وحي الإنجيل:
هل الإنجيل معصوم، منزه، وموحى به شفهيا؟

هل أدعى كتاب الإنجيل أنهم قد كتبوا بإيحاء وتوجيه مباشر من الله؟ هل يدعي الكتاب المقدس بأنه وحي إلهي؟ هل يدعي أنه معصوم، منزه عن الخطأ، وأنه كشف شفهي عن إرادة الله؟ هل وجه الله الكتاب إلى اختيار كلمات بعينها؟ هل يمكن أن يحتوي الكتاب المقدس على أخطاء أو أغلاط في التاريخ، العلوم، أو التعاليم؟ هل الإنجيل هو كشف صادق ودقيق عن إرادة الله للإنسان؟ هذه دراسة عن طبيعة ومدى الوحي في الإنجيل: تناقض إدعاءات الكتاب المقدس مع الآراء العصرية والتحررية. 

مقدمة:

يعلم البعض أن كتاب الإنجيل لم يزعموا مطلقا أنهم قد كتبوا بإيحاء وتوجيه مباشر من الله. يقولون أن الله والكتاب على حد سواء، لم ينظروا إلى الكتاب المقدس باعتباره كشف عن فكر الله الذي ينبغي أن نتبعه بوصفه نمط لحياتنا. إنهم على هذا النحو، ينكرون عصمة ونزاهة الوحي الشفهي للكتاب المقدس.  

يقول آخرون أن الإنجيل موحى به في أن الكتاب دونوا بعض أفكار الله، لكنهم ربما أضافوا إليها بعضا من أفكارهم البشرية الخاصة. على سبيل المثال، ربما أوحى الله إلى الرجال بالأفكار القويمة، لكنه ترك لهم حرية التعبير عن تلك الأفكار كما يحسن في نظرهم.

يقول آخرون أن كتاب الإنجيل ينطقون بالحق في مسائل الإيمان والأخلاق، لكنهم قد يكونون على خطأ عندما يتحدثون كبشر عن التاريخ أو العلوم. لذلك، لا يمكننا القبول بوصف الإنجيل لحياة بعض شخصياته وللمعجزات على أنه وصف صحيح بالضرورة.

نتائج هذه الآراء عن الوحي هي أنه ربما كانت هناك بعض الأخطاء في الكلمات التي كتبها الرجال "الملهمين": ربما نستطيع، بل وحتى ينبغي علينا، أن نرفض بعض أجزائه باعتبارها غير صحيحة. يطلق على مثل هذه الآراء اسم "عصرية" أو "تحررية". على الرغم من ذلك لا يزال أولئك الذين يؤيدون هذه الآراء يزعمون أنهم مسيحيين وأنهم يؤمنون بالله، المسيح، والإنجيل. 

تتناول هذه الدراسة السؤال الأساسي: بأي معنى، أو إلى أي مدى، أوحي بالإنجيل؟ ١) هل ادعى كتاب الإنجيل تلقيهم للوحي حقا؟ هل قالوا أن ما كتبوه هو إرادة الله؟ ٢) هل وجه الله فعلا الكلمات التي اختارها الرجال في التعبير عن التعاليم (إيحاء شفهي)؟ ٣) هل يمكن أن تكون بعض الكلمات في كتابات هؤلاء الرجال صحيحة ودقيقة، لكن بعضها الأخرى ليست صحيحة بطريقة ما؟ أم أن الإنجيل هو وحي معصوم ومنزه عن الخطأ؟ 

لاحظ الموضوع كما توجزه لنا رؤيا يوحنا ١٩: ٩ ـ "هذه هي كلمات الله الحقيقية".


أولا. هذه الكلمات هي من عند الله ـ رسالة أصلها هو الله


رؤيا يوحنا ١٩: ٩ـ ـ ادعى يوحنا أن "هذه هي كلمات الله الحقيقية".

تأمل ماذا ادعى كتاب آخرين للإنجيل حول كتاباتهم. هل ادعوا فعلا أن الله قد وجه كتاباتهم أم أن هذا هو مجرد شيء عصري نسبه إليهم البعض على الرغم من أن الكتاب لم يزعموا ذلك مطلقا؟ هل هناك مجرد مرجع أو مرجعين بهذا الشأن، أم أن هناك الكثير من هذه الادعاءات؟  

ا. ادعى كتاب العهد القديم أن رسالتهم كانت من عند الله.

نبوءة أشعيا ١: ٢ـ ـ إن الرب قد تكلم.
نبوءة إرميا ١٠: ١، ٢ـ ـ اسمعوا الكلمة التي تكلمها الرب. هكذا قال الرب ...
نبوءة حزقيال ١: ٣ـ ـ جاءت كلمة الرب خصيصا.
سفر هوشع ١: ١، ٢ـ ـ كلمة الرب التي كانت ... بدء كلام الرب بلسان هوشع، قال الرب ...
سفر يونان ١: ١ـ ـ كانت كلمة الرب إلى يونان.
سفر ميخا ١: ١ـ ـ كلمة الرب التي كانت إلى ميخا.
سفر زكريا ١: ١ـ ـ كانت كلمة الرب إلى زكريا.

[طالع أيضا سفر يوئيل ١: ٢؛ سفر عاموس ١: ٣، ٦، إلى آخره؛ سفر عوبديا ١: ١؛ سفر صفنيا ١: ١؛ سفر حبقوق ٢: ٢؛ سفر تثنية الاشتراع ٣٠: ٩، ١٠؛ سفر العدد ١٢: ٦ـ ٨؛ ٢٣: ٥، ١٢، ١٦، ١٩؛ بالإضافة إلى المراجع في الأقسام الأخرى]

ب. ادعى كتاب العهد الجديد أن رسالتهم كانت من عند الله.

رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ١٤: ٣٧ـ ـ ما اكتب به إليكم هو وصايا الرب.

رسالة بولس إلى أهل أفسس ٣: ٣ـ ٥ ـ ـ صارت الأشياء التي كتبها بولس معروفة لديه من قبل الوحي. لم تكن هذه الأمور معروفة سابقا لكن الروح كشف عنها الآن إلى الرسل والأنبياء.

رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي ٤: ١٥ـ ـ إننا نقول لكم عن قول الرب.

رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٤: ١ـ ـ يقول الروح صريحا.

[رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي ٣: ١٢؛ إنجيل يوحنا ١٢: ٤٨ـ ٥٠؛ كتاب أعمال الرسل ١٦: ٣٢؛ رسالة بولس إلى أهل رومية ١: ١٦؛ رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي ١: ٥]

ج. ادعى الرجال الملهمين أن ما كتبه كتاب غيرهم كان من عند الله.

إنجيل متي ١: ٢٢ـ ـ اقتباس تكلم به الرب على لسان النبي.

إنجيل متي ٢: ١٥ـ ـ اقتباس آخر تكلم به الرب على لسان النبي.

كتاب أعمال الرسل ١: ١٦ـ ـ تكلم الروح بلسان داود.

كتاب أعمال الرسل ٢٨: ٢٥ـ ـ قال الروح القدس ... بلسان النبي أشعيا.

رسالة بولس إلى العبرانيين ١: ١، ٢ـ ـ كلم الله الآباء قديما بالأنبياء. لكنه يكلمنا الآن بابنه.  

إنجيل متي ١٥: ٤ـ ـ أكد يسوع نفسه أن الكتب المقدسة كانت من عند الله. فقد استشهد بالشريعة التي كشفها موسى وقال أنها ما أمر الله به.

إنجيل متي ٢٢: ٢٩ـ ٣٢ـ ـ قال أن الكتب هي ما قاله الله لهم.

إنجيل لوقا ١٠: ١٦ـ ـ كما أنه أكد وحي العهد الجديد بقوله للرسل الذين كتبوه: من سمع إليكم، سمع إلي؛ ومن أعرض عنكم أعرض عني وأعرض عن الذي أرسلني.

إنجيل يوحنا ١٦: ١٣ـ ـ وعد الرجال الذين كتبوا العهد الجديد أن الروح سيرشدهم إلى الحق كله.

الشك أو إنكار أن كتاب الإنجيل تكلموا من قبل الله إنما هو إنكار ورفض لصدق عباراتهم الخاصة عن أنفسهم، لعباراتهم عن بعضهم البعض، ولعبارات يسوع عن الكتاب المقدس.

[إنجيل متي ١٩: ٤ـ ٦؛ إنجيل يوحنا ١٠: ٣٥؛ سفر أخبار الأيام الثاني ٣٤: ١٤ـ ١٩؛ نبوءة أشعيا ٢: ١ـ ٣؛ إنجيل متي ٢٢: ٤٣؛ رسالة بولس إلى أهل رومية ١: ١، ٢؛ رسالة بولس إلى العبرانيين ٣: ٧؛ رسالة بطرس الأولى ١: ١٠ـ ١٢؛ رسالة بطرس الثانية ١: ٢٠؛ ٣: ١٥؛ كتاب أعمال الرسل ٤: ٢٤]

د. نفى الكتاب أنهم قد كتبوا وفقا لحكمتهم البشرية.

يعتقد البعض أن الكتاب قد كتبوا بعض أفكارهم الخاصة. من ثم، قد يحتوي الإنجيل على بضعة أمور من الله، لكنه قد يحتوي أيضا على بضعة أمور كان مصدرها الكتاب دون توجيه إلهي. ماذا يقول كتاب الإنجيل عن هذا؟   

نبوءة إرميا ١٤: ١٤ـ ـ إذا تكلم رجل كما لو أن لديه رسالة من الله، لكن الله لم يكن قد كلمه في الحقيقة، والرسالة ليست سوى فكرته الخاصة، فإن هذا الرجل هو نبي مزيف ويستحق أن يعاقب وأن يرفض لأنه ليس نبيا (٢٣: ١٦، ٢٦؛ نبوءة حزقيال ١٣: ٢ـ ٧، ١٧).

من الواضح أنه، إذا كان كتاب الإنجيل قد كتبوا رسالة من أفكارهم الخاصة، فإن من شأن كلماتهم ذاتها أن تدينهم بوصفهم أنبياء مزيفين.

نبوءة حزقيال ٣: ٢٦، ٢٧ـ ـ لم يسمح للنبي أن يتكلم حتى يفتح الله فمه ... وعندما سمح الله له بالكلام قال، هكذا يقول السيد الرب.

إنجيل متي ١٠: ١٩، ٢٠ـ ـ لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم يتكلم بلسانكم.

رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٢: ٤، ٥ ـ ـ لم يعتمد بولس في وعظه على كلمات الحكمة البشرية. لا ينبغي أن يستند إيمانهم إلى حكمة الناس بل إلى قدرة الله. يستند الإيمان إلى الرسالة التي بشر بها (رسالة بولس إلى أهل رومية ١٠: ١٧). إذا كان الإنسان هو أصل الرسالة، آمن الناس بذلك الإنسان الذي صدرت عنه. لم يشأ بولس خصيصا أن يستند إيمانهم إلى الحكمة البشرية بل إلى حكمة وقدرة الله.

رسالة بولس إلى أهل غلاطية ١: ٨ ـ ١٢ـ ـ لم تأتي البشارة من الإنسان لكنها أتت من يسوع. من بشر ببشارة أخرى يكون ملعونا. من ثم، إذا بشرنا برسالة مصدرها الإنسان جلبنا على أنفسنا لعنة الله.  

رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي ٢: ١٣ـ ـ ليست الرسالة كلمة بشر بل كلمة الله.

رسالة بطرس الثانية ١: ٢٠، ٢١ـ ـ لم تأت النبوءة قط بإرادة بشر، لكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلموا من قبل الله.

رؤيا يوحنا ٢٢: ١٨، ١٩ـ ـ إذا زاد أحد تعاليمه إلى هذا الكتاب، زاده الله من النكبات الموصوفة فيه. لم يحظر عليهم كتابة شيء بدافع من حكمتهم البشرية فقط، لكن حرم عليهم أيضا إضافة شيء بشري إلى رسالة الله.

قال الكتاب أنفسهم أنهم لم يكتبوا أفكارا بشرية، بل إرادة الله. وقالوا أن من شأن لعنة الله أن تحل على أي شخص وضع فيه أفكارا بشرية، وأنه يستحق الدمار. إذا زعمنا أن هناك أفكارا بشرية في هذه الكتابات، فإننا بذلك ندعو هؤلاء الرجال كذابين، معلمين مزيفين، يستحقون العقوبة.  

[سفر العدد ٢٢: ٣٥؛ الفصل الثالث والعشرين (أنظر أدناه)؛ سفر تثنية الاشتراع ١٨: ١٨ـ ٢٢؛ إنجيل متي ١٥: ٩]

ھ. ادعى الكتاب أن كل ما يحتويه الكتاب المقدس هو من الوحي.

لم يدعي الكتاب أن جزءا من كتاباتهم كان إرادة الله لكن جزءا منها لم يكن، بل ادعوا أن كل شيء كتبوه كان من عند الله، لذا كان كله موثوق.

يتبع هذا من النقطة الأخيرة. حظر على الكتاب إضافة أي شيء بشري. إذا أضيف شيء بشري، حلت عليهم اللعنة. من ثم، إذا لم يكن أي منه بشري، فلابد أن يكون بأجمعه من عند الله.

لاحظ أيضا المقاطع التالية:

سفر الخروج ٢٤: ٣، ٤، ٧، ٨ ـ ـ شملت إرادة الله كل ما كتب. وافق الشعب على العمل بكل ما تكلم به الرب. لا تحمل تعاليم البشر أية سلطة بحيث يتوجب على الناس إطاعتها دينيا (إنجيل متي ١٥: ٩). إذا توجب إطاعته كله، فلابد أن يكون كله من عند الله.

سفر تثنية الاشتراع ١٧: ١٨ـ ٢٠ـ ـ كان على الملك أن ينسخ لنفسه نسخة من الشريعة حافظا كل ما كتب فيها.

سفر يشوع ١: ٧، ٨ ـ ـ كان على يشوع أن يعمل بكل ما كتب في سفر التوراة.

إنجيل متي ٤: ٤ـ ـ يجب على الإنسان أن يحيا بكل كلمة تخرج من فم الله.

رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ٣: ١٦، ١٧ـ ـ كل ما كتب هو من وحي الله، يفيد في التعليم والإعداد لكل عمل صالح.

يسير الإيمان، بأنه ينبغي علينا أن نطيع كل شيء يتطلبه منا الكتاب المقدس، يدا بيد مع الإيمان بأنه بأجمعه كلمة الله. من الثابت أنه، عندما يقول الناس أن بعض أجزاء الكتاب المقدس ليست من عند الله أو أنها ليست دقيقة، فإنك سرعان ما تجد أن هناك متطلبات إنجيلية لا يرغبون في إطاعتها.

ما لم تؤمن حقا بأن الكتاب المقدس هو بأجمعه كلمة الله، فليس هناك ببساطة ما يدعوك إلى الإيمان بأنه يجب عليك إطاعة جميع متطلباته. تقول لنا مقاطع الإنجيل التي تدعي أنه يجب علينا أن نطيعه كله، أنه بالضرورة، كله من الوحي.   

لاحظ بشكل خاص هذه المقاطع من رسالة بطرس الثانية:

رسالة بطرس الثانية ١: ٢٠، ٢١ـ ـ ما من نبوءة في الكتاب تقبل تفسيرا يأتي به أحد من عنده؛ إذ لم تأت نبوءة قط بإرادة بشر، لكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلموا. تأمل أهمية "التفسير" هنا. يظهر السياق أن الآيات تشير إلى الأنبياء الذين كتبوا الكتب المقدسة، وليس إلى قراء الكتاب المقدس.

ملاحظة: إذ (يفسر هذا العبارة السابقة) لم تأت النبوءة قط بإرادة بشر، لكن الناس تكلموا كما حركهم الروح القدس. تناقش هذه الآيات كيف أتت النبوءة وكيف تكلم الأنبياء، وليس كيفية دراستها.

إذا كان الله قد اكتفى بإعطاء الأفكار التي فسرها الأنبياء بأفضل ما يستطيعون، لأصبح الكتاب المقدس قابلا للتفسير الخاص (مثل الفرق بين ما يقوله رئيس الدولة وما يقوله المعلقين على الأنباء حول ما قاله الرئيس)! لكن هذا ليس هو الحال مع أية آية أو أية نبوءة.

بدلا من ذلك، تكلم الرجال كما حركهم الروح القدس. حملهم الروح معه إلى وجهة من اختياره هو، وليست من اختيار الأنبياء (مثلما يحمل شخص عبئا ـ إنجيل لوقا ٢٣: ٢٦، أو مثلما تحمل الريح السفينة ـ كتاب أعمال الرسل ٢٧: ١٥، ١٧). يفند هذا المقطع مباشرة الرأي القائل بأن الله أعطى الرجال أفكارا فسروها هم بأفضل ما تستطيعه الحكمة الإنسانية.

رسالة بطرس الثانية ٣: ١٥، ١٦ـ ـ ينطبق مفهوم الوحي هذا على العهد الجديد أسوة بالقديم، لأن بطرس قال في وقت لاحق من نفس الكتاب أن رسائل بولس في العهد الجديد هي مثل "الكتب المقدسة الأخرى". [قارن رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٥: ١٨ بإنجيل لوقا ١٠: ٧]

[إنجيل يوحنا ١٤: ٢٦؛ ١٦: ١٣؛ سفر تثنية الاشتراع ٣١: ٩ـ ١٣؛ ١٨: ١٨ـ ٢٢؛ سفر يشوع ٢٣: ٦؛ نبوءة إرميا ٢٥: ١٣؛ ٣٠: ١ـ ٤؛ ٢٦: ١ـ ٤؛ كتاب أعمال الرسل ٣: ٢٢، ٢٣؛ إنجيل متي ٢٨: ١٨ـ ٢٠]


ثانيا. هذه هي كلمات الله ـ أعطى الله الكلمات.


رؤيا يوحنا ١٩: ٩ـ ـ هذه هي بحق أقوال ("كلمات" ـ الطبعة الأمريكية المعتمدة) الله. لم يكتفي الله بمجرد إعطاء الأفكار ثم سمح للرجال باختيار الكلمات للتعبير عنها. وجه الله الرجال إلى اختيار الكلمات ذاتها بحيث أن كل كلمة هي الكلمة التي أرادها الله، وليست الكلمات التي اختارها الرجال بحكمتهم البشرية. هذا هو بالضبط ما تقوله رسالة بطرس الثانية ١: ٢٠، ٢١. لاحظ مقاطع أخرى.

سفر الخروج ٤: ١٤ـ ١٦؛ ٧: ١، ٢ـ ـ في دعوة موسى، حدد الله عمل النبي. كان هارون "نبيا" لموسى مثلما كان موسى نبيا لله. النبي هو شخص ناطق بلسان شخص آخر. يضع الشخص الذي هو مصدر الرسالة كلماته في فم النبي.

النقطة الأساسية هي أن موسى ادعى أنه ثقيل اللسان. فقد ظن أن من واجبه التعبير عن الأفكار التي أعطاها الله إياه (مثلما يظن بعض الناس اليوم). قال الله أنه سيكون مع فم النبي. لم يترك الله قرار اختيار الكلمات إلى النبي. إنه ينطق بالكلمات التي وضعها الله في فمه فحسب.

سفر الخروج ٢٤: ٣، ٤، ٨ ـ ـ قص موسى على الشعب جميع أقوال الرب.
سفر تثنية الاشتراع ١٨: ١٨ـ ٢٢ـ ـ جعل الله كلامه في فم النبي.
سفر صموئيل الثاني ٢٣: ٢ـ ـ روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني.
نبوءة أشعيا ٥١: ١٦ـ ـ أنا [الله] قد جعلت كلامي في فمك.
نبوءة أشعيا ٥٩: ٢١ـ ـ كلامي الذي جعلته في فمك.
نبوءة إرميا ١: ٤ـ ٩ـ ـ ها إني قد جعلت كلامي في فمك.
نبوءة إرميا ٣٠: ١ـ ٤ـ ـ اكتب جميع الكلمات التي كلمتك بها.
نبوءة إرميا ٣٦: ١ـ ٤ـ ـ اكتب كل الكلام الذي كلمتك به.
نبوءة حزقيال ٣: ٤ـ ـ كلمهم بكلامي.
سفر زكريا ٧: ١٢ـ ـ الكلام الذي أرسله رب القوات بروحه.
إنجيل متي ١٠: ١٩، ٢٠ـ ـ سيعطيكم الروح ماذا وكيف تتكلمون.

رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٢: ٤ـ ـ لم يبشر بولس بكلمات بشرية، كيلا يستند الإيمان إلى حكمة الناس بل إلى قدرة الله. ليس هذا ممكنا إلا إذا كانت الكلمات قد أعطيت من قبل الروح، وليست من اختيار الإنسان.

رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٢: ١٠ـ ١٣ـ ـ أعطى الروح إلى الرجال الرسالة التي بشروها. ثم نطق الرجال بالكلمات التي علمهم إياها الروح وليس البشر. إذا كان الروح قد أعطى الأفكار إلى الرجال فحسب ثم اختار الرجال الكلمات، لكان هذا العكس تماما مما تعلمه هذه الآية.

يطلق على ما تصفه هذه المقاطع أحيانا بالإيحاء "الشفهي". إذا كنا نؤمن حقا أن الإنجيل قد أوحي به، فلابد لنا من أن نؤمن أن كل كلمة هي الكلمة التي أرادها الله بالضبط.

لا يعني هذا عدم وجود العنصر البشري في الكلمات، لأن الله استخدم الرجال كما هم بلغتهم البشرية، بمفردات هذه اللغة البشرية، بأشكال التعبير البشرية، وأحيانا حتى المعرفة التي اكتسبوها عن طريق تقصي ما قاله شهود العيان، وما إلى ذلك (إنجيل لوقا ١: ١ـ ٤؛ رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ١٥: ١ـ ٨). لكن الله استخدمهم كما كانوا ووجههم لينطقوا بالكلمات التي تعبر عن إرادته بدقة.

[سفر الخروج ٣٢: ١٥، ١٦؛ ٢٤: ١٢؛ ٣٤: ١، ٢٧، ٢٨؛ ٣١: ١٨؛ ٢٠: ١؛ سفر العدد ٢٢: ٣٥؛ ٢٣: ٥، ١٢، ١٦؛ نبوءة حزقيال ١: ٣؛ سفر هوشع ١: ١؛ رسالة بطرس الثانية ١: ٢٠، ٢١؛ نبوءة إرميا ٢٥: ١٣]


ثالثا. هذه هي كلمات حقيقية ـ لا توجد أخطاء في الكتاب المقدس


رؤيا يوحنا ١٩: ٩ـ ـ هذه هي بحق أقوال الله. يقول البعض أنه ربما كانت هناك أخطاء في الكتاب المقدس إذا كان الرجال قد اختاروا الكلمات التي كتبوها فيه. لكن إذا كانت كل كلمة هي من عند الله، فلا يمكن أن تكون هناك أخطاء لأن الله معصوم عن الخطأ ولا يرتكب أخطاء. 

سفر العدد ٢٢: ٣٥، ٣٨؛ ٢٣: ٥، ١٢، ١٦، ١٩، ٢٠ـ ـ يجب على النبي ألا يقول سوى ما يقوله الله. لكن الله لا يكذب ولا يندم. لا يقول عمدا أشياء ليست صحيحة، ولا يمكنه أن يخطئ بسبب الافتقار إلى المعرفة طالما أنه يعرف كل شيء. بالتالي لا يمكن أن يكون هناك شيء غير صحيح في ما يكشفه. 

سفر تثنية الاشتراع ١٨: ١٨ـ ٢٢ـ ـ اختبار النبوة هو، إذا تكلم النبي بأمور لم تتم ولم تحدث، فهو ليس من الله، فلا تهابه.

ملاحظة: إذا ادعى رجل أنه نبي، لكن كلامه لم يتحقق ولم يحدث، عرفت عندها أن الله لم يرسله فلا تقبل أي شيء يتكلم به وكأنه من الرب. إنه في الحقيقة معلم مزيف. يقول البعض أنهم يقبلون بجزء من الإنجيل، لكنهم يرفضون أجزاء أخرى منه؛ يقول هذا المقطع أننا إما أن نقبل به كله أو نرفضه تماما. 

سفر المزامير ١٩: ٧ـ ٩ـ ـ شريعة الرب هي كاملة، صادقة، ومستقيمة.
سفر المزامير ٣٣: ٤ـ ـ كلمة الله مستقيمة وجميع صنعه أمانة.
سفر المزامير ١١٩: ١٢٨، ١٤٢، ١٦٠ـ ـ كل تعاليم الرب هي حق.
إنجيل يوحنا ١٧: ١٧ـ ـ كلمة الله هي حق.
رسالة بولس إلى أهل رومية ٣: ٤ـ ـ صدق الله، وكذب كل إنسان.
رسالة بولس إلى تيطس ١: ٢، ٣ـ ـ الله، الذي لا يكذب، أظهر كلمته.
رسالة بولس إلى العبرانيين ٦: ١٨ـ ـ من المستحيل على الله أن يكذب.
رؤيا يوحنا ٢١: ٥ ـ ـ هذا الكلام صدق وحق.

إذا زعم أحد أن الإنجيل يخطئ، يتعين عليه عندئذ أن يرفض تماما أن الإنجيل هو إرادة الله، وإلا فهو يقول أن الله ليس معصوما عن الخطأ. لأن الإنجيل يقول أنه بأجمعه من عند الله، ويقول أنه ينبغي علينا أن نرفض أي معلم يقول أنه يتكلم من قبل الله إذا لم يكن كذلك. إذا كان هناك أي خطأ في الرسالة، فإما أن المتكلم ليس من الله أو أن الله قد أخطأ!

من ثم، لابد لنا أن نستنتج أنه ليست هناك أية أخطاء في جميع كتابات الكتاب المقدس. هذا هو ما نشير إليه بقولنا أن الكتاب المقدس هو "معصوم ومنزه". لكي نؤمن حقا أن الإنجيل قد أوحي به يجب علينا أن نؤمن أنه ليست هناك أية أخطاء في ما كتبه الرجال.

[سفر المزامير ١٤٧: ٤، ٥؛ سفر أيوب ٣٧: ١٦؛ رسالة بطرس الأولى ٥: ١٢؛ رسالة بولس إلى أهل غلاطية ١: ٢٠؛ إنجيل يوحنا ١٠: ٣٥؛ رسالة يعقوب ١: ٢٥]


رابعا. عواقب رفض العصمة والوحي الشفهي


تأمل العواقب الناتجة عن قول البعض أن كلمات الإنجيل ليست كلها كلمات الله لكن بعضا منها هي بشرية في الأصل، أو عندما يقولون أن هناك أخطاء في الإنجيل.

ا. لا يبقى لدينا أي مصدر موثوق به للسلطة أو الإرشاد الديني.

إنجيل متي ٢٢: ٣٢ـ ـ ادعى يسوع أن لغة الإنجيل هي من الدقة بحيث يمكننا التوصل إلى براهين اعتمادا على صيغة الفعل. لكن إذا كان هناك في واقع الأمر أخطاء في الكتابات، فلن يمكننا الوثوق بمثل هذه البراهين. كيف لنا أن نعرف ما هي الأجزاء الصحيحة التي يمكن الوثوق بها وما هي الأجزاء الغير صحيحة التي لا يمكن الوثوق بها؟     

رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ٣: ١٦، ١٧؛ إنجيل يوحنا ١٠: ٣٥؛ كتاب أعمال الرسل ٣: ٢٢، ٢٣؛ إنجيل متي ٢٨: ١٨ـ ٢٠؛ إنجيل يوحنا ١٢: ٤٨ـ ـ قال كتاب الإنجيل أن الكتب المقدسة هي مصدر موثوق للسلطة والإرشاد في الدين لأن الكتب هي مشيئة الله. قالوا أنه يجب علينا أن نقبل كل ما جاء فيها وإلا فسوف ندان. قالوا أننا سنحاكم بحسب هذه التعاليم. قالوا أنه يجب علينا أن نرفض جميع التعاليم البشرية التي تختلف عن الكتاب المقدس (إنجيل متي ١٥: ٩؛ رسالة بولس إلى أهل غلاطية ١: ٨، ٩). لكن إذا كانت هناك أخطاء في الكتاب المقدس، فينبغي لنا إذن إطاعة الأجزاء الصحيحة فقط. كيف يمكننا تحديد ما هو صحيح وما هو غير صحيح؟

ب. نبدأ بذلك سلسة من الرفض المستمر لتعاليم الإنجيل.

عندما نستنتج أن الإنجيل قد يكون على خطأ في بعض النقاط، فإننا نبدأ بشكل ثابت تقريبا في الشك وفي إنكار المزيد فالمزيد مما يعلمه. قد يبدأ الناس بقول أنهم لا يؤمنون بأن الخلق (أو الطوفان، أو ثمة معجزة أخرى) قد حدث بالطريقة التي يصفها الإنجيل. أو قد يقولون أنهم لا يؤمنون بأن الإنجيل على حق في تعاليمه حول خضوع المرأة للرجل، أو أنهم يرفضون كتابات بولس.

لكن مثل هذا الإنكار لا يترك لنا أسبابا للإيمان بأي شيء آخر يقوله الإنجيل. يبدأ عدم الإيمان في التزايد تدريجيا. كلما قلنا، "أنا أعرف أن الإنجيل يعلم كذا، لكني لا زلت غير قادر على القبول به كحقيقة"، نكون قد فتحنا الباب إلى المزيد والمزيد من الشكوك. لقد بدأنا في السير باتجاه منحدر زلق. ليست هناك نقطة توقف منطقية. سرعان ما نبدأ بعد ذلك في إنكار المزيد والمزيد من المعجزات أو المزيد فالمزيد من التعاليم، وما إلى ذلك. لأننا قد قوضنا أساس الإيمان.  

ج. رفضنا لأقوال كتاب الإنجيل، ينطوي ضمنا على أنهم كذابين أو معلمين مزيفين.

كما رأينا سبقا، قال الكتاب أنهم قد تكلموا من قبل الله، وأنهم لم يتكلموا أفكارهم الخاصة. كل ما قالوه كان من قبل الله، وبالتالي ليس فيه أي خطأ. رفضنا لهذه المزاعم إنما يعني أنهم كانوا كذابين أو مجانين، أو أنهم على أية حال، لم يكونوا معلمين حقيقيين من قبل الله، لكنهم عن طريق عباراتهم الشخصية لابد أن يكونوا معلمين مزيفين. إذا كان الأمر كذلك، لا ينبغي لنا أن نتبع أقوالهم وكأن لها أية سلطة دينية، لكن ينبغي أن نرفضها تماما كما نرفض القرآن أو كتاب المورمون.

لن تسمح لنا ادعاءات كتاب الإنجيل في حد ذاتها بقبول حلول وسطى كما يحاول المتحررين أن يفعلوا. يجب علينا إما أن نقبل الإنجيل بكامله بوصفه كلمة الله ـ وأنه ليس كلمة البشر، لكن كل كلمة قد أعطيت من قبل الله دون أية أخطاء محتملة ـ وإلا يجب علينا أن نرفضه تماما كما لو لم يكن له سلطة في الدين على الإطلاق. يتعين علينا في تلك الحالة أن نخلص إلى أن الإنجيل هو نتاج رجال أشرار ومنافقين. لا نستطيع أن نقول أن الإنجيل هو كتاب جيد لكنه قد يعلم أخطاء في بعض الأحيان.  

د. ننكر أن يسوع هو ابن الله السماوي ونجعل منه أيضا معلما مزيفا.

يريد البعض أن يقولوا أنهم يؤمنون بيسوع، لكنهم لا يؤمنون بالضرورة أن كل شيء في الإنجيل هو صحيح.

لكن الإنجيل هو السبيل الوحيد لمعرفة أي شيء عن حياة يسوع وتعاليمه ـ إنجيل يوحنا ٥:٤٦، ٤٧؛ ٢٠:٣٠، ٣١؛ كتاب أعمال الرسل ١٧:٢٣؛ ١٨:٢٨؛ إلى آخره. 

كيف يمكن لك أن تعرف أن يسوع هو ابن الله وأنه نبي حقيقي دون الالتجاء إلى الكتاب المقدس؟ في الحقيقة، ماذا ينفعك أن تؤمن بيسوع دون الأسفار المقدسة، طالما أنه لن تكون لديك أية فكرة عما صنعه أو علمه؟

سبق ورأينا أن يسوع ادعى بأن الإنجيل هو من عند الله، وأن كتاب العهد القديم والجديد على حد سواء، قد تكلموا إرادة الله.  

استشهد يسوع بالعهد القديم بوصفه موثوق، وقال أن الروح القدس سوف يرشد كتاب العهد الجديد. إذا قلنا أن هذا ليس صحيحا، نكون بذلك قد رفضنا يسوع وتعاليمه كما رأينا في النقطة الأخيرة، ونكون بذلك قد رفضنا كتاب الإنجيل أيضا.

إنجيل لوقا ١٠: ١٦ـ ـ علاوة على ذلك، قال يسوع أننا إذا قبلنا رسله وأنبيائه فقد قبلناه، لكن إذا رفضناهم فقد رفضناه ورفضنا أبيه. من ثم، إذا قلنا أن هؤلاء الرجال ربما علموا أخطاء، فإننا بذلك وكما رأينا، نرفض أقوالهم، وبالتالي نرفضه هو.

ھ. نجلب على أنفسنا لعنة الله.

الإدعاء بأن هناك أخطاء في الكتاب المقدس هو رفض لادعاءات كتاب الإنجيل ولادعاءات يسوع نفسه. لا نستطيع أن نكفر بهذه التعاليم وأن نحصل على النعم التي تفيضها في نفس الوقت.

رسالة بولس إلى أهل غلاطية ١: ٨، ٩ـ ـ إذا بشرنا بإنجيل مختلف، نكون ملعونين. لكن الإنجيل يقول، حتى في سياق هذه المقاطع (آية ١١: ١٢)، أن الرسالة هي من الله وليست من الإنسان، لذلك فهي معصومة، إلى آخره. إذا قلنا أن الأمر ليس كذلك، فنحن نعظ ببشارة مختلفة، ونحن ملعونين.

رسالة بولس الأولى إلى أهل تسالونيكي ٤: ٨ ـ ـ رفضنا لما قاله الرجال الملهمين إنما هو رفض، ليس للرجال، بل لله، لأن الله أرشد الرجال بواسطة الروح القدس. قال الرجال أن ما كتبوه هو كلمة الله، وليس كلمتهم الخاصة. إذا كان هذا صحيحا ورفضته، تكون قد رفضت كلمة الله نفسه.

خاتمة

ليست هناك حلول وسطى، يجب علينا أن نقبل الإنجيل بالضبط كما يدعي هو أنه: كلمة الله المعصومة والمنزهة عن الخطأ التي أوحى بها شفهيا. وإلا يجب علينا أن نرفضه تماما وألا نعطيه أي وزن للسلطة في حياتنا على الإطلاق. 

لكي نقرر بماذا نؤمن، يجب علينا أن ننظر إلى الأدلة في أنه من الله أو ليس منه (النبوءات المحققة، الوحدة، المعجزات، إلى آخره). هذه هي مواد لدراسة أخرى. لكن قبولنا بالحلول الوسطى وقولنا أننا نؤمن ببعض منه ولكن ليس به كله، هو اتخاذ لموقف لا يسمح به الإنجيل نفسه.

ما هي وجهة نظرك في الكتاب المقدس، هل تقبل به؟ إذا كان الأمر كذلك، هل أطعته؟