالكون, فالخطيئة تجعـل الإنسان يتوقف عند عطايا الله التى يتألف منهـا عالمنـا, فينظر إليهـا كمجـرد مواضيع لشهوتـه وحوافـز لرغبتـه فى التمتـع والتمـلك, فيغيب عنه معنـاها العميـق ولا يـرى فيهـا تعابيـر حب يخـاطب بهـا المعـطى قلبه ويدعوه من خلالهـا إلى مؤالفته...
هكـذا تتحـول الخـلائق إلى مرايـا تعكس له ذاته وتأسره فى عزلتـه, عوض أن تكون نوافـذ يطـّل منها على رحاب الله ويتمرس من خلالها على العيش بمعيتـه...
هكـذا فالخطيئة ليست, كما قد نتوهـم, محبة مفرطـة للحيـاة تثـور على كل ما يعـوقها,
إنها بالعكس انتقاص للحيـاة وتكبيـل لنموهـا وتجميـد لانطـلاقهـا,
تلك الانطـلاقة التى لا تتحقـق
إلا فى تجاوز يسمح وحـده للإنسان بأن يتخـطى حدوده ويشارك لا نهـائيًا فى غنى الله ...
**************
إذا كانت الخطيئة فى جوهرها, كما رأينا, انقطاعـًا عـن الله وتصدعـًا للعلاقة التى تربطنا به, فإنها بالتالى لا تُكشف فعـلاً إلا إذا استطاع صاحبهـا أن يحسّ بحضـور الله, وأن يعـى فى نور هـذا الحضـور الإلهـى كم هو مُظـلم و شقـىّ و فارغ من جـراء تغـرّبه عنـه...
هكـذا , فالابـن الشاطر لم يُدرك عمـق سقطتـه إلا عندما تذكـر بيت والده وما كتان ينعـم فيـه مـن هنـاء وكرامة, مقـارنًا ذاك الوضـع بـذلّه وشقائـه الحاضـرين:
[ فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ اَلْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! ] [ لوقا 15: 17 ]...
هـذا الحضـور الإلهـى الكاشف للخطيئة قـد تجـلى لنـا, ولا يزال, بملئـه فى يسوع المسيح...
لذا نـرى بطـرس الرسول, بعـد أن شاهد الصيـد العجيب الحاصـل استجابة لأمـر الرب يسوع فى بحيرة طبـرية:
[ فَلَمَّا رَأَى سِمْعَانُ بُطْرُسُ ذَلِكَ خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: اُخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ ] [ لوقا 5: 8 ]...
لـذا أيضـًا نرى أن الرب يسوع المسيج كـان يعاشر خطـأة عصره دون أن يشترط توبتـهم المسبقة, متحـديًا بـذلك معـارضة الأتقياء من كتبـة وفريسيين الذين كانتوا يتذمـرون عليـه قـائلين:
[وَكَانَ جَمِيعُ اَلْعَشَّارِينَ وَاَلْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ.فَتَذَمَّرَ اَلْفَرِّيسِيُّونَ وَاَلْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ ] [ لوقا 15: 1, 2 ]...
ذلك انـه كـان يريـد أن يحمـل إليهـم, عبـر معليشته لهـم, ذلك الحضـور الإلهـى الـذى تغـربوا عنـه, بحيث يتسنى لهـم أن يتلمسوه فيكتشفـوا على هديـه ضياعهم علّهم يُشفَون منه ويعـودون...
بهـذا المعنـى قال:
[ فَأَجَابَ يَسُوعُ: لاَ يَحْتَاجُ اَلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ اَلْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى اَلتَّوْبَةِ ] [ لوقا 5: 31 , 32 ]...
العشارون والبغايـا كانوا ولا شك يشعرون أنهـم يخالفـون الشرائـع والاعـراف, وأنهـم بسبب ذلك أصبحـوا على هامش الديـن والمجتمـع ومنبوذيـن من " الأتقياء"...
ولكن هـذا الشعور بالذنب لم يكـن لديهـم بعد شعـورًا حقيقيـًا بالخطيئـة...
لأن الخطيئـة تُختـبر, كمـا قلنـا, أمـام الله...
أمـا هـم فلـم يكـن قـد تسنّى لهـم قبل لقـائهم بالرب يسوع أن يواجهـوا الله مواجهتة حقيقيـة حيـة وليس فقط من خـلال كلمـات ونصـوص...
أمـا اتصـالهم بالرب يسوع فقـد أعطـاهم فرصـة فريـدة ليكتشفـوا الله لا كمجـرد كلمـة أو شريعـة ...
بـل كحضـور يُشـعّ بالقـداسة والرحمـة والحنـان, كينبـوع حيـاة وتجـدد وسـلام, وكدعـوة حيـة نافـذة إلى تحقـيق الذات بتجاوزهـا...
فإذا هـم يكتشفـون, ولأول مـرة, خطيـئتهم, إذ يحسّون ملْ الإحساس كـم هم منفيـون عـن ملكـوت المحبـة والخيـر والحيـاة, هـذا الذى تراءى لهـم, وكـم بذروا المواهـب التى مُنحت لهـم وأحبطـوا دعوتهم إلى الاكتمـال والفـرح...
فإذا بالمـرأة الزانيـة, وقد شعرت, كمـا تقـول طقـوس الأسبوع العظيـم " باللاهـوت " المستقـر فى المعـلّم والمشـعّ منـه, تكتشف بـآن معـًا وبالمقـابل مـرارة غربتهـا, فتبـلل أقـدام السيد بدموعهـا...
وباتصـالهـا بينـبوع المحبـة تُـدرك كـم كانت تعيسة بهـدر طاقات الحب الكامنـة فيهـا وتبديدهـا فى علاقـات سطحيـة, زائفـة, فتتفجـر فى كيانهـا نقـاوة كانت تظـن أنهـا أُقصيت عنهـا إلى الأبـد ...
وإذا بـزكـا رئيس العشاريـن, يشعر تحت وقـع نظـرة الرب يسوع إليه ثم زيـارتـه له فى منـزله, كـم ابتعـد عن ينبـوع الحيـاة عندمـا توغـل فى دروب الجشـع والظلـم, فإذا به يأخـذ عهـدًا على نفسه أمـام المـلأ بـأن يعطى المساكين نصف أمـواله وأن يعـوض أربعـة أضعـاف على الذين ظلمهـم...
أمـا الكتبـة والفريسيون, المعتـدون ببرّهـم, فقـد أغـلقـوا على أنفسهـم, بسبب ذلك, دون النور الإلهى الـذى كـان يفتقـدهم بيسوع المسيح, لـذا فإنهـم فوّتـوا على أنفسهم فرصـة اكتشاف خطيئـتهم وبالتالى فرصـة الشفاء منهـا, تلك الفـرصة التى عـرف كيف يستفيـد منهـا هـؤلاء " الخطـأة" المحتقـرون منهـم...
لـذا حـذرهم المعلم قائلاً:
[ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ. لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَأَمَّا الْعَشَّارُونَ وَالزَّوَانِي فَآمَنُوا بِهِ. وَأَنْتُمْ إِذْ رَأَيْتُمْ لَمْ تَنْدَمُوا أَخِيراً لِتُؤْمِنُوا بِهِ ] [ متى 21: 31 ]...
من هنـا أن حضـور الرب يسوع كان ـ ولا يزال ـ دينونة للناس بالمعنى الأصلـى للكلمـة اليونانيـة KRISIS الواردة بهـذا المعنـى فى الإنجيـل والتى تفيـد الفـرز والتميـيز...
إنه يضـع النـاس أمـام النـور, فيتضـح من جـراء تلك المواجهـة الفـارق بين الذين بفتحـون قلوبهـم للنـور فيعـوا خطيئـتهم ويتـوبوا, وبين الذين يتعـامون عنـه, ربمـا بسبب اعتدادهـم ببـرّهم, فـلا يشعرون بخطيـئتهـم ويبقوت فيهـا مقيمـين:
[ فَقَالَ يَسُوعُ: { لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هَذَا اَلْعَالَمِ حَتَّى يُبْصِرَ اَلَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى اَلَّذِينَ يُبْصِرُونَ }. فَسَمِعَ هَذَا اَلَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ اَلْفَرِّيسِيِّينَ وَقَالُوا لَهُ: { أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضاً عُمْيَانٌ؟ } قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: { لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَاناً لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلَكِنِ اَلآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ }] [ يوحنا 9: 39ـ 41 ]...
يتضـح ممـا سبق هـذا القـول للأب " ليف جيلله" أحـد كبـار الروحيين الأرثوذكسيين فى هـذا العصـر:
المـرء لا ينتقـل من وعى الخطيئـة إلى حضور الرب يسوع,
بـل, بالعكس,
من حضـور الرب يسوع إلـى وعـى الخطيئـة..
**************
إذا كان الإنسان, كمـا أشرنا, لا يختـبر فعـلاً خطيـئـته على أنهـا خطيئـة إلا إذا واجـه الله, فإن هـذا يعنى أنـه, وبـآن معـًا, يختـبر, إلى جانب ابتعـاده المريـر عـن الله, رحمـة الله لـه واستعداده لمنحـه الغفـران والمصـالحـة ولتجـديد عهـد الحب معـه...
وهكـذا يتضح أن الإنسان الذى يكتشف نفسه خاطئـًا يكتشف بحكـم الحـال أنـه يتـألم لانفصـاله عن الإله المحبـة, وأنه يعـود أليـه بالتـالى أن يقـدم على قفـزة الإيمـان التى تحقـق اللقـاء بينه وبين الله فتـزول بهـذا اللقـاء خطيئـته...
من هنا أن الإنسان الذى يشعـر بخطيئتـه أمـام الله, لا يجـد نفسـه مضطـرًا إلى أحـد أمـرين...
إمـا أن ينـوء تحت عبء شعور ساحـق بالـذنب...
أو أن يستميت فى إنكـار هـذا الذنب وتبريـر مواقفـه كمـا لو كانت القضيـة بالنسبة إليه قضيـة حيـاة أو مـوت, وجـود أو عـدم وجـود...
ذلـك أن ذنبـه ليس لاصقـًا بـه, ملازمـًا له, بل أنه قادر أن يتحـرر منـه عندمـا يشاء, وأنـه يكفيـه لذلك أن يعـود إلى الله ويرتمـى فى أحضـان حنـوّه, كمـا فعـل الابن الشاطر عندمـا :
[فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ ] [ لوقا 15: 1, 2 ]...
أن من يختبـر نفسه خاطئـًا أمـام الله يعـى بـآن معـًا أن تلك الخطيئـة ليست صفـة نهـائية له, بل أن إمكـانية التحـوّل والتجـدّد مقدمـة له الآن وأنهـا رهـن إرادتته...
هـذا ما لـم يدركـه " فرويـد" بسبب إلحـاده المبـدئى...
فقـد اعتقـد أن المـرء كلمـا توغـّل فى الفضيلـة والقتداسة, كلمـا أطبـق عليـه شعـور خانـق بالإثم...
وقـد غـاب عن باله أن القـديسين هـم أُنـاس منتصـبون فى كـل حين أمـام الله, وان هـذه المواجهـة الدائمـة لربهـم تعطيهـم بآن معـًا شعـورًا حـادًا بخطيئتهم , وشعـورًا لا يقـل حـدة عـن الأول, برحمـة الله لهـم وبقـدرته المحـرّرة لهـم والمجـدّدة لحيـاتهم...
فالرسول بولس, الذى كـان يعتـبر نفسه أول الخطـأة, كان يشعر بآن معـًا أن قـوة الله تسطع بأجلـى بيان فى اقتـدارها على إنقـاذه مـن ضعفـه وأن كل شئ يغـدو مستطاعـًا له بفعلهـا...
هـذا ترديـدًا لأقوال الرب يسوع:
[غَيْرُ اَلْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ اَلنَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اَللهِ ] [ لوقا 17: 28, مرقس 10: 27, متى 19: 26]...
هكـذا فإن القـلق الـذى ينتـاب المـرء عندمـا يُـدرك خطيئتـه يتغلب عليه سلام نـابع من ثقتـه برحمـة الله...
من هنـا, كمـا يوضـح الطبيب النفسـانى الدكتـور " مارسيل إيك" أن قلـق الشعـور بالخطيئـة ليس قلقـًا كليـًا لأنه يحمل فى ذاتـه عنصـرًا يخفـف مـن وطـأته...
فمـن استطـاع أن يعـى خطيئتـه فعـلاً أمـام الله, هذا لا ينحصـر فى متـاهات عقـدة الذنب ولا يقـع فريسة لعوارضهـا المرضـيّة...
إنه, حتى ولو انتـابه شعور مستعـص بالذنب نـابع ممـا ترسب فـى نفسه متن عـِقَد نتيجة ظـروف حياتـه وطبيعـة حبرات طفولتـه, يجـد مـلاذًا له فى ثقتـه العميقـة بالله, تلك التـى يعبّر عنهـا الرسول يوحنـا بقـوله:
[عِنْدَئِذٍ نَتَأَكَّدُ أَنَّنَا نَتَصَرَّفُ بِحَسَبِ الْحَقِّ، وَتَطْمَئِنُّ نُفُوسُنَا فِي حَضْرَةِ اللهِ، وَلَوْ لاَمَتْنَا قُلُوبُنَا؛ فَإِنَّ اللهَ أَعْظَمُ مِنْ قُلُوبِنَا، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ. ] [ 1 يوحنا 3: 19, 20 ]...
من هنـا أن الشعـور الأصيـل بالخطيئـة, كما كشفـه لـنا الرب يسوع , لا يكـبّل المرء بل يحرره...
إلى الناس الذين كثيـرًلا ما يرفضـون الله لأنهم يعتقـدون أن مواجهـة الله تقتضـى منهـم أن يـروا أنفسهـم مذنبـين, يأتى الرب يسوع ليقـول أن الأمـر إنمـا هو على نقيض ذلك: فأمـا البشر لا بـد أن يشعر كـل إنسان أنـه مذنب, لكـن أمـام الله, الذى هتو صـالح وحـق, فكـل إنسان يستطـع أن يحسّ بأنـه محبـوب ومغسـول ومسـامَح وحـرّ...
لا بـل قد قيـل أن الشعـور بالخطيئـة لا يتختذ كل ابعـاده إلا إذا اختبـر الإنسان الغفـران, لأنه إذ ذاك, على ضـوء علاقتـه المستعـادة بالله, يـدرك حـقّ الإدراك كـل غنى الحيتاة التى كتان قد عزل نفسته عنهتا وكل فداحـة الحرمـان الذى كان يعـانى منـه من جـراء ذلك...
حيث يقول مارك أوريزون:
إنمـا فى الغفـران تُعـرف الخطيئـة..
************
هـذا مـا يشير إليـه مثـل " الابـن الضـال" الـذى تسميـه لغتنـا الطقسيـة " الابـن الشاطر", لأنـه شَطَرَ, أى فَصَلَ, مصـيره عن حيـاة أبيـه ( الذى يمثـّل الله فى هـذا المثـل ) وقطـع بإرادتـه ربـاط المشـاركة القـائمـة بينهمـا وعبـّر عن ذلك الانقطـاع بابتعـاد جغرافى عـن بيت أبيـه:
[ إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ اِبْنَانِ. فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي اَلْقِسْمَ اَلَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ اَلْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ اَلاِبْنُ اَلأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ ] [ لوقـا 15: 11 ـ 13 ]...
هـذا ولا بـدّ مـن الإشـارة إلـى أن عـلاقتى بالله تمـرّ بعـلاقتى بالبشر إخـوتى وأعضـاء عائلـة الله, بحيث أننى,
إذا تنكّرتُ لهـم تنكّـرت له وتباعدت عنـه..
**************
وغذا كانت الخطيئـة, كمـا رأينـا, تبـاعـُد فى جوهـرها, فإن لهـذا التبـاعـد درجـات تختـلف مـع اختـلاف درجـات تنكـّرى للإلـه المحبـة:
1ـ درجـة التبـاعـد مرتبطـة بخطـورة العمـل الـذى أسئ بـه إلى المحبـة:
فإننى أخطـئ إلـى الآخـر ( وبالتـالى إلى الله ) عـلى قـدر الأذى الـذى أرتضـى أن ألحقـه بـه..
وقـد يكـون مقـدار الأذى أفـدح بكثيـر ممـا يظهـر لأول وهـلة...
فهنـاك عـدة وجـوه لقتـل إنسان ... أو شعب...
2ـ درجـة التبـاعـد مرتبطـة أيضـًا بموقفـى الداخـلى ...
فقـد ألحـق بالغيـر أذى عـن غـير قصـد منـى ( وإن كنت أحيـانـًا, فى هـذه الحـال, مطـالبـًا باستهتارى, الذى قـد يكون عـلى درجـات )...
ولكننـى قـد أؤذى الأخـر عـن سابق تصـوّر وتصميم ...
أو قـد أضمـر له الأذى دون أن يتـاح لى, لسبب مـا, تحـقيـق ذلك, قتكـون خطيئتـى على قـدر فداحـة سوء نيتـى:
[ وَكُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخاً لَهُ، فَهُوَ قَاتِلٌ. وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنَّ الْقَاتِلَ لاَ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيه ] [ 1 يوحنـا 3: 15 ]...
3ـ درجـة التباعـد مرتبطـة بدرجـة اللامبـالاة بالآخـر:
وهناك خطيئـة تقـوم لا على عمـل أُقـدم عليـه, إنمـا على إحجـامى عـن القيـام بعمـل كانت المحبـة تفرضـه علىّ...
إن بعـض التشريعـات تعـاقب إنسانـًا إذا لـم يمـدّ يـد المعـونة لإنسان آخـر كان فى حـالة الخطـر...
كـذلك فهنـاك خطيئـة اللامبتلاة بمـن حـولى وهى خظيئـة " الأوادم" الـذين " لايؤذون أحـدًا", ولكنهـم يتركـون الأذى يفتـك بسواهـم دون أن يحـركوا ساكنـًا, ولسان حـالهـم:
[ فَقَالَ اَلرَّبُّ لِقَايِينَ: «أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟» فَقَالَ: «لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟» ] [ تكـوين 4: 9]...
فـداحـة هـذه الخطيئـة مرتبطـة بفـداحـة اللامبـلاة التى وراءهـا وبدرجـة تعمّـدها...
هـذا صحيـح ليس فقـط على الصعـيد الفـردى بـل على الصعيـد الحمـاعى أيضًا...
فقـد يتهـرب المـرء مـن إتخـاذ موقف فى القضـأيـا العـامة التى تحـدّد مصـائر النـاس, وكـان الأمـر لا يعنيـه...
4ـ درجـة التبـاعد مرتبطـة بدرجـة الإصرار عليـه:
أخيرًا, فإن فداحـة الخطيئـة مرتبطـة بدرجـة إصرارى عليهـا...
فقـد ألحِـق أذى كبيـرًا بالآخـرين ولكـن بتأثيـر فترة ضعف ـ قـد تقصر أو تطـول ـ أنقـاد فيهـا إلى أهـوائى ثم أعـود عـن غيـّى وأحـاول قـدر الإمكـان التعويض عمـا فعلت...
وقـد أصـر بالعكس عـلى لامبـالاة بالآخـرين قد لا تتجـلى باعتـداء مباشر عليهـم إنمـا بتغـرّب مقصـود ودائـم عن حاجاتهم مـن شأنـه أن يشلّ المحبـة فـىّ دون رجعـة...
هـذا الموقف الأخـير أشد خطـورة مـن الأول...
فزكـا رئيس العشارين ارتكب الظلـم والنهب على قـدم وساق, ولكنـه ترك نظـرة المسيح تلمس قلبـه وتذيب جليد هـذا القلب, وإذا به يعطى المساكين نصف أمـواله ويرد أربعـة أضعـاف لمـن غبنهـم...
أمـا غنـىّ المثل الإنجيلى فلا يبـدو أنـه ارتكب الكبـائر, ولكنـه كـان كل يـوم يتنعّـم بترفـه وموائـده مُتجـاهـلاً لعـازر المسكين المطـروح عنـد باب بيتـه يتضـوّر جوعـًا وألمـًا...
لـذا نـراه فى الجحيـم شأن الذيـن لا يتـوبون...
إن عـد التـوبة هـذا, أى الإصـرار النهـائى علـى التوغّـل فى الخطيئـة هـو ما سُـمّى بالـتجديف على الروح القـدس:
[ ... وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى اَلرُّوحِ اَلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ لاَ فِي هَذَا اَلْعَالَمِ وَلاَ فِي اَلآتِي ] [ متى 12 : 32]...
وبالخطيئـة التـى تقـود إلى المـوت:
[...فَهُنَالِكَ خَطِيئَةٌ لاَبُدَّ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى الْمَوْتِ.... ] [ 1 يوحـنا 5: 16]...
وقـد قيـل أن هـذه الخطيئـة لا تُغْتَـفَر,
لَيْس لأن لغـفران الله حـدودًا,
بـل لأنهـا تُمثـّل إِصْـرَارًا نِهـَائيـًا على الاغْـتِرَابِ
عـن يَنْبُـوع المحبـة والغـفران.
ما هو المفهـوم الإيمانـى المسيحى الأرثوذوكسى للخطيئـة الجـدّية؟
ما سوف أقدمه هو المفهوم الأرثوذكسى
للخطيئة الجـدّية المتفق مع جوهـر التراث المسيحى الشرقى المستقيم الرأى:
ليست الخطيئة الجـدّية خطيئة إنسان فـرد
انتقلت فى ما بعـد إلى ذريته...
إنما هى خطيئـة الإنسانية كلهـا فى
تاريخهـا الراهـن...
فإن " آدم" ( ومعنـى هـذ العبارة :
التـرابـى )...
قد خُلِق كحالـة وسطى بين العالم
الطبيعى والعالم الروحى, خلق من نفس وجسد...
فهـو من ناحيـة يرتبط بالعالم الطبيعى
من جهـة الجسد التـرابى, ومن جهـة أخـرى ينتسب إلى العالم الروحـى من جهة بدئـه
الروحى...
فالإنسان خُلـق مغـايرًا لجميع
المخلوقات الأخـرى...
فبينمـا أن جميع الحيوانات خُلقت نفسًا
وجسدًا من عناصر أرضيـة, وبأمـر إلهـى...
فبالنسبة للإنسان: فقد خلق الله آدم كما
جاء فى سفر التكوين
[
وَجَبَلَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ آدَمَ
تُرَاباً مِنَ اَلأَرْضِ
وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ.
فَصَارَ آدَمُ
نَفْساً حَيَّةً
]
[ تكوين 2:7]...
وخُـلقت المـرأة من ضلعٍ من أضلاعـه:
[
فَأَوْقَعَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأَخَذَ وَاحِدَةً
مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأ مَكَانَهَا لَحْماً. وَبَنَى اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ
اَلضِّلْعَ اَلَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ اِمْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ.
فَقَالَ آدَمُ: { هَذِهِ اَلآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي.
هَذِهِ تُدْعَى اِمْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ اِمْرِءٍ أُخِذَتْ}
]
[ تكوين 2 : 21 ـ 23]...
وهكـذا تتبـدى لنـا العلاقة الوثيقـة
التى تربط الإنسان بالأرض وبالله...
وما تميزت به طبيعته الجسدية
والروحية...
والمفهـوم المسيحى السليم للإنسان, أنـه
يتكون من الروح والجسد معـًا, فى وحـدة وتنسيق وانسجام وترابط وثيق...
ومن العقائـد الأساسية فى الكنيسة
المسيحية أن الجنس البشرى يـُرد فى أصـله إلى " آدم وحـواء" فهـما يمثـلان
الإنسانية كلهـا( وقد كـان من عادات الشرق القـديم أن تسمّى الذريـة بـاسم الشخص
الـذى كان يُعتقد أنهـا تحـدّرت منه: فمثـلاً: كلمـة " إسرائيـل", وهـى لقـب أُعـطى
ليعـقـوب, أصبحـت تشير إلى ذريتـه كلهـا, إلى الشعـب الإسرائيـلى عبـر التاريخ,
الذى ينتسب إلى يعـقـوب كما إلى أصـله)...
وهـذه العقيـدة يشهـد بهـا الكتاب
المقدس,
وهـى أصـل لازم وسابق للخلاص:
[
َدَعَا آدَمُ اِسْمَ اِمْرَأَتِهِ « حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ
]
[ تكوين 3: 20 ]...,
[
وَجَبَلَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ اَلأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ
نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً.. فَأَوْقَعَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ
سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأ
مَكَانَهَا لَحْماً
]
[ تكوين 2: 7, 21 ]...,
[
وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ اَلنَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ
وَجْهِ اَلأَرْضِ وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ اَلْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ
]
[ أعمال الرسل 17: 26]...,
[
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى
الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ
وَهَكَذَا اِجْتَازَ اَلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ اَلنَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ اَلْجَمِيعُ.
فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ
الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. لَكِنْ قَدْ مَلَكَ
اَلْمَوْتُ
مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى
اَلَّذِينَ
لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ
اَلَّذِي
هُوَ مِثَالُ
اَلآتِي.
وَلَكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هَكَذَا أَيْضاً اَلْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ
بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ اَلْكَثِيرُونَ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً نِعْمَةُ اَللهِ
وَاَلْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ اَلَّتِي بِالإِنْسَانِ اَلْوَاحِدِ يَسُوعَ
اَلْمَسِيحِ قَدِ اِزْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ. وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ
أَخْطَأَ هَكَذَا اَلْعَطِيَّةُ. لأَنَّ اَلْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ
وَأَمَّا اَلْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. لأَنَّهُ
إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ اَلْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ اَلْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ
فَبِالأَوْلَى كَثِيراً الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ
اَلْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي اَلْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ اَلْمَسِيحِ. فَإِذاً
كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ اَلْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ اَلنَّاسِ
لِلدَّيْنُونَةِ هَكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ
لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ]
[ رومية 5: 12ـ 18]...
[أَلَيْسَ
أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟ أَلَيْسَ
إِلَهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟]
[ ملاخى 2: 10]...
فحسب الكتاب المقدس
, فإن حالة الإنسان الأصلية كمـا يتبين لنـا مما قاله سفر التكوين فى:
[رَأَى
اَللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً... َكَانَا كِلاَهُمَا
عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَآمْرَأَتُهُ
وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ
]
[ تكوين 31:3, 2:
5]...,
لا يمكننا أن
نستنتج أن آدم خُـلق فى حـالة مطلقـة من الكمـال الأخلاقى والفكـرى...
أن الآية الأولى لا
تتحدث عن الكمـال الأخلاقى والفكـرى للإنسان, بل تشير إلى أن حالة الإنسان الأولى
قد صيغت وشُكّـلَت بحيث تلائم الغـاية التى خـلق من أجلهـا الإنسان...
والآية الثانية,
أيضـًا, لا تشير إلى الكمـال المطلق للإنسان الأول ( آدم ) بل إلى حـالة البـر التى
خُـلق عليهـا الإنسان قبـل التفتـح الخلاقى لقـواه...
ثم أن بولس الرسول
يقول:
[
وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ اَلْجَدِيدَ اَلْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اَللهِ فِي اَلْبِرِّ
وَقَدَاسَةِ اَلْحَقِّ
]
[ أفسس 4:
24 ]
لا يشير على آدم
الأول, بل إلى الإنسان الجديد كمـا يتضح من:
[
هَكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضاً: { صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً
وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً }.
لَكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ وَبَعْدَ ذَلِكَ
الرُّوحَانِيُّ.
الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ
الأَرْضِ تُرَابِيٌّ.
الإِنْسَانُ الثَّانِي
الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ.
كَمَا هُوَ التُّرَابِيُّ هَكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضاً وَكَمَا هُوَ
السَّمَاوِيُّ هَكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضاً. وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ
التُّرَابِيِّ سَنَلْبَسُ أَيْضاً صُورَةَ السَّمَاوِيِّ.]
[ ا كورونثوس
15: 45 ـ 49]...
هنـا يميـز الرسول
بولس بين الإنسان الأول ـ كإنسان ترابى ـ تقوم حياته على أسس طبيعية, وبين آدم
الثانى الذى منـه يبدأ ملكـوت الروح...
وهـو أمـر لم يكن
من الممكن أن يحققه بسبب الخطيئـة...
ولكنـه يتحقق فى
المسيح يسوع...
ومن أجـل ذلك فإن
الآبـاء يؤكـدون بكـل قوة نسبية الكمـال الذى خُـلق عليه الإنسان الأول, ويقارنون
فى تعاليمهـم بين الحياة على مستوى آدم الأول, وبين الحياة فى الرب يسوع المسيح...
كذلك يميزون بين "
حسب الصورة" و " حسب الشبه"...
وهـذه العـلاقة
يصيغهـا القديس باسيليوس الكبير صياغة فلسفية, فيلاحظ أن الصـورة ليست شيئًا آخر
غير الشبه بالقـوة [
Dunamei
], وأمـا الشبه فهـو الصـورة بالفعل [
Energeia
]...
وعندما يقارن
الآباء بين الخلقة والفـداء, فإنهم يرون بوجـه عـام أن الفـداء بالمسيح يسوع هـو
استحضـار وإعـادة بنـاء صورة الله فى الإنسان..
فالقديس غريغوريوس
النيصى يقول: "
أن نعمة القيامة ليست إلا إعـادة الإنسان إلى حالته الأصليـة"
[ Apokatastasis
]...
فإنهـم يشددون على القـول بأن حـالة الإنسان الأول فى الفـردوس لم تكـن كاملـة...
ولكـن كان ينقصهـا هبـة البنـوة والحيـاة الروحيـة فى المسيح والتى صـارت لنـا
فيمـا بعـد بالفـداء...
وعلى ذلك فإن آدم
خُلق لكى ينمـو فى الحياة الروحيـة ويصير قديسـًا وبارًا متشبهـًا بالله...
وفى هـذا يتعارض
الفكـر الأرثوذكسى مع الفـكر البروستانتى الذى يرى أن الإنسان خُـلق كامـلاً جسدًا
وعقلاً...
ولو أن الإنسان ـ
كما يقـول البروستانت ـ خُـلق كامـلاً, فكيف نفسر سقوط الإنسان وهـو كلى
القداسة؟...
ويذهب الكاثوليك
إلى القول: بان البر الذى كان لآدم الأول, هو هبة فوق الطبيعة, بينما يذهب
البروستانت إلى القـول بأنه بأنه كائن فى التكوين الطبيعى للإنسان...
وكـلا الرأيين
يجانبان الصـواب...
فالكاثوليـك
يربطـون البر بجوهـر الإنسان رباطـًا خارجيـًا ميكانيكيـًا...
وهتذا يقتود إلى
البيلاجية, والتى بحسبهـا لا تفترق حالة الإنسان قبل وبعد السقوط...
ومن ناحية أخـرى,
يجعـل الخطيئـة الأصليـة مجـرد فقدان للهبـات المضـافة, ويؤدى إلى القـول, بانـه
منذ البداية, لا يوجـد تناسق وتناغم بين الجسد والروح, أو أن الجسد والروح يوجـدان
من البداية فى حالة صراع ...
وأمـا البروستانت,
فإذا كان من الصـواب أنهـم وضعـوا البر الأصـلى فى الطبيعـة, فإنهـم أخطـأوا فى
إبعـادهـم النعمـة الإلهيـة التى بهـا تتقـوى الطبيعة البشريـة...
ولا يمكن القـول
بأن الإنسان فى الفـردوس, من حيث هـو تام الصلاح والبر, ليس فى حاجـة إلى نعمـة
الله...
إن مـا يُـروى فى سفـر التكـوين على أنه
حصـل لآدم, إنمـا يمثّـل لما تعيشه الإنسانية التاريخيـة كلهـا...
بعبـارة أخـرى ليس آدم سببـًا لمأساة
البشرية, إنمـا هو صورة لهـذه المأساة...
لـذا فالأصـح استعمـال عبارة " الخطيئـة
الأصليـة" بدل عبارة " الخطيئـة الجـدّية" ...
إذ أن الخطيـئة فى آدم ليست خطيئـة
ارتكبهـا هـو فانتقلت منه إلينـا, ليست خطيئـة موروثة عـن الجـدّ الأول, إنمـا
تمثّل الموقـف الذى هو, لـدى كـل إنسان, سواء الآن أو فى فجـر الإنسانيـة, أصـل
الخطـايا كلهتا وجُـذرها...
مـا هو هـذا الموقـف؟...
إنه محاولة الإكتفـاء بالـذات...
إنـه , كمـا يقـول اللاهـوتى الأرثوذكسى
الكبير " أوليفيه كليمـان": انحـراف نرجسـى للحب المخلـوق...
أى تركيـزه المهـووس والمهـلك على
الذات...
إنـه إرادتى بأن أمتلك ذاتى عـوض أن
أتقبـل ذاتى هبـة من آخـر...
فى حين أن الخبـرة الإنسانية بمجملهـا
تبيـّن أننـا إنمـا بالآخـرين نوجـد...
فالطفـل لا يتلقى الحيـاة وحسب من
والديـه, إنمـا هو بحاجة إلى حبهمـا ليستمـر فى الوجـود ولينمـو على كـل الأصعـدة
مـن جسدىّ وعقـلىّ ونفسىّ...
هـذا وإننى محتـاج, طيـلة حيـاتى, إلى
محبـة الآخـرين وتقـديرهم وثقتهـم كى أحيـا وأنمـو وأنطلـق وأسعـد...
موقـف الإكتفـاء الـذاتى الذى هو صلب
"
الخطيئـة الأصليـة"
هـو أن أريـد الاستيلاء على الحب وجعلـه ملكـًا لى أتصـرف بـه كيفمـا أهـوى,
فى حين أن الحب لا يـؤخـذ أخـذًا بل يُقبـل هبـة من آخـر...
هـذا مـا عبـّر عنه قطـف آدم للثمـرة
الوحيـدة التى حُـرّمت عليـه فى الجنـة, بينمـا كانت الأشجـار كلهـا موضـوعة
مجـانـًا تحت تصـرفه...
إنهـا إرادة الإنسان بأن يكـون هـو
نفسـه المنبـع الأول لكـل شئ ومصـدره, عـوض أن يكـون فى تواصـل مع هـذا المنبع
يستمـد منه وجـوده ويتلقـّى منـه الكائنـات كلهـا...
لمـاذا محـاولة الاكتفـاء بالـذات
هـذه؟...
إنهـا نابعـة مـن حـذر أساسى حيـال
الآخـر...
إذ, نتخيـّله, على صورتنـا, كائنـًا
يكتفى بذاتـه ولا يـرى فى غيـره مـن الكائنـات سوى ذريعـة لتسلطـه ومتعتـه
المنفردَين...
فنحـاول أن نقـلّد هـذه الاكتفـائيـة
بعـد أن نكـون أسقطناهـا زورًا على الله وألطـقناهـا به, فى حيـن أنهـا غريبـة
بالكليـة عـن الإلـه الثالـوثى, الإلـه المحبـة, وأنهـا بالفعـل صـورة شيطـانيـة
عـن الله...
لـذا نـرى الشيطـان بصـورة الحيـة, فى
رواية سفر التكـوين, يقـدمهـا لآدم وحـواء على أنهـا نمـوذج إلهـى يحسن الاقتـداء
بـه:
[
بَلِ اَللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا
وَتَكُونَانِ
كَاللهِ عَارِفَيْنِ اَلْخَيْرَ وَاَلشَّرَّ
]
[ تكوين3: 5 ]...
هـذه الإكتفـائية التى تدفعـنى إلى
اعتبـار ذاتـى مصـدرًا لكـل شئ هى التى يعبـّر عنهـا سفر التكـوين بعبـارة " معـرفة
الخير والشر" :
[وَتَكُونَانِ
كَاللهِ عَارِفَيْنِ اَلْخَيْرَ وَاَلشَّرَّ
]
[ تكوين3: 5 ]...
والمقصـود بالطبـع ليس التمييز بين
الخير والشر ـ وهـو من خصائص العقل الممنـوح للإنسان على صورة الله ـ بل سلطـان
تقـرير ما هـو الخيـر وما هـو الشرّ...
أى التحـكم بالمقـاييس الخلقـية وفـق
الهـوى...
هـذا الموقـف الإكتفـائى, الـذى يشكّـل,
كمـا قلنـا, جوهـر" الخطيئـة الأصليـة" مرتبط, لـدى الإنسان, بخـوف من المـوت...
ذلك أن الإنسان يطمـح ويتـوق بطبيعتـه
إلى اللامتنـاهى, ولكنـه يصطـدم, فى الواقـع, بمحـدودية كـل شئ, تـلك المحـدودية
التى يشكّـل المـوت تعبيـرها الأقـصى...
هـذا التنـاقض بين واقـع الإنسان وتـوقه
أمـر لا منـاص منه, والله يخـاطب عبره الإنسان ليقـول له أن معـنى وجـوده لا يمكـن
أن يكـون فى ذاتـه هو, إنمـا هـو فى الله, وأنـه لا يستطيـع بذاتـه أن يبلـغ مـلء
ذاتـه, إنمـا ينبغـى لـه أن يتلقّـى هـذا المـلء مجـانـًا مـن الله, وذلـك عبـر
اعتـرافه العميـق بمحـدوديتـه...
هـذا هـو "
الفقـر الروحـى" : [
طُوبَى
لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ
لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ
السَّمَاوَاتِ]
[ متى 5: 3 ] ووضـع رجائـه فى
الله وحـده...
ولكـن الإنسان, وقد ضعضعـه وبلبـله
التناقض الـذى يعـانى منـه, يتصـوّر بأن الله يتلاعب بـه, فيبتعـد عنـه ويحـاول أن
يجـد لتناقـض وجـوده حـلاً هـو بالفعـل أسوأ الحـلول...
ألا وهـو بأن ينكـر محـدوديته ويتخيـّل
بأن بوسعـه أن يسعـد ذاتـه بذاتـه, بمعـزل عن الله...
هكـذا, ينحصـر ضمـن جـدران عزلتـه,
يغـلق على ذاتـه دون الله, وبالتـالى دون سائـر الكـائنـات إذ لا يـرى فى هـذه إلا
ذرائـع لمتعتـه وتملكـه وسلطـانه بـدل أن يتعـامل معهـا بمحبـة ورعـاية واحتـرام
لأنهـا مثلـه خلائـق الله...
بهـذه الإكتفائيـة يتوهّـم الإنسان
بانـه اكتسب مناعـة ضـد الموت, وأصبـح بمـأمن من خطـره...
فى حين أنـه, بالحقيـقة, ينقـاد بهـا
إلى لعبـة المـوت من حيث لا يـدرى...
ذلك أنـه بانقطـاعـه عـن الله وعـن
الكائنـات خلائـقـه ـ تلك التى لا يستطيـع أن يقبلهـا على حقيقتهـا إلا إذا
تقـّبلهـا من الله, أى تقـّبلها هبـة إليـه وليس ملكـًا له فى حـال من الأحـوال ـ
بهـذا الانقطاع يجعـل نفسـه بمعـزل عـن منـابع الحيـاة, يحـرم نفسـه مـن فرح
المشاركـة وغنـاهـا, يجـفّ ويختنـق روحيـًا, يصبـح بالفعـل ميتـًا وهـو لا يـزال
على قيـد الحيـاة, يجهـض تحقـيق إنسانيته, يقيـّد ذاتـه ويستلبهـا, وبعبـارة
واحـدة:
[
وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ
الَّذِينَ
خَوْفاً مِنَ
الْمَوْتِ
كَانُوا جَمِيعاً
كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ
الْعُبُودِيَّةِ
] [ عبرانيين 2: 15 ]...
أى الذى جعـل نفسه ( الإنسان ) فى
العبـودية خوفـًا من المـوت...
أى أنـه ( الإنسان ) يعيش روحيـًا
كالأمـوات لأنـه لم يجـرؤ على مواجهـة واقـع فنائيتـه...
ولكـن هنـاك لحظـات تنتـاب هـذا الإنسان
بيـن الحيـن والحين, فينقشـع فيهـا الوهـم وتواجهـه الحقيقـة فى كـل عريهـا...
وإذا, بالمـوت الذى يحـاول عـادة أن
يتناسـاه, يتراءى لـه على أنه نهـاية حتميـة لوجـوده تلقـى بظلـّها الثقيـل على كل
ذلك الوجتود وتفضـح تفـاهة السدود التى نُصبت بغيـة الإحتمـاء منها:
[
فَقَالَ لَهُ اَللهُ:
يَا غَبِيُّ
هَذِهِ اَللَّيْلَةَ
تُطْلَبُ نَفْسُكَ
مِنْكَ
فَهَذِهِ اَلَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟
] [ لوقا 12: 20 ]...
إنهـا لحظـات يائسـة يتراءى لـه المـوت
فيهـا كارثـة لا تُعـوَّض, لأنـه, بانقطاعـه عـن الله, حـرم نفسـه مـن الرجـاء وترك
للمـوت الكلمـة الأخـيرة...
ذلك هـو المعنـى المزدوج للتحـذير
الوارد فى سفر التكـوين:
[
لأَنَّكَ
يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا
مَوْتاً تَمُوتُ
] [ تكوين 2: 17 ]... أى:
أ ـ أن الإنقيـاد إلى موقـف الاكتفائيـة
يجعـل مـن الحيـاة نفسهـا ضربـًا من المـوت,
مـوتـًا وجـوديـًا..
ب ـ أنـه يجعـل من الموت الجسدى كارثـة
نهـائيـة لا تعـوّض...
هـذا وأن اختبـار المـوت على هـذه
الصـورة على أنه نهـاية مطلقـة للوجـود ومفرغـًا إيـاه من أى جـدوى, ذلك الاختبـار
الـذى هـو, كمـا رأينـا, وليـد محـاولة الإكتفــاء بالذات, قـد يقـود من جهتـه إلى
التمـادى فى تلك المحـاولة...
ذلك أن إحساس الإنسان بأنـه سجين "
نهائيـة مغلقـة", يتعـارض بعنف
مـع "
غريـزة الأبـدية" التى زرعتهـا
فيه صورة الله...
فينـدفـع, نتيجـة تلك المعـاناة, إلى
مزيـد من الإنحـراف بغيـة التهـّرب من مواجهـة بؤسه, فيهـرب, كمـا عـلّم الآباء,
إلى الطمـأنينة الزائفـة التى يستمـدها من الانقيـاد إلى الأهـواء, متوهمـًا مـن
خلالهـا, أنـه امتـلك المطلـق واكتفـى بذاتـه...
فى حين أنـه لا يتوصـّل بالفـعل, عن
هـذه الطريـق, إلا إلى تعميـق اغترابـه وبالتـالى مأساتـه...
ممـا يدفعـه إلى تكـرار محـاولته
اليائسة للاكتفـاء الذاتى...
وهكـذا دواليـك فى دوامـة جهنميـة
يَضْحـى أسيرهـا...
ليست القضية ـ كمـا سبق وبيـّنا ـ قضيـة
خطيئـة ارتكبهـا أحـد الأسلاف وانتقلت منـه إلينـا...
فالإنسان, فى المنظـور الأورثوذكسى لا
يولـد مذنبـًا...
إنمـا هى قضية منـاخ خطيئـة نولـد فيه
وننشأ ونحيـا...
إن المواقـف المؤذيـة التى يتخـذهـا
الأهـل والمربـون, والعلاقـات الإنسانية المشوهـة والمفسدة بالكـذب والاستعلاء
والجـور والاستغلال والكراهيـة والحسد وما شابه ذلك, والبنى الاجتماعيـة والسياسية
الظالمـة, وكل ذلك يطبعنـا منـذ نعـومة أظارنـا ويدفعنـا بدورنا إلى ارتكـاب أغلاط
وأخطـاء وآثام تضاف بدورهتا إلى سلبيات الإنسانية فتثقلهـا...
إن البشرية لشبيهة بجسم حىّ تترابط
كافـة أعضائه وتتأثر بعضهـا ببعض...
بمـا أننا, كمـا يقول الرسول بولس:
[
أَعْضَاء بَعْضُنَا لِبَعْضٍ
], فإننا متضامنون مع الجنس البشرى
من حيث الأخطـاء التى راكمهـا عبر تارخـه المأساوى...
ثمّ خسره بعـد ذلك وخسره من جـرّاءه
الإنسان ...
ليست القضيـة قضيـة تعـاقب زمنى...
إن صورة " ما قبـل" و " ما بعـد" , كما
وردت فى قصة الخلق فى سفر التكوين, تترجم بالواقع وجهـين للوضـع البشرى همـا
بمثـابة وجهـين لعمـلة واحـدة...
فمـا هو " قبـل" يمثـّل رغبـة الله
بالنسبة للإنسان, المصير الذى أعـده له والذى زرع إمكانيـة تحقيقـه فى صميم الكيـان
البشرى ( تلك هى صـورة الله فى الإنسان )...
ولكن هـذه الرغبـة الإلهيـة لم تتحقـق
حتى الآن فى حيـّز الواقـع, إنمـا تحقيقـهـا ـ الذى دشّن فى الكلمـة المتجسد يسوع
المسيح عبر حياتـه وصليبـه وقيامتـه وصعـوده ـ سوف يتم فى نهايـة الأزمنـة, بعـد
صيرورة طويلـة ومخاض عسير يترتب فيه الإنسان أن يستثمـر بنفسه مواهب الله, أن يصنـع
نفسـه إذا صـحّ التعبير, إنمـا عِبـْرَ تقَبـُّل ذاتـه من الله وتحقيـق الطاقات
التى يوقظهـا الله فيـه...
ذلك هـو معنى التمييز بين " الصـورة" و"
الشبه" كمـا أوضحـه التقليد الآبائى الشرقى...
فالإنسان, أصلاً وأساسًا, " صـورة
الله", ولكن هـذه الصـورة لـن تتحقـق, لن يصبح الإنسان " على شبه الله ومثاله"
فعلاً, إلا عبـر صيرورة ومعـاناة تتطلب مساهمتـه الحـرّة وجهـده المتواصـل...
فالكنيسة الأرثوذكسية ترفض كل عقيدة
للنعمة تنقص من حريـة الإنسان...
وتستعمـل الكنيسة تعبير [
SYNERGEIA
] أو " التآزر" للتدليل على الصلات بين النعمة الإلهية وحـرية الإنسان...
والرسول بولس يقـول:
[
فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اَللهِ وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اَللهِ بِنَاءُ
اَللهِ
]
[ 1 كورونثوس 3: 9 ]...
فليس بوسع الإنسان أن يحقق الشركة
الكاملة مع الله بدون مساعدة الله, ولكن ينبغى له أن يساهم هو أيضـًا فى هـذه
العملية...
وعلى الرغـم من أن ما يفعله الله أعظم
بكثير مما يمكن ان يفعله الإنسان, فإن عليهمـا كليهمـا الإسهام فى العمل المشترك...
فالله ينتظـر الإنسان كى يفتح الباب
[هَئَنَذَا
وَاقِفٌ عَلَى
الْبَابِ
وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ
الْبَابَ،
أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي
]
[ رؤ 3: 20]
فهو لا يحطمـه...
ونعمـة الله تدعـو الناس جميعًا لكنها
لا ترغـم أحـدًا...
فالإنسان بوسعـه أن يعثر على الله إذا
ما نظتر إلى صميم قلبه هو , إذا عاد إلى نفسه لأن:
[ وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ ] [ لوقا 17: 21 ]
هل من الضرورى أن يعتـرف الإنسان عند الكاهـن, أم أن يختلى بنفسه ويعترف لله بصورة مباشرة؟.
لا بدّ من الإشارة بادئ ذى بدء إلى أن الاعتراف لله هـو الأساس...
وأنـه أمـر لا بـدّ منـه على كل حـال...
وهو يعنى أن يعـود الإنسان إلى نفسـه...
منقطعـًا عن الهـواجس التى يلهـو بهـا عـن مواجهتهـا, ويواجـه الله بصـدق وإخلاص, ويعـّرى ذاتـه أمامـه, ملقيـًا عنـه كل الستائـر التى يحـاول عـادة أن يحجـب بهـا حقيقتـه عـن نفسـه وعـن الآخـرين متحجّـجـًا بسائـر الذرائـع والمبـرّرات, فتنكشف لـه هكـذا حقيقتـه فى نـور الله, ويـرى نفسـه " ابنـًا شاطـرًا" تلفـّه محبـة الله ولكنـه يتهـرّب منهـا ليتقـوقـع فى ذاتـه الضيـّقة وينكمش على نفسه ببخـل محتميـًا من محبـة الله, رافضـًا دعوتهـا له إلى فـرح المشاركـة...
إن هـذه المواجهـة أساس لكـل حيـاة مسيحيـة حقـّة, لا بـلّ لكـل تديـّن صحيـح, وهى منطلـق كل مصالحـة مـع الله...
ذلك هـذه المصـالحة تفتـرض أولاً الاعتـراف بالقطيعـة التى يقيمهـا الإنسان بينـه وبين الله, وأن يقـرّ المـرء بأنـه, مـن جرائهـا, فى عـزلة وفقـر وجـوع :
[ .... كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ اَلْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! ] [ لوقا 15: 17 ]...
وأن يعـزم بصـدق على العـودة إلى ربه, علمـًا بأن " تـاب", لغـويـًا, تعنـى " عـاد":
[ أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ] [ لوقا 15: 18 ]...
الله يتـقـبـّل دومـًا هـذه العـودة إذا كانت صـادقة...
إنـه ينتظـر رجعـة الإنسان كمـا كان الأب ينتظـر عـودة " الابن الشاطـر" :
[فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً ] [ لوقا 15: 20 ]...
ويقبـل إليه ويفتـح له ذراعيـه ويضـمّه إليـه:
[رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَه. ] [ لوقا 15: 20 ]...
ويفـرح أيّمـا فـرح بانتقـاله من المـوت إلى الحيـاة:
[وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ ] [ لوقا 15: 32 ]...
[أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي اَلسَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ ] [ لوقا 15: 7 ]...
[ قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا يَقُولُ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ, إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ اَلشِّرِّيرِ, بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ اَلشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. إِرْجِعُوا إِرْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ اَلرَّدِيئَةِ. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ ] [ حزقيال 33: 11 ]...
وأيضـًا:
[ هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ اَلشِّرِّيرِ يَقُولُ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ؟ أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟ ] [ حزقيال 18: 23]...
هـذا الإنسان الراجـع من إغترابه, يعيـده الله على مشاركتـه ويمتعـه مجـددًا بالحيـاة معـه, فتُغفـر خطاياه لأن الغفـران هـو بالضبـط تجـاوز العـزلة والعـودة إلى صفـاء المشاركـة وإلى مـا تعنيـه مـن حيـاة وفـرح وقـوة وأصـالة وغنى...
ولكن علاقتنـا بالله ليست بمعـزل عن علاقتنـا بالناس, بـلّ أن هناك تشابكـًا وتداخـلاً بين العلاقتين..
فمـن جهـة, الله يكشف لنـا ذاتـه من خلال أنـاس عاشوا أو يعيشون الآن فى ألفـة معـه, فنتعـرف إليـه مـن خـلال معاشرتنـا لهـم واستماعنـا إليهـم ورؤيتنـا لنـوره على وجوههم وتحسّسنـا لنبرتـه فى أقـوالهم...
ومن جهة أخـرى, فكلمـا استقامت وتعمّـقت علاقتنا بالله, اغتنت وتأصلت علاقتنا بالناس...
والعكس صحيح, إذ أن تفكك علاقتنا بالناس يسئ إلى سلامة علاقتنا بالله ويهـدّدها بالتحول إلى مجـرد علاقة ذهنية وكلاميـة لا حيـاة فيهـا ولا حـرارة ولا عمـق, كمـا أن انتعاش علاقتنا بالناس عبـر انفتاحنـا عليهـم وإخلاصنـا لهم يقربنـا من الله ويرسّـخ علاقتنـا به ولو غاب ذلك عن وعينـا:
[ ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ: يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمْنَاكَ أَوْ عَطْشَاناً فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيباً فَآوَيْنَاكَ أَوْ عُرْيَاناً فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ ] [ متى 25: 34ـ 40]...
الأبرار الذين جاء ذكرهم فى حديث الرب يسوع عن الدينونة, لم يكونوا يدرون أنهم بهـذه الممارسات كانوا يتعاملون مع الرب نفسه...
خلاصـة الكلام أن قصـة علاقتنـا بالله وقصـة علاقتنـا بالناس, قصـة واحـدة فى العمـق, تتخللها مخاطر القطيعة والابتعاد والغـربة, كما تتخللها محاولات العـودة والمصالحة ورأب التصـدّع وإعادة الإلفة...
ومن هنـا أن كـل عـودة على الله تفتـرض عـودة إلى الإنسان الآخـر لتكتمـل وتستقـم...
هـذا هـو معنى الاعتـراف بالخطايا للكاهـن...
وإذا شئنـا مزيـدًا من الدقـة قلنـا أن الاعتراف ليس بالحقيـقة إعترافـًا للكاهـن...
إنـه اعتراف لله ( يقول التائب فى بـدء اعترافه: أيهـا الآب, رب السماء والأرض, إنى اعتـرف لك ...), إنمـا بحضـور الكاهن وشهـادته...
والكاهـن هنـا يمثّـل الكنيسة,
أى تلك العائلـة الروحية التى هى عائلة الله فى الأرض ونواة ومقـدمة اتحـاد البشرية قاطبة فى جمـاعة واحـدة متحـابة يرعاها الله ويحييهـا...
إن كـل خطيئـة ارتكبهـا تصـدّع علاقتى ليس بالله وحسب, إنمـا بالإنسانية كلهـا, لأن كل تقوقـع على ذاتـى وانكمـاش على أهـوائى يغربّـنى لا عـن الله فقط بل عن إخوتى أيضـًا, ويعطـّل المشاركة بينى وبينهم, فيتـأذون هـم وأتـأذّى أنـا بتلك القطيعة...
مـن هنـا أن رغبتـى فى العـودة والمصـالحة تدفعنـى إلى الاعتـراف بهـذه القطيعـة ( الاعتراف الذى رأينا أن لا بـدّ منه لتجـاوز القطيعـة ) ليس فقط أمـام الهه بل أمـام الناس, الذين يمثلهـم الكـاهن الذى يتقبّـل اعترافى...
والاعتراف هذا إنمـا هو مجـرّد تمهيـد للانسلاخ عن الماضى وطىّ صفحتـه بغيـة فتـح صفحـة جديـدة...
ولأنـه اعتراف بالقطيعـة الكيانيـة وليس " تأديـة حسابات" عن السلوك, فهـو, فى الكنيسة الأرثوذكسيـة, ليس عبارة عن سرد تفصيلى للخطايـا ( كمـا يمـارس فى الكنيسـة الغربيـة ),
إنمـا هـو كشف لجـذور الخطيئة فىّ,
أى للدوافع والنوازع التى هى أصـل لسائر ممارساتى الخاطئـة ومنبـع لهـا,
وبالتالى أساس تغـرّبى عن الله والناس
أمـا الكاهـن, الذى هـو شاهـد لصـدق عـودتى إلى الله والناس, فإنه يتوسل, باسم الكنيسة التى يمثلهـا, إلى الله من أجـلى, كى يتقبـّل الله عـودتى ويعيـدنى إلى ألفتـه ومشاركتـه...
يقـول: " أيهـا الرب إلهنـا, يـا من منحت بطـرس والزانيـة غفـران الخطايا بواسطة الدمـوع, وبرّرت العشار لمـا عـرف ذنـوبه, تقبّـل اعتراف عبـدك ( فلان ), وأن كان قـد خطئ خطيئـة طوعيـة أو كرهيـة, بالقـول أو الفكـر, اغفـر له بمـا أنك صالح ومحب للبشر ...".
وباسم الكنيسة التى وعـد الرب يسوع أن يكـون معهـا إلى الأبـد بقـوة قيامته المحييـة, يعلـن للتائب الصفح عـن خطاياه, لا كأن هـذا الصفـح آت منـه هـو الكاهن ( كمـا توحى الصيغـة المستعملـة فى الطقس اللاتينى : إنى أحلّـك ego absolvo te ) بل بصفتـه شاهـدًا لرحمـة الله...
يقـول: " ربنـا وإلهنـا يسوع المسيح, بنعمـة ورأفـات محبتـه للبشر, ليصفح لك, أيهـا الابن الروحـى ( فـلان ) عن جميع زلاتك. وأنـا الكـاهن الغير المستحـق, بقـوة السلطـان المعطـى لى منـه, أقـول لك لتكـن مسامحـًا ومحلولاً من جميع خطايـاك. باسم الآب والابن والروح القـدس. آمين"...
" وأمـا ما اعترفت به من الذنـوب, فلا تهتـم له البتـة بـل اذهب بسلام"...
ويوضـّح اللاهـوتى الأرثوذكسى الكبيـر ألكسندر شميمن دور الكاهن هـذا كشاهـد للتـوبة والغفـران, بقـوله:
" ...... فى المفهـوم الأرثوذكسى الأصيـل ينبـع الحـل مـن أن الكاهـن هـو شاهـد على التـوبة, وعلى حقيقتهـا وهـو مؤهّـل بالتالى ليعلـن " ويختم" على الصفـح الإلهـى وعلى " مصالحـة التائب بيسوع المسيح مع الكنيسة المقدسة" [ الأب ألكسندر شميمن : الصوم الكبير. ملحق : القدسات للقدسين. بعض الملاحظات حول المناولة, ص 131, تعريب الأب إبراهيم سروج, طرابلس, 1978 ]...
وقـد كتب الأب ميشال نجـم بنفس المعنى:
" ... لذلك يقف الكاهن والمؤمن جنبـًا إلى جنب, وهـذا الوقوف دليل على أن الله هو التوّاب على مساوئ الناس , وأن الكاهن شاهد وخادم... فى الكنيسة الأرثوذكسية لا يوجـد كرسى للاعتراف وفى طقوسها لا يستخـدم الكاهن صيغة المتكلم فى منح الأسرار وفى صـلاة الحـل من الخطايا حيث يقـول " ليسامحك الله" أى أنـه لا يقـول إنى أسامحك. " يا ولـدى الروحى ... إنى أنـا الحقير الخاطئ لا أقـدر أن أغفـر الخطايا لكن الله هو الذى يغفـر الخطايا ... أمـا نحن فنقـول أن كـل ما اعترفت به لحقـارتى الذليلة وكل ما لم تقله عن جهل أو نسيان فليسامحك الله به فى هذا الدهـر وفى الدهـر الآتى". ويشار إلى شهادة الكاهـن فى الاعتراف من خلال النص التالى: " يا ولدى اذكـر بدون إحجـام كل ما اقترفتـه, لكـى تحـوز الغفـران مـن ربنـا يسوع المسيح. أنظـر إلى أيقـونة ربنـا, ومـا أنـا سوى شاهـد أمامـه لكـل ما ستقـوله" [ الأب ميشال نجم: التوبة فى مفهومهـا الآبائى وممارستهـا الحقيقية, ص 85 ـ 86, " النـور" 1985, العددان 2و3, ص 80ـ 87 ]...
ولأن الاعتـراف أمـام الكاهـن لإنسان تعبير عـن إقـرارى يتصـدّع العلاقـة بينى وبين الناس, وعـن تصميمى على رأب هـذا التصـدّع وعلى إعادة الصـلة بينى وبينهـم, فلا بـدّ من الإشـارة إلى أن ممارسـات أخـرى من شأنهـا أن تعبـّر أيضـًا, على طريقتهـا, عن هذا الإقـرار وعـن هـذا التصمـيم, وهـى الاعتـراف لأنـاس أعايشهـم أو جمـاعات انتـمى إليهـا ( كالأسرة أو مجمـوعة رفاق أو فـرقة فى حركـة أو جمعيـة ما, أو ما شابـه ذلك ) بمـا أخطأت به إليهـم, والتمـاس الصفـح منهـم عمـا أسأت إليهـم به...
وقـد وردت هذه الوصيـة فى العهـد الجديد:
[ اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ ] [ يعقوب 5: 16 ]...
من هنا العادة التى كانت جاريـة عندنـا بأن يستغفـر التائب مـن معارفـه عند تقـدمه من سر الاعتراف...
إنمـا قـد يحسن أن يتخـذ هـذا العمـل شكـلاً أكثـر عمقـًا وجـدّية, وذلك مثـلاً من خـلال إجـراء حـوار بين أشخـاص أو ضمـن جمـاعة, يحـاول عبره كل واحـد أن يكتشف المواقف التى عكّـرت علاقتـه بالآخـرين ( عبـر توضيـح هؤلاء له لوقـع بعض أقـواله وأفعـاله عليهـم, الذى كـان ربمـا غافـلاً عنـه ), وأن يقـرّ بهـا, تمهيـدًا لتجـاوزها فى المستقبـل سعيـًا إلى المصالحة...
أخيرًا فإن الاعتـراف للكـاهن يسمح بتقبّـل الارشـاد الروحـىّ من إنسان يُفـرض أن تكـون له خبـرته بهـذا الشأن ( لذا لا يُعطى حق تقبّـل الاعتراف لكـل كاهن, بـل لذاك الذى يـرى فيـه الأسقف النضـج والكفـاءة المناسبين, وفى المـاضى كان النـاس يعترفـون لراهب لم يتلقّ رتبـة الكهنـوت, لا لينالوا حضـلاً بـل ليتقبّـلوا الارشاد الروحى من إنسان توغّـل فى الخبرة الروحيـة ), فيكـون للتائب " أبـًا روحيـًا", أى شخصـًا يساعـده على معـرفة ذاتـه فى نـور الله وعلى تحقيـق طـاقة الحيـاة التى زرعهـا الله فيـه واكتشاف ما يعيقهـا ويكبّـلها من قيود بغيـة العمـل على التحـرّر منهـا...
إن الكـاهن الذى يمـارس هـذه المهمـة يكـون " أبـًا روحيـًا" لأنـه يساهم فى أبّـوة الله, فيرعـى الحيـاة فى من يرشدهـم, بكـل محبـة وتأنٍ واحترام, على طريقـة الله نفسه, فلا يفـرض عليهـم ذاتـه وآراءه بـل يساعـد كـلاً منهـم على تحقيـق الاسم الفـريد الذى يدعـوه الله بـه...
إن الاعتراف إلى الله هـو البعـد الإلهـى, والاعتـراف للكاهـن هو البعـد الإنسانى, للتـوبة...
والبعـدان مترابطـان, متلازمان, وفقـًا لمنطـق التجسّد, وعلى شاكلتة بُعـدى صليب المسيح
( العمـودى, الذى يشير إلى مصالحتـه للبشر مع الله, والأفقى, الذى يشير إلى مصالحته للبشر بعضهـم مع بعض )...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيفية إحياء سر الاعتراف مع أهميته بالنسبة لحياتنا ولعلاقتنا بالرب..
أى أن اكتشف, فى نور الله, نواحـى الشرّ فىّ, فأعلـن رفضـى لهـا وانسلاخى عنهـا وتصميمى على السير فى طـريق التحـرّر والتجـدّد...
أى فى طـريق التوبة...
من هنا إن الاعتراف مرتبط بالتوبة...
أ ـ لأننى لست وحـدى بـل أنا عضـو فى جمـاعة..
لـذا فالشرّ الذى فىّ لا يؤذينى وحـدى بل يؤذى الجمـاعة التى أنتمـى إليهـا...
إن مرض أى عضـو فى الجسم يضعف الجسم كلـه نظـرًا لترابـط الأعضـاء فى ما بينهـا...
انتقـاص الحب فىّ يحجب الدفء والانتعـاش عن سواى ( ألا نلاحظ ذلك فى الفـرقة التى ننتمـى إليهـا أو نرشدهـا؟ )...
فى رسالة وجّههـا الكاتب الفرنسى الكبير " فرنسوا مورياك" إلى الشباب وحاول أن ينقـل لهم نـداء الرب يسوع المسيح إليهـم, يقـول:
" يوم يتوقف التهابك بالحب, كثيرون سواك سيهلكون بردًا"...
ومن هنا أنه يصلـح أن تكـون الجمـاعة التى أضعفتهـا بخطيئتى شاهـدة على توبتى:
[ اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالّزَلاَّتِ ] [ يعقوب 5: 16 ]...
فى الكنيسة الأولى كان يجـرى اعتـراف علنىّ بالذنـوب الكبيرة...
ثم, ابتـداء من القـرن الخامس, حُصر الاعتراف بالكاهن كممثل للجمـاعة...
ب ـ وكمـا أن الجماعة شاهدة على توبتى التى يعبّـر عنهـا اعترافى بخطاياى أمـام الله, فهـى أيضـًا قنـاة يأتينى عبرهـا غفـران الله...
الرب قادر بالطبـع أن يغفـر لى مباشرة, ولكنـه يحب أيضـًا أن يمنحنى غفـرانه عن طريق تلك الجمـاعة التى أقامهـا فى الأرض مكانـًا مميزًا لحلـول حياتـه وخلاصـه...
من هنـا أن الكاهن, ممثل الجماعة, يكون , فى سرّ الاعتراف, واسطة يأتينى عن طريقهـا خلاص الله...
وقد ورد بهـذا المعنى فى دعاء يتلوه الكاهن اثناء ممارسة سر الاعتراف:
" الله الذى صفـح لداود عن خطاياه بواسطـة ناثان النبى لمـا اعترف بهـا
ولبطـرس لمـا نـدب بحـرارة جحـوده
وللزانيـة لمـا وقعت على قدميـه
وللعشار وللابن الشاطر
هو يصفـح لك بواسطتى أنا الخاطئ عن جميع خطاياك ..."...
ج ـ بالطبـع هناك أيضـًا الارشاد الروحى الذى يمكن أن أتلقـاه من الكاهن...
ولكـن لا يبـدو لى أن هـذا مـن الأسباب الجوهـرية التى تدعو إلى الاعتراف أمـام الكاهن, ذلك:
1ـ لأن الارشاد يمكن أن يتمّ خارج الاعتراف...
2ـ لأن الارشاد يمكن أن يقـوم به غير الكاهن ...
1ـ لـن أتعـرض لجوهـر القضية, لأننى اتركهـا لكهنـة اكتسبوا خبرة روحية غنيـة وتمرسوا طويـلاً على التعـاطى مـع المؤمنين عبر ممارسة الاعتراف والارشاد الروحـى ...
هـؤلاء أتمنى عليهم أن يقبـلوا بالدخـول مع الناس, وخاصـة الشباب منهـم, فى حـوار يُسمح فيـه لهؤلاء أن يبدوا بصراحة الموانـع والتحفّـظات التى تحـول دون اقترابهـم من سـر الاعتراف...
2ـ مساهمتى الشخصية سوف تقتصر على نقطتين اعتقـد أنه قد يكون لهمـا دور فى إحياء سـرّ الاعتراف:
أ ـ إحياء روح الاعتراف فى سائر المجموعات التى تتكون منهـا حركة مسيحية من مجال ولجـان وغيرهـا, خاصة هـذه الخلايا التى هى الفرق, تلك التى ينبغى أن تكون كل منها كنيسة مصغّـرة تتجسّد فيهـا الأخـوة فى المسيح عبر علاقات شخصيـة صحيحة, فيتيقـظ وينمو بفضل الانتمـاء إليهـا ومعايشتها حسّ الكنيسة...
من المفيد برايى أن تتم بين الحين والحين فى تلك الجماعات ما قد بُسمّى بجلسات " مصارحة" أو جلسات " تقييم", فيها يعترف كل واحد ( بدءًا من مرشد الفرقة أو رئيس اللجنة أو المجلس ) بطل ما يصـدر عنه من مواقف تنعكس سلبـًا على حياة الجماعة, من فتـور وتهـاون وإهمـال وتقوقـع واستعلاء وعدوانيـة...إلخ...
فيتصـالح مع الله عبر تصالحه مع الجماعة, فى عمليـة اعتراف متمايزة عن سر الاعتراف ولكن أهميتها لا يستهان بها فى بنائـه الروحى, ومن شأنهـا, من جهـة أخـرى, أن تهيئه ـ نفسيـًا وروحيـًا ـ إلى التقـدم من سر الاعتراف...
ب ـ إحيـاء الفرق الصلاتية, تلك الجماعات التى تتكاثر فى العالم المسيحى اليوم والتى تتعاطى معـًا قراءة كلمـة الله من خلفيـة هواجس الحيـاة الفرديـة والاجتمـاعية, وتنطلـق من هذا التعاطى إلى الصلاة عفـوية ينفتـح فيهـا المـرء إلى الله فى مناجـاة حميمة, فى حـديث من القلب إلى القلب, يرفـع عبرها إليه كل خبراته ومعاناته واهتماماته الشخصية والجماعية...
إن خبرة طويلة عشتهـا مع سواى فى هذا المجال أكّـدت لى أن هذه اللقـاءات الحميمة التى تجمـع المشاركين المرة تلو المرة إلى الرب وإلى بعضهم بعضـًا فى كنفـه, تنشئ بينهـم ثقـة وارتياحـًا متبادلين يسمحـان لهـم يكشف جراحهـم بين الحين والحين علنـًا أمام الرب وأمام الإخـوة, ومن بين هذه الجراح, جراح الاغتراب عن الله بالخطيئة...
هذه " الاعترافات" تأتى تلقـائيـًا لشعـور كل واحـد اليقينى بأن الآخـرين يتلقونها بروح التعاطف والمشاركة ويحملونهـا فى صـلاتهم, وبأنه بها يعود إليهم بعودته إلى الرب يعد اغتراب مزدوج عن الرب وعنهم بسبب خطيئته وما تمثـّـله من انهماك بذاتـه...
إنه يصعُب لمن لم يختبر هـذه الظـاهرة أن يتصـوّر مـدى عمقهـا وعفويتهـا, من هنا أن هذه الاجتماعات الصلاتية قد تكون تمهيـدًا للاقبـال إلى سـرّ الاعتراف, لا بـلّ قد تتحـوّل أحدهـا, إذا شارك به كاهـن, إلى ممارسة جماعية لسرّ الاعتراف ...
ولو أن الناحية الارشادية هنـا قد تتقلّـص , ولكننى أعود فأقـول أن هذه الناحية ـ على أهميتها ـ ليست باعتقـادى العنصر الجوهرى فى سـرّ الاعتراف...
الجـزء الأول
" نعلم أن الله عادل ومحـب ورحـوم.
ولكـن هناك أنـاس يشدّدون على فكــرة أن الله أراد إنـزال غضبـه على الإنسـان,
لـذلك علينـا نحـن المـؤمنين أن نتجنب غضـب الله.
فما هـو مـوقف الإنسان الأرثوذكسـى مـن هـذه الأقـوال؟"...
إن صفات الله المختلفة لا يمكـن وضعهـا على قـدم المساواة فـى ما بينهـا وكأنهـا وجـوه مستقلّـة متوازيـة فى أهميتها, بل ينبغـى فهمهـا على ضـوء التأكيـد المحـورى الذى ورد فى العهـد الجـديد بأن [ اللهَ مَحَبَّةٌ ] [ 1 يوحنا 4: 16 ], مما يعنى أن صفـة الله الأساسيـة هى المحبـة...
أى أنـه يقتضـى علينـا أن نقـول بأن عـدل الله مثـلاً إنمـا هو عـدل المحبـة, وعلمـه علـم المحبـة, وقـدرته قـدرة المحبـة .... إلخ...
ينتج مـن ذلك أمـران متكامـلان:
ولـذا لا يمكـن أن تكـون, بحـال من الأحـوال, تلك القـدرة الطاغيـة الساحقـة التى كثيـرًا مـا نتصـوّرها, مسقطـين على الله صـورة نزواتنـا ومخاوفنـا, متخيـلين إيـاه وكأنـه التحقيـق غيـر المحـدود لتلك النـزوات والموضـوع اللامحـدود لهـذه المخـاوف..
فى حيـن أن القـدرة الإلهيـة هـى التى تمـد المحبـوب بالحيـاة دون أن تغتصبـه أو تستوعبـه فى ذاتهـا...
ومن أجمـل الصور, باعتقـادى, عـن هـذه القـدرة التى تُـحيى ولا تغتصـب, تلك التى وردت بقلـم طـاغور فى مقطـع يمكـن عنونتـه: " مـن يفتـح البرعـم":
" لا, ليس من شأنـك أن تفتّـح براعـم الزهـر.
حـرّك البرعـم, وإضـربـه, إنك لن تقتدر أن تصـيّره زهـرًا.
لمستك يوسِخـه: إنـك تهشـم كمّـه, وتنثـره على التراب, ولكـن لا يطـلّ لون, أو يفـوح عرف.
آه ! ليس من شانك أن تفتّـح براعـم الزهـر.
من يستطيع تفتـيح البرعـم بكـل بساطة.
إنـه يلقى نظـرة عليـه, فيـدبّ فى عـروقه رحيـق الحيـاة.
لـدى لهـاثه تبسط الزهـرة جناحيهـا, وتخفـق بهمـا فى الـريح.
الألـوان تطـلّ حمـراء كشهـوة القلـوب, والعـرف يبـوح بسـرّ عـذب.
من يستطيـع تفتيح البرعم يعمـل بكـل بساطـة".
[ طاغـور: جنى الثمـار, 18, فى: طاغور, مسرح وشعر, تعريب يوحنا قمير, دار المشرق, بيروت, 1967, ص 210 ـ211].
من هنا أن معرفته الثاقبة لكـل شاردة وواردة فينا ليست تلك المعرفة العـدوانية التى تخترق كيـاننا لتنتـهك أسرارنـا وتعـرّيها وتفضحهـا, كمـا يتصـوّر الكثيرون " عين الله" ليرتعـبوا منهـا, وكمـا تصـورّها الطفل سارتر فثـار على هـذه العين المتطفلـة المقتحمـة وطردهـا من حياتـه...
إن " عين الله" هـى علـى العكس عين الرعـاية المحِبّـة:
[ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ ][ متى 10: 30]...
أى أن الله يهتـم بكـل شعـرة منهـا ليحفظهـا ويرعـاهـا...
هـذه " العين" لا تنفـذ إلى أعمـاقنا إلا لتتعهـدهـا بحنـان فائـق وتوقـظ فيهـا طاقـات الحيـاة الخفيـة الدفينـة لتضعهـا تحت تصرّفنـا...
ليست " عين الله" ذلك الشاهـد الدائـم على ذنـوبنا والمبـرّر الإلهـى لشعـور مضنٍ بالإثـم يعـذبنـا...
إنهـا عين المحبـة الفائقـة التى تنفـذ إلى ما هـو أعمـق وأبعـد مـن آثامنـا...
إلى ذلك التـوق الأصيـل المتوثـّب أبـدًا فى صميـم الصميـم منـا...
وتكشفه لنـا ليطمئـن قلبنـا ويتشجـّع ويتـابع المسيرة والنضـال:
[ عِنْدَئِذٍ نَتَأَكَّدُ أَنَّنَا نَتَصَرَّفُ بِحَسَبِ الْحَقِّ، وَتَطْمَئِنُّ نُفُوسُنَا فِي حَضْرَةِ اللهِ، وَلَوْ لاَمَتْنَا قُلُوبُنَا؛ فَإِنَّ اللهَ أَعْظَمُ مِنْ قُلُوبِنَا، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ ] [ 1 يوحنا 3: 19, 20]...
من هنـا إنهـا تتجـاوز المقـاييس الحسابيـة الضيـقة الشائعـة بين البشر والتى تعكس ضيـق قلوبهـم وبخلهـا واستئثـارهـا...
هـذا ما يتضـح من مثـل رب الكـرم [ فَإِنَّ مَلَكُوتَ اَلسَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ اَلصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ فَاتَّفَقَ مَعَ اَلْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي اَلْيَوْمِ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ.... اِذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضاً إِلَى اَلْكَرْمِ فَتَأْخُذُوا مَا يَحِقُّ لَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ اَلْمَسَاءُ قَالَ صَاحِبُ اَلْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: اِدْعُ اَلْفَعَلَةَ وَأَعْطِهِمُِ الأُجْرَةَ مُبْتَدِئاً مِنَ الآخِرِينَ إِلَى اَلأَوَّلِينَ. فَجَاءَ أَصْحَابُ اَلسَّاعَةِ اَلْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَأَخَذُوا دِينَاراً دِينَاراً. فَلَمَّا جَاءَ اَلأَوَّلُونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ. فَأَخَذُوا هُمْ أَيْضاً دِينَاراً دِينَاراً. وَفِيمَا هُمْ يَأْخُذُونَ تَذَمَّرُوا عَلَى رَبِّ اَلْبَيْتِ قَائِلِينَ: هَؤُلاَءِ الآخِرُونَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً وَقَدْ سَاوَيْتَهُمْ بِنَا نَحْنُ اَلَّذِينَ اِحْتَمَلْنَا ثِقَلَ اَلنَّهَارِ وَاَلْحَرَّ! فَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ مَا ظَلَمْتُكَ ! أَمَا اِتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ فَخُذِ اَلَّذِي لَكَ وَاِذْهَبْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هَذَا اَلأَخِيرَ مِثْلَكَ. أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَالِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟ ] [ متى20 : 1ـ 15]...
حيث نـرى صاحب الكـرم يسلك سلوكـًا محيّـرًا لائقـًا بالله...
فيـوفى عمّـال الساعـة الحـادية عشرة أكثـر من حقهـم بكثيـر بدافـع من كرمـه وسخـائـه...
بالمقابـل فإن المحبـة الإلهيـة بدورهـا تتوضـّح سماتهـا من خـلال الصفـات التى تُنسب إليهـا, ممـا يجنبّـنا تأويل المحبـة هـذه وفقـًا لأهـوائنـا كمـا رأينـا يحصـل بالنسبة إلى الصفـات الإلهيـة الأخـرى:
ولـذا فإنهـا لا تعـرف الانحيـاز الانفعـالى أو المصلحـى وهـو ما يسميه الكتاب" محاباة الوجـوه" وينـزّه الله عنـه, ذلك الانحيـاز الذى كثيـرًا ما يشـوّه محبتنـا البشـرية...
[ لأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اَلرَّبِّ إِلَهِنَا ظُلْمٌ وَلاَ مُحَابَاةٌ وَلاَ اِرْتِشَاءٌ ] [ أخبار الأيام الثانى 19: 7]...
[ لأَنْ لَيْسَ عِنْدَ اَللهِ مُحَابَاةٌ ] [ رومية 2: 11]...
[ وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَباً الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ ] [ 1 بطرس 1: 17]...
لذا فإنهـا لا تتعامـى عن واقـع المحبـوب ولا تحب فيـه خيالاً يتناسب مع حقيقتـه لأنـه من نسج الهـوى, ولا تتجاهـل خيره الحقـيـقى لتقضـى مـن خـلاله مأربهـا, وهى انحـرافات كثيرًا ما تشـوب محبتنـا البشرية...
أى أنهـا لا تنهـار أمـام نزوات المحبـوب فتطـاوعه فى مـا يسئ إليـه, كمـا قـد يحصـل للمحبـة البشرية, ولا تكتفـى بتمنـّى الخير للمحبـوب بـل هى ماضيـة فى تحقـيقـه إلى أبعـد الحـدود, وهى وحـدهـا أقـوى مـن المـوت الذى يقـف حبنـا البشرى عـاجـزًا أمـامـه...
إن صـورة " غضب الله" تتكـرّر فى الكتـاب المقـدس, فى عهـديه القـديم والجـديد, وينبغـى أن تـُأخـذ على محمـل الجـدّ إذا شئنـا أن تستقيـم نظـرتنـا إلى الله...
ينبغى أن ننـقـّى هـذه الصـورة من الاسقاطـات البشرية العالقـة بهـا دون أن نتخـلّى عنهـا, متجنبين مـا يسمّيـه المثـّل الألمانى " لا تقـذف الطفـل مـع مـاء حمّـامه"...
ذلك أن هـذه الصـورة تسمـح لنـا بإدراك سمـات أساسيـة لمحبـة الله:
لأنـه, لو صـحّ ذلك, لكانت على نقيض المحبـة الحقـّة...
فلـو كان لسان حـال موقفـى من المحبـوب هو : " افعـل مـا تشاء, فإن محبتـى لك لا تبـالى بمـا أنت فاعلـه ولا تكترث حتى لموقفـك منـى",
فكأننى أقـول لـه:" إن شخصـك لا يهمّـنى. ما يهمّـنى فقط هـو أن أبقـى أنـا على مستـوى مـن السموّ الـذاتى, فأحـافظ على محبتـى لك لأطمئـن إلى نقـاوة الصـورة التى أرسمهـا عـن نفسى"...
المحبّـة الحقـّة لا يسعهـا بالتـالى أن تبقـى لا مباليـة بسلوك الطـرف الآخـر, إنهـا لا بـدّ منجرحـة, متضـايقـة, إذا مـا كان المحبـوب يتصـرّف تصرفـًا مؤذيـًا بحـق نفسه أو إذا كان يقابل المحبـة الممنوحـة لـه بالرفـض والاعـراض...
بأن محبـة الله ليست أمـرًا يمكـن للإنسان أن يستخـف به دون أن يلحقـه ضرر, وكأنهـا من باب الترف والكمـاليات...
فالإنسان لا يحيـا ولا يوجـد إلا بفضـل محبـة الله له, تلك المحبـة التى منهـا يستمـد فى كـل لحظـة الحيـاة والوجـود:
[ لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً: لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ ] [ أعمال 17: 28 ]...
ولكن هـذه المحبـة تستتر وراء عطـاياها تغـدق هـذه العطـايا بدون قيـد ولا شرط:
[ فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى اَلأَشْرَارِ وَاَلصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى اَلأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ ] [ متى 5: 45]...
بحيث قد يتخيّـل الإنسان بأن بإمكـانه أن يستغنـى عنهـا ويتجاهلهـا...
ولكنـه إذا فعـل, يحافظ عنـد ذاك على المقـوّمات الجسديـة والنفسيـة لحياتـه, إنمـا يفقـد المقومات الروحيـة التى بهـا وحـدها تكتمـل حياته وتأخـذ جدواهـا ومعناها وتحقـّق الهـدف الذى من أجـله وُجـدت وإليـه تسعى فى قرارة ذاتهـا...
لا بـلّ إن غيـاب هـذه المقوّمـات الروحيـة كثيـرًا مـا ينعكس على المقـوّمات الجسـدية والنفسـية عينهـا فيـزرع فيهـا الخـلل والاضـطـراب والموت ( فالفـراغ الروحـى قد يدفـع الإنسان إلى التهافت على الكسب والاستهـلاك على حساب سعـادته الحقيـقيـة, وقـد يدفعـه إلى إدمـان المخدرات التى تدمّـر النفس والجـد, وقـد يدفع البشر إلى التناحـر والتباغـض والاقتـتال...)...
مـن هنـا يمكننـا أن نفهـم المقصـود بـ "غضب الله" على الوجهين التاليين:
إن رفـض الإنسان لمحبـة الله المقـدّمة له تجـرح الله فى الصميم...
فإلـه الكتـاب, الرب يسوع المسيح, ليس ذلك " المحـرّك الذى لا يتحـرّك" الذى كان يتصـوّره أرسطـو...
إنـه إله شخصى سمته الرئيسيـة المحبـة...
لذا, فقـد أوجـد الكـون والإنسان حبـًا, وجعـل شبهـًا بين الإنسان وبينـه كى يتمكّـن الإنسان من التفاوض معـه والدخـول معـه فى علاقـة حب خالـدة...
لذا فهـو يسعـى أبـدًا إلى الإنسان ويخاطب قلبـه إن مـن خلال بهـاء الكـون وخيراتـه أو مـن خـلال مـلازمته المباشرة لهـذا القلب...
ولكنـه ينتظـر مـن الإنسان أن يستجيب للحب بالحب, ولا يمكـن لهـذه الاستجابـة إلا أن تـاتى حـرة وإلا فلا طعـم لهـا, ولا قيمـة للحب الذى يغتصب المحبـوب اغتصابـًا...
فإذا تجـاوب الإنسان مع الحب الإلهـى وأعطـى لله قلبـه بالمقـابل, كان لدى الله فرح الحب الذى بلـغ قصـده وغايتـه...
ذلك هـو [ فَرَحٌ فِي اَلسَّمَاءِ ] [ لوقا 15: 7 ] أو [ فَرَحٌ قُدَّامَ مَلاَئِكَةِ اَللهِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ ] [ لوقا 15: 10] ...
الذى قال لنـا يسـوع أنـه يحصـل عنـد عـودة خاطئ واحـد...
والمعـروف لـدى المفسرين أن هـاتين العبارتين إنما همـا إشارتـان بالتوريـة إلى فـرح الله نفسـه...
أمـا إذا رفـض الإنسان التجـاوب مـع الحب الإلهـى, فيعـتـرى الله حينـذاك ما يشبـه الحـزن البشرى ( أقـول " ما يشبه", لأننـا, فى هـذه الدنيـا, لا نـرى الله : [ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ اَلآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ... ] [ 1 كورونثوس 13: 12], ولا يسعنـا بالتـالى التحـدّث عنـه إلا بصـور ورمـوز ) ومـا يمكـن التعبيـر عنـه بـ " الغضب", نظـرًا لمـا تحـويه هـذه العبـارة مـن معـانى الضيـق والخيبـة والاحبـاط...
علمـًا بأن مفهـوم" الغضب" هـذا يمكـن المقاربـة بينـه وبين مفهـوم كتابـىّ آخـر وهـو " غيـرة" الله...
فكمـا أن الحب البشرى مقتـرن ولا بـدّ بالغيـرة على قـدر ما يوليـه للمحبـوب مـن أهميـة فائقـة وما يحـرص عليـه من علاقـة فريـدة معـه, هكـذا فـ " الغـيرة" تصلـح نعتـًا رمـزيـًا للحب الإلهـى ولما يعترى هـذا الحب مـن معانـاة عند رفض الإنسان له, شرط أن نجـرّد الغيـرة من معانـى التمـلّك الـذى كثيـرًا ما يشوب الحب البشرى:
فالحب الإلهـى حب خالـص لا أثـر للتمـلـّك فيـه, لا يسعـده إحتـواء المحبـوب بـلّ مجـرّد إسعاده, لذا فهـو أبـدًا منفتـح للمحبـوب, حتى فى صميم المعانـاة التى يلحقهـا به هـذا الأخـير مـن جـرّاء إعراضـه عنـه, ومستعـد للتغـاضى عن كـل ما صـدر عنـه من عـقـوق وخيانـة إذا ما شـاء العـودة ( هـذا ما اختبره النبى هـوشع, فى القـرن الثامـن قبـل الميلاد, عبـر علاقتـه الشخصيـة بإمـرأة أحبهـا وتزوج منهـا فخانتـه وكانت تحمـل هداياه إلى عشاقهـا, فذاق منهـا الأمـرين, ولما شاءت العـودة إليه بعـد أن فقـدت رونق صباها وأعـرض عنهـا عشـّاقهـا, أدرك النبىّ بإلهـام الله أنـه ينبغـى له أن يعيـد لهـا حبـه, وانكشف له, مـن خـلال هـذه الخبـرة الشخصيـة المـاساوية, عمـق محبـة الله لشعبـه ومـدى أمانتـه للعهـد الذى قطعـه لـه )...
ولكن رفض الإنسان للحب الإلهـى هـو أيضـًا محطـّم لهـذا الإنسان...
إنـه يـؤدى, كمـا قلنا, إلى تدمير الحيـاة الحقـّة فيـه, فيرتـد عليـه رفضـه انتحـاريـًا ويتسرّب المـوت إلى صميم كيـانه...
إن هـذه الآثـار المدمّـرة لرفض الإنسان لله قـد تتجـلّى منـذ هـذه الحيـاة الدنيـا عبـر ما يعتـرى الحيـاة الإنسانية الفـردية والجمـاعية مـن خلـل واضطـراب وبـؤس واقتتال ( فويـلات الحـرب البنـانيـة هـى مثـلاً, من ناحيـة من النـواحى, نتيجـة زيف تديّـن العـديد من اللبنـانيين ومحـاولتهـم الكفـرية, غيـر المعتـرف بهـا, لاحتـواء من لا يُحتـوى وهـو الله, واستخـدامه لنفـخ كياناتهـم الطائفيـة وتضخيمهـا صنميـًا ), ولكنهـا تتجـلى بمـا لا يحتمـل الالتباس عندمـا يُسلـخ الإنسان بالمـوت الجسـدى عـن الخيـرات الطبيعيـة التى كـان لا يـزال حبّ الله يكتنفـه بهـا رغـم رفضـه له, فيكتشـف إذ ذاك, وهـو فى حالـة العـرى الكامـل, حقـيقـة ذاتـه, التى كان يحجبهـا عـنه تلهّيـه بخيـرات الأرض, ويـدرك أن أساس كيـانه ومحـور هـذا الكيـان, ومـا هـو أبعـد وأبقـى من حاجاتـه كلهـا, إنمـا هـو رغبـة محـورية فى لقـاء الله عبر التجاوب مع نـداء الحب الذى يوجّهه الله إليـه...
فإن كان قد تحجّـر فى رفضـه لله, أضحـى ممزقـًا بين رغبتـه المحـورية هـذه ورفضـه...
يقـول اللاهـوتى الأورثوذكسى " أوليفيه كليمـان" واصفـًا هـذا الوضـع: " ... ما هو الجحيم إن لم يكن المكان, أو بالأحـرى الحالة والوضع اللذين اخترعهما الإنسان لكـى لا يكـون الله, إنـه العالم الذى طـُرد منه الله, الذى يكـون فيـه الله مهجـورًا مـن الإنسان, الـذى يحسّ فيـه الإنسان بصـورة غامضـة أنه مهجـور من الله, لأنـه صـورة الله وبالتـالى مشدود, شاء أو أبـى, نحـو مثـاله"...
وقد أوضـح اللاهـوتى والفيلسوف الأورثوذكسى اليونانى خريستوس يانـّاراس أنـه, وفقـًا لتعليـم القـديس اسحـق السريانى: " الجنـة أو النار لا يرتبطان بنوع العـدالة الإلهية, وأن عقـاب الخطاة لا يأتى من الله .... بالحقيقـة كل شئ مرتبـط بقـدرة الإنسان أو عجـزه على المساهمـة فعـلاً فى وجـود الله وحياته... فالله سوف يعطى ذاته للكل, لكـل واحـد, سوف يكـون مع الكـل, ولكن هـذ المعيـة سوف تـؤول إلى أنمـاط وجـود مختلفـة: الجنـة أو النـار... كان ديستوفسكى يقـول أن" جهنم هى الألم المبرّح الناتـج عن العجـز عـن الحب "!!... ويقـول القـديس إسحـق السريانى نفس الشئ بالضبـط...
يشـدّه إلى الله عطشـه إلى اللامتناهـى, الـذى لا يرويـه إلا الله نفسـه, فى حين أن لا حيلة له, وقـد رفض الله, إلا أن يحـاول دون جـدوى أن يروى هذا العطش مـن فراغـه الذاتى...
هكـذا يكتـوى بعطش مقيـم لاهب أشار إليـه الكتأب المقدس بصـورة " النار الأبـدية"...
عنـد ذاك لا بـدّ للحب الإلهـى, الذى لا يزال يحيط بـه ويناديه ( وهو الذى يخـلّده فى الوجـود), أن يبـدو لـه وبالاً ونقمـة, لا لأن هذا الحب قـد تحـوّل فعـلاً إلى نقمـة, بـل لأنـه يوقـظ فى ذلك الإنسان رغبـة عميقـة فى التجـاوب معـه ليس بمقـدور هذا الإنسان أن يلبيهـا نظـرًا لتحجّـره فى الرفض...
هكـذا تحصل هـذه المفارقـة ألا وهـى أنـه يتعـذّب بالحب الإلهـى لأنـه لا يشاء أن يعطى هـذا الحب فرصـة إسعـاده...
وكأن الحب الإلهـى قـد تحـوّل, والحـالة هـذه, فى نظـر الإنسان, إلى " غضب" يصبـّه الله عليـه...
فى حين أن " الغضب" هـذا ما هـو بالحقيقـة إلا نتيجـة تعطيـل الإنسان لمفعـول الحب الإلهـى فيه ودمغـه إياه بعـلامة سالبـة بـدل العـلامة الإيجـابية التى هـى له فى الأصـل...
مما يتسبّب فى مأساة هى, كمـا قالت إحـدى القديسات, مأساة الله نفسه قبل أن تكـون مأساة الإنسان...
المفهـوم الشائع عـن الله بين الناس, حتى المسيحييـن منهـم, أن الله يقتـل أعـداءه...
إنـه تصـوّر فطـرى ( لا بمعنـى الفطـرة النقيـة التى فطـرنا الله عليهـا, أى صـورتـه فينـا, بل بمعنـى ما نشعـر بـه تلقـائيـًا فى وضعنـا الساقـط, وهـو وضـع تحتـجب فيـه أصـالتنـا وراء " قنـاع الأهـواء"), يلصـق بالله نزعتنـا إلى التخلّـص ممـن يعتـرض سبيـلنـا ( فنصـوّر الله على شاكلـة بؤسنـا عـوض أن نتصـوّر نحـن على شاكلـة مجـده)...
إن عفـوية أهـوائى تجعلنـى انظـر إلى الآخـر من خـلال مشاريعـى: فإن اعترضهـا, جـازت بنظـرى إزالتـه...
فإذا بـى ألصـق بالله الموقـف نفسـه, فأجعـل منـه إلهـًا يتـلاءم مـع مـا ألفتـه فى نفسى, واتجـاهـل كونته " الآخـر بالكليـة", ذاك الذى يدعـونى إلى تخطـّى ما ألفتـه وارتحـت إليـه من انحـراف وتشـويه فى ذاتـى " أخـرج من أرضـك" لأجـد بـه ذاتى الحقـيقيـة, تلك التى يتصـوّر هـو فيهـا...
الله يكشف لى ذاتـه باستمـرار, ولكننـى أتلـقى هذا الكشف من خـلال مـا أنـا عليـه من مواقـف وأوضـاع تلـوّن, وقـد تشوه, الكشف الـذى أتلقـاه منـه...
الشمس واحـدة, ولكننى أراهـا حمـراء أو خضـراء أو زرقـاء حسب لـون النظـارات التى أضعهـا على عينـىّ...
وحـدهـا النظـارة الصـافيـة تكشف لى كل حقـيقتهـا...
هكـذا بقـدر ما تشـفّ نظـرتى إلى الله, بهـذا المقـدار عينـه يستقـيم كشفـه عـن ذاتـه...
مـن هنـا أن الله فى العهـد القـديم كثيـرًا مـا يبـدو إلهـًا بطـّاشـًا ينتقـم لنفسـه يقتـل أعـدائـه: إبـادة النـاس جملـة بالطـوفان, تدميـر سدوم وعامورة, قتـل أبنـاء المصـريين, إمـاتة الذيـن خالفـوا موسى, إرسـال الحيـات على شعب إسرائيـل فى البـرية لمعـاقبتـه على تـذمّـره ضـد الله ومـوسى ... هـذا كلـه, غالبـًا ما يُبَـرّر علـى أنـه " تـأديب" من الله...
ولكـن هـذه " العقلنـة" للتصـرّف المدمّـر المنسوب إلى الله لا تغيّـر شيئـًا فى جـوهـره ولا تجعـله أكثـر ليـاقة بالله...
ذلك أنـه, إذا صـحّ هـذا التبرير, يكـون الله قـد إتخـذ من إنسان مـا, أو مجموعـة مـن البشـر, مجـرد أداة لتنفيـذ مشروع تـأديبى, أى أنـه يكـون, فى تلـك الحـالة, غيـر مقيـم وزنـًا لقيمـة هـذا الإنسان أو هـذا الجمـع بحـدّ ذاتـه...
من جهـة أخـرى يكـون, والحـالة هـذه, قـد ضرب عـرض الحائـط بحـريّـة النـاس, إذ يكـون قـد أرغمهـم بعنفـه على الخضـوع له, ناهيـك عن أن مثـل هـذا الخضـوع لا بـدّ وأن يكـون شكليـًّا وظاهـريـًا لا يتغيـّر من جـرّائه أى شئ فى قلوبهـم...
هـذا التصـوّر عـن الله يعكس, كمـا رأينـا, أنـويـة البشر العـدوانيـة...
ولكنـه, بالمقـابـل, يرسخـّها أيضـًا وبغـذّيهـا, إذ يعطيهـا مبـرّرًا مستمـدًّا مما يُـعتقـد أنـه أخـلاق الله نفسـ÷...
إنـه يمنحـنـا ذريعـة لنتحكّـم بمصير الآخـرين ونبطـش بهـم لتـأكيـد سلطـاننـا, مقنعـين أنفسنـا بأننـا, إذا فعلنـا ذلك, فإنمـا نحـن نخـدم الله وننـفـّذ مشيئتـه ونعليـه على " أعـدائـه"...
من هنـا نـرى البشـر, ولـو كـانوا أعظمهـم وأقـدسهـم, يسيرون على منـوال الصـورة التى يرسمـونهـا عـن إلههـم ( بهـذا المعنـى يصـحّ القــول:" قـل لـى مـن هـو إلهـك, أقـول لك مـن أنت" ):
فمـوسى العظيـم يأمـر سبط لاوى بـأن يقتـلوا جملـة من الإسرائيـليين الذيـن عبـدوا " العجـل الذهبـى"... [ هـذا مع العلـم بـأن موسى نفسـه, عندمـا تـراءى لـه أن الله سوف يبـيد الشعب كلـه عقـابـًا لـه على عبـادتـه لهـذا الوثـن, رفـض هـذا الاحتمـال بكل جـوارحه واستنـد فى ضراعتـه إلـى الله إلى مـا سبق لله أن عـبر عنه من رحمـة لهـذا الشعب, وكـانه يحتكـم ضـد صـورة الإلـه المنتقـم إلى مـا اختبـره من حقـيقـة الله فكـان هـذا الصـراع الذى عاشه فرصـة له لتنقيـة إيمـانه بالله من شوائب العتـاقـة البشرية ولكـن هـذه التنقيـة لم تصـل عنـده إلى آخـر المطـاف ] [ راجـع خـروج 32: 7 ـ 14 ]...
ويشـوع بن نون يبيـد مدنـًا كنعـانيـة إبـادة كاملـة معتقـدًا أن هـذه هـى مشيئـة الله...
وإيـليّـا, أعظـم أنبيـاء العهـد القـديم, يـذبح بيـده 450 كاهنـًا من كهنـة البعـل...
وقـد امتـدّ ذلك إلى " العهـد الجديد" بفعـل استمـرار " عتـاقة" الأهـواء متحكّمة فى كثيرين من " أبنـاء النـور", على الأقـل فى مجـالات واسعـة من وجـودهـم, فـأدى إلى الحـروب الصليبيـة ( وإغـراق القدس بالدمـاء عنـد فتحهـا ) ومحاكـم التفتيش وإحـراق الهـراطقـة غـربـًا وشرقـًا...
ولكـن الله " بعـد أن كـلّم الآبـاء بالأنبيـاء", مجتهـدًا عبرهـم أن يرمّـم تدريجيـًا صـورتـه المشوّهـة فى الإنسان, متـّخـذًا لهـذا الغـرض شعـبـًا اختصـّه لنفسـه ليجعـل منـه خميـرة لجميـع شعـوب الأرض, الله " كلّمنـا أخيـرًا فى ابنـه" المتجسّـد يسوع المسيـح...
وقـد كشف لنـا الرب يسوع المسيح حقيـقـة صـورة الله, كاملـة, دون زيـغ أو تشويـه...
وذلك ليس فقـط لأنـه " كلمـة الله " , وبالتالى " صـورة جوهـره":
[ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ - الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي ] [ عبرانيين 1: 1ـ 3 ],
بـلّ لأن إنسانيتـه شفـّت تمامـًا للنـور الإلهـى الحـالّ فيهـا, فأوصلتـه إلينـا دون تلوين أو تشويـه...
ولم يتـمّ ذلك دون معـانـاة أو صـراع, لأن يسـوع الإنسان جُـرّب بالانقيـاد لصـورة الإلـه المحـارب, المنتقـم, السـاحـق, وقـد داهمتـه هـذه التجـربـة منـذ بـدء حياتـه البشـريـة, واحتـدمت إلى حـدّ النزاع وتساقـط العـرق من جبينـه كقطـرات الـدم فى بستـان جسيمانـى قبـل الآلام عندمـا جُـرّب بإبعـاد كأسهـا عنـه وحسم الموقـف لصـالحـه و [.. َظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ يُقَوِّيهِ ] [ لوقا 22: 43] لسحـق خصـمه, وامتـدت إلى الوقت الذى يحتضـر فيـه معلقـًا على الصليب ويواجـه تعـييـرات أعدائـه المتحـدّين له بقـولهم: " إن كنت ابن الله فإنـزل عن الصليب" ...
[ وَكَانَ اَلشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ وَاَلرُّؤَسَاءُ أَيْضاً مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: خَلَّصَ آخَرِينَ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ اَلْمَسِيحَ مُخْتَارَ اَللهِ ] [ لوقا 23: 35]...
إن يسوع, ببقـائـه عـلى هـذه الشفـافيـة الناصعـة لنـور الله, كشف لنـا حقـيقـة الله الكاملـة, إن بسلـوكه أو بتعليمـه:
سوف نبـرز هـذا السلوك مـن خـلال ثـلاث محطـات مـن سـيرة الرب يسوع المسيح:
يوحنـّا السابق, ذاك الـذى شهـد عنـه يسوع نفسه بأنـه:" أعظـم المولودين مـن النساء" , كـان مـع ذلك مرتبطـًا بالعهـد القـديم مـن حيث تصـوّره لله...
لـذا كان ينتظـر, على ما يبـدو ـ شأنـه فى ذلك شأن فرقـة " الآسانيـين" وهـم رهبـان يهـود عـاشوا فى ذلك العصـر وعرفنـا الكثيـر عنهـم من مخطـوطات البحـر الميت التى اكتشفـت بـدءًا مـن عـام 1947 ـ أن يـأتى الله بقـوة ساحقـة ليبيـد أعـداءَه ويقيـم على أشـلائهـم مملكـة البـرّ...
هـذا ما يُستـدلّ من عبـارات الوعيـد التى تلفـّظ بهـا عندمـا أنـذر اليهـود بوجـوب التـوبـة, والتى يقتـرن فيهـا الإعـلان عـن إقتـراب عهـد المسيح بصـورة النـار التى تحـرق الأعـداء:
[ وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ وَلَكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ ] [ متى 3: 10 ـ 12]...
وقـد تعـرّف يوحنـّا بالـروح علـى يسوع بأنـه المسيح المنتظـر فـدلّ النـاس عليـه...
ثـمّ اُعتقِـل بسبب إخـلاصـه لشريعـة الله, ولا بـدّ أنـه كـان ينتظـر فى سجنـه أن يُعتـلن غضب الله على يـدّ مسيحـه فيحطـّم الأشرار ويُطـلق الأبـرار من عقـالاتهـم...
إن انتظـاره هـذا لـمّ يكـن بالأمـر الغريب وقـد كان منسجمـًا مـع كل ذهنيـة العهـد...
لـذا حـيّره إحجـام يسوع عـن إطـلاق غضـب الله...
لـذا [ أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي اَلسِّجْنِ بِأَعْمَالِ اَلْمَسِيحِ أَرْسَلَ اِثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟ ] [ متى 11: 2, 3]...
أدرك يسوع قصـد يوحنـّا مـن سـؤاله, فمـا كان جـوابـه إليه؟:
[ اِذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ وَاَلْمَوْتَى يَقُومُونَ وَاَلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ ][ متى 11: 4 ـ6]...
وكأنـه يقـول له: أنـك تنتظـر أن يعلـن الله عـن نفسـه بالغضـب السـاطع المـدمّـر, ولكنـه بالفعـل إنمـا يكشـف اقتـرابـه بالرحمـة المحييـة والمحـرّرة الممنـوحـة لمسحـوقى الأرض والتـى سبـق للنبـى إشعيـاء أن تحـدث عـن بزوغهـا فى يـوم مجـئ الرب:
[ تَحْيَا أَمْوَاتُكَ. تَقُومُ اَلْجُثَثُ. اِسْتَيْقِظُوا. تَرَنَّمُوا يَا سُكَّانَ اَلتُّرَابِ. لأَنَّ طَلَّكَ طَلُّ أَعْشَابٍ وَاَلأَرْضُ تُسْقِطُ اَلأَخْيِلَةَ ]
[ أشعياء 26: 19],
[وَيَسْمَعُ فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ َلصُّمُّ أَقْوَالَ السِّفْرِ وَتَنْظُرُ مِنَ اَلْقَتَامِ وَالظُّلْمَةِ عُيُونُ اَلْعُمْيِ ] [ أشعياء 29: 18],
[ حِينَئِذٍ تَتَفَتَّحُ عُيُونُ اَلْعُمْيِ وَآذَانُ اَلصُّمِّ تَتَفَتَّح ُ] [ أشعياء 35: 5 ],
[ أَرْسِلُوا خِرْفَانَ حَاكِمِ اَلأَرْضِ مِنْ سَالَعَ نَحْوَ اَلْبَرِّيَّةِ إِلَى جَبَلِ اِبْنَةِ صِهْيَوْنَ ] [ اشعياء 16: 1]...
أمـا شهـادة الحـق فلـن تفـرض نفسهـا الساحقـة بـل تشق طريقهـا عبـر إخـلاص حتى المـوت ... والقيـامـة...
بهـذا البرنـامج الـذى رسمـه وحقـقـه الرب يسوع المسيح لرسالتـه, قـلب المفـاهيـم الشائعـة عـن نمـط تدخـّل الله فى الأرض ليقيـم فيهـا مملكتـه...
وإننـا نجـد نفس البرنـامج فى تلك الخطبـة التى ألقـاها يسوع فى مجمـع النـاصرة ودشـّن بهـا رسـالتـه:
[ وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوباً فِيهِ: { رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ }. ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ وَجَلَسَ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ كَانَتْ عُيُونُهُمْ شَاخِصَةً إِلَيْهِ. فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: { إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ } ][ لوقـا 4: 16 ـ 21 ]...
الموقف نفسه, ومـا يكشفـه مـن سلوك الله, نجـده فى جـواب يسوع على طلـب وجّـهـه إليه يعقـوب ويوحنـّا ابنـا زبـدى...
كان السامريون واليهـود أعـداء ألـداء فى ذلـك العهـد...
وكان السامـرين, مـن جـراء ذلك يتربّـصون باليهـود الذيـن كانـوا يمـرّون بقـراهم فيسيـئون معاملتهـم, خاصـة إذا كانـوا حجـاجًا صاعـدين إلى أورشليـم...
هـذا مـا يلقـى ضـوءًا على تلك الحـادثـة التى يرويهـا لوقا الإنجيـلى:
[ وَحِينَ تَمَّتِ اَلأَيَّامُ لاِرْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهاً نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا قَالاَ: { يَا رَبُّ أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضاً؟ } فَالْتَفَتَ وَاِنْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: { لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ اَلنَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ }. فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى ] [ لوقـا 9: 51 ـ 56]...
لقـد أطلـق يسوع بحـق على ابنى زبـدى لقب " ابنى الرعـد" , وها همـا فى هـذه الحـادثـة يتصـرفان وفقـًا للقبهمـا...
ولكن الموقف الذى وقفـاه من السامـريين الرافضيـن استقبـال يسوع لم يكـن من عندياتهمـا...
لقـد استلهمـاه من حادثـة يرويها الكتـاب عـن إيليـا عندما استنزل نـارًا من السمـاء أحـرقت على دفعتين رسل الملك أخـزيـا:
[ وَسَقَطَ أَخَزْيَا مِنَ اَلْكُوَّةِ اَلَّتِي فِي عُلِّيَّتِهِ اَلَّتِي فِي اَلسَّامِرَةِ فَمَرِضَ، وَأَرْسَلَ رُسُلاً وَقَالَ لَهُمُ: [اِذْهَبُوا اِسْأَلُوا بَعْلَ زَبُوبَ إِلَهَ عَقْرُونَ إِنْ كُنْتُ أَبْرَأُ مِنْ هَذَا اَلْمَرَضِ ]. فَقَالَ مَلاَكُ اَلرَّبِّ لإِيلِيَّا اَلتِّشْبِيِّ قُمِ: [ اِصْعَدْ لِلِقَاءِ رُسُلِ مَلِكِ اَلسَّامِرَةِ وَقُلْ لَهُمْ: هَلْ لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي إِسْرَائِيلَ إِلَهٌ، تَذْهَبُونَ لِتَسْأَلُوا بَعْلَ زَبُوبَ إِلَهَ عَقْرُونَ؟ فَلِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ اَلرَّبُّ: إِنَّ اَلسَّرِيرَ اَلَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ بَلْ مَوْتاً تَمُوتُ ]. فَانْطَلَقَ إِيلِيَّا. وَرَجَعَ اَلرُّسُلُ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمْ: [ لِمَاذَا رَجَعْتُمْ؟ ] فَقَالُوا لَهُ: [ صَعِدَ رَجُلٌ لِلِقَائِنَا وَقَالَ لَنَا: اِذْهَبُوا رَاجِعِينَ إِلَى اَلْمَلِكِ اَلَّذِي أَرْسَلَكُمْ وَقُولُوا لَهُ: هَكَذَا قَالَ اَلرَّبُّ: هَلْ لأَنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي إِسْرَائِيلَ إِلَهٌ أَرْسَلْتَ لِتَسْأَلَ بَعْلَ زَبُوبَ إِلَهَ عَقْرُونَ؟ لِذَلِكَ اَلسَّرِيرُ اَلَّذِي صَعِدْتَ عَلَيْهِ لاَ تَنْزِلُ عَنْهُ بَلْ مَوْتاً تَمُوتُ ]. فَقَالَ لَهُمْ: [ مَا هِيَ هَيْئَةُ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي صَعِدَ لِلِقَائِكُمْ وَكَلَّمَكُمْ بِهَذَا اَلْكَلاَمِ؟ ] فَقَالُوا لَهُ: [إِنَّهُ رَجُلٌ أَشْعَرُ مُتَنَطِّقٌ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ ]. فَقَالَ: [ هُوَ إِيلِيَّا اَلتِّشْبِيُّ ]. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَئِيسَ خَمْسِينَ مَعَ اَلْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ، فَصَعِدَ إِلَيْهِ وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رَأْسِ اَلْجَبَلِ. فَقَالَ لَهُ: [ يَا رَجُلَ اَللَّهِ، اَلْمَلِكُ يَقُولُ اِنْزِلْ ]. فَأَجَابَ إِيلِيَّا رَئِيسَ اَلْخَمْسِينَ: [ إ ِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اَللَّهِ فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَكَ ]. فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ. ثُمَّ عَادَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَئِيسَ خَمْسِينَ آخَرَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ: [ يَا رَجُلَ اَللَّهِ، هَكَذَا يَقُولُ اَلْمَلِكُ: أَسْرِعْ وَانْزِلْ ]. فَأَجَابَ إِيلِيَّا: [ إِنْ كُنْتُ أَنَا رَجُلَ اَللَّهِ فَلْتَنْزِلْ نَارٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَتَأْكُلْكَ أَنْتَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَكَ]. فَنَزَلَتْ نَارُ اَللَّهِ مِنَ اَلسَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ هُوَ وَالْخَمْسِينَ اَلَّذِينَ لَهُ ][ 2 ملوك 1: 2ـ 12]...
لقـد كان إيليـا عظيمـًا...
وقـد غـدت غيرتـه على الإلـه الحـىّ مضرب مثـل إلى يومنـا هـذا...
وكـان ذا جـرأة مـدهشة فى التصـدّى للملوك المفسـدين...
ولكنـّه كان يتصـوّر الله نـارًا تحـرق الكـافـرين...
وفى جبـل الكـرمل, تحـدّى كهنـة البعـل قائلاً:
[ ثُمَّ تَدْعُونَ بِاسْمِ آلِهَتِكُمْ وَأَنَا أَدْعُو بِاسْمِ اَلرَّبِّ. وَالإِلَهُ اَلَّذِي يُجِيبُ بِنَارٍ فَهُوَ اَللَّهُ ] [ 1 ملوك 18: 24]...
ولم يكـن يـدرك أنـه بمبـادرة الاقتـدار تلك التى أقحـم الله فيهـا, كان ينحـدر, مـن حيث لا يشـاء, بالإلـه الحـىّ إلى مصـف البعـل, الذى كان, باعتقـاد الكنعـانيـين, إلـه العـاصفـة والريـح والرعـد والصـاعقـة...
ولكنـه, بعـد أن نجـح فى مبـادرتـه تلك وذبـح على أثـر ذلك كهنـة البعـل وعـدا صاحب نفـوذ لـدى الملك, ارتـدّ عليـه انتصـاره واتـّضح لـه أنـه, فى لعبـة العنف هـذه, أضعـف من أن يجـارى الملكـة إيـزابيـل, فهـرب من أمـام انتقـامهـا واكتشف حـدود إقـتـداره...
عنـد ذاك لقـّنـه الله درسـًا بليـغـًا على جبـل حـوريب, يرويـه سفـر الملوك :
[ وَدَخَلَ هُنَاكَ اَلْمَغَارَةَ وَبَاتَ فِيهَا. وَكَانَ كَلاَمُ اَلرَّبِّ إِلَيْهِ: [ مَا لَكَ هَهُنَا يَا إِيلِيَّا؟ ] . فَقَالَ: [ قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلَهِ اَلْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي. وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا ]. فَقَالَ: [ اُخْرُجْ وَقِفْ عَلَى اَلْجَبَلِ أَمَامَ اَلرَّبِّ ]. وَإِذَا بِالرَّبِّ عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ اَلْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ اَلصُّخُورَ أَمَامَ اَلرَّبِّ، وَلَمْ يَكُنِ اَلرَّبُّ فِي اَلرِّيحِ. وَبَعْدَ اَلرِّيحِ زَلْزَلَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ اَلرَّبُّ فِي اَلزَّلْزَلَةِ. وَبَعْدَ اَلزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ اَلرَّبُّ فِي اَلنَّارِ. وَبَعْدَ اَلنَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ. فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا لَفَّ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ اَلْمَغَارَةِ ] [ 1 ملوك 19: 9ـ 13]...
إنـه لكشف رائـع لحقـيـقة الله, أتيح لإيليـا على جبـل حوريب...
فقـد كانت الريـح الشديـدة " تصـدع الجبال وتحطم الصخور أمام الرب" ولكن الرب لم يكن فى الريح...
كذلك, عبـرت الزلزلـة والنـار عن اقتـدار , ولكنـه لم يكـن فى هـذه أو تلـك...
وكـان إيليـّا اكتشف, بعـد أن كان مأخـوذًا باقتـدار الله ومتخـذًا منـه ـ ربمـا من حيث لا يـدرى ـ سبيـلاً لتحقـيـق اقتـداره هـو وبسط سلطـانه, كأنه اكتشف أن الله, وهـو الكـلى الاقتـدار فعـلاً, إنمـا يتجـاوز اقتـداره هـذا, وأنـه بالتـالى أعظـم مـن اقتـداره ومتعـالٍ عليـه...
تلـك كانت ومضـة فى حيـاة إيليـّا, لحظـة سريعـة سقطـت فيهـا الحُجُب فأطـّـل عليـه وجـه الله بنـوره المحيـّر...
ولكـن هـذه الومضـة تحـوّلت إلى حقـيـقـة ثـابتـة راسخـة فى فكـر يسوع المسيح ابن الله المتجسّد وسلـوكـه...
من هنـا " انتهـاره" لابنـى الرعـد عندمـا عرضـا عليـه تكـرار ما روى عـن إيليـّا من استنزال نـار من السمـاء لاحـراق جنـد ذلك الـذى لـم يراع حـرمـة النبـوّة...
هـذا الانتهـار غـنى عن التعليـق, ولـو أنـه قـد وردت بعـد ذكـر هـذا الانتهـار, العبارة التاليـة على لسان الرب يسوع:
{ لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ اَلنَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ }.
ثـمّ أن كشف يسوع لحقـيـقة الله بلـغ ذروتـه حين إلقـاء القبض عليـه...
ولكـى نـدرك ذلك حـف الادراك, ينبغـى أن نضـع أنفسنـا مكـان التلاميـذ الذيـن شهـدوا ذلك الحـدث المريـع...
هـؤلاء كانوا قـد اكتشفـوا بشـقّ النفس, بعـد مرافـقة طويلـة للمعـلم, أنـه " المسيح", وعبّـر بطـرس عـن هـذا الاكتشاف فى الاعتراف الشهير الذى أدلى به أمـام يسوع فى قيصـرية فيلبس...
وقد كانت صـورة المسيح مقـترنـة فى الذهنيـة اليهـودية التى نشأ عليهـا التـلاميذ وتشبـّعـوا منهـا, كانت مقـترنـة بصـورة الاقتـدار الكـلّى والجبرؤوت...
فالمسيح, بموجب هـذه الذهنيـة, وإن لم يكـن قـد اتـّضح جليـًّا بُعـد أصلـه الإلهـى, إنمـا كان يُعـتبـر بحـق مُمثـّل الله فى الأرض والمُنفـّذ الأسمى لمقـاصـده فى التاريخ...
مـن هنـا, الاعتقـاد الشائـع بأنـه سيسود فى الأرض دون منـازع لأن قـدرة الله ستسحـق الأعـداء تحت قدميـه...
لـذا لم يكـن يـؤبه لتلك المقـاطـع الغامضـة من نبـوءة أشعيـاء المتعلقـة بشخصيـة " خـادم الـرب" وبغيرهـا من النبوءات المماثلة, التى كانت تصـوّر المسيح على أنه " رجـل أوجـاع", وبالعكس كانت تُبرز إلى الواجهـة نصـوص تـؤخـذ بمعنـاهـا الحرفى وهى تتحـدث عن عـزة المسيح واقتـداره الساحـق: " قال الرب لربى: اجلس عـن يمينى حتى أجعـل أعداءك موطئـًا لقدميك... عصا قـوة يرسل لك الرب من صهيـون فتسود فى وسط أعدائك... معك الرئـاسة يوم قـوتك ... الرب عن يمينك يحطـم فى يوم رجـزه الملوك ... يملأ الأرض جثثـًا..." إلخ...
تلك هى بالضبـط الصـورة التى قـفزت إلى أذهان التلاميـذ عنـدما تيـقـّـنـوا بأن يسوع هـو المسيح الرب...
وإذا بيسوع يدمّـر هـذه الصـورة تدميـرًا, فيعـلن المـرة تلو المـرة عـن قـرب آلامـه وموتـه...
والتـلاميـذ لا يفهـمون...
وكيف لهـم أن يفهـموا أن يفشل المسيح فى إقـامة ملك ظـاهر فى الأرض ( ولـو أنهـم أخبروا أن هـذا الفشل سيتبعـه ظفـر قيامـة كان معنـاهـا لا يـزال مُغـلقـًا عليهم)...
مجـرد التفكيـر بفشل المسيح هـذا كان يزعـزع مجمـل تصـورهم عن الله, إذ كيـف يُعقـل أن يقبـل الله بفشل ممثلـه ومنفـّذ أوامـره دون أن يزلـزل الأرض بالمتآمـرين ويسحقهـم سحقـًا ويبيـدهـم من أمـام وجهـه " كمـا يبـاد الدخـان وكمـا يذوب الشمـع من أمـام وجـه النـار"؟,,,
ثم كيف يحتمـلون بأن تنسحب عـزة الله ومسيحـه عليهـم, هـم الأتباع المخلصـون, إلى حـدّ أنهـم شرعـوا يتنافسون على المقـامـات والأمجـاد العـتيـدة...
لقـد كان إنبـاء يسوع المسيح عـن إقتـراب آلامـه, ومـا تـراءى لهـم عبـر هـذا الإنبـاء مـن ضعـف ظاهـرى لله نابـع مـن احترامـه المـذهـل لحـرية المخلـوق, لقـد كان هـذا الاعـلان بمثـابة صـفعـة عـنيفـة لهـم, فثـار بطـرس وزجـر يسوع على كـلامـه هـذا, فنـال جوابـًا قاسيـًا وبّخـه فيـه المعـلّم على إنقيـاده إلى " أفكـار النـاس" ( النـاس الذين تشوّهت فيهـم صـورة الله فلـم يعـودوا قـادرين على تصـوّره بغيـر صـورة الإلـه الساحـق ) دون " أفكـار الله"...
لكنهـم, على مـا يبـدو, بقـوا حتى اللحظـة الأخـيرة, ورغـم انـذارات يسـوع المتكـررة, متشبّـثـين بتصـوّراتهم عـن المسيح وعـن الله...
لـذا فلا شكّ أنهـم صُعـقـوا حين أتـى الجنـد ليـلاً ووضعـوا اليـد على مسيح الله دون أن تنشـقّ الأرض وتبتلعـهم...
وكـأنى بطـرس, فى تلك اللحظـة الرهيبـة, يقـوم بحـركة يائسة يعبّـر فيهـا عن مـرارة انهيـار أحـلامـه, فيستـلّ سيفـه ويضـرب بـه أحـد خـدّام رئيس الكهنـة فيقطـع أذنـه...
وإذا بيسـوع يعـاتبـه فى هـذه المـرة أيضـًا فيقـول:
[ رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ اَلَّذِينَ يَأْخُذُونَ اَلسَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ اَلآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اِثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟ ] [ متى 6: 52 ـ 54]...
وكـأنه يقـول لـه: إن الله كلّـى الاقتـدار فعـلاً, فهـو قـادر على إرسـال أكثـر من اثنتى عشر فيلقـًا من الملائكـة ( والعـد 12 إنمـا هـو عـدد الكمـال ويشير بالتألى إلى قـوة كاملـة, فتـكون العبـارة " أكثر من اثنـى عشر" إشارة إلى قـوة فائقـة الكمـال ) ليبـيـد أعـدائى وأعـداؤه...
ولكـن الله يعـلو على اقتـداره هـذا لأنـه محبـة تحتـرم بصـورة مذهلـة, " جنـونية" ( ذلك هـو " الحبّ الجنـونى" الذى تحـدّث عنـه مكسيموس المعتـرف ونقـولا كاباسيلاس ), حـرية المحبـوب, إلى حـدّ القبـول بمعاناة رفضـه الكامـل, القاتـل, لهـا...
من هنـا إننى لن أسأل أبى أن يتصرّف خلافـًا لحقيقتـه, وهـذا هـو معنى هتـافى" لا كمـا أنـا أشاء, بـل كمـا أنت تشاء", ذلك الذى أطلقتـه فى بستـان جسيمانى حيث عشت المخـاض العسير الذى عَـبْـرَه سَـطعـت فى إنسانيتى صـورة الله على حقيقتهـا الناصعـة العجيبـة...
أضف إلى هـذه المواقف, موقف يسوع من المـرأة التى أخـذت فى زنى, وأتـاه بهـا الكتبـة والفريسيون قائلين له: " يا معلم, إن هذه المرأة أخـذت فى الزنى المشهود وقد أوصانا موسى فى الشريعة برجم أمثالهـا, فأنت ماذا تقـول؟" [ راجع يوحنا 8: 1 ـ 11]. نرى أن يسوع رفض أن يغلق على هذه المرأة فى خطيئتهـا, أن يختزلهـا بهـا, وبالتالى إنه حـرّر الله من الصـورة التى أُلصقت به, صـورة الديان المنتقم...
يقـول لاهوتيان كاثوليكيان بهـذا الصدد:
" ... يتوجـه يسوع إلى المـرأة كما إلى شخص مسؤول قـادر أيضـًا أن يفـعـل الخير... يسوع لا يقبـل أن يكـون ذنب هـذه المـرأة الكلمـة الأخيرة لحياتهـا... يدعـوها إلى عيش شئ آخـر... يخرجهـا من الصـورة التى يرسمهـا عنهـا فعلهـا... يخرجهـا من الدور الذى احتجـزها فيه موقف محيطهـا... إنه يفتـح أمامهـا مستقبلاً: " اذهبى ولا تعـودى إلى الخطيئـة" ...
بتحريره المـرأة الزانية, بمنحهـا, ما وراء خطيئتهـا, فرصـة جديـدة للعيش, بصفحـه عنها, يسوع, بآن واحـد, يحرر الله من صورة الآب الجالد والديان المنتقم... يسوع لا يُسلّم, إنه يُحـرّر... ينبغى أن لا ننسى أن يسوع , بالغـة العبرانية, يعنى " الله يُخـلّص"...
ما ينبـغى التشديـد عليـه بهـذا الصـدد, أن سلوك يسوع هـذا لم يكن قنـاعـًا سترالله به وجهـه فى يسوع المسيح فتـراءى لنـا بـه لفـترة محـددة عاد بعـدها إلى ما يُفـترض أنه كان عليه من اقتـدار قاهـر, ساحـق...
إنمـا قـد عـبّر هـذا السلوك نهائيـًا عن وجـه الله الحقـيقـى المتجـلّى فى إنسانيـة يسوع المسيح...
من هنـا,إنـه لا يمكن أن تكـون لنـا معـرفة صحيحـة عن الله, معـرفة لا تشوبهـا إسقاطـاتنـا وهـواماتنـا, إلا تلـك التى نجنيـهـا من رؤيتنـا لإنسانية يسوع...
بهـذا المعنى قال السيد :
[ اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟ ] [ يوحنا 14: 9], وأيضـًا
[ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلاَ أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً ] [ يوحنا 8: 19],
[ وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي ] [ يوحنا 12: 45],
[ اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ ][ يوحنا 1: 18],
[ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ اَلاِبْنَ إِلاَّ اَلآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ اَلآبَ إِلاَّ اَلاِبْنُ وَمَنْ أَرَادَ اَلاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ ][ متى 11: 27],
وعن المسيح قال الرسول بولس أنه: [ اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ ] [ كولوسى 1: 15],
كمـا قال أيضـًا: [ لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اَللهِ وَاَلنَّاسِ: اَلإِنْسَانُ يَسُوعُ اَلْمَسِيحُ ] [ 1 تيموثاوس 2: 5]...
ومما يؤكـد ذلك كون يسوع أيّـد بتعليمـه عن الله صحّـة صـورة الله التى تتجـلّى فى سلـوكه الإنسانى...
فمثلاً نـرى أن محبـة الأعـداء التى نـادى يسوع بهـا اتـّخـذت نمـوذجـًا لهـا سلوك الله نفسـه, بحيث تبيـّن بأن الله ليس الإلـه المنتقـم الذى يقابـل الشر بالشر, بـل هـو ذاك الذى يُنعـم بخيراته على الأخيـار والأشرار على حـد سواء, ذاك الذى هـو " رحيـم" أى واسع القلب إلى حـدّ أنـه يشمـل برحـابة حبـّه الأبـرار والأثمـة:
[ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ اَلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى اَلأَشْرَارِ وَاَلصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى اَلأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ اَلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ اَلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا؟ فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ اَلَّذِي فِي اَلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ ] [ متى 5: 44 ـ 48]...
[ بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي اَلْعَلِيِّ فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ اَلشَّاكِرِينَ وَاَلأَشْرَارِ.فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ ] [ لوقا 6: 35, 36]...
على ضـوء مـا عرفناه من حقـيقـة الله فى سلوك يسوع المسيح وتعليمـه, يتسنّى لنا أن ندرك المعنى الحقـيقى الكـامن فى عبارتى " الدينـونة" و" غضب الله", اللتين كثيـرًا ما تتكـرّران فى الكتـاب المقـدس بعهـديه, واللتين ينبغى بصـددهما أن نتجنـب بحـرص نوعيـن من الشـطط لا يقـلان خطـرًا أحـدهما عن الآخـر:
شطـط تجاهلهمـا واستبعادهمـا من هواجسنـا, مما يـؤول إلى تمييـع صـورة الله وبالتـالى علاقتنـا به,
وشطـط تأويلهمـا تـأويلاً بشريـًا بحتـًا لا يقيـم الـوزن الكافى لجـدّة كشف المسيح لنـا عـن طبيعـة الإلـه الحـق,
مما يـؤول إلى تشويـه مـن نوع آخـر نلحقـه أيضـًا بصـورة الله وبعـلاقتنـا به على حـدّ سواء...
ولنـأخـذ أولاً مفهـوم " الدينـونة"...
إن نصّـًا هامـًا من إنجيـل يوحنـّا يوضـّح لنـا كيف ينبعى أن نفهمهـا فى ضـوء ما تلقينـاه من كشف عن حقيقـة الله فى يسوع المسيح:
[ لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.
لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.
اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ.
وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.
لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ ] [ يوحنا 3: 16 ـ 20]...
يتـّضح من هـذا النـصّ أن " الدينـونة" ليست عقـابـًا ينزلـه الله بالـذين يخالفـون أوامـره, بغيـة الاقتـصاص منهـم على مـا فعلـوه من شرور...
فالله لا يريـد سوى خـلاص الإنسان...
إن اقتـداره الكـلّى يتجـلّى لا بالقمـع والسحـق ـ اللذان يراودان أحـلامنـا بالاقتـدار, بالضبـط لأننـا كائنـات ضعيفـة, محـدودة و تحتـاج, مـن أجـل تأكيـد قدرتهـا والتعـامى عـن هشاشة هـذه القـدرة, إلى التسلّط على من هم أضعـف منهـا ـ بل بكـونه " معطـى الحيـاة" ( وإعطـاء الحيـاة إنمـا هو أصعـب مـا فى الوجـود, بدليـل أن البشر الـذين أضحـوا قادريـن على إفنـاء الحيـاة عـن وجـه الأرض بأسلحتهم الفتـّاكة, لم يتوصـلوا حتى الآن إلى ابتكـار خليـّة حيـّة واحـدة )...
الله محبـة ونـور وحيـاة ليس إلا:
[ وَهَذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنَ الْمَسِيحِ وَنُعْلِنُهُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ نُورٌ، وَلَيْسَ فِيهِ ظَلاَمٌ الْبَتَّةَ ] [ 1يوحنا 1: 5]...
هـذا مـا تجلّى بإرسال الحبيب إلى عالمنـا: فقـد أتى لا ليُهـلك بـلّ ليـُحيى:
[لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ ] [ يوحنا 3: 16]...
ومـع ذلك فإن النصّ يشير إلى " دينـونة" ...
فمـا هى طبيعـة هـذه " الدينـونة" يا تُـرى؟...
العبـارة اليونانيـة التى تشير إلى " الدينـونة" فى العهـد الجـديد هى KRISIS , والمدلول الأصـلى لهـذه العبـارة فى اليـونانية إنمـا هـو التمييز...
فنـور الله ومحبتـه, إذا ظهـرا, يضطـران النـاس إلى إتخـاذ موقف صريـح منهمـا, يكـون إمـا التجـاوب معهمـا أو رفضهمـأ...
هكـذا يتميـز النـاس بعضهـم عن بعـض بمـوجب الموقف الذى يتخـذونه...
فالـذين يفتحـون قلوبهـم لنـور الله ومحبتـه يصبحـون مشاركين لحيـاة الله, وبالتـالى فهـم يقيمون فى النـور والفـرح والحيـاة...
أمـا الذين ينغـلقـون دون نـور الله ومحبتـه, فإنهـم يجعلـون أنفسهـم خـارج حيـاة الله, وبالتالى فى عـزلة وضيـق ومـوت...
من هنـا هـذا التنـاقض الظـاهرى فى النصّ...
فمـن جهـة يقـال أن المسيح لم يأت إلى العـالم " ليـدين العـالم", بمعنى أنـه لم يأت ليحكـم عليـه...
ومـن جهـة أخـرى يشير النصّ إلى أن هنـاك " دينـونة" قائمـة...
ولكنـه واضح أن هـذه " الدينـونة" ليست من بـاب المحاكمـة القضـائيـة, بل هى نتيجـة موقف يتخـذه البشر من النـور الـذى جـاءهم, فيتميزون بهـذا الموقف بعضهـم عن بعض, إذ يجعـلون أنفسهـم إمـا من جهـة النـور أو من جهـة الظلمـة:
[ وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.
لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ.
وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ ] [ يوحنّا 3: 19 ـ 21]...
الله لا يريـد إذًا سوى الخـلاص...
إنمـا, مـن وضع نفسـه بأعمـاله الشريرة خـارج الخـلاص, فقـد حكـم على نفسـه بالعـزلة والمـوت...
بهـذا المعنى قيل فى النصّ:
" من لا يؤمن به ( بالمعنى الحقيقى للإيمـان, الذى ليس هـو مجـرّد التصـديق بل تسليم النفس لله وتغـيـير القلب يتقبـّل فعلـه المحيى فينـا ) فقـد دين"...
وكـأن الله قـد حكـم عليـه, لأن صيغـة المجهـول هنـا, كما فى مواضـع أخـرى من الإنجيـل, تشير إلى الله...
فى حين أن سيـاق النـصّ يظهـر أنـه هـو الـذى دان نفسـه بنفسـه عندمـا واجـه نـور الله فرفضـه...
أمـا من فتـح قلبـه على الخـلاص منسجمـًا وإيـّاه بأعمـاله الصـالحة, فهـذا قـد تقبّـل فى ذاتـه حيـاة الله وفرحـه...
عن هـذا يقول النص:" من يؤمن به لا يـدان"...
والمقصـود أنـه ينجـو من حكـم المـوت الـذى ينزلـه الأول بنفسـه عندمـا يضـع ذاتـه خـارج نور الله...
من المنطلـق نفسه نفهـم ما هـو المقصـود بعبـارة " غضب الله" كما تـُقرأ فى المقـطع التالى من إنجيـل يوحنّـا:
[ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ ] [ يوحنا 3: 36 ]...
ليس المقصـود بـ" غضـب الله" أن محبّـة الله تتحـوّل فى وقت من الأوقـات إلى رغبـة فى الانتـقـام ممن يخـالف...
بـلّ إن مـن يُغـلق قلبـه دون محبـة الله المقـدّمة لـه, هـذا يجعـل نفسـه خارج المحبّـة والحيـاة, وبالتـالى يصبـح حـبّ الله المرفـوض منـه تعـذيبـًا لـه...
فلنـأخـذ مثـلاً على ذلك مـن عـلاقاتنـا الإنسانيـة...
فقـد أخـتلـف مع صـديق عـزيـز على جدًا, صـديق أعتبـره " أنـا الآخـر", إلى حـد أننى أقـدم على الانفصـال عنـه, مدفـوعًا برغبـة فى تـأكيـد وجـودى بمعـزل عـن هـذا الصـديق...
هـو يتمـنّى عـودتـى إليـه...
وأنـا, فى قـرارة نفسـى, أشعـر بأننى لـن أكتمـل بدونـه وأحـنّ بمـلء جوارحـى إلى إعـادة الصـلة بـه...
ولكننـى مـع ذلك أتشبث بمـوقفـى الـرافـض مقنـعًا نفسـى ـ ومـا أسهـل بـأن يخـدع المـرء نفسـه ـ بأنـه خيـر لى أن أكـون المـرجـع الوحيـد لـذاتى...
فأعـانى عنـد ذاك مـن تمـزّق أليـم بسبب التعـارض بين رغبتـى العـميقـة فى لقـاء الصـديق وبين إصـرارى على أن تكـون حيـاتى ملكـًا أحتفـظ بـه لنفسـى ولا أشـارك بـه أحـدًا, على أن أوجـِد نفسـى بنفسـى ولا أتلقـّى من سـواى زخمـًا من الوجـود...
فيتـراءى لى, وأنـا فى خـضـمّ تمـزّقـى, أن محبّـة صـديقـى لى قـد تحـوّلت بالنسبة إلىّ إلى عـذاب لأنهـا تـوقـظ فىّ حنيـنـًا عميـقـًا إلى التجـاوب معهـا, حنيـنـًا يعـذبنى لأننـى لست مستعـدًا للانقـيـاد إليـه...
تلك هى أيضـًا مـأساة الإنسان فى عـلاقتـه بالله...
فالله قـد أحـبّ الإنسان إلى حـد أنـه جعـل فى قلبـه ميـلاً لا يُـقهـر إلى لقـائـه, ميـلاً يـعبّـر عنـه عـطش الإنسان إلى اللامتنـاهى وعجـزه عن أن يـروى غـليـله من خـيرات الأرض مهمـا توافـرت وسمـت...
لكـن الإنسان مهـدّد دومـًا بأن ينحـرف عن خـط تـوقـه الأصيـل هـذا, الذى هـو عـطش إلى الله, فيُـوهـم نفسـه أنـه بمقـدوره أن يشبـع هذا التـوق بتركيـزه على ذاتـه وحـاجاتهـا بـدل الانفتـاح إلى ذلك الآخـر الـذى ينـاديـه والسعـى إلى لقـائه فى تجـاوز حقـيقـى لـذاتـه...
هكـذا ينغـلق على حيـاته الـذاتيـة ويتشبّـث بهـا وكأنـه صانعهـا ومالكهـا, عـوض أن يقبـل بأن يتلقـّاهـا من الله مصـدرها وينبـوعهـا فى إسـلام للنفس إليـه...
عنـد ذاك تتجمّـد فيـه الحيـاة وتتنـاقض, بسبب انقطـاعهـا عـن ينبـوعهـا الدائـم التـدفـّق...
فيتحقـق فى ذلك الإنسان كـلام الله الـوارد فى نبوءة إرميـا:
[...تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ اَلْمِيَاهِ اَلْحَيَّةِ لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ آبَاراً آبَاراً مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً ] [ إرميا 2: 13]...
فإذا استمـر الإنسان على هـذه الحال, بقـى فيـه العطش إلى الله, إنمـا, بـدل أن يتـّجـه هـذا الإنسان إلى الينبـوع الـذى يستطيـع وحـده أن يروى غـليله, فإنـه يحـاول أن يرتـوى من الميـاه الضحلـة الآسنـة التى اختـزنها لنفسه...
ليس بوسعـه أن يلغـى ذلك العطش الـذى يكـوّنه كإنسان, ولكنـه يحـاول عبثًا أن يرتـوى من ذاتـه, أى من فـراغه, فإذا بـه يلتهـب بسعير عطشـه الذى لا يجـد الارتـواء...
إن حقـيقـة جهنّـم كامنـة فى هـذا التنـاقض الرهيب النـاتج عـن عطش لا متنـاهٍ يصـرّ عبثـًا على الارتـواء من الفـراغ...
إنهـا كامنـة فى هـذا التنـاقض, وليس فى تصـوّر ينطـلق من تفسيـر حـرفى للنصـوص الكتـابيـة فيتخيـّل إلهـًا يقتـصّ من البشر بتعـذيبهـم بالنـار ويعـطى عبـاده بالتـالى ذريـعة ليعـاملوا النـاس بالمثـل ( كمـا فعـل قضـاة محاكـم التفـتيش الذيـن كانـوا يسلمون الهـراطقـة للحـرق, ممـا دفـع فـولتير إلى التهـكّم بهم قائـلاً: إنهـم كـانوا يخـفّـفـون عـن الله بعضـًا من أعبـاء مهمّـته!!! )...
الحقـيقـة أن الإنسان يحـترق مـن جـرّاء حنيـنه إلى الله إذا انحـرف هذا الحنين عـن موضـوعه الحقـيقـى وحـاول أن يرتـوى من فـراغ الـذات المنقـطعـة عن ربهـا المنهمكـة برغـائبهـا الأنـانيـة الضيقـة...
عنـد ذاك يتحـوّل الحب الإلهـى الـذى أيقـظ ولا يـزال يـوقـظ هـذا الحنين إلى لعنـة ووبـال, لا من جـرّاء تغييـر طـرأ على موقـف الله من الإنسان, بـلّ بسبب رفـض ذلك الإنسان للحب المقـدّم لـه ومحـاولتـه الاكتفـاء بذاتـه...
فإذا بالحب الإلهـى نفسـه يتـّخذ بالنسبة إلى ذلك الإنسان قنـاع الغضب, وبـدلاً من أن يكـون مصـدر فرح له يصبـح مصـدر عـذاب...
لقـد كتب اللاهـوتىالأرثوذكسى الفرنسى المعاصر " أوليفيه كليمان":
" قـد لا تكـون جهنّـم سوى هـذه المواجهـة بين العطش والفـراغ, الإنسان يشرب مـن فراغـه الذاتـى فيتزايد إلتهـابه باستمـرار"...
وقد كتب القـديس اسحـق السريانى بهـذا الشأن:
" الحب يعمـل بطريقتـين مختلفتين, فإنـه يصبـح عـذابـًا فى الهـالكين وفـرحـًا فى المطـوَّبين"...
ولكـن ما تـُرى يكون موقف الله من ذلك الإنسان الذى يتشبث بالارتـواء اللاهب من فراغـه؟...
هـل يكـون موقـف المتفـرّج الذى لا يؤثـّر المشهـد فى غبطـته اللامتنـاهيـة؟...
لقـد شاعت فى تراثنـا صـورة الإلـه اللامنـفـعـل, ولكنهـا برأيى صـورة يونـانية أكثـر منهـا مسيحيـة...
إذ ليس هـذا هـو وجـه الله كمـا تعـرّفنا عليه فى يسوع المسيح...
فقـد عرفنـا أن الله محبـة, والمحبـة لا بـدّ لها أن تشارك المحبـوب فى معـاناته...
لنعـد إلى مثل الصـديق العزيز الذى انفصلنا عنـه, فغـدونا نحترق فى عزلتنا المميتة, يلهبنـا حنين إليه نمعن فى تجـاهله...
أو يبقى الصديق متفرّجـًا علينا, أم أنـه على العكس يتحـرّق عندمـا يـرانـا نحتـرق؟...
ثم ألم يقـدّم لنا الرسول بولس عنـاصر الجـواب عندما هتف: [ من يضعف ولا أضعف أنا؟ من يعثـر ولا ألتهـب أنـا؟]...
أفيكـون الرسول أفضـل من مرسلـه؟...
أتكـون المحبـة أقـوى فى البشر مما هى عنـد ذاك الذى هـو ينبـوع المحبـة وزارعهـا فيهـم؟...
إذا كان الله محبـة, فـلا بـدّ أن للألم مكانـًا فى كيانـه, ولو كان يصعب علينـا أن نتصـوّر طبيعـة هـذا الألم...
هـذا ما يكشفه اللاهـوت المعاصر فى ضـوء مآسى إنسانية اليوم, مستنـدًا إلى عناصر مغيّبـة من صلب التراث...
قـد يكـون أحـد الفـوارق بين ألـم الله وألمنـا أننا كائنـات ضعيفـة فانيـة, بحيث أننى إذا تألمت لصديقى فإن ألمـى هـذا يمتزج لا محـالة بالحسرة على نفسى وعلى مآسىّ وفنائـيتى...
أمـا الله اللامحـدود, الذى لا يقـوى المـوت عليه ولا تطـاله صروف الدهـر, فإنـه, إذا تـألم لألـم الإنسان, فإنـه إنمـا يتـألم من أجـل هـذا الإنسان وحسب...
فيكـون ألمـه خالصـًا, خاليًا من كل انطـواء على الذات...
ومـن الإشارات الكتـابية التى نستـدل يها على ألـم الله هـذا, أذكـر تلك الحادثـة من سيرة " داود" الملك...
فقـد ثـار عليـه ابنـه " أبشالـوم" واستـولى على الحكـم, فاضطـر داود إلى الهـرب من أمـام وجهـه ذليـلاً مهـانـًا...
ثم جـرت موقعـة حاسمـة انهـزم فيهـا جيش " أبشالوم" وقُتـل فيهـا هـذا الأخيـر على يـد أحـد قـادة " داود", رغـم ما كان الملك قـد أوصى بـه جميـع قـادتـه بأن يرفقـوا بالفتـى...
فلمـا بلـغ الخبـر إلى " داود", وقـع عليه وقـع الصاعقـة:
[ فَانْزَعَجَ اَلْمَلِكُ وَصَعِدَ إِلَى عِلِّيَّةِ اَلْبَابِ وَكَانَ يَبْكِي وَيَقُولُ وَهُوَ يَتَمَشَّى: { يَا اِبْنِي أَبْشَالُومُ، يَا اِبْنِي يَا اِبْنِي! أَبْشَالُومُ، يَا لَيْتَنِي مُتُّ عِوَضاً عَنْكَ! يَا أَبْشَالُومُ اِبْنِي يَا اِبْنِي } ] [ 2 صموئيل 18: 33]...
داود يبكـى لموت ولـده بلـوعـة تنـمّ عـن حنـو عجيب...
إنـه يبكـى على ذاك الذى ثـار عليـه وطـرده مـن ملكـه...
ولا يكتـفى بالبـكاء بـلّ يـودّ لـو أنـه مـات عـوضـًا عن ذاك الذى أدّى بـه رفضـه لأبيـه إلى المـوت...
ولكـن الله قـد سبق فقـال عـن داود أنـه:
[ اِنْتَخَبَ اَلرَّبُّ لِنَفْسِهِ رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِهِ ] [ 1 صموئيل 13: 14]...
لقـد إخطـأ " داود" وضـلّ ولكنـه, تحت وطـاة الألـم الذى عصـره, تبلورت فيـه صـورة الله المشار إليهـا فى الآيـة أعـلاه فتحقـق فيـه الشبـه الذى تشير إليـه بين قلبـه وقلب الله...
من هنـا أن سلوك " داود" عنـد مقتـل ابنه, هـذا السلوك الذى تكشـّف فيـه أفضـل ما فى الأبـوة البشريـة عنـدما تتـوهّـج هـذه الأبـوة فترتسم فيهـا صـورة أبـوة الله, إن " داود" هـذا يوحى لنـا بموقف الله مـن الذيـن يختـارون الهـلاك باختيـارهـم الانفصـال عنـه...
يقـول أحـد اللاهـوتيين المعـاصرين بهـذا الصـدد
أن صيحـة " داود" المفجـوع إنمـا هى الصيحـة التى يطفـح بهـا قلب الله عنـدما يـرى أبنـاءه يختـارون الموت فى رفضـهم لحبـّه,,,, وأن الله إنمـا يقـول, بلسان " داود" شبيهـه: أنـه يريـد أن يمـوت بـدلاً عـن أبنـائـه المتمـردين...
هـذا ما انكشف لنـا تمامـًا فى يسوع المسيح الذى بصليبـه أدركنـا أن هـمّ الله ليس أن يُـلقى الخطـأة فى الجحيـم بـلّ أن ينحـدر إلى جحيـم الخطـأة ليحـرّرهم منـه...
" غضب الله" غذًا, كمـا فهمنـاه فى يسوع المسيح, هـو الوجـه الذى يتـّخذه الإلـه المحبّ فى نظـر الذيـن يرفضـون حبـّه وحياتـه سعيـًا وراء سـراب الاكتفـاء بذواتهـم...
هـذا المفهـوم الإيجـابى لـ " غضب الله", ترجمـه يسوع المسيح فى سلوكـه عندما كان يتصـرّف بغضب حيـال قـادة شعبـه, من كتبـة وفريسيين, الذيـن كانـوا يتذرعـون بالله نفسه ليتمـادوا فى أهـوائهـم فيتـّخـذون من شريعـة الله حجّـة للاستعـلاء على النـاس, وإلقـاء الأعبـاء الساحقـة عليهـم إرضـاء لشهـوة الحـكم فيهـم...
غضب يسوع حيـال هـؤلاء لا يحمـل طـابع البغضـاء ولا يُقـصد منه التـدمير بـلّ إيقـاظ تلك النفـوس الغـارقـة فى سبـاتهـا, المرتاحة إلى بـرّها الظـاهرى, كمـا يرتـاح المدمـن إلى مخـدّره, المتشبثـة باكتفـائيتهـا إلى حـدّ أنـه لم يعـد بوسعهـا أن تدرك الفقـر الداخـلى المريـع الذى جلبتـه عليهـا هـذه الاكتفـائيـة...
لقـد كان غضب يسوع يُقصـد منـه أن تُصـدم تلك النفـوس فتراجـع ذاتهـا وتعيـد النظـر فى ما ارتاحت إليـه, علّهـا تكتشف طـريق التحـرّر والحياة...
أمـا كـون هـذا الغضب كان يُبطـن الرأفـة والرجـاء, فهـذا ما تُظهـره صـلاة يسوع على الصليب من أجـل صـالبيـه:
[ يَاأَبَتَاهُ اِغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ ] [ لوقا 23: 34]...
وكـذلك فهـو يتبين فى مـا ورد فى مثـل الابن الشاطـر حيث نرى الأب ( وهو يمثل الله ) يخـرج إلى الابن الأكبـر المستاء من عـودة أخيـه الضـال إلى أحضـان أبيه ( والابن الأكبر يمثـل استعـلاء الفريسيين )...
يخـرج إليـه ويلاطفـه ويحـاول أن يوقـظ قلبـه من تحجـّره...
وينتهـى المثـل عنـد هـذا الحـدّ دون أن نعـرف جـواب الابـن الأكبـر على سعى أبيـه, وكـان يسوع, الـذى روى هـذا المثـل أمـام الفريسيين المعتـزّين ببرّهـم, المحتجّـين على معـاشرتـه للخطـأة, كـانـه يُلقـى الكـرة فى ملعـبهم ويتـرك لهـم الجـواب, راجيـًا حتى النهـاية أن تنتصـر قـوى المحبـّة فى قلوبهـم على قـوى الانعـزال والمـوت...
استنـادًا لمـا سبـق, نستطيـع الآن أن نتمعّـن فى الحادثـة التى يرويهـا الكتاب المقدس عـن تدميـر سدوم وعمـورة, وأن نتساءل كيف يمكننـا أن نفهـم هـذه الروايـة فى ضـوء ما عرفنـاه عن الله فى يسوع المسيح...
لن نذكـر هنـا تفاصيـل الحادثة كما وردت فى سفـر التكـوين , إنمـا نكتفـى بمـا نجـده من وصف لتـدمير المدينتين:
[ فَأَمْطَرَ اَلرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتاً وَنَاراً مِنْ عِنْدِ اَلرَّبِّ مِنَ اَلسَّمَاءِ. قَلَبَ تِلْكَ اَلْمُدُنَ وَكُلَّ اَلدَّائِرَةِ وَجَمِيعَ سُكَّانِ اَلْمُدُنِ وَنَبَاتَِ اَلأَرْضِ. وَنَظَرَتِ اِمْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ! وَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي اَلْغَدِ إِلَى اَلْمَكَانِ اَلَّذِي وَقَفَ فِيهِ أَمَامَ اَلرَّبِّ وَتَطَلَّعَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَنَحْوَ كُلِّ أَرْضِ اَلدَّائِرَةِ وَنَظَرَ وَإِذَا دُخَانُ اَلأَرْضِ يَصْعَدُ كَدُخَانِ اَلأَتُونِ ] [ تكوين 19: 24ـ 28]...
الروايـة تستنـد إلى واقعـة حـدثت فعـلاً, وهى عبـارة عن زلزلة مدمّـرة " قَلَبَ تِلْكَ اَلْمُدُنَ وَكُلَّ اَلدَّائِرَةِ.." ...عقبهـا على الأرجـح حريـق " فَأَمْطَرَ...َ كِبْرِيتاً وَنَاراً .... وَإِذَا دُخَانُ اَلأَرْضِ يَصْعَدُ كَدُخَانِ اَلأَتُونِ "...
وبالاستناد إلى النـصّ الكتابى, يمكـن تحـديد موقـع الزلزلة فى المنطـقـة الجنـوبية من البحـر الميت...
والواقـع أن هنـاك هبـوطًا حاصـلاً فى تلك المنطقـة يعـود إلى حقبـة حديثـة العهـد بالنسبة لعمـر طبقـات الأرض...
هـذا وقـد بقيت المنطقـة عـرضـة للهـزات الأرضيـة حتى العصـر الحـديث...
والحـال أن الأقـدمين كانـوا ينسبون كل ظـاهـرة طبيعيـة إلى الله مباشرة, لكـونهم لم يكونوا قد أدركـوا بعـد دور الأسباب الطبيعيـة البحتـة...
فالرعـد صـوت الله: " اَلرَبّ أَرْعَدَ مِنْ السَمَاء وَ اَلْعَلِىّ أَطْلَقَ صَوْتَه",
والبرق نبـاله:" أرْسَلَ اَلنِبَال فَشَـتَّتَهُم, ضَاعَـفَ اَلبِرُوقَ فَشَـرّدَهُم",
وهو يطلـق الريـاح المخـزونة فى خـزائنـه ... إلخ...
من هنـا أنـه كان مـن الطبيعى أن ينسبـوا هـذا الزلزال لعمـل الله بالذات...
فقـد قالت المزامير: " اَلْذِى يَنْظُرُ إِلَى اَلأرْضِ فَيَجْعَلَهَا تَرْتَعِدْ وَيَمِـسَّ اّلجِبَالِ فَتُدَخّـنْ"...
الكتـاب المقـدس كلام الله مكتـوب بأسلوب بشرى يحمـل طابع الزمان والمكان اللذين قيل فيهما...
مـن جهـة أخـرى, فأن أهـل سدوم وعمـورة كانـوا مشهـورين بممارستهم الشذوذ الجنسى المتمثـّل بالجنسية المثـلية, أى الشهـوة المتجهـة نحـو أشخـاص من الجنس نفسـه...
من هنـا أن هـذا الشذوذ تسمّى بعـد ذلك باسمهـم, فـدُعِى " سدوميـة" ( وقـد دُعى أيضـًا " لواطيـة" نسبة للـوط الذى كان ساكنـًا فيمـا بينهم )...
وقـد كان الشذوذ مكـروهـًا حـدًا عنـد اليهـود:
[ َلاَ تُضَاجِعْ ذَكَراً مُضَاجَعَةَ اِمْرَأَةٍ. إِنَّهُ رِجْسٌ ] [ لاويين 18: 22 ]...
وكـان يُعـاقب عنـدهم بالمـوت:
[ إِذَا اِضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ اِضْطِجَاعَ اِمْرَأَةٍ فَقَدْ فَعَلاَ كِلاَهُمَا رِجْساً. إِنَّهُمَا يُقْتَلاَنِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا ] [ لاويين 20: 13]...
وقـد أضـاف أهـل سدوم إلى هـذا الشذوذ الجنسى عدوانيـة جعلتهـم لا يراعـون حـرمة الضيافـة فيطـالبون لـوط بتسليـم الرجلين ( رسولى الله ) اللذيـن باتـا عنـده بغيـة اغتصـابهمـا...
ولمـا رفـض الاستجـابة لطلبهـم همّـوا باقتحـام البيت لاختطـافهمـا...
من هنـا نشأ التصـوّر بـأن الكارثـة التى حلـّت بسدوم وعمـورة إنمـا كانت عقـابـًا أرسلـه الله للاقتصاص من شر أهـل المدينتين...
بقـى أن نتسـاءل كيف يمكننـا اليـوم أن نفهـم النصّ الكتـابى حـول تدمير سدوم وعمـورة؟...
إن الروح نفسه هو الذى ألهـم فى المـاضى لرواة الحـادثة الكتابيـة معـانى روحيـة تتجـاوز التصـوّرات الأسطـورية التى غُـلّـفت بهـا, هـو نفسه يرشدنا اليـوم إلى فهـم أفضـل للنص الكتـابى المتعـلّق بهـذه الحـادثـة, فى ضـوء الكشف الـذى تلقيـناه بيسوع المسيح...
ما يمكـن أن نفهـمه نحن اليـوم, إذا مـا طالعنـا هـذا النصّ, هـو أن شرور الإنسان تعـطّـل صـورة الله فيـه وبالتـالى تدمّـر إنسانيته, ماديـًا ومعنـويـًا, تلك الإنسانيـة التى لا تستقيـم ولا تنتـعش إلا إذا كانت صـورة الله محـورًا لهـا ودافعـًا وموجّهـًا...
أمـا تحـوّل إمـرأة لـوط إلى نُصُب من ملح....
إنما قـد تبنت كلمـة الله هـذا التفسير الرمـزى لتحمّـله معنى روحيـًا يمكن تلخيصـه كما يلى:
كـان لـوط متنقـلاً من سكنـاه بين الأشرار إلى أرض جديـدة, مما يوحى بانتـقـال مـن وضـع العتـاقة إلى وضـع التجـدّد, مـن الظـلام إلى النـور...
مـن هنـا إن إلتفـات إمرأته إلى الـوراء فى مسيرته نحـو الله, يتـوقف نمـوّه الروحـى, يتـجمّـد روحيـًا لأن حنينـه إلى المـاضى يشـلّ انطـلاقتـه ويجهضهـا...
هـذا ما ندركـه بشكـل أفضـل فى ضـوء كلمـة الرب يسوع المسيح:
[ لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى اَلْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى اَلْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اَللهِ ] [ لوقـا 9: 62]...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برأيى أن أفضـل خـلاصـة لهذا البحث, إنمـا هى فى هـذا المقطـع من إنجيـل لوقـا الذى ينقـل إلينـا بعضـًا من توصيـات الرب يسوع المسيح إلى تـلاميـذه عنـدما أرسلهـم للتبشيـر, خـاصة وأن هـذا المقطـع يـأتى على ذكـر مصيـر سدوم, قال يسوع:
[ وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ.
فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ السَّلاَمِ يَحِلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَيَرْجِعُ إِلَيْكُمْ.
وَأَقِيمُوا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ آكِلِينَ وَشَارِبِينَ مِمَّا عِنْدَهُمْ لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ. لاَ تَنْتَقِلُوا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ.
وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَقَبِلُوكُمْ فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكُمْ
وَاشْفُوا الْمَرْضَى الَّذِينَ فِيهَا وَقُولُوا لَهُمْ: قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ
وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا:
حَتَّى الْغُبَارُ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ. وَلَكِنِ اعْلَمُوا هَذَا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ.
وَأَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَكُونُ لِسَدُومَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِييَة ] [ لوقـا 10: 5 ـ 12]...
من هـذا النصّ, ومن العبـارات التى أبرزتها فيـه و يتّضـح الوجـه الـذى بـه يطـلّ الله على الأخيـار والأشـرار على حـدّ سواء, إنمـا هـو الوجـه نفسه, وجـه المحبـة التى لا حـدّ لهـا, تلك المحبـة التى لا تعطـى سوى الحيـاة, والتى سبق للنبى حزقيـال أن قال عنهـا:
[ هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ اَلشِّرِّيرِ يَقُولُ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ؟ أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟... حَيٌّ أَنَا يَقُولُ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ, إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ اَلشِّرِّيرِ, بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ اَلشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا ] [ حزقيال 18: 23, 33: 11]...
لذلك يُكـلّف الرب يسوع المسيح التـلاميـذ بتبليـغ الأخيـار والأشرار على حـدّ سواء نفس الرسـالة " قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ "... وهـى بحـدّ ذاتهـا رسالـة مفـرحة إلى أبعـد حـدّ ( إنهـا تختصـر الإنجيـل , وعبـارة " إنجيـل" تعنـى , كمـا هو معروف, " بشـرى" )...
ذلك لأن " ملكـوت الله" , أى أن يملك الله فى الأرض فيغيـّرها, يعنـى بالنسبة للإنسان الوعـد بالنـور والحيـاة والفـرح والحـريـة...
[ وَقَالَ لَهُمُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْماً لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللَّهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ ][ مرقس 9: 1, لوقا 9: 27]...
أى ما نحيـاه الآن وهـو ما يُعـرف بـ " الملك الألفـى" بالمفهـوم الروحـى لكنيستنـا الأرثوذكسية...
ولكـن هـذا الملكـوت عينـه قـد يكـون نعمـة أو نقمـة للإنسان الذى يواجهـه...
دون أن يعنـى ذلك البتـة أن تغييرًا ما يحصـل فى طبيعـة ملكـوت الله من حـال إلى حـال أخـرى...
فهـو أبـدًا ملكـوت الحيـاة والفـرح, وليمـة المحبـة التى لاتنتهـى, [ لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ ] [ لوقا 17: 21]...
فهـو نعمـة للـذين يتقبّـلونه فيشاركـون الله فى حيـاته عبر هـذا التقبّـل...
ونقمـة للذين يديـرون لـه الظهـر, إذ لأنـه يثـير فى هـؤلاء حنيـنـًا لا قِبَـلَ لهـم على إزالتـه لأنـه مكـوّن لكيـانهـم , ولا قِبَـلَ لهـم, من جهـة أخـرى, على إروائـه طـالما هـم متحجّـرون فى رفضهـم للحب الـذى يدعـوهـم...
إن رفضـهـم لهـذا الحب, ورفضـهـم فقـط يحـوّله بالنسبـة إليهـم من نـدى منعش إلى نـار لاهبـة شبيهـة بتلك التى أحـرقت سدوم...
مجمـل الكـلام أن الله لا يقتـل فى سبيـل التـأديب, ولا فى هـذه الدنيـا ولا فى الآخـرة...
إنمـا الإنسان قـد خُـوّل هـذا السلطـان الرهيب بأن يطعـن قـلب الله فى الصميـم بإصـراره على اختيـار الموت بـدل التجـاوب مع نـداء الحبّ المجـانى الموجـه إليـه ...
أى يحيـا مصـرًا على التجـديف على الروح القـدس...
الجـزء الثـانى
ما معنى الفـداء؟
" طالمـا أن الله محبـّة,
فلمـاذا اضـطر المسيح أن يقـدّم نفسـه ذبيحـة فـداء
عـن خطـايانـا أمـام الله الآب؟"...
هـذه النظـرية شاعت فى الغـرب منـذ أن أطلقهـا " أنسلموس" أسقف كانتـبرى ( 1033 ـ 1109 ), ولكنهـا غريبـة عـن تـراث الشرق المسيحـى ولم تتسرب إليـه إلا بطغيـان التأثيـر الغـربى فى عهـد الانحطـاط ...
بمـوجب هـذه النظـرية:
1 ) الخطيئـة الجـدّية ومـا تبعهـا مـن خطـايا, ألحقـت بالله إهـانة لا تُحـدّ ( لأن الكـائن الذى وُجّـهت إليـه كائـن لا يُحـدّ ) واستوجـبت غضبـه على النـاس...
2 ) كان لا بـدّ, مـن أجـل كـفّ هـذا الغضب أن تلبَّى متطلبـات العـدالة الإلهيـة, وذلك بتقـديم التعـويض المناسب عـن الإهـانـة اللاحقـة بالعـزة الإلهيـة...
3 ) من هنـا أنـه كـان لا بـدّ أن تُقـدّم إلى الله ضحيـة تتحمّـل كل أوزار البشر وترضى بمـوتهـا متطلبـات العـدالة الإلهيـة...
4 ) ولـم يكـن ممكنـًا أن تكـون هـذه الضحيـة مـن البشر أنفسهـم:
ا ـ لأنهـم كلهـم خاطئـون لا قيمـة فـدائية لموتهـم الـذى هـو مجـرّد العقـاب الواجب على خطـاياهـم. فى حين أن الضحيـة كان يجب أن تكـون بريئـة ليكـون لموتهـا قيمـة فـدائيـة...
ب ـ لأنهـم محـدودون وليس بإمكـانهـم بالتالى, ولو ماتـوا كلهـم, أن يعـوضـوا عـن الإهـانة التى ألحقتهـا الخطيئـة بالله, إذ هـى إهانـة لا محـدودة كونهـا موجهـة إلى الكائـن اللا محـدود...
5 ) هـذه المعضـلة حـلّهـا التـدبير الإلهـى بتجسـد ابن الله الوحيـد ومـوته على الصليب:
ا ـ فالضحيـة كانت كائنـًا بريئـًا من العـيب , وبالتالى يمكـن لمـوتـه الطـوعى أن يُقبـل كثمـن العـفـو عن الخطـأة...
ب ـ والضحيـة كانت كائنـًا لا محـدودًا, وبالتـالى فإن موتهـا كان يوازى حجـم الإهـانة اللا محـدودة اللاحقـة بالله...
هـذه النظـرية الحقـوقيـة للفـداء التى سادت الفـكر المسيحـى لحـقبـة طـويلة ولا تزال رواسبهـا الشعـورية واللاشعـورية ممتـدة إلى يومنـا هـذا, تنـاقـض جـذريـًا الإعـلان المحـورى للإنجيـل, الـذى يجعـل منـه بالفعـل " إنجيـلاً" أى " بُشْـرَى", وهـو [ أَنَّ الله مَحَبَّـة] [ 1 يوحنا 4: 8, 16]...
وقـد كان لهـذا آثـارًا فـادحـة:
1ـ فقـد رسمت عن الله صـورة رهيبـة...
صـوّرته إلهـًا ساديـًا يرتضى عـذاب ابنـه الوحيـد وموتـه لا بـلّ يمعـن فى تعـذيبـه إخمـادًا لغضـبه...
فقـد قال اللاهـوتى الكاثوليكـى المعـاصر الأب " جان كردونيل" من عظـة ألقـاها, سنة 1660, الواعـظ الشهير المطـران " بوسوّيه":
" .... كان ( الله ) يخمـد غضبـه بتفريغـه. كان يضـرب ابنـه البـرئ, الذى كان يصارع غضب الله, هذا ما كان يجرى على الصليب, إلى أن قـرأ ابن الله فى عينى أبيه أن غـضبه هـدأ تمـامـًا, فرأى أنـه حان الوقت لكى يفارق العالم" ؟؟؟؟....
ولا عجـب إذا رأينـا الأب " كاردونيـل" ينعـت هـذا النصّ, مع أن المتلفـظ بـه أحـد أقطـاب الكـنيسة الكاثوليكيـة فى القـرن السابع عـشر, بأنـه
" منفـّر ومعـادٍ جـذريـًا للمسيحيـة"...
هـذا, وفى أيامنـا هـذه, سمعت ذات يوم, فى البرنامـج الدينى " حـول العالم" الذى يُبث بالعـربية على موجـات راديـو " مونت كارلو" عـظـة تقـول أن المسيح كان, وهـو على الصليب, يعـانى, عـدا الآلام الجسديـّة, آلامـًا مبرّحـة أنزلتهـا بـه يـد العـدالة الإلهيـة مستعيضـة عـن معاقبـة الخطـأة !!!...
تلك الصـورة أثـارت اشمئـزاز الكثيرين من اللاهوتيين...
وهى تؤول إلى هـذا الاعتقـاد الغـريب بأن الخلاص الذى كان الله يسعـى إليـه إنمـا كان بالدرجـة الأولى خـلاص ذاتـه بتفريغـه غـضبـه على ضحيـة بريئـة!!!...
2ـ هـذه الصـورة الرهيبـة أُتـّخـِذت تبريـرًا لاستبـداد المتسلطين من حكام ورجـال دين, الذين تماهـوا بهـا فى عـلاقتهـم بالنـاس ( من هنـا محاكـم التفتيش والحـروب الصليبيـة ومـا شابـه ذلك )...
كمـا أنهـا أُتـّخِـذت ذريعـة لدعـوة النـاس إلى الخنـوع ( على مثـال المسيح الضحيـة ) أمـام الظلـم والتعسف والاستغـلال...
3ـ كمـا أن هـذه الصـورة كانت منطلـق دين إرهـابى فُـرض على النـاس طيلـة 600 سنـة ( من القـرن الرابـع عشر حتى مطلـع القرن العشرين ) وقـد بنى على إذكـاء الشعـور بالذنب والتخـويف من العقـاب الأبـدى, وبالتـالى كان على نقيـض البُشرى الإنجيليـة, بُشرى الخـلاص والتحـرّر والفـداء...
ويـرى اليـوم مؤرخـون مسيحيـون أمثـال Guillemin & Delumeau , أن هـذه النظـرية فى تعليـل مـوت المسيح ومـا نتـج عنهـا, كانت مـن الأسباب الرئيسيـة لانحسار المسيحيـة Dechristianisation فى الغـرب فى العصـر الحديث...
من مساوئ النظـرية التى استعـرضناهـا, أنهـا تطـمس الوجـه التاريخـى لحيـاة المسيح, إذ أنهـا تهمـل الرسـالة النبـوية التى أدّاهـا فى حيـاته البشريـة, والتى لا تُعتـبـر, فى هـذا المنظـار, سوى الذريعـة التى كان لا بـدّ منهـا كى يبلغ مأربـه الأساسى, أعنـى المـوت التكفيرى...
والحـال أن من يطـّلـع بإمعـان على سيرة يسوع الأرضيـة يـرى بجـلاء أن مـوته لم يكـن تنـفيـذًا لنـوع من العقـد الضمنـى القـائم بينـه وبين الآب, بأن يقـدّم نفسه فى وقت محـدّد ذبيحـة عـن خطـأيـا البشر, بـلّ أن هـذا المـوت كان النتيجـة الطبيعيـة, فى أوضـاع تاريخيـة معينـة, لمجمـل المسار النبـوى الذى سلكـه يسوع فى حيـاته محقـقـًا بـه إرادة الله ومـؤلبـًا عليـه, من جـراء ذلك, قـوى الظلمـة...
تارخيـًا, لمـاذا صُلب المسيح؟ لأنـه تصـدّى طيلـة حياتـه بجـرأة لم تعـرف التخـاذل, للحكـم الدينـى التسلطـى القائـم فى شعبـه.
هـذا الحكـم كان يمثـّله:
** من جهـة رؤسـاء الكهنـة وشيـوخ الشعـب ( أى الوجهـاء ) وهـم أصحـاب السلطـة السياسيـة والاقتصـادية...
** من جهـة أخـرى المتبـة ( أى الفقـهاء أو اللاهـوتيـون ) والفـريسيون ( وهـم فريـق من الأتقيـاء المتشدّدين, كان ينتمتى إليـه كثيـرون من الكتبـة ), وهـم أصحـاب السلطـة المعنـوية والدينيـة [ ..عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ ] [ متى 23: 2]...
وكان هـؤلاء وأولئـك يتخـذون من الله ذريـعـة لتأكيـد سلطـتهم على حساب سحـق الشعب وإذلالـه:
ـ فرؤساء الكهنـة وشيـوخ الشعـب كانـوا يحتـقـرون الشعـب لأنـه كان بسواده الأعظـم فقـيرًا, فكانـوا يـرون فى غـنـاهم علامـة على رضى الله عـليهم ويـرون فى فـقر الشعـب لعـنة مـن الله... وكان رؤساء الكهنـة يتوافـقون مـع أغـنيـاء التجـار للإثـراء على حساب الشعـب من خـلال تجـارة الهيكـل, وكان خـدّام رؤساء الكهنـة يضـربون الشعـب, وكانت عـائلات رؤساء الكهنـة تحتـكر وظـائف الهيكـل... وكان رؤساء الكهنـة يستفيـدون مـن فتـوى تسمـح لمـن شاء بالتمـلص من واجب مساعـدة الأهـل المسنّين شرط أن يقـدّم للهيكـل جـزءًا رمـزيـًا منهـا...
ـ أمـا الكتبـة والفريسيون فقـد نصـّبوا أنفسهـم حمـاة للشـريعة وعقـّدوا فرائضهـا إلى حـدّ أنـه أصبـح شبـه مستحيـل على عـامـة النـاس أن يعـرفـوا دقـائقهـا وأن يـوفـّقـوا بين تنفـيذ أوامـرها الكثيـرة وبين انهمـاكهم فى أعمـالهم اليوميـة وتحصيـل رزقهـم... من هنـا أن الكتبـة والفـريسيين كانوا يحتـقـرون عـامـة الناس: [ وَلَكِنَّ هَذَا اَلشَّعْبَ اَلَّذِي لاَ يَفْهَمُ اَلنَّامُوسَ هُوَ مَلْعُونٌ ] [ يوحنا 7: 49 ]...
ويصنـّـفـونهم فى مصـفّ " الخطـاة" ( وكان معظـم هـؤلاء " الخطـاة" من الفـقـراء الذين لم تكن تسمح لهـم ظـروف حياتهـم القاسيـة لا بدراسة الشريعـة ولا بتنفيذها بحـذافيرهـا ) ...
بالإضافـة إلى ذلك, كانـوا يؤولـون الشريعـة بحيث تصبـح للنـاس عيئـًا وقيـدًا : [ فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ ] [ متى 23: 4]...
فيُشبعـون بذلك, من حيث يشعـرون أو لايشعـرون, شهـوتهم للحكم والتسلّط...
من هنـا تفسيرهم لوصيـة السبت, التى وُضعـت أصـلاً رأفـة بالنـاس, تفسيرًا ساحقـًا يمنـع من معـالجـة المريض فى ذلك اليـوم إلا إذا كان مشرفـًا على المـوت [ ثُمَّ دَخَلَ أَيْضاً إِلَى اَلْمَجْمَعِ وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ. فَصَارُوا يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِيهِ فِي اَلسَّبْتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ لِلرَّجُلِ اَلَّذِي لَهُ اَلْيَدُ اَلْيَابِسَةُ: قُمْ فِي اَلْوَسَطِ! ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ يَحِلُّ فِي اَلسَّبْتِ فِعْلُ اَلْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ اَلشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ؟ .فَسَكَتُوا. فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ حَزِيناً عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: مُدَّ يَدَكَ . فَمَدَّهَا فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. فَخَرَجَ اَلْفَرِّيسِيُّونَ لِلْوَقْتِ مَعَ اَلْهِيرُودُسِيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ ] [ مرقس 3: 1ـ 6 ]...
ويمنـع جائعـًا مـن اقتـلاع بعـض سنابـل القمـح فى ذلك اليـوم ومن فركهـا بين يـديه إشباعـًا لجـوعـه [ وَاِجْتَازَ فِي اَلسَّبْتِ بَيْنَ اَلزُّرُوعِ فَابْتَدَأَ تَلاَمِيذُهُ يَقْطِفُونَ اَلسَّنَابِلَ وَهُمْ سَائِرُونَ. فَقَالَ لَهُ اَلْفَرِّيسِيُّونَ: اُنْظُرْ. لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي اَلسَّبْتِ مَا لاَ يَحِلُّ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ اِحْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اَللَّهِ فِي أَيَّامِ أَبِيَاثَارَ رَئِيسِ اَلْكَهَنَةِ وَأَكَلَ خُبْزَ اَلتَّقْدِمَةِ اَلَّذِي لاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ إلاَّ لِلْكَهَنَةِ وَأَعْطَى اَلَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَيْضاً؟ ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: اَلسَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ اَلإِنْسَانِ لاَ اَلإِنْسَانُ لأَجْلِ اَلسَّبْتِ. إِذاً اِبْنُ اَلإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ اَلسَّبْتِ أَيْضاً ] [ مرقس 2: 23ـ 28]...
حيـال هـذا التسلّط الدينى ـ الذى هـو أبشع أنـواع التسلّط لأنـه يتخـذ من الله تبريـرًا وتغـطية لـه ـ كان ليسوع خيـارات ثلاثـة ممكنـة:
أ ـ أن ينصـاع للأمـر الواقـع حفـظـًا على سـلامتـه...
ولكـن هـذا الخيـار كان بمثـابة تواطـؤ مـع الظـلم والاستبـدار وبالتـالى خيـانة لرسالتـه الخلاصيـة...
ب ـ أن يسعـى إلى الاستيـلاء على الحـكم الدينى, فيـزيح المتنفـذين الدينيين من موقـع السلطـة ويحتـل مكـانهم فيحكـم بدوره باسم الله ويأتى حكمـه أكثـر عـدالة ورأفـة...
ولكن هـذا الخيـار كان يعنـى أن يسوع المسيح تبنّـى منطـق الحكم الدينى القـائم فى عهـده وإتخـذ من الله ذريعـة لفـرض حكمـه على النـاس, وأنـه بالتـالى رضـخ أمـام متطلبـات شهـوة الحكـم وأعـطاها تغـطية إلهيـة...
تلك هـى التجـربة التى سقـط فيهـا إيليـا النبى على جبـل الكـرمل عـند ما أراد أن يفـرض ذاتـه على الملك والشعـب عبـر فـرضه الله عليهـم بقـوة النار, مما أدى بـه إلى ارتكـاب مجـزرة بحـق مئـات من كهنـة البعـل, فتلـقّى من الله بعـد ذلك درسـًا معبـّرًا حين تراءى له الله على جبـل حـوريب لا من خـلال الريح ولا من خـلال الزلزلـة ولا من خـلال النار, بـلّ من خـلال نسيم لطيـف يكـاد لا يُسمع صـوتـه...
هـذه التجـربة رفضهـا يسوع رفضـًا قاطعـًا فى بدايـة رسالتـه فى تجـربة الشيطـان الثالثة فى البريـة:
[ ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا وَقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي . حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ ][ متى 4: 8 ـ10]...
وكافحهـا وصـدّها كـلّ ما أعـادت الكـرة فى حياتـه...
ج ـ لم يبـق بالتـالى أمـام يسوع سوى خيـار واحـد ينسجـم مع أمانتـه للإلـه الحـق, الإلـه المختلف عـن أهـواء البشر...
وهـو أن يتصـدّى دون هـوادة لانحـرافات الحكم الدينى ولكـن دون أن يعتمـد فى هـذا التصـدّى منطـق الحكـم الدينى الذى كان يقـاومـه وأساليبـه...
لـذا نـراه, باسم الله وتمثـّلاً بمواقفـه:
** يتصـدّى لاستعمـال الهيكل مكـانـًا للمتـاجـرة والاستغلال ( طـرد الباعـة من الهيكـل )...
** يشهّـر بتـأويل الشريعـة وفقـًا للمصـلح الجشعـة...
** ينـادى بالطـوبى للفـقـراء وبالويـل للأغـنياء...
** يعـاشر " الخطـأة" ويـؤاكلهـم...
** يجـعل همّـه شفـاء المرضى وأصحـاب العـاهـات, وهـم المعتبـرون من قِـبَل القـيّمين على الدين معـضوبـًا عليهـم من الله ( خاصـة البرص منهـم )...
** يشـفى المـرضى عـلنـًا يوم السبت...
ولكننا نـراه بآن يرفـض رفـضـًا بـاتـًا الفـكرة الماسيانيـة المنتشرة فى عـهـده
( وهى فكـرة استلام المسيح الحكم بالقـوة باسم الله)...
لـذا يَمْتَنِـع عن تسميـة نفسـه" مسيحـًا", مَنْعـًا للالتبـاس,
ويُفَـضِّل أن يُسَمِّى نفسه " ابن الإنسان"...
ولمـا رأى أن الحـركة الشعبية إلّتـفـّت حولـه فى الجليـل كانت تـدفعـه إلى تسلّـم السلطـة:
[ وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً اِنْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى اَلْجَبَلِ وَحْدَهُ ][ يوحنا 6: 15]...
اعتـزل الشعب وركـّز رسالتـه على " القطيـع الصـغير" من تـلاميـذه...
ولكـن ذلك لم يثنـه عـن قـصده وهـو التصـدّى للتسلط الدينى المفسـد لصـورة الله والساحـق للإنسان, لا بـلّ نـراه يقـرّر الابتعـاد عـن الجليـل حيث صـادف تأييـدًا عـارمـًا لرسالتـه ويصـعـد إلى أورشليـم ليواجـه الحكـم الدينى فى عـقـر داره, وهـو فى الطـريق, يجتهـد أن يكسب تلاميـذه لرؤيـاه, رؤيـا الماسيانيـة الحـقّة التى تقـوم على قـوة الحـق لا على قـوة السلاح أو الخـوارق,
التى تجتـذب الإنسان ولا تخضـعـه عنـوة...
ونـراه يقـاوم بعـنف عـودة تجـربة الحكـم على لسان بطـرس...
إن خيـار يسوع هـذا, خيـار الصمـود حتى النهـاية فى مقـاومة تشويـه الحكم الدينى لله وللإنسان, إنمـا دون اللجـوء إلى وسائـل هـذا الحكم وأساليبه, كان لا بـدّ أن يقـود يسوع إلى المـوت, وفـقـًا للحتميـات النفسيـة والتـاريخية السائـدة آنـذاك...
لم يكـن الصليب إذًا, كما سبق وقلنـا, نتيجـة " عـقـد" قائم بين الله ومسيحـه, عـقـد لم تكـن الظـروف التاريخيـة سوى حجّـة لتنفـيذه, بـلّ كان تتـويج المسيرة النبويـة التى سلكهـا يسوع والتى شهـد بهـا حتى الموت لحـقـيقـة الله ولمقـاصده التحـريرية ( الخـلاصية ) حيـال الإنسان...
فما يجتـذب وما يحـرّك الرب يسوع ليس هـو الموت, وفـق أى اتفـاق عقـده مع الله, إنمـا هـو الحـق, حتى المـوت...
وقـد جـاءت القيـامة تعـلن تأييـد الله لتلك المسيرة ونصـره لهـا عـبر الفـشل الظـاهـرى...
قراءة إيمانيـة للصليب
ولكـن معنى مـوت المسيح يتعـدّى هـذا البعـد التاريخـى الذى ذكـرناه...
فـقـد أدركت الحمـاعـة المسيحيـة منـذ البدء. على ضـوء تعاليم السيد المسيح وبإلهـام الروح القـدس, أن لموت المسيح بعـدّا خـلاصيـًا شامـلاً يمتـد إلى البشرية جمعـاء وإلى كل فـرد من أفـرادهـا فى كل زمـان ومكـان...
فمـا هى طبيعـة هـذا البعـد الخـلاصى؟...
وبعبـارة أخـرى:
مـا هى عـلاقـة موت المسيح بخـلاص الإنسان؟...
الجـواب الصحيـح أن مـوت المسيح يخـلصنا,
لا لكـونه يفـى عـنّا دَيْنـًا تجـاه الله الآب فقـط...
بـلّ لكـونه, كتتويـج لحيـاة السيد المسيح كلهـا...
يكشف حقـيقـة الله وحقـيقـة الإنسان...
ويُـدخِـل الإنسان إلى عـلاقـة صحيحـة محْيِيَـة بربّـه..
هـذا ما يتّضـح لنا إذا تـأملنا فى النقـاط التالية:
يوجـد الإنسان على الأرض ويفتـح عينيـه على المـوجـودات المحيطـة به, فتـوقـظ رغـائبـه وتشدّه إلى هـذه المـوجـودات, فينـدفع نحـوها بمـلء جـوارحه, ناشـدًا فيهـا إرواء غليلـه وإشبـاع جـوعـه إلى الطمـأنينة والسعـادة والانشراح والاكتمـال...
ولكنـه يكتشف بخيبـة ومـرارة أن المـوجـودات كلهـا مقصّـرة لا محـالة عـن تحقـيق مـأربه وأنهـا تعـده بالاكتمـال المنشود ولكنهـا لا تفـى بوعـدها...
فلا الطعـام ولا الشراب ولا اللـذات على أنواعهـا, ولا الجـاه ولا النفـوذ ولا المعـرفة ولا الفضيـلة ولا الصـداقة ولا الحب, لا شئ من كل ذلك يستطيـع أن يـروى غـليل الإنسان...
فـقـد وردت فى سفـر الأمثـال هـذه المـلاحظـة:
[ أَيْضاً فِي اَلضِّحْكِ يَكْتَئِبُ اَلْقَلْبُ وَعَاقِبَةُ اَلْفَرَحِ حُزْنٌ ] [ أمثال 14: 13]...
ووردت هـذه العبـارة فى خـدمة الجنـاز:" أى نعيـم فى الدنيـا ثبت ولم يخـالطـه حـزن؟.."...
هكـذا يكتشف الإنسان أنـه مهمـا نجـح وتـوفـّق فى مساعيـه, فإنـه فاشل لا محـالة فى تحقـيـق أمـانيه, ذلك لأن ما بوسع المـوجـودات أن تمنحـه إيـاه محـدود حكمـًا, فيمـا أن رغـائب الإنسان لا تُحصـر ولا تُحـدّ...
هـذا الفشل الذى تـُمنى به لا محـالة رغـائب الإنسان يبلـغ ذروتـه بالمـوت, ذلك المـوت الذى يـدرك الإنسان وحـده ـ دون سائـر المخـلوقات الحيـة, لأنـه بخـلافهـا متميـز عن الكـون, يعـى الكـون, ويعـى ذاتـه ومصيـره ـ أنـه النهـاية المحتـومة لوجـوده الأرضـى, فيخيّـم من جـراء ذلك على حيـاته كلهـا طيـف ذلك الفشل الجـذرى الذى ينتظـره, ألا وهـو انهيـار كيانـه ومـا يرافـق ذلك من انقـطـاع عـلاقتـه بالمـوجـودات...
فمـا سر هـذا التنـاقض المـأساوى الذى يعـانى منـه الإنسان, ذلك الذى عبّـر عنـه الشاعـر " لامـرتين" ببيتين له خالدين:" محـدود بطبيعتـه, لا متنـاهٍ من حيث أمـانيه, الإنسان إله ساقـط يتذكّـر السماوات"...
الـواقـع أن الله قـد زرع فى قلب الإنسان رغبـة لا متنـاهيـة تـوقظهـا الموجـودات دون أن يكـون بوسعهـا إرواؤهـا, قـاصدًا من وراء ذلك أن يتـّخـذ من الموجـودات لغـة يخـاطب بهـا قلب الإنسان ويوجّهـه إليـه ويُشعـره بأنـه هـو وحـده قـادر أن يلبّى الانتظـار الذى تـوقظـه فيـه الموجـودات وأن يحقـق أمـانيه, وبأن تلك الأمـانى إنمـا هى أعظـم مـن الكـون الذى يوقـظهـا لأنهـا تستهـدف فى آخـر المطـاف سيد الكـون وبـارئـه...
فى هـذا المنظـار يصبـح المـوت, على قسوتـه ورهبتـه, ذلك المعبـر الذى ينسلـخ بـه الإنسان عـن الموجـودات ليتسنّى له أن يحقـق اللقـاء التـام والمبـاشر بقـطب وجـوده الحقيـقى, الذى هـو أعـظم من الموجـودات قاطبـة...
ولكـن الإنسان كثيـرًا مـا يسئ فهـم مقصـد الله هـذا, فيتصـوّر أن الله عـدوّ لـه يتعمّـد حجب السعـادة عنـه لتحجيـمه وإذلالـه وتعـذيبه, وأنـه إنمـا يفـعل ذلك ليستأثـر لـذاته بالسعـادة والاقتـدار...
هكـذا تغيـب عـن الإنسان صـورة الإلـه الحقـيـقى وتـُستَـبْـدَل بتلك الصـورة المشوهـة التى يسقطهـا على الألوهـة...
فتضـطرب من جـرّاء ذلك عـلاقـة الإنسان بالله, فإمـا يتمـرّد عليـه صـراحة ( وهـو إذ ذاك يتـمرّد بالفـعـل على وهـم مـن صنع خيـاله ) أو أنـه يُـبطـن هـذا التمـرّد مُسَتـّرًا إيـّاه بخضـوع عبـودىّ ذليـل, برضـوخ المغـلوب على أمـره لسلطـة لا منـاص له منهـا, ومُتـّخـذًا من ذلك الإلـه الممسوخ نمـوذجـًا يتمـاهى بـه فى عـلاقتـه بسواه من النـاس...
هـذه العـلاقـة المشوهـة بالله تـنعكس على مجمـل مواقـف الإنسان من نفسه ومن المـوجـودات, فإذا به, بـدلاً أن يـرى فى الله محـطّ أمـانيه ومحجّـة مسيرته ومعنى وجـوده وغـاية هـذا الوجـود, ينطـوى على ذاتـه محـاولاً محـاولة المستميت أن يكتـفى بمـا يستطيـع أن يجنّبـه من متـع ومسرّات...
وعـوض أن يـرى فى الموجـودات تعابير يخـاطبـه الله بهـا وكشوفـات لله فى حيـاته وإشارات لمـا أعـدّه الله لـه مما يفـوق التصـوّر والوصـف, وأن يتعـامل معهـا بالتـالى باحترام ورأفـة وحنـان ( خاصـة مـع تلك الكائنـات البشرية أمثـاله التى هى صـورة حيّـة لله), فيتـّصل عبرهـا بالله ويـذوق بالتـالى مسبقـًا شيئـًا من طعـم اللقـاء الموعـود, نـراه ينقـضّ عليهـا بشراهـة لا تعـرف حـدًّا, موهمـًا ذاتـه بأنـه, على قـدر مـا يعبّ منهـا, يستطيـع أن يمـلأ فراغـه ويُشبـع جوعـه الكيـانىّ...
وعـوض أن يتـّخـذهـا نوافـذ يطّـل منهـا على الله, يحـوّلهـا إلى مـرايا لا يشاهـد فيهـا إلا صـور نهمـه...
يتعـامل مـع الموجـودات كلهـا وكـأنها أشيـاء لا مبـرّر لوجـودها سوى أن تـُستهـلك وتـُمْتلك, يتنـاولهـا كلهـا وكأنهـا وُجـدت فقـط لتمـلأ جـوفـه, ولسان حـاله يقـول:
[ فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَداً نَمُوتُ ] [ 1 كورونثوس 15: 32 ]...
هكـذا يوهِم نفسه أنـه بلـغ الإكتفـاء الذاتى, ويخـدّر جـوعه اللامتناهـى, يختـرع لنفسه ألوهـة زائفـة تقـوم على " النجـاح والمـال والشهـوة" وعلى " اقتنـاص الملـذّات" على أنواعهـا...
يتسلّط على مـن كانـوا أضعـف منـه ليخـدع نفـسـه ويتعـامى عـن هـزال كيـانه ويوهـم ذاتـه أنـه مرجـع ذاتـه وسيّد مصيـره...
ولكـن تهـالكـه هـذا على التسلّط والتمـلّك والتنعّـم يرتـدّ عليـه ويؤول بـه إلى عـكس مـا كان يقـصـد...
ذلك لأنـه, على قـدر إنغـلاقـه وإنطـوائـه على نـفسه ومقتنيـاته ـ ولو تـوسعت باستمـرار تلك المقـتنيـات كمـا حصـل لغـنى المثـل الإنجيلى الـذى كان ينـوى هـدم إهـراءاتـه وبنـاء أخـرى تستوعب المزيـد مـن الغـلات [ لوقا 12: 16ـ 18] ـ فإنـه لا يفعـل شيئـًا سوى إحكـام أسـره ضمـن جـدران محـدوديتـه الخـانقـة...
وعـلى قـدر استرسـاله فى رؤيـة المـوجـودات من زاويـة نهمـه وحسب, فإنـه يحكـم على نفسه بعـزلة مـريرة قاتلـة...
وكلّمـا إزدادت وطـاة هـذه العـزلة, إستمـات المـرء فى السعـى النهـم وراء الأشيـاء علّـه ينجـو مـن وحتدته, ولكنـه يبقـى هـكذا سجين دوّامـة لا رجـاء بالافـلات منهـا, دوّامـة هى " المـوت" عينـه بمعنـاه الروحـى, اختنـاق إنسانيـة الإنسان, ضيـاع الـرغبـة المحـوريـة لـديه بالاكتمـال فى سراب الوهـم, ذلك المـوت الذى تحـدّث عنـه الرب يسوع المسيح بقـوله:
[ مَنْ طَلَبَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ أَهْلَكَهَا يُحْيِيهَا ] [ لوقا 17: 33]... وأيضـًا:
[لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ اَلإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ اَلْعَالَمَ كُلَّهُ وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ أَوْ خَسِرَهَا؟][ لوقا 9: 25]...
لا بـلّ إن المـوت الجسـدى يصبـح, فى هـذا المنظـار, قـدرًا مرعبـًا لأنـه يفقـد أفـقه ورجـاءه...
فالإنسان الذى يستميت فى محـاولة الاكتفـاء بذاتـه والتشبث بالمـوجـودات كغـاية لوجـوده, يشعـر بأنـه لـن يبقـى لـه شئ سوى العـدم إذا انتـزع منـه المـوت ذاتـه والموجـودات التى إقتنـاهـا:
[ فَقَالَ لَهُ اَللهُ: يَا غَبِيُّ هَذِهِ اَللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ فَهَذِهِ اَلَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ هَكَذَا اَلَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيّاً لِلَّهِ ] [ لوقا 12: 20, 21]...
ذلك هـو " الوضـع الساقـط" الذى يعـانى منـه الإنسان...
تلك هـى " خطيئتـه الأصليـة", أى الأساسية, التى تنبـع منهـا سائـر الخطـايا, والتى قال عنهـا الرسول أن :
[ لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اَللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا ] [ رومية 6: 23]...
إنهـا استعباد الإنسان لقيـود محـدوديتـه, لأن آفـاق تلك المحـدودية قـد غـابت عنـه وتنـاسى أنهـا تطـلّ على دعـوة الله له ورغبتـه بلقـائه وإدخـاله إلى فـرحه الأبـدىّ...
فإذا بـه يصبـح أسيرًا لتـلك المحـدوديـة بسبب خـوفـه منهـا ومـن الموت الذى يلخّصهـا ويجسدّهـا...
خـوفه مـن تلك المحـدوديـة يحمـله إلى ترسيخهـا وتحـويلهـا إلى سجن لـه, مما يقـوده إلى نمـط عيش أشبته مـا يكـون بالمـوت, مما يعـطى المـوت كل " شوكتـه" فى حياتـه:
[ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ ] [ 1 كورونثوس 15: 65 ]...
هـذا ما أشارت إليـه رسالـة العبرانيين لمـا ذكـرت:
[ وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ ] [ عبرانيين 2: 15]...
فـرادة يسوع أنـه سلك على نقيـض الوضـع " الساقـط" الذى يتخبـّط فيـه الإنسان...
لقـد شارك البشر تمامـًا فى مأساتهـم, مأساة التنـاقض بين لا محـدودية الرغبـة ومحـدودية الوجـود, ولكنـه لم يشاركهـم فى الخطيئـة التى تقـودهم أليهـا هـذه المأساة, خطيئـة التقـوقـع على الـذات وإدعـاء إلـوهـة زائفـة يخـدعـون بهـا أنفسهـم ويتعـامـون بآن معـًا عـن محـدوديتهم بهـا لتجـاوز هـذه المحـدودية, ألا وهـو الانفتأح الكـلّى إلى الله...
لقـد كان يسوع, مـن حيث بنـوّته الأزليـة, معـادلاً لله, ولكنـه لم يشأ أن يتـّخـذ من هـذه المأساة ذريعـة ليحيـا إنسانيتـه وكـان بوسعهـا أن تكتـفى بذاتهـا وتتـنكّـر لمحـدوديتهـا وتستغـنى عـن الله...
بعـبارة أخـرى, لم يشأ أن يتصـرّف وكـأنه إنسان يملك الألـوهة كمـا يتشبث البخيـل بثروتـه...
بهـذا المعنـى كتب الرسول بولس عنـه:
[الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اَللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ ] [ فيليبى 2: 6]...
هـذه الاكتفـائيـة التى رفضهـا المسيح لم تكن، لتتنـافى مع حقـيـقة الطبيعـة البشرية وحسب, التى اتـّخـذها المسيح كمـا هى لا كمجـرّد صـورة أو مظهـر, بـلّ إنهـا ليست إكتفـائيـة بـلّ تواصـلاً, عـطاءً كلّيـًا وانفتـاحـًا وتقبـّلاً كاملين فى " حركـة الحب الأبـديـة" التى تجمـع أقـانيم الثـالوث...
البنـوّة الأزليـة التى للمسيح, بصـفـتـه " الكلمـة" الـذى كـان منـذ البـدء " نحـو الله" ( تلك هـى الترجمـة الدقيـقة للعبـارة اليونانيـة الواردة فى يوحنّا 1: 1 والتى تـُعَـرّب عـادة " عـند الله" ), أى متجـهًا بكـل كيـانـه إلى الآب, شـاء أن يحيـاها فى الوضـع البشرى الذى اتـّخـذه, انفتـاحـًا كامـلاً إلى الله, فقـرًا كليـًا إليـه, اعتمـادًا عـليـه دون سواه مـن أجـل تحقـيـق معنى حيـاته وأمنيتة وجـوده...
هـذه الثـقة الكاملـة, العـارمة بالله, النابعـة مـن إلفـة حميمة بين يسوع وبين الآب , هـذه الثـقـة التـامة بأن الله وحـده قـادر أن يلبّى عـطش الإنسان المحـورى إلى السعـادة والاكتمـال والخلـود, هى التى أعـطت يسوع القـدرة على رفـض كل الأصنـام التى ينصبهـا البشر فيتعـبدون من خـلالها لـذواتهـم ويتنكّـرون لمحـدوديتهم, وينسون الله الذى هـو وحـده قـادر أن يحـرّرهم من وطـاة هـذه المحـدودية...
مـن هنـا أن نهـج حيـاتـه كلّهـا اتـّصف بالإخـلاص الكامل لله كمـا عبّـرت الرسالة إلى العبرانيين بقـولهـا:
[ لِذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ ( المسيح ) إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ:
ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ،
وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً.
بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ.
ثُمَّ قُلْتُ: هَئَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ ] [ عبرانيين 10: 5 ـ 7]...
هـذا الإخـلاص الكامل لله والانفتـاح الكلّى إليـه ونبـذ كل اكتفـاء على الذات يحُـول بين الإنسان وبينـه, عاشه يسوع فى كـل ظـروف حيـاته الأرضيـة ومراحلهـا:
أ ـ فقـد رفـض سراب التملـّك الـذى يوهـم المـرء نفـسه بواسطـته أنـه أصبـح مكتـفيـًا بذاتـه, مطمئنـًا, آمنـًا على مصيره, سيـدًا مطلقـًا لحيـاته
( " الغنىّ" , لغـة, هـو من استغنى أى اكتفى بذاتـه )...
لـذا نـراه حـرًّا من كل تملّـك, لا وجـود لعـائق يقيـّد انطـلاقـه نحـو الله ومشاركتـه للنـاس:
[ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ ] [ متى 8: 20]...
ب ـ رفـض كذلك سراب التسلّـط الـذى, خاصـة إذا إتّـخـذ من الله ذريعـة له, يوهـم الإنسان بأنـه تـغلّب على محـدوديتـه بسؤدده على من هم أضعـف منـه, وبأنـه أصبـح " ظـل الله على الأرض", سيـدًا لمصيره ومُهيمنـًا على مصـائر العبـاد...
لقـد رفـض يسوع, كما رأينـا, أن يتـذرّع بالله ليفـرض على النـاس سلطتـه وحكمـه, فيبنى لنفسه إلوهة زائفـة تتستـّر بالله فى الظـاهر ولكنّها تتنـكّر له بالفعـل إذ تتجـاسر على مصـادرته واحتـلال مكـانـه...
لـذا نـراه حريصـًا على بث رسالته بقـوة الحـق والاقنـاع وحـدها, عـارى اليدين من كل سطـوة مسلّحـة أو زعـامة جماهيرية أو أساليب سحـرية يفتـن بها الناس...
ج ـ وبسسب إخـلاصـه الكـامل لله, كانت حياتـه متجهـة بكليتهـا, دون تحـفّـظ أو رجعـة, نحـو الآخـرين, فكـان يجـد فى خـدمتهم فرحـة وتحقـيـق ذاتـه...
وقـد لخـّص سفر أعمـال الرسل بحـق حيـاة يسوع بقـوله على لسان بطـرس:
[ يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْراً وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ. وَنَحْنُ شُهُودٌ بِكُلِّ مَا فَعَلَ فِي كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَفِي أُورُشَلِيمَ. الَّذِي أَيْضاً قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. ] [ اعمال 10: 38, 39]...
وقـد قال عنـه إنجيـل متى:
[ وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ اَلْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ اَلْمَلَكُوتِ وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي اَلشَّعْبِ ]
[ متى 4: 23]...
وأيضـًا:
[ وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ اَلْمُدُنَ كُلَّهَا وَاَلْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ اَلْمَلَكُوتِ وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي اَلشَّعْبِ ] [ متى 9: 35]...
وأيضـًا:
[ وَلَمَّا صَارَ اَلْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ وَجَمِيعَ اَلْمَرْضَى شَفَاهُمْ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا ] [ متى 8: 16, 17]...
وكم من مرة ذكـرت الأناجيـل حنانـه الفـاعل على النـاس ورأفتـه بمـآسيهم, مثـلاً:
[ وَلَمَّا رَأَى اَلْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا ] [ متى 9: 36]...
وأيضـًا:
[ فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعاً كَثِيراً فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ ] [ متى 14:14]... و
[ وَأَمَّا يَسُوعُ فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ: إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى اَلْجَمْعِ لأَنَّ اَلآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلا يُخَوِّرُوا فِي اَلطَّرِيقِ ] [ متى 15: 32]... و
[ فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ ] [ متى 20: 34]...و
[ إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى اَلْجَمْعِ لأَنَّ اَلآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ ] [ مرقس 8: 2]... و
[ فَلَمَّا رَآهَا اَلرَّبُّ تَحَنَّنَ عَلَيْهَا وَقَالَ لَهَا: لاَ تَبْكِي] [ لوقا 7: 13]...
د ـ هـذا الإخـلاص الكـلّى, الواحـد الذى لا يتجـزّأ, لله وللبشر " عيـاله", الذى عاشه يسوع, جعـله يلتـزم دون أى تحفـّظ أو تهـرّب قضية تحـرير الناس من طغـيان الحكم الدينى الذى كان يسحقـهم...
لـذا تصـدّى بجـرأة فـائقـة لممثلى هـذا الحكم, مـن رؤساء كهنـة وكتبـة وفريسيين, وفضـح سوء رعـايتهم لمن أؤتمنـوا عليهـم وتحميلهـم للنـاس أحمـلاً ثقـيلة بغيـة ترسيخ سطـوتهم ونفـوذهم وإشبـاع شهـوتهم إلى التسلّط والمجـد البـاطل, ونـادى بالقـول والفعـل أن الله يريـد رحمـة لا ذبيـحة, وأعـلن بالممـارسة أن الشريعـة, التى كان يستمتد منهـا الرؤساء نفـوذهم, وُجـدت فى الأصـل مـن أجـل الإنسان وليس الإنسان من أجـل الشريعـة...
وفى تـلك المـواجهـة القـاسية لرؤساء شعبـه, لم يشأ يسوع أن يضـع ثقـتـه فى زعـامـة يمنحهـا له البشر أو فى قـوة مسلّحـة يجـابـه بهـا خصـومه, بـلّ وضـع ثقـتـه كلهـا بالله وحـده وذهب إلى أعـدائه فى عقـر دارهـم أورشليم, يواجههم بسـلاح الله وحـده الذى هـو سلاح الحـق...
وقـد كان عـارفـًا أنـه سائـر إلى الموت, ولكنـه تـقبـّل المـوت, لا حبـًا فى المـوت بـلّ كتعبيـر أسمى عـن ثقتـه بالله, وإعـراضـه عـن كل وسيلـة للمقـاومـة مـن أجـل أن تُحـجب حقـيقـة الله, ويـقيـنه بأن الله قـادر على إنقـاذه حتى ولـو اجتـاز جحيـم المـوت, ولسان حـاله يردّد مع كاتب المـزمـور 23:
[ أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ اَلْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي ] [ مزمور 23 : 4]...
هـ ـ هـذه الثقـة الكـاملة بالله هى التى سمحت ليسوع أن ينتصـر على التجـربة الأخيرة التى راودتـه فى بستـان حسثيمانى ( وقد كانت بالفعـل تكـرارًا لتلك التى راودتـه فى بـدء حياته التبشيرية ), ألا وهى أن يطـلب من الله أن يتـدخّل فى مصيره فيعطيـه منـاعة إلهيـة ضـد مكائد خصـومه ويجعـله فـوق نواميس الطبيعـة والتاريخ التى كانت تحتّم موته, وبعبـارة أخـرى أن تمنحـه ألوهـة زائفـة تحجب حقـيـقة الله كإلـه مختـلف عـن رغائب الإنسان, وحقـيـقة الإنسان ككـائن محـدود لا يكتمـل إلا بالله...
فكـان الصـراع النفسى والـروحى العنيف والعـرق المتصبب كقطـرات الدم وهتـاف يسوع:
[ ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ اَلْكَأْسُ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ ] [ متى 26: 39]...
عبـر هـذا الصـراع ترسّخ يسوع فى النهـج الـذى بقـى أمينـًا له طيلـة حيـاته, رغـم التجـارب التى واجهها, ألا وهـو خـط التعـرّى الكـامل أمـام الله والتسليم الكـلّى إليـه والانتظـار منـه, ومنـه وحـده, تحقـيـق رغبـة الإنسان فى الاكتمـال والخـلود, إنمـا بطـريقـة تفـوق كل تصـوّرات البشر...
لقـد كـان صـراع جسثيمانى محطـة حـاسمة فى تحقـيـق المسيح لبنـوّته الأزليـة عبـر البشريـة الترابيـة المـائتة التى إتخـذّها...
وقـد قالت الرسالة إلى العبرانيين بهـذا الشأن:
[ مَعَ كَوْنِهِ اِبْناً تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ ] [ عبرانيين 5: 8]...
و ـ وقـد بلغت هـذه المسيرة تمـامهـا وذروتهـا على الصليب...
فقـد اختبـر يسوع, فى ساعات الظلمـة تلك, أكثـر ممـا فى أى وقت مضى, اختبـر فى جسـده الـذى كان يعـانى سكـرات مـوت رهيب وفى نفسـه المكتنفـة بمشاعـر العـزلة والفشل, تمـايز الله الجـذرى عـن تصـورات البشر وأمـانيهم, وقـد تّرجـم ذلك بشعـور مـرير بالتخـلّى الإلهـى:
[إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ ] [ متى 27: 46 ]...
ولكنـه, وبسبب من ذلك, اختبـر أيضـًا, أكثـر مما فى أى وقت مضى, التسليم الكـلّى إلى هـذا الإلـه الآخـر, الذى من حيث هـو آخـر هو وحـده الإله الحقـيـقى المتميـز عن تخيـلات البشر, واختبـر الثقـة التـامة بـأن هـذا الإلـه وحـده قـادرأن يحقـق ملء رغـبة الإنسان بالطـريقـة التى يعـرفهـا ويشاؤهـا هـو...
مـن هنـا تلك الصيحـة الأخيرة التى أطـلقهـا المصـلوب قبـل أن يلفـظ الروح, أطـلقهـا " بصـوت عظيـم" كمـا يقـول الإنجيلى لوقـا, وكـانـه يلخّص ويتوّج مسيرة حياتـه كلّهـا وتوجههـا المخـالف لمجمـل وضعنـا " الساقط", النـازع إلى اكتفـاء وهمىّ:
[ وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: { يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي }. وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَسْلَمَ اَلرُّوحَ ] [ لوقا 23: 46]...
وقـد تقبّـل الله تقـدمة ابنـه وتلقـّاه فى المجـد وحـقـق رغبتـه الإنسانيـة فى الاكتمـال والخـلود...
تقبـّله, لا بسبب الألـم والمـوت ( كمـا لو كان ألـم الإنسان ومـوته يلـذّان لـه ), بـلّ بسبب الإخـلاص والتسليم اللـذين بلـغـا ذروتهمـا عبـر الألـم والمـوت...
وقـد كانت قيـامـة يسوع العـلامة الدامغـة لهـذا التقبـّل الإلهـى لـه...
وكانت التـأكيـد الثـابت على أن نهجـه إنمـا هـو النهـج الصحيـح الـذى يحـرّر الإنسان مـن دوامـة وضعـه " الساقـط" ويقـوده إلى الحيـاة والاكتمـال اللـذين يتـوق إليهمـا بمـلء جـوارحـه...
وقـد أتت القيـامة تعـلن بوضـح حقـيـقة الله وحقـيـقة الإنسان, هـاتين الحقـيـقـتين اللتين بقـى يسوع أمينـًا على الشهـادة لهمـا بحيـاته ومـوته...
فقـد تبيّن بالقيـامة:
أ ـ أن الله ليس عـدو الإنسان, وأنـه, إن كـان يوقـظ فيـه رغـبة لا تستطيـع مـوجـودات الكـون أن تحـقـقها, فإن ذلك ليس بقصـد العبث بالإنسان ( خـلافـًا لاعـتقـاد سارتر بأن " الإنسان شهـوة لا جـدوى منهـا"), بـلّ لأنـه أعـدّ له نصيبـًا أفـضل وهـو أن يتـّحـد بخـالقـه وخـالق المـوجـودات قاطبـة ويشاركـه فرحـه الأبـدى...
ب ـ إن الإنسان ابن لله لا عبـد لـه يتلاعب بـه الله كمـا يشاء, وأنـه لا يحـقـق ذاتـه ويبلـغ غـاية رغبتـه اللامتنـاهيـة إذا إنكـفأ على ذاتـه ونصـّبهـا إلوهـة زائفـة يتـنكّـر بهـا لمحـدوديتـه, بـلّ إذا عـاش بنـوّتـه الإلهيـة انـفتـاحـًا إلى الله أبيـه وتسليمـًا إليه وتجـاوزًا للنفس نحـوه ورأفـة وحنـانـًا بخلائـقـه...
هـكذا تُـوّج يسوع بالقيـامة:
[ لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ ]
[ عبرانيين 2: 10]...
يحـرّرنـا مـن أوهـامنا القاتلـة ويكشف لنـا حـقـيـقة الله وحـقـيـقة ذواتنـا ويرشـدنا إلى طـريق الحيـاة...
ولكـن هـذا الارشاد ليس مجـرّد عمـلية ذهنيـة أو قنـاعـة فكـرية, إنـه تحـوّل كيـانىّ تتممـه القيـامـة فينـا إنطـلاقـًا من معمـوديتنـا التى, من خـلال عمـل حسّىّ يكتنفـه روح الله القـدوس, تـزرع فينـا طـاقـة المشاركـة فى قيـامـة الرب يسوع المسيح:
[ وَبِهِ أيْضاً خُتِنْتُمْ خِتَاناً غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ.
مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أقِمْتُمْ أيْضاً مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ.
وَإِذْ كُنْتُمْ أمْوَاتاً فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحاً لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا،
إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً إيَّاهُ بِالصَّلِيبِ،
إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ.
فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أحَدٌ فِي أكْلٍ أوْ شُرْبٍ، أوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ أوْ هِلاَلٍ أوْ سَبْتٍ،
الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَلِلْمَسِيحِ] [ كولوسى 2: 11ـ 17]...
تلك الطـاقـة التى يبقـى عليهـا أن تتحـوّل إلى فعـل محيى عبـر جهـاد الإيمـان الـذى يمتـدّ طيلـة حياتنـا...
أ ـ فالقيـامة تنـقـل المسيح إلى داخـلنا:
[ مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي ] [ غلاطية 2: 20]...
ذلك أن المسيح الممجّـد بالقيـامـة لـم يعـد محصـورًا ضمـن حـدود الزمـان والمكـان بـلّ أصبـح مالئـًا الكـلّ يصـوّره الروح القـدس فى كـلّ واحـد منـّا:
[ لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ ] [ غلاطية 3: 27]...
ومـن لبس المسيح فقـد لبس الإنسانيـة الجـديـدة التى تجـلّت فيـه, وصـارت لـه نظـرة المسيح إلى الحيـاة, إلى الله والإنسان, تلك النظـرة التى تُحـرّرنـا مـن أوهـامنـا المـميتـة...
ب ـ ثـمّ أن مساهمتنـا فى قيـامـة المسيح ( المعمـوديـة ) تـنـقل إلينـا, فيمـا لا نـزال فى جسـدنـا التـرابىّ ووضعـنـا المـأساوى, طـاقـة الحيـاة التى انتصـرت فى المسيح القـائـم مـن بين الأمـوات, فنختـبر فى ذواتنـا تبـاشير تلك الحيـاة الظـافـرة, قـوة وفـرحـًا وتجـدّدًا فى كياننـا, ونشعـر مـع الرسول بولس أنـه:
[ فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوبِ { آمَنْتُ لِذَلِكَ تَكَلَّمْتُ } ـ نَحْنُ أَيْضاً نُؤْمِنُ وَلِذَلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضاً.
عَالِمِينَ أَنَّ الَّذِي أَقَامَ الرَّبَّ يَسُوعَ سَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضاً بِيَسُوعَ، وَيُحْضِرُنَا مَعَكُمْ.
لأَنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لِكَيْ تَكُونَ النِّعْمَةُ وَهِيَ قَدْ كَثُرَتْ بِالأَكْثَرِينَ، تَزِيدُ الشُّكْرَ لِمَجْدِ اللهِ.
لِذَلِكَ لاَ نَفْشَلُ. بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْماً فَيَوْماً.
لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيّاً.
وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ ]
[ 2 كورونثوس 4: 13ـ 18]...
هـذه الثـقـة التى تنشأ فينـا إن كنّـا فـعـلاً قيـميين, والنـابـعة من خبرتنـا المعـاشة لقـوة الحيـاة الجـديدة فينـا ولتصـدّيهـا الفـعّـال لقـوى المـوت العـاملـة فى كياننـا, هـذه الثـقـة تسلّحنتا ضتد الخـوف مـن المـوت وتعـطينـا القـدرة على عـدم الانـقيتاد إلى هـذا الخـوف وإلى مـا يؤول إليـه مـن إنطـواء وتـقـوقـع خانـقين...
هكـذا يتحـقـق فينـا مـا تـقـوله الرسالة إلى العبرانيين من أن المسيح شاركنـا فى الـدم واللحـم ليعـتـق بموتـه الذين ظـلـّوا طوال حياتهم فى العبودية:
[ فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ،
وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ ] [ عبرانيين 2: 14, 15]...
هكـذا تتحـرّر رغـبتنـا من عـقـالاتها, وعـوض أن تضيـع فى سراب الأهـام القـاتلة, تنطـلق فى رحـاب الله الذى يستطيـع وحـده أن يلبّى انتظـارهـا اللامتنـاهى...
هكـذا فليس عـقـابـًا أنـزلـه الله بابنـه البـرئ انتـقـامـًا من خطـايـا البشر...
إنمـا الفـداء عـمليـة قـامت بهـا المحبّـة الإلهيـة لتصحيـح المسيـرة الإنسانية التى ضـلّت الطـريق فـأدارت الوجـه لله, وتنـكّرت لحـقـيقـة الإنسان بـآن, وضـاعت فى متـاهـات الأوهـام وسلكت سلوكـًا انتحـاريـًا...
لـم يكـن الفـداء عبـارة عـن ذبيحـة ضحيـة بريئـة يستـرضى بهـا البشر إلهـًا صـار عـدوًّا لهـم...
بـلّ أن الله, الـذى لـم يكـن بالحـقـيقـة عـدوًا للنـاس فى أى وقت مـن الأوقـات, شاء أن ينحـدر إليهـم فى شخـص ابنـه المتجسّد يسوع المسيح لكـى يصـالحهـم بنفسـه بعـد أن اعـتبـروه زورًا وبهتـانـًا عـدوًا لهـم,
ويكشف لهـم, مـن خـلال ذاك الـذى أصبـح أخـًا لهـم, الله المتجسد يسوع المسيح,الإله الكامل والإنسان الكامل, حقـيـقة الله وحقـيـقة الإنسان, ويجعـل من مسيرة يسوع الأرضيـة, مـن حياتـه ومـوته المتوجين بالقـيامـة, طـريقـًا لهـم يسلكونـه ليتحـرّروا مـن عـداوتهـم لأنفسهم ويستـعـيدوا أصـالتهـم السليبـة ويجـدوا السبيـل إليـه, سبيـل السعـادة التى أعـدّها لهـم منـذ إنشاء العـالم...
مختصـر الكـلام أن الفـداء ليس مـقـايضـة حـقـوقيـة,
إنمـا هـومحبّـة مجّـانية كـله,
ومنسجـم بالتـالى كلّيـًا مـع طبيـعـة الله كمـا كُشفـت لنـا
بيسوع المسيح الذى يمتلك تمام الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية ويمثّل الرباط الكامل بين الله والإنسان... وهو التوحيد الحى للإثنين فى شخصه...وهكذا فى شخصه يتحقق العهد كله ... فإن الصلة بين الله والإنسان على يد الكلمة المتجسد , هى صلة جوهرية ونهائية وغير قابلة للتخطى من أحد... فإن المسيح ليس حامل رسالة , بل هو الله وهو الكلمة الناطقة والحية التى تكلم قلوب البشر...
بين الرقـاد واليـوم الأخـير
" هل هنـاك فترة زمنية تمتـد بين اليوم الأخير ( يوم الدينونة ) وبين وقت رقـاد الإنسان؟ ,
فى حـال الإيجاب,
أين تكـون روح الإنسان خـلال هـذه الفتـرة؟"...
" اليـوم الإخيـر" هـو نهـاية التاريـخ وتتـويجـه...
وعبارة " الأخـير" لها هنـا بالضبط هـذا المعنى المـزدوج:
معنى " الانتهـاء" ( كما فى قولنـا هـذا فلسى الأخـير)...
ومعنى " النهـائى" ( كما فى قولنـا: هـذا رأيى الأخـير )...
أمـا " الرقـاد" فهـو نهـاية حيـاة فـردية, كما أنـه بمعنى من المعانى إضفـاء صفـة نهـائية عليهـا...
فـلا بـدّ إذًا من زمـن يمتـد بين المـوت الفـردى وبين نهـاية التـاريخ...
بين اختتـام حيـاة فـردية وبين اختتـام المسيرة البشرية برمّتهـأ...
ممـا يقـود إلى التساؤل حـول مصيـر الإنسان بين اللحظـة التى تنقـضى فيهـا حيـاته الراهنـة وبين يوم الدينـونة...
السؤال فى ظـاهـره يُعـنى بتحـديد مكـان الروح بين الرقـاد والدينونة...
هـذا مـا يُستدلّ عنـه مـن استعمـال عبـارة " أيـن"...
ولكـن هذا الجـوهـر الإنسانى الذى نـؤمن أنـه يستمـر فى الوجـود بعـد الموت الجسدى, هـذا الجـوهـر الذى نسمّيه " الروح" والذى هـو عمـق الشخص الإنسانى ونـواته وخـلاصته, هـذا الجـوهر لا تنطبـق عليـه مقـاييس المكـان التى يخـضع لهـا كياننـا المتجسّد الحـاضر...
مـن هنـا أن المقـصود بالسؤال هـو " حـالة" الـروح بين لحظـة الرقـاد ويوم الدينونة...
فمـا هى هـذه الحالة يـا تُرى؟...
1 ـ بالمـوت تسقـط الحجب ويواجـه الإنسان عـاريًا نـور الله...
وفى هـذا النـور الكاشف لأعمـاق أعمـاقه يستطيـع تمييـز حقـيقـته دون مواربـة...
و" الدينـونة" أصـلاً, إذا مـا عـدنا إلى العبـارة اليونانية الواردة بهـذا المعنى فى العهـد الجـديد KRISIS , إنمـا هى " التمييـز"...
وعـبر هـذا التمييـز يتحـدّد مصيـره...
والأحـرى أنـه يحـدّده بنفسـه:
فإمـا هـو مع الله, فيكـون مصيره فـرح تلك المعـيّـة,,,,
وإمـا هـو متغـرّب عـنه, وبالتـالى يكـون قـد جعـل نفسـه فى عـذاب الغـربة التى لا يمكـن لشئ أن يلهبـه عـنها أو ينسيه إيـاها حينـذاك...
2 ـ شئ من هـذه المـواجهـة المصيـرية, يمكـن أن يختبـره المـرء فى حيـاته الحـاضرة عـندما تتعـرّى نفسه أمـام الله فى لحظـات مميـّزة تسقـط فيهـا الأقنعـة فتنكشف لـه جـوانب حـقـيقـته دون زيف أو خـداع, أو عنـدما يتوّصـل المـرء إلى رؤيـة نفسه بالنظـرة التى يـراه بهـا الآخـرون, فيطـلّ عليهـا مـن الخـارج إذا صـحّ التعبيـر ويكتشف فيهـا جـوانب كانت خـافية عليـه حتى ذلك الحيـن...
3 ـ حـالة الفـرح التى تلى الرقـاد مبـاشرة بالنسبة للإنسان الذى تتتـوّج بالمـوت معـيته مع الله, تلك الحـالة يشير إليهـا العـهد الجديـد صراحـة...
[ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ اَلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي اَلْفِرْدَوْسِ ] [ لوقا 23: 43]...
ولنـا فى رسائل الرسول بولس أيضـًا شواهـد على هـذا الرجـاء...
فقـد ظـن الرسول لأول وهـلة أن نهـاية الأزمنـة سوف تكـون قريبـة وأمـل بأن لا يـذوق المـوت بـلّ يُخـطف مـع سواه من المـؤمنين ليلاقـى المسيح الآتـى فى مجيئـه الثـانى:
[ فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ اَلْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ... ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعاً مَعَهُمْ فِي اَلسُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ اَلرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ اَلرَّبِّ ] [ 1 تسالونيكى 4: 15, 17]...
ولكنـه أدرك بعـدئذ أن هـذا الأمـل لن يتحـقـق بالنسبة إليـه وأن لا بـدّ له أن يمـرّ بالمـوت...
ولكنـه رأى فى المـوت هـذا طـريقـًا للقـاء الرب, فبـدا له مـن جـرّاء ذلك مـرغـوبًا ومحبّبـًا, وإن كانت محبّتـه للمسيحيين الذين كان يرعـاهم, تقــوى على هـذا الحنين وتحـدو بـه إلى تفضيـل البقـاء معهم لفتـرة من أجـل خـدمة احتياجـاتهم:
[ لأَنَّ لِيَ اَلْحَيَاةَ هِيَ اَلْمَسِيحُ وَاَلْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ.
وَلَكِنْ إِنْ كَانَتِ اَلْحَيَاةُ فِي اَلْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي!
فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ اَلاِثْنَيْنِ: لِيَ اِشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ اَلْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً.
وَلَكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي اَلْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ.
فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهَذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي اَلإِيمَانِ ] [ فيليبى 1: 21ـ 25]...
لقـد أدرك الرسول إذًا أن هنـاك لقـاء بالـرب يـلى مبـاشرة انتقـال الإنسان من الحيـاة الدنيـا ولا ينتظـر يـوم الدينـونة, وأن هـذا اللقـاء إنمـا يسمـح برؤيـة الـرب ويزيـل الغـربـة التى لا نـزال نعـانى منهـا طـالما نحـن فى وضعـنا الجسدى الراهـن...
[ لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اّلْلَّهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ...
فَإِذاً نَحْنُ وَاثِقُونَ كُلَّ حِينٍ وَعَالِمُونَ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي اَلْجَسَدِ فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ اَلرَّبِّ.
لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعَيَانِ.
فَنَثِقُ وَنُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ اَلْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ اَلرَّبِّ ] [ 2 كورونثوس 5: 1, 6ـ 8]...
4 ـ أمّـا حـالة العـذاب, فيشير إليهـا مثـل الغنى ولعـازر, ويعـبّر عـنها أبلـغ تعـبير بصـورة العـطش واللهيب...
فالإنسان إنمـا هـو جوهـريًا كائـن تشـدّه إلى الله رغـبة محـورية, هـى رغـبته التى لا تُقـاوَم بالمطـلق واللامتنـاهى...
فإذا رفـض الله ليستـأثر بـذاته, فلـه فى هـذه الدنيـا من خـلائق مـا مـن شأنـه أن يلهيـه عـن فـراغـه ويخـدّر إحساسه بهـذا الفـراغ, إذ بوسعـه أن يتوهّـم ـ ولـو كان لهـذا الوهـم حـدود ـ أن المطـلق الذى ينشـده إنمـا هـو كامـن فى هـذه أو تلك مـن الخـلائق التى تحمـل بالفـعل بعـضًا من سماتـه منعكس عليهـا من ذاك الذى يمنحهـا الوجـود, فيتصـوّر المطـلق الذى يتـوق إليـه كامنـًا فى الجسد أو المـال أو الجـاه وما شابـه ذلك...
ولكـن المـوت يُسقـط الأقنعـة ويُعـرّيه مـن تلك المغـريات التى كان يحـاول أن يختبئ بينهـا متـواريـًا عـن مواجهـة حقـيـقة ذاتـه وحقـيـقة رغبتـه كما حـاول آدم أن يختـفى بين أشجـار الفـردوس مـن مـواجهـة ربّـه الساعى إليـه ليخـاطب قلبـه
[ وَسَمِعَا صَوْتَ اَلرَّبِّ اَلإِلَهِ مَاشِياً فِي اَلْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ اَلنَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَاِمْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ اَلرَّبِّ اَلإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ اَلْجَنَّةِ ] [ تكوين 3: 8 ]...
عـند ذلك لا يبـقى لـه, لا وراء عـطشه الكيـانى, إلا أن ينهـل من خـوائه الذاتى, فإذا بـه يلتهـب عطـشًا...
قـد يتوصّـل المـرء المتوغـّل فى شـرّه إلى التهـرّب مـن هـذه المـواجهـة الرهيبـة حتى اللحظـة الأخـيرة محتميـًا منهـا بتحجّـر قلبـه وتبـلّد ضمـيره...
ولكنها حاصـلة لا محـالة عـندما لا يبقـى للإنسان منـاص من مـواجهـة حـقـيقـته فى نـور الله بعـد اجتيـازه حـدود الحيـاة...
1 ـ تعـلّم الكنيسة الأرثوذكسية أن المـرء لا يسعـه أن يبلـغ حـالة نهـائية مـن حيث مصـيره, قبـل قيـامة الأجساد, أى قبـل ترميم كيـنه الذاتى بجملتـه يفـعل هـذه القـامة, وقبـل اكتمـال كيـانه الجمـاعى بفـعل تجمّـع البشرية كلّهـا بعـد نجـاز تاريخهـا:
أ ـ فلا بـدّ من ترميم الكيـان الذاتى بأكملـه, من جهـة...
إذ الروح إنمـا هى إلا لـبّ هـذا الكيـان وخـلاصته كمـا قلنـا, لكنها ليست الكيـان كلّه...
الـروح كالعين ( راجـع المثل السائر " العيـون مـرآة الـروح", ولاحـظ فى اللغـة العـربية الترادف بين " النفس" و" العين" والشخص" كما عـندما نقـول:" هـذا هـو الشخص نفسه" أو " هـذا هـو الشخص عينـه" ): إنهـا تختزل الشخص البشرى ولكنها لا تغنى عن سواها من عناصره...
والـروح, بتشبيه آخـر, إنما هى بمثـابة الطـفـل المولد حديثـًا...
هكـذا تُرسم فى الأيـقـونات الأرثوذكسية, حيث نـرى مثـلاً فى أيـقـونة رقـاد العـذراء صـورة السيّد واقـفـًا أمـام جسد أمـه المسجى, حـامـلاً فى يديـه طفـلاً مقـمطـًا بالبياض يرمـز إلى الـروح الطـاهـرة التى تـَقـَبّلها...
إنما يبقى على الطـفل المـولود أن يمتـد ويكتمـل ليبلـغ مـلء قـامته الإنسانية على كل الأصعـدة...
ب ـ ولا بـدّ, من جهـة أخـرى, مـن اكتمـال الكيـان الجمـاعى للإنسان باجتمـاع البشريـة كلهـا فى نهـاية التاريخ...
فالمسيحيـة, بمقـدار ما تؤكّـد على أهمـّية الفـرادة الشخصية, تؤكّـد أيضـًا على أهمّـية ارتبـاط الفـرد بالجمـاعة البشرية, هـذا الارتبـاط الذى لا يمكنـه بدونـه أن يحـقـق مـلء أبعـاد كيـانه...
والمسيح , فى إيمـاننا, إنما قـد وحـّد الطبيعـة البشرية بحيث أن هـذه الطبيعـة تتـواجـد فى كـل شخص متـّخـذة لديه وجهـًا فريـدًا...
من هنـا إننا بحأجـة إلى تـواجـدنا معـًا لكى يكتمـل مصيـر كـل واحـد فينـا...
أن ننتظـر بعضنـا بعضـًا...
لقـد قالت الرسالة إلى العـبرانيين عـن أبـرار العهـد القـديم:
[ فَهَؤُلاَءِ كُلُّهُمْ ، مَشْهُوداً لَهُمْ بِالإِيمَانِ ، لَمْ يَنَالُوا اَلْمَوْعِدَ ، إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئاً أَفْضَلَ ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا ] [ عبرانيين 11: 39, 40]...
فقـد كان على أجـداد العهـد القـديم أن ينتظـروا أحفـادهم ليـروا وإيـاهم الخـلاص الذى أتى بـه الرب يسوع المسيح فى مجيئـه الأول...
كذلكو فإن الأجيـالأ التى عـاشت وتعيش قبـل هـذا المجـئ وبعـده ستنتظـر بعضهـا بعضـًا لتحـظى معـًا باكتمـال الخـلاص عـند المجـئ الثـانى المجيـد...
2 ـ فـإذا كان مصـير كل إمـرئ بعـد انتـقـاله الشخصى مصـيرًا غـير نهـائى, وإذا كان على الجميـع أن ينتظـروا يـوم الـقيامة لاكتمـال هـذا المـصير, إلا أن انتظـارًا يختلف عـن انتطـار باختـلاف المـوقف مـن الله الذى بلغـه كل انسان فى لحظـة انتقـاله:
أ ـ فبالنسبة للذين أسلمـوا أنفسهم كلّيـًا لله, يكـون هـذا الانتظـار استباقـًا للفـرح ومستنيرًا بـه منـذ الآن...
إنـه, بمعنى مـا, كانتظـار الصـديق أو الحبيب الآتى لا محـالة, وهـو تمتـّع مسبق بحضـوره...
مـع هـذا الفـارق أن الصتديق أو الحبيب المنتظـر حاضـر فى الفكـر والشعـور وحسب, فى حين أن الله الحاضتر فى الإنسان إنمـا هـو أقـرب إليـه من ذاتـه, ويتـّخـذ هـذا الحضـور فى الآخـرة شكل مـعيّة حـقـيقـية...
فقـد رأينـا الرسول بولس يقـول: " لِيَ اِشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ اَلْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً " وإن كانت مـدعوّة إلى مـزيد من الاكتمـال على قـدر اكتمـال كيـان الـذى يحيـاهـا...
من هنـا أن اللـوعـة التى تمتـزج بالفـرح عـند انتظـار الصـديق أو الحبيب إذا ما تبـاطأ هـذا فى قـدومه, ليس لها من مجـال هنـا, بـلّ الفـرح صافٍ لا تشوبـه شائبـة...
تلك الحـالة البهجـة يصـوّرها سفـر الحكمـة:
[ نِفُـوس الصِـدِّقِـيين فِى يـَدِ الله, وَلا يَمِسَّهـا عَـذَابٌ ... لِـقـَدّ بـَدَا خُـرُوجِهِم مِـنْ اَلْعَـالَمِ مُصِيبَـة وَ ذِهَـابِهِم عَـنَّا فّـنَـاء , وَلَكنـّهم فِى سَـلامٍ ] [ حكمـة 3: 1ـ 3]...
علمـًا بأن " السلام" فى لغـة الكتـاب, يشير إلى التمتـّع بكـلّ الخيرات فى ظـلّ معـاشرة الله...
تلك هى حـالة الشهـداء كمـا وصفهـا سفـر الرؤيـا:
[ بَعْدَ هَذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَاَلْقَبَائِلِ وَاَلشُّعُوبِ وَاَلأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ اَلْعَرْشِ وَأَمَامَ اَلْحَمَلِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ اَلنَّخْلِ
وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ: { الْخَلاَصُ لإِلَهِنَا اَلْجَالِسِ عَلَى اَلْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ }.
وَجَمِيعُ اَلْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ اَلْعَرْشِ وَاَلشُّيُوخِ وَاَلْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ اَلْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا لِلَّهِ
قَائِلِينَ: {آمِينَ! اَلْبَرَكَةُ وَاَلْمَجْدُ وَاَلْحِكْمَةُ وَاَلشُّكْرُ وَاَلْكَرَامَةُ وَاَلْقُدْرَةُ وَاَلْقُوَّةُ لإِلَهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ}
وَسَأَلَنِي وَاحِدٌ مِنَ اَلشُّيُوخِ: {هَؤُلاَءِ اَلْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ اَلْبِيضِ، مَنْ هُمْ وَمِنْ أَيْنَ أَتُوا؟}
فَقُلْتُ لَهُ: { يَا سَيِّدُ أَنْتَ تَعْلَمُ }. فَقَالَ لِي: { هَؤُلاَءِ هُمُ اَلَّذِينَ أَتُوا مِنَ اَلضِّيقَةِ اَلْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوهَا فِي دَمِ اَلْحَمَلِ.
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اَللهِ وَيَخْدِمُونَهُ نَهَاراً وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَاَلْجَالِسُ عَلَى اَلْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ.
لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ اَلشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ اَلْحَرِّ،
لأَنَّ اَلْحَمَـلَ اَلّـَذِي فِي وَسَـطِ اَلْعَرْشِ يَرْعَـاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَـاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْـسَحُ اَللهُ كُلَّ دَمْـعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ } ]
[ رؤيا 7: 9ـ 17]...
هـؤلاء الصـدّيقـون الذين:
[ دَخَـلُوا إِلَى فَـرَح رَبّهِـم ] [ متى 25: 21] ...
قـد أصبحـوا, لكـونهم صـاروا أكثر قربـًا مـن الله, أدنى إلينـا نحـن أيضـًا, بـه ومن خـلاله...
لذا فهـم يتحسّسون لحاجتنا ويشفعـون بنـا...
عـلمـًا أن شفـاعتهم هـذه لا تضـاف إلى شفـاعة المسيح كما قـد يُظـنّ...
ولكنهم, وهم أعضـاء فى جسد المسيح, إذ قـد أصبحـوا أكثر اقترابـًا مـن الرأس الذى هـو المسيح, صـاروا بالتـالى مساهمين بنحـو أخـص فى شفاعـته...
ب ـ أمـا الذين تركـوا الحيـاة وهـم فى حالة رفـض عميـق ونهـائى, فهـؤلاء قـد حـدّدوا بذلك مصـيرهم إلى الأبـد...
عـليهم ينطـبق ما قاله السيد المسيح عـن الذين يجـدّفون على الروح القـدس, أى الذين يرون النـور الإلهـى ويرفضون الانصياع له, متشبثين بظـلمتهم عـن إصـرار وتصميم:
[ ... وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى اَلرُّوحِ اَلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ لاَ فِي هَذَا اَلْعَالَمِ وَلاَ فِي اَلآتِي ] [ متى 21: 32]...
هـؤلاء يجعـلون أنفسهم فى عـذاب هـو انتظـار العـذاب النهـائى واستباق لـه, ذلك العـذاب الذى سيبلـغ كماله فيهـم عنـد القيـامة التى بهـا يكتمـل كيانهـم من جهـة ( ولكنـه يكتمـل منحـرفـًا, مشوّهـًا, فارغـًا, ليشتـد عـذاب الفـراغ على قـدر امتـداده فى كيـان متكامل ), وتكتمـل مـن جهـة أخـرى الوليمـة البشرية التى أ قصـوا أنفسهم عنهـا ( فيتلوّعـون على قـدر اكتمـال ما حـرموا ذواتهـم منـه )...
بـؤس هـؤلاء ناتـج عـن انهمـاكهم بذواتهـم, وهـو انهمـاك لا يبعـدهم عـن لقـاء الله وحسب بـلّ عـن لقـاء النـاس أيضـًا...
هـذا مـا عـبّر عـنه أحـد رهبـان صحـراء مصـر" الأنبـا مكاريوس", عـندما وصف الجحيم بقـوله:
" هنـاك لا يسـع المـرء أن يـرى أحـدًا وجهـًا لوجـه"
أى أن المواجهـة, التى هى تعبيـر عـن اللقـاء, تكـون مستحيـلة بالنسبة للذين غـرقـوا فى جحـيم عـزلتهم...
ومـا الجحـيم, فى آخـر المطـاف, إلا جحـيم العـزلة التى يرتضـى المـرء أن يغـلق عـلى ذاتـه ضمـن جـدرانهـا فى حين أنـه مدعـوّ فى الصـميم إلى فـرح المشاركـة...
وقـد كتب اللاهـوتى الأرثوذكسى " بتول أفـدوكيمـوف" بهـذا الصـدد:
" ... يمكـن تصـوّر جهنّـم عـلى شاكـلة قفـص مصنـوع مـن مـرايا... بحيث لا يمكـن للمـرء فيهـا أن يـرى سوى وجهـه الـذاتى ... مرَجّـعـًا ومتـواجـدًا إلى ما لا نهـاية دون أن تـلتـقيه أية نظـرة أخـرى... وإذا مـا لم يـرَ المـرء سوى ذاتـه, فإنـه يشبـع منهـا حتى الغـثيـان ..."...
ج ـ أمـا الذيـن تركـوا الحيـاة وهـم تائبـون إلى الله, أى عـائدون إليـه, ولكنهـم لم يتمكّـنوا من ترسيخ هـذه العـودة, لم يستطيعـوا تجسيـدها بمـا فيـه الكفـاية بمواقف وأعماـل, وفقـًا لوصيـة الإنجيـل:
[ فَاصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ... ] [ لوقـا 3: 8 ]...
أى الـذين اتـّجهـوا فى قـرارة نفـوسهم إلى الله واعتبـروه قطـب حيـاتهم, ولكـن اتجـاههم هـذا بقـى غيـر مستقـر بمـا فيـه الكـفـاية ومعـرضـًا للتـذبذب والاضـطراب...
هـؤلاء هـم أسـاسـًا فى مـعيـّة الله, ولكـن هـذه المـعيـّة تكتنفهـا عـوائق تحـول بينهـم وبين التنـاغم الكـلّى مع الله وبلـوغ الألفـة التـامة معـه...
حـالتهـم تشبـه إلى حـدّ, مـا يحـدث فى عـلاقات المحبّة البشريـة ( مـن صـداقة وحب مثـلاً ) إذا لـم تكتمـل بعـد بـلّ لا زالت تـعكّرها الانطـواءات والتشنجـات, بحيث تـُعاش المحبـّة عـلى خلفيـة مأساويـة...
مـن هنـا إن الفـرح والعـذاب يتنـازعـان هـؤلاء, ففـرح اللقـاء يتـواجـد عنـدهم مـع عـذاب البعـاد...
هـؤلاء يمكـن للصـلوات التى نـرفعـها من أجـلهم أن تساعـدهم على تجـاوز العـوائق وبـلوغ حـالة أكثـر صفـاء فى عـلاقتهم بالله, والتمتـّع بالتالى بانتقـاص الألـم وازديـاد الفـرح, كمـا أن صـلواتنـا بعضنـا مـن أجـل بعـض فى هـذه الحيـاة تـدعّم وتسانـد مسيرة كل منـّا إلى الله...
1 ـ هـذه التحـديدات العقـائـديـة, على أهميتهـا, يتجـاوزهـا الرجـاء, وهـو من صلب تراث الكنيسة الأرثوذكسيةالشرقيـة, بأن تتـم, فى آخـر المطـاف, المصـالحة الشاملـة ويقبـل الجميـع, دون استثنـاء, إلى نـور الله...
هـذا الرجـاء قـد عـبّر عـنه عـدّة آبـاء عظـام, منهـم غريغـوريوس النيصصى الـذى كـان يرجـو حتى خـلاص الشيطـان نفسه, ومنهـم غـريغـوريوس النزينزى ومكسيموس المعتـرف...
وقـد كان لأعظـم القـديسين ( ومنهم اسحـق السريانى ) جـرأة الصـلاة حتى مـن أجـل الشيـاطين...
والرجـاء نفسـه مسجّـل فى طقـوس الكنيسة: فهـى فى أفـاشين خـدمة " السجـدة" ( وهى خـدمـة غـروب اثنين العنصـرة ) تصلى " من أجـل المضبوطين فى الجحيـم ), كمـا أنهـا, فى الإفشين الثالث للقـديس باسيليـوس الـذى يُتـلى فى هـذه الخـدمـة, تـُصلّى مـن أجـل كل الراقـدين منـذ بـداية الخليقـة...
فى قـانون ( أكاثسطـون ) من أجـل الأمـوات وضعـه أسقف روسى تـألم من أجـل الإيمان, وقـد التقط هـذا القانـون, بين الحربين العالميتين, فى دير أيوب الصـديق فى بوتشايف, نجـد هـذه العبـارات المذهـلة:
ـ امنـح الصفـح للذين ماتـوا دون تـوبـة ...
ـ إن ظلمـات النفس البعيـدة عن الله لرهيبـة, يرتعـد المـرء عـند مجـرّد التفكـير بهـا... أيهـا الهـالكـون, ألا فلينـزل عليكم كالنـدى نشيد هللـويا!!!.
2 ـ إنمـا رفـضت الكنيسة الأرثوذكسية أن تجـعل مـن موضـوع هـذا الرجـاء عـقيدة...
لـذا أدانت رأى أورجانوس الذى كان يـؤكـد أن الجحيم ليس أبـديـًا...
هـذه الإدانـة ينبغى فهمهـا على محملهـا الصحيح...
فلا يجـوز, بحـال من الأحـوال, تأويلهـا على أنهـأ تـأكيد لأبـدية الجحيـم...
إنما الغـاية منهـا التشديد عـلى أمـور هى فى غـاية الأهميـة:
أ ـ التـأكيد على احترام الله الفائق لحـرية الإنسان...
وهـو مقيـاس حـقيـقة حبّـه لنـا, لأن المحبّـة الحـقيقـية إنما تحتـرم إلى أبعـد حـد حـرية المحبـوب وتتحـاشى إلغـاء كيـانـه المتمـيّز وإحتـواءه فى كيـان المحبّ...
فالله يـذهب فى احترامـه لحـرية الإنسان إلى حـد أنـه يـرتضى بـان يقـول له الإنسان " لا" حتى النهـاية, مما يعنى أنـه يتقبـّل أن يلحـق به الإنسان خيبـة نهـائية وأن يحمـل هـو نهـائيـًا الجـرح الذى يصيبه مـن جـرّاء عـذاب اختـاره الإنسان لنفسه...
فـقـد قالت إحـدى القـديسات: " أن الجحيـم إنما هـو عـذاب الله أولاً"...
هـذا ما ينـاقض تصـوّر سارتر لإله ساحـق يحطـّم مقـاومة الإنسان ليخلّصه رغـم أنفـه ( فى مسرحية الشيطان والله )...
ب ـ التـأكيد على خطـورة الخيـار فى الحيـاة الحـاضرة...
فهـى المجـال الأكيـد الوحيـد المعـطى لنـا لتقبـّل خـلاص الله...
ندخـل عالم المجهـول, المكتنف بالغمـوض...
صحيـح أننـا متيقـّنون من أن رحمـة الله قائمـة فى هـذه الحيـاة وبعـدها, ومن أن الله يبقـى أمينـًا لنفسه, أمينـًا لعـهد الحب الـذى قطعـه لنـا...
ولكـن لا شئ يؤكـّد لنـا أننـا سوف نستطيـع الانتفـاح إلى هـذه الرحمـة والتجـاوب معهـا إذا ما تركنا الحيـاة ونحن متحجـّرون فى موقف رافـض...
هـذه الخطـورة تدعـونا إلى اليقظـة الدائمـة, وهـى موقف محـورى فى الإنجيـل...
3 ـ من هنا أننا نجـد فى التراث الأرثوذكسى تـأكيدًا مزدوجـًا تعبـّر عنـه قصة أنطونيوس الكبير وسكّاف الإسكندرية...
فـقـد كُشف لأنطونيوس أن سكّـافـًا مـا فى مـدينة الإسكندرية بلـغ مرتبـة مـن القداسة تفـةق مرتبتـه...
فـأراد أن يكتشف سر قـداسته...
فقصـده وسأل عنـه...
قال له السكّاف أنـه, فى يـوم عملـه, يرى آلاف الناس يمـرّون فى الشارع أمـام دكانـه, فينظـر إليهم ويخاطب نفسه قائلاً:
" الكـلّ سيخلصون , وأنـا وحـدى سأهلك" ... مما يعنى:
أ ـ أن احتمـال الهـلاك الأبـدى ينبغى أن يكون ماثـلاً بالنسبة إلى شخصيـًا ليشعـرنى بخطـورة الخيـار الآن:" اَلْيَـوْم, إنْ سَمِعْتُمْ صَـوْتِه, فَلا تَقْسُو قَلْوبَكُمْ", ويحمينى من التهـاون والميـوعة والاستهتار...
ب ـ أنـه ينبغى أن لا أتخـذ من احتمال الهـلاك هـذا سلاحـًا أسلّطـه على الآخـرين ( فإننى عنـد ذاك أضـع نفسى خـارج دائـرة الحب وبالتالى أسير فى طـريق الهـلاك ), بـلّ أن أقـف من الآخـرين موقف الرجـاء الكامل الذى هـو نفس موقف الله منهم...
وقـد قال اسحـق السريانى بهـذا الصدد:
" هـذه وصيـة أعـطيك إياهـا يا أخـى, أن ترْجح الرحمـة أبـدًا فى ميزانك حتى تلك اللحظـة التى تشعـر بها فى ذاتـك بالرحمـة التى يشعـر بهـا الله حيـال العالم"...
عن هـذا الموقف الأخير نقـدّم شاهـدًا هـو عبارة عـن قصّـة جميلة من التراث الزهـدى الرثوذكسى نختتـم بهـا هـذا المقـال...
تـروى القصّة أن أحـد الرهبـان الشيوخ كان لـه تلميذ متهاون فى سعيـه الروحى... وقـد توفى هـذا التلميذ وهـو لايزال مقيمـًا على تهاونه... حـزن الشبخ وأخـذ يواصـل الصـلاة من أجـل تلميـذه... فتراءى له المسيح ذات يـوم وقال لـه: لماذا تصلّى مـن أجـل هـذا, فى حين أنـك تعلم أنـه تركنى؟... ولكـن الشيخ أبى إلا أن يستمـر فى الصـلاة ... إلى أن تراءى له المسيح ثانيـة ( وقـد كانت هـذه هى الرؤيا الصحيحة التى توصّل إلبها بعـد أن توغّـل فى الرحمـة, فى حين أن الأولى كانت لا تزال مشوبة بالتصوّرات البشرية )...
تراءى له وقال لـه: " أهكـذا بلـغ حنانك مستوى حنـانى؟"...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" لماذا هنـاك دينـونة؟
طالمـا الله يعـرف مصير الشخص, ويعلم أنـه فى جهنّم أو الملكوت,
فلماذا لا يرسله إلى جهنّم أو الجنـة عنـد مـوته مباشرة؟ ".
ليست" الدينـونة", كمـا قـد نتصـوّر, كشف حسابات وإصـدار حكم على أساسهـأ...
إنهـا اكتشاف الإنسان, لا بعقـله وحسب, بـلّ بخـبرتـه الكيـانيتة كلّهـا, فى نـور الله, مـدى قـربـه من الله أو ابتعـاده عـنه, فيسعـد بتلك القـربى ويشقـى من جـرّاء هـذا الابتـعاد...
إذا كانت " الدينـونة", بمعنـاهـا الكتـابى, هى " التمـييز", كما أسلفنـا, تمـييز الحقـيقـة عـن الزيف فى نـور الله, وبالتـالى اكتشاف الإنسان لحـقـيقـة ذاتـه بعـد أن تسقـط الحُـجُب...
فإن هـذه " الدينـونة" تبـدا منـذ هـذا العمـر وتجتـاز خطـوة حـاسمة عـبر تعـرّى المـوت...
ولكنّـها لا تكتمـل, لا تحـين " ساعـة الحـقـيقة" كلّيـًا بالنسبـة للإنسان, قبـل أن يحـلّ " اليـوم الأخـير"...
ذلك للأسباب التـالية:
فقبـل ذلك تخـلد الـروح وحـدها, التى هـى قـلب الكيـان وخـلاصتـه, ولكنهـا ليست الكيـان كلّـه, الـذى بنتظـر أن يتـمّ ترميمـه انطـلاقـًا منهـا بفعـل الله فى اليـوم الأخـير...
فإذا مـا اكتمـل كيـان الإنسان عـلى هـذا الشكل, استطـاعت خـبرتـه أن تستعيـد كل مـداها وأبعـادهـا, فتكتمـل عـند ذاك سعـادتـه أو يكتمـل شقـاؤه, وبالتألى تنجـلى حـقـيقـته كاملـة....
فالإنسان الفـرد مرتبـط بالجمـاعـة الإنسانية برمّتهـا, كمـا أن العضـو مرتبـط بكـامل جسمـه...
فكـل واحـد منّـا وريث للحضـارة الإنسانيـة كلّهـا منـذ أول نشأتهـا, يجنـى فى لغـته وعلمـه وثقـافتـه وأنظمتـه الاجتمـاعيـة وقـدراتـه التقنيـة ومشاعـره وأخـلاقـه وقيمـه وروحـانيتـه حصيـلة المسـيرة الإنسانيـة منـذ أقـدم العصـور ونتيجـة تفـاعل الحضـارات البشريـة المختـلفـة على مـرّ التـاريـخ...
وكـل واحـد مرتبـط, من جهـة أخـرى, لا بالتـاريخ البشرى وحسب, بـلّ بوضـع الإنسانيـة الحـاضر على مجمـل الكوكب الـذى نحيـا فيـه...
فمـا يجـرى فى أى قطـر من أقطـار المعمـورة, على الصعـيد الاقتصـادى والسياسى والفـكرى والحضـارى, يؤثـّر فى معـيشتنـا وتفكـيرنا وشعـورنا, لا بـلّ يساهـم فى تحـديد مصـيرنـا...
إننـا اليـوم نـدرك أكـثر ممـا فى أى وقت مـضى أن البشريـة إنّمـا هـى بالفـعل جسم واحـد, فى الزمـان والمكـان, وأن مصـير كل فـرد منهـا مرتبـط فى الصميم بمـصير هـذا الجسم الكبير...
من هنـا نـدرك أن خـبرة الإنسان فى عـلاقتـه بالله ( إيجـابيـة كانت هـذه العـلاقة أو سلبيـة ) لـن تكتمـل إلا متى إلتـقت البشرية كـلها بالقيـامة العـامـة, وأن الإنجـلاء التـام لحـقـيقـته ( وهـو موضـوع " الدينـونة" ) لـن يتـم بالتـالى إلا متى حـان ذلك اليـوم...
عـند ذاك:
ـ فإن كل صـديق لله سوف يكتمـل فـرحه بلقـاء الله, ليس فقـط لعـيشه هـذا اللقـاء بكيـانه الشخصى كلّـه, بـلّ لأنـه أيضـًا يشارك فى فـرح البشريـة المخلّصـة كلهـا, فى وليمـة الحب الشاملـة...
اّكـروا كيف أن الابـن الضـال لم يفـرح وحـده بعـد عـودته إلى بيت أبيـه بـلّ فـرح معـه البيت كلّـه:
[ فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ ] [ لوقا 15: 24]...
وبذلك اكتمـل وجـه فـرحه هـو...
ـ بالمقـابل, فإن الرافـض لله سيكتمـل عـند ذاك شقـاؤه, ليس لأنـه سوف يحيـاه بكيـانه كلّه وحسب, إتمـا أيضـًا بسبب شعـوره بأنـه أقـصى نفسـه عـن وليمـة الحب الشاملـة:
تـذكّـروا الابـن الأكـبر, فى مثـل " الابن الضـال" و كيف أنـه بمـوقـفه الرافـض لأخيـه, لـم يضـع حاجـزّا بينـه وبين أبيـه وحسب, بـلّ أقـصى نفسـه بإرادتـه عن فـرح البيت كـلّه, عـن " أصوات الغنـاء والرقص" وكانت مرارتـه عـلى قـدر شعـوره بهـذا الاقـصـاء...
[ فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ ] [ لوقا 15: 28]...
لا شك أن مجـال الحيـاة الأرضيـة المجـال أساسى لتحـديد الاختيـار مـع الله أو ضـدّه, وبالتـالى لتحـديد المصـير...
ذلك أن الإنسان يتمتـّع عـند ذاك بكيـانـه المـوحّـد المتكـامل ( كيـانه المتجسـد ), وبالتألى بكـامل إمكـانياته...
مـن هنـا, إنـه لا ينبغـى لنـا أن نفـرّط بتلك الفـرصـة الفـريـدة المـاحة لنـا لتحـديد مصـيرنـا...
أمـا فى الفـترة بين المـوت الفـردى والقيـامة العـامة, فطـاقـات الإنسان تمـرّ بطـور من الكمـون:
إن الأمـوات يُـدعـون فى اللغـة الليتورجية " الراقـدين" ...
والرقـاد يشير إلى حيـاة كامنـة, منطـويـة, غـير مكتمـلة النشاط...
الحيـاة الأرضيـة تبقـى إذًا المجـال الممـيّز للتـوبـة...
من هنـا الدعـوة الإنجيليـة الملحّـة إلى السهـر واليقـظـة طـالمـا لا يـزال مجـال العمـل مفتـوحـًا أمـامنـا على مصـراعيـه...
ثـمّ [ يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ اَلَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ ] [ يوحنّـا 9: 14],
فقـد كان على " العـذارى الجاهـلات" أن يسهـرن على تـزييت مصـابيحهـن كمـا فعـلت " العـاقلات", وذلك قبـل أن يـدركهم النعـاس هـؤلاء وأولئك...
[ وَفِيمَا أَبْطَأَ اَلْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ ] [ متى 25: 5]...
إن الذين حـددوا موقفـهم الرفضـى من الله وتصـلّبوا هـذا وتحـجّروا فيـه...
ذلك هـو أحـد معـانى " التجـديف ضـد الروح القـدس" ...
الـذى قـال عـنه الرب يسوع المسيح:
[ لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ وَأَمَّا اَلتَّجْدِيفُ عَلَى اَلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى اِبْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى اَلرُّوحِ اَلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ لاَ فِي هَذَا اَلْعَالَمِ وَلاَ فِي اَلآتِي ] [ متى 12: 31, 32]...
إذ كيف يُغْـفَـر لمـن لا يتوب؟ ...
كيف يتـقبّـل الله ـ وهـو الذى يحـترم حـريـة الإنسان إلى أبعـد حـدّ ـ مـن يُصِـرّ على البقـاء بعـيدًا عـنه؟...
فالإنسان الـذى يرفـض الله فىهـذه الدنيا...
هـل يعـرف حـقـيقـة مـن هـو ذلك الـذى يرفـضه؟...
هـل يـدرك فعـلاً أنـه روح روحـه وقلب قلبـه؟...
وأنـه بـدونـه عدـم وهبـاء؟...
صـلاتنا ومصـير الراقـدين
" هـل صـلواتنـا من أجـل الراقـدين يمكنهـا أن تقـرّبهم من الله؟"...
فالبشريـة كلّهـا فى نظـر الله جسم واحـد تتـآزر أعضـاؤ كلهـا على إمـداده بالحيـاة والنشاط وعلى قضـاء مختـلف حاجـاتـه...
والله هـو المحيى فى آخـر المطـاف...
ولكنّـه يشاء أن يشارك كل إنسان فى مهمتـه الإحيـائيـة هـذه...
كـل فى موقعـه وكل على مستـواه...
هـذا مـا يتجـلّى إن على الصعـيد الطبيعـى أو على الصعـيد الروحى...
إن استمـرار الحيـاة وتقـدّمها يتطـلّبان تضـافـر الجهـود البشرية وترابـط الأجيـال التى ينـقـل كل منهـا مكتسباتـه إلى الخلف...
ولكـلّ إنسان دوره ومسئوليتـه وأهميتـه فى تـأمين دورة الحيـاة هـذه...
إنما يتحـدد هـذا الدور وفـقـًا لمـواهب كل إنسان ومهنتـه ووظيفـتـه الاجتمـاعيـة...
وإذا نظـرنا إلى كل إنسان فـرد, رأينـا أن نعمـة الحيـاة التى من الله إنمـا يحظـى بهـا هـذا الفـرد عـبر تلقـّيها من والديـه, وأن هـذه الحيـاة لا تنمـو ولا تكتمـل فيـه إلا عـبر عمـل طويـل من الرعـاية والتربيـة تساهم بـه الأسرة بنـوع خـاص والمجتمـع بشكل عـام, ولا تستمـر فيـه إلا بفضـل مساهمـة العـديد مـن النـاس فى تغـذيتهـا, كل من موقـعـه...
فالعقـل من الله يـأتى ولكنه يحتـاج, ليـوجـد فعـلاً وينمـو, إلى محيـط بشرى يوقـظـه وينشطـه ( كما يتضـح مثلاً من ركـوده عنـد الأولاد المتوحشين الذين حُرمـوا فى بـداية حياتهم من هـذا المحيـط )...
والطعـام يـاتى من الله فى الأساس, ولكنـّه يصـل إلى بواسطـة المـزارع والطحّـان والخبـاز وغيرهم من أصحـاب المهـن, وبفضـل تنظيـم اجتمـاعى يُـفرض فيـه أن يسمـح بتـوزيعـه على كل النـاس...
يروى الشاعـر الفرنسى " سولى برودوم" أنـه رأى ذات ليلـة حلمـًا كابوسيـًا تخيّـل فيـه أن أصحـاب سائـر المهـن تخلّوا عـن قضـاء حاجـاته وتركـوه يتـدبّر مختلف أمـوره بنفسـه, كـأن يصنـع خـبزه ويحيك ثيـابه وبينى وبيتـه إلى مـا هنـالك...
فغـمـره جـزع العـزلة والعجـز على أن استيقـظ, فتبـدّد الكابـوس وأدرك الشاعـر عمـق حاجتـه على باقى البشر...
هـذا الترابـط بين البشر فى نقـل هبـات الله بعضهـم إلى بعـض, نلمسه أيضـًا على الصعـيد الروحىّ...
فمـن الكنيسة يتسلّم كل واحـد منّـا إيمـانه الـذى يتنـاقلـه المـؤمنـون جيـلاً بعـد جيـل, ومـن الكنيسـة نتـقـبّل الأسرار التى تبث فينـا حيـاة الله, وبتبـادل المحبّـة والارشـاد والقـدوة نعـطى الله بعـضنـا لبعـض...
والكنيسـة, كمـا علّم الرسول بولس, جسـد واحـد يستـفـد فيـه كل عـضـو مـن مواهب الآخـرين ويمـدّهم بمـواهبه, فينمـون معـًا, بالتنـاسق والتكـامل, فى عـلاقتهم بالله, حيث دوّن فى رسالته الأولى إلى أهـل كورنثوس الأصـحاح الثانى عشر:
1. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا.
2. أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أُمَماً مُنْقَادِينَ إِلَى الأَوْثَانِ الْبُكْمِ كَمَا كُنْتُمْ تُسَاقُونَ.
3. لِذَلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ: { يَسُوعُ أَنَاثِيمَا }. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: { يَسُوعُ رَبٌّ } إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.
4. فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ.
5. وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ.
6. وَأَنْوَاعُ أَعْمَالٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.
7. وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ.
8. فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ. وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ.
9. وَلآِخَرَ إِيمَانٌ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ.
10. وَلآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ وَلآخَرَ نُبُوَّةٌ وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ.
11. وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ قَاسِماً لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَمَا يَشَاءُ.
12. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً.
13. لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضاً اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ يَهُوداً كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ عَبِيداً أَمْ أَحْرَاراً. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحاً وَاحِداً.
14. فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضاً لَيْسَ عُضْواً وَاحِداً بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ.
15. إِنْ قَالَتِ الرِّجْلُ: { لأَنِّي لَسْتُ يَداً لَسْتُ مِنَ الْجَسَدِ }. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذَلِكَ مِنَ اَلْجَسَدِ؟
16. وَإِنْ قَالَتِ اَلأُذُنُ: { لأَنِّي لَسْتُ عَيْناً لَسْتُ مِنَ اَلْجَسَدِ }. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذَلِكَ مِنَ اَلْجَسَدِ؟
17. لَوْ كَانَ كُلُّ اَلْجَسَدِ عَيْناً فَأَيْنَ اَلسَّمْعُ؟ لَوْ كَانَ اَلْكُلُّ سَمْعاً فَأَيْنَ اَلشَّمُّ؟
18. وَأَمَّا اَلآنَ فَقَدْ وَضَعَ اَللهُ اَلأَعْضَاءَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي اَلْجَسَدِ كَمَا أَرَادَ.
19. وَلَكِنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْواً وَاحِداً أَيْنَ اَلْجَسَدُ؟
20. فَالآنَ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ جَسَدٌ وَاحِدٌ.
21. لاَ تَقْدِرُ اَلْعَيْنُ أَنْ تَقُولَ لِلْيَدِ: { لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ }. أَوِ اَلرَّأْسُ أَيْضاً لِلرِّجْلَيْنِ: { لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا }.
22. بَلْ بِالأَوْلَى أَعْضَاءُ اَلْجَسَدِ اَلَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ.
23. وَأَعْضَاءُ اَلْجَسَدِ اَلَّتِي نَحْسِبُ أَنَّهَا بِلاَ كَرَامَةٍ نُعْطِيهَا كَرَامَةً أَفْضَلَ. وَاَلأَعْضَاءُ اَلْقَبِيحَةُ فِينَا لَهَا جَمَالٌ أَفْضَلُ.
24. وَأَمَّا اَلْجَمِيلَةُ فِينَا فَلَيْسَ لَهَا اِحْتِيَاجٌ. لَكِنَّ اَللهَ مَزَجَ اَلْجَسَدَ مُعْطِياً اَلنَّاقِصَ كَرَامَةً أَفْضَلَ
25. لِكَيْ لاَ يَكُونَ اِنْشِقَاقٌ فِي اَلْجَسَدِ بَلْ تَهْتَمُّ اَلأَعْضَاءُ اِهْتِمَاماً وَاحِداً بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.
26. فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ فَجَمِيعُ اَلأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ فَجَمِيعُ اَلأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ.
27. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ اَلْمَسِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَاداً.
28. فَوَضَعَ اَللهُ أُنَاساً فِي اَلْكَنِيسَةِ: أَوَّلاً رُسُلاً ثَانِياً أَنْبِيَاءَ ثَالِثاً مُعَلِّمِينَ ثُمَّ قُوَّاتٍ وَبَعْدَ ذَلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ أَعْوَاناً تَدَابِيرَ وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ.
29. أَلَعَلَّ اَلْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ اَلْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ اَلْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ اَلْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟
30. أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ اَلْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ اَلْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟
31. وَلَكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ اَلْحُسْنَى.
ومـن بين القنـوات التى ننـقـل عـبرها عـطايا الله بعضنـا إلى بعـض, نجـد الصـلاة...
فكمـا أنـه يمكننى أن أنقـل حيـاة الله إلى الآخـر عـبر محبّـتى لـه وتعليمى وقـدوتى, كذلك يمكننى أن أنـقلهـا إليـه عـبر صـلاتى من أجـله...
لـذا أوصـى الرسول يعـقـوب:
[ وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ لِكَيْ تُشْفَوْا. طِلْبَةُ اَلْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيراً فِي فِعْلِهَا ] [ يعـقـوب 5: 16 ]...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مـا ينطبـق على العـلاقات بين الأحيـاء ينطبـق أيضـًا على العـلاقة بينهم وبين الراقـدين...
فهـؤلاء يصـلّون من أجلنـا, ونصـلّى نحن من أجلهـم...
وبالتـالى فإننـا لا نـزال نحمـل الله بعضنـا لبعـض عـبر الحـدود التى تفصـل الأحيـاء عـن الأمـوات...
وهنـا لا بـدّ أن يعترضنـا سؤالان:
السؤال الأول:
هـل مـن اتصـال ممكـن بيننـا وبين الراقـدين, بحيث يُتـاح لصـلاتنـا أن تـؤثر فيهـم؟...
ألا يفصـل المـوت بين الأحيـاء والراقـدين بحيث تنقـطـع كل صـلة بين هـؤلاء وأولئـك؟...
بالطبـع يشكّل الموت فـاصـلاً قطعـيًا على صـعـيد التـواصـل الإنسانى الطبيعـى...
هـذا وجـه مـن أشـدّ وجـوه المـوت قسوة, ألا وهـو تلك الغـربة التامـة التى يقيمهـا بين المحبـين على صعـيد الحضـور الفعـلى بعضهم لبعـض ومـا يرافقـه مـن تفاعـل فى ما بينهم...
المـوت يقيـم جـدارًا رهيبـًا من الصمـت بين المحبـين...
ولكـن حاجـز المـوت, مهما علا, لا يصـل إلى الله...
فالله أقـوى من الموت لأنـه الحىّ الذى لا يمـوت...
من هنـا إن علاقتـه بنـا لا يمكـن للمـوت أن يفكّهـا...
ألـم يؤكّـد يسوع للصـدوقيين أن الله, لمـا أشار عـن نفسه لموسى أنـه" إله إبراهيـم وإله إسحـق وإله يعقـوب", فى حين أن هـؤلاء كانـوا قـد تـوفـّوا قبل مئات السنين, إنما عنـى بذلك أنـه:
[ اَلرَّبُّ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ.
وَلَيْسَ هُوَ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ ] [ لوقا 20: 37, 38 ]...
فإن كنـّا جميعـًا, أحيـاءً وأمـواتـًا, ننتمـى إلى الله ونحيـا لـه, أى نحيا بعلاقتنـا به, يعنـى أننـا لا نـزال به على عـلاقة بعضنـا لبعـض...
وقـد ظهـرت محبـّة الله انـا الأقـوى مـن الموت هـذه, بأجـلى بيـان, فى يسوع المسيح الذى شاركنـا فى موتنـا ليجعلنـا جميعـًا مشاركين فى قيـامته...
لقـد صارت الكنيسـة, بشكـل خـص , والبشرية كلّهـا, بشكل أعـمّ, جسدًا واحـدًا للقـائم من بين الأمـوات والحىّ إلى الأبـد...
ومن المسيح الرأس تسرى الحيـاة فى أعضـاء الجسد كلّـه, أحيـاء أم راقـدين, ولا قـدرة للمـوت أن يفصلهم عنـه:
[ خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي اَلَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ اَلْكُلِّ وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ ] [ يوحنا 10: 27ـ 30 ]...
[ فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اَللهِ اَلَّتِي فِي اَلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا] [ رومية 8: 38, 39 ]...
[ لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَعِيشُ لِذَاتِهِ وَلاَ أَحَدٌ يَمُوتُ لِذَاتِهِ. لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ. لأَنَّهُ لِهَذَا مَاتَ الْمَسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ لِكَيْ يَسُودَ عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ ] [ رومية 14: 7ـ 9 ]...
فإذا كان لا قـدرة للمـوت أن يفصـل البشر عـن المسيح الذى صـار رأس البشرية, وعـن المحبـّة الإلهيـة التى تفيـض عليهم مـن هـذا الرأس, فإن لا قـدرة لـه بالتـالى أن يفصـلهم بعضهـم عـن بعـض فى عمـق أعمـاق كيانهم, ولـو أنـه كان, على المستوى البشرى المـألوف, " مفـرّق الجمـاعات"...
إنهم لا يـزالون مرتبطـين بعضهم ببعـض طـالمـا أنهم لا يـزالون مرتبطـين بالـرأس...
هـذا ما يتجـلّى خـاصة لـدى إقـامة سر الشكـر, حيث باتحـادنـا بالمسيح بتنـاولنا جسده ودمـه, نلتـقى عـبره بأعضـاء جسده مـن أحيـاء وأمـوات, كما يشير ترتيب الأجـزاء المتـقطـعة مـن القـرابين لـدى التـقدمـة, حيث أن هـذه الأجـزاء, التى تمثـّل الأحيـاء والأمـوات, تحيـط فى الصينيـة بـ
" الحمـل" الذى يمثـّل المسيح...
السؤال الثـانى هـو:
هـل أن صـلاتنـا مـن أجـل الراقـدين تفعـل فى كـل الأحـوال فتـقـرّبهم مـن الله, أم أن مفعـولهـا مرتبـط بمـا يتـّخـذونه هـم مـن موقـف؟...
وبعـبارة أخـرى: هـل يسـتفـيد الراقـدون جميـعـًا من صـلواتهم لأجـلهم؟...
قـلنا أننـا بالصـلاة نحمـل الله إلى الآخـر, حيـًا كان أم راقـدًا...
إنمـا يعـود لهـذا الآخـر أن يتقبـّل بحـريته الله الذى نحمـله إليـه بالصـلاة, كما أنـه يعـود له أن يتقبـّل الله الذى ننقـله إليه بالتعـليم أو القـدوة أو بمحبتـنا...
وقـد يتقبـّل الآخـر الله الذى يأتيـه عـبرنا أو يرفـضه...
سـر الحـرية لا يـزال قـائمـًا فى الآخـرة كما هـو قـائم فى الحيـاة الحـاضرة...
فإذا تحـجّـر إنسان ما فى رفـضه لله, فهـذا, سواء فى هـذه الحياة أو بعـد المـوت, لا يسعـه أن يتقبـّل الله الذى نحـاول أن ننقـله إليـه بصـلاتنا...
هـذا الموقـف الرافـض لله فى العمـق هو ما سمّاه الإنجيـل " التجـديف على الروح القـدس" حيث قال:
[ لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ وَأَمَّا اَلتَّجْدِيفُ عَلَى اَلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ.
وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى اِبْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى اَلرُّوحِ اَلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ لاَ فِي هَذَا اَلْعَالَمِ وَلاَ فِي اَلآتِي ] [ متى 12: 31, 32 ]...
لا يُغـفـر له لا لشئ سوى لأنـه بالضبـط غـير منفتـح إلى الغُـفـران...
ولكـن مـن هـو المصـرّ على رفـض الله؟...
لا نـدرى...
وهـل سوف يبقـى إنسان ما رافـضـًا للـه إلى الأبـد؟...
لا نـدرى...
مـن هنـا صـلاتنا إنمـأ تـُرفـع عـن جميـع الراقـدين بـدون استثـنـاء...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" كيف يستفـيد الراقـدون مـن صـلواتنا؟ وهـل تساعـدهم حتى بعـد أن رقـدوا فى التقـرّب من الله؟"
إن فـاعليـة صـلواتنا من أجـل الراقـدين تستنـد إلى الأساسين التـاليين:
إن الوحيـد الذى يمكنـه أن يقـرّبنـا من الله, إنما هـو الرب يسوع المسيح, لأنـه صـار بتجسده جسرًا بين الله والإنسان...
ذلك, وهـو الإلـه, اتـّخـذ البشر كـلّهم فى إنسانيته فصـار مَعْـبَرًا لهم إلى الله:
[ لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اَللهِ وَاَلنَّاسِ: اَلإِنْسَانُ يَسُوعُ اَلْمَسِيحُ ] [ 1 تيموثاوس 2: 5]...
من هنـا فإنـه يشفـع بهم لدى الله, كما يقـول الرسول بولس:
[ مَنْ هُوَ اَلَّذِي يَدِينُ؟ اَلْمَسِيحُ هُوَ اَلَّذِي مَاتَ بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضاً اَلَّذِي هُوَ أَيْضاً عَنْ يَمِينِ اَللهِ اَلَّذِي أَيْضاً يَشْفَعُ فِينَا! ] [ رومية 8: 34 ]...
لكننـّا بالإيمـان اتحـدّنا بيسوع المسيح وأصبحنـا نـؤلّف " جسده أى الكنيسة":
[ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ اَلْمَسِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَاداً ] [ 1 كورونثوس 12: 27 ]...
فقـد صـرنا أيضـًا من جـراء ذلك , مشاركين فى وساطتـه وشفـاعتـه...
بالتـالى أصبـح بإمكاننـا أن نصـلّى ـ معـه ولـه ـ بعضنـا من أجـل بعـض, عـالمين بأن صـلاتنـا هـذه, بـه تبلّـغ إلى الله...
بمـا أننـا نؤلّـف كلّنـا جسد المسيح, أى الكنيسة , فنحـن بـه متحـدون بعضـنا ببعـض, أعضـاء بعضـنا لبعـض, وكمـا أن الحيـاة التى تسرى فى عضـو عـضو مـن أعـضـاء الجسم تمتـد منـه لتنشط باقى الأعـضاء,...
كـذلك فإن حيـاة المسيح التى تسرى فى كـلّ منّـا يمكنهـا لأن تمتـدّ عـبّرنا إلى سوانـا بالمسيح يسوع ربنـا...
إننـا عـندمـا نصـلّى, يكـون المسيح فى وسطنـا, ليس فقـط من أجـل انفسنـا فقـط, بـلّ مـن أجـل كل الـذين نحـن موصـولون بهم, أى مـن أجـل اعضـاء جسد المسيح, الذيـن هم المـؤمنـون بنـوع أخـص, ولكـن البشر كلّهم بشكـل أعـمّ, لأنهـم كلّهـم مـدعـوّون جميعـًا إلى الانضمـام إلى جسد المسيح, لأن المسيح جـاء ليخلّص العـالم كلّه...
ثم أن هـذه الصـلة العـضوية لا تجمعنـا بالأحيـاء فقـط, بـلّ وبالراقـدين أيضـًا, لأن المـوت, وإن فـصلنـا بالظـاهـر بعضنـا عن بعـض, إلا أنـه لا يقـوى على فصـلنـا عـن المسيح:
[مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ اَلْمَسِيحِ؟... فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اَللهِ اَلَّتِي فِي اَلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا] [ رومية 8: 35, 38, 39 ]...
من هنـا أننـا بالمسيح لا نـزال متصـلين لا بالأحيأء وحسب, بـلّ وبالأمـوات أيضـًا من إخـوتنا...
أن صـلاتنا, من شأنها , كما رأينا , أن تمد إخواتنا بحياة الله التى نستمدّها, بالصـلاة, من الرب يسوع المسيح, كى ننقـلها إليهم...
وقـد رأينا أن هذه الحياة تنتـقـل منّـا لا إلى أخـوتنا لحياء فقـط , بل إلى أخوتنا الأمـوات أيضـًأ...
ولكـن, هـل بإمكانهم أن يفتحـوا القلب إليها؟...
هـذا ممكن, حتى بعـد الموت, إذا ما بقى هـذا الراقـد يلتمس الله بالروح التى بقيت منه بعد موته, والتى تختصـر وتختزل محمـل كيانـه, والتى تخلد بفـضل حبّ الله, وتحييهـا, كما بين القديس غريغوريوس بالاماس, الطاقات الإلهية غير المخلوقة فى غياب وتلاشى قواها الطبيعية, من جسدية ونفسية, التى دمّـرها الموت...
فهـذه الروح الخالدة بدعـوة الله قد تكـون لا زالت طالبـة الله ومملتمسة إيـاه, مستجيبـة لنـداء حبّه...
الكنيسة تعلّم أن العـديد من المؤمنين:
[ لأَنْ لَيْسَ اَلَّذِينَ يَسْمَعُونَ اَلنَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اَللهِ بَلِ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ.
لأَنَّهُ اَلأُمَمُ اَلَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ اَلنَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي اَلنَّامُوسِ فَهَؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ اَلنَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ
الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ اَلنَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً
فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي فِيهِ يَدِينُ اَللهُ سَرَائِرَ اَلنَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ اَلْمَسِيحِ] [رومية 2: 13 ـ 16 ]...
فالذين عاشوا فى حياتهم الأرضية, وهم يسعـون إلى الله, وماتوا وهم على هـذا السعى, فى توبة إليه, أى فى اتجـاه صميم نحـوه, ولكنهم لم يبلغـوا إلى حـد ترسيخ هـذا الاتجـاه إليـه بحيث يصبـح كليـًا ونهـائيـًا, بـلّ بقـوا إلى حـد ما متأرجحين بين الله وبين أهـواءهم...
هـؤلاء سعـوا بإخـلاص إلى العـرس السماوى ولكنهـم لم يرتـدوا بعـد لبـاس العـرس البهـىّ, عليهـم تنطبـق هـذه الكلمـات التى تُنشـد فى خـدمة
" الختن" فى بـداية اسبوع الآلام:
" إننى أشاهـد خـدرك مُزيّـنـًا يا مخلـصى, ولست أمتلك وشاحـًا للدخـول إليه... فأبْهـِجْ حـلّة نفسى, يا مـانح النـور, وخلّصنـى"...
إن إيمان الكنيسة الأرثوذكسية فى عقيدة الصـلاة على , ومن أجل الراقدين, عقيـدة راسخـة...
إنهـا طقس من طقـوس الكنيسة وليس سرًّا من أسرارهـا...
لأن للأسرار الكنسية مفـاعيلاً لا تتم ولا تـفـيد إلا المؤمن الحى...
إن من واجب الكنيسة أن تصلّى لأجـل الجميع حتى الذين سبق رقـادهم, ومن حق الله أن يتقبّـل هـذه الصـلوات أو يرفضهـا...
ومن الذى أعلمنا أن صـلواتنا هـذه عـن نفـوس منتقـلة لن تكـون مقبـولة أمـام الله حتى لا نرفعـها؟...
إننـا نكـون مقصـّرين نحـو هـذه النفـوس لو لم نطلب عنهـا ومن أجلهـا, ولكن لن نجـازى من الله على أننـا صلينا لأجـل نفس منتقـلة!!!.
إن الكنيسة تصـلى من أجـل نيـاح نفوسهم أى راحتهم فى أحضـان آبائنـا القـديسين إبراهيم واسحق ويعقـوب [ لوقا 16: 13, 22]...
حيث موضـع الخضـرة [ مزمور 23: 12, نشيد الأنشاد 1: 16]...
وما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر [ 1 كورونثوس 2: 8, 9]...
إذ لا يكـون موت لعبيـده بل انتقـال [ يوحنا 5: 24, 13: 1, 1يوحنا 3: 14, كولوسى 1: 13, عبرانيين 11: 5]...
لهـذا فنحـن نطلب مصـلين إن كان قـد لحقهم توانٍ أو تفـريط كبشر وقـد لبسوا جسدًا فى هـذا العالم [ خروج18: 4, 20 ـ رومية 5: 14, أفسس 4: 26, 1يوحنا 2: 1, كولوسى 15: 34, أعمال 3: 19, 22: 16 ]...
لأنـه ليس أحـد طاهـرًا من دنس ولـو كانت حياتـه يومـًا واحـدًا على الأرض [ 1 يوحنا 5: 7, يوحنا 8: 27, 1 تيموثاوس 5: 24, 2 بطـرس 1: 29, 1بطـرس 4: 18 ]...
إن الكنيسة كأم ترافق أولادهـا من بداية مسيرتهم مع الله إلى نهايتها...
تقـدم الاستنارة لكـل إنسان آت إلى الإيمان بالمعمـودية والتعليم, وترافقـه فى فـترة غـربتـه على الأرض , وتقـدّم لـه كل وسائـط النعمـة والأسرار حتى يتكلل بالبـر فى النهاية...
وترافقه أيضـًا فى لحظـات انتقـاله وتؤازره بصـلواتها حتى يأتى إلى مستقـرّه الأخـير...
إنها لم تكف ولن تكف على أن تصـلى لأجـل أولادهـا لأنها كـام تشعـر بمسئوليتها عـنهم جميعـًا...
وكما أن كل إنسان سيقف أمام كرسى المسيح ليـدان عن كل ما فعـل فى الجسد خـيرًا كان أم شرًا, فإن الكنيسة تطلب الرحمـة والرأفـة من قِبـَل الرب الرحيم, لأنه لا يستطيـع أحـد أن يتبرر أمـام الله إن لم تـدركـه مراحمـه...
من أجـل هـذا تطلب الكنيسة قائـلـة:
" هب لهم خـيرات مواعيـدك ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر ما أعـددته يا الله لححبى اسمك القـدوس, لأنـه لا يكـون موت لعبيدك بل انتقـال, وإن كان قـد لحقهم توانٍ أو تفـريط كبشر وقـد لبسوا جسدًا وسكنوا فى هـذا العالم فأنت كصـالح ومحب البشر اللهم اغـفر لهـم. عبيـدك المسيحيين الأرثوذكسيين الذين فى المسكونة كلهـا من مشارق الشمس إلى مغاربهـا ومن الشمال إلى الجنوب كل واحـد باسمـه وكل واحـدة باسمها يا رب نيحهم واغـفـر لهـم"...
أن أجساد المؤمنين التى تصـلّى عليها الكنيسة هى أجساد قـد تم تدشينها فى أسرار الكنيسة المقـدسة, فالمعمودية جعـلت من الإنسان ابنـًا لله, والميرون جعـل هـذا الجسد هيكـلاً للروح القـدس, وسر الإفخارستيـا أعـطى لهـذا الجسد أن يكـون شريكـًا لجسد المسيح له المجد ذاتـه...
طبيعـة اليوم الأخير:
فنـاء أم اكتمـال؟
" هـل القـدوم الثـانى للمسيح يعنـى فنـاء الكـون أى البشرية؟"...
1 ـ لقـد ظهـر المسيح على أرضنـا فى حقبـة مـن تاريخنـا, فعـاش بيـننـا ومات وقـام وصعـد إلى السموات...
وعـندمـا انفـصل عـن التـلاميـذ بالجسد ماضيـًا إلى الآب الـذى منـه خـرج, تلقـّى هـؤلاء الوعـد بـأن:
[ وَقَالاَ: {أَيُّهَا اَلرِّجَالُ اَلْجَلِيلِيُّونَ مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى اَلسَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هَذَا اَلَّذِي اِرْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى اَلسَّمَاءِ سَيَأْتِي هَكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى اَلسَّمَاءِ} ] [ أعمال الرسل 1: 11]...
هـذا المجـئ الثـانى الموعـود بـه يختلف عـن الأول...
فالأول كان خَـفِـرًا , متـواضعـًا, تـواضـع البـذرة التى تـُدفـن فى الأرض لتُـؤتى ثمـرًا:
[ اَلْحَقَّ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ اَلْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ ] [ يوحنا 12: 24 ]...
تـواضـع الخمـيرة التى لا بـدّ لهـا أن تغيب فى العجـين لتخمّـره كـلّه:
[ قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: { يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ } ]
[ متى 13: 32 ]...
أمّـا المجـئ الثـانى فمجـيد, أى أنـه زمـن الثمـار والنضـج, زمـن اعـتلان مجـد الله...
وبمـا أن " مجـد الله , هـو أن يحيـا الإنسان", كمـا علمنـا القديس إيرينـاوس, فإن إعـتلان مجـد الله إنمـا يعنـى بالتـالى إعـتلان الحيـاة, إعـلان ظـفرهـا فى الإنسان والكـون, ذلك الظـفـر الـذى زرع المسيح بـذوره عـند مجيـئه الأول...
3ـ المجـئ الثـانى أشار إليـه العهـد الجـديد بالعبـارة اليونـانيـة PAROUSIA وهـى عـبارة تعـنى " حضـورًا" أو قـدومـًا" وكانت فى العـالم اليـونانى ـ الرومـانى تُستعـمَل للإشارة إلى الزيارات الرسميـة التى كان يقـوم بهـا الملوك...
مـن هنـا أن المجـئ الثـانى يعـنى أن المسيح يـأتى كمـلك ( هـذا هـو, على كـل حـال, معـنى كلمـة " المسيح": أنـه الذى تـلقـّى المسحـة المـلوكيـة )...
وتنظـره كل عين وينوح عليه كل قبائل الأرض
[ وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ ] [ متى 24: 30]...
يتحـدّث إلينا الكتاب المقـدس والتقـليد المقـدس مـرات عـديدة عـن المجئ الثـانى ...
والكتـاب والتقليـد لا يعطياننا أى أساس للافتـراض بأنه ـ عن طريق تقـدّم مستمـر فى الحضـارة فإن العالم سيصـير أفضـل فأفضـل بالتدريـج إلى أن ينجـح الجنس البشرى فى تأسيس مملكـة الله على الأرض ...
إن الرؤيـة المسيحيـة لتـاريخ العـالم تتعـارض تمامـًا مع هـذا النـوع من التفـاؤل المبنى على التطـوّر...
ولكـن الكتاب المقـدس يعلّمنـا أن نتـوقـّع كوارث فى عـالم الطبيعـة, وحـروب متزايـدة بين الشعـوبو وارتبـاك وارتـداد بين أولئك الذين يـدعـون أنفسهم مسيحيين:
[ فَأَجَابَ يَسُوعُ: { اُنْظُرُوا لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ.
فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.
وسَوَفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبِ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلٌّهَا. وَلَكِنْ لَيْسً اَلْمُنْتَهَى بَعْدُ.
لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةً عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٍ عَلَى مَمْلَكَةٍ وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٍ وَزَلازِلُ فِى أَمَاكِنَ
وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ.
حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٍ وَيَقْتُلُونَكُمْ وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي.
وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.
وَلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ.
وَلَكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهَذَا يَخْلُصُ.
وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هَذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى }.
{ فَمَتَى نَظَرْتُمْ ( رِجْسَةَ الْخَرَابِ ) الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ ـ لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ ـ
فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ
وَالَّذِي عَلَى السَّطْحِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئاً
وَالَّذِي فِي الْحَقْلِ فَلاَ يَرْجِعْ إِلَى وَرَائِهِ لِيَأْخُذَ ثِيَابَهُ.
وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ!
وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلاَ فِي سَبْتٍ
لأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ.
وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلَكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ الأَيَّامُ.
حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا الْمَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ فَلاَ تُصَدِّقُوا.
لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضاً.
هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ.
فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: هَا هُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ فَلاَ تَخْرُجُوا! هَا هُوَ فِي الْمَخَادِعِ فَلاَ تُصَدِّقُوا!
لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ هَكَذَا يَكُونُ أَيْضاً مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ ] [ متى 24: 3 ـ27]...
هـذه الفتـرة من الضيـق تصـل ذروتهـا بظـهور إنسان الخطيئـة:
[ لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الاِرْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنَ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ،. الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلَهاً أَوْ مَعْبُوداً، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلَهٍ مُظْهِراً نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلَهٌ ] [ 2 تسالونيكى 2: 3, 4]...
أى ضـد المسيح, الذى بحسب التفسير التقـليدى للكنيسة الأرثوذكسية, ليس هـو الشيطـان نفسه بـلّ هـو إنسان ـ إنسان تتركّـز فيه قـوى الشر, والذى سوف يُخضـع كـلّ العالم تحت سيطـرته لفتـرة من الزمـن...
والفـترة القصـيرة التى يسيطـر فيها ضـد المسيح سوف تنتهـى فجتاة بمجـئ الرب يسوع المسيح ثانية ـ ليس بطـرقـة خفيّة كما حـدث وقت ولادتـه فى بيت لحم, بـلّ:
[ جَالِساً عَنْ يَمِينِ اَلْقُوَّةِ وَآتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ ] [ متى 26: 64 ]...
وهـكـذا فإن مسيرة التـاريخ سوف تنتهى بطـرقـة فجـائية وحاسمـة, عـن طـريق التـدخـّل الإلهـى...
ميعـاد المجئ الثـانى أخـفاه الله عنـّا, كما يقـول الإنجيـل:
[ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ ] [ أعمال 1: 7 ]...
وسيأتى الرب كلـصّ:
[ أَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ اَلرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اَللَّيْلِ هَكَذَا يَجِيءُ] [ 1تسالونيكى 5: 2]...
وهـذا يعنى أننـا يجب أن نتحـاشى التفكـير فى تحـديد ميعـاد لمجئ الرب, كمـا أننـا يجب من الناحيـة الأخـرى فى حـالة استعـداد دائم...
يقـول القـديس اندراوس الكريتى:
" نفسى , يانفسى, قـومى! لمـاذا أنت نائمـة؟
النهـاية تقـترب, وحـالاً سيعتريك الاضـطـراب,
اسهـرى إذن, حتى يحفـظك المسيح إلهـك,
فهـو حاضـر فى كل مكان ويمـلأ كـلّ الأشياء"...
وكنتيجـة للسقـوط يحـدث الانفصـال بينهما فى المـوت الجسدى, ولكن هـذا الانفصـال ليس نهـائيـًا وليس دائمـًا...
فعـند مجئ المسيح الثانى, سوف نُقـام من الأمـوات بالنفس والجسد معـًا, وهكـذا بعـودة النفس والجسد متحـدين, سوف نظهـر أمـام الرب للدينـونة الأخـيرة...
إن الدينـونة, كما يـؤكـد القـديس يوحنا تتم باستمرار طوال فترة وجودنا على الأرض...
فكلمـا اخـترنا الخـير والصـلاح فإننا ندخـل مسبقـًا منـذ الآن إلى الحيـاة الأبـدية, وحينما نختـار الشر فإننا ننـال من الآن تـذوقـًا مسبقـًا للجحيم...
من الأفضـل أن نفهم الدينونة الأخـيرة على أنهـا " لحظـة الحـق" حينما ينكشف كل شئ فى النـور, وحينمـا تصـير كل اختياراتنا مكشوفة لنـا بكـل ما تتضمنـه من نتـائج, وحينما نعـرف بوضـوح كامل من نحن وماذا كان المعنى العميق لحياتنا وما هو هـدفهـا...
هكـذا, فبـعـد هـذا التوضيح الكامل ـ فإننا سندخـل بالنفس والجسد متحـدين معـًا ـ إمـا إلى السمـاء أو إلى جهنّم, أى إمـا إلى الحياة الأبدية أو الموت الأبدى...
المسيح هـو الـديان, ومع ذلك ـ من وجهـة نظـر أخـرى, فإننا نحن الذين ننطـق بالحكم على أنفسنـا...
فإن ذهب أحـد إلى جهنم فـذلك ليس لأن الله قـد حبسه هنـاك, ولكـن لأنـه هو الذى اختـار لنفسه أن يكون هناك...
الهـالكون فى جهنم هم الذين حكمـوا على أنفسهم بذلك, وهم الذين جعلوا أنفسهم عبيـدًا...
لقـد قيل بصـواب أن أبواب جهنم هى معـلّقـة من الداخـل...
ربما يتساءل البعض, كيف يمكن أن يقبل إله المحبـة أن يبقى ولو واحـد فقط من خلائقـه فى جهنم إلى الأبـد؟...
" من الخطـأ أن نتصـوّر أن الخطـأة فى الجحيم محـرومين من محبّة الله لهم, فالحب الإلهى موجود فى كل مكان, ولا يرفض أحـدًا... ولكننا أحـرار فى أن نرفض الحبّ الإلهـى... ولا يمكن أن نفعل هـذا دون أن نسبب ألمـًا لأنفسنا وكلمـا كان رفضنـا للحب نهـائيـًا كلما كانت آلامنـا مـرة جـدًا"...
وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمى:
إنـه فى نفس الجسد الى سيقام, برغـم أنـه لن يكون فى نفس حالة الضعف الحاضرة لأنـه [ سيلبس عـدم فساد ] [ 1 كورونثوس 15: 35 ]...
وهـكذا فإنه سيتغـير... إنـه لن يحتـاج إلى الأطعمـة التى نأكلها الآن لحفظ جسدنا حيـًا, ولن يحتاج إلى سلم ليصعـد عليه, لأنه سوف يصـير روحانيًا...
ولكـن هـل يقـوم هـذا المُلك على أنقـاض البشرية والكـون؟...
هـل يعـنى مجـئ المسيح الثـانى فنـاءهمـا؟...
هنـاك صـور وردت فى العهـد الجـديد تـوحى بهـذا المدلـول إذا مـا أخـذهـا القـارئ بحـرفيتهـا...
أ ـ فـقـد ورد مثـلاً فى إنجيـل مرقس على لسان الرب يسوع المسيح:
[ وَأَمَّا فِي تِلْكَ اَلأَيَّامِ بَعْدَ ذَلِكَ اَلضِّيقِ فَالشَّمْسُ تُظْلِمُ وَاَلْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ
وَنُجُومُ اَلسَّمَاءِ تَتَسَاقَطُ وَاَلْقُوَّاتُ اَلَّتِي فِي اَلسَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ.
وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ آتِياً فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ
فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجْمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ اَلأَرْبَعِ اَلرِّيَاحِ مِنْ أَقْصَاءِ اَلأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ اَلسَّمَاءِ ] [ مرقس 13: 24, 25 ]...
ب ـ وقـد ورد فى رسالـة بطـرس الثـانية:
[ وَلَكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اَللَّيْلِ، يَوْمُ اَلرَّبِّ، اَلَّذِي فِيهِ تَزُولُ اَلسَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ اَلْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ اَلأَرْضُ وَاَلْمَصْنُوعَاتُ اَلَّتِي فِيهَا... مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَاَلْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ ] [ 2 بطـرس 3: 10, 12 ]...
فى الولايات المتحـدة الأمـريكية, فى أيـام الحـرب البـاردة, كان كثـيرون مـن الأصـوليين المسحيين يؤولـون هـذه العبـارات تـأويلاً حـرفيـًا, فيـدّعـمون موقـفهم السياسى المـؤيّـد لحـرب نـووية تشنّـها بـلادهم على " معسكر الشر" الـذى كان يمثـّله الاتحـاد السوفييتى بنظـرهم, وكانوا يقـولون أن الله سيعـرف كيف ينجّـى ذويـه من هـذا الفـناء الشامـل!!...
ولكـن التـأويـل الحـرفى لهـذه العـبارات يتجـاهل الخـلفيـة الحضـارية التى انطـلقت منهـا والتى لا بـدّ لنـا مـن أخـذها بعـين الاعتـبار إذا شئنـا أن نـدرك فحـوى الرسالة التى لا يـزال الله يوجهـها إلينـا اليوم عـبر هـذه الكلمـات...
أ ـ إن علمـاء التفسير بيّـنوا أن العبارات المـذكـورة أعـلاه إنمـا هـى صـورة مـألوفـة فى الأدب الرؤيوى الـذى كـان شائعـًا عـند اليهـود فى الزمـن الذى ظهـر فيـه العهـد الجـديد, وأن الأدب الرؤيوى هـذا ( الـذى تـرك فى الكتـاب المقـدس أثـرين همـا سفـر دانيـال فى العهـد القـديم وسفـر الرؤيـا فى العهـد الجـديد, نـاهيـك عـن مقاطـع متفـرّقـة فى العهـدين ) كان يستعمل هـذه العـبارات ليشير بلـغة رمـزية إلى عمـق التغيير الـذى يجـريه الله فى الكـون عـند مجيـئه إليـه...
ب ـ النـار التى قيـل أن الكـون يلتهـب بهـا فى اليـوم الأخـير, إنما هـى إشارة كتـابية إلى الله:
[لأَنَّ إِلَهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ ] [ عبرانيين 12: 29]...
[ لأَنَّ اَلرَّبَّ إِلهَكَ هُوَ نَارٌ آكِلةٌ إِلهٌ غَيُورٌ ] [ تثنية 4: 24 ]...
[ تَحْبَلُونَ بِحَشِيشٍ تَلِدُونَ قَشِيشاً. نَفَسُكُمْ نَارٌ تَأْكُلُكُم ... ارْتَعَبَ فِي صِهْيَوْنَ اَلْخُطَاةُ. أَخَذَتِ اَلرِّعْدَةُ اَلْمُنَافِقِينَ. مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِي نَارٍ آكِلَةٍ؟ مَنْ مِنَّا يَسْكُنُ فِي وَقَائِدَ أَبَدِيَّةٍ؟ ] [ إشعياء 33: 11, 14]...
وينبغـى بالتالى أن لا تـؤخـذ هـذه النـار بالمعنى الحـرفى, المـادى...
والدليـل على ذلك إنما هـو العليقـة التى تجـلّى الله فيهـا لمـوسى فرآهـا هكـذا:
[ وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ اَلرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ فَنَظَرَ وَإِذَا اَلْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ وَاَلْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ ] [ خروج 3: 2]...
مما يستحيـل حصـوله فى حـالة نـار مـادية...
ولنـا عـودة إلى هـذه العـليقـة فى ما بعـد...
ج ـ أمّا تساقـط الكواكب وإظـلامها, فينبغى أن يُفهمـا هما أيضـًا من المنظـور الرمـزى نفسه...
فالشمس والقمـر والنجـوم كانت تتعـبّد لهـا الشعـوب الوثنيـة كآلهـة...
لـذلك كان شعب الكتـاب يمقت فيهـا تلك الهـالة الصنميـة التى أحيطـت بهـا...
مـن هنـا الاعـتقـاد لدى هـذا الشعب بأن تلك الأجـرام السمـاوية إنما تتحـكّم بهـا القـوى الشريرة النتشرة فى الفضـاء:
[ فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ ] [ أفسس 6: 12]...
وتستخـدمهـا لإيـذاء النـاس...
لـذا فزوال الكـواكب يعنى, من هـذا المنظـار, تلاشى قـوى الشر الفاعلـة فى الكـون, عـند إعـتلان ظـفـر الله...
إنـه حـدث سعـيد يوازى, كما قال أحـد المفسرين, إذا ما عُـبّر عـنه بلغـة اليوم, تـدمير مخـزون الأسلحـة النـووية التى تهـدد الأرض بالدمـار, أو زوال الأنظمـة الجـائرة التى تتحـكّم بالنـاس وتقـهـرهم وتـذلّهم...
فى ضـوء ما سبق, يمكـن أن نبلـغ إلى فهـم أفضـل لعـبارة " اليوم الأخـير" التى ترادف, فى إيماننـا , عـبارة " المجئ الثـانى للمسيح"...
فكلمـة " أخـير" لهـا فى اللغـة معـنيان:
إنها تعنى الزوال ( هـذا فلسى الأخـير, هـذا هـو اليـوم الأخـير من العـطلة...),
كما أنها تعنى الاكتمـال والتتـويج ( هـذا رأيى الأخـير: أى مـا نضـج فىّ من رأى بعـد طـول تفكـير ومنـاقشة مـع نفسى ومـع الآخـرين وتجـربة واختبـار )...
مـن هنـا أن " اليوم الأخـير" يعنى, بالنسبة للكـون, زوالاً واكتمـالاً بآن:
أ ـ إنـه زوال لوضعـه الحاضر الذى سوف يتغـيّر بفعـل الله بشكل بالـغ الجـذريـة تعـبّر عـنه الصـور الكـارثيـة التى أتينـا على ذكـرهـا:
[ وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اَلْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هَذَا اَلْعَالَمِ تَزُولُ ] [ 1كورونثوس 7: 31 ]...
ب ـ ولكنه, من وجـه آخـر, اكتمـال العـالم وتتويجـه وتجـديده بفعـل نـور الله وقـوته...
وما زوال وضعـه الحاضـر إلا لإفساح المجـال أمـام وضعـه المستقبـل البهـىّ...
إنـه مـوت العـتاقـة فيـه لكـى تتـاح ولادة الجـديد:
[ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: { الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي فِي التَّجْدِيدِ مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيّاً تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاِثْنَيْ عَشَرَ ] [ متى 19: 28 ]...
[ وَيُرْسِلَ يَسُوعَ اَلْمَسِيحَ اَلْمُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ. الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ اَلسَّمَاءَ تَقْبَلُهُ إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ اَلَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اَللهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ اَلْقِدِّيسِينَ مُنْذُ اَلدَّهْرِ ] [ أعمال الرسل 3: 20, 21 ]...
[ وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا اَلْبِرُّ ] [ 2بطـرس 3: 13 ]...
[ وَقَالَ اَلْجَالِسُ عَلَى اَلْعَرْشِ: { هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيداً }. وَقَالَ لِيَ: { اكْتُبْ، فَإِنَّ هَذِهِ اَلأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ }] [ رؤيا 21: 5 ]...
ج ـ صـورة المخـاض تجمـع بين هـذين الوجهـين: فالمخـاض هـو ذلك التـأزم الحـاد, الشـديد الوطـأة على الـوالـدة ( التى كثـيرًا ما كانت, فى ما مضى, تمـوت عــند وضـع طـفـلها ) وعـلى الولـد ( الذى يعـانى من " صـدمـة الولادة" التى رأى التحليـل النفسى أنهـا تـترك أثـرًا فى اللاوعى يـدوم مـدى الحيـاة ), والـذى تـزول عـبره الحـياة الجنينيـة ( وهى حياة طفيلية, ناقصة, منطوية ) لتبـرز الحيـاة المستقـلة المكتملة على رحـاب الكـون:
[ لأَنَّ اِنْتِظَارَ اَلْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اِسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اَللهِ.
إِذْ أُخْضِعَتِ اَلْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ - لَيْسَ طَوْعاً بَلْ مِنْ أَجْلِ اَلَّذِي أَخْضَعَهَا ـ عَلَى اَلرَّجَاءِ.
لأَنَّ اَلْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ اَلْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اَللهِ.
فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ اَلْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى اَلآنَ ] [ رومية 8: 19 ـ22 ]...
هـذا النصّ يُظهـر الارتبـاط الوثيق بين مصـير الكـون ومصـير الإنسان...
فالإنسان يختصـر الكـون فى تركيـبـه ( عـناصر الطبيعـة الماديـة ومقـوّمات المـادة الحيـّة مـوجـودة فيـه ) وهـو, بآن, تتـويـج لمسيرة الكـون التصـاعـدية عـبر مليارات السنين...
ومـن خـلاله يتابـع هـذا الكـون خطـه التطـوّرى...
من هنـا هـذا الارتبـاط الصميم بينهمـا...
هـذا " اليوم الأخـير", دشنـه قيامـة المسيح...
فيهـا بـدأ تجـديد الإنسان...
إن هـذا التجـديد قـد تجـلّى أولاً فى إنسانية المسيح الممجّـدة بالقيـامة...
وقـد كشف لنـا الإنجيـل بعض معـالم هـذه الإنسانية المتجـددة, التى هـى باكـورة الكـون الجـديد " السماء والأرض الجديدة"...
فمنـه نعـرف أنهـا إنسانيـة حقـّة: فيسوع يُجسّ ويُلمس بعـد القيـامة:
[اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَاِنْظُرُوا فَإِنَّ اَلرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي ] [ لوقا 24: 39 ]...
[ ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: { هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً }] [ يوحنّا 20: 27 ]...
يـأكل أمام تلاميـذه:
[ وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِين مِنَ اَلْفَرَحِ وَمُتَعَجِّبُونَ قَالَ لَهُمْ: { أَعِنْدَكُمْ هَهُنَا طَعَامٌ؟ } فَنَاوَلُوهُ جُزْءاً مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ وَشَيْئاً مِنْ شَهْدِ عَسَلٍ. فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ ] [ لوقا 24: 41 ـ 43 ]...
يتحـدّث إليهم...
ولكنها مختلفـة جـذريـًا عن وضعها السابق:
فيسوع القائم من بين الأموات يدخـل والأبواب مغلّقـة, يتراءى ثم يحتجب, لا يُعـرف إلا إذا عـرّف هـو عـن نفسه:
[ فَلَمَّا اِتَّكَأَ مَعَهُمَا أَخَذَ خُبْزاً وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ اِخْتَفَى عَنْهُمَا... وَأَمَّا هُمَا فَكَانَا يُخْبِرَانِ بِمَا حَدَثَ فِي اَلطَّرِيقِ وَكَيْفَ عَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ اَلْخُبْزِ ] [ لوقا 24: 30, 31, 35 ]...
[ قَالَ لَهَا يَسُوعُ: { يَا اِمْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟ } فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ اَلْبُسْتَانِيُّ فَقَالَتْ لَهُ: { يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ وَأَنَا آخُذُهُ }. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: { يَا مَرْيَمُ! } فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: { رَبُّونِي } اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا مُعَلِّمُ ] [ يوحنا 20: 15, 16 ]...
[ وَلَمَّا كَانَ اَلصُّبْحُ وَقَفَ يَسُوعُ عَلَى اَلشَّاطِئِ. وَلَكِنَّ اَلتّلاَمِيذَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: { يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَاماً؟ }. أَجَابُوهُ: { لاَ! } . فَقَالَ لَهُمْ: { أَلْقُوا اَلشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ اَلسَّفِينَةِ اَلأَيْمَنِ فَتَجِدُوا }. فَأَلْقَوْا وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ اَلسَّمَكِ. فَقَالَ ذَلِكَ اَلتِّلْمِيذُ اَلَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ:{ هُوَ اَلرَّبُّ }. فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ اَلرَّبُّ اِتَّزَرَ بِثَوْبِهِ لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَاناً وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي اَلْبَحْرِ] [ يوحنا 21: 4ـ 7]...
لا تطـاله صـروف الدهـر من ألم ومـرض ومـوت:
[عَالِمِينَ أَنَّ اَلْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ اَلأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضاً. لاَ يَسُودُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ بَعْدُ] [ رومية 6: 9]...
إنهـا إذًا إنسانية حقـة ولكنها إنسانية متحـرّرة من محـدوديتها وقيودها...
نظـرًا لهـذا التطـابق بين قيامة المسيح وبين حالة " اليـوم الأخـير", فإن عبـارة " يـوم الرب" تشير بآن إلى يوم قيـامة السيد وإلى يـوم مجيئـه الثانى, كما أن هناك معـادلة بين " اليوم الأول" ( وهو الأحـد, يوم القيامة, ويوم بدء الخليقـة الجـديدة ) وبين " اليوم الثـامن" وهـو أيضـًا أحـد بالطبـع أى مرتبـط بقيـامة المسيح, ولكنـه يشير أيضـًا رمـزيـًا, بصـفته يأتى بعـد اختتام الأسبوع, إلى " اليوم الأخـير" )...
فالأسرا تتخـذ مادة الكـون لتجعـل منها, بفعـل الروح القـدس, مكـان حضـور مكثـّف لله, يحيـا بـه الإنسان ويتجـدّد...
والمـادة هنـا تحـافظ طبعـًا على طبيعتهـا المـادية ( فالمـاء يبقـى مـاء, والخـبز خـبزًا والخمـر خمـرًا والزيت زيتـًا...) ولكنهـا تكتسب بآن قـدرة محييـة بفعـل حلـول الروح القـدس فيهـا ( كما يحـلّ المعنى فى الصـوت فيجعـل منـه كلمـة )...
*** ففى المعمودية, يتحـوّل المـاء إلى مكـان للولادة الجـديدة...
*** وفى سرّ الميرون, يتحـوّل الزيت والعطـور إلى ختم تمنـح به للمعمـّد مواهب الروح القـدس...
*** وفى سر الزيت المقـدّس تصبـح مـادة الزيت ناقلـة لقـوة شافية للروح والجسد...
*** وفى سرّ الزواج تتحـوّل الغـريزة الجنسية, وهى من طاقات الكـون, لا إلى لغـة للحب وحسب , بل إلى قنـاة للحب الإلهى ينقـله كل من الزوجين إلى الآخـر من خـلال حبّه له, ويتجـدّد به الحب البشرى ليتسن له أن يحقـق طـاقته المحيية ووعـده بالإخـلاص والديمومة...
*** وفى سرّ الشكـر, يصبـح الخـبز والخمـر, مع ما يحمـلانه من مادة الكون وما يمثـلانه من طاقات كونية سمحت بنشوئهمـا ( التربة والهواء والمطر والشمس ) ومن أعمـال إنسانية أدّت إلى إنتـاجهـا ( مختلف التقنيـات الزراعية والصناعية ومحهـود البشر ), يصبحـان " جسد المسيح ودمـه" , أى يتحـوّلان إلى قنـاة ينقـل لنـا المسيح عـبرها حضـوره الشخصى وحياته...
والأيقـونة مكـان يتحـوّل فيه الجمـال الفنى ( وهو أنسنة للمادة كما رأينا ) إلى جمـال من نوع آخـر, بفعـل خـبرة روحيـة يغـذيها راسم الأيقـونة بالصـلاة والصـوم...
هكـذا فإننـا فيهـا نخـتبر مسبقـًا شيئـًا من وجهى التحـوّل الذى يحقـقـه المجـئ الثـانى : إذ فيهـا انتفـاء للوضـع الحـاضر ( الأيقـونة ترفـض مقاييس الجمـال الطبيعى والتناسق المـألوف وتغفـل البعـد الثالث للمـدى ), وتحـوّل المـادة على مرتبـة أسمى وأرقى ( للأيقـونة جمـال أخـّاذ, وإن كان يخالف مقاييس الجمال الطبيعى, وجمالها المختلف يفتـح لنا كوة فى مادة الكـون يُطـلّ منها الله علينا )...
ما يصـحّ فى الأيقـونة ينطبـق أيضـًا على الموسيقى الكنسية ( التى تجـرّد الألحـان من الانفعـالات البشرية لترفعها إلى مرتبة من الجمـال الرائق الصـافى ) ومختلف مظـاهر الأداء الطقسى ( من ملابس كهنوتية وحركات وبخـور وشمـوع ), مما يجعـل من الاحتفـال الليتورجـى صـورة عـن الملكوت المنتظـر ومقـدمة له...
هـذا ما خـبره موفـدو الأمـير " فلاديمير " الروسى فى القـرن التاسع عـندما زاروا كنائس القسطنطينية, فنقـلوا انطباعاتهم على الوجـه التالى:
" قـادونا إلى البيوت التى يحتفـلون فيها بإلههم, ولم نعـد نـدرى إذا كنـّا فى السماء أو على الأرض, فليس فى الأرض من جمال مماثل, لذا لا نجـد كلمات نصـفه بها, كل ما نعلمـه هـو أن الله هنـاك يقيـم بين البشر"...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ يتـّضح مما سبق أننا منذ الآن مواطنون لـ " الأرض الجـديدة والسماء الجـديدة" التى سوف يقيمها السيد المسيح عـند مجيئه الثـانى...
وقـد جعـل الوح القـدس فى قلوبنا " عـربون" الحيـاة الجـديدة أى مقـدمتها...
بهـذا المعنى يمكن القـول بأن المجئ الثانى " قـريب", لا بالمعنى الزمنى بل بالمعنى الروحى من العبـارة, أى أننـا بـدأنـا منـذ الآن بتـذوقـه:
[هَذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ اَلْوَقْتَ أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ اَلنَّوْمِ فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا.
قَدْ تَنَاهَى اَللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ.
لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ لاَ بِالْمَضَاجِعِ وَاَلْعَهَرِ لاَ بِالْخِصَامِ وَاَلْحَسَدِ.
بَلِ اِلْبَسُوا اَلرَّبَّ يَسُوعَ اَلْمَسِيحَ وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيراً لِلْجَسَدِ لأَجْلِ اَلشَّهَوَاتِ ] [ رومية 13: 11 ـ 14 ]...
[ يَقُولُ اَلشَّاهِدُ بِهَذَا: { نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعاً}. آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا اَلرَّبُّ يَسُوعُ ] [ رؤيا 22: 20 ]...
2 ـ لـذا ننتظـر بحـرارة اكتمـال هـذه الحيـاة فينـا ونتـوق بالتـالى بلهفـة إلى مجئ الرب الثانى...
قـلوبنـا تنـادى مـع كاتب الرؤيـا:
[ نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعاً ] [ رؤيا 22: 20 ]...
3 ـ ولكنـه ليس مجـرّد انتظـار...
إنـه أيضـًا استباق لهـذا المجئ ولمـا سوف يحملـه من تجـديد كامل لنـا:
[ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ ] [ 2 بطـرس 3: 12]...
أى أنـه, إذا كنّـا مأخـوذين فعـلاً ببهـاء التجـديد المرتقب, فلا بـدّ لنا من أن نرسم صـورته فينا وحـولنا:
أ ـ أن نرسمه فينا : أى أن نعيش كل يوم وجهيـه, وجـه موت العتـاقة ووجـه ولادة الحيـاة الجـديدة فينـا, أن نحيـا منـذ اليوم كمـا يليـق بمـواطنى الملكـوت , أن نتصـرّف فى ظـلمة الدنيـا كبين النـور:
[ هَذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ اَلْوَقْتَ أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ اَلنَّوْمِ فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا.
قَدْ تَنَاهَى اَللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ.
لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ لاَ بِالْبَطَرِ وَالسُّكْرِ لاَ بِالْمَضَاجِعِ وَاَلْعَهَرِ لاَ بِالْخِصَامِ وَاَلْحَسَدِ.
بَلِ اِلْبَسُوا اَلرَّبَّ يَسُوعَ اَلْمَسِيحَ وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيراً لِلْجَسَدِ لأَجْلِ اَلشَّهَوَاتِ ] [ رومية 13: 11ـ 14]...
هكـذا نكـون منـذ الآن فى انسجـام مع العـالم الجـديد, فيتـح لنـا هـذا التجـانس أن ننتمـى إليـه عـند اعـتلانه:
[ وَالآنَ، أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، كُونُوا ثَابِتِينَ فِي الْمَسِيحِ، حَتَّى تَكُونَ لَنَا نَحْنُ ثِقَةٌ أَمَامَهُ، وَلاَ نَخْجَلَ مِنْهُ، عِنْدَمَا يَعُودُ ] [ 1 يوحنا 2: 25 ]...
ب ـ أن نرسمه حولنـا, ساعين إلى تحـويل الدنيـا إليه...
انتظـار المجئ الثـانى لا يعنى بالتـالى هـروبـًا إلى ضبابيـة " الغيبيات" بل إلتزامـًا لمهمات الدنيا وشؤون الأرض, ونضـالاً من أجـل إحقـاق العـدالة والإخـاء والتحـرير والتنميــة, ومقـاومة لا هـوادة فيها لكـل ما يسحـق الإنسان ويـذلّه من ظلم وقهـر واستغـلال وتخلّف...
4 ـ إن انتظـارنا الناشط لقـدوم المسيح الثانى يعطينـا الثقـة بأن الكلمـة الأخـيرة إنما هى للحيـاة لا للفنـاء, وأن الغـلبـة حاصلة منـذ الآن وإن تأجـلّ اكتمالهـا...
ومن شأن هـذه الثقـة أن تمـدّنا بشجـاعة الصـبر والثبـات رغـم قسوة الصـراع فينـا وحولنـا ورغـم كل ما تعتـرضنـا من صـعوبات وعـثرات ونكسات وخيبـات:
[ فَتَأَنَّوْا أَيُّهَا اَلإِخْوَةُ إِلَى مَجِيءِ اَلرَّبِّ. هُوَذَا اَلْفَلاَّحُ يَنْتَظِرُ ثَمَرَ اَلأَرْضِ اَلثَّمِينَ مُتَأَنِّياً عَلَيْهِ حَتَّى يَنَالَ اَلْمَطَرَ اَلْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ. فَتَأَنَّوْا أَنْتُمْ وَثَبِّتُوا قُلُوبَكُمْ، لأَنَّ مَجِيءَ اَلرَّبِّ قَدِ اِقْتَرَبَ ] [ يعقـوب 5: 7, 8 ]...