إنجيل لوقا، صعود يسوع إلى أورشليم
تقديم
هذا هو الجزء الثاني في تفسير إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا. عنوانه: الصعود
إلى أورشليم وهو يمتد من 9: 51 إلى 19: 27.
كيف يبدو هذا الكتاب؟ الأسلوب هو هو. نقسم الفصول الإنجيلية إلى مقطوعات كما تقرأ
في الليتورجيا، ونفسّر كل مقطوعة في ذاتها، في علاقتها مع ما قبلها وما بعدها، في
علاقتها مع الإنجيل كله. حين نشرح الفصل كله، نقع في خطرين: إما نوجز الشرح بحيث لا
يستخلص القارئ الشيء الكثير. وإما نطيل الشرح فيضيع القارئ ويخاف ويترك الكتاب
جانباً. ولكن الإقتصار على كل مقطوعة على حدة، يجعل المؤمن يقرأ حوالي عشر صفحات
فيغذي صلاته الفردية، أو مشاركته الإنجيلية. وإذا كان كاهناً، اكتشف مواد لعظته أو
لسهرة إنجيلية في رعيته. وقد يكتشف فيه دارس اللاهوت ما يشبع فضوله من دراسة علمية
وتحليلية تغنيه عن كتب عديدة.
قال بعض القراء: إن الجزء الأول من تفسير لوقا هو كبير، فمن يستطيع أن يقرأه؟
ولماذا لا نقرأه مستعينين بالنصّ الإنجيلي بل بالكتاب المقدس لكي نغني حياتنا
الروحية فلا تبقى عواطف وشعوراً تتزعزع أمام أول صعوبة؟ وإن كنا لا نجد الوقت
الكافي لقراءته كله، حينذاك نعود إلى الفصل الذي نحتاجه، كما نعود إلى قاموس من
القواميس. وقال آخرون: لا نستطيع أن نجد فيه عظة كاملة. وقابلوا بينه وبين كتاب
صغير هو "من القراءة إلى التأمّل مع القديس متّى". هذا الكتاب الصغير هو للمبتدئين،
ونحن نشكر الرب إن وجد فيه المتقدّمون في الحياة الروحية ضالتهم. أما تفسير لوقا أو
يوحنا، فهو يتوجّه إلى الذين يطلبون مزيداً من التعمّق في الإنجيل، مزيداً من البحث
العلمي. وهو لا يقدّم لهم "عظة" جاهزة، بل يفرض عليهم أن يتعمّقوا فيه، كما في
غيره، لكي يخلقوا "تفسيراً" ينبع من قلبهم، ولا يكّرروا أقوالاً قد تصبح حرفاً
ميتاً إن لم ينفحها روح الإنسان وروح الله.
هذا ما أردناه حين قدّمنا الجزء الثاني من تفسير القديس لوقا. فبعد مقدمات تستجمع
ما قلنا في الجزء الأول، وموضوع عام حول ما يُسمّى الصعود إلى أورشليم، نقدّم تفسير
المقطوعات مقطوعة مقطوعة، ساعين إلى مجابهة الصعوبات على المستوى الإجمالي كما على
المستوى التفصيلي. ولم ننسَ من خلال الشرح الناحية الروحية والناحية الرعائية.
فكلمة الله تتوجّه إلى البشر، سواء كانوا أفراداً أم جماعات. وكل همّنا أن تصل هذه
الكلمة إلى الجميع، فلا يكون الكلام الذي كتبناه حاجزاً بين المؤمن وبين الله. ففي
النهاية، إن كل كلام على الإنجيل يجب أن يوصلنا إلى صاحب الإنجيل، إلى يسوع المسيح،
إلى حياته وآلامه وموته، إلى أعماله وأقواله. يجب أن يجعلنا نتعلّق بمن هو المسيح
الرب الذي يدعو كل واحد باسمه.
كم نودّ أن نكون قد وصلنا إلى هذا الهدف الذي وضعناه أمام عينينا!
المقدمات
"رأيت أن أكتب إليك جَميع الأشيَاء بحسب ترتيبها، لكي تعرف جيّدًا قوّة التعليم
الذي وعظت به"
(1: 3- 4)
يتضمّن هذا القسم الأول عودة إلى إنجيل لوقا في ما سميناه ظهور الكلمة والرسالة في
الجليل، أي 1: 1- 9: 50. بعد أخبار الطفولة والحياة في الجليل، نصل إلى خبر الصعود
إلى أورشليم.
وهكذا يتوزّع هذا القسم الفصول التالية:
1- أخبار الطفولة، 1: 5- 2: 44
2- كلمة الله في الروح القدس، 3: 1- 4: 44
3- الجذور والبدايات، 1: 5- 4: 44
4- الإستماع إلى الكلمة، 5: 1- 9: 50
5- صعود يسوع إلى أورشليم، 9: 51- 19: 27
الفصل الأول
أخبار الطفولة
1: 5- 2: 52
يتضمّن هذا القسم الأول من إنجيل لوقا مجموعتين من النصوص لا يجب أن نفصل بينهما:
إنجيل الطفولة بحسب لوقا (1: 5- 2: 52). بدايات رسالة يسوع العلنيّة (3: 1- 4: 44).
نميّز بين هذين الجزئين ولكننا نربط بينهما.
ففي كل جزء نرى فعل الروح القدس (ترد لفظة الروح 19 مرة في القسم الأول) معطي كلمة
الله، نرى تدفّق الخلاص الجديد والحالي الذي يمثّله مجيء المسيح إلى العالم، بل هو
مجيئان: مجيء خفي في ميلاده (2: 11). مجيء علني في مجمع الناصرة (4: 21). وفي كلا
الحالين يتدخل يوحنا المعمدان. هنا اختلف لوقا عن متّى الذي لا يذكر يوحنا المعمدان
في خبر سنوات يسوع الخفية. إذا كان الروح قد أعطى الأنبياء أن يتكلّموا فيعود إلى
السابق أن يجذّر يسوع في التيّار النبوّي في إسرائيل، أن يدخل ذاك الذي يعلن إنجيل
الملكوت (أنجل: 10 مرات في لو، 15 في أع) قبل أن يختفي في ظلمة السجن (3: 20). في
كلا الحالين، تجري الأحداث في خط جغرافي يربط اليهودية (مع أورشليم وبيت لحم)
بالجليل (مع الناصرة وكفرناحوم). هذا الخطّ يحدّد مدى التاريخ الذي يتمّ حسب مخطّط
الله.
وفي الوقت عينه يرتسم انقطاع على ثلاثة مستويات تعرف التواصل. ففي داخل عمل الروح
القدس نميّز بين سّر جذور يسوع (ف 1- 2) حتى كلمته الأولى (2: 49)، وخبر بدايات (ف
3- 4) ذاك الذي هو "كلمة النعمة" (4: 22). على المستوى الأدبي، تتميّز هاتان
المجموعتان على مستوى الأسلوب: في الفصلين الأولين نجد لغة متشّربة من العهد
القديم. وفي ف 3- 4 نجد أسلوب لوقا الخاص. وهناك انقطاع على مستوى التوازي بين
يوحنا النبي ويسوع: يبرز تفوّق يسوع شيئاً فشيئاً، ويختفي وجه يوحنا المعمدان.
وأخيراً، يتخذ المدى نفسه بعداً رمزياً جديداً: إن تاريخ الخلاص الذي تسجّلت أحداثه
حتى الآن على أرض إسرائيل، صار في يسوع خبراً سعيداً (بشرى، إنجيل) للعالم يتعدّى
حدود "الوطن" (والقرية) (4: 23، 24).
نتوقف في جزء اول عند الحبل بالروح ومولد الكلمة (1: 5- 2: 52)
1- موقع هذين الفصلين
إن الفصلين اللذين يقدّمان طفولة يسوع يلعبان عند لوقا الوِظيفة التي لعباها عند
متّى. حين كتبهما الإنجيليان عملا عملاً كرستولوجياً (يتحدّث عن يسوع المسيح):
أدركا سرّ جذور يسوع على ضوء كل حياته، وخصوصاً على ضوء موته وقيامته. وهكذا توخّيا
أن يعطياننا فهما لاهوتياً إجمالياً لشخص يسوع ولمصيره.
إستعمل متّى ولوقا الأسفار المقدّسة ليسندا مقالهما، ولكنهما استعملاها بحسب نهجين
مختلفين. تعامل متى مع كلمة الله مثل كاتب متنبّه وحكيم، مثل شخص قريب من الوعظ أو
المدراش (درس وتأمّل في النصوص الكتابية): إنطلق من النصوص فقدّم برهانه وبيّن أن
هذه الأقوال قد تمّت اليوم في شخص يسوع (آنية، تتمة). أما لوقا فلا يورد النصّ
الكتابي بحرفيته، لأن عدداً من سامعيه، شأنهم شأن تيوفيلوس، لم يأتوا إلى المسيحية
من العالم اليهودي. فيجب أن يدخلوا في العهد القديم، في ماضي يسوع الذي صار ملكاً
خاصاً للجماعة المسيحية. إذن، يتذكّر لوقا العهد القديم فيجعل أسلوبه يتشّرب منه.
هو يروي الخبر ويستخرج بعده اللاهوتي مستفيداً من تلميحات خفية أو ناسجاَ مجموعة من
النصوص البيبلية كما فعل في نشيد التعظيم ونشيد المباركة. وهكذا كوّن "ذاكرة"
سامعيه المسيحيّين الآتين من العالم الوثني.
يقدّم لنا لوقا هنا شخص يسوع بواسطة موضوع الهيكل الذي هو مقام الله في وسط
إسرائيل: فيه زار الملاك زكريا ساعة كان الشعب يصليّ (1: 10- 11). وفي الهيكل
أيضاً، في نهاية الإنجيل، وبعد بركة القائم من الموت (24: 50- 51) (التي لم يستطع
أن يعطيها زكريا، 1: 22)، إنطلق التلاميذ يباركون الله (24: 53).
قد يزول هيكل أورشليم (أع 6: 14). ففي يسوع، إبن الآب، يستطيع البشر أن يصلوا إلى
الله. إنه الهيكل الجديد كما قال يوحنا. فكلمتا يسوع الأولى والأخيرة ارتبطتا
بالهيكل: الأولى تشير إلى سّر الإبن والثانية إلى عبوره نحو الآب. فالكلمة الأولى
قالها يسوع الذي وُجد في الهيكل بعد أن أضاعه والداه: "أما تعلمان أنه يجب علي أن
أكون عند أبي" (في بيت أبي) (2: 49)؟ وحين صُلب، جاءت كلمته الأخيرة كصدى للكلمة
الأولى: "يا أبت، في يديك استودع روحي" (23: 46)، وذلك حين انشقّ حجاب الهيكَل (23:
45). وإن الألقاب المعطاة ليسوع في هذين الفصلين، تعبرّ بأشكال مختلفة عن هوية ابن
الله ورسالته وسط البشر.
2- التأليف والبنية
إن لهذين الفصلين اللذين يعالجان أصل يسوع الإلهي بعداً لاهوتياً (على مستوى
اللاهوت) أكثر منه سيروياً (على مستوى السيرة وحياة يسوع). هذا لا يعني أننا ننكر
قيمتهما التاريخية. ويبرز هذا البعد بشكل ملحوظ حين ننظر إلى التأليف الإجمالي
وتلاحم الأحداث التي نقرأها هنا.
هناك سبعة مشاهد تتوزعّ الخبر:
1- البشارة بمولد يوحنا (1: 5- 25).
2- البشارة بمولد يسوع (1: 26- 38).
3- زيارة مريم إلى اليصابات ونشيد التعظيم (1: 39- 56).
4- مولد يوحنا وختانه، نشيد المباركة (1: 57- 80).
5- مولد يسوع وختانه (2: 1- 21).
6- تقدمة يسوع إلى الهيكل ونشيد التسليم (2: 22- 40).
7- ظهور يسوع في الهيكل (2: 41- 52).
نستطيع أن نرى صياغة رسمتين فكريتين في أساس الإعلان الرسولي الأول، في أساس
الكرازة الأولى.
الرسمة الأولى هي رسمة البشارة (1: 5- 56) والتتمة (1: 57-2: 40). إنها تشكل
التلاحم الرئيسي في "بداية خبر" يسوع: مولده (2: 1- 21)، وتقدمتة إلى الهيكل (2:
22- 40) يحقّقان بشارة الملاك إلى مريم (1: 26- 38). وقد أعدّ الطريق لهما البشارة
لزكريا (1: 5- 25) ومولد يوحنا النبي (1: 57- 80). وحدث وجود يسوع في الهيكل يدلّ
بوضوح على أن يسوع هو ابن الله (2: 41- 52).
والرسمة الثانية تخضع للأولى فتربط رباطاً حميماً أصول يسوع بشخص يوحنا النبي. هذا
وضع خاص بالقديس لوقا. فمرقس (1: 4، 9، 14) ومتّى (3: 1- 13) يبدأان الموازاة بين
يسوع ويوحنا مع "مجيء" السابق. في هذا الوقت، لم يتكلّم لوقا عن "مجيء"، بل عن
"بداية" ليدلّ على ظهور يسوع العلني (4: 14؛ 23: 5؛ رج أع 1: 22؛ 10: 37). إن تداخل
يوحنا النبي في الخبر منذ "الجذور" يُبرز شخصه بنوع خاص. فهو يُسمّى فقط ذاك الذي
يدخل يسوع في تقليد إيليا النبوّي (رج مت 3: 4؛ 16: 14؛ 17: 10، 13؛ مر 8: 28؛ أع
19: 4). إنه يمثّل هكذا إسرائيل الشاهد. إنه صورة مسبقة للكنيسة الشاهدة.
أ- التأليف الأدبي
هناك نهج معروف وثابت لدى لوقا: التوازي. وقد أخذه من العالم اليوناني كما من
الكتاب المقدّس. فالعهد القديم يقابل بين شخصين عظيمين: بين موسى ويشوع، بين موسى
وإيليا، بين إيليا واليشاع. غير أن المقابلة تبقى ضمنية، وهي تبرز التشابه بين
الشخصين. أما الموازاة التعارضية فهي عديدة في الأدب اليوناني وهي تشدّد على نقاط
الإختلاف بين الرجال العظام. وسار كتبة فلسطين المهلينة (أخذت بالحضارة الهلينية)
في هذا الخط فقابلوا بين رابي (معلّم) ورابي. وقدّم لنا سفر الأعمال مثالاً
نموذجياً من الموازاة التعارضية بين رسالة بطرس ورسالة بولس.
لهذا نتساءل: أما صاغ الإنجيلي "تعارضاً" بين يسوع ويوحنا؟ توسّع فيه في الفصلين
الأولين من إنجيله فدلّ على نقاط الإختلاف بين السابق وبين يسوع (رج 3: 1- 20، 21-
22؛ 16: 16؛ أع 1: 22؛ 10: 27؛ 13: 25). لا يبدو الجواب حاسماً على ضوء الإشارات
التي نجدها في النصّ.
حين استعاد لوقا لحسابه تقاليد الجماعات المسيحية ليتثبّت من متانتها، ليغنيها
بشهادات جمعها بنفسه، ليطبعها بفكره اللاهوتي الخاص، إكتشف سّر أصول يسوع كما روتها
"الكنائس" وتأمّلت فيها ونقلتها وربطتها بشخص يوحنا ورسالته. فأخبار كرازة يوحنا
وعماد يسوع تدل على ذلك سواء في الأناجيل الإزائية أم في الإنجيل الرابع. فيوحنا
ويسوع قد ارتبطا بالحركات العمادية التي دلّت على يقظة دينية وتجرّد ذات ميول
اسكاتولوجية. إستضاء التفكير المسيحي بالحدث الفصحي (حدث القيامة)، فشدّد على
التواصل بين يوحنا ويسوع، وأبرز في الوقت عينه الهوّة التي تفصل بينهما.
ب- التقليد السابق للوقا
هل نستطيع أن نعيد تكوين التقليد السابق للوقا؟ نجد في ف 1- 2 رسمة تقرّب بين
بشارتي يوحنا (1: 5- 25) ويسوع (1: 26- 38)، وتوازي بين مولد يوحنا وما تبع ذلك من
ختان وظهوره كنبي وحياة خفية (1: 57- 80)، ومولد يسوع وما تبعه من ختان وظهوره
كمخلص وحياة خفية (2: 1- 40). هذه الرسمة هي سابقة للوقا الذي قد يكون أعاد صياغتها
بطريقة شخصية.
فإذا استندنا إلى تحليل دقيق لمسيرة الأخبار، وإلى وضع الأناشيد وتوارد الآيات التي
تختتم كل مقطع، نستطيع أن نقدّم البنية التالية:
1- البشارتان (1: 5- 56)
أ- بشارة يوحنا (1: 5- 25) ب- بشارة يسوع (1: 26- 38)
ج- حدث ملحق:
الزيارة ونشيد التعظيم (1: 39- 56)
خاتمة: عودة مريم (1: 56)
2- الميلادان (1: 57- 2: 52)
د- مولد يوحنا (1: 57- 58) هـ- مولد يسوع (2: 1- 25)
عنصر نشيد (1: 58) نشيد الملائكة والرعاة
ختانة. ظهور و- ختانة. ظهور
يوحنا "كنبي" يسوع "كمخلّص"
نشيد المباركة (1: 59- 85) نشيد التسليم (2: 21- 35)
حدث ملحق: حنة (2: 36- 38)
خاتمة: ردّة النمو خاتمة: عودة إلى الجليل (2: 39)
(1: 80) ردّة النمو (2: 40)
ز- حادث ملحق
وجود الطفل في الهيكل (2: 41- 52)
خاتمة: ردّة النمو (2: 52)
عرف يسوع سريعاً على أنه ابن إسرائيل (مت 1: 1- 17) ومختار الله (مت 3: 17؛ مر 1:
11)، ونبيّ العلي (مت 11: 14؛ 21: 11؛ مر 8: 22؛ يو 4: 19؛ 7: 4؛ 9: 17). ومولده،
كمولد يوحنا، قد أعلنه ملاك فدلّ على أنّ موقعه يتجاوز كل انتظار بشري. إذا كانت
مهمة كل نبيّ أن يعلن المجانية المطلقة لخلاص يقدّمه الله، فمولد يسوع يشارك في سّر
هذه المجانية. ليس هو فقط "كلمة النعمة"، بل كلمته هي نعمة (4: 22) مثل حياته نفسها
(2: 40، 52). هذا ما يدلّ عليه ميلاده العجائبي.
في هذا المعنى نستطيع القول إن الحبل بيسوع ومولده يشبهان الحبل بيوحنا ومولده.
فهما يتسجّلان في تواصل تاريخ مجانية الله الذي لا يزال يتجدّد. ولكن هذا التوازي
بين الحبلين والمولدين (حتى على مستوى التقليد السابق للوقا) قد توخّى إظهار نقاط
الإختلاف بين يوحنا ويسوع، بين السابق والمخلّص.
يبدو الإختلاف أولاً بين الشخصين: يوحنا هو "عظيم أمام الله" (1: 15 أ). يسوع هو
"العظيم" في المطلق (1: 35). لا ترتبط عظمة يسوع بطقس تكريم كما بالنسبة إلى يوحنا
(1: 15 ب). بل هي تنبع من الله نفسه. إنه "إبن العلي" (1: 32). ويظهر الإختلاف
ثانياً بين المهمّتين: كلّف يوحنا بأن يعدّ طريق الرب (1: 76) كنبي العودة الكبيرة
(رج أش 40: 3). أما يسوع فهو ملك الدهور (1: 32، 33)، ذاك الذي قدّم إلى الهيكل (2:
24) فصار "قدس الأقداس" الذي أعلن مسحته دا 9: 24. الذي هو "ملاك العهد" الذي تحدّث
عنه ملاخي (ملا 2: 6؛ 3: 1، 23، 24)، و"مجد إسرائيل" (2: 32) الذي صوّره مسبقاً
معبد الخروج (خر 40: 35).
بين يوحنا ويسوع لسنا فقط أمام عتبة نتجاوزها. فلا معنى لوجود الأول إلا بالنظر إلى
الثاني. ذاك الذي أعلن شاباً انه صوت صارخ في البرية، كان منذ الحبل به السابق أمام
ربّه. تحرّك في حشا اليصابات فجعل أمه تتنبّأ، وهكذا نقل إلى مريم العذراء أن تنشد
شكرها لله.
ولا تظهر نقاط الإختلاف بين الولدين فقط في التوازي بين البشارتين والميلادين.
فهناك حدثان ملحقان يوسّعان هذه الرسمة، بل يفجّرانها: ملحق الزيارة (1: 39- 56)،
ملحق يختتم خبر أصول يسوع، هو وجوده في الهيكل (2: 39- 52).
ج- التدوين اللوقاوي
هناك "محطات تدوينية" موزّعة في ف 1- 2، وهي تتيح لنا أن نستكشف البنية الخاصة
بلوقا ومقاله اللاهوتي. لقد أدخل الإنجيلي التقليد الذي جمعه حول أصول يسوع، في
إطار تدويني لا يعود مؤسّساً على الموازاة. وهكذا بدا أميناً لا لحرفية مراجعه، بل
لديناميّتها.
إذن، نعرض بناء للنصّ يدلّ على تلاحمه الأدبي الخاص. وهو يبرز ثلاث مجموعات: 1: 5-
80؛ 2: 1- 38؛ 2: 39- 52. وهكذا ينكشف دور الروح القدس: فهو الذي يجعل الشهود
(اليصابات، زكريا، يوحنا بطريقته) يتكلّمون. وهو يعطي العاقر أن تحبل والبتول أن
تنجب طفلاً.
أ- البتولية الخصبة ب- الإبن المخلّص
1- دورة زكريا (1: 5- 23) مقدّمة تاريخية
بشارة يوحنا مولد يسوع
2- دورة اليصابات (1: 24- 58) رسالة سماوية: المجد لله في العلى
الحبل بيوحنا ختانة يسوع
بشارة يسوع التقدمة إلى الهيكل
الزيارة ونشيد مريم ظهور المخلّص
مولد يوحنا شهادة سمعان
نشيد التسليم
شهادة حنة
3- دورة يوحنا (1: 59- 80) ج- فصح يسوع
ختانة يوحنا الطفل عبد الله (2: 39- 52)
ظهور النبي يسوع في الهيكل
نشيد زكريا "عند أبي"
حياة يوحنا الخفية حياة يسوع الخفية
إن الإطار اللوقاوي في ثلاث دورات يستند إلى العناصر التدوينية التالية:
* في دورة زكريا: ثلاث بدايات رئيسية. "وحصل، وجرى" في 1: 5، 8، 23. إنها تذكّرنا
أيام هيرودس، خدمة الهيكل، تكملة هذه الخدمة.
* في دورة اليصابات: ثلاث بدايات ثانوية تدلّ على الزمن: بعد هذه الأيام حبلت
اليصابات (1: 24). وفي الشهر السادس (بالنسبة إلى اليصابات) (1: 26). وجاء وقت
اليصابات لتلد (1: 57).
* دورة يوحنا. تضمّنت بداية واحدة: وحصل... إرتبطت باليوم الثامن.
إن هذه الدورات الثلاث تتسجّل في داخل تاريخ إسرائيل الحاضر منذ البداية (1: 5)
بذكر هيرودس، ملك اليهودية، حتى النهاية (1: 80)، بالإشارة إلى يوحنا الذي "ظهر في
إسرائيل". وهي تتيح لنا أن ندرك إدراكاً أفضل دور زكريا واليصابات ويوحنا في
علاقتهم المتبادلة، وفي علاقاتهم مع يسوع. فهم يمثّلون، كل بطريقته، هذا الإسرائيل
الذي فيه حُبل بذاك الذي يتجاوزه والذي يكشف الروح عن سّره. إن اسمه بارز في قلب
الدورة المركزية (1: 31): يسوع.
ويخصّص الفصل الثاني كله ليسوع. نجد فيه ثلاث بدايات: وحدث (2: 1، 6، 15): في القسم
الأول المكرّس لمولد يسوع. ويقدّم القسم الثاني الأشخاص بأسلوب مقولب لا يتبدّل:
وها ان: كان رجل (آ 25). وأبوه كان، وأمه (آ 33). وكانت نبية، حنة (آ 36).
إن التحرّك من ناصرة الجليل إلى اليهودية، الذي انطلق في بداية المجموعة الثانية
(2: 4) سينتهي بالرجوع من أورشليم، إلى الجليل، إلى الناصرة (2: 39). دلّ سمعان
الشيخ على المخلّص، ولكننا لسنا هنا في ذروة الخبر. فيجب أن ننتظر المجموعة الثالثة
(2: 39- 52) وكلمة يسوع السّرية في الهيكل (2: 49) لكي نكتشف الكلمة الأخيرة في هذه
العودة إلى الجذور. يرى الشّراح أن هذه المجموعة الثالثة (وجود يسوع في الهيكل) يجب
أن تعتبر وحدة مستقلة وإن لم نكتشف بدايتها.
د- الطفل المخلّص، الطفل الخادم
نحاول الآن أن نحدّد هدف المجموعتين الأخيرتين (2: 1- 38؛ 2: 39- 52). عنوان
المجموعة الأولى: الطفل المخلّص. هذا ما أعلنه الملاك يوم الميلاد (2: 11؛ رج أع 5:
31) ففسّر هذا اللقب حين سمّى يسوع "المسيح الرب" كما في خطبة بطرس بعد العنصرة (أع
2: 38). والمجموعة الثانية تتكلّم عن الطفل الخادم (2: 43: الصبي) الذي ظهر في هيكل
أورشليم. سيعود هذا اللقب في بداية سفر الأعمال، بموازاة لقب الرب (أع 3: 13، 26؛
4: 27- 30).
إن بداية ف 2 التي دوّنها لوقا، لا تكتفي بتحديد موقع مولد يسوع في حدود إسرائيل.
بل هي تفتحه على البشرية كلها. فنحن ننتقل من عبارة "وحدث أنه في أيّام هيرودس، ملك
اليهودية" (1: 5)، إلى عبارة "وحدث في تلك الأيّام أنه صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن
تحصى المسكونة كلها" (2: 1). فالحدث المركزي الذي يريد لوقا أن يشهد له، يغرز جذوره
في ماضي إسرائيل (1: 5- 80) ويمتدّ امتداد العالم (2: 1- 38).
أتاح لنا ف 1 أن نحدّد موقع هوية يسوع واسمه داخل تاريخ إسرائيل. هذا التاريخ الذي
فيه أعطى الروح لاليصابات وزكريا بأن يتكلما، وليوحنا بأن يشهد بفرحه لذاك الآتي
إلى بيته، قد توسّع ساعة حبلت الكلمة في الروح القدس. وبعد أن رسمت بداية ف 2
الكثافة التاريخية للحدث، قدّمت الإطار الجغرافي والسياسي: إحصاء شامل. لقد تمّت
ولادة يسوع في امبراطورية، فضاعت في هذه الحركة الإدارية العامة. إن الكلمة التي
صارت حدثاً، لم تشعر بها أيضاً الجماعة اليهودية الأمينة لشريعة موسى (2: 21- 38).
نال الطفل اسمه ولكن سمعان (ومعنى اسمه: السامع) وحده أدرك سّره بإلهام من الروح
القدس (2: 29- 32).
وحدث الهيكل (2: 39- 52) حيث قال الصبي كلمته الأولى، يضمّ على مستوى تاريخ العهد،
المسيرتين السابقتين. فتاريخ العهد هذا الذي يجمع يا وعد واحد إسرائيل (1: 5- 80)
وكل الأمم (2: 1- 38) يتمّ في هذا الابن الذي حبل بالروح القدس: إنه حكمة الله،
كلمة الاب الحية من أجل شعبه، وجواب شعبه البنوي، وطاعة غير مشروطة لأبيه.
كيف تتمّ الوحدة بين هذين الفصلين؟ في ذلك الذي يوحّد التاريخ، في الروح القدس. فهو
يعطي نعمة الكلام ونعمة الحبل. فمن تاريخ إسرائيل (له كلمة ظلّت عقيمة) ومسيرة
الأمم (تحصي أيام البشر ولا تعطيها معنى) صنع الروح القدس تاريخ العهد.
3- تقديم النصّ
منذ الآية الأولى التي فيها نتحدّث عن "ملك اليهودية" حتى التي تتحدّث عن يوحنا كما
ظهر لإسرائيل، يبدو المناخ مطبوعاً بالعالم اليهودي. لقد تمثّل كل إسرائيل في دورات
زكريا واليصابات ويوحنا: زكريا مع الهيكل، الشعب مع ملكه (المرأة تدلّ على الشعب)
والنبي مع أرضه. بيد أن النصّ يشدّد على الكلمة النبوية التي تسير مسيرتها في
إسرائيل.
وفي تسلسل التاريخ المتواصل برزت ظاهرة جذرية وجديدة: تقبل زكريا واليصابات الروح
لكي يتكلّما، ويوحنا لكي يشهد، أما مريم فلكي تلد. وهذا الجديد ظهر في الدورة
الثانية: "في الشهر السادس" (1: 26). وهكذا لا يكون حدث البشارة والزيارة بداية
مطلقة: إنه يتسجّل في زمن إليصابات أي في تاريخ إسرائيل.
وكانت خطوة جديدة مع بداية ف 2: خرج أمر من أوغسطس قيصر. كان الحبل والانتظار في
قلب تاريخ إسرائيل. أما أفق الميلاد فهو الإمبراطورية الرومانية. إن بكر مريم هو
مخلّص جميع التابعين لسلطة الإمبراطور الذين ضمّهم هذا الإحصاء: إنه المسيح الرب أي
سيد الكون والتاريخ. هكذا اعترف به الرعاة في البرية وسمعان وحنة في هيكل أورشليم.
إنهم شهود مميّزون وصورة مسبقة للطريقة الجديدة والنهائية التي بها يجب أن يكون
إسرائيل شاهداً في الأمم.
في ف 1 برز معنى وبُعد مهمّة السابق النبوية. أما ف 2 فشدّد على هوية يسوع ومدلول
مجيئه من أجل جميع الأمم.
ونقرأ في نهاية ف 2 حدثاً يبدو بشكل نبوءة: إنه يوجّه أنظارنا نحو المستقبل. فأوّل
كلمة تفوّه بها يسوع ألقت ضوءاً جديداً على ما قيل وجعلتنا نستشف سّر هذا "الطفل
الخادم". وهو يشرف على قراءة الإنجيل. فهذه الكلمة الأولى لا تعبرّ عن إسم أو لقب
جديد. بل تفهمنا كيف سيلتزم يسوع في تاريخ البشر: هو الإبن في المطلق. وإذ كشف لنا
التزامه وخضوعه المطلق تجاه أبيه، أدخلنا في سّر شخصه الذي لا تحويه كلماتنا: "لم
يفهما ما قال لهما" (2: 50).
الفصل الثاني
كلمة الله في الروح القدس
3: 1- 4: 44
قسمنا هذه المرحلة الأولى إلى فصلين. تحدثنا في الأول عن طفولة يسوع حتى السنة
الثانية عشرة التي فيها صار ابن الوصية. وفي عمر الثلاثين بدأت رسالة يسوع، ورسالة
المكرّسين لله في شعبه.
1- موقع هذين الفصلين
حين نصل إلى ف 3، نحسّ أننا عدنا إلى لاهوت مطلع مرقس (1: 1- 13). فهو قد قدّم
يوحنا المعمدان على أنه كلمة اسرائيل الاخيرة، وقد ترك يسوع يسبقه. يسوع الذي هو
المسيح وابن الله الذي يحقّق إنتظار شعبه وانتظار البشر حين "يتعمّد بالروح القدس".
رسم مرقس (1: 1) "بداية إنجيل يسوع". وتحدّث لوقا هو أيضاً عن بداية ليدلّ على
بداية رسالة يسوع العلنية. فبعد أن كشف لنا الأصل الإلهي لـ"كلمة النعمة" التي حبل
بها بقوة الروح القدس في حشا مريم العذراء، صوّر لنا ظهورها العلني وتأثيرها في
العالم.
وأنهى لوقا التوازي بين يوحنا ويسوع في ف 3- 4. شدّد على أهمية السابق على أنه
"النبي" في خط أشعيا، أكثر منه المعمّد الذي يمارس طقس تطهير. وإذ اختتم خبر يوحنا
الذي سجنه هيرودس، قبل أن يبدأ خبر حياة يسوع العلنية، دلّ على انتقال من نقص إعلان
الخلاص الإلهي إلى كمال مجيئه الفعلي من أجل جميع البشر. فمع عماد يسوع نجتاز خطاً
يفصل بين زمنين: واحد يعمّد في الماء وآخر سيعمّد "في الروح القدس والنار" (3: 16؛
رج أع 1: 5؛ 11: 16). ننتقل من النبوءة إلى الملكوت (7: 28)، من "الشريعة
والأنبياء" إلى "الإنجيل" (16: 16). لا يتنكّر يسوع لماضي اسرائيل، وهو رجاؤه،
ولكنه يقيم انقطاعاً بالنسبة إليه. وهذا الإنقطاع يعني التتمة بما أعلن في الماضي
ووُعد به.
لا ينطلق لوقا من تاريخ شعب الله وكتبه لينير الجديد الذي يقدّمه يسوع، بل من خبرة
المسيحية التي تتأصّل في العنصرة. فانطلاقة يوحنا المعمدان من البرية إلى شاطئ
الأردن، تذكّرنا بالخروج من مصر والدخول إلى أرض الموعد. ومجيء يسوع إلى الجليل،
بعد حلول الروح القدس عليه، صورة مسبقة عن العبور إلى الأمم (جليل الأمم). فالمسحة
التي نالها يسوع، تدلّ عند لوقا على فيض الروح الذي اكتشف قرّاؤه آنيّته، أكثر من
خاتمة تاريخ عهد الله مع شعبه (كما في متّى).
وفي سلسلة النسب التي يقدّمها لوقا، نجد البشرية كلها وقد أخذها يسوع على عاتقه.
عاد الإنجيلي لا إلى داود وابراهيم، بل إلى خلق الإنسان. والتجارب الثلاث لا تبدو
تجلّياً يدلّ على إنتصار يسوع، تجاه الخبرة التعيسة التي عاشها العبرانيون في
البرية (كما في متّى). إن لوقا يقرأ هذا الحدث التقليدي في دينامية أخرى وعلى ضوء
آلام وقيامة ابن الله المتجسّد، مستلهماً الصلاة الربية التي هي صلاة الابناء.
وأخيراً حين يفتتح لوقا رسالة يسوع بكرازته النبوية في الناصرة (بينما مت 13: 54-
58 ومر 6: 1- 6 يحدّدان رجوع يسوع "إلى وطنه" فيما بعد)، يدلّ على الأصالة الإلهية
لإنجيل ملكوت الله (4: 43) كما أعلنه يسوع، كما يدلّ على شموليته المطلقة.
ولنرَ كيف يساعد الروح القدس "كلمة النعمة" على التعبير عن ذاتها في لغة البشر، بعد
أن أتاحت لهم أن يلدوها ويخبروا عنها بطريقة نبوية.
2- التأليف والبنية
إن المواد التقليدية التي استند إليها لوقا لكي يؤلف ف 3- 4، تجد ما يوازيها في
مرقس ومتّى. غير أدن مجمل الخبر يبدو عمل لوقا. فهو يرّتب المقطوعات بطريقة شخصية
ويدخلها في إطار تدويني خاص به.
توقّف التقليد الازائي عند "مثلّث البدايات": كرازة يوحنا المعمدان (مر 1: 2- 8؛ مت
3: 1-12؛ لو 3: 3- 9، 15- 18). عماد يسوع (مر 1: 9- 11؛ مت 3: 13- 17؛ لو 3: 21-
22). تجارب يسوع (مر 1: 12-13؛ مت 4: 1- 11؛ لو 4: 1- 13). ويحدّثنا هذا التقليد عن
دخول يسوع على المسرح: إعلان الملكوت (مر 1: 14- 15؛ مت 4: 12- 17؛ لو 4: 14- 15).
نداء الرفاق الأولين (مر 1: 16- 20؛ مت 4: 17). نشاط يسوع في الجليل (مر 1: 21- 39؛
مت 4: 13- 16، 23- 24؛ لو 4: 31- 44). إن تدوين هذه المتتاليات يفترق بين إنجيلي
وآخر، ويدلّ على أصالة كل منهم.
إذا عدنا إلى مثلّث البدايات، رأينا أن نصّ لوقا أطول النصوص. فهو يعيد كتابة
المجموعة ويدخل فيها عناصر أصيلة: دعوة يوحنا ابن زكريا، يتحدّد موقعها في إطارها
التاريخي (3: 1- 2). توجيهات عملية يقدّمها المعمدان (3: 10- 14). سجنه بيد هيرودس
(3: 19- 20. هذا ما يجعله مر 1: 17- 18 ومت 14: 3- 4 في موضع آخر). سلسلة نسب يسوع
(3: 23- 38) التي يجعلها متّى في بداية إنجيله (مت 1: 1- 16). وأخيراً الآية التي
تختتم خبر التجارب (4: 13): "ولما أنجز إبليس جميع تجاربه، إنصرف عنه إلى الوقت
المعين"، وقت الآلام.
حدّد لوقا المجموعة الأولى (31: 1- 20) في هذه المتتالية تحديداً دقيقاً وكرّسها
ليوحنا النبي. وشدّد على الإطار التاريخي بتضمين يتحدّث عن التترارخس (رئيس الربع،
ربع مملكة هيرودس الكبير) هيرودس وأخيه تجاه يوحنا (آ 1- 2 و19- 20). هذا الأسلوب
الادبي، يجعلنا ندرك تاريخ الخلاص الذي يتداخل في تواريخ البشر: يتدخّل الله في هذا
التاريخ، فيدعو نبيّه. ولكن العالم رفض الدعوة التي وجّهت إليه من أجل التوبة.
وأسكت هيرودس كلمة الله حين جعل يوحنا في السجن. ومع هذا، فكل هذه التواريخ لها
معنى يكشفه اعلان النبي: فنسل ابراهيم يصل إلى المسيح الآتي. فمن تعرّف إلى مجيئه
تصرف بإلهامه.
ويشكل ما تبقى من النص (3: 21- 44) وحدة ثانية تتركّز على شخص يسوع ونشاطه، وذلك في
توازٍ مع ما قيل عن يوحنا. أعاد الإنجيلي تأليف المعطيات التقليدية، فأبرز دور
الروح القدس الذي ناله يسوع بعد المعمودية، كما ابرز ثلاث معارضات: عارض إبليس يسوع
في شخصه (4: 1- 15)، وأهل الناصرة في تعليمه (4: 16- 30) والمتشيطنون والجموع في
رسالته (4: 31- 44).
في مشهد المعمودية، لم يعد يُذكر يوحنا. أما يسوع فيبدو في وضعين: هو يعتمد، هو
يصليّ وهكذا دلّ على انتمائه إلى الشعب (بالعماد) وعلى علاقته البنويّة بالآب
(بالصلاة). وهكذا أعلن الإنجيلي وجهتين من شخصية يسوع، ستدلاّن على بنية انجيله.
الوجهة الأولى تغطي 3: 21- 9: 17 (العماد مع كل الشعب: مع البشر ومن أجل البشر).
تشدّد الأولى على التجمّع حول يسوع (من يأتي إلي، 6: 47). والثانية تبرز الصعود
(السير) على خطى يسوع (من أراد أن يتبعني، 9: 23). بعد صلاة يسوع كان حلول الروح
القدس. وبعد صلاة الإخوة حلّت العنصرة (أع 1: 14؛ 2: 1- 13؛ 4: 31).
إن رسمة حدث التجارب تختلف عما في متّى. فهي تقلب التجربتين الثانية والثالثة لتنهي
المشهد في أورشليم وفي الهيكل (هما مهمّان في اللاهوت اللوقاوي). واستبق الكاتب
الأمور فتحدّث عن عودة ابليس: وهو في الواقع سوف يتدخل خلال آلام يسوع (22: 3، 53).
وهناك أقسام في الإناجيل كتبت حسب رسمة التجارب المثلّثة (كما في لوقا)، ولا سيّما
مشهد الجزء بيسوع على الجلجلة (23: 35- 43).
يربط لوقا رباطاً وثيقاً بين تجارب يسوع وخطبته التدشينية في الناصرة (4: 16- 30)
وأعمال احساناته في كفرناحوم (4: 31- 44). أما المواد التقليدية (بمعنى: المأخوذة
من التقليد) فنجدها في مر 1: 14- 39 الذي قدّم يوماً نموذجياً ليسوع في الجليل وذلك
بعد العماد ومحنة البرية. هذا الأسلوب المرقسي يبرز التعارض بين كلمة يسوع وما لها
من سلطان (مر 1: 21- 45)، وموقف الكتبة والفريسيين تجاه هذه الكلمة (مر 2: 1- 3:
6). إستلهم لوقا هذا المواضيع ولكنه قدمها بطريقة مختلفة: فخطبة الناصرة ونشاط
كفرناحوم يحرّكان معارضة الأوساط التي توجّه إليها يسوع، ويبدوان صدى لتجربة
البرية.
وفي الوقت عينه تبرز الشمولية في الإنجيل الثالث، فقدرة الروح القدس تعمل في يسوع،
في كلمته التي تعلّم وتشفي. والموضع الذي تقوم فيه هذه الكلمة هو المجمع حيث يلتئم
اليهود في فلسطين كما في الشتات لسماع كلمة الله. ويتوقّف النّص عند موقعين
جغرافيين: الناصرة موطن يسوع، ثم كفرناحوم، مدينة الحدود في الجليل التي تتحدّد في
"البيت" وتنفتح على "سائر المدن" (4: 42). سنجد هذا الخط أيضاً في سفر الأعمال. وفي
الوقت عينه يرتسم التمايز بين الأرض اليهودية والكون، وهو تمايز يدلّ على نظرة لوقا
إلى تاريخ الخلاص الذي يصل إلى تواريخ البشر.
نلاحظ من جهة التدوين أن لوقا اقحم خبر زيارة يسوع إلى موطنه بين تجاربه في البرية
ونشاطه في الجليل، في الموضع الذي فيه صوّر لوقا نداء الرفاق الأربعة الأولين (مر
1: 16- 20). من الواضح أن الإنجيلي أراد أن يقدّم هنا برنامج يسوع ويرسم الخطوط
الكبرى لرسالته التي سيتابعها الرسل في سفر الأعمال، وهو يسير في الوقت عينه إلى ما
سيكون إليه مصيره: طريق نحو الآب تمرّ عبر معارضة البشر وجدالاتهم.
وعلى مستوى الموضوع، نلاحظ أن المقطع عن نشاط يسوع في الناصرة وفي كفرناحوم يمتد
حسب مواضيع التجارب الثلاث: إن قوة يسوع الحاضرة في "ابن يوسف"، قد أراد الناصريون
أن يجتذبوها من أجل منفعتهم الخاصة (4: 16- 30. هكذا قال الشيطان ليسوع بأن يحوّل
الحجر إلى خبز يشبع جوعه). إن سلطة "قدوس الله" تزجر الشيطان وتسكته (4: 16- 30:
أراد أن يفرض نفسه على يسوع في التجارب، بل طلب منه السجود). إن امانة "المسيح"
و"ابن الله" لرسالته خيبّت الإنتظار الشعبي (4: 38- 44. طلب منه الشيطان أن يرمي
بنفسه عن جناح الهيكل فيراه الناس).
ويمكن أن نقدم ف 3- 4 في رسمة يظهر فيها التوازي كما فعلنا في ف 1- 2: تقابل بين
دعوة يوحنا ودعوة يسوع. ظهورهما أمام معاصريهما. قبول ورفض لدى السامعين. فكما كان
في فصليَ البداية، سيكون الأمر هنا هكذا: نقطة الثقل هي يسوع، والتوسّعات التي
تعنيه بدت بارزة. وها نحن نقدّم هذه المعطيات المختلفة في اللوحة التالية.
أ- دعوة يوحنا (3: 1- 2) أأ- دعوة يسوع (3: 21- 22)
إطار تاريخي 7 اسماء
"كانت كلمة الله" "وإذ كان يصليّ اعتمد".
ب- هوية يوحنا (3: 2 ب) ب ب- هوية يسوع (3: 23- 38)
"يوحنا بن زكريا" "صوت من السماء: أنت ابني الحبيب"
"وبدأ يسوع وهو...
ابن يوسف... ابن الله.
ج- يوحنا في البرية (3: 2 ب) ج ج- يسوع في البرية (4: 1- 14).
"في البرية" "اقتيد إلى البرية"
الخبز والحجر
السلطة والمجد
تجربة الله. أورشليم
د- رسالة يوحنا (3: 3- 25) دد- رسالة يسوع (4: 15- 30).
* "وجاء إلى الأردن" (آ 3- 6) ** وجاء إلى الناصرة (آ 15- 20)
عماد التوبة
أشعيا النبي (40: 3- 5) أشعيا النبي (61: 1- 2)
* نداء إلى الجموع ** نداء إلى الجميع
من هو ابن ابراهيم (آ 7- 9)؟ اليوم تمّ هذا الكتاب (آ 21)
* "ماذا يجب علينا أن نعمل (آ 10- 14)؟ ** "أما هو ابن يوسف" (آ 22)؟
* انتظار الشعب: ** انتظار الجميع:
من هو المسيح (آ 15)؟ أشفية في موطنه
* "الاقوى يعمّد في ** لا يكرّم نبي
الروح القدس والنار" (آ 16- 18) في وطنه (آ 24- 27)
* سجن يوحنا ** رذل يسوع
بيد هيرودس (آ 19- 20) خارج المدينة
وانطلق (آ 28- 30).
هـ- رمز وهو يعمل الخير" (أع 10: 38)
"ونزل إلى كفرناحوم"
سلطة "قدوس الله"
مسيرة يسوع (31- 42)
كان يبشر في وعظه (آ 18) "ينبغي ان ابشرّ المدن
الاخرى (آ 43- 44)
يبرز هذا التقديم الخطوط الكبرى لكرستولوجية لوقا. ساعة ميلاد يسوع، أعلن الملاك
البشرى للرعاة، فساعدهم على التعرّف إلى ابن مريم على أنه المخلّص والمسيح الرب (2:
11). وساعة التزم يسوع برسالته (والروح القدس عليه) (4: 8، 13)، سلّم سرّ هويته
للقبول أو الرفض لدى البشر: إنه ابن يوسف وابن الله (3: 22- 23) يا قوة الروح
القدس.
عبر ف 1- 4 بدا يوحنا بن زكريا السابق الحقيقي (رج أع 13- 24)، لأنه يشارك مسبقاً
يسوع في مصيره: النبي، البرية، العماد، حماس الشعب، المعارضة، السجن. وكانت تعليم
الأول صدى لتعليم الثاني: "كل جسد يرى خلاص الله" (3: 1). "مسحني لأبشّر المساكين"
(4: 18).
3- تقديم النصّ
أ- يوحنا النبي (3: 1- 20)
"كانت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية" (3: 2). أعلن لوقا بهذه العبارة
بُعد هذين الفصلين. إن "كلمة الله" توقظ دعوة يوحنا. وفيما بعد سيمّحى يوحنا ليترك
الكلمة يتكلّم (4: 32، 36) فيقول "كلمات النعمة" (4: 22). بدا يوحنا "معمّداً"، بل
نبياً وكارزاً. فإن أعلن "عماد توبة" (3: 3، رج أع 13: 24)، وإن ذكر لوقا بعض
المرات "عماد يوحنا" (7: 29؛ 20: 4؛ أع 1: 22؛ 10: 37؛ 18: 25؛ 19: 3- 4)، فنحن لا
نرى يوحنا يعمّد أبداً عند لوقا. كل ما نسمع هو كلماته القاطعة.
تفرّد لوقا فحدّد موقع الكلمة في الإطار السياسي والديني في عصره: موقع
الامبراطورية الرومانية والمناطق المحتلّة أو الخاضعة للادارة الرومانية: اليهودية،
الجليل... هذه هي الإشارة الوحيدة والدقيقة التي تتيح لنا أن نحدّد زمن حياة يسوع
العلنية. في السنة الخامسة عشرة لطيباريوس (خلف أوغسطس الذي توفي في 19 آب سنة 14)
التي توافق السنة 28 ب. م. كان بيلاطس حاكماً أو بالاحرى والياً على اليهودية (حسب
مدوّنة أُكتشفت سنة 1961 في خرائب مسرح روماني في قيصرية البحرية في سنة 26- 36).
أما التترارخس (رئيس الربع، قسمت مملكة هيرودس إلى أربعة أرباع، فصار كل من أبنائه
رئيس الربع) هيرودس انتيباس، ابن هيرودس الكبير (1: 5)، فحكم الجليل والبيرية من
سنة 4 ق. م إلى سنة 39 ب. م. وفيلبس، اخو هيرودس انتيباس، حكم مناطق الشمال. لا
يذكر لوقا إلا المقاطعات الوثنية (مثل مقاطعة الامير لسانيوس) ليدلّ على المدى
اليهودي واللايهودي لنشاط. يوحنا، ويعلن عن رسالة يسوع الشاملة.
وسمّى رئيس شعب الله في النهاية: إنه قيافا، الذي كان عظيم الكهنة من سنة 18 إلى
سنة 36. وضمّ لوقا إليه حنان حميه (رج يو 18: 13- 24؛ أع 4: 61) الذي ظل عظيم
الكهنة حتى سنة 15، ثم عُزل. غير أنه احتفظ بتأثير كبير على سير الأمور الدينية
والإجتماعية. وإذ ذكر لوقا سبعة أسماء (7 هو رقم الكمال للقارىء اليهودي)، دلّ على
التجذّر التاريخي لرسالة يوحنا ويسوع في العالم اليهودي والعالم الوثني، كما دلّ
على الذين سيقاومون هذه الرسالة (3: 19؛ 22: 66؛ 23: 17).
إن دعوة يوحنا تذكّرنا بدعوة ارميا (ار 1: 5)، ومصيره كنبي سجين يذكّرنا أيضاً بنبي
عناتوت (ار 37: 15). أما مسيرته النبوية فتجري على ضوء أش 40: 3- 5: "صوت صارخ في
البرية: أعدوا طريق الرب" (3: 3- 6). ومسيرة يسوع تستضيء بكلمة أشعيا (ا 6: 1- 2؛
58: 6 ب): "روح الرب علّي. ولهذا مسحني لأبشّر المساكين" (4: 18- 19). بين هذين
القولين تمّ ما كان مستحيلاً. أعلن أش 61 ما اكتفى أش 40 بأن يعلنه: تحرير الأسرى
وعودتهم. وأعلن ما أعلن في قدرة روح الرب.
إن قول أش 40: 3 الذي يرد في مت 3: 3 ومر 1: 3 (جمعه مع خر 23: 20؛ ملا 3: 1)، قد
أورده لوقا كله فوصل إلى آ 5: "ويرى كل بشر خلاص الله" (2: 3). وهكذا دلّ على البعد
الشامل للتعليم الذي لا ينحصر في الشعب اليهودي، بل يصل إلى أقاصي الأرض.
من المفيد أن نلاحظ كيف أن لوقا جعل يوحنا يترجم النظرة الاشعيائية لسامعيه. عند
متّى، عارض المعمدان بين وجهة اسيانية (الاسيانيون شيعة أقاموا في مغاور قمران، قرب
البحر الميت) من النمط الاسكاتولوجي، وآمال مسيحانية ذات الوان وطنية، أو ترتبط
بشريعانية (تعلّق مفرط بالشريعة) الفريسيين والصادوقين. أما في لوقا، فيوحنا يدعو
"الجموع" بشكل عام إلى توبة صادقة تدلّ عليها ثمار ملموسة. والحكم بالفأس والنار
معروف في التقليد الاشعيائي: إنه زمن الغضب الذي لا يفلت منه أحد، حتى الذين
يعتبرون نفوسهم أولاد ابراهيم. ولكن دينونة الله هي قبل كلّ شيء ما يبزر الإنسان:
يستطيع أن يخرج من هذه الحجارة ابناء لابراهيم، أي اناساً يتوافق عملهم مع وعد يضمّ
البشرية كلها (أع 3: 26).
ورأى سامعو النبي أن الكلام يتوجّه إليهم مباشرة. فسألوا، شأنهم شأن شهود العنصرة
وخطبة بطرس الأولى: ماذا يجب أن نعمل؟ إن اهتمام لوقا واضح وهو أن التوبة الحقيقية
تتطلّب تبديلاً في المواقف. وكلّهم مدعوّون إلى هذا التبديل بمن فيهم العشارون
والجنود الأجانب.
في آ 15، حلّ محلّ الجموع التي تستمع إلى يوحنا، "شعب" مليء بالانتظار. وطرح السؤال
حول تتمة وعد الله لشعبه في شخص المسيح. وفي آ 16، تتكثّف الموازاة بين يوحنا ويسوع
في كلمة المعمدان النبوية: "أنا أعمّدكم بالماء. وسيأتي أقوى منّي من لا استحقّ أن
أحل سيور حذائه. هو يعمّدكم بالروح القدس والنار". هذا القول يعبرّ عن التواصل بين
يوحنا ويسوع على مستوى التقليد النبوي. ولكنه يدلّ في الوقت عينه على أن محطّة
هامّة قد تمّ اجتيازها. تكرّر هذا القول ثلاث مرات في أعمال الرسل فأكّد على
المرحلة الجديدة. مرة أولى استعاد يسوع هذا القول ليهيئ الرسل لحدث العنصرة واجتياح
الروح (أع 1: 5). مرة ثانية ذكره بطرس أمام شيوخ كنيسة أورشليم الذين لاموه على
حريته تجاه الشريعة. دخل إلى بيت ضابط غير مختون وأكل معه. أعلن له بطرس: "تذكّرت
كلمات الرب يسوع. قال: يوحنا عمّد بالماء، أما أنتم فتعمَّدون في الروح القدس" (أع
11: 16). ومرة ثالثة في أفسس. أكّد بولس أمام اليوحناويين (تشيّعوا ليوحنا
المعمدان) الذين ظلُّوا أمناء للمعمدان: "إن يوحنا قد عمّد بمعمودية توبة. وكان
يطلب من الشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي المسيح" (أع 19: 4). لم يعد التشديد
هنا على الطقس، بل على التدبير الجديد. هل سيكون الروح القدس (الذي يتقّبله المؤمن)
البرهان الملموس للنعمة التي وصلت إلى كل إنسان؟ إن تاريخ العهد قد دخل في مرحلة
جديدة. فطوبى للذي يبقى على إيمانه ولا يشك (7: 23).
وينتهي خبر مسيرة يوحنا بإشارتين. الأولى توجز كرازته بكلمات أشعيا: تحريض، تعزية،
انجيل وبشارة. إن يوحنا يبشّر شعب الله (كما بشَّر اشعيا الناجين من صهيون) ويعلن
له ذاك "الذي يعمّد بالروح القدس". الثانية تدلّ على معارضة البشر للانبياء، كما في
زمن إيليا: رفض الملك، أما الشعب فطلب التوبة والارتداد. وجاء سَجن يوحنا، فدلّ على
سجن يسوع، كما سيدلّ موت يوحنا على موت المسيح.
ب- يسوع كلمة النعمة في الروح القدس (3: 21- 4: 44)
واختفى يوحنا المعمدان عن المسرح: ها هو في السجن. وهذا وضع طبيعي بالنسبة إلى
الشاهد الذي تحوّل سريعاً إلى شهيد. لقد ربط لوقا مصير النبي بمصير يوحنا، ولكنه
ميّز بوضوح كرازة.. يوحنا عن ظهور يسوع. فحين بدأ يسوع، دخل السابق في عالم الماضي.
ويتم الانتقال تحت نظر الروح القدس. هذا ما اعلنته كلمة يوحنا النبوية، ودلّ عليه
دلالة واضحة خبر "المسحة" في الأردن: شدّد النصّ على حلول الروح بشكل ملموس على
يسوع كجواب على صلاته. وكان الاختلاف جذرياً بين يوحنا ويسوع: الأول هو نبي وخادم
الكلمة. الثاني هو كلمة نعمة الله في ملء الروح.
إن المجموعة الأدبية المكرّسة لدخوله يسوع على المسرح، تتضمن مجموعتين متداخلتين:
فالمتتالية الأولى (عماد، سلسلة نسب، تجربة) تشدّد على هوية يسوع. والمتتالية
الثانية (خطبة الناصرة، نشاط في كفرناحوم) تبرز وجه الرسالة. ويشكل خبر التجارب صلة
الوصل بين هاتين المتتاليتين، لأنه يقدّم الآن ما يواجه ابن الله من تجارب وصعوبات.
الفصل الثالث
الجذور والبدايات
1: 5-4: 44
توقفنا في ف 1- 2 عند أصل يسوع المسيح، وفي ف 3- 4 عند بداية رسالته كمخلّص للبشر
وابن الله. وها نحن نستعيد الطريق اللاهوتية التي سرناها برفقة القديس لوقا.
إن مسيرة الإنجيلي هي مسيرة متنازلة. فهو لا يعود أولاً إلى نصّ كتابي وإلى تقليد
غريب عن أغلبية سامعيه الذين هم وثنيون ارتدّوا إلى المسيحية. بل ينطلق من خبرة
الروح الحاضرة ويعود إلى ينبوعها في يسوع الناصرة. وحين يلتقي به القرّاء، فهم
يكتشفون في الوقت عينه تجذّره التاريخي ويلتقون مع إسرائيل في قراءة الكتب المقدّسة
التي يتمّها يسوع محوّلاً نظرة شعب الله إلى العالم.
وهذا التحوّل يظهر منذ أولى الصفحات في الإنجيل. ففي الرسم المتوازي بين البشارتين،
جعلَنا لوقا نعبر من معبد أورشليم حيث يحتفل الكاهن زكريا، إلى مدينة في الجليل حيث
تتقبّل صبية مخطوبة بشارة لم يسمع بها أحد.
إهتمّ لوقا بعالم المدن حيث يجتمع الناس. واهتم بكل ما يشكّل حياتهم كما نظّموها مع
تفاصيلها (وعوالمهم) المتعدّدة. أبرز الناصرة، تلك القرية المنسيّة في الجليل، ولا
بيت لحم، مدينة الملك داود. وخسر "معبد" أورشليم الذي هو مركز حضور الله في شعبه،
الذي فيه يتمّ مصير العالم بالنسبة إلى اليهودية، خسر دوره الريادي من أجل قرية لا
يعرفها أحد.
وهناك جديد آخر في إنجيل لوقا هو عالم النساء. نرى مريم واليصابات وحنة. وعالم
الإنجيل أقرب إلى ابراهيم والعهد، أكثر منه إلى موسى وعطية الشريعة في سيناء. في
ذلك الوقت كان شيوخ أورشليم مع كل خبرتهم وحكمتهم وسلطانهم الذي لا يناقش، كانوا
على هامش الحدث العظيم تجاه صبيّة من الريف لم تتزوّج بعد. وهكذا نرى أن الإنجيل لا
يخضع لمنطقنا، بل لمنطق الروح الذي يحيرّنا دائماً ويذهلنا.
1- جذور يسوع المخلّص
وقام تدخّل الله في الوقت عينه بتحويل العقول والقلوب، فبيّن ما تعني ولادة الكلمة
بقدرة الروح. حين بشّر الملاك زكريا، تكلّم عن الصلاة. وحين كلّم مريم قال لها:
وجدت نعمة عند الله. إضطرب الكاهن الشيخ حين رأى الرؤية. أما مريم فلفت نظرها كلمة
تحية وسلام. صار زكريا أبكم بسبب قلّة إيمانه، أمّا إيمان مريم فجعلها خصبة بقدرة
الروح القدس.
ونتوقّف عند هذه النقاط الثلاث.
بعد الصلاة العبادية التي تطلب تحرير أورشليم، جاء الحنان (معنى اسم يوحنا)
كاستجابة لهذه الصلاة. وهذا الحنان (أو هذه النعمة) الذي رافق الحبل بيسوع، هو وجه
الله الذي يرحم البشر.
وكان عبور من المعبد إلى كلمة السلام المسيحاني (إبتهجي). وصلت إلى مريم فانطلقت
تنقلها إلى اليصابات ويوحنا (1: 40). كل هذا يدلّ على خلاص لا ينغلق على شخص أو
شعب، بل ينطلق إلى الآخرين. فالكلمة صار رسولاً قبل ولادته. أسرعت به أمّه إلى أرض
يهوذا. وهذا ما سيفعله الرسل فيحملون كلمة الله حتى أقاصي الأرض. وكل هذا بقوة
الروح الذي جعل يوحنا يتحرّك في حشا أمه، كما جعل قلوب السامعين لكلام الرسل تتفطّر
قلوبهم ويطلبون العماد.
لم نعد أمام عالم قديم، عالم أبكم (زكريا) وعاقر (اليصابات)، عالم ضعف إيمانه فصار
ضعيفاً وغير قادر على التكلّم. لقد صرنا أمام عالم جديد. فها قد تجلىّ إيمان مريم
(1: 45) التي تقبّلت قدرة الله في فجوة الضعف البشري، وبادرت إلى إنشاد شكرها أمام
الذي صنع فيها عظائم.
إن ميثاق البركة الذي عقده الله مع إبراهيم (تك 15: 1- 18) الذي استودع مواعيد
الحياة (رج تك 12: 1- 3) قد تمّ في مريم. فبإيمانها جعلت حنان الله حاضراً في
العالم. في هذا المعنى كان إيمان ابراهيم صورة عن إيمان مريم. ونقول الشيء عينه عن
أعمال الرسل: بالإيمان تقبّل المرتدون الجدد نعمة الخلاص. وهذا الإيمان ينقّي
القلوب (رج أع 15: 9). وهكذا كانت مريم نموذج المؤمنين. وإذ بيّن لوقا أن إيمان
مريم هو فوق علاقات الجسد، أتاح لكل إنسان أن يدخل في تاريخ يسوع بالإيمان، وإن لم
تكن له أية علاقة بشعب إسرائيل (أي: الوثنيون). إنّ تاريخ يسوع هو تاريخنا، كيف
يكون ذلك؟ حين نقرّ أنّ طريقنا الذي نكتشف فيه كل يوم قدرة الروح القدس، ليس غريباً
عن تاريخ يسوع. وهكذا يصبح يسوع في الروح القدس حامل النعمة التي يعيشها المؤمن.
يدعو الإنجيلي قرّاءه، وعبرهم جميع البشر في كل العصور، ليتتلمذوا لدى طفل وُلد
"اليوم" "كالمخلّص" و"المسيح الرب" المنتظر الذي يجتذبنا منذ كلمته الأولى إلى الله
أبيه (2: 49). إنّ ولادة هذا الطفل تجعلنا نكتشف إلى أي مدى عقد الله ميثاقاً مع
البشر. فهولا يسوع قد ضمّ إليه كل واقع بشري وأدخله في مسيرة نموّه. فهذا الولد
يعطي ما هو خفي ومحتقر كل قيمته، ويظهر نسبية الأشياء بالعودة إلى الآب قبل كل شيء.
إن لفظة اليوم تعبرّ عن آنية حنان الآب من أجل عالمنا. فهذا الحنان هو ينبوع كل
حياة، وهو يعطي كل لحظة من لحظاتها قوامها. مع يسوع الآتي، يقدَّم المخلّص اليوم في
قلب حياة كل واحد منا. وهذا "اليوم" هو ثمرة انتظار طويل، بدأ منذ أجيال مع الخلق
فمرّ عبر وعد الحياة الذي أعطي لإبراهيم. وهو أيضاً ثمرة تاريخ حبّ الله عبر ولادة
كل إنسان وحبّه وآماله وموته. هذا "اليوم" يتضمّن في نظر لوقا ما هو جديد جذرياً.
فما أعطي ليست خلاصاً مجرّداً، بل المخلّص يسوع شخصياً (يسوع= يهوه يخلّص). ولكن،
يا للمفارقة، يجب أن نتعرّف إلى هذا المخلّص من خلال سمات "طفل ملفوف بالقمط
ومضجعاً في مذود" (2: 12). بهذا الطريق لا نخلطه مع "الالهة" الوثنية، ولا مع
الأباطرة الذين "يحملون الخلاص" في الديانات المجاورة. إنه مخلّص ينمو وسط البشر.
مخلّص هو حضور قدرة الله التي تلبّي انتظار إسرائيل، وأُفق أمام آمال الشعوب. ماذا
يحمل هذا المخلّص؟ السلام للبشر، وهو سلام ينمو في مصالحة تدلّ على حنان الله.
اليوم ولد لنا مخلّص. وأول كلمة تفوّه بها دلّت على أبيه. إنه الإبن الذي يوجّه
حياته إلى الاب منذ البداية حتى الموت على الصليب (23: 46: يا أبتِ، في يديك أستودع
روحي). ولا نفهم شيئاً من هذا المخلّص، من هذا النور الظاهر للأمم، من هذا المسيح
الرب، إلا إذا رأينا فيه الإبن. وما أخبرنا به في كل حياته هو كيف نعيش كأبناء، كيف
ننمو في روح الإبن. هذا ما كشفه طفل سُلّم إلى ظروف الكبار ومشيئتهم، إلى والديه
والرعاة وكل الذين يطلبون الله.
إذا كان لوقا في ف 1- 2 قد عاد إلى الكتب المقدّسة، إلا أنه لم يستعملها لكي يبرهن
أن يسوع هو المسيح المنتظر، المتحدّر من داود والمتمّ النبوءات. بل هو اتخذ خطّاً
معاكساً: توخى أن يجعلنا ندرك أدن يسوع يفسّر الكتب: قرأها على ضوء موته وقيامته
فصارت مفهومة. ولكي يدلّ على ذلك، عمل عن طريق التلميح لا الإيرادات الواضحة. وهكذا
جعل من العهد القديم قراءة مسيحية واضحة. ولجأ إلى النمطية التي عرفها العالم
اليهودي والعالم الهليني: يوحنا ويسوع يشبهان هذه الوجوه الكبيرة في تاريخ إسرائيل
(إسحق، جدعون، شمشون، صموئيل، إيليا، إرميا، عبدالله المتألّم). وذكّرتنا اليصابات
ومريم بنساء نجح فيهنّ مخطّط الله (سارة، رفقة، حنة، إبنة صهيون).
2- بدايات الرسالة
في ف 3- 4، إرتدى يسوع قوّة الروح فدخل على مسرح العالم ليكشف له ملكوت الله
ويدشّنه. وظهر يوحنا النبي أيضاً: إنه شاهد لواقع مقبل سيمّحى أمامه. لقد حل
التدبير الجديد محلّ طقس العماد بالماء: فالعماد في الروح القدس هو ما يميّز
الملكوت. لقد بدأت حقبة جديدة في تاريخ خلاص الله ساعة حلّ الروح على يسوع وهو
يصليّ في الأردن. فهذا الروح الذي حضر ساعة الحبل به، سيبقى حاضراً فينا بشكل ملموس
ومتواصل وفي فيض متجدّد بدأ مع مسحة يسوع المسيحانية. هي مسحة نبوية مثل مسحة عبد
الله المتألمّ. وهي مسحة ملوكية، لأننا أمام الوارث الشرعي لملكوت الله، أمام الإبن
الحبيب. ولكن لوقا يترك هذه الوجهة في الظلّ حتى تتويج يسوع الممجّد (أع 2: 32- 33؛
3: 13- 15؛ 13: 33).
يسوع في بداياته هو رأس البشرية الجديدة. والرسالة التي يتجنّد لها بقوّة الروح
تضمّ البشرية كلها التي تجد معناها في بنوّته الإلهية.
وتجرّب ابن الإنسان على يد الشيطان، لندرك معنى المجابهات والمحن التي تلي. فطريق
الإبن (وطريق الأبناء) مزروعة بالإضطهادات. هذه هي طريق الملكوت ولا طريق غيرها.
والعودة الأخيرة إلى أورشليم حيث يتمّ آخر فصل من رسالته، تربط إرتباطاً وثيقاً
التجارب وموت يسوع على الصليب وعبوره إلى الآب. هذه هي نهاية "خروجه"، كما كانت
نهاية حجّه إلى بيت الآب وهو في عامه الثاني عشر.
إن حلول الروح، وتصّرف يسوع النبوي تجاه وسوسات الشيطان تلقيان الضوء على الرسالة
التي تبتدىء. ففي الناصرة كشف يسوع بركة الله في بُعدها الشامل والآني. فالتحرّر
الذي أعلنه يعني كل إنسان: الفقير، السجين، الأعمى، المسحوق... إن ما حصل عليه
إسرائيل من رحمة قد حلّ على جميع الفقراء وجميع المرضى. وهذا ما دلّت عليه أعمال
إيليا واليشاع. غير أن لوقا لا يرينا يسوع مبشّراً خارج حدود إسرائيل: لهذا سيكون
التعبير عن هذه الشمولية على هذا المستوى: لهذا فأقارب يسوع وأهل بلدته لا يملكون
حقاً خاصاً على ابن يوسف وابن الناصرة. ولكن قلب التعليم (برنامج الناصرة) سيكون
تمام كلمة النعمة اليوم. فبركة الله التي أعلنت اليوم، تتوجّه إلى جميع المسحوقين
وجميع المرذولين: هذا ما تعنيه التطويبات.
ولكنّ سامعي الناصري لم يهتموا بهذه البركة المعلنة، بقدر ما اهتموا بانفتاح شامل
يشككهم. بيد أنه وجب عليهم أن يعرفوا أن الله حرّ في منح نعمه كما يشاء، وهذا منذ
أيام إيليا واليشاع. ثم إنّ ما حصل من شكّ في الناصرة سيحصل كل مرّة تُعلن البشارة.
ولقد دلّ سفر الأعمال أن الإنجيل لم يحمل السلامٍ والمصالحة بل التصادم والعنف.
وسيكون اسطفانس أوّل من يموت شهيدا. ولكن كلمة الله ليست مقيّدة. ففي الناصرة عبرَ
يسوع بين الذين رفضوا الكلمة التي أعلنها عليهم، وقادوه إلى خارج المدينة ليرموه من
أعلى الجبل. وفي أورشليم، حُكم على يسوع (الذي ظهر في الهيكل) بالموت فقادوه إلى
خارج المدينة. غير أن مصلوب الجلجلة سيقوم في اليوم الثالث.
ونشاط يسوع في كفرناحوم سيشدّد في النهاية على الطابع الشامل للرسالة: هذه المدينة
الجامعة في الجليل (4: 31) ستكون نموذجاً لإعلان يصل إلى اليهودية (4: 44).
والإنتقال من المجمع إلى بيت سمعان (4: 35) وشفاء الحماة، يطلقان الحركة العامة: كل
واحد شُفي. كلهم شُفوا (4: 40). وفي الوقت عينه، بدا يسوع منتصراً على الشّر في
أعماقه، لأنه أجبر الشياطين والأرواح النجسة أن تقرّ بقداسته وأصل رسالته الإلهية.
إن إنجيل الملكوت بدأ طريقه، ولا شيء يوقفه. هذا هو قرار الآب. لهذا قال يسوع: "يجب
عليّ أن أبشرّ المدن الأخرى أيضاً لأني لهذا أُرسِلْت" (4: 44).
الفصل الرابع
الإستماع إلى الكلمة
5: 1- 9: 50
1- موقع هذه الفصول
إن ف 1- 2 قد جعلانا نكتشف جذور يسوع الناصري: هو ابن إسرائيل وابن عصره. وهو أيضاً
ابن الله والمسيح الرب. وقدّم لنا ف 3- 4 بدايات عمله على الأرض: مسحة الروح،
الرسالة التي أخذها على عاتقه في حرية تحمل التحرير إلى البشرية. هذه الرسالة التي
أعلنت إعلاناً نبوياً في الناصرة ستمتد في الجليل: في إطار المجمع، في بيت سمعان،
وأخيراً في "سائر المدن". ولكن الموضع الطبيعي لكرازة يسوع يبقى المجامع.
مع ف 5 تبدأ مرحلة جديدة. لم يعد يسوع وحده: فقد أحاط نفسه بتلاميذ ونساء يسيرون
معه. واختار إثني عشر رسولاً. وها هي الجموع ترافقه في تحرّكاته. لا نجد عند لوقا
كما عند متى ومرقس، توزيع رسالة المعلّم على منطقتين: الجليل ثم اليهودية مع
أورشليم. ما يلاحظه لوقا هو الأسلوب الذي به "يسير"، ياخذ طريقه إلى أورشليم: تجوّل
في بلاد اليهود وهو "يعمل الخير ويجري الشفاء" كما يقول سفر الأعمال (أع 10: 38).
ولكنه كان يعلّم أيضاً كما تقول نهاية الإنجيل (23: 5). في القسم الثالث (9: 51-
19: 27) سنرى يسوع يتخذ وجهة محدّدة: هو يسير نحو أورشليم. إنه أمين لدعوته كنبي
(13: 33).
في انطلاقة يسوع الأولى (5: 1- 9: 50) نجد عند الذين يسمعونه طرقاً مختلفة للإستماع
إلى كلمة الله. أما الإنطلاقة الثانية (9: 18- 19: 27) فيستحدّد موقعها بالأحرى في
خطّ وحي يقود المؤمنين إلى الآب بقيادة الروح القدس، وشرط العبور مع ابن الإنسان في
آلامه وموته.
وهكذا تقدّم لنا المرحلة الثانية التي نتوقّف عندها هنا، طريقتين تلمّسنا بهما
الكلمة، حالتين روحيّتين تجتذبان مسيرتين تغني الواحدة الأخرى. هناك حالة
"المعتادين على الجماعة" أي شعب إسرائيل الذي تمّ في المسيح ودُعي للإنفتاح. وهناك
حالة "كل إنسان" الذي هو للوهلة الأولى غريب عن جماعة الشعب، ولكن قلبه تنقّى
بالإيمان ووُعد بعطيّة الروح القدس.
نستطيع أن نكتشف رسمة أولى لهذه النظرة اللوقاوية إنطلاقاً من شخصَي بطرلس (5: 1-
11) وقائد المئة (7: 1- 10). إنهما يحتلاّن موقعاً هاماً في بنية الفصول التي ندرس
الآن (ف 5- 9). ومفتاح هذا التقارب نجده في أعمال الرسل (ف 10): هناك التقى بطرس
الضابط الروماني كورنيليوس، وأعلن له إنجيل القائم من بين الأموات. وإذ كان بعد
يتكلّم، حلّ الروح القدس على كورنيليوس وأهل بيته، فصاروا باكورة "خائفي الله".
وهذا ما بيّن لبطرس أنّ "الله أعطى أيضاً الأمم الوثنية التوبة التي تقود إلى
الحياة" (أع 11: 18).
وفي بداية ف 5 من إنجيل لوقا، إلتقى سمعان بطرس يسوع الذي دعاه بعد الصيد العجيب
ليكون صيّاداً يصطاد البشر للخلاص. فسقط بطرس على الأرض أمام يسوع وقال له: "إبتعد
عني يا رب، لأنى رجل خاطىء" (5: 8). والضابط الروماني في ف 7، لم يتّصل بيسوع
اتصالاً مباشراً: إنه سمع الناس يتكلّمون عن يسوع. ثم أرسل إليه وفداً أولاً ووفداً
ثانياً. ومن بعيد وعبر الوسطاء، طلب الحياة لأحد أفراد بيته الذي هو على فراش
الموت.
سمعان بطرس يقف وجهاً لوجه أمام يسوع. والضابط يبقى بعيداً. إتضع الأولى أمام يسوع
وأقرّ أنه خاطىء. وشدّد الثاني على وضعه كخاضع، وطلب الحياة لشخص عزيز على قلبه.
واحد تسلّم مهمة ورسالة، والثاني لا. لماذا وضع لوقا هذين الشخصين الواحد تجاه
الآخر؟ حين ألّف فصول إنجيله، لاحظ مختلف الكنائس التي عاش فيها وخصوصاً كنيسة
انطاكية حيث يتجاور اليونانيون واليهود المتهلينون (تحضّروا بالحضارة الهلينية) في
الإيمان الواحد ويتسمّون بالإسم الواحد (أع 11: 19- 26. إنهم مسيحيون). واكتشف
الطابع الشامل لتكامل مسيرتَيْ بطرس وقائد المئة اللذين اجتمعا حوله يسوع في قلب
شعب الله.
وهكذا تتوسّع هذه المجموعة في خط برنامج يسوع في الناصرة (4: 16- 44): مواجهة أولى
مع أبناء موطنه، الناصرة (إسرائيل)، مواجهة مع جميع المرضى في كفرناحوم (العالم).
2- التأليف والبنية
إذا أردنا أن ندرك بنية هذه الفصول وأصالة لوقا، يجب علينا أولاً أن نقابل توالي
المقطوعات عند مرقس ومتى ولوقا. بعد هذا نبرز المحطات التدوينية في تأليف الإنجيل
الثالث.
أ- مقابلة إزائية
سجّلت المرحلة الأولى في مرقس (1: 15- 3: 6) نشاط يسوع في إطار يوم من الرسالة في
كفرناحوم (1: 21- 45). وظهرت ردّة الفعل عند البشر في خمسة مجادلات جليلية (2: 1-3:
6). فصل متّى هذا العرض إلى قسمين. في الأول (ف 8- 9) استعاد معجزات يسوع العشر (8:
1- 4، 14- 17؛ 9: 1- 17). واستعمل القسم الثاني خلال مجادلات يسوع مع خصومه (12: 1-
14). إتبع لو 5: 12- 6: 11 ترتيب المقطوعات حسب مرقس، ولكنه أتبع هذه المجموعة
بخطبة (6: 12- 49) توازي في أمور عديدة خطبة الجبل (مت 5- 7).
وعالجت المرحلة الثانية في مرقس (3: 7- 6: 6 أ) إستقبال أقارب يسوع له. إحتفظ متّى
فقط بعجائب يسوع (مر 4: 35- 5: 43)، وبدّل ترتيبها، وأدخلها في ف 8- 9 (صت 8: 18-
34؛ 9: 18- 26). وأخذ الأمثال (مر 4: 1- 34) فجعل منها خطبة الأمثال في ف 13. أخذ
لوقا مثل الزارع (8: 4- 15) والسراج (8: 16- 18) والمقطع حول عائلة يسوع الحقيقية
(مر 3: 31- 35) الذي صار خاتمة خطبته (8: 19- 21). أما متى فاستعاد هذا المقطع في
12: 46- 50. وانطلق لوقا من معجزات يسوع ليطرح السؤال عن يسوع (8: 22- 56).
إن هذا السؤال عن يسوع يشرف على المرحلة الثالثة في مرقس (6: 6 ب-8: 30). أدخله
متّى كما هو في توسّع ف 14- 17 وتحدّث عن تأسيس الكنيسة. وأخذ لوقا قسماً منه من
أجل ف 9. فقد استعمل في ف 7 مراجعه الخاصة (7: 11- 17، 36- 50)، ثم ما يوازي مت 11:
12- 19، في تدخّل مرسلي يوحنا السجين (7: 18- 35). ولكنه احتفظ من أجل ف 9 مهمة
الإثني عشر (مر 6: 6 ب- 13؛ مت 10: 1- 14)، واعتبارات هيرودس (مر 9: 14- 16؛ مت 14:
1- 2) وتوزيع الأرغفة على الجموع (مر 6: 30- 44؛ مت 14: 13- 21).
ويظهر هذا العمل التدويني بشكل أوضح بفضل لوحة تدلّ على التقابلات الرئيسية في
النصّ اللوقاوي.
5: 1- 11: دعوة سمعان بطرس 7: 1- 10 حدث الضابط. الروماني
= يو 21 = مت 8: 5- 13
5: 12- 6: 11: المغفرة 7: 11- 50: إحياء إبن أرملة نائين
مر 1: 40- 2: 12 حدث خاص بلوقا
: طعام الغداء شهادة يسوع على المعمدان
= مر 2: 13- 22 = مت 11: 12- 19
: السبت سمعان والخاطئة
حدث خاص بلوقا
= مر 2: 23- 3: 6
6: 12- 16: الرسل الإثنا عشر 8: 1- 21: الإثنا عشر والنسوة
= مر 3: 13- 19 = مر 1: 39؛ 15: 40- 41
6: 17- 19: يسوع والجمع
= مر 3: 17- 11
6: 20- 29: التطويبات وخطبة السهل الكلمة المزروعة
= مت 5-7 = مر 4: 1- 25
عائلة يسوع الحقيقية
= مر 3: 31- 35
ب- التدوين اللوقاوي
حين ننظر إلى التدوين اللوقاوي، نلاحظ بعض المحطّات في النصّ. يبدأ ف 5 بلفظة ترد
مراراً عند لوقا: "وحصل". نعرف أن الجمع يزحم يسوع ويسمع كلمة الله. هكذا يبدأ خبر
دعوة سمعان بطرس بعد الصيد العجيب. وتتلاحق ثلاثة أحداث: تطهير الأبرص، شفاء
المخلّع وغفران خطاياه، دعوة لاوي. وقد بدأ لوقا الحدثين الأولين بشكل واحد: وحدث
أن يسوع كان في إحدى المدن (5: 12). وحدث أن يسوع كان يعلم ذات يوم (5: 17). وتظهر
بداية الحدث الثالث بشكل خاتمة: وبعد هذا خرج (5: 27).
ذكّرنا لوقا هنا بدعوة بطرس (5: 1- 11) حين كرّر عبارة: ترك كل شيء وتبع يسوع (5:
11- 28)، وحين لمّح إلى الخطأة (5: 8، 30- 32).
ويمتد الوضع الذي أقامته هذه الأحداث الثلاثة في ف 6 حيث تعود عبارة واحدة فتبرز
محطّتين تدوينيّتين واضحتين: خبر السنابل المقلوعة، وشفاء الرجل الذي يده يابسة:
وحصل في سبت: كان مجتازا بين حقول القمح (6: 1). وحصل في سبت آخر: دخل المجمع (6:
6). وتنتهي المسيرة بصلاة يسوع واختيار الإثني عشر وخطبة السهل. وتبدأ هذه المجموعة
مع 6: 12 (كما في 5: 7): "وحدث في تلك الأيام" (فيما بعد).
تتضمّن خطبة السهل عرضاً متوازياً بين التطويبات (طوبى لكم) وبين التويلات (الويل
لكم)، ثم كرازة تبدأ بهذه العبارة: "وأما أنتم أيها السامعون" (6: 27). بعدها يأتي
توسّع يبدأ: "وضرب له أيضاً مثلاً" (6: 39). وينتهي كل هذا بقول يشير إلى سماع ما
يقوله يسوع والعمل به، وهكذا نعود إلى موضوع البداية (5: 1: كان الجمع مزدحماً
لسماع كلمة الله).
وينقلنا ف 7 إلى واقع جديد: بعد خطبة يسوع نعود إلى أخبار تشير إلى مسيرة أخرى.
"ولما فرغ من هذا الكلام كله على مسامع الشعب، دخل كفرناحوم" (7: 1). وفي نهاية حدث
قائد المئة نستعيد العبارة عينها: "وحدث فيما بعد" (7: 1). نجد هنا خبير إقامة إبن
أرملة نائين وفيه "مجّد الناس الله" (7: 16) كما فعل المخلع الذي غفرت خطاياه وشهود
المعجزة الذين استولى عليهم الخوف (5: 25- 26). بعد هذا يرد حدث مرسلي يوحنا
المعمدان مع الشهادة التي أدّاها له يسوع. أخيراً وُجد سمعان الفريسي وجهاً لوجه مع
الخاطئة، أمام يسوع. في هذا المقطع الذي يتحدّث مراراً عن "النبي" (7: 16، 26
مرتين، 28، 29)، نتكلم أيضاً عن غفران الخطايا (7: 47- 48؛ رج 5: 20) وعني الإيمان
(7: 50؛ رج 5: 20 و7: 9).
حينئذ نرى يسوع ينطلق عبر المدن والقرى، وهو يعلن إنجيل الملكوت. يرافقه الإثنا عشر
والنسوة. وتأتي في المقدّمة عبارة هي صدى لما في 7: 11: "وحدث في تلك الأيام" (فيما
بعد) (8: 1).
تزاحمت الجموع حول يسوع، فقدّم لها خطبة جديدة: قدّم مثل الزارع الذي فسّره
للتلاميذ الذين جاؤوا يسألونه. وتنتهي هذه الخطبة بوصول أقاربه: أرادوا أن يروه.
وكانت تلك مناسبة للمعلّم حتى يتحدّث عن القرابة الحقيقية: "الذين يسمعون كلمة الله
ويعملون بها". كان الإنجيلي قد لامس موضوع كلمة الله في 5: 1. وختم الإرتباط بين
"السماع" و"العمل" في الخطبة الأولى، خطبة السهل.
هذه اللحمات الأدبية المختلفة تتيح لنا أن نكتشف توازياً لوقاوياً مميّزاً وراء
تأليف هذه المجموعة (5: 1- 8: 21). إن الحالتين الروحيتين اللتين أشرنا إليهما
يقدّمان نموذجين (سمعان بطرس، قائد المئة)، ثم مسيرة تبرز القيم الخاصة بكل من
هاتين الحالتين، وأخيراً خطبة ليسوع. والمقابلة التالية تبرز الموازاة.
أ- الكلمة لإسرائيل (5: 1- 6: 49) ب- الكلمة الرسالية (7: 1- 8: 21)
النموذج: سمعان بطرس (5: 1- 11) النمرذج: قائد المئة (7: 1- 10)
المسيرة: غفران (5: 12- 26) المسيرة: إبن أرملة نائين
(7: 11-17)
الوليمة (5: 27- 39) شهادة ليوحنا (7: 18- 35)
السبت (6: 1- 11) سمعان والخاطئة
(7: 36- 50)
خطبة السهل (6: 12-49) كلمة يسوع وسط أخصّائه
(8: 1- 21)
وتبدأ المجموعة التالية (8: 22- 9: 51) فتستعيد المتتالية الإزائية التي تتضمّن
تسكين العاصفة (8: 22- 25= مر 4: 35- 41؛ مت 8: 18، 23- 27)، شفاء المجنون في أرض
وثنية (8: 26- 39= مر 5: 1-20؛ مت 8: 58- 34)، شفاء النازفة وإقامة إبنة يائيرس (8:
40- 56= مر 5: 21-43؟ مت 9: 18- 26). وتبدأ هذه المتتالية بعبارة ظهرت في 5: 17
بشكل قريب جداً. "وحدث في ذات يوم" (8: 22). إنها تتسجّل في انطلاقة يسوع: في 8:
22، ركب السفينة مع تلاميذه. وصلوا إلى أرض الجرجاسيين في 8: 26، واستقبلهم الجميع
في طريق العودة (8: 40). طُرح السؤال حول هويّة يسوع (8: 25) ومعنى عمله (ما جرى،
8: 34، 35، 56). نحن هنا أمام سؤال مطروح داخل حلقة من الأشخاص يرافقون يسوع، أو
يلتقون به في الطريق، أو يسمعون كلمته ويعملون بها.
بعد متتالية 8: 22- 56 نجد توسّعاً أخيراً يصل بنا إلى 9: 50 ونهاية الرسالة في
الجليل، وبداية الصعود إلى أورشليم: بعثة الإثني عشر (9: 1- 6)، حيرة هيرودس حول
يسوع (9: 7- 9)، تكثير الأرغفة (9: 10- 17). في 9: 18 لا يتبع لوقا متى ولا مرقس.
فنحن نستعدّ لحقبة جديدة في تعليمه، تبدأ في 9: 51 وتنتهي في 19: 27.
نلاحظ هنا عمل الرسل. لقد أرسلوا على خطى يسوع ليكرزوا بملكوت الله ويجروا الأشفية
(9: 2). فحرّك عملهم الرسولي سؤال هيرودس (9: 9)، ذاك السؤال الذي ولد خارج حلقة
المؤمنين. بعد هذا، دفع يسوع الرسل لكي يطعموا الجموع.
وتمتدّ هذه المتتالية حتى 9: 51 حيث نقرأ: "وإذ كان زمن ارتفاعه من هذا العالم قد
اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم". نحن هنا أمام السفر إلى أورشليم. ترك لوقا هنا
رسمة مرقس وسار في خطه. وغابت أسماء الأماكن، فلم يبقَ منها إلاّ ما نحتاجه في إطار
الصعود إلى أورشليم. أجل، إن 9: 51 هو آية أساسية في إنجيل لوقا، وقد تهيّأ منذ 9:
18 المنعطف اللاهوتي الذي يشير إليه.
3- تقديم النصّ
أ- كلمة مرسلة إلى إسرائيل (5: 1- 6: 49)
نستطيع أن نسمّي ف 5- 6: كلمة إلى إسرائيل. فكل المقاطع تحيلنا بالدرجة الأولى إلى
ما يعني بوجه خاص شعب إسرائيل. فالخبر الأول هو خبر اعتراف خاطئ أمام تدخّل الله،
وهو خبر دعوة. وتعالج الأحداث التالية شفاء الأبرص، غفران الخطايا (محفوظ لله
وحده)، نداء خاطئ. وتبرز الجدالات بين يسوع من جهة والكتبة والفريسيين من جهة
ثانية، بمناسبة هذه اللقاءات، فتدلّ على الإطار اليهودي الذي يحدّد موقع العمل.
إنها تعني ممارسة الصوم والمحافظة على السبت. وخبر اختيار الإثني عشر الذي يذكّرنا
بتكوين شعب الله في اثني عشر سبطاً، يعطي هذه المجموعة وجهها.
ب- الكلمة الرسالية (7: 1- 8: 2)
إن عبارة 7: 1 (بعد أن أتمّ كل هذه الأقوال في مسامع الشعب) لا تعود فقط إلى الخطبة
التي تسبقها (6: 21- 49). بل تشمل ما يتضمّنه ف 5- 6 اللذين تشكّل خطبة السهل
ذروتهما. وتبدأ مرحلة جديدة للذين لم يصمّوا آذانهم. في بداية هذه المرحلة الجديدة
تبرز صورة قائد المئة الذي يدلّ على طابع انفتاح الكلمة حيال كل إنسان. لهذا نتحدّث
عن الكلمة الرسالية، عن كلمة الرسالة التي تذهب إلى أبعد من العالم اليهودي.
في الواقع، إن المتتالية التي تربط "خطبة التطويبات" بحدث الضابط الروماني، تكوّنت
قبل لوقا ومتى. إستعادها لوقا فاستفاد من الرمزية المرتبطة بهذا الشخص (هو وثني،
وينتمي إلى قوى الإحتلال، القوى الرومانية) ليوجّه ولْي خبره. هنا نقابل بينه وبين
قائد مئة آخر هو كورنيليوس المقيم في قيصرية البحرية.
مع دخول قائد المئة على المسرح، تبدأ الرسالة أبعد من إسرائيل (7: 9). ففي ف 5- 6،
جمعت أقوال يسوع وأعماله حلقات من السامعين: الإثنا عشر، جماعة التلاميذ، جمهور
كبير من الشعب (6: 13، 17)، وحدّدت النداء الذي وجّه إليهم. أما في ف 7- 8 فتجاوز
نشاط يسوع إطار العالم اليهودي بحصر المعنى.
ج- وحي مثلّث (8: 22- 9: 50)
بعد الفاصل في 8: 22 (وحدث في ذات يوم)، تبدأ مجموعة أولى من الأخبار تتوزع حول سفر
يسوع على البحيرة: ركب السفينة (آ 22)، نزلوا من السفينة (آ 26). فركب يسوع في
السفينة ورجع (آ 37)، ولما كان يسوع راجعاً (آ 40). نجد هنا تسكين العاصفة وخلاص
المجنون (آ 22- 39)، ثم خلاص النازفة وقيامة إبنة يائيرس (آ 40- 56). ما يربط هذين
الجزئين هو شخص يسوع الذي في قلب عمله يرفع زاوية من الحجاب فيدلّ على سرّه. وهكذا
نصل إلى السؤال الأول الذي طرحه التلاميذ: من تُرى هذا (آ 25)؟
في 9: 1 نقرأ "ودعا الإثني عشر". في 9: 18 نجد العبارة المعروفة: "وحدث أنه كان ذات
يوم يصلّي". نحن هنا أيضاً أمام سؤال عن يسوع يطرحه أناس من خارج حلقة التلاميذ،
ويتكلّم باسمهم هيرودس: "من ذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأخبار" (9: 9)؟
ويطل الوحي المثلّث كجواب على السؤالين اللذين طُرحا عن يسوع (التلاميذ، هيرودس).
بدأ يسوع فسأل تلاميذه في هذا الموضوع (9: 18- 20)، ثم كشف لهم المصير الذي ينتظره
(9: 22). وبدا حدث التجلّي (9: 28- 36) عند لوقا كنقطة إنطلاق لي "خروج" يسوع إلى
أورشليم على ضوء قصد الآب. وجاء تكرار الإنباء بالآلام فجعل التلاميذ منذهلين أمام
الكلمة التي لم يفهموها.
4- معنى النصّ
ما هي الطريق التي سرنا فيها منذ ف 5؟ هناك عنصر أول يلفت انتباهنا: إن لوقا يبقى
حاضراً في نصّ يحدّثنا فيه عن يسوع. فإن اقترب منا يسوع شيئاً فشيئاً، فهذا لا يعني
أن الإنجيلي يخسر مكانته. أما مرقس فيختفي بشكل واضح ويترك القارئ أمام شخص يسوع
المسيح وابن الله. ومتّى يجعل القارئ يعيش الخبرة الكنسيّة في الجماعة الأولى
الملتئمة حول ربّها. أما الإنجيلي الثالث فنحسّ أنه مليء بخبرة يريد أن يوصلها
إلينا. إنه يأخذنا بيدنا ليجعلنا ندرك خبر يسوع، كما فعل مع تيوفيلوس، محبّ الله.
لهذا قدّم مسيرتين لسماع الكلمة. لا شك في أنّ وحي يسوع هو واحد هنا وهناك، ولكن
طريقة سماعه تختلف. لسنا أمام نمطين من الجماعات، ولا أمام جدلية اليهودي والوثني.
بل أمام توجهين من السماع يكمّل الواحد الآخر.
في المسيرة الأولى (في إسرائيل) نتقبّل الكلمة في "وجه لوجه" (تث 34: 10؛ إر 31:
34). هذه الكلمة الموحاة ستصبح مقياس كل عمل، وهي تحدّد ممارسة نموذجية. لهذا نرى
في خطبة السهل تشديداً على محبّة الأعداء (6: 27- 35)، على الرحمة (6: 36)، على
الإمتناع عن الدينونة، وعن الغفران (6: 37). ونطرح السؤال: هل تتجسّد الكلمة في
تصرّفاتنا، هل تصبح حياة؟
في الحالة الثانية نتحقّق من السماع. فكل إنسان لم يدركه وحي الله يتوقّف عند واقع
الحياة اليومي. حينئذ يكتشف أن هذه الحياة هي موضع سكنى كلمة الله في يسوع. حينئذ
يعود إلى أساس كل حياة، إلى يسوع المسيح القائم من الموت. هنا تنطلق المسيرة من
الحياة إلى الكلمة. وهنا يطرح السؤال: هل أنا متنبّه إلى سرّ الحياة؟ هل تصبح حياة
الله كلمة في حياتي؟ قال يسوع: "تبصّروا كيف تسمعون" (8: 18).
أ- نقطتا الإنطلاق
وضع لوقا في إنطلاقة كل من هاتين المسيرتين نموذجاً يدلّ على معنى المسيرة: سمعان
بطرس وقائد المئة. ففي بداية المتتالية التي تبدأ مع سمعان بطرس، نرى الجموع تتزاحم
حول يسوع لتسمع كلمة الله (5: 1). ثم يقال لنا أن المعقم كان يعلّم الجموع (5: 5)
من السفينة. وبعد هذا، جاءت كلمة يسوع (5: 5) فدفعت بطرس إلى أن يرمي الشبكة. ودُعي
بطرس ألاّ يخاف (5: 10)، ثم تبع يسوع (5: 11).
وفي متتالية قائد المئة كتب لوقا أن يسوع "فرغ من هذا الكلام على مسامع الشعب" ثم
دخل كفرناحوم (7: 1) هذه المدينة الجامعة. ما سمعه الضابط عن يسوع جعله يكتشف كلمة
تتوجّه إلى لقاء رغب فيه بأن يرى خادمه حيّاً ويخرج من وضعه السيّء. فالوفدان
اللذان بعث بهما إلى يسوع يدلاّن على أنه يؤمن بالعلاقات البشرية. ولكن هذه
العلاقات تبقى خاضعة لكلمة الشفاء التي يسمعها من الرب.
كيف تتوضّح هاتان المسيرتان؟
أولاً: المسيرة الأولى
تبدأ المسيرة الأولى بلقاء مع الأبرص. آمن بالكلمة، ولكن عليه أن يتقبّل تطهيره
كعطية مجانية لا تستطيع الشريعة إلاّ أن تتحقّق منه. وكان هذا الشفاء سبباً لتزاحم
الجموع التي جاءت تسمع الكلمة وتطلب الشفاء.
وحدثُ المخلّع الذي شُفي ونال الغفران، يجعل المسيرة تتقدّم. الله هو الذي يشفي وهو
الذي ينقّي القلب. وسيبيّن الحدث أن "الكسحان" الحقيقيين هم الفريسيون ومعلمو
الشريعة: تقوّوا بممارستهم للشريعة فظنّوا أنهم يكتفون بالخارج دون الداخل. نحن هنا
أمام شفاء نموذجي لمخلّع الباب الجميل (أع 3: 1- 10) واينياس الذي قال له بطرس:
"شفاك يسوع المسيح! إنهض وافترش لنفسك"! فنهض للحال (أ ع 9: 34).
وتوجّهت خطبة الجبل إلى الجماعة المؤمنة. فعلى خلفية تكشف الملكوت، كانت هذه الخطبة
نداء لالتزام نبوي يقدّم لكل إنسان في عمل شامل، لا في ممارسة شريعة محفوظة لشعب
واحد. وهذا الإلتزام يقوم بأن نشهد للملكوت الذي أعطي لنا في يسوع. ويطرح السؤال:
هل أنا نبي حقيقي أم نبي كاذب؟ هل أنا شاهد حقيقي أم لا؟ فالذي يقول باستمرار إنه
شاهد للرب ولا يدخل في مصير ابن الإنسان (حيث الفقر والجوع والدموع والاضطهادات، رج
6: 20- 22). يكون شاهداً كاذباً: وما يدل عليه هو الغنى والشبع والضحك والكرامات
(رج 6: 24- 26).
هناك قراءة أولى للتطويبات والتويّلات تجعلها سلسلة من مواقف أدبية "نرضي" بها
الله: حسب هذا التفسير، إن الله يحبّ الذين يقرّون بفقرهم، يحبّ الذين تتركهم خيرات
الأرض في جوعهم، والذين يقبلون مصيرهم وإن ترافق بالدموع. وهناك قراءة ثانية تجعلنا
نقرأ التطويبات والتويّلات بطريقة مادية: المساكين يملكون قيماً جعلنا الغنى
ننساها. إنهم يعيشون في البساطة الحقيقية. هذا هو البعد الديني، بينما شدّدت
القراءة الأولى على البعد الروحي.
عندما يتحدّث لوقا عن الجوع والفقر والبكاء، فهو ليس أمام استعارة ورمز. إنه أمام
الواقع اليومي بما فيه من قساوة. يسمّى الفقراء "سعداء" لأن الله يهتمّ بهم. لا
بسبب استحقاقاتهم، بل بسبب الحالة نفسها التي فيها يعيشون. إن الله كأب محبّ، يعتني
بصورة خاصة. بالمساكين والجياع والباكين والمضطهدين. ذاك كان دور الملك في أرض
إسرائيل، بل في الشرق كله. ثم إن الحقيقة الإلهية للتطويبات لا تنفصل عن مصير إبن
الإنسان. بل لا أساس لها إلا الثقة بأمانة الله كما تجلّت في يسوع. فالمساكين
والجياع والباكون هم سعداء لأن الله عمل في يسوع بشكل نهائي من أجلهم، فأقام من بين
الأموات (وجعله مسيحاً ورباً، أع 2: 36) ذاك الذي يتمّ رجاءهم (أع 26: 6).
ثانيا: المسيرة الثانية
تبدأ كما قلنا بشفاء خادم قائد المئة الذي هو نموذج المؤمن الذي لم يرَ يسوع ولم
يسمعه إلا عبر أصدقائه وعائلته وإخوته.
في حدث نائين، وجد الرب نفسه فجأة أمام الموت. نحن أمام امرأة ضربها الشقاء. قال
لها يسوع: "لا تبكي" (7: 13). وهكذا أدخلها في تطويبة الذين يبكون. والإبن الذي
أعيد إليها صار حامل كلمة. أحسّ الناس أن الله افتقد شعبه، زاره، صار قريباً منه
(7: 16). وذكرُ اليهودية كلها وجميع البلدان المجاورة يدلّ على إتّساع الكلمة
وتجاوزها إطار العالم اليهودي.
ويعود بنا الإنجيلي إلى الشهادة في خبر تساؤل يوحنا المعمدان عن يسوع. على المستوى
التاريخي، إرتبط مجيء يسوع بكرازة يوحنا التي جذّرته في تقليد إسرائيل النبوي. ثم
يتواجه سمعان الفريسي الذي يمثل تقليد شعبه بأدقّ ممارساته، مع امرأة وامرأة خاطئة
وبالتالي منبوذة من الجماعة المقدّسة. هل يسوع هو نبي حقيقي أم لا؟ ذاك هو سؤال
سمعان. هل يتقبّل حبّاً نجساً؟ ذاك هو تساؤل الخاطئة وقلقها. وكان الجواب رحمة
شاملة ضمّت هذا وتلك في غفران واحد. وهكذا اجتمع المدينان في نعمة واحدة: فالنعمة
التي عرفتها الخاطئة صارت درساً لسمعان (الإيمان الذي يخلّص)، صارت دعوة إلى السلام
والمصالحة.
وتتوجّه خطبة جديدة إلى الذين يتحلّقون حول يسوع: الإثنا عشر الذين يمثّلون شعب
إسرائيل. نساء تخلّصن من خطيئتهنّ، جمهور كبير جاء من كل مكان. كل هؤلاء جمعهم يسوع
في مسيرته: الإثنا عشر الذين "معه"، والنسوة اللواتي "يخدمنه" (رج أع 6: 2؛ 19:
22)، والجموع "التي تسير معه". هذا ما نجده أيضاً في أعمال الرسل. وجاء مثل الزارع:
يسوع هو الزارع وهو الحبّة المزروعة التي نحفظها فنثمر بالصبر.
إذا كان هذا هو السرّ الذي نجده في مجموعة الذين حول يسوع، وإذا كان تقبّل الكلمة
والعمل بها هما جوهريان، فإن محاولة أهل يسوع بأن تضع يدها على هذا النبي وتمتلكه
(كما أراد أن يفعل أهل الناصرة، 4: 16- 30) ستكون فاشلة. فجماعة يسوع تعيش من
كلمته، وتكتشفها دينامية نموّ تتغلغل في العمل. كما تختبر في الطاعة للكلمة قدرة
الروح القدس التي تدفعنا إلى الشهادة.
الفصل
الخامس
صعود يسوع إلى أورشليم
9: 51- 19: 27
إن القسم الأول من الإنجيل اللوقاوي (الحقبة الجليلية من رسالة يسوع العلنية، 3:
21-9- 50) تجد ذروتها في اعتراف بطرس في قيصرية فيلبّس. فقد أعلن بطرس باسم
التلاميذ: أنت "مسيح الله" (9: 20)، وهذا الإقرار الرسمي بمسيحانية يسوع قد فسّره
حالاً وكمّله الصوت السماوي في خبر الصعود: "هذا هو ابني ومختاري، فله اسمعوا" (9:
35). يسوع هو المسيح، ولكنه مسيح متألم، هو عبد الله الذي يتمّ الآن "خروجه"
(إنطلاقته، مسيرته) إلى أورشليم (9: 22، 31، 44).
إن هذه النظرة إلى الموت المرتبط بضرورة الذهاب إلى المدينة المقدسة، أمر مشترك بين
الأناجيل الإزائية. ولكن فكرة "سفر إلى أورشليم" ظلّت عند مرقس (10: 32: 11: 1)
ومتّى (20: 17؛ 21: 1) فكرة عابرة. أما لوقا فتوسّع فيها توسيعاً كبيراً. فكل القسم
المركزي في إنجيله بُني في رسمة "سفر"، رسمة "صعود" يسوع إلى أورشليم. ورتب لوقا
داخل هذا الإطار القسم الأكبر من المواد الأدبية التي تفرّد بإيرادها.
1- المعطيات
نقف عند فرضية المرجعين فنقدّم الملاحظات التالية:
أ- حتى 9: 50، إتبع لوقا بأمانة شبه كاملة ترتيب المواد التي وجدها في نموذجه
المرقسي. غير أنه أغفل مر 6: 45- 8: 26 (جزء من الرسالة في الجليل)، وأدخل بعض
العناصر غير المرقسية، لا سيّما 3: 1- 4: 30 و6: 20- 8: 3.
إذن، نستطيع القول (مع إغفال بعض التفاصيل) إن لوقا استعاد تصميم مرقس ومواده في مر
1: 1- 9: 41. أخذ هذه المواد التي ترتبط بالحقبة الجليلية من رسالة يسوع العلنية،
فامتدّت في إنجيله حتى 9: 50.
ب- بعد 9: 51، ترك لوقا النموذج المرقسي ليعود إليه في 18: 15 ويتبعه بطريقة شبه
أمينة (ما عدا لو 19: 1- 27) حتى بداية خبر الآلام. وظلّ لوقا مرتبطاً بنموذجه من
خبر الآلام (22: 1) حتى نهاية إنجيله (24: 12)، غير أنه بدا شخصياً ومتحرّراً.
وهكذا عاد لوقا من 18: 15 إلى 22: 1، إلى ترتيب مرقس، واستعاد بأمانة ما وجد في مر
10: 13- 13: 37. هي المواد المتعلّقة بنشاط يسوع العلني في أورشليم. من لو 22: 1
إلى 24: 2 بدا لوقا حرّاً بالنسبة إلى مر 14: 1- 16: 8 (الآلام والقيامة).
ج- أما الجزء اللوقاوي في 9: 15- 18: 14، فلا يوازيه شيء في مرقس، وهو أصيل من
جهتين. من جهة أولى، جمع فيه الإنجيلي مواد غير مرقسية ترجع إلى المعين (معين
الأقوال) الذي يشارك فيه متى، أو إلى اللوقاويات (أمور خاصة بلوقا، لا نعرف من أين
وصلت إليه). ومن جهة ثانية، تضمّن هذا الجزء سلسلة من النبذات التدوينية (دوّن لوقا
معظمها) التي تدلّ على أن يسوع ما زال سائراً (صاعداً) إلى أورشليم. نحن نجد هذه
الإشارات إلى السفر حتى 19: 28.
ونجد بين هذه النبذات ما يشير بوضوح إلى "صعود يسوع إلى أورشليم".
9: 51: صمّم أن ينطلق إلى أورشليم.
9: 53: لم يقبلوه لأنه كان متوجّهاً إلى أورشليم.
13: 22: وكان يجتاز في المدن والقرى، وهو يعلّم، قاصداً في طريقه إلى أورشليم.
13: 33: لا بدّ من أن أواصل السير اليوم وغداً وما بعده، إذ لا يليق أن يهلك نبي
خارج أورشليم.
17: 11: وفيما هو شاخص إلى أورشليم، جاز على حدود السامرة والجليل.
18: 31: إنفرد بالإثني عشر وقال لهم: "ها نحن صاعدون إلى أورشليم.
19: 11: وفيما الناس يسمعون ذلك، ضرب أيضاً مثلاً، لأنه كان قد اقترب من أورشليم".
19: 28: ولما قال هذا، سار في المقدّمة صاعداً إلى أورشليم.
إذا وضعنا جانباً لو 18: 31 الذي يستعيد مر 10: 33، نرى أن كل هذه النبذات تنتمي
إلى اللوقاويات، وهي تبدو في معظمها بشكل مقدّمات أمام الخبر اللاحق. هذا هو الأمر
بالنسبة إلى 9: 51 (مقدّمة لحديث عن اتباع يسوع): 13: 22 (مقدّمة لحديث عن الخلاص)؛
17: 11 (مقدّمة لشفاء البرص)؛ 18: 31 (مقدّمة للانباء بالآلام)؛ 19: 11 (مقدّمة
لمثل الدنانير)؛ 19: 28 (مقدّمة الدخول الإحتفالي إلى أورشليم). ثم إن سائر النبذات
تبدو استعادة للتي سبقتها. تعيدنا 9: 53 إلى 9: 51؛ و 13: 33 إلى 13: 22؛ و 19: 41
إلى 19: 28. ويستعمل لوقا في أغلب المرات فعل "صعد"، سار، انطلق، شخصَ. مع تحديد
الموقع: أورشليم. وأخيراً، هناك ثلاث حالات تُتبع النبذة بتحديد طوبوغرافي: في 9:
52، دخل يسوع وتلاميذه إلى قرية سامرية. في 17: 11، مرّ يسوع على حدود السامرة
والجليل. وفي 19: 29 كان قريباً من بيت فاجي وبيت عنيا عند جبل الزيتون.
وهناك. نبذات أخرى تشير بشكل عام إلى أن يسوع "يسير" دون تحديد واضح للمكان الذي
يقصده.
9: 56: إنطلقوا إلى قرية أخرى.
9: 57: وفيما هم سائرون، قال له إنسان في الطريق.
10: 38: وفيما هم في الطريق، دخل قرية.
14: 25: وكان جموع كثيرون يواكبونه، فالتفت وقال لهم.
د- إن خاصية المواد التي يتضمّنها لو 9: 51- 19: 27، والأهمية التي يعطيها الإنجيلي
للنبذات عن هذا الصعود، تدفعاننا إلى طرح الأسئلة التالية.
أولاً: أما يساعد موضوع "السفر إلى أورشليم" على تنظيم مختلف المواد (أمثال، خطب،
أقوال) في هذه القاطعة الكبرى حسب ترتيب تاريخي يكون كرونولوجياً وجغرافياً؟.
وبعبارة أخرى، قد أراد لوقا أن يعمل عمل المؤرخّ فوصلت إلى يديه وثائق متنوّعة. أما
حاول أن يرتّب هذه المواد في إطار خبر سفر (من الجليل إلى أورشليم) تلعب فيه
النبذات محطات تاريخية هامة؟
ولكن هذه الطريقة في النظر إلى الأمور تبرز صعوبات جدّية. فحين نقرأ الوثائق التي
يتضمّنها هذا القسم المركزي من الإنجيل، نحسّ كأن مختلف المواد التي تؤلّفه قد جمعت
بالحري حسب مواضيع متنوّعة (الرحمة، ف 15. استعمال خيور الأرض، ف 16). أو حسب
سامعين معيّنين (الجموع، التلاميذ، الفريسيون). ولم تجمع بالنظر إلى معطيات تاريخية
وجغرافية. فالرباطات بين المقطوعة واختها هي متراخية في أغلب الأحيان. وقليلاً ما
نعرف أين ومتى قيل هذا المثل وهذه الخطبة. وهناك عدد قليل يقع في محلّه في إطار
مسيرة من الشمال إلى الجنوب. مثلاً، كيف نفهم أن يكون يسوع دخل قرية للسامريين في
9: 51- 56؟ أن ترد في 10: 13- 15 "تويّلاته" ضد كورزين وبيت صيدا اللتين تقعان إلى
الشمال وفي الجليل؟.
أخيراً، إن الإطار الزماني والمكاني لصعود يسوع إلى أورشليم (ف 9- 19) هو غير دقيق،
وهو دقيق. فالإطار لا يتوافق مع الصورة. بل هناك تعارض وانشداد بين المعطيات
الزمانية والمكانية في السفرة السامرية والأحداث المروية في هذه المناسبة. فهناك
مقطوعات مأخوذة من المعين أو من اللوقاويات لا ترتبط أي ارتباط بالعالم السامري: 9:
57- 62 (اتبعك)؛ 5 1: 1- 2 (72 تلميذاً)؛ 15: 17- 20 (عودة الإثنين والسبعين)؛ 11:
37- 54 (رياء الفريسيين وكبرياؤهم)؛ 14: 1- 24 (المجاهرة بالحقيقة)؛ 10: 25- 28
(ماذا أعمل لأرث الحياة)؟... وفي النهاية، يذكر لوقا أريحا وهذا يعني أن يسوع مرّ
في شرقي الأردن (ولم يمرّ في السامرة كما كان يفعل الحجّاج). ويبقى السؤال: أما
يكون هذا الإطار بالأحرى مسيرة لاهوتية؟
ثانياً: بما أن هناك صعوبات تثيرها الفرضية الأولى، أما يجب أن نتوجّه نحو حلّ
أبسط؟ حينئذ نرى في نبذات السفر المتكرّرة والتي دوّنها لوقا خدعة أدبية تحاول أن
تضم مواد المعين واللوقاويات دون أن تبلبل ترتيب مرقس. ولكن في هذه الحالة يجب أن
نبحث عن بنية هذا الجزء من إنجيل لوقا. كيف جمعت هذه المقطوعات المتفرّقة؟
ثالثاً: قد نتّخذ موقف دانو الذي طرح المسألة في العمق، فنتساءل عن الهدف العميق
الذي وجّه لوقا في صياغة هذا الجزء المركزي من إنجيله. ثم نقول: إن خبر السفر هو
إطار استعمله لوقا ليقدّم بعض مواضيعه اللاهوتية المحدّدة.
2- ثلاثة أمثلة لتفسير خبر السفر
أ- التفسير التاريخي
قال دانو: ينطلق اصحاب هذا الإتجاه من فرضية تقوله إن الإنجيل يقدّم "تقريراً"
محدّداً عن حياة يسوع على الأرض.. ويسعون إلى التوفيق بين المعطيات المتنافرة في
الأناجيل الأربعة، ليعطوا صورة واضحة عن مسيرة حياة يسوع العلنية. وفيما يتعلّق
بخبر السفر، يتّخذ هذا الموقف أشكلة عديدة: هناك من يقول (لايتفوت، لاغرانج) إن
النبذات الثلاث الواضحة عن السفر (9: 51؛ 13: 22؛ 17: 11) هي إشارات إلى تذكّر
لثلاثة أسفار مختلفة توافق الاسفار الثلاثة التي ذكرها يوحنا في إنجيله (يو 7: 10؛
11: 55 با 13: 1). وتحدّث آخرون (هولزمان) عن دورة بين السامرة والجليل كرز فيها
يسوع. واعتبر آخرون أيضاً (شانز، غوديه) أن 9: 51 ي تنظر إلى خبر متواصل لمسيرة
يسوع الأخيرة إلى أورشليم. وأخيراً قال جيرار: إن 9: 51- 18: 14 هو جزء من إنجيل
رابع إزائي (مع متى ومرقس ولوقا. هكذا تصبح الأناجيل خمسة!)، وهو يشكل خبراً مستقلا
ومتماسكاً عن نشاط يسوع في الجليل. إنه يقابل القسم الجليلي في الأناجيل الإزائية
الثلاثة.
ونتوقّف بشكل خاص عند دراسة جورج أوغ حول الجزء المركزي في إنجيل لوقا.
إنطلق الكاتب مما ينتظر كل قارئ أن يجده حين يقرأ العبارة الإحتفالية في 9: 51 (وإذ
كان زمن ارتفاعه من هذا العالم): بعد هذا المكان يتهيّأ لوقا ليعطي خبراً متتابعاً
لسفرة يسوع الأخيرة (من الجليل نحو أورشليم) حسب ترتيب كرونولوجي. ولكن ما يبدو
يقيناً لن يعود كذلك. فهناك مقاطع (حدث مرتا ومريم، 10: 38- 42، والبرص العشرة، 17:
11 ي) تدلّ على أن مثل هذا. الترتيب غير موجود.
أخذ بعين الإعتبار هذا الإنشداد بين المواد المجموعة في 9: 51- 19: 27 وبين إطار
جغرافي يسير بنا من الشمال إلى الجنوب، فبحث عن تفسير جديد ينظّم المواد التي
يتضمّنها هذا الجزء من إنجيل لوقا، باحثاً عن المراجع التي استعملها هذا الإنجيلي.
قال: عرف لوقا تيارين في التقليد. وامتلك كل تيار خبره الخاص عن سفر يسوع من الجليل
إلى أورشليم. مرجع (أ) إستفاد منه ليدوّن 9: 51- 10: 42. ومرجع (ب) عاد إليه حين
ألف 17: 11- 19: 28.
أورد هذين المرجعين خبر سفر واحد قاد يسوع من الجليل إلى أورشليم. هكذا أدرك لوقا
الأمور الذي أدخل خبر السفر (أ) في موضع من إنجيله يوافق مر 15: 1 (وانطلق من هناك،
وشخص إلى أرض اليهودية وعبر الأردن)، وأقحم في خبره (ب) بعض أحداث تعود إلى مر 10
(مر 10: 13- 15= لو 18: 15- 17؛ مر 10: 17- 22= لو 18: 18- 23؛ مر 10: 23- 27= لو
18: 24- 27).
إن السفر الوارد في 17: 11- 19: 28 (ب) هو نفسه الوارد في 9: 51- 10: 42 (أ). إن
اختلف "المرجعان" من جهة مضمونهما، فالأساس هو واحد: بدأ كل منهما بالحدث الذي حصل
على حدود السامرة والجليل (حدث السامريين في 9: 52- 56؛ حدث البرص العشرة في 17:
11- 19). حمل الأول يسوع إلى بيت عنيا (حدث مرتا ومريم في 10: 38- 42) التي منها
دخل يسوع دخولاً احتفالياً إلى أورشليم. أما المرجع الثاني فانتهى حيث بدأ خبر
الدخول إلى أورشليم في 19: 28 ي.
ورأى أوغ أن لوقا لم يحتفظ في مرحلة أولى من التدوين إلاّ بخبر السفر (ب): إرتبط 9:
5 بشكل مباشر مع 17: 11: وإذ كان في طريقه إلى أورشليم. بعد ذلك أدخل الإنجيلي
المواد التي قدّمها له المرجع (أ) لأنه لم يرد أن يترك شيئاً يساعدنا على التعرّف
إلى شخص يسوع وتعليمه معرفة أفضل. خلال هذا التدوين الثاني، إستفاد لوقا أيضاً من
وثائق هامة حول نشاط يسوع، ولكن ندرت في هذه الوثائق الإشارات إلى الزمان والمكان.
لهذا أقحم لوقا هذه المواد الجديدة بين خبرَي السفر أي في 11: 1- 17: 10.
حين درس أوغ هذا الجزء الأخير، لاحظ أن هذه المجموعة تتضمّن أمثالاً وخطباً. غابت
الإشارات الكرونولجية والطوبوغرافية، فصار من الصعب أن نحدّد موقع الأحداث. كانت
مقابلة الأخبار مع ما يمكن أن نجد في الأناجيل الأخرى، فكانت استنتاجات ثلاثة:
- لو 11: 1- 17: 10: تورد نشاط يسوع خلاله رسالته في الجليل وفينيقية، ودكابوليس
(المدن العشر) قبل ذهابه الأخير إلى أورشليم.
- ألغى لوقا في القسم الأول من إنجيله جزءاً نجده في مر 6: 45- 8: 26 (رج لو 9:
12-17= مر 6: 35- 44؛ لو 9: 18- 22- مر 8: 27- 33). وهذا ما يدهشنا.
- يعود هذا النشاط إلى حلقتين (حلقة 1، حلقة 2) تربط بينهما آية انتقالة هي 13: 1
(وفي ذلك الوقت عينه، أقبلى قوم وأخبروه). هذه العبارة الغامضة (في ذلك الوقت عينه)
تجعل الحلقتين في علاقة زمنية واحدة، فتربطهما بذات الحقبة، حقبة الرسالة في
الجليل.
على هذا الأساس وسّع أوغ المادة بالشكل التالي:
تحديد المكان
مرقس حلقة أولى حلقة ثانية
- جنسارت 13: 1- 9
مر 6: 53 10- 17
33- 30
31- 33
- فينيقية ودكابوليس 11: 1- 13 41: 1- 6
مر 7: 24-31 25- 13
- دلمانوتا 14- 33 15: 1- 10
مر 8: 15 27- 28 17: 1- 10
29- 32
37- 54
- بيت صيدا جوليا
مر 6: 54؛ 8: 22 12: 1- 59
لماذا أقحم لوقا هذه المادة بين خبرَيْ السفر إلى أورشليم؟ إهتمّ لوقا بهذه
التعاليم، فأراد أن يدخلها في إنجيله. ولكن بما أنه لم يجد تحديد مكان ولا تحديد
زمان، لم يعرف أين يضعها. من جهة، فهو لا يستطيع أن يجعلها بعد دخول يسوع إلى
أورشليم. ومن جهة ثانية، أعلمه مر 10: 1 أن يسوع حين صعد للمرة الأخيرة من الجليل
إلى أورشليم، احتشدت الجموع حوله فأخذ يعلّمها أيضاً كعادته. هذه الإشارة كانت
كافية بالنسبة إليه. أخذ بعين الإعتبار كرونولوجية خبر السفر، فأقحم بينهما هذه
الوثائق الجديدة التي بدت أمامه تبسيطاً للسفر لا مواصلة له.
ماذا نقول في هذه النظرة؟
لاحظ أوغ أن الإطار الجغرافي للصعود إلى أورشليم ليس متماسكاً كل التماسك. ولكن على
مَ ارتكز ليقدّم حلّه؟ نحن نبقى معه على مستوى الفرضية حين يقدّم خبرَيْ سفر
مميّزين (أ: 9: 51- 10: 42؛ ب: 17: 11- 19: 28). لا يكفي أن نبين أن الحدث المروي
في بداية كل من الخبرين يتحدّد موقعه على حدود السامرة والجليل (9: 25- 26؛ 17: 11-
19) لنستنتج وجود "ينبوعين". ويجب أن ينتهى (ب) في 18: 14 لا في 19: 27، لأن لو 18:
15- 43 يرتبط ارتباطاً واضحاً مع 10: 13- 52، ولو 19: 16- 27 يقابل مت 25: 14- 30
(المعين)، ولو 19: 28 ي يرتبط مع مر 11: 1 ي. وهذا الخبر الثاني لا يروي حتى وصول
يسوع إلى أورشليم.
أما الجزء المتوسط (11: 1- 17: 10) الذي تصوّره أوغ وقسمه إلى حلقتين (11: 1- 12:
59؛ 13: 1- 17: 10) فهو أيضاً مجرّد افتراض ولا يجد له علاقة مع مت 6: 45- 8: 22.
نلاحظ أن أوغ يعتبر لو 11: 24- 26 و33- 36 زيادتين جاءتا من المعين مثل 13: 18-18:
21. وان 13: 22 أ (وكان يجتاز في المدن والقرى) هي مقدّمة لما ورد في 13: 23-30.
جاء رثاء على أورشليم (13: 34- 35) من المعين وعلى اثر ذكر أورشليم في آ 33. لقد
استفاد لوقا من إطار المائدة في بيت الفريسي (14: 1- 6) ليدخل النصائح التي أوردها
في 14: 7- 14 حوله اختيار المقاعد، ومثل المدعوين الذين يتهرّبون (14: 15- 26).
ومثل الإبن الضال (15: 11- 32) ومثلاً ف 16 تنتمي في الأساس إلى مجموعة أمثال وصلت
إلى يد لوقا فأدخلها بين 15: 10 و17: 1 (في الينبوع، كانت تتواصل).
يبقى أن الكاتب أبرز ثلاث نبذات سفر: 9: 51: وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صمّم أن
ينطلق إلى أورشليم (الأولى). 17: 11: وفيما هو شاخص إلى أورشليم، مرّ على حدود
السامرة والجليل (الثانية). 19: 28: ولما قال هذا سار في المقدمة صاعداً إلى
أورشليم (الثالثة). هذا ما يدلّ على ثلاثة صعودات إلى أورشليم، وبالتالي على ثلاث
سنوات بشّر فيها يسوع. ويبقى بالنسبة إلينا أنه اعتبر هذا الصعود إلى أورشليم أمراً
واقعاً ننطلق منه لندرس لا الواقع الجغرافي، بل الواقع اللاهوتي.
ب- التفسير الأدبي
رأى دانو في أساس هذه النظرة الإقرار بالطابع اللامرقسي لمواد لو 9: 51- 18: 14
واللجوء إلى ينبوع آخر غير مرقس لنفهم الأصل. وساعة نقرّ بالطابع اللامرقسي لهذا
الجزء، ومهما كان المرجع الذي أخذت منه هذه المواد، يُطرح السؤال التالي: كيف أدخل
لوقا هذه المواد في إطار مرقسي، وكيف ربط بين الإثنين؟
إن موضوع السفر موضوع تقليدي. إنطلق منه لوقا ووسّعه فجعله رسمة سفر. وتكرّرت
النبذات فخلقت إطاراً أدبياً ثانوياً ومصطنعاً أدخل فيه عناصر غير مرقسية كانت في
يده. أراد لوقا أن يشعرنا أن يسوع صاعد إلى أورشليم.
هذا هو موقف بلنزنر الذي ينسب إلى نبذات السفر وظيفة أدبية وحسب، وينكر لها كل
مدلول لاهوتي. يقول بأن خبر السفر يتضمّن عدداً من المواضيع اللاهوتية التي ترتدي
بُعداً خاصاً عند لوقا. غير أن هذه المواضيع مختلفة، وهي تعود في أجزاء أخرى من لو
بحيث لا تُبرز بشكل خاص الجزء المركزي (19: 51- 19: 14: يقول إن هذا الجزء يتوقّف
في 19: 14 بالنظر إلى مقاييس أدبية، ولكنه يقول ان السفر ينتهي في 19: 27 من وجهة
المضمون. وهذا ما فعلنا).
وقلّل بلنزنر أهمية تدخّل الإنجيلي ليربط مختلف المقطوعات في إطار سفر. إن موضوع
السفر في 9: 51، 53 يرتبط ارتباطاً وثيقاً مع المقطوعة 9: 52- 56، ولكن هذا الرباط
سابق للوقا. وانتهى السفر بشكل مؤقت في 9: 56 دون أن نعرف إن كانت "القرية الأخرى"
التي سار إليها يسوع وتلاميذه هي سامرية أو جليلية. إن 13: 22 هي آية معزولة كلياً،
ولا ترتبط بالمثل الذي يسبقها (13: 20- 21) ولا بالمقطوعة التي تليها (13: 32- 30)
والتي لها مقدّمة خاصة بها (آ 23).
أما 17: 11 فهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالخبر التالي (17: 11- 19). أما 17: 20 فلا
يرتبط بما سبقه. والتلميحات الأربعة الغامضة إلى السفر في 9: 57؛ 10: 1، 38؛ 14:
20، قد أخذها لوقا من المقطوعات التي جاءت بعدها. نحن لا نستطيع أن نأخذها بعين
الإعتبار، لأننا نجد أيضاً في الحقبة الجليلية حديثاً عن تنقّلات يسوع (رج 8: 1).
وفي النهاية، يرى بلنزنر أن لوقا لا يهتم كثيراً بإطار السفر إلى أورشليم. فبين 9:
51 و18: 14، ينحصر خبر السفر في الواقع في 9: 51- 56؛ 13: 22؛ 17: 11.
ماذا نقول في موقف بلنزنر؟
يبدو أنه لم يتوقّف عند بعض المعطيات. كما أنه رفض أن يأخذ بعين الإعتبار الرباط
بين الإشارات إلى السفر والمقطوعات المجاورة. لا شك في أنه رأى أن 9: 51- 53 و17:
11 يرتبطان بالمقاطع اللاحقة، ولكنه لم يستنتج أي شيء حول نيّة المدوّن. ثم ان
العلاقة بين 9: 51، 53 و9: 52- 56 ليست تقليدية كما يقول. ونبذة السفر في 13: 22
ليست معزولة، بل هي جزء من وحدة أدبية كوّنها لوقا في 13: 22- 35. وأخيراً، لا
يتوقّف بلنزنر عند 19: 11 و19: 28 اللتين تشيران إشارة واضحة إلى السفر إلى
أورشليم. إذا استطعنا أن نبيّن أن خبر السفر يمتدّ حتى 19: 44 وأن 4 من 5 إشارات
إلى السفر (9: 51؛ 13: 2؛ 17: 11؛ "19: 11"؛ 19: 28) تبدأ مقطوعات موحّدة في
مضمونها، نستطيع القول إن خبر الصعود يدلّ على نية لاهوتية محدّدة.
ج- التفسير اللاهوتي
في مقال أوّل توسّع دانو في هذا الخط الثالث من التفسير لخبر السفر. إستشفّه
العلماء، وقالوا اننا أمام بعض المواضيع اللاهوتية. لاحظ دانو أن علماء أبرزوا
العلاقة الموجودة بين خبر السفر وأحد المواضيع المشرفة على المؤلّف اللوقاوي (أع +
لو): إنتقال تقديم الخلاص من اليهود إلى الوثنيين.
ولكن ممثلّي التاريخ التدويني ساروا في هذا الخط فأبرزوا النظرات الخاصة والتوجّهات
اللاهوتية الخاصة بالمدوّن الأخير لكل إنجيل من الأناجيل. طلب كونزلمان أن لا نعزل
خبر السفر عن سائر الإنجيل اللوقاوي وعن اللاهوت الذي يتضمّنه. فلخبر السفر في نظره
وظيفة كرستولوجية، وهو يشير إلى تاريخ الخلاص. وشدّد آخرون (شنايدر مثلاً) على أن
للمواد التي جمعت في خبر الصعود، وظيفة كنسيّة وتعليميّة. وانطلق لوهسي من
المقطوعات "السامرية" (9: 51- 56؛ 10: 30- 37؛ 17: 11- 19)، فرأى فيها على مستوى
تاريخ الخلاص، أساس الدور الرسولي الذي لعبته الكنيسة الأولى (في السامرة) والذي
دوّن في أع 8: 4- 25. وأخيراً، رأى روبنسون أن صاحب المؤلّف اللوقاوي فهم تاريخ
الخلاص على أنه طريق (هودوس). وأن الوظيفة الأساسية لخبر السفر كمرحلة "في طريق
الرب" يرتبط بنظرة الشاهد الصادق الذي عليه تتأسّس حياة الكنيسة ورسالتها.
وفي مقال ثان، قدّم دانو نظرته حول المسائل التي يطرحها خبر السفر: حدوده، بنيته،
مدلوله اللاهوتي.
أولاً: حدود خبر السفر
أين يبدأ الخبر وأين ينتهي؟ إنه يبدأ في 9: 51 بعبارة إحتفالية: "واذ كان زمن
ارتفاعه قد اقترب، صمّم على الإنطلاق إلى أورشليم". مقدّمة غير عادية، وهي لا تُفهم
إلا كافتتاحية لجزء جديد من إنجيل لوقا. وهذا ما يسنده واقع يدلّ على أن يسوع أنهى
دورة عبر الجليل في الكرازة، ثم توجّه بعزم إلى مكان محدّد هو أورشليم. ويسنده
أيضاً تكرار نبذات السفر التي تدلّ على أن يسوع ينفّذ قراراً اتخذه ولن يتراجع عنه.
وأين ينتهي هذا السفر؟ هناك اختلاف بين الشرّاح. اعتبر دانو أن دخول يسوع إلى
أورشليم (19: 29- 40) ورثاءه للمدينة (19: 41- 44) يشكّلان جزءاً أساسياً في هذا
السفر ويقدّم برهانين.
1ً-
البرهان الأدبي
إن الطريقة التي بها صاغ لوقا النصّ المرقسي لدخول يسوع إلى أورشليم تفرض علينا أن
نربط 19: 29- 44 بما سبق. فحين يجعلنا خبر مرقس (11: 1- 10) نفترض أن مدينة أورشليم
تشارك في استقبال يسوع، يعلن لوقا أن المدينة لم تشارك في هذا اللقاء. بل التلاميذ
وحدهم الذين هتفوا ليسوع. ثم ان الطريقة التي بها جعل لوقا الفريسيين على مسرح
الأحداث (19: 39- 40) وزاد خبر رثاء يسوع للمدينة (19: 41- 44؛ رج 13: 33- 35)
تبيّن
تجاه إيمان التلاميذ موقف اللاإيمان عند مدينة أورشليم والمعارضة لدى الشعب
اليهودي.
2ً-
البرهان الداخلي
على مستوى المضمون، يشكّل خبر السفر إلى أورشليم من دون "الدخول إلى أورشليم"،
جسماً بدون رأس. عاد دانو إلى غروندمان فبيّن أنّ خبر السفر يرتبط بموضوعين معروفين
في لوقا: موضوع الإله "الذي يسير على الأرض"، والإله "الضيف" الذي يبحث عمّن
يستقبله عند البشر (4: 34؛ 5: 1؛ 5: 29- 39؛ 7: 36- 50؛ 11: 37- 54؛ 14: 1- 24؛ 15:
1- 32؛ 19: 1- 27. رج أع 14: 11- 13 حيث قال الناس: "تمثل الآلهة بالبشر ونزلوا
بيننا"). طبّق لوقا هذين الموضوعين على يسوع: ففي يسوع، يزور الله البشر ويقدّم لهم
خلاصه. وبيسوع، يسعى الله لكي يستقبله الناس. وللبشر أن يقبلوه أو يرفضوه. هناك
أولئك الذين رافقوا أرملة نائين: عرفوا معنى هذه الزيارة (7: 16: زار الله شعبه).
وهناك الفريسيون وأهل أورشليم: لم يعرفوا وقت افتقاد (زيارة) الرب لهم (19: 44).
في هذا الخطّ، يمثّل سفر يسوع إلى أورشليم، "زيارته" الأخيرة، وآخر محاولة لتقديم
الخلاص. كان من المنتظر أن ينتهي هذا السفر باستقبال حافل من قبل الشعب اليهودي
الذي "يستقبل" يسوع فيستقبل مرسل الله وخلاصه. ولكن الأمور لم تكن هكذا: رذل أهل
أورشليم يسوع، فدلّوا على عمى إسرائيل. وصل لوقا في نصّه إلى هذه الخاتمة
المأساوية، فجعل من دخول يسوع إلى أورشليم ذروة خبر السفر هذا (إنّ 19: 45- 21: 38
يشكّل وحدة متماسكة ترسم حقبة من تعليم يسوع في الهيكل).
ثانيا: بنية خبر السفر
كيف بُني هذا الجزء في إنجيل لوقا؟ فالمقطوعة الإنجيلية لا تحمل فقط معناها في
ذاتها، بل من دخولها في سياق أوسع، ومن ارتباطها بالبنية الإجمالية في الإنجيل. على
هذا الأساس قدّم لنا دانو البناء التالي: 1- 9: 51- 10: 42: بنية الخبر: نصوص
تتوجّه إلى التلاميذ.
أ- ملحق أول: 11: 1- 13: 21.
2- 13: 22- 35: في الطريق إلى أورشليم. التنبيهات الأخيرة لإسرائيل وللمدينة.
ب- ملحق ثانٍ: 14: 1- 17: 10.
3- 17: 11- 19: وفي الطريق إلى أورشليم: عرفان الجميل لدى السامري الغريب.
ج- ملحق ثالث: 17: 20- 18: 30؛ 18: 31- 34.
4- 18: 35- 19: 44: نهاية الخبر. في 18: 35- 19: 28: نحن في أريحا أو في جوارها. في
19: 29- 44: التلاميذ يهتفون ليسوع وأورشليم ترذله.
يبدأ خبر السفر وينتهي بقطعتين واسعتين تدلّ مقدّمتهما على وضع السفر (1، 4). وسط
خبر السفر، أورد لوقا أيضاً مرتين وضع سفر في وحدتين أدبيّتين قصيرتين (2، 3). وبين
هذه القطع الأربع التي تشكّل نواة يعبّر فيها لوقا عن الهدف الحقيقي لرسمة السفر،
هناك ثلاثة ملحقات (ذات طابع تعليمي، لا ترتبط ارتباطا مباشراً بموضوع السفر، ولكن
تركها لوقا هنا آخذاً بعين الإعتبار ترتيب المعين الذي هو مرجعه).
وبمختصر الكلام، إن نبذات السفر الواضحة هي الأساس لكل بحث عن بنية خبر صعود يسوع
إلى أورشليم. هذا ما يتيح لنا الآن أن نطرح السؤال الثالث الذي هو في نظرنا أهم من
السؤالين الأولين: لماذا أعطى لوقا كل هذه الأهمية لخبر صعود يسوع إلى أورشليم؟
ثالثاً: المدلول اللاهوتي لخبر السفر
ما الذي دفع لوقا إلى توسيع الموضوع التقليدي للسفر إلى أورشليم، وإلى إعطاء هذا
الموضوع معنى أعمق؟ هذا ما لا نفهمه إلاّ على ضوء النظرات اللاهوتية التي تميّز
الإنجيل الثالث.
1ً-
تاريخ الخلاص هو "طريق"
تصوّر لوقا (كما قال دانو على خطى روبنسون) تواصل تاريخ الخلاص في مقالات مكانية
بشكل أساسي، كمسيرة، كسعي، كطريق حدّدها الله له وهي تقود إلى الوثنيين.
كان كونزلمان قد شدّد على الوجهة الزمانية في تصوّر لوقا لتاريخ الخلاص. هنا نتذكّر
تقسيمه المثلّث لتاريخ الخلاص: زمن الشريعة والأنبياء، زمن يسوع، زمن الكنيسة. إنّ
هذه الوجهة الزمنية تتجاوب وتتكامل مع الوجهة المكانية.
واعتبر روبنسون أن ما وجّه لوقا هو نص أش 40: 3 الحاضر في مر 1: 1- 3: بداية
إنجيل... صوت صارخ في البرية: "أعدّوا طريق الرب". نلاحظ أن لوقا منذ بدء إنجيله
(3: 4- 6) يستعيد إيراد أشعيا هذا ويتوسّع فيه فيقدّم أيضاً آ 4- 5 بحيث يستطيع أن
يبرز أنّ "طريق الرب"، تقود إلى الوثنيين (أش 40: 5: وكل جسد، أو بشر، يرى الخلاص).
ونلاحظ أيضاً أن يسوع تكلّم في خطبته التدشينية في الناصرة عن اللاإسرائيليين الذين
نالوا البركة في السابق (4: 25- 27)، وأن العنصرة هي واقع مُعاش أمام الوثنيين (أع
2: 5: عن كل أمّة تحت السماء). ونلاحظ أخيراً أن أع ينتهي بفكرة قريبة جداً من تلك
التي أشار إليها نص أش 40: 5 في بداية الإنجيل: "لقد أرسل هذا الخلاص إلى الوثنيين.
وهم سيستمعون" (أع 28: 28).
ثم يبيّن روبنسون على أساس تفحّص المفردات والألفاظ، أن هذا التمثّل لتاريخ الخلاص
بشكل "طريق" توافق نظرة نجدها في كل مؤلّف لوقا (لو+ أع). ففي أع 13: 16- 41، عبّر
صاحب أع عن مسيرة التاريخ بكلمتي "هودوس" (طريق)، "دروموس" (سعي): إن دخول يسوع على
مسرح الأحداث (ايسودوس، آ 24) يبدأ حيث أنهى يوحنا سعيه (دروموس، آ 25). في لو 13:
33 و22: 22، يصوّر لوقا رسالة يسوع العلنية بشكل "طريق". وخلال التجلّي قيل (لو 9:
31) ان موسى وإيليا تحدّثا مع يسوع عن انطلاقه (اكسودوس). وفي أع أيضاً يسمّى تعليم
المسيح "الطريق" (الطريقة، المذهب) (أع 9: 2؛ 19: 9، 23؛ 24: 14، 22). وتصوّر
الرسالة "طريقاً" (أع 1: 21 ي). وبولس نفسه في خطبته الوداعية في ميليتس تحدّث عن
عمله الرسولي على أنه "سعي" (دروموس، أع 20: 24).
إن "للطريق" بعداً لاهوتياً: فهي تدلّ على تأوين مخطّط الله. وهذا ما نراه على
مستوى الألفاظ 41: 43؛ ق مر 1: 38). وفي واقع يقول بأن حياة يسوع توجّهها "ضرورة"
إلهيّة (داي: يجب، 2: 49؛ 9: 22؛ 17: 25؛ 24: 7، 26؛ أع 17: 3). وأن الروح القدس
يقوده في هذه الطريق (4: 1، 14؛ أع 16: 6- 10). وأن هذا الروح عينه يقود أولى خطى
الكنيسة الفتية في وجهة محدّدة (أع 2: 1 ي). وفي النهاية، إن لتاريخ الخلاص هذا
بعداً شاملاً، مسكونياً: هو يضم الجميع منذ الخلق (أع 17: 24 ي؛ رج 14: 15؛ ق لو 3:
38؛ أع 17: 28) حتى إعادة بناء كل شيء (أع 3: 21).
في هذه النظرة نفهم المدلول الذي يجب أن نعطيه لخبر السفر: إنه تعبير عن حقبة في
مسيرة تاريخ الخلاص هذا، عبر طريق يتمّها يسوع من الجليل إلى أورشليم. وهذه الطريق
ستواصل السير فيها الكنيسة الفتيّة من أورشليم إلى رومة، فتحمل الخلاص من اليهود
إلى الوثنيين.
يقدّم دانو هذه المعطيات على الشكل التالي:
الإنجيل الأعمال
طريق الرب طريق الكنيسة الفتية
بداية- نهاية بداية- نهاية
(المكان) الجليل، أورشليم (المكان) أورشليم، رومة
(الزمان) المعمدان، الصعود العنصرة
ينطلق الخلاص من اليهود فيصل إلى الوثنيين
2ً-
أساس "تاريخ الخلاص". كيف يبدو تاريخ الخلاص في الرسالة إلى الوثنيين كما نراه في
حياة يسوع؟
وبيّن لوقا أيضاً بفضل خبر السفر (الصعود إلى أورشليم) أن الرسالة الآنيّة للكنيسة
لدى الوثنيين، تتأسّس في حياة يسوع وتجد ما يبزرها في خدمته الخاصة.
فإحدى المسائل الرئيسية التي واجهها لوقا والكنيسة الأولى في السنوات 70، كانت
إدخال الوثنيين إلى الكنيسة المسيحية الآتية من العالم اليهودي (أكثر من العداء
اليهودي إزاء الكرازة المسيحية): هل سيفرض على الوثنيين الخضوع لممارسات الشريعة
اليهودية للدخول في الكنيسة؟ إذا كان الجواب بالنفي، كيف سيتمّ التواصل في تاريخ
الخلاص دون أي انقطاع؟
قدّم لوقا جوابه فبيّن أن يسوع عرف وضعاً مماثلاً خلال حياته العلنية. بدأ فقدّم
الخلاص لليهود، ولكن اليهود رفضوه. ونجد التعبير الملموس لهذا اللاإيمان في كل من
المقاطع الأربعة التي تشكّل خبر السفر إلى أورشليم، ولا سيما في التلميح إلى مدينة
أورشليم التي ترذل يسوع (9: 29- 44: هذه هي الذروة). أما الوثنيون الذين التقى بهم
يسوع في "مسيرته" فقد دلّوا على انفتاح واستعداد. ولهذا تحدّث يسوع عن إمكانية
الوصول إلى الخلاص بالنسبة إليهم.
وأبرز دانو لاإيمان اليهود وأورشليم في كل من القطع الأربع، فبيّن أن الله لم يكن
خائناً لوعده. بل إن اليهود (ولا سيّما أورشليم) رفضوا وعد الخلاص ورفضوا تحقيقه
بالنسبة إليهم. وهكذا صار تاريخ الخلاص باليهود ولليهود تاريخ اللاخلاص. غير أن
لوقا الذي يكتب إنجيلاً لم ينهِ كتابه بتاريخ اللاخلاص، بل في خبر سفر نرى فيه منذ
الآن الوجهة الإيجابية لهذا الرفض اليهودي للخلاص: يرسل إلى الوثنيين الذين
سيستمعون.
إن تصرّف يسوع هو القاعدة بالنسبة إلى المسؤولين في الكنيسة الرسولية: إنه يؤسّس
ويشرعّ (يبين شرعية) على مستوى تاريخ الخلاص، الرسالة الحالية لدى الوثنيين مع
الحرية التي تتطلّبه هذه الرسالة تجاه الشريعة.
وهنا نقرأ مع دانو مضمون القطعتين الأولى والثالثة من خبر السفر في هذا المنظار
الذي أشرنا إليه.
ففي 9: 51- 10: 42، تدل عبارة "صلّب وجهه" في 9: 51 على قرار اتخذه يسوع بحزم لا
تراجع فيه بأن يصعد إلى أورشليم: إنه يريد أن يواجه إسرائيل اللامؤمن في "معقله".
ونجد في هذه القطعة عينها إشارات تدلّ على إمكانية الخلاص لغير اليهود: الرسالة لدى
السامريين (9: 51- 56)، خبر السامري الصالح (10: 30- 37)، رسالة الإثنين والسبعين
الذين أرسلوا إلى جميع الأمم الأرض (هذا ما يدلى عليه هذا الرقم في التقاليد
التوراتية، تك 10).
في 17: 11- 19، نجد خبر شفاء البرص العشرة، وهو نصّ خاص بلوقا الذي بدأه أيضاً
بنبذة سفر واضحة. فالهدف الذي يشير إليه لوقا ليس فقط حضاً على فضيلة عرفان الجميل،
بل تعارضاً بين تسعة يهود لم يعودوا ليشكروا، وغريب (سامري) نظر نظرة المؤمن إلى
المدلول الخلاصي لشفائه.
3ً-
مواضيع لاهوتية أخرى
وهناك مواضيع أخرى في خبر هذا السفر إلى أورشليم: موضوع الصعود من جهة. وموضوع
"اتباع" يسوع من جهة ثانية.
حين لمّح لوقا منذ بداية خبر السفر إلى حدث محدّد هو "الصعود" (9: 51: الإرتفاع)
فقد أراد أن يدلّ على أن الطريق الذي يسير فيه يسوع والذي يقوده إلى الموت ليس
النقطة الأخيرة في مسيرته: فهذه المسيرة تقود إلى الحياة وتصل إلى القيامة.
بيّن لوقا شرعية الرسالة إلى الوثنيين على أساس تعارض بين موقف اليهود وموقف
الوثنيين، فعرف أن الخلاص ليس حركة آلية. لهذا حذّر قرّاءه المسيحيين الآتين من
العالم الوثني من كل اكتفاء وتعالٍ، ودلّهم على شروط الإنتماء إلى المسيح
والمتطلّبات الملموسة لهذا الإنتماء. فتلميذ يسوع هو ذاك الذي يتقبّله كالمخلّص،
ذاك الذي يسير معه حتى طريق الجلجلة. وهذا ما يفسّر وجود أقوال عديدة حول اتباع
يسوع في القطع الأربع من خبر السفر كما "رواه" لوقا (9: 57- 62؛ 10: 1- 24؛ 10: 25-
37؛ 13: 22- 30؛ 17: 13؛ 19: 1- 10).
خاتمة
هكذا بدا واقع خبر الصعود إلى أورشليم الذي سنتوسّع فيه مع الجزء الثاني من تفسير
القديس لوقا. توزعّ الشرّاح حول تحديد اتساعه، حول بنيته، حول المعنى اللاهوتي الذي
نجده فيه. وفي النهاية، يبدو خبر هذا السفر مقدّمة لدخول يسوع إلى أوشليم حيث موضع
موته وقيامته وصعوده. وفشل زيارة (افتقاد) الله الأخيرة لشعبه سيتمّ حقاً في آلام
يسوع الذي رذله شعبه وصلبوه. منذ تلك الساعة تكوّنت كنيسة آتية من خارج شعب الله،
من قائد مئة مجّد الله ورأى في يسوع ذاك البار (23: 47) الذي يبرّر الكثيرين ويحمل
خطاياهم (أش 53: 11).
المحطة الأولى
9: 51- 13: 21
"وإذ كان زمن ارتفَاعه قد اقترب، صمَّم أن ينطلق إلى أورشليم"
(51:9)
تتوزّع المسيرة إلى اورشليم ثلاث محطّات. في المحطة الأول نجد الفصول التالية:
1- إتباع يسوع في مسيرته إلى أورشليم، 9: 51- 62
2- يسوع يرسل السبعين، 15: 1- 20
3- وتهلل يسوع، 10: 21- 24
4- من هو قريبي؟ السامري، 10: 25- 37
5- إستقبال الرب، 10: 38- 42
6- الصلاة البنوية، 11: 1- 13
7- يسوع وبعل زبول، 11: 14- 26
8- تقبّل كلمة الله، 11: 27- 28
9- آية يونان، 11: 29- 32
10- نور الإيمان، 11: 33- 36
11- الويل للفريسيين، الويل لعلماء الشريعة، 11: 37- 54
12- من يعترف بي أمام الناس، 12: 1- 12
13- الغنيّ الجاهل، 12: 13- 21
14- الإهتمام بأمور الأرض، 12: 21- 32
15- إنتظار السيد الآتي، 12: 32- 48
16- مجيء المسيح سبب خلاف بين البشر، 12: 49- 53
17- علامات الزمن، 12: 54- 56
18- صالح خصمك، 12: 57- 59
19- المهلة الأخيرة للتوبة، 13: 1- 9
25- إمرأة منحنية الظهر 13: 1- 17
21- حبة الخردل والخمير في العجين، 13: 18- 21
الفصل السادس
اتّباع يسوع في مسيرته إلى أورشليم
9: 51- 62
تفتتح هذه المقطوعة القسم الرابع من إنجيل لوقا: الصعود (أو الطريق) إلى أورشليم
(9: 51- 19: 27). وسيُحدَّد هدفُ السفر فيما بعد على دفعتين. في 13: 22: "كان
يعلِّم وهو في طريقه إلى أورشليم". وفي 17: 11: "وبينما هو في طريقه إلى أورشليم،
مرّ بالسامرة والجليل".
مهما تكن القيمة التاريخيّة لهذا الإطار الذي يستعمله لوقا هنا، فهدفه واضح: إن
مضمون هذه الفصول العشرة، التي تألّفت من مقاطع خاصّة بالإنجيل الثالث، فجمع فيها
لوقا أحداثاً وأقوالاً ترتدي طابعاً مشتركاً، إنّ المضمون يتوجّه نحو الوصول إلى
أورشليم وبالتالي إلى آلام يسوع. إنه يقدّم لنا استهلالاً يُنذر باقتراب ساعة
الموت.
أ- قرية سامرية ترفض (أن تستقبل) يسوع (آ 51- 56)
إن الأسلوب الإحتفاليّ في آ 51 يشدّد على أمرين إثنين:
الأوّل: إن الزمن الذي أعطاه الآب لابنه ليحقّق عمله الأرضىّ قد وصل إلى نهايته،
واقتربت ساعةُ اختطافه. فمهمّة يسوع إلى الارض تتسجّل داخل تتميم الأزمنة (مر 1:
15: تمّ الزمان، رج غل 4: 4) الذي يصِل بنا إلى مجيء الملكوت. وتنتهى هذه المهمّة
بالإرتفاع أو الاختطاف (أنالمبسيس). لا ترد هذه المفردة إلا في هذا المكان من العهد
الجديد. إمّا الفعل فيستعمل خصوصاً في مؤلف لوقا ليدلّ على اختطاف إلى السماء. هذا
ما نجده في أع 1: 2، 11، 22؛ رج 10: 16 في مجرى الحديث عن صعود يسوع (ارتفاعه) إلى
السماء. وهناك المعنى العاديّ: أخذ. رج أع 20: 13- 14 (لنأخذ بولس)؛ أف 6: 13
(إتّخذوا سلاح الله الكامل). هذا الفعل تستعمله الترجمة السبعينيّة لتتحدّث عن
اختطاف إيليا (2 مل 2: 9- 11: أؤخَذ عنك أو أُؤخَذ من عندك). هذا الأمر يجعلنا
قريبين من ذكر إيليا كما نقرأه في آ 54 (كما فعل إيليا) حسب مخطوطات عديدة.
الثاني: حين اعتمد يسوع أن يذهب إلى أورشليم كان اعتماده قراراً خطيراً. وعَى يسوع
ضرورةَ التألّم والموت في هذه المدينة المقدّسة، وأنبأ مرّتين بآلامه كما يقول لوقا
في 9: 2: "يجب على ابن الإنسان أن يتألّم كثيراً". وفي 9: 44: "سيُسلَّم إبنُ
الإنسان إلى أيدي الناس".
ولكن الإنجيل الذي لا يهتمّ بالأمور السيكولوجيّة ولا بدراسات الحالات النفسيّة عند
يسوع، يشدّد على أنّ يسوع لا ينطلق عن خفّة أو كسائح يسير بحسب المخطّط المرسوم،
على الطريق الذي يقود إلى الموت. فالنصّ يقول حرفيّاً: صلَّب (قسّى، ثبّت) وجهه.
الوجه يدلّ علي الشخص. وعبارة "صلَّب وجهه" تدلّ على عزم يتطلب شجاعة لكي نتغلب على
الخوف. نجد هنا أُولى الإشارات إلى النزاع الذي سيعيشه يسوع في جتسيماني (22: 39-
46).
وأرسلَ يسوع أمامه رُسلاً يستطلعون الأمور في إحدى القرى (آ 52). كان هذا الإجراء
ضرورياً بسبب الذين يرافقونه. لا نستطيع أن نتخيّل كِبَر الموكِب الذي يحيط به. على
كلّ حال لم يكن بقَدْر موكب الشعانين (19: 29- 40) يوم انضمّ إليه جمعُ الحجّاج
الاَتين إلى أورشليم من أجل عيد الفصح. أمّا الآن فعيد الفصح يبدو بعيداً. غير أنّ
هذا الموكب ضمَّ فيما ضمّ الرسلَ الإثني عشر والنساءَ اللواتي رافقن يسوع (8: 2)
وبـعضَ المتعاطفين الذي سيختار منهم اثنين وسبعين سيرسلهم "يتقدّمونه إلى كلّ مدينة
وموضع عزَمَ أن يذهب إليه" (10: 1).
هل نوى يسوع أن يعبُر السامرة ليصل مباشرةً إلى أورشليم؟ هذا ما نشكُّ فيه، لأنه لم
يكن محتاجاً إلاّ إلى بضعة أيّام ليصل إلى هدفه. هل أراد أن يبشِّر السامريّين (مت
10: 5)؟ هذا ما لا نعرفه. ومهما يكن من أمر، فرفض قرية سامريّة أن تستضيف جماعة
الجليليّين المتوجّهين إلى أورشليم (آ 53) يتوافق مع ما نعرف عن عدم التفاهم السائد
بين اليهود والسامريّين (رج رو 4: 9). واتّبع يسوع التعليمات التي أعطاها لتلاميذه
(9: 5: "وكل مدينة لا يقبلكم أهلها، فاخرجوا منها وانفضوا الغبار عن أقدامكم نذيراً
لهم"). فلم يُلحَّ على البقاء في هذه القرية، بل ذهب إلى مكان آخر (آ 56). وسيوبّخ
الأخوَين يعقوب ويوحنا (ابنى الرعد حسب مر 3: 17) لغضبهما وغيظهما: إنهما يريدان أن
يأمرا نارَ السماء أن تعاقب هؤلاء القرَويّين الذين لا يعرفون شرائع الضيافة (آ
54).
في الماضي، وعَى يوحنا أيضاً صفته السامية كرسول (لم يفهمها على حقيقتها) فأظهر
سلوكاً لم يرضَ به يسوع. قال: "يا معلّم، رأينا رجلاً يطرد الشياطين باسمك فمنعناه،
لأنه لا يتبعك معنا". فقال له يسوع: "لا تمنعوه، لأنّ من لا يكون عليكم فهو معكم"
(9: 49- 50).
وبعد الإنباء الثالث للآلام (حسب مر 10: 35- 40)، نرى الأخوين يطلبان طلباً غيرَ
مألوف بالنسبة إلى مكانتهما في الملكوت الآتي. وخلال مشهد التجلّي (9: 28- 36)، كان
إيليا قد تراءى لهما فتذكّرا نار السماء التي نزلت مرّتين بأمر من إيليا على جنود
أرسلهم الملكُ أحزيا (2 مل 1: 9- 12). ومهما يكن من أمر، فيسوع لا يسمح، وهو يقترب
من البشر، أن يعطى لهم إلاّ نعمة الله (يو 3: 17: "أرسل الله ابنَه لا ليدينَ
العالم، بل ليخلّص به العالم"؛ 12: 47). فكل تسبيق للدينونة يجب أن يُستَبْعد.
فالدينونة تخصّ الله لا البشر، حتى ولو كانوا رُسلاً.
هناك عدّة مخطوطات قديمة تزيد في نهاية آ 54: "كما فعل إيليا أيضاً". وتشير آ 55-
56 إلى مضمون توبيخ يسوع لهما: "لا تعلمان من أيّ روح أنتما (لا تعلمان أيّ روح
يحرّككما). فابن الإنسان أتى لا ليُهلك نفوس الناس، بل ليخلّصها". هذه الزيادات
تستند إلى شهود غير كافية، ولهذا لا توضع في عدد كبير من الترجمات. وهي، وإن تكن
معقولة (ترتبط الزيادة الثاني بنصّ 19: 10)، لا تنتمي إلى النصّ الأولانيّ، كما
يقول معظم الشرّاح.
ب- كيف نتبع يسوع (آ 57- 62)
من المعقول أن يكون لوقا قد جمع هذه المشاهد القصيرة الثلاثة (جُمع المشهدان
الأوّلان في مت 8: 19- 22، والمشهد الثالث خاصٌّ بلوقا) لأنها تجيب على سؤال واحد:
كيف نتبع يسوع؟ ويمكن أن نحدّد موقعها ساعةَ كان يسوع يستعدّ للإنطلاق. أمّا متّى
فقد وضعها ساعة استعدّ يسوع لعبور بحر الجليل والتوجّه إلى جدارة (نقرأ هنا: ناحية
الجراسيّين، مر 5: 1؛ لو 8: 26، 37).
المهمّ لا الشخصُ الذي نراه على المسرح. ونلاحظ أنّ لوقا لا يقول بوضوح إن واحداً
من الثلاثة تتلمذ أو لم يتتلمذ ليسوع. المهمُّ هو التعليم الذي يعطيه يسوع في تلك
المناسبة.
إن يسوع يضع متطلّباتٍ ثلاثاً لمن يريد أن يكون تلميذاً له.
1- المتطلّبة الأولى: التخلّي عن كل ما يؤمِّن لنا الراحة (آ 57- 58)
جاء الأوّل وكان مجهولاً. أمّا متّى فيقول: "دنا أحد الكتبة (أو معلّمي الشريعة)"
(مت 8: 19). وأشار إلى أنّ الثاني كان واحداً من التلاميذ، وقد يكون هو أيضاً
كاتباً. إذن، قدَّم هذا المجهولُ نفسَه ليتبع يسوع إلى أيّ مكان. كنا ننتظر أن
يقدِّم (يكشف) له يسوع الهدفَ الأخير لحياته وهو أورشليم وآلامه. ولكنه أجابه أن
ابن الإنسان لا يعيش في مكان من الأمكنة. وهو مهدَّد مثلَ حيوان البرّ الذي لا مكان
له يختبئ فيه. والعبارة "مكان يسند إليه رأسه" تذكّرنا ببيت لحم (2: 7: "لم يكن
لهما مكان حيث حلاّ")، وتؤكّد الصورةَ التي أعطاها الإنجيليّون عن حياة يسوع
التائهة والتي لا تعرف الثبات.
يسمّي يسوع نفسه هنا كما في سائر الأناجيل: ابنَ الإنسان. يدلّ هذا اللقب على
الإنسان الذي هو عضوٌ في الجنس البشريّ (هذا هو معناه في التوراة). أو يدلّ على هذا
الشخص السرّي الذي يرتدي كرامة الديّان السامي في نهاية الأزمنة، والذي يتحدّث عنه
دا 7: 13 وسفر أخنوخ. إن يسوع يطبّق على نفسه هذا اللقب في المعنى الثاني.
إن يسوع يشدّد على تعارض، قد لا يكون مُحاوِرُه شَعر به، بين صفته الأساسيّة
والحياة. اليوميّة التي يعيشها، بما فيَها عداوةُ هؤلاء القرويّين السامريّين. أجل،
إن الربّ يذهب من مكان إلى آخر، ولا مكان له في خليقته.
وَضعُ التلميذ يكون كوَضع المعلّم: غريب ومسافر على هذه الأرض (1 بط 2: 11). كلاهما
ليسَ له مَلجأ أمين (تقول عب 13: 14: "مدينة ثابتة"). فمن تبِعَ يسوع قبِلَ أن
يتعرّض لشدائد الحياة.
2- المتطلّبة الثانية: نُخضع كلّ شيء وبدون تأخير لواجب التبشير (آ 59- 60)
ويقدِّم المحاور الثاني نفسَه. أمرَه يسوع أن يتبعه، فتعلّل بواجبات يقوم بها تجاه
أبيه الذي مات واحتاج إلى من يدفنه.
إن التقوى البنويّة في العالم اليهوديّ، والمؤسسة على الوصيّة الرابعة، تفرض على
الأبناء أن يؤمّنوا دفنة لائقة لوالديهم. كانوا يدفنون الموتى حالاً بعد وفاتهم (أع
5: 6)، ولكن الاحتفالات الجنائزيّة كانت تدوم سبعة أيّام.
أوّلاً: رفض يسوع أيّ تأخير، أيّ تأجيل. فمن يدعوه الربّ يتشبّه بإبراهيم الذي قام
باكراً وأسرج حماره، وانطلق الى الجبل الذي عليه سيضحّي بابنه إسحق (تك 22: 3). على
من يدعوه الربّ أن يطيع حالاً ولا يتأخّر. هناك ساعات حرجة في الحياة الأخلاقيّة،
فإن لم نعمل فيها ما يجب عمله، فلن يعمله أحد. تهُبّ الريح. ولكن عندما تسكن، لن
تعود السفينة تستطيع الخروج من المرفأ.
ثانياً: أكد يسوع خضوع الواجبات البشريّة لمتطلّبات الملكوت. هو لا يعتبر الواجبات
العائليّة أموراً لا قيمة لها (مت 15: 3- 9؛ رج 1 تم 5: 8). ولكن حين يكون صراعٌ ،
فضرورات الملكوت تمرّ قبل سائر الضرورات. هناك أَولويّةُ ما هو مهمٌّ وملحّ، فلا
يمنع آباءُ الأرض ربَّ الكلّ وسيّدهم من أن تكون له حقوقه كاملة. هذه هي الفكرة
التي نجدها في 14: 26: "إن كان أحدٌ يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمّه وإمرأته وبنيه
وإخوته وأخواته، بل نفسه أيضاً، فلا يستطيع أن يكون تلميذاً" (موازاة مخفّفة في مت
10: 37: "من أحبّ أباه وأمّه أكثر مني فلا يستحقّني"). فيها يقول لنا يسوع إن حبّنا
للربّ يمرّ قبل حبِّنا للأقارب وحبّنا لذاتنا. وإن كان من صراعٍ بين أمانتنا للربّ
وأمانتنا للعواطف البشريّة، تمرّ أمانتنا للربّ أوّلاً، وإن نتج عن ذلك انقطاع شبيه
بذلك الذي ينتجه البغض.
نتذكّر هنا ما تذكّره سامعو يسوع. نتذكّر مشهداً مماثلاً حدثَ حين دعا إيليا أليشاع
(1 مل 19: 19- 21). طلب أليشاع أن يذهب ليقبّل أباه وأمّه قبل الإنطلاق. قال إيليا:
تستطيع أن تعود إلى عملك، فماذا صنعتُ لك؟ كأني بإيليا تركه يعود إلى والديه. ولكن
سلطة ربّ الملكوت أعظمُ من سلطة نبيّ، وها هنا أعظمُ من إيليا ومن سليمان. غير أننا
نميّز أيضاً شيئاً آخر.
لا يهتمّ يسوع كثيراً بحفلات الجَنازة. إستأذن أليشاع ليقبّل الأحياء ويودّعهم. أما
مُحاور يسوع فيطلب أن يذهب ليكرّم الموتى. ففي منظار الملكوت الذي يُدعى الإنسانُ
إلى إعلانه، لم تعُد الأمور الجنائزيّة بذي بال. والحَنوطُ الذي هيّأته النسوة
لجثّة يسوع (24: 1) لا أهميّة له بعد إنجيل الفصح. ليَدفِنِ الموتى موتاهم.
نحن هنا أمام واجب نقوم به باحترام وإكرام، ولكنه لا يقع على مستوى الملكوت.
فلنحتفظ من عالم وثنيّ يولد دوماً من جديد ويجتاح الكنيسة. إستعمل يسوع في جوابه
لفظة "مَيت" مشيراً إلى المعنى الطبيعيّ والمعنى الروحيّ كما في يو 5: 21- 29؛ أف
2: 1. فالذين لم تتجدّد حياتهم بالإيمان ليسوا أحياءً للربّ.
3- المتطلَّبة الثالثة: نترك الماضي ونتطلّع إلى الأمام (آ 61- 62)
وقدَّم شخصٌ ثالث نفسَه كما فعل الشخص الأوّل. والشرط الذي وضعه شبيه بشرط أليشاع
(1 مل 19: 19- 21)، مع العلم أنّنا نستطيع أن نترك مركزاً ووظيفة، كما نترك أشياءَ
تعلّقَ قلبُنا بها، كما في 14: 33: "وهكذا لا يقدر أحدٌ منكم أن يكون تلميذاً لي،
إلاّ إذا تخلى عن كل شيء له".
وجاء جوابُ يسوع بشكل كلام مأثور عرفَه الأدب القديم. فإذا أراد الفلاّح أن يرسم
ثَلماً مستقيماً وجب عليه أن لا يلتفت إلى الوراء. ونتذكّر هنا أيضاً أنّ أليشاع
كان يمسك بالمحراث حين دعاه إيليا. مرَّ بقربه ورمى عليه رداءه فأعطاه شيئاً من
قوّته ودمه على دعوته النبويّة.
جواب يسوع هنا يشبه جوابه السابق، ولكنه جاء بصورة عامّة: إن اتّباع يسوع يفرض
انقطاعاً عن الماضي. لا نقطع فقط الرباطات العائليّة القديمة. فنظرتنا إلى الوراء
تدلّ على إرثٍ من القِيَم والخِبرات الأخلاقيّة اقتناها الإنسان خلال حياته. فإذا
أردنا أن نكونَ جديرين بالملكوت، نتخلّى كلّـياً عن هذا الماضي على ما قال القديس
بولس: "أَحسب كلّ شيء خَسارةً من أجل الربح الأعظم، وهو معرفة ربّي يسوع المسيح. من
أجله خسِرت كل شيء وحسبت كل شيء نفايةً لأربح المسيح وأكون فيه" فل 8:3).
أجل، في هذه الحياة الجديدة، نحتاج إلى قلب غير منقسم، نحتاج أن نمشي ونحن نتطلّع
إلى الأمام، كما قال بولس الرسول: "أنسى ما ورائي وأجاهد إلى الأمام فأَجري إلى
الهدف" (فل 3: 13- 14). نتطلّع إلى ذلك الذي يمشي أمامنا، إلى يسوع المسيح "رأس
إيماننا ومكمِّله الذي تحمّل الصليب، فجلس عن يمين عرش الله" (عب 12: 1- 2).
ج- ساعات حاسمةٌ في الرسالة
ونتوقف الآن عند المعنى الروحيّ. فنصُّ الإنجيل يَصدِم اليوم القارىءَ بجَفاء
كلماته ومواقف يسوع التي يوردها. ولكن يجب أن لا نخفّف من مدلولها، بل نسعى وُلوج
معناها وتميّز آنيّتها المستمرّة.
لوقا هو إنجيل رحمة الله وحنانه، فكيف نفسّر النبرة القاسية التي نجدها في هذا
النصّ؟ الجواب: لأنه يدخلنا في مرحلة جديدة من رسالة يسوع. عليه أن يترك الجليل
"ليصعد إلى أورشليم". وهذا يَعني للمسيح عبورَ عتبة واتخاذَ قرار حاسم يُلزم
حياتَه: إن بقي في الجليل مدّدَ الحياة السهلة مع نجاحاتها الأولى، وسقط في
التجربة: أن يصير مسيحاً زمنيّاً، أن يصبح معبودَ الجماهير، أن يصنع حياته بيده.
وإن عزم على الصعود إلى أورشليم، فهذا يعني قَبولَ إرادة الآب بصورة ملموسة، فيعطي
حياته. هذا يعني انفصالاً عن الماضي والتزاماً بمستقبل غير أكيد ولكنه يوافق مخطّط
الآب.
بعد هذا لن نَدهَشَ إن دُفع الربّ في هذا الإطار إلى التحدّث بقساوة عن الإنقطاعات
الإنجيليّة الضروريّة لمن يريد أن يتبعه في خدمة ملكوت الله. ففي كلّ حياة مسيحيّة
كما في تاريخ الكنيسة، هناك أوقاتٌ يجب أن نقطع فيها كل رباط مع طمأنينات قديمة، أن
ننسلخ عن "هدوء الجليل" أمانة للربّ وللرسالة.
1- وحزَمَ يسوع أمرَه وانطلق إلى أورشليم
يسوع يواجه مستقبله. وهذا المستقبل هو أورشليم، هو "ساعته"، هو الزمن الذي فيه
يُختطَف من هذا العالم، هو "عبورٌ من هذا العالم إلى أبيه". هو يعرف إلى أين يذهب.
هو يذهب إلى حيث يريده الآب أن يذهب، حيث يقوده الروح.
لقد سمعه التلاميذ يقول: "أمّا أنتم فضَعوا جيّداً هذه الكلمات في آذانكم: على ابن
الإنسان أن يُسلَّم إلى أيدي الناس. فما فهموا هذا الكلام، وكان مُغْلقاً عليهم حتى
لا يفهموا معناه. وتهيّبوا أن يسألوه عن هذا الكلام" (9: 44- 45). أمّا هو فيعرف
إلى أين يذهب ولماذا يذهب: لكي يُتِمّ ما لأجله جاء، لكي يُتِمّ إرادة الآب.
ذهب "بعزم"، "قسّى وجهه" مثل عبد يهوَه (عبد الله) الذي جعل وجهَه قاسياً كالحجر
لأنه يعرف أنه لا يُخزى (أش 50: 7). إن هذا الإنطلاق الحازم يدلّ على إرادة يسوع
الثابتة بأن يُتِمّ رسالته. الإنطلاق إلى أورشليم ليس في نظر لوقا انتقالاً من مكان
إلى آخر: فتبديل المكان هذا يكشف قرارا صريحاً وإرادة مثابرة للقيام بالمهمّة. يذهب
يسوع إلى أورشليم "ليخلّص أورشليم" (2: 38)، ليفجّر أورشليم الميثاق القديم،
أورشليم العبوديّة، ويكشف أورشليم الجديدة، أورشليم العُليا، أورشليم الميثاق
الجديد. بدأ بكامل حرّيته وإرادته مسيرةَ تحرير شعب الله التي لا تتمّ، بحسب قصد
الله السرّيّ، إلاّ بآلامه وموته وقيامته.
الكنيسة مدعوّة اليوم، وفي الكنيسة كلُّ مسيحيّ مدعوٌّ لكي يتبَعَ يسوع المسيح
ويتابع رسالته الخلاصيّة، لكي يصعد هو أيضاً إلى أورشليم. هو مدعوٌّ لكي ينطلق بعزم
في هذه الطريق. ففي تاريخ كنيستنا وفي تاريخ كلّ إنسان، هناك أوقاتٌ بارزة
وانطلاقاتٌ حاسمة يجب أن نتميّزها لنلتزم ونسير نحو الهدف.
مستقبلُ الكنيسة (مستقبل المسيحيّ) غير معروف في مادّيّته: نحن لا نعرف ما سنواجهه
من أحداث محدّدة. فخلال الأزمات الشخصيّة أو الجماعيّة يُمسك القلقُ بنا. إذا كنّا
لا نرى بوضوح تشعّب الأحداث الحاضرة وما يخبّئه لنا المستقبل، إلاّ أننا متأكّدون
من الهدف، من معنى الرسالة الأخير: اختطافنا، ارتفاعنا، تمجيدنا مع المسيح. لهذا
فرجاؤنا ثابت، وانطلاقاتنا حازمة وصريحة. ومهما كان مستقبلنا مؤلماً وقاسياً، فنحن
متأكّدون من محبّة الآب، من أمانة كلمته، من النصر النهائيّ. وإن يكن الوضع حرِجاً،
إلاّ أن اليقينَ الداخلي يبقى ثابتاً، والالتزامَ يكون كاملاً ومن دونَ تحفّظ.
فالمتردّدون الدائمون الذين يؤجّلون كل يوم قرارهم بأن ينطلقوا إلى أورشليم، لا
يتوافقون وموقفَ يسوع. هناك بحث، أو عدمُ بحث، يدلّ حسب الإنجيل على نقص في الإيمان
والرجاء لدى المسيحيّ.
2- إستقبال رديء للرسل
أرسل يسوع رسُلاً أمامه، فلاقَوا استقبالاً عاطلاً. هذا هو الواقع الذي نجده في
الإنجيل. ولكنّ هذا لم يمنع يسوع من الإنطلاق إلى أورشليم.
وكانت ردّة الفعل عنيفةً عند يعقوب ويوحنا. فلهم نظرتهم الخاصّة إلى دينونة الله:
هو يشجُب ويدمّر كلّ الذين يرفضون تعليمه. ونرى أيضاً التلاميذ يواجهون الربّ ولا
يقاسمونه نظرته إلى الملكوت.
ويُفهمنا الربّ أنّ طرقهم ليست طرقَه ولا طرقَ الآب. هو لا يحكم مثلَهم. هو يرفض
أساليبهم. ولهذا ينطلق نحو الهدف في طريق أخرى.
كيف نتقبّل هذه الكلمات اليوم؟
الوضع الذي عاشه يسوع والرسل لم يزَل هو هو. والكنيسة لا تلقى الإستقبال الحارّ لدى
أناسٍ مسجونين في أفكارهم المسبَّقة وعاداتهم وخطاياهم. ويحاول "رسل اليوم" أن
يعجّلوا دينونة الله. ويرفض يسوع هذا الأسلوب. فالإنجيل محرِّرٌ ولا يقبله إلاّ
أناسٌ أحرار مهما كانت النتائج لحامل الرسالة.
نحن نقبل أسلوب يسوع الذي بدا ليعقوب ويوحنا كعلامة ضعف وتهرُّب من المواجهة. ولكن
في نظر يسوع، هذا الأسلوب يعني رفض الأخذ بسلاح العدوّ. فالأساليب الإنجيليّة ليست
أساليب العالم. فأسلحة الرسول الوحيدة هي "أسلحة الروح". يتمّ "خدمة الروح" (2 كور
3: 8) فيلبس "سلاح الله" (أف 6: 11)، ويستعمل "سيف الروح أي كلمة الله" (أف 6: 17).
هو لا يرفض القتال، ولكن ذلك القتال الذي يصبو إلى تحرير الخصم. رسالة الكنيسة تقوم
لا بأن تحكم وتشجُب، بل أن تخلّص، لا بأن تدمّر بل أن تفدي الإنسان. وقوّتنا هي
قوّة الله نفسه، ونعمته تكفينا. وستكون الكنيسة دوماً ضعيفة في نظر العالم.
فالمسيحيّ (وكلّ جماعة مسيحيّة ورسوليّة) لا يقوم بمهمّته إلاّ إذا اتّبع المسيح
حتى أورشليم فقَبِل أن يتألّم ويموت من أجل خلاص البشر.
3- متطلّبات الدعوة الرسولية
هذه كلمات قاسية، فمن يطيق سماعها؟ أما يستطيع يسوع أن يخفّف من حدّة متطلّباته
فيربح عدداً كبيراً من التلاميذ؟ يبدو أن هذا ليس أسلوبَه في العمل.
جاءه مرشَّحٌ أوّل يريد أن يتبعه. ليس له مكان يُسند إليه رأسه. هل نحن مستعدّون
لأن نسير معه دون توقّف، دون أن نحسب حساباً لوقتنا وملكنا وحياتنا؟
وطلب الثاني مُهلةً من أجل قضيّة عائليّة مقدّسة: دفنِ الموتى. ولكن ما يَهُمّ يسوع
هم الأحياء. وإعلان الإنجيل يقود إلى الحياة، فالله يُسمّى لا "إلهَ موتى بل إلهَ
إحياء" (20: 38). من قبل الكلمة، ولو كان ميتاً، لبث في الحياة. ومن رفض الكلمة ولو
كان حيّاً، أقام في الموت.
واستأذنه شخص ثالث. لا مكان للإستئذان: لقد بدأ العمل، فلم يبقَ لنا وقت لننظر إلى
الوراء. فيسوع لا وقت له يضيّعه في طريقه إلى أورشليم. لقد عاش بنفسه هذه
الإنقطاعات العائليّة، وعائلته لم تفهمه. وسيشدّد يسوع على هذه الإنقطاعات
الضروريّة، على "بغض" التلميذ للأب والأمّ والزوجة (14: 26).
إن هذه الكلمات تطرق قاسية في أذنَي المسيحيّ وقلبه، وهو الذي أراد أن يتبع المسيح
أينما يذهب. وهي تُريه المواقف الروحيّة المطلوبة من الرسول. فكما كان رداء إيليا
على كتفَي أليشاع، فالرسول قد "لبس يسوع المسيح" وعاش عواطف الربّ فامتلكه الربّ.
ولكن يبقى أنّ نتائج هذا النداء وتسليم المهمة الرسوليّة تظلّ ثقيلة.
يُدعَى التلميذ إلى التخلّي عن كل طمأنينة مادّية تمنعه من اللجوء إلى الذي يرسله.
والمدعوّ إلى الرسالة لا يستطيع أن يتأخّر تجاه ما هو مائت. والرسول الذي وضع يده
على مِحراث يسوع المسيح، قد يحاول أن ينظر إلى الوراء بعد أن بدأ العمل الرسوليّ،
بعد أن بدأ انطلاقته إلى أورشليم. ولكنّ يسوع يأمره بأن ينظر إلى الأمام رغم
جاذبيّة الوضع السابق وتذكّرات بصل مصر ومتطلّبات الأهل والأقارب.
إن متطلّبات يسوع هذه تبدو قاسية لدى عدد كبير من المسيحيّين. بل تبدو غير واقعيّة
ومثاليّة في نظر المجتمع المعاصر. ويتساءلون: كيف نستطيع أن نعيشها في ظروف الحياة
الملموسة؟
يهتمّ يسوع هنا بتربية تلاميذه. فإن كان الفقر بالروح والتجرّد الرسوليّ يكوّنان
مُناخ كلّ حياة في المسيح، فهناك أوقات يجب أن ننفصل فيها عمّا نملك، عمَّن نحبّ،
بل عن ذاتنا. هذا هو وضع يسوع في تلك الساعة من حياته البشريّة. وهناك أمام كلّ
إنسان ساعة حاسمة تفرض عليه انطلاقةً جديدة مع كل ما تتضمّن هذه الإنطلاقة من
تمزّق. إلى هذا يدعونا يسوع.
نحن نتبعه فنحيا معه وبه وفيه من جديد المسيرةَ ذاتَها والمحنةَ ذاتها والفرحَ
ذاته. فبالنسبة إليه، كما بالنسبة إلى المسيحيّ والجماعة الكنسيّة، ما يتحكّم
بحياتنا هو المهمّة التي رسَمَها لنا الآب. إنه حبُّ الآب يُلهمنا الخِياراتِ
الحاسمة.
الفصل السابع
يسوع يرأس السبعين
10: 1- 20
يشكّل هذا المقطع الخاص بلوقا محطّة هامّة في مؤلّفه (لو+ أع). لهذا نبدأ فنحدّد
دوره في مجمل المؤلَّف قبل أن نحلّله بالتفصيل ونبرز مواضيعه المختلفة.
نلاحظ أولاً أن عنوان المقطوعة لا يوافق المعنى كل الموافقة. فالإنجيلي لا يقابل
بين الرسل (الإثني عشر، رج 6: 13 و9: 13) وبين "التلاميذ". فنحن نرى في كل هذا
المقطع (بين 9: 54 و10: 32) اختفاء لفظة التلاميذ. فالسبعون الذي نتكلّم عنهم الآن
(آ 21 11) يتميزون بأنهم "مرسلون" و"حاملو تعليم" (9: 52) نالوا سلطة من الذي
يمثلونه (آ 16). ولكنهم ليسوا رسلاً مثل الإثني عشر.
وعددهم ومهمّتهم ربطاهم لا بإسرائيل والقبائل الإثنتي عشرة وحسب، بل بكل شعوب
الأرض. ونزيد أنه إن كان الإنجيلي أشار إلى عودتهم (آ 17) بعد إرسالهم (آ 1، 3)،
فلأنه نظر إلى سياق الخبر. سيورد لوقا تعليمات أخرى يوجّهها المعلّم إلى "تلاميذه"
ومنهم السبعون. ثم إن هذه العودة تبدو كاستباق نبوي. فعلى مستوى آخر تمتدّ مهمة
السبعين حتى عودة الرب، وهذا ما سوف يخبرنا به سفر الأعمال.
أ- موقع هذه المقطوعة في مؤلَّف لوقا
تجد مهمة السبعين مكانها في بداية هذا القسم المركزي في إنجيل لوقا. ويسمّى هذا
القسم مسيرة يسوع الطويلة إلى أورشليم (9: 51- 19: 27).
يبرز الإنجيلي ترتيباً وجده عند مرقس وينظّم مواد استعادها متّى أيضاً في إنجيله.
جاءت هذه المواد من الكرازة الرسولية السابقة للأناجيل الإزائية، فقدّمت الصعود إلى
أورشليم ووزّعت فيه الإنباءات الثلاثة بالآلام.
أمّا العناصر التي نجدها في هذا القسم المركزي فلا نجد ما يوازيها (الاّ شواذ
قليلة) عند مرقس. لا يكرّر لوقا ما يقول، وإن هو كرّر خبراً فهذا التكرار له معناه.
وفي الحالة الحاضرة لسنا أمام تكرار لرسالة الإثني عشر (9: 1- 6) بل أمام مهمّة
جديدة تتّسع آفاقها: ستصل إلى العلم كله. ثم إن هذه المهمّة تبدأ في أرض سامرية (ق
أع 1: 8؛ 8: 4).
رافق إرسال الإثني عشر بعضُ التعليمات القصيرة (9: 3- 5). أما هنا فأدخل لوقا خطبة
حقيقية تشكّل في نسيج إنجيله "خطبة الرسالة" التي تقابل الرسالة الحقيقية وهي التي
تعد "الطريق لمجىء الربّ" (10: 1؛ 13: 35).
هناك أولاً نظرة شاملة (مسكونية). وترتسم فوقها نظرة تقابلها هي نظرة اسكاتولوجية
نستشفّها في هذا "الصعود إلى أورشليم" وخاصة في موضوع الوليمة. وهي تظهر في هذا
المقطع بذكر مجيء الربّ الذي تحيط به صور خاصة هي: النار من السماء (9: 54)، الحصاد
(10: 2)، الدينونة (10: 12- 15)، إنزال الشيطان عن عرشه (10: 18). ومقابل هذا يسمّى
يسوع ربّ الملكوت (9: 54، 61؛ 10: 1، 17) وابن الإنسان (9: 56، 58)، ولا يذكر
كالمعلّم الذي يقدّم تعليماً (هذا نجده في 10: 25).
نشير هنا إلى أن العبارة التي تبدأ السفر الطويل هي عينها التي تبدأ خبر العنصرة
(أع 2: 1). هناك ملء الزمن. نقرأ في 9: 51: "ولما حان الوقت". وفي أع 2: 1: "ولما
جاء يوم العنصرة". وهناك ذكر الحصاد. فعيد العنصرة هو في الأصل عيد الحصاد، حصاد
القمح. وفي الخطبة الى السبعين يتحدّث يسوع عن الحصاد وعن ربّ الحصاد (10: 2).
والعالم الوثني الذي إليه تتوجّه مهمّة السبعين، هذا العالم يشير إليه النصّ بصور
مختلفة. أولاً بالرقم 70 أو 72. نحن نعلم أن الرقم 70 يقابل في التقليد اليهودي عدد
شعوب العالم (تك 10، تث 32: 8- 9). أمّا في التوراة اليونانية (السبعينية) فعدد
الشعوب المذكورة في سفر التكوين يصبح 72 (6 * 12). ثانياً: تشبيه "الخراف بين
الذئاب" (آ 3) يشير أيضاً إلى العالم الوثني في التقليد اليهودي، وسنعود إلى هذا
فيما بعد. ثالثاً: يرمز ذكر صور وصيدا في الأناجيل (آ 13- 14) إلى استعداد الوثنيين
لتقبّل البشارة تجاه قساوة قلب الشعب اليهودي. وهذه الإشارة الأخيرة تميّز بصورة
خاصة نظرة لوقا في إنجيله كما في سفر الأعمال الذي يجد في هذا المقطع الخطوط الأولى
لبرنامجه (أع 4: 25- 29؛ لو 13: 44- 51؛ 25: 23- 28).
وبما أن لوقا وعدنا في المقدمة انه يريد أن يروي الأحداث "بترتيب" (1: 3)، لم يرد
أن يسبّق على الرسالة لدى الوثنيين. سيحدّد موقع بدايتها المتردّدة خلال سفر
الأعمال في الزمن الذي جاء بعد العنصرة، وسيرينا في القديس بولس العامل الرئيسي
الذي اختاره لهذا العمل يسوع القائم من الموت. غير أنه يربط هذه الرسالة بحياة يسوع
على الأرض من خلال إرسال التلاميذ السبعين أمامه "إلى كل مدينة أو موضع عزم أن يذهب
إليه".
ب- تحليل النصّ وتفسيره
ان 10: 1- 20 يكون وحدة تحيط بها عبارتان: "بعد هذا" (آ 1) "وفي تلك الساعة" (آ 21)
والرسمة الإجمالية "إرسال (أو إنطلاق) وعودة" تحدّد هذين الجزئين بصورة طبيعيّة.
استعملت هذه الرسمة في الحديث عن إرسال الإثني عشر (9: 10؛ رج مر 6: 7، 30) وسنجدها
من جديد في سفر الأعمال ساعة الحديث عن المهمات البولسية (أع 14: 27؛ 21: 17- 20).
في كل درفة نجد خبراً يشكّل إطاراً لأقوال يسوع. أغلبها جُمع في المرجع الذي استقى
منه لوقا (رج مت 9: 37- 38؛ 10: 10- 16) وبعضها وُضع هنا بيد لوقا (مثلاً، آ 13-
16، 17- 20).
وإذا أردنا أن نفهم النسيج العميق لهذه المجموعة والمدلول الذي ينتج عن هذا
التنظيم، نعود إلى درس البنى ومعانيها.
1- الجزء الأول: الإرسال (آ 1- 16)
يركّز الجزء الأول (أو الإرسال) العمل كله حول شخص يسوع. فكما في الأخبار
الإنجيلية، نجد توطئة اخبارية تقدّمِ عملاً توضح الأقوالُ معناه. وفى هذا الوضع
تشكّل هذه الأقوال عملاً، عمل السيد الربّ، عملاً خلاّقا يؤسّس عمل السبعين الرسولي
ويتمّ في الدينونة.
والعمل المنسوب الى يسوع في الخبر يتضمّن وجهتين ضروريّتين لتمثّل الرسالة في العهد
الجديد كما في العهد القديم. هناك أولاً اختيار (رج 6: 13؛ مر 3: 13؛ يو 15: 16)
نربطه "بتعيين" له أهميته الكبرى (مهما كانت أشكاله) في إقامة الخدم في الأزمنة
الأولى للكنيسة (أع 1: 24؛ 6: 3- 6؛ 13: 2- 3؛ 14: 23).
"أرسلهم إثنين إثنين"، كما في مر 6: 7. هذا التفصيل يؤسّس عادةً أخذت بها الكنيسة
الأولى. ونحن نرى تحقّق هذا الترتيب في سفر الأعمال: برنابا وبولس، برنابا ومرقس،
بولس وسيلا...
وبعد أن عيّنهم يسوع أرسلهم إلى حيث عزم أن يذهب. لا يريد النصّ فقط أن يشير إلى
مجيء يسوع التاريخي خلال حياته في فلسطين، بل أن يدلّ على مجيئه الاسكاتولوجي الذي
ترتبط به الرسالة ارتباطاً وثيقاً. وهذا ما يفتح مساحة أمام الرسالة. والعبارة "كل
مدينة (وكل) موضع" يوجّهنا أيضاً في هذا المعنى. أراد لوقا أن يعطيها بعداً شاملاً
(مسكونياً) (رج الخطبة اللاحقة) فحوّر عبارة متّى: "المدن والقرى" (مت 9: 35).
فلفظة "موضع تتعلّق بمناطق وبلدان".
أولاً: مدخل إلى الخطبة
إن الخطبة التي تحدّد البرنامج أو بالحري طبيعة هذه الرسالة، تبدأ بمدخل مركز على
صورة الحصاد. هو إعلان بشكل نقيضة تقابل بين الكثرة والعدد القليل: حصاد كثير وفعلة
قليلو العدد. وبعد هذا تأتي التعليمات. إن الأدب الاسكاتولوجي يلجأ مراراً إلى صورة
الحصاد (يؤ 4: 13؛ مت 13: 39؛ رؤ 14: 15- 26). وترتبط صورة الحصاد بالفرح. رج أش 9:
2؛ مز 126: 5- 6؛ يو 4: 36. سيظهر هذا العنصر في القسم الثاني (آ 17- 20). أما لفظة
"كثير" فتدلّ عادة في التوراة على العالم الوثني: شعوب كثيرة. نظرياً: 70 أو 72. رج
أيضاً يو 12: 24 (أخرجت حبّاً كثيراً).
العمّال هم قليلو العدد. هذا ما يدل أولاً على المجموعة التي أرسلها يسوع، لا
الإثنا عشر فقط، بل السبعون أيضاً. ومن خلال هؤلاء يدلّ العدد على كل الجماعة التي
كانت أقلّية في العالم اليهودي وبالأحرى في العالم الوثني. نحن أمام "القطيع
الصغير" الذي يذكره لوقا في 12: 32.
إن هذا العدد القليل من العمّال الأرضيين يقابل الجيش الكبير من الخدّام السماويين
(دا 7: 10؛ لو 2: 13؛ مت 26: 53)، أي الملائكة الذين يعتبرهم التقليد منفّذي الحصاد
الاسكاتولوجي (رج مت 13: 39- 41). إذن ينقلنا النصّ من الرمز الى الواقع التاريخي،
ثم يمنح هؤلاء الحصّادين الأرضيّين (10: 20) وضعاً سماوياً.
وبعد الإعلان التعارضي يأتي أمر هدفه أن يتغلّب على غياب النسبة بين الكثير
والقليل: إذن، صلّوا، اطلبوا من ربّ الحصاد.
هذا الأمر يتضمّن موضع الصلاة الذي يهتم به لوقا اهتماماً خاصاً، ويربط مبادرة
الرسالة "بربّ الحصاد" أي بالله. وسيرينا سفر الأعمال نموذجاً عن هذا الوضع حين
يحدّثنا عن القديس بولس. والزمن التاريخي لا يستنفد هذا الأمر، بل يبقي ينبوع
الرسالة مفتوحاً: إذن، هناك مكان لآتين جدد يعملون في هذا الحصاد.
ثانياً: تعليمات من أجل الرسالة
الأمر بالإنطلاق "إذهبوا" يستعيد في صيغة الجمع أوامر تدشّن دعوات تلقّاها أناس في
العهد القديم ("إذهب، وأنا معك").
"إذهبوا". هذا الأمر المطلق يزيل كل حدود أمام مهمة المرسلين (يختلف عن مت 10: 5-
6). والساحة المفتوحة أمام هذه المهمة قد حُدّدت سابقاً في التوطئة الإخبارية.
حدّدت جغرافياً (كل مدينة وموضع). حدّدت زمنياً (حيث عزم أن يذهب). وفي الحالتين
اهتم لوقا بالتشديد على شمولية الرسالة وهذا ما يحدّده أع 1: 8: حتى أقاصي الأرض.
ونجد أيضاً هذا الأمر على شفتي يسوع في نهاية الأناجيل. في مت 28: 18- 20: "إذهبوا
وتلمذوا". في مر 16: 15: "إذهبوا إلى العالم كله". في يو 20: 21: "كما أرسلني أبي
أرسلكم أنا". هذا الإرسال هو علامة حاسمة لتدخل الآب والقناة التي بها يمرّ هذا
التدخّل (آ 16: من سمع منكم سمع مني).
ثالثاً: المرسِل، المرسل، موضوع الإرسال
إن آ 3 تعني الأشخاص المرتبطين في عمل الرسالة. أولاً، المرسل والمرسَلون في حوار
مباشر: "ها أنا أرسلكم". وهذا ما يوضح الأمر الأساسي. فالمرسِل هو يسوع بصفته الرب
(رج مت 28: 18). ثم، إن التعارض بين "الخراف والذئاب" (رج مت 10: 16: "النعاج")
يرسم العلاقة بين المرسَلين والأشخاص الذين أرسلوا اليهم. لا تشير هذه الصورة فقط
إلى أخطار الرسالة. فقد استعملت في أرض إسرائيل لتدلّ على وضع شعب الله وسط الشعوب
الوثنية. وها قد انتقلت إلى "القطيع الصغير" إلى التلاميذ الذين يحميهم الراعي (هو
المرسل نفسه: رج آ 19) حماية حقيقية من كل خطر. إذن، أرسلوا الى الشعوب الوثنية.
رابعاً: أشكال الرسالة
بعد هذه التحديدات حول الأشخاص يتوسّع القسم المحوري بصورة ملموسة في الرسالة
ويحدّد أشكال ممارستها (آ 4- 11). وهي تدوَّن في نظرة واضحة أو غامضة من التنقّل
الأفقي بدأته آ 1، تتبعه نظرة من التنقّل العمودي (معارضة بين فوق وتحت).
الأشكال الأولى هي سلبية. تعبّر عن حركة انفصال وتعني تصرّف لمرسلين وما يحملون أو
لا يحملون معهم. أولاً: لا محفظة، لا كيس، لا حذاء. ثانياً: لا تسلّموا على احد في
الطريق. وهكذا يحلّ هذا الإنفصال الأدبي انفصالاً مكانياً ضمنياً (انطلاق
المرسلين). فالمرسلون لا يدعون إلى أن يتركوا مكاناً جغرافياً، بل أن يتخلّوا عن
عالم هو "العالم الحاضر" الذي يتميّز بامتلاك الخيرات والكلام الفارغ. يتحدّث 12:
33 عن الكنوز الحقيقية وأف 6: 15 عن حذاء فاعل.
غياب المال ورفض التحية في الطريق (لئلا نتأخّر عن الرسالة. رج 2 مل 4: 29) يدلاّن
على أن العلاقة بين المرسلين والذين يرسلون اليهم لا تتأسّس على وسائل التبادل في
"العالم الحاضر" (مال، كلام فارغ) بل على وسائل أخرى أكثر فاعلية سيحدّدها النص
فيما بعد.
وتتعلّق الأشكال الإيجابية بالأمكنة (بيوت، مدن) وتعبّر عن تبادل ومشاركة في بعض
الخيرات.
ففيما يخصّ البيوت نجد ثلاث تعليمات. موضوع التعليمة الأولى (آ 5- 6): السلام على
البيوت التي فيها يُستقبل المرسلون. مُنعت عنهم التحية الباهتة "في الطريق". أمّا
هذا السلام فيمثّل عطيّة حقيقية تدل على وجهة ملموسة للسلام الذي هو علامة مجيء
الملكوت، علامة الدخول إلى الملكوت (يو 20: 19- 21؛ رج 14: 27). نحن هنا أمام إحدى
ثمار الروح (غل 5: 22) أو بالأحرى أمام الروح القدس عينه الذي به يرتبط عادة فعل
"حل". يأتي الروح فيسكن البيوت (أو الجماعات) ليجعل منها مساكن الله ويحقّق التوافق
في الأسر وبين الأخوة. هذا ما حصل في بيت زكا (19: 9). وهذا ما تحقّق لمسيحيّي
أورشليم في أع 2: 44- 46؛ 4: 32.
والتعليمة الثانية تتعلّق بالطعام (آ 7). فعلى الجماعات التي أسّسها المرسلون أن
تهتم بحاجاتهم المادية. هذا ما نجده لدى القديس بولس: "الذين يعلنون البشارة ينالون
رزقهم من البشارة" (1 كور 9: 14: خادم المذبح يأكل من المذبح). وهو سيطبّق هذا
الأمر على "الشيوخ" (أو القسس والكهنة): "العامل يستحق اجرته" (1 تم 5: 18). يستعمل
لوقا مفردة "أجرة"، شأنه شأن بولس. أما مت 10: 10 فيتحدّث عن الطعام. في سياق هذا
المقطع تشدّد لفظة "أجرة" على فكرة التبادل الحاضرة هنا. فالطعام المادي يقابل هذا
"السلام" الذي يحمله المرسلون، يقابل كلمة الله والروح القدس، وكل هذا هو الطعام
الحقيقي للملكوت (1 كور 9: 11).
والتعليمة الثالثة (آ 7) التي تحيط بالثانية تتعلّق بإقامة المرسلين. انها تدلّ على
توقف مؤقت مارسه بولس في أعمال الرسل (14: 28؛ 15: 35؛ 18: 11- 18؛ 19: 10؛ 28:
30). ينضم هذا الأمر الى رسالة متنقلة فيدلّ على ثبات بيت الله أي الكنيسة وعلى ثمر
الرسالة.
وحين يتحدّث النص عن العلاقات مع المدن يبرز الإختلاف (أشار إليه النصّ خفية حين
تحدّث عن البيوت) بين القبول والرفض. وينتهي كل هذا بالإشارة إلى الدينونة.
وفي ما يخصّ التقبّل، يستعيد النصّ بشكل معاكس التعليمات حول البيوت. ينال المرسلون
الطعام ويحملون الشفاء الذي يقابل السلام. وكل هذا هو نتيجة الروح وعلامة مجيء
الملكوت: "ملكوت الله اقترب منكم" (أو: من أجلكم). هناك مقابلة بين ملكوت الله هذا
والحياة أو الخلاص (19: 9) اللذين يدل عليهما الشفاء من أمراض الجسد أو من أمراض
المجتمع بما فيه من خلافات ونزاعات.
ويشدّد النص: "كلوا ممّا يقدّمونه لكم". هذا يشير إلى مشكلة طعامية طرحت على
الكنيسة الأولى بعد أن انتشر الإنجيل وسط الوثنيين. هل يأكل اليهودي ما يأكله غير
اليهودي، هل يأكل مع اليهودي؟ أما يتنجّس؟ هذا ما تعلّمه بطرس قبل لقائه بالضابط
كورنيليوس (أع 10: 9- 34). هنا نجد بذار كلام بولس: يهودي مع اليهودي، يوناني مع
اليونانيين.
هناك قبول المرسلين وهناك رفض المرسلين، وهذا ما تحقّقنا منه في حياة يسوع (4: 29-
31) وفي حياة الرسل أنفسهم كما يروي ذلك أعمال الرسل.
ونلاحظ هنا أيضاً تبادلاً: يُرفض الرسل ويُرفض تعليمهم، فيخرجون ويرافق "خروجَهم"
فعلة نبوية: ينفضون الغبار العالق بأقدامهم (رج 9: 5؛ مر 6: 11؛ أع 13: 51). فإذا
عدنا إلى القرائن وأخذنا بعين الإعتبار السوابق الكتابية، تشير هذه الفعلة إلى
الدينونة وتدلّ على الموت (رج 3: 19) الذي تقابله حياة نتعرّف إليها في مرحلة
القبول (2 كور 2: 14- 16؛ مر 16: 16).
وهكذا تتّخذ إستعادة التعليم المتعلّق بقرب الملك، تتّخذ معنى إعلان دينونة ستوضحها
آ 12 بالتذكير بعقاب سدوم، وبعبارة "في ذلك اليوم" (أي يوم الحساب). غير أنّ هذا
التهديد يريد أن يدفع الناس إلى التوبة، ولهذا ترتبط هذه الآية بالجزء اللاحق.
خامساً: نظرة إلى الدينونة ويوم الحساب (آ 12- 15)
هناك سلسلة من التعارضات: سدوم وهذه المدينة، المدن اليهودية الخاطئة والمدن
الوثنية التائبة. كل هذا يشكّل جزءاً جديداً مركّزاً على الدينونة والتوبة. وعبر
هذه الأمثلة الخاصة، يشير النص إلى تعارض بين قساوة قلب الشعب اليهودي وتوبة
الوثنيين (أع 28: 25- 28). وفكرة حلول شعب مكان شعب التي نقرأها في نهاية الجزء
الثاني تبدأ هنا. أما آ 15 فتدخلنا في محور جديد. فالمستوى الأفقي المرتبط بالوجهة
الجغرافية للرسالة عبر العالم يُمحى ويترك مكانه لمحور عمودي يقابل بين فوق
(السماء) وتحت (الجحيم)، بين الإرتفاع والهبوط. وستمتدّ هذه النظرة في الجزء
الثاني.
سادساً: الخاتمة (آ 16)
قرأنا سابقاً خاتمة مكثّفة تجمع القبول والرفض والمرسل والمرسلين وموضوع الرسالة،
ثم تعود الى الينبوع الأول للرسالة: "الذي أرسلني" أي "ربّ الحصاد". انها تعبر عن
الطبيعة العميقة للرسالة والمخرجين اللذين يبرزان أمام المرسل: إيمان أو عدم إيمان،
مشاركة في ينبوع الحياة أم إنغلاق على هذا الينبوع.
2- الجزء الثاني: العودة (آ 17- 20)
يختلف بناء الجزء الثاني عن بناء الجزء الأول فيبدو بشكل استنتاج. فبعد العمل تأتي
"الراحة". إن هذه الفظة البيبلية لا تظهر هنا كما في مر 6: 31، ولكن الواقع هو هنا:
منذ الآن قُهر العدو بصورة نهائية. وها نحن نحدّد موقعنا هنا في السعادة اللاحقة،
في ما وراء الدينونة واستباقاً لها. فرغم ظواهر الخبر وعلى مستوى المدلولات
العميقة، ينقلنا النصّ إلى ما وراء التاريخ. لهذا يستعمل الأسلوب الرمزي.
يتميّز هذا الجزء بمناخ من الإرتياح يرافقه تسلسل النداءات الى الفرح والسعادة،
مقابل ما حدّثنا الجزء الأولى عن "ويلات" (الويل لك يا كورزين).
أولاً: عودة المرسلين و"كلمتهم" (آ 17)
وعاد السبعون فرحين فتسجّلت عودتهم في المستوى الأفقي بعد آ 15- 16: في الواقع، ان
هذه المقدّمة الاخبارية لا تنفصل عن الكلمة التي وجّهها المرسلون إلى يسوع الذي
يسمونه "الرب" فيدلون على قدرته. ويشير تقريرهم إلى أمر لم يذكره الجزء الأول،
فيبدو كزيادة غير منتظرة تثير الدهشة لدى المرسلين: "حتى الشياطين".
يذكر سفر الأعمال مثل هذه التقارير حين عودة بولس من رسالته (أع 14: 27: "جمعا
الكنيسة وأخبرا بكل ما عمل الله على أيديهما"). هذا يعكس ولا شك عادة جرت عليها
الجماعات الأولى، حيث كانت ليتورجية الكلمة لا تنفصل عن الحياة وتتضمّن شهادات حياة
(أع 25: 3- 4، 12). من جهة ثانية نجد هنا تحقيقاً لقول أشعيا (55: 11): لا ترجع
كلمة الله دون أن تنجح في مهمّتها. وسيقدّم لوقا في سفر الأعمال الرسالة على أنها
نموّ الكلمة (أع 6: 17؛ 12: 24؛ رج 2 تس 3: 1). أما كلام المرسلين فيقدّم تراتبية
بين ثلاث فئات من الكائنات: الشياطين الخاضعة للرسل (نحن)، باسم يسوع الرب (بفضل
قدرته).
ثانياً: كلمة يسوع (آ 18- 20)
ويجعلنا جواب يسوع على المستوى الجلياني فيوسّع تقرير الرسل الذي توقّف عند وقائع
غريبة ولكن جانبية، وقائع لا غد لها مؤكّداً. امّا يسوع فيؤسّس ارتياحاً ثابتاً في
ثلاثة تأكيدات. *الأول: تأكيد على سقوط الشيطان، أي نهاية ملكه (آ 18). إن لفظة
"رأيت" تربطنا بلغة الرؤيا. وموضوع سقوط الكواكب وكأنها آلهة (رج أش 14: 12- 15)
يحيلنا إلى ما نقرأ في يو 12: 31- 32 (أنا متى ارتفعت) وإلى رؤ 12: 7- 12 (الحرب
بين ميخائيل واثنين). فالحركة العمودية التي اعلنتها آ 15 ظهرت من جديد لتدلّ على
فصل نهائي بين المرسلين وقوى الشرّ: لقد أزيل المعارض أو المعاند.
إن صورة "البرق" تدلّ على فجاءة الحدث. وإن فجاءة نهاية ملكوت الشيطان تقابل فجاءة
مجيء الملكوت. كلاهما يأتيان فجأة، على مثال الروح الذي يهبّ فتسمع صوته ولا تعرف
من أين يجيء ولا إلى أين يذهب (يو 3: 8).
* الثاني: تأكيد على انتقال السلطة من يسوع إلى مرسليه (آ 19). استعاد النصّ بشكل
آخر تقرير الرسل ففتحه على المستقبل وأعطاه بعداً دائماً. والصور المأخوذة من عدّة
نصوص كتابية (مز 91: 3؛ تك 3: 15) تتعلّق بالعدو الذي أعلن يسوع سقوطه الآن، وتوافق
ما قيل عن "الخراف" و"الذئاب" في آ 3. فعلى التلاميذ أن لا يخافوا من شيء: إنهم
يملكون سلطة أقوى من سلطة الشيطان. لقد قهروا قوى الموت.
* الثالث: تأكيد يتألف من شقّين متعارضين. يعبر عنه النصّ بشكل تطويبة تكمّل
التطويبات السابقة (آ 20). موضوعها: ارتفاع الرسل. وهي تقابل سقوط الشيطان. وهي
تؤسّس بصورة متينة ونهائية سعادة المرسلين فتعود بهم من نتيجة عرضية الى سبب عميق:
أسماؤكم كُتبت في السماء.
مضمون هذه الآية يوازي مضمون 12: 32: "لا تخف أيها القطيع الصغير فقد سرّ أبوكم أن
يعطيكم الملكوت". نحن أمام الإنتماء إلى الملكوت عبر الإنتصار على العدو. ولكن
الآيتين تلفتان انتباهنا إلى عطية تربط المرسلين بالذي يرسلهم. إنهم ينعمون بهذه
العطية وكأنهم وسطاؤها وعلامتها خلال رسالتهم.
ما هي هذه العطية التي لا يحدّدها النص؟ نستنتجها من القرينة: يحتل المرسلون
"المكان" الذي صار فارغاً بعد أن سقط الشيطان ("سيّد العالم"). إنهم يملكون على
العالم الجديد (22: 29- 30). نالوا الملك الذي هيّىء للإنسان منذ البدء.
"مكتوبة في السماء" نجد هنا تلميحاً إلى كتاب الحياة كما في رؤ 3- 5. رج خر 32: 32.
وقد تعني السماء الله فنقول: كتبت لدى الله. إن النصّ الأساسي (خر 32: 32) يتضمّن
صورة موسى (انتصر على فرعون فمجّده الله) مع 70 شيخاً. يشهد هذا القول على إظهار
السلطات العجائبية في زمن الرسول وكأنها سلطات نسبيّة لا مطلقة (رج مت 7: 22؛ 1 كور
13). ويحذر من الأنبياء الكذبة والسحرة الذين تتحدّث عنهم التوراة.
وهذا المصير (الملك) لا يُحفظ للرسل وحدهم، بل يُعطى أيضاً للسبعين الذي يحلّون
محلّ الملائكة (70: 72) الذين يحفظون الأمم. بل يُعطى أيضاً لكل مسيحي يعمل من أجل
الملكوت ويتمّ عمل الحاصد (مت 19: 28؛ 1 كور 6: 2).
وبمختصر الكلام، نقتني الملك الحقيقي بالتعب اليومي (وبصورة ضمنية: بالصليب. رج 22:
9) الذي يثمر انتصاراً على قوى الشرّ. لأنه يتمّ بفضل قرار الآب الذي أظهره يسوع
ودشّنه. ساعة تتحطّم البنى الكنسيّة التي تعبنا في تركيبها على مرّ العصور، ساعة
تسيطر تجربة التشاؤم، تبدو هذه الصفحة الإنجيلية وكأنّها تتوجّه إلينا الآن.
فتذكرنا أننا نعيش منذ العنصرة ساعة الحصاد: كل يوم تنضج ثمرة في مكان ما من
العالم، والمعلّم يدعو فرقاً جديدة من الحصادين ليحلّوا محلّ الذين تعبوا. هذه
الصفحة تجنّد الذين يريدون أن يسمعوا البشارة ويقاسموا الجميع ظروف حياتهم في موقف
منفتح وبسيط عاملين بلا كلل ليملك السلام والاخوة، ليصبح العالم مسكن الله وأورشليم
السماوية التي تصل إليها مواهب الأرض يحملها البشر الذين نالوا الخلاص.
الفصل الثامن
وتهلّل يسوع
10: 21- 24
إعتاد الشرّاح أن يسمّوا "قولاً يوحنّاوياً" مقطعاً إنجيلياً مشتركاً بين متّى
ولوقا، تذكرنا فيه اللغة والتعليم بما نقرأ في إنجيل يوحنا. ونحن سنحاول في دراستنا
أن نتقرّب من سرّ شخص يسوع الذي نستشفّه في أعمق رنّة كلماته. غير أن هذه الكلمات
وصلت إلينا عبر كتابات تفسّر ما قاله يسوع وتجعل أقواله في أطر تاريخية متنوّعة.
سنحاول أن نكتشف الظروف التي دفعت الرب إلى هذه الصلاة السامية. فلا نكتفي بأن
نفهمها فهماً أفضل، بل نسعى إلى اكتشاف العلاقات العميقة التي تربط هذا التعليم
بالعهد القديم.
أ- السياق التاريخي والأدبي
1- السياق التاريخي
إن نظرة سريعة إلى إزائية (نصوص إنجيلية وضع الواحد بإزاء الآخر) تكشف توافقاً
نصوصياً وثيقاً بين متّى ولوقا بالنسبة إلى الآيات المركزية (10: 21- 22: مت 11:
25- 27). واختلافات ملحوظة في المقدمة والخاتمة.
فمتّى ولوقا لا يجعلان الحدث في الوقت عينه من حياة يسوع. دلَّ متّى على الوضع
التاريخي بعبارة غامضة: "في ذلك الوقت". والقول عنده هو جزء من مجموعة تعطي صورة عن
القوى المعادية التي تواجه إعلان ملكوت الله: هذا هو موضوع "الكتيّب الثالث" في
إنجيل متّى. ونستطيع أن نفترض أن هذا الكتيّب يعكس وضعاً عاشه يسوع في منتصف حياته
العلنية، وساعة دفعت معارضة الفريسيين المعلنة، يسوع إلى التشديد على الظروف
الداخلية لتقبّل الملكوت.
أما عند لوقا، فالقطعة تدخل في مجموعة تاريخية محدّدة وخاصة بالإنجيل الثالث. هذه
المجموعة هي سَفر يسوع من الجليل إلى أورشليم قبل الآلام. هي "صعود يسوع إلى
أورشليم".
وهذا الإختلاف بالنظرة حوّل طريقة كل إنجيلى في فهم قول يسوع. بيّن متّى هنا كما في
أماكن أخرى اهتمامه الأول بان يعطي نظرة متماسكة إلى تعليم يسوع. لم يحتفظ من حياته
إلا بالعناصر البارزة، فرتّبها في إطار يحمل تعليماً. والقول الذي ندرس قد جعله
متّى حالاً بعد تويّل (قال: الويل) تلفّظ به يسوع على مدينتَي كورزين وبيت صيدا
اللتين تفوّقتا برداءتهما على مدينتين وثنيّتين هما صور وصيدا. لا شيء يتيح لنا على
مستوى الأحداث أن نقيم علاقة (بين علّة ونتيجة) بين عدم إيمان هاتين المدينتين
الجليليتين وشكر يسوع الإحتفالي. فلا نقاط مشتركة بين الواقعين، إلاّ بالتشديد على
وضع فيه يتعارض هؤلاء الذين يرفضون الملكوت وهؤلاء الذين يقبلونه. هذا التعارض هو
موضوع الكتيّب الثالث في إنجيل متى: أقوال حول يوحنا المعمدان (11: 2- 5)، حول جيل
يسوع الذي لا يعرف الحكمة (11: 16- 19). وأقوال أخرى تتحدّث بوضوح عن الفريسيين
(12: 1- 50).
بدت نظرة لوقا بسيطة وطبيعية. فساعة أراد يسوع أن يقوم بمجهود أخير يوصله إلى
أورشليم، نظّم حملة كرازة في محطّات تتوزعّ طريقه إلى أورشليم. واختار مع الإثني
عشر سبعين آخرين أرسلهم إثنين إثنين ليهيّئوا مجيئه في كل مدينة وقرية عزم على
العبور فيها. أمّا نتائج هذه الكرازة فكانت متنوّعة. والتويّلات على كورزين وبيت
صيدا تقع في امتداد طبيعي لخطبة الإرسال التي تعطي المرسلين تعليمات يمارسونها إذا
لم يُقبلوا في مكان من الأمكنة. إذن، نستطيع أن نفترض أن المدينتين رفضتا هؤلاء
المرسلين. ولكن الإستقبال كان حاراً في أمكنة أخرى. في هذا المنظار جعل لوقا قول
يسوع: "أشكرك، يا أبت، رب السماء والأرض". إذن، يجعل لوقا هذا القول يرد بعد
التويّل على كورزين وبيت صيدا.
وضع متّى الحدثين الواحد قرب الآخر. أما لوقا فجمعهما برباط طبيعي. ضمّ التويّلات
ضدّ المدينتين إلى بداية رسالة السبعين. ثم جعل قول الشكر والمباركة بعد عودتهم.
رجع التلاميذ وهم فرحون بنجاحهم. شاركهم يسوع في حماسهم واندفاعهم، ولكنّه خفّف
الوجهة البشرية ليرفع قلوبهم إلى العلاء: "بل افرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في
السماوات" (10: 20). غير إن هذا الكلام حول مخطّطات الآب غير المحدودة، حرّكت لدى
يسوع أيضاً شعوراً قوياً: جوهر رسالته هو أن يكشف هذه المخطّطات. وهكذا نكون حالاً
في مقدّمة القول الإلهي: "في تلك الساعة تهلّل يسوع في الروح القدس".
إن الفن الذي به يؤلّف لوقا خبراً بسيطاً ليس غريباَّ عن معقولية الحالات التي
يقدّمها هنا. ولكن بما أننا نجد عند متّى آثاراً من هذا الترتيب، فهذا ما يكفي لكي
يجعلها معقولة. وهذا ما يدلّ أيضاً على أن متّى ولوقا يتبعان المرجع عينه الذي سبق
له وضمّ حدث كورزين إلى نصّ المجدلة. إنجذب متّى بمتطلّبات تصميم منهجي، فأسقط
ملاحظات تاريخية قدّمها إليه مرجعه. أما لوقا فاكتفى بترتيبها بطريقة معقولة جعلتنا
نرى عنده الظروف "التاريخية" التي فيها تلفّظ يسوع بقوله هذا.
2- السياق الأدبي
إختلفت نسخة متّى عن نسخة لوقا على مستوى التقديم. واختلفتا أيضاً على مستوى
الخاتمة. إن خاتمة لوقا التي نسمّيها "مباركة العينين"، فقد عرفها متى ولكن في إطار
آخر: "طوبى لعيونكم لأنها تبصر... إن كثيرين من الأنبياء والصديقين اشتهوا أن يروا
ما أنتم راؤون ولم يروا" (مت 13: 16- 17). أما خاتمة القول في إنجيل متّى فهي نصّ
مشهور (تعالوا إليّ، أيّها المتعبون) غاب كلّياً عن إنجيل لوقا.
ونبدأ فنتفحّص حالة "مباركة العينين".
يبدو سياق متّى للوهلة الأولى صالحاً. فهذا التصريح عن سعادة الذين يبصرون بعيونهم
ويسمعون بآذانهم حدث البشارة، يأتي كخاتمة المقطع وهو مشترك بين الأناجيل الإزائية
الثلاثة حيث يعطي يسوع السبب الذي لأجله يعلّم في الأمثال. إتفق لوقا ومرقس هنا على
اتّباع نصّ قصير جداً. أما متّى فتوسّع في النصّ وأورد كل نصّ اشعيا (6: 8- 10)
الذي لمّح إليه يسوع: "تسمعون ولا تفهمون، تنظرون ولا تبصرون" (مت 13: 14).
نستشفّ نيّة متّى حين يقرّب "مباركة العينين" من هذا النصّ: حين لا تفهم الجموع ما
ترى، أعطي للتلاميذ أن يعرفوا أسرار ملكوت السماوات (مت 13: 11). ولكن حين نتأمّل
في النصّ نرى أن التقارب هو لفظي أكثر منه واقعي. فإذا أخذنا هذه المباركة في حدّ
ذاتها وبمعزل عن السياق الذي وردت فيه عند متّى وعند لوقا، نرى أنها لا تعارض رؤية
على مستوى اللحم والدم وفهم روحي. بل هي تعظّم فرح الرؤية المباشرة التي منحت
للتلاميذ، تجاه أمل خاب لدى أنبياء ماتوا قبل مجيء المسيح.
إذن، تعارض مباركة العينين نمطين من المؤمنين ينتمون إلى جيلين مختلفين ومتقاسمين.
أما نصّ أشعيا والخطبة التي تتضمّنه بمناسبة إيراد الأمثال، فهي تعارض المؤمنين
واللامؤمنين في جيل واحد. وهكذا يستضيء كل شيء في منظار لوقا: فـ "مباركة العينين"
لم تعد فقط استعادة موسّعة (تعود في النهاية بحسب مبدأ التضمين) لوضع صوّرته مقدّمة
القول الإلهي، فهذه المقدّمة دعت التلاميذ إلى الإبتهاج خصوصاً لأن أسماءهم دوّنت
في السماوات. أما المباركة فأعلنتهم سعداء (طوّبتهم) لأنهم يبصرون تحقيق النبوءات
(حين يرون يسوع).
شدّد لوقا مرّة أخرى على التوافق التام بين المقدّمة والخاتمة حيث لاحظ تحرّك يسوع
الذي التفت إلى تلاميذه قبل أن يقول "مباركة العينين". فكان الوضع المصوَّر هنا كثر
دقّة من وضع متّى الذي أُجبر بسبب سياق النصّ أن يعطي لقول "مباركة العينين" بعداً
عاماً أقلّه في الشقّ الأول (مت 13: 16)، ليجعله موافقاً لإيراد أشعيا الذي سبقه.
في لوقا، يتوجّه يسوع أولاً إلى تلاميذه العائدين من الرسالة. غير أن الكلمات التي
يوجّهها تدلّ في طبيعتها على توسّع في فكرته وعلى "رفع صوت" يودّ أن يصل إلى كل
السامعين المقبلين لتعليمه. لهذا كان من الطبيعي أن يعود المعلّم بعد هذا الكلام
الحماسي الى الذين كانوا مميّزين فرأوا بعيونهم ما اكتفى الآخرون بأن يؤمنوا به
ويترجّوه.
وهكذا يتميّز نصّ لوقا بسياقه، كما يتميّز بالموقع الذي يفرده لقول مباركة العينين
حين يجعله خاتمة شكر تلفّظ به يسوع بعد عودة السبعين. مقابل هذا، يجعل متّى في
نهاية فعل الشكر نداء مؤثراً يطلقه يسوع إلى كل المتضايقين الذين خيبت امالهم هذه
الأرض. هذه الدعوة الختامية توافق بنية أفعال الشكر كما نجدها في العهد القديم ولا
سيّما في المزامير (مبارك أنت يا الله). ففعل الشكر هذا يتوسّع (في المزامير، نشيد
المباركة، نشيد التعظيم) حسب رسمة تتضمّن أربع مراحل: عبارة مباركة، سبب المباركة
وربّما تصوير الإحسان الذي حصلنا عليه، أصل الإحسان (مخطّط الله الأزلي، أمانته
لوعده)، النتائج المقبلة وهدف الإحسان الأخير.
إذا عدنا إلى هذا القول الإلهي، نكتشف العناصر الثلاثة الأولى عند متّى ولوقا:
تتوجّه عبارة المباركة مباشرة إلى الله. وهذا هو وضع يسوع الذي يشدّد بهذه الطريقة
على الطابع الخاص لعلاقاته مع أبيه. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يُعطى موضوع فعل
الشكر بوضوح: وحي مخطّط الله للصغار (لصغار القوم). أخيراً يرتبط أصل الإحسان (حسب
فكرة معروفة في العهد القديم: برضى (بحنان) الله الأزلي، بمقاصده الخفية، بمسرّته
(اودوكيا) التي أعلنها الملائكة ساعة ميلاد يسوع. والتلميح إلى "وجه" الله يبرز هذه
الإشارة إلى "المجلس الإلهي" في أسبقية مطلقة. إن المجدلة القديمة تتقتل هنا طوعاً
توسّعها المسيحي. فهذا الوحي يتمّ بعد الآن بوساطة الإبن. وهذا القصد الإلهي يدخل
في الزمن بواسطة تجلّي يسوع.
في هذه الظروف نفهم (عند لوقا) غياب العنصر الأخير الذي يصوّر نتائج هذا الوحي حتى
كماله. فهذا هو المدلول العام لنداء يسوع الذي ينهي القول عند متّى: إن الوحي الذي
حمله يسوع إلى الصغار، يتوخّى أن يمنحهم الهدوء والسلام. وهذا يظهر أيضاً بشكل أوضح
إذا لاحظنا الرباطات الوثيقة بين هذا القول وتعابير فعل الشكر المستعملة في العهد
القديم، بين هذا القول ومقاطع تميّز الأدب الحكمي والنبوي. ففي إعلان أسباب المديح
تبدو النبرة الحكمية بارزة جداً. إنه لموضوع عزيز على الأنبياء وأصحاب كتب الحكمة
(سي، حك)، وهو يقوم بالتشديد على الطابع الأخلاقي (ما يلزمنا) لمعرفة الله. فـ
"الصغار" الذين يتكلّم عنهم يسوع هم مساكين المزامير وارميا واشعيا الثاني. كما أن
"الوداعة" و"التواضع" اللذين يطالب بهما يسوع لنفسه هما صفات أساسية في حياة
"الحكيم" و"البار" (أو: الصدّيق). ولقد اعتاد هذا الأدب الحكمي أن ينهي صوره
المتعارضة عن سعادة الحكيم وشقاء الجاهل بدعوة ملحّة لسماع كلام الحكمة. هنا نستطيع
أن نقرأ المجدلة الطويلة التي تنهي ابن سيراخ (51: 1- 30). فبعد مديح الله وتعداد
خيرات حصلنا عليها، يأتي التحريض الأخير في آ 23: "تعالوا إليّ أيها الجهّال
ولازموا مدرستي. لماذا تعتبرون نفوسكم بلا حكمة حين تكون نفوسكم بهذا العطش" (رج أم
8: 32- 33)؟.
نلاحظ أن الدعوة الأخيرة إلى الحكمة تنتهي هنا بالمباركة (أم 8: 34: هنيئاً لمن
يستمع إليّ) تتوجّه إلى الذي يسمع. وفي سي 24: 19- 22، تنتهي هذه الدعوة إلى الحكمة
بصورة السعادة التي تنتظر المؤمنين. "تعالوا إليّ أيها المشتاقون واشبعوا من ثماري.
من يذكرني يذكر ما هو أحلى من العسل، ومن يرثني يرث ما هو أحلى من الشهد. من أكلني
ازداد جوعاً، ومن شربني ازداد عطشاً. من سمع لي فلا يخيب، ومن عمل بما أقول لا
يخطأ".
إن هذه النصوص تكفي لكي تبيّن أن المجدلة الحكمية تشكّل عنصراً رابعاً معروفاً في
المجدلة البيبلية في زمنين: نداء لسماع الحكمة، وعد بالسعادة للذين يتبعونها. ونظنّ
أن هذا هو وضع الخاتمة التي تفوّه بها يسوع في فعل شكره. لم يحتفظ متّى إلاّ بالشقّ
الاول تاركاً الشقّ الثاني إلى سياق آخر يستجلبه توارد الفردات. أما لوقا فترك
الشقّ الأول اختصاراً بسبب وفرة التوسّعات المماثلة التي نجدها في كل إنجيله.
3- نصّ المجدلة وتصميمها
ونستطيع الآن أن نقدّم الشكل الأول لمجدلة يسوع كما ناقلها إلينا المرجع العام من
خلال مت ولو. إذا كان سياق لوقا هو الأقدم، هذا يعني أننا ننطلق من 10: 17- 24
ونعتبرها وحدة أدبية كاملة. غير أنه لا غنى من العودة إلى متّى، ليس فقط من أجل
اكتشاف تفاصيل النصّ (يبدو أن متّى هو أكثر أمانة) (فلوقا قد زاد ذكر الروح القدس
في آ 21، وخفّف من حدّة اللهجة السامية في آ 22)، بل لأنه احتفظ وحده بالخاتمة
الطبيعية للقول، أو بالأحرى بالشقّ الأول لهذه الخاتمة. والتوازيات الحكمية تؤكّد
لنا أين يجب أن نضع "تعالوا إليّ". ففي خاتمة أفعاله الشكر الحكميّة، كان هذا
النداء يسبق "مباركة" الذين نعموا بالحكمة. وهكذا يكون لنا الترتيب التالي: لو 10:
17- 21+ مت 11: 28- 30+ لو 10: 23- 24. وهكذا يبدو تصميم المجدلة كما يلي:
1- مقدّمة تاريخية: عودة السبعين وتحريض يسوع حول الفرح الحقيقي (لو: 10: 17- 20).
2- المجدلة.
أ- إبتهاج المسيح ومديح إلى الآب (لو 10: 21 أ+ مت 11: 25 أ).
ب- أسباب المديح (سلبيّة وإيجابية): عمى الفهمين ووحي للصغار (لو 10: 21 ب+ مت 11:
25 ب).
ج- توافق الخبر مع مخطط الله الأزلي.
+ تذكير عام بهذا المخطّط (لو 10: 21 ج+ مت 11: 26).
+ تحقيق هذا المخطّط بواسطة الإبن (لو 10: 22+ مت 11: 27).
د- أهداف ونتائج هذا الخبر: نداء إلى المسحوقين وتخفيف الأثقال عنهم (مت 11: 28-
30).
3- خاتمة: كلام إل التلاميذ (لو 10: 23 أ) و"مباركة العينين" (لو 10: 23 ب- 24؛ مت
13: 16- 17).
ب- الإطار التعليمي
نكتشف هنا اتصالاً عميقاً بين هذا القول وأغنى التيارات الفكرية في التوراة كلها.
1- القطيع الصغير الذي يخصّ عبد الله
يجب أن نعود إلى الإلهام النبوي والحكمي في هذا المقطع لنبيّن كيف انتقل إلينا في
جوّ مسيحي. هناك أولاً عودة إلى موضوع "الفقراء" العزيز على قلب إرميا، والتلميحات
إلى "عبد يهوه" في أشعيا الثاني. فهؤلاء الفقراء (أو: المساكين) هم "الصغار" الذين
تدلّ عليهم المجدلة على أنهم نعموا بوحي يسوع. فالكلمة اليونانية المستعملة هنا هي
"نابيولس": من لا يستطيع أن يتكلّم (الطفل). إن هؤلاء "الصغار" يقابلون "الحكماء"
و"الفهماء": إنهم لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم بأنفسهم. لهذا نقرّبهم من الذين
تسمّيهم الدعوة الختامية "المعذّبين" و"المثقلين". اللفظة الأولى تعني في الأصل:
ذاك الذي ضرب. ثم: صاحب التعب والمشقّة. واللفظة الثانية تعود إلى جذر نجده أيضاً
في نهاية مت 11: 30 فيدلّ على ثقل وحمل. تلك هي صور معروفة استعملها الأنبياء
ليدلّوا على مصير المؤمنين الحقيقيين بالرب. هؤلاء نجدهم قبل كل شيء وسط بؤساء
الأرض، وسط المعذّبين: هذا لا يعني أن الفقر في حدّ ذاته والألم يعطيان الحق
بالملكوت. بل يساعدان القلوب الجاهزة على انفتاح متواضع وواثق، على هذه الوداعة،
على جهوزية تامة تقدّمهم إلى يد الحب الذي لا يرى.
ويسوع قد قدّم نفسه كمثال ونموذج لهؤلاء "الفقراء" حين سمّى نفسه "الوديع
والمتواضع". الكلمة اليونانية المستعملة هنا تقابل في السبعينية "عناو" العبرية (رج
العناء في العربية). ولفظة "عناو" تميّز أيضاً وضع عبد الله المتألّم في أش 53: 7.
إذن التلميح واضح إلى قصيدة اشعيا المعروفة التي نجد فيها ينبوع التفسير المسيحاني
لهذا القول في العهد الجديد.
2- أولاد الحكمة
أما التيّار الحكمي فهو حاضر في وضع يسوع تجاه تلاميذه: فكل سياق القول هو سياق
تعليم إلهي، سياق وحي يتطلّب خضوعاً تاماً، سياق حكمة جديدة بشكل جذري (رج لو 7:
35). ليس الصغار فقط هم الضعفاء: فالموازاة التعارضية التي تجعلهم تجاه "الحكماء"
و"الفهماء" تدلّ على أننا أمام موقف خضوع تجاه تعليم حي. هؤلاء "الأطفال" لا
يستطيعون أن يتكلموا ولكنهم يستطيعون أن يسمعوا. ونقول الشيء عينه عن يسوع
"المتواضع". الفكرة الأولى: ما ليس بمرتفع ومترفّع، ما هو على مستوى الجميع، ما هو
منفتح وبمتناول الجميع.
حين نعود إلى أشعيا نرى أن ذكر تواضع عبد الله تتبعه حالاً صورة الحمل الذاهب إلى
الذبح دون أن يفتح فاه. ثم إن يسوع هو متواضع القلب. والقلب في الكتاب المقدّس ليس
مركز الشعور والإحساس (الكلى هي مركز الشعور)، بل ينبوع المعرفة والفهم. وهكذا نكون
هنا أيضاً في سياق حكمي. أخيراً، لا يسمّي يسوع نفسه فقط "المتواضع" بل "الوديع".
ليست الوداعة صفة الإنسان الذي لا يتحرّك لأنه ضعيف. الوداعة هي موقف تقبّل للآخر،
حنان ورحمة، رغبة في الخير بسيطة ومتساهلة. وهكذا نبقى في إطار العلاقات التي تربط
المعلّم بتلاميذه. يقف يسوع على نقيض الفريسيين "العلماء" الذي يحتقرون الشعب
البسيط و"الجاهل": نستطيع أن نقترب منه بسهولة، لا اعتداد عنده. والوضعاء يرتاحون
في التعامل معه. ولهذا يجدون في تعليمه ما يخفّف عن ضيقهم وحملهم الثقيل.
3- معلّم خطبة الجبل
دلّ هذا التحليل للمعطيات النبوية والحكمية، على ارتباط حكيم بين الفكر وتعليم يسوع
كما نجده في الأناجيل الإزائية.
قال بعض الشرّاح إن نداء يسوع (إلى المتعبين) الذي يختتم القول، يفترض عند يسوع
تصرّفاً سيكولوجياً مختلفاً عن ذاك الذي يعكسه إنجيل مرقس. ففي الإنجيل الثاني يبدو
يسوع سريع الغضب، متطلباً جداً، لا يأخذ بعين الإعتبار سامعيه: كم نحن بعيدون عن
يسوع "الوديع والمتواضع القلب"؟ ولكن يسوع (كما اكتشفناه في هذا التأويل) يبقى
المعلّم المتطلّب كما يصوّره مرقس. والتواضع والوداعة اللذان تكلّمنا عنهما هما،
صفتا التلميذ الذي ينفتح، والمعلّم الذي يعطي ذاته فيصل به هذا العطاء إلى الصليب.
إن هذا القول هو مع التطويبات شرعة التعليم المسيحي كما نكتشفه في الإزائيين، ولا
سيّما في الخطب الكبرى التي نقرأها في متّى ولوقا. إذا اعتبرنا ان هذا المقطع (الذي
غاب عن مرقس) انتمى إلى مرجع أولاني، فهذا يعني أن هذا المرجع دلّ (قبل القديس
بولس) على فكر يسوع حول معنى رسالته، حول مدلول حياته في تاريخ قصد الله منذ العهد
القديم. وكما يستعيد نشيد التعظيم (لو 1: 46- 56) نشيد حنة، أم صموئيل (1 صم 2: 1
ي)، كذلك تستعيد مجدلة يسوع نشيد الفقراء وصلاة عبد يهوه (الرب). وهكذا ينكشف
المعنى الخفي للألم وسبب المفارقة المسيحية التي تكتشف الحياة في الموت. بما أن
كلمة الله هي وحي الله بالذات ومعرفة ذاك الذي لا يُعرف، فلا نستطيع أن نقبلها إلا
حين يموت فينا البشريّ موتاً تاماً. هذا يفترض انقلاباً في وجهات الحكمة الأرضية
وتخلياً عن نظرة محض بشرية إلى السعادة.
4- الكلمة يكشف الآب
هذه الطريقة في عرض التعليم المسيحي على أنه الجواب الوحيد لسرّ الإنسان في قلبه
وحياته، هي عميقة في إنسانيّتها. ولكن "تعرية" القلوب هذه لا تتوخّى إلاّ أن تفتحها
على كلمة الله. وانفتاح الإنسان هذا على انتظاراته العميقة، يقدّمها للعطاء الأسمى،
لوحي حياة الله نفسه. فسرّ الهوّة التي يحفرها الألم في الإنسان هي الجهة المقابلة
لسرّ آخر، هي نداء إلى غمر آخر مليء بملء الله. إنّ هذا القول يعلن الآب في الإبن
بألفاظ تذكّرنا بما في الإنجيل الرابع.
فالموازاة الوثيقة بين الآب والإبن من جهة، وبين الإبن وأخصائه من جهة أخرى، وموضوع
وحي الآب بواسطة الإبن وحده، كل هذا يجعلنا في إطار يوحنّاوي. فالمفردات نفسها هي
مفردات يوحنا: عرف من هو، الآب، الإبن، أراد، أوحى. فمنذ المطلع، يرى يوحنا في يسوع
كلمة الله بالذات: من استمع إلى الله تقبّل ابنه وصار ابن الله بواسطة هذا الإبن
(يو 1: 12-13). الله لم يره أحد قط، إلا الإبن الوحيد. وهذا الإبن يستطيع وحده أن
يخبرنا عنه (يو 1: 18). وهكذا يعطي الله كل شيء لابنه (يو 3: 35). فمن عرف الإبن
عرف الآب (يو 14: 9- 10) ومعرفة الله تعني تعرّفاً إلى أبوّته في يسوع وبيسوع إلى
أبوّته في الذين يؤمنون به. وتعرّفُ المؤمن إلى الآب في الإبن، يجعل ولادة الابن
بالآب تصل إليه.
ج- أضواء على سرّ يسوع
هذا الإطار اليوحنّاوي لقوله قرأناه في مت ولو، يدهشنا حين نتذكّر أن قد مرّ نصف
قرن ونيّف على التدوين الأول لهذا القول. وبما أنّ هذا التدوين يعود إلى ينبوع سبق
متّى ولوقا، فهذا يعني أن القول سابق حتى لإنجيل مرقس ومعاصر للرسائل البولسية.
ثم إن هذا الأسلوب "اليوحنّاوي" لا نجده بشكل واضح إلاّ في هذا الموضع من الأناجيل
الإزائية. وإن يوحنا لا يحصر الكلام عن يسوع في هذه الطريقة السرية والاحتفالية.
فهو يجعلها في فهم الأشخاص الآخرين. وهذا ما يفترض أسلوباً أدبيّاً لدى يوحنا. لغة
يوحنا عند الإزائيين تتحلّى بالبساطة وتبدو موافقة للواقع التاريخي. ولهذا نتساءل:
أيكون يسوع ذاك النبي المندفع وصاحب الكلام القاطع الذي صوّره مرقس؟ أيكون معلّم
الأخلاق كما نراه في مت و لو؟ هل هو تجلٍّ روحي ليسوع التاريخي في إطار عالم
متعالٍ؟ لماذا لا يكون كل هذا معاً؟
والقول الذي درسناه يكفي لكي لا نجعل جداراً وحاجزاً بين إنجيل وإنجيل. إنه يجمع في
خطبة واحدة بانت وحدة إلهامها، وجهتين بدتا متعارضتين في كلام يسوع. فإذا كان لوحي
الآب في ابنه نكهة يوحنّاوية حقيقية، فما تبقّى من الخطبة (حيث تدخل الآية بشكل
طبيعي) يدلّ على وضع إنساني خاصّ بالأناجيل الإزائية. فيسوع نفسه المليء بالحنان
البشري والمطبوع بطابع العظمة، هو ذاك الذي أشفق. على سامعيه وأطعمهم كما قال مرقس،
والذي بكى على أورشليم كما قال لوقا.
والتصريح الإحتفالي حول وحي الآب لا يبدو متنافراً في هذا الإطار الإزائي، بل يدلّ
على تفتحه الرفيع. وهكذا نفهم أن يكون يسوع تكلّم بعض المرّات بشكل احتفالي كما في
إنجيل يوحنا. ولكنه ظلّ في الوقت عينه يسوع كما حدّثنا عنه مرقس وكما نكتشفه في
خطبة الجبل.
أجل، إن هذا القول كشف على المستوى السيكولوجي الوحدة السرّية في شخص المسيح.
وتعليمه يعتبر ملخصاً يأخذ بمجامع القلب لتعليم يسوع، سواء في الأناجيل الإزائية أم
في الإنجيل الرابع.
فهناك علاقة داخلية عميقة بين ما نستطيع أن نسمّيه التعليم النبوي والحكمي، والوحي
الخفي لحياة الله الذي يرافق هذا التعليم. في الحقيقة نحن أمام وصلة بين وجهتين
أساسيّتين للتعليم المسيحي. وهناك علاقة جوهرية بين موقف التواضع الذي يميّز تلميذ
يسوع ووحي الآب بالإبن. وإذ أبرزت الأناجيل الإزائية موقف التواضع، أعلن يوحنا وحي
الآب. وجاء هذا القول يجمع وجهتين متكاملتين لسرّ واحد. وهكذا تتخذ أقوال "أخلاقية"
لدى الإزائيين طابعاً جديداً يجعلها تدخل في روحانية المسيح الذي مات وقام (كما عند
القديس بولس).
فبين انتظار قلب متواضع ينفتح (ويخضع) على كلمة الله وتجلّي هذه الكلمة في يسوع
الذي يكشف الآب، يأتي هذا القول الإلهي فيربط بينهما. إنّ مواقف المسيحي، وحياته
الأخلاقية والنسكيّة، وحرارة صلاته، وتعمّقه في معرفة مقاصد الله، كل هذا يقوم في
استعداد داخلي واحد تسمّيه التطويبات "الفقر بالروح". ولقد جعل هذا القول من الفقر
وضع انتظار في الإنسان لعطيّة الله، وتقديمه لغنى الاب اللامحدود الذي يجري من قلب
الإبن كشراب حياة من أجل كل مؤمن. وهذا الشراب هو الروح القدس.
خاتمة
مع ذكر السبعين تلميذاً يبدأ توسّع جديد حيث الصلاة تصبح وحياً. والإنتصار لا يتأخر
إلى مستقبل لا نـعرف متى يبدأ: فالنصر قد بدأ الآن. والمرسلون اختبروا "اليوم" قوة
اسم يسوع على قوى الشرّ. وحماسهم قريب من حماس المرسلين الأولين: فيلبس في السامرة،
بطرس بعد عودته من عند كورنيليولس، بولس بعد رسالته عند الوثنيين.
إنّ آ 17- 22 تتضمّن في الواقع وحيين مميّزين: النصر الحاضر (آ 17- 20) وكشف عن
حنان الآب ورضاه (آ 21- 22). جمعهما لوقا فشدّد على أنّ الرسالة وعمل النعمة في
الروح القدس يشكّلان حدثاً واحداً: هو انتصار كلمة النعمة في قدرة الروح القدس.
ونعيش هذا الإنتصار على أنّه قصد الآب ورضاه ومشاركة في قيامة المسيح. كل هذا يبدو
منذ الآن وحي لمسرّة الآب ومشاركة في فرح الإبن.
إن صلاة يسوع تضمّ لا السبعين فقط، بل كل الذين يقبلون أن يغمرهم حنان الآب. كل
تلميذ يستطيع أن يشعر بسعادة ذاك الذي رأى الملكوت آتياً بقوّة. وهو يستطيع أن
يختبر تحقيق الوعد الذي أعلنه الآباء والملوك وانتظروا تحقيقه.
الفصل التاسع
من هو قريبي؟ السامري
10: 25- 37
أ- مقدّمة: عناصر النقد الأدبي
إنّ خبر "السامري الصالح" خاص بإنجيل لوقا وهو يلي حواراً بين يسوع وكاتب (أو عالم
بالشريعة) حول أعظم الوصايا. لقد أورد متّى (22: 34- 40) ومرقس (12: 28- 34) هذا
الحوار كمقدّمة للخطبة الاسكاتولوجية. أما لوقا فجعله في سياق "الصعود إلى أورشليم"
(9: 51- 18: 14) وحوّل مضمونه في ما يخص السؤال الأساسي للكاتب، والجواب الذي اعطاه
الكاتب، ودمْج الاستشهادين الكتابيين. تدلّ هذه الإختلافات على أنّ لوقا تبع مرجعاً
مستقلاً ضمّ القطعتين الواحدة إلى الأخرى. إلاّ أن يكون قد ضمّ العنصرين وبالتالي
حوّل الخوار ليتكيّف مع الخبر.
ومن جهة ثانية نرى توافقاً بين متى ولوقا لا نجده عند مرقس وخاصة في إيراد تث 6: 5؛
لا 6: 4- 5. ثم هناك نيّة الكاتب. قال مت 22: 35 ان الكاتب نصب فخاً ليسوع. وقالت
لو 10: 25 إنه أراد أن يحرجه، أن يمتحنه ويجرّبه. رأى لوقا في الكاتب شخصاً مستعداً
لقبول كلمة الله وللحوار مع يسوع (آ 27، 28، 37). أما مر 12: 34 فسيذهب أبعد من
لوقا، فيرى أن هذا الكاتب ليس بعيداً عن ملكوت الله.
انتقال من نيّة "طيّبة" لدى مرقس، إلى نيّة "سيّئة" لدى متّى ولوقا. هذا الإنتقال
تمّ على أثر الصراع بين الكنيسة الأولى واليهود.
كل هذا يدعونا إلى أن لا نكتفي بتقليد لوقاوي مستقلّ كل الإستقلال في 10: 25- 38،
كما لا نكتفي بعمل تدويني انطلق فيه لوقا من إنجيل مرقس. ولهذا يلجأ بعض الشرّاح
إلى ينبوع تبعه لوقا وحده. أمّا متّى فجمع هذا الينبوع مع نصّ مرقس. أما الاب
بوامار فجعل في أساس الإزائيين الثلاثة إعلاناً أجاب فيه يسوع على طريقة رابي هلال:
سأله كاتب عن أعظم الوصايا، فأجاب: أحبّ قريبك مثل نفسك.
ب- أحب فتحيا
ومهما يكن من أمر المراجع، لا بدّ من أن نلقي ضوءاً على الوجهات التي توسّع فيها
لوقا وانتهت بهذا النداء: "اعمل هذا (أي: أحب) فتحيا".
1- ماذا أعمل (آ 25؛ رج آ 28)
حين قدّم لوقا سؤال الكاتب بعد أن حوّله، بيّن انه لا يهتم بالجدالات النظرية بين
معلّمي الشريعة حول أعظم "الوصايا". نشير إلى أن لوقا لا يستعمل هنا كلمة "وصية".
ما يهمّ لوقا هو محبّة الله ومحبة القريب كشرط للخلاص. لسنا أمام ما يجب "أن نقول"،
بل ما يجب "أن نعمل" (مت 23: 3؛ لو 11: 28، 46). سأل: "ماذا أفعل"؟ أجيب: "إفعل هذا
فتحيا" (آ 25، 28). وسيقال له في خاتمة المثل: "إذهب أنت واعمل مثله" (آ 37).
إن الشريعة باقية كقاعدة حياة لا كموضوع جدال ومناقشات نظرية. ويسوع "يتمّها" أي
يحرّرها من شروح قتلت فيها الروح، ويعيدها إلى المحبة وهذا ما يزيد من متطلّباتها
(رج مت 5: 21- 48). فعلينا أن نعيش في كل الظروف حسب هاتين المحبتين ولا نجادل ولا
نلتهي في مضمون الوصايا، فنحاول بذلك أن نتهرّب من متطلّباتها (رج مت 15: 1- 9).
قد تكون هذه العودة إلى الجوهر سابقة للوقا، ولكنها توافق نظرته كل الموافقة. فبعد
حرب طويلة ضدّ دخول روح الشريعة الضيّق إلى الكنيسة، كتب القديس بولس (معلّم لوقا):
الشريعة كلها تتمّ في كلمة (وصيّة) واحدة: أحبب قريبك كنفسك (غل 5: 14؛ روم 13: 8-
10). فتلميذ جملائيل القديم عرف عن طريق الخبرة، ثم استنار بتعليم يسوع المحفوظ في
الكنيسة، عرف ان استعمال الرابانيين للفتاوى بطريقة قانونية ومفصَّلة (حسب الحرف)
جعل الظلمة تخيّم على الحب فلم يعد في المكان الأول، وجعل الإنسان ينصّب نفسه
ينبوعاً لخلاصه الخاص.
غير أنّ بعض المعلّمين الكبار في العالم اليهودي قد واجهوا كثرة الفرائض والمحرّمات
التي توسّعت فيها "نقابتهم" ورتّبتها ترتيباً دقيقاً، فأعادوا الشريعة كلها إلى
محبة القريب. وعبروا عنها خاصة بشكل سلبي: "لا تفعل للغير...".
هنا نذكر هلال (حوالي 20 ق. م.) الذي قال: "ما تكرهه (لا تحبه) لنفسك لا تصنعه
لقريبك". وما تبقى شرح وتأويل. هذه هي "القاعدة الذهبية" التي نقرأها للمرة الأولى
في طو 4: 15 (ما لا تحبّه لا تفعله لأحد، رج حكمة احيقار الواردة في أع 15: 20، 29
حسب بعض الشواهد) ثم في لو 6: 31 ومت 7: 21 في تعبير إيجابي. قال يسوع: "عاملوا
الناس مثلما تريدون أن يعاملوكم". وحوالي سنة 135 ب. م.، قال رابي عقيبة ان وصية لا
19: 18 هي مبدأ مهمّ في الشريعة (التوراة). وفي "رسالة ارستيس" (بداية القرن الثاني
ق. م.) قدّم حكيم يهودي نصيحة إلى الملك بطليموس فيلدلفوس: يعامل شعبه بالحسنى،
ويتذكّر أنه هو أيضاً يرغب في السعادة ويستند إلى رحمة الله تجاه البشر جميعاُ.
يختلف لوقا عن متّى ومرقس اللذين يجعلان الجواب في فم يسوع. أما هو فيجعل يسوع يطرح
سؤالاً على سؤال الكاتب ويدفعه إلى الإجابة. هذا يدلّ على أن لوقا لا يعتبر تعليم
يسوع بداية مطلقة، بل امتداداً لما في الشريعة القديمة وتكميلاً له كما سنرى خاصة
في المثل.
هناك شرّاح يظنون أنّ لوقا لا يتكلّم عن الحدث الذي يشير إليه متّى ومرقس، وأن
معلّم الشريعة يكتفي بأن يردّد تعليماً سمعه من يسوع. هذا ما قاله يرامياس. ولكن
كالفيلد يعتبر أن الإتصالات الأدبية عديدة بين الإزائيين الثلاثة، بحيث لا يعقل أن
نكون أمام حدثين مختلفين.
2- محبتان، محبّة الله ومحبّة القريب
لقد ضمّ الكاتب في قول واحد الله والقريب كموضوع محبّة. هذا الضمّ عرفه العالم
اليهودي. هذا ما يقوله فيلون الإسكندراني و"وصيات الآباء الإثني عشر" (وصية يساكر،
وصية دان). ولكن إذا عدنا إلى الوصيات، وجدنا أنّ وصيّتي المحبة، وان جُمعتا، فقد
وُضعتا بين سائر الوصايا. ولهذا لم تُعتبرا كمبدأ يوحّد العمل الأخلاقي كله. ثم إن
يسوع يذهب أبعد من فيلون. فهو لا يهتم بأن يرتّب الفرائض والممارسات، بل أن يكتشف
إرادة الله ويتمّها. من هنا يبرز دور المحبة.
يجعل لوقا الجواب في فم الكاتب بانتظار أن يأخذه يسوع على عاتقه كتهيئة لما سيقوله
فيما بعد. ولا ننسَ ان تعليم يسوع الأخلاقي يتجذّر في التقليد اليهودي، كما يتجذّر
العهد الجديد في العهد القديم.
بالإضافة إلى ذلك، يورد لوقا تقليداً يضمّ في جملة واحدة تث 6: 5 ولا 19: 18. هو لم
يميّز كما فعل متّى ومرقس بين وصيّة "أولى" ووصية "ثانية". كما أنه لا يسعى إلى
إقامة تراتبية بين وصيّتي المحبة، أو بين وصيّتي المحبة وسائر الوصايا. ولم يشدّد
أيضاً كما فعل متّى (22- 39) فاعتبر أنّ الوصية الثانية "شبيهة" بالأولى. فاهتمام
لوقا الرئيسي هو واقع محبّة القريب وشموليّتها حسب تعليم يسوع: ان الحوار في آ 25-
28 هو في الواقع مدخل لمثل السامري.
ولكن هذا لم يمنع يسوع من أن يوافق (آ 28) على جواب الكاتب: "بالصواب أجبت". فتساءل
عدد من الشرّاح: كيف نوفّق بين هذا القبول لدى يسوع والعداء الذي يتضمّنه فعل
"جرّب، أحرج"؟ نجيب: عرف ناقلو التعليم الإنجيلي أنّ يسوع أخذ بقسم من تعليم الكتبة
(رج مت 23: 3: إفعلوا كل ما يقولونه). ولكنه عاب عليهم انهم يقولون ولا يفعلون.
فجوابا الكاتب في آ 27 و37 صحيحان وهما يفترضان إرادة طيّبة وبُعد النظر رغم ما
فيهما من عداء خفي وحب للتظاهر (هو يعرف).
يتضمّن جواب الكاتب (آ 27) شيئاً مهمّاً وقد عبر عنه بوضوح لا مثيل له: لا فصل بين
محبّة الله ومحبة القريب. يستحيل علينا أن نظن أننا نحب الله الذي لا نراه بمحبّة
تسيطر على كل كياننا، كما يطلب سفر التثنية، دون أن نحبّ القريب بصورة ملموسة.
مثلاً: أعمال الرحمة، غفران الإساءة، الصلاة...
قد لا تتضمّن محبة القريب هذه ميلاً حسّياً (هذا ما يحدث لنا مع الأعداء، رج 6: 35)
غير أنّ عبارة "مثل نفسك" تشبه محبة يوناتان الذي تعلّق بداود وأحبّه "كنفسه"،
فأعطاه رداءه وسلاحه ليصبح وإياه كائناً واحداً (1 صم 18: 1- 44). فزخم الشخص كله
الذي يعطي ذاته للآخرين ليؤمّن لهم خيرهم الحقيقي، سيخضع لنفسه سائر الشرائع بما
فيها شريعة السبت التي استند اليها خصوم يسوع ليمنعوه من إجراء شفاء امرأة مريضة
(13: 14- 17). فمحبّة الله لا تقوم بأن نظن اننا نخدمه "حين نغلق احشاءنا" (يو 3:
17) على القريب في الضيق، كما فعل الكاهن واللاوي (آ 31- 32) أو الإبن الاكبر الذي
تمسّك بطاعته لأبيه ورفض أخاه (15: 28- 30).
ومقابل هذا، حبّنا لله وحده يدلّ على صدق حبّنا للقريب، فنقدم له الباعث الأخير
بشكل طاعة بنوية (مت 7: 21 ي؛ لو 6: 46 ي) أو اقتداء بحنان الله وصلاحه الخلاّق
وعمله الفدائي (6: 35- 36 وز؛ مت 20: 15)0 أنا أحب القريب في ذاته ومن أجل ذاته.
ولكنني لا اعتبره قريبي إلا لأني أرى فيه خليقة الله وصورته. هذا ما نجده في العالم
اليهودي الفلسطيني. فقد كان رابي بن عزي (حوالي 110 ب م) أول من ذكر شبه الإنسان
بالله وجعل هذه الفكرة باعثاً للحب. وجاء حدث الفصح فحقّق المعجزة الجديدة وكشفها
لنا: نحن أبناء الله في الإبن، الوحيد وأعضاء "بالقوة" في جسد المسيح عينه.
لا شكّ في أن عدداً من الناس لا يلتقون الله إلاّ عبر قناع "قيم مثالية" يعتبرونها
مطلقة. حين يخدمون القريب بتجرّد، فهم يعملون حبّا بالله دون أن يدروا. هذا ما
تعلّمنا إياه لوحة متّى عن الدينونة: إن الذين أعانوا البائسين وصلوا إلى المسيح
وبالتالي إلى الله. أحسّوا دون أن يعلموا بحضور الله على الأرض (مت 25: 37- 40).
ولكن ما تتضمنّه هذه الأعمال من حقيقة، لا بدّ من أيضاًحه والإفصاح عنه، وهذه إحدى
مهمّات الكرازة المسيحية التي تكشف للبشر عن الأسباب العميقة التي تدفعهم إلى
المحبة.
3- "فتحيا" (آ 28؛ رج آ 25)
ترتبط محبّة الله ومحبة القريب في نظر لوقا بميراث "الحياة الأبدية". هذه عبارة
متواترة في العالم اليهودي المتأخّر مثل مزامير سليمان (14: 10) وسفر اخنوخ (40:
9). لقد طبّقها لوقا (رج أيضاً 18: 18: الرجل الغني) على مصير الفرد الذي ينال
السعادة بعد الموت. وشدّد هنا على هذا الموضوع بتضمين حدّدته المقابلة بين "عمل"
و"حياة" ("تحيا") في بداية القطعة (آ 25) وفي نهايتها (آ 28).
يبدو أن آ 28 تلفح إلى لا 18: 5: "الإنسان الذي يعمل بشرائعي وفرائضي يحيا بها".
ويورد بولس النصّ عينه (غل 3: 12؛ روم 10: 5) في معنى مختلف جداً: لا تستطيع
الشريعة أن تبرّر لأن "البار بالإيمان يحيا" (حب 2: 4) ولأن لا 18: 5 يربط الحياة
لا بالإيمان بل بممارسة كل الفرائض، وهذا أمر مستحيل عملياً (غل 5: 3؛ أع 15: 10).
غير أن التناقض هو في الظاهر فقط: فلوقا يعرف كل المعرفة اننا نحصل على البرارة
بالإيمان بالمسيح (أع 13: 38- 39). ويعلن بولس بدوره أن الإيمان الذي يبرّر هو الذي
"يفعل بالمحبة" (غل 5: 6). وان التعدّي على هذه المحبة يمنعنا من أن "نرث ملكوت
الله" (غل 5: 21).
ج- مثل السامري (آ 29- 37)
يبدو خبر السامري الخاص بلوقا كنموذج أكثر منه كمثل. فكل التفاصيل تعمل بنفسها (دون
انتقال) لتبرز درسين إثنين. الأول: تعارض بين موقف "الرحمة" لدى المسافر وتهامل
رجلَي العبادة، وهذا يدلّ على انّ الرحمة أفضل من الذبيحة. الثاني: هذه الرحمة التي
مارسها سامري ليعين رجلاً يهودياً في الضيق، تدلّ على أن الغريب الذي لا يقيم في
الأرض، بل العدو، يمثلاًن أيضاً القريب.
1- سؤال الكاتب (آ 29)
أراد معلّم الشريعة أن يبيّن أنّ سؤاله كان مهمّاً، أن يبرّر نفسه لأنه طرح سؤالاً
لا يعرف جوابه. أو أراد أن يبيّن اهتمامه بأن يكون باراً حسب الشريعة (16: 15؛ 18:
9)، فطرح سؤالاً ثانياً سيجبر به يسوع أن يجيب عنه بنفسه (آ 36: أي واحد في رأيك؟).
هذا السؤال الثاني ("من هو قريبي"؟) يشكّل إنتقالة بين الحوار عن المحبة الذي عرفه
متّى ومرقس، والمثل الذي كان مستقلاُّ عمّا سبقه فأقحمه لوقا في هذا المكان. إذن،
نحن أمام سؤال مصطنع يهدف إلى إطلاق الحوار من جديد وإدخال موضوع جديد نسبيّاً (ق
1: 34؛ 12: 57). نحسّ أن لوقا يهتمّ كل الإهتمام لكي يصل بسرعة إلى الجزء الثاني
حيث نجد ما يقدّمه الإنجيل حقّاً من جديد. والتشابه في البنية بين 10: 25- 37 و18:
18- 23 يؤكد لنا هذا الشعور. ففي الحالتين نجد أولاً سؤال عمّا يجب عمله "لنرث
الحياة الأبدية" (10: 25؛ 18: 18)، ثم جواباً مأخوذاً من أسفار الشريعة (10: 27؛
18: 20)، وأخيراً متطلّبة جديدة تعبّر في الإنجيل عن جذرية لا ترضى بالمساومة:
توزيع كل ما لنا للفقراء (18: 22) ودفع من دون حساب عن رجل أساء إليه اللصوص،
موقفان يشبه الواحد والآخر ويعلّماننا بذل الذات من أجل القريب.
2- الخبر (آه 3- 35)
إذا كان الخبر قد وُجد في الأصل بمعزل عن مفهوم "القريب"، يجب أن نبدأ بقراءته في
حدّ ذاته دون أن نُدخل قبل الوقت مسألة القريب.
أولاً: المكان
الرجل الذي عرّاه اللصوص وضربوه وتركوه بين حي وميت، كان نازلاً من أورشليم إلى
أريحا. إن تحديد الموضع هذا يدلّ على معرفة بالمحيط الفلسطيني: طريق تمتد على
ثلاثين كلم، تمرّ في الصحراء وتربط المدينة المقدّسة بأريحا التي تقع تحت سطح
البحر. هذه الطريق تصلح لتكون مخبأ للصوص. ويمّكننا اليوم أن نتخيّل المشهد إن نحن
تركنا طريق السيارات ومشينا سيراً على الأقدام في "الطريق التركية" القريبة من
"وادي القلت".
ثانياً: إمتناع الكاهن واللاوي
بعد أن قدّم لنا لوقا الجريح، مرّ بسرعة على الكاهن واللاوي: رأيا البائس مُلقى على
حافة الطريق، فانتقلا الى الجهة المقابلة وابتعدا. لماذا هذا التصرّف البغيض؟ هل
افترض لوقا أنّ هذين "التقيّين" ظنّا أنهما أمام جثة فخافا أن يتنجّسا فتمنعهما
الشريعة من العمل في الهيكل ومن الإتصال بإخوتهما (رج لا 21: 1؛ عد 19: 11)؟ وهكذا
بدا سلوكهما عادياً بالنسبة إلى السامعين! إذا كان السامعون لم يندهشوا، أمّا
الراوي فقد دُهش من مثل هذا التصرّف. أما ذروة الخبر فنجدها في التعارض بين اليهود
الذين لا يحبّون والسامري الذي يحبّ.
ومن جهة ثانية، نلاحظ أن اليهوديين اللذين يقابلان السامري الرحوم ينتميان إلى
الكهنوت اليهودي ويمارسان شعائره. حينئذ نفكّر بنصّ هو 6: 6 الذي يذكره متّى مرتين
في 9: 12؛ 12: 7 ويشير إليه في 23: 23: "أريد الرحمة لا الذبيحة". فالكاهن واللاوي
يشاركان في عمى الفريسيين الذين هاجمهم يسوع في إنجيل متّى (23: 1 ي). إنهما يرمزان
إلى التعلّق الضيّق بالفرائض الطقسية. غير أنّ الله يهتمّ بالأحرى بممارسة الرحمة:
هو يرأف بالخطأة ويطبّق شريعة السبت تطبيقاً يدلّ على حنانه وإنسانيّته، كما يقول
متّى. وهو يطلب منا أن نعمل من أجل رجل تعيس ولو تجاوزنا (أو: ظننا أننا نتجاوز)
شرائع الطهارة. وفي نصّ مرقس (12: 28- 31) عن الحوار حول الوصية الأولى، فهمَ
الكاتب هذه الحقيقة بنفسه وهو القريب من ملكوت الله، فهمَ أن محبّة القريب "أفضل من
كل الذبائح والقرابين". فشعائر العبادة التي تنظّمها الشريعة ليست فوق المحبّة التي
هي قلب الشريعة.
ثالثاً: "رحمة" السامري
والرجل الثالث الذي مرّ قرب الجريح كان سامريا يعمر قلبه بالمحبّة. لا بدّ أن هذا
القول أدهش سامعي يسوع بما فيه من دعابة قريبة من السخرية: واحد من هؤلاء السامريين
الذين يحتقرهم اليهود ويعتبرونهم هراطقة (ضالين) ومنشقّين (عن الإيمان الحقيقي)،
بغيضين وبلهاء وآخر الخطأة (2 مل 17: 24- 41؛ سي 50: 25- 26؛ يو 4: 9، 20؛ 8: 48).
هذا الشخص ساعد رجلاً مجهولاً يظنه الناس يهودياً (نحن في اليهودية). وهكذا بيّن
أنه فهم إرادة الله كما أعلنها هوشع أكثر من ممثلي العالم اليهودي الرسمي الذي
يعتبر نفسه صاحب الدين المستقيم. على ضوء هذا الإنقلاب في الأدوار، شكلت طريقة
تصرّف المسافر الغريب في دعوة لممارسة الرحمة (الشفقة، الحنان، الصلاح) بسخاء
وفاعلية دون أي حدود على مستوى العرق واللون والدين.
يبدو أن الخبر يستقي مواده من 1 مل 13: 12- 32 (النبي الذي يستقبل رجل الله) ومن 2
أخ 28: 8- 15: سمع رؤساء السامرة للنبيّ عوديد فعاملوا الأسرى بالرأفة، وحملوا
الضعفاء، على حمير وجاؤوا بهم إلى أريحا. ويستقي الخبر أيضاً من هو 6: 9 حيث نقرأ:
"وكما يرصد اللصوص إنساناً، كذلك زمرة الكهنة يقتلون في طريق شكيم" (يقتلون
المؤمنين الآتين إلى المعبد).
لا يتساءل السامري إن كان الجريح يهودياً أو غير يهودي، إبن بلده أو غريباً، صديقاً
أو عدوّاً. يكفي أنه وجد نفسه أمام شخص متضايق ويحتاج إلى مساعدة. ولم يفعل له
شيئاً دون آخر. بل فعل له كل ما يقدر على فعله. ويصوّر الراوي بالتفصيل تدخّل هذا
السامري، فيبرز ما في امتناع الكاهن واللاوي عن المساعدة من بشاعة.
وإن رحمة السامري التي بدت متجرّدة كل التجرّد، كانت مثالية إلى حد أنّ عدد من آباء
الكنيسة اكتشفوا فيه سمات يسوع نفسها. وهكذا قرأوا مثل السامري ورأوا رموزاً في كل
التفاصيل. السامري هو يسوع الجريح هو البشرية. أورشليم هي الفردوس. أريحا هي
العالم. اللصوص هم الشياطين. الفندق هو الكنيسة حيث يعتني المسيح بالنفوس. الكاهن
واللاوي يمثلاًن الشريعة التي لا تفعل شيئاً للإنسان.
وإذا وضعنا هذا البحث عن الرموز جانباً، نرى أن المحيط الحياتي الأول لهذا المثل هو
عمل يسوع الرسولي. لقد دافع عن نفسه وشرح لممثّلي النظام أي طبقة الكهنة
والفريسيين، شرح لهم تصرّفه الرحيم تجاه المرضى الذين يشفيهم حتى في السبت (13: 10-
17؛ 14: 1- 6؛ مر 3: 1- 6 وز)، تجاه الخطأة الذين يعاشرهم ويردهم إلى الله (لو 5:
29- 32 وز؛ 7: 34- 50؛ 19: 1- 20؛ 15: 1 ي وأمثال الرحمة الثلاثة)، تجاه التلاميذ
الذين يبرّئ ساحتهم عندما يقطفون سنبلاً ويأكلون يوم السبت (مت 12: 1- 8) أو
يخالفون "تقاليد القدماء فلا يغسلون أيديهم قبل الطعام" (مت 15: 2).
إن كل مواقف يسوع هذه تدلّ على "رحمته" التي هي انعكاس لرحمة الله، وعملٌ بحسب
إرادته كما نجدها في هو 6: 6 ومت 9: : 13؛ 12: 7. وهذه المواقف تجد صورة لها في هذا
الخبر. واستعماله كلمة "أشفق، تحرّكت فيه الشفقة" في آ 33 تؤكّد هذا التفسير. ففي
العهد الجديد يتفرّد الإزائيون باستعمال هذا الفعل الذي يشير إلى شعور يمسك في
"الرحم"، ويعبّر دوماً عن شفقة يسوع (7: 13؛ مت 9: 36؛ 14: 14؛ 15: 32؛ 20: 34؛ مر
6: 34؛ 8: 2؛ 9: 2) أو شفقة الله التي صوّرها والد ابن الشاطر (15: 20) أو الملك
الذي أعفى خادمه من دين كبير (مت 18: 27). جسّد يسوع شفقة الله ورحمته، فدلّت عليه
جميع النصوص ومنها لو 10: 33: "أشفق عليه".
تخفّى يسوع خلف السامري ليدعو سامعيه إلى أن يقاسموه رحمته الفاعلة، وبالتالي أن
يكونوا رحماء كما أن الله رحيم (6: 36). دعاهم إلى أن لا يقتدوا بالموقف السلبي
الذي وقفه الكاهن واللاوي، أن لا يتشبهوا بموقف الأخ الأكبر (لو 15) والعبد الذي لا
شفقة في قلبه (مت 18). وقد أبرز لوقا هذه الدعوة الملحّة فقال: "إذهب انت واعمل
مثله".
3- الحوار الأخير (آ 36- 37)
أولاً: من صار (كان) قريب...
إذا كان لقراءتنا للمثل ما يبرّره، ننتظر في النهاية سؤالاً شبيهاً بهذا السؤال:
"من من الثلاثة صنع مشيئة الله (مع العلم أنك تعرف الكتب المقدّسة ولا سيما هو 6:
6) في تصرّفه تجاه الجريح"؟ ويبقى ما تبقّى من الآيتين الأخيرتين على ما هو. ولكن
يسوع سأل الكاتب: "من صار قريباً من الرجل البائس"؟ لقد كيّف لوقا (او سابقه) هذا
السؤال الأخير على الذي طرحه الكاتب على يسوع والذي حسبناه مصطنعاً وذات معنى في
الوقت نفسه: "من هو قريبي" (آ 29)؟ وها هو المثل ينتزع الكاتب من عالم تعوَّد عليه
ويقدّم له نظرة ناشطة وعملية وديناميكية الى القريب، كما يقدّم الطريقة التي بها
نحبّه لنرث الحياة الأبدية.
في هذا المنظار، يدلّ امتناع الكاهن واللاوي عن العمل على أنهما يشكّان في واجبهما
ويتساءلان إن كان هذا الجريح قريبهما. حينئذ يبرز الإنتماء العرقي للسامري في وجه
جديد: كما أن الجريح يقدر ان يتعرّف إلى قريبه (في المعنى الفاعل. هو الذي يفعل) في
ذلك الذي اقترب منه واعتنى به كل العناية، كذلك انت تعرّف إلى قريبك (في معنى
منفعل، من يفعل معه خيرٌ) في كل إنسان. تعرف إليه بالأعمال. لا تحسب فقط الممارس
الأمين للشريعة من إسرائيل الحقيقي. بل أيضاً اليهودييّ الأمّي والذي لا يعرف
الشريعة (شعب الأرض). ولا تحصر مدلول القريب في أخيك الذي من شعبك ودينك كما اعتدت
أن تفعل، بل في كل إنسان ولو كان غريباً أو عابر سبيل والذي تعتبره من أعداء شعبك.
هذا ما يقوله لوقا، على ما يبدو. إنه يكتفي بالإفصاح عمّا يتضمّنه الخبر حقاً،
ويلقي عليه ضوءاً حمله يسوع ولا سيّما عبر الوصية: "احبوا أعداءكم" (6: 35).
والتواصل يبدو بوضوح أكبر إذا قلنا إن يسوع، وهو اليهودي، رسم نفسه في ملامح مسافر
خرج من هذا الشعب السامري الذي أظهر له محبة وعطفاً خاصين كما أشار إلى ذلك لوقا
ويوحنا (لو 9: 51- 56؛ 17: 11- 19؛ يو 4: 1- 42؛ أع 1: 8؛ 8: 5- 25).
ثانياً: اعمل مثله
نلاحظ أن يسوع لم يطبق إسم القريب على الذي نال الرحمة بل على الذي مارس الرحمة.
ولقد رأى الشرّاح في قلب سؤال الكاتب الهدف الأساسي من الخبر: لا تحاول أن تضع
حدّاً لرحمتك فتدوّن لائحة بالذين يجب أن تحبّهم. بل اذهب إلى مساعدة كل من يحتاج
إلى عونك. هناك انتقال من "أنا" (قريبي) إلى "أنت" (إذهب)، من المستوى النظري إلى
مستوى العمل الملمولس تجاه كل إنسان نلتقيه في طريقنا: "إذهب انت واعمل مثله".
د- خاتمة
ما هي الحالات الجديدة التي أشار إليها لو 10: 25- 37 في الكنيسة الأولى؟ هل فكر
بالعلاقات الصعبة بين اليهود وتلاميذ المسيح، بين المسيحيين المتهوّدين (الذين من
أصل يهودي) والمسيحيين الهلينيين (من أصل يوناني)، بين العبيد والأحرار (غل 3: 28؛
1 كور 12: 13؛ كو 3: 11)؟ مهما يكن من أمر، نحن أمام نصّ مفتوح يؤوَّن تعليمه في
مختلف الحالات حتى نهاية العالم. فالبشرية تتوصّل دوماً إلى استنباط تناقضات جديدة
على مستوى الأفراد والجماعات. في الماضي، كان اليهود والسامريون. ثم أبناء الأرض
والمهاجرون، العمّال وأرباب العمل، البيض والعبيد، الأصوليون والمتقدّمون... ولكن
الإنجيل ما زال يتوجّه إلينا: هل انت مقتنع أنّ محبة الله والقريب تتمّ الشريعة
كلها، وأن التقوى الدقيقة لا قيمة لها من دون الرحمة؟ وهل يقودك يقينك إلى عمل
ملموس من أجل القريب، عرفته أم لم تعرفه، التقيت به صدفة أم تلتقيه كل يوم؟ هل ما
زال في عملك وبالتالي في قلبك تمييز مؤسّس على العرق والوضع الإجتماعي والثروة
والدين والثقافة والعمر والآراء السياسية؟ هل ان الصراع من أجل العدالة (لا تفترق
عن المحبة الصحيحة) والالتزام بأشكال المساعدات الجماعية ينسيانك حاجات أقرب
المقرّبين إليك، والعكس بالعكس؟
هذه الأسئلة وغيرها، ما زال المسيح الحي يطرحها على الذين يعرفون أن يسمعوا كلمته.
إن كان جوابنا عملاً لا كلاماً فارغاً، ان تشبهنا به هو السامري الرحيم، سيكون لنا
فرح اكتشافه في كل الذين أظهرنا لهم المحبّة والرحمة: "ما صنعتموه لأحد إخوتي هؤلاء
الصغار، فلي صنعتموه" (مت 25: 40).
الفصل العاشر
إستقبال الرب
10: 38- 42
عرفت زيارة يسوع إلى مرتا ومريم تفاسير متنوّعة على مرّ التاريخ. سنقدّم بعضاً منها
حسب ترتيب كرونولوجي. بعد هذا، نحاول أن ندرك المعنى الذي أعطاه لوقا لهذا الخبر.
ونسعى في النهاية إلى إكتشاف المدلول الأصلي لما رواه لوقا خلال صعود يسوع إلى
أورشليم.
أ- تفاسير الخبر في التقليد
لا نجد دوماً تفاسير إجمالية. فالكتّاب يشدّدون على هذه الوجهة أو تلك في الخبر دون
أن يعالجه معالجة تامة.
1- الحاجة إلى قليل
نجد مثالاً عن هذا التفسير عند بعض شهود النصّ الذي يقرأون بداية آ 42: "الحاجة إلى
قليل". إن مرتا "ترتبك وتقلق من أجل أشياء كثيرة". ولكن يكفيها شيء قليل. نحن أمام
درس في البساطة والزهد يوافق الفقر الذي اعتاد عليه يسوع. ولكن الامثولة التي
نستنتجها من الخبر تذهب أبعد من ذلك. فبعد أن انتقد يسوعُ مرتا جعل من مريم مثالاً
نحتذي به بشكل إيجابي.
2- أوريجانس
إن تفسير هذا الحدث لدى أوريجانس قد أثّر تأثيراً كبيراً في التقليد الروحي
اليوناني واللاتيني. تبعه كيرلس الإسكندراني، غريغوريوس الكبير، توما الاكويني...
قال أوريجانس: "نستطيع القول ببعض المعقولية إن مرتا ترمز إلى العمل؟ ومريم إلى
التأمل والمشاهدة. إن سرّ المحبة ينزع من الحياة الناشطة إذا لم يكن هدفُ التعليم
والتحريض الأخلاقي المشاهدة: فالعمل والمشاهدة لا يوجدان الواحد من دون الآخر".
إذن، تمثّل الأختان في نظر أوريجانس موقفين دينيين لا يستطيع التلميذ الكامل أن
يفصل بينهما. عليه أن يعيش النشاط والعمل، ويعيش التأمل والمشاهدة. ولكن كل عمل
يخضع بكليته للمشاهدة.
3- أمبروسيوس
قدّم أمبروسيوس تفسيراً مشابهاً لتفسير أوريجانس، ولكنه تفسير حرفي. قال: "نرى عبر
مثل مرتا ومريم، تفانياً ناشطاً في أعمال الأولى، ويقظة نفسية دينية لكلمة الله عند
الأخرى. إذا وافق هذا التيقّظ الإيمان، مرّ قبل الأعمال نفسها، كما كتب: إختارت
مريم النصيب الأفضل الذي لا ينتزع منها. إذن، لنسعَ نحن أيضاً لامتلاك ما لا يستطيع
أن ينتزعه منا... كونوا مثل مريم، ولينعشكم روح الحكمة: هذا أعظم وأكمل عمل تقومون
به. فلا يمنعكم الإهتمام بالخدمة من معرفة الكلام السماوي... ومع ذلك، نحن لا نلوم
مرتا على خدمتها الطيّبة. ولكن نفضّل مريم لأنها اختارت النصيب الأصلح".
يرى أمبروسيوس، شأنه شأن أوريجانس، أن الأختين تمثلاًن نمطين من النشاط لا بدّ من
وجودهما في حياة المؤمن.
4- أغوسطينس
إهتمّ أغوسطينس هنا بكشل خاص بالرمزية الكنسية أكثر منه بالدرس الروحي. قال:
"حين قبلته مرتا في بيتها، فقد دلّت على الكنيسة التي تتقبّل الرب في قلبها. ومريم
أختها التي كانت جالسة عند قدمَيْ المعلّم تسمع كلامه، فهي تدلّ على ذات الكنيسة
ولكن في العالم المقبل. حينذاك يتوقّف عمل الخدمة تجاه المحتاجين، فتنعم الكنيسة
فقط بالحكمة. إذن، كانت مرتا مهتمّة بالخدم المتعدّدة، لأن الكنيسة تمارس الآن مثل
هذه النشاطات. فإذا تشكّت من أختها التي لا تساعدها، أعطت مناسبة لكلمة الربّ التي
دلّت على هذه الكنيسة القلقة المرتبطة. ولكن هناك أمراً ضرورياً واحداً نصل إليه
باستحقاقات هذه الخدمة. ولكن قيل أن مريم اختارت النصيب الأصلح الذي لا ينتزع منها.
هو الأفضل لأن به نصل إلى الهدف، ولأنه لا يُنتزع منا. ولكن عمل الخدمة، وإن
صالحاً، فسينزع منّا حين لن يعود هناك محتاجون نخدمهم".
يرى أغوسطينس أن الأختين تمثلاًن مرحلتين متتاليتين لدى الكنيسة: مرحلة الكنيسة
المجاهدة، ومرحلة الكنيسة الممجّدة. وبحسب هذا التأويل، لم يعد خبر مرتا ومريم
تحريضاً، كما كان لإوريجانس وأمبروسيوس، بل وعداً يحرّك الرجاء عند المؤمنين.
5- كيرلس، أسقف الأسكندرية
عاد القديس كيرلس مراراً إلى هذا الخبر. مرّة تبع تفسير أوريجانس كما أوردناه.
ومرّة أخرى استنتج من الخبر أمثولة حوله الطريقة التي بها نستضيف حاملي الكلمة. إنه
يوصّي أهل البيت (كما يقول النصّ السرياني لعظاته):
"أن لا يهتموا بخدمة وافرة. أن لا يطلبوا إلاّ ما هو في متناولهم. أن تكون المائدة
بسيطة وزاهدة والطعام بسيطاً لا يزيد عن الحاجة".
"وعلى المدعوّين أن يحملوا مقابلَ هذا، الخيرات السامية. مقابل العطايا الزمنية،
يحملون العطايا الأبدية. مقابل عطايا الأرض، يحملون عطايا السماء. مقابل العطايا
العابرة، يحملون العطايا الدائمة".
قد الهم هذا التحريضَ وضعُ المؤمنين في أيام كيرلس، ولا سيّما تجاوزات الرهبان
المتجوّلين. ولكننا لا نعتبر أن هذا التفسير يستنفد كل فكر كيرلس حول خبر مرتا
ومريم.
ب- فكر لوقا
في أيدينا معطيات عديدة تساعدنا على إكتشاف فكر لوقا: السياق الذي فيه يتحدّد موقع
الخبر. الفن الأدبي وبناء الخبر وسماته المتنوّعة وعلاقته بما نقرأ في مؤلّف لوقا،
أي الإنجيل والأعمال.
1- سياق الخبر
المعطية الأولى التي تلقي الضوء على المعنى الذي ربطه لوقا بالخبر، هي السياق الذي
وضعه فيه. لم يستطع دوماً أن يحدّد هذا السياق، فأكتفى مراراً باتباع ترتيب
التقاليد التي في متناوله. وقد يحصل له أن يحوّل هذا الترتيب ليحقّق هذا "النظام"
الأدبي الذي اتخذه له مثالاً في تأليفه. قال في 1: 3: "رأيت أن أكتبها إليك بحسب
ترتيبها، لكي تعرف جيّداً قوّة التعليم الذي وُعظت به".
في بداية صعود يسوع إلى أورشليم، الذي جعله لوقا محور كتابه (9: 51، 19: 27)، ضمّ
أولاً عناصر متعدّدة حول رسالة التلاميذ (9: 51- 10: 20). هذه العناصر نجدها
متفرّقة في إنجيل متّى. مثلاً إن لو 9: 57- 60 (أتبعك حيث تمضي) يقابل مت 8: 19-
22؛ ولو 10: 2- 12 (ارسال السبعين) يقابل مت 9: 37- 10: 16؛ ولو 10: 12- 15 يوازي
مت 11: 21- 24 (الويل لكورزين، الويل لبيت صيدا)؛ ولو 10: 16 (من سمع منكم) يوازي
مت 10؛ 40.
بعد هذا، قدّم لوقا مجموعة تعاليم تتوجّه إلى التلاميذ حول متطلّبات وضعهم والنعم
التي يحصلون عليها (10: 21- 11: 13): يُعطى لهم وحي الابن (10: 21- 24؛ ق مت 11:
25- 27؛ 13: 16- 17). شريعة المحبة التي يتوسّع فيها مثل السامري الصالح (10: 25-
37؛ ق مت 22: 34- 40؛ مر 12: 28- 31 فيما يخصّ القسم الأول: لا شك في أن لوقا عرف
هذا السياق). خبر مرتا ومريم (10: 38- 42. هناك ميزات أدبية خاصة بلوقا في آ 38- 39
أ، وهي تدلّ على أن لوقا جعل هذا الحدث في هذا الموضع). وأخيراً مجموعة من العناصر
حول الصلاة (11: 1- 13) يقابلها مت 6: 9- 13 (الصلاة الربية)؛ 7: 7- 11 (إسألوا
تُعطوا، أطلبوا تجدوا).
ووسط هذه المجموعة من العبر الروحية الأساسية، قد وضع لوقا خبر مرتا ومريم، فرأى
فيه أمثولة مهمة جداً بالنسبة إلى التلاميذ. هناك من قالت إن لوقا وضع الخبر في هذا
الموضع ليهيّئ تعليم يسوع حول الصلاة. ولكن خبر مرتا ومريم لا يتحدّث عن الصلاة. ثم
إن لوقا جعل 11: 1 (وكان ذات يوم يصلّي) مقدّمة للصلاة الربية (11: 2- 4) ولشروط
الصلاة ومفعولها (11: 5 ي)، ففصل بين خبر مرتا ومريم والحديث عن الصلاة.
2- بنية الخبر وفنّه الأدبي
وإذا أردنا أن نحدّد أمثولة الخبر ننطلق من النص: بنيته وفنّه الأدبي. فمع أن هذه
الآيات الخمس تشكّل خبراً متكاملاً، إلاّ أن اهتمامات لوقا ليست اهتمامات مؤرخّ من
عالمنا: فهو لا يذكر مكان الحدث ولا زمانه. قد يكون لوقا عرف أن الحدث حصل في بيت
عنيا، لأنه يبدو مطّلعاً على التقليد الذي نجده في يو 11- 12. ومع ذلك، فهو لا
يتحدّث عن المكان. لماذا؟ لأنه ألغى كل التفاصيل التي تؤخّر مسيرة الصعود إلى
أورشليم.
تصرّف لوقا، شأنه شأن متى ومرقس، فلم يحدّد موقع الخبر. وهو لن يعطي أي تاريخ خلال
سفر يسوع. ولن يذكر إلاّ أريحا (18: 35؛ مت 20: 29؛ مر 10: 46) وأورشليم (11 مرة)،
لأن أورشليم هي نهاية صعود يسوع وموضع تتميم سرّه. اهتمّ لوقا بأعمال يسوع وأقواله،
لا بإعادة تكوين الإطار الزمني لهذه الأعمال والأقوال.
ويدهشنا هنا أنه يورد إسم مرتا ومريم. واقع فريد عند لوقا كما عند متّى ومرقس،
الذين لا يذكرون أسماء محاوري يسوع إلاّ في حالات إستثنائية. يُذكر الإثنا عشر وزكا
في 19: 2 وكليوبا في 24: 18. وبين الذين نعموا بالمعجزات، يذكر يائيرس (8: 40؛ مر
5: 22) وبرطيما (مر 10: 46. لا يذكره لوقا في 18: 35). وإذا كان لوقا ذكر اسم
الأختين، فلأنه يهتمّ بهما اهتماماً خاصّاً.
ومجمل النص يحاول أن يصوّر الطريقة التي بهما استقبلت مرتا ومريم يسوع. وكلمة
المعلم النهائية التي تعارض بين موقفين تشكّل قمة الخبر وخاتمته، تشكّل الدرس الذي
يجعلنا لوقا نستنتجه.
3- ميزات الخبر
توخت كل ميزات الخبر أن تهيئ هذه الخاتمة، وأن تقدّم قبل كل شيء رسماً لهاتين
الأختين. إن مريم "جلست عند قدمَيْ الرب" (آ 39). حين أعطى لوقا المسيح هذا اللقب
المميّز في إنجيله (بشكل "الرب"، هو كيريوس، رج 7: 13، 19؛ 10: 1، 39، 41؛ 11: 39؛
12؛ 42؛ 13: 15؛ 16: 8؛ 17: 5- 6؛ 18: 6؛ 19: 8؛ 22: 31، 61؛ 24: 3، 34؛ رج 19: 31،
34؛ ق مت 21: 3؛ مر 11: 3) دلّ على سلطة يسوع. وموقف مريم هو في الحقيقة موقف
التلاميذ أمام معلّمهم (8: 35؛ أع 22: 3؛ رج لو 7: 38؛ 8: 41؛ 17: 16). هي تسمع
الكلمة، وهذا هو الواجب الأولى للتلميذ الحقيقي بحسب لوقا (6: 47؛ 8: 13، 15، 21).
أما مرتا فهي مهتمة، منشغلة بأمور الضيافة: هي ربّة البيت (آ 38) وهي تحاول أن
تؤمّن ليسوع أجمل خدمة يقدّمها فقراء فلسطين لضيوفهم (آ 40). تكاثر الشغل عليها،
فاضطربت وارتبكت (آ 41). وهذه الغيرة تدلّ على إحترامها "للرب" (آ 40)، على رغبتها
في أن تستقبله إستقبالاً يليق به. غير أنها لا تفهم أختها التي لا تفعل شيئاً، التي
لا تشاركها في العمل. إنها تريد أن تنتزعها من سماع يسوع لتساعدها في ترتيب البيت
أو إعداد الطعام. وهي واثقة من موقفها. فلهذا دعت يسوع بلهجة "لائمة" أن يقاسمها
نظرتها. "يا رب، أما تبالي أن أختي قد تركتني أخدم وحدي؟ فقل لها إذن لتساعدني" (آ
40). وهكذا بدت الأختان مثل تمليذين يهتمان بإستقبال المعلم. ولكن مريم لا تهتمّ
إلاّ بسماع كلمته. ومرتا بالقيام بواجبات الضيافة بسخاء.
وجاء جواب يسوع حُكماً على موقف مرتا ومريم (آ 41- 42) وسمّاه لوقا "الرب" فدلّ على
سلطة كلمته السامية. والحكم على مرتا يطرح مسألة معروفة في النقد الأدبي. فالقسم
الأولى (أنت مهتمة مضطربة في أمور كثيرة) نجده في كل المخطوطات اليونانية (مع
إختلاف طفيف بالنسبة إلى الفعل الثاني). ولكن يغيب في عدد من مخطوطات اللاتينية
العتيقة والسريانية العتيقة. ويغيب القسم الثاني (آ 42 أ) من هذه الترجمات عينها
(قد يكون هناك تصحيح لنص قاس أو حائل دون إنتقال "إنما الحاجة إلى قليل").
نجد القسم الثاني في شكلين قصيرين. "الحاجة إلى واحد" (عند شهود عديدين لهم وزنهم).
ونجد أيضاً شكلاً طويلاً يضمّ الشكلين القصيرين: "الحاجة إلى قليل، بل إلى واحد".
وبما أن هذه الاختلافة الطويلة تجد لها شهوداً مهمّين (من الاسكندرية)، فقد أخذت
بها مجمل الطبعات النقدية للعهد الجديد، وعددٌ كبير من الشرّاح. غير أن الأمثولة
القصيرة الثانية (الحاجة إلى واحد) تجد شهوداً متنوّعين في المكان والزمان والعدد.
كما أنها تقدّم تعارضاً جيداً (كثير، واحد). والأمثولة الطويلة هي نتيجة دمج
أمثولتين قصيرتين والتنسيق بينهما. وهكذا يبدو أن النص الأصيل هو: "الحاجة إلى
واحد".
حين يلوم يسوع مرتا بسبب اضطرابها واهتمامها "بأمور كثيرة"، فهو يستعيد موضوعاً
طالماً تطرّق إليه في حديثه عن الهموم: يدعو المرسلين ألاّ يهتمّوا في دفاعهم أمام
المحاكم التي يجلس فيها مضطهدوهم (12: 11؛ مت 10: 19: لا تهتموا لما تقولون).. يدعو
تلاميذه ألاّ يقلقوا بسبب الطعام أو اللباس (12: 22- 26؛ مت 6: 25- 34: لا تهتموا
لأنفسكم بما تأكلون). يحذّر مؤمنيه من "هموم الحياة" التي تخنق بذار الكلمة (8: 14؛
مت 13: 22؛ مر 4: 19)، أو تثقل القلوب (21: 39). في كل من هذه المقاطع، نجد شجباً
للهموم لأنها تميل بالمؤمن عن الجوهر وهو: الاعتراف بابن الإنسان في 12: 7- 9 (مت
10: 31- 33). البحث عن ملكوت الله في 12: 31 (مت 6: 33). تقبّل الكلمة في 8: 11- 15
(مت 13: 18- 23؛ مر 4: 13- 20). إنتظار يوم إبن الإنسان في 21: 34- 36. أما في وضع
مرتا، فالهموم تُشجب لأنها تميل بها عن "الضروري الوحيد" كما تقول الشعبية
اللاتينية.
"فالأمور الكثيرة" التي تهتمّ بها مرتا هي (بحسب السياق) واجبات الضيافة والخدم
المادية التي تريد أن تقدّمها ليسوع. أما الضروري الوحيد "فيحدّده موقف مريم التي
تركت كل شيء لتسمع كلمة يسوع. وهكذا تكون المعارضة واضحة بين طريقتين في إستقبال
يسوع تمثّلهما الأختان: واحدة تهتم بواجبات الضيافة المادية. والثانية تهتم بسماع
كلمة المعلّم. تقتل يسوع ضيافة مرتا بامتنان، كما تقبّل ضيافة الفريسيين (7: 36 ي:
11: 37؛ 14: 1)، أو طلب ضيافة زكّا (19: 5). بل جعل من قبول الضيافة قاعدة للمرسلين
(9: 4؛ 10: 5- 9). وهكذا لا يكون شجب موقف مرتا لاستقبالها السخيّ.
ولكن هناك سلّماً للقيم في نظر يسوع. فهو يختتم الخبر بتهنئة ووعد وجّههما إلى
مريم. "إختارت النصيب الأفضل الذي لا ينزع منها". إن كلمة "ماريس" تعني النصيب" وهي
تستعمل مراراً في السبعينية لتدلّ على حصّة في الطعام (تك 43: 34؛ 1 صم 1: 4- 5؛ 9:
23؛ نح 8: 10، 12؛ أس 9: 19، 22). لهذا رأى بعضهم تلميحاً إلى الطعام الذي اهتمت
مرتا بإعداده. ولكن هذا المعنى لا يوافق الوضع ولا التعارض. فالحصة التي اختارتها
مريم هي سماع كلمة الرب. وكلمة "ماريس" تعني هنا "نصيب" "حصة ميراث" (أي 20: 29؛
27: 31؛ جا 2: 10؛ 3: 22؛ 5: 17؛ 9: 9؛ حك 2: 9؛ سي 14: 9؛ أش 17: 14؛ 57: 6؛ إر
13: 25...). والعبارة التي إستعملها يسوع تذكّرنا بما قاله المرتّل: "نصيبي، يا
ربّ، أن أحفظ كلامك" (مز 119: 57؛ رج 16: 5: نصيبي هو الرب؛ عد 18: 20؛ تث 10: 9؛
سي 45: 22). وينهي المعلّم كلامه فيعد مريم بأن خيارها لا يخيب: من فضّل كلمة الله
لن يُحرم منها أبداً. هذه هي العبرة من الخبر كله: على التلميذ أن يسمع كلمة
المعلّم، وهي ستصل إليه دائماً أبداً.
4- كلمة الله
وهناك ميزتان تؤكّدان إهتمام لوقا بهذه العبرة. الأولى: مكانة سماع كلام يسوع في
الإنجيل والأعمال. لا شمك في أن متّى ومرقس قدّما الفكرة عينها في شرح مثل الزارع
(مت 13: 19- 23؛ مر 4: 14- 20؛ لو 8: 11، 15: رج مت 7: 24- 26). غير أن لوقا تفرّد
في تحديد "تقبّل كلمة يسوع" على أنه "سماع كلام الله" (5: 1؛ 8: 11، 21؛ 11: 28).
وسفر الأعمال يتركّز كله على الكلمة (عشر مرات. كلمة الله، أقلّه عشر مرّات. كلمة
الرّب، أقله سبع مرّات). ففي نظر الإنجيلي الذي شارك بولس في مهماته الرسولية، كان
سماع الكلمة الضروري الوحيد.
وخبر تأسيس السبعة (أع 6: 1- 6) يطرح عدّة مسائل تاريخية دقيقة: من كان هؤلاء
الهلينيون؟ ما كانت الوظائف الأصيلة لهؤلاء السبعة؟ ولكن مهما يكن من أمر هذه
المسائل، ففكر لوقا واضح جدّاً، وهو يذكّرنا بخبر مرتا ومريم. فأمام تشكّيات
الهلينيين أجبر الاثنا عشر على الاختيار بين الكرازة بكلمة الله وخدمة الموائد (أع
6: 2). حينئذ قرّروا بأن يسلّموا هذه الخدمة المادية إلى سبعة رجال يشهد لهم بالصيت
الحسن، ممتلئين من الروح القدس والحكمة. وحفظوا نفسهم من أجل الصلاة وخدمة الكلمة
(أع 6: 3- 4). إن خبر مرتا ومريم أعلن أولويّة سماع الكلمة على خدمة الضيافة. وخبر
سفر الأعمال جعل خدمة الكرازة بالكلمة فوق خدمة الموائد. ولكن لوقا اعترف
بالخدمتين. وفي الحالتين، بدت الكلمة المسموعة أو المعلنة القيمة العظمى. أحسّ يسوع
بالعلاقة بين الاثنين، فأظهرها من خلال هذين الخبرين.
5- إستنتاجات
بعد أن تفحّصنا هذا النّص اللوقاوي، نستطيع أن نقدّم بعض الاستنتاجات:
- أراد لوقا أن يقدّم في هذا النصّ قاعدة حياة من أجل التلاميذ. ولا مبالاته
بمعطيات الخبر "التاريخية" (خصوصاً فيما يتعلق بالزمان والمكان) يدلّ على هذا الوضع
كما يدلّ عليه الطابع الاحتفالي لكلمة يسوع الأخيرة.
- هذه القاعدة هي أولوية سماع كلمة الرب في الإيمان، وهي أولوية مطلقة. هذا ما
نكتشفه في التعارض بين الأختين، والمديح لمريم، والأهمية المعطاة للكلمة في إنجيل
لوقا وسفر الأعمال.
- لا تُلام مرتا بسبب ضيافتها التي هي تقبّل للمسيح في الإيمان والمحبة، والتي
ستكون الشرط الموافق للرسالة الإنجيلية. ونكن يسوع يلومها على الارتباط، على الهمّ
الزمني الذي يميل بها عن الضروري الوحيد.
إذا قابلنا هذه الاستنتاجات مع تأويل الآباء، رأينا أنها ليست بعيدة عن تفسير
أمبروسيوس. وهي لا تعارض فكر أوريجانس حين رفض أن يفصل العمل عن المشاهدة، وأعلن
أولوية التأمل والمشاهدة (التي هي نظرة إلى الإيمان في خدمة ملكوت الله). أما رمزية
أغوسطينس والنظرة العملية لدى كيرلس، فهما تطبيقان ظرفيان لكلمة الله في حالة من
الحالات.
ج- ما قبل خبر لوقا
يبدو تفسير خبر لوقا سهلاً لأنه يتأسّس تأسّساً متيناً على مختلف المعطيات التي
تفحّصناها. ولكن هل نستطيع أن نعود إلى الوراء، أن نعود إلى التقليد السابق للوقا
لكي نرى إن كان تفسيره للخبر أمينا لمدلوله الأصيل.
سؤال دقيق لأن المعطيات قليلة وأساليب التقارب غير أكيدة، ونتائج الشّراح مختلفة.
ولكن في خبر مرتا ومريم، نحن نمتلك معطيات هامّة إن في داخل النصّ، وإن في التقاء
نص لوقا مع التقليد اليوحناوي.
1- خبر لوقا
من المؤكّد أن لوقا طبع بطابعه هذا الخبر، على مستوى الألفاظ والأسلوب، وتقديم
الأختين في بداية الخبر (آ 38- 39 أ). والارتباط الأصيل للخبر بالسياق يجعلنا ننسب
إلى لوقا بناء هذه الإجمالة الأدبية. ويستعمل لوقا هنا حسب عادته لفظة "كيريوس" (آ
39، 41)، و"مهتمة" (آ 40) و"اختار، انتزع" (آ 42). كل هذا يجعلنا نقول إن لوقا
استعمل هنا تقليداً سابقاً.
2- النصّ الأولاني
هل يتيح لنا تفحّص النصّ أن نتمثل الشكل الأصيل لهذا التقليد؟ هناك سمة تبدو لافتة
للوهلة الأولى: إن كلمة يسوع النهائية تتجاوب مع بداية الخبر حول تصرّف الأختين،
بحيث لا نستطيع أن نفصل النهاية عن البداية. فالخبر يشكّل وحدة أدبية متماسكة. غير
أن بولتمان يسمّي النص "مشهداً مثالياً" وخبراً ذا "طابع رمزي": إنه "يعبّر عن
الحقيقة بواسطة مشهد مصوّر". يرى أننا أمام خدعة أدبية تجعل في مرتا ومريم نمطين
متعارضين من أنماط التصرّف الديني. وفي النهاية نحن أمام تأليف يعود إلى العالم
الهليني. مثل هذا الموقف الذي يشدّد على طابع الخدعة الأدبية والتأليف الهليني، لا
نستطيع قبوله: فمشهد الضيافة هذا يجعلنا في محيط فلسطين. وكلمة يسوع توافق كلّ
الموافقة أقواله في الاهتمامات. والتقليد اليوحناوي يؤكّد قدم الخبر في لوقا.
أما ديباليوس فقد حلّل معطيات هذا الخبر، فلاحظ أن أسمَيْ مرتا ومريم يدلاّن على
اهتمام خاص بشخصهما، ورأى أننا أمام خبر مركّز على شخص من الأشخاص: فكثافة النصّ
وغياب كل التفاصيل الخيالية، تبرهن على قيمته التاريخية الحقيقية. أما مدلول الخبر
الأصيل فقد يكون اسكاتولوجياً ويعني مجيء الملكوت. مثل هذه الملاحظات تستند إلى فكر
يسوع حول طلب ملكوت الذي يمرّ قبل كل اهتمامات هذا العالم (12: 22- 31؛ مت 6: 25-
33).
3- معطيات يوحنا
إن التقاء خبر لوقا مع بعض معطيات يوحنا، يؤكد الملاحظات السابقة. فالأختان اللتان
لا يسمّيهما متّى ولا مرقس، تظهران في مقطعين هامين في يوحنا (11: 1- 44؛ 12: 1-
8). ثمّ، تظهر مرتا وهي "تخدم"، وهي تقدّم وجبة طعام (يو 12: 2). وتظهر مريم "عند
قدمَيْ" يسوع (يو 11: 32). هذا ما نراه عند لوقا حيث تبدو مرتا تلك المرأة النشيطة
المستعدّة لأن تتدخّل (يو 11: 20)، لا لتنفتح على السرّ (يو 11: 24- 39). أما مريم
فدلّت على إحترام عميق للمعلّم (يو 11: 32) وسخاء كبير (يو 12: 3)، فجلبت على نفسها
إنتقاد الناس الواقعيين (يو 12: 4- 5). نالت "موافقة" من يسوع (يو 12: 7)، وأثّرت
صلاتها الصامتة على يسوع عند قبر لعازر أخيها (يو 11: 33).
لا شك في أن خبرَي لوقا ويوحنا مختلفان. ولكن صورة الاختين وموقف يسوع تجاههما، هما
متشابهان بحيث نعتقد أننا أمام تقليد مشترك. إحتفظ هذا التقليد ببعض المعطيات عن
مرتا ومريم، فرأى في الأختين تلميذتين ليسوع متفانيتين: واحدة نشيطة. والأخرى
منفتحة على سرّ المعلّم. في هذا التقليد بدت مريم نموذج الإيمان العميق ومرتا مثال
الخدمة والضيافة لا سيما بالنسبة إلى المرسلين الذين ينتقلون من مكان إلى مكان
ليكرّزوا بكلمة الله.
خاتمة
إن خبر هاتين الأختين يدعو المؤمنين إلى التأمّل في طريقة تقبّل يسوع: تقبّل عبّرت
عند الأجيال في سخاء الضيافة. ولكن هذا التقبّل لا يتجاوب ومجيء الرب إلاّ إذا
انفتح على كلمة الرب وولج في سرّه.
الفصل الحادي عشر
الصلاة البنوية
11: 1- 13
موضوع هذا الإنجيل هو فاعلية صلاة واثقة وملحّة. فكما صلّى إبراهيم وأعاد الكرة ستّ
مرّات ليحصل على خلاص سدوم (تك 18: 20- 32)، هكذا يتوسّل الصديق إلى صديقه ويلجّ
حتى ينال ما يبتغيه. على مثل هذه الصلاة يحضّنا يسوع، لا من أجل خلاص مدينة أرضية،
بل من أجل مجيء الملكوت، ومن أجل الحصول على الروح القدس.
نرى في مقطوعة لوقا (11: 1- 13) هذه مقدمة (آ 1) ثم ثلاثة أقسام صغيرة: الصلاة
الربية أو الأبانا (آ 2- 4)، مثل الصديق "المزعج" (آ 5- 8) تحريض على الصلاة إلى
الآب المستعد دوماً أن يعطي ولا سيّما "الروح القدس للذين يسألونه" (آ 9- 13).
أ- المقدّمة (آ 1)
إهتمّ لوقا بصورة خاصة بنقل تعاليم يسوع عن الصلاة إلى الكنيسة. وهو يجمع هذه
التعاليم في جزئين يكادان يكونان متساويين: 11: 1- 13 و18: 1- 14. الجزء الثاني خاص
كله بلوقا. أما الجزء الأول ففيه عناصر من متّى في مقطعين من خطبة الجبل (صت 6: 9-
13؛ 7: 7- 11). ولكن مثل "الصديق المزعج" (11: 5- 8) هو خاصّ بلوقا فلا نجد ما
يوازيه في سائر الأناجيل.
إن العناصر الموازية في هذا الجزء الأول تشكّل عند متّى زيادات أقحمت بطريقة مصطنعة
في شميلة التعليم الأخلاقي الذي تكوّنه خطبة الجبل. وإقحام مقطوعة لوقا في خبر صعود
يسوع إلى أورشليم (9: 51 - 19: 27) يبدو مصطنعاً أيضاً. فالرباط بما سبق (يسوع في
بيت عنيا عند مرتا ومريم، 10: 38 ي) هو غامض. "وحصل انه إذ كان في أحد الأماكن
يصلّي". ولكن بما أنّ لوقا يوجّه عقول قرّائه إلى ما سيحصل في أورشليم في نهاية هذا
السفر، لا بدّ لنا، إذا أردنا أن نفهم فكره، أن نلقي الضوء على زوايا النصّ منذ 9:
51: يتوجّه النصّ هنا نحو عطيّة الروح القدس (آ 13). لا شك في أن لوقا يوافقنا إن
نحن فكّرنا بما سيرسله المسيح القائم من الموت إلى تلاميذه: "ما وعد به الآب" (24:
49؛ أع 1: 4).
يستحيل علينا أن نعرف أين ومتى علم يسوع الصلاة الربّية لتلاميذه. إلا أنّ لوقا
يعطينا بمناسبة هذا التعليم تفصيلين يختلف بُعد الواحد عن الآخر. أولاً: بعد أن
صلّى يسوع نفسه في أحد الأماكن، سأله أحد تلاميذه: "يا رب، علِّمنا أن نصلي". هذه
الإشارة خاصة بكرازة لوقا الذي يحبّ أن يرينا يسوع مصلّياً. فبحسب لوقا ولوقا وحده،
يتمّ ظهور العماد (3: 21) وظهور التجلّي (9: 28- 29) حين كان يسوع يصلّي. ولقد
اعتاد يسوع أن يصلّي في العزلة (5: 16؛ 9: 18؛ ق مر 1: 35؛ 6: 46). وصلاته تسبق
اختيار الإثني عشر (6: 12)، وتسبق ضعف الإيمان عند بطرس (22: 32)، وتصبح ملحاحة في
جتسيماني (22: 43-45). إذن الصلاة التي ينسبها لوقا إلى يسوع قبل أن يعلّم تلاميذه
"الأبانا"، تتسجّل في مجموعة إشارات مماثلة خاصة به ومن تأليفه. نحن لسنا أمام خبر
تاريخي دقيق، بل أمام طريقة تشدّد على معطية صريحة من التقليد الذي يؤكد على أنّ
صلاة يسوع كانت متواترة، بل متواصلة، ويبين أن يسوع هو معلّم الصلاة لا بأقواله
وحسب، بل بمثله وكل حياته.
أما طلب التلميذ "يا رب، علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا تلاميذه"، فهي تعود إلى
ينبوع سابق. وإلاّ لما كان لوقا أدخلها وهو الذي يرى في الربّ يسوع المعلّم الواحد
والوحيد. ولا يمكن أن تخترع الجماعة الأولى هذه العبارة للسبب عينه. لهذا نقول إننا
أمام تذكر تاريخي.
ب- الصلاة الربية (آ 2- 4)
سأل التلميذ فأجاب يسوع بعبارة نموذجية يجب أن تسير عليها كل صلاة مسيحية بصورة أو
بأخرى. قدّم الصلاة الربية: "أيها الآب". ولكن نسخة لوقا أقصر من نسخة متّى،
وتتضمّن إختلافات طفيفة في الأقسام المشتركة. يعتبر الشرّاح ان نصّ متّى يمثّل
بطريقة أفضل النصّ الأصلي بسبب مناخه اليهودي. هناك النص اللوقاوي الأصلي أو الذي
ينقله التقليد اللاحق، هناك تضخيم التقليد الذي ارتبط به متّى أو وجود تقليدين
مستقلّين وقديمين معاً. لا فائدة من التوقف عند هذه المسألة التقنية التي لم تجد
لها بعد جواباً. المهم هو أن نجمع غنى هذين التقليدين اللذين يحملان فكر يسوع سيّد
الصلاة، مع العلم أن الإستعمال الليتورجي ترك جانباً نصّ لوقا وأخذ بنصّ متى.
1- أيها الآب
هذا هو الشكل البسيط. هناك مخطوطات ترتبط بمتّى فتقول: يا أبانا أو أبانا الذي في
السماوات. نجد هذا الشكل في صلاة بستان الزيتون: "أيها الآب، إن شئت" (22: 42).
وعلى الصليب: "اغفر لهم أيها الآب" (23: 34). "يا أبت في يديك استوح روحي" (23:
46).
في العهد القديم، الله هو "أبو" إسرائيل، وذلك بسبب الحماية التي أحاطه بها وقت
الخروج، التي ما زال يحيطه بها في مصيره الجماعي أولاً (هو 11: 3- 9؛ إر 3: 19؛ ملا
1: 6؛ أش 63: 16؛ طو 13: 24) وفي مصير كل من مؤمنيه (أم 3: 12؛ سي 23: 1- 4؛ حك 2:
13- 18؛ 5: 5، النظرة الفردية جاءت متأخرة). وفي العالم اليهودي الفلسطيني في زمن
المسيح، وعى الشعب وعياً خاصاً حبّ الله الأبدي لشعبه ولكل الذين يتمّون الشريعة،
وإن اعتادوا أن يتجنّبوا النداءة "يا أبي". نجد العبارة المنادية "أبانا الذي في
السماوات" عند الرابانيين وفي الصلاة اليهودية. ويعرف مر 11: 25 (أبوكم الذي في
السماوات) العبارة في قرائن أخرى، وهي أقدم ممّا في لوقا. نشير أننا نقرأ في لو 11:
13 عبارة "أباكم السماوي" التي تشكّل تضميناً مع بداية الأبانا. وانتقلت أبوّة الله
على أبرار إسرائيل، على "نسل أبناء الله" (مز 73: 1، 15)، إنتقلت بواسطة يسوع إلى
جماعة تلاميذه. الأبانا هي صلاة المسيحيين بصورة خاصة، هذا دون أن ننفي جموع
التلاميذ غير المعلنين الذين قال فيهم مر 9: 4: "من ليس ضدّكم فهو معكم".
لقد استناروا استنارة كاملة بنور الفصح، فكيف لا يفكّرون، وهم يتلون هذه الصلاة
"بأبي ربنا يسوع المسيح"؟ فيسوع الذي هو "الإبن" في معنى فريد (مر 12: 6 وز؛ 13:
32؛ لو 10: 22 وز) قد توجّه خلال حياته على الأرض إلى الله فناداه "أبّا" (مر 14:
36). نحن أمام روح عائلية لا نجد مثلها قبل يسوع. وحسب القديس بولس، يلهم الروحِ كل
الذين صاروا "أبناء في الإبن" أن يقولوا بدورهم: "أبا، أيها الاب" (غلى 4: 6؛ روم
8: 15). فمنذ الفصح تعبّر الكنيسة عن وعيها، حين تصلي الأبانا، بأنها محبوبة بالحب
الذي به يحيط الله إبنه الوحيد (رج يو 3: 1؛ يو 20: 17: يصبح أبي أباكم في ملء
الأبوّة). هذا ما أراد لوقا أن يشير إليه حين حوّل العبارة الأولانية في متّى فقال
كما قال المسيح: أيها الآب، أبا. لقد أرانا لوقا يسوع مصلّياً قبل أن يعلّم الأبانا
لتلاميذه: ما يحمله إلى الكنيسة هو صلاته البنوية الخاصة، مع حفظ المسافة بين
الخالق والمخلوق، لأنه الوحيد ولأن لا خطايا له يطلب عنها مغفرة.
2- ليتقدّس إسمك! ليأتِ ملكوتك!
هناك شواهد قديمة تقرأ: ليأتِ ملكك علينا. ظهر الملك، فليعرفه الكون والبشر. وهناك
شواهد أحدث عهداً (مرقيون، غريغوريوس النيصي، مكسيموس المعترف) تقول: "ليأتِ روحك
القدس علينا ويطهّرنا". لقد تأثرت هذه العبارة، ولا شك، بليتورجيا المعمودية.
ليتقدّس، ليأتِ (ليتحقّق فينا). طلبتان في طلبة واحدة، كما في طلبات متّى الثلاث:
قبل أن نعرض حاجاتنا نجعل نوايا الآب وكأنها نوايانا. واستعمال المجهول هو طريقة
يهودية بها نتحاشى أن نذكر اسم الله إكراماً له: نطلب من الرب أن يقدّس اسمه بنفسه
عبر إقامة ملكه على الأرض، وهكذا (حسب متّى) تتم مشيئته الخلاصية.
النصّ الأصلي لا يقول: "لتكن مشيئتك". ولكن هناك مخطوطات توردها، وأخرى تزيد: "كما
في السماء كذلك على الأرض". أما لماذا لم يحتفظ بها لوقا؟ لأنه اعتبر أن الطلبتين
الأولى والثانية تتضمّنان الفكرة الموجودة فيها.
يدلّ الإسم في التوراة على الشخص نفسه كما يظهر في نشاطه. وقداسة الله هي ما يميّزه
عن كل شيء. هو الآخر الكلي بقدرته والمتعالي في حبّه (هو 11: 9). إذن، نصلّي إلى
الآب أولاً ليظهر قدرته ورحمته. وحسب لوقا، لقد بدأ الله يظهرهما في مرحلة حاسمة
بالمجيء الأول لابن الله: بما أن القدير صنع بمراحمه أشياء عظيمة في مريم ومن أجل
مريم، فـ "اسمه قدّودس" (1: 49- 50). ولكن هذه المرحلة الأولى، التي هي عمل الروح
القدس الذي كوّن في مريم "الكائن القدوس الذي سيولد" (1: 35) وقاده بعد ثلاثين سنة
في رسالته المسيحانية (4: 1، 14، 18؛ 10: 21)، هذه المرحلة خضعت للظهور الأخير،
ظهور الله القدوس، فتحقّقت نبوءة حزقيال تحقّقاً كاملاً: "أقدس إسمي العظيم... أجعل
روحي في داخلكم" (حز 36: 20- 28). وهذا التحقّق يجد ينبوعه في سرّ الفصح والعنصرة
قبل كماله في يوم المجيء الثاني.
يرى التلميذ الذي يعيش في الكنيسة وفي النظام الذي بعد الفصح، يرى أن إرسال الروح
القدس هو أمر آني. حصل الآن وهو يشركه في حياة الآب. ولكن عليه أن يطلب دوماً في
صلاته هذا الروح (آ 13) لأن الروح لا يُعطى إلا كباكورة (روم 8: 23). فعلينا أن
نسال لكي تصل دينامية ما هو مؤقت إلى الهدف النهائي بتدخّل ساطع من عند الله.
ونعبّر عن هذا الرجاء الاسكاتولوجي عينه بالطلبة التالية: "ليأت ملكوتك"! إستعمال
الصيغة اليونانية للفعل يدلّ على اننا أمام حدث محدّد، تدخّل فريد ونهائي من قِبَل
الله الاتي ليحقّق ملكه أخيراً وسط البشر رغم كل العوائق والصعوبات. إعتبر اليهود
أنهم أمام واقع غير محدّد وهو الذي أنبأ به مي 4: 6- 7؛ أش 52: 7. وقد قالت صلاة
"قديش": "ليكن مقدساً اسمك العظيم في العالم الذي خلقته حسب مشيئتك. ليملك ملكك
وينبت فداؤك وليقترب مسيحك (الملك)". وبالنسبة إلى الرسل الذين يسمعون "ذلك الآتي"
(7: 19)، فملكوت الله هو حاضرٌ منذ الآن بينهم (11: 20؛ 17: 21) بنشاطات يسوع
المسيحانية، ولكن بشكل متواضع وخفيّ. فعليهم أن يصلّوا لكي تصبح حبّة الخردل
الصغيرة "الشجرة الكبيرة" التي تحدّث عنها الأنبياء (حز 17: 23؛ دا 4: 9، 8= لو 13:
9 وز). وأخيراً، بعد الفصح، سيرفع المؤمنون أنظارهم، وهم الذين نالوا باكورة
الملكوت في الروح القدس، إلى تتمّة هذا الملكوت بالقيامة (1 كور 15: 50). إن صلاتهم
إلى الآب "ليأتِ ملكوتك"! تتوافق مع صلاتهم إلى الرب الذي ينتظرون مجيئه المجيد
"ماراناتا" (1 كور 16: 22): "تعال ايها الرب يسوع" (رؤ 22: 20).
إذ القسم الأول من الصلاة الربية هو صلاة إيمان ورجاء إلى ذلك الذي يُنتظر منه أن
يكمّل قصده الخلاصي. ولكنه لا يبعدنا مع ذلك عن اهتماماتنا الأرضية. فالعهد القديم
يعتبر أن إظهار قداسة الله أو مجده (رج لا 10: 3؛ حز 28: 2) هو عمل البشر (عد 27:
14؛ تث 32: 51؛ أش 8: 13؛ 29: 23). نحن نهيّئ الطريق لهجمة عالم جديد بسلوك مقدّس
(1 بط 1: 15- 16) نجتذب فيه رفاق الدرب ليمجّدوا الله في يوم الإفتقاد (1 بط 2:
12)، بحرب من أجل إحلال العدالة والمحبّة بين البشر. وهكذا نكشف بعض الشيء عن قداسة
الله. وعلى صورة عبد الله السامي (أي يسوع) وفيه، يبقى علينا نحن "العباد المساكين"
(17: 10) أن "نظهر إسم الاب" (يو 17: 6، 26).
3- أعطنا الخبز الذي نحتاج إليه كل يوم
ويحتاج الإنسان الضعيف والخاطئ إلى الخبز والمغفرة والعون على الشرّ، لكي يعيش في
انتظار مجيء الملكوت. وحين يطلب كل هذا، فهو يتدرّب على الإتّكال البنوي على الله.
كان طلب الخبز اليومي معروفاً في العالم اليهودي (رج أم 30: 8). لا يبدو أن يسوع
يجعلنا نطلب الخبز من أجل الغد، أعنى بكلامه طعام الأرض أم طعام الملكوت (14: 15؛
22: 30). فلفظة "ابيوسيوس" الفريدة في كل الكتاب المقدّس هي أكثر من غامضة لتسمح
لنا بإسناد بعض التفاسير. إنّ "هي أبيوسيا" (هامارا) قد تعني في الغد في أع 7: 26
("ورأى في الغد إثنين")؛ 16: 11 ("وفي الغد إلى نيابوليس"). فالشرّاح يستندون إلى
أع وإلى الإنجيل المنحول، إنجيل العبرانيين، الذي يفترض (حسب ايرونيموس) أن يسوع
استعمل الكلمة الأرامية "محر" (أي: الغد). ولكن قد يكون هذا الإنجيل المنحول فسّر
خطأ كلمة "ابيوسيوس" التي لم يفهمها كما وجدها في إنجيل متّى القانوني. وقال آخرون
إنّ يسوع صلّى الأبانا في العبرية لا في الأرامية. وجاءت الطلبة الرابعة تتذكر خر
16: 4 ("طعام كل يوم بيومه") فتقول: "أعطِنا خبزنا اليومي". فإذا عدنا إلى ما
تتضمّنه اللفظة العبرية، تقابل كلمة "يومي" (الضروري من أجل اليوم الحاضر) في الوقت
عينه "ابيوسيوس" وعبارة "كل يوم" (لوقا) أو "اليوم" (متّى). طلب لوقا الخبز لكل
يوم، لأنه ينظر إلى الحياة المسيحية في مداها كما في 9: 23 (يحمل صليبه كل يوم: كات
آمران). نحن مع لوقا في نظرة يونانية لا نظرة فلسطينية كما في مت 6: 34: "لا تهتفوا
للغد. فالغد يهتمّ بنفسه. ولكل يوم من المتاعب ما يكفيه".
مهما يكن من أمر الترجمة، فمن الواضح أننا لسنا أمام تأمين "على المستقبل". فيسوع
يدعو تلاميذه ليطلبوا كل يوم بيومه الطعام الذي يحتاجون إليه. إنهم واثقون أن الله
يوزعّ عليهم كلّ يوم طعاماً، على مثال ما فعل مع بني إسرائيل في البرّية، حين
أعطاهم المنّ كل يوم بيومه (خر 16) حتى وصلوا إلى أرض الميعاد (يش 5: 12).
صلاة الأبانا هي صلاة الفقراء، لا صلاة الناس المتخمين. صلاة أناس مجبورين أن
يعيشوا كل يوم بيومه كما كان يجمع بنو إسرائيل زادهم اليومي من المنّ. فضل لوقا
عبارة "كل يوم" وترك عبارة متّى "اليوم" واستعمل الفعل في صيغة الحاضر (في
اليونانية) التي تدل على التكرار، فشدّد على فضيلة الفقر العزيزة على قلبه: لا زاد
لتلاميذ المسيح (10: 8)، ولهذا فهم يحتاجون إلى طعام يرسله الله كما لأبنائه، لا
"اليوم" فقط، بل "كل يوم".
هذه الصلاة قريبة من الخطبة عن العناية الإلهية (12: 22- 32)، وهي لا تدعونا إلى
الكسل والتهرّب من العمل. فعلى الإنسان "أن يخضع الأرض" (تك 1: 28)، أن "يأكل خبزه
بعرق جبينه" (تك 3: 19). ولكن على التلاميذ أيضاً أن يعبّروا للآب الذي يعبدون، عن
ثقتهم بأن حياتهم ترتبط بجذورها برحمته، بأنهم يحتاجون إلى حنانه (نعمته) ليتغلّبوا
على الشرّ الذي فيهم وفي الآخرين، الذي يقف حائلاً بينهم وبين العمل، بين العمل
وثمرته.
وحين نستعمل صيغة المتكلم الجمع ("خبزنا" نحن)، نتذكّر اننا أمام صلاة جماعية. نسأل
الخبز الذي نتقاسمه كلنا كعلامة فاعلة عن الإتحاد الأخوي والاهتمام بالفقراء، على
مثال ما نفعل مع الخبز الافخارستي.
4- اغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضاً غفرنا (عفونا) لمن هو مدين لنا، لمن أساء
إلينا
تحدّث متّى عن الدين. أما لوقا فتحدّث عن الخطايا أولاً، ثم عاد إلى الدين في الشق
الثاني من الطلب. وهذا ما سيفعله في 13: 2، 4. وإذ يحدّد متّى موقع الغفران الأخوي
في اللحظة التي تسبق الصلاة، فإن لوقا يجعله يمتدّ إمتداد الحياة المسيحية.
إن الحاجز الاكبر بوجه رجائنا بالملكوت وبوجه خبز نشارك فيه، هو الخطيئة. يستعمل
لوقا كلمة خطيئة ولكنه يحتفظ في الفعل بالصورة اليهودية القانونية التي تتكلّم عن
الديون. نحن مدينون لا نستطيع أن نفي ديوننا (7: 42)، ولهذا نسلّم ذواتنا إلى سخاء
الرب المستعد دوماً إلى أن يغفر كما وعد بواسطة أنبيائه ليوم الخلاص (إر 31: 34؛ حز
36: 33؛ زك 13: 1). وهذا الغفران الذي لا نستطيع بدونه أن نحيا في صداقة مع الله
وفي احترام ذواتنا، هو ضروري لنا ضرورة الخبز وأكثر. فالمسيحيون يعرفون ثمن هذا
الغفران أكثر من التلاميذ قبل الفصح. فهم يتأمّلون في الصليب الذي عليه سفك المسيح،
صديق الخاطئين (مت 11: 19)، دمه في النهاية "لغفران الخطايا" (مت 26: 28)، سفكه وهو
يحمل كلمة الغفران على شفتيه (23: 34). أجل، لقد سمع المؤمنون إعلان "التوبة من أجل
غفران الخطايا" (24: 27) ونالوا المعمودية باسم المسيح من أجل هذه المغفرة كما قال
بطرس لسامعيه يوم العنصرة (أع 2: 38): "توبوا وليتعمّد كل واحد منكم باسم يسوع
المسيح فتُغفر خطاياكم ويُنعم عليكم بالروح القدس". ولكنهم يضعون بنفوسهم شرطاً
يمنعهم من تلاوة الأبانا إن لم ينفّذوه: أن يغفروا لمن لهم عليهم دين. نحن أبناء
سبقتنا رحمة الله بكل شكل، فلا نستطيع أن نتعلّق بها إن لم نترك غفرانه يحرّك
غفراننا ومحبّته تمرّ فينا لتدرك الذين أساؤوا إلينا (6: 36- 37؛ مت 6: 14- 15، 18:
23- 25؛ مر 11: 25؛ يع 2: 13). ويقدم لوقا هذه المتطلبة بشكل جذري ملاحظاً أنها
تنطبق على كل إنسان: مهما كان جرحنا عميقاً، فلا طريق لشفائه إلا بمقاسمة الله في
محبته مقاسمة تجعلنا ننسى الإساءة. نحن هنا على محكّ الممارسة المسيحية.
5- ولا تسمح أن ندخل في تجربة، لا تعرضنا للتجربة، لا تدخلنا في التجربة
إن الطلبة الأخيرة في الصلاة الربية حسب متّى تجد لها تعبيراً سلبياً ("لا تدخلنا
في التجربة")، ثم تعبيراً إيجابياً ("نجّنا من الشرير"). ترك لوقا التعبير الإيجابي
واكتفى بالتعبير السلبي، وسنتعرّف الى السبب فيما بعد. ولكن نلاحظ أنّ لفظة
"بيرسموس" عند متّى لا تعني المحنة الخيّرة (تث 8: 2؛ حك 3: 5- 6) بل التجربة التي
تأتي من الشيطان.
هل يُعقل أن يدخلنا الله في مثل هذه التجربة كما يقول الفعل اليوناني في معناه
الدقيق؟ لن نتوقّف عند المناقشات التي يثيرها غموض الجملة، ولكننا نختار عبارة
مخفّفة: "لا تسمح أن ندخل". وما يسند موقعنا هو صعوبة العبرية والأرامية على
التمييز بين: "لا تدخل" وبين "افعل أن لا ندخل". في النصّ الأولاني وعند متّى، كان
الحديث عن التجربة الاسكاتولوجية الكبرى، تجربة التخلّي عن الإيمان والتراجع عن
السير وراء يسوع. وهذه التجربة كانت مخيفة إلى حدّ دعا يسوع تلاميذه ليصلّوا إلى
الله حتى يمنعهم من الدخول فيها. ولكن لوقا يشير في معرض تفسيره لمثل الزارع إلى
هذا السقوط الذي يتأتّى من المحنة اليومية (بيرسموس، 8: 13) ولا ينتظر الحرب
الأخيرة بين الله والشيطان. إذن، علينا أن نتوسّل إلى الآب ليجنّبنا الدخول في مثل
هذه المحنة (بمعنى التجربة) إذا لم نكن (رغم نعمته) أقوياء بما فيه الكفاية "لنخرج"
(1 كور 10: 13) منها بدون ضرور لأمانتنا المسيحية. ومن المعقول أن لوقا أراد أن
يسهّل هذا التكيّف على الوضع الحاضر فألغى القسم الثاني المتحدّث عن "انتزاعنا من
يد الشرير". حين ألغى لوقا هذه النقيضة نقل الطلبة من العالم الاسكاتولوجي إلى حياة
المسيحي العادية (8: 13؛ 22: 40).
ج- مثل الصديق المزعج (آ 5- 8)
أتبع متّى صلاة الأبانا بآيتين (6: 14- 15) تشكّلان تفسيراً لطلب الصفح الإلهي
المشروط بالغفران الأخوي. أما لوقا فأدخل مثل الرجل الذي أيقظه من نومه صديقٌ يطلب
منه ثلاثة أرغفة: أجبره على النهوض، أيقظ أسرته كلها، دفعه إلى أن يزيل القفل عن
الباب أو المزلاج. إن كلمة "أرغفة" تربط المثل بالطلبة المتعلّقة بالخبز اليومي.
ولكن هذا الأسلوب المصطنع يساعدنا هنا على تجميع عدة مقاطع تعالج موضوع الصلاة
تجميعاً منطقيّاً.
إنّ مثل الصديق المزعج هو خاص بلوقا، شأنه شأن المثل التوأم، مثل القاضى (8: 2- 8)
الذي تزعجه إمرأة مظلومة. كلا المثلين يقدّمان درساً واحداً عن الثقة لأن صلاتنا
تُستجاب. وكلاهما يتضمّنان برهاناً مبنياً على أداة "بالحري" ليقدّما لنا أمثولة:
إذا كان صديق ضيّق القلب، إذا كان قاضٍ لا ضمير له قد لبّيا طلب طالب منهما، فكم
بالحري يستجيب الله من يطلب منه بإلحاح!
لا شكّ في أن "وقاحة" الصديق المزعج وعناد الأرملة التي أزعجت القاضي، هما صورة عن
الجرأة والمثابرة في الصلاة. هذا ما يشدّد عليه لوقا في خبر الأرملة: "وكلّمهم بمثل
على وجوب المداومة على الصلاة من غير ملل" (18: 1). ولكن الشخصين الرئيسيين ليسا
الصديق المزعج ولا الأرملة، بل الشخص الذي رغم انزعاجه أعطى الطالب مطلبه، والقاضي
الذي انصف الأرملة ليرتاح من لجاجتها. هذان الشخصان اللذان لا يحبّهما القارئ
يمثلاًن الله بقدر ما يستجيبان طلبة شخصين يتوسّلان إليهما. أما على مستوى البواعث
فالتعارض كامل، وصورة القاضي الظالم رسمت بالفحم الأسود. ونقول أيضاً عن الصديق
المنزعج: لم يعط صديقه لأنه صديقه بل ليرتاح من لجاجته. أبرز لوقا هذين الوجهين
"البشعين" ليستطيع أن يقدم برهانه المبني على أداة "بالحري". إذا كان قاض لا يخاف
الله ولا يهاب الناس فعل هكذا، فكم بالحري ينصف الله مختاريه الذين يصرخون إليه
نهاراً وليلاً.
لم يطبّق لوقا مثل الصديق المنزعج على الله، ولكنه سيطبّق الفكرة في الآيات
التالية، فتظهر البرهنة واضحة في النهاية: إذا كان الناس الأشرار يعرفون أن يعطوا
"العطايا الصالحة" لابنائهم، فكم بالحري الآب السماوي الذي هو الصالح وحده.
د- الاب يستجيب الصلاة (آ 9- 13)
1- تطبيق على مثل الصديق (آ 9- 10)
حين بيّن المثل طريقة عمل الله، دفع سامعي يسوع إلى صلاة جريئة واثقة ومداومة.
فالكلمات التي تلي، تقدّم النتيجة الطبيعية في أسلوب سام، وإن يكن يسوع قد تلفّظ
بها في ظروف أخرى، بما أنّ الله لا يستطيع في صلاحه إلاّ أن يسمع صلاة أبنائه،
فتصرّفوا كما تصرّف الصديق الذي قرع بيت جاره لينال خبزاً: إسألوا يُعطى لكم (الله
يعطيكم). أطلبوا تجدوا. دقّوا الباب يُفتح لكم (يفتح الله لكم). إن صورة الباب الذي
يُقرع تتماسك مع "وقاحة" الصديق في المثل. وصورة الطالب تشير إلى موقف الشحاذ الذي
لا ينال صدقة إلاّ إذا كان جريئاً وقرع الباب بعناد. والدرس الرئيسي هو درس لاهوتي:
لا شك في أن الله يستجيب الذين يدعونه. ويأتي الإستنتاج فيفرض نفسه: إذن صلّوا بثقة
وإلحاح.
2- مقابلة الأب والأبن (آ 11- 13)
عاد يسوع في بداية مثل الصديق المزعج إلى خبرة سامعيه اليومية: "من منكم" (آ5)؟ وها
نحن نجد هنا الأسلوب التربوي عينه: "فأيّ أب منكم"؟ في الحالتين يلقي السؤال النور
على الشخص المركزي عينه، على الله. ولكننا نقرّ أننا نرتاح حين نرى صورة الله في
وجه أب يجيب على طلب ابنه، لا في وجه صديق ينزعج من صديقه. غير ان النصّ يشدّد هنا
أيضاً على التعارض بكلمة "شرير" (آ 13) التي هي جوهرية من أجل مسيرة البرهان: "فإذا
كنتم أنتم الأشرار تعرفون كيف تحسنون العطاء لأبنائكم، فما أولى أباكم السماوي! انه
سيكون صالحاً تجاه الذين يسألونه". لا يذكر النصّ "شرّ" السامعين في حدّ ذاته، ولا
من أجل نيّة هجومية ضدّ الفريسيين، بل ليبرز صلاح الله الذي يسمّى "أباً": انه
الصالح والصالح وحده (18: 19 وز) وتجاهه كل إنسان هو شرّير (رج روم 3: 10- 18). وهو
الحق وتجاهه كل إنسان هو كاذب (روم 3: 4).
إذن، نحن دوماً أمام الدرس عينه: الآب يستجيب في صلاحه صلاة التلاميذ. لا تتحدّث آ
11-13 عن الثقة المستمرّة التي تنتج من هذا اليقين. ولكن، حين لم يقل المثل وتطبيقه
(آ 5- 10) أيّ شيء عن موضوع الصلاة، فإن مقابلة الآب الذي لا يعطي ابنه حية عوض
السمكة المطلوبة، ولا عقرباً عوض البيضة المطلوبة، تدفع يسوع بصورة طبيعية إلى أن
يخبرنا عمّا يعطي الله. قال متّى: يعطينا أشياء صالحة. وحدّد لوقا: يهب الروح
القدس.
نحن لا نرى إمكانية تطوّر التعبير من لوقا إلى لفظة متّى الغامضة وغير المحدّدة،
ولكن تحوّلاً أراده لوقا وهو إنجيلي الروح القدس والصلاة. هذا ما يبدو معقولاً
جداً. الروح هو قدرة تفعل وتحوّل، وهو شخص حي: انه أسمى "عطية صالحة" تؤمّن تقديس
الإسم في المستقبل (حز 36: 20- 28؛ رج 37: 14؛ 1 تس 4: 7- 8). إنه باكورة الملكوت
الذي نطلب مجيئه، وهو الذي يمنحه الآب لصلاة إبنه الحبيب (3: 21- 22) ويستعد أن
يرسله دوماً إلينا نحن أيضاً ليعلّمنا أن نحيا كأبناء ولنجعل صرخة أخينا الأكبر
صرختنا: أبا، أيها الآب.
وهكذا نرى تقابلاً بين تصحيح لوقا حين قال: أيها الأب، لا أبانا الذي في السماء،
وبين تصحيحه الآخر حين ذكر الروح القدس. وهكذا جعلنا في إطار ثالوثي. نصلّي مع
الإبن إلى الاب فننال الروح القدس.
خاتمة
حين قدّم يسوع لتلاميذه نموذج صلاة، سلّم إلينا نحن أيضاً صلاته البنوية الخاصة
المشدودة كلها نحو تمجيد اسم الله (يو 12: 28) وتتميم ملكوته. في هذا الضوء، تصبح
صلاة الطلب نفسها سجوداً وعبادة، فتستقي من كمال مخطّط الله اليقين بأنها ستستجاب
بصورة أو بأخرى. بعد هذا لن تظهر كبقيّة ديانة سحرية نعرّف بها الله بما نحتاج إليه
ونحصل منه بالإكراه على ما يجب أن ننتظره من المجهود البشري. هذه الصلاة تعبّر عن
ثقة التلاميذ بالله وتدرّبهم على هذه الثقة، كما تجعلهم فرحين أن ينالوا من الآب
القوة اليومية ليحصلوا على خبز يشاركون فيه الآخرين، أن ينالوا منه ما لا تستطيع أي
تقنية بشرية أن تعطيهم: الثقة بالحصول على الغفران، التغلّب على التجربة، الروح
القدس الذي يحوّل القلوب على مثال الإبن ويلهمهم صلاة الابناء. فيقولون: ابا، أيها
الأب ليتقدّس اسمك، ليأتِ ملكوتك.
الفصل الثاني عشر
يسوع وبعل زبول
أ- المعجزة: انتصار يسوع على الشيطان (آ 14 أ)
1- داخل الصعود إلى أورشليم
إعتاد لوقا في هذا القسم الطويل والمبتكر من إنجيله، الصعود إلى أورشليم (9: 51-
19: 28)، أن يعطي إشارات عن موضع المعجزة التي يذكر. أما متّى فيحدّد موقع هذه
المعجزة في الجليل (مت 12: 22- 29). لا نتأخّر في البحث كيف نوفّق بين المعطيين
الطوبوغرافيين. هناك من قال إن هذا التقسيم قد تمّ بعد أن "عزم على أن يتوجّه إلى
أورشليم" (9: 51)، ولكن قبل أن يعبر حدود الجليل (متّى). إنه حلّ لا يرضي كل
الأذواق.
ومهما يكن من أمر، يبدو أن لوقا، أو المرجع الخاص الذي استعمله في هذا المقطع،
يقدّم هذه الصعود إلى أورشليم في منظار محدّد. هو أكثر من مسيرة اتَّبعها يسوع
ليذهب من الشمال إلى الجنوب، من كفرناحوم إلى أورشليم. انها بالأحرى مسيرة لاهوتية.
لا شكّ في أننا أمام انطلاقة مادية تصل بنا إلى اليهودية. ولكن هذا الصعود يعني
خاصة صعود يسوع المنتصر إلى أورشليم. أورشليم هي المدينة التي تقتل الأنبياء (13:
34؛ 20: 47) وهي أيضاً مدينة صهيون الاسكاتولوجية، ومركز انتشار كلمة الله إلى
العالم كله (24: 47؛ أع 1- 2؛ غل 1: 18؛ 2: 1- 10).
تتواجه صورتان عن أورشليم. أورشليم الموت لأنها تعطي الموت وهي مهيّاة للموت (19:
41- 44؛ 21: 20- 24). وأورشليم الحياة لأنها تقبّلت بلاغ السلام (19: 41- 44، 47؛
21: 37) وحملته إلى العالم (24: 47، 49، 52). إنهما تتعارضان في مخطّط الله، ولكن
الواحدة ترتبط بالأخرى ارتباطاً سرّياً: الأولى تعارض الثانية وتسلّم المخلّص إلى
الموت، فتكون سبب انتصاره الفصحي.
بعد هذا، لن نطلب من الإنجيلي تحديداً طوبوغرافياً دقيقاً. فعبر ظاهر الشيء، نبحث
معه عن مدلول ديني ولاهوتي، ونتساءل كيف أن هذا التقسيم والجدال الذي يتبعه
يفهماننا فهماً أفضل صعود يسوع إلى موضع مجده. هذا مع العلم أن لوقا سيوضح في مكان
آخر العلاقة بين إخراج الشياطين والصعود إلى أورشليم. في 13: 32- 33 حيث السياق
والبرهان لا يبتعدان عن المقطوعة التي ندرس، نكتشف هذه العلاقة.
2- التقسيم علامة الإنتصار الفصحي واستباق له
معجزات يسوع هي بصورة عامة علامات عن ملكوت الله الفاعل. هي لغة لمن يعرف أن
يفهمها، كما يقول اغوسطينس. فالمسيح هو كلمة الله، وأعماله هي لنا كلمة وفعل. إذن،
يجب أن نسمعها كوحي عن الله يُسرّه في قلوب المؤمنين ويجعلهم يتذوّقونه في الصمت
والصلاة.
والمعجزة الواردة هنا هي من نوع خاص، لأننا أمام طرد شيطان وشيطان أخرس، لأننا أمام
تقسيم. وإذا أردنا أن نفهم مدلولها، ننظر إليها في إطار أوسع هو إطار صراع يسوع ضدّ
الشيطان. هذا ما يشكّل خلفية الإنجيل الثالث كله وبصورة خاصة الصعود إلى أورشليم.
بدأ هذا الصراع منذ بداية حياة يسوع، ولن ينتهي إلا مع ارتفاع ابن الإنسان على
الصليب وتدمير سيّد هذا العالم بعد أن سقط عن عرش اغتصبه.
لو خرج الشيطان منتصراً (4: 2 ي) بعد المواجهة الأولى، لعاود الكرّة (4: 13). وقد
قام انتصار يسوع هذا الأول على الشيطان برفض مسيحانية زمنية وسياسية، مؤلّفة من
الترف والمجد والقوة البشرية. كما قام بتأكيد واضح وقوي على اختيار نهائي لوسائل
الرسالة التي أرادها الآب والتي قاسمُها المشترك هو التواضع والفقر: الصوم، التأمّل
بكلام الله الذي يُعتبر طعاماً حقيقياً، الصلاة التي تمتدّ طويلاً في العزلة،
الخضوع لمخطّط الله.
هذا الإنتصار الأول يُلقي الضوء على التسلّط الذي سيمارسه يسوع فيما بعد على
الشياطين والأرواح النجسة. فإن كان ليسوع مثل تلك القوة وذلك السلطان عليهم (9: 1)،
فذلك يعود إلى أنه ينعم برضى الآب (3: 22)، أنه ممتلئ من الروح القدس (4: 1): بكلمة
واحدة من فمه، بالدعاء باسمه، يتحرّر الممسوسون ويُشفى المرضى (8: 28- 29، 32؛ 10:
17). وأمام مثل هذا السلطان الذي لا يقدر الشياطين والأرواح النجسة ان يقاوموه،
يستولي عليهم الخوف (4: 33 ي؛ 8: 28) وكأنهم فهموا أن يسوع جاء يضع حدّاً لملكهم،
وكأنهم رأوا فيه قوّة روح الله.
وفي الواقع، إن كل تقسيم يقوم به يسوع أو تلاميذه الذين أشركهم في سلطانه الروحي
(9: 1؛ 10: 19- 20؛ أع 5: 16؛ 8: 7)، كل تقسيم هو علامة تراجع مملكة الشيطان
واقتراب ملكوت الله (10: 18؛ 11: 1- 2). ولهذا يجعله الإنجيلي يرتبط ارتباطاً
وثيقاً بالكلمة التي تعلن مجيء الملكوت (6: 18- 19؛ 7: 21- 22؛ 8: 1- 2؛ 9: 2- 6)،
ويلاحظ ان الشيطان يهاجم الكلمة (8: 12) كما يهاجم الإبن نفسه.
وهكذا يُلقي طردُ الشيطان الأخرس الذي يورده لوقا، نوراً خاصاً على صراع يسوع
وانتصاره هذا.
وأخيراً، يجب أن نلاحظ بأي إيجاز تمّ هذا التقسيم. في هذا العمل الخارق بدا عمل
يسوع بسيطاً جداً وعظيماً جداً. إبتعد عن كل ظهور، فاكتفى ببضع كلمات، بفعلة، بلمسة
رمزية فانحلّت الألسن.
ب- ردّات الفعل لدى البشر (آ 14 ب- 16)
ربط لوقا بمعجزة شفاء الأخرس عناصر متنوّعة نجدها عند سائر الإنجيليين في سياقات
أدبية مختلفة. فمرقس (3: 22) مثلاً لا يحدّد موقع الجدال عن رئيس الشياطين بالنسبة
إلى معجزة محدّدة، بل يربطه بمجيء الكتبة من أورشليم. وإذا كان مت 9: 32- 34 قد جعل
هذا الجدال يبدأ بعد شفاء المتشيطن الأخرس، فهو سيستعيده ويمدّه الى ما بعد (مت 12:
22- 24) فيزيد عناصر لا نجدها عند لوقا. بالإضافة إلى ذلك، يختلف ترتيب الاخبار بين
متّى ولوقا.
إذن، نحن هنا أمام تجميع أدبي لعناصر منفصلة كرونولوجياً في رسالة المسيح
التاريخية. وقد تكون "دعوى الرياء" هي التي أشرفت على ردّات الفعل التي جمعها لوقا
أمام معجزات يسوع.
1- الجموع
نحن أمام الشعب المتميّز عن الكتبة والفريسيين والرؤساء. إنه يتعجّب، كما يقول
الإنجيلي (آ 14 ب). فدعوى اهل الرياء لا تعنيه، أقلّه في هذا المقطع.
2- المفترون
"لكن بعضهم قال..." (آ 15). حسب مر 3: 22، نحن أمام كتبة جاؤوا من أورشليم ففسّروا
عجائب يسوع على أنها معجزات شيطانية. لقد قامت مهمتهم التقليدية في الشعب بان
يكفلوا نقاء التقليد. إنصدموا أولاً بموقف يسوع الناصري من تقاليدهم، فانتهوا الى
معارضته بكل الوسائل بما فيها الإتهام والإفتراء المهين بأن فيه شيطاناً: وهذا
اسلوب استعملوه أيضاً مع يوحنا المعمدان (7: 33). إذن، يبدو اننا أمام تدخّل
الكتبة.
"ببعل زبول". ترجمت الشعبية اللاتينية: بعل زبوب أي بعل الذباب المذكور في 2 مل 1:
12، 3، 6، 16. ولكن هذا اللقب المحقر ينتج عن تلاعب في الألفاظ على كلمة تعني "بعل
الأمير" الذي سيسمّيه التقليد اليهودي المتأخر: أمير الشياطين.
3- وطلب آخرون آية من السماء
وأقحم لوقا آ 16. ثم إن الجواب في آ 17 يتجاهل ما طلبوه في آ 16 ويحتفظ بالرأي
المذكور في آ 15. فإن ألغينا آ 16 وجعلناها (كما يقول بعض الشرّاح) بعد 11: 29 نحصل
على تواصل كامل بين آ 15 وآ 17. فالمقابلة مع مت 12: 24- 25 ومر 3: 22- 23 تسند هذه
الطريقة في النظر إلى الأمور. إلا أننا نظنّ أننا لسنا هنا أمام زلقة وقعت بالصدفة،
بل أمام هدف أراده لوقا ليهيئ منذ الآن، وحسب عادته الأدبيّة (رج 21: 37؛ 22: 39) آ
29- 32. إذن ادخلت آ 16 في هذا المكان كعنوان ثانٍ مسبَّق.
من هم هؤلاء المقاومون الجدد؟ لم ينكر الأولون طرد الشياطين. إعتبروا انه يجب أن
يُنسب إلى بعل زبول. أما هؤلاء فاعلنوا أنهم غير راضين عن معجزات تمّت على مستوى
الأرض: فالبرهان الساطع الذي يطلبونه والذي وحده يدلّ على صدق المسيح المنتصر، يجب
أن يأتي من السماء (رج يو 2: 18؛ 6: 30). وقد تتضمّن هذه العلامة (الآية من السماء،
هذا في فكرهم) إشارة اسكاتولوجية (21: 11؛ رؤ 6: 12). حسب مرقس (8: 11)، نحن أمام
الفريسيين. حسب متّى (16: 1- 4)، أمام الفريسيين والصادوقيين. نفضّل مرقس الذي يبدو
أكثر دقّة. ثم ان لوقا يميّز أيضاً بين الفريسيين (11: 39- 44) والكتبة (11: 45-
52) حين يتّهمهم يسوع بأنهم يُهملون العدل ومحبة الله... أما في المقطع الموازي،
فإن مت 23 يخلط بين الفئتين داخل توبيخ واحد: "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون".
ومهما يكن من أمر، فكل هؤلاء المقاومين ينتمون إلى "الجيل الشرير" (11: 29، 51).
إختفت ردّة الفعل عندهم. ولكن حين يعبّرون عنها فإنهم يربطونها بمعجزة محدّدة. وبعد
أن جعل لوقا الأشخاص كلاً في مكانه، بدأ يحدّثنا عن تصرّف المسيح تجاههم.
ج- يسوع تجاه ردّات الفعل عند البشر
"أمّا هو فعرف أفكارهم وقال لهم..." (آ 17 آ)
لا يبدو يسوع مربّياً ينظر إلى الأمور من الخارج، ويحسب حساب فعلات وأقوال مادية
أظهرها محاوروه. لا. فلوقا يشدّد مرّة أخرى (9: 47) على أنّ المعلّم يلج الى القلوب
بسلطته السامية.
1- المثل الأول: كشف القلوب (آ 17 ب-18)
أولاً: معنى المثل واضح منذ الوهلة الأولى: ان صورة بيوت ينهار بعضها على بعض تدلّ
بصورة عامّة على الخراب الذي يرافق موت السكان (13: 4؛ 20: 18؛ 23: 30). وحين طبّق
يسوع هذا المثل على الشيطان، برهن عن طريقة العبث، ان ما يتهمه به أعداؤه باطل هو:
"فإن كنت ببعل زبول أطرد الشياطين، فبمن يطرده أتباعكم" (آ 19 أب)؟
لقد لجأ يسوع الآن إلى برهان نسبي. يقبل محاوروه بالتقسيمات التي يمارسها أبناء
دينهم، ولكنهم معلّمو هؤلاء المقسمين. هؤلاء المقسّمون هم "أبناؤهم" وهذا ما يدلّ
على العلاقة الروحية بين المعلّم والتلاميذ.
ولا يرفض الكتبة نشاط هؤلاء المقسّمين، ولا يتّهمونهم بالكذب أو بالتوافق مع العدو
الأكبر (الشيطان)، حتى وإن استعملوا وسائل لاستمالة الشيطان (كما يقول يوسيفوس في
القديميات اليهودية)، أو دعوا باسم يسوع (أع 13: 18؛ رج لو 9: 49). بعد هذا، أجبر
المفترون على يسوع أن يعوا نوعية "قلبهم": إنهم يحكمون على الأمور بمكيالين
ومقياسين بالنسبة إلى أتباعهم أو بالنسبة إلى ابن الإنسان. لماذا؟ بسبب نوايا
قلوبهم السيّئة.
ولكن يسوع المربّي الأسمى لم يعتد أن يترك محاوريه في جوّ من الخزي المرّ. لهذا
سيدعوهم إلى التفكير في موضوع يهمّهم، في موضوع على مستواهم.
ثانياً: تربية العقل
"فبمن يطرده اتباعكم" (آ 19 ب)؟ يعتبرون أن اصبع الله يعمل عبر عمل المقسّمين.
فلماذا لا يطبّقون الحكم عينه على عمل يسوع المحرّر والذي يعمل بسلطان لا سلطان
فوقه؟ وإذ أراد يسوع أن يساعد عقولهم المتردّدة، أبان بخفاء النتائج الخطرة التي
يجرها رفضهم التعلّق بالحق، وعدم التزامهم. ولهذا يقول يسوع: "لذلك هم يحكمون
عليكم" (آ 19 ج).
الفعل هو في المضارع. هل نحق أمام مستقبل اسكاتولوجي؟ في هذه الحالة يشير يسوع إلى
الدينونة الأخيرة. ولكن إن كنّا في مستقبل تاريخي قد بدأ منذ الآن، نفهم أن
المقسّمين اليهود الذي يعملون مثله (9: 49) يشهدون ليسوع: فالغلبة التي يحصل عليها
إله إسرائيل بهم تعلن الإنتصار الكامل الذي يحرزه الإبن الوحيد (أع 19: 13).
وسيدفع يسوع محاوريه إلى أبعد من هذا. لن يترك قلوبهم وعقولهم وإراداتهم معلقة، بل
يقودها إلى النهاية، إلى وحي ملكوت الله من أجلهم.
ثالثاً: إعلان ملكوت الله (آ 20)
نحن هنا في ذروة النص. إحتفظ لوقا بعبارة "إصبع الله" فظلّ أميناً للتعابير
الساميّة مثل متى (12: 28) الذي استعمل عبارة "روح الله". فالتعبير السامي القديم
يشير إلى المعجزات التي اجترحها موسى حين الخروج من مصر (خر 8: 15؛ تث 9: 10) أو
حين دوّنت ألواح الشريعة في سيناء (خر 31: 18).
كان باستطاعة التقارب مع خر 8: 15 أن يدلّ الكتبة المتعمّقين في الكتب المقدّسة،
على عدد من التطبيقات. فسحرة فرعون العاجزون تعرّفوا إلى إصبع الله الفاعل في موسى:
أما كان يجب عليهم أن يفعلوا مثلهم؟ أما يكون يسوع موسى الجديد، والنبي العظيم الذي
يعمل بإصبع الله (13: 33)؟ عاند فرعون، وهذا الجيل الشرير يعاند أيضاً. كم من
التشابهات التي تدعو معارضي يسوع أن يروا فيه ذلك الذي أرسله الله لكي يحرّر شعبه،
أن يقرأوا في انتصاره على الشيطان علامة عن مجيء ملكوت الله (7: 2).
2- المثل الثاني: يسوع هو الأقوى (آ 21- 22)
أولاً: إن الرجل القوي والمسلّح والمؤمّن على نفسه في قصره المحصّن هو بعل زبول مع
ملكه وسيادته على العالم. والذي يأتي فيكون أقوى منه ويتغلّب عليه هو يسوع "الذي
جاء ليهدم أعمال إبليس" (1 يو 3: 8 ب).
يستلهم هذا المثل أش 49: 24- 25 حيث نرى ان تدخّل الله وحده يفسّر دمار محارب لم
يُقهر قبل ذلك الوقت. إذن، يتيح لنا النصّ الذي ندرس أن نستنتج أن قوة يسوع
متعالية، وهذا ما يفترضه الخيار الذي سنتحدّث عنه.
ثانياً: الخيار الحاسم (آ 23)
لاحظ الشرّاح مراراً الطابع الخارق والمتطرّف لمتطلّبة يسوع تجاه أي شخص كان. لا
يستطيع أحد أن يبقى على الحياد أمام ما يطلبه يسوع من كل واحد، وأمام هدف الصراع
بين المملكتين. يجب أن نختار مع يسوع أو ضدّ يسوع الذي يقدر وحده أن يغلب إبليس.
"من لا يجمع يبدّد". قد تشير الصورة الى الحصاد الاسكاتولوجي (3: 17) كما تشير إلى
عمل الراعي مع قطيعه. وهي تدلّ بصورة مباشرة على رؤساء إسرائيل الروحيين، على
الكتبة الذين يُدعون إلى اتخاذ موقف مع المسيح، وإلاّ شتّتوا القطيع الموكل أمره
إليهم وعملوا عمل إبليس.
3- المثل الثالث: تنبيه وتحذير (آ 24- 26)
قد فُسّر هذا المثل تفسيرات عديدة، ولكن تفسيراً لم يفرض نفسه. الصعوبة الأولى تأتي
من الفن الأدبي أو الفنون الأدبية التي يرتبط بها هذا المقطع. تحدّثنا عن "المثل
الثالث" فاستبقنا التفسير الذي يبقى علينا أن نبرّره ونحدّده.
نبعد التفسير التعليمي، لأنه يبدو واضحاً أنّ يسوع لا يعالج عوائد الروح النجس، مع
أن هذا العنصر أو ذاك ينتمي إلى التراث العام في تعليم اليهود التقليدي. مثلاً:
إقامة إبليس في البرية. فإذا افترضنا أننا أمام تعليم مباشر عن طريقة تصرّف
الشياطين، نستنتج أنّ كل تقسيم يحمل اضراره، لأنه يعرّض الإنسان إلى عودة الروح
وهجوم آخر له نتائج أخطر من "الإمتلاك" الذي نجا منه الإنسان مرّة أولى.
إذن، نحن أمام قطعة ذات طابع مثالي. إذن، لن نعطي لكل كلمة وكل صورة معنى خاصاً.
وهكذا نحتفظ من هذه المقابلة بالفكرة الأساسية: عودة الشيطان لكي يؤذي من جديد.
ولكن من هو الإنسان (مع ألـ التعريف في اليونانية) الذي يصبح عن طريق الإستعارة
"البيت"، وفي رأي الشيطان "بيتي"؟ نحن هنا أمام عناصر ترتبط بفن الإستعارة، وتتطلّب
بالتالي انتباهاً خاصاً إلى كل تفصيل، وهذا عكس العناصر السابقة. من جهة أخرى، إن
هذا المثل الذي أدخل فيما بعد في مت 12: 43- 45، قد سبقه التجديف على الروح (آ 31-
32) والكلمات عن القلب (آ 33- 37) وآية يونان (آ 38- 42). هذا المثل جعله لوقا قرب
المثل الثاني وربطه به.
لهذا نقدّم التفسير التالي: هذا الإنسان الذي يجد نفسه منعزلاً، لا دفاع له ولا
مسيح، ساعة عودة الروح النجس مهاجماً، هذا الإنسان يمثّل "هذا الجيل الشرير" (11:
29، 32، 51- 52). وقد سمّي كذلك لأنه لم يتّخذ موقفاً (لم يختر) من ذلك "الذي يطرد
الشياطين بإصبع الله" (آ 23)، ولأنه أخطأ ضدّ الروح القدس (12: 10؛ مت 12: 32).
ورفضُ الإلتزام هذا يهيئ دماره. فقد طُلب منه أن يقود إسرائيل إلى معرفة الله، فرفض
الدخول إلى الملكوت ووقف حاجزاً بوجه الناس ليمنع الذين يريدون الدخول (11: 52).
بهذا الخيار، توجّه نحو العزلة الرهيبة (13: 35؛ 14: 24) التي هي الأرض المفضّلة
للروح النجس. وما يؤكّد هذا التفسير هو قول يسوع الواضح في مت 12: 45: "وهكذا يكون
مصير هذا الجيل الشرير".
ولكن هذا الإنسان الذي يمثّل "هذا الجيل الشرير"، قد شُبّه أيضاً ببيت نظيف ومرتّب،
ومحرَّر من الروح النجس. هنا نعود إلى فكرة المثل الثاني (آ 21). وجد إسرائيل نفسه
مدعوّاً إلى أن يختار شخص يسوع (11: 23) في فعل إيمان شخصي وحرّ، فعل بدونه لن يتمّ
شيء. إما رفض إسرائيل فهو سيعارض في الوقت عينه يسوع، سيكون وحده، سيكون "هذا الجيل
الشرير". هو لا يجمع من أجل الحصاد الاسكاتولوجي، لا يجمع مع الراعي قطيع الله، بل
يبدّد ويشتّت. وبما أنّ هذا الجيل الشرير لم يعد بجانب الرجل القوي الذي يعمل فيه
اصبع الله، فسيجد نفسه من دون دفاع ساعة يعود الروح الشرير ويهاجمه. وهكذا يضع يسوع
محاوريه، في نهاية هذا المثل الجديد، أمام نتائج يتعرّضون لها حين يرفضون أن يؤمنوا
بالمسيح.
ونلاحظ أخيراً التدرجّ في خطورة النتائج المرتقبة: وُضع الكتبة أولاً أمام إمكانية
حكم يصدره عليهم أبناؤهم، أتباعهم (11: 19). بعد هذا يُنبّهون إلى أنهم قد يصبحون
ضحيّة عودة الروح النجس الذي يهاجمهم. وقد يقيم فيهم بصورة نهائية. لا ننسى القيمة
الرمزية للرقم 7 الذي يدلّ على شرّ الأرواح الشريرة وأعنفها.
أمّا تلميذ يسوع، إسرائيل الجديد، فهو لا يهتمّ برجوع الشيطان المهاجم، بل بحياته
الحميمة مع معلّمه، الذي هو الأقوى، الذي فيه يعمل اصبع الله. إنه يُقيم في الحبّ،
إنه يجمع الخراف مع يسوع.
خاتمة (آ 27- 28)
هناك تطويبتان. الأولى تُنشد عمل يسوع من أجل قدرته العجائبية، ومن أجل سيطرته على
الحوار مع الكتبة. إن المرأة التي تلفّظت بها تمثّل الكنيسة الأولى. والتطويبة
الثانية تعلن سعادة الذين آمنوا بوحي الله ووضعوا موضع العمل المتطلّبات التي
يفرضها هذا الوحي. نحن في التطويبة الأولى في خطّ معاكس لهؤلاء الذين رفضوا أن يروا
في عمل يسوع إصبع الله. وفي التطويبة الثانية ضدّ الجيل الشرير الذي رفض أن يؤمن
بيسوع ويكون له تلميذاً. ولهذا ترك لهم بيتهم خراباً (مت 23: 38).
الفصل الثالث عشر
تقبل كلمة الله
11: 27- 28
أ- السياق
هاتان الآيتان الخاصتان بالإنجيل الثالث، تتبعان حالاً حدث جدال بين يسوع وخصومه.
طردَ يسوع شيطاناً من إنسان فتعجّبت الجموع. أما الخصوم فاعتبروا نفوسهم أنهم أمام
تدخّل بعل زبول، رئيس الشياطين. فقدّم لهم يسوع جواباً موسّعاً: كل مملكة منقسمة
على ذاتها تخرب. وطرد الشياطين يدلّ بالأحرى على تدخّل الله ومجيء الملكوت. ولكن
يجب أن ننتبه، فقد يعود الروح النجس أقوى ممّا كان.
وبعد هذا تأتي المقطوعة التي ندرس والتي جعلناها في خاتمة الفصل السابق. رأى فيها
الإنجيلي مثلاً طيّباً عن سموّ تعليم المسيح وإشارة واضحة تدلّ على يسوع باني
الملكوت.
ب- الفن الأدبي
إن هذه المقطوعة، وإن قصيرة، تشكّل نموذجاً لفنّ أدبي متواتر في الأناجيل الإزائية
(5: 1- 11 وز؛ 5: 29- 32 وز؛ 6: 1- 5 وز...). هناك قول تفوّه به الرب فذكره
التلاميذ. وهو يقدّم في إطار خبر موجز أو مرسوم رسماً سريعاً. يُوضع القول عادة في
نهاية المقطوعة فيكون بارزاً ويشكّل ذروة المقطوعة. ويكون الخبر في خدمة القول
ويشكّل له إطاراً. يكون الخبر مناسبة لإيصال كلمة يسوع الى القارئ. كل هذا يشكّل
وحدة كاملة لها معناها الكامل، ويقدّم درساً له قيمته في ذاته. قد تكون هذه الوحدة
الصغيرة وُجدت في البداية منعزلة ثم انتقلت في التقليد الشفهي السابق للإنجيل،
إنتقلت إنتقالاً مستقلاً ولم يربطها أي شيء بالسياق الحالي.
"وحصل، وكان...". إذ كان يسوع يقوله هذا (إذ كان يتكلّم هكذا). (واحد) رفع صوته
(فتح فمه وبادر إلى الكلام) قال... ولكن (يسوع) أجاب... هذه العبارات في المقدّمة
أو في الرباطات المقولبة تتكيّف مع سياقات مختلفة.
ان المديح الذي تلفّظت به امرأة إكراماً لأم يسوع يتوافق مع أمور أخرى أشار اليها
لوقا. ولكن جوهر الخبر هو في ما بعد المديح.
أمّا قمّة المقطوعة فهي قول المعلّم الذي يعلن بصورة واضحة جداً تطويبة سامية.
طوبى... بل طوبى. لا يرذل المسيح المديح الذي تلفّظت به المرأة، بل يستفيد من الظرف
ليعلن درساً أسمى يستفيد منه السامعون كلّهم. لا يكفي أن نتعجّب أمام تعليم يسوع
المدهش، بل علينا أن نوافق حياتنا مع هذه الكلمة التي يعلنها من قبل الله.
هذا النوع من الأجوبة يوافق طريقة يسوع في الكلام. ثم إن التطويبتين في آ 27- 28
تجدان ما يوازيهما ويشهد لصحّتهما. وهكذا بنى الإنجيلي كلامه على أساس متين فجاءت
المقطوعة صادقة في معناها. أما المبنى (أي القول في صورته النهائية) فيعود إلى
مرحلة الكرازة الرسولية وهو ينطبع بطابع الإنجيلي الخاص الذي لا شكّ فيه: ونلاحظ
فيمك نلاحظ العبارة العامة "كلمة الله" التي تدلّ على تعليم يسوع كما نلاحظ توجيه
القول من أجل الإرشاد في الكنيسة، وتخفيف جواب المعلّم في معنى يدلّ على عظمة أم
يسوع.
1- تطويبة أم يسوع (آ 27)
على أساس الحدث السابق، أثارت صحّة أجوبة يسوع وحكمته وسموّ تعليمه، إعجاب الناس.
هذا ما يشير إليه لوقا مراراً (4: 15، 22؛ 5: 26؛ 7: 16؛ 8: 25...). وعبّرت إمرأة
باسم الجمع عما شعرت به حيال يسوع: نظرت إلى الأمور تلقائياً من زاويتها كإمرأة
ففكّرت بأم يسوع، وبان لها الحق أن تفتخر لأنها ولدت مثل هذا الإبن. وأصاب المديح
يسوع وأمه معاً. هذا الشكل من التهنئة الذي يعود إلى الأم (أو الوالدين أو الأجداد)
فيدلّ على سعادتها كان معروفاً في العالم اليهودي كما لا يزال معروفاً في محيطنا
الشرقي. مديح عائلي أحسّت به المرأة. ولكنه مديح سهل. ولهذا سيضع يسوع النقاط على
الحروف.
يأخذ تعجّب المرأة شكل (الفن الأدبي) تطويبة، ويتضمّن شقّين متوازيين وضعتهما يد
معلّم. هذا ما نجده أيضاً في 23: 29: "طوبى للعواقر، طوبى للبطون التي لم تحمل
وللأثداء التي لم ترضع". وفي إنجيل الطفولة أورد لوقا في كلمات التطويب أو المباركة
مديحاً وجّهته اليصابات إلى أم المسيح: "مباركة أنتِ في النساء ومبارك ثمرة بطنك...
هنيئاً لك" (1: 42- 45). ثم نشيد التعظيم الذي قالت فيه مريم إن الأجيال تطوّبها
(تهنّئها) بسبب تدخّل الله العجيب فيها (1: 48). لقد اهتم لوقا اهتماماً خاصاً بهذه
التطويبات التي تمتدح أم المسيح وتهنّئها بالمولود الإلهي.
2- تقبّل كلمة الله (آ 28)
أولاً: إنتقالة
لم ينكر يسوع امتياز مريم، ولكنه أراد أن يتجاوز مستوى القرابة الطبيعية (قرابة
اللحم والدم) ليقدّم للجموع المهيّاة درساً سامياً وذا بعد شامل.
إعتاد يسوع أن يقدّم أجوبته على هذه الصورة في مقاطع إنجيلية أخرى مبنيّة بحسب
الرسمة عينها: يقترب شخص من المعلّم ويقول له كلاماً حول موضوع ملموس وهو ينتظر
موافقته. فيجيب يسوع موجّهاً الإنتباه إلى مستوى أعلى، فيدلّ بصورة واضحة أو ضمنيّة
أن محاوريه لم يفهموا كل الفهم واقع رسالته (رج 9: 51- 56؛ 10: 38- 42؛ 12: 13- 21؛
20: 20- 26).
ونجد الموازاة الأقرب الى النص الذي ندرس، حدث قرابة يسوع الحقيقية. نقرأ هذا الحدث
في الأناجيل الإزائية الثلاثة (8: 19- 21؛ مت 12: 46- 50؛ مر 3: 32- 35). ولكن لوقا
يختلف عن متّى ومرقس فيلغي السؤال القاطع: "من هي أمي، من هم إخوتي"؟ يبدو هذا
السؤال وكأن يسوع يحسب قرابته البشرية وكأنها لا شيء. ولكن هذا هو ظاهر الكلام فقط.
وانفصل لوقا عن متّى ومرقس أيضاً حين ترك عبارة "عمل إرادة الله" كما قال مرقس، أو
"عمل إرادة الاب الذي في السماوات" كما قال متّى، واحلّ محلّها. "يسمع كلمة الله
ويعمل بها". عبارة يحّبها بسبب الأهمية حول القرابة الحقيقية بعد مثل الزارع الذي
موضوعه مصير كلمة الله: فالقرابة الحقيقية توافق فئة السامعين الأخيرة "الذين
يسمعون كلام الله ويحفظونه بقلب طيّب مطيع" (8: 15). ونقول الشيء عينه عن 6: 46.
كتب لوقا: "لماذا تدعونني: يا رب، يا رب، ولا تعملون بما أقول"؟ أمّا متّى فقال:
"ليس كل من يقول: يا رب، يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل إرادة أبي الذي في
السماوات" (مت 7: 21).
وهكذا نحصل في حدث القرابة على قول قريب ممّا في المقطع الذي ندرس مع الحفاظ على
تعارض واضح بين كلام الله وقرابة اللحم والدم: "أمي واخوتي هم (لا حسب ما تظنّون
أنتم) الذين يسمعون كلام الله ويعملون به" (8: 21).
ففي هذا النصّ الذي لا يرتبط بالتقليد المشترك، الغى لوقا كل ظاهرة تعارض. هو لم
يُرد أن يعارض المديح الموجّه إلى مريم، فبدأ كلمة يسوع بأداة إنتقال (مانون) التي
تدل على تدرّج لا على نقض. نعم. ولكن هنيئاً بالأحرى، هنيئاً بصورة خاصة: إن مريم
أم يسوع، هي الأولى التي تدلّ على صدق تهنئة المؤمنين السامية. كان لوقا قد بيّن في
بداية إنجيله تعلّق مريم الكامل بكلام الله: حين قبلت بلاغ الملاك في البشارة (1:
38، 45)، وحيت احتفظت في قلبها بالأحداث التي كانت تمثّل بالنسبة إليها لغة السماء
الحامل السرّ الإلهي (2: 19، 51). فبين الذين يسمعون كلام الله ويعملون به، كانت أم
يسوع الأولى، ولم يسبقها أحد. هذا ما شدّد عليه لوقا.
ثانياً: كلام الله
إنّ "كلام الله" يدلّ هنا على تعليم المسيح في المعنى الواسع. وهكذا يكون المعنى كل
مرّة يستعمل لوقا هذه العبارة في إنجيله. مثلاً في 5: 1: "إزدحم الناس ليسمعوا كلام
الله" (رج 8: 11، 21).
ثم إن حركة الخبر تفرض أيضاً هذا التفسير. فطريقة يسوع في الكلام (وبينما هو
يتكلّم) أثارت الإعجاب، فوصل هذا الإعجاب إلى مريم. حينئذ أعاد يسوع الإنتباه إلى
تعليمه وزاد: لا بأس بالإعجاب ولكنه لا يكفي. مثل هذا التعليم يتطلّب أكثر. انه
يتطلّب طاعة الإيمان. ففي يسوع يتكلّم الله نفسه كما تكلّم في الماضي عبر الأنبياء.
في الأصل طبّقت العبارة على تعليم الأنبياء ثم اتسعت فشملت كل وحي العهد القديم.
ويحبّ لوقا أن يقدّم يسوع على أنه النبي (4: 24 ي؛ 7: 16، 39؛ 9: 8، 19؛ 13: 33):
هو يكشف رحمة الآب ومجيء الملكوت وموهبة الروح القدس، وبمختصر الكلام هو يكشف بداية
الخلاص لكل الناس من ذوي الإرادة الصالحة. ويدلّ أيضاً على المتطلّبات التي يتضمّن
هذا التعليم: تجرّد جذري، الفقر، الصلاة المستمرة، التواضع، المحبّة الشاملة.
فتعليم المسيح النبوي هو في نظر لوقا جزء من عمل خلاصه.
وينظر الإنجيلي الثالث إلى "كلام الله" الذي يعلنه يسوع، ينظر إليه في هذه الإشارات
على أنه حدث مسيحاني وواقع اسكاتولوجي. نتذكّر هنا خاصة 8: 11: "الزرع هو كلام
الله" كلام زرعه المسيح الآن وهو يتضمّن بذار الملكوت أي الخلاص والخيرات
الاسكاتولوجية. وكرازة المخلّص تدخل هذا الواقع المسيحاني في قلب السامعين وهو ينمو
ويثمر بوفرة بفضل استعداداتهم الطيّبة.
ثالثاً: إمتياز سامعي المسيح
إن مضمون هذا القول يوجّه أفكارنا إلى نصوص متوازية تعلن بشكل تطويبة امتياز شهود
المسيح. في 10: 23- 24: "طوبى للأعين التي ترى ما ترون" (زاد مت 13: 16: "طوبى
لآذانكم لأنها تسمع". سيتحدّث لوقا عن السماع في الآية التالية). أقول لكم: "كثير
من الانبياء تمنّوا أن يروا ما أنتم ترون فلم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون فلم
يسمعوا".
ويقدّم لنا العالم اليهودي أقوالاً مشابهة تعظّم امتياز معاصري "المسيح الآتي"،
وتشدّد على سعادة الذين سيعيشون هذه الأحداث التي ينتظرها الإيمان بشوق.
"طوبى للذين يسمعون كلمة الله". يؤكّد قول المسيح في هذه الألفاظ بداية تحقيق الحدث
المسيحاني وامتياز معاصريه: المسيح هو هنا. الآن جاءت الكلمة التي تتضمّن بذار
الملكوت. طوبى للذين ينعمون بهذه الكرازة.
وهكذا تتضمن 11: 28 بلاغاً إنجيلياً وإعلاناً مبدأياً عن الحقبة المسيحانية التي
بدإت تتحقق من إجل سامعي يسوع.
رابعاً: أمانة للكلمة المسموعة
وينتهي قول المسيح في معنى أخلاقي، وعلى هذا المعنى يشدّد.
فالجمع بين المفردتين: "سمع، حفظ" يرتبط بأزواج من المفردات البسيطة التي تتحمّل
عدة اختلافات: قال وعمل (أو: لم يعمل). سمع قولاً وفعل (أو: لم يفعل). عرف وحقّق.
النظري والعملي. نقرأ مثلاً في مت 23: 3 عن معلّمي الشريعة والفريسيين: "يقولون ولا
يفعلون". وفي روم 2: 13: "ليس الذين يسمعون كلام الشريعة هم الأبرار عند الله، بل
الذين يعملون بأحكام الشريعة هم الذين يتبرّرون" (رج 2: 17- 24؛ يع 1: 22- 25؛ 1 يو
3: 18).
والنصوص الموازية تلقي الضوء على هذه الفكرة. أعلنت "الخطبة التدشينية" مجيء
الملكوت وأفصحت عن شرعته. وعرض 6: 47- 49 (= مت 7: 24- 27) الخاتمة: من يسمع كلمات
المعلّم هذه ويحفظها، قد أسّس بيته على الصخر. وبكلام آخر، اتخذ الموقف الذي يفرضه
مجيء الملكوت وهو متأكّد من الحصول على خيراته.
ويفسّر 8: 11- 15 (= مت 13: 18- 23) مثل الزارع. هناك أربعة احتمالات. في كل مرة
نتقبّل الزرع، نسمع كلام الله. ولكن فئة السامعين الأخيرة حصلت وحدها على الكلمة
بقلب مستعدّ، وحفظتها وداومت على العمل بها. عند هؤلاء وحدهم أثمرت كلمة الله التي
هي زرع الملكوت، أثمرت مئة ضعف.
ويقابل الدرس المذكور في 11: 28 ما نجده بصورة موسّعة في نهاية خطبة الجبل أو تفسير
مثل الزارع: العمل بالكلام الذي نتعمّق بسماعه.
وهذا القول يترجم الدرس بصورة موجزة وبشكل مطلق. تعبير بسيط تكوّن في بداية
الكنيسة، يوم أخذت عبارة "كلام الله" معنى تقني فدلّت بصورة عامة على كرازة الرسل،
على التعليم (البلاغ) المسيحي، على إنجيل الخلاص في المسيح (نداء أولي أو تعليم
موسّع) (رج أع 4: 31؛ 6: 2؛ 8: 14... نجد كلمة الرب، كلمة الخلاص...): إنه امتداد
لكرازة المخلّص نفسه وقد ارتدى تعليم المسيح والكنيسة سلطة الله وبعداً
اسكاتولوجياً، فطلب جواب الإيمان الذي يتصوّره إيماناً فاعلاً وممارسة للفرائض او
التوصيات التي يتضمّنها هذا التعليم الموحى. والتطويبة التي نجدها أيضاً في يو 13:
17 (إن عرفتم هذا هنيئاً لكم إن عملتم به) ورؤ 1: 3 (هنيئاً للذين يسمعون هذه
الأقوال النبوية ويعملون بما كتب فيها؟ رج 22: 7) (أي الخلاص، الملكوت) ترتبط بموقف
القبول أو الرفض لدى السامعين. فمن قبل أن يؤمن صارت له كلمة الله (أي الإنجيل) قوة
خلاص إلهي.
هذا هو المعنى الأساسي لقول المسيح. إنه يذكّرنا بامتياز السامعين للتعليم المسيحي،
كما يعيد إلى أذهاننا تحريضاً على الإيمان والطاعة.
وعلى هذا المعنى الأساسي تتطعّم معانٍ ثانوية ترتبط بالمناخ اللوقاوي الذي وجد فيه
هذا القول.
أولاً: إشارة أخلاقية مع فعل "أكوو" الذي يعني سمع ويعني أصغى بانتباه. إزدحم الناس
ليسمعوا (5: 1)، واقبلت الجموع لتسمع (5: 15؛ رج 6: 18، 47؛ 8: 8). ولكن في 10: 39،
جلست مريم، أخت مريم، عند قدَمَيْ المعلّم تصغي إلى كلامه بانتباه، في موقف ديني،
وحصرت نفسها في هذا السماع وهي متأكدة أنها نالت النصيب الأفضل.
ثانياً: إختار لوقا فعل "حفظ" (فولاسو) لا فعل "صنع" (بوياين) الذي نجده في 6: 46،
47، 49؛ 8: 21، لأنه يتحمّل معاني عديدة. المعنى العام: حفظ. نفّذ كلمة أو أمراً.
وبعد هذا احتفظ في العقل، في الذاكرة. من هنا: تأمّل، شاهد (وهناك أيضاً حفظ
الوديعة، احتفظ من الشرّ). فكلمة الله تُحفظ في كل السلوك العملي. ولكننا نحتفظ بها
في أعماق النفس، في القلب حيث زُرعت، وحيث يجب أن تنمو وتثمر دون أن تخنقها الهموم
والملذّات والغنى (رج 8: 14). وتُحفظ في العقول بعناية ومحبّة كموضوع مشاهدة في
مجهود يُعمل الفكر ويتعمّق فيه (2: 19، 51؛ رؤ 1: 3؛ 22: 7- 9). وتصبح الطاعة مع
الدينامية الداخلية لكلمة الله فينا، فتلهم الحكم وتنعش العمل. من حفظَ الكلمة
صيّرها جزءاً منه، "هضمها"، عاش منها في ملء الإيمان.
ثالثاً: وأخيراً يتضمّن فعل "حفظ" إشارة الى الإستمرار والديمومة. فكّر لوقا
بالمداومة في الإيمان، بالأمانة رغم المحن والصعوبات اليومية. هو يلوم الذين يؤمنون
لوقت معيّن ثم يتراجعون في ساعة المحنة. "أمّا الذي وقع في الأرض الطيّبة فهم الذين
يسمعون كلام الله ويحفظونه بقلب طيّب مطيع ويثمرون بثباتهم" (8: 13، 15). الفئة
الأولى تتراخى وتتراجع، الفئة الثانية تثبت وتداوم على العمل بكلام الله.
في هذا الخط نقرأ: "يحمل صليبه كل يوم" ("كل يوم" خاصة بلوقا). يجب أن نصلّي
باستمرار (11: 5- 8). يجب أن نداوم على الصلاة بلا ملل (18: 1- 8، خاص بلوقا). رج
أيضاً أع 11: 23 (الأمانة للرب بكل قلوبهم)؛ 13: 43 (الثبات في نعمة الله)؛ 14: 22.
وهناك نداء الى السهر والصبر في سفر الرؤيا (1: 3؛ 3: 8؛ 12: 17) يلتقي وكلام
القديس لوقا.
وهكذا يريد لوقا إيماناً يذهب إلى النهاية ويتحلّى بالإنتباه والعمل بالأمانة. في
هذه الروح ضمّ الطاعة (عمل بإرادة الله) الى موقف إيمان كامل (حفظ كلمة الله).
وسيستعيد يوحنا التحريض لحفظ كلام (وصايا) الله أو المسيح. هكذا نشهد على محبتنا
لله: "إذا كنتم تحبّوني عملتم (حفظتم) بوصاياي" (يو14: 15؛ رج14: 21، 23، 24؛ 15:
10؛ 1 يو 2: 5؛ 5: 3). حفظُ الوصايا هو عربون معرفتنا للمسيح وإقامتنا فيه: "من
أحبّني سمع كلامي ونجيء إليه ونقيم عنده" (يو 14: 23). "من عمل بكلامه اكتملت فيه
محبّة الله حقاً" (1 يو 2: 5؛ رج 3: 24). وهو ينبوع الحياة الأبدية. قال يسوع "من
يسمع لي ويؤمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية" (يوه: 24؛ رج 8: 51- 52). فالمسيح
نفسه حفظ كلام الاب وثبت في محبّته (يو 8: 55؛ 15: 10). فماذا يبقى للتلاميذ أن
يعملوا؟
خاتمة
كلّمنا الله بالأنبياء وفي الأزمنة الأخيرة بابنه وكلمته الشخصية. ووحيه هو في
الوقت عينه تعليم خلاص (وبالتالي) متطلّبة قداسة. وسماعه امتياز لكل البشر، وهو
ممكن لنا. دوّى كلام الله في الأسفار المقدّسة، وحمله التقليد الكنسي الحي فأدرك كل
الأجيال.
جاء هذا الكلام من الله فطلب جواب الإيمان الكامل، طلب تعلّق الكيان كله، تعلّق
الفكر والقلب والتصرّف. إيمان تامّ نرى باكورته في مريم أم يسوع.
الإيمان عطاء الذات عطاءً كاملاً لذلك الذي تكلّم. والله حاضرٌ في كلمته. لهذا
كلمته حيّة فاعلة فينا. فإن انفتحنا عليها، وإذا قبلناها كقاعدة لكل وجودنا، إذا
حفظناها حقاً، فهي تعمل فينا عملها التدريجي: تنيرنا، تشجّعنا وتعزّينا وتحوّلنا.
الله هو هنا ويودّ أن يتّصل بنا ليوحّدنا بحياته ومعرفته ومحبّته. وحين يكلّمنا في
أعماق حياتنا الحميمة لن يكون كلامه نداء خارجياً، بل يكون هو بنفسه سعادتنا.
الفصل الرابع عشر
آية يونان
11: 29- 32
لقد جاء الملكوت في كلمة الله. قال يسوع: طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها.
ليس المهمّ أن نكون قريبين بالجسد من يسوع. المهمّ هو أن "نحبل" (مثل مريم)
بالكلمة، ونحملها في قلبنا ونصبح شاهدين لها. وهنا ننتقل من يسوع النبي إلى يسوع
كلمة الله المزروعة في العالم مثل حبّة من الحنطة. ولكن هل يؤمن اليهود بهذه
الكلمة؟ إنهم دوماً يطلبون آية تبيّن صدق رسالة يسوع، وينسون أن يسوع هو الرسالة.
أن حياته وموته وقيامته هي الآية العظمى التي عرف بها معاصروه.
نتوقّف على ما سمى الإنجيل آية يونان من خلال محطّات ثلاث: على المستوى الروحي، على
المستوى التفصيلي، على المستوى النقدي. إضاءات ثلاث على حدث واحد.
أ- على المستوى الروحي
نتساءل أولاً من هو هذا الجيل الذي يتوجّه إليه يسوع، ولماذا يوبّخه لأنه يطلب آية.
"الجيل" يدلّ على معاصري يسوع حين كان عائشاً على الأرض، فرأوا معجزاته وسمعوا
كلامه. ويدلّ على كل الذين صار يسوع معاصرهم بواسطة قيامته وعطية الروح القدس. هناك
تاريخ البشر، وهناك التاريخ الذي يقوده الآب في يسوع بقدرة الروح القدس. أما طلب
الآية (آ 29؛ روج آ 16)، فيجب أن نرى إذا كانت في الخط الذي يسير فيه يسوع تمشياً
مع إرادة الله (آ 9: سلوا تعطوا، أطلبوا تجدوا). هذا الطلب، كما قلنا سابقاً (آ 13:
يعطي الروح القدس) يعني في النهاية الروح القدس. فمن طلب آية غير آية يسوع نفسه
"الذي مُسح بالروح القدس والقدرة" (أع 10: 38)، الذي يسير إلى أورشليم في خروج
يختطفه إلى الآب، يكون وكأنه يرفض الروح القدس.
في الواقع، إن آية (سامايون. ترد الكلمة ثلاث مرات) مجيء الملكوت هي آيتان. أولاً،
آية الكلمة المطلقة المؤسسة على سرّ موت يسوع وقيامته. هي "إعلان" جديد، و"حكمة"
جديدة مفتوحة على كل إنسان: على ملكة التيمن، على أهل نينوى. ثانياً، آية نور
القائم من الموت. فهذا النور لا يستطيع أن يمرّ في اللامؤمن (عمل الحرية البشرية).
ولكن الذين يسمعون الكلمة ويحفظونها، يستطيعون أن يشعّوها، بعد أن تركوها تجدّدهم
من الأعماق.
في مت 12: 39- 40، فسّر يسوع آية يونان على أنها "دفنة" ابن الإنسان في الأرض ثلاثة
أيام وثلاث ليالٍ. في مر 8: 11- 12، ما أراد يسوع أن يعطي آية سوى شخصه الحاضر في
العطاء الافخارستي. أما لوقا فربط آية يونان باعلان الكلمة: بكرازة يونان، ارتدّ
أهل نينوى. وبحكمة سليمان سُحرت ملكة الجنوب.
قدّم يسوع لمهاجميه الذين يتهمونه بأنه يطرد الشياطين ببعل زبول، جواباً جعلهم
يسكتون. وها هو الآن يقدّم جواباً ثانياً للذين يطلبون منه آية، هي آية يونان.
الشهود عديدون. "إحتشدت الجموع". وهي ستسمع يسوع يردّ الآن على الذين يطلبون منه
آية ساطعة تؤكّد أنه مرسل حقيقي (آ 16). ستسمعه يوجّه "إلى هذا الجيل" كلاماً
قاسياً. حين يتحدّث الكتاب عن الجيل فهو يشدّد على لا إيمانه. نقرأ في تث 1: 32:
"وكأنكم في هذا الأمر لا تؤمنون بالرب إلهكم الذي سار أمامكم".
أجل، ان الله رفض أن يعطي هذا الجيل آية إلا آية يونان.
سفر يونان هو خبر تقوي، يبدأ فيه "البطل" برفض: لا يريد أن يسمع لله الذي يرسله في
مهمة... وبعد ذلك، دُفع يونان مكرهاً فذهب ليكرز التوبة لنينوى. إختلف لوقا عن مت
12: 40، فلم تُشر آية يونان إلى إقامة في بطن الحوت. إذن، لم يُشر لوقا هنا إلى
قيامة ابن الإنسان من الموت في صباح القيامة. ففي الشرح الذي أعطاه يسوع (آ 30)،
هذه الآية هي فقط نداء إلى التوبة أطلقه يونان إلى أهل نينوى (شعب وثني عُرف بالظلم
والقساوة). فكان له نجاح تام: فالملك، والناس جميعاً بل البهائم تابوا: صاموا،
جعلوا المسح على أجسادهم.
وكذا نقول عن هذا الجيل: لن يكون له آية إلا ابن الإنسان وكرازته. الآية الوحيدة هي
نداء إلى التوبة والعودة إلى الربّ. هل يعني هذا أن المسيح كان بخيلاً فلم يعط
آيات؟ ولكن مثل لعازر والغني يدلّ على أن من لا يتوب حين يسمع كلمة الله لن يتوب
حتى ولو رأى مائتاً يقوم (لعازر)، حتى لو رأى يسوع نفسه قائماً من الموت (آ 1: 31).
وهذا تدلّ عليه مقابلتان: عرف يسوع أنه لا يكون لكرازته فاعلية كما كان لكرازة
يونان. وها هو يسوع يعود إلى مثلين (آ 31- 32). عاد أولاً إلى 1 مل 10- 13: لم تؤمن
ملكة سبأ بما سمعته عن حكمة الملك (سليمان) إبن داود. فجاءت تمتحنه بأحاجيها. هذا
الموقف الأول هو موقف الذين يطلبون آية من يسوع (آ 16). غير أن ملكة سبأ اعترفت
حالاً بأن سليمان يتجاوز بحكمته كل ما سمعت عنه. لهذا ستقوم في الدينونة الأخيرة.
أما بنو اسرائيل الذين رفضوا أن يسمعوا كلمات يسوع فسيحكم الله عليهم، فيقابل
رفضُهم تعرّفاً إلى هذه الحكمة الآتية من السماء في يسوع، مع اهتمام ملكة سبأ بأن
تتعرف إلى حكمة بشرية رأتها في سليمان.
ونقول الشيء عينه عن موقف أهل نينوى الإيجابي. فهم يحكمون على معاصري يسوع. ونلاحظ
إشارتين في كل هذا: واحدة توجّه أنظارنا إلى شمولية الخلاص: لقد كان الوثنيون أفضل
من اسرائيل تجاه الدعوة إلى التوبة (7: 9: لم أجد حتى في اسرائيل مثل هذا الإيمان؛
رج أع 13: 44- 52؛ 28: 32- 29). ظن بنو اسرائيل أنهم هم الذين يحكمون على الوثنيين،
ولكن انقلب الوضع. لأن الوثنيين هم الذين سيحكمون على بني إسرائيل في الدينونة
الأخيرة. والإشارة الثانية ترد في خطّ الكرستولوجيا التي يعبّر عنها النصّ مع صيغة
التفضيل: إن مجيء الملكوت وحدث يسوع هما أعظم من سليمان ومن يونان. يسوع هو اعظم من
نبي، هو أعظم من أحكم ملك في اسرائيل.
ب- على المستوى التفصيلي
ونعود الآن إلى آ 29- 32 لنقرأ تفاصيلها.
1- واحتشدت الجموع (آ 29)
"الجموع" هي تلك المذكورة في آ 14. تعجّبت حين رأت يسوع قد أخرج الشيطان من الأخرس.
هذه الجموع لم تأتِ فقط من العالم اليهودي، بل من العالم الوثني أيضاً. جاءت من
اليهودية وأورشليم وجاءت أيضاً من صور وصيدا (3: 7). في متّى، سيكون الاطار خاصاً:
"أجابه قوم من الكتبة والفريسيين".
إجتمعت هذه الجموع حوله، كانت تزحمه. فأخذ يقول (رج 3: 8). قد تكون آ 16 هي المدخل
الحقيقي لهذا الحدث: "وأخذ غيرهم يطلبون آية". هكذا نكون أمام فئتين. فئة أولى
تهاجم يسوع لأنه يطرد الشياطين، وفئة أخرى تطلب آية. لقد تنوّعت الحرب على يسوع.
ولكن لوقا يعطي لهذا النصّ (آ 29- 32) مقدّمة أخرى.
"هذا الجيل". هنا نتذكّر 7: 31: "بمن أشبّه هذا الجيل"؟ و9: 41: "أيها الجيل الغير
المؤمن والفاسد". هم الجموع، والتلاميذ بشكل خاص الذين لم يستطيعوا شيئاً من أجل
هذا الولد المصروع: رج مر 8: 12؛ مت 12: 39: جيل شرير، جيل زنى (والزنى في العهد
القديم يدلّ على خيانة الله)؛ مت 16: 4.
"جيل شرير". نجد ما يقابله في عالم قمران (المغارة الأولى): جيل الاثم. سُمّي كذلك
لأنه يطلب آية. وكأنه لم يُعطَ بعد آية. نحسّ أن طلب آية وراء آية، هو امتحان
متواصل. فقد يقع "النبي" ولن يستطيع أن يقوم.
"يطلب آية" (رج آ 16). إستُعملت كلمة "سامايون" في يوحنا، لتدلّ على معجزات يسوع
وما يرافقها من إيمان. ولكنها لم تُستعمل أبداً في هذا المعنى في الاناجيل الإزائية
(مع أن أع 2: 22 يربط بين سامايون وديناميس وتاراس: العجائب، المعجزات، الآيات).
تعود "سامايون" إلى ما يُدرك بالحواس فيدلّ على سلطة يسوع أو يبرّر الإيمان به.
فمعاصروه الذين لم يقبلوا كرازته، وربطوا طرده للشياطين ببعل زبول (آ 14- 23)،
يطلبون منه بالأحرى "آية من السماء". في أع 5: 36، يعود لوقا إلى توداس الذي ادّعى
أنه شخص عظيم. أخبرنا يوسيفوس المؤرخّ كيف حاولت هذا الرجل أن يثبت مصداقيته: قاد
مجموعة من تابعيه مع جميع ممتلكاتاهم، وهو يعتبر أنه النبي، وأنه سيأمر النهر
فينشقّ ويفتح لهم طريقاً. والطلب إلى يسوع قد يُفهم على عكس أرضية فيها مثل هذا
الاعتداد. فهناك أساس في العهد القديم يشير إلى آيات تأتي من السماء. قال أشعيا
بلسان الرب لأحاز: "أطلب لنفسك آية من عند الرب إلهك" (أش 7: 11). وطلب جدعون من
الرب آية تؤكّد أن الله يدعوه حقاً (قض 6: 17). ونتذكّر ما يقول بولس في 1 كور 1:
22: "اليهود يطلبون الآيات، واليونانيون الحكمة".
"لا تُعطى آية". يتوافق النصّ هنا مع عبارة مر 8: 12، في المعنى إن لم يكن في
الألفاظ. فعبارة مرقس التي تبدأ بـ "الحقّ أقول لكم"، تتضمّن صيغة عبرية: سوى آية
يونان. هذا يعني: لا تنتظروا شيئاً خارقاً.
"سوى آية يونان". عاد يسوع إلى خبر قديم. هناك مخطوطات (الاسكندراني، الأفرامي)
تقول: يونان النبي. واخرى (السينائي، الفاتيكاني، بردية 45، بردية 75) تقول فقط:
يونان. إعتبر الناشرون أن الناسخ حاول أن ينسّق مع مت 12: 39 (يونان النبي)، لهذا
اعتبر النصّ الأصلي: سوى آية يونان.
إن تاريخ تفسير هذا المقطع، قدّم محاولة تفسير "يونان" على أنه يوحنا المعمدان. نجد
في الأساس الموازاة بين "سمعان بن يونا" (في مت 16: 17) و"سمعان ابن يوحنا" (في يو
1: 42). إن اختصار "يوحانان" في "يونا" غير معروفة في المراجع العبرية والأرامية
المعاصرة. قد يجد هذا المزج اساساً في 2 مل 25: 32؛ 1 أخ 26: 3 حسب السبعينية. ولكن
النسخات المسيحية والنصوص الموازية هي المسؤولة عن الأختلافات بين النسخة
الأسكندرانية والنسخة الفاتيكانية في قراءة السبعينية.
حسب يرامياس، تعود آية يونان إلى معجزة نجاة يونان من الموت (يون 2). ففي نظر
معاصري يونان، هذا الحدث هو المعجزة البارزة في حياة يونان. فالآية تعني المعجزة.
ولكن المراجع التي يعود إليها تبقى متشعبة (3 مك 6: 8؛ يوسيفوس في القديميات).
ويعود هذا الحدث إلى رأي اليعازر الذي دوّنت أقواله في القرن الثامن ب. م، وهذا
يعني أنها تأثرت بالمسيحية.
2- أهل نينوى، ممكلة الجنوب (آ 30- 32)
يذكر لوقا "النينوايين" (لا نجد هذا في مت 12: 40، بسبب تحويرات الإنجيلي). وفي آ
32، نجد "رجال نينوايين" (كما في مت 12: 41). هذا الشكل الأخير يوافق الإستعمال
اليوناني المتداول كما عرفه لوقا (أع 1: 11: رجال جليليون؛ 2: 22؛ 3: 12؛ 5: 35؛
13: 16؛ 21: 28).
"إبن الإنسان". هو يسوع في دوره كمرسل من السماء. إنه يواجه هذا الجيل بكرازته
وحكمته (7: 34- 35). في نهاية هذه الآية اللوقاوية، أقحم المخطوط البازي وبعض
مخطوطات اللاتينية العتيقة الإضافة المتاوية في 12: 40 (في قلب الأرض). أجل، سيكون
ابن الإنسان "آية" في كرازته. وقال بولتمان: كما أن يونان جاء إلى أهل نينوى من
البعيد، كذلك جاء ابن الإنسان إلى هذا الجيل من السماء. وهذا يعني أن الآية
المطلوبة من أجل كرازة يسوع هي ابن الإنسان نفسه حين يأتي إلى الحكم.
"يوم الدين". يوم الجزاء الإلهي (10: 14). هذا الكلام لا يشير فقط إلى القيامة، بل
إلى المجيء الثاني.
"ملكة الجنوب، ملكة التيمن". هي ملكة سبأ التي عرفت في 1 مل "1: 1- 29؛ 2 أخ 9:
1-12. هي ملكة شعب سامي عاش شمالي غربي عرابية، بالقرب من تيماء (رج تك 10: 28؛ أي
6: 19). ذُكرت الحبشة مع سبأ في أش 43: 3، وهذا ما جعل يوسيفودس المؤرّخ يقول إن
سبأ هي عاصمة الحبشة والمدينة الملكية. ستصبح سبأ فيما بعد أرض السحر.
"تقوم". هناك معنيان. معنى أول: تقوم من بين الأموات. معنى ثانٍ: تقوم لكي تتّهم
هذا الجيل. وكلمة "رجال هذا الجيل" لا تعني الذكور دون الاناث. نقول: "أهل هذا
الجيل". وكلمة "أنير" في العهد الجديد لا تعني فقط الرجال والذكور، بل كل إنسان.
"جاءت من أقاصي الأرض". رج السبعينية في مز 2: 8؛ 22: 28؛ 46: 10؛ 59: 14؛ 65: 6.
إن صورة الملكة تعكس صورة يونان الذي أمره الرب بأن يذهب إلى الشرق، إلى نينوى
البعيدة، فبدأ وذهب إلى الغرب، إلى ترشيش.
"لتسمع حكمة سليمان". يروي العهد القديم أن "ملكة سبأ سمعت بسليمان، فجاءت تمتحنه
بأسئلة صعبة". فأجاب سليمان. "على جميع أسئلتها". فرأت ملكة سبأ حكمة سليمان وقالت
له: "حكمتك وغناك يفوقان كل ما سمعت" (1 مل 10: 1- 7). "وههنا" في آ 31. وفي آ 32.
هذه طريقة السبعينية. "أعظم من سليمان". هنا نتذكّر 7: 35: "والحكمة يبرّرها جميع
أولادها". أولاد الحكمة هم الذين تقبّلوا يسوع بالإيمان وتجاوبوا مع قصد الله (7:
30). إنهم حقاً أبناء الله. تحدّث مت 11: 19 عن "أعمال الحكمة" (الحكمة يبرّرها
أعمالها). حكمة هذا الجيل قادته إلى أن يرذل يوحنا المعمدان ثم يسوع. أما حكمة الله
فوجدت ما يبرّرها في أعمال يوحنا المعمدان ثم أعمال يسوع رغم مقاومة هذا الجيل.
أجل، تتبرّر حكمة الله، لا بدينونة هذا الجيل على يسوع، ولكن يدينها أولئك الذين
قبلوا يسوع، وبيّنوا أنهم ابناءها. وهكذا ارتبط الموضوع الحكمي بالموضوع النبوي.
فابن الإنسان الذي كرز بكلمة الله هو أعظم حكمة من سليمان.
"تابوا بإنذار يوحنا". أصلحوا حياتهم. عرفوا الآية التي قدّمت إليهم، عرفوا النداء
إلى التوبة (ميتانويا): اصلاح الأعمال، بل تجديد القلب والعقل.
ج- على المستوى النقدي
بعد التوقّف عند التفاصيل، نلقي نظرة عامة إلى هذا النصّ (11: 29- 32)، فنربطه
بمجمل إنجيل لوقا كما بإنجيلي متّى ومرقس.
زاد لوقا الآن على مجموعة أقوال يسوع في هذه النقطة من الصعود إلى أورشليم، عدداً
من الجمل هيّأنا لها منذ آ 16، حين زاد على الجدال حول بعل زبول نبذة تتحدّث عن بعض
الناس الذين أرادوا أن يمتحنوا يسوع طالبين منه "آية من السماء"، آية من عند الله
(السماء هي الله عند اليهود الذين لا يتجرّأون أن يتلفّظوا باسم الله). ظل طلبهم
بدون جواب. وها هو لوقا الآن (11: 29- 32) يصوّر يسوع وهو يردّ على هذا الطلب مع
قوله حول "آية يونان". هذا الحدث يرتبط مع آ 14- 23 (يسوع وبعل زبول)، وآ 24- 26
(الروح النجس). في الواقع، إن آ 14- 54 ترينا يسوع في جدال مع أناس يطرحون عليه
اسئلة.
1- بين متّى ولوقا
إستقى لوقا هذا الحدث من "المعين"، ونحن نجد ما يوازيه عند مت 12: 38- 42، ومواد
المعين يوازيها مر 8: 11- 12 الذي تنقصه العودة إلى يونان والقول حول سليمان ومملكة
سبأ. إن هذين الشكلين من الأجوبة التي قدّمها يسوع لطالبي "الآية"، يكوّنان مسألة
متشعّبة. نجد هنا اربعة أشكال للجواب في التقليد الإنجيلي.
(1) في مر 8: 11- 12، طلب الفريسيون من يسوع "آية من السماء". تنهّد يسوع وقال:
"الحق أقول لكم، لا تُعطى آية لهذا الجيل".
(2) ما يوازي هذا النصّ المرقسي نجده في مت 16: 1، 4 الذي يصوّر الفريسيين
والصادوقيين يطلبون في الوقت عينه "آية من السماء". هنا قال يسوع: "لن تُعطى آية
إلا آية يونان". يُعتبر هذا النصّ المتاوي موازياً لما في مر 8: 11- 12، لأن متّى
يتبع الترتيب المرقسي بدقة منذ مت 14: 1 (رج مر 6: 14). إن يسوع المتاوي لا يعد هنا
إلاّ بآية مثل مرقس، لأنه لا يُعطي تفسيراً عن "آية يونان". ولم يُعطَ تفسير في مت
16، لأن التفسير قد سبق وأعطي في مت 12. ينتظر القارئ أن يعرف ما هي هذه الآية
(يعود القارئ الحديث إلى الحواشي).
(3) صوّر لو 11: 29- 32 يسوع وهو يقول للجموع: لن تعطى آية لهذا الجيل سوى آية
يونان. وزاد على هذا الكلام شرحاً (آ 30)، ثم مقابلتين (مملكة الجنوب، يونان، آ 31-
32).
(4) ويقابل هذا الشكل اللوقاوي للقول، مت 12: 38- 42، ما عدا الإشارة بأن الفريسيين
هم الذين طلبوا آية من يسوع. وقال يسوع مرة أخرى: لن تعطى آية "سوى آية يونان
النبي". وهذا ما يفسّر في آ 40 بالعودة إلى وضع يونان في بطن الحوت "ثلاثة أيام
وثلاث ليال". ثم في آ 41- 42 بعودة أخرى إلى يونان، وبعدها إلى ملكة الجنوب. وهكذا
نجد التكرار عند متّى (اختلف عن مرقس ولوقا): عاد مرة إلى مرقس (مت 16: 1، 4)، ومرة
إلى المعين (مت 12: 38- 42).
إن هذه الأشكال الأربعة لقول يسوع حوله طلب الآية يطرح اسئلة مختلفة.
أولاً: هل نحن أمام قول واحد ليسوع وصل الينا في تقليد مختلف عند مرقس وفي المعين؟
أم نحن أمام جوابين مختلفين أعطاهما يسوع في ظرفين مختلفين؟ في الحالة الأولى،
يمثّل الشكل المرقسي نسخة مقتضبة. في الحالة الثانية (التي ليست بمستحيلة)، لا نجد
طريقاً أميناً. هذا ماعرضه الآب لاغرانج. وهكذا نكون أمام وضع مماثل مع تقاليد مرقس
والمعين حول تجارب يسوع، مع فارق بسيط وهو أن متّى ولوقا دمجا الأشياء في حدث واحد.
ثانياً: نعود إلى الحدث كما في "المعين". إن التعبير اللوقاوي (11: 31- 32) يكاد
يشابه حرفياً ما يوازيه في مت 12: 41- 42. إن المقابلة بين مت 12: 38- 39 ولو 11:
29- 30 ليست وثيقة. ولكنها تكفي لكي تحافظ على جذور النصين في المعين. فسبب المشكلة
يأتي من مت 12: 40. هل تضمّن المعين العودة إلى وضع يونان في بطن الحوت؟ لو تضمّنها
لما كان ألغاها لوقا. ولكن يبدو أن متّى زادها فربط خبر يونان باعتبار سريع حول
قيامة يسوع. إن "آية يونان" كمرجع إلى قيامة يسوع، قد تكون من يسوع، وقد تكون نتيجة
تأمّل كنيسة متّى. هذه الزيادة جعلت من "آية يونان" في متّى آيتين: واحدة عن
القيامة. وأخرى حول المعين (سنعود إليه فيما بعد).
ثالثاً: بما أن قول يسوع عن ملكة الجنوب قد وُجد في متّى ولوقا معاً، فهذا يعني أنه
كان في المعين. ولكنه "متطفّل" في خبر حول آية يونان. هل تلفّظ به يسوع في مناسبة
أخرى وزيد بسبب توارد المفردات في المعين وفي هذا الموضع بالذات؟ قد يكون ضُمّ إلى
القول على آية يونان لثلاثة اسباب. الأول: عودة مشتركة إلى "هذا الجيل". الثاني:
تصوير واحد ليسوع على أنه أعظم من سليمان أو من يونان. الثالث: المجيء من البعيد.
جاء يونان من البعيد ليكرز. جاءت الملكة من البعيد لتسمع. وهذا ما يطرح سؤالاً آخر
حول ترتيب الأقوال المزادة، لأنها تختلف بين متّى ولوقا.
رابعاً: ما هو الترتيب الأصلي للأقوال المزادة في المعين؟ إعتبر عدد من الشرّاح أن
لوقا احتفظ بالترتيب الأصلي. أولاً قامت مملكة الجنوب من أجل الدينونة ثم أهل نينوى
(11: 31- 32). وهو ترتيب كرونولوجي أيضاً. واقترحوا القول بأن متّى قلب الترتيب
الأصلي ليجعل مثل يونان وأهل نينوى قريباً ممّا زاده في آ 40 (ثلاثة أيام وثلاث
ليالٍ في بطن الحوت). هذا أمر معقول. ولكن الترتيب المتّاوي (ما عدا آ 40) قد يفسّر
تفسيراً أسهل الترتيب الآني. إن "آية يونان" في آ 39، يتبعها في الشكل عينه لو 11:
30 الذي أُلغي في متّى من أجل آ 40، ثم في آ 40، وهذا ما يؤمّن موضعاً لربط آ 42.
حينئذ يصبح تحويل لوقا للترتيب مهماً لإبراز كرازة يونان مع نداء الحكمة (لو 7:
35). في هذا المسيرة الطويلة، لا نستطيع أن نقول من حوّل ترتيب المعين في هذه
الأقوال.
2- عودة إلى لوقا (11: 29- 32).
إن آ 29أ هي من قلم لوقا. وضعها هنا كاستعادة لما في آ 16. واحتفظ لوقا بالأصل في آ
29 ب ج، 30. إن آ 31- 32 تشبه مت 12: 42 (ما عدا الترتيب). من أصل 55 كلمة (في
اليونانية) هناك 53 متشابهة.
قبل أن نفهم مدلول هذا المقطع ومعنى "آية يونان" في النسخة اللوقاوية، لا بدّ من
تذكّر عناصر سفر يونان في التوراة. فالفصول الأربعة ليونان مطبوعة بالتوازي. إنّ ف
3- 4 يقابلان ف 1- 2. في القسم الأول، جاءت كلمة الله إلى يونان (في جت حافر، في
الجليل)، وطلبت منه أن يصرخ في وجه نينوى (مدينة الأشوريين الكبرى) ويقول لها بأن
عليها أن تتوب عن شرّها. أما يونان، فهرب من يافا داخل مركب قاده إلى الجهة
المعاكسة (ترشيش، في الغرب). ولكنه عوقب لأنه حاول أن يهرب من وجه الله. رماه
البحّارة في الماء، فاصطاده حوت أرسله الله. وقضى يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام
وثلاث ليالٍ (ومن هناك أنشد نشيد شكر). بعد هذا، طرحه الحوت على الشاطئ.
في القسم الثاني، جاءت كلمة الله أيضاً إلى يونان، ترسله مرة ثانية إلى نينوى. ذهب
إلى هناك وكرز. فلبس أهل نينوى المسح، وصاموا، وتابوا عن شرّهم، من الملك إلى
الأطفال، بل إلى البهائم. حينئذ ندم الرب. وإذ رأى النبي الجليلي حنان الله، تألّم
من خلاص المدينة الشريرة. إعتزل إلى الشرق لكي يرى ما يحدث بالمدينة. وإذ أراد
يونان أن يحمي نفسه من الشمس والحرّ، بنى لنفسه كوخاً، وأكمله الله حين انبت له
يقطينة، فجعلت النبي سعيداً. وفي الغد، يبست النبتة فخسر يونان "مظلته" من الشمس
والحرّ. واستاء يونان من جديد، واستاء حتى طلب الموت لنفسه. فكلّمه الربّ: هل انت
جعلت اليقطينة تكبر؟ هل أنت تشفق عليها الآن؟ أما يجب أن اشفق على نينوى مع سكانها
(1.200.000) الذين تابوا بسبب كرازتك؟ وهكذا حدّثنا هذا الخبر المعروف في العهد
القديم عن اهتمام الله بخلاص يشمل جميع البشر.
نلاحظ التعارض بين النبي اليهودي الغاضب والمعاند، وبين طاعة الملاحين، وتوبة أهل
نينوى (حتى الحيوان)، وخضوع الحوت واليقطينة. كانت إقامة يونان في الحوت بشكل عقاب
لنبي خلّصه الله من أجل مخطّطه. لم تكن هذه الإقامة علامة لمعاصري يونان. لا شيء في
الخبر يوحي إلى انه عاد إلى هذا الحدث ليعظ أهل نينوى. هم لم يعرفوا شيئاً عن خلاص
يونان العجيب.
لمحّ يسوع في لوقا إلى هذا الخبر، وردّ على طلب الجموع حول آية من السماء. ظهر
الطلب في آ 16 لدى الذين أرادوا أن يمتحنوه. بحثوا عنده عن اكثر مما حاول أن يبيّن
لهم في عجائبه. أرادوا ظهوراً ساطعاً على مثال ما طلب الشيطان في التجربة الثانية
(4: 9- 11)، ظهوراً يدلّ على مصداقيته. فكان جواب يسوع: "لا تُعطى آية سوى آية
يونان" (آ 29 ج). وفسّر هذا في آ 30: "كما كان يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن
الإنسان آية لهذا الجيل".
في أي معنى كان يونان آية لأهل نينوى؟ يعتبر عدد من الشرّاح أن الآية هي شخص يونان،
كما نجا من الحوت. هذا ما نجده عند مت 12: 40 كما في المعين وكما استعمله لوقا.
فإنّ لو 16: 21 الذي يُشير إلى شخص قام من بين الأموات، لا يفرض علينا أن نفكّر أن
عودة لوقا إلى يسوع كابن الإنسان يدلّ على ذلك. بل هو يدلّ على شخص يونان كما ظهر
لأهل نينوى. وهذا ما نجده في آ 30 بمعزل عن آ 31- 32. وحين ضمّت هاتان الآيتان، دلّ
النصّ على شخص يونان وكرزاته اللذين دفعا أهل نينوى إلى إصلاح حياتهم. هذا هو معنى
"آية يونان" في مجمل سياق لوقا. هذا هو المعنى في متّى أيضاً الذي زاد معنى آخر وهو
الإشارة إلى القيامة بتلميح إلى إقامة يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ.
من هنا، نلاحظ في هذا المقطع اللوقاوي ما يلي: كما أن يونان كان نبياً أرسل من بعيد
ليكرز أهل نينوى بالتقوى، هكذا ظهر يسوع أيضاً لهذا الجيل. واللقب الذي أعطي له
(ابن الإنسان) لا يعود بنا إلى قيامته ولا إلى عودته، بل إلى رسالته على الأرض. لقد
جاء من بعيد، أرسل نبياً مثل يونان من السماء ولكنه أعظم من يونان،. وكرازته هي
الآية الوحيدة التي تعطى لهذا الجيل. وهذه الآية قد أعطيت، وقد سجّلت ردّة الفعل
عليها في 7: 31- 34. فردة الفعل هذه تشير إلى إنذار حاضر: فالننيوايين الذين
تنبّهوا إلى كرازة يونان، قد أصلحوا حياتهم. وهم سيقومون ويدلّون بإصبعهم متّهمين
هذا الجيل الشرير في يوم الدين.
وحين وضع لوقا القول حول مملكة الجنوب قبل القول حول النينوايين، ربط هذا الإنذار
بموضوع الحكمة. لم يتنبّه أهل هذا الجيل إلى كرازة يونان، فلم يستطيعوا أن يتعرّفوا
إلى الحكمة التي جاءت من السماء لكي تعظهم. لهذا السبب، ستقوم ملكة الجنوب (التي
جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان) ستقوم هي أيضاً في يوم الدين، فتدلّ على
أولئك الذين تحدّوا يسوع مع أن هنا "أعظم من سليمان".
جاء هذا الحدث بشكل مباشر بعد قول يسوع حول المبارَكين الحقيقيين (من يسمع كلمة
الله ويعمل بها، آ 28)، فجعل كرازة يسوع وحكمته على أنها "كلمة الله". بالإضافة إلى
ذلك، فإن الشخصين (سليمان ويونان) اللذين وجّها تعليمهما إلى الوثنيين (الملكة، أهل
نينوى) نحجا في مهمّتهما. وهكذا حكموا على هذا الجيل. لا يجب أن ننسى ما أشار إليه
لوقا من خلاص يصل إلى جميع البشر، بمن فيهم الوثنيون.
في أي معنى نفهم أنّ يسوع هو أعظم من سليمان ومن يونان؟ واحد كان ملكاً، والآخر كان
نبياً. هذان اللقبان أعطاهما لوقا ليسوع. ولكن يسوع قد أشير إليه كجالس على عرش
داود (1: 32) وابن الله (1: 35؛ رج 3: 23؛ 8: 28؛ 9: 35؛ 22: 7). وقارئ لوقا الذي
يتذكّر هذه الألقاب يتحقّق من "عظمة" ابن الإنسان الذي يكرز اليوم على هذا الجيل،
كنبي ارسل من بعيد، فجاء من السماء.
ومرة أخر، لا نستطيع أن نهمل العودة الاسكاتولوجية إلى "يوم الدين". فاستعمال لوق
للمعين، لم يخفّف من قوة هذا التحذير الذي يحاول أن يقدّمه لنا. ولكن لن يقال لنا
شيء عن اقتراب هذه الدينونة.
خاتمة
إن هذا الخبر يحمل تعليماً إلى المسيحيين في كل جيل. تركوا التعليم الرئيسي لذاك
"الواعظ" الذي جاء من بعيد، وانتظروا بالأحرى "آية من السماء" تطمئنهم. هذا التعلّق
بمظاهر الوحي عند الناس، يدلّ على أن موقف "أهل هذا الجيل" ما زال حاضراً في وجودنا
المسيحي اليوم.
الفصل الخامس عشر
نور الإيمان
11: 33- 36
أراد لوقا أن ينهي جواب يسوع حول آية يونان بقولين (يردان في مثل أو في صورة)
يتعلّقان بالسراج والنور (آ 33- 36). الأول (آ 33) هو تكرار لما في 8: 16. ولكن
الإطار السابق المركّز على عظمة ابن الإنسان، قد بدّل معناه تبديلاً تاماً. فكرازة
الملكوت وشخص يسوع هما سراج موضوع على منارة (يرتفع عالياً)، لكي ينير بنوره أولئك
الذين يدخلون إلى البيت. فلا حاجة إلى آية أخرى من السماء لتبين صدق رسالته (11:
29). ويتوجّه القول الثاني (آ 34- 36) إلى كل واحد منا (في صيغة المخاطب المفرد،
أنت) يطلب آية. لقد أعطي النور للإنسان بواسطة العين. فإن كان السامع الذي يتوجّه
إليه يسوع "رديئاً" ولا يتقبّل نور الإنجيلي، فيكون كيانه كلّه في الظلمة. فليفحص
كل واحد نفسه. وليتحقّق هل النور الذي فيه قد صار ظلاماً؟ من كان متقبّلاً للنور
ورفض أي ارتباط بالظلام، يقبل أن تنيره كلمة الله.
هذا الجيل يطلب آية. والمسيحي يتلقّى سؤالاً ملحاً: هل ترك في قلبه جزءاً مظلماً،
أم ان جسده كله، بل حياته كلها تسير في النور؟
أ- قراءة اجمالية
ضمّ لوقا هنا أقوالاً أخرى على أقوال تحذيرية ليسوع. هي في حدّ ذاتها لا ترتبط بما
سبق، وقد جاءت من قرائن مختلفة. ولكنها جمعت حول فكرة النور وتأثيره.
تعود آ 33- 35 إلى المعين. ونحن نجد ما يوازيها في اجزاء مختلفة من خطبة الجبل في
متّى (5: 15؛ 6: 22- 23). فالقول الأول (آ 33= مت 5: 15) هو تكرار لنص لو 8: 16 (=
مر 4: 21). ونجد له شكلاً آخر في إنجيل توما 33 ب. جاءت آ 34- 35 قريبتين جداً
بألفاظهما من مت 6: 22- 23. أقحم لوقا لفظة "تبصَّرْ"، أنظرْ، فدلّ على نداء (احتفظ
به مت 6: 23) داخل تحذير بُني في قول آ 34. وحُفظ شكلٌ من آ 34 في إنجيل توما 24 ج:
"هناك نور داخل انسان النور وهو ينير الكون كله. فان كان لا ينير فهو ظلمة". هذا ما
يحوّل القول في خطّ آ 33. وهو يكاد يكون أصيلاً في شكله، بعد أن أثّر فيه يو 1: 9؛
5: 35. إن آ 36 تطرح مشكلة: هل تنتمي إلى المعين أم لا؟ هناك من يجيب بالإيجاب
ويقول إن متّى ألغى هذه الآية بسبب طابعها التكراري. ولكن قد تكون زيدت بيد لوقا
لكي توضح آ 34 أو 35.
من جهة النقد الأدبي، نستطيع أن نجعل هذه الآيات مع الأقوال الربية، وخصوصاً
الأقوال الحكمية. وهناك من يجعل آ 34- 35 في إطار مثل شعري في صيغته.
إن هذه الأقوال التي تشكّل وحدة في مسيرة يسوع إلى أورشليم، تفسّر طبيعة هذا
"الأعظم" من سليمان ومن يونان. ففي يسوع قد أعطي النور الذي لا يحتاج إلى علامة
(آية من السماء) تشهد على صدقه. فخبر الطفولة قد دلّ على أنه "نور" (2: 32، بفم
سمعان). والآن هذا النور صار واضحاً ولم يعد مخفياً. فإن كان لا ينير، فليست لأنه
مخفياً أو منطفئاً، بل لأن شعب هذا الجيل صار أعمى العينين، وصارت الظلمة جزءاً
منه.
قدّم القول الأول (آ 35) شخص يسوع وتعليمه كالنور الذي يضيء كل إنسان. كان قد تركّز
8: 16 على سماع التلاميذ لهذه الكلمة. أما آ 33، فتركّزت على يسوع نفسه. ومع أن
النصّ الموازي في مت 5: 15 يصوّر السراج منيراً لكل الذين في البيت، شابه نصّ لوقا
8: 16 ج فقال إنه ينير الذين يأتون إلى البيت. وهذا يعني أنه يردّ الذين هم في
الخارج، يردّ الوثنيين. إن الطابع الحكمي لهذا القول يتضمّن نصيحة إلى التلاميذ
الذين يجب عليهم أن يضيئوا على الآخرين.
والقول الثاني (آ 34) هو حكمي أيضاً. إنه يفسّر وضع الذين يسمعون، أولئك الذين يرون
النور أو يستطيعون أن يروه. هناك بعض الغموض في هذا القول الذي يتحدّث عن النور
والظلمة: فالإنسان الذي يرى حسناً يرى النور ويُعتبر مستنيراً في داخله. والذي يرى
رؤية رديئة، لا يرى النور وقد امتلأ ظلمة. للوهلة الأولى، يتعلّق هذا القول بوضع
عيون الجسد التي ترى بوضوح أو لا. ولكن في السياق، نقرأ "بونيروس" (رديء) الذي
يستعمل للحديث عن الجيل "الشرير" في آ 29. وهكذا يتّخذ القول الحكمي معنى آخر. صارت
"الرؤية الحسنة" تكرَّس لكلمة الله التي نكرز بها (النور). ويصل بنا "السوء" إلى
وجود "مظلم". فعلى التلميذ أن يحذر (آ 35): ليتأكّد أن النور ينير حياته وأن الظلمة
لا تؤثّر فيه. إذا كان الجسد حقاً متقبلاً للنور (وليس فيه جزء مظلم)، فهو يتقبّل
الإستنارة من النور الحقيقي الذي يشعّ، من كلمة الله التي كرز بها يسوع.
إن هذه الكلمات حول النور تصوّر يسوع وكلمته، وتشدّد على عيون سليمة من أجل حياة
مضاءة. لقد توجّهت في سياق لوقا إلى جيل يسوع الذي يطلب آية. طُلب من اسرائيل أن
يكون نوراً للأمم من خلال نشيد عبد الله (أش 49: 6). والآن يشعّ يسوع كنور لم يعد
مخفياً عن "جيله". ولكن هل عين هذا الجيل سليمة أم عليلة؟ هل تستطيع أن تقول مع
المرتل: "الرب يضيء سراجي. إلهي ينير ظلمتي" (مز 18: 23)؟ هذا هو السؤال الذي يجب
أن نطرحه على ذواتنا: هل ينيرنا النور الذي يعطيه الله، النور الذي لا ظلمة فيه؟
ب- قراءة تفصيلية
1- ما من أحد يوقد سراجاً (آ 33)
قدّم يسوع نفسه على أنه آية (آ 29- 32). فكم نحتاج إلى النور لكي نرى هذه الآية
ونؤمن؟ "في مكان خفي". هذا ما نجده في بردية 45 ومخطوطات أخرى. أما أفضل المخطوطات
فقالت: "كربتان" فجوة، قبو، تأثراً بنصّ مت 5: 15؛ مر 4: 21 القبو خاص بفلسطين ولن
يستطيع أن يفهمه اليوناني الذي يكتب إليه لوقا. لهذا قد يكون استعمل لفظة عامة:
مكان خفي.
"تحت المكيال". هذه العبارة غير موجودة في بردية 45، 75، ولكننا نجدها في السينائي
والفاتيكاني والافرامي والبازي. لهذا جعلتها نشرات النصّ اليوناني بين قوسين.
"يبصر الداخلون النور". أما مت 5: 15 فقرأ: "ليضيء على كل الذين في البيت". قد يكون
هذا هو القول الأصيل الذي حوّله لوقا ليجعل نهاية هذه الآية تتوافق مع الزيادة التي
اضافها على مرقس في 8: 11 ج (يبصر الداخلون نوره).
2- سراج الجسد العين (آ 34- 36)
"العين هي سراج الجسد". يعني: حيث يستنير الإنسان، فالعين هي العضو الذي يدرك
النور. إن وظيفة السراج قد تبدّلت هنا. والجسد يعني هنا الشخص البشري كله (رج روم
12: 1؛ فل 1: 20؛ أف 5: 28).
"عينك سليمة". ليست عينين أو ثلاثاً. هي بسيطة. وعلى المستوى الأدبي: صادقة وصريحة،
بل سخيّة. أم 4: 18- 19؛ مي 7: 8. ونحن هل نقبل شخص يسوع وتعاليمه أم لا؟
"عليلة". أي: مريضة، في حالة سيّئة. نجد في مت 20: 15؛ مر 7: 2 "العين الشريرة".
غير أن المعنى لا يوافق النصّ هنا. لكن النصّ يشير إلى الشر الأدبي، لأنه يرتبط
بعبارة آ 29: "جيل شرير".
"النور الذي فيك". النور الذي يدخل فيك. سبق للوقا وقال: أنظر، تبصّر. وهكذا شدّد
على التنبيه الذي يقدّمه.
هناك خلاف حول ترجمة آ 36: أولأ: يعتبر تايلور أن العبارة ترجمة للأرامية: "ناهير
نهوه كولا" فتقول: أما إذا كان جسدك كله مضاء، وليس فيه جزء مظلم، حينئذ يكون كله
مضاء. مثل السراج الذي يضيء في الظلمة". هذه الترجمة ليست بمستحيلة. ثانياً: تعني
الآية بكل بساطة: إذا كان القلب متقّبلاً حقاً للنور، سينال النور من النور الحقيقي
حين يشرق، أي من المسيح.
ج- قراءة لاهوتية
1- السراج على المنارة
إن مثل السراج الذي لا يوضع تحت مكيال، بل على منارة يرد أربع مرّات في الاناجيل
(مت 5: 15؛ مر 4: 21؛ لو 8: 16؛ 11: 33). وحين نتمعّن في النصّ نجد أنه يعود إلى
تقليدين مختلفين. واحد يعود إلى نسخة مرقس والثاني إلى نسخة متّى. وإذ يورد لوقا
الآية مرّتين فهو يدلّ على أنه عرف التقليدين، فجاء تدوينه نقطة أخيرة في التقليد
الإنجيلي حول هذا المثل.
إن مثل السراج (11: 33) يدخل في مجموعة هي خطبة يسوع ضدّ خصومه. نجد أولاً جواب
يسوع إلى أناس اتهموه أنه يطرد الشياطين بيعل زبول (آ 14- 20). وتبع هذا الجواب عدة
ملحقات ترتبط بعضها ببعض ارتباطاً غامضاً (آ 21- 28). ثم نجد جواب يسوع إلى الذين
يطلبون آية: لن يعطى لهذا الجيل آية إلاّ آية يونان (آ 29- 30 لا نفصلهما عن آ 31-
32). وزيدت بعض أقوال أخرى تبدأ بالقول حول السراج (آ 33- 36). وفي النهاية يرد
جواب يسوع إلى فريسي تعجّب حين رآه يأكل دون أن يقوم بالإغتسال الطقسي.
إذن الإطار العام هو إطار هجوم. ويوجّه يسوع هذا المثل لا إلى تلاميذه، بل إلى
سامعين لم يكونوا مستعدّين كل الإستعداد.
يتبع المثل حالاً (وبدون انتقالة) جواب يسوع إلى الذين يطلبون آية... ويقابل معاصري
سليمان ويونان مع معاصريه الذين يطلبون آية: أما يكفي تعليمه الذي هو أعظم من تعليم
يونان؟
ويقول يسوع: "لا يوقد أحد سراجاً...". نحن لا نوقد سراجاً لكي نخفيه. بل نجعله على
منارة. والذين يدخلون لا يستطعيون إلاّ أن يروا نوره. هذه الصورة تفهمنا عن طريق
القياس، لماذا رفض يسوع أن يعطي آية. فرسالته الإلهية واضحة في ذاتها. وهي لا تحتاج
إلى برهان. وكما أن السراج الموضوع على المنارة يضيء على الذين يدخلون إلى البيت،
هكذا يكون مرسل الله حين يُعلن تعليمه. فحقيقة رسالته تفرض ذاتها بذاتها. وهي لا
تحتاج إلى آية لكي تثبتها. إذا كان أهل نينوى قد عرفوا يونان حين سمعوا كلمته،
فماذا يكون موقف معاصري يسوع؟ إذن نفهم مثل السراج في هذا السياق كصورة واضحة عن
رسالة يسوع الإلهية. فالذين لهم عيون ترى، لا يقدرون إلا أن يروه، أن يتعرّفوا
إليه.
غير أن محاوري يسوع يطلبون آية، وهكذا يضعون شرطاً لكي يتعرّفوا إلى رسالته. لماذا
لا يفرض اليقين نفسه عليهم؟ هل يمكن أن لا نبصر سراجاً مضيئاً وقد وُضع على منارة
في صحن الدار؟ هنا جاءت آ 34- 36 لتجعلنا نفهم هذا الوضع. إنها تقدّم تطبيقاً آخر
لموضوع السراج. "سراج جسدك عينك. إذا كانت عينك سليمة، كان جسدك كله في النور. وإذا
كانت شريرة، كان جسدك كله في الظلمة" (آ 34). إذا كانت العين عليلة (مريضة)، فمهما
شعّ النور في الخارج، فالإنسان يبقى في الظلمة. ويأتي التطبيق في آ 35: فانظر! أما
يكون النور الذي فيك ظلاماً (آ 35)؟ إن محاوري يسوع يخطئون حين يظنون أن العلامة
(الآية) الخارجية تتيح لهم أن يتعرّفوا إلى يسوع. فما يحتاجون إليه هو إصلاح داخلي.
فالنور يشعّ أمامهم. فإن كانوا لا يشعرون به، فلأن عين قلبهم مريضة.
2- العين سراج الجسد
ان القول عن "العين سراج الجسد" (11: 34- 35؛ مت 6: 22- 23) هو من أصعب النصوص
الإزائية. فهو يرد في سياقين مختلفين عند متّى ولوقا، ويبقى معناه غامضاً بالنسبة
إلينا. هل نحن أمام عين الجسد أم نحن أمام رمز؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، ما معنى
عين "بسيطة"؟ هل تدلّ على السخاء الذي يعطي بلا حساب؟ أو الطيبة التي لا تعرف
الحسد؟ أو نور الوجدان الداخلي؟ مثل هذه المسائل ليست بمسائل لأنها تهمل الخلفية
التاريخية لهذا القول.
هناك أولاً تواز تعارضي: عينك بسيطة... عينك شريرة. ونعود ثانياً إلى العهد القديم.
فالانطروبولوجيا البيبلية تأخذ الإنسان كله، ولا تعارض بين النفس والجسد كما فعل
اليونانيون. فهي تدعونا إلى أن نرى في "العين" كما في "القلب" لا استعارة ومجازاً،
بل تعبيراً عن الإنسان كله في وضعه السيكولوجي والاخلاقي والديني. فالصفة "سليمة"
(تميم في العبرية، رج تمّ في العربية: من لم يكن فيه عيب) تدلّ على عطاء القلب
الكامل أمام الله وعهده. فكما أن الضحية التي تقدّم إليه تكون "سليمة" "كاملة" (لا
عيب فيها)، كذلك يكون الإنسان: يتقرّب إلى الله بدون تحفّظ ولا مساومة.
إن القول (العين سراج الجسد) ليس فقط قولاً مأثوراً من أقوال الحكمة ولا قاعدة
سيكولولجية. فيسوع يتكلّم هنا من زاوية دينية، بل اسكاتولوجية من أجل الوضع
المتأزّم الذي خلقه مجيئه. فالسياق الذي أعطاه متّى لهذا القول (الكنز الحقيقي في
السماء، لا تعبدوا الله والمال) جعل البعض يحسبون أننا أمام العين السخية أو
الحاسدة. في الواقع، نحن أمام خيار حاسم يفرض نفسه علينا: إما كنز سماوي وإما كنز
أرضي. إما الله وإما المال. إما عين القلب البسيطة التي تعطي ذاتها كليا وإما عين
القلب الشريرة التي تنقسم فتنغلق على النور. أكّد لو 11: 34- 35 هذا التفسير وكمّله
مبيّناً بشكل أفضل أي "نور" يعني. هو نور التعليم الذي يحمله يسوع (رج 8: 16 الذي
يكرر 11: 33 واطاره حوله التعليم بالأمثال) والذي يستطيع كل إنسان أن يتقبّله أو
يرفضه، لا حسب امكانياته العقلية، بل حسب استعداداته الدينية. فالنور الموضوع على
المنارة (11: 33) هو يسوع. والإنسان الذي عينه بسيطة، يفهم نداءه، وينفتح على هذا
النداء بقلب سخي فيجد النور. أما الإنسان الذي عينه شريرة، فيحسب ألف حساب وينغلق
على النور (آ 34- 35). هذه هي حالة الفريسيين الذين اعتبروا بفتاويهم أنهم يستطيعون
أن يضعوا حدوداً لحقوق الله، وأن يحتفظوا بشيء من ذاتهم لذاتهم.
هي إشارة اسكاتولوجية تميّز مطلق متطلّبات يسوع، كما تدلّ عليها أقوال أخرى حول
الباب الضيق والباب الواسع، حول الشجرة الصالحة والشجرة الرديئة، حول الذين معي
والذين ضدي، حول يسوع الذي نقبله أو نرفضه لأنه يشكّكنا... أمامه لا بدّ أن نختار،
ولا بدّ من الخيار الذي يقسم القلوب: من جهة، الصغار والبسطاء، والمتواضعون،
والخطأة: انفتحوا فوجدوا الخلاص. ومن جهة أخرى، العظماء، والعلماء، والمكتفون
بأنفسهم، والذين يعتبرون نفوسهم صديقين: انغلقوا فهلكوا. وفي أساس هذه القسمة، هناك
الاختيار الإلهي ورضاه السري (10: 21؛ مت 11: 26) أي هذه المعطية في اللاهوت
البيبلي الذي يحدّد الحاصلين على الخلاص دون أن يلغي مسؤولية الإنسان.
خاتمة
عبّرت آ 33- 36 عن تحوّل يتم في السامعين للكلمة. إستعاد لوقا قولاً جعله في نهاية
الخطبة الرسولية. وزاد عليه قولاً ثانياً: قد يصبح الإنسان منغلقاً على النور، فلا
يعود يتميّز الآية المعطاة له. والنور الذي يتحدّث عنه النصّ هو كلمة يسوع. فالجسد
المضيء أو المظلم (الشفّاف والمنفتح على النور أو المنغلق) يدلّ على الموضع الذي
فيه يعاش هذا النور، يدلّ على حياة التلميذ في أعماله اليومية. فالذي يسمع الكلمة
ويحفظها (أو: يعمل بها) تستضيء حياته كلها ويصبح شاهداً للكلمة.
الفصل السادس عشر
الويل للفريسيين، الويل لعلماء الشريعة
11: 37- 54
دُعي يسوع إلى الغداء. دعاه أحد الفريسيين فدخل واتّكأ. وكانت له مناسبة أن يدلّ
على الفرق بين موقفه وموقف الفريسيين وعلماء الشريعة، كما فعل حين غفر للخاطئة (7:
36 ي) وكما سيفعل حين يشفي المريض بداء الإستسقاء (14: 1 ي). في هذا الإطار
الإخباري، بدأ يسوع فوجّه لوماً إلى الفريسيين. وبعد أن تدخّل عالم من علماء
الشريعة، تابع يسوع انتقاده للكتبة. جاء كلام الربّ في صيغة "التويل". الويل لكم
ايها الفريسيون... كان قد قال في 10: 13: الويل لك يا كورزين، الويل لك يا بيت
صيدا. وعارض التطويبات في 6: 24- 26: الويل لكم أيها الأغنياء، الويل لكم أيها
المشبعون، الويل لكم أيها الضاحكون. وها هو يقول: الويل لكم أيها الفريسيون وعلماء
الشريعة.
أ- كان يتكلّم
نقطة الإنطلاق هي موقف يسوع. لم يقم بالإغتسال الطقسي. لم يغتسل قبل الأكل. أهمل
عملاً "طقسيّاً" يفرضه التقليد. أتراه أيضاً علّم تلاميذه فتناولوا الطعام بأيدٍ
نجسة أي غير مغسولة (مر 7: 2). إن الفريسيين لا يعتبرون هذا الغسل إجراء صحّياً.
إنه طقس ديني. إنه دواء ضدّ النجاسات المختلفة التي تنتقل من الناس والأشياء إلى
المؤمن كما تنتقل العدوى. أما صار يسوع نجساً بعد أن لمس ذاك الأخرس الذي فيه شيطان
(11: 14)؟ أما تنجّس حين لمس الجموع التي كانت تزحمه من كل مكان (11: 29)؟ ولكن
النجاسة لا تؤثّر في يسوع. فهو الذي يؤثّر فيها فيشفي المرضى ويخرج الشياطين ويدعو
الناس إلى التوبة.
1- الويل للفريسيين (11: 39- 44)
وبدأ الرب كلامه حول مسألة الطهارة (آ 39- 41). إن اللقب الذي يعطيه لوقا ليسوع في
بداية هذا "التوبيخ" يشدّد على سلطته التعليمية في مجال ظلّ حامياً في المسيحية
الأولى. يدور اللوم حول النقيضة "الخارج/ الداخل". وهكذا ينتقل من ممارسة طقسية إلى
تصرّف خلقي. إهتمّ الفريسيون إهتماماً زائداً بالطقس الخارجي والمادي، ثم انتقلوا
من غسل الأيدي إلى غسل الكؤوس والجرار وسائر الأواني المنزلية. أمّا يسوع فعارضهم
لأنهم لا يهتمّون بالنجاسة التي فيهم، لأن باطنهم مملوء خطفاً وشرّاً.
عندما يصنع الفخاري جرّته يهتمّ في الوقت عينه بالخارج وبالداخل، والخالق يهتمّ
بباطن الإنسان كما بخارجه. يريد هذا ولا يترك ذاك. وأخيراً يؤكّد يسوع (وهذه ملاحظة
يقولها لوقا بارتياح) أن الصدقة تحلّ محلّ كل قواعد الطهارة. من أعطى الفقراء كان
له كل شيء نقياً. وهكذا نقل إلى مستوى الطهارة الطقسية ما قاله طوبيت: "الصدقة
تنقّي من كل خطيئة" (طو 12: 19). ونحن نتصدّق ما في وسعنا اليوم، ونسمع ما يقوله
الروح للكنائس، لأن الصدقة بدأت تأخذ أشكالاً عديدة من التضامن، تتعدّى مستوى
الصدقة الفردية نقدّمها لشحاذ قد يكون صادقاً أو كاذباً.
وفي العبارات الثلاث التالية (الويل، الويل، الويل)، يعدّد يسوع ثلاثة تصرّفات تقود
الفريسيين إلى هلاكهم، لأنهم يقرأون الشريعة قراءة خاطئة وسيّئة.
أولاً: يدلّون على غيرتهم فيقدّمون العشور (ومنها ضريبة الهيكل) عن نباتات صغيرة لا
يذكرها التشريع القديم (نح 13: 10- 13: عشور الحنطة والخمر والزيت). ولكنهم يهملون
المتطلّبات الأخلاقية والدينية في الشريعة (10: 27: أحبب الرب، أحبب قريبك). لم
يرذل يسوع الفريضة التي يعطيها التقليد الشفهي في هذه النقطة بالذات، ولكنّه
يذكّرهم بطابعها الثانوي (آ 42). فهي تأتي بعد العدل وحبّ الله.
ثانياً: يطمح الفريسيون إلى أن يراهم الناس، أن يقرّوا بفضلهم في الساحات العامة من
أجل ممارساتهم الخارجية، أو من أجل ما يفرضونه على نفوسهم فوق ما تفرضه الشريعة.
ولكن، لا أجر لهم (آ 43). فإهمالاتهم الأساسية صارخة وهي تحكم عليهم.
ثالثاً: ونجد في ويل ثالث إتهاماً أشارت إليه آ 39، وتحدّثت عنه آ 44 بالصورة. هناك
خلاف بين الظاهر والباطن. هكذا تكون القبور. يطأها الناس ولا يدرون. فالقبر هو شيء
نجس بسبب الجثة التي يحويها. فإن لم يدلّ شيء على وجوده، سار عليه المارّ ولم يعلم،
فتصيبه نجاسة خطيرة. إنّ ظاهر الفريسيين الذين لا لوم فيه ينسي الناس "باطنهم"
الفاسد الذي ينتقل كالعدوى. هذا هو الرياء. إنفصام بين الخارج بما فيه من تملّق
والداخل، والقلب الذي هو بعيد عن الله. ولكن يسوع لم يتلفّظ بعد بالكلمة، التي
سنسمعها في 12: 1: "إحذروا خمير الفريسيين، إحذروا الرياء".
2- الويل لعلماء الشريعة (11: 54- 52)
إتهم يسوع الذين يمارسون الشريعة، لأنهم يتبعون بدقّة تصل إلى الوسواس ما هو سطحي،
ويهملون الجوهر. وأحس عالم بالشريعة ان اتّهام يسوع أصابه هو أيضاً. إنه اختصاصي في
هذا المجال، وتفاسيره تنظّم الحياة اليومية للفريسي العادي (آ 45): "تهيننا نحن
أيضاً".
حينئذ بدأ يسوع "يحاكم" أصحاب "الفتاوى" في الأمور اليومية: ماذا نعمل وماذا لا
نعمل؟ وأرسل اليهم يسوع أيضاً "الويل" على ثلاث مرات.
أولاً: إنّ علماء الشريعة يقومون بعمل متواصل لتفسير الشريعة، فيخلقون غابة من
التنظيمات المفصّلة والمنقّحة والمدقّقة، فيضيع فيها المؤمن العادي. وهكذا صارت
الفرائض سجناً وقيوداً تحاصر الشعب من كل جهة. غير أن علماء الناموس لا يعملون
شيئاً ليساعدوا الذين سقطوا تحت أثقال الشريعة كما يفسّرونها (آ 46). كيف
يساعدونهم؟ يدلّونهم على ما هو في أصل الشريعة: حبّ الله من أجل شعبه.
ثانياً: والتصرّف الثاني الذي يبرزه يسوع (آ 47- 48) والتوسّع الذي يستخرجه (آ 49-
51) يستندان إلى تقليد يهودي شفهي وقديم حول اضطهاد الأنبياء وقتلهم بيد شعب
إسرائيل. فالمؤلّف المنحول (أي غير قانوني، ليس من الأسفار المقدّسة) "حياة
الأنبياء" يخبرنا أن أشعيا نشر بالمنشار، أن إرميا مات رجماً بيد الشعب، أن عاموس
قتل بضربة على رأسه... (رج عب 11: 32- 40). ويذكر هذا المؤلف أيضاً مقتل زكريا بن
يوياداع (رج 2 أخ 24: 2) ويحدّد موقع قبره في أورشليم، كما يقول إن أشعيا دفن في
أورشليم أيضاً.
هاجم يسوع أولئك الذين يشيدون مباني تذكارية حيث ترقد أجساد الأنبياء العظام، الذين
قتلهم "اَباؤكم". فهذه الأبنية لا تدلّ على توبة أولئك الذين شيّدوهم. إنها تعني أن
حاملي كلمة الله الحقيقيّين هم في نظرهم الأنبياء الموتى وحسب. هم الذين كانوا
يلومون الأجيال السابقة. أما الاجيال الحاضرة، فلا تريد نبيّاً تسمع له.
غير أن ما تريده الحكمة البشرية، هو أن ترسل أنبياء ورسلاً يدعون الشعب إلى التوبة،
ومقتلهم لن يوقف هذا المشروع. ومع ذلك، فاستشهاد الأنبياء ظاهرة في التاريخ. أوّل
نبي شهيد هو هابيل (تك 4: 8). يروي التقليد الشفهي أن أخاه قايين قتله لأنه أكّد ان
الله بار وأنه يقيم الموتى. وهكذا يسير الموضوع في نظر يسوع منذ الصفحات الأولى في
التوراة العبرية (سفر التكوين) حتى 2 أخ 24: 22 ومقتل النبي زكريا في الهيكل.
الكرستولوجيا حاضرة في هذا المقطع وإن كانت خفية. فيسوع هو النبي الأخير، هو مرسل
المرسلين، ولن يكون مصيره أفضل من مصير سابقيه. إنه النبي والوسيط بين الله والبشر
في تعليم الخلاص. ولكن لتكن الأمور واضحة: إذا كان هذا الجيل لا يقطع كل رباط مع
تصرّف الآباء المجرم، فعليه أن يؤدّي حساباً عن دم جميع الأنبياء. فالله ينتقم
لشهدائه ويحكم على جلاّديهم، وهكذا تتمّ العدالة.
ثالثاً: ويرسل يسوع اتهاماً أخيراً: الويل لكم، يا علماء التوراة، قبضتم على مفتاح
المعرفة. فعلمهم في الكتاب المقدّس جعل في يدهم المفتاح الذي يصل بالإنسان إلى
معرفة الله ومخطّطه الخلاصي. فهم لم يدخلوا إلى ملكوت الله الذي حلّ بينهم. وأكثر
من هذا، عملوا كل جهدهم لكي يمنعوا الآخرين من الدخول.
وينهي الإطار السردي الخبر بشكل مهدّد (آ 53- 54). بدأ الكتبة والفريسيون ينقمون
على يسوع كل النقمة. فبدلاً من أن يتوبوا مستخلصين العبرة ممّا سمعوا، ساروا في
الطريق التي كانت طريق آبائهم. سيماحكون النبي الأخير ويجادلونه ويضعون له الفخاخ
حتى يوقعوه.
ب- دراسة تفصيلية
إن بداية آ 37 (وإذ كان يتكلّم) تستعيد آ 14 ب (تكلّم) عبر الوصلة في آ 27 (وفيما
هو يتكلّم بهذا). إن هذه الآيات التدوينية تحدّد موقع التويّلات التالية في مجيء
الكلمة كما دشّنها يسوع: "لقد اقترب منكم ملكوت الله" (آ 20). ويعطي النص أيضاً
توضيحاً آخر. فالمقطع الذي ندرس يدخل بين إشارة أولى تقول "دخل" (آ 37، واتّكأ)،
وإشارة أخيرة تقول "خرج" (9: 4- 5)، وانطلاقة السبعين (10: 8، 10) الذين يدخلون إلى
مدينة أو يخرجون إلى الساحات. وهكذا نكون مرّة أخرى في ملء المسيرة الرسولية. فعلى
الفريسيين وعلماء الشريعة أن يعيدوا النظر في ممارستهم على ضوء هذه المتطلّبة
الرسالية.
1- دعاه فريسي إلى الغداء (آ 37- 41)
"وحين قال هذا". إعتاد لوقا أن يستعمل المصدر مع حرف الجرّ "وفي تكلّمه"، إذ كان
يتكلّم. رج 2: 27 (ولما دخل بالطفل)؟ 3: 21 (فشرع يقول لهم). قرأ المخطوط البازي
والسريانية العتيقة: "طلب منه فريسي أن يتغدّى معه" (رج 7: 36). يبدو الفريسيون في
هذا المقطع على أنهم يمارسون ممارسة دقيقة العوائد الدينية القديمة. يزيد
الاسكندراني وغيره أمام كلمة فريسي لفظة "تيس": فريسي ما. وذلك بتأثير من 7: 36؛ رج
14: 1.
دعاه، طلب منه أن يتغدّى معه. قد يعني الفعل أيضاً (ارستان) طعام الفطور، ولكنه
يعني في هذه الجملة طعام الظهر.
تعجّب الفريسي، بل انصدم وتشكّك من هذا المعلّم الذي لم يغسل يديه قبل الطعام. نقرأ
في الكودكس البازي واللاتينية العتيقة والسريانية العتيقة: "حكم في عقله فأخذ
يتساءل لماذا لم يغتسل". هذا يتضمّن أن يسوع قرأ له أفكاره.
لم يغتسل قبل الأكل. لم يقم بطقوس غسل اليدين (على الأكل)؛ رج مر 7: 1- 5؛ تك 18:
4؛ قض 19: 21. لا ننسى أن الإتصال بالجموع وطرد الشياطين يقع في هذا الإطار. أما
تنجّس يسوع؟
نجد في آ 39: الرب، بشكل مطلق. يعطي لوقا هذا اللقب ليسوع قرابة عشرين مرة، هذا ما
عدا المنادي: يا رب. إنه يدلّ بذلك على ملك يسوع السرّي. لا نجد كلمة الرب إلاّ
مرّة واحدة في متّى (21: 3) ومرقس (11: 3)، بمناسبة الإستعداد للدخول إلى أورشليم.
"أنتم الفريسيين". يزيد المخطوط البازي "المرائين" متأثراً بمتّى، مع أنّ لوقا
تحدّث عن "ريائهم" (12: 1)، إلاّ أنّه لم يستعمل أبداً الصفة "فريسي". أما الإسم
"فريسيون" فيُستعمل في صيغة المنادي "أيها الفريسيون".
"خطفاً وشرّاً". قال مت 23: 25: "خطفاً وجشعاً". شدّد لوقا على التعارض أكثر ممّا
فعل متّى. ولكنه لم يقل شيئاً عن ينبوع هذا الخطف. هناك تعارض بين ديانة شكلية
وخارجية لدى الفريسيين، وديانة داخلية، ديانة القلب. نضع في قلوبنا متطلّبات الله.
أما الفريسيون...
"أيها الحمقى" (آ 40). قد يكون لوقا أحلّ هذه التسمية محل "الفريسي الأعمى"، الذي
في المعين (مت 23: 26؛ لو 12: 20). نجد هنا السبب الذي لأجله لا يرضى الرب بالديانة
الخارجية والشريعانية (تعلّق مفرط بالشريعة). "فالذي صنع الخارج" في معنى أول هو
الذي
يصنع الصحون وسائر الأواني. وفي معنى ثان، هو الله. هناك اختلاف مع مت 23: 26، غير
أن التعارض بين الداخل والخارج هو حاضرٌ في المعين.
"تصدّقوا بما في وسعكم". حرفياً: "بما في الداخل". وفهم بعضهم: من داخل كؤوسكم
وصحونكم. هناك مخطوطات قديمة تقول: مما في أيديكم. أعطوه للفقراء. هنا نجد موضوعاً
عزيزاً على قلب لوقا: "بيعوا ما تملكون وتصدّقوا بثمنه على الفقراء" (12: 33).
"إجعلوا لكم أصدقاء..." (16: 9). قال زكا: "أعطي الفقراء نصف أموالي" (19: 8؛ رج أع
9: 36؛ 10: 2، 4، 31؛ 11: 29: 24: 17).
رأى ولهاوزن في "أعطوا صدقة" ترجمة للأرامية "زاكو"، بدلا "داكو". وأن متى أعطى
الترجمة الحقيقية: النقاوة. ولكن جاء من يعارضه.
إن آ 41 لا توازي مت 23: 26. لقد استعمل لوقا آ 40 كمقابل لنصّ مت 23: 26، وزاد
كلامه عن الصدقة: تصدّقوا، حينئذ تصبحون أنقياء.
2- ويلات الفريسيين (آ 42 44)
"الويل" (آ 42). لسنا هنا أمام لعنة، ولا أمام حكم لا عودة عنه. نحنٍ أمام صرخة
شفقة: أنتم بؤساء وحالكم في الويل والتعتير. ونحن أيضاً أمام تحذير وتهديد مع نداء
ملحّ إلى التوبة. نقرأ في 10: 13: الويل لك يا كورزين. يا ليتك تبت كما تابت صيدا
وصور!
"تعشّرون، تؤدّون العشر". يُعطون عشر المدخول من أجل الملك أو الهيكل أو خدّامه.
ولقد تنوّعت العادة في العهد القديم. أما القاعدة التي يلمّح إليها يسوع فنجدها في
تث 14: 22- 27 (رج 12: 6- 29؛ 14: 28- 29؛ 26: 12- 15). ولكن هذه النصوص ليست
واضحة. وهناك أيضاً (من الدستور الكهنوتي) لا 27: 30- 33؛ عد 18: 12؛ نح 10: 37-
38؛ 12: 44؛ 13: 5، 12؛ 2 أخ 31: 5- 12؛ رج ملا 3: 8، 10. جُمعت هذه الأمور حول
العشور في بداية القرن الثالث ب م فدلّت على عقليّة يشير يسوع إليها هنا. مهما كان
الطعام الذي نستعمله فقد نما في الأرض، ويجب أن يعشّر.
"النعنع والسذاب وسائر البقول". أما مت 23: 23 فقال: "النعنع والشّبث والكمّون".
النعنع وحده هو موضوع العشر في نصّ لوقا. المهم هو التعارض بين عشور عن أمور بسيطة،
وتغاضٍ عمّا يسيء إلى العدل ومحبّة الله. "العدل" أي الإستقامة والإنصاف. و"محبّة"
الله أي "أغابي". لا نجد هذه اللفظة في الأناجيل الإزائية إلاّ هنا وفي مت 12: 42
(رج يو 5: 42). إنّ مت 23: 23 يستعمل بالحري: العدل والرحمة والإيمان. أنكون أمام
كلمة "حسد" العبرية بمعانيها الثلاثة؟
"صدور المجالس في المجامع". أماكن الشرف، الأماكن الأولى. هذه الأماكن هي غير "كرسي
موسى" (مت 23: 2). رج 20: 46: "يحبّون التحيات في الساحات، ومكان الصدارة في
المجامع، ومقاعد الشرف في الولائم". فالعالم في الشريعة هو أول من نحيّيه.
في آ 44، وحسب الإسكندراني والبازي وغيرهما نجد: "أيها الكتبة والفريسيون
المراؤون". نحن هنا أمام تنسيق مع مت 23: 27. القبور المخفية في الأرض والمليئة
بعظام الموتى هي ينبوع نجاسة طقسية بالنسبة إلى اليهود (رج عد 19: 11- 22؛ لا 21:
1- 4، 11). بما أن الشعب لا يلاحظها فهو لا يعرف ما هي، ولهذا فهو يتنجّس عندما
يتّصل بها. إنّ مت 23: 27 يرجع إلى عادة قديمة في تبييض القبور قبل الفصح، لكي تبدو
جميلة. ولكن يبقى الداخل.
3- ويلات معلّمي الشريعة (آ 45- 52)
قال لوقا "علماء الشريعة" (نوميكوس). بدل الكتبة. وهكذا فعل في 10: 25؛ 14: 3. نجد
"نوميكوس" مرة واحدة في متّى (22: 35). عالم الشريعة هو اختصاصي في الشريعة لدى
الفريسيين وهو يساوي عمليّاً "الكاتب" المذكور في آ 53 مع الفريسيين. إحتجّ
"العالم" فأجابه يسوع. قال: انت تشتمنا نحن أيضاً. فهم أكبر المتعلّمين بين
الفريسيين أن يسوع ينتقد مجموعة "العلماء" المسؤولين عن تفاصيل التقوى اليهودية.
سمّى "العالم" يسوع: يا معلّم. أي: يا رابي.
"تحمّلون الناس الأثقال". هي واجبات تُستنتج من تفسير الشريعة فتزيد فرائض على
الفرائض المكتوبة. هناك 39 فئة من الأعمال لا يعملها المؤمن يوم السبت، وإلاّ تجاوز
الوصية الثالثة. كان على التوراة أن تكون ينبوع خدمة لله في الفرح، فصارت عبئاً
وثقلاً على المؤمن بسبب علماء الشريعة (رج أع 15: 10). تجاه هذا نقرأ في مت 11: 30
(لا شيء يوازيه في لوقا) ما قاله يسوع: "نيري هيّن وحملي ضعيف".
وأنتم لا تحرّكون هذه الأثقال بأصابعكم. لا تساعدون الشعب في شيء. ولكن هذا النصّ
لا يعني أن علماء الشريعة يسهّلون الأمور لنفوسهم عندما يفسّرون الشريعة.
"تبنون قبور الأنبياء". لكي تكرّموهم وتخلّدوا ذكراهم. هذا في الظاهر. أما في
الحقيقة، فأنتم تتأكدون أنهم لن يعودوا يزعجونكم كما في حياتهم. آباؤكم، أجدادكم
قتلوهم. قال اسطفانس: "إضطهدوا كل نبي، وقتلوا الذين أنبأوا بمجيء البار" (أع 7:
52). وسيُقتل هو أيضاً (7: 54 ي). آباؤكم قتلوا (رج 1: 55؛ 6: 23، 26) وانتم
توافقون حين تبنون القبور. قال مت 23: 31: "أنتم أبناء قتلة الأنبياء". حاول بلاك
أن يفسّر هذا الإختلاف فعاد إلى الأرامية: اتون بنين اتون". نقابل بين "بنى" (يبني)
وبين "بني" (أبناء الأنبياء). ولكن يبقى السؤال: هل يوازي لوقا مت 23: 31، أم هو
يرتبط أيضاً بتقليد آخر؟
"قالت حكمة الله" (آ 49). أدخل لوقا الحكمة. أما مت 23: 34 فجعل هذه الأقوال مباشرة
في شفتي يسوع. قد نكون أمام إيراد من العهد القديم في كتابات يهودية تعود إلى ما
بين العهدين. ولكننا لم نجد بعد مرجعها. كيف نفهم عبارة "حكمة الله" (الله الحكيم)؟
هل تعود إلى الله أم إلى يسوع؟ هناك مقاطع في العهد الجديد تجعلنا نقول إن يسوع هو
حكمة الله (1 كور 1: 24، 30؛ 2: 7؛ كو 2: 3). هل يلمّح لوقا إلى ما تتضمّنه 7: 35
(الحكمة يبرّرها جميع أبنائها: أبناء الحكمة هم الذين يتقبّلون يسوع بالإيمان
ويتجاوبون مع قصد الله)؛ 11: 31 (أعظم من سليمان)؟ هذا ما فهمه آباء الكنيسة.
والمقابلة مع متّى تدلّ على أن يسوع هو الحكمة. فما قالته الحكمة في لوقا قاله يسوع
في متّى.
"أرسل إليهم أنبياء ورسلاً" (ابوستولوس). قال مت 23: 34: أنبياء، حكماء، كتبة.
تحدّث لوقا عن الرسل بعد أن مات عددٌ كبير منهم (أع 12: 2- 5). وقول يسوع هنا يدلّ
على أنه هو نفسه "النبي والرسول" (4: 24) والمتحدّث باسم حكمة الله. وفي ما يتعلّق
بمقتل الأنبياء والرسل، رج 13: 33، 34: "لا يجوز أن يهلك نبي خارج أورشليم... يا
أورشليم، يا قاتلة الأنبياء...".
"دم جميع الأنبياء" (آ 50). رج إر 7: 25: "منذ خرج آباؤكم من أرض مصر إلى هذا
اليوم، وأنا أرسل إليكم عبادي الأنبياء كل يوم بلا انقطاع". رج رؤ 18: 24: "شوهد دم
الأنبياء القديسين".
"منذ إنشاء العالم" (لا نجدها في السبعينيّة). ترد هذه العبارة مراراً في العهد
الجديد: مت 13: 35؛ 25: 34؛ يو 17: 24؛ أف 1: 4؛ عب 4: 3؛ 9: 26؛ 1 بط 1: 20؛ رؤ
13: 8؛ 17: 8. هناك دين على هذا "الجيل" (تك 9: 5؛ 42: 22؛ 2 صم 4: 11؛ مز 9: 13؛
حز 3: 18، 20)، وهكذا يُنتقم لدم الأنبياء. أجل سيؤدي هذا الجيل (الشرير، الملتوي،
الذي لم يؤمن) الحساب. نجد هنا تلميحاً إلى دمار أورشليم. رج 21: 32 (لن يزول هذا
الجيل حتى يحدث هذا كلّه).
"من دم هابيل". نجد هنا تلميحاً إلى مقتله على يد قايين (تك 4: 8- 10؛ اخنوخ 22:
7). ترك لوقا لفظة "الصديق" التي احتفظ بها مت 23: 35 (هابيل الصديق). لم يكن هابيل
نبياً بالمعنى الحصري للكلمة، ولكنه قال كلمة الله حسب التقاليد اليهودية. "إلى دم
زكريا". هو زكريا بن يوياداع الذي رجمه الشعب (لأنه كلّمه باسم الرب) "بأمر من
الملك يوآش في دار الهيكل" (2 أخ 24: 20- 22). لم يُعتبر نبياً، شأنه شأن هابيل.
نحن أمام حقبة من الزمن تبدأ ببداية التوراة (العبرية) وتنتهي بنهايتها (سفر
الأخبار الثاني هو آخر أسفار التوراة العبرية، كما أن سفر التكوين هو أؤلها): في
البداية قتل هابيل وفي النهاية زكريا، فضمّا معهما كل الأنبياء.
عرف المعين "دم زكريا" (متّى، لوقا). ولكن مت 23: 35 زاد "ابن براخيا"، فصار زكريا
"المقتول" نبياً (زك 1: 1). ولكن لا شيء في التوراة يشير إلى مقتل النبي زكريا "بين
الهيكل والمذبح". وإن وُجدت عبارة "إبن برخيا" في المعين، فقد يكون لوقا تركها
تجنّبا للإلتباس.
ويأتي "الويل" الأخير في آ 52: أخذتم مفاتيح المعرفة. أخذتم المفاتيح التي توصل إلى
المعرفة. يتحدّث الشكل المتاوي لهذا القول (23: 13) عن الكتبة والفريسيين الذين
أغلقوا "ملكوت السماوات" (قد يكون هذا نصّ المعين). لم يشر قول لوقا إلى الملكوت،
وإن فسّر النصّ كذلك. فعبارة لوقا التي تتحدّث أيضاً عن شعب ينتظر الدخول، تبدو
وكأنها تلمّح إلى بيت الحكمة (أم 9: 1). هذا يدلّ على الحكمة في المعنى الواسع مع
الإشارة إلى مخطط الله الخلاصي.
4- وخرج يسوع (آ 53- 54)
كان يسوع قد دخل إلى بيت الفريسي (آ 37 ج). وها هو يخرج. هي المرة الوحيدة التي
فيها نتحدّث عن تحرّك يسوع بهذا الشكل في خبر الصعود إلى أورشليم. خرج، وهذا يعني
أنّ آخرين تبعوه.
نقرأ في المخطوط البازي حول آ 53- 54: "حين كان يقول لهم هذه الأشياء، بدأ
الفريسيون وعلماء الشريعة يردّون عليه بعنف ويجادلونه بحضور كل الشعب عن أمور
كئيرة، طالبين مناسبة يمسكونه بها لكي يتّهموه".
ج- تفسير النصّ
تابع لوقا خبر الصعود إلى أورشليم، فأورد بعض أقوال يسوع ضدّ الفريسيين وعلماء
الشريعة (أي: الكتبة). وجدنا هنا ستة "تويّلات" (قال: الويل) موجّهة إلى مجموعتين
في توازٍ تام كما في 6: 26 حيث تأتي التويّلات بعد التطويبات.
ما هو المرجع الذي عاد إليه لوقا ومت 23؟ هذا ما لا نستطيع أن نحدّده بدقّة. ولكننا
نحسّ بتشابه عظيم بين هذين المقطعين (لو 11: 37- 54؛ مت 23: 1 ي) على مستوى المضمون
والمواضيع والكلمات. إلاّ أنه تبقى اختلافات على مستوى ترتيب المواضيع والعبارات
الخاصة. عاد متّى إلى المعين (هو مرجع خاص غرف منه متّى ولوقا)، كما عاد إلى مر 12:
38- 39.
1- النصّ من الوجهة النقدية
أولاً: نلاحظ بعض السمات في شكل هذه الأقوال لدى لوقا
1- إن لوقا نفسه هو الذي دوّن المقدّمة (آ 37- 38. الفريسي يدعو يسوع. هذا لا يعقل
عند متّى ومرقس) وصلة الوصل بين الفريسيين وعلماء الشريعة (آ 45). فإن آ 37- 38 هما
مقدّمة مجموعة الأقوال كلها، بل أيضاً مقدّمة الكلام حول الكأس والطبق (آ 39- 40)
ومقدّمة الويلات ضد الفريسيين (آ 42- 44). دوّن لوقا آ 37 على مثال 7: 16 (دعاه أحد
الفريسيين). إن آ 38 مع الإشارة إلى تهامل يسوع في غسل يديه، تعود إلى مر 7: 2.
وترك اسلوب لوقا آثاره في آ 39 مع استعمال كلمة "الرب" و"قال له". بالإضافة إلى
هذا، يرتبط القول الأول (حول غسل الأطباق) بشكل متراخٍ مع تهامل يسوع في غسل يديه.
2- إن أقوال يسوع في متى (23: 1 ي) تتوجّه مباشرة وبشكل متواصل ضدّ الكتبة
والفريسيين (الويل 7 مرات، عدد الكمال، آ 2، 13، 15، 23، 25، 27، 29). أما لوقا فقد
جعل من المواد التي "ورثها" سلسلتين تتألف كل منهما من ثلاثة تويّلات. في آ 42- 44:
ضد الفريسيين. في آ 46- 52، ضدّ علماء الشريعة. هذا التوازي (2 × 3) هو عمل لوقا
الخاص. وقد ينتج عنه إغفال "الويل" قبل القول الأول (آ 39- 40. الرقم 6 يدلّ على
النقص. ترك يسوع الباب مفتوحاً أمام الفريسيين).
3- زاد لوقا آ 41 التي لا تجد ما يوازيها في متّى. ألّفها لوقا ليبرز الصدقة كتعبير
عمّا في داخل الإنسان.
4- زاد آ 53- 54 اللتين تشكّلان مع آ 37- 38 الإطار الإخباري لأقوال يسوع هذه.
ثانياً: ونلاحظ ميزتين خاصتين بلوقا حين نقابله مع متّى
1- نقابل لو 11: 43 مع مت 23: 6؛ لو 11: 44 مع مت 33: 27؛ لو 11: 47- 48 مع مت 23:
29- 31؛ لو 11: 51 مع مت 23: 35- 36، ونلاحظ أن لوقا أوجز بعض الأمور.
2- أزال لوقا كل ما لا يقدّره أو لا يفهمه قارئ إنجيله المسيحي الآتي من العالم
الوثني. مثلاً، ترك السذاب والشّبث، ووضع البقول (التي تؤكل) (آ 42). ترك في مت 23:
23 "أثقل ما في الناموس". وترك في مت 23: 8: "أن يدعوهم الناس رابي". وفي مت 23:
27: "القبور المكلّسة". وفي مت 23: 34: "تجلدون في مجامعكم". وفي مت 23: 35: "إبن
برخيا". وفي مت 23: 13: "ملكوت السماوات".
3- أدخل لوقا "حكمة الله" (آ 49، حيث جعل متّى الموازي الكلمات على شفتي يسوع) وهو
موضوع قريب من عالم الحكمة في 11: 35 (رج 7: 35). وأضاف "مفتاح المعرفة" (آ 52)
فكان الإنجيلي الوحيد الذي يتحدّث عن المعرفة (غنوسيس، رج 1: 77).
4- بدّل لوقا ترتيب التويّلات. فما في متّى يقابل في لوقا آ 43، 46، 52، 42 (39)،
44، 47.
5- ضمّت آ 49- 51 إلى آ 46- 48 في المعين، وإن كنّا نفضّل أن ننسب "حكمة الله" إلى
قلم لوقا.
6- نقابل آ 53- 54 مع خاتمات مشابهة في 6: 11؛ 19: 47؛ 20: 19؛ 22: 2 التي تجد ما
يقابلها في مرقس. ولكنها تدلّ على تنامي العداء ضدّ رسالة يسوع.
7- إن آ 43 تتكرّر في 20: 46 الذي يعود إلى مر 12: 38- 39. بالإضافة إلى ذلك، نجد
في آ 39- 40 الرقم 89 في إنجيل توما: "قال يسوع: لماذا تغسلون خارج الكأس؟ ألا
تفهمون أن الذي صنع الباطن هو الذي صنع الظاهر"؟ قد يبدو هذا الشكل أولانياً. ولكنه
في الواقع تبسيط لقول سابق مع التشديد على الوحدة الإلهية. ونجد أيضاً آ 52 في
الرقم 39 أ من إنجيل توما. "قال يسوع: أخذ الفريسيون والكتبة مفاتيح المعرفة.
أخفوها، فما دخلوا ولم يسمحوا للذين رغبوا في الدخول". وزيد على إنجيل توما مت 10:
16 ب (كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام). نحن هنا أمام توسّع في النصوص
القانونية.
2- النصّ من الوجهة الإخبارية
يتكوّن النصّ من إطار إخباري ألّفه لوقا (آ 37- 38، 53- 54)، ثم من مقدّمة إخبارية
ثانوية (آ 45) وأقوال يسوع. هذه قد رتّبها بولتمان بين أقوال حول الشريعة (آ 39،
41، 42) وأقوال تدلّ على التهديد (آ 43- 44، 46- 48، 49- 51). إن التويّلات الستة
هي في آ 42- 44، 46، 47، 52. وهذا يعني أن آ 42 تخصّ أقوال التهديد. وتعتبر آ 49 في
السياق اللوقاوي كقول حكمة.
في هذا الجزء من خبر الصعود إلى أورشليم، يصوّر لوقا يسوع في جدال مع الوجوه
الدينية في فلسطين. هل يُعقل أن يكون يسوع قال هذه الأقوال ضدّ الوجهاء، خصوصاً
خلال غداء دُعي إليه؟ فالاختلاف بين السياق اللوقاوي والسياق المتاوي يكشف عن عمل
ثانٍ في تجميع هذه الأقوال في وحدة متكاملة. قبلَ يسوع الدعوة إلى الغداء، ولكنه
أهمل عادة غسل (الأيدي) قبل الطعام. فهذا ما يعتبره مضيفه مهماً جداً.
وهذه الصدمة لدى المضيف جعلت يسوع يقدّم ملاحظة حول النقاوة (لا نقاوة الذات أو
الأيدي)، بل حول طقوس تطهير الآنية المنزلية. لا تكفي النقاوة الخارجية، فهي سطحية.
فعلى الإنسان أن ينقّي داخل الكأس أو الصحفة أيضاً. إنّ داخل هذه الآنية هو رمز إلى
داخل الكائن البشري الذي هو مملوء شرّاً وخطفاً. وأوصى يسوع الإنسان بأن ينظر إلى
صانع الأواني: هو صنع الظاهر وهو الذي صنع الباطن. إن الإشارة إلى "الصانع" تعطي
القول بعداً لم يغب عن القارئ. الصانع هو الله نفسه الذي سمّاه لوقا في أمكنة أخرى:
"العالم بالقلوب" (أع 1: 24؛ 15: 8؛ لو 16: 15؛ رج 1 صم 16: 7؛ أم 24: 12). إنه
يعرف الشرّ الذي فينا. وزاد لوقا نصيحة على هذا الكلام: إجعل مضمون الكأس والصحفة
صدقة للفقراء، فتصبح النقاوة تامة بأي حال. فالخطف والشرّ لا يغسلان حياة الإنسان،
بل يصل به وضعُه إلى الحصول أمام الله على نقاوة يكمّلها الغسل الطقسي. حينئذ يصبح
كل شيء نقياً. فالإهتمام والقواعد السطحية قد تفتح الطريق أمام نقاوة في الداخل.
وجهت ثلاثة تويّلات إلى الفريسيين، معاصري يسوع، الذين عاشوا حسب القواعد الموجودة
في شريعة موسى وكما فسّرها الكتبة تفسيراً دقيقاً. الويل الأول (آ 42) يعارض بين
اهتمامهم بالتفاصيل وبناء العوائق حول الشريعة مع إهمالهم لما هو مهمّ حقاً:
يعشّرون البقول وينسون العدل ومحبّة الله. لا يلغي يسوع العشور بل يقول: إعملوا هذه
ولا تهملوا تلك. وجاء كلامه عن العدل ومحبّة الله صدى لما في مي 6: 8: "إصنع العدل،
أحبّ الرحمة، وسر بتواضع أمام إلهك".
الويل الثاني (آ 43) يلوم الفريسيين لأنهم يضخّمون ذواتهم. هم يمارسون الشريعة
بوقائعها، فرضوا عن نفوسهم، وأرادوا أن يمجّدهم الناس. والويل الثالث (آ 45) ينتقد
الفريسيين لأنهم لم يفهموا أنهم غير ما يبدون. والشعب لا يفهم هذا الشرّ الموجود في
الفريسيين والذي يعرّض الناس للنجاسة: إنهم كالقبور المليئة بعظام الموتى. يبدون
قدّيسين، ولكنهم يخيّبون آمال الناس.
ويتبع هذا الكلام ثلاثة تويّلات تتوجّه إلى علماء الشريعة، وهي تتّصل بالشريعة
والأنبياء والحكمة. فبعد سؤال من "عالم" من العلماء، وجّه يسوع الويل الأول ضدّ
"علماء الناموس"، فكان صدى للويل الأول الذي وجّه إلى الفريسيين: إن هؤلاء
"العلماء" يفسّرون شريعة موسى وتقاليد الآباء (مر 7: 5؛ رج غل 1: 14) تفسيراً
دقيقاً يخلق عدداً من الفرائض تثقل على كاهل الشعب. لا تعني كلمة يسوع فقط أنهم
يفرضون الاحمال على الآخرين، بل هم لا يريدون أن يحرّكوها. وهذا ما يجعل خدمة الله
حملاً ثقيلاً.
ولا ينتهي عمل العالم بالشريعة حين يقول للضعفاء إنهم خطئوا وعليهم أن يتوبوا، بل
عليه أن يحرّك اصبعه ليخفّف حملهم، ويجعلهم يفهمون أن شريعة الله هي تعبير عن حبّه
لشعبه. ولكن علماء الشريعة لم يفعلوا شيئاً من هذا. والويل الثاني (آ 47- 48 مع
الأقوال في آ 49- 51) يتوجّه إلى الفريسيين أكثر منه إلى علماء الشريعة. هو ينتقدهم
لأنهم شيّدوا قبوراً ضخمة إكراماً لذكر الأنبياء الذين قتلهم آباؤهم. إن مشاركتهم
في جريمة آبائهم تعكس ردة فعلهم تجاه يسوع، آخر "الأنبياء والمرسلين". فقد رفضوا أن
يسمعوا له وأن يعرفوه. وهذا يتضمّن أيضاً أن آخر الأنبياء سيكون له ذات المصير الذي
لقيه الأنبياء.
ولكن لا شيء يقاوم حكمة الله، وكلمة يسوع اتخذت منحى خطيراً: إن لم يقطع هذا الجيل
كل رباط مع الماضي، فسيؤدّي جواباً على كل ظلم صُنع تجاه الذين اختارهم الله، من
هابيل إلى زكريا، منذ البداية إلى النهاية. والويل الثالث ضدّ علماء الشريعة (آ 52)
يكشف الوضع المحزن لهؤلاء الناس المتعلّمين: أعطي لهم مفتاح المعرفة، ليكشفوا معرفة
الله وإرادته في التوراة والتقليد. أعطي لهم مفتاح البيت الذي بنته الحكمة (أم 9:
1). لم يدخلوا هم هذا البيت، ومنعوا الآخرين من الدخول. لهذا سيُعاقبون على
إهمالهم.
في الآيات الإخبارية في النهاية (آ 53- 54) صار علماء الشريعة "الكتبة". وأشار
النصّ إلى معارضتهم ليسوع بسبب أقواله عليهم وعلى الفريسيين.
إن أقواله المهدّدة ضدّ القوّاد الدينيين لدى اليهود صار مع الوقت تحذيراً ضدّ
مدينة أورشليم وسكانها (13: 1- 9؛ 13: 34- 35؛ 19: 41- 44؛ 23: 28- 31).
خاتمة
من "الخارج" إلى "الداخل"، من "الطاهر" إلى "النجس". هنا نحسّ أننا أمام خبرة بطرس
قبل أن يذهب إلى بيت كورنيليوس: "كل حياتي لم يدخل في فمي نجس أو دنس" (أع 11: 8).
فجاء جواب الربّ واضحاً: الله صنع الظاهر والباطن. كل شيء هو عمله، إذن كل مخلوق هو
طاهر (أع 10: 15؛ رج مر 7: 19 ب). وفهم بطرس أنه لا يحقّ له أن يدعو "إنساناً نجساً
أو دنسأ" (أع 10: 28). إذا كان الأمر هكذا، وجب علينا أن نرفض عالماً يجعل الحواجز
على مستوى العلاقات البشرية.
كان اتّهام يسوع عنيفاً ضدّ الفريسيين وعلماء الشريعة. إنهم يقتلون كل الذين يحيا
فيهم روح يسوع، يتكلّم فيهم روح يسوع. لم يكتشفوا كرازة التطويبات ولا إيمان قائد
المئة، ولا محبة الخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان. أزالوا مفتاح المعرفة فجعلوا
نفوسهم خارج الملكوت. قتلوا الأنبياء. قتلوا يسوع نفسه. واضطهدوا الرسل، شهود
الكلمة. وهكذا اغلقوا باب الملكوت عمّن يريد أن يدخله.
شدّد الفريسيون على الطاهر والنجس، فلم يفهموا ما فعله السامري مع الجريح في
الطريق. وشدّد علماء الشريعة على تفاصيل الحياة، فلم يفهموا موقف مريم الجالسة عند
قدَمَيْ المعلّم تسمع له. كلّهم يهدمون الرسالة في أساسها لأنهم رفضوا التعرّف إلى
روح يسوع.
الفصل السادس عشر
الويل للفريسيين، الويل لعلماء الشريعة
11: 37- 54
دُعي يسوع إلى الغداء. دعاه أحد الفريسيين فدخل واتّكأ. وكانت له مناسبة أن يدلّ
على الفرق بين موقفه وموقف الفريسيين وعلماء الشريعة، كما فعل حين غفر للخاطئة (7:
36 ي) وكما سيفعل حين يشفي المريض بداء الإستسقاء (14: 1 ي). في هذا الإطار
الإخباري، بدأ يسوع فوجّه لوماً إلى الفريسيين. وبعد أن تدخّل عالم من علماء
الشريعة، تابع يسوع انتقاده للكتبة. جاء كلام الربّ في صيغة "التويل". الويل لكم
ايها الفريسيون... كان قد قال في 10: 13: الويل لك يا كورزين، الويل لك يا بيت
صيدا. وعارض التطويبات في 6: 24- 26: الويل لكم أيها الأغنياء، الويل لكم أيها
المشبعون، الويل لكم أيها الضاحكون. وها هو يقول: الويل لكم أيها الفريسيون وعلماء
الشريعة.
أ- كان يتكلّم
نقطة الإنطلاق هي موقف يسوع. لم يقم بالإغتسال الطقسي. لم يغتسل قبل الأكل. أهمل
عملاً "طقسيّاً" يفرضه التقليد. أتراه أيضاً علّم تلاميذه فتناولوا الطعام بأيدٍ
نجسة أي غير مغسولة (مر 7: 2). إن الفريسيين لا يعتبرون هذا الغسل إجراء صحّياً.
إنه طقس ديني. إنه دواء ضدّ النجاسات المختلفة التي تنتقل من الناس والأشياء إلى
المؤمن كما تنتقل العدوى. أما صار يسوع نجساً بعد أن لمس ذاك الأخرس الذي فيه شيطان
(11: 14)؟ أما تنجّس حين لمس الجموع التي كانت تزحمه من كل مكان (11: 29)؟ ولكن
النجاسة لا تؤثّر في يسوع. فهو الذي يؤثّر فيها فيشفي المرضى ويخرج الشياطين ويدعو
الناس إلى التوبة.
1- الويل للفريسيين (11: 39- 44)
وبدأ الرب كلامه حول مسألة الطهارة (آ 39- 41). إن اللقب الذي يعطيه لوقا ليسوع في
بداية هذا "التوبيخ" يشدّد على سلطته التعليمية في مجال ظلّ حامياً في المسيحية
الأولى. يدور اللوم حول النقيضة "الخارج/ الداخل". وهكذا ينتقل من ممارسة طقسية إلى
تصرّف خلقي. إهتمّ الفريسيون إهتماماً زائداً بالطقس الخارجي والمادي، ثم انتقلوا
من غسل الأيدي إلى غسل الكؤوس والجرار وسائر الأواني المنزلية. أمّا يسوع فعارضهم
لأنهم لا يهتمّون بالنجاسة التي فيهم، لأن باطنهم مملوء خطفاً وشرّاً.
عندما يصنع الفخاري جرّته يهتمّ في الوقت عينه بالخارج وبالداخل، والخالق يهتمّ
بباطن الإنسان كما بخارجه. يريد هذا ولا يترك ذاك. وأخيراً يؤكّد يسوع (وهذه ملاحظة
يقولها لوقا بارتياح) أن الصدقة تحلّ محلّ كل قواعد الطهارة. من أعطى الفقراء كان
له كل شيء نقياً. وهكذا نقل إلى مستوى الطهارة الطقسية ما قاله طوبيت: "الصدقة
تنقّي من كل خطيئة" (طو 12: 19). ونحن نتصدّق ما في وسعنا اليوم، ونسمع ما يقوله
الروح للكنائس، لأن الصدقة بدأت تأخذ أشكالاً عديدة من التضامن، تتعدّى مستوى
الصدقة الفردية نقدّمها لشحاذ قد يكون صادقاً أو كاذباً.
وفي العبارات الثلاث التالية (الويل، الويل، الويل)، يعدّد يسوع ثلاثة تصرّفات تقود
الفريسيين إلى هلاكهم، لأنهم يقرأون الشريعة قراءة خاطئة وسيّئة.
أولاً: يدلّون على غيرتهم فيقدّمون العشور (ومنها ضريبة الهيكل) عن نباتات صغيرة لا
يذكرها التشريع القديم (نح 13: 10- 13: عشور الحنطة والخمر والزيت). ولكنهم يهملون
المتطلّبات الأخلاقية والدينية في الشريعة (10: 27: أحبب الرب، أحبب قريبك). لم
يرذل يسوع الفريضة التي يعطيها التقليد الشفهي في هذه النقطة بالذات، ولكنّه
يذكّرهم بطابعها الثانوي (آ 42). فهي تأتي بعد العدل وحبّ الله.
ثانياً: يطمح الفريسيون إلى أن يراهم الناس، أن يقرّوا بفضلهم في الساحات العامة من
أجل ممارساتهم الخارجية، أو من أجل ما يفرضونه على نفوسهم فوق ما تفرضه الشريعة.
ولكن، لا أجر لهم (آ 43). فإهمالاتهم الأساسية صارخة وهي تحكم عليهم.
ثالثاً: ونجد في ويل ثالث إتهاماً أشارت إليه آ 39، وتحدّثت عنه آ 44 بالصورة. هناك
خلاف بين الظاهر والباطن. هكذا تكون القبور. يطأها الناس ولا يدرون. فالقبر هو شيء
نجس بسبب الجثة التي يحويها. فإن لم يدلّ شيء على وجوده، سار عليه المارّ ولم يعلم،
فتصيبه نجاسة خطيرة. إنّ ظاهر الفريسيين الذين لا لوم فيه ينسي الناس "باطنهم"
الفاسد الذي ينتقل كالعدوى. هذا هو الرياء. إنفصام بين الخارج بما فيه من تملّق
والداخل، والقلب الذي هو بعيد عن الله. ولكن يسوع لم يتلفّظ بعد بالكلمة، التي
سنسمعها في 12: 1: "إحذروا خمير الفريسيين، إحذروا الرياء".
2- الويل لعلماء الشريعة (11: 54- 52)
إتهم يسوع الذين يمارسون الشريعة، لأنهم يتبعون بدقّة تصل إلى الوسواس ما هو سطحي،
ويهملون الجوهر. وأحس عالم بالشريعة ان اتّهام يسوع أصابه هو أيضاً. إنه اختصاصي في
هذا المجال، وتفاسيره تنظّم الحياة اليومية للفريسي العادي (آ 45): "تهيننا نحن
أيضاً".
حينئذ بدأ يسوع "يحاكم" أصحاب "الفتاوى" في الأمور اليومية: ماذا نعمل وماذا لا
نعمل؟ وأرسل اليهم يسوع أيضاً "الويل" على ثلاث مرات.
أولاً: إنّ علماء الشريعة يقومون بعمل متواصل لتفسير الشريعة، فيخلقون غابة من
التنظيمات المفصّلة والمنقّحة والمدقّقة، فيضيع فيها المؤمن العادي. وهكذا صارت
الفرائض سجناً وقيوداً تحاصر الشعب من كل جهة. غير أن علماء الناموس لا يعملون
شيئاً ليساعدوا الذين سقطوا تحت أثقال الشريعة كما يفسّرونها (آ 46). كيف
يساعدونهم؟ يدلّونهم على ما هو في أصل الشريعة: حبّ الله من أجل شعبه.
ثانياً: والتصرّف الثاني الذي يبرزه يسوع (آ 47- 48) والتوسّع الذي يستخرجه (آ 49-
51) يستندان إلى تقليد يهودي شفهي وقديم حول اضطهاد الأنبياء وقتلهم بيد شعب
إسرائيل. فالمؤلّف المنحول (أي غير قانوني، ليس من الأسفار المقدّسة) "حياة
الأنبياء" يخبرنا أن أشعيا نشر بالمنشار، أن إرميا مات رجماً بيد الشعب، أن عاموس
قتل بضربة على رأسه... (رج عب 11: 32- 40). ويذكر هذا المؤلف أيضاً مقتل زكريا بن
يوياداع (رج 2 أخ 24: 2) ويحدّد موقع قبره في أورشليم، كما يقول إن أشعيا دفن في
أورشليم أيضاً.
هاجم يسوع أولئك الذين يشيدون مباني تذكارية حيث ترقد أجساد الأنبياء العظام، الذين
قتلهم "اَباؤكم". فهذه الأبنية لا تدلّ على توبة أولئك الذين شيّدوهم. إنها تعني أن
حاملي كلمة الله الحقيقيّين هم في نظرهم الأنبياء الموتى وحسب. هم الذين كانوا
يلومون الأجيال السابقة. أما الاجيال الحاضرة، فلا تريد نبيّاً تسمع له.
غير أن ما تريده الحكمة البشرية، هو أن ترسل أنبياء ورسلاً يدعون الشعب إلى التوبة،
ومقتلهم لن يوقف هذا المشروع. ومع ذلك، فاستشهاد الأنبياء ظاهرة في التاريخ. أوّل
نبي شهيد هو هابيل (تك 4: 8). يروي التقليد الشفهي أن أخاه قايين قتله لأنه أكّد ان
الله بار وأنه يقيم الموتى. وهكذا يسير الموضوع في نظر يسوع منذ الصفحات الأولى في
التوراة العبرية (سفر التكوين) حتى 2 أخ 24: 22 ومقتل النبي زكريا في الهيكل.
الكرستولوجيا حاضرة في هذا المقطع وإن كانت خفية. فيسوع هو النبي الأخير، هو مرسل
المرسلين، ولن يكون مصيره أفضل من مصير سابقيه. إنه النبي والوسيط بين الله والبشر
في تعليم الخلاص. ولكن لتكن الأمور واضحة: إذا كان هذا الجيل لا يقطع كل رباط مع
تصرّف الآباء المجرم، فعليه أن يؤدّي حساباً عن دم جميع الأنبياء. فالله ينتقم
لشهدائه ويحكم على جلاّديهم، وهكذا تتمّ العدالة.
ثالثاً: ويرسل يسوع اتهاماً أخيراً: الويل لكم، يا علماء التوراة، قبضتم على مفتاح
المعرفة. فعلمهم في الكتاب المقدّس جعل في يدهم المفتاح الذي يصل بالإنسان إلى
معرفة الله ومخطّطه الخلاصي. فهم لم يدخلوا إلى ملكوت الله الذي حلّ بينهم. وأكثر
من هذا، عملوا كل جهدهم لكي يمنعوا الآخرين من الدخول.
وينهي الإطار السردي الخبر بشكل مهدّد (آ 53- 54). بدأ الكتبة والفريسيون ينقمون
على يسوع كل النقمة. فبدلاً من أن يتوبوا مستخلصين العبرة ممّا سمعوا، ساروا في
الطريق التي كانت طريق آبائهم. سيماحكون النبي الأخير ويجادلونه ويضعون له الفخاخ
حتى يوقعوه.
ب- دراسة تفصيلية
إن بداية آ 37 (وإذ كان يتكلّم) تستعيد آ 14 ب (تكلّم) عبر الوصلة في آ 27 (وفيما
هو يتكلّم بهذا). إن هذه الآيات التدوينية تحدّد موقع التويّلات التالية في مجيء
الكلمة كما دشّنها يسوع: "لقد اقترب منكم ملكوت الله" (آ 20). ويعطي النص أيضاً
توضيحاً آخر. فالمقطع الذي ندرس يدخل بين إشارة أولى تقول "دخل" (آ 37، واتّكأ)،
وإشارة أخيرة تقول "خرج" (9: 4- 5)، وانطلاقة السبعين (10: 8، 10) الذين يدخلون إلى
مدينة أو يخرجون إلى الساحات. وهكذا نكون مرّة أخرى في ملء المسيرة الرسولية. فعلى
الفريسيين وعلماء الشريعة أن يعيدوا النظر في ممارستهم على ضوء هذه المتطلّبة
الرسالية.
1- دعاه فريسي إلى الغداء (آ 37- 41)
"وحين قال هذا". إعتاد لوقا أن يستعمل المصدر مع حرف الجرّ "وفي تكلّمه"، إذ كان
يتكلّم. رج 2: 27 (ولما دخل بالطفل)؟ 3: 21 (فشرع يقول لهم). قرأ المخطوط البازي
والسريانية العتيقة: "طلب منه فريسي أن يتغدّى معه" (رج 7: 36). يبدو الفريسيون في
هذا المقطع على أنهم يمارسون ممارسة دقيقة العوائد الدينية القديمة. يزيد
الاسكندراني وغيره أمام كلمة فريسي لفظة "تيس": فريسي ما. وذلك بتأثير من 7: 36؛ رج
14: 1.
دعاه، طلب منه أن يتغدّى معه. قد يعني الفعل أيضاً (ارستان) طعام الفطور، ولكنه
يعني في هذه الجملة طعام الظهر.
تعجّب الفريسي، بل انصدم وتشكّك من هذا المعلّم الذي لم يغسل يديه قبل الطعام. نقرأ
في الكودكس البازي واللاتينية العتيقة والسريانية العتيقة: "حكم في عقله فأخذ
يتساءل لماذا لم يغتسل". هذا يتضمّن أن يسوع قرأ له أفكاره.
لم يغتسل قبل الأكل. لم يقم بطقوس غسل اليدين (على الأكل)؛ رج مر 7: 1- 5؛ تك 18:
4؛ قض 19: 21. لا ننسى أن الإتصال بالجموع وطرد الشياطين يقع في هذا الإطار. أما
تنجّس يسوع؟
نجد في آ 39: الرب، بشكل مطلق. يعطي لوقا هذا اللقب ليسوع قرابة عشرين مرة، هذا ما
عدا المنادي: يا رب. إنه يدلّ بذلك على ملك يسوع السرّي. لا نجد كلمة الرب إلاّ
مرّة واحدة في متّى (21: 3) ومرقس (11: 3)، بمناسبة الإستعداد للدخول إلى أورشليم.
"أنتم الفريسيين". يزيد المخطوط البازي "المرائين" متأثراً بمتّى، مع أنّ لوقا
تحدّث عن "ريائهم" (12: 1)، إلاّ أنّه لم يستعمل أبداً الصفة "فريسي". أما الإسم
"فريسيون" فيُستعمل في صيغة المنادي "أيها الفريسيون".
"خطفاً وشرّاً". قال مت 23: 25: "خطفاً وجشعاً". شدّد لوقا على التعارض أكثر ممّا
فعل متّى. ولكنه لم يقل شيئاً عن ينبوع هذا الخطف. هناك تعارض بين ديانة شكلية
وخارجية لدى الفريسيين، وديانة داخلية، ديانة القلب. نضع في قلوبنا متطلّبات الله.
أما الفريسيون...
"أيها الحمقى" (آ 40). قد يكون لوقا أحلّ هذه التسمية محل "الفريسي الأعمى"، الذي
في المعين (مت 23: 26؛ لو 12: 20). نجد هنا السبب الذي لأجله لا يرضى الرب بالديانة
الخارجية والشريعانية (تعلّق مفرط بالشريعة). "فالذي صنع الخارج" في معنى أول هو
الذي
يصنع الصحون وسائر الأواني. وفي معنى ثان، هو الله. هناك اختلاف مع مت 23: 26، غير
أن التعارض بين الداخل والخارج هو حاضرٌ في المعين.
"تصدّقوا بما في وسعكم". حرفياً: "بما في الداخل". وفهم بعضهم: من داخل كؤوسكم
وصحونكم. هناك مخطوطات قديمة تقول: مما في أيديكم. أعطوه للفقراء. هنا نجد موضوعاً
عزيزاً على قلب لوقا: "بيعوا ما تملكون وتصدّقوا بثمنه على الفقراء" (12: 33).
"إجعلوا لكم أصدقاء..." (16: 9). قال زكا: "أعطي الفقراء نصف أموالي" (19: 8؛ رج أع
9: 36؛ 10: 2، 4، 31؛ 11: 29: 24: 17).
رأى ولهاوزن في "أعطوا صدقة" ترجمة للأرامية "زاكو"، بدلا "داكو". وأن متى أعطى
الترجمة الحقيقية: النقاوة. ولكن جاء من يعارضه.
إن آ 41 لا توازي مت 23: 26. لقد استعمل لوقا آ 40 كمقابل لنصّ مت 23: 26، وزاد
كلامه عن الصدقة: تصدّقوا، حينئذ تصبحون أنقياء.
2- ويلات الفريسيين (آ 42 44)
"الويل" (آ 42). لسنا هنا أمام لعنة، ولا أمام حكم لا عودة عنه. نحنٍ أمام صرخة
شفقة: أنتم بؤساء وحالكم في الويل والتعتير. ونحن أيضاً أمام تحذير وتهديد مع نداء
ملحّ إلى التوبة. نقرأ في 10: 13: الويل لك يا كورزين. يا ليتك تبت كما تابت صيدا
وصور!
"تعشّرون، تؤدّون العشر". يُعطون عشر المدخول من أجل الملك أو الهيكل أو خدّامه.
ولقد تنوّعت العادة في العهد القديم. أما القاعدة التي يلمّح إليها يسوع فنجدها في
تث 14: 22- 27 (رج 12: 6- 29؛ 14: 28- 29؛ 26: 12- 15). ولكن هذه النصوص ليست
واضحة. وهناك أيضاً (من الدستور الكهنوتي) لا 27: 30- 33؛ عد 18: 12؛ نح 10: 37-
38؛ 12: 44؛ 13: 5، 12؛ 2 أخ 31: 5- 12؛ رج ملا 3: 8، 10. جُمعت هذه الأمور حول
العشور في بداية القرن الثالث ب م فدلّت على عقليّة يشير يسوع إليها هنا. مهما كان
الطعام الذي نستعمله فقد نما في الأرض، ويجب أن يعشّر.
"النعنع والسذاب وسائر البقول". أما مت 23: 23 فقال: "النعنع والشّبث والكمّون".
النعنع وحده هو موضوع العشر في نصّ لوقا. المهم هو التعارض بين عشور عن أمور بسيطة،
وتغاضٍ عمّا يسيء إلى العدل ومحبّة الله. "العدل" أي الإستقامة والإنصاف. و"محبّة"
الله أي "أغابي". لا نجد هذه اللفظة في الأناجيل الإزائية إلاّ هنا وفي مت 12: 42
(رج يو 5: 42). إنّ مت 23: 23 يستعمل بالحري: العدل والرحمة والإيمان. أنكون أمام
كلمة "حسد" العبرية بمعانيها الثلاثة؟
"صدور المجالس في المجامع". أماكن الشرف، الأماكن الأولى. هذه الأماكن هي غير "كرسي
موسى" (مت 23: 2). رج 20: 46: "يحبّون التحيات في الساحات، ومكان الصدارة في
المجامع، ومقاعد الشرف في الولائم". فالعالم في الشريعة هو أول من نحيّيه.
في آ 44، وحسب الإسكندراني والبازي وغيرهما نجد: "أيها الكتبة والفريسيون
المراؤون". نحن هنا أمام تنسيق مع مت 23: 27. القبور المخفية في الأرض والمليئة
بعظام الموتى هي ينبوع نجاسة طقسية بالنسبة إلى اليهود (رج عد 19: 11- 22؛ لا 21:
1- 4، 11). بما أن الشعب لا يلاحظها فهو لا يعرف ما هي، ولهذا فهو يتنجّس عندما
يتّصل بها. إنّ مت 23: 27 يرجع إلى عادة قديمة في تبييض القبور قبل الفصح، لكي تبدو
جميلة. ولكن يبقى الداخل.
3- ويلات معلّمي الشريعة (آ 45- 52)
قال لوقا "علماء الشريعة" (نوميكوس). بدل الكتبة. وهكذا فعل في 10: 25؛ 14: 3. نجد
"نوميكوس" مرة واحدة في متّى (22: 35). عالم الشريعة هو اختصاصي في الشريعة لدى
الفريسيين وهو يساوي عمليّاً "الكاتب" المذكور في آ 53 مع الفريسيين. إحتجّ
"العالم" فأجابه يسوع. قال: انت تشتمنا نحن أيضاً. فهم أكبر المتعلّمين بين
الفريسيين أن يسوع ينتقد مجموعة "العلماء" المسؤولين عن تفاصيل التقوى اليهودية.
سمّى "العالم" يسوع: يا معلّم. أي: يا رابي.
"تحمّلون الناس الأثقال". هي واجبات تُستنتج من تفسير الشريعة فتزيد فرائض على
الفرائض المكتوبة. هناك 39 فئة من الأعمال لا يعملها المؤمن يوم السبت، وإلاّ تجاوز
الوصية الثالثة. كان على التوراة أن تكون ينبوع خدمة لله في الفرح، فصارت عبئاً
وثقلاً على المؤمن بسبب علماء الشريعة (رج أع 15: 10). تجاه هذا نقرأ في مت 11: 30
(لا شيء يوازيه في لوقا) ما قاله يسوع: "نيري هيّن وحملي ضعيف".
وأنتم لا تحرّكون هذه الأثقال بأصابعكم. لا تساعدون الشعب في شيء. ولكن هذا النصّ
لا يعني أن علماء الشريعة يسهّلون الأمور لنفوسهم عندما يفسّرون الشريعة.
"تبنون قبور الأنبياء". لكي تكرّموهم وتخلّدوا ذكراهم. هذا في الظاهر. أما في
الحقيقة، فأنتم تتأكدون أنهم لن يعودوا يزعجونكم كما في حياتهم. آباؤكم، أجدادكم
قتلوهم. قال اسطفانس: "إضطهدوا كل نبي، وقتلوا الذين أنبأوا بمجيء البار" (أع 7:
52). وسيُقتل هو أيضاً (7: 54 ي). آباؤكم قتلوا (رج 1: 55؛ 6: 23، 26) وانتم
توافقون حين تبنون القبور. قال مت 23: 31: "أنتم أبناء قتلة الأنبياء". حاول بلاك
أن يفسّر هذا الإختلاف فعاد إلى الأرامية: اتون بنين اتون". نقابل بين "بنى" (يبني)
وبين "بني" (أبناء الأنبياء). ولكن يبقى السؤال: هل يوازي لوقا مت 23: 31، أم هو
يرتبط أيضاً بتقليد آخر؟
"قالت حكمة الله" (آ 49). أدخل لوقا الحكمة. أما مت 23: 34 فجعل هذه الأقوال مباشرة
في شفتي يسوع. قد نكون أمام إيراد من العهد القديم في كتابات يهودية تعود إلى ما
بين العهدين. ولكننا لم نجد بعد مرجعها. كيف نفهم عبارة "حكمة الله" (الله الحكيم)؟
هل تعود إلى الله أم إلى يسوع؟ هناك مقاطع في العهد الجديد تجعلنا نقول إن يسوع هو
حكمة الله (1 كور 1: 24، 30؛ 2: 7؛ كو 2: 3). هل يلمّح لوقا إلى ما تتضمّنه 7: 35
(الحكمة يبرّرها جميع أبنائها: أبناء الحكمة هم الذين يتقبّلون يسوع بالإيمان
ويتجاوبون مع قصد الله)؛ 11: 31 (أعظم من سليمان)؟ هذا ما فهمه آباء الكنيسة.
والمقابلة مع متّى تدلّ على أن يسوع هو الحكمة. فما قالته الحكمة في لوقا قاله يسوع
في متّى.
"أرسل إليهم أنبياء ورسلاً" (ابوستولوس). قال مت 23: 34: أنبياء، حكماء، كتبة.
تحدّث لوقا عن الرسل بعد أن مات عددٌ كبير منهم (أع 12: 2- 5). وقول يسوع هنا يدلّ
على أنه هو نفسه "النبي والرسول" (4: 24) والمتحدّث باسم حكمة الله. وفي ما يتعلّق
بمقتل الأنبياء والرسل، رج 13: 33، 34: "لا يجوز أن يهلك نبي خارج أورشليم... يا
أورشليم، يا قاتلة الأنبياء...".
"دم جميع الأنبياء" (آ 50). رج إر 7: 25: "منذ خرج آباؤكم من أرض مصر إلى هذا
اليوم، وأنا أرسل إليكم عبادي الأنبياء كل يوم بلا انقطاع". رج رؤ 18: 24: "شوهد دم
الأنبياء القديسين".
"منذ إنشاء العالم" (لا نجدها في السبعينيّة). ترد هذه العبارة مراراً في العهد
الجديد: مت 13: 35؛ 25: 34؛ يو 17: 24؛ أف 1: 4؛ عب 4: 3؛ 9: 26؛ 1 بط 1: 20؛ رؤ
13: 8؛ 17: 8. هناك دين على هذا "الجيل" (تك 9: 5؛ 42: 22؛ 2 صم 4: 11؛ مز 9: 13؛
حز 3: 18، 20)، وهكذا يُنتقم لدم الأنبياء. أجل سيؤدي هذا الجيل (الشرير، الملتوي،
الذي لم يؤمن) الحساب. نجد هنا تلميحاً إلى دمار أورشليم. رج 21: 32 (لن يزول هذا
الجيل حتى يحدث هذا كلّه).
"من دم هابيل". نجد هنا تلميحاً إلى مقتله على يد قايين (تك 4: 8- 10؛ اخنوخ 22:
7). ترك لوقا لفظة "الصديق" التي احتفظ بها مت 23: 35 (هابيل الصديق). لم يكن هابيل
نبياً بالمعنى الحصري للكلمة، ولكنه قال كلمة الله حسب التقاليد اليهودية. "إلى دم
زكريا". هو زكريا بن يوياداع الذي رجمه الشعب (لأنه كلّمه باسم الرب) "بأمر من
الملك يوآش في دار الهيكل" (2 أخ 24: 20- 22). لم يُعتبر نبياً، شأنه شأن هابيل.
نحن أمام حقبة من الزمن تبدأ ببداية التوراة (العبرية) وتنتهي بنهايتها (سفر
الأخبار الثاني هو آخر أسفار التوراة العبرية، كما أن سفر التكوين هو أؤلها): في
البداية قتل هابيل وفي النهاية زكريا، فضمّا معهما كل الأنبياء.
عرف المعين "دم زكريا" (متّى، لوقا). ولكن مت 23: 35 زاد "ابن براخيا"، فصار زكريا
"المقتول" نبياً (زك 1: 1). ولكن لا شيء في التوراة يشير إلى مقتل النبي زكريا "بين
الهيكل والمذبح". وإن وُجدت عبارة "إبن برخيا" في المعين، فقد يكون لوقا تركها
تجنّبا للإلتباس.
ويأتي "الويل" الأخير في آ 52: أخذتم مفاتيح المعرفة. أخذتم المفاتيح التي توصل إلى
المعرفة. يتحدّث الشكل المتاوي لهذا القول (23: 13) عن الكتبة والفريسيين الذين
أغلقوا "ملكوت السماوات" (قد يكون هذا نصّ المعين). لم يشر قول لوقا إلى الملكوت،
وإن فسّر النصّ كذلك. فعبارة لوقا التي تتحدّث أيضاً عن شعب ينتظر الدخول، تبدو
وكأنها تلمّح إلى بيت الحكمة (أم 9: 1). هذا يدلّ على الحكمة في المعنى الواسع مع
الإشارة إلى مخطط الله الخلاصي.
4- وخرج يسوع (آ 53- 54)
كان يسوع قد دخل إلى بيت الفريسي (آ 37 ج). وها هو يخرج. هي المرة الوحيدة التي
فيها نتحدّث عن تحرّك يسوع بهذا الشكل في خبر الصعود إلى أورشليم. خرج، وهذا يعني
أنّ آخرين تبعوه.
نقرأ في المخطوط البازي حول آ 53- 54: "حين كان يقول لهم هذه الأشياء، بدأ
الفريسيون وعلماء الشريعة يردّون عليه بعنف ويجادلونه بحضور كل الشعب عن أمور
كئيرة، طالبين مناسبة يمسكونه بها لكي يتّهموه".
ج- تفسير النصّ
تابع لوقا خبر الصعود إلى أورشليم، فأورد بعض أقوال يسوع ضدّ الفريسيين وعلماء
الشريعة (أي: الكتبة). وجدنا هنا ستة "تويّلات" (قال: الويل) موجّهة إلى مجموعتين
في توازٍ تام كما في 6: 26 حيث تأتي التويّلات بعد التطويبات.
ما هو المرجع الذي عاد إليه لوقا ومت 23؟ هذا ما لا نستطيع أن نحدّده بدقّة. ولكننا
نحسّ بتشابه عظيم بين هذين المقطعين (لو 11: 37- 54؛ مت 23: 1 ي) على مستوى المضمون
والمواضيع والكلمات. إلاّ أنه تبقى اختلافات على مستوى ترتيب المواضيع والعبارات
الخاصة. عاد متّى إلى المعين (هو مرجع خاص غرف منه متّى ولوقا)، كما عاد إلى مر 12:
38- 39.
1- النصّ من الوجهة النقدية
أولاً: نلاحظ بعض السمات في شكل هذه الأقوال لدى لوقا
1- إن لوقا نفسه هو الذي دوّن المقدّمة (آ 37- 38. الفريسي يدعو يسوع. هذا لا يعقل
عند متّى ومرقس) وصلة الوصل بين الفريسيين وعلماء الشريعة (آ 45). فإن آ 37- 38 هما
مقدّمة مجموعة الأقوال كلها، بل أيضاً مقدّمة الكلام حول الكأس والطبق (آ 39- 40)
ومقدّمة الويلات ضد الفريسيين (آ 42- 44). دوّن لوقا آ 37 على مثال 7: 16 (دعاه أحد
الفريسيين). إن آ 38 مع الإشارة إلى تهامل يسوع في غسل يديه، تعود إلى مر 7: 2.
وترك اسلوب لوقا آثاره في آ 39 مع استعمال كلمة "الرب" و"قال له". بالإضافة إلى
هذا، يرتبط القول الأول (حول غسل الأطباق) بشكل متراخٍ مع تهامل يسوع في غسل يديه.
2- إن أقوال يسوع في متى (23: 1 ي) تتوجّه مباشرة وبشكل متواصل ضدّ الكتبة
والفريسيين (الويل 7 مرات، عدد الكمال، آ 2، 13، 15، 23، 25، 27، 29). أما لوقا فقد
جعل من المواد التي "ورثها" سلسلتين تتألف كل منهما من ثلاثة تويّلات. في آ 42- 44:
ضد الفريسيين. في آ 46- 52، ضدّ علماء الشريعة. هذا التوازي (2 × 3) هو عمل لوقا
الخاص. وقد ينتج عنه إغفال "الويل" قبل القول الأول (آ 39- 40. الرقم 6 يدلّ على
النقص. ترك يسوع الباب مفتوحاً أمام الفريسيين).
3- زاد لوقا آ 41 التي لا تجد ما يوازيها في متّى. ألّفها لوقا ليبرز الصدقة كتعبير
عمّا في داخل الإنسان.
4- زاد آ 53- 54 اللتين تشكّلان مع آ 37- 38 الإطار الإخباري لأقوال يسوع هذه.
ثانياً: ونلاحظ ميزتين خاصتين بلوقا حين نقابله مع متّى
1- نقابل لو 11: 43 مع مت 23: 6؛ لو 11: 44 مع مت 33: 27؛ لو 11: 47- 48 مع مت 23:
29- 31؛ لو 11: 51 مع مت 23: 35- 36، ونلاحظ أن لوقا أوجز بعض الأمور.
2- أزال لوقا كل ما لا يقدّره أو لا يفهمه قارئ إنجيله المسيحي الآتي من العالم
الوثني. مثلاً، ترك السذاب والشّبث، ووضع البقول (التي تؤكل) (آ 42). ترك في مت 23:
23 "أثقل ما في الناموس". وترك في مت 23: 8: "أن يدعوهم الناس رابي". وفي مت 23:
27: "القبور المكلّسة". وفي مت 23: 34: "تجلدون في مجامعكم". وفي مت 23: 35: "إبن
برخيا". وفي مت 23: 13: "ملكوت السماوات".
3- أدخل لوقا "حكمة الله" (آ 49، حيث جعل متّى الموازي الكلمات على شفتي يسوع) وهو
موضوع قريب من عالم الحكمة في 11: 35 (رج 7: 35). وأضاف "مفتاح المعرفة" (آ 52)
فكان الإنجيلي الوحيد الذي يتحدّث عن المعرفة (غنوسيس، رج 1: 77).
4- بدّل لوقا ترتيب التويّلات. فما في متّى يقابل في لوقا آ 43، 46، 52، 42 (39)،
44، 47.
5- ضمّت آ 49- 51 إلى آ 46- 48 في المعين، وإن كنّا نفضّل أن ننسب "حكمة الله" إلى
قلم لوقا.
6- نقابل آ 53- 54 مع خاتمات مشابهة في 6: 11؛ 19: 47؛ 20: 19؛ 22: 2 التي تجد ما
يقابلها في مرقس. ولكنها تدلّ على تنامي العداء ضدّ رسالة يسوع.
7- إن آ 43 تتكرّر في 20: 46 الذي يعود إلى مر 12: 38- 39. بالإضافة إلى ذلك، نجد
في آ 39- 40 الرقم 89 في إنجيل توما: "قال يسوع: لماذا تغسلون خارج الكأس؟ ألا
تفهمون أن الذي صنع الباطن هو الذي صنع الظاهر"؟ قد يبدو هذا الشكل أولانياً. ولكنه
في الواقع تبسيط لقول سابق مع التشديد على الوحدة الإلهية. ونجد أيضاً آ 52 في
الرقم 39 أ من إنجيل توما. "قال يسوع: أخذ الفريسيون والكتبة مفاتيح المعرفة.
أخفوها، فما دخلوا ولم يسمحوا للذين رغبوا في الدخول". وزيد على إنجيل توما مت 10:
16 ب (كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام). نحن هنا أمام توسّع في النصوص
القانونية.
2- النصّ من الوجهة الإخبارية
يتكوّن النصّ من إطار إخباري ألّفه لوقا (آ 37- 38، 53- 54)، ثم من مقدّمة إخبارية
ثانوية (آ 45) وأقوال يسوع. هذه قد رتّبها بولتمان بين أقوال حول الشريعة (آ 39،
41، 42) وأقوال تدلّ على التهديد (آ 43- 44، 46- 48، 49- 51). إن التويّلات الستة
هي في آ 42- 44، 46، 47، 52. وهذا يعني أن آ 42 تخصّ أقوال التهديد. وتعتبر آ 49 في
السياق اللوقاوي كقول حكمة.
في هذا الجزء من خبر الصعود إلى أورشليم، يصوّر لوقا يسوع في جدال مع الوجوه
الدينية في فلسطين. هل يُعقل أن يكون يسوع قال هذه الأقوال ضدّ الوجهاء، خصوصاً
خلال غداء دُعي إليه؟ فالاختلاف بين السياق اللوقاوي والسياق المتاوي يكشف عن عمل
ثانٍ في تجميع هذه الأقوال في وحدة متكاملة. قبلَ يسوع الدعوة إلى الغداء، ولكنه
أهمل عادة غسل (الأيدي) قبل الطعام. فهذا ما يعتبره مضيفه مهماً جداً.
وهذه الصدمة لدى المضيف جعلت يسوع يقدّم ملاحظة حول النقاوة (لا نقاوة الذات أو
الأيدي)، بل حول طقوس تطهير الآنية المنزلية. لا تكفي النقاوة الخارجية، فهي سطحية.
فعلى الإنسان أن ينقّي داخل الكأس أو الصحفة أيضاً. إنّ داخل هذه الآنية هو رمز إلى
داخل الكائن البشري الذي هو مملوء شرّاً وخطفاً. وأوصى يسوع الإنسان بأن ينظر إلى
صانع الأواني: هو صنع الظاهر وهو الذي صنع الباطن. إن الإشارة إلى "الصانع" تعطي
القول بعداً لم يغب عن القارئ. الصانع هو الله نفسه الذي سمّاه لوقا في أمكنة أخرى:
"العالم بالقلوب" (أع 1: 24؛ 15: 8؛ لو 16: 15؛ رج 1 صم 16: 7؛ أم 24: 12). إنه
يعرف الشرّ الذي فينا. وزاد لوقا نصيحة على هذا الكلام: إجعل مضمون الكأس والصحفة
صدقة للفقراء، فتصبح النقاوة تامة بأي حال. فالخطف والشرّ لا يغسلان حياة الإنسان،
بل يصل به وضعُه إلى الحصول أمام الله على نقاوة يكمّلها الغسل الطقسي. حينئذ يصبح
كل شيء نقياً. فالإهتمام والقواعد السطحية قد تفتح الطريق أمام نقاوة في الداخل.
وجهت ثلاثة تويّلات إلى الفريسيين، معاصري يسوع، الذين عاشوا حسب القواعد الموجودة
في شريعة موسى وكما فسّرها الكتبة تفسيراً دقيقاً. الويل الأول (آ 42) يعارض بين
اهتمامهم بالتفاصيل وبناء العوائق حول الشريعة مع إهمالهم لما هو مهمّ حقاً:
يعشّرون البقول وينسون العدل ومحبّة الله. لا يلغي يسوع العشور بل يقول: إعملوا هذه
ولا تهملوا تلك. وجاء كلامه عن العدل ومحبّة الله صدى لما في مي 6: 8: "إصنع العدل،
أحبّ الرحمة، وسر بتواضع أمام إلهك".
الويل الثاني (آ 43) يلوم الفريسيين لأنهم يضخّمون ذواتهم. هم يمارسون الشريعة
بوقائعها، فرضوا عن نفوسهم، وأرادوا أن يمجّدهم الناس. والويل الثالث (آ 45) ينتقد
الفريسيين لأنهم لم يفهموا أنهم غير ما يبدون. والشعب لا يفهم هذا الشرّ الموجود في
الفريسيين والذي يعرّض الناس للنجاسة: إنهم كالقبور المليئة بعظام الموتى. يبدون
قدّيسين، ولكنهم يخيّبون آمال الناس.
ويتبع هذا الكلام ثلاثة تويّلات تتوجّه إلى علماء الشريعة، وهي تتّصل بالشريعة
والأنبياء والحكمة. فبعد سؤال من "عالم" من العلماء، وجّه يسوع الويل الأول ضدّ
"علماء الناموس"، فكان صدى للويل الأول الذي وجّه إلى الفريسيين: إن هؤلاء
"العلماء" يفسّرون شريعة موسى وتقاليد الآباء (مر 7: 5؛ رج غل 1: 14) تفسيراً
دقيقاً يخلق عدداً من الفرائض تثقل على كاهل الشعب. لا تعني كلمة يسوع فقط أنهم
يفرضون الاحمال على الآخرين، بل هم لا يريدون أن يحرّكوها. وهذا ما يجعل خدمة الله
حملاً ثقيلاً.
ولا ينتهي عمل العالم بالشريعة حين يقول للضعفاء إنهم خطئوا وعليهم أن يتوبوا، بل
عليه أن يحرّك اصبعه ليخفّف حملهم، ويجعلهم يفهمون أن شريعة الله هي تعبير عن حبّه
لشعبه. ولكن علماء الشريعة لم يفعلوا شيئاً من هذا. والويل الثاني (آ 47- 48 مع
الأقوال في آ 49- 51) يتوجّه إلى الفريسيين أكثر منه إلى علماء الشريعة. هو ينتقدهم
لأنهم شيّدوا قبوراً ضخمة إكراماً لذكر الأنبياء الذين قتلهم آباؤهم. إن مشاركتهم
في جريمة آبائهم تعكس ردة فعلهم تجاه يسوع، آخر "الأنبياء والمرسلين". فقد رفضوا أن
يسمعوا له وأن يعرفوه. وهذا يتضمّن أيضاً أن آخر الأنبياء سيكون له ذات المصير الذي
لقيه الأنبياء.
ولكن لا شيء يقاوم حكمة الله، وكلمة يسوع اتخذت منحى خطيراً: إن لم يقطع هذا الجيل
كل رباط مع الماضي، فسيؤدّي جواباً على كل ظلم صُنع تجاه الذين اختارهم الله، من
هابيل إلى زكريا، منذ البداية إلى النهاية. والويل الثالث ضدّ علماء الشريعة (آ 52)
يكشف الوضع المحزن لهؤلاء الناس المتعلّمين: أعطي لهم مفتاح المعرفة، ليكشفوا معرفة
الله وإرادته في التوراة والتقليد. أعطي لهم مفتاح البيت الذي بنته الحكمة (أم 9:
1). لم يدخلوا هم هذا البيت، ومنعوا الآخرين من الدخول. لهذا سيُعاقبون على
إهمالهم.
في الآيات الإخبارية في النهاية (آ 53- 54) صار علماء الشريعة "الكتبة". وأشار
النصّ إلى معارضتهم ليسوع بسبب أقواله عليهم وعلى الفريسيين.
إن أقواله المهدّدة ضدّ القوّاد الدينيين لدى اليهود صار مع الوقت تحذيراً ضدّ
مدينة أورشليم وسكانها (13: 1- 9؛ 13: 34- 35؛ 19: 41- 44؛ 23: 28- 31).
خاتمة
من "الخارج" إلى "الداخل"، من "الطاهر" إلى "النجس". هنا نحسّ أننا أمام خبرة بطرس
قبل أن يذهب إلى بيت كورنيليوس: "كل حياتي لم يدخل في فمي نجس أو دنس" (أع 11: 8).
فجاء جواب الربّ واضحاً: الله صنع الظاهر والباطن. كل شيء هو عمله، إذن كل مخلوق هو
طاهر (أع 10: 15؛ رج مر 7: 19 ب). وفهم بطرس أنه لا يحقّ له أن يدعو "إنساناً نجساً
أو دنسأ" (أع 10: 28). إذا كان الأمر هكذا، وجب علينا أن نرفض عالماً يجعل الحواجز
على مستوى العلاقات البشرية.
كان اتّهام يسوع عنيفاً ضدّ الفريسيين وعلماء الشريعة. إنهم يقتلون كل الذين يحيا
فيهم روح يسوع، يتكلّم فيهم روح يسوع. لم يكتشفوا كرازة التطويبات ولا إيمان قائد
المئة، ولا محبة الخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان. أزالوا مفتاح المعرفة فجعلوا
نفوسهم خارج الملكوت. قتلوا الأنبياء. قتلوا يسوع نفسه. واضطهدوا الرسل، شهود
الكلمة. وهكذا اغلقوا باب الملكوت عمّن يريد أن يدخله.
شدّد الفريسيون على الطاهر والنجس، فلم يفهموا ما فعله السامري مع الجريح في
الطريق. وشدّد علماء الشريعة على تفاصيل الحياة، فلم يفهموا موقف مريم الجالسة عند
قدَمَيْ المعلّم تسمع له. كلّهم يهدمون الرسالة في أساسها لأنهم رفضوا التعرّف إلى
روح يسوع.
الفصل السابع عشر
من يعترف بي قدام الناس
12: 1- 12
إن الجدال الذي حصل خلال الغداء (11: 37 ي) دفع يسوع إلى أن يحذّر تلاميذه من
خطرين. أولاً، من خمير الفريسيين (11: 39- 41، 44): إن التصرّف الذي شجبه النصّ
السابق، هو مثل عمّا يجب أن يحتفظ منه التلاميذ. ثانياً، إن الموقف المعادي الذي
يقفه منذ الآن الكتبة والفريسيون هو مناسبة مماثلة لتهيئة أخصائه للوقوف وسط
الأنبياء والرسل المضطهدين. فمهما كان رأيهم في النجاح العظيم الذي أحرزته الكرازة
لدى الجمع، فعليهم أن يواجهوا أولئك الذين يقتلون الجسد ويجرّونهم أمام السلطات
القضائية.
أ- نظرة اجمالية إلى النصّ
هذا الفصل مطبوع بطابع القديس لوقا. غير أننا نجد فيه أقوالاً ليسوع وردت هنا وهناك
عند متّى ومرقس. فهذه الوحدة الأدبية الأولى، أي تحذير يسوع من "خمير الفريسيين"،
نجدها في مت 16: 15- 6 ومر 8: 14- 15، وهي ترتبط بالمقال عن الخبز. غير أن لوقا
وحده يفسّر ما يجب أن نفهم بهذه العبارة: نحن أمام "رياء" الفريسيين أو بالأحرى
أمام "حكمهم الفاسد". فكلمة "هيبوكريتس" تدلّ على الممثّل (الهزلي) الذي يلبس
قناعاً (6: 42؛ 13: 15؛ 20: 20). إنها تدلّ على الذي يحكم من أسفل. حكمه ليس
واقعياً (من تحت لتحت) ولهذا فسد وانحطّ. إستعمل متّى هذه اللفظة 14 مرة خصوصاً في
ف 23 ليدلّ على الانفصام بين القول والعمل، بين الخارج والداخل، بين الظاهر والباطن
(كيان الإنسان). واستعمل الأسم (الرياء) مرة واحدة في مت 23: 28، في مر 15:12، في
لو 12: 1.
إن آ 2- 9 تستعيد جزءاً من التوجيهات التي نقرأها في "خطبة الرسالة" (مت 10: 16-
33؛ رج 6: 26). وتشير آ 10 إلى "التجديف على الروح القدس" فتجد ما يوازيها في
الجدال حول بعل زبول في مر 3: 28- 30 ومت 12: 31- 32 (أغفله لوقا في النصّ الموازي
في 11: 14- 23). أخيراً، إن آ 11- 12 اللتين تشيران إلى الإضطهادات، نجدهما مع بعض
التحوير في 21: 14- 15 (أوتيكم فماً وحكمة لا يقوى جميع خصومكم) الذي يستعيد بعض
العناصر من "خطبة الرسالة" في مت 10: 19- 20، والخطبة حول "مجيء ابن الإنسان" في مر
13: 11. إن هذه المقابلة الإزائية البسيطة تفهمنا أن لوقا لم يضمّ هذه المواد
التقليدية صدفة واتفاقاً.
قد ندهش أن تكون أغفلت لفظة "مرائي" (التي تظهر في 12: 1) من نهاية ف 11 وفي
التويّلَين على الكتبة وعلماء الشريعة، بينما يستعملها مت 23 مراراً في هجوم يسوع.
في الواقع، إنّ الخطبة المتاوية تتوجّه أولاً إلى الجموع وإلى الناس (مت 23: 1)
الذين يطلب منهم أن لا يقتدوا بالكتبة والفريسيين. بعد ذلك، إلتفت يسوع (آ 13- 35)
إلى هؤلاء وكشف القناع عن ريائهم. أما لوقا فقلب الحركة، وأعطى نظرته بعداً شاملاً:
فبعد أن دلّ الكتبة وعلماء الشريعة على الشرّ الذي يجلبونه على نفوسهم (11: 37-
54)، بيّن للتلاميذ وللناس أنهم ليسوا بمأمن منه، لأن عقاب الحكم الفاسد يهدّدهم
أيضاً.
بدأت الآيات الأولى (آ 1- 3) بدعوة إلى الحذر. إنها تحدّد موضوع التعليم: إن حكم
الفريسيين الفاسد يقوم بأن نجعل نفوسنا مكان الله، وكأننا أسياد الحياة والموت.
ولكن هذه صفة خاصّة بالله (روم 2: 16؛ 3: 6). الله وحده هو سيّد الحياة، وبعطية
الحياة التي كشفها في يسوع، هو يدلّ على التاريخ ويحكم عليه (أع 10: 42؛ 17: 31).
إن فساد الحكم هذا لا ينفع على المدى الطويل. فما يخفيه سوف يظهر. إذن، لا بدّ من
رفض الخوف الذي لا يجرؤ على العمل، الذي يقود إلى الحكم الفاسد (هذا ما تلمّح إليه
آ 2 حيث الفعل هو في صيغة المجهول: يُكشف). وفي الوقت عينه، يجب أن نتجنّب كل نشاط
يكون ثمرة حكم فاسد نعيشه في حلقة ضيقة ونحاول أن نجعله أمراً خاصاً بنا (هذا ما
تدلّ عليه صيغة المخاطب الجمع "أنتم" مع الأفعال في صيغة المعلوم).
تبدأ آ 4- 7 مع عبارة "أقول لكمّ" فتشكّل وحدة أدبية ثانية تتوجّه إلى فئة تسمّى:
"أنتم أحبائي (أصدقائي)". وهم أولئك الذين نالوا الوحي المثلّث. طلب منهم يسوع أن
يحذروا من الخوف الكاذب (الذي ليس بخوف) (ترد كلمة "خاف" خمس مرات في هذه الاَيات)،
من الخوف الذي يجمّدنا ويمنعنا من الحركة. لا يستطيع المؤمن الحقيقي أن يخاف إلا
ديّان الأحياء والأموات. إذن، يسلّم نفسه إلى عناية الآب الذي لا ينسى أحداً من
أخصائه.
وتبدأ آ 8- 12 مرة ثانية مع عبارة "أقول لكم". تتوجّه الآن إلى "كل من" (آ 8، 10)،
إلى "من" (آ 9، 10) ثم إلى التلاميذ الذين يشار إليهم بصيغة المخاطب الجمع (آ 11،
12: متى قادوكم أنتم). أقحم لوقا في هذا الموضع أقوالاً مأخوذة من الجدال حول بعل
زبول في متّى ومرقس قبل أن يتكلم بصريح العبارة عن الاضطهادات التي تنتظر التلميذ
(رج مت 10: 17- 20) في شهادته. من جهة أخرى، إن متّى يذكر في سياق "خطبة الرسالة"
الجدال حول بعل زبول (10: 25: سيد البيت سمّوه بعل زبول) الذي يفصّله فيما بعد (12:
24: يخرج الشياطين ببعل زبول). أما لوقا، فيبدو أنه استعاد هذا العنصر التقليدي
وركّزه على الروح القدس.
ويحدَّد دورُ الابن ودور الروح القدس في دينونة تتمّ في العالم، في دينونة
"الاصدقاء" خلال "شهادتهم" (واعترافهم). إذا كان الآب هو الديّان بصفته سيّد الحياة
(آ 6، 7، نحن هنا قريبون جداً من يوحنا)، فابن الإنسان هو من يعترف بنا أمام الآب
(آ 8- 9). والروح القدس يشهد معنا أمام البشر (آ 11- 12) فيبدوا "البار قليط" في
انجيل يوحنا (يو 14: 16، 26؛ 15: 26؛ 16: 7؛ رج أع 5: 32).
وتشكل آ 10 صلة وصل: تدلّ على ان كلمة قيلت على ابن البشر تُغفر. أما "التجديف على
الروح القدس" فلا يُغفر. إن التجديف في العهد القديم (خر 22: 27: لا تلعن الله ولا
تجدّف على رئيس شعبك؛ 1 مل 21: 13: جدّف على الله وعلى الملك) يعني معارضة مميّزة
ضد الله في محاولة لوضع اليد على قدرته. التجديف هو ذروة الكفر (مز 89: 51- 52)،
وكان المجدّف يعاقب بالموت (رج لا 24: 16: من جدّف على اسم الرب يقتل قتلاً).
دينونة الله التي ترتبط بالحياة تغفر كل ضعف وتخاذل، كل انكار وخطأ. ولكنها تفشل
حين نرفض نحن هذا الغفران. في النسخة اللوقاوية، "التجديف" (أي عكس المجاهرة
والإعتراف بالله) النهائي هو الذي نوجّهه على رحمة الله كما تجلّت في يسوع. إنه
القرار الواعي والحرّ الذي شجبته خطبة اسطفانس: "يا قساة الرقاب، وغير المختونين في
قلوبكم وآذانكم. إنكم في كل حين تقاومون الروح القدس" (أع 7: 51).
ب- النظرة التفصيلية
1- إحتشد الجمع (12: 1)
"على اثر ذلك". أي في الوضع الذي كوّنه الحدث السابق. في سياق التآمر على يسوع؛ رج
أع 24: 18؛ 26: 12. إحتشد الشعب ألوفاً. حرفياً: ربوات (عشرات الألوف). هذا يدلّ
على العدد الكبير من السامعين. هذه الإشارة العددية تجعلنا نفكّر في الاجمالات وما
فيها من أعداد في أخبار سفر الأعمال. في 2: 41 هم ثلاثة آلاف. في 4: 4 صاروا خمسة
آلاف. في 5: 14 تكاثر عدد المؤمنين بالرب. في 6: 1 كثر عدد التلاميذ (رج أع 6: 7؛
9: 31؛ 11: 21، 24؛ 12: 24؛ 14: 1). هكذا أظهر لوقا شعبية يسوع من خلال الجموع التي
تزحم حوله (رج لو 11: 29، وازدحمت الجموع). وهكذا يقابل لوقا أيضاً بين ردّة الفعل
لدى الجموع وردة الفعل لدى وجهاء اليهود.
"في البداية". بدأ يسوع يكلّم تلاميذه. ولكن نستطيع أن نقرأ أيضاً: احذروا أولاً
(قبل كل شيء). نجد العبارة الأولى في 3: 8: وبدأ يقول للجموع؛ 4: 21: فبدأ يقول لهم
(رج 7: 15، 24، 49؛ 11: 29؛ 13: 26؛ 14: 18...). توجّه يسوع إلى تلاميذه (بروس مع
المفعول به)
"إحذروا (إياكم) من خمير الفريسيين". أي: إنتبهوا إلى نفوسكم. كونوا على حذر. هناك
خطر في خمير الفريسيين. رج 17: 3؛ 20: 46؛ 21: 34؛ أع 5: 35؛ 20: 28. وفي
السبعينية. رج تك 24: 6؛ خر 10: 28؛ 34: 12؛ تث 4: 9. لا تسمحوا أن يؤثر هذا الخمير
في حياتكم (بروساخاين= حذر). الخمير الذي يخمّر الدقيق. تحدّث مر 8: 15 عن خمير
الفريسيين وعن خمير هيرودس. ومت 16: 6، 12 عن خمير الفريسيين والصادوقيين. هذا
الخمير هو الرياء.
2- لا خفيّ إلا سيظهر (12: 2- 7)
"سيظهر، سيُعلن". هي صيغة المجهول. في المعنى اللاهوتي، يدلّ على الله الذي يكشفه
ويعلنه. أو هو سوف يظهر في الوقت الذي حدّده الله.
"على هذا" "لأن" أو: مقابل هذا؛ رج 1: 20؛ 19: 44؛ أع 2: 23؛ رج يه 9: 3. نحن لا
نجد هذه العبارة في مت 10: 27. ولكننا نجدها في السبعينية (إر 5: 14، 19؛ 7: 13؛
16: 11). في الظلمة، أي في السرّ بحيث لا يرى أحد ولا يسمع. "ما قيل في الأذن"
يقابل ما قيل "في الظلمة" "في المخادع". أي في الداخل والابواب مغلقة، بحيث لا يصل
إلى الذين في الخارج. لا نجد هذه العبارة (في المخادع) في مت 10: 27. رج قض 16: 9،
1 مل 22: 25.
"أقول لكم: يا أحبائي" (آ 4). هذه هي المرة الوحيدة التي فيها يتوجّه يسوع إلى
تلاميذه بهذه الصورة في الإناجيل الإزائية. رج يو 15: 13- 15 (لا أدعوكم عبيداً، بل
أحبّاء). لا تخافوا الذين يقتلون الجسد. أي يضعون حدّاً لحياة الإنسان. وزاد مت 10:
28): "ولا يستطيعون أن يقتلوا النفس". إعتبر لوقا أن العبارة غير واضحة فألغاها.
النفس هي المبدأ الشخصي للحياة. هي الأنا في الإنسان. هنا نتذكّر الموت الثاني الذي
يتحدّث عنه سفر الرؤيا والذي يعني الهلاك الأبدي (رؤ 20: 14).
"وليس لهم أن يفعلوا أكثر". بمعنى: لا يستطيعون. رج 7: 40؛ أع 4: 14؛ 23: 17- 19؛
25: 26 (فعل اخاين: امتلك).
"أنا أبين لكم". زادها لوقا كما في 6: 47... خافوا... قال مت 10: 28: "خافوا
بالأحرى ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد في جهنّم". هذا لا يعود إلى ابن الإنسان وقت
الدينونة، ولا إلى إبليس أو الشيطان، ولا إلى قوى الشرّ، بل إلى الله. هناك كما
قلنا إشارة إلى الموت الثاني (رؤ 2: 11؛ 20: 6، 14؛ 21: 8). وهناك في العهد الجديد
نصيحة بأن نقاوم ابليس ولا نخاف منه (يع 4: 7؛ 1 بط 5: 9). ليست مخافة الرب امراً
يستهين به تلميذ يسوع (أع 9: 31: كانت الكنيسة تسير في مخافة الرب). وليست فقط
عنصراً تقوياً يبرزه لوقا (روم 11: 20؛ 2 كور 7: 1؛ فل 2: 12؛ 1 بط 1: 7؛ 2: 17).
نجد هنا طريقة تفكير أولية ونموذجية، في أماكن عديدة من العهد الجديد حيث ينسب
النصّ إلى الله سقوط الناس في جهنّم. أما اللاهوت الحديث فيتحدّث عن وجود الناس في
جهنّم بطريقة أخرى. هذه هي طريقة لوقا في تكرار تعليم العهد القديم: "بداية المعرفة
مخافة الله" (أم 1: 7).
"جهنّم". احتفظ لوقا بلغة العالم اليهودي المتكلّم باليونانية. إن لفظة "جاهانا"
التي نجدها في المعين لم ترد في السبعينية ولا في كتابات فيلون أو يوسيفوس. هي لفظة
تتفرعّ من "ج ي_ هـ ن و م: وادي أبناء هنّوم. وقد ترجمتها السبعينية باشكال متعددة:
يش 15: 8 ب؛ 18: 16 أ، 16 ب (نسخها مسيحيون تأثّروا بالعهد الجديد)؛ 2 مل 23: 10؛
إر 7: 32. تدلّ على سيل (وادي) الربابي الذي يجري أولاً شمالي جنوبي غربي اورشليم،
ثم شرقي غربي جنوبي اورشليم قبل أن يصبّ في وادي قدرون. وُجد فيه في زمن العهد
القديم "مشرف" سمّي "توفت" حيث كان يُحرق أطفال بني يهوذا ذبيحة للإله مولك (إر 7:
32؛ 19: 4- 6؛ 32: 34- 35؛ 2 مل 16: 3؛ 21: 6؛ 23: 10؛ رج 2 أخ 28: 3؛ 33: 6). بعد
هذا صار الموضع مكاناً تحرق فيه النفايات، أو الفخّار (إر 18: 1- 4؛ 19: 2، 10، 13؛
نح 2: 13). وبما أن النار ارتبطت باكراً بالشيول ومثوى الموتى (تث 32: 22: غضبي
يشتعل كالنار، ويحرق حتّى الجحيم الأسفل، كما في السبعينية)، حُسبت عنصر عقاب (أش
32: 10). في القرن الأول ق. م برز في العالم اليهودي اعتقاد بوجود بحيرة أو هوة من
النار يتعذّب فيها في الآخرة اليهود الأشرار والظالمون والجاحدون (يه 16: 4؛ أخنوح
10: 13؛ 18: 11- 6؛ 27: 1- 3؛ رد رؤ 9: 1- 2، 11؛ 19: 20؛ 20: 1- 3، 10، 14- 15؛
21: 8: الآن يرمى فيها الشيطان والأشرار، ووحش البر، ووحش البحر والموت نفسه). وجد
اسم "جاهانا" في عزرا الثاني (نعرفه فقط في اللاتينية والسريانية والقبطية
والحبشية. يعود إلى سنة 100 ق. م. تأثر المترجمون المسيحيون بالعهد الجديد).
في زمن يسوع صارت جهنّم موضع العذاب للخطأة بعد الدينونة أو أقلّه بعد الموت.
"خمسة عصافير" (آ 6). الدوري أو عصفور آخر صغير جداً. وسعره زهيد يأكله الفقراء.
يباع الدوري بفلسين أو غرشين أي واحد على ستين من الدينار. ومع ذلك فهو لا يُنسى
أمام الله. هو في قلب الله (أش 49: 10؛ رج أع 10: 31).
"شعر رؤوسكم جمعيه محصى". هي المعرفة الإلهية التامة مع أن عدد الشعرات كبير جداً.
مع أن كل شعرة هي صغيرة ولا تشكل شيئاً ذا أهمية. إذا كان شعركم محصى، في يد الله،
فما يكون شخصكم؟ أنتم أفضل من عصافير كثيرة. لسنا على مستوى الكمية، بل على مستوى
النوعية.
3- من يعترف بي (12: 8- 9)
"الناس... ابن الإنسان.. الملائكة". هناك تلاعب على الكلمات... من جاهر بي، من
اعترف بي، من شهد لي... ملائكة الله هم أعضاء البلاط السماوي في الدينونية الأخيرة
(2: 13؛ 15: 10؛ أع 10: 3؛ يو 1: 51؛ غل 4: 14؛ عب 1: 6؛ ق مز 97: 6 حسب
السبعينية). إن كثرة المراجع تدلّ على قدم العبارة (في المعين) التي بدلّها مت 10:
32 فقال: "أعترف أنا أيضاً به قدّام ابي الذي السماوات". أيكون لوقا تجنّب الحديث
عن "حضور الله" فقالت ملائكة الله؟ ولكنه استعمل هذه العبارة في 1: 19؛ 12: 6؛ 16:
15؛ أع 10: 4.
"ومن ينكرني" (آ 9). هذا لا يتطلّب إطاراً قضائياً أو محاكمة. نحن أمام اعتراف أو
إنكار. رج ما قاله يسوع لبطرس: "لا يصيح الديك اليوم حتى تنكرني ثلاث مرات" (22:
34، 57، 61) (رج أع 3: 12- 15؛ 7: 35).
4- الروح القدس (آ 15- 12)
"كل من". هذه عبارة عزيزة على قلب لوقا. رج 2: 20، 3: 19؛ 12: 8، 48،؛ 19: 37؛ 24:
25؛ أع 2: 21؛ 13: 39؛ 26: 2.
"من قال كلمة على ابن البشر". من تفوّه بكلمة ضده (قال مت 12: 32: من تكلّم عن ابن
البشر. المعنى هو هو). هناك معارضة لابن الإنسان على الأرض. رج لو 22: 65؛ 23: 39.
كان لقب ابن الإنسان (رج 5: 24) في المعين، ولكن هل كان في القول الأصيل؟ ربّما.
"من يجدّف على الروح القدس". استعمل لوقا حرف الجر مع فعل جدّف كما فعل مر 3: 29
(هذا يعني أنه تبعه). إن التجديف على الروح القدس لا ينحصر في استعمال كلمات مهينة،
بل يتضّمن أيضاً كل نشاط يتعارض وعمل الروح. هناك نصوص تتحدّث عن "إصبع الله" (11:
20) فتدّل على تدخله الخلاصي في النشاط البشري. فإن رفضنا هذا التدخل، نكون وكأننا
رفضنا الله (وأسأنا استعماله نعمته). هناك أساس لهذا القول في العهد القديم يتعلّق
بخلفاء موسى الذين شاركوا في روح الله. رج عد 11: 17؛ 27: 18؛ تث 34: 9؛ أش 63: 7-
14؛ مز 106: 32- 33. أما عن التجديف: رج لا 24: 11- 23؛ عد 15: 30- 31.
لا يغفر له". أي: لا يغفر الله له. فالخلاص في شكل غفران للخطايا لن يُعطى لهؤلاء
المجدّفين.
"قادوهم إلى المجامع". رج أع 22: 19؛ 26: 11؛ 2 كور 11: 24 (تلميح إلى تث 25: 2- 3؛
رج مر 3: 10). "أمام الحكام والسلطات". هذا ما يدلّ على حكام العالم الوثني (في 21:
12: الملوك والولاة). وتدل المجامع على العالم اليهودي (رج تي 3: 1).
"لا تهتموا". لا تقلقوا: ماذا تقولون في الدفاع عن أنفسكم؟ في البازي نجد: كيف
تدافعون عن أنفسكم. في مت 10: 19 نقرأ: كيف وما تدافعون به عن أنفسكم؟
"يعلّمكم". الروح القدس هو المعلّم. رج يو 14: 26: الروح القدس يعلّمكم كل شيء. رج
1 كور 2: 13: بالروح نعرف ما أنعم به الله علينا من نعم.
ج- تفسير النصّ
وتابع لوقا خبر السفر إلى أورشليم مع أقوال أخرى ليسوع وجّهها أولاً إلى التلاميذ،
وإن كان هناك حشد من الناس. أول قول هو تفسير منعزل لخمير الفريسيين (12: 1). وهو
ينقلنا من نهاية ف 11: الويل للفريسيين الويل لعلماء الشريعة.
نُسب القول الأول إلى المعين، وإن حُفظ شكله في مر 8: 15 (إحذروا خمير الفريسيين؛
رج مت 16: 6، 12) مع العلم أن هناك خمس كلمات مشتركة (في اليونانية) بين لوقا ومرقس
(من خمير الفريسيين). فالتقليدان المرقسي واللوقاوي قد عادا إلى كلام يسوع نفسه حول
خمير الفريسيين، واختلفا في التعبير عنه. تفرّد لوقا فتحدّث عن "الرياء"، مع أنه لا
يسمي الفريسيين "مرائين" كما يفعل متّى. لا يقول مرقس شيئاً عن الخمير. عند مت 16:
12 هو "تعليم" الفريسيين والصادوقيين. بما أن هذه اللفظة (الرياء) هي يونانية ولا
يقابلها شيء في العبرية والأرامية، هذا يعني أن لوقا وضعها لكي يشرح "الخمير" في
التقليد الإنجيلي.
هذا قول تهديد يوجّهه يسوع دون أن يتحدّث عن عقاب. أجل، إن يسوع يحذّر تلاميذه مما
يميّز حياة بعض معاصريه. وهو يشبّه الرياء بالخمير الذي هو عنصر لصنع الخبز. فقد
يكون في ذاته صالحاً، كما يستطيع أن يعمل عمل الفساد فيؤثّر في الخبز كله. نحن هنا
أمام موقف كاذب في التقوى. وهذا ما يفسّر السبب الذي جعل يسوع يسمّي الفريسيين
"القبور المخفيّة" (11: 44). لا يبدون في الخارج كما هم في الحقيقية. فيجب أن لا
تنتقل عدواهم إلى التلاميذ الذين يعيشون الصدق في المعاملة والإنفتاح على الآخرين.
وحُفظت أقوال يسوع في آ 2- 9. تنبع هذه الكلمات التي تدلّ على التشجيع أو التحذير
من أطر متنوّعة في رسالة يسوع. إنها وحدة مثالية حتى في قرائنها الحاضرة. إعتبر بعض
الشرّاح آ 2- 3 كنهاية تحريض ليسوع ضدّ الفريسيين، وربطهما مع 11: 52 (أنتم لم
تدخلوا.. لا خفيّ إلا سيظهر). ولكن لوقا خلق بنفسه هذا الإطار، فكيف نبدّله.
أخذ لوقا هذه الأقوال من المعين. ونحن نجد ما يوازيها في الترتيب عينه في كما 10:
26- 33، حيث تكوّن جزءاً من "خطبة الرسالة" التي وجّهت إلى الرسل الاثني عشر. أما
لوقا فأعطاها هنا موقعاً مختلفاً. فالقول الأول (آ 2) يكرّر 8: 17 الذي يتفرعّ من
مر 4: 22. زاد عليه متّى مقدمة (10: 26 أ) تربطه بقرائنه. وحفظ القول الثاني (آ 3)
في شكل قديم جداً (مع المضارع المجهول) عند لوقا ومتّى. غير أن لوقا زاد "وراء
الأبواب المغلقة، أو في المخادع". هذا ما أضاع التوازي بين الآذان والسطوة (غاب في
مت 10: 27).
وإن وردت آ 2- 3 في المعين، فهي لا تبدو أصيلة. في 12: 4 أ كتبَ مقدّمة كما فعل في
آ 5 أج (أقول لكم، رج 7: 26؛ 11: 51). حُفظ ما تبقى من هذه الآيات في شكل أصيل في
متّى. بيد أنه من الصعب أن نقول إن كان 10: 29 (عصفوران بفلس)، هو الأصيل أو لو 12:
6 أ (خمسة عصافير بفلسين). قد يكون لوقا تأثّر ب 9: 13. مهما يكن من أمر، فالمعنى
هو هو.
دوّن لوقا آ 6 ب (انوبيون، أمام). ثم إن آ 7 هي أقدم مما في مت 10: 30. ويتساءل
المرء: أما تكون 21: 18 تكراراً للآية 7؛ في آ 8، أحلّ لوقا لقب "ابن الإنسان" محل
ضمير المتكلّم "أنا" كما في مت 10: 32 (هو أقدم). في آ 8- 9، "ملائكة السماء" أقدم
مما في مت 10: 32- 33 (رج مت 10: 29) عن "الآب". وتكرّر آ 9 ما في 9: 26 الذي
يتفرّع من مر 8: 38. نجد في كلا الشكلين "ابن الإنسان" الذي أثر على تدوين 12: 8.
إحتفظت آ 2- 3 بقول حكمي من يسوع يدلّ عليه التوازي. وهو يبدو بشكل تهديد. ونضع آ
4- 5 في الاقوال النبوية المهدّدة. أما آ 6- 7 فهما آيتان تحريضيتان. وآ 8- 9
تهدّدان فتعدان بالخلاص أو تحذّران من الهلاك.
ما هو معنى قول يسوع في آ 2- 3؟ لا يمكن أن يبقى قلب الإنسان مغطّى ومخفياً إلى
الأبد. فسيأتي يوم يُكشف فيه. حتى الأقوال السرية سوف تُسمع. وتتعلّق 8: 17 بظهور
كلمة الله: سيعلن التلاميذ ما سمعوه في السرّ (رج مت 10: 26- 27). ولكن القول هنا
يتعلّق بداخل الإنسان. ما قيل أو فُعل في السرّ لا يخفى على الله وهو سيأتي إلى
النور في النهاية. تبدو هذه الكلمات كتفسير 11: 44 (الفريسيون هم كالقبور
المستورة). ولكنها في السياق اللوقاوي تبدو تفسيراً "للرياء" (12: 1).
في آ 4- 5 يقدّم يسوع نصائح لتلاميذه الذين يسمّيهم "أحبّاءه": أن لا يخافوا في
سلوكهم، أن يعترفوا به في الإضطهادات. هنا يمزج التشجيع والتحذير. الخوف ممنوع في
الإضطهاد، بل في الاستشهاد. خسارة حياة "الجسد" قد تسبّب الخوف. ولكنها ليست بشيء
إن نحن قابلناها بخسارة الله نفسه الذي له سلطان أن يلقي الإنسان في جهنم. يجب على
التلاميذ أن لا يخافوا خسارة حياة (بفعل البشر). بل أن يخافوا نتائج الجحود. إن موت
الشهيد يجد الجزاء عند الله الذي يتعرّف إلى ذاك الذي اعترف به.
تحاول آ 6- 7 أن تمزج التشجيع السابق مع تفكير في عناية الله بتلاميذ يسوع. هم لن
يوفّروا في الإضطهاد والاستشهاد، ولكن عليهم أن لا يخافوا في تلك الظروف. وهنا يأتي
البرهان من الأقل إلى الأكثر: إذا كانت عناية الله لا تنسى العصافير التي نشتري
الخمسة منها بفلسين. وإذا كان شعر رؤوسنا محصى. فكم تظهر عناية الله بتلاميذ يسوع
وأحبائه. إذا كان اهتمام الله يصل إلى هذه الأشياء الصغيرة، أما يهتم بتلاميذ ذاك
الذي جاء من السماء. لا نخف من الإضطهاد والاستشهاد. فأسماء التلاميذ مكتوبة منذ
الآن في السماء (10: 20).
وزادت آ 8- 9 قولين لابن الإنسان تشدّدان على اعتراف التلاميذ بيسوع أمام البشر.
فمن يجاهر بتعلّقه بيسوع، يكون له لا ابن الإنسان فقط، بل يسوع بكل ما هو (المسيح،
حامل الروح). ويوعد بالجزاء الاسكاتولوجي. يعترف به يسوع كابن الإنسان حين يمارس
الدينونة في البلاط السماوي (رج 9: 26 الذي يحدّد الوقت؟ رج 22: 69؛ أع 17: 31).
أما التلاميذ الذين ينكرونه فسيجدونه هناك ليعاملهم بالمثل. وهكذا جاء الوعد
والتحذير. وهكذا بدا البعد الإسكاتولوجي للحاضر.
وزيد قول آخر (آ 10- 12) في خبر مسيرة يسوع إلى أورشليم. بدأ يسوع قوله، فانتقل من
ابن الإنسان إلى الروح القدس. تحدّثت آ 8 عن يسوع كابن الإنسان في المجد أو
الدينونة. أما آ 10 فتكلّمت عنه في وضعه المائت. هناك بعض التوازي بين آ 10 أ وآ 8،
بين آ 10 ب وآ 9. غير أن مجموعة هذه الأقوال هي لوقاوية. لم تكن هكذا في المعين.
وهذا ما يدلّ عليه موقعها في متّى.
إن آ 10 تجد ما يقابلها في مت 12: 32 حيث زاد الإنجيلي هذا القول من المعين على قول
التجديف الذي جاء من مر 3: 28 (بدل 3: 29). وهكذا جعله جزءاً من الجدل حول بعل زبول
(أخذ السياق من مرقس). وذكر ابن الإنسان مشترك في المعين بين متّى ولوقا، حيث القول
في مر 3: 28 يتحدّث عن خطايا التجديف التي ستُغفر "لأبناء البشر". وهذا يصبح في نصّ
متّى فقط "البشر" (بدون أبناء). ليس من السهل أن نقول إن كان مرقس هو الأصل أم
المعين. ولكن شيئاً منه ينسب بلا شكّ إلى يسوع في المرحلة الأولى.
لوقا هو مسؤول عن المقدمة "وأما من"، وعن إيجاز القول، أي إلغاء ما يدلّ على العالم
اليهودي (سواء في هذا العالم أم في الآتي) (لا ننسَ أن لوقا يتوجّه إلى الوثنيين).
وتأثر لوقا أيضاً في تدوينه بالقول الذي حفظ في مر 3: 28- 29 الذي استعمل فعل
"بلاسفامارين" (جدّف، شتم). فهو في الإطار المرقسي جزء من الجدال حول بعل زبول، وقد
ألغاه لوقا كما اوجز خبره في 8: 4 بعد ندائه القصير. ونجد شكلاً آخر من هذا القول
في إنجيل توما رقم 44: "من يجدّف على الآب يغفر له. من يجدّف على الابن يغفر له.
ولكن من يجدّف على الروح القدس لا يغفر له، لا على الأرض ولا في السماء". هذا الشكل
متأخّر وهو يرتبط بالإيمان بالثالوث، وقد حوّل العبارة اليهودية (هذا العالم
والعالم الآتي) إلى شكل يرتبط بنصّ مت 28: 18 (رج لو 12: 56؛ كو 1: 20). وينقص
الشكل اللوقاوي للخبر تفسيرُ "الخطيئة التي لا تغفر" التي نجدها في مر 3: 29
(ألغاها متّى من أجل قول المعين الذي زاده).
والقول الثاني (آ 11- 12) عن المائدة التي ينتظرها تلاميذ المسيح من الروح القدس،
يجد ما يقابله في مت 10: 19- 20، حيث يشكّل جزءاً من خطبة الرسالة إلى "الاثني عشر
رسولاً". قدّم لوقا للقوك بالعودة إلى المجامع والحكام والسلطات (لا نجد هذا في
متّى). وحوّل التدوين، فجعل الإضطهاد يأتي من اليهود كما من الوثنيين (21: 12). ومن
جهة ثانية كان "الروح القدس" التعبير الأصيل للمعين الذي صار في مت 10: 20 "روح
أبيكم" (وهكذا كيّف القول عائداً إلى الآب في 10: 29، 32، 33). ونجد "الروح القدس"
أيضاً في شكل آخر في مر 13: 11 الذي استقى منه لو 21: 14- 15. ولكن لوقا ألغى في ف
21 "الروح" وصار يسوع نفسه سند التلاميذ الذين سيدافع عنهم وعن رسالتهم.
رتب بولتمان قول آ 10 بين اقوال يسوع حول الشريعة (تتعلّق بالتقوى اليهودية بالنسبة
إلى الشريعة). واعتبر أن الشكل المرقسي هو الأصيل، ولكنه أقر أن هناك شرّاحاً آخرين
يعتبرون أن المعين (في آ 10) هو الأصيل. ولكن بسبب ترتيب لوقا لهذا القول (آ 10) في
إطار تحريض للتلاميذ في نشاطهم الرسولي، إتخذ أيضاً وجه التحريض حول شهادة لا خوف
فيها بوجه الإضطهاد. إذن نحن أمام أكثر من قول شرائعي. وحملت آ 11- 12 التعزية
والتهديد. لم تأتِ في إطار إرشاد، بل في إطار تعزية وتشديد.
ليس من السهل أن نحدّد معنى آ 10. يبدو أن آ 10 أ تعارض للوهلة الأولى آ 9. وهذا
الشعور يأتي من الطابع المنعزل الذي يميّز هذه الأقوال التي ضمّت الآن إلى السياق
اللوقاوي. وقال كلوشمرمان إن آ 10 تكون أفضل إن جاءت بعد آ 11- 12. فحيث تتوجّه آ
8- 9 بوضوح إلى التلاميذ (المسيحيون الذي يتبعون يسوع) تبدو لفظة "ومن" كأنها
تتضمّن سامعين عديدين. بالإضافة إلى ذلك، التعارض بين الكلام ضد ابن الإنسان والروح
القدس يقابل الأقل بالأكثر. ما يقال أو يُعمل ضدّ يسوع كابن الإنسان يعود إلى
رسالته على الأرض. إنهُ يرذل في حالته المائتة بيد شعبه (في السياق المرقسي اتخذ
شكل نسبة طرد الشياطين إلى بعل زبول. هذا هو التجديف، 3: 22. وكذلك في السياق
المتّاوي، 12: 32؛ رج 12: 27-29). لا صعوبة لشرح التجديف على ابن الإنسان، فالمسألة
الحقيقية هي طبيعة الخطيئة ضد الروح القدس التي لا تغفر.
ما هي الخطيئة التي لا تُغفر؟ اعطيت الشروح العديدة. الأول: فسّر في مر 3: 29- 30
كاتّهام ليسوع بأن فيه روحاً نجساً. إنه يطرد الشياطين، لا لأنه يتأثر بالروح
القدس، بل لأن فيه شيطاناً. وهكذا نكون أمام خطيئة تدوم إلى الأبد. (سقط هذا الشرح
في مت 12: 32، وأحلّ الإنجيلي مكانه قولاً أخذه من المعين). الثاني: فهم الآباء
القول ضد ابن الإنسان على أنه يُغفر لأنه يأتي من غير المؤمنين. أما التجديف ضدّ
الروح القدس فهو جحود يصدر عن تلاميذ المسيح، وهذه خطيئة لا تُغفر. الثالث (يختلف
قليلاً عن الثاني): يعتبر الخطيئة ضد ابن الإنسان كرفض له من قبل معاصريه خلال
رسالته في فلسطين. ولكنهم بعد القيامة وفيض الروح وكرازة التلاميذ سيستفيدون من
الظروف فيرتدون ويتعمدون باسم يسوع المسيح (أع 2: 38). ولكنّهم يقترفون الخطيئة
التي لا تغفر إن هم ظلوا على رفضهم (أع 13: 45؛ 18: 6؛ 26: 11). الرابع: يربط آ 10
رباطاً وثيقاً مع آ 11- 12 فيفهمها كرفض للشهادة التي يجعلها الروح القدس في فم
التلاميذ. الخامس: الخطيئة التي لا تغفر، ليست فقط رفضاً للإنجيل أو الكرازة
المسيحية، بل التمادي في معارضة تامة ودائمة لتأثير الروح القدس الذي ينعش هذه
الكرازة. ما دام هذا الرفض للروح حاضراً، لا يمنح غفران الله إلى الإنسان. نحن هنا
أمام المعارضة لله نفسه.
نستغرب أن يكون الإنجيليون احتفظوا بهذا القول عن غفران (أو: لا غفران) الخطايا.
لكن للوقا أسبابه. هناك نكران بطرس للمسيح (22: 34، 57، 61). وهناك شهادته (أع 3:
12- 15) وشهادة أسطفانس (7: 35، 51-52). ولا ننسَ عب 6: 4- 6؛ 1 يو 5: 16. ثم إنه
من الأهمية بمكان أن لا نقرأ في التقليد الإنجيلي حوله هذا القول، اسئلة طرحها
المسيحيون فيما بعد. أما يستطيعون أن يتوبوا وينالوا الغفران؟ فالإنسان الذي يعاند
في التجديد، هو الذي يعاند في معارضة لله نفسه.
في آ 11- 12، وعد يسوع بأن الروح يعين التلاميذ المضطهدين حين يمثلودن أمام
السلطات، سواء كانت يهودية أم وثنية، يعينهم في نشاطهم الرسولي. لم يعط يسوع الروح
خلال رسالته على الأرض، ولكن وعد به، وقد صوّره إنجيل لوقا كينبوع قدرة يسوع نفسه
(3: 22؛ 4: 1، 14، 18؛ 10: 21). وسيكون ينبوع قوة وفصاحة في التلاميذ حين يُدعون
للدفاع عن نفوسهم في رسالتهم. فالذي هو حامل الروح (11: 13؛ رج أع 2: 33) سيعطيه
بشكل خاص. في أع 4: 8 "إمتلأ بطرس بالروح القدس" فأدّى جواباً إلى "الرؤساء والشيوخ
والكتبة" الذين اجتمعوا في أورشليم مع "حنان وقيافا ويوحنا والاسكندر" (عظيم
الكهنة). رج أع 4: 25- 31؛ 5: 29- 32؛ 6: 9- 10؛ 7: 51- 56. لم تكن لهم مساعدة
بشرية. بل أعطيت لهم القوة والفصاحة بفعل الروح القدس.
إن آ 10- 12 توضح مسؤولية التلاميذ. يكونون شهوداً لكلمة يسوع. ولكن لا ينسون أنهم
قد يقاومون هم أيضاً الروح القدس.
الفصل الثامن عشر
الغني الجاهل
12: 13- 21
يتضمّن هذا المقطع الإنجيلي قسمين. الأول: خلاف حول ميراث (آ 13- 15). الثاني: مثل
الغني الجاهل أو الغبي (آ 16- 21).
إنّ جواب يسوع إلى الوارث الذي حُرم من ميراثه يطرح سؤالاً محرجاً. ويبدو صعباً
لأننا لا نقدر أن نلجأ إلى المقارنة مع النصوص الإزائية. فهذه المقطوعة خاصة بلوقا.
نشير هنا إلى أننا نجد التوازي التالي مع إنجيل توما المنحول: سأله رجل: "قل لإخوتي
أن يقاسموني أموال أبي". أجابه: "يا رجل، من جعلني لك مقسماً"؟ والتفت إلى تلاميذه
وقال لهم: "هل أنا مقسّم ميراث"؟ وقال يسوع: "كان رجل غني يملك أموالا كثيرة. فقال
في نفسه: سأستعمل كل أموالي حتى أبذر وأحصد وأزرع وأملأ "أهرائي" من الثمار بحيث لا
ينقصني شيء. تلك كانت أفكاره في قلبه. وفي تلك الليلة مات. فمن له أذنان فليسمع"!
نحن هنا أمام مسألة حرجة تتحدّث عن هذا المشتكي من أخيه: لقد رفض يسوع طلبه، فبدا
رفضه وكأنه يعارض اتجاهات الكنيسة الحالية. أين هي العدالة؟ أما يجب على المسيحي أن
يعمل بكل قواه ليزول الظلم من العالم؟ غير أن يسوع رفض أن يهتمّ بقضية فيها ظلم
عُرضت عليه. انه يبدو غير مبال بما يحدث على الأرض، فبدا وكأنه لا يحسب حساباً
لحاجات الإنسان الزمنية. ما يهمّه هو السعادة في الآخرة. وتُطرح المسألة عينها
بالنسبة إلى التطويبات في إنجيل لوقا: "هنيئاً لكم إذا أبغضكم الناس... إفرحوا
وابتهجوا لأن اجركم عظيم في السماء" (6: 22- 23).
ما كنا لنجد حلاً لهذه الصعوبة لو لم يتبع جواب يسوع المتهرّب للوارث مثل الغني
الجاهل. إعتبر بعض الشرّاح أن ارتباط الجدال بالمثل يُنسب إلى الأنجيلي لوقا. قد
يكون هذا الأمر صحيحاً وقد تكون المقطوعتان وُجدتا كل واحدة بمفردها. تقاربتا فكان
لنا هذا الإستنتاج بالنسبة إلى لوقا.
في هذا المعنى أبرز الشرّاح أيضاً واقعاً وجدوه في إنجيل توما وهو أنّ القطعتين لا
تتتابعان بل يرد المثل أولاً ثم الجدال بعد صفحات عديدة. ولكن من السهل أن نشرح
الدافع الذي جعل الكاتب يفصلهما عن بعضهما: أراد أن يحمّل كل قطعة تعليماً غنّوصياً
خاصاً. فصار الحوار في قلمه شجباً لكل فكرة مقاسمة، والمثل تحذيراً من خسارة الغنى
الحقيقي الوحيد الذي هو المعرفة (غنوسيس).
في الواقع نحن أمام متتالية تترابط فيها الأمور ترابطاً تاماً: ان جواب يسوع إلى
السائل تكمّله كلمة وُجهت إلى الجمع (آ 15) ثم شُرحت في المثل. ودراسة آ 15 أ من
حيث اللغة تدل على انها من تأليف لوقا. ولكن ليس الأمر هكذا بالنسبة إلى آ 15 ب لأن
آ 22- 23 تشكّلان لها صدى وجواباً. إذن، نقول إن السؤال حول مقاسمة الميراث يقدّم
السياق الحقيقي للمثل. أراد يسوع أن يرد على الوارث المحروم من الميراث، فأخبر مثل
الغني الجاهل. أما القول الذي يعيننا على استخراج الدرس من المثل (آ 21) فهو شرح
دوّنه لوقا كما دوّن آ 15 أ.
والخطبة الصغيرة التي تتبع المثل (آ 22- 34) هي بدورها تفسير للقطعة كلها (آ
13-21).
هذا ما تدلّ عليه المقدّمة: "لهذا أقول لكم" (آ 22). هذه المقدّمة تعود إلى تقليد
سابق للوقا، لأنها حُفظت عند متى رغم تبدّل القرائن (مت 6: 25: لا تهتمّوا). وقد
يقول قائل: لم يسبق خطبةَ مت 6: 25- 34 الموازية لنصّ لو 12: 22- 32 طلبُ الوارث
المستاء من تصرّف أخيه ولا مثل الغني الغبي. ولكن هذا لا يدهشنا. فالخطبة وحدها
استطاعت ان تدخل بسهولة في إطار عظة الجبل: لو وضع الحوار هنا لكان قطع أقسام
التوسّع. أما المثل، فما كان بالإمكان أن يكون في محلّه. نحن نعلم أن متّى لم يرد
أن يورد مثلاً بكل معنى الكلمة قبل خطبة الأمثال (ف 13). ولهذا السبب أغفل مثل
الصديق المزعج (لو 11: 5- 8) كما أغفل مثلَي الرجل الذي يبني برجاً والملك الذاهب
إلى الحرب (لو 14: 28- 33) دون أن يتخلّى عن التعاليم التي ارتبطت بهذه الأمثال (رج
مت 7: 7- 11؛ 10: 37- 39). لم يورد متّى قبل ف 13 إلاّ مقابلات توسّع فيها بعض
الشيء، بين طير السماء الذي لا يهتمّ والإنسان الذي يهتمّ (مت 6: 26- 30)، بين
الإنسان والشجرة اللذين يُعرفان من ثمارهما (7: 16- 20). وإن هو أورد مثلاً، حاول
أن يخفي طابعه الأولاني بحيث يجب أن نلجأ إلى ما يوازيه عند لوقا أو مرقس لنكتشف
المثل. ق مثلاً مت 5: 25- 26 ولو 12: 58- 59.
يُعطى التنبيه أولاً في صيغة سلبية (لا يهمكم لحياتكم، آ 22)، ثم يُستعاد في نظرة
أكثر إيجابية: "تأمّلوا الغربان..." (آ 24). فوجود كلمة "مستودع" (أو مخزن، أو
أهراء) في آ 24 يفهم كصدى لما في آ 18. قال الغني: "أهدم مخازني وأبني غيرها". ولكن
الغربان "لا مخزن لها ولا مستودع". ومجمل الكلام، يعبّر النص عن الفكرة الواحدة في
ثلاثة أشكال مختلفة: حوار، مثل، خطبة. ورغم غياب نصوص متوازية، فنحن نملك بعض
الأمور التي تساعدنا على إلقاء الضوء على المقطوعة التي ندرس.
أ- خلاف بشأن الميراث (آ 13- 15)
1- الطلب
"يا معلّم، قُلْ لأخي أن يقاسمني الميراث" (آ 13). إذا رجعنا إلى التشريع
الإسرائيلي كما إلى القوانين الأشورية، نعرف أن الصبي وحده يحق له بالميراث. وبين
الصبيان، كان للبكر حصة الأسد. لا يحقّ له فقط الثلثان من الأموال المنقولة، بل إن
الأموال غير المنقولة من بيت وأراضٍ كانت تعود إليه كلها ولا تقسم. لقد صار رئيس
العائلة فأعطي له كل شيء تقريباً.
والوضع الذي يفترضه الطلب الموجّه إلى يسوع هو واضح: الطالب هو الثاني في البيت.
لقد وضعَ البكر يده على الميراث كله ورفض أن يعطي أخاه الحصة التي تعود له (رج 15:
12، 31). وبدل أن يلجأ إلى المحكمة، جاء إلى يسوع بعد أن رأى فيه رابي ومعلّم
ناموس، بعد أن أخذ بعظمته. لقد درجت العادة في العالم اليهودي أن يلجأ شخصان إلى
معلّم ناموس ليحكم في قضية اختلفا عليها.
2- رفض يسوع الطلب
أولاً: يسوع ورسالته
لا يقدّم يسوع رفضاً لطلب دون أن يعطي سبباً لرفضه. هذا ما اعتاد أن يفعل. أمّا
الاسباب التي يعطيها في مختلف الظروف فهي ترتبط بالرسالة التي أوكله الاب بها.
طلبت منه مريم أن يساعد اناساً نقصتهم الخمرة في قانا (يو 2: 3- 4). دعاه "إخوته"
إلى أن يدخل أورشليم دخولاً إحتفالياً (يو 7: 3- 6). عاد إلى ساعته، أي إلى الساعة
التي اختارها له الاب من أجل إتمام عمله الرئيسي. وحين طلب إبنا زبدى المكانين
الأولين في الملكوت، أجابهما أنه لا يحق له أن يعطيهما لمن يشاء: هذا أمر محفوظ
للآب (مت 20: 23). وحين سأله التلاميذ أن يكشف لهم عن يوم مجيئه الثاني، أجاب أن
رسالته لا تتضمن كشفاً لهذا السرّ: لقد احتفظ الاب بهذا السرّ (مت 24: 36). وحين
سأله اليهود آية، رفض أن يعطيهم آية إلأ آية قيامته التي ترمز اليها مغامرة يونان،
وأفهمهم أن هذه الآية ستأتي في وقتها (مت 16: 1- 4؛ 12: 38- 40 وز).
والسبب الذي يقدّمه يسوع هنا يرتبط برسالته. فهذا واضح: إنه لم يُرسل ليفضّ
الخلافات المتعلقة بالميراث (رج خر 2: 14 وما حدث لموسى حين أراد أن يصالح عبرانيين
يتقاتلان: "من جعلك رئيساً علينا وقاضياً"؟) غير أنّ يسوع أكّد أنه أعطي كل سلطان
في السماء وعلى الأرض (كما 28: 18). وقال في يو 5: 22: "الاب جعل الدينونة كلها
للإبن". انه ملك، ولكن مملكته ليست من هذا العالم. انه قاضٍ وديّان، ولكنه لم يُرسل
ليقضي في أمور الميراث.
ثانياً: يسوع يعلّم
يجب أن لا نشدّد كثيراً علي التعبير الجاف الذي ورد فيه جواب يسوع. فالحالات عديدة
التي فيها يتكلم يسوع ويعلّم كالسيد والمعلّم. فالوارث المحروم قد وجّه اليه كلامه
وحيّاه بلقب: يا معلّم. وجواب يسوع هو مثل، هو لغز، يدفع السامع الى التفكير. فلا
نستنتج سريعاً أن يسوع لا يهتمّ بالعدالة وأنه يشجب الأمور المتعلّقة بالميراث. وهو
نفسه سيحدّد فكرته بواسطة مثل آخر هو مثل الغني الغبي. ورأى لوقا بدوره أن من
الضروري إبعاد تفسير تنقصه التفاصيل الدقيقة فيجعل فكر الرب خاطئاً (آ 21).
كم من الحالات المشابهة التي يعطي فيها يسوع لكلماته شكل المفارقة والتطرّف! فيجب
أن لا نحملها مدلولاً لا تحمله. والمثل اللافت للنظر نقرأه في لوقا: "من يأتي إليّ
ولا يبغض أباه وأمه... لا يقدر أن يكون لي تلميذاً" (مت 14: 26). أما متى فرأى أن
يوضح كلام يسوع فقال: "من أحبّ أباً أو أمّاً كثر مني" (مت 10: 37).
وفي مناسبة أخرى، لا تعكس أقوال يسوع الإحتقار ولا اللامبالاة تجاه أمه. قالت له
إمرأة: "هنيئاً للبطن الذي حملك" (11: 27- 28). فبدا وكأنه لا يهتم لهذا المديح
الذي يوجّه إليه، ومن خلاله إلى أمّه. فأجاب: "بل هنيئاً للذين يسمعون كلمة الله
ويحفظونها (يعملون بها)". في الواقع، إن يسوع مهتمّ بالذين يحيطون به، وهو يستفيد
من هذه الكلمة التي تلفّظت بها هذه المرأة ليقدّم تعليماً يمسّ قلوب السامعين بصورة
مباشرة. فالجواب لا يمنع من أن نفكر أن مريم تستحق التهنئة بسبب أمومتها، وبسبب
إيمانها أيضاً. فمن تقبّل كلمة الله أفضل منها؟ وهذا ما يعرفه لوقا حقّ المعرفة (1:
38- 45). وفي مناسبة أخرى، ستكون ليسوع ردّة فعل مشابهة: "أمّي وإخوتي هم الذين
يسمعون كلمة الله ويحفظونها" (8: 21).
ونستطيع أن نتذكّر جواب يسوع إلى "إخوته" الذين يدعونه ليدخل إلى أورشليم دخولاً
مسيحانياً. كان جوابه سلبياً، ولكنه كان جواباً ملغزاً، بحيث إنه في النهاية صعد
إلى أورشليم (يو 7: 3- 10).
وإذا أردنا أن نتفهّم البعد الحقيقي لكل هذه الأقوال، لا بدّ من أن نأخذ بعين
الإعتبار نيّة يسوع، ونيّة الإنجيلي الذي انطلق من ظرف معيّن ليقدّم تعليماً
يتجاوزه. فقد كان يسوع يستفيد من طلب أو واقع خاص ليقدّم تعليماً عاماً للناس الذين
يحيطون به. هذا ما فعل حين جاء إليه أمّه وإخوته (8: 19- 21)، وحين امتدحته المرأة
(11: 27- 28). وسينطلق من حدثين خاصين وقعا في أيامه ليقدّم تعليماً عاماً حول وجوب
التوبة: "أقول لكم: إن كنتم لا تتوبون، فستهلكون كلّكم مثلهم" (13: 1- 5).
ثالثاً: وضع محدَّد
ولا بدّ من الأخذ بعين الإعتبار الإشارات التي تعطيها قرائن النص. نفهم هنا أنّ
الطالب ليس فقيراً. إذا كان يطالب بالميراث، فليس لأنه يحتاج إلى مال يعيش منه.
يبدو أنه جشع، طمّاع (آ 15) ويريد أن يكدّس الأموال. لا يطرح الإنجيل حقّ الميراث
على بساط البحث، بل يرفض أن يقف عند هذا المستوى.
الفعل اليوناني (باريسو) (آ 15) يدلّ على الزيادة والوفرة، بل على فيض الخيرات (9:
17؛ 21: 4؛ مت 15: 37؛ 25: 29). واللفظة "بليوناكسيا" تدلّ على من يملك أكثر من
الآخرين، من يملك أكثر من الضروري، من يملك ما يفيض عنه. من هنا الطمع والجشع.
وهكذا يبرز المثل أن الوارث غير راضٍ بما يملك من مال وفير. يطلب أيضاً مزيداً من
المال، لا بعض الضروري ليؤمّن حياته. من هذا القبيل يشبه هذا الطالبُ الغنيَّ الغبي
في البحث عن تكديس الأموال، وقد يتوجّه إليه مثل الغني الجاهل قبل سواه.
حين يُطرح على يسوع سؤال لا نفع من الإجابة عليه، أو تحمل الإجابة عليه خطراً، فهو
يستبعده ويستفيد من الظرف ليقدم تعليماً مفيداً. سأل رجل مرّة عن عدد المختارين،
عدد الذين يخلصون (13: 23). لم يكشف له يسوع العدد، بل نصحه بأن يعمل المستحيل
ليكون من هؤلاء المختارين. ومرّة ثانية سأله التلاميذ متى تكون الأحداث
الإسكاتولوجية التي أعلن عنها. أجاب: "إسهروا وصلّوا، لأنكم لا تعرفون اليوم ولا
الساعة" (مت 25: 13؛ رج 24: 42، 44). فما ينفع الإنسان ليس معرفة عدد المختارين أو
متى سيعود المسيح، بل أن يكون مستعدّاً فيحيا حياة المحبّة ليكون من عداد المختارين
حين يأتي الزمن المحدّد.
انه وإن لم يكن الغنى شرّاً في حدّ ذاته، فالوفرة قد لا تكون خيراً، بل تشكّل
خطراً. فيسوع قال: "الويل لكم أيها الأغنياء" (6: 24). وقال: "أسهل على الجمل أن
يدخل في ثقب الإبرة من يدخل غني في ملكوت الله" (18: 25). فهذا الذي قال هذا
الكلام، هل يستطيع أن يضع سلطته في خدمة اثراء إنسان، ولو كان محقاً في طلبه؟
ويخبرنا لوقا. بعد أن قدّم يسوع جوابه إلى الإنسان المستاء من وضعه، توجّه إلى
الجمع ليستخلص نتيجة ما حدث (رج 8: 21 وز؛ 9: 41 وز؛ 18: 24- 27 وز): "إنتهبوا
وتحفّظوا من الطمع، ففي قلب الوفرة لا تكفل الخيرات حياة الإنسان". أو: إن كان أحد
في وفرة، فحياته لا تقوم على ما يملك. أو: إن كان إنسان غنياً فخيراته لا تؤمن له
حياته (آ 15). يشدّد النص على فكرة الطمأنينة والتأمين على النفس، أكثر منه على
التنعّم بالخيرات. ينبّه يسوع الناس إلى أن وفرة الخيرات المادية لا تكفي لتؤمّن
طمأنينة حقيقية. فسلام الإنسان الحقيقي لا يستند إلى الغنى. فحياته لا ترتبط فقط
بخيرات الأرض. إنه تعليم سلبي. ونحن ننتظر شيئاً إيجابياً. فالدرفة الثانية ستنفتح
في آ 22: "لا يهمّكم لحياتكم ما تأكلون". ولكن قبل الوصول إلى الدرفة الثانية،
يتوسّع يسوع في فكرته عبر مثل الغني الغبي: "كان رجل غني أعطت أرضه غلة عظيمة".
ب- المثل (آ 16- 21)
حين نقرأ مثل الرجل الغبي، لن نطلب في كل تفصيل مدلولاً أو رمزاً خاصاً. ما يتضمّن
التعليمَ هو خبر صغير نأخذه كله، هو أزمة تتعقّد ثم تنحلّ، هو وضع يصوّر هنا. إذن
يكفي أولاً أن نشير إلى بعض التفاصيل المتعلّقة بالترجمة.
ترد لفظة "نفس" مرتين (آ 19، 20) مع اختلاف في فروقات طفيفة. في الحالة الأولى،
النفس هي الشخص، نفسي هي أنا (رج تك 12: 5: النفوس أي الأشخاص؛ خر 1: 5؛ 12: 4؛ لا
24: 18). في الحالة الثانية، النفس هي الحياة. فالذي تُطلب منه نفسه هو الذي يموت.
وبسبب تكرار الكلمة الواحدة، نتأثّر بموت الغني المفاجئ. ويقوى تأثّرنا عملياً حين
نعلم أنّ الموت سيفاجئه في هذه الليلة عينها (آ 20).
في آ 20 نترجم حرفياً: "يطلبون نفسك" أي حياتك. لن نتساءل من هم هؤلاء الذين
يطلبون. هل هم الملائكة أم غيرهم؟ نحن هنا أمام شكل من أشكال المجهول: تُطلب،
تستردّ نفسك. هكذا اعتاد العالم اليهودي أن يتحاشى ذكر اسم الله، والمعنى: الله
سيستردّ نفس الغني. انه سيّد الحياة والموت (1 صم 2: 6).
جاهل (غبي) هو هذا الغني. شأنه شأن العذارى اللواتي طشن فلم يأخذن معهن زيتا (مت
25: 2). شأنه شأن الفريسيين الذين يحكمون على الأمور حسب الظاهر، شأنه شأن اليهود
الذين لا يعرفون أن يميّزوا علامات هذا الزمان، لا يعرفون أنّ الوقت لا ينتظر (12:
54-56)، شأنه شأن الأعمى الذي يقود أعمى: كلاهما يقعان في حفرة (6: 30؛ مت 25: 14).
كل هؤلاء نقصتهم الحكمة فلم يميّزوا الخيرات الحقيقية. وهذا هو أيضاً حال الرجل
الذي يناقش في أمور الميراث.
ما يشير إليه المثل هو أنّ حسابات الغني كانت خاطئة كل الخطأ. ولهذا خابت آماله.
ظنّ بعض الشرّاح أن العبارة "الذي أعددته لمن يكون" (آ 20)، تفترض ان الشخص لم يكتب
وصيته. هذا الإفتراض يتعدّى نيّة صاحب المثل الذي يريد أن يعلّمنا فقط أن الغني لن
يستطيع ان يتنعّم بخيراته كما خطّط. وقد يكون في السؤال (لمن يكون؟) تلميح إلى
الخلاف حول الميراث الذي هو مناسبة المثل.
ظنّ الغني أن الغنى سيكون له ينبوع سعادة لا ظلّ فيها. ولكن هذه السعادة أفلتت منه
فجأة. هكذا يكون حال من يضع آماله في الغنى، حتى وإن لم يمت فجأة مثل غني المثل. لا
ننسى أننا أمام مثل، لا أمام خبر حقيقي يرويه يسوع. إن السعادة المؤسسة على خيرات
الأرض لا تستحقّ أن يجعلها الإنسان هدف حياته ووجوده. لسنا بحاجة إلى فكرة الموت
لنقول هذا القول، وإلاّ لما تعدّى تعليم المثل مز 49: 18 ("إذا مات إنسان لا يأخذ
معه شيئاً ولا ينزل معه مجده إلى مثوى الأموات". ثم لا ننسى اننا أمام الموت
الفردي، لا الموت الذي يكون في نهاية الأزمنة.
موت الغني الجاهل إشارة صغيرة في المثل، ومدلوله يتعدّى هذه الإشارة. فالخبر الصغير
يساعدنا، عن طريق المقابلة، على إدراك حقيقة عميقة لا نبرهن عنها ولا نضع لها
حدوداً: جاهل هو الإنسان الذي يتكل على غناه ليؤمن لنفسه سعادة متينة! انه يفكر
ويتصرف كما يفعل الوثنيون (آ 30).
ولكن آ 15 التي تجد صداها في آ 22- 23، تشدّد بالحري على الحياة. إن حياة الإنسان
غير مشروطة بما يملك (آ 15). انها أكثر من الطعام واللباس. كل خيرات الأرض هي في
خدمة الحياة ولكن الحياة تتجاوزها: انها في علاقات الإبن مع أبيه، مع الله الذي
يعرف ما نحتاج إليه (آ 30- 31).
خاتمة
هل يعني كل هذا أنّ علينا أن نعيش في عالم مثالي وغير واقعي، وننتظر كل شيء من
تدخّل الله العجيب؟ كلا. فالمسيحي ليس من العالم. وهو لا يهتمّ بالغنى مثل
الوثنيين. إلاّ انه يعيش في العالم (رج يو 17: 13- 16). ان لوقا لا يطرح المسألة
كما نطرحها نحن. ولكنه لا يجهلها. وإن لجأ بعض المرات إلى المفارقة فهو يعرف أن
يقدّم فكره. إنه يعلم أن الحياة المسيحية تتضمّن انشداداً بين نظرتين ملتبستين إلى
العالم، لهذا زاد على المثل التوضيح التالي: "وكذلك الذي يكنز (يجمع) لنفسه ولا
يغتني من أجل الله". أي: في نظر الله، أو قرب الله (هناك كنز في السماء. رج آ 16:
كنز على الأرض) (آ 21).
ليس الغنى شرّاً في حدّ ذاته. وقد يساعدنا على اقتناء كنز في السماء إذا جعلناه في
خدمة القريب بشكل صدقة أو مساعدة (آ 33- 34؛ رج 16: 19). ولكن الغنى خطر لأنه يعرّض
الإنسان إلى التعلّق به وطلبه من أجل ذاته، أي من أجل تنعّم أرضي أناني مثل
الفريسيين (16: 14) أو مثل الغني الجاهل، أو مثل الغني الذي رفض أن يقدّم العون إلى
لعازر. سيأتي يوم تنقلب فيه الأوضاع فيتعزّى لعازر ويتعذّب الغني (16: 25).
ومهما يكن من أمر، يجب أن لا تأخذ الأموال المكان الأول في اهتمامات المسيحي. عليه
ان يشتغل أولاً من أجل ملكوت الله، أي لمجد الله وخلاص البشر (آ 31: أطلبوا ملكوت
الله). فإذا كان الله يعطي النبات الحيوان ما يحتاج إليه، أفلا يطعم الآب السماوي
إبنه، أيعطيه حجراً بدل البيضة وحيّة بدل السمكة (11: 11- 13)؟
الفصل التاسع عشر
الإهتمام بأمور الأرض
12: 22- 32
إن تكديس الخيرات الأرضية هي طريقة سرابية نحاول بها أن نستعدّ للغد. لهذا، وبعد
التنبيه إلى الجموع، إستعاد يسوع المسألة في جذورها خلال حوار حميم مع تلاميذه. طلب
من التلاميذ إيماناً قوياً في العناية الإلهية، فجاء كلامه امتداداً لموضوع عرفه
العهد القديم (السنة السبتية، لا 25: 2- 7): نتكل على الله الذي يعتني بشعبه. قال
الشعب: ماذا نأكل في السنة السابعة إذا لم نزرع ولم نحصد؟ فجاء جواب الله بأنه
يبارك السنة السادسة فتعطى غلّة ثلاث سنوات. وبعد أن قال يسوع بالضرورة المادية من
طعام ولباس، أعطانا سبباً لعدم اهتمامنا: الله أعطى الحياة وهي أسمى عطاياه، أفلا
يستطيع أن يعطي ما تحتاج إليه هذه الحياة؟
أ- نعيش من نعمة الله
هناك مجموعة (12: 13- 53) تتلاحم حول تدخّلين: رجل من بين الشعب طلب إلى يسوع أن
يتدخّل من أجل ميراث (آ 13)، وواحد من بين التلاميذ، هو بطرس، يقول: ألنا تقوله هذا
المثل أم للجميع (آ 41)؟ ويرتسم الخط الرئيسي بأنّ ما يفسد حكم الإنسان على الأمور
يرتبط بما يملك. فالغني الجاهل لم يجعل نفسه موزّعاً لفيض عطايا الله، بل أراد أن
تلتقي كل خيرات الله في أهرائه. فالحياة التي يعطيها الله هي ثقة به قبل أن تكون
طمأنينة شخصية مليئة بالأنانية. هناك الغني الجاهل (آ 20) ويقابله "الوكيل الأمين"
(آ 42) الذي يتصرّف في اتجاه الله.
في آ 22، يتقلّص السامعون. قال يسوع لتلاميذه. هذا يعني أننا لم نعد أمام الجموع
(كما في آ 13) التي سمعت مثل الغني الجاهل (آ 16- 21). نجد بعد آ 22 ثلاث وحدات
أدبية تصل بنا حتى آ 40. والآيات العشر الأول تقدّم حضاً على الثقة بالله كما في مت
6: 25- 33. إنّ موضوع الوحدة الأولى (آ 22- 28) هو الله الذي يفعل. وتعلن آ 22
عنصرَي هذه الوحدة: الطعام واللباس. وتبرز آ 25- 26 الفكرة المحورية التي تقول: أصل
الحياة هو الله. منه قوامها، والإنسان لا يستطيع أن يسيطر عليها. وتتجاوب آ 24 وآ
27. نلاحظ شيئين. "تأمّلوا" الغربان، "تأمّلوا" الزنابق. كل هذا يعارض الإنشغال
والإهتمام (آ 25- 26). فالذي يأتي ليتأمّل، لا يبحث كيف يكدّس من أجل نفسه، بل كيف
يثق بالحياة التي يعطيها الله: إنه يقوت الغربان (آ 24)، إنه يلبس الزنابق لباساً
لم يره سليمان في كل مجده (آ 28).
تعود هاتان الملاحظتان إلى التقليد اليهودي. فالأولى التي تشير إلى الغربان نقرأها
في مز 147: 9: "الرب يرزق البهائم طعامها، وفراخ الغربان حين تصرخ". والثانية توجّه
أنظارنا إلى عظمة سليمان وغناه، فتعود بنا إلى 1 مل: 15: 4- 7 (رج 2 أخ 9: 3- 6).
إذا كانت عظمة الإنسان التي يمثّلها سليمان ليست بشيء تجاه ما تعطيه الحياة، وإذا
كانت هذه الحياة مجرّد وعد (تطرح في التنور، آ 28)، فلماذا لا ننتظر كلّ شيء من
عظمة الله وقدرته؟ ولكننا لا نتجرّأ على الثقة به فيقول لنا يسوع: "يا قليلي
الإيمان" (آ 28)!
وتشكّل آ 29- 34 الوحدة الثانية. هناك مقطوعتان. إن آ 29- 31 (لا تطلبوا...
فاطلبوا) ترتبط بما سبق كما في مت 6: 31- 35. أما آ 32- 34 (الله يعطي... أعطوا)
فهي توازي مت 6: 9- 21، ما عدا آ 32 التي هي خاصة بلوقا.
تتجاوب آ 31 وآ 33 (ملكوته... كنز في السماوات)، وتختتم آ 34 هذه الوحدة (الكنز،
القلب). تدلّ آ 35 بوضوح على الوليمة الاسكاتولوجية فترتبط بالوحدة الثالثة (آ 35-
40) المركّزة على الرب، وعلى ابن الإنسان في مجيئه. في هذه الوحدة الثانية يرد
"أبوكم" مرتين،
وكذلك الملكوت الذي هو ملكوته. وتجاهه نجد "القطيع الصغير".
المنظار هو منظار مجموعة تلاميذ يسوع. إذا كان الله في عنايته يعطي كل شيء، فلم يعد
من مكان لطلب يُمليه القلق (آ 32). بل يجب أن نبقى متنبّهين للعطاء فندخل في
تيّاره. بما أن الآب يعطي الملكوت ويغمر بفيضه ما يرجوه البشر، فالموقف المنطقيّ
الوحيد، هو أن نعطي بدورنا بسخاء، بأن نبيع كل مالنا لنعطيه. فقلب الإنسان يكون حيث
كنزه يكون. هكذا نعبّر بحياتنا كلها عن فيض الملكوت. هذا هو خيار الفطنة الحكمة،
هذا هو خيار الحياة.
وهكذا يدعونا الله ألاّ نهتمّ، فيلفت انتباهنا إلى الخبرة اليومية. فالخليقة تدلّ
على أن الله يعطي الطعام (آ 24- 26) واللباس (آ 27- 28). هنا نجد تعارضاً بين
الغربان التي لا مخازن لها ولا أهراء، والغني الجاهل الذي يبحث عن موضع يخزن فيه
غلاله (12: 17). هنا يرد البرهان مع أداة "بالأحبرى". كم أنتم أفضل من الطيور! كم
بالأحرى أنتم. وهكذا ننتقل من الطيور والنبات لكي نصل إلى الكائن البشري.
ويتّخذ يسوع روح المداعبة، فيذكّرنا بأن الإنشغال لم يزد لحظة واحدة على حياة البشر
(بل هو يقصّرها). ويتأسّف أن يكون تلاميذه "قليلي الإيمان" (أوليغوبستيا) (هذا هو
الإستعمال الوحيد للفظة في لوقا. يستعملها متّى 4 مرّات وهي تقابل لغة الرابانيين:
قطني أمانه): فمن شك في حماية الله وعنايته، دلّ على إيمان غير كافٍ. واستخلص يسوع
ما يتضمّنه هذا الكلام (آ 29- 32) فشدّد على نقطة واحدة: لا تطلبوا ما تأكلون وما
تشربون كما يفعل أولئك الذين يجهلوان الإله الأمين ولا يثقون به. حين نؤمن، نتيقّن
أن الله يؤمّن حاجاتنا وهو العارف بها. ونتذكّر أنّ الملكوت هو القيمة السميا التي
نبحث عنها (11: 2). فكل ما هو ضروري للحياة يبقى أمراً ثانوياً، والله يعطيه في أي
حال. ونلاحظ أيضاً: كما أن موضوع الملكوت يرتبط في صلاة الرب (11: 2) ارتباطاً
وثيقاً بعلاقة التلاميذ البنوية مع الله، فحين يأتي هذا الملكوت يكشف الله عن نفسه
أنه أبوهم.
ب- تفاصيل النصّ
بعد هذه النظرة الإجمالية، نعود إلى تفاصيل النصّ.
1- تأمّلوا في الغربان (آ 22- 26)
"قال لتلاميذه". نجد يد لوقا في التعبير اليوناني. هناك مخطوطات تغفل الضمير فتكتب:
"قال للتلاميذ". لهذا جعلته نشرة نستله ألاند بين قوسين. نلاحظ هنا مقدّمتين، واحدة
من يد لوقا (آ 22 أ: "ثم قال لتلاميذه"). وأخرى من المعين (آ 22 ب: "من أجل هذا
أقول لكم" رج مت 6: 25).
"من أجل هذا". ترتبط هذه الخاتمة في السياق اللوقاوي بالرجل الغني، بسلوكه ومصيره.
هو اهتمّ وأفرط في الإهتمام. أما أنتم فلا تهتمّوا لنفوسكم... نجد هنا توازياً بين
النفس والجسد على المستوى الأدبي لا على المستوى الفكري. النفس تعني الحياة، ولهذا
يتحدّث النصّ عن الطعام. والجسد يرتبط بالظاهر واللباس. فالله الذي يعطي "الحياة"
يرى أن البشر ينالون ما يحتاجون إليه من أجل وجودهم الحاضر. فالطعام واللباس هما في
خدمة الحياة. إن الفعل "مارمنان" يعني: أعمل فكره بقلق كما يتضمّن الكدّ والجهد.
غير أننا لا نستطيع أن نلغي فكرة الإنشغال.
"أنظروا". جعل لوقا فعل "كاتانوياين": تأمّل، فكَّر. استعمل هذا الفعل في 6: 41 (لا
تبصر الخشبة)، 20: 23 (أدرك مكرهم) فدلّ على نوع من المعرفة. استعمل مت 6: 26 في
النص الموازي أنظروا. وينطلق البرهان في آ 24 من الأقل إلى الأكثر كما في آ 28:
أنتم أفضل من الطيور. ربط الطعام بالطيور (هي تأكل دوماً) واللباس بالزنابق
(بجمالها).
ذُكرت "الغربان" هنا ولم تُذكر في مكان آخر في كل العهد الجديد. حوّل مت 6: 26 هذه
اللفظة (من خاصة إلى عامة) إلى "طيور السماء" (إستعملها لو 8: 5 في مثل الزارع؛ 9:
58؛ 13: 19). ذكرت الغربان لأنها تصرخ طالبة الطعام (مز 147: 9؛ أي 38: 41). الله
نفسه يهتمّ بها مع أنها طيور نجسة بحسب الشريعة (لا يحق لليهودي أن يأكل لحمها، لا
11: 15؛ تث 14: 14). ما زلنا حتى اليوم نحتقرها. وقد عرفها العالم القديم بأنها
عديمة الاهتمام حتى بالعودة إلى عشّها. هي لا تزرع ولا تحصد. ثم تُذكر المخازن
والاهراء... ولكن خيرات الله الفيّاضة هي المخزن الذي لا ينفذ.
"من منكم"؟ ترد بداية الخبر بشكل سؤال مراراً عند لوقا: "من منكم له صديق" (11: 5)؟
"من منكم يريد أين يبني برجاً (14: 28)؟ "أي ملك يخرج" (14: 31)؟ رج 15: 4- 8؛ 17:
7؛ رج أيضاً 11: 11؛ 14: 5. هذا هو أسلوب تربوي عند يسوع يفرض على السامع جواباً
يحرّكه في قلبه. سأله العالم بالناموس: "ماذا يجب أن أعمل لأرث الحياة الأبدية"؟
فسأله يسوع: "ماذا كتب في الشريعة، وماذا تقرأ" (10: 25- 26)؟ إذن على السامع أن
يتخذ موقفاً يقوده إلى العمل (لا يكتفي بالنظريات): "إعمل هذا فتحيا" (10: 28).
إعمل مثل هذا السامري (10: 37).
من يستطيع أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة؟ من يستطيع أن يزيد على حياته لحظة من
الزمن؟ ترد لفظة "باخيس" في الأدب القديم فتدلّ على الذراع كقياس للطول (46 سنتم)
(رج في السبعينية: تك 6: 15، 16؛ 7: 20؛ خر 25: 9؛ 16: 22؛ رج يو 21: 8؛ رؤ 21:
17). ولكنها تدلّ أيضاً على الزمان فترتبط بلفظة "باخويون". لهذا تردّد الشرّاح.
العدد الكبير يفضّل المعنى الزمني عند لوقا، لأن فكرة زيادة ذراع تبدو غريبة. ولكن
آخرين تحدّثوا عن القامة. مهما يكن من أمر، فالله هو الذي يطيل عمر الإنسان، أو
يعطيه القامة الطويلة أو القصيرة. فالطعام الذي نأكله لا يقوم بالعمل وحده. إستعمل
لوقا هنا فعلاً خاصاً، وأخذ بطريقة التعبير من أم 6: 27- 28: "أيحضن الإنسان ناراً
ولا تحترق بالنار ثيابه؟ أو يدوس كومة من الجمر ولا تكتوي بالجمر قدماه"؟ هكذا من
يزور...
2- تأمّلوا في الزنابق (آ 27- 32)
قال لوقا: "الزنابق". أما مت 6: 28 فزاد "في الحقل". هناك تشديد على بياض بهي، على
لباس ملوكي. ومع ذلك، فهذه الزهرة لم تفعل شيئاً ليكون لها هذا الجمال.
"كيف تنمو! لا تشتغل ولا تغزل". نحن قريبون جداً من مت 6: 28. قد يكون متّى ولوقا
تبعاً المعين بدقة، وقد يكون النسّاخ حاولوا أن ينسّقوا بين متّى ولوقا. ولكننا نجد
نصّ لوقا في بردية 45، بردية 75، في الفاتيكاني والسينائي والاسكندراني. هذا يعني
أن التشابه بين متّى ولوقا قديم جداً في هذا النصّ.
"فإذا كان العشب". لقد حوّل يسوع الزنبق بجماله إلى "عشب" من أجل برهانه: من القليل
إلى الكثير. هنا نتذكّر ما قيل عن العشب الذي يزول سريعاً. في أش 37: 27: "سكانها
كعشب الحقل... الذي تلفحه الريح قبل نموّه". وفي 40: 6- 7: "كل بشر عشب وكزهر الحقل
بقاؤه. ييبس ويذوي مثلهما". وفي أي 8: 12؛ مز 37: 12 (يذبلون كالعشب الأخضر)؛ 90:
5- 6؛ 102: 12؛ 103: 15. لقد اتخذت الصورة منعطفاً جديداً فشدّدت على عناية الله
حتى بعشب الحقل.
"يا شعباً قليل الإيمان". نجد هنا تشديداً على من لا يثق بأن الله يستطيع أن يعطيه
ما هو ضروري لحياته المادية.
قال لوقا: لا تطلبوا (آ 29). أما مت 6: 31 فقال: "لا تهتمّوا". ثم زاد: "لا تقلقوا"
(لا شيء في مت 6: 31 يقابل هذا الفعل). هل ألغى ما وُجد في المعين؟ أم أن لوقا
استعمل هذا الفعل ليشدّد على موقف قد نقفه من خيور الأرض؟
"أمم هذا العالم". أي: الوثنيون، أي: الذين لا يعرفون الله. رج 1 تس 4: 5: "لا
ينقاد لتيّار الشهوة كالوثنيين الذين لا يعرفون الله". هذا "الركض وراء" الطعام
والشراب، يخلق القلق في حياتهم ويفقدهم السلام الداخلي.
"أبوكم". هو الله بعنايته السماوية. هو أبو يسوع (2: 49) الذي نكون رحماء مثله وهو
أبونا (6: 36). يتحدّث 9: 26 عن "مجد الاب" و 11 2 عمن نقول له: "أيها الآب،
ليتقدّس اسمك". ويعلن لنا يسوع في 11: 13 عن "أبوكم السماوي الذي يمنح الروح القدس
لمن يسأله" (رج 22: 29؛ 24: 49). ولكننا قد ننسى هذا الآب (رج هو 9: 1- 4).
يتحدّث لوقا عن "ملكوته" (ملكوت الاب، آ 31). ويزيد مت 6: 33: "وبرّه". قال:
"أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه"، أي انتظروا خلاصه (رج مت 5: 6)، واعملوا من أجل
الخلاص بحسب مشيئة الله. وهكذا حرّض يسوع تلاميذه على أن يجعلوا ملكوت الله يشرف
على حياتهم، فيمتد تأثيره في العالم. قبل ذلك، علّمهم الصلاة لكي "يأتي" هذا
الملكوت (11: 2). والآن، ها هو يشدّد على تراتبية القيم. كل من طلب هذا الملكوت،
نال من الله ما يحتاج إليه من أجل حياته المادية.
"لا تخف" (آ 32). يتكرّر هنا التأكيد الذي عرفناه في العهد القديم. وأبرزه لوقا مع
زكريا (1: 13)، ومع الرعاة (2: 10)، ومع بطرس بعد الصيد العجيب (5: 10)، ومع يائيرس
(8: 50؛ رج أع 18: 9؛ 27: 24). هذا الإطمئنان يُعطى للقطيع رغم صغر حجمه: هم كخراف
بين ذئاب (10: 43؛ رج أع 20: 29). أما عبارة "القطيع الصغير" فنجدها في أش 41: 14
(كما في السبعينية): "يعقوب، يا أصغر إسرائيل، سوف أساعدك" (نجد في العبرية معنى
آخر). في هذا القول، تسلّمت جماعة تابعي يسوع الصغيرة وعداً بعطية الله الكبرى.
"أن يعطيكم"، أن يسلّمكم الملكوت. أي: يجعلكم تشاركون فيه. إن عطية الملكوت هي صدى
لما في دا 7: 13- 14، حيث يدعو "ابن الإنسان" بالملكوت (القديسون في شعب الله).
والآن، صار هذا الملكوت "ميراث" تلاميذ يسوع. هنا نتذكّر 22: 29- 30 حيث يمنح يسوع
نفسُه ملكوته لتلاميذه: "أنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه أبي".
ج- تفسير النصّ
في هذه النقطة من خبر صعود يسوع إلى أورشليم، يميّز يسوع تلاميذه عن الجمع ويوجّه
كلامه إليهم. أما موضوع هذه الأقوال فهو القلق والانشغال حوله أمور الأرض. إنها
بداية نصائح مختلفة تتوافق مع باقي الفصل. إن هذه المجموعة من الآيات (آ 22- 32) هي
تفسير لمثل الغني الجاهل.
1- تأليف النصّ
إن آ 22 أ هي انتقالة ألّفها لوقا. أمّا الأقوال في آ 22 ب- 31 التي ترجع إلى
المعين، فقد توجّهت لا بشكل خاص إلى التلاميذ. بل إن التلاميذ سبق وألّفوا وحدة،
وإن يكن من الصعب أن نقول إنهم اجتمعوا كلهم معاً في مناسبة واحدة. إن ما يوازي هذه
الأقوال نجده في مت 6: 25- 33، في خطبة الجبل. إن لفظة "واصلة" (اهتم، في آ 22 ج،
25، 26) هي المسؤولة عن وحدة القطعة، وتشرف على استعمال لوقا لهذه الأقوال (آ 11-
12). كانت آية (مت 6: 27- لو 12: 25) قد أقحمت في المعين. إنها تمثل قولاً مستقلاً،
ولكنها ارتبطت بالوحدة بسبب اسم الفاعل (مهتماً) الذي لا يتعلّق بالطعام ولا
باللباس. وقد حوّل لوقا آ 26 التي تختلف اختلافاً كبيراً عن مت 6: 28 أ. وقام لوقا
بعد هذا ببعض التحوّلات التدوينية، أهمها: أسقط الضمير مرتين في آ 2. قال مت 6: 25:
"لا تهتموا لنفسكم بما تأكلون، ولا لجسدكم بما تلبسون". قال لوقا: لا تهتموا للنفس
ولا للجسد. ثانياً: جعل الفعل "تأمّل" (كاتانوراين) في آ 24، 27. إستعمل "لا
تقلقوا" في آ 29. وفي النهاية، زاد آ 32 المرتبطة بالمسيح القائم من الموت والواعد
بالخلاص.
نجد شكلاً عن آ 22 في "إنجيل توما" القبطي (عدد 36): "قال يسوع: لا تهتمّوا من
الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح بما أنتم مزمعون أن تلبسوا". هناك شكل
لهذا القول نجده في نصّ يوناني قديم لهذا الإنجيل عينه. "قال يسوع: لا تهتموا من
الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح، بقوتكم، بما تأكلون، بلباسكم، بما
تلبسون. أنتم أثمن من الزنابق التي تنمو ولا تغزل، ولا ثياب لها. وأنتم، ماذا
ينقصكم؟ من منكم يستطيع أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة؟ فهو يعطيكم لباسكم". إن
الشكل القبطي أقصر من الشكل اليوناني. وهذا الأخير هو تكثيف لنصّ لوقا (12: 22- 27
أ) أو متى (6: 25- 28). أما الشكل القبطي فهو بالأحرى اختزال لنصّ لو 12: 22 وحده.
2- الوجهة النقدية
إذا نظرنا إلى هذه الأقوال من الوجهة النقدية، نرى أنها نصائح "نبوية" حول الإهتمام
بالطعام والشراب واللباس. وبعضها مطبوع بطابع التوازي على مثال الشعر (آ 22 ج، د،
23). والبعض الآخر مطبوع باستعمال الأمر (آ 22، 24، 27، 29، 31، 32) يتبعه تفسير أو
شرح.
إِن هذه الأقوال (آ 22 ب- 31. تشكّل مجموعة) ترشد التلاميذ إلى نظرة صحيحة وأساسية
حول حياتنا على الأرض، حول الطعام واللباس. جاءت مباشرة بعد التحذير من كل أشكال
الطمع (آ 15) ومثل الغني الجاهل (آ 16- 21)، فقدّمت نظرة أخرى إلى أملاك الأرض:
أطرد كل قلق حول الطعام واللباس. إعرف أن الحياة هي أعظم من حاجات الإنسان اليومية.
أخذ يسوع من محيطه تفاصيل حية لكي يبرز هذه النقطة: كن حرّاً مثل الغراب، مثل
الزنبق، مثل عشب الحقل. هي تنمو ولا تنشغل لأن الله نفسه يهتمّ بها. فالغربان لا
مخازن لها ولا أهراء. والزنابق لا تغزل ولا تنسج، والعشب ينمو بسخاء. وهناك مقابلة
مع ملك إسرائيل والوثنيين: فالزنابق أبهى من سليمان في أبهى حلله. والطعام والشراب
يسعى إليهما الوثنيون. من أنتم بالنسبة إلى كل هذا؟ إن تلاميذ المسيح أهمّ من كل
هذا.
والذروة في هذا التحريض ترد في آ 30 ب- 31: يعرف أبوكم السماوي أنكم تحتاجون إلى
هذه الأشياء. "بل أطلبوا ملكوت الله، وهذه الأشياء تعطى لكم زيادة". هناك أولوية في
القيم في 11: 2 تعلّم التلاميذ أن يصلّوا: "ليأتِ ملكوتك". والآن تعلموا أنهم
يشاركون فيه بشكل خاصّ.
وتبرز آ 25- 26 هذه النقطة: إن الإنشغال لا يزيد لحظة على حياة الإنسان. إذا كان
الإنسان لا يستطيع أن يؤمّن "شيئاً صغيراً"، فلماذا ينشغل بالباقي. ما يوجّه حياتنا
هو الإهتمام بالله وبملكوته. والاهتمام بأمور الأرض هو حاجز في طريق البحث عن
الملكوت وعن خدمته.
وزادت آ 32 نصيحة أخرى إلى "التلاميذ"، إلى "القطيع الصغير"، إلى الجماعة المسيحية
في صراعها. من أجل الوحدة والتماسك. أكّد لنا يسوع أنها تتجاوز كل خوف رغم حجمها
الصغير. هنا نتذكّر الإجمالتين في أع 2: 42- 47 و4: 32- 35، وحدث حنانيا وسفيرة (أع
5: 1- 10) وتأثيره في الجماعة. إن كلمة يسوع حسبت حساب تشتّت الجماعة بعد موته،
ولكنها وعدت بالمشاركة في الملكوت.
خاتمة
إن التعليم حول موقفنا تجاه خيرات هذا العالم يجد ذروته في نصيحة جذرية وملموسة
أعطيت للتلاميذ: بيعوا ما تملكون وأعطوه صدقة. هذا ما عاشته الجماعة المسيحية
الأولى. نحن هنا أمام نصيحة، لا أمام قاعدة (أع 5: 4). فمن أعطى أمواله للفقراء
(سواء أعطاها كلها أو قسماً منها) إغتنى من أجل الله، إغتنى بالله، كوّن لنفسه
كنزاً لا ينفد. بل نال الجزاء الأبدي. ولكن ما يطلبه المؤمن قبل كل شيء هو الملكوت.
هذا هو القيمة الوحيدة. والباقي يُزاد لنا.
الفصل العشرون
انتظار السيد الآتي
12: 32- 48
يجمع هذا المقطع الإنجيليّ عدّة كلمات وجَّهها يسوع إلى تلاميذه (رج 12: 22) خلال
صعوده وإلى أورشليم، وهو يتضمّن إجمالاً ثلاثة أمثال تدعو المؤمنين ليكونوا
مستعدّين لمجيء سيّدِهم (آ 35- 38، آ 39- 40، آ 42- 48).
ويسبق هذه الأمثال آياتٌ ثلاثٌ أُخذت من الجزء السابق (12: 13- 34)، وفيها يدلّ
يسوع أخصّاءه على الموقف الواجب اتخاذه أمام خيرات هذا العالم. وإذ أراد أن يجرّدهم
منها، وجّه أنظارهم نحو الملكوت الموعود به. إن هذه الآيات التي وُضعت قبل أمثال
الإنتظار، تدلّ على أساس الرجاء المسيحيّ.
وقبل أن نبحث عن معنى هذه النصوص في فم يسوع، ندرس المعنى الذي اهتمّ به لوقا بصورة
خاصّة.
أ- إنتظار لوقا
1- التاكّد من مجيء الملكوت (آ 32- 34)
أورد لوقا كلمة يدعو فيها يسوع تلاميذه ليبحثوا عن الخير الجوهريّ، ملكوتِ الله
(12: 31). وإذ أراد أن يشجّعهم في بحثهم هذا، وضع أمامهم تأكيد السيد الأساسيّ: لقد
أعطاهم الآب ملكوته (آ 32). وإذ سمّى يسوعُ تلاميذه "القطيعَ الصغير"، فقد جعلهم
الشعبَ الذي يختاره الله ويحميه ويقوده ويوجّهه. هي صورة تقليديّة في العهد القديم
(تك 48: 15؛ هو 4: 16؛ 13: 4- 6؛ مي 2: 12- 13؛ 4: 6- 7؛ 7: 14؛ صف 3: 19؛ ار 31:
10؛ 50: 19؛ حز 34: 11؛ أش 40: 11؛ 49: 9- 10) تتردّد مراراً في الإنجيل (مر 6: 34؛
14: 27- 28 وز؛ مت 9: 9: 36؛ 10: 6، 16، 24؛ 18: 12- 14 وز؛ 25: 32؛ لو 19: 10). لم
يبلغ هذا الشعب بعدُ إلى كماله النهائىّ لأنه ما زالت محتاجاً إلى تشجيع ("لا
تخف")، ولأنه ما زال "صغيراً" (رج مت 7: 14؛ 13: 31- 33 وز؛ 22: 14). إذا كان يسوع
قد أكّد له أن الآب قرّر في مبادرة نعمته السامية أن يمنحه الملكوت (رج 22: 30)،
فنحن إذن أمام وعد. وهذا الوعد لا يترك أيَّ مجال للشكّ، لأن الخلاص حاضر منذ الآن
في يسوع (وهذا ما شدّد عليه لوقا مراراً: 2: 11؛ 4: 21؛ 19: 9؛ 23: 43). وأخيراً،
حين وجّه يسوع هذا الوعد إلى القطيع الصغير كلّه، جعلنا نستشفّ أن الملكوت هو خلاص
جماعيٌّ وكمالُ شعب الله. وهكذا تكمّل هذه الآيةُ الآيةَ السابقة: "أُطلبوا
الملكوت" لا تعني امتلاكَه بقوانا الخاصّة، بل تقبُّلَه كنعمة لا تفوقها نعمة.
في بناء لوقا، تكمّل آ 33- 34 تعليمَ يسوع حوله خيرات هذا العالم بطبيعة ملموسة،
بتحريض على الصدقة. وهذا التحريض يحمل إلى كل التلاميذ ما قاله يسوع للغنيّ الوجيه
(18: 22: "بِعْ كلّ ما تملك ووزعّ ثمنه على الفقراء"). إنّ لوقا يستعيد مراراً
موضوع الصدقة فمقول مثلاً في 11: 41: "أعطوا صدقةً ممّا لكم (أو ممّا في الداخل)
يكُنْ كلّ شيء لكم طاهراً". وفي 16: 9: "إِجعلوا لكم أصدقاءَ بالمال الباطل، حتى
إذا نفدَ قبِلوكم في المنازل الأبديّة" (رج 19: 8 وما فعه زكّا العشّار؛ أع 9: 36
وما فعلته طابيثة؛ 10: 2، 4، 31؛ 11: 29؛ 24: 17). إن صورة الوعد بكنوز سماويّة قد
تقودنا إلى نظرة إلى الخلاص وكأنه حدَثٌ فرديّ، فنظنّ أن عطايا الملكوت هي أجر
نستحقّه وحقّ مكتسَبٌ على الله. لا ننسى توبيخات يسوع للفرّيسيّين في هذا المجال.
وإن لوقا قد رذل مسبقاً هذه النظرة القانونيّة في آ 32 حين تكلّم عن مشيئة الله وعن
نعمته. وسيرذلها في آ 34، لأنه إذا كان على التلميذ أن يوجّه قلبه إلى السماء، فلأن
كنزه الحقيقيّ يقيم في نعمة الله: لا تكنُزوا كنوزاً لنفوسكم، بل اجعلوها قُرب الله
(12: 21).
2- الخُدّام الذين ينتظرون سيّدهم (آ 35- 38)
إن الأمثال الثلاثة التي تبدأ هنا تتطرّق كلّها إلى الموضوع الواحد: انتظار ذلك
الآتي (آ 35- 38).
تتوجّه آ 35 إلى التلاميذ. وتطبِّق عليهم المثلَ الأوّل الذي سيشبّههم بخدّام
(رجال، عبيد، عباد) ينتظرون رجوع سيّدهم خلال الليل. عليهم أن يكونوا في زيّ العمل:
يرفعون أطراف ثوبهم ويشدّون أوساطهم ويشعلون مصابيحهم، رج أم 31: 17؛ لو 12: 37؛
17: 8؛ يو 13: 4. في العهد القديم، هذا الزِِّي هو زِيّ الحرب أيضاً (2 صم 20: 8؛ 1
مل 20: 11؛ نح 4: 12؛ مز 45: 4؛ أش 5: 27) وزِيّ السفر (2 مل 4: 29؛ 9: 1؛ طو 5: 5)
وبالتالي زِيّ الفصح (خر 12: 11). وبما أن اليهود ينتظرون المسيح في ليلة الفصح،
رأى عددٌ من الشُرّاح في 12: 35 تلميحاً إلى الليلة الفصحيّة.
إن هذه الصور تدعو التلاميذ ليكونوا مستعدّين لمجيء سيّدهم. وقد دلّ عليهم لوقا على
أنهم أبناء النور (16: 8). وبعد التطبيق، بدأ المثل في آ 36: إشترك سيّد الخدام في
حفلة عرس وهو يعود في الليل (رج مت 25: 1- 13)، في ساعة لا ينتظرونها. ليكن خدّامه
في تلك الساعة مستعدّين لاستقباله. فإن "وُجدوا متيقّظين" نالوا جزاءهم (آ 37).
ويعلن يسوع هذا الجزاء أوّلاً بصورة عامّة، عَبْرَ تطويبة: هنيئاً، طوبى لهم.
ويصوّر هذه السعادة التي ينالونها بمشهد مُدهش: السيد نفسه سيصبح خادماً. هذا ما لا
يفعله أسياد هذا العالم. يعرف لوقا هذا الواقع (17: 7- 10)، ولكنه يعرف أيضاً أنّ
يسوع صار خادماً لأخصّائه (22: 27)، وأنه سيسبقهم إلى مائدته في ملكوته (22: 20)،
وتوازي آ 38 آ 37 أ فتدلّ على جهلنا لساعة مجيء السيّد.
ما هو معنى هذا المثل في نظر لوقا؟ حين دوّن إنجيله، كان يسوع قد غاب في مجد الفصح،
وكان التلاميذ ينتظرون عودته (أع 1: 11؛ 3: 21). هم يجهلون يوم هذه العودة وساعتها.
إذن، عليهم أن يظلّوا دائماً مستعدّين لاستقبال ابن الإنسان (21: 36) ونعمته.
3- السارق (آ 39- 40)
ويتوجّه المثل الثاني أيضاً إلى التلاميذ (آ 39)، وفيه، كما في المثل السابق وفي
المثل اللاحق، خِبرةٌ دارجة ومعروفة. لو عرف ربُّ البيت أو لو كان عارفاً، وهذا ما
يجعل من المثل تلميحاً إلى حدَثٍ حصل فعلاً فانطلق منه يسوع ليعطينا درساً وعبرة
(رج 13: 1- 5).
ومهما يكن من أمر، فالمعنى واضح: حين يأتي السارق ليَنقُب جدران البيت الضعيفة (رج
أي 24: 16)، فهو لا يعلن عن ساعة مجيئه. فمن أراد أن يواجه هذا الواقع، وجب عليه أن
يكون محترساً متيقّظاً. وتطبيق المثل لا غموض فيه (آ 40): على التلاميذ أن يكونوا
دوماً مستعدّين لمجيء ابن الإنسان وهو مجيء لا نتوقّعه.
إن هذه العبارة الإسكاتولوجيّة تدلّ هنا أيضاً على أن لوقا يفكّر بمجيء (باروسيا)
الربّ في نهاية الأزمنة. وقد يدلّ النصّ على الساعة التي فيها يمثل كلّ إنسان أمام
ربّه عند ساعة الموت.
4- الوكيل في غياب سيّده (آ 41- 48)
إن آ 41 التي تفتتح هذا المثل مَنوطة بلوقا، وقد دوّنها بيده واستعمل ألفاظاً
تفرَّد بها دون سائر الإنجيليّين. هذا يدلّ على اهتمامه بالذين توجّه إليهم هذا
المثل. سوف نرى في ما يلي من النصّ مع الميزات المتعلّقة بلوقا، أنه يتوجّه إلى
المسؤولين في الكنيسة.
وأجاب يسوع على جواب بطرس (آ 42). أعطاه لوقا هنا لقب الربّ (كيريوس)، فدلّ على أنه
سيد الكنيسة مع خدَمها، وذلك الذي سوف يأتي في المجد في نهاية الأزمنة.
يُرينا المثل وكيلاً سلّمه السيدُ مهمّةَ إعطاء خدمه وَجْبتهم من الطعام في حينها،
وذلك خلالَ غيابه. ونجد سمَتين خاصّتين بلوقا تدلاّن على أنه يشير إلى المسؤولين في
الكنيسة. يسَمّي الوكيل "اويكونوموس" (أقنوم كما يُقال في الأديار)، وهو لقب يطبّقه
بولس على نفسه وعلى أبلّوس (1 كور 4: 1- 2: خدَمٌ للمسيح ووكلاء أسرار الله). ثمّ
إنه يحدّد تنظيم عمل الوكيل في المستقبل.
في اللوحة الأولى من المثل (آ 42- 44) يقوم الوكيل خيرَ قيام بمهمّته. ويحدّثنا
لوقا عن جزائه كما في آ 37: ينبئ به أولاً في تطويبةٌ تتمّ يوم يجيء السيّد (آ 43).
ثم يعلنه كتولية في وظيفة جديدة: يسلمه السيد إدارة كل أمواله (آ 44؛ رج مت 25: 21،
23). وهذا الجزاء يتجاوز (كما في آ 37) حدودَ المعقول. قد يفكّر لوقا بالوعد الذي
وجّهه يسوع إلى الإثني عشر بعد العشاء السرّي حين قال: "أنتم ثبتُّم معي في محنتي،
وأنا أعطيكم ملكوتاً كما أعطاني أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي (يصوَّر
الملكوت بشكل وليمة مسيحانية)، وتجلسون على العروش لتدينوا أسباط بني إسرائيل
الإثني عشر" (22: 28- 30).
في اللوحة الثانية (آ 45- 48) التي تعارض الأولى، يستفيد الوكيل من تأخّر سيّده (آ
45). يضرب الخدّام والخادمات. يختلف لوقا عن مت 24: 49 فلا يتحدّث عن "رفاق
العبودية" (أو رفاق العمل) ليدلّ على اختلاف المسؤولين عن سائر الخدّام.
إنّ حياة هذا الوكيل عيدٌ دائم. ولهذا، لم يقم بمهمّته. حينئذٍ يصلُ السيّد في وقت
غير منتظر (آ 46): "يكسر" الوكيل ويعامله معاملة الجاحدين الكافرين. حرفيّاً: يقطعه
قطعتين ويجعل حظّه مع اللامؤمنين (يقول مت 24: 51: المرائين، والمرائي قد يصبح
منافقاً أو أعمى، مت 7: 5)، نجد هنا تلميحاً إلى عذاب تحدّث عنه دا 13: 55، 59،
وبالأحرى إلى جُرم يُجعَل الخاطئُ بموجبه خارج الجماعة. تقول قاعدة قمران: يطرحه
خارجَ جماعة الخلاص ويجعل مكانه بين المنافقين. وقد قالت الترجمات: يطرده، يفصِله،
يمزّقه تمزيقاً.
ويزيد لوقا اعتبارين على هذا العقاب. الأوّل (آ 47- 48 أ) يفسّر عقاب الوكيل الذي
خاف معلّمه ولم يكن على قدر المهمّة الملقاة على عاتقه: عرف إرادة سيّده ولم يعمل
بها، لهذا سيكون عقابه قاسمياً. والاعتبار الثاني (آ 48 ب) يعلن متطلّبات النعمة:
حين يعطي الله الكثير فهو يطلب الكثير.
هذا المثل يتوجّه في نظر لوقا إلى المسؤولين في الكنيسة، وقد فهم بطرس التلميح
فقال: "ألنا تقول هذا المثل أم للجميع"؟ لقد جاء سؤاله انتقالاً من تحريض للتلاميذ
كلّهم (آ 35- 40) إلى تحريض للوكلاء الذين يُسأَلون عن إخوتهم (آ 42- 48).
لقد عرف الرسل (وبالتالي المسؤولون في الكنيسة) إرادةَ الربّ وائتُمنوا على الكثير
(آ 47- 48). لقد وعدهم يسوع بأن يُشركهم في سلطانه وفرحه (22: 29- 30). فعليهم أن
يقوموا بمهمّتهم (أع 20: 28- 32) بانتظار عودة السيّد.
ب- عودة إلى أقوال يسوع
إنّ معظم العناصر التي جمعها لوقا في هذا المقطع نجدها عند متّى، ولكن في قرائن
أخرى وبتعابير مختلفة. لقد أعاد لوقا كتابة المراجع التي وصلت إليه، كما فعل متّى
أيضاً.
ثم إن الخبرة الفصحيّة والحياة في الكنيسة قادتَا التلاميذ إلى تفسير أقوال معلّمهم
وإلى تمثّل المستقبل بطريقةٍ محدّدة.
إذن نحاول أن نكتشف ما قاله يسوع عبر لوقا ومتّى، أن نكتشف ما فهمه التلاميذ. وها
نحن نتفحّص عناصر نصّ لوقا عنصراً عنصراً.
1- لا تخف أيّها القطيع الصغير (آ 32)
لا نجد هذا القول عند متّى، وقد جعله لوقا هنا ليكمّل الدعوة إلى "طلب ملكوت الله"
والبحث عنه (آ 31). عاد لوقا إلى المرجع الذي أخذ منه، فأورد إحدى كلمات يسوع
بتعبيرها الآراميّ مع صورة القطيع التي أشار إليها المعلّم مراراً، مع الحديث عن
ملكوت الله، عن عدد الذين يتقبّلونه، عن عطيّة الله المجّانية.
وإذا أردنا أن نفهم بدقّة معنى هذه الكلمات، نرجع إلى سِياقها: نرى فيها تشجيعاً في
الصعوبات رغم قلّة عدد القطيع. فإذا أخذنا بعين الإعتبار وضع التلاميذ الملموس
والتعليم الذي يوجّهه يسوع إليهم بصورة عاديّة، نستطيع أن نعلن أنّ هذا القول يدعو
التلاميذ إلى أن يجعلوا ثقتهم في الآب السماويّ أمام الضِيق الإسكاتولوجيّ الذي أخذ
يواجههم.
2- كنز في السماء (آ 33- 34)
إن نصّ لوقا يجد ما يوازيه عند متّى في عظة الجبل (مت 6: 19- 21). يختلف النصّ عن
الآخر، ولكنّ كليهما يعودان إلى مرجع مشترك أعاد لوقا صياغتَه فشدّد بصورة خاصّة
على موضوع الصدقة. قال يسوع فأعطى الأولويّة لقِيَم السماء واهتمّ بالقلب الذي هو
مركِزُ الفكر والفهم والإرادة.
ويمكننا أن نتساءل: هل الآية الأخيرة (12: 34) ارتبطت بالأقوال السابقة أم كانت
مستقلّة عنها؟ يبدو أنها كانت مستقلّة. غير أنها شكّلت وَلْياً منطقيّاً لنقيضة
الكنوز: إنها تتكلّم عن الكنز، وتشير إلى ما يحدّد القيم الحقيقية. ثم إنها تستخلص
العبرة من القولين السابقين حسب فنّ أدبيّ خاصّ بيسوع. وهي بصورة خاصّة تعطي نقيضة
الكنوز معنىً يتوافق وفكرَ يسوع: إذا تعلّقنا بكنز السماء، فليس السبب في أن كنوز
الأرض عابرة، كما تقول الحكمة البشريّة، بل لأن القلب فد صُنع لله.
هذه العبرة قد وجّهها يسوع إلى كل سامعيه، لا إلى التلاميذ وحدَهم.
3- الخُدّام الذين ينتظرون (آ 35- 38)
إنّ هذا المثل الذي لا يجد ما يوازيه عند متّى يتّصل في آ 36- 38 بمثل البوَّاب عند
مر 13: 34- 36: فموضوع الخدّام الذين ينتظرون سيّدهم حين يعود في الليل، وتعداد
مختلف الساعات التي يمكن أن يأتي فيها السيد (12: 38؛ مر 13: 35)، والعبرة العامّة
التي هي واجب السهر (12: 37؛ مر 13: 35)، كلّ هذا يقرّب بين النصّين على مستوى
المعنى لا على المستوى الأدبيّ: إن مر 13: 34 يذكّرنا بمثل الوزنات، ولو 12: 37
بمثل الوكيل الأمين. وهذه الإتصالات الأخيرة تشير إلى تفاصيل تدوينيّة. كل هذا
يَعني الن نصَّيْ لوقا ومرقس يعودان إلى مثَل واحد من أمثال يسوع، وإن بانت
الاختلافاتُ بينهما.
نحن لا نستطيع أن نعيد بناء كلّ تفاصيل الخبر الأصليّ. إلاّ أنّ فحص نصَّيْ لوقا
ومرقس، والتعرّف إلى سمات أمثال يسوع، يتيحان لنا أن نقول بصورة معقولة: قدّم
المثلُ الأوّلاني بوّاباً أوصاه سيده أن يظلّ ساهراً ليستقبله حين مجيئه في الليل.
وهو قد يأتي في أيّة ساعة من ساعات الليل. وينتهي الخبر بتحذير، كذلك الذي نقرأه في
مر 13: 36: "وما قُلته لكم أقوله لجميع الناس: كونوا ساهرين".
ما الذي يعني في نظر يسوع مجيءُ السيد؟ إنه يعني كما قال لوقا ومرقس، مجيئَه في
نهاية التاريخ. فهو قد تكلّم مراراً عن مجيء ابن الإنسان في مجده وانتصاره. قال في
مر 13: 26: "وفي ذلك الحين يُرى ابنُ الإنسان آتياً على السحاب في كلّ عِزّة وجلال"
(رج مر 14: 62 وز؛ مت 10: 23؛ 24: 44؛ لو 18: 8).
ولكن المجيء الذي ينتظره سامعوه، سَواءٌ كانوا الشعبَ أم التلاميذ، فهو مجيء ملكوت
الله، مجيءُ الله نفسه في يومه، يومِ الدينونة كما يتصوّره العالم اليهوديّ. وإن
تلاميذه أنفسَهم لم يتعرّفوا، على ما يبدو، إلى مجيء سيّدهم الثاني قبل الخِبرة
الفصحيّة (19: 11؛ أع 1: 6).
فعلى يسوع أن يأخذ بعين الاعتبار مفهوميّة سامعيه، وإن لم تكن تزعجه. فهمُّه لا أن
يصوّر المستقبل بدقّة، بل أن يجعل شعبه يستقبل مجيء الله ويواجه دينونته. وهذا
المجيء يتمّ في نظره في حضوره الشخصيّ وفي عمله: إن ملكوت الله حاضرٌ هنا، وقد بدأت
الأزمنة الإسكاتولوجيّة. فمنذ الآن نحن نستعدّ لمجيء الله.
إلى من وجّه يسوع نداءه هذا؟ قال يرامياس: إلى الكتبة. فيسوع يوبّخهم لأنهم "أغلقوا
ملكوت السماوات في وجوه الناس" (كما 13: 23)، أو "استولَوا على مفتاح المعرفة" (11:
52). ولكن هذا التفسير يهمل سمَةً جوهريّة في المثل، وهي مجيء السيّد. إن هذا المثل
يعني كل إنسانَ في نظر يسوع. لهذا وجّهه إلى كل سامعيه.
4- السارق (آ 39- 40)
المثل اللوقاويّ قريب ممّا يوازيه في مت 24: 43- 44. فتوافُقُ الإنجيليَّين يدلّ
على أنهما تبعا مرجعاً مشتركاً. هذا المَرجِع هو شاهد قديم عن كلمة يسوع، ولكنه ليس
الَشاهدَ الوحيد لأنّ أقدم رسالة لبولس (وهي سابقة لتدوين متّى ولوقا النهائيّ
بثلاثين سنة) تشير إلى القول عن السارق. "تعرفون جيّداً أن يوم الربّ يجيء كاللصّ
في الليل... أنتم أيها الإخوة، لا تعيشون في الظلام حتى يفاجئكم ذلك اليوم مفاجأةَ
اللصّ" (1 تس 5: 2، 4). ونجد تلميحاتٍ مشابهة في 2 بط 3: 10: "ولكن يوم الربّ سيجيء
مثلَما يجيء السارق". وحذَّر يسوع ملاك كنيسة سرديس: "فإن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ،
لا تعرف في أيّة ساعة أباغتك" (رؤ 3: 3). وقال أيضاً: "ها أنا آتٍ كالسارق، هنيئاً
لمن يسهر" (رؤ 16: 15)!
يدلّ هذا المثل على وضع عامّ، ولا يتوقّف عند الأشخاص الذين يرسمهم أمامنا. وهو لا
يتخوّف من أن يتمثّل مجيء الله كمجيء لصّ. نكتشف هنا سمَةً خاصّة من سِمات أمثال
يسوع (16: 1- 8: الوكيل الخائن؛ 18: 1- 8: الأرملة والقاضي) تميّزها عمّا نجد لدى
الرابّانيين. فصورة اللصّ لا نجدها إطلاقاً في التصوير الإسكاتولوجيّ لدى العالم
اليهوديّ.
ما معنى هذا المثل في فم يسوع؟ طبَّقه متّى ولوقا على مجيء ابن الإنسان (وهكذا
أيضاً رؤ 3: 3؛ 16: 15)، ولكن هل كانت آ 40 مجموعة مع آ 39 في النصّ الأصلي؟ نحن
نعلم من جهة أنّ يسوع يصوّر في أمثاله أوضاعاً لا أشخاصاً. فاللصّ يدلّ في نظره على
الخطر الذي يجب أن نواجهه، ولا يمثّل ابن الإنسان. ومن جهة ثانية، إنّ أقدم تفسير
نعرفه للمثل (تفسير بولس في 1 تس 5: 2، 4) لايطبّقه على مجيء ابن الإنسان بل على
مجيء يوم الربّ (وهكذا أيضاً في 2 بط 3: 10).
يوم الربّ هو موضوع يعرفه سامعو يسوع، وقد استعمله المعلّم مراراً ليدلّ به على
الدينونة. "وأمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعرفهما أحد" (مر 12: 32؛ كما 24: 36).
"الحقّ أقول لكم: سيكون مصير سدوم وعمورة يومَ الدينونة أكثر احتمالاً من مصير تلك
المدينة" (مت 10: 15 وز؛ 11: 22، 24؛ 12: 36). "سيقول لي كثير من الناس في يوم
الحساب (الدينونة): يا ربّ، يا ربّ" (مت 7: 22).
وهكذا يمكننا القول إن يسوع أراد أن ينبئ في مثَل اللصّ الوضعَ الخطير الذي يحدثه
مجيءُ ملكوت الله. وكما قلنا بالنسبة إلى المثل السابق، رأى يسوع هذا الحدَث أوّلاً
في رسالته دون أن يستبعد تمامه النهائيّ الذي ستركز عليه الكنيسة انتباهها بعد
الفصح.
إلى من توجّه هذا المثل؟ إن الوجهة الخطِرة لمجيء اللصّ تدلّ على أنّ يسوع فكّر
بأناس أخذ منهم النُعاس، فأراد أن يوقظهم ويقيمهم من غفلتهم. هذا هو وضع الشعب
السامع له.
5- الوكيل الأمين والوكيل الخائن (آ 41- 48)
إستقى لوقا آ 42- 46 من المَعين الذي استقى منه متّى (24: 45- 51). دوّن بنفسه آ
41، أدخل بعض التفاصيل في خبره، وزاد آ 47- 48.
إذا وضعنا جانباً هذه الزيادات، بدا المثل قريباً من أقوال يسوع الأصليّة: نجد
خادماً جُعل على رأس خُدّام آخرين في البيت، جُعل مسؤولاً عنهم. وحين يعود السيّد
الذي كان غائباً، سيتفحّص كيف قام هذا العبد بمهمّته، فيكافئه أو يعاقبه.
يوم تلفّظ يسوعُ بهذا المثل، لم تكن الكنيسة موجودةً بعد. فالجموع والتلاميذ الذين
سمعوا هذا الخبر طبّقوه على المسؤولين في العالم اليهوديّ. لم يكن تطبيقهم بعيداً
عن فكر يسوع الذي أعلن بقوّة دينونة الله ضدّ الكتبة في أيّامه (مت 23: 1- 36؛ لو
11: 39- 52).
علّمتنا أمثال الانتظار أوّلاً النداءَ الذي وجّهه يسوع إلى معاصريه ليتقبّلوا فيه
مجيءَ الله، الدينونةَ والخلاص والملك.
منذ الفصح، تنتظر الكنيسة مجيء الله في يسوع المسيح. ونداء أمثال الإنتظار يتوجّه
إلينا الآن. فعلينا أن نبقى ساهرين، أن نكون مستعدّين لاستقبال السيد ولتأدية
الحساب عن المهمّة التي أوكلَها إلينا.
وهذه المجيئات في الزمن تسير بنا نحو المجيء الأخير والنهائيّ. وإن تفسير لوقا
ومتّى قد ساعدنا لنعطي أمثال يسوع كاملَ معناها، ولنفهم أيضاً رجاء الكنيسة
المُفْعَم بالفرح والمُنشد: "تعالَ، أيّها الربّ يسوع".
الفصل الحادي والعشرون
مجيء المسيح سبب خلاف بين البشر
12: 49- 53
إن أقوال يسوع الثلاثة التي تؤلّف هذه المقطوعة (آ 49، 50، 51- 53) ترتبط بسِمة
مشتركة قلّ ما نشهدها في الأناجيل الإزائية: إن يسوع يقدّم هنا في كل مرة وجهة من
رسالته متحدّثاً في صيغة المتكلّم المفرد: جئت أنا، كم أتمنى أنا!
هل تلفّظ بهذه الآيات الخمس مرة واحدة؟ هذا ما ليس بثابت. فقد جمع التقليد الإنجيلي
مراراً أقوالاً تعود إلى أصول مختلفة. سنتفحّص فيما بعد من أين جاءت هذه الأقوال.
ولكن لوقا يقدّمها معاً في سياق وشكل يلقيان بعض الضوء على طريقة تفسيره لها.
هذا ما يدلّنا على الأسلوب الذي نتبعه في درسنا. نبحث اولاً عن المعنى الذي أعطاه
لوقا لأقوال يسوع. ونحاول ثانياً بأن نعود إلى النصوص لنكتشف فكر يسوع نفسه.
أ- تفسير لوقا
1- السياق
إن المفتاح الأول الذي يقدّمه لنا لوقا لكي ندخل إلى المعنى الذي أعطاه لأقوال يسوع
هو السياق الذي يقدّمها فيه. فهو وإن اكتفى باتباع الترتيب الذي وجده في مرجعه (وهو
واقع يصعب علينا التثبّت منه) فهو يأخذ على عاتقه هذا الترتيب ويقدّم تفسيره الخاص
بالنصّ.
يقدّم الإنجيل الثالث المقطوعة التي ندرس في الجزء الأول من صعود يسوع إلى أورشليم
(9: 51- 13: 21). هذا الجزء الموجّه منذ البدء إلى آلام يسوع وتمجيده (9: 51) أورد
على التوالي رسالة التلاميذ السبعين (9: 52- 10: 24)، وعدّة تعاليم عن المحبّة
وسماع الكلمة والصلاة (10: 25- 11: 13)، وجدالات مع خصوم يسوع (11: 14- 53)،
وتعليمات إلى التلاميذ (توجّه يسوع إلى الجمع في 12: 13- 21 ثم عاد إلى التلاميذ في
12: 22) عن دورهم كشهود، عن استعمال خيرات هذا العالم، عن انتظار عودة الرب (12:
1-12، 13- 34، 35- 48). في هذا المكان تقع المقطوعة التي ندرس (12: 49- 53). بعد
هذا يتوجّه يسوع إلى الجموع ليقول لهم إن عليهم أن يتّخذوا موقفاً سريعاً أمام
علامات هذا الزمان (12: 54- 13: 9).
وهناك إشارتان تدلاّن على أن لوقا يربط هذا المقطع بالسياق السابق لا اللاحق. من
جهة يوجّه الكلام إلى تلاميذه لا إلى الجموع الذين سيلتفت إليهم فيما بعد (آ 54).
ومن جهة ثانية يفترض بعض المعرفة لرسالة يسوع ويتطرّق إلى المتطلّبات المفروضة على
الذين يريدون أن يتبعوه. أما في 12: 54- 13: 9، فالسامعون لم يتخذوا بعد موقفاً
أمامه.
2- تفسير نصّ لوقا
أولاً: إن كلمة يسوع الأولى تحدّد رسالته (آ 49): جاء يلقي على الأرض ناراً وهو
يرغب رغبة حارة بأن تشتعل هذه النار. هذا يعني ان النار لم تبدأ بعد. هناك من
يترجم: "ماذا أريد إلاّ أن تشتعل"؟ أو: كم أريد أن تكون قد اشتعلت (منذ زمان)!
لقد استعمل العهد الجديد مراراً صورة النار ليدلّ على دينونة الله في التاريخ (تك
19: 24؛ خر 9: 24؛ لا 10: 2؛ 2 مل 1: 10، 12؛ عا 1: 4، 7، 10، 14) كما في نهاية
الأزمنة (أش 66: 15- 16؛ حز 38: 22؛ 39: 6؛ ملا 3: 19). ولا تكتفي هذه النار بأن
تحرق الهالكين والمحكوم عليهم، بل تطهّر أيضاً البقية المؤمنة (أش 1: 25؛ زك 13: 9؛
ملا 3: 2- 4).
يورد لوقا اقوالاً يدلّ فيها يسوع على العقابات الإلهية في الماضي: النار التي
أشعلها إيليا (2 مل 1: 10، 12= لو 9: 54)، تدمير سدوم (تك 19: 24= لو 17: 29).
ويُبرز أيضاً تهديدات يوحنا المعمدان الذي يعلن دينونة الأشرار بالنار (3: 9- 17).
وهو قريب جداً من الآية التي ندرس في 3: 16 حيث يتحدّث يوحنا المعمدان عن شخصية ذلك
الذي يسبقه: "إنه يعمّد في الروح القدس وفي النار".
كيف يفهم لوقا النار التي جاء يسوع يضعها على الأرض؟ لقد قُدّمت تفاسير عديدة لكلمة
يسوع هذه. فكر بعضهم بالخلاف بين البشر الذي تثيره كرازة المعلم. يستند هذا
الافتراض إلى الآيات اللاحقة (آ 51- 53). ولكن لوقا لم يفكّر يوماً أن يسوع رغب في
مثل هذا الخلاف. وفكر آخرون بنار الدينونة الاسكاتولوجية حسب معنى الصورة عند
الأنبياء وأصحاب كتب الرؤى. ولكن لوقا يشدّد على تيار يعارض الاسكاتولوجيا القريبة
(17: 23؛ 19: 11؛ 21: 8- 9؛ أع 1: 6- 7). أتراه يقبل بأن يرى عدم الصبر إلى هذا
الحد عند يسوع وخاصة في خبره عن العنصرة؟ إن لوقا يقدّم موهبة الروح في صورة النار
(أع 2: 3، 19)، وقد يكون فكّر فيها في 3: 16. رأى في الروح القدس موهبة ربّ القائم
من الموت إلى كنيسته (24: 49؛ أع 2: 33) بانتظار الإكمال الاسكاتولوجي (أع 1: 6-
8). يمكننا أن نظنّ أن يسوع، في نظر لوقا، ينتظر موهبة الروح كنهاية رسالته على
الأرض.
بدا يسوع أمام اشتعال العالم الذي يتطلّع اليه كهدف لمهمّته، بدا كله مشدوداً في
انتظار حار. هذه معطية مهمة عن وعي المسيح لرسالته.
ثانياً: إن كلمة يسوع الثانية تقابل بين النار التي جاء يشعلها وبين المعمودية التي
سيقبلها (آ 50). الكلمات الأولى من هذه الآية تجد ما يوازيها في مر 10: 38
(المعمودية التي سأتعمّد بها). لا نجد شاهداً في اليونانية عن الإسم "بابتسما"
(معمودية) إلاّ في العهد الجديد. لا نجده في السبعينية ولا في أي نصّ دنيوي سابق
لهذا العصر. قد يكون كتّاب العهد الجديد وجدوه في لغة عصرهم. الأمر ممكن. أما العهد
الجديد فلا يستعمل هذه اللفظة إلا عند الغسل الطقسي، ما عدا في هذا المقطع: معمودية
يوحنا المعمدان (مر 1: 4 وز؛ 11: 30 وز؛ مت 3: 7؛ لو 7: 29؛ أع 1: 22؛ 10: 37؛ 13:
24؛ 18: 25؛ 19: 3- 4) والمعمودية المسيحية (روم 6: 4؛ أف 4: 5؛ كو 2: 12؛ 1 بط 3:
21). أما هنا، فإن لوقا لا يتطلّع إلى طقس سيخضع له يسوع. إنه يأخذ كلمة "بابتسما"
في المعنى الاشتقاقي "تغطيس"، ويفهمه كاستعارة.
ولكن أي معنى أعطى لوقا لهذه الصورة؟ يتّفق مجمل الشرّاح على أن يجدوا فيها إنباء
بالآلام، ولكن الأسباب التي تدفعهم إلى هذا القول هي مختلفة. البعض يفسّر لوقا على
ضوء مر 10: 38 (ولكن، لماذا لا يكون للوقا تفسير مختلف عن مرقس؟). واستند آخرون إلى
مختلف المعاني التي يعطيها التقليد لكلمة "تغطيس": الأول، الموضوع البيبلي عن مياه
المحنة (مز 42: 8: أمواجك عبرت عليّ؟ 69: 2- 3، 13- 15؛ 124: 4- 5؛ 144: 7؛ أش 43:
2؛ نش 8: 7). الثاني معنى الحكم (الدينونة والقضاء) بالماء (عد 5: 11- 31) الذي
يوازي الدينونة بالنار التي أشارت إليها الآية السابقة (رج 17: 26- 27، 28- 29؛ 2
بط 2: 5، 6؛ 3: 5- 6 و7). ولكننا لا نجد هذا التوازي في العهد القديم حيث الدينونة
الاسكاتولوجية تتمّ بالنار لا بالماء. الثالث، غطس دم الآلام، معمودية يسوع، إعلان
موته من أجل غفران الخطايا. ولكن لوقا لا يربط ربطاً واضحاً موت يسوع بمعموديته ولا
بغفران الخطايا. ويفضّل آخرون التوقف عند نصّ لوقا. يلاحظون أن نهاية الآية تقدّم
معمودية يسوع على أنها محنة، وأن المقابلة بين آ 49 و50 تجعل من هذه المعمودية
مقدمة للنار التي جاء يسوع يشعلها. هذه الملاحظات الأخيرة تبدو أقرب إلى الواقع
لتحدد فكر لوقا: إنه يتطلّع هنا إلى الآلام كمدخل ضروري لعطية الروح التي أنبأ بها
12: 49. وسيقول الشيء عينه وفي شكل مشابه في 17: 24 و25 (مجيء ابن الإنسان، قبل ذلك
يتألم؛ رج 24: 26: يعاني الآلام ثم يدخل في مجده).
لا يستطيع لوقا أن يتلفّظ باسم المعمودية دون أن يفكر بتلك التي تستقبل المعمّدين
الجدد في أيامه. إنه ينسب إلى هذا الطقس عطية الروح (أع 2: 38؛ 9: 17- 18) وغفران
الخطايا (أع 2: 38؛ 22: 16). ولكنه في السياق الحاضر يفكر بعطية الروح. وليس
بمستبعد انه، حين جعل من المعمودية صورة عن آلام المسيح، أشار إلى فكر بولس عن
العماد المسيحي في موت المسيح (روم 6: 3- 4؛ كو 2: 12؛ رج أف 5: 25- 26). ولكن، بما
انه لا يقدم هذه الفكرة في أي مكان من مؤلّفه (لو+ أع) فلا نستطيع أن نكون أكيدين
من هذه الفكرة.
ويجعلنا يسوع نستشفّ المكانة التي يمثّلها في حياته هذا العماد الذي سيقبله (آ 50
ب). رأى الشرّاح في هذه الجملة اللوقاوية (خاصة بناء فعل اخاين مع المصدر واستعمال
فعل سوناخاين) تعبيراً عن قلق يسوع، بل عن ضيق قلبه. ولكن حين يستعمل لوقا فعل
"سوناخاين" فهو يستعمله في صيغة المعلوم كما في السبعينية اليونانية، ليدلّ على
الضغط والإكراه الخارجي (8: 45: الناس يزحمونك ويضايقونك، 19: 43؛ 22: 63؛ أع 7:
57). ويستعمله في صيغة المجهول ليشير إلى سيطرة المرض (4: 38: الحمى؛ أع 28: 8) أو
الخوف (8: 37) أو الكلمة الإنجيلية (أع 18: 5). إذن، يريد لوقا أن يقول إن يسوع وجد
نفسه أمام واجب يُفرض عليه بصورة ملحّة. وهذا الإعلان يساوي ذاك الذي أنبأ فيه يسوع
أنه "يجب على ابن الإنسان أن يتألّم". ترد هذه العبارة مراراً عند لوقا. في الانباء
الأول بالآلام (يجب على ابن الإنسان أن يتألم، 9: 22)، في الحديث عن مجيء ملكوت
الله (17: 25)، قبل الذهاب إلى جبل الزيتون (يجب أن تتم هذه الآية، 22: 37)، وفي
ظهورات القيامة (24: 7، 26، 4).
ثالثاً: إن هذه النظرة المأساوية تلقي الضوء على الآيات الثلاث الأخرى في المقطوعة
التي ندرس (آ 51- 53= مت 10: 34- 36). بدأ يسوع فهاجم إحدى الالتباسات حول
المسيحانية الزمنية عند معاصريه (آ 51). لقد أعلن الأنبياء مراراً زمن المسيح على
أنه زمن السلام (أش 9: 5- 6؛ 11: 6- 9؛ 23: 17- 18؛ مي 5: 4؛ حز 24: 23- 30؛ 37:
24- 26؛ زك 9: 9- 10). ولوقا هو الذي دلّ بين الإنجيليين على يسوع حامل السلام (1:
79؛ 2: 14؛ 7: 50؛ 10: 5؛ 19: 38، 42؛ 24: 36، نصوص خاصة بلوقا). ولكن الأنبياء
ندّدوا أيضاً بالأنبياء الكذَبَة الذين يعدون الناس بسلام سهل لا متطلّبات دينية
فيه (مي 3: 5- 8؛ إر 6: 14؛ 8: 11؛ 14: 13- 16؛ 23: 16- 22؛ 28؛ حز 13: 8- 16).
فالله لا يمنح سلامه الحقيقي إلاّ للذين يلبّون بصدق نداءه.
ان يسوع لا يحمل السلام إلاّ للذين يقبلونه في الإيمان. ولهذا يستطيع أن يقول إنه
يحمل السلام كما يحمل الخلاف والانقسام. ويقول نصّ مت 10: 34 الموازي لنصّ لوقا:
"ما جئت أحمل سلاماً بل سيفاً". وهذه الصورة الملموسة قد تكون تعبيراً أصلياً تفوّه
به يسوع. لا يتردّد لوقا أن يتحدّث عن السيف في 2: 36 (هو ارتباط مع 22: 49: أنضرب
بالسيف؟)، ويفضل ان يوضح هنا معنى الصورة التي استعملها يسوع. فهو غالباً ما يهتم
بأن يبين في مؤلّفه أن يدل على الخلاف الذي يحدثه الإيمان أو اللاإيمان في إسرائيل
أمام الإنجيل: منذ قول سمعان الشيخ (2: 34- 35، وفيه حديث عن السيف) إلى خاتمة سفر
الأعمال.
والآن يعلن يسوع الخلاف داخل كل بيت (آ 52). يستعيد لوقا أولاً في عبارة عامة
الأشخاص الذين يتواجهون في الآية التالية: الأب والأم (= الحماة) من جهة، الإبن
والإبنة والكنّة من جهة أخرى. يخفّف لوقا من قساوة مت 10: 53 الذي يقوله إن يسوع هو
الذي يضع الخلاف في العائلات.
يفكر لوقا في وضع اضطهاد حيث تقبّل الشاب الإنجيل وحافظ والداه على الديانة
التقليدية (رج 21: 16: "سيسلّمكم والدوكم"). بعد هذا، يفصّل التعارضات داخل العائلة
الواحدة في شخصين يتقابلان (آ 53). تقابل عبارته عبارة مت 10: 35 القريبة إجمالاً
من مي 7: 6. لقد عرف لوقا نتائج الإنجيل المؤلمة وبيّن أن على التلميذ أن يجعل
تعلّقه بسيده يمرّ قبل واجباته العائلية (9: 59- 62؛ 14: 26؛ 18: 29). وهو يبرز في
السياق الحاضر التمزّق الذي يسبّبه "منذ الآن" الإيمان بيسوع المسيح.
3- المعنى العام لمقطوعة لوقا
تدلّ آ 52- 53 على أنّ لوقا يفكّر في حياة تلاميذ يسوع العائشين في كنيسة عصره. بما
أنهم آمنوا بيسوع، فعليهم أن يضحّوا بعلائق عزيزة على قلبهم.
وبيّنت الآيات السابقة في رسالة يسوع أساس هذا التخلّي المؤلم. وإذا كان الرب يقدر
أن يفرض على أخصائه مثل هذه المتطلّبة، فلأنه يحمل إليهم عطيّة الروح (آ 49). ولأنه
امتلأ هو أيضاً من مهمته حتى الموت (آ 50). وفي النهاية، إن السلام الذي يحمله ليس
طمأنينة سهلة يحلم الناس دوماً أن يقيموا فيها: إنه سلام ملكوت الله. ونحن لا ندخل
اليه إلاّ بالصليب (آ 51).
إنّ فكرة لوقا هذه تتوافق كل الموافقة مع فكرة يسوع كما نجدها في الإنجيل. ولكنها
تطبّق كلمات المعلم على وضع يختلف عن السياق الأصلي. مثلاً، قد خفّف الإنشداد
الاسكاتولوجي. لهذا يجب علينا أن نبحث عن شكل ومعنى كلمات يسوع حين توجّه إلى
تلاميذه.
ب- نحو تعليم يسوع
هناك إشارات عديدة تدلّ على أنّ مختلف عناصر مقطوعة لوقا كانت في الأصل مستلّقة
بعضها عن بعض. من جهة، نجد الواحدة مفصولة عن الأخرى عند متّى ومرقس. إن آ 50 تجد
ما يوازيها في مر 10: 38، وآ 51- 53، في مت 10: 14- 36. ومن جهة ثانية، تدل آ 49 وآ
50 على ردّة الفعل الشخصية لدى يسوع تجاه رسالته. لا نجد هذه الوجهة في نصّ مر 10:
38 الموازي للآية 50 التي قد تكون دؤنت بيد لوقا. ثم إن آ 51- 53 تحدّد بالأحرى
نتائج هذه الرسالة بالنسبة إلى تلاميذ المعلّم.
إذن، يجب أن نتفحّص الآن كلاً من هذه الأقوال في ذاتها لنتعرّف، إذا أمكن، إلى
شكلها الأصلي (أي: مبناها)، ونثبت صحتها إلى يسوع ونطلب المعنى الذي أراد يسوع أن
يعطيه لها.
1- جئت لألقي ناراً على الأرض (آ 49)
لا نجد هذا القول لا عند متّى ولا عند مرقس. نجد نصّاً موازياً في إنجيل توما، 10.
ولكن هذا النصّ يرتبط بلوقا كما بين ذلك شورمان الألماني. لغة القول سامية بلا شك،
وهي لا تدلّ على أي من الخصائص اللوقاوية. ومقابل هذا، هو قريب من مختلف أقوال
يسوع، أولاً بالتعبير: "جئت". رج مر 2: 17 وز؛ مت 5: 17؛ 10: 34- 35؛ رج مر 10: 45
وز؛ مت 11: 19 وز؛ لو 19: 10. أعلن بولتمان أننا لا نستطيع أن نعترض اعتراضاً
مبدئياً على واقع يعتبر أنّ يسوع لم يتكلّم عن نفسه أو عن رسالته في صيغة المتكلّم
المفرد (جئت أنا)، غير أنه يشكّ في صحة نسبة هذه الأقوال إلى يسوع. ولكن فان يرسال
يعترض على هذه الطريقة في الحكم على أقوال يسوع. وهناك أيضاً صورة النار القريبة من
أقوال يسوع وصورة الإنشداد الاسكاتولوجي. ولهذا، يقول أكبر عدد من الشرّاح بصحة
نسبتها إلى يسوع.
واستعمل يسوع أيضاً صورة النار في مر 9: 49: "كل واحد يملَّح بالنار أو يملّح من
أجل النار (وكأنه ذبيحة)". وهناك اختلافة تقول: "كل ذبيحة تملّح بملح". هذه
الإختلافة هي بمثابة تفسير يرتبط بسفر اللاويين (2: 13: كل قربان تملّحه بالملح)،
وقد وضعت مثلاً في بعض الترجمات مع أنها زيادة. فالنار التي تملّح هي العقاب الذي
يصيب الخاطئين فيحفظهم ليوم الغضب، أو النار التي تطهر المؤمنين (محنة، دينونة
الله) لتجعل منهم ذبائح يرضى عنها الله. نسب حز 16: 4 و2 مل 2: 20 الى النار قيمة
مطهّرة. يقول 1 بط 1: 6- 7 في هذا المعنى: "أنواع المحن التي تمتحن إيمانكم كما
تمتحن النار الذهب" (رج 4: 12).
ونجد قولاً ليسوع، قد يكون صحيحاً، أورده أوريجانس: "من هو قريب مني قريب من النار.
من هو بعيد عني بعيد عن الملكوت". نجد هذا القول أيضاً في إنجيل توما، 82. ونجد
أيضاً الصورة عينها في القول عن الملح في مت 5: 13 وز (أنتم ملح الأرض) إذا أخذنا
بالإفتراض الذي يرى في الملح مادة تجتذب النار إليها.
وحين ينسب يسوع إلى نفسه مهمة القاء النار على الأرض، فلا يعقل أنه ينبئ بعطيّة
الروح: إنه لا يدلّ على الروح ابداً بواسطة هذه الصورة. ولا يستطيع أيضاً ان يحدّد
مهمته بتدشين نار جهنّم التي يتكلّم عنها مراراً (مر 9: 38، 48 وز؛ مت 5: 22؛ 7:
19؛ 13: 40، 42، 50). يبقى أنه يفكّر في نار الدينونة الاسكاتولوجية مع نتيجتيها:
نار تنقّي ونار تعاقب.
2- لي معمودية أقبلها (آ 50)
إن القسم الأول من هذه الآية اللوقاوية يجد ما يوازيه في مر 10: 38 ب مع البناء
نفسه: أتعمّد بمعمودية. وبما أنّ القسم الثاني من الآية اللوقاوية مطبوع بأسلوب
الإنجيلي الثالث، نظن انه دوّن ليكون موازياً مع آ 49 وآ 50. غير أن مر 10: 38
يبيّن ان العبارة الأوّلانية ترجع إلى تقليد قديم، إلى المسيح نفسه بسبب طابعها
الملموس والابتكار الذي تتحلّى به.
أي معنى أعطى يسوع نفسه لمعموديته؟ من الواضح أنه لم يكن يفكّر بطقس من الطقوس.
المعمودية هي في نظره صورة. ظنّ كثيرون انه يتحدّث عن موضوع مياه المحنة. ولكن
العهد القديم لا يتكلّم أبداً عن المعمودية في هذا المعنى. ولا يُعقل أنه أراد أن
ينبئ بدينونة، كما قالت فئة أخرى، لأن العهد القديم يمثل الدينونة بالنار أكثر منه
بالماء.
وبالنسبة إلى يهودي في زمن المسيح، تدلّ المعمودية على الغسل الطقسي (الوضوء)
والتطهير. وكلنا يعرف الأهمية التي يعلّقها يسوع على الطهارة الحقة، على غفران
الخطايا. وإن المسيحية الأولى ربطت هذا الغفران بموت يسوع (1 كور 15: 3؛ غل 1: 4؛
روم 3: 25؛ 8: 3؛ مت 26: 28) فسبقها يسوع في هذا الخط مصوّراً موته على صورة موت
عبد الله في أشعيا. إذن، قد يكون تصوّر هذه المعمودية (وبالتالي هذا الموت) كتطهير
تمّ بيده من أجل شعب الله.
3- إنقسام داخل الأسرة (آ 51- 53)
إن آ 51- 53 تجد ما يوازيها في مت 10: 34- 36. ولها ما يقابلها مقابلة بعيدة في مر
13: 12 وز (سيسلم الأخ أخاه إلى الموت؛ رج مت 24: 9؛ لو 21: 16). إن نصّ لوقا ومتّى
قريب من نصّ مي 7: 6 اليوناني. ويبيّن الأب دوبون كيف أنّ نصّ مرقس يعود إلى القول
عينه مثل مت 10: 35- 36، ولكنه يبتعد عنه ليتكيّف وقرائن النصّ. أما نصّ إنجيل توما
(عدد 16) الموازي فهو يرتبط في بدايته بإنجيل متّى وفي نهايته بإنجيل لوقا.
يختلف لوقا (آ 51- 53) عن متّى (15: 34- 36) اختلافاً واسعاً. غير أنهما قريبان بما
فيه الكفاية ليتأسّسا على مي 7: 6. لقد لاحظنا أعلاه التصليحات التي قام بها لوقا
بالنسبة إلى نصّ متى. ويقول الشرّاح إن نصّ متّى أقرب إلى كلمات يسوع بقساوة
تعبيره، بأمانة أكبر لنصّ ميخا، وخاصة لأن هذا النص يقدّم موضوعاً يرد مراراً في
عالم الرؤى اليهودية.
إن ثورة الأبناء على والديهم التي يصوّرها ميخا وكأنها آفة عصره، هي في نظر اليهودي
الفوضى الكبرى. ويرى فيها النبي ملاخي الشرّ الذي سيأتي إيليا ليزيله "قبل أن يجيء
يوم الرب العظيم الرهيب" (ملا 3: 24؛ رج سي 48: 10؛ لو 1: 17). وتجعل منه أسفار
الرؤى موضوعاً اسكاتولوجياً، وسمة في الضيق العظيم الذي يسبق حدث الخلاص (أخنوخ 99:
5؛ 100: 1- 2؛ اليوبيلات 23: 16).
إذن، حين استعمل يسوع مي 7: 6 ليتحدّث عن خلاف الناس أمامه، طبع رسالته بطابع
اسكاتولوجي: إنه يرى في هذا الخلاف الذي يسبّبه حضوره، الدينونة الأخيرة التي ستتم
في وقتها المحدّد. لهذا يفرض على تلاميذه ان يختاروا بينه وبين "هذا الجيل".
خاتمة
قدّم يسوع نفسه على أنه ذلك الذي يأتي ليلقي نار الدينونة الأخيرة، ذلك الذي يواجه
الموت لينقّي شعب الله، ذلك الذي يدعو كل واحد لكي يتجنّد على خطاه وينقطع عن كل ما
يربطه بالعالم.
جمع لوقا هذه الأقوال وطبّقها على كنيسة عصره. رأى في يسوع الرب الممجّد الذي
"بيده" الروح الذي يناله المؤمنون الآن بالمعمودية. ولكنه عرف أيضاً أن يسوع لم
يدخل في مجده إلاّ بالآلام، لهذا عرض على المؤمنين هذا الطريق عينه. فعظمة ابن الله
لا تخفي بشريّته: لا آلامه ولا الإندفاع الذي سار به نحو غاية رسالته. وهذه البشرية
هي اليوم قوة للمؤمن ونموذج له. فمن آمن بيسوع اختاره ربا واتخذ موقعه في هذا
العالم الممزّق بين الإيمان واللاإيمان (= الكفر)، حتى ولو كلّفه موقفه الموت مثل
معلّمه.
كانت نظرة يسوع اسكاتولوجية. أما نظرة لوقا فشدّدت على الوجهة الكنسيّة. غير أن
الروح هو في نظره منذ الآن عطية الأزمنة الأخيرة (أع 2: 17). ومنذ الآن بدأ مع يسوع
يوم الخلاص. "ولد لكم اليوم مخلّص هو المسيح الرب" (2: 11). "اليوم تمّت هذه
الكلمات التي تلوتها على مسامعكم" (4: 21). "اليوم حلّ الخلاص بهذا البيت" (19: 9:
زكا). وأخيراً مع اللصّ على الصليب: "اليوم تكون معي في الفردوس" (23: 43).
الفصل الثاني والعشرون
علامات الزمن
12: 54- 56
هذا المقطع الصغير هو واحد من هذه الأمثلة التي كان يسوع يتّخذها من حياة سامعيه
اليومية، لكي يستخرج منها درساً وعبرة. فكما جعلهم يدركون سلوك الله تجاههم
انطلاقاً من جوابهم على سؤال أولادهم (11: 11- 13)، إنطلاقاً من بحثهم عن خروف ضاع
(15: 14- 17)، ها هو يدعوهم إلى تفكير خلاصي مشيراً إلى "شطارتهم" في تمييز الشتاء
والحرّ.
نجد هذا المثل أيضاً في إنجيل متّى (16: 2 ب- 3) في وضع آخر وفي تعبير يختلف بعض
الإختلاف. ولكن بما أنّ هذا المقطع غائب من عدّة مخطوطات في هذا الإنجيل، وبما أن
مدلوله لا يبدو مختلفاً عن مدلول نصّ لوقا، نكتفي بهذا الأخير فندرس السياق والنص
في حدّ ذاته وأخيراً الموضوع المركزي.
نشير على سبيل الملاحظة أن مخطوطات اسكندرانية مثل السينائي والفاتيكاني وعدداً
كبيراً من المخطوطات التي دوّنت في قيصرية فلسطين البحرية، والسريانية العتيقة
والترجمة القبطية، لا تتضمّن مت 16: 2 ب- 3. ولكن هناك عدّة مخطوطات قديمة ولها
وزنها قد احتفظت بهذا النصّ الأصيل الذي يتميّز عن نصّ لوقا ولا يتفرّع منه. إنّ
فعل "دياكريناين" (مت 16: 3) يبدو أقدم من "دوكيمازاين" (لو 12: 54. مفردة خاصة
بلوقا) وقد يكون هو الكلمة العاكفة التي ربطت لو 12: 56 مع آ 57 في خلفيّتهما
السامية.
أ- سياق النصّ
إن المقاطع السابقة في ف 12 قد جمعت عدة تعاليم قدّمها يسوع لتلاميذه: الشهادة التي
عليهم أن يؤدّوها أمام الناس (آ 1- 12). إستعمال خيرات هذه الأرض (آ 13- 34). السهر
بانتظار عودة السيد (آ 35- 48)، رسالة يسوع الخاصة وتأثيرها على تلاميذه (آ 49-
53).
وبعد آ 54- 56، تتركّز القطعة كلها على قرار نتّخذه الآن تجاه الدينونة الاتية: إن
آ 57- 59 تدعو السامعين إلى تنظيم أمورهم قبل أن يمثلوا أمام الديّان. وترتكز 13:
1- 5 على خبرين متفرّقين مأساويين فتدعو الناس إلى التوبة. ويدلّ مثل التينة (13:
6- 9) على أنه لم يبقَ لنا وقت طويل من أجل التوبة.
تشكّل آ 54- 56 عنصراً أول في هذه القطعة حول القرار الذي نتّخذه فلا نتأخّر.
ب- نصّ الإنجيل
توجّهت الآيات السابقة إلى التلاميذ (12: 22، 41)، وهذا التوجّه وافق مضمونها:
فمتطلّباتها الخطيرة (آ 1- 48) تفترض سامعين وطّدوا العزم على اتباع المعلّم حتى
النهاية. والإشارات الخاطفة إلى قلق عميق لدى المعلّم وقلّة صبر (آ 49- 50) لا يمكن
أن تُقال أمام الجموع، بل أمام حلقة صغيرة.
ومع آ 54، يتبدّل السامعون.
"وقال أيضاً للجموع" (آ 54 آ).
نلاحظ أن يسوع يتوجّه الآن إلى سامعين لم يعرفوا أن يميّزوا الحدث الذي يكوّن
حضوره. في خبر مت 16: 1 الموازي، يقدّم يسوع جواباً إلى الفريسيين والصادوقيين
الذين جاؤوا إليه يطلبون آية من السماء.
"متى رأيتم سحابة تطلع في المغرب، قلتم في الحال: جاء المطر. ويكون كذلك. وإذا هبّت
ريح الجنوب، قلتم: سيكون حرّ. ويكون كذلك" (آ 54 ب- 55).
يهتمّ الفلاّحون دوماً بالطقس. وأهل فلسطين ولبنان وسورية يتميّزونه مسبقاً. ففي
أيام إيليا، صعدت سحابة من البحر. وعند المساء كانت علامة مطر (1 مل 18: 44: هذا
يدلّ على الأصل الفلسطيني لهذا النصّ). وعرف أيّوب ريح الجنوب وما تحمل معها من حرّ
(أي 37: 17).
لاحظ يسوع هذه الأمور في أرض الناصرة، فانطبعت في ذاكرته مثل زنابق الحقل (مت 6:
28) وطيور السماء (مت 6: 26)، وطلوع الزرع (مر 4: 4- 8، 27- 29) والنموّ العجيب
لحبة الخردل (مر 4: 31- 32)... ولكن الشيء الوحيد الذي يهمّه الآن هو العبرة التي
يستطيع أن يستخرجها من هذه الصور الأليفة.
"أيها المراؤون! إنكم تعرفون أن تتأؤلوا وجه الأرض والسماء. وهذا الزمان كيف لا
تفهمونه" (آ 56)؟
بدأ يسوع "درسه" في نداء عنيف: يا مراؤون (هيبوكريتس). ولكن يبدو أنّ هذه الترجمة
لا توافق الوضع الحاضر الذي لا يلوم فيه يسوع محاوريه لأنهم يخفون شيئاً. هذه
اللفظة تقابل في العبرية "حنف" (أي 34: 30، 36: 13 كما في السبعينية) وفي الأرامية
"حنفاً" (في فم يسوع). هذه المفردة تعني الفاسد، الكافر (لا الخبيث). يستعمل لوقا
هذه الكلمة أيضاً في 6: 42 (يا مرائي، أخرج أولاً الخشبة من عينك)؛ 13: 15 (يا
مراؤون، كل واحد في السبت يحلّ ثوره)؛ ويستعملها متّى 13 مرّة.
يلوم يسوع الجموع الذين يحيطون به، ويلومهم بقساوة لأنهم لا يعرفون أن "يؤوّلوا هذا
الزمان". إذن الفترة الحاضرة هي زمن خاص. وهناك آيات تساعدنا على تمييزه، كما أن
هناك علامات تدلّ على اقتراب المطر أو الحرّ. إتّهم يسوع معاصريه بأنهم لا يعرفون
ولا يدركون. بل هم يرفضون أن يروا. إنهم أكثر من مرائين. إنهم "عميان" بإرادتهم. إن
سياق لوقا يدلّ بوضوح على هذا الزمان. حين جعل الإنجيلي آ 54- 56 صلة وصل بين
الإشارة إلى رسالة يسوع (آ 49- 53) والقطعة حول التعجيل بالتوبة (12: 57- 13: 9)،
حدّد رسالة يسوع كالمهلة الأخيرة المعطاة لإسرائيل لكي يبلغ الخلاص: هذه هي سنة
النعمة (والرحمة) التي أعلنها يسوع في كرازة دشّنها في الناصرة (14: 18- 19).
لا يعدّد لوقا في هذا المقطع العلامات التي قدّمت لمعاصري يسوع لكي يؤؤلوا هذا
الزمان. ولكنه ذكرها في مقاطع أخرى سوف نتوقّف عندها فنكتشف فكره.
خ- علامات هذا الزمان
أعلن يسوع مراراً في إنجيل لوقا أن رسالته تشكّل حقبة أصيلة في تاريخ شعب الله،
وقدّم العلامات التي تبرّر إعلانه: في كرازته في الناصرة (4: 8- 21، أرسلني
لأنادي... اليوم تمّت هذه الكتابة). في جوابه إلى مرسلي يوحنا المعمدان (7: 22- 23:
إذهبا وأعلما يوحنا بما رأيتما وسمعتما). في جداله مع خصومه حول طرد الشياطين (11:
20: إذا كنت أنا باصبع الله أطرد الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله). ونستطيع أن
نضمّ إلى هذه التصريحات نهاية مثل لعازر والغني (16: 27- 31) التي تجعلنا نستشفّ
فكرة لوقا حول علامات الزمان.
نبدأ فنرتّب مختلف هذه الآيات في رسالة يسوع. فالتي نظهر في البداية هي عجائبه. لا
يتردّد يسوع في إبراز دورها. تحيّر يوحنا المعمدان من هذا "المسيح" المتواضع
والمسالم، فأرسل يسوع يقول له: "العميان يستعيدون النظر، والعرج يمشون، والبرص
يطهّرون، والصمّ يسمعون، والموتى يقومون..." (7: 22). عدّد يسوع هنا الأشفية
الجسدية التي اجترحها (7: 21). صوّرها في ألفاظ أشعيا حين أعلن الخلاص (أش 29: 18؛
35: 5- 6)، وبيّن أنها علامات عن مجيء ملكوت الله. نستطيع أن نقابل 4: 18 حيث يسمّى
يسوع المرسل ليعلن للعميان العودة إلى البصر (رج أش 42: 7). يدلّ هذا النصّ أولاً
(في أشعيا وفي الإنجيل) على رؤية الإيمان. ولكنه يلمّح أيضاً إلى معجزات يسوع في
العميان (7: 21؛ 18: 35- 43) كعلامة عن استنارة القلوب (رج يو 9).
بعد هذا، نسب الخصوم إلى يسوع طرده للشياطين إلى قوة بعل زبول الذي يريد أن يضل
الشعب ويميل به عن الله وشريعته (11: 15). رفض يسوع مقالهم: إن كنت أنا باصبع الله
أطرد الشياطين، فقد اقترب منكم ملكوت الله (11: 20). إن ذكر اصبع الله يشير إلى
معجزات موسى التي عارضها ممحرة فرعون ولكن عبثاً (خر 8: 15. ق مت 12: 28 الذكما
يقول روح الله بدل اصبع الله). ولكن في عمل يسوع العجيب، قد تجلّى ملكوت الله وظهر
معه زمن الخلاص النهائي.
تتنوّع فاعلية المعجزات بتنوّع الإستعدادات العميقة لدى الذين يشاهدونها. فبعضهم
يرى فيها علامة رسالة يسوع الإلهية (5: 1- 11؛ 7: 16: مجّدوا الله قائلين؛ 8: 38؛
19: 37)؛ إنهم منفتحون على نداء الله. وآخرون يرفضون هذا النداء: لقد لاحظ يسوع بعض
المرّات فشل آياته. نبّه كورزين وبيت صيدا لأنهما لم تؤمنا رغم المعجزات التي صُنعت
فيهما (10: 13). وفي نهاية مثل لعازر والغني، وحين توسّل الغني إلى إبراهيم لكي
يرسل لعازر لكي يردّ اخوته، قال يسوع بفم إبراهيم: "عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا
لهم، فإن قام واحد من الموتى لا يصدّقونه" (16: 31).
يرينا هذا المقطع الأخير أن الكتب المقدّسة هي علامة أفعل لتقود إلى التوبة. هذه
فكرة رئيسية للوقا في إنجيله وفي سفر الأعمال (البرهان الكتابي). فالكتب تدلّ على
مخطّط الله في مسيرته الكاملة، في ثوابته، في نواميسه، وفي اتجاهه نحو الهدف
الأخير. قال يسوع في يو 5: 28: إن الكتب تشهد لي: فهي ترسم ملامح تعليمه وسرّه. وكل
عمل يسوع هو تتمة الخلاص الذي تعلنه وتهيئه. فمن عرف أن يقرأ الكتب بدت أعمال يسوع
وأقواله كهدف مواعيدها وآيات نهائية لمجيء ملكوت الله (4: 18؛ 7: 22).
وتساعد الكتب لوقا بصورة خاصة على الإشارة إلى آية أصيلة تدلّ على حضور الخلاص في
عمل يسوع. فيسوع يعطي مرتين في إنجيل لوقا الدليل على رسالته: إعلان البشارة
للفقراء (4: 18؛ 7: 22= مت 11: 5). إنه يعود إلى أش 61: 1 ويبرز إحدى الوجهات
الجديدة من مسيحانيّته وذلك تجاه الآمال البشرية (على مستوى اللحم والدم) لدى عدد
كبير من معاصريه (10: 21).
حين يوبّخ يسوع سامعيه لأنهم لا يعرفون أن يؤوّلوا هذا الزمان، فهو يشير بشكل ضمني
إلى كل العلامات التي قدّمها: معجزات اجترحها، كتب أتمّها في تعليمه وحياته، اهتمام
خاص بالفقراء. وحين يرى يهودي أمين لوحي موسى والأنبياء هذه الإشارات، فهو سيتعرّف
إلى خلاص انتظره شعبه.
خاتمة
إن النصّ الذي درسناه توجّه أولاً إلى معاصري يسوع. فقد دعاهم إلى أن يميّزوا في
هذه الرسالة القصيرة التي قام بها معلّم الناصرة، زمن الخلاص الذي انتظره اسرائيل
من أجيال وأجيال.
ولكن أقوال يسوع لم تخسر معناها مع نهاية حياته على الأرض. فزمن يسوع هو حاضرٌ
دوماً هنا. وملكوت الله ما زال حاضراً في التاريخ، وهو يتجلّى بشكل خفي في علامات
يقدّمها لإيمان يعرف أن يميّزها. هذه العلامات هي لنا كلمة الإنجيل في سرّ الكنيسة.
مع سلطتها وحياتها. وكل انسان مدعوّ بهذه الطريقة إلى التعرّف إلى حضور الله الذي
يعمل في عالمنا. لا شك في أنه ليس من السهل أن نميّز هذه العلامات، فهي لا تفرض
نفسها بالقوة، بل تقدم نفسها لنقبلها بحرية وبعد جهاد طويل.
ملكوت الله حاضرٌ هنا بقدرته الخلاصية، وهو في متناول من يطلبه بقلب صادق. فطوبى
لمن ينفتح على ندائه.
الفصل الثالث والعشرون
صالح خصمك
12: 57- 59
وتوجّه يسوع إلى الجموع الحاضرة هنا منذ 12: 1. إذا وضعنا جانباً التحذير من الطمع
كما يصوّره المثل (12: 13- 21)، فهو لم يوجّه إليها كلامه. وها هو يفعل في 12: 53 ي
بلهجة قاسية. إختلف الجمع عن التلاميذ، فلم يدرك بعد أن الزمان تبدّل تبدّلاً
جذرياً بمجيء يسوع، أننا قد دخلنا في زمن النهاية.
فعلى كل واحد أن يكون جديراً بأن يحكم بنفسه، بأن يقرّر، بأن يجيب الجواب الصحيح
على التحدّي الحاضر، على خطورة الساعة. هو لا يحتاج إلى مثل من يسوع يبيّن له ما
يجب أن يفعل. إنه سيقف أمام العدالة. وهو يعرف النتائج بعد حكم سوف ينفّذ. فمن
الأفضل له أن يرتّب الأمور مع خصمه قبل ذلك، أن يصالح خصمه بأقرب وقت. والمهلة التي
بقيت له لكي ينجو من آلية المحكمة هي قصيرة، فلا تتعدّى الوقت الذي يقوده إلى "قصر
العدل". إذن، التوبة أمر ملحّ.
وهناك تعليم ثانٍ في هذا المثل: إن التبدّل الجذري في الحياة الذي تفرضه عليّ
الساعة الحاضرة، يتخذ شكلاً ملموساً ويومياً: حين أتصالح مع من ظننته خصمي، أدلّ
على أنني وعيت معنى الزمن الذي دشّنه يسوع. إنه زمن كله جديد وهو ينتظر مني موقفاً
جديداً لا يعود إلى القديم ولا يستوحي سلوكه من سلوك الآخرين ولا من مناخ العالم
الذي يحيط به.
أ- احكموا بالصواب (آ 57)
إن المثل الذي يختتم هذا الفصل له مقدّمة سقطت من نصّ مت 5: 25- 26 الموازي (بادر
إلى الإتفاق وخصمك ما دمت معه في الطريق). قد يكون متى أغفل المقدّمة لكي يكيّف
المثل مع السياق الجديد. ولكن يبدو أننا أمام إنتقالة جعلها لوقا هنا ليربط بين آ
53 -56 وآ 57- 59. أحكموا بالعدل، كونوا عادلين في حكمكم. أحكموا بالحق (أع 4: 19.
هذا ما قاله الرسل للمجلس) فتصلوا إلى الصواب (2 بط 1: 13: أرى من الصواب). يجب أن
نميّز ما يجب أن نعمل في بعض الظروف التي تحصل لنا. نحن لا نحتاج إلى مساعدة أحد
(21: 30: تعلمون من ذواتكم). بل لا نستطيع في وقت الدينونة أن نستند إلى إحد. إذن،
لنرجع إلى ذواتنا منذ الآن وننظر إلى الأمور بدون تكاذب على نفوسنا.
ب- إذا ذهبت مع خصمك (آ 58)
هناك عمل مؤاتٍ يجب أن نقوم به. هذا ما يصوّره يسوع في مثل يجعل السامع في وضع شخص
يذهب (وهو يسير الآن ولم يصل بعد. ما زال في الطريق. ما زال له بعض الوقت) مع خصم
شرعي (له حقوق عليه، 18: 3: مثل الأرملة؛ مت 5: 25) ليمثل أمام القاضي. الوضع
المفترض هنا هو وضع مدين يُساق أمام المحكمة. نحن هنا في جوّ العالم الهلنستي.
فالخلاف بين اليهود يحكم فيه أحد الكتبة (12: 13 ي: قُلْ لأخي يقاسمني. إعتُبر يسوع
ككاتب فطُلب منه أن يقضي بين الأخ وأخيه) فيعمل عمل القاضي. وقد يكون بولس استلهم
هذه الطريقة لكي يمنع المؤمنين من الذهاب إلى المحاكم "الوثنية" (اليونانية).
"أفليس فيكم حكيم يستطيع أن يكون حكماً بين إخوته" (1 كور 6: 5).
المهمّ هو أن نصل إلى اتفاق قبل أن نصل إلى المحكمة. ونحن بعد في الطريق، هناك يجب
أن نقوم بكل مجهود. نقوم بنشاط ولو كان فيه بعض التعب والألم (أرغاسيا، خاص بلوقا
ما عدا أف 4: 19؛ أع 16: 19؛ 19: 24- 25). المهتم أن نتخلّص من هذا الخصم. فالفعل
(أبالاسو) يعني في صيغة المعلوم: أفلت، تخلّص (عب 2: 15، يحرّر الخاضعين للعبودية)،
وفي الوسيط: فارق (أع 19: 12: تفارقهم الأمراض). وفي صيغة المجهول: تصالح. هذا هو
المعنى الذي أخذ به متّى في النصّ الموازي (5: 25: صالح خصمك ما دمت معه في
الطريق). هذا يعني: إستفد من كل مناسبة، لا تترك فرصة.
قال بعض الشرّاح إن صيغة الوسيط هي الأصحّ: لسنا أمام مصالحة بين خصمين، بل يفارق
الواحد الأخر من أجل خير الإثنين. إن المثل ينصح الإنسان بأن يترك أموره بيد
الكنيسة ويتوقّف عن مخاصمة الآخرين. وقال آخرون: الخصم هو الشيطان، فتخلّص منه. لا
نستطيع أن نكتفي بهذه التفاسير لأن هدف المثل يقوم في خطر الوقوع في يد القضاء، لا
في التخلّص من الخصم.
الخطر الذي يواجه الإنسان، هو أن خصمه سيسوقه بالقوة إلى القاضي، والقاضي سيدفعه
إلى الشرطي، والشرطي يرميه في السجن حتى يفي دينه. الشرطي (براكتور) هو كالحاجب في
المحاكم الرومانية ومنفّذ الحكم. يقابله في المجمع اليهودي "هوبيراتيس". وهكذا نكون
في جوّ يهودي مع متّى، وجوّ روماني مع لوقا. ولكن جاء من قال إن "هوبيراتيس" إستعمل
في العالم اليهودي كما في العالم الهليني ودلّ على منفّذ الحكم في المحكمة. أما
"براكتور" فهو الذي يهتمّ بالديون وبسجن المديونين. إذا أخذنا بهذا الموقف، لا
نستطيع القول إن لوقا "هلين" المثل الذي أخذه من العالم اليهودي.
ج- أقول لك (آ 59)
هكذا بدأ لوقا الإعلان الأخير، فاختلف عن متّى الذي بدأ: الحق (أمين) أقول لك.
وشدّد على كلامه بواسطة النفي (لن) وصيغة المضارع: لا خروج لك من السجن حتى تدفع
آخر جزء من الدين.. حتى آخر فلس، آخر نحاسة، آخر غرش. فاللفظة "لبتون" (21: 2؛ مر
12: 42) هي قطعة نحاس صغيرة تساوي "لا شيء". وهكذا، "ضخّم" لوقا مدى العقاب الذي
يفرضه القاضي، فأبان أن لا مساومة ولا تساهل بعد إعلان الحكم.
ما هو معنى المثل؟ إتفق مع خصمك قبل أن يرسلك القاضي إلى السجن. لا تتأخر، لأنّ
الموت لا يمهلك. لا تتأخّر فدينونة الله تكون نهائية. من الخطأ أن نتوقّف كثيراً
عند تفاصيل المثل لكي نستخلص معنى كل تفصيل. في متّى، طبّق المثل على إمكانية تعطى
لشخص أخطأ أن يقف أمام خصمه في الدينونة الأخيرة. قد يكون هذا هو المعنى الأصلي،
فعمّمه لوقا وطبّقه على الإستعداد للدينونة الأخيرة. قالت بعضهم إن متّى جعل من
المثل قولاً في الفطنة والحياة الخلقية. وطبّق آخرون هذا المثل اللوقاوي على وضع من
الإنقسام في الجماعة.
خاتمة
هذا المقطع القصير ينهي بشكل قاسٍ هذا الفصل فيذكّرنا بـ "حكم فاسد" يجب أن نحترز
منه (آ 1) ومن حكم على الآخرين نبدأ به منذ الآن (آ 4- 22). ونقرأ في آ 54- 57
توبيخاً يرسله يسوع حول قراءة علامات الأزمنة. أما آ 58- 59 فهما تنبيه إلى
الإتفاق، إلى المصالحة مع الاخوة قبل أن يفوت الأوان. شدّد مت 5: 25- 26 (القسم
الأول من خطبة الجبل) على التصرّف بين الإخوة إذا أرادوا أن يعيشوا "بر" الملكوت.
وشدّد لوقا على خطر المراءاة، على خطر به نضلّ نفسنا بنفسنا، وهذا ما يؤثّر على
حياة كل واحد منّا.
وهكذا نجد في هذه الآيات الأخيرة من ف 12 تنبيهاً إلى الجمع. كيف يجب أن يتصرّف كل
إنسان؟ خلاصك يرتبط بموقفك تجاه أخيك. وهكذا نستعدّ لنص ف 16 مع الحديث عن ديون
نتركها. هناك يقال لنا كيف نستطيع أن نحوّل مال الظلم فنصنع به أصدقاء يستقبلوننا
في المظال الأبدية ساعة لا يعود المال ينفع في شيء.
الفصل الرابع والعشرون
المهلة الأخيرة للتوبة
13: 1- 9
إن الوحدتين الأخيرتين اللتين تبدأان ف 13 في إنجيل لوقا، واللتين لا تجدان ما
يوازيهما في سائر الأناجيل، تتضمّنان نداء ملحّاً إلى التوبة.
أ- درس نستخلصه من الأحداث (آ 1- 5)
يروي لوقا في هذه الآيات الخمس الأولى من المقطوعة أن يسوع إستفاد من واقعين
محلّيين حصلا للناس، فحرّض سامعيه على التوبة. الواقع الأول: ذبح الجليليين على يد
بيلاطس. أوصله إليه "بعض" الناس فحصلوا حالاً بشكل نداء إلى التوبة، على الأمثولة
التي نستخرجها من الأحداث. الواقع الثاني: سقوط البرج في سلوام. يبدو أن يسوع عرف
به منذ زمان بعيد، ولكنه ما زال ماثلاً أمام الأذهان بحيث استفاد منه يسوع ليقدّم
درساً لسامعيه.
إعتبر بعضهم أنّ يسوع لم يتلفّظ في المناسبة نفسها بالقولين المذكورين في آ 1- 3 ثم
آ 4- 5. فلا يُعقل أنه حصل على المعلومتين في الوقت عينه. ولكن النصّ لا يشير إلى
أن المعلومات جاءت في الوقت عينه. ثم، ماذا يمنع أن يكون الخبر الأول قد ذكر يسوع
بالخبر الثاني في عملية توارد أفكار.
يمكننا أن نتوقّف فنتأمّل في الحسّ التربوي عند يسوع: يعرف أن ينطلق من واقع حياتي
فيقدّم لسامعيه تعليم الحياة.
كيف يبدو هذان الحدثان في الخبر وفي نسيج الإنجيل الثالث؟ نجيب أولاً على هذا
السؤال في ثلاثة مقاطع، ثم نقدّم في المقطع الأخير شرحاً موجزاً للنمق.
1- ضوء من العالم الفلسطيني
لا نعرف هذين الواقعين في أي مرجع آخر، ما عدا في الإنجيل. ولكن الخبر الأول يبدو
معقولا وهو يوافق كل الموافقة ما يقول لنا المؤرخّ يوسيفوس عن بيلاطس وقمعه ثورات
البلاد في بحر من الدم. فالجليليون الذين "مزج دمهم بدم ذبائحهم"، قد يكونون من
الغيورين الذين جاؤوا الى الهيكل في عيد الفصح: نما حزبهم في الجليل، وقدّمت
مناسبات الحجّ لتحرّكهم المسيحاني المشبوه المناسبة للوصول الى المدينة المقدّسة.
أما حدث برج سلوام الذي سقط فسبّب سقوطه مقتل 18 شخصاً في ضاحية معروفة من ضواحي
أورشليم، فهو واقع عرفه الناس وما زالوا يتذكرونه. إنّ هذه المحلّيات المختلفة، لا
يمكن أن يستنبطها كاتب عاش خارج فلسطين وبعد دمار أورشليم. وكل هذا يشير إلى أن
يسوع استعملها استعمالاً عملياً ليحضّ يهود زمانه على التوبة، وإلى أن الجماعة
المسيحية الأولى احتفظت بهذا التنبيه لأنه ما زال يتوخه إليها الآن.
2- المحيط الحياتي الأصلي
جعل لوقا هذا التنبيه والمثل الذي يليه في قسم كبير خاص به (9: 51- 19: 27)، في
إطار صعود يسوع الأخير إلى أورشليم. أما إطار هذه المقطوعة بهدفها التعليمي، فهو
إطار مصطنع: إنه يضمّ بعض الأمور التي تعود بنا إلى الجليل، مثل توبيخ مدن الجليل
(10: 13-15)، كما يضمّ أخرى تنقلنا مسبقاً إلى المدينة المقدّسة (13: 34- 35: يا
أورشليم، يا أورشليم). إذن لا نستطيع أن نحدّد موقع هذه المقطوعة في الزمان وفي
المكان.
وماذا في المضمون؟ نحن أمام نداء إلى التوبة. وهذا الموضوع يميّز الطبقة الأولى في
كرازة يسوع. إذن، موقع هذه المقطوعة يحدّد بالأحرى في بداية رسالة يسوع. من جهة
أخرى، نحن في الجليل الذي كان المسرح الرئيسي لنشاطه الأول، وهذا ما يتوافق مع ذكر
الجليليين في آ 1- 2، في الحدث الذي أخبر به يسوع. لهذا ظنّ عدد من الشرّاح أننا
هنا أمام نموذج من كرازة يسوع الأولى في الجليل. وزاد بعضهم: إن هذه الأقوال
السابقة للفصح قد استعملها التلاميذ الذين أرسلهم يسوع أمامه في الجليل.
ولكن بيلاطس قام بهذه المجزرة الشرسة في أورشليم. وبقرب أورشليم حصل سقوط برج
سلوام. ويؤكّد يوحنا (7: 14) بعض معطيات الإزائيين (13: 34- 25؛ مت 26: 57) فيثبت
أن يسوع ينتظر نهاية حياته ليصعد إلى أورشليم ويعظ فيها. إذن، نستنتج أن المقطوعة
التي ندرس تقع، على ما يبدو، في المرحلة الأولى من رسالة يسوع. ولكننا لا نعرف
المكان الذي تمّ فيه هذا الحوار.
ومهما يكن من أمر الزمان والمكان، فالدعوة الى التوبة في منظار الدينونة
الإسكاتولوجية القريبة، هي ولا شك موضوع أساسي في تعليم يسوع. فمنذ بداية حياته
العامة، استعاد نداء يوحنا المعمدان (مت 3: 2 وز) فأعلن: "تمّ الزمان واقترب ملكوت
الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر 1: 15). وأكثرَ من المعجزات ليأتي بأهل الجليل
إلى التوبة (مت 11: 20- 24)، وهي مسيرة صعبة في إيمان ومحبّة لا يدركان الله دون
التوجّه إلى يسوع (مت 10: 37- 39). ونبّه الجموع أنه سيحكم عليها في يوم الدينونة
إن لم تتب توبة تشبه توبة سامعي يونان (11: 32). وهذا الدرس الذي استخرجه من مصير
الجليليين الذين ذبحهم بيلاطس أو أولئك الذين سحقهم البرج، يتوافق كل الموافقة مع
كرازته العامة حول التوبة والإرتداد إلى الله.
3- السياق السابق لإنجيل الثالث
في آ 1، يلحم لوقا هذه المقطوعة بما سبق بعبارة: "وفي ذلك الوقت عينه". إهتم بأن
يرتّب إنجيله، فأحبّ هذا النوع من الرباطات الكرونولوجية أو الجغرافية، مع ما فيها
من استنباط لا بعد موضوعياً له، وجعله هنا ليبرز تشابهاً بين العناصر المرتبطة
بعضها ببعض. وفي الواقع، إن مختلف المقطوعات التي تتوالى بعد 12: 35 تجعلنا نحسّ
اننا أمام مجموعة متماسكة.
فكما ينتظر الخدم (العبيد) سيّدهم (12: 35- 38)، وكما يخاف ربّ البيت اللصوص (آ 39-
40)، وكما ينتظر الوكيل عودة سيّده في أي وقت من النهار أو الليل (آ 41- 48)، هكذا
يجب أن نسهر ونكون مستعدّين لكي نؤدّي الحساب. لقد جاء يسوع على الأرض يلقي نار
الدينونة والتطهير (آ 49- 50): يجب أن نتخذ موقفاً منه، نكون معه ولو دفعنا الثمن
خلافاً داخل الأسرة (آ 51- 53). فالساعة خطيرة (آ 54- 56) والوقت يدهم الذين
سيدينهم الله كما يدهم الذي يجب أن يعجّل فيتصالح مع خصمه ليتجنّب دعوى تضرّ
بمصالحه (آ 57-59). هذا الوقت الذي لا ينتظر، هو وقت التوبة والشرط الضروري لكي لا
تنتهي دينونة الله بحكمة لا استئناف فيه (13: 1- 9). وهكذا، فكل السياق السابق يلقي
ضوءاً على هذه النبوءة التي تحمل تهديداً لنا. فلنتفحّصها.
4- تفسير أقوال يسوع (آ 2- 5)
إن الحدثين اللذين يستخرج منهما يسوع تنبيهاً يُذكران الواحد بعد الآخر في جملة
استفهاميّة. وفي كل مرّة يأتي جواب سلبي فيبدأ عبارة تعارضية (آ 3 وآ 5): "أتظنّون
أن..؟ أقول لكم: كلا. ولكن إن كنتم لا تتوبون فستهلكون كلّكم مثلهم". هذه البنية
باستفهام وتواز وتعارض وردة، تدل على محيط يسيطر عليه المرجع الشفهي ويساعد على عمل
الذاكرة.
فمن خلال تناقض التعابير، يريد يسوع أن يدخل. إلى أذهاننا تعليمه فنستطيع أن نفصّله
كما يلي:
أولاً: ليس الشقاء الأرضي دائماً عاقبة الخطيئة (آ 2، 13، 4- 5 أ)
في أيام يسوع، ورغم احتجاجات قديمة من قبل أيوب وحكيم سفر الجامعة، ما زالت العقلية
الشعبية تربط بين الشقاء الأرضي والخطيئة. حين مرّ التلاميذ بجانب المولود أعمى
سألوا يسوع: "رابي، من أخطأ هذا الرجل أم والداه" (يو 9: 2)؟ أجابهم يسوع: "هذا
الرجل لم يخطىء، لا هو ولا والداه" (آ 3). وفي المقطوعة التي ندرس أيضاً، يرفض يسوع
بعبارة سلبية اعتقاداً قديماً عن المجازاة على هذه الأرض، مجازاة تتمّ بصورة آلية
ولا يفهمها البشر، مجازاة فردية وجماعية: "أقول لكم: كلا". فالجليليون الذين قتلهم
بيلاطس لم يخطأوا أكثر من سائر الجليليين. وضحايا حادث سلوام لم يذنبوا أكثر من
سائر سكان أورشليم. فالمصيبة ليست علامة الخطيئة لأن عدداً من الناس أخطأوا كما
أخطأ هؤلاء الضحايا. كانوا من المجموعة البشرية الواحدة ومع ذلك لم يصابوا بأذى.
إن هذا الإعلان يكفي ليجعلنا نرذل إعتبارات لا تمتّ إلى المسيحية بشيء. إعتبارات
نسمعها لدى الناس الذين يعتبرون الله سبب الأمراض والافات التي تصيب الأفراد
والجماعات. الشرّ يبقى شكّاً وعثاراً لكل واحد لم يكتشف سرّ الصليب. ولكن لا يحقّ
لأحد أن يجعل منه عقاباً يرسله الله. أما القديسون الذين نالوا وحياً واضحاً،
فسرّهم يبقى في قلب الله، كما حدث للطوباوية رفقة، الراهبة اللبنانية.
ثانياً: "إن كنتم لا تتوبون، فستهلكون كفكم مثلهم" (آ 3 ب، 5 ب)
وتجاه الإعلان السلبي الذي يرد بصورة احتفالية (أقول لكم) تأتي ردّة تتضمّن تهديداً
بالهلاك ضدّ الذين لا يتوبون. هذا ما أرادت أن تشدّد عليه المقطوعة، لأن هذا
التهديد يأتي في الخاتمة ويتكرّر على دفعتين. أترى يسوع رفض أن يناسب بين الشقاء
والخطيئة ليبرز بصورة أوضح شواذاً يرتبط بالشريعة القديمة عن المجازاة الجماعية على
الأرض؟
نستطيع أن نتجنّب كل صعوبة على هذا المستوى إن نحن قلنا إن يسوع ينتقل من خطر موت
زمني (موت الجسد) إلى موت أبدي. نحن لا ننكر أننا قد نكون هنا أمام فكر لوقا، إلا
اننا نتردّد في قبوله بالنسبة إلى يسوع وبالنسبة إلى مرجع لوقا، وذلك بسبب تلميحات
مثل التينة إلى مصير إسرائيل. ولأن الأداة "كذلك، مثل" تفترض طبعاً شقاء مثل الشقاء
السابق، فالفكرة القائلة بأن إسرائيل كأمّة بشرية تسير إلى دمارها إن لم ترجع إلى
صوت يسوع، ليست بمستبعدة من فكر المعلّم. ولكن العقاب الزمني الذي به يهدّد يسوع
شعب الله لا يجب أن يدخل إلاّ كمقدمة للدينونة الشاملة في نهاية الأزمنة. هذه
الدينونة تصيب صور وصيدون وسدوم ونينوى، ولكنها لن تكون قاسية بقدر تلك التي تصيب
مواطني الرب وأبناء بلدته (10: 12- 15؛ 11: 31- 32؛ رج 17: 26- 30). وما يؤكّد هذا
التفسير هو السياق الموجّه منذ 12: 35 نحو اقتراب الدينونة. ولكنه يصل بنا مع ذلك
إلى مثل التينة فيصوّر دراما إسرائيل التاريخية (في فكر يسوع) كعلامة تستبق
الدينونة الأخيرة.
هذا ما نراه عند لوقا في أماكن عديدة. ففي 19: 27 نقرأ: "أما أعدائي الذين لا
يريدون أن أملك عليهم، فجيئوا بهم إلى هنا واقتلوهم أمامي". نحن هنا أمام خاتمة
قاسية تدلّ على رذل بني إسرائيل من وليمة الملكوت (13: 28- 29؛ 14: 24). أما الصورة
الخارجية التي تدلّ على هذه الدينونة، فهي ما صنعه أرخيلاوس ضدّ خصوم رفضوا أن
يتولّى الملك. وهذا ما يدلّ على قساوة الدينونة التي تصيب إسرائيل الذي لم يؤمن.
دمار أورشليم (19: 43- 44؛ 21: 20- 24) هو أيضاً صورة مسبقة عن دينونة إسرائيل
وبالتالي عن دينونة العالم. وهكذا نقول عن المقطوعة التي ندرس: ما أصاب الجليليين
وضحايا سلوام هو رمز عن الدينونة التي تصيب الخاطئين الذين لا يؤمنون.
إن فكرة الدينونة تساعدنا حتى نرى الخلاص كأنه وعد. قد تتنوعّ الصور المأخوذة من
التقليد. قد تُوجد فكرة الذنب والعقاب كما في العهد القديم، وكما في لو 13: 1 ي.
ولكن فكرة الدينونة في الآخرة هي التي تسيطر. إن تاريخ العالم ليس دينونة العالم.
فدينونة العالم هي بالحري نهاية العالم.
والمثل (13: 6- 9) كما سنرى يجعلنا نرى تهديد تدخّل عقابي من قِبَل الله، نجد صورته
في صاحب الكرمة. فكل شيء يتّسم بسمة العناية الإلهية في التاريخ البشري، وبالأخص في
تاريخ إسرائيل. ولكن الردة في آ 3 وآ 5 تكتفي بأن تؤكّد أن عدم التوبة يقود إلى
الموت، دون أن تدل على أن الله هو صاحب هذا الشقاء. إن الله لا يقدّم إلاّ الحياة
وهو لا يصنع إلاّ الخير. ولكن الناس والشعوب يستطيعون أن يقبلوا خلاصهم أو يرفضوه.
"يا أورشليم، يا أورشليم، كم مرّة أردت أن أجمع بنيك... فما أردتم" (13: 34).
ثالثاً: البعد المرتبط بهذين القولين
نستطيع الآن أن نفهم المعنى العميق لقولَيْ يسوع مع الأخذ بعين الإعتبار بمناخ
الإنشداد والمفارقة بين السؤال والردة التي تتضمّن الجواب، وذلك في آ 1- 3 ثم آ 4-
5. لقد انتهينا من نظرية المجازاة القديمة، ولكن التهديد ما زال قائماً في هذه
الساعة الحاسمة وأكثر من أي وقت مضى، على الجميع وعلى كل واحد منا. وأعلن يسوع:
كلا. إن الرجال الذين قتلهم جنود بيلاطس أو سقوط البرج، لم يكونوا خاطئين أكثر من
الآخرين. ولكنهم كانوا خاطئين، وكل انسان على الأرض خاطئ. فعلى الضربات التي كانوا
ضحيّتها أن تكون لنا تنبيهاً ترسله العناية: إنها تدعو إسرائيل (ومن خلاله كل
البشر) إلى التوبة والتعرّف إلى مرسل الله لينالوا هذا الخلاص الاسكاتولوجي. يسوع
نفسه دشّن هذا الخلاص. فإن رفضناه بإرادتنا في هذا الوقت العصيب نجرّ على نفوسنا
الضربة العظمى.
إنّ قول يسوع المعبّر عنه في أسلوب نبوي والذي استعاد لوقا قراءته، لن يبقى آنياً
(يتوجّه إليّ الآن) إلاّ في منظار النهاية، منظار الدينونة الشاملة التي تحدّد
المصير الأبدي لجميع البشر. لا يحتفظ لوقا بالنظرة إلى مصير إسرائيل المأساوي، الذي
اهتمّ دوماً بأن. يميّزه عن نهاية العالم (في 21: 7 ي يفصل دمار أورشليم عن مجيء
ابن الإنسان). فكل البشر لا يستطيعون أن يدفعوا "دينهم"، وهم يتوسّلون إلى رحمة
الديّان السامي: ولن ينعموا بهذه الرحمة، ساعة الحساب، إلاّ إذا قبلوا موهبة التوبة
التي تقودهم إلى الحياة (أع 11: 18).
"أصحاب الدين" (في آ 4) يقابلون الخاطئين في آ 2. فصورة دين الخطيئة المعروفة في
العالم اليهودي على أنها شرّ نكفر عنه بالأعمال الصالحة، قد استعملها يسوع (7: 42:
كان لمداين دين على رجلين؛ 11: 4 في صلاة الأبانا؛ مت 6: 12- 14؛ 18: 21- 35) ليدلّ
على غفران يمنحه الله بجوده وصلاحه. فكأننا أمام دين لا نستطيع أن نفيه. ومثل العبد
الذي لا يستطيع أن يفي دينه ولا يريد أن يشفق على قريبه (مت 18: 23- 35) يربط ربطاً
مباشراً تأدية الحساب بالدينونة الاسكاتولوجية.
ب- مثل التينة العقيمة (آ 6- 9)
للوهلة الأولى يبدو تعليم مثل التينة قريباً جداً من النداء إلى التوبة كما تضمّنته
المقطوعة السابقة. قد تكون القطعتان وُجدتا في الماضي منفصلتين. ولكن يبدو أنهما
جمعتا في وقت سابق للوقا في بنية واحدة تشبه إلى حدّ بعيد بنية 15: 1- 32. فالدرس
في المثلين الموازيين، مثلي النعجة الضالة والدرهم الضائع، يجد خبراً يوسعه مثل
الإبن الضال. وهذا ما نقوله هنا. فدرس المثلين (الجليليون وبرج سلوام) يجدان
توسيعاً لهما في خبر أطول هو مثل التينة العقيمة. وفي الحالين، يبدأ المثلان بسؤال
(13: 2، 4: أتظنّون؟ 15: 4، 8: من منكم؟). وتعود العبارة عينها: "أقول لكم" (13: 3،
5؛ 15: 7، 10)، "وأيضاً" (13: 4؛ 15: 8). في الحالين نحن أمام مجموعة تتضمّن مقدمة
قصيرة وقولين متوازيين يتبعهما مثل يدلّ على هدف القولين. ويبدو أن 13: 1- 9 و15:
1- 32، قد استقاهما لوقا من ينبوع واحد.
ومهما يكن من أمر، تشابهت المواضيع فتقاربت، كما قلنا، عند لوقا أو عند المرجع الذي
استقى منه.
هناك تشابه، ولكن مع اختلافات طفيفة. وأهمها فكرة مهلة للنعمة. فهذه الفكرة ليست
غريبة عن آ 1- 5: فسامعو يسوع يستطيعون أن يتجنّبوا الهلاك إن هم تابوا. وما يسري
بالنسبة إلى القولين المعزولين يسري بالحري بالنسبة إلى نظرة لوقا الذي ضمّ إليهما
مثل التينة. ففي آ 3 وآ 5، ظلّت كلمة يسوع، حسب لوقا، تنبيهاً وتخويفاً لا دينونة
وحكماً نهائياً. لم يضِع كلُّ شيء بعد، شرط أن نتوب ونعود إلى الرب.
ولكن فكرة المهلة لن تصبح واضحة إلا في المثل. أمّا الدرس عن التوبة فهو واضح في آ
3، 5 ومتضمَّن في آ 6- 9. كل هذا يتيح لنا أن نرى في المثل شقّين إثنين: تروي آ 6-
7 واقعة من الوقائع، واقعة معقولة تبرز التهديد المسلّط على شجرة تين. وتتضمّن آ 8-
9 سمات لا نتخيّلها بسهولة في تصرّف المزارع الفلسطيني، فهي تشدّد على المهلة التي
حصل عليها الكرام من أجل كرمته.
1- السياق والمحيط الحياتي الأصلي
لقد رأينا أي ضوء ألقاه على آ 1- 9 السياق العام لكرازة يسوع والسياق السابق لهذه
المقطوعة منذ 12: 35. فالوقت الحاضر مهم أهمية رئيسية. نحن هنا عند الحدود الأخيرة
لمنعطف حاسم يحدّد مصير كل واحد منا: فإن تأخرنا بعد عن إصلاح سلوكنا وعن التوبة،
نهلك ولن يكون لنا دواء. إذن، طوبى للذين يوجدون مستعدّين (12: 37، 38، 40، 43)!
ولكن الويل للآخرين (آ 45- 48) الذين لم يتعرّفوا إلى علامات الزمان (آ 54- 56)،
الذين لم يتوبوا في هذه الساعة الأخيرة (13: 1- 5) ولم يستفيدوا من المهلة الأخيرة
التي أعطيت لهم ليحملوا ثمراً.
إذن، الفكرة التي يعبّر عنها هذا المثل هي واضحة في جوهرها: عجّلوا وتوبوا. هذا ما
يقوله يسوع للشعب، لأن هذه هي المهلة الأخيرة التي يمنحكم الله إياها قبل الدينونة
الرهيبة.
وشدّدنا أيضاً على أنّ هذا النوع من النداء إلى التوبة يميّز بصورة خاصة المرحلة
الأولى (خاصة الجليلية) من كرازة يسوع. ولكن بقي تردّد في ما يخصّ مثل التينة، لا
سيما وأنه يذكّرنا بحدث التينة التي لعنها يسوع حين دخوله إلى أورشليم حسب مت 21:
18- 19 ومر 11: 12- 14. نحن في الحالين أمام تينة خيّبت أمل من جاء يطلب فيها
ثمراً. إنها تمثّل (رغم التفسير الثانوي عند متّى ولوقا) إسرائيل المهدّد بأن يُقلع
بسبب لا إيمانه وعدم توبته. ولكن لا شيء يؤكّد أنّ لوقا حوّل الحدث الى مثل، كما
يقول بعض الشرّاح. أما تحويل المثل إلى خبر فيبدو ممكنا لأن تيبيس التينة هو
المعجزة الوحيدة التي لا تتحدّث عن فعلة حنان ورحمة. ثم لا ننسَ محبة يسوع للطبيعة
(زنابق الحقل، مت 6: 28)، واحترام العهد القديم للأشجار (تث 20: 19). ولكن التحليل
الأدبي لا يسند هذا الإفتراض، ولهذا لا بدّ من الإقرار بقرابة لعنة التينة بفعلات
رمزية عند الأنبياء، وبأعمال أو أقوال أخرى قاسية صدرت عن يسوع.
فإذا أعطينا مثل التينة كمحيط حياة أصلي لكرازة يسوع الأخيرة في أورشليم، قد تعني
الثلاث سنوات التي فيها جاء صاحب الكرم يطلب ثمراً، قد تعني مدّة حياة يسوع
الرسولية. ومعاصرو المسيح هم الشجرة التي لم تعطِ ثمراً. خيّبوا أمله حين رفضوا أن
يتوبوا، فأرسل إليهم نداءً أخيراً قبل موته.
أما إذا حدّدنا موقع المثل في بداية رسالة يسوع، حينئذ تعني السنوات الثلاث الأزمنة
التي هيّأت التتمة المسيحانية (أو ربما رسالة يوحنا المعمدان، ساعتها يكون الكرّام
هو يوحنا وصاحب الكرم يسوع). والتينة هي صورة عن إسرائيل قبل المسيح، صورة حدّثنا
الأنبياء مراراً عن عقمها. وأخيراً إن مهلة السنة (الإضافية) التي اعطيت للتينة
(بدون نيّة كرونولوجية) تمثل امتداد رسالة يسوع (في هذه الحالة نُصبح قريبين ممّا
في مرقس).
في هذا الإفتراض الأخير تتخذ العناية الخارقة التي استعدّ الكرام ليعطيها لشجرته
المهدّدة، تتخذ قيمتها، وإلاّ فما معنى هذه المهلة إذا كنا أمام تنبيهات يسوع
الأخيرة قبل موته؟ هذه العناية تمثّل حينئذ مجهود يسوع منذ بداية حياته العامة
ليردّ شعبه إلى التوبة.
2- الخلفية الكتابية
إن الصور البيبلية التي تجعل من إسرائيل غرس الله تبقى في خلفية هذا المثل. فإن أش
5: 4 قد تنبّأ عن خيبة الرب: إنتظر عنباً في كرمه فما وجد إلاّ حصرماً برّياً. هذه
القصيدة قد استعملها يسوع في مثل الكرّامين القتلة، فهدّد يها المسؤولين عن عقم
الشعب المختار (مت 21: 34 وز). لا شكّ في أن يسوع مدين لهذا التقليد الأدبي الذي
يصوّر إسرائيل كنبتة مختارة (أش 5: 1- 4؛ إر 2: 21؛ حز 17: 6؛ 19: 10- 11؛ مز 80:
9- 17). إنحطّت وصارت عقيمة فاستحقّت أن يدمّرها الله لينتقم منها (أش 5: 5- 6؛ إر
5: 10: 6: 9؛ 12: 10؛ حز 15: 6؛ 17: 10؛ 19: 12- 14). إن صورة الكرمة والتينة
مترادفتان: تستعملان معاً في هو 9: 10؛ مي 7: 1؛ إر 8: 13 فتدلاّن على إسرائيل. وفي
أرض تصلح للكرمة تنبت تينة المثل الذي ندرس.
إنّ هذه الخلفيّة البيبلية تغني إغناءً خاصاً قوة الإيحاء التي نجدها في الخبر
الإنجيلي: إن الله أحبّ شعبه وأُغرم به، فاعتنى به وسهر عليه سهراً دائماً، ولكن
جواب هذا الشعب كان العقوق ونكران الجميل بأبشع مظاهره. فقام عريس إسرائيل (هو 3:
1؛ 10: 1) بمحاولة كبيرة وأخيرة قبل أن يقطع الشجرة العقيمة: أرسل يسوع الذي دلّت
عجائبه وسلطته الخارقة وحكمته العجيبة على شخصية تفوق البشر، أرسله ليدعو الشعب
أخيراً إلى التوبة. هل سينجح؟ لا يعطي لنا مثل التينة الجواب، ونحن نفهم هذا فهماً
أفضل إذا كان يسوع لم يزل في بداية رسالته. ولكن الشكوى التي تلي (آ 34- 35) ومثل
الكرامين الأشرار سيعلماننا أن إسرائيل ترك الفرصة الأخيرة تفلت منه: فرؤساؤه وصلوا
بعدم إيمانهم وكفرهم إلى الذروة فقتلوا الإبن الوحيد، إبن صاحب الكرم. وسيهتم
بالكرم كرامون آخرون يعطون الثمر في أوانه إلى ربّ الكرم (مت 21: 43 وز).
3- تأوين الدرس الأخلاقي
بدأ مثل التينة وكأنه قيل في بداية رسالة يسوع. أما مثل الكرامين القتلة فهو يرجع
إلى الفترة الأخيرة من حياة يسوع: بعد أن اختبر قساوة الفشل، توجّه فكره شيئاً
فشيئاً إلى موته القريب، الذي بعده سيسلّم الكرم إلى كرامين آخرين. وقد يكون مثل
التينة (والتهديدات التي سبقته: "تهلكون جميعاً") قد أعيدت قراءته في ذلك الوقت
العصيب وكيّف ليوافق الوضع الجديد. وترك إسرائيل المهلة التي أعطيت له ليتوب ويؤمن،
تركها ولم يستفد منها، وذلك بسبب خطيئة رؤسائه. هذا ما عرفناه وقد أشار إليه لوقا
حين أقحم هذا المثل في سفر يسوع الأخير إلى أورشليم، الذي هو مسيرته إلى الموت.
وزاد إسرائيل شرّا على شرّ فقتل مسيحه. لهذا سيناله العقاب الذي اعلنته الكلمات
التي توجّهت إلى أورشليم (13: 34- 35؛ 19: 41- 44)، كما أنبأت به تهديدات أخرى
مماثلة أطلقها يسوع في هذه المناسبة أو تلك (مت 8: 12؛ لو 13: 28): أجل ستُقطع
التينة ولا دواء لها.
ولكن بالنسبة إلى لوقا الذي يكتب بعد سنة 70، لم يعد هذا الحكم التاريخي على الأمّة
المختارة من التعليم الآني. فما وجده في مثل التينة على أثر ما وجده في الوسط
التعليمي والإرشادي الذي انطلق منه المرجع الذي أخِذَ منه، هو دعوة متواصلة إلى
التوبة وإلى الخصب الروحي. وهذه الدعوة لا تزال تفيد المسيحيين وكل المرشحين لقبول
الإيمان. فكرازة الرسل لليهود والوثنيين كما قدّمها لوقا لنا في أعمال الرسل، انتهت
دوماً بنداء إلى التوبة والإرتداد (أع 2: 38؛ 3: 19؛ 17: 30؛ 20: 21؛ 26: 20؛ 1 تس
1: 9- 10) للحصول على حكم يكون في صالحهم في الدينونة الأخيرة (أع 3: 19- 21؛ 10:
42- 43؛ 17: 30- 31). ويشير إنجيلي الرحمة مراراً إلى أن النداء عينه يتوجّه من
جديد إلى المسيحيين الخاطئين. هو يعلن أنّ الخطأة مدعوّون إلى التوبة (5: 32؛ ق مر
2: 17). وتوبتهم تسبّب الفرح في البلاط السماوي (15: 7، 10؛ ق مت 18: 12- 14).
وهكذا تضمّنت عدة مقطوعات خاصة في لوقا، مثل أمثال العشّار والفريسي، والدرهم
الضائع والإبن الضال، وأحداث الخاطئة في بيت سمعان وزكا واللص الصالح، والجموع التي
كانت تلطم الصدور وهي تترك الجلجلة (23: 48- 49)، تضمّنت دروساً سامية عن التوبة.
وإذا وضعنا مثل التينة في هذا السياق، فهو يحتفظ بتعليمه الآني بالنسبة إلينا.
والدعوة إلى حمل الثمار تتوجّه إلينا كلنا نحن اليوم أيضاً. فالإنجيلي ينظر على خطى
الرب إلى هذه "الثمار التي تليق بالتوبة" (3: 8 وز؛ رج أع 26: 20) التي يحملها
المسيحي الخاطئ الذي يعود الى الرب تائباً. ويفكّر أيضاً بكل الثمار الروحية التي
تتبع عادة المسيرة الأولانية، مسيرة الإرتداد. نتوسّع فقط في ما يحويه النصّ حين
نقرأه على ضوء موضوع حمل الثمار كما نجده عند بولس ويوحنا. إذن، نفهم أنه يجب أن
نعجل في أن نحمل على المسيح- الكرمة ثمر القداسة ولا سيما الحب الأخوي الذي ينتظره
الله منا (يو 15: 1- 17؛ رج 13: 33- 35)، "ثمر الروح الذي هو غنى المحبة المتعدّد
الأشكال" (غل 5: 22- 23)، نعجّل بانتظار عودة الرب.
ويطبّق لوقا نفسه موضوع حمل الثمار بطريقة مبتكرة على الحياة المسيحية. فهو لم يقرأ
في مثل الشجرة التي تعرفها من ثمرها (6: 43- 44) تنبيهاً ضدّ الأنبياء الكذبة كما
فعل مت 7: 15، بل وجّه فيه إلى التلاميذ نصيحة عامة بأنّ عليهم أن يثمروا: إن خصبهم
هو العلامة التي تدلّ عليهم. وفي مثل الزارع، لا تمثل الأرض الطيّبة الناس الذين
يتقبّلون الكلمة ويثمرون مئة تجاه واحدة، رغم ضيق الأزمنة الأخيرة والاضطهاد الذي
يحلّ بالكنيسة الأولى، كما يقول متّى ومرقس. بل هو يهتمّ بالأحرى بالذين يبقون
أمناء كل يوم (9: 23) وسط المحن والتجارب المتنوّعة. يهتمّ بالذين سمعوا كلمة الله
بقلب طيّب ومطيع، فحفظوها وأثمروا بثباتهم (8: 15). أثمروا في وجودهم اليومي، في
حياة يعيشونها خاضعين للشريعة الرومانية في أيام القديس بولس. أن يكون المسيحي
مضطهداً أم لا، أن تبدو الدينونة قريبة أو بعيدة، فهو يعرف أنه تلميذ معلّم مات لكي
يحمل ثماراً (يو 12: 23- 26): "إن ماتت حبّة الحنطة أخرجت حبّاً كثيراً".
4- التعليم حول طول بال الله
هل المهلة الأخيرة المعطاة للتينة قد تخيّلها يسوع ليشدّد على أنّ التوبة لا تنتظر
وأن الدينونة قريبة؟ أم يجب أن نزيد على هذا الدرس درساً آخر عن رحمة الله التي
تنتظر؟ وبعبارة أخرى، هل نشدّد فقط على أنّ المهلة المعطاة هي المهلة الأخيرة، أم
نشدّد أيضاً على أنّ هناك مهلة مع أنه لا يمكن أن يكون؟ هل نقول مع مانسون: معنى
المثل هو أن نقوله أنّ لصبر الله حدوداً في تعامله مع البشر؟ أم نفكّر مع شميد
فنقول: إن فكرة مهلة للنعمة هي السمة التي بها يتعدّى هذا المثل أقوال يسوع السابقة
عن البرّ والتوبة؟
ان حركة الخبر وما نجد فيه من أمور غير معقولة تفرضان علينا الحلّ الثاني: كل شيء
يوجّهنا نحو نجاح المزارع الذي يتحدّى المنطق بعض الشيء. لو قطع هذه الشجرة التي
تعطّل الأرض قبل ثلاث سنوات من الخبرة لكان حكيماً: وكان من الأفضل أن يزرع نبتة
جديدة ولا يحاول تطعيماً آخرته الفشل مع خسارة في المال والوقت. من جهة ثانية، هل
سينفع السماد الذي يجعله الكرام على هذه الشجرة البرية؟
ولكن السلوك الذي يستعدّ له هذا المزارع الذي يحاول المستحيل، لا يبدو "طبيعياً".
فالمثل يفرض علينا أن نطبّق تفاصيله ولا نكتفي بالفكرة العامة: إن يسوع يدلّنا على
سلوك يتجاوز عالم البشر ليصل بنا إلى عالم الله الذي لا يستحيل عليه شيء (18: 27).
أليس هو الكرام الذي يخفّف من قساوة صاحب الكرم؟ لن يفهم تلاميذه إلا فيما بعد في
أي شكل عجيب يسوع هو وسيطنا والمتشفّع بنا (روم 8: 34؛ 1 تم 2: 5؛ عب 7: 25؛ 8: 6؛
9: 15؛ 12: 24؛ 1 يو 2: 1). ولكن سامعيه يستطيعون أن يدركوا منذ الآن أن رسالته
تشكّل علامة فاعلة عن عنايته التي لا تتعب وعن طول بال الآب وصبره. وعظ يوحنا
المعمدان بإله وضع الفأس على أصل الشجرة (لو 3: 9 وز). وهدّد يسوع أيضاً ولكنه بيّن
أن الله لا يرضى أن يُعاقب قبل أن يحاول كل شيء ليجعل رحمته تمسّ قلب شعبه. ان شعاع
الرحمة الذي نراه في هذا المثل يتناسق مع أعمال يسوع وأقواله المسيحانية التي حيرت
السابق (7: 23؛ مت 11: 6) وجعلته قريباً من الشكّ والإرتياب وفقدان الإيمان.
نشير هنا إلى ما نقرأ في المخطوط البازي (النصّ الغربي). فقبل الأمر "اقطعها" يقال
لصاحب الكرم: "احمل الفأس". نجد هنا تلميحاً إلى 3: 19 وز. وهكذا يتضح التعارض بين
كرازة يوحنا وما فيها من عنف ولطف يسوع وحنانه. قد لا تكون هذه الزيادة صحيحة،
ولكنها تعبّر عَن فكر الراوي تعبيراً أميناً.
ثانياً: وجهة لوقا
ان إبراز المهمة من أجل النعمة الموافق لأسلوب يسوع بدا قريباً كل القرب من القديس
لوقا. وهذا ما نفهمه حين نعلم أنه أحلَّ خبر التينة العقيمة محلّ حدث التينة
اليابسة (مت 21: 18- 22؛ مر 11: 12- 14) ليخفّف من قساوة الحدث بشعاع أمل يطلّ من
الخبر. يرى بعض الشرّاح أنّ لوقا يشير إلى اليهود الذين احتفظوا لبعض الوقت بمناسبة
التوبة بفضل الكرازة الرسولية. ثم انه لا شك بأن لوقا عرف حدث التينة اليابسة
وأغفله عمداً. فهو الذي اعتاد أن يخفّف المشاهد العنيفة أو يهملها. وأخيراً إن رحمة
الله والمسيح تشكل أحد المواضيع العزيزة على قلبه. كل هذا يثبت أنه أراد أن يقدّم
لنا تعليماً عن طول بال الله "البطيء عن الغضب والكثير الرحمة" (خر 34: 6؛ مز 86:
15؛ 103: 8؛ 145: 8). إنه يتأخر إلى آخر حدود الممكن، وينتظر توبة الخاطئ (15: 20)
ويعمل للحصول عليها (25: 4، 8؛ 19: 5).
والاهتمام الذي به دلّ لوقا على أنّ الله يمنح في حنانه مهلة للخطأة مع الإلحاح
عليها بالتوبة، يلتقي ورجاء الكنيسة كلها في عصره. لقد اقتنعت الكنيسة الأولى بطول
بال الله تجاه الخطأة وهو الذي أحبّهم حتى أسلم ابنه إلى الموت عنهم (روم 5: 8)،
فانتظرت بهدوء رجوع الرب يسوع: "فإن تأخرت عودته ليدين العالم، فلأنه يصبر علينا
ولا يريد أن يهلك أحد، بل أن يصل الجميع إلى التوبة" (2 بط 3: 9؛ رج روم 2: 4).
خاتمة
يحسّ المسيحي في كل وقت ولا سيّما في وقت الصوم بنداء الله إلى توبة متجدّدة، شأنه
شأن آبائه في الإيمان. إنه نداء جدّي ورهيب: "فالله لا يهزأ منه" (غل 6: 7)، وسيأتي
يوم تُقطع فيه الأشجار العقيمة. ولكن الله كشف عن نفسه في ابنه على انه أب يأخذ
وقته ولا يعجّل، ينسى الذنوب (15: 30) ولا يني ينتظرنا بصبر لا حدود له.
وقد أعطيت لنا هذه المهلة لنقتدي به في رحمته (6: 36) لكي نحبّ ونغفر كما أحبّ هو
وغفر (مت 5: 44- 45؛ لو 6: 35؛ كو 3: 13؛ أف 5: 1): هذا هو الشرط لكي ننعم نحن
الفقراء المديونين الذين لا يستطيعون أن يدفعوا دينهم، هذا هو الشرط لكي ننعم بعفو
كامل في يوم الحساب. وفي هذا الوقت، وقت التوبة، نردّد صلاة المزارع المتواضعة:
إرحمنا يا رب أيضاً هذه السنة، فقد نحمل ثمراً. أو صلاة العبد المديون: "أمهلنى" أو
"أعطني مهلة" (مت 18: 26). ولكن كيف ننسى أنّ هذا العبد "سلّم إلى الجلاّدين" لأنه
لم يلغ لقريبه ديناً طفيفاً.
المحبة تصبر وترفق (1 كور 13: 4). هي تتحمّل وتغفر وتضع رجاءها في القريب وتعمل على
إخراجه من الشر. مثل هذا السلوك ليس تلقائياً في الإنسان. إنه يتطلّب قوّة الروح.
نحن هنا أمام أخلاق الله، لا أخلاق البشر. هذا ما يذكّرنا به مثل التينة العقيمة.
الفصل الخامس والعشرون
إمرأة منحنية الظهر
13: 10- 17
يوم يسوع هو يوم حاسم يعطيه الله: إنه بداية هلاك أبدي أو خلاص أبدي. وشفاء المرأة
المنحنية الظهر (الحدباء، المحدودبة) يشكّل علامة عن بداية الخلاص. هناك إشارات
سريعة لها مدلولها العميق ترينا بمناسبة الحديث عن هذه المرأة ما يعني زمن يسوع.
قبل يسوع، كان الشقاء الأكبر والتعاسة العظيمة: مريضة من ثماني عشرة سنة. يتسلط
عليها روح شرّير. هي منحنية ولا تستطيع أن تستقيم البتة. إنها كلها إلى الأرض،
وتكاد تلتصق بها. لا تستطيع أن ترفع نظرها إلى فوق.
والتقى يسوع بهذه التعاسة. نظر إليها نظرة الحنان والرحمة. دعاها إليه، كلّمها، وضع
يده عليها. هذه رسمة سريعة عما فعله يسوع دائماً. واستولى الخلاص على هذه المرأة،
إنحلّت من رباط الشيطان ومن مرضها. فصارت حرّة الآن لكي تمجّد الله. كان ملتصقة
بالأرض فرفعت عينيها وقلبها إلى العلاء.
ما رأيناه في برنامج يسوع في بدء حياته العملية حين ظهر للمرة الأولى في المجمع، ها
هو قد تمّ الآن. لقد جاء يبشّر الأسرى بتحريرهم والعميان بالنور (4: 18). أجل، لقد
جاء الخلاص.
ولكن المسؤول عن المجمع لا يعرف "زمان الخلاص". إنه أحد المرائين الذين يعرفون أن
يفسّروا علامات الأرض والسماء، ولكنه ينغلق على بداية زمن الخلاص وبالتالي على آيات
تتحقق. فتفسيره للشريعة وتعلّقه بالتقاليد البشرية أبعداه عن المحبة والرحمة من أجل
المعذّبين فلم يفهم زمانه حقاً.
وأعطى يسوع للسبت معنى جديداً. ألقى نوره على زمن الخلاص الذي يعلنه الرب ويحمله.
فشريعة راحة السبت هي في خدمة الإنسان. والله يتمجّد في هذه الراحة حين يظهر رحمته
تجاه البشر. في السبت يتقبّل الإنسان كرامة جديدة، فلم نعد نجعله مع الثور والحمار
الملتصق بالأرض. فهذه المرأة هي إبنة إبراهيم. تحطّمت سلطة الشيطان فيها، وتخلّصت
من آثار الخطيئة التي هي المرض والموت. أجل، ها هو يسوع يدعو الناس إلى راحة أخرى:
"تجدون الراحة لنفوسكم. نيري طيب وحملي خفيف" (مت 11: 28). مع يسوع صار السبت يوم
الفرح للشعب كله. إنه اليوم الذي تمّ فيه الخلق، إنه يوم تمجيد الله والتأمل في كل
ما عمله: "نظر الى ما عمله فإذا هو حسن جداً" (تك 1: 31).
كل هذا نجده في شفاء المرأة المنحنية الظهر. وجوّ هذه المعجزة يعيدنا إلى الفن
الأدبي الذي عرفناه في 6: 6- 11 مع شفاء رجل يده اليمنى يابسة أو في 14: 1- 6 مع
شفاء رجل تورّم جلده بالإستسقاء.
أ- المعجزة في حدّ ذاتها (آ 10- 13)
ترد هذه المعجزة بعد مثل التينة العقيمة (13: 6- 9)، فرأى بعض الآباء (امبروسيوس،
غريغوريوس الكبير) في المرأة الحدباء صورة عن الكنيسة تجاه المجمع (أي: الشعب
اليهودي) الذي تمثّله التينة. لا شك في أننا أمام تكييف للنصّ له عمقه النمطي ولكنه
لا يجد له أساساً في النصّ. أما الاب فاغاني فرأى أن مثل التينة العقيمة يحيط به
خبران رمزيان. الأول (13: 1- 5) يرمز إلى عقاب اليهود. والثاني (13: 10- 17) يرمز
إلى خلاص الوثنيين. ولكن يبدو من الصعب أن يدعونا لوقا لكي نرى صورة عن الوثنيين في
المرأة المنحنية، إبنة إبراهيم هذه التي يشفيها يسوع يوم السبت في المجمع فيتشكّك
خصومه ويغضبون. إن الإشارات اليهودية تلفت انتباهنا لا إلى خلاص الوثنيين، بل إلى
صلاح يسوع وحنانه، إلى حريته المتحلاّة بالذوق السليم والروح الدينية تجاه تفسير
الشريعة تفسيراً يهودياً وتجاه رياء المسؤولين اليهود. فإن كان هناك من رباط على
مستوى الأفكار بين مثل التينة وخبر المرأة الحدباء، فهو على مستوى الرياء الذي
يشجبه هذه الخبر ويلمّح إليه ورق أخضر تحمله شجرة عقيمة. ولكن بما أن هذا الورق غير
مذكور، يبقى الرباط مشكوكاً فيه بعض الشيء وإن كان يساعدنا على بعض التأمّل في هذا
النصّ الإنجيلي.
أمّا هذه المقطوعة، مقطوعة المرأة الحدباء التي تبدو موضوعة قرب مثل التينة
العقيمة، فنقسمها قسمين. نقرأ أولاً خبر المعجزة في حدّ ذاته (آ 10- 13). ثم الجدال
يوم السبت.
يبيّن خبر المعجزة على قصره وبشكل خفي، يبيّن قدرة يسوع. يشدّد على طول المرض: 18
سنة. على خطورة الوضع: إمرأة منحنية ولا تستطيع أن تنتصب البتّة. وعلى شفاء سريع:
إنتصبت قائمة في الحال. وقد حصل الشفاء بوضع الأيدي، وهو فعلة تدل بساطتها أيضاً
على قدرة مجترح العجائب. لقد لجأ يسوع إلى وضع الأيدي مراراً. جاء الناس بالمرضى
"فوضع يديه على كل واحد منهم وشفاه" (4: 40). ولما جاءه أعمى بيت صيدا وضع يديه
عليه، ثم وضعها على عينيه فأبصر جيداً (مر 8: 23، 25). ووضع الرسل أيديهم على
المرضى فشفوهم كما قال مر 16: 18. والمثال على ذلك ما فعله حنانيا مع بولس (أع 9:
12). كانت هذه الحركة في العهد القديم علامة تقليدية تدلّ على رضى الشخص وفعله (رج
تك 48: 13- 19).
دلّ الشفاء على قدرة يسوع، وبالأحرى على صلاحه وحنانه. هذا ما أراد لوقا أن يبرزه.
هو لا يشير إلى الشفقة كما فعل في خبر معجزة نائين (7: 13: "رآها الرب فاشفق
عليها"): فوضع المرأة وكأنها مفصولة إلى إثنين لم يكن مؤثراً مثل وضع ابن وحيد
خسرته أرملة وهو في ريعان شبابه. ولكن يسوع بادر إلى العمل في هذه المعجزة كما في
إقامة ابن نائين ولم ينتظر طلب أحد. وبما أن في هذا الخبر أيضاً لا يذكر الإيمان
كمقدّمة للمعجزة كما تعوّدنا أن نرى عن الإزائيين، فلا شيء يبعد انتباه القارئ عمّا
سيفعل يسوع: نادى المرأة قبل أن تطلب. أعلنها محرّرة من مرضها قبل أن يضع يديه
عليها. وأخيراً شفيت حقاً.
يحبّ لوقا أن يبرز عجائب يسوع على أنها معجزات تدلّ على صلاحه وحنانه ولا سيما من
أجل المنبوذين في المجتمع. ولا ننسَ اهتمام لوقا بالنساء، وقد كنّ محتقرات لضعفهن.
فإن يسوع غمرهنّ بحنانه الإلهي.
ويتّخذ الشفاء شكل تقسيم. هنا يمكننا المقابلة مع مر 9: 14- 29 وز؛ مت 9: 32- 34؛
12: 22- 24؛ لو 11: 14- 15. قيل لنا أنّ المريضة "يمتلكها روح" (آ 11). ربطها
الشيطان وقيّدها (آ 16). لا نجد نصّاً بهذه القوة يدل على أن المرض الذي دخل إلى
العالم على خطى الخطيئة (رج تك 3: 14- 19) هو علامة قدرة الشيطان وسلطته على البشر
(رج أع 10: 38: إستولى عليه إبليس). ولكن يسوع هو "الأقوى" (11: 22) الذي يطرد
الشيطان من موضع أقام فيه: فقدرته وصلاحه يفعلان ضدّ هذا الشخص الذي يستعبد البشر
(صورة قيود سجين). وهذه القدرة المحرّرة هي مدخل إلى تلك التي ستكون ليسوع "الرب"
(آ 15). هو الرب الذي يشفي، هو الرب الذي يحلّ السبت كما يحلّ هذه المرأة من
رباطها، هو الرب الذي يعمل كل هذه الأعمال المجيدة (آ 17).
وينتهي الخبر، حسب الرسمة العادية، بذكر ردّة الفعل الدينية لدى الحاضرين أمام
المعجزة: المرأة التي شفيت مجّدت الله (آ 13). ولكن الجموع لم تشاركها في عمل
التمجيد إلاّ في القسم الثاني من المقطوعة: ستعبّر عن فرحتها أمام الأعمال المجيدة
التي يصنعها يسوع.
إعتاد الإزائيون أن يتحدّثوا عن تمجيد الله بعد المعجزة. يروي مر 2: 12 كيف تعجّب
الحاضرون ومجّدوا الله بعد شفاء كسيح كفرناحوم. وكذا فعل مت 9: 8 (رج 15: 31). ولكن
لوقا يذكر هذا التمجيد بصورة متواترة. لا شك بعد شفاء الكسيح ولكنه يضاعف التمجيد.
أولاً: ذهب الكسيح إلى بيته وهو يحمد الله. ثانياً: إستولت الحيرة على الناس
فمجّدوا الله (5: 25- 26). ولما قام إبن أرملة نائين، سيطر الخوف على الجميع وقالوا
وهم يمجّدون الله: قام فينا نبي عظيم (7: 16). ومجدّت هذه المرأة الله هي أيضاً لما
أنعم عليها من تحرير (آ 13). وعاد الأبرص الذي شفي ليمجّد الله (17: 15)، وكذلك فعل
الأعمى بعد أن أبصر (18: 43). وكانت قمّة التمجيد عند الصليب. رأى قائد الحرس ما
جرى فمجّد الله (23: 47).
والفرح الذي يكاد يجهله كل من متّى ومرقس، يتفجّر في كل وقت من إنجيل لوقا. فمنذ
الفرح بمولد يوحنا وميلاد يسوع بعد البشارة بهما (1: 14، 28، 41، 44، 58؛ 2: 10)
إلى الفرح الذي يملأ قلوب الذين يلتقون بيسوع أو يرون معجزاته. أرسل يسوع السبعين
فعادوا فرحين (10: 17) ودعاهم يسوع إلى الفرح الحقيقي: أسماؤهم مكتوبة في السماء
(10: 20). وسيفرح يسوع معهم وسيبتهج حين يرى سرّ الله الخفيّ يكشف للبسطاء، للصغار
(10: 21).
قام يسوع بأعمال مجيدة ففرح الجمع (13: 17). دعا يسوع نفسه إلى بيت زكا، فنزلت زكا
يستقبله بفرح (19: 6)، بل استقبله كل أهل أورشليم (19: 37)، بانتظار فرح القيامة
والصعود الذي سيعيشه الرسل (24: 41، 52). ومن لا يفرح مع الله حين يعود إليه ابنه
التائب؟ هذا ما تعبر عنه أمثاله الرحمة الثلاثة (ف 15): الخروف الضائع والدرهم
المفقود والإبن الضال. كما يعود الراعي وهو يحمل خروفه الضال "على كتفيه فرحاً"
(15: 5) كذلك يكون الفرح في السماء (آ 7). وكما تطلب المرأة من جاراتها أن يفرحن
معها (آ 9) كذلك يشرك الله الملائكة في فرح خاطئ يتوب (آ 10). هذا الفرح يملأ قلب
الاب المحبّ حين عودة الإبن: "علينا أن نفرح ونمرح لأن أخاك هذا كان ميّتاً فعاش
وضالاً فوُجِد" (آ 32).
ب- جدال حول السبت (آ 14- 17)
هذا الجدال هو الثالث الذي يذكره لوقا بمناسبة الشفاء من مرض. يرتبط الأول بشفاء
الرجل اليابس اليد (6: 6- 11) والثاني بشفاء المستسقي (14: 1- 6). نشير إلى أنّ
الشفاء الأول له ما يوازيه في متّى (12: 9- 14) ومرقس (3: 1- 6) في إطار خمس
مجادلات بين يسوع والفريسيين. أما شفاء المرأة الحدباء والمستسقي فلا نجد ما
يوازيهما في سائر الأناجيل. هل نحن أمام واقع واحد؟ كلا، بل أمام ثلاثة وقائع
مختلفة. لا شكّ في أن الخبر الواحد أخذ من الخبر الآخر. مثلاً: ان جواب يسوع في حدث
الرجل اليابس اليد حسب مت 12: 11 يقابل ما نجد في خبر المستسقي (لو 14: 5): "من
منكم يقع إبنه أو ثوره"؟
ويبدو الخبر وكأنه قد انتهى بعد ذكر تمجيد الله في فم المرأة التي شفيت. ولكنه
ينطلق من جديد ليصوّر غضب رئيس المجمع الذي رأى في هذا الشفاء تعدّياً على شريعة
الله فيما يخصّ السبت. ثم يوبّخ الشعب دون أن يتجرّأ على مهاجمة يسوع بصورة مباشرة.
نلاحظ ان كلمة "سبت" ترد خمس مرّات في هذا المقطع الصغير (آ 10، 14 مرتين، 15، 16؛
رج 6: 1- 10). وعاد رئيس المجمع إلى الكتاب المقدّس يدافع به عن احترام السبت (رج
خر 20: 9- 10 وتث 5: 13- 14).
تظاهر رئيس المجمع انه يكلّم الجمع، فأجابه يسوع، ولكنه لم يوجّه كلامه إلى الجمع،
بل إلى "الخصوم" الذين يميّزهم النصّ عن الجمع: يا مراؤون (آ 15). ولما تدخّل يسوع
خجل هؤلاء المعارضون (آ 17). إن يسوع لا يسمّيهم، ولكننا نفهم أننا أمام الفريسيين
ومعلّمي الشريعة الذين تكلّم رئيس المجمع باسمهم: إنهم هم الذين يدلّ عليهم يسوع
حين يستعمل كلمة "مرائين". وهم الذين يحدّدون الأعمال الممكن القيام بها يوم السبت.
وعاد يسوع إلى طريقة المجادلة لدى الفريسيين. اهتمّوا بمصالحهم المادية، ولهذا فهم
لا يتورّعون عن اخذ بهائمهم ليسقوها يوم السبت (آ 15). وحسب لو 14: 5 ومت 12: 11،
هم يخرجون ابنهم أو بهيمتهم من حفرة أو بئر يوم السبت. سيكون الإسيانيون كثر قساوة:
لا تساعد بهيمة تضع يوم السبت. إذا سقطت في بئر أو حفرة يوم السبت فلا تخرجها
(وثيقة دمشق 11: 3- 4). إن الفريسيين هم على حق ضدّ الإسيانيين. ولكن تحرّرهم
الجزئي مشتبه به، لأن عدم المنطق الفادح يرافقه. هؤلاء الناس الذين يحتالون على
الشريعة حين تكون مصالحهم مهدّدة (مت 15: 3- 9)، يعتبرون أنه يحقّ لهم أن يمنعوا
المعلم أن يشفي مريضاً يوم السبت. أين الإستنتاج المنطقي! أليس الإنسان أفضل من
الخروف (مت 12: 12)؟ فإن سُمح بحلّ الثور وأخذه ليشرب، أما يُسمح بحلّ "ابنة
إبراهيم لما من قيود الشيطان. هذا البرهان الواضح فرض نفسه على الجمع. ولكن "خصوم"
يسوع لم يفهموه. إنهم "مراؤون" يربطهم تعلّقهم الأعمى (مت 15: 14؛ 23: 26) بتقاليد
بشريّة، فلا يدركون براهين يقدّمها الذوق السليم. ثم إن شرّهم يدفعهم إلى رفض
علامات عن رسالة إلهيّة أتمّها يسوع أمام أنظارهم (11: 15 وز؛ 12: 56).
أجاب يسوع فحرّر بجوابه النفوس من قيود الفتاوى التي تخنق الناس بالشكليات، كما
حرّر المرأة الحدباء من أسر الشيطان. إستعاد روح شريعة السبت من خلال حرف المفسّرين
المليء بالأشواك: نُظِّم السبت كوسيلة تؤمّن للعامل الراحة الضرورية (خر 23: 12؛ تث
5: 14- 15)، كتذكّر لحسنات الله من أجل شعبه (تث 5: 15)، كعلامة ميثاق بين الله
الخالق والإنسان (خر 20: 11؛ 31: 12- 17؛ تك 2: 2- 3). "جُعل السبت للإنسان" (مر 2:
27)، لا الإنسان للسبت. إنه يسهّل ممارسة محبّة القريب، بشكل ملموس، وهذه هي الوصية
العظمى في الشريعة (مت 22: 36- 40 وز)، ويذكّر برحمة الله من أجل أخصائه (مت 12:
7).
إذن، حين نمنع ممارسة محبة القريب لنحافظ على شريعة السبت نقلب النظام الذي رتبه
الله (13: 15- 16؛ رج مر 3: 4). وماذا نقول حين نكون أمام معجزة شفاء لا تستطيع أن
تأتي إلا من قدرة إله المحبّة!
في هذا النص يحارب يسوع من أجل ديانة في الروح والحق: ذكّر خصومه بالمعنى الحقيقي
لشريعة السبت. وسيكون في مكان آخر أكثر جذرية: إبن الإنسان هو ربّ السبت (مر 2:
28). مثل هذا القول ينبئ بإلغاء هذا النظام الذي احترمه حين عاش على الأرض (4: 16؛
مت 24: 20). ولكن موته وقيامته اللذين إتمّا تدبير التهيئة والوعد والصور، أحلاّ
محلّه الأحد، "يوم الرب" (أع 20: 7؛ رؤ 1: 10).
إن لوقا الذي لا يهتمّ كثيراً بالأمور اليهودية احتفظ لنا بثلاثة جدالات حول معجزة
يوم السبت. أما يدل هذا على أنه اختبر مع معلّمه القديس بولس أن إحلال نظام الأحد
محل السبت لم يكن بالأمر السهل لدى المسيحيين الآتين من العالم اليهودي (كو 2: 16):
"لا يحكم عليكم أحد في المأكول والمشروب أو في الأعياد والسبوت". الديانة الحقيقية
هي الديانة الداخلية وهي تؤول إلى تمجيد الله الذي خلّصنا بالمسيح (آ 17).
خاتمة
إنهم يعتبرون نفوسهم كرمة الرب، ولكنهم على ضلال! يمنعون عن عمل التحرير يوم السبت.
إنهم على ضلال! يرفضون يسوع، يريدون أن يزيلوا هذا الخمير الذي يخمّر العجين كله
(13: 21). فهل يقدرون؟
ومع هذا، جرت الآية أمام عيونهم. غير أن الشفاء ليس شغلاً بسيطاً. إنه عمل الله أو
من يرضى عنه الله. وفي هذه المعجزة بالذات نحن أمام حلّ من رباط، من رباط الشيطان،
وهذا عمل مسيحاني بكل معنى الكلمة. فلماذا لا نعمله يوم السبت. بل قال يسوع: "كان
يجب أن تحل"، كان هذا أمراً ضرورياً، ولو لم يعمله لكان رفض مشيئة الله.
وهكذا بدت الآية التي اجترحها يسوع آيتين. من جهة، دلّ على الشرّ الخفي الذي يجعل
إسرائيل منحني الظهر ومقيّداً منذ زمن طويل. ومن جهة ثانية، دلّ على يسوع الذي يجعل
إسرائيل ينتصب ويقوم كما أعلن الله بلسان الأنبياء: "سأقيم خيمة داود" (عا 9: 1 حسب
السبعينية): يرد هذا النص في فم يعقوب في مجمع أورشليم (أع 15: 16). خيمة داود هي
الكنيسة ولن تنطلق إنطلاقتها الحقيقية إلاّ حين تحلّ من قيود الشريعة وممارستها
وتتعرّف إلى الحرية التي لنا في المسيح.
الفصل السادس والعشرون
حبّة الخردل والخمير في العجين
13: 18- 21
أ- مثل حبلأ الخردل
مع مثل الزرع الذي ينمو وحده (مر 4: 26- 29)، يطرح مثل حبّة الخردل عدداً من
الأسئلة حول الأمثال التي تتحدّث عن النموّ. نحن أمام فكرة يسوع حول رسالته
وعلاقتها بأحداث نهاية الأزمنة. ونحن أيضاً أمام نظرة حول ملكوت الله.
نبدأ أولاً فندرس المثل في الأشكال الثلاثة التي فيها وصل إلينا. نحاول أن نكتشف
عناصر محدثة وعناصر تعود إلى يسوع. بعد هذا، نبحث عن هدف المثل، عن المعطية
الرئيسية التي تدلّ على التعليم الديني الذي من أجله كُتب المثل. والقسم الثاني من
عرضنا يحدّد هذا التعليم متسائلاً حول تطبيق المثل في إطار رسالة يسوع. والقسم
الأخير يتوقّف عند التطبيقات الجديدة التي يدلّ عليها الإنجيليون الذين اهتموا
بإعطاء القارئ المسيحي دروساً تتكيّف والوضع الذي فيه يعيشون.
1- النسخات الثلاث في الإناجيل
وصل إلينا مثل حبّة الخردل في ثلاثة أشكال مختلفة بعض الإختلاف. نلاحظ أولاً الفرق
الكبير بين مرقس ولوقا. أمّا متّى فيقدّم نصّاً متوسطاً يتضمّن عناصر تدلّ. على ما
في الإنجيلين الآخرين. نبدأ فنواجه نسخة مرقس مع نسخة لوقا.
أولاً: مرقس ولوقا
مر 4: 30- 32 لو 13: 18- 9 1
وقال وقال إذن
ماذا يشبه
ملكوت الله؟
بماذا نشبّه وبمَ أشبّهه؟
ملكوت الله؟
وبأي مثل نمثّله؟
إنه مثل حبهّ الخردل: إنه يشبه حبه خردل
أخذها إنسان
حين تزرع في الأرض وألقاها في بستانه
تكون أصغر جميع البذور
التي على الأرض.
فإذا زُرعت
طلعت فنمت
وصارت وصارت
أكبر من جميع البقول شجرة
ثم تفرع أغصاناً كبيرة
حتى إن طيور السماء وطيور السماء
تقدر أن تأوي أوت
إلى ظلّها. إلى ظلّها.
*- الفن الأدبي
في نسخة مرقس، يعلن المثل واقعاً من الخبرة اليومية: كيف تسير الأمور عادة؟ حين
تزرع حبّة الخردل، ينتج عنها نبتة كبيرة. أما نسخة لوقا فتروي لنا خبر إنسان زرع
يوماً حبّة خردل في بستانه فانتجت شجرة. واقع حدث مرّة من المرّات.
هل نستطيع أن نختار بين الشكل التصويري في نسخة مرقس والشكل الاخباري في نصّ لوقا؟
أيهما يعود إلى يسوع؟ إن يسوع استعمل هذين الشكلين في تعليمه. يبقى أن نبحث عن
الرباط الوثيق الذي يجعله تقليد لوقا (يسنده متّى) بين مثل حبّة الخردل ومثل
الخمير. إن مثل الخمير يروي ما فعلته إمرأة حين جعلت الخمير في ثلاثة أكياس من
الدقيق: شكل المثل هو شكل خبر، مثلان يرويان بالشكل عينه وقد أثّر الواحد على
الآخر. فإذا افترضنا أنّ المرجع الذي استعمله متّى ولوقا قد ضمّا هذين المثلين،
نعتبر أنه تمّت عملية تماثل: تسلّم مثل حبّة الخردل شكله الاخباري من السياق العام.
وهكذا بدا الشكل المرقسي التصويري أوّلانياً (سبق الشكل اللوقاوي). اما إذا كان
المثلان قد شكّلا في البداية زوجاً من الأمثال متّحداً، نقول إن الشكل الاخباري سبق
الشكل التصويري على مستوى حبّة الخردل كما على مستوى الخمير.
نحن نختار الفرضية الثانية: جاء الشكل الاخباري سابقاً للشكل التصويري. فهذان
المثلان يرتبطان بمجموعة من النصوص الإنجيلية حيث نرى يسوع يلجأ إلى مثلين (أو
صورتين) متكاملين ليعطي تعليماً واحداً. فمثل الرجل الذي أضاع خروفه ومثل المرأة
التي فقدت درهمها (15: 4- 10) يشبهان مثل الخردل والخمير، لأنهما يضعان أمامنا
رجلاً وإمرأة. في 14: 28- 32 نجد ملاّكاً يبني برجاً وملكاً يستعد للذهاب إلى
الحرب: نحن هنا أمام الفكرة عينها. وفي مت 13: 44- 46 نجد ذاك الذي وجد كنزاً وذلك
الذي اشترى لؤلؤة ثمينة. في لو 12: 24- 28 (رج لو 6: 26- 30)، تعطي الغربان
والزنابق امثولة في الثقة لتلاميذ يسوع. وفي مت 7: 24- 27 (رج لو 6: 47- 49)، بنى
رجلان بيتهما. واحد بناه على الصخر، وآخر على الرمل. وقال يسوع: لا نرقع ثوباً
عتيقاً بقماشة جديدة، ولا نضع خمراً جديدة في زقاق بالية (مر 2: 21- 22 وز) رج
أيضاً مت 7: 9 وز (رغيف، سمك)؛ 7: 16 وز (الشوك، العلّيق). وهناك مثل الزؤان
والشبكة (مت 13: 24- 30، 47- 48. في الأصل كانا زوجاً). ومثل الصديق المزعج
والأرملة المزعجة (11: 5- 8؛ 18: 1- 8: كانا معاً).
هكذا اعتاد يسوع أن يقدّم تعليمه في مثلين متكاملين. لهذا يبدو لنا الجمع بين مثلَي
حبّة الخردل والخمير، أوّلانياً، وهو يعود إلى يسوع.
*- البنية
يُبرز نصّ مرقس التعارض بين حالة حبّة الخردل في نقطة الإنطلاق (كانت "أصغر من جميع
البذور التي على الأرض")، وفي نقطة الوصول (صارت "أكبر من جميع البقول"). والتوازي
في العبارات يبرز أيضاً هذا الواقع. وهناك صيغة الأفعال. في آ 31- 32، نجد عملاً
يدوم لحظة، ونتيجة تمتدّ في الزمن: طلع الزرع، صار أكبر من كل البقول، أفرع أغصاناً
كبيرة، استطاع طير السماء أن يأوي إلى ظلّه.
نصّ لوقا هو أقصر من نصّ مرقس، فلا يشدّد على التعارض. هو لا يذكر صغر الحبّة ولا
كبر النبتة (صارت عنده "شجرة"). كل صيغ الفعل هي في الماضي: رجل أخذ حبّة خردل،
رماها في بستانه. نمت الحبّة. صارت شجرة. إستظلّ فيها الطير. من البداية إلى
النهاية، نحن في خطّ متواصل لا انقطاع فيه. لقد أراد أن يشدّد على ضرورة المسيرة
التي انطلقت: رُمي الزرع في البستان، حصل النموّ، خرج منه شجرة نعجب بارتفاعها.
إذن، لا نبحث عن الهدف في التعارض، بل في ضرورة حتميّة تجعل الحبّة تتحوّل إلى
شجرة.
ماذا نقول عن الإختلافات بين هاتين النسختين؟ شدّد مرقس على الحالة الأولى والحالة
الأخيرة. أمّا خبر لوقا فلا يقول إن الحبّة اختيرت من بين كل الحبوب. إنّ صغر هذه
الحبّة صار مضرب مثل عند اليهود. هذا ما يلمّح إليه مت 17: 20 (لو 17: 6): "لو كان
فيكم إيمان مثل حبّة الخردل". لا نتخيّل شيئاً أصغر منها. وقال الرابانيون: نقطة دم
مثل حبّة الخردل (صغيرة). تحدّث لوقا عن الشجرة. أما مرقس فقال: أعظم من جميع
البقول.
إن التعارض الذي قدّمه مرقس يقرّب بين مثل حبّة الخردل ومثل الزرع الذي ينمو من
ذاته، ومثل الزارع. في هذا الشكل يتحدّد موقع المثل في إطار رسالة يسوع، والصعوبة
التي تنتج من صغر هذه الرسالة الظاهرة إذا قابلناها مع التحوّلات الكونية التي يدلّ
عليها مجيء ملكوت الله. أما نسخة لوقا فتركّز الإنتباه على نموّ النبتة: إنها توافق
وضعاً ليس وضع البداية "الصغير"، بل وضع التفتّح الجميل: إنه يعكس مسيحيّة في ملء
انتشارها.
ثانياً: متّى (13: 31- 32)
إن الفنّ الأدبي الذي أخذ به متّى هو الخبر: إنسان زرع حبّة خردل في حقله (قال
لوقا: بستانه). تقول المشناة إن الخردل ينبت في الحقل لا في البستان. ولكن هل صحّح
لوقا مرجعه؟ هو لا يستعمل في أي مكان آخر "كابوس" (بستان). فيبدو أنّ متّى أدخل
كلمة "أغروس" في هذا الموضع وفي كل ف 13 (آ 24، 27، 36، 38، 44).
إتفق متّى مع لوقا حول الفنّ الأدبي. أما في البنية، فيتفّق مع مرقس فيبرز الصغر في
نقطة الإنطلاق والكبر في نقطة الوصول. ويحدّد، شأنه شأن مرقس، أنّ حبّة الخردل هي
"أصغر من كل البذور". وكتب أيضاً مثل مرقس أنّ هذه الحبّة صارت فيما بعد "أكبر
البقول جميعاً". ولكنه زاد ملتقياً مع لوقا: حتى تصبح شجرة في أغصانها (قال مرقس:
في ظلّها) تبيت الطيور.
التعارض هو هو بين مرقس ومتّى. ولكن الإنتقال لا يتمّ في النقطة عينها. عند مرقس
تتعارض البذور مع كل ما يحصل فيما بعد (الحاضر الذي يمتدّ). أما متّى فكتب أن الرجل
زرع حبّة الخردل، وان هذه الحبّة نمت (مثل لوقا). بعد هذا، يتابع متّى في الحاضر:
صارت حبّة الخردل شجرة. جاء الطير وبات في أغصانها. إذن، هنا ينتمي النموّ إلى
الماضي، شأنه شأن الزرع. والآن، صارت الحبّة شجرة. وضع متّى هو وضع لوقا، هو وضع
الكنيسة في ملء انتشارها.
وأتبع متّى (مثل لوقا) مثل حبّة الخردل بمثل الخمير الذي جاء نصّه قريباً من نصّ
لوقا: لقد اكتفى الإنجيليان بنسخ مرجعهما المشترك الذي غرفا منه. في مثل حبّة
الخردل، قدّم متّى نصّاً يرتبط بمرقس ولوقا. هو يدمج مرقس مع المرجع الذي شارك فيه
لوقا. وهذا ما نلاحظه في آ 32 حيث يصير الخردل اكبر البقول، ثم يصير شجرة.
إرتبط متّى بلوقا ومرقس، فجاءت شهادته ثانوية. أما لوقا فاحتفظ هنا بالشكل الاخباري
للمثل، ومرقس بالشكل التصويري الذي يبرز تعارضاً سينطلق منه المثل ليجد تطبيقاً له.
2- معنى المثل في رسالة يسوع
إن هدف الخبر الامثالي هو في العلاقة بين صغر حبّة الخردل وكبر البقول. فنظنّ أن
التعليم الذي نستخلصه يعني علاقة أخرى. نحن أمام مثل في شكل معادلة في أربعة عناصر:
أ، ب، ج، د. عرفنا ما يدلّ عليه ج، د. يبقى علينا أن نعرف التطبيق في أ، ب. ونبدأ
مع ب.
أولاً: النبتة الكبيرة التي يأوي إليها طير السماء
هذه هي الإشارة الأخيرة التي تلفت الإنتباه. إذ أراد المثل أن يصوّر عظمة نبتة
الخردل، بيّن كيف أن الطيور تطلب مأوى "تحت ظلها" (مرقس)، "في أغصانها" (متّى،
لوقا). من المعروف أن هذه النبتة تجتذب الطيور الذين يستطعمون حبّها، ولكننا أمام
تضخيم حين نقول إن الطيور باتت تحت ظلّها، أو أقامت هناك (كاتاسكانوو).
نكتشف هنا صورة معروفة في التوراة، ندلّ بها على ملك عظيم يجعل شعبه في أمان. ففي
مثل يوتام، قالت العلّيقة (التي تمثّل الملك أبيملك): "تعالوا وبيتوا في ظلّي" (قض
9: 15). وتحدّث مرا 4: 20 عن الملك صدقيا الذي أخذ أسيراً: "ملكنا الذي اختاره
الرب، أوقعوه في حبائلهم، وهو الذي قلنا: في ظلّه نحيا بين الأمم". وصوّر با 1: 12
اليهود المنفيين وهم يرفعون الصلاة إلى الله: "لكي نعيش في ظلّ نبوكد نصّر، ملك
بابل، وفي ظل إبنه بلطشصر". وصوّر حزقيال الفرعون، ملك مصر، بشكل أرزة عظيمة وقال:
"في أغصانها عشّشت كل طيور السماء، وتحت فروعها وُلدت كل وحوش البرية، وفي ظلّها
سكنت جميع الأمم العظيمة" (حز 31: 6).
ونجد في حز 17: 22- 23 وعداً بالإصلاح ينبئ بالمجد المقبل المحفوظ لإسرائيل: "فيأوي
تحته كل طائر، وفي ظلّ أغصانه يأوي كل حيوان مجنّح". ونقرأ في دا 4: 9 عن حلم رأى
فيه نبوكد نصّر شجرة عظيمة: "تحتها أوى حيوان البرّ، وفي أغصانها أقامت طيور
السماء، ومنها تغذى كل ذي جسد"، هذه الشجرة تمثّل نبوكد نصّر (آ 18).
ونعود إلى مثل حبّة الخردل. فالعبارة المستعملة في مرقس (تحت ظلّه) ترد اكثر من
عبارة متّى ولوقا (في أغصانها. تعود إلى دا 4: 18 في اليونانية، 4: 21). فالشجرة
التي تعطي ظلاًّ للعصافير، هي صورة تقليدية تدلّ على الملك الذي يحمي عبيده
بسلطانه. فالشجرة ترمز إلى الملك كما ترمز إلى مُلكه. وفي سياق كرازة يسوع، تدلّ
الإشارة الأخيرة في المثل على المُلك الاسكاتولوجي الذي فيه يُظهر الله سلطانه
فيحمي جميع البشر الذي كانوا جزءاً من ملكوت الله.
وهكذا تؤكّد الإشارة الأخيرة ما في المقدّمة من تعليم عن ملكوت الله. لقد تكلّم
المثل عن الملكوت، لأنه ينتهي في ذكر وضع سيتحقّق حين يقيم الله ملكوته على الأرض.
إذن، وصلنا إلى العنصر الثاني في المعادلة: إنه يمثّل ملكوت الله في ملء تحقيقه
الاسكاتولوجي. يبقى علينا أن نجد العنصر الأول.
ثانياً: أصغر كل البذور
إن قامة نبتة الخردل تبدو متواضعة، فلا تستطيع أن تدلّ على عظمة ملكوت الله. فإذا
كان المثل قد قام بهذا الخيار، بدلاً من أن يلجأ إلى صورة "الأرز" التقليدية، فلكي
يبرز حقارة نقطة الإنطلاق. فساعة أطلقت المسيرة التي تصل إلى المجيء المجيد لملكوت
الله، نشهد حدثاً بسيطاً نكاد لا ندركه، فنشبّهه بحبّة الخردل الصغيرة.
حين أراد يسوع أن يدخل تعليمه في عقل سامعيه، إلتقى في العواطف والشعور التي
اكتشفها فيهم: بعد أن بيّن لهم أنه يفهم صعوباتهم، إجتذبهم لكي يقدّروا الأمور حقّ
قدرها. إذا كان الأمر هو هكذا هنا، فصغر حبّة الخردل يقابل لدى سامعي يسوع خيبة أمل
أمام واقع "حقير". وهو كذلك إن قابلناه مع الصور العظيمة التي تدلّ عليها فكرة مجيء
ملكوت الله. وهذا الواقع الذي يخيّب أمل المحيطين بيسوع هو الرسالة التي قام بها
المخلّص خلال حياته على الأرض. معه صار ملكوت الله قريباً، ومع ذلك فهو لا يشبه
إلاّ قليلاً القدرة والمجد اللذين يميّزان مثل هذا الحدث. لهذا أجاب يسوع: إن من
هذه البداية "الحقيرة" يخرج الملكوت الاسكاتولوجي في كل بهائه، كما تخرج النبتة
الكبيرة من حبّة الخردل الصغيرة.
نحن أمام ملكوت الله. نحن أمام الله بالذات. يعمل فيقيم أو يمارس ملكه. ويفسّر
المثل أن الله لا يتصرّف من أجل إقامة ملكه بطريقة مغايرة لإنسان يرمي في الأرض
حبّة خردل فيكون له نبتة ضخمة. إن رسالة يسوع لا تبدو بشكل مظاهري ساطع. ولكن هذا
لا يمنع أن الله ينطلق منها لكي يدشّن المسيرة الاسكاتولوجية التي تصل إلى مجيء
الملكوت. لقد بدأ تدخّل الله في نهاية الأزمنة. والحقارة الظاهرة لما يحدث الآن، لا
تخفي الحقيقة الحاسمة: الله يعمل اليوم لكي يقيم مُلكه.
وننهي بملاحظة أخيرة. العلاقة بين شقّي المثل هي علاقة تعارض بين نقطة الإنطلاق
(صغيرة) وبين نقطة الوصول (عظيمة جدّاً). ولكننا نخطئ إن حصرنا العلاقة في هذا
التعارض. إن التعارض يرافق هوية هذا الملكوت وتواصله الحقيقي. هناك "وحدة عضوية"
بين البداية والنهاية. إن النهاية متضمَّنة في البداية. والنهاية تخرج من البداية
كالنبتة من الحبّة. هكذا ملكوت الله هو حاضرٌ الآن، بشكل سرّي وخفي في رسالة يسوع.
فهو يخرج من رسالة يسوع في كل مجده وبهائه. من هنا وجب على معاصري يسوع أن يأخذوا
بعين الإعتبار مدلول الرسالة التي أوكله بها الله. هي لا تعلن فقط الملكوت كشيء
يختلف عنها. بل هي نفسها هذا الملكوت الذي يدخل منذ الآن في هذا العالم. وهكذا، فمن
اتخذ موقفاً تجاه رسالة يسوع، يكون قد قبل أو رفض سلطان الله الاسكاتولوجي، يكون قد
قرّر مصيره في العالم المقبل.
وهكذا نرى أن تعليم هذا المثل لا يعني فقط المستقبل. فهو لا يتوخّى أن يعلّمنا أن
ملكوت الله سيأتي أكيداً أو سيأتي سريعاً، أو أن رسالة يسوع ستأتي بثمار عجيبة. بل
يتوخّى أن يفهمنا المدلول الحاسم للزمن الحاضر، هذا الزمن الذي يتّخذ من رسالة يسوع
قيمته الفريدة في تاريخ الخلاص. إن رسالة يسوع هذه قد دشّنت حقاً نهاية الأزمنة.
وقد بدأ تدخّل الله الاسكاتولوجي فلا يبقى لنا إلاّ أن ننتظر لنرى نتائجه التي
ستظهر.
هذا تعليم مهمّ لسامعي يسوع، شرط أن يفهموا كل أبعاده. ويبقى مهماً بالنسبة إلينا.
لأنه إذا كان زمن رسالة يسوع يشكّل حقبة مميّزة، فهذا يعود إلى مهمّته الإلهية، وهي
مهمّة ما زال يمارسها اليوم المسيحُ القائم من الموت. في هذه المهمة الفدائية، وفي
النهاية، في شخصه وفي السيادة التي ارتداها، صار ملكوت الله قريباً من كل إنسان.
3- نظرة كل من الانجيليين الثلاثة
أو لاً: مرقس
أشار مرقس، حالاً بعد مثل حبّة الخردل، إلى أن يسوع كان يتحدّث بالأمثال ليعلن كلمة
الله للجموع. "ولكنه كان يفسّر كل شيء لتلاميذه على انفراد" (4: 33- 34). لا نجد
تفسير هذا المثل، ولكننا نظنّ انه إن كان مرقس لم بعطنا إياه، فلأنه اعتبر أن تفسير
مثل الزارع يكفي (توسّع فيه مطؤلاً في آ 14- 20) ليدلّ القارئ على الخط الذي فيه
يبحث عن معنى مثلَي الزرع (آ 26- 29، 30- 32) اللذين انضمّا إلى المثل الأول.
دلّت آ 14- 20 أولاً على أن الزرع الذي تحدّثنا عنه من قبل هو الكلمة، هو الرسالة
الإنجيلية. والمدلول عينه يرتبط في هذا السياق بالزرع الذي ينبت من ذاته، وبحبّة
الخردل التي هي أصغر جميع البذور التي على الأرض. إذن، نحن هنا (في رأي الإنجيلي)
أمام مثل يدلّ على تعليم المسيح.
في آ 17، قد يكون مرقس زاد "الاضطهاد من أجل الكلمة". وسنجد تفاصيل مشابهة في 8: 35
و10: 29. هذا ما يدلّ على أنه منشغل بالاضطهاد الذي يصيب المسيحيين الصابرين حتى
المنتهى. هل زاد أيضاً في آ 19 مختلف العوائق التي تهدّد الثبات؟ ربما. وقد فهم مثل
الزارع بالنظر إلى الصعوبات التي تجابه الكنيسة في عصره. هذا ما يجعلنا نفترض أن
مرقس نشر أمثال يسوع بالنظر إلى الوضع الذي يراه ساعة كان يؤلّف إنجيله.
هذه الملاحظات تكفي لكي نتصوّر المعنى الذي أعطاه لمثل حبّة الخردل. فهذه الحبّة
التي تمثّل تعليم المسيح، كانت صغيرة حين زُرعت: إن وقت الزرع يقابل زمن رسالة
يسوع. وبعد ذلك الوقت نمت الحبّة وصارت نبتة تفرض نفسها فتفرع أغصاناً يستظلّها طير
السماء. نحسّ أننا هنا أمام صورة للإنتشار المسيحي في نهاية العصر الرسولي. فبدا
المثل تأكيداً متفائلاً لقوّة التعليم الذي حمله يسوع إلى العالم. وهو سيتوسّع لا
محالة.
ثانياً: لوقا
إن مثلَي حبّة الخردل والخمير في الإنجيل الثالث يشكّلان خاتمة حدث شفاء المرأة
المحدودبة (13: 10- 17). حصل المشهد في المجمع يوم السبت، أبصر يسوع المرأة
المسكينة فحرّرها من علّتها. فاحتجّ رئيس المجمع، ولكن جاءه جواب لاذع: "أيها
المراؤون! كل واحد منكم يحلّ ثوره أو حماره ويقوده من المذود لكي يشرب". وتلاحظ آ
17 خزي خصوم يسوع وفرح الشعب "بجميع الخوارق التي كانت تجري على يده". وتتابع آ 18:
"إذن قال". نحسّ كأن المثلين وسّعا النظرة إلى الأمور: فالغلبة التي أحرزها يسوع في
المجمع صارت استباقاً لغلبة وُعد بها ملكوت الله، وما زالت الآن في بدايتها.
نلاحظ أنّ لوقا لم يحافظ على التعارض كما في مرقس. بدلاً من أن يقابل بين صغر نقطة
الإنطلاق وكبر نقطة الوصول، أبرز الضرورة الحتمية لمسيرة النموّ التي تصل إلى شجرة
يستظلّ فيها طير السماء. ولاحظنا في الوقت عينه أن جميع الأفعال هي في صيغة الماضي.
فقامة الشجرة الباسقة تقابل وضعاً رآه الإنجيلي أمام عينه: فهو لا يتأمّل في
التفتّح الاسكاتولوجي لملكوت الله في ظهوره المجيد، بل في الإنتشار العجيب للكرازة
الإنجيلية التي تحقّقت مع الجيل الرسولي. فالإنسان الذي زرع حبّة الخردل هو المسيح.
أعطى الإشارة بالإنطلاق لحركة لا شيء يوقف مسيرتها المنتصرة.
ثالثاً: متّى
وضع متّى مثلَي حبّة الخردل والخمير بين مثل الزؤان المزروع وسط الحنطة (13: 24-
30) وتفسير هذا المثل عينه (آ 36- 43). فإن كان معنى المثل (في سياق مرقس) يستنير
بنور شرح مثل الزارع، فإن تفسير مثل الزؤان عند متّى هو الذي يقدّم لنا المفتاح.
إذن، نعتبر أن الإنسان الذي زرع حبّة الخردل يمثّل "ابن الإنسان" (آ 37). والحقل
الذي وضعت فيه هذه الحبّة هو العالم (آ 38). والنبتة التي تنمو فيه ترمز إلى ملكوت
ابن الإنسان (آ 41). ونستطيع أن نواصل التفكير في الخط عينه: فالطيور التي تأوي إلى
ظلّ الشجرة تدلّ على البشر الذين يدخلون في الكنيسة. ولكن اختلف مثل حبّة الخردل عن
مثل الزؤان والشبكة (13: 48) والمدعوين إلى وليمة العرس (22: 10)، فلم يتكلّم عن
أخيار وأشرار، ولم يقل إن هؤلاء سيُرذلون في الدينونة والإقامة النهائية لملكوت
الله.
إنّ مثل حبّة الخردل لا يمدّ نظرته فيصل بنا إلى الدينونة. ففي نظر متّى، ينتمي
الزرع ونموّ حبّة الخردل إلى الماضي. وقد وصلنا الآن إلى الوقت الذي فيه صارت
النبتة شجرة يأتي طير السماء ويستظلّ في أغصانها. لا شكّ في الإنجيلي يفكّر في
التوسّع الذي عرفته الكنيسة يوم دوّن إنجيله.
4- خاتمة
كان الهدف الأول لمثل حبّة الخردل أن يفهم سامعي يسوع الأهمية الحاسمة للزمان الذي
فيه يعيشون: فرسالة يسوع، رغم ظاهرها البسيط، تكوّن المرحلة الأولى للتدخل
الاسكاتولوجي الذي به يقيم الله ملكه على الأرض. وبحث الإنجيليون في المثل عن تعليم
للزمن الذي يعيشون فيه، لزمن الكنيسة. وهكذا تحوّلت النظرة. فالزرع الذي حمله يسوع
إلى العالم، لم يعد صغيراً كما كان في البداية. بل توسّع فما وقف بوجهه عائق، وصار
نبتة كبيرة، صار شجرة يقدّم ظلّ الخلاص للذين يطلبون تحته مأوى. ونكتشف في وضعين
مختلفين في هذا المثل أمثولة ثقة وطمأنينة: إن رسالة يسوع قد بدأت المرحلة النهائية
في تاريخ الخلاص، ولا شيء يمكنه بعد اليوم أن يوقف نموّ العمل الذي بدأت به.
ب- مثل الخمير في العجين
بعد هذه الدراسة عن مثل حبّة الخردل، نزيد بضع ملاحظات حول مثل ارتبط به ارتباطاً
وثيقاً في التقليد الأنجيلي. هو مثل الخمير في العجين. نجد هنا ذات الأسئلة حول
النقد الأدبي وحوله التفسير. وهكذا نكتفي بأن نذكّر بمناسبة الحديث عن مثل الخمير،
ما قلناه عن مثل حبّة الخردل.
1- النقد الأدبي
مت 13: 33 لو 13: 21- 22
وقال لهم وقال أيضاً
مثلاً آخر بمَ أشبّه
ملكوت السماوات ملكوت الله
يشبه خميراً يشبه خميراً
أخذته إمرأة أخذته إمرأة
وخبّأته وخبّأته
في ثلاثة أكيال من الدقيق في ثلاثة أكيال من الدقيق
حتى اختمر الجميع. حتى اختمر الجميع.
نصّان متشابهان تقريباً. ألغى متّى السؤال الأول (بمَ أشبّه ملكوت الله؟). واستعمل
فعلاً مزيداً في "خبأ".
هذان المثلاًن ألّفا زوجاً. إنهما يقدّمان صورتين متكاملتين لتعليم واحد. وهذا نهج
تربوي اكتشفناه مراراً عند يسوع.
دلّت المقابلة مع مرقس أن نسخة مثل حبّة الخردل التي استعادها لوقا واستعملها متّى
قد اختُصِرَت. صارت ثانوية عند متى لأنها لا تذكر التعارض. نحن لا نفهم لماذا اختار
يسوع حبّة الخردل إلا إذا انطلقنا من مرقس: إختار يسوع قصداً أصغر جميع البذور الذي
يعطي أيضاً أكبر البقول.
إن مثل الخمير في وضعه الحالي لا يقدّم تعارضاً، شأنه شأن مثل حبّة الخردل في لوقا.
فنتساءل: هل تمّ فيه التحوّل عينه الذي حصل لمثل حبّة الخردل؟ إذا عدنا إلى الطحين،
يحدّد الخبرُ أننا أمام ثلاثة أكيال من الدقيق: وهذا يعني أننا أمام كمّية كبيرة
جداً (40 ليتراً تقريباً). فالتعارض يفترض أنّ كمية قليلة من الخمير تكفي لكي تخمّر
كل هذه الكمّية. الفكرة هي هنا ولكنها متخفّية. فلا بدّ من توضيحها. وهكذا برز
القول المأثور: "قليل من الخمير يخمّر العجنة كلها" (1 كور 5: 6؛ غل 5: 9). وينتهي
المثل بلفظة "كل" (اختمر كله) التي كانت واضحة لو قيل في البداية "بعض" الخمير. حين
نفترض "البعض" نربط مثل الخمير بمثل حبّة الخردل كما بدت في إنجيل مرقس.
وهكذا نعتبر أنّ مثل الخمير، شأنه شأن مثل حبّة الخردل، أبرز رباطاً بين "صغر"
الخمير وكميّة العجين الذي اختمر "كله".
2- الهدف الأول للمثل
كيف تطبّق المثل؟ هنا نتساءل: ما الذي يقابل عنصري العلاقة اللذين يبرزهما الخبر
الامثالي؟
أولاً: أكيال الدقيق
إن الثلاثة أكيال من الدقيق تمثّل كمية كبيرة جداً. نجد مثالاً على ذلك في تك 18.
إذ أراد إبراهيم أن يستقبل ضيوفه السماويين الثلاثة الذين استضافهم، فال لسارة أن
تعجن ثلاثة أكيال من الدقيق (آ 6). وقدّم جدعون لملاك الرب خبزاً بدون خمير. قدّم
له "ايفة" أي ثلاثة أكيال من دقيق (قض 6: 19). وهي الكمية عينها التي قدّمتها حنّة
حين جاءت إلى معبد شيلو لتكرّس ابنها صموئيل للرب (1 صم 1: 24). هذا لا يعني أنّ
هذه الكمية هي أمرٌ عادي. فهى ليست عادية أكثر من "مئة ضعف" حصدها اسحق فيٍ تلك
السنة (تك 26: 12؛ رج مر 4: 8 وز). فالرقم الذي أمامنا ليس رقما نجده كل يوم. إنه
رقم بيبلي يدلّ على واقع اسكاتولوجي. فاني سياق كرازة يسوع، نتطلّع بشكل طبيعي إلى
ملء ملكوت الله في حالته النهائية.
ثانياً: كمّية الخمير
إنّ كمّية الخمير القليلة تكاد لا تُحسب بالنسبة إلى كمّية الطحين الكبيرة. إنها
تدلّ على رسالة يسوع التي تبدو شيئاً بسيطاً بالنسبة إلى التحرّك الذي يدلّ عليه
مجيء ملكوت الله. فرغم هذه المظاهر المخيّبة للآمال، فالرسالة التي أوكل بها الله
يسوع تمثّل بداية تدخّل الله الذي يصل بنا لا محالة إلى تحوّل تامّ في العالم
الحاضر، إلى تجديد كامل يفترض عبوراً من العالم الحالي إلى العالم المقبل. وإذ أراد
الله أن يقيم ملكه على الأرض، فعل ما فعلته ربّة البيت هذه: أخفت في العجين كمّية
قليلة من الخمير. ومن حدث بسيط مثّلته رسالة يسوع على الأرض خرج ملكوت الله في كل
مجده. وهذا يدلّ على أنّ سامعي يسوع يجب أن يهتموا اهتماماً كبيراً بما يجري أمام
عيونهم، بالتعليم الذي يدوّي في آذانهم. أجل، ملكوت الله هو هنا. فلا بدّ من اتخاذ
القرار.
3- هدف الإنجيليين
إن صغر نقطة الإنطلاق لا تهم كرازة المسيحية. فهي تنظر بالأحرى مرتاحة إلى الوضع
الحالي: إنتشر التعليم الإنجيلي انتشاراً عجيباً في العالم فدلّ على قدرة الخمير
الذي أدخله فيه يسوع. هي قوّة فاعلة، ولا يقف شيء في وجهها. ونحن نستطيع منذ الآن
أن نتأمّل في نتائجها. إنّ إعادة تفسير المثل بالنظر إلى انتشار الكنيسة يعطينا
درساً يتأسّس على الثقة بالماضى، على اليقين أن يسوع حمل إلى العالم واقعاً لا بدّ
أن يحوّله. يبقى الأساس الذي أعطاه المثل الأوّلاني إلى هذه الثقة، فوجّه الإنتباه
نحو المستقبل، نحو الظهور المجيد لملكوت الله، نحو ظهور يجد كفالته في حضور هذا
الملكوت الذي يفعل الآن وإن كان بطريقة سرية وخفية.
المحطة الثانية
13: 22- 17: 10
"وكان يجتاز في المُدن والقُرى، وَهوَ يعلِّم، قاصِداً في طريقه إلى أورشيم." (13:
22)
نجد في المحطة الثانية الفصول التالية:
1- الباب الضيق، 13: 22- 30
2- رياء الفريسيين ومخطّط الله، 13: 13- 33
3- يا أورشليم، يا أورشليم، 13: 34- 35
4- شفاء يوم السبت، 14: 1- 6
5- أقوال حول المائدة، 14: 7- 14
6- المدعوّون إلى الوليمة، 14: 15- 24
7- متطلّبات الحالة المسيحية، 14: 25- 35
8- إفرحوا معي، 15: 1- 32
9- الخروف الضائع والدرهم المفقود، 15: 1- 10
10- الإبن الشاطر، 15: 11- 32
11- مثل الوكيل الخائن، 16: 1- 13
12- الشريعة والملكوت، 16: 14- 18
13- مثل الغني ولعازر، 16: 19- 31
14- المعثرة والاصلاح الأخوي، 17: 1- 4
15- إيمان الرسل، فاعلية ومجانية، 17: 5- 10
الفصل السابق والعشرون
الباب الضيّق
13: 22- 35
نودّ الآن أن نتأمّل في مثل الباب الضيّق، ونحن نعتبره وحدةً عُضويّةً متميّزة عن
غيرها. هذا يعني أننا نتطرّق إلى مسائل نقديّة وأدبيّة قبل أن نقوم بتفسير هذه
المقطوعة.
أ- الوُجهة الأدبيّة والنقديّة.
1- القرائن
يقع مثلُ الباب المغلق في القسم المركزِّي من إنجيل لوقا، في سياق سَفرة يسوع
الطويلة إلى أورشليم (9: 51، 18: 14). وقد جَمع فيه الكاتب بطريقة مصطنعة عدداً من
المعاومات خاصًّا به. هذا يعني أنه لا يملك إطاراً محدّداً لهذه المعلومات التي
تشكّل "إنجيل التلاميذ".
إن خبر السفر الطويل الذي يقود يسوع من الجليل إلى أورشليم، قد بُني حسب رَسمة
تأليفيّة وضعها لوقا نفسُه. فكما أنّ 9: 51، 57؛ 10: 1، 38؛ 14: 25؛ 17: 11 تشكّل
وصلات وضعها لوقا، هكذا نقول عن 13: 22 التي تساعد هي أيضاً على تركيب خبر السفر
بصورة متتابعة.
والنداء الذي يوجَّه إلى أورشليم "يا أورشليم كم مرّةٍ أردت أن أجمع بينك"، يشكّل
مفصلة خبر السفر كلّه. ترافقه مجموعتان من الأمثال (13: 18- 30 و 14: 7- 24)
وشفاءان تمّا يوم السبت (13: 15 و14: 5). والمقطوعة التي ندرس تنتمي إلى مجموعة
الأمثال الأولى.
ويكفي أن نتطلّع إلى المقاطع المتوازية في متّى لنلاحظ الطابع التأليفيّ لهذا
المقطع الذي يشكّل فُسَيفساء من النصوص:
آ 24- مت 7: 13- 14 في خُطبة الجبل.
آ 25- مت 25: 10- 12 وخاتمة مثل العذارى العَشْر.
آ 26- 27- مت 7: 22- 23 في خطبة الجبل أيضاً.
آ 28- 29- مت 8: 11- 12 الذي يشكّل جزءاً من خبر شفاء خادم ضابط كفرناحوم.
آ 30- قول مأثور قد يتبدّل بتبدّل الظروف (مت 19: 30؛ 20: 16؛ مر 10: 30).
2- مثل الباب الضيّق
نحن لا نَدهَش إن اعتبر الشرحُ القديم هذا المقطع تجميعاً قام به لوقا، فنسب وحدته
إلى تأليف الإنجيل الثالث. ولكن يبدو أنّ لوقا لم يضُمَّ هذه النُتَف المتفرّقة، بل
وجدها قبله وأوردها كما اكتشفها.
يقول الشُرّاح اليوم إن المسيحيّين الأوّلين كيّفوا وفسّروا ونسّقوا أمثال يسوع حسب
الحاجات الملموسة في جماعاتهم، وهكذا تكوّن مثَل الباب الضيّق من التنسيق بين صُوَر
مختلفة. لقد وُلد مثل جديد كنتيجة الكرازة والصلاة والتعليم والعبادة في الجماعات
المسيحيّة الأولى: تألّف كلُّه من أقوال يسوع، ولكن يسوع لم يقله كلَّه كما نقرأه
والآن.
أن يكون لوقا وجد عناصره المختلفة ممزوجةً في وحدة عُضويّة، فهذا لم يمنعه من
القيام ببعض التصحيحات: فعبقريّة لوقا الأدبيّة لا تنفصل عن أمانته الدقيقة للنصوص.
مثلاً، إن عبارة "لا أعرف من أين أنتم" في آ 25 (رج آ 27؛ مت 7: 23) تدلّ على تدخّل
الكاتب. ففعل "عرف" لا يمتلك عند لوقا غنى المعنى الذي نجده في الأدب الساميّ. قد
يكون لوقا أوجز النص فأغفل مثلاً "يا رب، يا رب" كما نجد في مت 7: 12.
غير أن هذه التصحيحات التدوينيّة التي قام بها لوقا ظلّت ثانويّة في هذا المقطع،
وقد حسبها الشُرّاح في الماضي مهمَّةً فاعتبروا أن لوقا ألَّف السؤال في آ 23
منطلقاً من مت 7: 14. ولكن يبدو أنه أخذ من التقليد السابق هذا السؤال كمقدّمة آ
25، كما أخذ عبارة ذلك المجهول الذي طلب من يسوع أن يتدخل في خلاف على ميراث (12:
13). ويعتبر بولتمان ان آ 25 هي عبارة انتقاليّة تدوينيّة. فنحن نستطيع بصعوبة أن
ننسب إلى لوقا أسلوباً قديماً يستند إلى الكلمة العاكفة (هنا، كلمة تورا، الباب،
التي تربط آ 24 وآ 25). ولهذا يبدو من المعقول أن الإنجيلىّ وجد هذا القول فتركه في
مكانه. ويعتبر لوازي بدوره أن آ 28- 29 (رَذْلُ اليهود الذين لم يؤمنوا ونداء
الوثنئين) حُفظتا بطريقة أفضل في مت 8: 11- 12، أي في خبر شفاء خادم الضابط في
كفرناحوم. ففي نظره، قد حوَّر صاحب الإنجيل الثالث هاتين الآيتين وبدّل مكانهما
بأمانة انزعج منها. ولكننا نظنّ أنّ لوقا احتفظ لهما بالموضع الذي كان لهما في
التقليد السابق. فبما أنه يعرف ويروي حدث ضابط كفرناحوم (7: 1- 10)، فهو لم يأخذ
منه هذا القول. فلو أغفله، لما كان منطقيّاً مع نفسه، ولا سيما وإن النصّ يتكلّم
بوضوح عن دعوة الوثنيّين الذين حلوا محلّ اليهود في تدبير الخلاص، وهذا موضوع عزيز
على قلب صاحب الإنجيل الثالث. أخيراً، إن ربط آ 30 أي خاتمة مثل الباب الضيّق، بنص
آ 28- 29 يأتي في محلّه ويعود أيضاً إلى الوثائق التي استقى منها لوقا. فهذا القول
يقدّم الخاتمة التي تتطلّبها مقطوعة تلتحم فيها كل العناصر إلتحاماً وثيقاً.
3- خاتمة
يشكّل مثل الباب الضيّق (13: 22- 30) وضعاً غريباً من أوضاع انتقال الموادّ
الإنجيليّة في الجماعات المسيحيّة الأولى. نحن هنا أمام مثل جديد مبنيّ من عذة
أقوال تلفّظ بها المسيح في ظروف مختلفة، فجاءت معزولة بعضُها عن بعض عند متّى. نظنّ
أن لوقا استقى هذا المثل الجديد في وثائقه مكتفياً ببعض التصحيحات الجانبيّة.
لهذا لن نفسّر سلسلة من المقاطع المنفصلة، بل شرحاً إجماليّاً لمَثل يشكّل وحدة
جديدة خرجت من عناصر كانت في الأصل مشتّتة.
ب- التفسير
1- سؤال مألوف (آ 22- 23)
"وسار في المدن والقرى، يعلّم وهو في طريقه إلى أورشليم". في هذه الآية الانتقالتة،
يذكّرنا لوقا بخبر السفر (رج 9: 51، 57؛ 10: 1، 38) الذي يشرف على القسم المركزيّ
من إنجيله، وستبدو أورشليم في الأفق في المقطوعة اللاحقة. إذن، لسنا أمام سفر خاصّ
قام به يسوع نحو قلب الديانة اليهوديّة، قبل الفصح الأخير ببضعة أشهر وبمناسبة عيد
التدشين (يو 10: 22 ي). فالتعليم والسير في الطريق هما أمران عبّر عنهما كلّ
إنجيليّ بطريقته وحسبَ المناسبات (رج مثلاً عن تعليم يسوع في القرى، مت 9: 35؛ مر
6: 6).
"فقال له رجل (واحد): أقليل عدد الذين يخلصون" (آ 23)؟ نحن لا نعرف ذاك الذي طرح
السؤال كما لا نعرف نواياه. ولكن كلماته تدلّ على احترامه لهذا المعلم الذي هو
يسوع. مِثلُ هذا السؤال طُرح مراراً في ذلك الوقت أمام الإهتمامات اللاهوتيّة
الراهنة: هل يكون هناك عدد كبير من المختارين؟ لقد ناقش مِثلَ هذا السؤال حلقاتُ
الرابّانيّين وعلماء الشريعة (عز 7: 47، 51- 52؛ 8: 1- 3، 4؛ 9: 16). قد يكون هذا
الرجل فكّر في معاصريه اليهود الذي لا يقبلون القول بأنّ الوثنيّين يشاركون في
الحياة الأبديّة.
2- الباب الضيق صار الباب المقفل (آ 24- 25)
"أجاب يسوع: اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق. أقول لكم: كثير من الناس سيحاولون
أن يدخلوا فلا يقدرون".
لم يصل إلى المتكلّم جوابٌ مباشر. فالسؤال النظريّ حول عدد المختارين الكثير أو
القليل لا يعني كثيراً سلوكنا في الحياة. ولهذا يرفض يسوع أن يعطي جواباً على
المستوى النظريّ. إنه يرفض أن يسير على خُطى المعلّمين العاديّين الذين يقدّمون
افتراضات حول أسرار علم الله السابق. طُرح سؤالا فضوليّ في عالم الديانة، فقدّم
يسوع تجاهه إعلانَ واجب عملي. فما يَهمّه هو أن نعرف ما يجب عمله لنكون بين
المختارين. "إجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق": يجب أن نقوم بمجهود. إن الفعل
اليونانيّ "أغونيزاستي" يذكّرنا بالألفاظ البولسيّة (1 كور 9: 25؛ كو 1: 29؛ 4: 12؛
1 تم 4: 10؛ 6: 12؛ 2 تم 4: 7) ويتضمّن فكرة الحرب والقتال.
وحسب صورة مألوفة لدى اليهود في أيّام يسوع، تُشبَّه السعادة الأبدية، ومِنطقة
الآخرة السريّة التي فيها سيعيش الأبرار بعد موتهم، تشبّه بغرفة تقام فيها وليمة.
باب الدخول ضيّق. ونستطيع أن نتذكّر خرم الإبرة (18: 25؛ مت 19: 24؛ مر 10: 24).
تشدّد الصورتان على المجهود (على الصراع) اللازم للدخول. لا مجال للتأخير. لا مجال
للتردّد. فالبابُ الضيّق في آ 24 سيصبح في آ 25 الباب المغلق.
"وإذا قم ربّ البيت وأغلق الباب، فوقفتم أنتم في الخارج تدقّون الباب وتقولون: يا
ربّ، يا ربّ إفتح لنا". وينساب الفكر من آ 24 إلى آ 25. فالمقابلة مع مت 25: 10- 12
تدلّ على أنّ رب البيت يمثّل هنا المسيح عينَه، وأننا أمام الوليمة المسيحانيّة.
منذ الآن، الذين ظلّوا خارجاً، الذين تأخّروا، يمثّلون اليهود الذين سنتحدّث عنهم
في الآيات اللاحقة، الذين لم يقبلوا المسيح، لم يستفيدوا من الظَرف المُعطى لهم
ليدخلوا إلى الملكوت، إلى قاعة العرس. سيدقّون الباب، سينادون بإلحاح ربَّ البيت
لكي يسمح لهم بالدخول: "يا ربّ، افتح لنا". ولكن من دون جدوى. سيجيبهم ربّ البيت:
"لا أعرف من أين أنتم". فمن جهل أصل شخص دلّ على أنه لم يعرفه.
3- الضيق الذي يحسّ به المتأخرون (آ 26- 27)
"عندئذ تقولون". إن الذين في الخارج يوردون الألقاب التي تتيح لهم في ظنهم أن
يدخلوا إلى قاعة العرس. فالمطالبون أو اليهود هم مواطنو ربّ البيت وألفاؤه: "أكلنا
وشربنا أمامك" (معك). هذا يدلّ على الدالّة والحياة الحميمة التي يتضمّنها طعام
مشترك. قد يكونون ظنّوا مثل رابي مئير: "من يُحسَب ابن العالم الآتي؟ ذلك الذي يسكن
في أرض إسرائيل، يتكلّم اللغة المقدّسة، يتلو صباحاً ومساء صلاة شماع" (أي اسمع يا
إسرائيل). ثم إن رب البيت، يسوع، قد علّم في شوارعهم (ساحاتهم). في مت 7: 23،
يتوجّه السيّد إلى مسيحيّين غير مستحقّين، إلى أعضاء الجماعة الروحيّة التي ينتمي
إليها. وهكذا يسير كل شيء في المجال الأدبيّ والأخلاقيّ. أمّا عند لوقا، فالمعارضون
هم يهود، وعلاقاتهم مع السيّد هي علاقات اللحم والدم (رج 2 كور 5: 16).
ولكن هذا الواقع المحدّد يزيد خطورة مسؤوليّة اليهود ورؤسائهم. فماذا ينفع أن
يكونوا عرفوا يسوع بصورة حميمة، أن يكونوا سمعوا عرض تعليمه إذا لم يمارسوا هذا
التعليم. فإذا أرادوا أن يكونوا تلاميذه، لا يكفي أن يكونوا قد سمعوا المعلّم. يجب
أن تطابق حياتُهم تعليمَه، أن يقبلوا بالمسيح في أعمالهم وتصرّفاتهم. ولهذا يصبح
سيّد هذا المثل الديانَ الذي يعلن الحكم النهائيّ بالنبذ والرَذْل، على مثال ما
نقرأ في مز 6: 9: "لا أعرف من أين أنتم. أُبعدوا عنّي يا كل فاعلي الإثم" (رج 12:
8، 9).
4- رذلُ اليهود اللامؤمنين ودعوة الوثنيّين (آ 28- 29)
أمام باب القصر "هناك يكون البكاء وصريف الأسنان". إنّ يأس المتأخرين الذين جعلهم
حُكم الطرد من المنبوذين الهالكين، تصوّره عبارة مقولبة نجدها عند أخنوخ وهي ترتبط
عادةً بالإسكاتولوجيا النهائيّة (لا يستعملها لوقا إلاّ في هذا المكان، رج مت 8:
12؛ 13: 42، 50؛ 22: 13؛ 24: 51؛ 25: 30). ففي هذا المشهد الإحتفاليّ، يتّخذ الاسم
اليونانيّ "بروغموس" كلّ قمّته التصويريّة: صرف بأسنانه من الغضب أو صرَّ بأسنانه
من الرعب. وحالة "الهالكين" هي أهلٌ للرثاء بحيث يقابلون وضعهم الميؤوس منه بالمصير
السعيد المحفوظ لآبائهم، قدّيسي الأمّة: "حين ترون إبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء
كلّهم في ملكوت الله، وأنتم في الخارج مطرودون".
وهناك شعور آخر مُذِّل وثقيل يُحسّ به الذين يجدون نفوسهم أمام الباب فلا يقدرون أن
يشاركوا في الوليمة: ينظرون إلى داخل القصر هؤلاء الجالسين إلى المائدة في ملكوت
الله: أناسٌ جاؤوا من أقطار الكون الأربعة، "من المشرف والمغرب، من الشمال
والجنوب". ويُطرَح السؤال طبعاً: من هم هؤلاءِ الناس؟ ليسوا فقط يهودَ الشَتات
الذين سيشاركون في ملكوت الله (أش 43: 1 ي). يدلّ هذا الكلام أوّلَ ما يدلّ على
الوثنيّين كما في النصّ الموازي (مت 8: 11- 12) في شفاء خادم ضابط كفرناحوم.
وهكذا تنقلب الأمور. ما ترجّاه اليهود واستشفّه إسرائيل من أنه سيسبق العالم
الوثنيّ في معرفة الله وخدمته، لأن "الخلاص يأتي من اليهود" (يو 4: 22) لم يتمّ.
دُعي إسرائيل إلى معرفة الله الحقيقي وفُضِّل على سائر الشعوب: "علَّمت في ساحاتنا"
(آ 26). كان إسرائيل موضوع المواعيد المسيحيّة، بل موضوع تتميمها أيضاً في شخص
المسيح. وإن حياة المسيح (الماسيا) كلّها تبقى شهادة ساطعة لمحبّة الله الخاصّة
تجاه هذا الشعب: "أكلنا وشربنا تحت نظرك" (معك) (آ 26). ورغم هذا الإهتمام الإلهيّ
الذي لم ينقطع، ورغم حضور المسيح الملموس في وسطه، لن يخلص كل إسرائيل: أمّا
الوثنيّون فسوف يُقبلون في ملكوت الله.
5- يصير الأؤلون آخرين والآخرون أوّلين (آ 30)
هذا القول المألوف، هذا المثل الذي لا نعرف رباطه الأولانيّ بالتقليد، يشكّل
الخاتمة التي يتطلّبها مثلُ الباب الضيّق.
نحن نشهد هنا إنقلاباً حقيقيًّا في الأولويّات والتصدّرات. يقابل يسوع مُجملَ
اليهود، خصوصاً منذ مجيئه، بمجمل الوثنيّين. وحين يتأمّل في هاتين المجموعتين، يعلن
أنه سيكون وثنيّون (آخرون) سيَخْلصون قبل اليهود (الأوّلون). وفي أعمال الرسل (13:
46- 48؛ 28: 25- 28) سيُبرز القديس بولس التعليم عينه: إن مجمل الأمم الوثنيّة
ستسبق مجموعة شعب إسرائيل في ملكوت الله.
غير أن الفئات ليست واضحة بصورة مُطْلقة في قول الإنجيل. فلا نستطيع أن نقرأ القول
بصورة حرفيّة ونطبّقه بدون تمييز على كل الأشخاص، كما لو أن كل الذين تلقّوا أوّلاً
نداء الله سيحتلّون المقعد في الملكوت. نلاحظ أوّلاً غياب أل التعريف: أوّلون
يصيرون آخرين؛ آخرون يصيرون أوّلين. وأنتم، أي اليهود المتأخرون الذين ظلّوا أمام
الباب المغلق، سترون إبراهيم وإسحق ويعقوب، أي نخبة الأمّة اليهوديّة، في ملكوت
الله (آ 28).
من الواضح أننا هنا في عالم الإسكاتولوجيا، في عالم الآخرة: ففي الدينونة الأخيرة
يُرذَل الذين رفضوا التوبة مهما كان أصلهم، ويُقبَل في ملكوت الله أناسٌ جديرون
بالآباء والأنبياء.
وبعد أن نأخذ بالمعنى الإسكاتولوجيّ نعيد مثلَ الباب الضيّق إلى إطاره الحقيقيّ،
إطار الأزمنة المسيحانيّة وملكوت الله الذي حمله المسيح وبشّر به اليهود الذين
وجدوا نفوسهم خارجاً لعدم إيمانهم. أمّا الوثنيّون فدخلوا إليه من كل جهات الأرض.
إن مجيء المسيح يُحدث إنقلاباً بأمكنة الصدارة في تدبير الخلاص. لن نتكلّم بصورة
مطلقة ولكننا نقول: هناك آخرون (وثنيّون) سيكونون أوّلين. وهناك أوّلون (يهود)
سيكونون آخِرين.
ج- خاتمة
إن مثل الباب الضيّق كما نقرأه في إنجيل لوقا يَلفت انتباهنا بصورة خاصّة. دلّت
إشارات عديدة على أن الكنيسة المسيحيّة الأولى مالت إلى توسيع تفسير الأمثال
الخاصّة باليهود. أمّا هنا فالعكس هو الظاهر. ومهما يكن من أمر، فهذا المثل يبيّن
أن الانشداد ظلّ واقعياً بين اليهود والوثنيّين في الكنائس المسيحيّة الأولى. وهكذا
نكتشف وجهة خاصّة من الحياة المسيحيّة في القرن الأوّل.
لا حاجة إلى القلق من مسألة نظريّة لا تصِل بنا إلى الحياة العمليّة. لا حاجةَ
للتساؤل عن قِلّة أو كثرة عدد المختارين. فعلى اليهود بالأحرى أن يسعوا ليكونوا من
المختارين. فالحرب والجهاد، وهو جهادٌ مُلحٌّ لا ينتظر أيّ تأخير، يُفرضان علينا.
فخلاص أبناء إبراهيم ليس مؤكّداً بصورة مسبّقة كما ظنّت حلقاتُ الرابّانيّين في زمن
يسوع. فالقَبول "العلميّ" للمسيح، والأمانة الدقيقة لتعليمه، وإيمان يترجَم عملاً
في الحياة، كل هذا يرسم الطريق الاكيدة وإن قاسية وهي تقود جميع الناس إلى الخلاص.
إن المصير المأساويّ لليهود المطرودين من قاعة الوليمة، يشكّل تنبيهاً جدِّياً
لجميع البشر في كل الأزمنة. فلنخَفْ من أن يصبح الباب الضيّق باباً مقفلاً بوجهنا.
ففي أيّامنا هذه، لم يزل المسيح يدعونا وينادينا ويطلب منّا أن نتخذ موقفاً. بيننا
أيضاً "آخرون سيكونون أؤلين، وأوّلون سيكونون آخِرين". ونحن المسيحيّين القريبين من
المسيح، أكلنا وشربنا معك، علّمت في ساحاتنا، فيبقى مثَلُ الباب الضيّق نداء
مؤثّراً لكي نختار المسيح، لكي نضع تعليمه موضع العمل في حياتنا، لكي نجعل سلوكنا
يوافق أقواله. بالنسبة إلينا، لا وقت نضيعه، وكل تأخر يُهدِّد مصيرنا الأبديّ.
"إجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيّق. أقول لكم: كثير من الناس سيحاولون أن يدخلوا
فلا يقدرون".
الفصل الثامن والعشرون
رياء الفريسيين ومخطّط الله
13: 31- 33
أ- سياق 13: 31- 33
1- نفصل هذا النصّ عن سابقه (13: 23- 29) وعن لاحقه (13: 34- 35) اللذين ينتميان
إلى التقليد المشترك. ولكن لوقا جعله في وحدة أدبية واسعة.
من جهة التدوين، لا يُعزل التحذير من هيرودس (13: 31- 33) عن مناداة (تضيف) مدينة
أورشليم (13: 34- 35= مت 23: 37- 39). يدلّ على هذه الوحدة إشارة إلى الوقت (في تلك
الساعة) ووضعٌ جديد (وصول الفريسيين وتنبيههم). ونهاية الوحدة تحدّدها عبارة
المقدمة في 14: 1 (ودخل يوم السبت). إن تعنيف أورشليم الذي لا مقدّمة له، يعتبره
لوقا جزءاً من جواب يسوع الذي يبدأ في آ 32. إن كاتب الإنجيل يعتبر 13: 31- 35 وحدة
أدبية محدّدة.
2- إن 13: 22- 30 تؤلّف بدورها وحدة وقد سمّيت "مثلاً". وهناك إشارات أدبية تدلّ
على أن لوقا ربط المقطوعتين، الواحدة (13: 22- 30) بالأخرى (13: 31- 35). فالظرف
الزمني (في تلك الساعة) لا يرتبط بزمان مطلق، بل يعود إلى 13: 22- 30. إن 13: 22
ليس فقط مقدمة 13: 24- 30، بل مقدمة 13: 31- 35. نقرأ مرّتين موضوع السفر إلى
أورشليم (13: 22؛ 13: 33). وهكذا نكون في 23: 24- 35 أمام قسم واحد يبدو في شكل
تعاكسي. هناك الهجوم على اليهود وعلى أورشليم. والشر الذي به يُحكم على اليهود (13:
27) هو موت يسوع في عاصمتهم (13: 33- 34). إذن، 13: 31- 33 هو جزء في 13: 22- 35.
وبما أن 13: 22- 35 يشكّل أحد المفاتيح في خبر صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19:
28)، الذي فيه عبّر لوقا عن المدلول اللاهوتي لهذا الخبر، إذن، نحدّد موقع 13: 31-
33 وندرسه في هذا السياق الأوسع.
ب- التقليد والتدوين
هل نستطيع أن نكتشف ما يعود إلى التقليد وما هو حصيلة التدوين اللوقاوي؟
1- هناك إتفاق شبه عام بأن 13: 31- 33 يتضمّن تقليداً قديماً جدّاً يعود إلى حياة
يسوع. ففي جواب يسوع على تحذير الفريسيين، نجد صدى حقيقيًّا لواقع هو: أن يسوع خلال
حياته على الأرض قد أنبأ بموته، بمصيره المأساوي. واعتبر آخرون أن لو 13: 31- 33
احتفظ بالسبب التاريخي الذي لأجله ترك يسوع منطقة الجليل. وما يؤكّد هذا الرأي هو
الطريقة التي فيها يبدو الفريسيون في هذا النصّ. فموقفهم الطيّب تجاه يسوع (نبّهوه
إلى نوايا هيرودس القاتلة) لا يتوافق مع التقليد الإنجيلي الذي يصوّر الفريسيين
كأعداء يسوع المعاندين.
2- إذا كانت نواة الخبر أصيلة، إلاّ أن هناك أثاراً لأعمال تدوينية. قال ديباليوس:
كان في يد لوقا قول تقليدي (آ 32 ب- 33) فجعله في إطار إخباري (آ 31- 32 أ). لم
يهتمّ لوقا بالتدقيق التاريخي فأدخل الفريسيين الذين هم أعداء عاديون ليسوع (16:
14؛ 17: 20). وقدّم بولتمان تفسيرين. الأول: زادت الجماعة المسيحية آ 32 ب، فتكوّنت
القطعة الأولانية من آ 31- 32 أ. الثاني: كانت آ 33 قولاً منعزلاً فزادها لوقا على
آ 21- 32.
3- هناك تفسير آخر: إن آ 31- 33 هي تأليف تدويني.
ج- تفسير 13: 31- 33
تحيّر الشرّاح حول هذه الآيات الثلاث. ظنّ البعض أن جواب يسوع غامض وملغز وغير
مفهوم. إن آ 33 تبدو تكراراً للآية، بل هناك "تعارض" بين الآيتين. في آ 32، يبدو
يسوع وكأنه يريد أن يبقى "اليوم وغداً" لكي يكمّل رسالته. أما في آ 33 فيقول إنه
يريد أن ينطلق "اليوم وغداً". وهناك الإشارة الكرونولوجية حول اليوم الثالث. في آ
33 ارتبط اليوم الثالث بذهاب يسوع. وفي آ 32 أعلن يسوع: "أكون في النهاية". إذا كان
هذا الفعل يتضمّن تلميحاً إلى موت يسوع، نتساءل كيف أن ذهاب يسوع خارج منطقة هيرودس
يتوافق مع موته. لماذا كان فعل "تالايوماي" يعني أن يسوع يضع حداً لنشاط الشفاء في
اليوم الثالث، يبقى علينا أن نفهم كيف يستطيع يسوع أن يذهب إلى أبعد "اليوم وغداً".
نحن هنا أمام كلمة ملغزة لا تفهمها إلاّ مجموعة خاصة، لا سيما أولئك الذين تبعوا
يسوع (والقراء المسيحيون) لا الذين من الخارج (أي: الفريسيون).
ونعود إلى دراسة البنية. إن كلام يسوع (آ 32- 33) هو جواب حقيقي على تدخّل
الفريسيين. هذا يعني أننا لا نستطيع أن نفكر جواب يسوع إلاّ إنطلاقاً من جواب
الفريسيين. نلاحظ في كلام الفريسيين عنصرين إثنين. الأول (أ): نصيحة (إنطلق، إذهب).
الثاني في (ب): السبب (لأن هيرودس يريد قتلك). ويقابل جواب يسوع كل المقابلة هذا
الكلام. بدأ يسوع فأعلن رأيه حوله السبب (آ 32: ب ب) ثم أجاب على النصيحة (آ 33: أ
أ). في الشق الثاني من الجواب، توجّه يسوع مباشرة إلى الفريسيين. إذن، هناك موازاة
واعية بين تنبيه الفريسيين (آ 31) وجواب يسوع (آ 32- 33). بل هناك موازاة بين شقيّ
الجواب: نشاط يسوع العجائبي، أكمّل. الصعود إلى أورشليم. مقتل النبي. مثل هذه
البنية ستساعدنا على تفسير هذه المقطوعة.
د- تدخّل الفريسيين (13: 31)
لن نتوقّف عند الألفاظ التي تبدو لوقاويّة بمجملها فتدلّ على يد لوقا في هذه
المقطوعة، بل ننظر إلى البواعث المعروفة لنرى هل تتوافق مع النظرات الإجمالية في
الإنجيل الثالث.
1- موقف الفريسيين
تحدّث البعض عن نوايا الفريسيين الحسنة. ولكن هل هذا القول يوافق صورة الفريسيين
عند لوقا؟ بعد هذا، نفسّر آ 31 في خطّ هذه النظرة العامة.
إن لوقا يتكلّم دوماً عن الفريسيين بطريقة تقلّل من قدرهم. إنها يخطّئون يسوع،
يراقبونه، يحرّكون الجدال معه أو مع تلاميذه (في 5: 21، قالوا إنه يجدّف؛ في 5: 30
تذمّروا على يسوع وتلاميذه؛ رج 5: 33؛ 6: 2؛ 6: 7؛ 7: 30). وعندما يدعون يسوع إلى
بيتهم (هذه علامة احترام للوهلة الأولى)، فهم يستقبلونه ببرودة، ويراقبونه، ويحكمون
عليه بقساوة (7: 38: يحكم سمعان على موقف يسوع 70: 44- 46: لم يستقبله حسب قوانين
الضيافة؛ 11: 37: يتعجّب من سلوكه؛ 14: 1؛ 16: 14: أصدقاء الفضة).
إن هذه النظرة العامة تلقي الشك على تفسير 13: 31 بشكل يدلّ على نوايا الفريسيين
الحسنة. وهناك مقطع يلقي الضوء على المعنى الحقيقي لتدخل الفريسيين في آ 31. فإن
لوقا قدّم لنا حالاً بعد الخطبة ضد الفريسيين نصاً نراهم فيه بشكل غير مرضيّ (11:
53- 12: 1). في 12: 1 أعاد لوقا تفسير مر 8: 15 الذي تضمّن تحذيراً من خمير
الفريسيين وخمير هيرودس. قال لوقا (12: 1): إحذروا رياء الفريسيين. في الظاهر هم
ينبّهون يسوع إلى نوايا هيرودس القاتلة. في الواقع، هم يريدون أن يمنعوا يسوع من أن
يكمّل رسالته. هكذا فهم لوقا عبارة: إذهب، إنطلق. وهكذا فسّر يسوع (بحسب لوقا)
تدخّلهم: هناك طريقتان بهما نمنع يسوع من تكلمة رسالته: نحتفظ به، نسجنه في
مجموعتنا مثل أهل الناصرة (4: 23)، وسكان كفرناحوم (4: 42) وأمّه واخوته، (8: 19-
20). أو نرفض إستقباله مثل أهل الناصرة (4: 29) والسامريين (9: 53) ومدينة أورشليم
والفريسيين (19: 29- 39). لقد نسب الفريسيون برياء إلى يسوع نية سيّئة أرادوا أن
يستفيدوا منها ليبعدوه عن الجليل.
2- هيرودس
ظنّ بعض الشرّاح أن الفريسيين توافقوا مع هيرودس ضد يسوع عدوّهم المشترك. هكذا يبعد
التترارخس يسوع عن أرضه. ويجتذبه الفريسيون إلى اليهودية حيث يزيلونه. إستند هؤلاء
إلى مر 3: 6؛ 8: 15؛ 12: 13 حيث توافق الفريسيون والهيرودسيون على مقاتلة يسوع.
ولكن لوقا لا يستعيد موضوع المشاركة بين الإثنين. وفي 12: 1 يتحدّث فقط عن
الفريسيين (يختلف عن مر 8: 15، لا يذكر هيرودس).
ثم إن موقف لوقا من هيرودس لا يتميّز بعداء ضد يسوع بحيث يحاول قتله. فما نجده عند
هيرودس هو عاطفة فضول تجاه هذا المجترح المعجزات الذي هو يسوع. إنه يرغب أن يرى
معجزة (9: 9؛ 23: 8). والتقى الرجلان ورفض يسوع أن يلبّي رغبة هيرودس. بل هو ظلّ
صامتاً. فاكتفى التترارخس بالهزء منه وإرساله إلى بيلاطس (23: 8- 12: برهان آخر على
براءة يسوع).
لا ينسب لوقا إلى هيرودس نية حقيقية تدل على أنه يريد قتل يسوع، بل هو يرى إختراعاً
خبيثاً من قبل الفريسيين ليُخفوا أهدافهم الحقيقية.
كيف نفهم تسمية "الثعلب" الموجّهة إلى هيرودس؟ في المعنى الرمزي: شخص محتال، شخص
هدّام. ولكن هناك تفسيراً لدى الرابانيين: شخص لا قدر له ولا قيمة، يعارَض مع الأسد
الذي هو صورة عن الرجل القدير. وهناك شخص متقلّب يبدّل آراءه ومواقفه (مثل الثعلب).
هو ضعيف وغير جدير بالثقة. وهكذا يعني النص: لن يخاف يسوع من هيرودس الذي لا يستطيع
بشبه القدرة التي يملك أن يؤثّر على رسالة يسوع الإلهية.
3- تأثير مر 6
- إن جواب يسوع (آ 32) تذكّر مر 6: 13 (أخرجوا شياطين كثيرين).
- هناك تشابه في المضمون والشكل الأدبي بين آ 33 ب ومر 6: 4.
- نرى في آ 22 والمقدمة التدوينية للقسم آ 22- 35 تدلاّن على تشابه لافت على مستوى
المضمون والبنية الأدبية لنصّ 9: 6 الذي يعود إلى مر 6: 6 ب، 12- 13 ولو 11: 1 (نجد
فعل ذهب وحده).
- وهناك مقابلة أخرى. في مر 6: 10- 11= لو 9: 4- 5، يعطي يسوع لتلاميذه نصائح حول
الموقف الذي يتّخذونه تجاه الذين يقبلونهم أو يرفضونهم، الذي يجعلون عملهم ممكناً
أو مستحيلاً، عليهم أن يمكثوا أو ينطلقوا. إن تأثير هذا الموضوع على نص لوقا واضح،
فإن إنجيله يتضمّن مقاطع نرى فيها الناس يمنعون يسوع من أن يكمّل رسالته أو لا
يستقبلونه. وفي كل مرّة يعمل يسوع بالنصيحة التي أعطاها في 9: 4- 5: عليه أن يذهب
ليكرز ويشفي (4: 42- 43). وهذا ما نجده في آ 31- 33. أراد الفريسيون أن يمنعوه من
أن يكمّل رسالته (آ 31). فأجابهم بأنه يرغب في تتميم رسالته (آ 32) التي تتحقّق
جزئياً حين يتابع مسيرته إلى أورشليم.
إن حضور الفريسيين والإشارة إلى موقفهم في نصّ يدخل فيه لوقا نهاية الخطبة ضدّ
الفريسيّين، يبدوان أمراً. والملاحظات السابقة قد دلّت أن لوقا دوّن آ 31 ليعطي
إطاراً لأقوال يسوع في آ 32- 33.
هـ- جواب يسوع (13: 32- 33)
1- ها أنا أطرد الشياطين (آ 32)
يبدأ جواب يسوع بفعلين في صيغة الأمر. ثم هاءنذا. بعد هذا يعدّد يسوع نشاطه
العجائبي. أطرد الشياطين وأجري الأشفية. و"في اليوم الثالث أقاد إلى النهاية". كيف
نفسّر هذه العبارة الأخيرة؟ هناك إتجاهان: إما أن نرى فيها نهاية نشاطات يسوع في
الجليل. وفي اليوم الثالث، أكون في نهاية الأشفية وطرد الشياطين. هذا تفسير حرفي
وبسيط. غير أنه يستند إلى المعنى الاشتقاقي للفعل وإلى السياق السابق. وإما أن
نعتبر أن العبارة تتضمّن مدلولاً أعمق: إنها تشير إلى نهاية رسالة يسوع على الأرض:
موته، قيامته وتمجيده (هذه المراحل الثلاث معاً). قد يكون لوقا اختار عبارة تحمل
معنيين أو أكثر. حسب لوقا، إن الفريسيّين يرون في هذه العبارة تأكيداً بأن يسوع لا
يضع حداً لنشاطاته إلاّ بعد فترة من الزمن. ولكن يبدو لنا أكيداً أن لوقا وضع في فم
يسوع (بالنسبة إلى قرّائه المسيحيين) عبارة ذات رنّة مسيحية. وهكذا نستطيع أن
نتكلّم عن إنباء بأحداث تنهي حياة يسوع على الأرض.
إستعمل لوقا هنا صيغة المجهول. فدلّ على أن فعل الفاعل هو الله الذي يضع حداً لنشاط
يسوع. فهو الذي يحدّد متى وكيف تتمّ رسالة يسوع. والسياق يثبت هذا المعنى: فالمعنى
الإجمالي في آ 32 هو أن يسوع يؤكّد رسالته الإلهية ضدّ رغبات هيرودس. ثم يأتي
التعبير عن ضرورة ترتبط بالله: يجب (داي). "يجب أن كمّل اليوم وغداً".
ما الذي يضع الله له حداً؟ أولا، الوقت الذي فيه ينتهي نشاط يسوع العجائبي في
الجليل. ففي 2: 42 نجد نفوسنا أمام نهاية حقبة محدّدة على بضعة أيام. غير أن هناك
تفسيراً آخر في خطّ فكر لوقا. هناك ثلاثة نصوص استعمل فيها لوقا فعل "تالايو". في
أع 22: 24 نقرأ أن بولس، رغم المضايق والاستشهاد الذي ينتظره في اورشليم، يريد أن
"يكمّل شوطه" أي ينهي الرسالة (الخدمة) التي سلّمه الله إياها. وهكذا يرتبط الفعل
لا مع فترة محدّدة (كما في لو 2: 42)، بل مع مجمل رسالة بولس (رج أع 3: 12). ونحس
التعارض نفسه في لو 13: 32. إن حياة يسوع هي نموذج لحياة الرسل. ورغم خطر الموت
(13: 31) فيسوع يريد أن يتمّ رسالته (كلها) بجملتها. وما يميزها هو الأشفية وطرد
الشياطين التي يضع الله وحده حدّاً لها.
بمَ تقوم هذه النهاية؟ للوهلة الأولى نتطلّع إلى موت يسوع. هذا لا يقرّره هيرودس بل
الله. ولكن قد يفكر لوقا أيضاً بالتمجيد والقيامة اللذين بهما يرفع الله حياة يسوع
إلى كمالها. فالانشداد بين خطر الموت وإرادة تكملة الرسالة في آ 31- 32 يفهم على
ضوء نقيضة أعمق تشرف على حياة يسوع: الآلام والمجد. الموت والقيامة. وفى نظر لوقا،
بشكل اختطاف (انالمبسيس) يسوع، أي دخوله في مجد الآب، النهاية الحقيقة لحياته
وتكلمة رسالته (رج 9: 51؛ 24: 26، 46). وهذا يعني بحسب لوقا انه لا يصل إلى هذا
الهدف إلاّ عبر الألم والموت. إذا كان فعل "تالايون" لا يعبّر بشكل صريح عن فكرة
الموت، فلوقا سيعود إلى فكرة الموت في الآية التالية. ونجد الفكرة عينها في عب 2:
10؛ 5: 9؛ 7: 28: إن "تكملة" المسيح على هذه الأرض هي تمجيده، دخوله إلى السماء،
إلى مجد الله.
ويثبت هذا التفسير البنية التي أشرنا إليها سابقاً: معجزات يسوع (= رسالة يسوع).
التكملة (= القيامة والتمجيد). السفر إلى أورشليم (= يسوع).
وهناك تأكيد آخر لهذا التفسير اللاهوتي لفعل "تالايو" نجده في عبارة "اليوم
الثالث". فيسوع لا يستعمل هذه الإشارة الزمنية في إنجيله إلاّ ويربطها بالقيامة (9:
22؛ 18: 33؛ 24: 7، 46؛ ق 24: 21 أع 10: 40؛ رج مت 16: 21؛ 17: 23؛ 17: 64؛ 20:
19). فالقارئ المسيحي يربط طوعاً "اليوم الثالث" بقيامة يسوع بعد موته بثلاثة أيام.
وهنا في آ 32 يلمّح لوقا إلى القيامة تلميحاً خفياً من خلال هذا القول الملغز.
وعبارة "أكمّل في اليوم الثالث" لا تدلّ فقط على النهاية، بل على التكملة. فلوقا
كتب إنجيله عن الأحداث التي "تمّت فيما بيننا" (1: 1). فكل أحداث حياة يسوع العظيمة
هي تتمة (وتحقيق) لإرادة الله كما أنبأ بها الأنبياء ودوّنت في الكتب المقدسة. في
يسوع، وصلت المواعيد النبوية إلى تتمتها (18: 31؛ 22: 37؛ أع 3: 18؛ 13: 27- 29).
في هذا الإطار العام لموضوع المخطط الإلهي الذي يتحقّق على مراحل، تدلّ عبارة اليوم
الثالث عند يسوع على موته وقيامته وتمجيده.
3- أواصل السير (آ 33)
نقرأ هنا "بلان" (ولكن) التي هي خاصة بلوقا (15 مرة في الإنجيل). كما نقرأ "داي"
(يجب) التي ترد 18 مرة في لو و 22 مرة في أع (8 مرات في متّى، 6 مرّات في مرقس، 10
مّرات في يوحنا). إن هذا الفعل يلعب دوراً هاماً في تصوير رسالة يسوع. فأهم أنشطة
يسوع تسير في نور هذا "الواجب" الإلهي. "يجب أن أبشّر المدن الأخرى بملكوت الله"
(4: 43؛ ق مر 1: 38). وفي 9: 22 أخذ لوقا من مر 8: 31 الآلام كما أرادها الله (يجب)
واستعملها مرة ثانية في 17: 25 ومرة ثالثة في 24: 26. ويبدو لنا أن عبارة "يجب أن
أواصل السير" ترتبط بموضوع الضرورة الإلهية. هذا صحيح، لا سيما وأن لوقا يعتبر أن
سفر يسوع إلى أورشليم هو صعود إلى الموت والمجد (9: 51 ي). وهناك نصوص تتحدّث عن
الآلام، فتزيد أنه يجب أن تتم الكتب (22: 37؛ 24: 44؛ رج أع 1: 16). نتذكّر هنا
أيضاً 2: 49: "أما تعلمان أنه "يجب" علي أن أكون في بيت أبي". وحياة التلاميذ تسير
في هذه الضرورة عينها. قال بولس في أع 14: 22: "بمضايق كثيرة يجب أن ندخل ملكوت
الله". رج أع 9: 16؛ ق 19: 21؛ 23: 11؛ 27: 24.
"لا يليق أن يموت نبي خارج أورشليم". هذا موضوع معروف عن اضطهاد الأنبياء. أخذ لوقا
هذا الموضوع من المعين، مع ما يليه مباشرة في 13: 34= مت 33: 37: "يا أورشليم...".
سبّق لوقا على الموضوع وقدّمه بشكل عام لكي يطبّقه على وضع يسوع نبي الأنبياء.
هنا نبحث عن مدلول الإشارتين الزمنيتين في آ 32 وآ 33.
أولاً: اليوم الثالث (آ 32)
نحن لا نأخذ الثلاثة أيام على حرفيتها. رأى فيها بعضهم زمناً طويلاً أو قصيراً.
وآخرون؟ زمناً محدّداً. وبعضهم فكّر في ثلاث سنوات امتدّت خلالها رسالة يسوع. يبدو
أنه لا يجب أن نبحث عن فترة محدّدة من الزمن. نحن بالأحرى أمام عبارة ذات بعد
لاهوتي، لا زمني. نجد في السبعينية عبارة اليوم وغداً. نجد العبارة (اليوم وغداً)
في السبعينية حيث تدلّ على مرحلتين. نقرأ في يش 22: 18: "إن تمرّدتم اليوم على
الرب، فهو يغضب غداً على كل جماعة اسرائيل". إن لفظة "غداً" تدلّ على منعطف غير
منتظر يحوّل الوضع السابق تحويلاً جذرياً. وهذا التحوّل يتم مراراً بفضل تدخّ