رسالة القديس بولس إلى أهل رومة

تقْديم

الرسالة إلى رومة هي أطول الرسائل البولسيّة وأغناها على مستوى التعليم، بحيث اعتبرها بعضُهم مقالاً لاهوتياً يُوجز اللاهوت المسيحيّ. الرسالة إلى رومة رسالة مبنيّة بناء محكماً بين العقيدة والارشاد. تصف وضع الأمم (= الوثنيين) واليهود الذين حُكم عليهم، فبرّرت نعمةُ المسيح أولئك الذين آمنوا. تصف وضع البشريّة التي تضامنت مع آدم في الخطيئة، قبل أن تتضامن مع المسيح. تصف بشريّة استُعبدت للشريعة قبل أن يحرّرها الله. وأخيراً تصف الشعب اليهوديّ ورفْضه للمسيح، بانتظار عودته مع الأمم لكي يمجّد الجميعُ الله في يسوع المسيح. وهكذا توزّع القسم العقائديّ في هذه الرسالة على أربعة مستويات: المستوى القانونيّ كما في حكم محكمة. المستوى الأسراريّ مع التبرير والعماد. المستوى الروحي مع عمل الروح في المؤمنين. وأخيراً، المستوى التاريخيّ في نظرة إلى الشعب اليهوديّ ورفضه للمسيح.
الرسالة إلى رومة رسالة تعليميّة ورسالة ظرفيّة. منذ القديم اعتُبرت مقالاً تحمل تعليماً كما في رسالة مفتوحة. ما عرف بولس كنيسة رومة، لهذا ما استطاع أن يكتب لها كما كتب إلى كورنتوس. من أجل هذا، توقّف عند المواضيع اللاهوتيّة الهامّة في الكنيسة: مسألة التبرير والخلاص، شريعة موسى والإيمان المسيحيّ، وجه ابراهيم النبويّ... وهي رسالة ظرفيّة بمعنى أن لها مكانها في تاريخ الكنيسة. المشكلة الكبرى هي وحدة الكنيسة. هذه الكنيسة التي يهدّدها الانقسام. بين يهود كانوا الأوائل في الكنيسة، وبين مسيحيّين بشّرهم بولس فجاءوا من الأمم. ازداد عددُهم بحيث صاروا الأكثرية واحتقروا الأقليّة المتعلّقة بأمور تجاوزها زمنُ تاريخ الخلاص. وإذ دوّن بولس رسالته كان قلقاً من الطريقة التي ستتقبّله فيها أورشليم. لهذا وجّه رسالته إلى القرّاء العديدين ليشدّد على وحدة الوحي في العهد القديم وفي الانجيل، على مواعيد الله للشعب الأول مع دوره في تاريخ الخلاص.
الرسالة إلى رومة رسالة بولسيّة، وما شكّ أحد بصحّتها تقريباً. كتبها بولس ذاك الذي وُلد كيهوديّ، وما زال يسمّي نفسه كذلك (11: 1؛ فل 3: 5). كتبها ذاك الذي اهتدى على طريق دمشق حين التقى بيسوع القائم من الموت. فذاك الرسول إلى الأمم، الذي انطلق من أنطاكية، ما زال على علاقة بأورشليم. كتب رسالته هذه بعد الرسالة إلى غلاطية بقليل، فعاد إلى هدوئه بعد حماس قويّ على الذين يشوّهون انجيل المسيح في منطقة غلاطية.
رسالة دُوّنت أولاً إلى العنصر اليهوديّ الذي ظنّ أنه بار لأنه يمارس الشريعة، وأن الأمم الوثنيّة خطأة وأنجاس. الوثنيون خطأة، هذا ما لا شك فيه. واليهود أيضاً يتنكرون لوصايا الله. ودُوّنت إلى العنصر المسيحيّ الآتي من العالم الوثنيّ، الذي استكبر حين وجد نفسه مرتبطاً بيسوع دون أكثريّة اليهود. إذا كان اليهود سقطوا لأنهم لم يؤمنوا، فالأمم الذين اهتدوا يمكن أن يسقطوا أيضاً. فلا بدّ أن تحترم الفئةُ الفئةَ الأخرى للحفاظ على وحدة الكنيسة.
الرسالة إلى رومة رسالة توخّت توسيع حقل البشارة. إذن، هدفها رساليّ، والمشروعُ الذي وراءها ذهابٌ إلى اسبانية. وهي رسالة دفاعيّة عن الانجيل الذي يكرز به بولس، والذي يستند إلى التبرير بالإيمان، لا بأعمال الشريعة. وهي رسالة رعائيّة، تنطلق من أشخاص عرفهم بولس وأرادهم أن يهيّئوا مجيئه الذي يحاول أن يجمع البعيدين والقريبين في الإيمان الواحد.
تلك هي الرسالة إلى رومة التي نحاول أن نشرحها. وقد جاء كل فصل في ثلاث محطات. في الأولى، ندرس النصّ من الوجهة الخارجيّة. في محطّة ثانية نحلّل النصوص. أما المحطة الثالثة فوجهتُها رعائيّة تأمّليّة. إن كانت المرحلتان الأولى والثاني صعبتين، فيمكن أن يبدأ القارئ بالمرحلة الثالثة، بالخلاصة اللاهوتيّة، ويعود إلى المرحلتين السابقتين.
الرسالة إلى رومة رسالة واسعة، لهذا أردنا أن يكون التفسير موسعاً، طويلاً. وقسمنا النصّ مقاطع بحيث نقدر أن نختار ما نحتاج إليه في حياتنا. ويا ليتنا نفتح الرسالة حين نقرأ هذا الكتاب، فتترافق مطالعتُنا للكتاب مطالعة النص الملهم. عندئذ نكتشف الدرة الثمينة التي نستعدّ لبيع كل شيء لكي نشتريها.
الفصل الأول
خلفيّة الرسالة وتصميمها

جاءت رسالة بولس إلى رومة أطول رسائل بولس. صاغها بشكلٍ نضجَ عنده موضوعُ البرّ والإيمان، فتجاوز ما كتب في الرسالة إلى غلاطية. رسالة دوّنت سنة 55- 56 أو سنة 57- 58، وأرسلت من كورنتوس إلى أحبّاء الله في رومة، إلى مؤمنين هم أحبّاء الله. ما بشّرهم بولس ولا زارهم. ولكن له عدداً من الأصدقاء بينهم. وفي أي حال، هو رسول الأمم. ورومة عاصمة الأمم. فإن تأخر بولس في المجيء إليهم ليكلِّمهم وجهاً لوجه، فهو يكتب إليهم رغم الانقسامات الحاضرة في جماعاتهم، بين الأقوياء والضعفاء. بين أكثريّة آتية من العالم الوثنيّ ومتحرّرة من عدد من الممارسات. وأقليّة آتية من العالم اليهود ومتعلّقة بالختان والأطعمة التي تسمح الشريعة بأكلها.
فما هي خلفيّة هذه الرسالة، وما هي أقسامها؟

1- خلفيّة الرسالة إلى رومة
نطرح هنا سؤالين أساسيين. وضعُ حياة بولس. ثم تاريخ جماعة رومة.
أ- وضع حياة بولس
كتب بولس من كنخرية الذي هو مرفأ كورنتوس، أو من مكان قريب، لأنه يوصّي المراسلين بفيبة، شماسة هذه المدينة (16: 1- 2). ويرسل أيضاً سلامات غايوس الذي هو مضيفه ومضيف «الكنيسة كلها» من حيث يكتب. وقد وُجد في كورنتوس شخص معروف اسمه غايوس (16: 23؛ 1 كور 1: 14). وحين دوّن بولس رسالته، كان يستعدّ لأن يحمل ثمر التبرّع إلى أورشليم (15: 26- 33). قضى بولس شتاء 57- 58 (الكرونولوجيا التقليدية) في كورنتوس، ثم عاد عبر مكدونية وآسية وقيصرية، إلى أورشليم حيث أوقف (أع 20: 2- 21: 15). وهكذا توافق الشرّاح على القول بأن بولس كتب إلى الرومانيّين من كورنتوس.
ب- جماعة رومة
بعد الكلام عن حياة بولس من أجل سياق الرسالة، هو كلام عن مراسلي بولس. يرى بعضهم أن تاريخ المسيحيّة في رومة خلفيّةٌ لا فائدة منها: فبولس لم يكن مؤسّس الجماعة المسيحيّة في رومة، ساعة كان بالنسبة إلى الكورنثيين الأب (1 كور 4: 15)، فاستطاع أن يُصلحهم بشدّة. أما مع الرومانيّين فكان دقيقاً جداً، بل اعتذر لأنه كتب إليهم بجرأة (15: 15). وافترض هؤلاء الشرّاحُ أن الرسول لم يكن يعرف الكثير عن رومة. أنه يعطي في رسالته موجزاً تعليمياً رائعاً عن لاهوته، وعن فكره العام المؤسَّس على خبرات سابقة، ولكنه لا يعالج معالجة العارف، مسائلَ تهمّ بشكل مباشر مسيحيّي رومة. هذه النظرة ترتبط مراراً بقول يعلن أن ف 16 الذي يتضمّن تحيّات بولس إلى 26 شخصاً، لا ينتمي إلى الرسالة، وبالتالي لا يتوجّه إلى مسيحيّين عرفهم بولس في رومة. في الواقع، إذا كان ف 16 يخصّ روم (وهذا رأي أكثريّة الشرّاح)، وإن كان بولس عرف مثل هذا العدد من الناس في رومة، فهذا يعني أنه عرف بعض الشيء عن الكنيسة الرومانيّة.
لهذا، كانت المقاربة إلى الأصول المسيحيّة في رومة، عاصمة الامبراطوريّة، وإلى طبيعة الكنيسة الرومانيّة، خلفيّةً هامّة جداً. كان في رومة قرابة أربعين أو خمسين ألفاً من اليهود في القرن الأول المسيحيّ. وانطلاقاً من إشارات تعود إلى القرن الثاني، جاء العدد الكبير منهم من فلسطين ولبنان وسورية كتجّار أو مهاجرين أو أسرى. وكانت علاقات سياسيّة وثيقة مدّة قرنين من الزمن، لأن رومة كانت تراقب عن كثب الممالك الخاضعة لها في فلسطين، ولأن الأمراء الهيروديين كانوا يرسَلون إليها لكي يتربّوا تربية تهيّئهم لتسلّم الحكم. بعد سقوط أورشليم، سنة 70، قضى المؤرّخ اليهودي يوسيفوس حياته في رومة، في حمى الأباطرة الفلافيين. وفي السبعينات، جاء تيطس، الامبراطور العتيد، إلى رومة، بالملك اليهوديّ أغريبا الثاني، وتعلّق قلبه بأخته برنيقة.
هذا الخبر عن الحضور اليهوديّ، يُفهمنا أن اليهود لم يتأخّروا في الإيمان بيسوع وفي حمل الرسالة في مدن الامبراطوريّة مثل دمشق وأنطاكية، ففتحوا طريقاً رساليّة واسعة وصلت بهم إلى رومة. ولكن متى وصلت إلى رومة الكلمة الأولى عن المسيح؟ نعود إلى الوراء لكي نقدّم الجواب. نقرأ في خبر تاقيتس (الحوليات 15: 44) عن اضطهاد نيرون بعد حريق سنة 64، أنه كان بالامكان التمييز، في رومة، بين المسيحيين واليهود. فالمسيحيّون كانوا عديدين. وهذه الخرافة البغيضة (= المسيحيّة) وُلدت في اليهوديّة. هذا ما يفترض أن المسيحيّة وصلت إلى رومة، آتية من اليهوديّة. ورسالة بولس، سنة 57- 58، تفترض أن الجماعة المسيحيّة وُجدت منذ زمن بعيد، حيث قال إنه تمنّى أن يزورها «منذ سنوات» (15: 23). ثم هو قال للرومان: «إيمانكم يُشادُ به في العالم كله» (1: 8). مثلُ هذا المديح لا معنى له إن كان بولس يكتب إلى جماعة صغيرة تأسّست منذ زمن قريب.
إذن، يبدو أن الجماعة المسيحيّة في رومة وُجدت في بداية الخمسينات. ويورد أع 18: 1- 3 أن بولس، حين جاء إلى كورنتوس (حوالي سنة 50)، أقام عند أكيلا وبرسكلة اللذين جاءا حديثاً من إيطالية «لأن كلوديوس كان قد أمر جميع اليهود بالخروج من رومة». وبما أنه لم يُذكر مرّة واحدة أن بولس هو الذي هداهما، فقد وصل هذان الزوجان من رومة، وهما يؤمنان بيسوع. وأعلن سواتانيوس (كلوديوس 25: 4) أن كلوديوس «طرد اليهود من رومة بسبب قلاقل متواصلة حرّكهما ''خرستوس'' (أي المسيح)». هذا الطرد يعني أنه، حوالي سنة 49، كانت الرسالة المسيحيّة حاضرة في رومة منذ زمان بعيد، لكي تخلق احتكاكات وصدامات في المجامع اليهوديّة. قبل ذلك الوقت، لا نجد إشارات متينة (إن أع 2: 10 يذكر يهود رومة بين الذين سمعوا كلاماً عن يسوع في العنصرة الأولى)، حول انتشار الانجيل. ولكن يبدو أن المسيحيّة بلغت إلى رومة منذ بداية الأربعينات.
من أين جاء هؤلاء الوعّاظ المسيحيّون؟ سنة 375، أقام امبروسياستر (فسَّر رسائل القديس بولس تفسيراً نُسب إلى امبروسيوس) في رومة، وكتب تفسير روم فقال: إن الرومان «تقبّلوا الإيمان حسب طقس يهوديّ». لم يكن بولس مضى إلى رومة. ولا كان كلام في سفر الأعمال عن رسالة بعثت بها أنطاكية إلى رومة. في الحقيقة، ينبوعُ الرسالة إلى رومة كان أورشليم. ويروي أع 28: 21 أن يهود رومة عرفوا المعلومات اليهوديّة عبر قنوات انطلقت من أورشليم. وهذا ما تؤكده وثائق يهوديّة تتحدّث عن أشخاص عاشوا في نهاية القرن الأول المسيحيّ.
لماذا يبدو كلّ هذا مهماً من أجل فهم روم؟ هناك أهميتان اثنتان، لا أهمّية واحدة، ان اعتبرنا ف 16 جزءاً لا يتجزّأ من الرسالة. الأهميّة الأولى: عرف بولس عدداً كبيراً جداً من مسيحيّي رومة، فدوّن رسالتَه متوجّهاً إلى هذه الجماعة بالكلام الرعائيّ. إن أع وغل يشيران إلى أن المسيحيّة التي خرجت من رومة كانت محافظة بالنسبة إلى الإرث اليهوديّ والشريعة، أكثر من الأمم الذين هداهم بولس. هنا يعتبر عددٌ من الشرّاح أنه حين طرد الامبراطورُ كلوديوس اليهومسيحيّين من رومة، صارت الأكثريّة في الجماعة الرومانيّة من «الأمم». ولكن هؤلاء الأمم عكسوا مسيحيّة حملها إليهم اليهود. ثم إن بعض اليهومسيحيين عادوا إلى رومة بعد موت كلوديوس سنة 54. هذا ا يشرح المناخ اليهوديّ الذي دُوّنت فيه روم.
نشير هنا إلى أن روم متنبّهة إلى الارث اليهوديّ أكثر من غل. وهذا لا نكتشفه فقط بسبب وجود ف 9- 11، بل حين نقابل مقطعاً من روم مع مقطع من غل. وهذا ما حدا ببعض الشرّاح إلى أن يعتبر روم أول تفسير لما في غل. وإن كانت غل الشرعة الكبرى المسيحيّة الشاملة، فإن روم دستورها. هذا يعني أن أصداء غل وصلت إلى أورشليم، فأثّرت على أمل بولس بأن يُستقبل هناك استقبالاً طيّباً. مثلاً، كتب بولس في غل 5: 2: «إن اختُتنتم لا ينفعكم المسيحُ شيئاً». أما روم 3: 1- 2، فتساءلت: «ما نفعُ الختان»؟ وأجابت: « إنه جزيل على كل وجه». هذا لا يعني أن فكر بولس غير متماسك. فالوضع في غل 3 يختلف عمّا في رومة، حيث الخصوم يدعون إلى انجيل يقاوم الانجيل، انجيل يفرض الختان على الأمم (في روم 16: 17 نقرأ: «أوصيكم بأن تحترسوا من الذين يحدثون الشقاقات والمعاثر خلافاً للتعليم الذي تعلّمتموه». هل هذا يعني أنهم حاضرون؟!).
وتبدو روم رسالة «ليتورجيّة» فتختلف مثلاً عن 1 كور، 2 كور، غل، إذ هي تستعمل لغة العبادة في العالم اليهوديّ. مثلاً المسيح هو أداة تكفير (3: 25). ونقرأ في 12: 1 أن على المسيحيّ أن يقدّم نفسه ذبيحة حيّة. أما رسالة بولس فهي بأن يكون خادماً (كما في المعبد) للمسيح، وأن يقوم بخدمة انجيل الله (15: 16). ربّما تكون هذه التعابير قد استُعملت من أجل قرّاء يراعون ليتورجيّة الهيكل في أورشليم.
والأهميّة الثانية: خطّط بولس للذهاب إلى أورشليم. فإن كانت مسيحيّة رومة متأصّلة في أورشليم، فرسالةٌ تُقنع جماعة رومة قد تسبّق على ما يمكن أن يقوله في أورشليم، وتُقنع الرومان بأن يتدخّلوا من أجله لدى سلطات المدينة المقدّسة.
واعتبر بعضهم روم وكأنها وصيّة بولس الأخيرة. قد يعني هذا أنها آخر رسالة لا جدال فيها من الرسائل التي دوّنها بولس. هي «الأخيرة» بالصدفة. ولكن قد يعني هذا بالأحرى أنها ستكون البلاغ الأخير، لا سيّما وأن بولس يتطلّع للذهاب إلى رومة. لقد كان قلقاً بسبب التبرّعات التي جمعها لدى «الأمم» وأراد أن يحملها إلى رومة. فإن رُفضت التبرعات، انقطعت الشركة بين الجماعات البولسيّة وأورشليم. وهذا يعني أن بولس يصبح شخصاً غير مرغوب فيه في أماكن عديدة بما فيها رومة. وقد يكون كتب روم، لكي يعرف مسيحيّو هذه الكنيسة، صاحبةِ التأثير الكبير، الحقيقة بالنسبة إلى انجيل استعدّ الرسول أن يعطي حياته لأجله. هي وصيّته التي تحمل نظرته البعيدة إلى الرسالة، وإلى العلاقة بين أورشليم، وسائر الكنائس، وبين العنصر اليهوديّ والعنصر الأمميّ. هذا ما استخلصه بعضهم من 15: 22- 32.
أيكون بولس قد أحسّ بشيء فتوجّس شراً من ذهابه إلى أورشليم؟ مهما يكن من أمر، فإن بولس تطلع إلى سفره القريب إلى أورشليم مع مال التبرّعات، على أنه محطّة جوهريّة في مهمّته الرسوليّة. وقد قرّر أن يرسل إلى الجماعات الكنسيّة في رومة عرضاً تاماً عن إنجيله. وقد يكون أملَ أن هذا الانجيل، مع ما ينتج عنه لليهود وللأمم، سيشفي الاحتكاكات في جماعة رومة حيث امتزجت الفئتان.
في النهاية، هناك عناصر فكر عديدة في روم، تتجاوز العشرة. هذه الرسالة هي، في شكل من الأشكال، موجز لفكر بولس الذي أراد أن يجمع أفكاره قبل أن يمضي إلى أورشليم ويدافع عن هذه الأفكار. ولكن لماذا أرسل هذا الموجز إلى رومة؟ لأسباب عديدة. في ذلك الوقت من حياته، أنهى بولس مهمّته في شرقيّ البحر المتوسط، وترجّى أن يُطلق رسالة كبيرة في الغرب، في اسبانية. وستكون رومة نقطة انطلاق هامة من أجل هذه المهمّة، كما كانت أنطاكية بالنسبة إلى آسية، وفيلبي بالنسبة إلى أوروبا. في 16: 1- 2، طلب بولس مساعدة رومة لفيبة، حاملة الرسالة. فهي ستُعدّ الرسالة مع أكيلا وبرسكلة، والثلاثة رافقوا بولس في نشاطه الرسوليّ شرقيّ المتوسط.
من أجل هذا كتب بولس ليجعل الرومانيين يفهمون خدمته الرسوليّة خدمة صحيحة، بحيث تكون روم رسالة توصية لبولس، كما تكون من أجل إنجيله. وإذا توقّفنا عند المستوى الرعائيّ، فشرحٌ معمّق لأفكار بولس سوف يحسّن العلاقات بين مسيحيّين مختلفين، بين أقوياء وضعفاء، وذلك بحسب مسؤوليّة بولس الرسوليّة لدى الأمم. ثم، إذا كان مسيحيّو رومة قد اقتنعوا بأن بولس ليس ضدّ العالم اليهوديّ، فقد يكونون وسطاء مع يهود أورشليم بحيث يهيّئون الوضع هناك فتتقبّله السلطات استقبالاً حسناً. إذن، وجب على روم أن تقنع على أكثر من جبهة، وهذا ما يُفهمنا لماذا استعمل بولس أسلوب الجدال، على طريقة الفلاسفة اليونان الذين اعتادوا أن يقدّموا طرحهم ويردوا على اعتراضات سمعوها أو عبّروا عنها وكأن شخصاً يقف أمامهم.

2- أقسام الرسالة إلى رومة
بين مقدّمة (1: 1- 17) وخاتمة (15: 14- 16: 27)، نتعر ف إلى جسم الرسالة الذي يتألّف من قسم عقائديّ وقسم إرشاديّ.
أ- المقدّمة (1: 1- 17)
نقرأ أولاً عبارة تفتح الرسالة (1: 1- 7) يتبعها فعلُ الشكر (1: 8- 10) والمدخل إلى الرسالة مع الموضوع الرئيسيّ (1: 11- 17). أجزاء ثلاثة نعالجها معاً، لأن وجهاتها تتداخل، كما أن المدخل يفتح الطريق أمام جسم الرسالة. ما استعمل بولس عبارة «كنيسة الله التي في رومة» ولا «كنائس رومة» (رج 1 كور 1: 2؛ 2 كور 1: 1؛ غل 1: 2؛ 1 تس 1: 1)، ففُسّر عدمُ الاستعمال هذا بشكل سلبيّ. فمع أن بولس رغب أن يُحيّي كنيسة تجتمع في البيت، في رومة (16: 5)، افترض البعض، بسبب لاهوته، أنه لم يعتبر جماعةَ رومة كنيسةً حقيقيّة لأنه لم يؤسّسها. مثل هذا الكلام لا يصحّ: فبولس لا يقدر أن يكون قليل التنبّه إلى هذا الحدّ في رسالة تتوخّى خطب ودّ الرومانيّين. ثم كيف يستعمل الرسول عبارة «جميع أحبّاء الله الذين في رومة» (1: 7) حين يكون أمام مجموعة لا يعتبرها كنيسة. ونتذكّر أن الرسول حين كتب إلى فيلبي، إلى كنيسة أسّسها وأحبّها، لم يستعمل لفظ «كنيسة». وهكذا نفهم أن عدم وجود لفظ «كنيسة» في بداية روم، لا يمكن أن يفسَّر كما فسّره بعضُ الشرّاح.
في آ 8، شكر بولس الله على إيمان مسيحيّي رومة، الذي عُرف في العالم كلّه. نلاحظ هذا المديح الكبير مع العلم أن بولس لم يرهم أبداً (آ 11- 51)، وإن هو تمنّى منذ زمان بعيد أن يزورهم. في هذا السياق، تبدو هذه التحيّة الأوسع في رسائل بولس، لافتةً بالطريقة التي بها يقدّم بولس نفسه إلى الرومانيّين. كما أنه يورد عدداً من الألفاظ اللاهوتيّة التي صاغها المسيحيّون الأوّلون: المسيح، رسول، انجيل، ابن الله، الكتب المقدّسة، روح القداسة. أورد بولس اسمه فقط، وما ذكر أحداً معه. وأعلن أنه دُعي ليكون رسولاً، فُرز لإعلان انجيل الله (1: 1). وأوضح أن هذا الانجيل يعني الابنَ الذي وُلد من نسل داود بحسب الجسد، وأقيم ابن الله بالقدرة، حسب روح القداسة، بالقيامة من بين الأموات (1: 3- 4). يرى النقّاد هنا أن بولس لا يستعمل لغة من عنده، بل عبارة يهومسيحيّة ترتبط بالانجيل (استعمل بولس هنا «روح القداسة» وهو الذي اعتاد أن يذكر «الروح القدس». ثم لم يذكر بولس الصلب ولا الموت. رج 4: 25. وقال امبروسياستر: قبلَ بولس لم يُعرض سرّ الصليب على الرومانيّين). عرفها مسيحيّو رومة وردّدوها. قد يكون بعضهم نقل انجيل بولس، حسب رغبته، وشوّهه، لهذا دافع الرسول عن نفسه منذ البداية وبيّن أن ما يكرز به يقابل كرازة الذين بشّروا الرومان بالانجيل. وهكذا يستطيع هو والرومان أن يتبادلوا التشجيع منطلقين من الإيمان الواحد (1: 12). وبالتالي أراد بولس أن يزور رومة ليحمل الانجيل الذي يكرز به.
هذا الانجيل هو قدرة الله لخلاص كل مؤمن (آ 16- 17): اليهوديّ أوّلاً ثم الأمميّ. نشير أولاً إلى أن الخلاص، في الرسائل البولسيّة، هو وجهة مقبلة، اسكاتولوجيّة، لعمل الله الذي فيه يلعب دوراً كبيراً المسيحُ الذي يشفع في السماوات. رأى اليهود في هذه النظرة معارَضةً لإطار العهد القديم، حيث الله يخلِّص، ينجّي شعب اسرائيل. والأمم سمعوا فيها صدى لملك (أو امبراطور) «مخلّص»، بمعنى أنه يحمي من الشرّ أمّة أو مدينة. اعتاد بولس أن يميّز بين الخلاص والتبرير الذي هو واقع حاضر. أما هنا وفي أف فقد ضمّ الخلاص إلى التبرير. كما نشير ثانياً إلى كلامٍ سيفرض الصمت على كل من ظنّ أن بولس قلّل من أهميّة المؤمنين اليهود. أما الموضوع الرئيسيّ فهو: بر الله قد كُشف الآن. فالله في حكمه يبرّر جميع البشر من خطاياهم، بفضل إيمانهم بيسوع المسيح حسب كلام حبقوق النبي (2: 4): «البار بالإيمان يحيا».
ب- جسم الرسالة (1: 18- 15: 13)
أولاً: القسم العقائدي (1: 18- 11: 36)
* الجزء الأول: برّ الله يكشفه الانجيل (1: 16- 4: 25)
بدأ الرسولُ وطرح السؤال: ما علاقة البشر مع الله قبل مجيء إنجيل المسيح؟ توجّه بولس أولاً إلى «الأمم» في هذه الرسالة المرسلة إلى المسيحيّين في عاصمة العالم الرومانيّ (1: 18- 23)، فشرح لهم أن البشرية كان باستطاعتها أن تعرف الاله العادل منذ خلق العالم. وانطلق الشرّاح من هذا المقطع فتساءلوا: هل أخذ بولس باللاهوت الطبيعيّ (الذي لا يرتبط بالوحي في الكتب المقدّسة) كما توسّع فيه آباء الكنيسة واللاهوتيّون فيما بعد؟ أما البيبليّون المعاصرون، فتوقّفوا عند اللاهوت الاسكاتولوجيّ البولسيّ، حيث يصعب التشديد على العقل البشريّ وما يتبعه من «براهين فلسفيّة». في الواقع جاء كلام بولس صدى لفكر يهوديّ هلنستيّ (مطبوع بالطابع اليونانيّ) حول الأمم، في خط حك 13: 8- 9: «مع ذلك فلا عذر لهم (لا مغفرة لهم)، لأنهم إن كانوا من العلم على قدر كافٍ لمعرفة طبيعة (أو: وحدة) الكون، فكيف قصّروا عن معرفة رب الكون»! إن بولس لا يتحدّث عن وحي طبيعي يشبه الوحي في يسوع المسيح. بل يتكلّم عمّا كشفه الله من قدرته الأزليّة في الخليقة الماديّة، فجهله الوثنيّون.
كان بالامكان أن تكون الصورةُ واضحة، ولكن خطيئة البشر وبلادتهم بلبلتا صورة الله في العالم الوثني. لهذا حلّ غضبُ الله. وجاء وصفٌ قاسٍ لعبادات الوثنيين ولفجورهم وللسلوك المنحط الذي وصل بهم إلى هذا الدرك (1: 24- 32)، فعكس سلم القيم اليهوديّة عند بولس. لا نستطيع بعدُ أن نعود إلى حك 14: 17- 31 مع الحكم على زنى الذكر مع الذكر. هذه الخطيئة هي شر الخطايا، وتدلّ كيف أنها تبلبل النظام الذي وضعه الله (يهو 7). وإذ وصف الرسول هؤلاء «الأمم» في بداية روم، فقد يكون استقى الفكرة من التمثّل اليهوديّ للعالم الهلنستيّ حيث تربّى تربيَته في طرسوس. غير أنه في 2: 1 وفي أسلوب يشبه الجدل الرواقيّ، تحدّث إلى سامع يهوديّ تخيّله أمامه ورآه يدين الآخرين، وفي الوقت عينه يتصرّف مثلهم. الله لا يحابي أحداً ولا يفضّل اليهوديّ على الأمميّ: فالحياة الأبديّة تُعطى أو العقاب، بحسب ما يكون الناس قد فعلوا. اليهود، أولاً، يدانون بحسب الشريعة. ثم الأمم الذين يدانون حسب الفطرة وما كُتب في قلوبهم وفي ضمائرهم (2: 5- 16).
في مقطع لافت (2: 17- 24)، يهزأ بولس من اعتداد اليهوديّ الذي يقيم نفسه متفوِّقاً. هو لا ينكر أن يكون للختان بعض قيمة (في موضع آخر رفض بولس أن يُختَتن الأمم. أما هنا فهو يتكلّم عن اليهود) شرط أن تمارَس الشريعة. في الحقيقة، اللامختون الذي يُتمّ متطلّبات الشريعة، يحكم على المختون الذي يتجاوزها (2: 25- 29). فجميع البشر مذنبون أمام الله. فما هو فضل اليهوديّ المختون، إن كان هو أيضاً عرضة لعقاب الله (3: 1- 9)، وإن لم يكن هناك بار ولا واحد (هنا ترد نصوص الأسفار المقدّسة بشكل استشهادات)؟ وفي 3: 1- 2: 6، قدّم بولس الجواب: الله أعطى اليهود كلمات الوعد، وهو أمين. ثم صوّر الرسول ما وُعد به في الشريعة والأنبياء وصُوّر مسبقاً، أي برّ الله بالإيمان بيسوع المسيح، الذي يبرّر ولا يميّز اليهوديّ عن اليونانيّ. وهكذا تبرّر الله تبريراً: ليس الله بجائر، لأن دم المسيح كفَّر عن خطايا الجميع. فلا يحقّ لأحد أن يفتخر، لأن الله برّر مجاناً المختون واللامختون، بالطريقة عينها، أي بالإيمان دون ممارسة أعمال تفرضها الشريعة الموسويّة (3: 27- 31).
أورد بولسُ هنا الشريعة والأنبياء، وفي ف 4، عاد إلى أول سفر من أسفار الشريعة، فتحدّث عن ابراهيم لكي يدلّ على أن الله يتصرّف بشكل متماسك. لأن برّ ابراهيم جاء بالإيمان لا بالشريعة، كانوا يستشهدون بابراهيم (كما في غل) للتشديد على ضرورة الختان من أجل الخلاص. أما هنا، فصار مثَلُ ابراهيم عنصراً يساعد على فهم مخطّط الله. فقد اعتبر اليهود، في زمن بولس، أن ابراهيم هو أبوهم. ولكن بالنسبة إلى بولس، هو أبونا جميعاً، نحن الذين نقاسمه إيمانه (4: 16، قال بولس في 4: 15: الشريعة تسبّب الغضب، وحيث لا شريعة لا معصية). ونصل إلى نهاية هذا الجزء الأول مع عرض موجز لطرح بولس: خبرُ البرّ الذي نُسب إلى ابراهيم، قد كُتب لنا نحن الذين نؤمن بالربّ يسوع «الذي أُسلم عن زلاّتنا وأقيم من أجل تبريرنا» (4: 25). إذا كان هذا العمل الخلاصي يترك أثره في الأفراد، إلاّ أن بولس يتطلّع إلى المؤمنين الذين ارتبطوا بعضهم ببعض في مجموعة، في جماعة دينيّة، في كنيسة، على مثال بني اسرائيل الذين كانوا شعباً.
* الجزء الثاني: مصالحة مع الله في المسيح (5: 1- 8 : 39)
بما أننا تبرّرنا بالمسيح، فقد صرنا الآن مصالَحين مع الله. وهذا يتضمّن أكثر من إفادة: السلام مع الله. رجاء المشاركة في مجد الله. فيض روح الله (5: 1- 5). ووصفُ الطريقة التي بها يُتمّ موتُ المسيح التبريرَ والخلاص والمصالحة (5: 6- 11)، يتضمّن أحد الشروح الكبرى في العهد الجديد لما يشمله حبّ الله: استعداد لأن يموت عن خطيئة الذين لا يستحقّون مثل هذه الرحمة. فبعد أن استعمل بولسُ خبر ابراهيم كمثل عن التبرير بالإيمان، في تاريخ اسرائيل، قابل الآن ما تمّ بالمسيح مع حالة البشر الذين خرجوا من آدم: نعمة وحياة مقابل الخطيئة والموت. وفي نظر بولس، ليس الموت وقْفَ الحياة، بل هو نفيُ الحياة لأنه يرتبط بالخطيئة. وكما أن موت آدم قاد الجميع إلى الدينونة والحكم، ففعلُ طاعة المسيح البار قاد الجميع إلى التبرير والحياة. هذا المقطع (5: 12- 21) ولّد لاهوت الخطيئة الأصليّة.
في 6: 1- 11، شرح بولس أن ما حصل هنا هو نتيجة المعموديّة: هو أوسع عرض عن هذا الموضوع في رسائله، وإن لم يحلّل العلاقة الدقيقة بين العماد والإيمان في عمل الله. فالانسانُ القديم فينا، قد صُلب مع المسيح. تعمّدنا في موته، ودُفنّا معه، بحيث نستطيع أن نسلك في حياة جديدة، كما هو قام من بين الأموات. غير أن الخطيئة التي صارت شخصاً حياً عند بولس، تبقى قوّة ناشطة، وإن كنا منذ الآن تحت حكم النعمة لا تحت حكم الشريعة. وحذّرنا 6: 12- 23 من عبوديّة الخطيئة. ظنَّ بعضُهم أن بولس يستعمل هنا كرازته العماديّة السابقة لكي يحمي نفسه من كل اتّهام بأن يترك العنان للفلتان، بسبب انجيله حول البرّ الذي تحرّرَ من الشريعة. فسَّر بعضُهم لاهوت العماد في إطار حفلات التنشئة في الديانات السرانيّة. ولكن هذا اللاهوت يجب بالأحرى أن يرتبط بالطريقة التي بها شبّه يسوع موته بمعموديّة سيعتمد بها (مر 10: 38- 39). وتحدّث غل 2: 19- 30 عن موت وحياة في المسيح دون عودة إلى العماد.
في ف 7، عاد بولس إلى موضوع الشريعة الموسويّة. أما المبدأ الأساسيّ فهو أن موت المسيح ألغى سلطة الشريعة وما فيها من إكراه. لا شكّ في أن الشريعة ليست خطيئة، ولكن هذه الشريعة تحرّك الرغبات الخاطئة: «ما عرفت الخطيئة إلاّ بالشريعة» (7: 5، 7). والحوار الشخصيّ مع صيغة المتكلّم المفرد (أنا) الذي نقرأه في 7: 7- 25 هو من المقاطع البلاغيّة المؤثّرة في روم: «لا أفهم ما أصنع: فلا أصنع ما أريد، بل أصنع ما أكره... أُسَرّ في شريعة الله من جهة الانسان الباطني. ولكني أرى في أعضائي شريعة أخرى تحارب شريعة عقلي». هنا يفكّر بولس في صراعه لممارسة الشريعة قبل أن يهتدي إلى المسيحيّة. أنا أنتمي لبشريّة خاطئة. ولكن الخلاص لا يأتي بالشريعة، بل بالإيمان بيسوع المسيح، بإله رحيم.
إن كان المسيح يخلّصنا من الموت والخطيئة ويحمل إلينا الحياة، فكيف يجب أن نحيا هذه الحياة، ولا سيّما إن اعتبرنا أننا ما زلنا لحميّين، وأن اللحم (والدم) لا يخضع لشريعة الله؟ في ف 8، قدّم بولس الجواب: علينا أن نحيا، لا حسب البدن (الجسد، اللحم والدم)، بل حسب روح الله الذي أقام المسيح: «إن عشتم حسب الجسد سوف تموتون. ولكن إن أمتّم بالروح أعمال الجسد سوف تحيون» (8: 13). وهكذا نُصبحُ أبناء الله، ونستطيع أن نصرخ «أبّا، أيها الآب» على مثال يسوع. نصبح وارثي الله ووارثين مع المسيح، مع وعْدٍ بأننا إن تألّمنا اليوم معه سوف نُمجّد أيضاً معه (8: 14- 17). كان شعب اسرائيل قد فهم أنه بكر الله، ابن الله (خر 4: 42؛ أش 1: 2). ولكن تعمّقت العلاقة الآن بروح ذاك الذي هو الابن الوحيد. في خبر الخلق (كما في العهد القديم) لُعنت الأرضُ بسبب خطيئة آدم (تك 3: 17؛ 66: 22). إذن، في شكل منطقي، وفي إطار المعارضة بين آدم والمسيح (8: 18- 23)، تحدّث بولس أيضاً عن شفاء الخليقة الماديّة (بما فيها الانسان) بواسطة المسيح. ستنجو من عبوديّة الفساد، وتُقادُ إلى الحريّة. هذا ما لا نراه الآن. ولكنّنا نرجوه وننتظره بصبر. ويتشفّع الروح لأجلنا بأنّات لا توصَف لكي يُعين ضعفنا (8: 24- 27).
لا شيء من هذا المستقبل يكون متروكاً للصدف: فالتبرير والتمجيد جزء لا يتجزّأ من مخطّط خلاصٍ أعدّه الله منذ البدء (8: 28- 30). فالله الذي ما وفّر ابنه الوحيد، بل أسلمه عنا جميعاً، هو بجانبنا، لا ضدّنا. هو ينبوع ثقة عظيمة فينا. في 8: 31- 39، يختتم بولس هذا الجزء الثاني في القسم العقائديّ بأهم العبارات في كلّ الأدب الروحيّ المسيحيّ: «إن كان الله معنا، فمَن يكون علينا؟... أنا واثق أنه لا موت ولا حياة، لا ملائكة ولا رئاسات، لا حاضر ولا مستقبل... تستطيع أن تفصلنا عن محبة الله التي تجلّت في المسيح يسوع ربّنا».
* الجزء الثالث: برّ الله ومواعيده لشعبه (9: 1- 11: 36)
إن كان هناك منذ البدء مخطّط يقود إلى المسيح، فما الذي حصل لبني اسرائيل (اليهود) الذين نالوا المواعيد بالشريعة والأنبياء، لكي يرذلوا المسيح؟ إن الحاجة المنطقيّة للجواب على هذا السؤال ينبع ممّا كتبه بولس بشكل مدهش، بحيث إن بعض البيبليين، منذ مرقيون (في القرن 2)، استبعدوا هذه الفصول على أنها غريبة عن الرسالة ومناقضة لها. فكيف استطاع المرسل الذي قضى السنوات العديدة في إعلان الانجيل للأمم، أن يتمنّى أن يُفصَل عن المسيح ويُحرم من الخلاص من أجل إخوته في الجسد؟ لقد كذّب بولس جميع الذين اتّهموه بأنّه يستخفّ بالعالم اليهوديّ، فعدّد بافتخار امتيازات بني اسرائيل العجيبة (9: 4- 5).
وحين أكّد أن كلمة الله ما فشلت، أورد الكتابَ المقدّس لكي يبيّن أن كلّ نسل ابراهيم لم يُحسَب نسله: فالله اختار اسحق لا اسماعيل. واختار يعقوب لا عيسو (9: 6- 13). والله ليس جائراً في هذا، بل هو يتصرّف مثل الفخاريّ الذي يصنع من الطينة الواحدة، إناء للكرامة وإناء عادياً (9: 14- 23). ولا نقدر أن نطلب حساباً من الله لأنه اختار من اختار. وعاد بولس إلى سلسلة من الاستشهادات (9: 24)، فبيّن أن الله رأى مسبقاً لاأمانة اسرائيل ودعوة الأمم. فشلَ اسرائيلُ لأنه طلب البرّ بالأعمال، لا بالإيمان. ومع غيرته، زاد ضلاله ضلالاً لأنه لم يُقرّ أن الله برّر الذين يؤمنون بالمسيح، وأن المسيح هو نهاية الشريعة (9: 30- 10: 4). وواصل الرسول كلامه فبيّن تفاهة الانسان الذي يريد أن يتبرّر أمام الله على أساس أعماله. ولكن «إن اعترفتْ شفتاك أن يسوع ربّ وآمن قلبُك أن الله أقامه من بين الأموات تخلص» (10: 9). في هذا «الأنت»، لا تمييز بين يهوديّ ويونانيّ (10: 2). وكل هذا يُتمّ كلام يوء 3: 5: «كل من يدعو باسم الرب يخلص».
في 10: 14- 21 أعلن بولس أن لا عذر لاسرائيل: فالأنبياء كرزوا بالانجيل، ولكن بني اسرائيل لم يؤمنوا. بل ما حاولوا أن يفهموا، لأنهم شعب عاصٍ متمرّد. أما الأمم الذين اعتبرهم اليهودُ بغير فهم، فقد تجاوبوا. وسأل الرسول: «أترى الله رذل شعبه» (11: 1)؟ في جواب نافٍ وحزين على هذا السؤال الذي طرحه طرحاً بلاغياً، تكلّم بولس كشخص من بني اسرائيل، من نسل ابراهيم، من قبيلة بنيامين، كشخص اختارته النعمة. وأورد أمثلة من تاريخ اسرائيل حيث الأكثرية فشلت، فاحتفظ الله لنفسه ببقيّة (11: 2- 10). في الواقع، استشفّ بولس مخرجاً إيجابياً (11: 11- 32). زلّةُ اسرائيل وقساوة قلبه الجزئيّة، هما من عمل العناية الالهيّة التي منحت الخلاص للأمم. سوف يغار بنو اسرائيل، وعندئذ يخلص كلّ اسرائيل. ولكن يجب على «الأمم» الذين آمنوا أن لا يتكبّروا. فهم غصن زيتونة برّية طُعِّم في زيتونة «جويّة»، في موضع أغصان قُطعت. وسيكون سهلاً تطعيمُ الأغصان الطبيعيّة من جديد (هم اليهود). نتشكّك حين نرى رسول الأمم يعتبر اهتداء الأمم لا كغاية في حدّ ذاتها، بل محطّة نحو اهتداء اسرائيل. في الماضي عصى الأمم. واليوم عصى بنو اسرائيل، والله رحم الجميع. وأكمل بولس هذه اللوحة بنشيد يمتدح أعماق غنى الله وحكمته: «له المجد إلى الأبد. آمين» (11: 33- 36).
ثانياً: القسم الارشاديّ (12: 1- 15- 13)
* الجزء الأول: نصائح من أجل الحياة المسيحيّة (12: 1- 13: 14)
وها هو بولس يقدّم الآن نصائح للمسيحيين الرومانيّين حول الطريقة التي بها يعيشون ليتجاوبوا مع رحمة الله. من جهة، هذا لا يدهشنا، لأن بولس سبق وأعلن منذ البداية (1: 5) أن نعمة رسالته هي أن يكرز طاعة الإيمان. ومن جهة أخرى، هي محاولة جريئة لأن لا علاقات شخصيّة بين بولس ومعظم المسيحيّين في رومة. إذن، بدأ في 12: 3، فذكر أفكاراً عبّر عنها أيضاً في 1 كور، التي كُتبت قبل روم بسنة: جسد واحد وأعضاء كثيرون. مواهب مختلفة ومنها النبوءة والتعليم، وتشديد على المحبّة. وقدّم الرسول في 12: 9- 21، شأنه شأن كاتب حكميّ في العهد القديم، سلسلة من النصائح مع تشديد خاص على التناغم والحنان والغفران. وهي صفات مؤمن يرفض أن يتشبّه بالدهر الحاضر (12: 2)، ويطلب أن يتجدّد في حقبة جديدة دشّنها المسيح.
والنداء للخضوع للسلطات المحليّة (13: 1- 7) يأتي في محلّه، في رسالة تتوجّه إلى العاصمة (دوّنت 1 بط 2: 13- 15 من العاصمة، فقدّمت النصيحة عينها). في هذا الزمان كان قد مات كلوديوس الذي طرد اليهود من رومة، وحلّ محلّه نيرون الذي لم يكن بعد أظهر العداء للمسيحيّين. إذن، يستطيع بولس أن يتحدّث عن سلطة رومانيّة هي أداة في يد الله. فحين يدفع المؤمنون الضرائب، ويُكرمون السلطات، يكونون مثالَ المواطنين الصالحين. وموقفُ الطاعة الذي يقفه بولس، قد ينبع من خبرته الشخصيّة والايجابيّة التي اختبرها مع السلطة الرومانيّة (مثلاً، غاليون في كورنتوس، أع 18: 12- 17). أو قد تكون تعليماتُه استراتيجيّة دفاعيّة ضدّ من يتّهمه بتمرُّد في المدينة يحمل الخطر إلى الجماعة، وذلك بلاهوته عن الحريّة والتجرّد من هذا العالم. أيكون المسيحيّون الذين يهدّدون «الأمم» أكثر إزعاجاً من اليهود الذين يفعلون الشيء عينه؟
نحن لا نحسب نصيحة بولس هذه وكأنها المطلق. وكأنها تطبّق على جميع الحكّام في كل الأزمان. ففي سفر الرؤيا مثلاً، كان موقفٌ مسيحيّ آخر تجاه الامبراطور بسبب اضطهاد المسيحيين وملاحقتهم. إذن، نحن لا نحسب موقف روم وكأنه الموقف الوحيد في العهد الجديد. ونقرأ في 13: 8- 10: «من أحبّ القريب أتمّ الشريعة». مثلُ هذا القول يرافقه يقينٌ بأن الوصايا تتلخّص في «أحبب قريبك كنفسك». وهكذا بدا بولس قريباً من تقليد يسوع في مت 22: 38- 40. ويختتم 13: 11- 14 الجزء الأول من القسم الإرشاديّ فيشدّد على الوجهة الصعبة في الزمن الاسكاتولوجيّ، في الوقت المؤاتي الذي دشّنه المسيح. نقرأ في آ 12 صُوَرَ النور والنهار، وأعمال الظلمة، وأسلحة النور. وكل هذا يعكس نشيداً عمادياً عرفته كنيسة رومة. لقد اقترب الوقت، وهو يلحّ على بولس بأن يقول لهم بأن يتسلّحوا لكي يحاربوا رغبات الجسد: «إلبسوا الربّ يسوع المسيح» (13: 14).
* الجزء الثاني: الأقوياء والضعفاء (14: 1- 15: 13)
لا نعرف إن كان بولس هو الذي صاغ هذين اللفظين: الأقوياء والضعفاء. أو هو وجدهما في العالم الرومانيّ. نحن هنا أمام اعتبار للمتطلّبات المسيحيّة، لا أمام نظرة إلى انقسامات وفئات، كما كان الأمر في كورنتوس حيث التحقت كلّ فئة بشخص من الأشخاص. فالأقوياء يعتقدون أنهم يستطيعون أن يأكلوا من كل شيء دون الاهتمام بأيام القطاعة. والضعفاء يُعملون الفطنةَ في طعامهم، فلا يأكلون سوى البقول ويهتمّون اهتماماً خاصاً ببعض الأيام. حاول بعض الشرّاح أن يعودوا إلى ممارسات غنوصيّة أو إلى الديانات السرانيّة. في الواقع، تكمن جذورُ المسألة في متطلّبات الطهارة والقواعد العباديّة في الشريعة الموسويّة. فالأقوياء يعتبرون هذه المتطّلبات بدون أهميّة. والضعفاء (الذين هم ضعفاء في الإيمان، 14: 1) يعتبرونها مفروضة عليهم. وهناك عدد كبير من الأخصّائيّين يرون في الأقوياء الأكثريّة المسيحيّة في رومة والآتية من الأمم. أما الضعفاء فهم الأقليّة، هم اليهومسيحيون. لا شكّ في أن الأمم كانوا الأكثريّة، لهذا حذّرهم بولس من الافتخار على اليهود الذين رذلوا المسيح (11: 17- 18). ولكن قد يكون بعضهم أخذ بالممارسات اليهوديّة، كما فعل الغلاطيّون الآتون من الأمم بعد أن مرّ عليهم مرسلون مناوئون لبولس (أخذوا بالختان ومتطلّبات الشريعة). إذا كان أول من بشّر رومة مرسلين من أورشليم، فهذا يعني أن المهتدين الجدد يمكن أن يكونوا مارسوا الشريعة. وهكذا يكون الضعفاء مزيجاً من الأمم المتعلّقين بالشرائع اليهوديّة ومن اليهومسيحيّين الذين عادوا إلى رومة بعد موت الامبراطور كلوديوس. هذا من جهة. ومن جهة ثانية قد يكون بعض اليهومسيحيين (أصدقاء بولس الذين يذكرهم في ف 16) من هؤلاء الأقوياء. إذن، نكون متحفّظين حين نماهي بين الأمم والأقوياء، بين اليهود والضعفاء.
اهتمّ بولس بأن لا تدين الفئةُ الفئةَ الأخرى، أو تحتقر الجماعةُ الجماعةَ (14: 3- 4، 10، 13). سواء أكلوا أو امتنعوا، فليفعلوا من أجل الربّ. «إن حيينا فللربّ نحيا، وإن متنا فللربّ نموت» (14: 6- 8). فإن كان مسيحيو رومة، الأقوياء منهم والضعفاء، قد سمعوا أن بولس لم يفرض على المهتدين من الأمم أن يمارسوا الشريعة الموسويّة، فليعرفوا، شأنهم شأن الكورنثيين قبلهم (1 كور 8: 7- 13؛ 10: 23- 33) أنه لا يقبل أبداً أن تُستعمَل هذه الحريّةُ لكي تَقسم الجماعة. وقد نبّه الأقوياء بشكل خاص أنه من الأفضل أن يمتنعوا عن اللحم والخمر من أن يكونوا لاخوتهم عثرة فيضعفوا ويسقطوا (14: 21). وتماهى بولس معهم فأعلن: «يجب علينا، نحن الأقوياء، أن نحتمل ضعف الضعفاء، ولا نرضي أنفسنا» (15: 1). فالمسيح ما طلب ما يرضيه (15: 3). وبولسُ صار خادم المختونين ليدلّ على أمانته لله، فيُثبت الوعد المعطى للآباء بحيث يقدر الأمم أن يمجّدوا الله لرحمته (15: 8- 9 أ). ويختتم بولس هذا الجزء بلائحة أخرى من الاستشهادات (15: 9 ب- 12)، أُخِذت من الأنبياء وأسفار الشريعة وسائر الكتب (وذاك هو تقسيم العهد القديم في العالم اليهوديّ)، فأشارت إلى مخطط الله بالنسبة إلى الأمم.
ج- خاتمة الرسالة إلى رومة (15: 14- 16: 27)
* الجزء الأول: مشاريع بولس (15: 14- 33)
وجاءت خاتمة الرسالة في جزئين مرتبطين الواحد بالآخر. شرحَ الجزء الأولُ علاقات الرسول بالرومانيّين. هو يعرف أنها علاقات جيّدة، ولكنه يكتب إليهم لأنه تلقّى من عند الله نعمة الرسالة لدى الأمم. فكما أن الكاهن اليهوديّ يتكرّس لخدمة الله في الهيكل، كذلك صارت الكرازةُ بالانجيل خدمةً ليتورجيّة لكي يكون «الأمم» تقدمة يرضى عنها الله (15: 16). وإذ أراد بولس أن يقوم بهذه الخدمة، مضى من أورشليم إلى الليريكون (غربي اليونان، وهي منطقة محاذية لمكدونية حتى دلماطية). وهو الآن يتطلّع نحو الغرب لكي يمدّ الرسالة، ماراً في رومة، حيث أمل منذ سنوات أن يزور المسيحيّين، لكي يكرز بالانجيل في اسبانية، حيث لم يُعلن بعدُ اسمُ المسيح (15: 4- 24). ولكن قبل ذلك، عليه أن يحمل إلى فقراء أورشليم المال الذي جمعه في مكدونية وأخائية. وهذا السفَر يُقلقه كثيراً. هل ينجو من عداء اللامؤمنين في اليهوديّة الذين يعتبرونه خائناً انتقل إلى الكنيسة التي كان يضطهدها؟ وهل يقبل مسيحيّو أورشليم العون الذي يحمله لهم، وقد غاظهم انتقاده لعمُد الكنيسة في أورشليم (غل 2: 6- 9 )؟ لهذا طلب بولس من الرومانيّين أن يساعدوه خلال سفره ويصلّوا من أجله (15: 25- 33). وربّما استطاعوا أن يتدخّلوا من أجله لدى أصدقائهم في أورشليم.
* الجزء الثاني: تحيّات إلى الأصدقاء في رومة (16: 1- 27)
ولكن حين يعود بولس من أورشليم ماضياً إلى اسبانية، فسوف يمرّ بعض الوقت في رومة، وهو يحتاج إلى من يهيّئ الأمور هناك من أجله. فإن فيبة، شماسة كنيسة كنخرية، ستمضي إلى رومة وتحمل الرسالة، على ما يبدو. فعليهم أن يستقبلوها بحفاوة. فإن كان في رومة مسيحيون يتردّدون بالنسبة إلى بولس، فستلعب هي دور الوسيط، وتؤدّي خدمة مع أشخاص آخرين يعرفونه. وهو يحيّي ستة وعشرين شخصاً (16: 3- 16). نعرف بعضاً منهم في أع أو في رسائل بولسيّة أخرى. تُذكر كنيسة تجتمع في البيت في 16: 5، ويُذكر بيتان في 16: 10، 11، كما تُذكر مجموعات في 16: 14، 15. هذا يدلّ على أن كنيسة رومة تألّفت من عدّة جماعات تلتئم في البيوت، وسوف نرى هذا الواقع على مدّ القرن الثاني المسيحيّ. ما نلاحظ هو أن اندرونيكوس ويونيا «رسولان مشهوران» (16: 7). زوجها رسول وهي رسولة. والرسول هو من رأى المسيح القائم من الموت وصار كارزاً بالانجيل.
وتنتهي الرسالة (16: 21- 23) بتحيّات ينقلها بولس من قبل مسيحيّين آخرين من كورنتوس. فإن الكاتب ترتيوس قدّم نفسه (هي المرة الوحيدة في الرسائل) على أنه شارك في صياغة الرسالة. وفي الختام كانت المجدلة: «المجد لله الحكيم وحده، بيسوع المسيح إلى الأبد. آمين» (16: 27).

خاتمة
تلك هي نظرة سريعة إلى روم. كان بالامكان أن نطرح المواضيع اللاهوتيّة معها، مثل البر والإيمان، وممارسة الشريعة، وموضوع الخطيئة الأصليّة... ولكننا عالجنا بعض هذا في «الانجيل قدرة الله». كما كانت، في موضع آخر، مقالةٌ خاصة عن الخطيئة الأصليّة. وقد نقدّم في المستقبل دراسة لاهوتيّة موسّعة عن المواضيع الذي نكتشفها في روم. وتبقى المسائل العديدة التي تُفتح ولا تجد مفتاحاً يقفلها، التي تطرح أسئلة ولا تجد حلاً لها. من أجل هذا نعتبر عملنا محطّة في الشرح الكتابي، وهو ينتظر من يتابع الطريق.
القسم الأوّل
بولُس وَكنيسَة رومَة
1: 1- 17
تتوزّع الرسالة إلى رومة ثلاثة أقسام رئيسيّة. البداية (1: 1- 17) جسم الرسالة (1: 18- 15: 13). الخاتمة (15: 14- 16: 27). أما القسم الأول فجاء في ثلاثة مقاطع:
1- تحيّة الرسول إلى أحبّاء الله (1: 1- 7)
2- رغبة بولس في المجيء إلى رومة (1: 8- 15)
3- برّ الله (1: 16- 17).
منذ البداية، أعلن بولس إيمانه بيسوع المسيح: هو ابن داود في ولادته بحسب الجسد، وهو ابن الله الذي قام، بقوّة الروح، من بين الأموات. وأعلن صفته: هو رسول دُعي كما دُعي غيره لكي يحمل الانجيل. وبما أنه رسول الأمم، أراد أن تصل رسالته إلى قلب الأمم الوثنيّة، إلى رومة، من أجل خلق كنيسة واحدة يجتمع فيها اليهوديّ والوثنيّ. البشر كلهم خطئوا فاحتاجوا كلّهم إلى خلاص، وبرّ الله ينقلهم من إيمان إلى إيمان. من إيمان ينبع من قلب الله فيتطلّب أمانة من قبل الانسان.
الفصل الثاني
تحيّة الرسول إلى أحبّاء الله
1: 1- 7

بدأ بولس فقدّم نفسه إلى المؤمنين في رومة، وهو يعرف عدداً كبيراً منهم بأسمائهم. هو عبد يسوع المسيح، وقد ارتبط به برباط الحبّ. وهو رسول ائتمنه الربّ على الانجيل في لقاء تمّ مع من كان شاول فصار بولس، على طريق دمشق. لا همّ لهذا الرسول سوى حمل الانجيل الذي يتلخّص في كلام عن الربّ يسوع وعن قيامته من بين الأموات. هذا الذي من ذرّيّة داود هو يسوع المسيح ربّنا. ويبدو بولس مسؤولاً عن هذا الانجيل في العالم الوثنيّ كله، كما كان بطرس مسؤولاً عن الانجيل لدى أهل الختان. بهذه الصفة سمح بولس لنفسه بأن يكتب إلى أحبّاء الله في رومة. إلى كنيسة لم يعرفها: فهو ما بشّرها ولا زارها. وحين زارها كسجين المسيح، لاقاه المسيحيّون الذين كانوا فيها إلى سوق أبيوس والحوانيت الثلاثة (أع 28: 15). هو المدعو ليكون رسولاً يكتب إلى المدعوّين القدّيسين الذين برومة.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 1، تقرأ بعضُ المخطوطات (برديّة 26، السينائي، الاسكندراني، 011، 012، 044) كما في النصّ المعتمد: «يسوع المسيح» لا «المسيح يسوع». رج آ 4، 6، 7، 8. «المفروز» هو اسم المفعول. صيغة المجهول: حدثٌ من الماضي ما زالت آثاره حاضرة. دُعي بولس في الماضي، وها هو يعبّر عن دعوته من خلال هذه الرسالة.
في آ 3، «المولود». كان الفعل اليونانيّ يحمل بعض الغموض، فكانت محاولات لكي يزول الغموض، فرُبط اسمُ المفعول بالفعل «غاناوو».
في آ 4، «المقام». وضعت اللاتينيّة العتيقة المسبّق «برو»: المقام سابقاً، المعدّ سابقاً.
في آ 7، غابت عبارة «الذين في رومة» في عدد من الشهود (11، 12، أوريجانس). كما أن المخطوطين 011 و012، قرأا «في حبّ الله»، لا «أحبّاء الله».
ب- بنية النصّ
هذه القطعة التي تفتح الرسالة، تسير في خط الرسائل في العالم اليونانيّ. تحيّةٌ (خايراين) من فلان إلى فلان. رج أع 15: 23؛ 23: 26؛ يع 1: 1. صاغ بولس كلاًّ من العناصر الثلاثة، مع سمات مميّزة. هوّيته الخاصة: هو «عبد المسيح يسوع». وهو «رسول». (آ 1). جاء الكلام موسّعاً، لأنه يكتب إلى جماعة لا يعرفها. هويّة قرّائه (رج 1 كور 1: 2؛ ق غل 1: 1). وفي الختام، تحيّة مسيحيّة معروفة: النعمة (خاريس) والسلام (آ 7 ب؛ رج 2 مك 1: 1).
وترك بولس عادته، فأدرج معترضة طويلة حول الانجيل ووضعه كرسول، بين العنصرين الأولين في الافتتاح النموذجيّ (آ 2- 6)، لكي يبيّن إيمانَه القويم ويُبعد كلَّ شكّ وارتياب منذ البداية. هذا ما يشرح بشكل خاص، إدراج «نؤمن» قديم أو تعبير إنجيليّ (آ 3- 4)، يشارك فيه الرسولُ مؤمني رومة، الذين آمنوا قبل أن يصل بولس إليهم: إيمان مشترك، إنجيل مشترك.
إن اكتشاف هذه السمات البولسيّة المميّزة منذ بداية الرسالة، يُقدّم إشارة أولى إلى ما رمى إليه بولس حين كتب. كتب أولاً على أنه «فُرز (وُضع جانباً كما تُوضع الذبيحة) من أجل الانجيل». وأن رسالته تتوجّه إلى الأمم (الوثنيّة، تجاه الأمّة اليهوديّة) (آ 1، 5). ولكنه عبَّر عن كل قول بدقّة، وبعبارات يهوديّة مميّزة: انجيل الله الذي «وعد به من قبل عبر أنبيائه في الكتب المقدّسة» (آ 1- 2). والمهتدون من الأمم هم «أحبّاء الله» و«المدعوّون قدّيسين» (آ 7). وهكذا تبرز ديناميّةٌ انشداديّة: إنجيل اليهود من أجل الأمم. ماذا يعني هذا بالنسبة إلى الأمم؟ وبالنسبة إلى اليهود كلّهم؟ إن أهميّة الموضوع تَبرزُ من خلال ألفاظ مفاتيح سوف تتواتر: «الإيمان». «الأمم». «الطاعة» (آ 5)، التي ستكون بشكل برنامج في الرسالة كلها.
يبدو أن هناك تعبيراً سابقاً لبولس في آ 3- 4. أولاً، هناك جملتان موصولتان ومتوازيتان توازياً متعارضاً: المولود، المقام. الذي وُلد. الذي أقيم... ثانياً، يتوازى الفعلان كاسم فاعل في صيغة الماضي البسيط. ثالثاً، تتوازى عبارتان: من نسل داود، حسب الجسد. ابن الله في القدرة، حسب روح القداسة. رابعاً، استعمال فعل «هوريزاين». خامساً، استعمال عبارة ساميّة: روح القداسة، لا الروح القدس. سادساً، وصف قيامة المسيح كما في الكرازة الأولى على أنها «قيامة من بين الأموات». سابعاً، ما نجده هنا (ابن داود، ابن الله) نقرأه في 2 تم 2: 8 وفي تقليد مشترك يرتبط بخبر طفولة يسوع (مت 1: 18- 25؛ لو 1: 32- 35).
وأسلوب بولس واضح في آ 1- 2 مع «انجيل» (أونغاليون)، «سبق فوعد» (بروإبينغايلاتو. ونجد في آ 5 حروف الجرّ: إيس (ل- طاعة). إن (في- جميع). هيبار (لأجل، اسمه). وتتوازى آ 1 مع آ 7:
عبد المسيح يسوع المدعو رسولاً
أحبّاء الله المدعوّون قدّيسين
ويرد اسم «يسوع المسيح» أربع مرّات في سبع آيات، فيدلّ على فكر بولس المركزيّ.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (1: 1- 7)
ثلاثة أقسام في هذه القطعة. أعلن بولس من هو، وما هي وظيفتُه، في إعلان انجيل الله (آ 1- 2). وفتح معترضةً قصيرة أعلن فيها إيمانه بابن الله الذي هو في الوقت عينه انسان من نسل داود (آ 3- 4). وفي القسم الثالث (آ 5- 7)، نتعرّف إلى القرّاء الذين يوجّه إليهم الرسول كلامه: هم الأمم الوثنيّة الذين يعيشون في حبّ الله وينعمون باختياره، شأنهم شأن اليهود.
أ- بولس عبد يسوع ورسوله (آ 1- 2)
«بولس» (آ 1). هو الاسم الذي به يرغب بولس أن يُدعى في كل رسائله. ما استعمل اسم «شاول» إطلاقاً، مع أنه عُرف بهذا الاسم ساعة اهتدائه، وفي الحقبة الأولى من خدمته الرسوليّة في كنيسة أنطاكية (أع 9: 1، 4؛ 13: 1- 2، 7). وإذا عدنا إلى أع 13: 9 حيث يظهر الاسمان، نفهم أن الرسول أخذ اسم بولس حين دخل العالمَ اليونانيّ. كان بولس مواطناً رومانياً، شأنه شأن العديد من اليهود في ذلك الوقت. كان اسمه شاول في علاقته مع العالم اليهوديّ الشرقيّ. واليوم هي علاقات من نوع آخر مع الأمم وفي العالم الغربيّ.
ذكر بولس اسمه وما ذكر أحداً معه كما اعتاد أن يفعل (ولكن رج غل 1: 1). لا يمكن أن نشرح ذلك فقط في أن لا دور له ولرفاقه في تأسيس كنيسة رومة (1 كور 1: 1). وفي أي حال، سوى نرى تيموتاوس قرب الرسول في 16: 21، 2 كور 1: 1؛ كو 1: 1؛ 1 تس 1: 1؛ 2 تس 1: 1. فقد أراد بولس أن يُقدّم نفسه شخصياً إلى جماعات واسعة لا يعرفها، على أنه رسول الأمم (11: 13)، وعلى أن الانجيل الذي يعرضه بيسوع المسيح، سوف يدلّ على ما في القلوب والضمائر (2: 16؛ 16: 25). وانطلاقاً من ردّة فعلهم على هذا الوضع الشخصيّ، ستكون الرسالة ناجحة، أو لا سمح الله فاشلة.
«عبد المسيح يسوع». رج فل 1: 1. انطلق بولس هنا من إرثه اليهوديّ حيث المؤمن يحسب نفسه عبد الله وعابده (نح 1: 6، 11؛ مز 19: 11، 13؛ 27: 9؛ 31: 16؛ ق مد 7: 16؛ 9: 10- 11). يُستعمل لفظُ «عبد» (دولوس) في المفرد والجمع عن اسرائيل ككلّ (تث 32: 36؛ إر 46: 27؛ حز 28: 25). والوجوه الكبرى في الماضي تسمّت بهذا الاسم. موسى هو عبد الربّ (2 مل 18: 12؛ نح 9: 14؛ مز 105: 26؛ دا 9: 11 ملا 4: 4؛ رج يوسيفوس، العاديات 5: 39) وكذلك الأنبياء (عز 9: 11؛ إر 7: 25؛ 25: 4؛ 35: 15؛ حز 38: 17؛ دا 9: 6؛ عا 3: 7؛ زك 1: 6). كل هذا يرتبط بيقين يؤكّد فيه الشخص أن الله اختاره اختياراً خاصاً. فاسرائيل يخصّ الله حصراً ولا يخصّ أحداً آخر. وأبطالُ اسرائيل ارتبطوا ارتباطاً لا مشروطاً بإله اسرائيل، فلعبوا دوراً كبيراً في المحافظة على العهد بين الله وشعبه. قد يكون بولس جعل نفسه في خطّ هؤلاء الذين سبقوه، والتواصل واضح لديه بين العهد القديم والعهد الجديد. وفي أي حال، انتقل اللقبُ إلى العهد الجديد (فل 1: 1؛ 2 تم 2: 24؛ يع 1: 1؛ 2 بط 1: 1؛ يهو 1)؛ ق أع 4: 29؛ 1 كور 7: 22؛ أف 6: 6؛ كو 4: 12؛ رؤ 22: 3.
أخذ بولس بلغة عرفها العالمُ اليهوديّ، في ثلاثة أشكال. الأول، سمّى نفسه عبد المسيح يسوع. هذا يعني أنه يرى في يسوع الربّ (يهوه). فكما تعبّد اليهود لله الواحد، يتعبّد المسيحيون ليسوع، الذي قام من بين الأموات، وتمجّدَ جالساً عن يمين الله في الأعالي (تي 1: 1؛ عابد الله). الثاني، تذكّر بولسُ مقاطع من العهد القديم مثل اش 49: 1- 7، ففَهم دورَه كرسول إلى الأمم مثل عابد الله في اشعيا. رج غل 1: 15 (اش 49: 1)؛ 2 كور 6: 1- 2 (اش 49: 8)؛ روم 15: 21 (أش 52: 15)؛ فل 2: 16 (اش 49: 4)؛ أع 13: 47 (اش 49: 6)؛ 26: 18 (اش 42: 7). وفي غل 1: 10، يسمّي نفسه «عبد المسيح». إن دعوة الله لعبده من أجل رسالة وسط الأمم (والشتات كجزء من مخطّط العهد)، واضحة في اش 49: 1- 8 حسب السبعينيّة. وافتتاحُ الرسالة في روم 1: 1- 7 يُفهمنا أن بولس يرى خدمته إلى الأمم كمكمّلة لدور اسرائيل في العهد (حسب اشعيا) ومتمّمة لدور يسوع كعبد الربّ. الثالث، إن الفكرة التي تعتبر شخصاً من الأشخاص عبد الإله، عُرفت في الشرق وفي الغرب عبر العبادات السرّانيّة. ولكن الفرق كان شاسعاً بين العبد والحرّ في العالم الرومانيّ، بحيث وجب على بولس أن لا يترك الصور تتضارب. ولكن ما همّ، إن كان هذا الرسولُ عبداً لذاك الذي صار عبداً طائعاً حتى الموت والموت على الصليب.
«المدعو (كليتوس) ليكون رسولاً». رج 1 كور 1: 1. في المعنى الأول، هي دعوة إلى وليمة (1 مل 1: 41، 49؛ 3 مك 51: 4؛ مت 22: 14). يتفرّع هذا المعنى من فعل «كالاين» (دعا) الذي يعني أيضاً ألحَّ فأمر. وقوّته تأتي من صاحب الدعوة الذي هو الملك أو الاله (مت 22: 3، 9). وهو يحمل القوّة نفسها في الاستعمال المسيحيّ (4: 17؛ 9: 11- 12). فقرّاء بولس هم أيضاً مدعوّون ليدخلوا في مخطّط الله بقوّة هذا النداء (1: 6- 7؛ 8: 28، 30؛ 1 كور 1: 2، 9، 24؛ 7: 15، 17- 24؛ غل 1: 6؛ 5: 8، 13). في إطار هذه الدعوة التي هي إحدى السمات المميّزة للذين يخصّون المسيح، تطلّع بولس إلى واجب خاص (1: 1؛ 1 كور 1؛ 1)، مع أنه ما أراد أن يفصل هذه الدعوة الخاصّة عن الدعوة إلى الجميع (1: 6- 7؛ 1 كور 1: 2). كل هذا يدلّ على أن بولس تأمّل في نصوص اشعيا حول عبد الرب (اش 41: 9؛ 42: 6؛ 43: 1؛ 45: 3- 4؛ 48: 12، 15؛ 49: 1؛ 51: 2)، ليُبرز موضوعَ النداء وما فيه من إلحاح من قبل الربّ.
«أبوستولوس». رسول، مرسَل، موفد. شخص أُرسل باسم شخص آخر. رج 2 كور 8: 23؛ فل 2: 25. من هنا جاء اللفظ كلقب خاص في العالم المسيحيّ. حين دعا بولس نفسه «رسولاً»، دلّ على أن المسيح القائم من الموت قد كلّفه بمجموعة محدّدة داخل الحقبة التي تلي القيامة (1 كور 15: 8: آخر الجميع)، وأعطاه سلطة ليحمل الانجيل ويقيم الكنائس (1 كور 9: 1- 2). أعلن بولسُ هذا اللقب وما توسّع فيه. بل اعتنى بأن يُبرز سمتين: نال رسالته من المسيح القائم من الموت. وهو رسول إلى الأمم (1: 5. في 1 و2 كور وفي غل، نراه يدافع عن نفسه). في كل وضع، عمل بولسُ وهو متيقّن أن سلطته كرسول حُصرت في حلقة رسالته، ومُورست في علاقة مع الكنائس التي أسّسها (1 كور 12: 28؛ 2 كور 10: 13- 16؛ ق روم 15: 20).
«المفروز (أفوريسامانوس) لانجيل الله». لقد نال رسالته على طريق دمشق. «فُرز» (أفوريزاين). يقابل «هاغيازاين» (هاغيوس): كرّس، قدّس. رج حز 45: 4؛ لا 20: 26، حيث الفكرتان تترافقان. كان اليهود يُفصَلون (يُفرَزون) عن الوثنيّين. أما بولس ففُرز من أجل الوثنيين (2 كور 6: 17= اش 52: 11). خُصّص لهم.
«انجيل» (اوانغليون). رج 1: 16؛ 10: 16؛ 11: 28؛ 1 كور 4: 15. هو الخبر الطيّب حول يسوع المسيح. هي البشارة التي حملها اليهود إلى أهل الشتات. ثم المسيحيّون. رج اش 61: 1- 2؛ مت 11: 5= لو 7: 22؛ أع 10: 36. سيطر هذا اللفظ في القسم الثاني من سفر اشعيا (40: 9؛ 52: 7؛ 60: 6؛ 61: 1)، وظلّ متداولاً في أيام يسوع (مز سل 11: 1؛ مد 18: 14). قرأ المسيحيّون نصوص اشعيا واعتبروا أنها تعلن خبرَ الله الطيّب. «لانجيل الله». الهدف من العمل هو حمل الانجيل (2 كور 2: 12؛ أع 13: 2). قد لا يشير بولس إلى عمل التبشير والكرازة (كيريغما، 16: 25؛ 1 كور 1: 21؛ 2: 4؛ 15: 14)، بل هو يريد أن يشدّد على تأثير الانجيل على حياته منذ اهتدائه (غل 1: 16). وهذا الانجيل هو «إنجيل الله» (15: 16؛ 2 كور 11: 7؛ 1 تس 2: 2، 8، 9؛ رج مر 1: 14؛ 1 بط 4: 17). الله هو ينبوع هذا التعليم وقوّته (1: 9). ترك بولس عبارة «بمشيئة الله» (1 كور 1: 1؛ 2 كور 1: 1؛ كو 1: 1؛ أف 1: 1). ولكنه حافظ على تواز ذُكر فيه المسيح يسوع، كما ذُكر الله الذي يعطي صفة شرعيّة لرسالته.
«الذي سبق فوعد به» (آ 2). لا يرد الفعل إلاّ هنا وفي 2 كور 9: 5. جاء الوعدُ من عند الله. «أنبيائه». ما اعتاد العهد الجديد على ضمير الغائب (- ـه). ولكن أراد بولس أن يشدّد على السلطة التي تُسند الرجاء النبويّ. هؤلاء الأنبياء هم عبيد الله. لقد جاءت كتاباتُ الأنبياء كمتطلّبة دفاعيّة في هذه الحركة الجديدة التي هي المسيحيّة (1 كور 15: 3- 4). «في الكتب المقدّسة». هي أقوال الله المكتوبة دون أي تحديد (فيلون، الشرائع الخاصة 1: 214). ق 15: 4؛ 16: 26؛ 2 بط 1: 20. هي أسفار التوراة المقدّسة التي دخلت في التقليد قبل أن تصبح لائحةً قانونيّة في نهاية القرن الأول المسيحيّ.
ب- ابن داود وابن الله (آ 3- 4)
«عن ابنه» (آ 3). في ما يخصّ ابنه، في شأن ابنه. تحدّثنا عن الله (انجيل الله) الذي يبدأ رسائل بولس. وها نحن نتحدّث عن الابن (آ 3). ويرد لفظُ «الابن» حين يريد بولس أن يتحدّث عن العلاقة بين الله ويسوع (آ 4، 9؛ 1 كور 15: 38)، أو عن هدف الله من أجل الشعب في علاقته بيسوع (8: 29؛ 1 كور 1: 9؛ 2 كور 1: 9). كما يرد في أوقات حاسمة (5: 10؛ 8: 3، 32؛ غل 1: 16؛ 3: 20؛ 4: 4؛ كو 1: 13؛ 1 تس 1: 10). أجل، يسوع هو ابن الله في شكل مميّز، هو «ابنه». فبنوّة الابن غير بنوّة المؤمنين (آ 3- 4). نشير هنا إلى أن لقب «الابن» أخذه حكّامُ الشرق، بمن فيهم ملوك اسرائيل (2 صم 7: 14؛ مز 2: 7؛ 89: 26- 27)، الجنس البشريّ عند الرواقيين، العالم اليهوديّ كله (خر 4: 22- 23؛ إر 31: 9؛ هو 11: 1؛ حك 9: 7؛ 18: 13؛ ق يوب 1: 24- 25؛ مز سل 17: 30؛ 18: 4؛ وص موسى 10: 3؛ سيب 3: 702)، الأبرار بشكل خاص (حك 2: 13، 16، 18؛ 5: 5؛ سي 4: 10؛ 51: 10؛ 2 مك 7: 34؛ ق مز سل 13: 8. تحدّث قمران عن «أبناء الحق» في نظح 17: 8؛ مد 7: 29- 30؛ 9: 35؛ 10: 27؛ 11: 11).
ويُطرح السؤال: كيف رأت المسيحيّة الأولى في يسوع ابن الله الوحيد؟ هذا ما يجد جذورَه في صلاة يسوع (8: 15- 17؛ غل 4: 6- 7 ). وهذه البنوّة جعلتها القيامةُ فريدةً في أعين أوّل تبّاع يسوع (آ 4). ثم إن الاعتراف بيسوع كالمسيح تضمّنَ بنوّة فريدة، حيث المسيح ابن داود دُعي ابن الله في معنى مميّز. وأخيراً، هذا الابن جاء من السماء (روم 8: 3؛ غل 4: 4). «المولود». اسم فاعل لا يتطلع فقط إلى وضع انسان «وُلد من امرأة» (أي 14: 1؛ 15: 14؛ ق نج 11: 20- 21؛ مد 13: 14؛ 18: 12- 13، 16)، بل إلى حدث يهب الولادة نفسها.
«من ذريّة داود». هذا قول يوضح أن يسوع مُسح كابن داود، كالمسيح الملكيّ، كتتمّة الرجاء النبويّ الذي تاق إليه شعب اسرائيل في الدهر الآتي (اش 11: 1 ي؛ إر 23: 5- 6؛ 33: 14- 18؛ حز 34: 23- 31؛ 37: 24- 28؛ ق مز سل 17: 23- 51). أن يكون يسوع من نسل داود أمرٌ معروف في العهد الجديد (مت 1: 1- 16، 20؛ لو 1: 27، 32، 69؛ 2: 4؛ 3: 23- 31؛ رج 2 تم 2: 8؛ أع 2: 30؛ رؤ 5: 5؛ 22: 16). «بحسب الجسد». ساركس (اللحم والدم). أي على المستوى البشري. وسوف نقول: بحسب الروح (بنفما). ما يميّز الانسان في المواتيّة والضعف والعلاقات والحاجات والرغبات. رج 11: 14؛ 1 كور 6: 16؛ 15: 39؛ كو 2: 1. اللحم (والدم) هما مصدر الفساد والعداوة لله (8: 5، 7، 12؛ 13: 14؛ غل 5: 13، 24؛ 6: 8؛ كو 2: 11، 13، 18، 23). والناحية السلبيّة واضحة حين يتعارض «ساركس» مع «بنفما» (2: 28؛ 8: 6، 9؛ غل 3: 3؛ 5: 16، 17، 19؛ فل 3: 3، 4). أو «بحسب الجسد» و«بحسب الروح»، كما هو الأمرُ هنا وفي 8: 4- 5؛ غل 4: 29. والعبارة «بحسب الجسد» ليست عاملاً محدّداً في نظر الله (4: 11- 12، 16- 17؛ 9: 8). والانجيل الذي يتجاوز حدودَ العالم اليهوديّ (آ 5- 7)، يدلّ على يسوع المسيح الذي يتعدّى دورُه دورَ مسيح يهوديّ وحسب (آ 3- 4).
«المقام بحسب الروح» (آ 4). «هوريستانتوس» (لا يرد إلاّ هنا عند بولس). «عُيّن، أعلن». هو عمل الله (المجهول الالهيّ) الذي أعطى يسوع هذا الوضع، فصار قديراً بقدرة الله. وقد ظهر هذا «التعيين» في القيامة من بين الأموات. لهذا السبب، وضعت اللاتينيّة العتيقة المسبّق «برو» لتدلّ على أزليّة قرار الله الذي أقام المسيح بحسب الروح. «في قدرة» (ديناميس). أجل، برزت بنوّةُ يسوع في القيامة، بحيث شارك في قدرة الله لا في وضع جعله يجلس عن يمين الله وحسب، بل في سلطة تنفيذيّة تستطيع أن تعمل في المؤمنين (8: 10؛ 1 كور 15: 45؛ غل 2: 20؛ كو 2: 6- 7). هذا يعني، في نظر بولس، أن الانجيل لا يتحدّث فقط عن يسوع كمسيح اليهود. فهذا الدور لا يتوافق مع ملء مخطّط الله. إن مسيحنا قام من بين الأموات، وصار ابن الله بالقدرة على كل شيء.
«بحسب روح القداسة». هي عبارة ساميّة. رج مز 51: 11؛ أش 63: 10- 11؛ ق وص لاوي 18: 11؛ نج 4: 21؛ 8: 16؛ 9: 3؛ مد 7: 6- 7؛ 9: 32. هناك عبارات مماثلة نقرأها في روم 8: 15؛ غل 6: 1؛ أف 1: 17؛ 2 تم 1: 7. هو كلام عن الروح القدس، الروح الذي تميّزه القداسة، الذي يشارك في قداسة الله. «كاتا» بحسب. لقد ميّز الروح القدس حياة يسوع ودوره، كما سبق للحم والدم أن فعلا. «بنفما»، الروح. هناك تحديد جامد: دائرة السماء، جوهر السماء. وهناك تحديد ديناميكيّ يدلّ على الحياة، حياة يسوع على الأرض ودور الروح فيها. «بالقيامة من بين الأموات». لا بقيامته هو، بل بالقيامة بشكل عام. قيامته وقيامة جميع البشر من أجل الدينونة الأخيرة. رج أع 4: 2؛ 23: 6 واستعارة قيامة المسيح كباكورة القيامة الأخيرة (1 كور 15: 20 ، 23) والتقليد القد يم عن قيامة يسوع التي ترافقها القيامة العامّة (مت 27: 52- 53). هذا يعني التأثير الكبير الذي تركته قيامةُ يسوع في التلاميذ الأولين والحماس الذي ولّدته هذه القيامة.
«يسوع المسيح ربّنا». هذا ما يقابل «عن ابنه» (آ 3). وهكذا يكتمل الإطار حول «النؤمن» بالنسبة إلى يسوع كابن داود وابن الله. وتبرز مركزيّةُ الكرستولوجيا في إيمان المسيحيّين الأولين. «الربّ» (كيريوس). هو لقب مفضّل للمسيح عند بولس (230 مرّة في المجموعة البولسيّة). ثم إن ربوبيّة المسيح هي نتيجة قيامته. «المسيح يسوع ربّنا» يقابل «عبد المسيح». فبولس والمسيحيّون يرتبطون بيسوع كالعبد بسيّده، فتستنير حياتُهم بالذي قام من الموت.
ج- أحبّاء الله في رومة (آ 5- 7)
«الذي به» (آ 5). لا في شأنه وهو عابد الله الذي مات. لا «منه» وكأن المسيح ينبوع القدرة الالهيّة. بل به، بواسطته. فالمسيح القائم من الموت هو فاعل، ومشارك في مسيرة الخلاص (5: 9، 17- 18، 21؛ 8: 37). منذ الآن، بان أن يسوع الممجّد هو الوسيط بين السماء والأرض (1: 8؛ 7: 25؛ 2 كور 1: 20؛ كو 3: 17). «نلنا». هي صيغة المتكلّم الجمع. فبولس ليس وحده رسول الأمم. وقد تكون هذه الصيغة شكلاً من أشكال الأسلوب الرسائليّ. رج 1 كور 9: 11- 12؛ 2 كور 1: 12- 14؛ 1 تس 3: 1- 2 هنا نتذكّر أن بولس لا يكتب وحده وقربه تيموتاوس، سلوانس...
«النعمة» (خاريس). لفظ بولسيّ، في شكل خاص، يعبّر عن حرّية الله في تعامله مع البشر. يقابل في العبريّة: ح ن؛ حنّ، وجد حظوة في نظره. هو المعنى الديناميكيّ الذي فيه ينحني القويّ على الضعيف (خر 3: 21؛ 11: 3؛ 12: 36؛ مز 84: 11؛ دا 1: 9؛ با 2: 14). ليست «النعمة» عند بولس موقف الله أو استعداده فحسب (طابع الله الذي يُنعم). بل تدلّ على قدرة الله الذي يعمل بسخاء ومجانيّة. هذه القدرة التي يختبرها الانسان في حياته. هذه النعمة ننالها. تُعطى لنا. من أجل «الرسالة» (أبوستولي). رج فقط 1 كور 9: 2؛ غل 2: 8. هذه النعمة تتجلّى في الرسالة، في خبرة المسيح القائم والذي ظهر للرسول على طريق دمشق (غل 1: 12، 15- 61)، هي خبرة الاهتداء (3: 24؛ 5: 1،25، 17، 20؛ 1 كور 1: 4- 5). وفيها كلّف بولسُ بالرسالة حين التقى بالمسيح القائم من الموت (غل 1: 15- 16؛ 1 كور 9: 1- 2).
«لطاعة الإيمان». «هيباكوي». لفظٌ قلّ استعماله في العالم الوثنيّ. وتواترَ في العالم المسيحيّ في علاقة مع التعليم (5: 19؛ 6: 16؛ 15: 18؛ عب 5: 8؛ 1 بط 1: 2، 14، 22). يتفرّع «هيباكوو» (أطاع) من «أكوو» (سمع. في العربيّة ترتبط الطاعة بالسماع. أنصت، أجاب. «ش م ع» في العبريّة). هو جواب على كلام تلفّظ به آخر. قرأنا هنا «طاعة الإيمان». وفي غل 3: 2، 5: «سماع الإيمان».
«الإيمان» (بستيس). لفظ يرد 40 مرة في روم. والفعل «آمن» (بستاوو) يرد 21 مرة. أما صيغة المضاف فقد تعني: الجواب الذي هو الإيمان. الطاعة التي تنبع من الإيمان. وقد نقول: الطاعة للإيمان بحيث نكون أمناء لله. إن طاعة الإيمان ستعود في16: 26 فتشكّل تضميناً في روم. بالنسبة إلى فعل «هيباكوو» رج 6: 12- 16، 17؛ 10: 16. ماذا نفهم من كل هذا؟ الإيمان بالتعليم حول يسوع. الاستسلام له في المعموديّة. وبالتالي أسلوب حياة يحدّده هذا الإيمانُ (3: 31؛ 4: 12؛ 6: 16؛ 8: 4؛ 13: 8- 10).
«في جميع الأمم» (اتنوس). هي الأمم الوثنية تجاه الأمّة اليهوديّة. رج «ج و ي م» في العبريّة: الأمم الغريبة عن العالم اليهوديّ. أما في العالم اليونانيّ، فيدلّ اللفظ على الغرباء بشكل عام. لم ترد هذه العبارة بالصدفة لتؤمّن الانتقال مع ما سبق. فرسالة بولس تجاه الأمم هي أساس فهمه لرسالته (11: 13؛ 15: 16، 18؛ غل 1: 16؛ 2: 2، 8- 9). ومخطّط الله الخلاصيّ تطلّع إلى الأمم كموضوع رئيسيّ في هذه الرسالة. «اتنوس» ترد 29 مرة في روم، منها9 مرات أُخِذت من العهد القديم (15: 9). «جميع». هو انجيل الله بنظرته الشاملة. وقد اعتبر بولس أنه أنهى العمل بحيث قرُب الوقتُ من أجل خلاص اسرائيل (11: 13- 27؛ 1 كور 4: 9). ستكون طاعة الإيمان في الأمم، في وسط الأمم الوثنيّة. رج مز 2: 8 (الأمم ميراث لك)؛ اش 49: 6- 7 (عبد الربّ هو نور الأمم). تحدّث العهدُ القديم عن طاعة اسرائيل كتجاوب مع العهد (تث 6: 4، اسمع يا اسرائيل؛ 26: 17؛ 30: 2). وتحدّث بولس عن طاعة الأمم، ومنهم جماعة رومة.
«من أجل اسمه». الاسم هو ما به يُعرف الانسان، ما به يتجلّى، ما به يتّصل بالآخرين. هكذا يُعرف الله. فبولس يُتمّ عهدَ الله حين يأتي بالأمم إلى طاعة الإيمان (2: 24؛ 9: 17؛ 10: 13؛ 15: 9). طاعة الأمم (2: 24) تقدّم أرفع شهادة لله. وفشلُ اليهود عبر تكبّرهم وعصيانهم، يحقّر اسم الله وسط الأمم.
«الذين أنتم أيضاً» (آ 6). جماعة رومة هم من هؤلاء الأمم. هذا يعني أن أكثريّة المسيحيّين في كنيسة رومة كانوا من أصل وثنيّ (1: 13- 15؛ 11: 13، 17- 21). «أيضاً» (كاي). كما تجاوبت الكنائسُ البولسيّة مع نداء الله، كذلك فعلت جماعةُ رومة. «مدعوّي يسوع المسيح». أي لتكونوا ليسوع المسيح. فالمؤمنون يرتبطون بيسوع المسيح. هكذا يتميّزون عن الوثنيّين الذين يرتبطون بزعيم في رومة، وعن اليهود الذين لا يشاركونهم إيمانهم بيسوع (آ 7).
«إلى جميع الذين في رومة» (آ 7). ها هم قرّاء الرسالة. ويوجّه بولسُ كلامه إلى جميع الذين جاؤوا إلى المسيحيّة، سواء من اليهود أم من الوثنيّين. وقد يكون هناك سوء تفاهم بين مختلف المجموعات، ولا سيّما بين «الأقوياء» و«الضعفاء» (14: 1- 5). ما دعاهم «كنيسة الله قي رومة» (رج 16: 23 والكلام عن كنيسة كورنتوس)، لأنهم كانوا أكثر من أن يجتمعوا معاً في مكان واحد. «أحبّاء الله». الله أحبّكم. رج مز 60: 5؛ 108: 6؛ ق روم 9: 25؛ كو 3: 12؛ 1 تس 1: 4؛ 2 تس 2: 13. أنتم المدعوّين لكي تكونوا قدّيسين (1 كور 1: 2). أنتم قدّيسون لأنكم دُعيتم. أجل، يتميّز المسيحيّون عن سواهم. دعاهم الله، اختارهم (كليتوس). قدّسهم (هاغيوس). فالمؤمنون ككلّ هم قدّيسون (8: 27؛ 13: 13؛ 15: 25؛ 1 كور 6: 1- 2). المقدَّس هو من فُرز، جعل جانباً، كرّس في شكل خاص من أجل العبادة. وقد دعا بولس المؤمنين في رومة أن يجعلوا من أنفسهم «ذبيحة حيّة مقدّسة» (12: 1). الجماعةُ كلها مكرّسة لله. جماعة القدّيسين. رج مز 16: 3؛ 34: 9؛ 74: 3؛ 83: 3؛ اش 4: 3؛ دا 7: 18، 21، 22، 25، 27؛ 8: 34؛ طو 8: 15؛ حك 18: 9. اعتبر بنو اسرائيل أنهم اختيروا اختياراً خاصاً من أجل الله. وهكذا صوّر بولسُ جماعة رومة. كان اليهود يعتبرون الأمم نجسين لأنهم لا يعرفون الشريعة الموسويّة. أما بولس فدعاهم «قدّيسين» بعد أن دعاهم الله بيسوع المسيح. «نعمة لكم». بعد الجزء الأول (من بولس) والجزء الثاني (إلى الذين في رومة)، ها هو الجزء الثالث مع التحيّة (خايراين). اللفظ المميّز هو «النعمة» (خاريس). رج آ 5. في غل 6: 16 قال بولس: «الرحمة والسلام معكم». رج يهو 2؛ ق2 با 78: 2. أما هنا فذكرَ النعمةَ التي هي قدرة الله الخفيّة، والمتجلاّة في الحياة اليوميّة. «السلام» (ايريني). جاءت النعمة من العالم اليونانيّ، والسلام من العالم اليهوديّ. رج قض 19: 20؛ 1 صم 25: 5- 6؛ دا 10: 19 حسب تيودوسيون؛ طو 12: 17؛ 2 مك 1: 1؛ يع 21: 6. مفهوم السلام (ش ل و م) في العالم العبريّ مفهوم إيجابيّ. لا يعني فقط «اللاحرب»، بل الازدهار الماديّ والروحيّ. السلام شيء منظور يعيشه الفرد مع الفرد، والجماعة مع الجماعة، داخل شعب الله.
«من الله أبينا». عرف العالم القديم مفهوم الله على أنه أب. هو صانع الكون. موجِّه العالم. أبو الجنس البشريّ. اعتُبر زوش «أبا البشر والآلهة». هنا نتذكّر العالم الرواقيّ، والجماعات السرانيّة. وفي العالم اليهوديّ، الله أب بسلطته على شعبه ومسؤوليته عن الذين اختارهم (تث 32: 6؛ اش 63: 16؛ إر 3: 4، 19؛ 31: 9؛ ملا 1: 6؛ طو 13: 4؛ 3 مك 5: 7). وهناك فكرة تقول إن الله هو أبو الأتقياء (سي 23: 1، 4؛ حك 2: 16؛ 14: 3). حين أخذ المسيحيّون هذا اللقب في علاقتهم مع الله (أبانا)، تأثّروا بيسوع المسيح (لو 11: 2؛ رج روم 8: 15؛ غل 4: 6). ق 1 كور 1: 3؛ 2 تس 1: 1- 2؛ غل 1: 3- 4؛ أف 1: 2؛ فل 1: 2؛ 1 تس 1: 1، 3؛ 2 تس 1: 1- 2؛ فلم 3. كل هذا يدلّ على أن أبوّة الله دخلت في علاقة المسيحيّين بالله دخولاً واسعاً. «والربّ يسوع المسيح». رج آ 4. أراد الله أن يُشرك المسيحَ الممجّد في سلطته. رج مز 110: 1؛ 1 كور 15: 24- 28.

3- خلاصة لاهوتيّة
هذه المقدّمة التي هي طويلة جداً، تتميّز عمّا نقرأ في بداية الرسائل البولسيّة. الرسمة المعروفة في العالم الهلينيّ نجدها هنا مع المرسِل والمراسلين والتحيّة بما فيها من تمنٍّ. غير أن هذه العناصر تحمل سمات خاصة. وما نلاحظه هو أن الرسول أدرج معترضةً حول «الانجيل» (آ 2- 4) مع عبارة اعتراف إيمانيّ ورثه بولس من الكنائس اليهومسيحيّة. وأخرى حول رسالته (آ 5- 6). إن إدراج هذه القطعة التقليديّة في عنوان الرسالة يُفهَم، إن نحن عرفنا أن بولس يكتب إلى جماعة لم يؤسّسها ولم يَزُرها. لهذا، أبرز الرسول هويّته في إطار من الثقة أعلن فيه أيماناً يشارك فيه جماعةَ رومة.
في آ 1، قدّم بولس نفسه على أنه صاحب الرسالة. هو وحده بدون مرافقيه ولا العاملين معه، بمن فيهم تيموتاوس الذي سيذكره في النهاية. لقد أراد أن يقدّم نفسه شخصياً. فكما في غل، بولس هو وحده المسؤول عمّا سيقول. غير أن وضع غل يختلف عن وضع روم. فهنا ما أراد بولس أن يُصلح الانحرافات، كما فعل في غل، بل قدّم نفسه، كمسؤول عن الرسالة بين الأمم، لجماعة رومة، وهيّأ مجيئه إليهم. هو عبد المسيح يسوع. هذا ما قاله أيضاً عن نفسه في فل 1: 1، فعاد إلى لقب شريف عرفته السبعينيّة في حديثها عن الموظفين الملكيّين، وفي مقابلتها بين العبد وخدمة الله: كان شعب اسرائيل عبد الله. وموسى والأنبياء. وتشرّف بولسُ بهذا اللقب، فربط حياتَه بالمسيح الذي له يخضع وبانجيله يلتزم.
إذا كان بولس أعلن نفسه «عبد» المسيح، فهو ما اختار هذا اللقب اختياراً شخصياً. بل دُعي إليه دعوة خاصة. هي دعوة ملحّة، فيها يؤمر الانسان بأن يتجاوب مع الله، وإلاّ دلّ على عصيانه. شابه الرسولُ الأنبياء (إر 1: 6)، فجاء جوابه بلا تردّد ولا تحفّظ. وهذه الدعوة جعلت من بولس رسولاً، وهو لقب يفتخر به بعد أن رأى المسيح القائم من الموت (1 كور 9: 1)، ويجعله على مستوى المسؤولين في أورشليم. فهو مثلهم رسول ومبشّر بالانجيل. هو مرسل. هو موفَد. هذا يعني أنه يمتلك سلطة، أنه أعطي عوناً من الله يتيح له أن يكرز بالانجيل الذي يدعوه «إنجيلي» بفضل النعمة الالهيّة (1 كور 3: 10؛ 15: 10). كان من الضروريّ أن تتذكّر جماعة رومة هذا الحقّ الذي يسمح لبولس أن يتصرّف الآن تصرّفاً يرفضه بعضُ المسيحيّين الجدد.
ووظيفة بولس كرسول هي نتيجة فرز. وضعه الربّ جانباً، كما توضع الذبيحة التي ستقدّم على المذبح. اختاره من بين «القطيع»، ذاك الذي هو الراعي الصالح. نحن بعيدون عن تمييز بين الطاهر والنجس، وكأن بولس وحده طاهر. بين الدنيويّ والمقدس، وكأن بولس وحده نال روح القداسة. فهو سيقول لنا إن جماعة رومة دُعوا لكي يكونوا قدّيسين. بين من هو الرسول تجاه سائر المسيحيّين. فالجميع مدعوّون لحمل الرسالة، وقد سبق المؤمنون بولس في حمل الرسالة إلى أنطاكية. لا شكّ في أن المؤمن ينفصل، يتكرّس لله، لكي يحيا حياة توافق مشيئته (لا 20: 26). ولكن بولس فُرز، أخذ من بين اليهود، ليحمل الخلاص إلى الوثنيين ويبشّرهم بإنجيل الله.
يُذكر «الانجيل» بدون أن يضاف إليه شيء (1 تس 2: 4؛ روم 1: 16؛ 11: 28). ويتحدّث بولس عن إنجيلي (1 تس 1: 5؛ روم 2: 16). غير أن هذا الانجيل الذي يعتبره بولس انجيله، هو في الواقع انجيل الله، انجيل المسيح. فالله كلّفه به. هذا الاله الذي هو كاتب الانجيل وموضوع الانجيل الذي هو الخبر الطيّب. حين نتحدّث عن «انجيل الله»، نفهم أن الله هو في أساس مهمّة الرسول (غل 1: 1)، وأنه هو الذي ألهم الرسول بما يحمله من تعليم (1 كور 2: 10- 16). ونفهم أيضاً أن هذا التعليم موضوعه الله وعمله الخلاصيّ الذي تحقّق في يسوع المسيح.
وواصل بولس كلامه في آ 2، فبيّن أن الانجيل ليس أمراً جديداً يقلب نظام الله رأساً على عقب. هذا الانجيل هو في الواقع تحقيق لما وعد الله به من قبل، بواسطة أنبيائه في الكتب المقدّسة. فالرسول مقتنع أن ما يكرز به هو «عثار لليهود» (1 كور 1: 23)، لأن العمى سيطر عليهم. فلو أرادوا أن يتركوا نور الله يقودهم، لعرفوا أن يقرأوا في الكتب المقدّسة ما لا يقدرون أن يحتملوه اليوم في الكرازة الرسوليّة. فبولس يتوجّه هنا إلى جماعة جاءت من العالم الوثنيّ. لا كتب مقدّسة لهم. بل كتُب اليهود كتُبهم. إذن، لجأ بولس إلى هذه الكتب مع التقليد المسيحيّ (1 كور 15: 3- 4)، كما إلى أساس عاديّ لإعلان أو وعد. كما إلى كفيل قدّمه الله بواسطة الأقوال النبويّة. أجل، كل ما حقّقه الله ويحقّقه بالمسيح قد تمّ «بحسب الكتب».
فكل شيء يرتبط بشخص المسيح وبعمله (آ 3). بشخص ابن الله. وهذا الابن هو موضوع الاعلان الانجيليّ (غل 1: 16). والرسل يبشّرون بالمسيح، بحياته وأعماله وأقواله. ذاك هو الانجيل الذي يكرزون به. إن هذا الابن يدخل في حياة البشر في خطّ بشريّ وملكيّ. إنه المسيح الداوديّ. فالمسيح هو ابن داود «بحسب الجسد». ارتبط باخوته اليهود على مستوى اللحم والدم. هي ولادة بحسب الطبيعة البشريّة. هذا ما يعرفه المسيحيون في رومة، وإلاّ لما كان ذكرَه بولس.
غير أن الأصل الداودي يبقى المستوى الأدنى. فهناك مستوى آخر (آ 4) يبرّر ارتباطنا بالإيمان بشخص يسوع المسيح. فيسوع هذا، قد أقامه اللهُ ابنَ الله بالقدرة، بحسب روح القداسة. ماذا تضيف هذه البنوّة على سابقتها؟ قد نكون هنا أمام كرستولوجيا بولسيّة تنظر إلى المسيح من وجهة الضعف والموت مع النهاية على الصليب. ولكن في الواقع، الانتماء إلى داود يدلّ على كرامة ستتبعُها كرامةٌ أخرى تسمو على الأولى وتقابلها. تقوم هذه الكرامة بأن يكون يسوع «ابن الله القدير»، في حالة تميّز منذ الآن، ذاك الابن الذي قام من بين الأموات. هذه القدرة دلّت على ابن الله في قيامته، وما جعلت المسيح ابن الله. فهو ابن الله منذ الأزل.
روح القداسة هو الروح القدس. هو الروح المقيم في الدائرة الالهيّة. نشير هنا إلى أن بولس حين يجعل روح الله في علاقة مع المسيح، يعطيه وظيفة بالنسبة إلى المؤمنين: أن يعطيهم الحياة (1 كور 15: 45: روحاً محيياً). ولكن حين نعرف أن «القداسة» هي حياة يُوجَد فيها المؤمنون ويجب أن يظلّوا فيها لكي يتحقّق فيهم مخطّط الفداء (1 تس 3: 13؛ 2 كور 7: 1)، نتردّد في جعل كل شيء يعود إلى المسيح، وننسى التأثير على الذين آمنوا به. فإن نحن عدنا إلى السياق البولسيّ، نعرف أن روح القدوس هو قدرة تقدّس البشر، هو روح مقدّس يعمل لخلاص المسيحيّين، يفعل في ابن الله الذي أقامته القيامة في القدرة. والقداسة الناتجة عن هذا الوضع لا تنحصر في النظام الخلقيّ. إنها حاله تنبع من تكريس، من تقديس، وتتوق إلى هذا التقديس: تقديس الحياة كلها لله من أجل عبادة روحيّة أساسها الطاعة والحبّ.
بدأ الوضعُ الجديد والحالي للمسيح بقيامة الموتى، ومنذ هذه القيامة. هي قيامته أولاً على المستوى الزمني (منذ). وعلى مستوى الواسطة. فحين أقام الله يسوع، أقامه ابن الله في القدرة. ويسوع هو الربّ حسب تقليد مسيحيّ. مارانا تا: تعال، أيها الربّ يسوع (1 كور 16: 22؛ رؤ 22: 20). واعلان الإيمان الذي نقرأه في فل 2: 11 يحتفل بيسوع على أنه «الربّ». إن يسوع هو «ربنا» نحن المسيحيّين. هو سيّد وجودنا وحياتنا، ونحن نُعلن نفوسنا «عبيداً» له (1 كو 72: 22)، مع الرسل، من أجل نوال الخلاص من يده.
بعد أن عاد بولس إلى اعتراف قديم في المسيحيّية الأولى (آ 5)، استعاد مجرى الرسالة: بيسوع نلنا النعمة. جعل بولس نفسه مع جماعة رومة. كلهم نالوا نعمة الرسالة، أنعِم عليهم بأن يكونوا مرسلين. فنعمةُ الفداء لا تنفصل عن مسؤوليّة الرسالة التي لا ترتبط بمبادرة بشريّة ولا باستحقاق من قبل المدعو (1 كور 15: 10). ورافقت «طاعة الإيمان» هذه النعمةُ الرسوليّة. نسمع لنعمل ونطيع. أما الإيمان فهو فعل به يتعلّق الانسان بالتعليم الانجيليّ. إنه جواب على كلمة الله (9: 6) كما نقلها الرسل. وهذا الجواب للانجيل الذي كُرِز به يتضمّن خضوعاً نعبّر به في عقلنا وفي حياتنا. وهكذا نعبّر عن طاعتنا بإيماننا.
تتوخّى رسالة بولس أن يتجاوب المؤمنون «بين الأمم» مع هذه الدعوة. في مخطط الله الذي يتصوّره بولس «سراً»، نجد مرحلتين قبل النهاية القريبة للعالم الآتي: دخول «ملء الأمم» في جماعة المخلّصين، ثم خلاص كل اسرائيل (11: 26). هو ما قال إن جميع الأمم، فرداً فرداً، سيتجاوبون بالإيمان مع الكرازة الرسوليّة. بل إن عدد المختارين بين الأمم سيكون كاملاً. يبقى أن جميع الأمم يجب أن تكون موضوع تبشير. كما عرف بولس أنه كلّف بمثل هذه المهمّة في هذا الاتجاه (1: 13)، واقتنع أنه عمل الكثيرَ (15: 19). وإذ عمل ما عمل، فقد عمل في الماضي وما زال يعمل، لا من أجل مجده الخاص أو تقدُّمه، بل من أجل كرامة اسم المسيح، من أجل مجده ومجد الله (15: 9؛ فل 2: 11).
ونعرف في آ 6 أن جماعة رومة تألّفت من الأمم. هي جزء من هؤلاء الأمم الذين كانوا موضوع نداء توخّى أن يجعل منهم «مؤمني يسوع المسيح». وجاء هذا النداء بواسطة بشر، بواسطة الرسل. ومع ذلك، هو نداء إلهي كذاك الذي أمرَ الخليقةَ فكانت. هو نداء فاعل (4: 17) شرط أن يجيب المدعو بفعل الإيمان، بعون الله (1 تس 5: 24).
وقرّاء الرسالة (آ 7) هم أحبّاء الله الذين في رومة. جميعهم إلى أية فئة انتموا. في آ 8، سيقول بولس: «من أجلكم جميعاً». وفي 15: 33: «إله السلام معكم أجمعين». فهناك توتّرات وانقسامات في رومة. وبولس لا يقف مع فئة ضد فئة. بل يوجّه كلامه إلى كل فئات المسيحيّين. هؤلاء المؤمنون هم أحبّاء الله، لا بسبب استحقاقاتهم وأعمالهم الصالحة، بل لأن الله أظهر حبّه، قبل أي محاولة بشريّة، فخلّص البشريّة بيسوع المسيح (8: 37- 39). وكانت نتيجة هذا الحبّ اختياراً يُذكر هنا للمرة الثالثة. دعوة الله هي التي تخلق «القديسين». هذا يعني أنهم إن أرادوا أن يحقّقوا دعوتهم إلى القداسة، وجب عليهم أن يكرّسوا حياتهم لهذا الاله الذي وهبهم كلَّ شيء حين وهبهم ابنه.
ماذا تمنّى الرسول لهؤلاء المؤمنين؟ النعمة والسلام. رضى الله وحظوته. عطاؤه وملء بركاته. هو وضع جديد من علاقة الانسان بالله، تدّشن بالمسيح فتميّز عن نظام الشريعة الموسويّة (6: 14). هي مجانية خلاص جذريّة لا تهتمّ كثيراً بالأعمال البشرية. تخلّصَ المسيحيّ من حالة حرب حين غفر الله له وبرّره، وتلك هي النعمة الكبرى التي ترافق السلام. تمنّى الرسول، وصلّى من أجل جماعة رومة. فكل شيء يأتينا من لدن الآب بواسطة الابن. أو هو يكون عطيّة الآب والابن.

خاتمة
هكذا بدأ بولس رسالته إلى رومة فدلّ على الرباط الذي يوحّد بين المرسل والقرّاء. فبولس تسلّم رسالة من القائم من بين الأموات، وهو يعتبر نفسه مسؤولاً بشكل خاص عن الأمم. ومنهم جماعة رومة. فإن وصل الانجيل إلى اليهود وحدهم، صار سفراً من أسفارهم المقدّسة. بل هو يجب أن يصل إلى العالم كله، وهذا ما وعاه بولس الذي بدأ البشارة في الشرق ومدّها إلى الغرب، فأراد أن يوصلها إلى اسبانية، إلى نهاية العالم المعروف آنذاك، إلى مضيق هرقل أو جبل طارق. وبولس هو الشاهد الذي يلتزم شخصياً برسالته، فيكتب ويعلّم ويكرز ويحثّ ويأمر ويهدّد. وهو لا يرتبط بحضارة، ولا بنسل، ولا بسلطة بشريّة. كما لا يرتبط بكنيسة ولو كانت كنيسة أورشليم. الشيء الوحيد الذي يريد أن يقوله الآن هو أنه عبد يسوع المسيح. وهو رسول يحمل كلمة الخلاص بذاك الذي هو انسان وابن داود، وهو الله وابن الله الذي ظهرت قدرته بقيامته. والإيمان الذي يعلنه الرسول هو إيمان جماعة رومة. وكما دُعيَ على طريق دمشق، دُعوا هم أيضاً ليكونوا قدّيسين. من أجل هذا أراد بولس أن يزورهم ليُفيدهم ويستفيد منهم، وليتعزّى الجميع بالإيمان الذي يشارك فيه الرسول مؤمني رومة.
الفصل الثالث
رغبة بولس في المجيء إلى رومة
1: 8- 15

تبع بولس عادة ذلك الزمان، فكان أول عمل قام به بعد التحيّة إلى القرّاء، فعل شكر لله بسبب إيمان جماعة رومة. وصلَته أخبارٌ عن عدد المؤمنين وعن مستوى إيمانهم الذي بلغت أصداؤه إلى العالم كله، فرفع شكره بواسطة يسوع المسيح، وصلاته لكي يستطيع القدوم إليهم، بعد أن مُنع أكثر من مرّة. فهو يعتبر رسالته إلى الأمم فعلَ عبادة وخدمة روحيّة. وهذه الرسالة نجحت فأقام الكنائس وثبّتها. اختاره الله أداة ليحمل البركة إلى الأمم. بدأ في الشرق وامتدّ إلى الغرب. بل هو يريد أن يمضي أبعد من ذلك. ومرورُه في رومة لن يطول: فهو ما أسّس هذه الكنيسة، ولا هو زارها بعد. فهو لا يريدُ أن يبني على أساس غيره. لهذا سيمرّ في رومة متوجّهاً إلى اسبانية، ويطلب من الجماعة هناك أن تزوّدة بالصلاة وبما يحتاج إليه. فحياته أولاً وأخيراً هي للانجيل الذي لا يستحي به، والذي هو وحدة قوّة خلاص للمؤمنين.

1- دراسة النصّ وبنيته
ما نلاحظ على مستوى الدراسة في آ 14 هو أن المخطوطين 011 و012 أهملا العبارة «الذين في رومة» كما في آ 7.
أما على مستوى البنية، فتبع بولس طريقة كتابة الرسائل في أيامه، فضمّ الشكر إلى الصلاة من أجل قرّائه. هذا مع العلم أنه أعجب بإيمانهم (آ 8، 12). على مستوى التحليل البلاغيّ، هذه القطعة هي جزء من المدخل. ضمّ الرسول في كلامه المديح والثقة والاعتذار، لأنه يكتب إلى كنيسة لم يؤسّسها. كما ضمّ الرغبة في أن يزور المؤمنين في رومة لكي يربح ودَّهم. مثلُ هذه الأمور نجدها في 1 كور 16: 1- 11؛ 1 تس 2: 17- 3: 11؛ فلم 21- 22. وسوف يوسّع بولس فعلَ الشكر ليدلّ على هدفه الرئيسيّ الذي يتلخَّص في ثلاثة ألفاظ: الإيمان، الأمم، البشارة. كما يصل بنا إلى موضوع الرسالة الذي نقرأه في آ 16- 17. وليس من قبيل الصدف أن يعود بولس، بعد أن أكمل جسم الرسالة (1: 18- 15: 13)، إلى ذات الهدف الذي نقرأه هنا (15: 14- 33). هذه السمات تكفي لتبيّن أن هذه الأسباب الشخصيّة لا يمكن أن تُعزَل عن البرهان الذي تشكّل إطاراً له.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (1: 1- 7)
يتوزّع هذا النصّ في مقطعين اثنين: في الأول، يرفع بولسُ شكرَه لله من أجل كنيسة رومة، ويعلن أنه يصلّي من أجل المؤمنين ويتمنّى أن يراهم (آ 8- 12). في القسم الثاني (آ 13- 15) يعلن بولس ما يشكّل محور حياته: البشارة بالانجيل. لا بين اليهود فقط، بل بين الأمم الذين يؤلِّفون الأكثريّة في كنيسة رومة.

أ- شكر لله (آ 8- 12)
«وأبدأ» (بروتون). (آ 8). ولكنه لا يواصل. رج 3: 2؛ 1 كور 11: 18. إسمحوا لي أن أبدأ. إن بولس يبدأ بالشكر (1 كور 1: 4؛ أف 1: 16؛ فل 1: 3؛ 1 تس 1: 2؛ 2 تس 1: 3؛ فلم 4). «إلهي». الأنا هنا لا تعني أن الله هو إله بولس، لا إله المؤمنين. بل تدلّ على ارتباط شخصيّ عميق، وتشدّد على حرارة التعبّد له (فل 1: 3؛ فلم 4؛ رج مز 3: 7؛ 5: 2؛ 7: 1، 3، 6؛ 13: 3؛ 18: 2، 6، 21، 28- 29؛ 22: 1- 2، 10). «بيسوع المسيح» (5: 11؛ 7: 25؛ 1 كور 15: 57؛ كو 3: 17). بواسطة يسوع المسيح يُعطى لنا كلّ شيء. والمسيح الممجّد يلعب هنا الدور الذي أعطي لرئيس الملائكة في العالم اليهوديّ (طو 12: 12، 15؛ ق 1 أخن 9: 3؛ 99: 3؛ 104: 1؛ وص لاوي 3: 5؛ 5: 6- 7؛ وص دان 6: 2)، أو للآباء (فيلون، الجزاء والعقاب 166؛ 2 أخن 7: 1 ي؛ 53: 1). هم في الواقع شفعاء في السماء (8: 34). ولكن مع بولس امتدّت وساطة يسوع إلى السماء والأرض، فلم يَعُد من وسيط يلعب أيَّ دور في خلاص البشريّة. فيسوع وحده هو الوسيط السماوي: هو ابن داود، وهو ابن الله. هو الربّ يسوع المسيح. «إيمانكم». يشكر بولس الله على إيمان جماعة رومة (أف 1: 15- 16؛ فل 1: 3- 4؛ 1 تس 1: 2- 3؛ 2 تس 1: 3- 4). لا ننسى أن بولس يكتب من كورنتوس.
«والله الذي أخدمه» (آ 9). هو شاهد (مرتيس). رج 1 صم 12: 5- 6؛ ق وص لاوي 19: 3 يوسيفوس، الحرب 1: 595. ق 2 كور 1: 23؛ فل 1: 8؛ 1 تس 2: 5، 10. «لاتراوو» (خدمَ). هي خدمة في شعائر العبادة (لو 2: 37؛ عب 8: 5؛ 9: 1، 6، 9؛ 13: 10؛ رؤ 7: 15). «بنفما» (روح). هو روح الانسان، لا روح الله. رج 8: 16؛ 1 كور 5: 3- 5؛ 16: 18؛ 2 كور 2: 13؛ غل 6: 18؛ فل 4: 23؛ 1 تس 5: 23؛ فلم 25. هو أسمى ما في الانسان. ويرتبط بالله (1 كور 2: 10- 13). وروح الله يتّصل بروح الانسان. وهنا بولس روحن العبادةَ المذكورة التي عبّرت عن التزام بالمسيح وبإنجيله. «أذكركم». هي اللغة الشخصيّة التي نقرأها في 1 كور 1: 4؛ أف 1: 16؛ فل 1: 3- 4؛ كو 1: 3؛ 1 تس 1: 2- 3؛ 2: 13.
«في صلواتي» (آ 10). اعتاد بولس، شأنه شأن كلّ يهوديّ، أن يصلّي ثلاث مرات في النهار: الصباح، الظهر، المساء (دا 6: 11؛ أع 3: 1؛ 10: 3). وحافظ المسيحيّون على هذه العادة كما تقول الديداكيه (8: 3) أو تعليم الرسل. أما يسوع فدعا إلى الصلاة المتواصلة (مر 1: 35؛ 6: 46؛ 14: 32- 42). هي صلاة في وقت الشدّة أو صلاة ملحّة (2 كور 5: 20؛ 8: 4؛ 10: 2؛ غل 4: 12؛ 1 تس 3: 10). وهذه الصلاة تصبح رغبة في زيارة رومة. ولكن بولس يخضع لمشيئة الله ومبادرته. فعبدُ المسيح لا يستطيع أن يوجّه حياته بحسب رغبته. «أقدم»، «يتيسّر». أن أُقاد في طريق صالحة (إوودو). نجد في الفعل لفظة «هودوس» (الطريق). رج 2 أخ 32: 30؛ سي 41: 1؛ 1 كور 16: 2؛ 1 تس 3: 11. «بمشيئة (تاليما) الله». رج 12: 2؛ 15: 32؛ 1 كور 1: 1؛ 8: 5؛ غل 1: 4؛ أف 1: 1؛ 6: 6؛ كو 1: 1؛ 4: 12؛ 1 تس 4: 3؛ 5: 8). إن بولس مضايَق ولا يعرف ما ينتظره، ولا سيّما في أورشليم (15: 30- 33). ولكنه يستسلم لمشيئة الله.
«فإني أشتاق» (آ 11). «إبيبوتو». هي لغة عاطفيّة بين بولس من جهة وقرّائه ومعاونيه من جهة ثانية (2 كور 9: 14؛ غل 1: 8؛ 2: 36؛ 1 تس 3: 6). «ماتادو» (شارك) في موهبة روحيّة (1 تس 2: 8)، في خير مشترك (1 كور 12: 7). وفعل المشاركة هو موهبة (خارسما) إلهيّة (12: 8). هي موهبة روحيّة (بنفماتيكوس). أي تخصّ الروح القدس. وهكذا تتقوّون، تتأيّدون (ستيريزو). ذاك ما يرجوه الرسول للجماعة التي يكتب إليها (16: 25؛ 1 تس 3: 2، 13؛ 2 تس 2: 17؛ 3: 3). نجد هنا المجهول الالهيّ: الله يقوّي، يؤيّد. إن بولس واثق أن الله يعمل بيديه لخير سامعيه في رومة. وهذه الثقة لا تدلّ على كبرياء من قبل بولس، ولا على محاولة للسيطرة على المؤمنين. فجميعُ المؤمنين نالوا نعمةً تَبرز في مختلف الخدم من أجل المؤمنين. والموهبة التي نالها بولس هي حمل الانجيل.
«بل يشجّع» (آ 12). بل بالحريّ. لقد وعى الرسول أن فهمه للمواهب الروحيّة قد يكون غيرَ فهم قرّائه، ولا سيّما التبادل في ممارسة المواهب (12: 4- 5؛ 1 كور 12: 14- 26). لهذا أراد بولس أن يوضح، بل أن يعيد صياغة ما كتب على مستوى التعزية المشتركة، مع «سين» قبل الفعل «باراكليتيناي» (تعزّى). نتعزّى معاً. نشارك.
ب- منية بولس، حمل البشارة (آ 13- 15)
«لا أريد» (تالو) (آ 13). هي عبارة احتفاليّة تعطي ثقلاً لما سيَلي من كلام (11: 25؛ 1 كور 10: 1؛ 12: 1؛ 2 كور 1: 8؛ 1 تس 4: 18). «الاخوة» (أدلفوس): كلام شخصيّ وعاطفيّ. رج 7: 1، 4؛ 8: 12؛ 10: 1؛ 11: 25؛ 12: 1؛ 15: 14، 30؛ 16: 17. الاخوة هم أعضاء منظّمة دينيّة (في قمران مثلاً نج 6: 10، 22؛ نظح 13: 1؛ 15: 4، 7). وأعضاء الشعب اليهوديّ (1 مك 2: 40- 41؛ 2 مك 1: 1؛ فيلون، الشرائع الخاصة 2: 79- 80). الاخوة هم رفاق الطريق (16: 23؛ 1 كور 1: 1؛ 16: 12؛ 2 كور 1: 1). هنا نتذكّر أن يسوع هو أخونا الأكبر (8: 29؛ كو 1: 18). «قصدتُ فمُنعتُ». هو رسول الأمم (آ 5). وبالتالي يجب عليه أن يزور عاصمة الأمم. لا يقول هنا شيئاً عمّا منعَه. في 1 تس 2: 18 هو الشيطان. أترى خاف الرسول حين رأى الامبراطور كلوديوس يطرد اليهود من رومة سنة 49؟ ربّما. «ليكون لي ثمر» (كربوس). غلّة. نتيجة. هي صورة معروفة في العالم الرواقيّ وعند اليهود (عا 6: 12؛ يوسيفوس، العاديات 20: 48؛ مت 3: 8؛ عب 12: 11؛ 13: 15؛ يع 3: 17- 18). وعند بولس (6: 21- 22؛ 7: 4؛ 15: 28؛ غل 5: 22؛ فل 1: 11، 22؛ 4: 17؛ كو 1: 6، 10؛ أف 5: 9). أما سائر الأمم الذين يتكلّم عنهم الرسول، فهم المقيمون في آسية، مكدونية، اليونان. وهكذا شدّد بولس مرّة ثانية على خدمته الخاصة لدى الأمم، وعلى واجبه تجاه كنيسة رومة بأكثريّتها الوثنيّة.
«باليونانيين والبرابرة» (آ 14). لا تمييز بعد اليوم، بين من يتكلّم اليونانيّة ومن لا يتكلّم اليونانيّة. (برباروس). البرابرة: لغتهم غريبة، غير مفهومة. يشير اللفظُ أولاً إلى المادايين والفرس، الأعداء التاريخيين لليونان. هذا يدلّ على الاحتقار. بما أن الحضارة اليونانيّة سيطرت على الغرب، فلا الرومان ولا غيرهم اعتُبروا من البرابرة. في أي حال، مع المسيح، وصلت البشارة إلى الجميع. فلا ترتيب خاصاً بعد الآن بين يونان وبرارة. ولا بين حكماء وجهّال. كان اليونان يعتبرون نفوسهم حكماء (سوفوس). والآخرون هم جهّال (أنوئيتوس، لا يعرف). فالجهّال هم الذين لم يعرفوا التربية لكي يكونوا ذاك الانسان التام. ولكن لبولس نظرة إلى الحكمة البشريّة في 1 كور 1: 17- 2: 13؛ 3: 18- 20. «ملتزم» (أوفايلاتيس). من هو مُجبَر أن يفعل شيئاً (في بولس، فقط في 8: 12؛ 15: 27؛ غل 5: 3). دعوة بولس فرضت عليه ذلك، أجبرته. منعته أن يضع حدوداً بين فئة وأخرى (1 كور 1: 26- 28).
«ولهذا أرغب» (آ 15). «بروتيموس» (منية، رغبة). كلام يسوع في مشهد جتسماني (مر 14: 38= مت 26: 41). هو بولس يُعبِّر عن رغبته في زيارة جماعة رومة «لكي يبشّرهم بالانجيل». إن البشارة بالانجيل للوثنيين هي قلب ما فهم بولس من دعوته على طريق دمشق. فاليقين الذي يدفع بولس إلى البشارة يُشرف على آ 13- 15، دون أن يقلّل من قوّة آ 12. هذا لا يعني أن مؤمني رومة يحتاجون أن يبشَّروا من جديد. إن كان بولس قد فُرز من أجل الانجيل، فلكي يكون خادم الانجيل. هكذا كان عند «سائر الأمم»، وهكذا يكون في جماعة رومة.

3- خلاصة لاهوتيّة
سار فعلُ الشكر هنا كما في سائر الرسائل البولسيّة (آ 8). وحسبَ رسمةِ العالم اليونانيّ، مع مواضيع مسيحيّة خاصّة ببولس. أشكر. هو بولس يصلّي إلى الله، ويدعوه «إلهي» فيدل على الرباط الوثيق بين المؤمن وربّه. ولكن لا نحصر الله فينا. فإلهي هو أيضاً إله إخوتي جميعاً. وهذا التوسّل يسير مسيرة الصلاة المسيحيّة: بواسطة المسيح الذي يشفع بنا في السماء. والمسيح القائم من الموت يلعب هذا الدور بشكل خاص، متسام، في إطار الإيمان بالله الواحد. فيسوع الذي هو الابن، هو العامل الالهيّ في عمل الفداء الذي يواصل التشفّع. هو تشفّعٌ من أجلنا جميعاً. نحن، أي جماعة رومة وبولس وسائر المسيحيّين. فإيمانهم جعلهم قريبين من جماعة المخلّصين، فنعموا بقدرة تشفّع المسيح في السماء. والتشفّع هو من أجل الجميع، بعد أن زال كلُّ تمييز في إطار المواهب الروحية التي يهبها المسيح في وساطته.
ما هو موضوع هذا الشكر؟ إيمان الرومانيّين. تعلّقوا تعلّقاً خاضعاً بعمل الله في المسيح لخلاص البشر. هنا نقرأ 16: 19 حيث يقال أن طاعة جماعة رومة عُرفت لدى الجميع. ونقول الشيء عينه هنا. فإيمان مسيحيّي رومة، ومدينتُهم هي عاصمة الامبراطوريّة كلها، عُرف في الكون، وصار انجيلاً للعالم كله.
ولا يكتفي بولس بأن يشكر الله على إيمان الرومانيّين (آ 9)، بل هو يرفع صلاة يطلب فيها من أجلهم. ففي الأفق مشروع زيارة إلى رومة. وهذه الصلاة يشهد الله لها. بدا بولس وكأنه يحلف باسم الله. هو الذي يشهد على عواطف بولس وعلى طريقة خدمته الرسوليّة التي صارت شبيهة بعبادة ليتورجيّة. فالانجيل الذي يكرز به بولس ومعاونوه، موضوعُه «ابن الله» أي المسيح وعمله الخلاصيّ. وهذه الخدمة يقوم بها بولس «بروحه»: بكل قلبه، بشكل لا غشّ فيه ولا رياء. بولس هو كلّه في رسالته، والتزامُه كامل حتّى الصميم.
وتتواصل الصلاة في آ 10، وتتركّز على مجيء بولس إلى رومة: فالرسول موزّع بين الرجاء وبين اللايقين. هي رغبة يغذّيها بولس منذ بعيد، وهو يُمنع من أن يحقّقها المرّة بعد المرّة. أتراه يستطيع أن يحقّقها الآن؟ مهما يكن من أمر، تبقى رغبةُ بولس خاضعة لمشيئة الله. لهذا يتضايق بولس الآن، لأن بينه وبين رومة تقفُ أورشليمُ التي ينطلق إليها (15: 25، 28، 31). غير أنه يرجو مشيئة الله هذه لكي تُنجح مشروعَه فيأتي إلى مسيحيّي رومة.
تلك هي رغبته الحارة في أن يراهم (آ 11). لسنا أمام فضوليّة ورعة تدفع الرسول لكي يزور جماعة مشهورة ما سبق له أن زارها من قبل. هدفه، كما يقول، هدف رسوليّ: أن يحمل إلى الرومانيّين موهبة روحيّة، موهبة مطبوعة بطابع الروح القدس. هو لا يريد أن يعظهم بعد أن بُشّروا بالانجيل، ولا أن يصحّح إيمانَهم، كما فعل مع الغلاطيّين المهدّدين من قبل العناصر المتهوّدة. فإيمانُهم مستقيم وهو إيمان يعلنه بولس. ولكنه يرجو أن يعمل على تثبيت هذا الإيمان لديهم. أو بالأحرى هو الله الذي يثبّت الجماعة ويقوّيها بواسطة خدمة بولس.
وتأتي آ 12 فتوضح ما قيل في آ 11، وكأن الرسول أراد أن يتحفّظ في ما قال. هو لن يعطي فقط، بل سوف يأخذ. أراد الرسول أن يحمل العزاء إلى جماعة رومة. ودلّ على حاجته بأن يجد العزاء في رفقة مسيحيّي رومة حين يُقيم معهم. وها هو أساس هذا العزاء المتبادل: التقاء إيمان الرسول بإيمان الرومانيين، بحيث يشجّع الواحد الآخر في كلام متبادل، فيستفيد هو من هذا الالتقاء ويستفيدون هم.
في آ 13 أعلم بولس اخوته، مسيحيّي رومة، أنه رغب مراراً أن يجيء إليهم. غير أن هذه الرغبة لم تتحقّق. لا شكّ في أن السبب الأخير هو الله الذي يوجّه الرسالة، كما كان الأمر في الرحلة الرسوليّة الثانية (أع 16: 6). ولكن هناك أسباباً بشريّة لا تذكرها الرسالة. ولماذا كان مشروع بولس؟ لكي يجد «ثمراً». فقد اكتشف الرسول ثمر المواهب الروحيّة في كنائس أخرى، ويتمنّى أن يجده في كنيسة رومة التي تضمّ أكثرية من الأمم دون أن تكون كلها من أصل أمميّ.
ويشرح بولس في آ 14 لماذا يرغب أن يأتي إلى رومة، إلى جماعة شرحَ وضعَها الحاضر. فبمشيئة الله جعل على نفسه واجباً تجاه الوثنيّين: دعوتُه أن يكون «رسول الأمم» (غل 1: 16) الذين يتوزّعون هنا بين فئتين: اليونان والبرابرة. هكذا تكون رسالة بولس شاملة. جمعت اليهوديّ إلى غير اليهوديّ، إلى الأمم، وجمعت الآن اليونانيّ وغير اليونانيّ، وفي الدرجة الثالثة، جمعت الحكماء والجهّال. ما من أحد لا يذهب إليه رسول الأمم.
في آ 15 يعود بولس إلى مشروع المجيء إلى رومة الذي عرضَه في آ 13، ويعلن السبب: أن أبشّركم بالانجيل. كيف يحمل إليهم بولس الانجيل بعد أن حُمل إليهم قبل أن يأتي الرسول إلى رومة كسجين المسيح؟ لا، ليس بولس هو أول من سيحمل الانجيل إلى رومة، بل هو سيحمل الانجيل كما يراه والذي يدعوه «إنجيلي»، فيتوجّه كلامه إلى اليهود الذين يعتبرون نفوسهم وحدهم مخلّصين، وإلى الأمم الذين نال الخلاص بالإيمان بيسوع المسيح، فاحتقروا اليهود. انجيل بولس يجمع اليهود والأمم، وهذا ما يريد أن يبشر به بولس «الضعفاء» الذين يمثلون الأقليّة في جماعة رومة (هم اليهود). و«الأقوياء» الذين يؤمّنون الأكثريّة في الجماعة (هم الأمم). فما ناله بولس من مهمّة خاصة على طريق دمشق (1 كور 1: 17)، هو حملُ البشارة وخدمة الانجيل بدون حدود في المكان ولا على مستوى الأشخاص والفئات.

خاتمة
شكرَ بولس الله فاعترف به إلهاً في يسوع المسيح. هو اعترافُ إيمان شخصيّ يربط الرسول بربّه رباطاً حميماً، لا تأكيدٌ على وجود الله كما في فلسفة اليونان وفي نظرة عدد من الناس المعاصرين. وشكر بولس الله، لأن إيمان جماعة رومة عُرف في كل مكان. لا بمضمونه، بل بواقعه. فهؤلاء المؤمنون المقيمون في عاصمة الامبراطوريّة، عرفت بهم كلّ الكنائس. لذلك عليهم أن يشكروا الله الذي يقيم خدّاماً له في كل الاصقاع. كما أن هناك إخوة في أقطار العالم، هناك أيضاً في رومة. أشخاص يتميّزون باللغة والحضارة والفكر. ولكنهم يلتقون في الإيمان الواحد. يلتقون في الانجيل الواحد الذي لا يستحون به، بل يعلنونه بالصوت العالي ويمجّدون الله الذي يضمّ جميع البشر في عمل خلاصيّ واحد. ذاك هو فكر بولس، ذاك هو انجيل بولس الذي يريد أن يحمله إلى أهل رومة بحيث يصبح انجيلُه إنجيلهم، ونظرتُه إلى الله الذي يبرّر الجميع، نظرتَهم إلى ذاك الذي آمنوا به واستسلموا له فحُسب لهم إيمانهم برّاً.
الفصل الرابع
برّ الله
1: 16- 17

تشكّل هاتان الآيتان الوجهة التي يأخذها بولس في رسالته إلى رومة، مع شرحين حول الانجيل الذي هو قوّة خلاص. وحول برّ الله الذي يتجلّى من إيمان إلى إيمان. داك هو واجب بولس الرساليّ. وهو البرهان الرئيسيّ الذي سوف يتوسّع فيه، في ف 1- 15. جاءت عبارة النبيّ حبقوق تُطلق كلامَ بولس عن البرّ بالإيمان، في امتداد سفر التكوين وكلامه عن ابراهيم. وجاءت خبرة بولس الذي أعلن أنه لا يخاف أن يعلن الانجيل، وإن تميّز البشر بين يهود وغير يهود، بين يونان وبرابرة، بين حكماء وجهّال. وثقتُه تستند لا إلى ما في الانجيل من سفسطة، ولا إلى ما فيه من نداء إلى العقل والبرهان، بل إلى أنه قدرة الله من أجل الخلاص. هذا الانجيل هو في بداية الاهتداء إلى الله، وفي نهاية الحياة المسيحيّة، كما يرافق المؤمن فيُفهمه أنه تبرّر بإيمانه لا بأعمال الشريعة.

1- دراسة النصّ وبنيته
نلاحظ على مستوى الدراسة غياب «بروتون» (أولاً) من عدد من الشهود بينها الكودكس الفاتيكاني، ثم 011، 012، والترجمة الصعيديّة. هذا يعود إلى مرقيون الذي لم يكن ليقبل بأولية اليهود في تاريخ الخلاص، بعد أن اختلف إله العهد القديم عن إله العهد الجديد.
وعلى مستوى البنية، تبدو آ 16- 17 تعبيراً عن موضوع الرسالة كلها. ذُكر الانجيل (اوانغليون) والوعد المرتبط بالانجيل (اوانغاليزاستاي) في آ 9، 15، 16. والإيمان (بستيس) وآمن (بستاوو) في آ 5، 8، 12، 16، 17. لا نشدّد حصراً على آ 17: فالتشديد الرئيسيّ الآن هو على قوّة الانجيل من أجل الخلاص (آ 16 ب) مع آ 17 التي تلعب الوظيفة الرئيسية كتبرير أول لهذا الكلام عن الانجيل. إذا كانت آ 16 ب تربط الرسالة كلها في ف 1- 15، فإن آ 17 تُلقي بضوئها على القسم التعليميّ في ف 1- 11.
أما اللفظان المفتاحان اللذان يشكّلان البرنامج لما يلي فهما، الإيمانُ والتبرير. يبدأ «الإيمان» فيُشرف على ف 3- 5 (3: 22، 25، 27- 28، 30- 31؛ 4: 3، 5، 9، 11- 14، 16- 20؛ 5: 1- 2). ويغيب في ف 6- 8، ليعود فيظهر في ف 9- 11 (9: 30، 32، 33؛ 10: 4، 6، 8- 9، 11، 14، 17؛ 11: 20)، ثم في ف 12- 15 (12: 3، 6؛ 14: 1، 2، 22- 23). ويُشرف «البرّ» في 3: 20- 22، 24- 26، 28، 30؛ 4: 2- 3، 5- 6، 9، 11، 13، 22؛ 5: 1، 7، 9، 17، 19، 21؛ 9: 30- 31؛ 10: 3- 6. وهو يقدّم رباطاً بين الجدالات الحاضرة: 2: 13؛ 3: 4- 5، 10؛ 6: 7، 13، 16، 19، 20؛ 7: 12؛ 8: 10، 30، 33.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (1: 16- 17)
الآية 16 تتحدّث عن الانجيل وقدرته في حياة المسيحيّ، وآ 17 عن البرّ الذي نناله بالإيمان. هذان هما المقطعان في هذا النصّ.
أ- لا أستحي بالانجيل (آ 16)
«الحياء» يدلّ على فرضيّة كاذبة أو على ثقة في غير محلّها. رج مز 35: 26؛ 40: 14- 15؛ 69: 19؛ 71: 13؛ 119: 6؛ ق روم 5: 5؛ 9: 33 مع «كاتايسخينو» (خزي). أجل، لا يخزى الانجيل في مواجهة قدرة أكبر. نجد رباطاً بين هذا القول وما في مر 8: 38= لو 8: 38 (من يستحي بي). وهكذا يكون بولس في خطّ تعليم يسوع حول فهم الانجيل. ويتضامن مع الجماعات المسيحيّة الأولى في استسلامها الصادق ليسوع. في هذا الإطار، يصبح «لا أستحي» مقابلاً لفعل «أشهد» (2 تم 1: 1، 28). هي شهادة خارجيّة، لا داخليّة فقط.
«قوّة الله». رج آ 20؛ 9: 17؛ 1 كور 1: 18، 24؛ 2: 5؛ 6: 14؛ 2 كور 4: 7؛ 6: 7؛ 13: 4. هو قوّة تعمل وتترك تأثيرها في المؤمنين فتحوّلهم. تظهر هذه القوّةُ في اهتداء المؤمنين (1 كور 2: 4- 5؛ 1 تس 1: 5)، في القيامة (آ 4؛ 1 كور 6: 14؛ 15: 43؛ 2 كور 13: 4؛ فل 3: 10)، وتكون ينبوع قوّة تُسند المؤمنَ في حياته (1 كور 11: 8؛ 2 كور 4: 7؛ 6: 7؛ 12: 9؛ 13: 4؛ كو 1: 11، 29؛ 2 تس 11: 1). لسنا هنا أمام ثقة عمياء أو قوّة فاعلة مهما كانت الظواهر، بل خبرة حاليّة (المعجزات، دينامايس في الجمع) تدلّ على تبدّل في الوضع الحاليّ لا يعود إلى سبب بشريّ (1 كور 12: 10، 28- 29؛ 2 كور 12: 12؛ غل 3: 5). أن يعلن بولس أن ينبوع هذه القوّة هو الله، ينتج عن السياق (نتيجة كرازة الانجيل) وعن التأثير المتواصل (1 كور 4: 20؛ 2 كور 1: 8؛ 6: 7؛ 12: 9؛ 2 تس 1: 11). مقابل قوّة سحريّة تجتمع حول اللفظ في حلقات لا يهوديّة، شدّد بولس على أن قوّة الله تجسّدت في الانجيل فكان لها مدلولها بالنسبة إلى القرّاء (1 كور 1: 18- 25). وقد تحدّث العهد القديم عن فعل كلمة الله. رج مز 107: 20 (أرسل كلمته فشفاهم، ونجّاهم من مهالكهم)؛ ق أع 10: 36- 38. أمّا بالنسبة إلى قوّة الكلمة في الكرازة، رج 1 كور 2: 4- 5؛ 1 تس 1: 5؛ يو 6: 63؛ 15: 3؛ 1 كور 4: 15؛ يع 11: 8؛ 1 بط 1: 23.
«لخلاص». نتيجة هذا الانجيل أن يحمل الخلاص (سوتيريا): صحّة الجسد، حفظ الانسان ونجاته. رج مر 5: 23، 28، 34؛ 6: 56؛ 10: 52؛ أع 27: 34. في المعنى الدينيّ، نجد اللفظ في السبعينيّة (34 مرة في مز، 18 مرة في اش) وفي العهد الجديد: ننجو من الخطر ونعود إلى الراحة بعد إصلاح الأمور. في بولس، هو المعنى الاسكاتولوجي: رجاء من أجل الزمن الآتي، نجاة من الدمار (أبولايا) الأخير، نهاية صالحة لمخطّط الله من أجل البشريّة. رج 5: 9- 10؛ 13: 11؛ 1 كور 3: 15؛ 5: 5؛ فل 2: 12؛ 1 تس 5: 8- 9. ولكن عبر قوّة الانجيل، قد أطلِق المؤمنون منذ الآن باتجاه الخلاص. لهذا استُعمل الفعلُ في صيغة الحاضر في 1 كور 1: 18؛ 15: 2؛ 2 كور 2: 15. الله يحفظ المؤمن عبر النجاة الأخيرة. وحرف الجر «آيس» (ل- خلاص) لا يدلّ فقط على حركة باتجاه ما، بل على حركة لها نتيجتها (10: 10؛ 2 كور 7: 10؛ فل 11: 9؛ 2 تس 2: 13؛ 2 تم 3: 15).
«لكل من يؤمن». هي صيغة الحاضر (يؤمن الآن)، لا صيغة الماضي الناقص (3: 22؛ 4: 5، 11، 24؛ 9: 33؛ 10: 4، 10- 11؛ 15: 13؛ 1 كور 1: 21؛ 14: 22؛ 2 كور 4: 13؛ غل 3: 22؛ فل 1: 29؛ 1 تس 1: 7؛ 3: 10، 13؛ أف 1: 19. لا نجد صيغة الماضي الناقص إلاّ في2 تس 1: 10). ما أراد النصّ فقط أن يشدّد على فعل الإيمان الأولاني، بل على الإيمان كاتجاه مستمرّ وباعث من أجل الحياة. سوف نتحدّث عن الإيمان (بستيس) في آ 17. وتحدّث بولس عن «كل» من يؤمن. هذا أمر أساسيّ لا يمكن التخلّي عنه في كل الرسالة (3: 22؛ 4: 11؛ 10: 4، 11). «كلّ» هو مفتاح في الرسالة. اليهود والأمم. الإيمان هو البداية ونقطة الاستمرار في قدرة الله الخلاصيّة في حياة الانسان، والقاسم المشترك الذي ينظر إليه الله في كل حالة.
«لليهوديّ أولاً». اليوناني هو الأمم. هو اللايهوديّ الذي يتميّز بالختان والشرائع الطعاميّة. رج 2 مك 4: 36؛ 11: 2؛ ق 3 مك 3: 8؛ 4 مك 18: 20؛ سيب 5: 264. نجد اللفظين مجتمعين عند القديس بولس (2: 9- 10؛ 3: 9، 29؛ 9: 24؛ 10: 12؛ 1 كور 1: 22، 24؛ 10: 32؛ 12: 13؛ غل 2: 14- 15؛ 32: 8؛ كو 3: 11). هذه الجملة تعكس وعي بولس أنه كان يهودياً آمن بمسيح يهوديّ، ويجب الآن أن يتعدّى إنجيلُه الحدود الوطنيّة والدينيّة التي رسمها العالم اليهوديّ. إن «بروتون» (أولاً) يقابل «بنتي» (كل). هو لا ينسى الأمم ولا يريد أن ينساهم، كما قال بعض الشرّاح. ولكن على قرّائه أن لا ينسوا أولويّة اليهود في مخطّط الخلاص (3: 3- 4؛ ف 9- 11). وهناك يقين أساسيّ أيضاً بأن أولويّة اليهود لا تجعل عمل الخلاص بمعزل عن الإيمان. هذه الأمور سيُشدّد عليها بولس في الرسالة كلها. أما أولويّة اليهود فتظهر في عدد الأمم الذين تأثّروا بالعالم اليهوديّ (خائفو الله) قبل أن يأتوا إلى المسيحية (كورنيليوس مثلاً، أع ف 10- 11).
ب- البرّ والإيمان (آ 17)
«البرّ» (ديكايوسيني). نحتاج إلى ولوج لغة بولس اليونانيّة، لنفهم فكره على ضوء خلفيّة يهوديّة تربّى عليها. المدلول الذي نبع من التقليد اليونانيّ والرومانيّ فأشرف على الفكر الغربي، هو أن البرّ (والتبرير) مثال أو قاعدة خلقيّة مطلقة يجب أن تُقاس الواجباتُ بالنسبة إليها. أما في العهد القديم، فنقرأ «ص د ق»، «ص د ق ه» في إطار من العلاقة. فالبرّ ليس شيئاً يمتلكه انسانٌ ولا يمتلكه آخر، بل هو يقوم في علاقة اجتماعية. يكون الانسان باراً حين يلتقي بما ينتظره منه الآخرون في علاقاتهم. وهكذا تُرجم «ص د ق» باللطف والمحبّة في تك 19: 19؛ 20: 13؛ 21: 23؛ 24: 27؛ 32: 10.
وحين يرتبط البرّ بالله، تصبح العلاقة عهداً به يدخل الله مع شعبه. فالله بارٌّ حين ينجّي بني اسرائيل ويعاقب أعداءهم (خر 9: 27؛ 1 صم 12: 7؛ دا 9: 16؛ مي 6: 5). والبرّ هو عهد الأمانة (3: 3- 5، 25؛ 10: 3). في المزامير وفي أشعيا الثاني، منطقُ نعمة العهد تتبعه نتيجةٌ تعلن أن البرّ والخلاص يترادفان: فبرّ الله هو عمل الله لكي يُصلح خاصته ويسندهم داخل العهد (مز 31: 1؛ 35: 24؛ 51: 14؛ 65: 5؛ 71: 2، 15؛ 98: 2؛ 143: 11؛ اش 45: 8، 21؛ 46: 13؛ 51: 5، 6، 8؛ 62: 1- 2؛ 63: 1، 7. رج نج 11: 2- 5، 12- 15؛ مد 4: 37؛ 11: 17- 18، 30- 31؛ با 5: 2، 4، 9؛ 1 أخن 71: 14؛ رؤ موسى 20: 1؛ 4 عز 8: 36. إن بر الله صار الطريقَ لشرح قدرة الله من أجل الخلاص. بهذا المعنى تُقدّم الجملةُ مفتاحاً للعرض الذي نجده في روم (3: 5، 21- 22، 25- 26؛ 10: 3) وفي لاهوت القديس بولس (2 كور 5: 21؛ فل 3: 9).
هناك طريقان لفهم برّ الله عند بولس. هل هو مضاف ذاتيّ أم مضاف موضوعيّ؟ هل هو موقف الله أو شيء يفعله الله؟ حين ننظر إلى لقاء الله الذي يطالب بعلاقة العهد، لا يكون الجواب «أو... أو»، بل هذا وذاك. قال بعضهم: يدلّ برّ الله على وجهة من طبيعة الله ورفض لنشاط الله. بما أن الفكرة الأساسيّة هي فكرة علاقة فيها يفعل الله وإن سقط المتعاقد معه، وهو فعل يُسند فيه الله شريكَه الضعيف داخل علاقة العهد، نكون أمام المضاف الذاتيّ والمضاف الموضوعيّ. فبرّ الله عطيّة لها ميزة القوّة، لأن الله هو نشاطٌ مخلّص. نلاحظ هنا التوازي بين «قوّة الله» و«برّ الله». برّ الله يؤهّل برّ الانسان ويكمله.
انطلق بولس من الارث اليهوديّ، ففهم برّ الله في إطار العهد في لغة الإيمان: كل من يؤمن. اليهوديّ أولاً ثم اليوناني. هذا يعني أن برّ الانسان يُفهَم دوماً على أنه إيمان، وهذا ما يشرح أن برّ الانسان ليس شيئاً آخر سوى برّ الله. وبما أن اليهود لم يفهموا هذا الأمر، نتج اللافهم من قِبَلهم داخل العهد، فتحدّثوا عن برّهم بحيث خسروا برّ الله. إذ شدّد بولس على هذه النقطة، استعاد تقليدَ يسوع كما نقرأه في لو 18: 10- 14. التبرير هو دوماً بالإيمان، بمعنى أن ما ينتج عن قوّة الله الخلاّقة هو دوماً ثقة تربط الخليقة بالله (الإيمان). وتبرير اليهوديّ والأمميّ بالإيمان، هو تعبير يفهمنا نظرةَ بولس إلى برّ الله.
هل يتضمّن برّ الله أيضاً فكرة الدينونة (غضب الله، آ 18)؟ لا نجد هذا في آ 17، لا سيّما وأن البرّ كانجيل وخبر طيّب هو ما يشرف على آ 16- 17. ويجب أن لا ننسى أن البرّ (أي تمام ما يفرضه العهد) يرفض أي فكرة عن خلاص يُعطى بشكل اعتباطيّ. «والبرّ» يُستعمل بعض المرات للكلام عن عقاب الله لشعبه (اش 51: 6؛ 10: 22؛ مرا 1: 18). ثم إن مفهوم العلاقة بين الخالق والخليقة يوسّع مفهوم العهد مع اسرائيل: نظرة تدلّ على سلطان الله الواسع (9: 14- 24) ودينونته الأخيرة التي لا مهرب منها (3: 4- 7).
«يتجلّى». هي صيغة الحاضر. يتجلّى (أبوكالبتو) الآن. رج 16: 25- 26؛ 1 كور 2: 9- 10؛ أف 3: 3- 5. يرتبط الوحي بسلطة سماويّة. الله هو الذي يوحي، يجعل هذا البرّ يتجلّى (المجهول الالهيّ). ق مت 11: 25، 27= لو 10: 21- 22؛ مت 16: 17؛ 1 كور 2: 10؛ 14: 30؛ غل 1: 12، 16؛ 2: 2؛ أف 1: 17؛ فل 3: 15. هنا نتذكّر الفكر اليهوديّ مع دخول في سرّ السماء (2 كور 2: 1، 7). كما نتذكر الطابع الاسكاتولوجيّ للوحي الذي أعطي منذ الآن (16: 25؛ 1 كور 1: 7؛ غل 3: 23؛ أف 3: 3، 5؛ 1 بط 1: 12) والذي يعمل حتى النهاية (لو 17: 30؛ روم 2: 5؛ 8: 18- 19؛ 1 كور 3: 13؛ 2 تس 1: 7؛ 2: 3، 6، 8؛ 1 بط 1: 5، 7، 13؛ 4: 13؛ 5: 1؛ رؤ 1: 1. فما كان محصوراً في اسرائيل فُتح الآن على كل من يؤمن. هذا هو الوحي الحاسم والجديد لمخطّط الله (3: 21) مع عودة إلى حدث المسيح الذي يُدخلنا في عهد جديد فيه يقدَّم خلاصُ الله.
«من إيمان إلى إيمان». إن الفعل «آمن» (بستاواين) والاسم «إيمان» (بستيس) يتضمّنان معنيين في نظر بولس. هو الاعتقاد، القبول بحقيقة ما قيل، المصداقيّة. رج 4: 3؛ 6: 8؛ 10؛ 9، 16؛ 1 كور 11: 18؛ غل 3: 6؛ 1 تس 4: 14؛ 2 تس 2: 11- 12. ثم الثقة (الارتباط) التي هي نتيجة هذا الاعتقاد وهذا القبول (4: 5، 24؛ 9: 33؛ 10: 11؛ غل 2: 16؛ فل 1: 29). هذا ما نعبّر عنه في قبول العماد: نتماهى مع يسوع في موته (6: 3- 4)، ونجعل نفوسنا تحت سيادته (10: 9). ولكن الانسان فشل في قبول وضعه كمرتبط بالله (1: 21، 25، 28): الأمميّ واليهوديّ معاً. فهذا حدّد عهد البرّ تحديداً ضيقاً، في لغة هويّة اتنية (9: 6- 13). أما نظرة بولس الأساسيّة، فهي أن الإيمان من جانب الانسان هو الأساس الوحيد الممكن والكافي من أجل علاقة مع الله على مثال ابراهيم بثقته اللامشروطة وارتباطه بالله وبعهده (4: 4- 5، 18- 21).
«من ... إلى». هو تدرّج ينطلق من نقطة فيصل إلى نقطة أخرى. رج مز 83: 8؛ إر 9: 2؛ 2 كور 2: 16؛ 3: 18: ننطلق من إيمان الانسان ونصل إلى إيمان الانسان. الإيمان منذ البداية إلى النهاية. «من إيمان». أي بواسطة الإيمان. هذا ما نفهمه من نصّ حبقوق. رج روم 3: 26، 30؛ 4: 6؛ 5: 1؛ 9: 30، 32؛ 10: 6؛ 14: 23. وهناك من قال: من أمانة الله إلى إيمان الانسان وثقته بالله.
«كما كُتب». عبارة ترتبط بالشريعة. «غرافو» (كتب). هكذا يبدأ إيراد من العهد القديم لإسناد قول نريد أن نبرهن عنه. رج 2: 24؛3: 4، 10؛ 4: 17؛ 8: 36؛ 9: 13، 33؛ 10: 15؛ 11: 8، 26؛ 15: 3، 21. يرد نص حب 2: 4 في أربعة أشكال: الصدّيق بأمانته يحيا (النص الماسوري). الصديق من إيماني يحيا (السبعينية). الصدّيق من الإيمان يحيا (بولس). صدّيقي (أنا) يحيا من الإيمان (عب 10: 38). نقول الإيمان أو الأمانة. وقال تفسير حبقوق، كما في قمران: «تفسيره يعني حافظي الشريعة في بيت يهوذا الذين يخلّصهم الله من بيت الدينونة بسبب قتالهم وأمانتهم لمعلّم البرّ» (فحب 8: 1- 3). هناك ترجمات يونانيّة أخرى تتبع النص الماسوريّ. أما بولس فيورد النصّ أيضاً في غل 3: 11.
«ص د ي ق». في النص الماسوريّ هو الانسان البار. هو العضو الأمين في العهد الذي يُتمّ المتطلّبات المرتبطة بشريعة العهد. هو اليهوديّ الصادق. فمثال التقوى اليهوديّة هو حفظٌ أمينٌ للشريعة. هذا الفهم للبرّ بارز بشكل خاص في المزامير (1: 5- 6؛ 5: 12؛ 7: 9- 10؛ 14: 5) وفي الأدب الحكميّ (أم 3: 32- 33؛ 4: 18؛ 9: 9؛ حك 2: 10، 12- 16، 18؛ 3: 1، 10) رج 1 أخن 1: 8؛ 5: 4- 6؛ 82: 4؛ مز سل 2: 38- 39؛ 3: 3- 8. برّ الانسان هو نتيجة أمانة الله لالتزامه تجاه البشر بشكل عام، وشعب اسرائيل بشكل خاص لأنه الشعب المختار. إن الايمان هو ثقة بالله وارتباط. والأمانة تعبير عن هذا الإيمان. غير أن بولس يهاجم بني اسرائيل لأنهم يحصرون الأمانة في حفظ للشريعة. هذا يعني عدم فهم الإيمان، وبالتالي عدم فهم برّ الله وبرّ الانسان. هذا يعني أيضاً أن الحياة التي يطلبون، تبقى بعيدة عنهم. والخلاص الاسكاتولوجيّ يترادف مع حياة مع المسيح (1 تس 5: 9- 10).

3- خلاصة لاهوتيّة
يلخّص بولس في هاتين الآيتين ما سيكون الموضوع الرئيسيّ في القسم العقائديّ من الرسالة، الذي يمتدّ حتّى 11: 36. لهذا نجعلهما قمّة القسم الأوّل (1: 1- 18). كان بولس قد عبّر عن رغبته الحارّة بأن يحمل الانجيل إلى رومة (آ 15)، وقدّم السبب الرئيسيّ لذلك في آ 14. أما الاعلان الشخصيّ الذي يبدأ في آ 16 أ، فهو عنصر انتقالة إلى ما في آ 16 ب- 17، وهو عنصر ذو طابع لا شخصيّ. وإذ أعلن بولس أنه لا يستحي، دلّ على أنه خطّ كلامَ الانجيل الذي يحذّر التلاميذ من الابتعاد علناً عن يسوع حين يأتي الاضطهاد أو تُمتحن أمانتُهم.
لماذا يحتجّ بولس فيعلن أنه لا يستحي؟ إنه تأخّر في حمل الانجيل إلى رومة. وهو يشرح ما دعاه إلى ذلك. فإن كانت تلك رغبته وذاك قصده، فإنه أراد أن يتجاوب مع المهمّة التي كلِّف بها مهما كانت العداوة التي يواجهها أو الاحتقار الذي يصطدم به. فلو استحى بالانجيل، ولو رفض أن يعلنه بالصوت العالي، لما كان يذهب إلى رومة عاصمة الامبراطوريّة المزيّنة بزينة الحضارة: فموضوع هذا الانجيل هو المسيح المصلوب (1 كور 1: 23؛ 2: 2).
غير أن بولس متيقّن أن هذا الانجيل الذي تستخفّ به مقاييسُ الحكمة البشريّة هو في الواقع «قدرة الله من أجل خلاص كل مؤمن». لهذا لا يستحي الرسول به، بل يفتخر، وهو مستعدّ دوماً لكي يُعلنه. والقوّة الكامنة في كلام الله هي موضوع بيبليّ (اش 55: 10). فالانجيل هو كلام الله وإن تلفّظ به بشر. إذن يستطيع بولس أن ينسب إليه فاعليّة لدى الذين أدركهم فحوّلهم وأعدّهم من أجل الخلاص النهائيّ. لسنا هنا أمام معجزات ترافق الكرازة وتساندها، بل أمام ما ينتج عن الانجيل الذي يُكرَز به فيتقبّله المسيحيّون في الإيمان. وبولس شاهد مندهش لهذا الوضع، لأن هذا العمل يتمّ الآن ونلاحظه في الزمن الحاضر.
ومع ذلك، فهذا العمل موجَّه لخلاص آتٍ. فلفظ الخلاص، حتّى في العهد القديم، يحمل رنّة اسكاتولوجيّة. وهو كذلك عند القديس بولس الذي ينطلق من الحاضر ليصل إلى المستقبل. ولكن ممَّ يخلص المسيحيّ؟ من الغضب (5: 9) أي من العقاب الالهيّ الذي سينصبّ قريباً على البشريّة الخاطئة. ذاك هو الوجه السلبيّ. ويكون الوجهُ الايجابيّ حياةً أبديّة للمختارين. ويشارك فيها أولئك الذين تقبّلوا في الإيمان الانجيل الذي كرز به الرسل. فالخلاص، وإن استند إلى مبادرة الله ونعمته، هو مشروط بجواب بشريّ. وبدون هذا الجواب لا يمكن أن نرجوه ولا هو يتمّ.
فهذا الشرط ضروريّ وهو كافٍ، ولا يقبل أي شواذ. وكلُّ انسان يستطيع أن يتقبّل قدرة الله التي تقود إلى الخلاص، شرط أن يؤمن. ويُفصّل بولس حالاً مضمونَ العبارة العامة: خلاص لليهود وخلاص لليونانيّين. هذا من الوجهة اليهوديّة. ومن الوجهة اليونانيّة خلاص لليونانيّين وخلاص للبرابرة. لا حدود للانجيل، لا الختان الذي يفصل اليهوديّ عن الأمميّ، ولا الحضارة اليونانيّة التي تفصل «المتحضّرين» عن البرابرة.
وغياب كلّ تمييز على مستوى الخلاص الذي تدشّنَ الآن في يسوع المسيح، لا يُلغي أولويّة اليهود. على المستوى الزمنيّ أولاً، حيث وصلت المسيحيّة أولاً لدى اليهود في المجامع المنتشرة بشكل خاص في حوض البحر المتوسط. وعلى مستوى تدبير الخلاص الالهيّ الذي أراد أن ينتقل النظامُ الجديد والشامل إلى الأمم، عبر شعب اسرائيل، عبر يسوع والرسل مع كفالة الشريعة والأنبياء (3: 21). وإذ تحقّق مخطّطُ الله كلّ التحقيق في يسوع المسيح، لم يعد منذ الآن تمييز بين يهوديّ ويونانيّ (10: 12). فجميعُهم حصلوا بالمساواة على نعمة المسيح، لأنهم تساووا جميعاً في الخطيئة (2: 9- 10).
ومع ذلك، هل نجعل أولويّة اليهود في الماضي وكأنه أمر عفّاه الزمن؟ إن بولس سيقول في 12: 29: «لا ندامة في مواهب الله وندائه». حين أراد بولس أن يبرّر الخلاص النهائيّ لاسرائيل، ذكر امتيازات الشعب المختار التي لا يمكن أن تصبح غريبة. فهنا، حيث الموضوع ليس مستقبل بني اسرائيل الذين هم في الخطّ الأول، حسب مخطّط الله، نراهم لا يستطيعون أن يطالبوا بأيّ امتياز. بل يُدعَون، شأنهم شأن سائر المسيحيّين، إلى الإيمان بالانجيل إن أرادوا أن ينالوا غفران الخطايا والخلاص. هذا ما يجعلنا في إطار برّ الله.
نستطيع أن نقول إجمالاً إن بولس تحدّث عن «برّ الله» كما قرأه في العهد القديم. وهذا البرّ يمارَس من أجل الخلاص، كما تقول النصوص البولسيّة. فبرُّ الله هو ما به يحيا البار بعطيّة من الله، بالإيمان. فبرّ الله ليس صفة إلهيّة، ليس براً يكون به الله باراً، بل هو برّ به يتبرّر الخاطئ. هنا نتذكّر 1 كور 5: 21: «ذاك الذي لم يعرف الخطيئة، جعله الله خطيئة لأجلنا لكي نصير نحن برّ الله». ذاك هو البرّ الموضوعيّ الذي يتحدّث عنه بولس في موضع آخر (فل 3: 8، 10): هنا يجعل بولس نفسه في قلب الكلام: إن هو تخلّى عن الشريعة الموسويّة كطريق خلاص، فلكي يربح المسيح ويوجَد فيه، لا ببرّه الشخصيّ، البرّ الذي نحصل عليه بالشريعة، بل البرّ الذي نحصل عليه بالإيمان بالمسيح، البرّ الذي يأتي من الله ويتأسّس على الإيمان. ونجد المعنى عينه حين يتحدّث بولس عن المسيح الذي هو برّ لأجلنا (1 كور 1: 30)، أو عن «عطيّة البرّ» كنتيجة نعمة الفداء (روم 5: 17).
ولكن إن عدنا إلى المضاف الذاتيّ، تبدو العبارة صفة ديناميكيّة بها يبرّر الله الانسان الخاطئ. ففي 1: 17 يبدو هذا البر موازياً «لقدرة الله» (آ 16). وفي آ 17- 18 يتعارض البرّ مع «غضب الله». وفي 3: 26، هذا البرّ هو ما به يبدو الله باراً. نستطيع أن نقرّب «برّ الله» من «أمانة الله» (3: 3)، من «صدق الله» (3: 7). غير أن هناك من ينفصل عن هذا البرّ فيبحث عن برّه الخاص منطلقاً من الشريعة الموسويّة.
حين نتطلّع إلى «برّ الله» كصفة الهيّة، نفهم أنه موضوعُ وحيٍ، به يكشف الله عن ذاته. وصاحب هذا الوحي هو الله، الذي يُعبَّرُ عنه في صيغة المجهول الالهيّ (يُجلَى، يُكشَف). والإشارة الاسكاتولوجيّة واضحة مع فعل «كشف» على مثال ما نقرأ في مز 98: 2: «الربّ عرّف خلاصه أمام الأمم، وكشف برّه». وكشفُ سرّ الله في الأزمنة الأخيرة، يتمّ مع الانجيل الذي يكرز به الرسلُ، ويختبره الآن السامعون واقعاً يعيشونه.
هذا البرّ يتجلّى من إيمان إلى إيمان. قال ترتليانس في ردّه على مرقيون 51/13: 22: «من إيمان الشريعة إلى إيمان الانجيل». واعتبر ترتليانس أن الكلام يدور حول عبورٍ من إيمان العهد القديم أو الشريعة إلى الانجيل. أما الشرّاح المعاصرون فيقدّمون أربعة تفاسير. الأوّل، يأتي وحيُ برّ الله من أمانة الله التي تتوجّه إلى إيمان الانسان. الثاني، هو كلام عن درجات الإيمان البشريّ الذي ينمو، كما في مز 84: 8 (من قوّة إلى قوّة كما في السبعينيّة) وإر 9: 2 (من شرّ إلى شر) و2 كور 2: 16 (من موت إلى موت)؛ و2 كور 3: 18 (نتحوّل من مجد إلى مجد). أما النموّ في الإيمان فنقرأ عنه في2 كور 10: 15؛ 2 تس 1: 3: البرّ الذي يعطيه الله للانسان يفترض الإيمان عند الانسان. ثم: برّ الله وغفرانه ونعمته تتجلّى في الانجيل، والإيمان الذي هو مبدأها ينمو دوماً. الثالث، اللفظ الأول (بستيس) هو مجرّد. والثاني هو محسوس (بستيس). أي من الإيمان إلى المؤمنين كما في 3: 22: الإيمان يتقبّل الوحي الذي يدرك الإيمانَ بهذه الواسطة. الرابع، العبارة من إيمان إلى إيمان تساوي عبارة: الإيمان وحده. الإيمان أولاً وأخيراً: فبرّ الله هو كلّه، من أوله إلى آخره، موضوع إيمان في ما يخصّ الانسان.
ويُطرَح حلٌّ معقول: «بستيس» تدلّ على إيمان الانسان. والعبارة من إيمان إلى إيمان، ترتبط بفعل «تجلّى»: الله يكشف عن برّه انطلاقاً من الإيمان ولأجل الإيمان. وحين نفهم الجملة بهذه الطريقة، نفهم «من إيمان» كنقطة انطلاق للخبرة المسيحيّة حين يتقبّل المؤمنُ الانجيل الذي هو كشْفُ برّ الله. غير أن الإيمان هو أيضاً هدفُ هذا الكشف عينه في مخطّط الله، وهو الوضعُ الجديد لعلاقات الانسان بالله، الذي يأتي بعد نظام الشريعة (غل 3: 23). وما قاله بولس هنا استند إلى قول حب 2: 4: «البار بالإيمان يحيا». هنا تصرّف بولس بحريّة حين أورد النصّ الكتابيّ، في شرح نجده في غل 3: 11: «وأما أنه لا يتبرّر بالناموس أحد لدى الله، فأمر ظاهر، إذ إن البار بالإيمان يحيا». ذاك هو أحد الطروح الرئيسيّة الذي سوف يتوسّع فيه بولس الرسول في الرسالة إلى رومة.

خاتمة
بعد أن وضع بولس المداميك الأولى لرسالته، وصل إلى الموضوع الأساسيّ: هو يريد أن يكرز بالانجيل، ولكن ما هو الانجيل بالنسبة إلى بولس؟ هو الخبر الطيّب حول يسوع، انطلاقاً من تقاليد دوِّن بعضُها ولبث الآخر شفهياً. وذلك على ضوء أسفار الشريعة وكتب الأنبياء. ولكن يبقى يسوع المسيح الكلمة الأخيرة التي وجَّهها الله للعالم من أجل خلاصه. إنه تتمّة جميع الكتب المقدّسة. إذن، لسنا أمام تعليم سريّ موجَّه إلى نخبة، ولا أمام قاعدة موجّهة إلى المختارين وحدهم. الانجيل هو خبر طيّب من أجل الكنيسة كلها. بل للعالم كله. هذا الانجيل لا نستحي منه. فهو قوّة الله من أجل الخلاص. كما أن فيه يتجلّى برّ الله. أجل مضمون الانجيل هو برّ الله. وهو برّ ناشط لا يكتفي بأن ينتظر لكي يرى كيف يتصرّف الانسان، بل هو يفعل ويُفهِم الانسانَ أنه لا يبرّر نفسه بأعمال يمكن أن يعملها (ولا سيّما الختان بالنسبة إلى اليهود). فالانسان لا يقدر أن يبرّر نفسه بنفسه. فالبرّ يأتي من الله. وكذلك الخلاص. ونحن نتقبّله عطاء مجانياً من قبل الله. هذا ما سوف يشرحه بولس في روم، مستنداً إلى كلام النبيّ حبقوق الذي يربط الحياة بالإيمان، بالنسبة إلى الانسان البار، بالنسبة إلى ذاك الذي برّره الله فنقله من الخطيئة إلى النعمة، ومن مناخ الغضب إلى الخلاص بيسوع المسيح.
القسم الثّاني
غَضَبُ الله عَلى كُفْر البَشَر
1: 18- 3: 20
نبدأ هنا القسم العقائديّ: من أمانة الله إلى إيمان الانسان (1: 18- 11: 36). بعد كلام على كفر البشر (1: 18- 3: 20)، يعرض الرسولُ كيف يفعل الإيمان بالنسبة إلى الجميع (32: 1- 5: 21)، وما يعني هذا العمل في حياة المؤمن (6: 1- 8: 39). وفي النهاية، يدافع الرسول فيدلّ على أمانة الله تجاه شعبه (9: 1- 11: 36).
ونتوقّف عند القسم الثاني مع لفظ «أديكيا» (اللابرّ، الكفر) الذي يوجز خطايا البشر ويعمل كخطّ من أجل القسم كله مع تكرار هذا اللفظ في 1: 29؛ 2: 8؛ 3: 5. يتركّز الكلام على البشر جميعاً، على اليهود ثم على الوثنيّين، قبل أن تُجمَع الفئتان في خضوعهما لسلطان الخطيئة.
ويأتي هذا القسم في سبعة فصول:
1- غضب الله معلن من السماء (1: 18- 32)
2- لا محاباة عند الله (2: 1- 11)
3- العمل بأحكام الشريعة (2: 12- 16)
4- يا من تسمّي نفسك يهودياً (2: 17- 24)
5- الختان والعمل بالشريعة (2: 25- 29)
6- ما هو فضل اليهوديّ (3: 9- 20)
بدأ اليهود فحكموا على الوثنيّين، فوصل الحكم عليهم، لأن الله لا يحابي أحداً. فلا الشريعة تحميهم ولا الختان ولا ما يعدّونه أمانة الله لهم. وهكذا تساوى الجميعُ أمام الدينونة، فاحتاجوا كلُّهم إلى برّ الله.

الفصل الخامس
غضب الله معلن من السماء
1: 18- 32

منذ بداية العالم، تجلّى الله في خلائقه لجميع البشر. ولكنّهم ظلّوا عمياناً، وما أرادوا أن يسمعوا ولا أن يفهموا ما يقدَّم لهم من وحي. ففضّلوا أن يعيشوا بحسب غرائزهم وانحطاطاتها، وأنانيّتهم وما فيها من رفض لمحبّة الله والقريب. عبدوا شهواتهم الخاصّة واعتبروها آلهة، فسقطوا في الفساد، ومارسوا العنف في علاقاتهم الشخصيّة والاجتماعيّة. لهذا، حلّ غضبُ الله بهم. أي نالوا العقاب الذي يستحقّون من داخل الخطايا التي اقترفوها. تلك كانت نظرة اليهود إلى الوثنيّين. ولكن البشر جميعهم خطأة. الوثنيّون واليهود. ويبدأ بولس بالوثنيّين.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 18، ألغى مرقيون لفظ «الله» في عبارة «غضب الله»، لأن إله الغضب لا يمكن أن يكون إله العهد الجديد، الذي هو إله الرحمة. وهناك تقاليد نصوصيّة غربيّة تضيف «الله» بعد كلمة «الحقّ»، فيقولون «حقّ الله» في خطّ ما نقرأ في آ 25 (استبدلوا حقّ الله).
في آ 24، جُعلت «هيوتويس» محلّ «اوتويس» (في ذواتهم) في بعض المخطوطات (ومنها 011). وقد أراد الناسخ أن يحسّن النصّ ويجعله أكثر تحديداً، بحيث يعود الكلام إلى الشخص الذي يتكلّم. ولكن «أوتويس» يمكن أن يكون لها المعنى عينه. رج آ 27، حيث بعض المخطوطات (الفاتيكاني، 017). فعلت العكس، فقرأت «اوتويس» بدل «هيوتويس» (نائلين في أنفسهم).
في آ 27، أراد المخطوط 011 أن يقوّي النصّ، فجعل المسّبق «انتي» بدل «أبو» (عاد الضلال عليهم). في آ 28. غاب لفظ «تايوس» (الله) الذي لا نجده في السينائي، الذي يعود إلى القرن الرابع، ولا في الاسكندرانيّ (القرن الخامس)، ولا في 031، الذي يعود إلى القرن التاسع. قد يكون اللفظُ أضيف في حقبة قديمة من أجل التوازي مع آ 24 (أسلمهم الله) وآ 26 (أسلمهم الله).
في آ 29، نقرأ ثلاثة ألفاظ ترد في ترتيب مختلف بين مخطوط ومخطوط: إثم، زنى، شرّ. ونجد «بونيريا» (شرّ) محلّ «بورنايا» (زنى)، وهذا خطأ من قبل الناسخ. وحاول النسّاخ أن يحسّنوا النصّ في آ 32 ليجعلوه يتوافق مع طريقة بولس في الكتابة.
ب- بنية النصّ
يبدو الركن الأساسيّ في البرهان (آ 19- 25)، صدى لخبر آدم في تك 2- 3: فآدم هو الذي سبق وأفسد معرفته لله، وحاول أن يتفلّت من وضعه كخليقة. اعتقد بالكذب وصار جاهلاً، وبالتالي (آدم= انسان) نموذجَ البشريّة التي عبدت الأصنام بدل الخالق. واستعمالُ المقولات الرواقيّة المعروفة، ولا سيّما في آ 19- 20، 23، 28، أبرز وجهةَ الشموليّة في البرهان.
غير أن اللافت هو أن آ 21، ثم آ 23 وما بعد، تجعلان بولس يتحدّث كيهوديّ، فيستعمل أسلوب الهجوم الذي أخذ به اليهود الهلنستيّون ضدّ عبادة الأصنام. ونلاحظ بشكل خاص تأثير حك 11- 15. وهو يتوخّى أن يبيّن لابرَّ الانسان (آدم) من وجهة نظر يهوديّة تمقت عبادة الأصنام وتدلّ على انحطاط الأمم على مستوى الخلقيّة الجنسيّة. وفي آ 29- 30، نجد لائحة بالرذائل: نقرأها في العالم اليهوديّ، كما في العالم الرواقيّ.
في هذا التوسّع الذي يمتدّ من آ 18 إلى آ 23، يتكرّر ثلاث مرات فعلُ «أبدلوا» (آ 23، 25، 26) في توازٍ مع تكرّر مثلَّث لفعل «أسلم» (آ 24، 26، 28). هذا ما يخلق حلقة مفرغة لخطيئة البشر، وضعفاً لمعرفة الله يقود إلى انحطاط على مستوى الدين والتصرّف البشريّ، وافتخاراً بشريّاً بحصاد ثمرة الفساد البشريّ (آ 24، 26، 27) والبشاعة بكل أشكالها (آ 29- 31). هناك من شدّد على آ 19- 20 حيث لا عذر لهؤلاء الناس. وجاء من يقسم المقطع ثلاث قسمات (آ 22- 24، 25- 27، 28- 32) تحدّدها فكرةُ الحكم على الخطيئة. أو ثلاثة توسّعات: في آ 19- 23 الخطيئة ضد حقّ الله. آ 24- 27 الخطيئة ضد الطبيعة. آ 28- 32 الخطيئة ضدّ الآخرين.
ونلاحظ مهارة بولس ككاتب حين يتلاعب على الكلمات. في آ 23، الذي لا يَفسد تجاه الذي يفسد (أو: يفنى). في آ 25، الخليقة تجاه الخالق. في آ 27، الذكور تجاه الذكور مع الذكور. في آ 28، ما اهتمّوا «إدوكيماسان» تجاه «أدوكيمون» (ما لا يليق). في آ 29، «فتونو» (حسد) تجاه «فونو» (قتل). وفي آ 31، بلا فهم «أسيناتوس» تجاه بلا عهد «اسينتاتوس». ونلاحظ أيضاً لائحة الرذائل في آ 29- 31، حيث نبدأ بأربعة أو خمسة ألفاظ عامة تبدأ مع المسبّق النافي مع «أ». مثلا : اللابرّ (أو الظلم). مثل هذه اللائحة نجدها في الأدب الدنيويّ اليونانيّ.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (1: 18- 32)
نتوقّف هنا عند أربعة مقاطع. في الأول، نتعرف إلى غضب الله (آ 18- 23) الذي يصيب الأمم لأنهم ما عرفوا الله ولا مجدّوه. حينئذ أسلمهم إلى شهوات قلوبهم (آ 24- 25)، أسلمهم إلى الرغبات الدنيئة (آ 26- 27). وأخيراً، أسلمهم إلى فساد عقولهم (آ 28- 32).
أ- غضب الله (آ 18- 23)
«فغضب الله» (آ 18). تبدأ الآية مع «لأنّ»، فترتبط بما سبق وتواصل الفكرة دون أن تحدّد نوعيّة الرباط. وهذا ما نكتشفه في التوازي بين آ 17 وآ 18: هناك غضب الله على اللاتقوى (الاثم، الفجور) في آ 18، الذي يعارض برّ الله بإيمان في آ 17. فالسبب الذي جعل البشريّة تصل إلى هذا المستوى، هو الاثم والفجور. ويتكرّر لفظ «معلن» في آ 17 وآ 18، وتضيف آ 18: من السماء. أي من عند الله. والغضب هو العقاب. وما يُثبت المناخ الاسكاتولوجيّ هو أن «غضب الله» جزء من دينونة الله في النهاية (2: 5، 8؛ 3: 5؛ 5: 9؛ 1 تس 1: 10؛ 5: 9). ومع أن فكرة غضب الله، في العهد القديم، ليست مدلولاً اسكاتولوجياً، إلاّ أننا نجد ما يوازيها في اش 13: 9، 13؛ صف 1: 15؛ 18؛ 2: 2- 3 ؛ 3: 8؛ دا 8: 19؛ ق يوب 24: 30. فدينونة الله الأخيرة، هي نهايةُ مسيرةٍ بدأت منذ الآن (1 أخن 84: 4؛ 91: 7- 9). وارتباط آ 17 وآ 18 مع «معلن» يجعلنا في إطار سماويّ، سواء تكلّمنا عن «برّ الله» أو «غضب الله». في العهد القديم، يرتبط غضبُ الله بالعهد، وهذا ما يفهمنا أن الله هو قبل كل شيء إله اسرائيل. أما هنا، فتتوسّع النظرة (آ 19 ي) فترى في الله خالق كل شيء. ولكن إن نظرنا إلى العهد من جهة الله الذي يجعل شعبه خليقة من الخلائق (رج آ 22)، فمن جهة ثانية، يُرى غضبُ الله في ملئه من زاوية البرّ المرتبط بالعهد (اش 63: 6- 7؛ سي 5: 6؛ 16: 11).
«غضب الله». مدلولٌ عُرف معرفةً واسعة في العالم القديم، كسخط الله الذي لا يرضى عن تصرّف البشر تصرّفاً لا يليق بالله، كجواب السماء على كفر البشر وتجاوز الشريعة الإلهيّة، وكطريقة بها نفسّر كارثة حدثت أو مرضاً أو موتاً. أخذ بولس بهذه اللغة ليصوّر نتيجة لابرِّ البشر في العالم (آ 19- 32). ليس «الغضب» في نظر بولس شيئاً يُسألُ الله عنه، وكأنه ارتباط بين العلّة والسبب في المجال الخلقيّ (أخطأت فضربني الله!!)، أو كأنه موقف الله «المنتقم» (فالانتقام بعيدٌ كلَّ البعد عن الله). نحن أمام مسيرة اجتماعيّة أو سيكولوجيّة على الأرض ترتبط بعالم السماء.
كان الفكر الكلاسيكيّ اليونانيّ يرى في غضب الآلهة، اللامنطق واللامتوقّع بحيث نصل إلى القدر. مثلُ هذه السمات ليست بغريبة عن العالم اليهوديّ، إلاّ أننا نجدها في إطار الإيمان بالاله الواحد (لا بالآلهة المتعدّدة حيث نهرب من إله فيعاقبنا إله آخر). رج 2 صم 24: 1، 15- 16؛ ق 1 أخ 21: 1، 14- 15؛ أي 19: 11؛ مز 88: 16. وهناك «لغزٌ» حاضر: إلى متى؟ وعى بولس هذه المسألة (3: 5؛ 9: 22). وقدّم كلامه في لغة أخلاقيّة رفيعة (آ 19- 32). وإن هذه الآيات تتضمّن بداية جواب سوف يصوغه على مستوى الفرد (ف 6- 8) وعلى مستوى الجماعة والبشريّة ككلّ، على مستوى اليهوديّ كما على مستوى الوثنيّ (ف 9- 11). أما الحلّ فهو أن غضب الله على الانسان يتوخّى أن يبيّن أن الانسان تمرّدَ فرفض علاقته كخليقة بالله (والارتباط ارتباطَ الإيمان)، وهكذا بدأت مسيرة الانحطاط. أما النجاة فتقوم بالعودة إلى علاقة الإيمان. مثلُ هذه العودة لا تعني أن غضب الله لن يعود يفعل على المستوى البشريّ، بل هو يصبح جزءاً من مخطّط أوسع، نهايتُه تحرّر وفداء من كل الظروف. لهذا قيل: إن دينونة الغضب في النهاية، تتوافق مع العهد والمواعيد لأنها تقود إلى الفداء والخلاص. أمّا كيف يظهر هذا الغضب عند بولس هنا؟ في التصرّف البشريّ.
«كفر وظلم». نحن هنا أمام عداوة ورفض لكل ممارسة عباديّة صالحة وسلوك بحسب الشريعة تجاه الآخرين. يتطلّع بولس إلى لوحَي الوصايا. أما لفظ كفر «أسابايا» فلا يستعمله بولس مراراً (رج روم 11: 26). والصفة في 4: 5؛ 5: 6. أما «ظلم» (لابرّ) «أديكيا» فترد مراراً. رج 1: 29؛ 3: 5؛ 6: 13؛ 9: 14؛ ق 1 كور 13: 6؛ 2 كور 12: 13؛ 2 تس 2: 10، 12. إن «اللابرّ» يقابل برّ الله «ديكايوسيني» (آ 17؛ رج 3: 5). وهكذا يحدَّد اللابرّ كنقص في الواجبات تجاه الله والانسان، يرتبط بعلاقتنا بالله والانسان. وهاتان الوجهتان تسيران معاً فتدلاّن على رفض علاقة الانسان الخاصة بالانسان، تصلان بنا إلى ما يلي. فاللابرّ من قِبَل الانسان، يجعل مبادرة الله ضروريّة من أجل التبرير. ثم، أن يمكن نقلُ المسألة الضيّقة (علاقة بين اليهود والوثنيّين) داخل مخطّط الله الخلاصيّ، إلى مسألة أوسع هي مسألة خلاص البشريّة كلها (مع لفظَي البرّ واللابرّ)، يُبرز قدرة الله وأمانته. وترد كلمة «كل» (جميع). هذا يعني أن ف 2 سيعر ض «كلّ» إثم. وحين يُعرَض كلُّ «إثم»، فهو سيدخل في مخطّط الله الفدائيّ.
«يُلغون الحقّ». هو حقّ الله كما في آ 25. ثم كلُّ حقّ. وهكذا تضيع الثقةُ بالله. فحين يرفض الانسان أن يعترف بالله كالخالق، تَفسد علاقتُه بالله، بالانسان، بالخليقة كلّها.
«لأن ما يقدر البشر» (آ 19). ما يمكن أن يُعرَف عن الله. وهكذا نستطيع أن نعرف الله. اعتقد العالمُ اليهوديّ (رج خر 33: 20؛ تث 34: 12؛ سي 43: 13؛ ق سيب 3: 17) أن الله لا يُعرف في ذاته، ولكنه جعل شخصَه معروفاً في شكل من الأشكال (لا تقدر أن ترى وجهي، بل ظهري). وإلاّ، لا معنى لما في نهاية آ 20: لا عذرَ لهم.
وهكذا نكون أمام لاهوت يرتبط بالطبيعة البشريّة، لا بالوحي. هنا يرتبط بولس باللاهوت الحكميّ في العالم اليهوديّ الهلنستيّ. ق حك 12- 15 وروم 1: 19- 32. وخصوصاً حك 13: 1- 9. ونتذكّر أن فيلون الاسكندراني رأى في الخليقة «ظلاّ» نستطيع بواسطته أن نتميّز الخالق.
«الله أظهرها لهم». إن الفعل «فاناروو» يظهر قليلاً في العهد القديم والعالم اليهوديّ، ولكنه- يرد 49 مرّة في العهد الجديد. فالديانة المسيحيّة هي ديانة الوحي التي فيها كشف الله عن ذاته. رج 3: 21؛ 16: 26؛ 1 كور 4: 5؛ كو 1: 26: 3: 4؛ 1 تم 3: 16؛ 2 تم 1: 10؛ تي 1: 3؛ عب 9: 26؛ 1 بط 1: 20. هذه العبارة تؤكّد أن معرفة الله لا تميّز فقط الخلق وتتفرّع منه، بل تتمّ بواسطة الله. نحن أمام وحي الله للبشريّة كلِّها، عبر الكون، وينطلق من الكون. أجل، الخليقة لا تستطيع أن تقدّم المفتاح عن وجودها. ويعلن بولس هنا في آ 21، معرفة آنيّة لله. هل هذه المعرفة تقود إلى الخلاص؟ هي مسألة أخرى سيعود إليها بولس في 2: 6- 16.
في آ 20، نجد نفوسنا أمام لغة المسيحيّة الأولى، المستوحاة من العالم الرواقيّ بعد أن مرّ في الحكمة اليهوديّة (حك 2: 23؛ 7: 26؛ 18: 19)، والمستنيرة بما قاله فيلون. أجل، يُعرف الله بواسطة العقل. ولكن هذا لا يعني أن العقل يقدر أن يُدرك الله. فيبقى أن بولس يجعل نفسه في موقع يحاول أن يربط العالم اليهوديّ بالعالم اللايهوديّ الذي يستطيع هو أيضاً أن يعرف الله، لا بواسطة وحي لم يصل إليه، بل بواسطة خليقة بدت كأنها ظهورٌ لله على الأرض.
«بلا عذر». قد نكون أمام جملة سببيّة: لأنهم لم يعرفوا الله. أو جملة غائيّة: بحيث إنهم لم يعرفوا الله. رج حك 13: 8- 9؛ ق4 عز 7: 22- 24؛ وص موسى 1: 13. وهكذا توخّى بولس أن يبني برهانَه على أرضيّة واسعة. فإذا كان بإمكان الوثنيين أن يعرفوا الله، فيستعمل بولس لغة العالم اليهوديّ، لكي يواصل كلامَه إليهم.
«عرفوا الله فما مجّدوه» (آ 21). هنا بدأ بولس ينتقل إلى مقولات معروفة في العالم اليهوديّ. «عرفوا الله». رج 1 كور 1: 21؛ غل 4: 9؛ يو 10: 15؛ 17: 3؛ 1 يو 4: 7- 8. في العالم اليونانيّ، نعرف الله حين نُدركه كما هو في الحقيقة. في العالم اليهوديّ، نعرف الله من خلال شعائر العبادة والطاعة لوصاياه، وهكذا نُقرّ به وبوجوده. رج قض 2: 10؛ 1 صم 3: 7؛ مز 79: 6؛ هو 8: 2. ونحن نمجّد الله (خر 15: 1، 2، 6، 11، 21)، أي نقدّم الجواب الذي يليق بمجده، أو إشعاع لاهوته. «وما شكروه». نحن لا نشكر الله فقط بالكلام، بل بحياتنا كلِّها التي هي عطيّة من الله (4 عز 8: 60). في منظار بولس، مثلُ هذا الموقف الذي يعبّر عن مخافة الله وشكره، هو الطريقة التي بها نعبِّر عن معرفتنا له. ولكنَّ تصرّف الانسان بفصل بين ما يعرفه من الحقّ، وبين حياته. أمّا بولس فيريد أن يجمع بين الاثنين.
«صاروا حمقى» رج 8: 20؛ أف 4: 17؛ 2 بط 2: 18. صاروا «باطلاً». رج مز 39: 4- 5؛ 62: 9؛ 78: 33؛ 94: 11؛ 144: 4؛ جا 1: 2، 14؛ 2: 1، 15، 17. كل هذا يدلّ على الحياة القصيرة والتافهة. ما أراد بولس أن يقوله: حيث لا نختبر الحياة كعطيّة من الله، نبتعد عن الواقع، ونحكم على نفوسنا، فنجعلها في الباطل والفراغ والعبث. رج 8: 20.
«أظلم قلبُهم». رج مز 75: 6 الذي يبدأ بالقول إن الله معروف في يهوذا (مز 75: 2). هناك المعنى الأدبيّ للظلمة. رج 11: 10 (= مز 68: 4)؛ ق وص رأوبين 3: 8؛ وص لاوي 14: 4؛ وص جاد 6: 2. أجل، هم لا يقدرون أن يفهموا. عاشوا في ظلمة تمنعهم من الفهم. والقلب هو الانسان في حياته الداخليّة وفي خبرته الحميمة. نحن أبعد من العواطف والتمنّيات والرغبات (1: 24؛ 9: 2). بل نحن على مستوى القرار والإرادة والعمل (2 كور 9: 7) مع القدرة على التفكير والفهم، كما هو الأمر هنا. أجل، تشوّهت امكانيّاتُ الانسان كله، وليس فقط على مستوى العقل والفكر. فإن لم يتلقَّ نوراً موجّهاً يأتيه من اعترافه بالله، فقلبُه (وحياته) هو كلّه في الظلام. فلا يعرف أين يتوجّه، وتتبعثر حياتُه كالمياه في يد الانسان.
«زعموا أنهم حكماء». هنا ننتقل إلى آ 22. الحكمة فضيلة سامية في العالم القديم. وعند اليهوديّ، هي عطيّة من الله. ففي العالم الرواقيّ، الانسان الحكيم هو الانسان المثال الذي يجب أن يتوق إليه كلُّ واحد منّا. غير أن هؤلاء تركوا الحكمة وصاروا جهلاء. رج إر 10: 14؛ مت 5: 13// 14: 34. صاروا بلا طعم كالملح.
نلاحظ سخريّة بولس: ظنّوا أنهم وازنوا بين معرفتهم النظريّة وممارستهم العمليّة. ولكنّ حياتهم دلّت على عكس ذلك، وسلوكهم أظهر أنهم لم يعرفوا الله. ذاك هو الوضع المؤلم الذي يعيشونه. فمع أنهم جهلة، يُعلنون أنهم حكماء. ومعيارُ حكمتهم هو تفاهتهم والباطل الذي يعيشون فيه. رج 1 كور 1: 18- 25.
ما يحدث هنا هو صدى لخبر آدم مع «المعرفة» (تك 2: 19). يتوق الانسان إلى معرفة أكبر، فإذا هو يعرف السقوط كما في تك 3: 1 ي. رج حك 2: 23- 24؛ ق يوب 3: 28- 32؛ 4 عز 4: 30. في آ 23، إشارة إلى عبادة العجل الذهبيّ، التي ارتبطت، في العالم اليهوديّ، بسقطة آدم. فسقوط بني اسرائيل في عبادة الأوثان، في البريّة، تقابل سقطة آدم بعد الخلق.
في آ 23، ينطلق البرهان من مناخ يهوديّ، في هجوم على عبادة الأوثان كما نقرأ في مز 106: 20؛ إر 2: 11؛ إش 44: 9- 20 (ولا سيّما آ 22- 23)؛ حك 11: 15؛ 12: 24؛ 13: 10، 13- 14؛ 14: 8؛ 15: 18- 19. ونحن لا ننسى رسالة إرميا ولا الأقوال السيبليّة في الفصل الثالث. «بشبه». «صورة». نحن أمام لفظين يعنيان تقريباً المعنى الواحد، ويُبرزان الواقع. فما يريده بولس هو أن يبيّن المسافة بين الحقيقة وبين ما يحاول الصنم أن يصوّره. نحن أمام صورة، بل أمام شبه الصورة. فماذا بقي من الحقيقة بعد أن صارت نسخة عن نسخة؟ تحدّث الرسول عن الطيور والدواب والزحافات، فعاد إلى تك 1: 20- 23. ويظهر التعارض في خطّ الأسلوب الرواقيّ بين ما لا يفسد وما يفسد، بين ما لا يموت وما يموت. رج حك 2: 23 الذي هو قريب جداً من النصّ البولسيّ.
ب- لذلك أسلمهم إلى شهوات قلوبهم (آ 24- 25)
«لذلك» (آ 24). تركهم الله. بدا وكأنه لم يعد مسؤولاً عنهم. ما عاد يُمسكهم بيده فانحدروا إلى الأعماق. أو هم رفضوا يد الله التي تمسكهم. يتردّد الفعل «أسلم» (بارادوكان) ثلاثة مرّات (آ 24، 26، 28). كل هذا يدلّ على قساوة دينونة الله التي تضمّنها «المجهولُ الالهيّ» في آ 21- 22 (الله جعلهم حمقى، الله جعلهم في الظلام. ولكن لا يُذكر اسمه). «شهوات». قد يُستَعمل اللفظُ للخير (1 تس 2: 17). ولكنه مراراً ما يُستعمل في الشرّ: هو شيء ممنوع، ولا سيّما على مستوى الزنى والفجور. هذا ما نجده في العالم الرواقيّ كما في حك 4: 12؛ سي 5: 2؛ 18: 30- 31؛ 23: 5. يتطلّع بولس هنا إلى الشهوات الحيوانيّة، اللحميّة، على مستوى الجسد المائت. رج 6: 12؛ 7: 7- 8، 13- 14؛ غل 5: 16، 24؛ كو 3: 5؛ 1 تس 4: 5؛ أف 2: 3؛ 4: 22. ما زال بولس في إطار خبر السقطة الأولى: يرغب الانسان في حرّيّة قريبة من الفلتان، بحيث يفعل ما يريد، كما في البدء (رج 7: 7). رج أيضاً عد 11: 31- 35 مع كلام مز 78: 29: «لم يزوغوا عن شهوتهم، وطعامهم بعدُ في أفواههم». لهذا، صعد عليهم غضبُ الله (آ 30).
«النجاسة». خسرت هذه اللفظة ما يرتبط بشعائر العبادة (النجس والطاهر). واتّخذت معنى خُلُقياً (حك 2: 16) ولا سيّما على مستوى الفلتان الجنسي (1 أخن 10: 11؛ وص يهوذا 14- 15؛ وص يوسف 4: 6). في العهد الجديد، لا نجدها إلاّ عند القديس بولس. رج 6: 19؛ غل 5: 19؛ أف 4: 19؛ كو 3: 5. وهكذا أهانوا أجسادَهم. نسوا كل احترام لنفوسهم، وما اهتمّوا بالهدف الذي من أجله خُلقوا. انحطّوا. ربط بولس بين الفجور وعبادة الأوثان كما في الإطار اليهوديّ. رج حك 14: 12- 27. من أجل هذا حلّ بهم العقابُ، لا الانتقامُ بما فيه من روح رديئة. حين يبتعد الانسان عن الله، ينحدر إلى المستوى الحيوانيّ، فلا تبقى شريعةٌ تقيّده. وإذ نتكلّم عن الله الذي «أسلمهم»، نعني أنه قَبِلَ، سمح لرغبتهم المتمرّدة بأن تتحرّر من ارتباطها بالله. فالله لا يُكره أحداً، بل يتركه ورغبته، سواء كانت نقيّة أو نجسة. وبولس لا يريد أن يقول إن جميع البشر استسلموا إلى مثل هذا الانحطاط. وإن هو تكلّم بشكل عام، فليدلّ على أن الفداء يصل إلى الجميع ويلتقي بهم في عمق خطيئتهم.
ماذا فعل هؤلاء فانحطّوا إلى مثل هذا المستوى؟ هذا ما تقوله آ 25: «استبدلوا». «حقّ الله» هو طبيعته اللامنظورة من جهة، ومن جهة ثانية قدرته الكونيّة كخالق (آ 20). والذين اعتادوا على الفكر اليهوديّ، «الحقّ» يتضمّن ثقة بالله وأمانته (إ م ت في العبريّة). اللاأمانة هي في أساس سقوط الوثنيّين واليهود، ورجاء الفئتين يرتبط بحقيقة الله. أما الناس فاستبدلوا حقّ الله بالكذب. ذاك كان جواب الانسان لله. رج مز 4: 2؛ 5: 6، إر 3: 10؛ 13: 25. في رسالة ارميا (آ 47) نجد هجوماً على الكذب، أي على الأصنام.
«عبدوا المخلوق دون الخالق». يشير بولس إلى شعائر العبادة لدى الوثنيّين، التي مقتها اليهودُ وكرهوها. عبد هؤلاء ما خلقه الله. كما عبدوا ما «خلقته» أيديهم (آ 23). الله لا يُرى (آ 20). الله هو المجيد. الله لا يعرف الفساد (آ 23). ذاك هو الجواب على الصنم الكاذب، الذي يشوّه الحقيقة ويعطّل الادراك عند الناس (آ 21- 22). كما يعطّل الموقف الذي يتّخذونه ويحرّف سلوكهم. ويؤكّد بولس أن ارتباط عبادة الأوثان بالفلتان الجنسيّ ليس من قبيل الصدف: فأساسُ إدراك الله هو أساس العبادة والحياة (حك 14: 12).
«الذي هو مبارك». تلك هي المباركة في العالم اليهوديّ. رج تك 9: 26؛ 14: 20؛ 1 صم 25: 32؛ 2 صم 18: 28؛ 1 مل 1: 48؛ 8: 15 ... أعلن بولس، شأنه شأن كل يهوديّ في صلاته اليوميّة، أن الله مبارك: «تبارك الله وأبو ربّنا» (2 كور 1: 3؛ أف 1: 3؛ 1 بط 1: 3). وهكذا انتقلت المباركة إلى المسيحيّة. وإذ بارك بولس، ابتعد عن كل عبادة لا تعلن أن كل مباركة وبركة هما من الله وحده، وعن كل حياة لا ترتبط بهذه البركة قبل كل ارتباط. وأنهى بولس المباركة بلفظ «آمين». تلك هي الحقيقة. رج 9: 5؛ 11: 36؛ 15: 33؛ 1 كور 16: 24؛ غل 1: 5...
ج- أسلمهم إلى الرغبات الدنيئة (آ 26- 27)
«لذلك» (آ 26). ويرد هنا مرّة ثانية فعل «أسلمهم» (الله). فالفسادُ الخلُقيّ هو نتيجة غضب الله، لا سببه. حين نرفض أن نعطي الله ما يجب أن نعطيه، نكون وكأننا نهين أنفسنا. فاحترام النفس واحترام الآخرين يجدان جذورهما في الإقرار بأن لله الخالق وحده السلطة بأن يرتّب كلَّ ما خلقه.
وبعد الكلام عن الرجال، يأتي الكلام من النساء. مساواة بين الرجل والمرأة على مستوى العظمة، ومساواة على مستوى الخطيئة، ولا سيّما في مجال الزنى والفجور، والجميع بعيدون عن العيش في تناغم مع النظام الطبيعيّ كما يريده الاله. ذاك كان المثال الرواقيّ. والعيش بحسب الطبيعة هو الحياة الصالحة. والعيش على خلاف الطبيعة يقودنا إلى علاقات جنسيّة غريبة عمّا قاله الله في البدء، حيث الرجل والمر أة يكونان جسداً واحداً.
«اتخذوا الباطل» (آ 27). بدأ بولس وتحدّث عن تصرّف يعارض الطبيعة لدى النساء، وها هو يصل إلى الرجال. «اشتعلوا بشهوتهم». لا نجد هذه العبارة إلاّ هنا في العهد الجديد. رج سي 23: 6، 16؛ حك 14: 2؛ 15: 5؛ 16: 2- 3. وماذا فعلوا؟ الفحشاء. عرضوا أعضاءهم التناسليّة. تعرّوا. رج خر 28: 42؛ نا 3: 5؛ حز 16: 8. رج 1 كور 12: 23؛ رؤ 16: 15. ولسنا فقط أمام توجّه جنسيّ، بل أمام أفعال مشينة تُرتكب، سواء بين الذكر والذكر أو بين الأنثى والأنثى.
«ينالون جزاء ضلالهم». تلك هي النتيجة التي تصل إليها البشريّة، بعد مثل هذا التصرّف. وهكذا يعود الشرّ على صاحبه (رج 2 كور 6: 13) الذي يحيد عن طريق الله، وبالتالي يبتعد عن الله. هنا نشير إلى أن زنى الذكر مع الذكر والأنثى مع الأنثى عُرف في العالم اليونانيّ والرومانيّ، واعتُبر عملاً تسمح به الآلهة. أما اليهود، فاعتبروه فساداً ممقتوتاً يميّز الوثنيّين. رج لا 18: 22؛ 20: 13؛1 مل 14: 24؛ 15: 12؛ 22: 46؛ 2 مل 23: 7. وذُكرت خطيئة سدوم في تك 19: 1- 28؛ تث 23: 18؛ إش 1: 9- 10؛ 3: 9؛ إر 23: 14؛ مرا 4: 6؛ حز 16: 43- 58. مثلُ هذه الخطيئة تعود بالبشريّة إلى الجذور (تك 3: 1 ي؛ 6: 1- 4؛ ق يوب 4: 22؛ 5: 1- 10 ... رج 1 كور 6: 9؛ 1 تم 1: 10؛ 2 بط 2: 1 ي؛ يهو 7).
د- أسلمهم إلى فساد عقولهم (آ 28- 32)
«فعلوا ما لا يليق». (آ 28). رفضوا أن يُبقوا الله في معرفتهم. رذلوه. نحن هنا أمام الاهتمام الذي وجدناه في آ 18، 21، 23، 25. ونحن هنا أمام فعل حرّ (لم يستحسنوا). اعتبروا أن الله ليس بضروريّ من أجل حياتهم، أن لا حقّ له على خليقته، مع أنه خالقها. وتعود العبارة «أسلمهم الله». تركهم وشأنهم. أرادوا أن يسيروا في طريق غير طريق الله، فلم يفرض الله نفسه على حرّيتهم. وهكذا فعلوا ما لا يليق بالانسان. ما يحطّ من كرامة الانسان فيشابه البهائم. حين يتحدّث بولس عمّا هو طبيعيّ وعمّا يخالف الطبيعة (آ 26)، فهو يعود عمداً إلى مدلولات واسعة، وهو لا يكتفي بأن يحرّك الدفاع اليهوديّ في ألفاظ يهوديّة. إنه لا يسعى فقط بأن يقدّم مقاله في إطار يهوديّ، بل بأن يدخل في الفكر اليونانيّ الذي يرى أن هناك أشياء عديدة لا تليق بالانسان ولا تميّزه (رج 2: 7، 10؛ 12: 17؛ 13: 3، 5، 10، 13؛ 14: 18). هذا يعني أن برهانه لا يمكن أن يُؤخذ كحكم قاطع على خلقيّة الوثنيّين وأسلوب حياتهم (مع أن الوصف الذي نقرأه في آ 26- 27 و29- 31 يعود إلى جميع الأمم). إن برهانه يعلن أن وجود مثل هذه السمات في المجتمع البشريّ (مع أنه استعمل الطريقة اليهوديّة، إلاّ أنه لم يحصر حكمه في العالم الوثني، بل سيحكم على اليهود وأيضاً) تدلّ على أن الانسان أضاع موقعه كخليقة وكعابد للخالق الذي لا يُرى.
مع آ 29- 31، نقرأ لائحة الرذائل التي كانت معروفة في العالم القديم، ولا سيّما لدى الرواقيّين. وعُرفت أيضاً في العالم اليهوديّ. رج حك 14: 25- 26؛ 4 مك 1: 26- 27؛ 2: 15؛ وص رأوبين 3: 3- 6: وصيّة لاوي 17: 11؛ ق نج 4: 9- 11. كما عُرفت في الأدب المسيحي الأوّلاني. رج مر 7: 21- 22؛ روم 13: 13؛ 1 كور 5: 10- 11؛ 6: 9- 10؛ 2 كور 12: 20... توسّع بولسُ في هذه اللائحة ليدلّ على أن سمات مثل هذه الحياة الاجتماعيّة، يجب أن تُشجَب. والنظرة المسيحيّة تفهم أن مثل هذا الوضع هو نتيجة غضب الله الذي أسلمهم، بعد أن تمرّدوا وجعلوا الفوضى في الخليقة.
«امتلأوا» بالاثم والزنا... رج 2 مك 7: 21؛ ق 3 مك 4: 16؛ 5: 30... كل هذا يدلّ على الانسان الذي نسي أنه خليقة أمام الله.
في آ 32 نحن هنا أمام ملخّص لما سبق وقيل. رج آ 19، 21، 28. تكلّم بولس هنا عن «حكم الله»، لا عمّا تطلب الشريعة كما في 2: 26؛ 8: 4. لا شكّ في أن بولس يرى في الشريعة التعبير الواضح عمّا يطلبه الله من الانسان (رج 2: 13). ولكن الايرادات عينها تبيّن أنه حين استعمل هذا اللفظ، لم يفكّر في متطلّبات الشريعة، كما في المفهوم اليهوديّ. فالطاعة لما تطلبه الشريعة ممكنة للذين لا يعرفون الشريعة كشريعة، ولكنها طاعة من نظام آخر (2: 28- 29؛ 7: 6). أمّا هنا فهو يفكّر بالأحرى في معرفة هي جزء من معرفة الانسان لله (آ 21)، ونتيجة وضع الانسان كخليقة. هذا مع العلم أنه قد يكون قد جعل أمامه الوصايا المرتبطة بآدم أو بنوح (يوب 7: 20). كل هذا يكفي بولس لكي يحكم على عبادة الأصنام، لدى الأمم، من الوجهة اليهوديّة.
من يعمل مثل هذه الأعمال يستوجب الموت. هنا يظهر لأول مرة لفظ «الموت» الذي سيلعب دوراً هاماً في ف 6- 8. ولكن بولس يفكّر هنا فقط في موت تستحقّه بعضُ الخطايا، ولا سيّما عبادة الأوثان. وهو لا يميّز بين خطايا خاصّة وخطايا عامّة، بل ينطلق من وضع آدم الذي هُدّد بالموت إن هو لمس شجرة معرفة الخير والشرّ (تك 2: 16 ي). والشرّ كل الشرّ هو أن هؤلاء الناس لا يكتفون باقتراف مثل هذه الشرور، بل يوافقون الذين يقترفونها، ويُسرّون بسلوكهم.

3- خلاصة لاهوتيّة
يبدأ القسم الأول (آ 18) من برهان بولس بشكل يلفت النظر. بعد أن أعلن موضوعه القائل بأن الانجيل يكشف برّ الله، يتابع حالاً: «غضبُ الله مُعلَن من السماء». إن الأداة «لأن» بدت وكأنها تقدّم شرحاً للموضوع، وهذا هو في الواقع هدف بولس. فسواء صوّر غضبَ الله كجزء من برّ الله (خلاص للمؤمن أو غضب على الشرير)، أو بيّن أن الغضب هو ما يُهيّئ البرّ، فطبيعةُ برّ الله تُفهم فقط حين نفهم أولاً كيف يعمل الغضب الالهيّ (البرّ إلى الإيمان عبر الإيمان، والعكس هو غضب يقود إلى الموت عبر العصيان). ولكن قوّة السبب (لأن) يجب أن لا تُضغط، فهي تحاول أن تربط قسماً بآخر، فتبدو وكأنها المرحلة الأولى في البرهان.
جاء «غضبُ الله» بشكل مفاجئ. ولكنه مدلول معروف لدى قرّاء بولس، اليهود منهم والأمم: فالله لا يرضى بالشرّ، وهو سيدين فاعله. هذا الغضب مُعلَن من السماء، كما أن برّ الله أعلن في جواب اليهود والأمم على الانجيل. وهكذا يهيّأ السامعُ لوصف الحالة الحاضرة: فالغضب ليس جواب الله النهائيّ، بل جواب الله على أحداث وارتباطات في مستوى الفرد ومستوى الجماعة.
والشرّ الذي يتوجّه عليه الغضب الالهيّ يصوَّر في ألفاظ عامّة: كل رفض لله، واحتقار لحقوقه على البشر. من الممكن أن يكون بولس ناظراً إلى الأعمال الشرّيرة، لا إلى الأشخاص. غير أن هذا لا ينفي المسؤوليّة. فبولسُ يحدّد الكفر والظلم كعمل الذين يفضّلون اللابرّ على الحقّ. والوصف هنا واسع، والحقّ لا يُفهم في المطلق (الخير، الصلاح)، بل على أنه حقّ الله (آ 25)، حقّ الله في علاقته مع الانسان، والانسان في علاقته مع الله ثم مع الانسان. الحقّ هو الواقع الذي يحدِّد هذه العلاقات. حقّ الله وحقّ الانسان يرتبطان الواحد بالآخر، ولا ينظر إلى علاقة الانسان بالانسان بمعزل عن العلاقة مع الله.
في آ 19- 20، تحدّد الاتّهام على مستوى معرفة الله. ولكن ظلّ واسعاً. وإذ تكلّم النصّ عمّا يُعرف من الله، أعلن أن الله يُعرَف، وذلك في خطّ ما قاله الفكرُ الرواقيّ. فهناك علاقة أساسيّة بين ما هو إلهيّ وما هو بشريّ، لأن الكلمة الالهيّة التي ترافق كلَّ كلام، ترافق أيضاً الانسان، في قدرة العقل. ونتيجة ذلك، إن الأمور اللامنظورة والقوّة الالهيّة، صارت حاضرة عبر الكون المنظور، صارت مرئيّة بوضوح في عين الفهم (القدرة العقليّة) في الخليقة وعبر الخليقة. وفي خطّ ما قاله العالم اليهوديّ، يبقى إدراك الانسان لله بدائياً. فما يُعرف من الله هو فعل وحي شخصيّ أراده الله (آ 19 ب) في علاقة مع النظام المخلوق (آ 20). وهكذا يُعتبر الانسان عاملاً مسؤولاً تجاه الوحي، بحيث إن تراخيه في الجواب اللازم، ليس فقط نقصاً في الإدراك، كما قالت الفلسفة اليونانيّة، بل ضعفاً على المستوى الروحيّ والأدبيّ، وخطيئة. وهكذا يكون الانسان بلا عذر (20 ب).
مع آ 21 يصبح الاتهام أكثر تحديداً، ويُعلَن في لهجة يهوديّة. لا عذر للبشريّة لأنها رفضت الجواب المطلوب منها: أوحى الله، كشف عن ذاته في الخليقة، بحيث تُقرّ الخليقة تجاه الخالق. فمع أن البشر نالوا معرفة الله، ومع أنهم عرفوه بعد أن أظهر ذاته لهم، إلا إنهم رفضوا الجواب الواجب، فنتج عن ذلك أن صارت أفكارهم باطلة، وقلبهم مظلماً. هذا يعني أنهم حين أغلقوا عين الفهم التي هي إمكانيّة تقبّل وحي الله لذاته والاعتراف به (آ 19- 20 )، أطفأوا نور العقل وتركوه يتيه. خيّم عليهم الغيمُ والضباب، فما عاد يصل إليهم النور لكي يتجاوبوا معه. فحين رفضوا الاعتراف بالله، خفّت قدرةُ العمل في فكرهم. رفضوا أن يُقرّوا بأنهم مخلوقون في علاقة بالخالق، فتدنّت عندهم إمكانيّةُ التصرّف كبشر عاقلين.
وجاء كلام الرسول قاطعاً (آ 22). ظنّوا أنهم يصيرون حكماء حين يديرون ظهرهم لله، حين يُعلنون استقلالهم عنه، حين يرفضون أن يعترفوا به على أنه الله في حياتهم اليوميّة. اعتبروا أنهم أرفع من خليقة، أنهم على مستوى الله، فخُدعوا كما خدعت الحيّة حوّاء. ولكن ما حسبوه موقفَ حكمة، صار موقف جهل. حسبوا أن قدرتهم على توجيه حياتهم قد نمت، فإذا هي تراجعت وأحدرت الانسان على مستوى الحيوان بعد أن عبد الحيوانات (رج مز 49: 13). إلى ما قادهم مثلُ هذا الموقف؟
استبدلوا المجد الذي رفضوا أن يعترفوا به (آ 23). استبدلوا الله الخالد، بخليقة فانية، فاسدة، بصورة المخلوقات، بل يشبه صورة هذه المخلوقات. فضّلوا صورة ناقصة على صورة رسمها الله عن ذاته. فضّلوا ظلّ عقلهم المظلم على قوّة النور في معرفة الله. رغبوا أن «يخلقوا» (مثل الخالق)، فصنعوا صوراً من الخشب ومن الحجر. إذ أداروا ظهرهم لله، لم يعودوا يستطيعون أن يروا الأشياء كما هي في طبيعتها وفي غايتها. تشوّه حسّهم فما عادوا يعرفون أن يميّزوا، لأنهم رفضوا المقياس الوحيد الثابت الذي تتّخذ الأشياء معناها وقيمتها بالنسبة إليه.
وضُح لقرّاء بولس وسامعيه أنه يقودهم في طريق الهجوم اليهوديّ على عبادة الأوثان. أما النموذج فسفر الحكمة في ف 13- 15، ولا سيّما 13: 1- 9 بالنسبة إلى روم آ 19- 21؛ ثم حك 13: 10- 15: 19 بالنسبة إلى روم آ 23- 25: هناك المقابلة بين الاله غير الفاني والانسان الفاني. هنا لا ننسى أن عدداً من الوثنيّين اعتادوا أن يؤمّوا المجامع اليهوديّة، وكان منهم خائفو الله والمؤمنون الجدد الذين ينتقلون إلى الإيمان بيسوع المسيح.
وعاد بولس إلى آدم وسقطته (تك 3)، متتبّعاً في ذلك خطى حك 2: 23- 24. لا تلميح مباشراً إلى سفر التكوين، ولكن لا يمكن ليهوديّ أن يفكّر في مكانة الانسان في الخلق، ومعرفته لله وخسرانه تلك المعرفة في عمل تحرّر إراديّ، دون العودة إلى تك 2- 3. وإذ يتحدّث بولس عن الجنس البشريّ، يصف آدم الذي أراد أن يكون شبيهاً بالله، فما اعترف بالله على أنه الله، ولا أقرّ بارتباطه به ارتباط الخليقة بالخالق. اعتبر نفسه حكيماً لا يحتاج إلى حكمة الله، فأظلم في مشورته وتلبّس بالجهل. هذا ما قدّمه سفر التكوين لبولس مع تحليل عميق لانسان عصره.
وعاد بولس إلى مز 106: 20 حيث يصوّر المرتّل جحود اسرائيل وعبادتهم للعجل الذهبيّ في سيناء (رج خر 32). فالرباط بين سقطة آدم وسقطة اسرائيل كانت معروفة في الفكر اليهودي، وبين عصيان آدم وعبادة الأصنام في سيناء: كلاهما نموذج أول للخطيئة التي تهدّد البشريّة كما هدّدت شعب اسرائيل. ما من أحد يُفلت من هذه التجربة، واليهوديّ قبل الوثنيّ (2: 9- 10).
حتّى الآن (آ 24)، اكتفى بولس بأن يُبرز النتيجة الأساسيّة للانسان الذي رفض الاعتراف بالله، بحيث فُهم غضبُ الله كنتيجة لمسيرة اختارها الانسان لنفسه. فحين انقطعت الخليقة عن الخالق، ما عادت تستطيع أن تسير في الطريق القويم. أما الآن، في آ 24، فمسلسل خطيئة الانسان اتّخذ منعطفين اثنين: حدّد الله نتيجة خطيئة الانسان. «أسلمهم». هذا الفعل يدلّ على عمل إراديّ، كما يدلّ على تخلٍّ عن توجيه مباشر. أرادوا أن يلاحقوا رغبة قلوبهم، فأعطاهم الله ما أرادوا. هو ما منحهم تلك الرغبة، بل أعطاهم ما يرغبون فيه. ونتيجة رغبتهم، أسلمهم الربّ إلى الحريّة التي إليها استسلموا. ما أسلم حرّيتهم إليهم، بل أسلمهم إلى الحرّية. فالرغبة في الاستقلاليّة عن الله تنتهي في الانحطاط والنجاسة.
ويعود بولس (آ 25) إلى جذور وضع البشريّة الفاسد والمشين: استبدلوا الحقّ بالكذب. فضّلوا عبادة المخلوقات على عبادة الخالق. أما هكذا خُدع آدم بكذب الحيّة؟! والنتيجة لم تكن استقلالاً، بل ارتباطاً بالأشياء وعبوديّة. صار أقلّ من انسان. صار خليقة الخلائق لا خليقة الله. فالانسان لا يقدر في طبيعته إلاّ أن يعبد. فإن لم يعبد الله ويخدمه، سوف يعبد ما هو أحطّ منه. عندئذ يختار المخلوق سيّداً ويترك الخالقَ المجيد.
ويعود فعل «أسلمهم». هو مسلسل الانحطاط في آ 26- 27، كما في آ 24. ولكن التكرار يُبرز جدّية الاتهام، وفظاعة الوضع الذي وصل إليه الانسان بعد أن أدار ظهره لله. ويصل الرسول في كلامه إلى الزنى بين الذكر والذكر، بين الأنثى والأنثى. وإذ كان اليهود يمجّون مثل هذا التصرّف، فبالأحرى يجب على المسيحيّين أن يمقتوه. وفي آ 28، يربط بولس مرة أخيرة بين رفض البشر لله وحالة الفوضى القائمة في المجتمع. رفضوا أن يعرفوا الله، ورفضوا بملء إرادتهم. عرفوا الله وموقعه، واتخذوا قرارهم ضدّه. فأسلمهم الله. تركهم وشأنهم. يرد الفعل للمرّة الثالثة، فيدلّ على عمق الهوّة التي نزلوا فيها، بحيث لا قوّة تستطيع أن تخرجهم من هناك.
وهكذا وصلت بهم الأمور (آ 29- 32) إلى ما لا يليق بالانسان: شرّ، طمع، خبث، زنى... مثل هذا التصرّف لا يمكن إلاّ أن يدمّر الفرد والمجتمع. وتمرّدُهم ليس ابن الساعة، بل هو يدوم. يستحسن الانسان ما فعل، ويوافق على ما يفعله الآخرون. تلك هي نتيجة الحكمة التي رفضت حكمة الله.

خاتمة
تلك كانت نظرة بولس إلى العالم الوثنيّ من وجهة إيمانه كيهوديّ. وهو يريد من المؤمنين أن تكون عاطفتُهم مثل عاطفته تجاه هذا الانحطاط الخلقيّ الذي لم يعد يعرف حدوداً. هذا الوضع عرفه بولس في كورنتوس، واعتبره موجوداً في رومة. شدّد على عمق خطيئة الانسان، لا لكي يُبرز الخطيئة وكأنه يحرّك الغريزة عند الانسان، ولا لكي يصل بالانسان إلى اليأس، بل ليدلّ المؤمن أنه بعد أن نال الخلاص، بعد أن صعد من هذه الهوّة العميقة، لا يليق به أن يعود إلى حياته الماضية. فلو لم يختبر بولس الخلاص بيسوع المسيح، لما كان تجرّأ ونزل إلى عمق الخطيئة ليفهمنا مجانيّة عمل الله وعمق حبّه الذي جعله يُرسل ابنه إلى الخطأة. إن عمق الخطيئة يقف تجاه حبّ الله، وشموليّة الخطيئة تجعلنا ننتظر شموليّة الخلاص. فشكراً لله بيسوع المسيح.
الفصل السادس
لا محاباة عند الله
2: 1- 11

إن الكلام عن غضب الله يتواصل، وهو يصيب اليهوديّ أولاً ثم الوثنيّ (2: 1- 3: 8). وهكذا يكون 2: 1- 9 مسلسلاً يوازي المسلسل عن الخطيئة كما قرأناه في 1: 1- 18. أما المسلسل هنا فيشدّد على هويّة اليهوديّ من وجهة ذاك الذي يردّ عليه، لأنه يعتبر نفسه مميّزاً عن الوثنيّ ومنزّهاً عن الخطيئة. في آ 1- 11، نجد الاتهام، بشكل عام، يصيب اليهوديّ والوثنيّ معاً. في آ 12- 16 ننطلق من الشريعة ونتساءل إن كان اليهوديّ يعمل بها (آ 17- 29). هنا يتخيّل بولس محاوراً يقف أمامه. في 3: 1- 8، نجد خاتمةً لهذا الاتّهام الذي شمل البشريّة كلها، وإشارةً إلى ما سيلي من جدال. الدينونة هي ما تؤمّن الوحدة في 2: 1- 3: 8 (2: 1- 3، 5، 12، 16، 27؛ 3: 4، 6- 8) مع «أديكيا» (1: 18، 29؛ 2: 8؛ 3 : 5) والظلم واللابرّ، ومع أليتايا (1: 18، 25؛ 2: 2، 8، 20؛ 3: 4، 7)، وتربط هذا القسم بالفصل السابق.
كان بعض الضياع في شرح هذا المقطع: بما أن اسرائيل هو شعب الشريعة، أعدّه الله لبركته. وطُرح السؤال: ما هو مرمى ف 2 ولاهوته؟ ما يُبرزه بولس هو أن الشريعة تقدّم نموذجاً شاملاً وضعَه الله، فلا يمكن أن تميّز اليهوديّ عن الوثنيّ، ولا يمكن أن تنحصر في طقس الختان الذي يفصلنا نحن (اليهود) عنهم (= الوثنيين).

1- دراسة النصّ وبنيته
قبل الكلام عن البنية، نبدأ بملاحظتين. هناك من اعتبر آ 1 حاشية كانت في الهامش، ثم دخلت في متن النصّ. ولكنّهم نسوا طريقة بولس في الكتابة، الذي جعل من آ 1 امتداداً لما في 1: 20: فلا عذر لهم. كما أن هناك مخطوطات (السينائي، الافرامي) جعلت في بداية آ 2 «غار» بدل «دي» حيث ظنّ الناسخ أن آ 2 ليست السبب في إدراج آ 1، بل هي اعتبار لاحق.
ونعود إلى بنية النصّ. في نقد قاسٍ، يتطلّع بولس إلى شخصٍ جعله أمامه. حسب هذا الشخصُ أنه يُفلت من دينونة الله، ويحقّ له بالتالي أن يدين الآخرين. من هو هذا الشخص؟ هنا يجعلنا بولس في إطار عام جداً على مستوى الخير (الصلاح) والشرّ، ويؤكّد أن لا محاباة عند الله. فكل واحد يُدان بحسب أعماله. ولكن إن عدنا إلى 1: 19- 23، نفهم أن محاور بولس هو يهوديّ. والتركيز في البرهان (آ 6) على أن الله هو الذي يجازي (مز 62: 2: أم 24: 12)، بحيث يربح وُدّ اليهود. وفي شكل خفر، نجد تلميحاً إلى حك 15: 1 ي، في آ 4، وكأنه يدلّ على أن شعب الله منزّه عن خطايا الأمم، وأن الخطيئة في العالم اليهودي لا تؤثّر في وضع بني اسرائيل كشعب الله المختار.
يتوجّه بولس هنا إلى شخص فرد في آ 1- 5، في صيغة المخاطب التي تتكرّر، وفي آ 7- 10، نجد البنية أ ب ب أ. وتأتي آ 11 فتبدو محور المقطع. وفي النهاية، إن 2: 1- 11 يربط بين اتهامين، واحد في 1: 18- 32 وآخر في 2: 12- 3: 8.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (2: 1- 11)
ينقسم هذا النصّ ثلاثة مقاطع، فيبدأ كلامه على اليهود الذين هم أيضاً موضوع غضب الله. سوف تطالهم الدينونةُ (آ 1- 4) حين يدينون الآخرين. وقساوةُ قلوبهم تشهد عليهم (آ 5- 7). فهم يرفضون الحق، ولا ينقادون لله (آ 8- 11). أتراهم أفضل من غيرهم؟
أ- دينونة الله (آ 1- 4)
تبدأ آ 1 مع «لذلك». نحن أمام خاتمة لما سبق وقيل. من أجل هذا. لهذا السبب. رج 1: 24؛ 4: 22؛ 13: 5. نحن هنا في إطار النقد القاسي كأسلوب بولسيّ. وتتّخذ الخاتمةُ غير المتوقّعة تحدّياً لكل من يفكّر أنه بمنأى عن الاتهام السابق. في هذا الإطار، نتذكّر خاتمة ما قال ناتان لداود: «أنت هو الرجل» (2 صم 12: 7). وتتكرّر عبارة «لا عذر لك» التي لا نجدها إلاّ هنا وفي 1: 20، في العهد الجديد، فتعود بنا إلى وضع من المسؤوليّة لا يمكن أن نتهرّب منها.
«أيها الانسان». هو أسلوب الوعظ الشعبيّ (2: 3؛ 9: 20؛ رج يع 2: 20). قد نكون في خطّ ما يُستعمَل في المجامع أو الساحات. تخيّل بولسُ شخصاً يمكن أن يعارضه، ولكنه سيوافق على ما يقوله بولس. «يدين». يرد الفعل 8 مرات في ف 2. والذي يدين هو شخص يهوديّ. إن التناقض بين دينونة الله ودينونة البشر هو المفتاح في هذا الاتهام (2: 1- 3، 12، 16، 27؛ 3: 4، 6- 8). وفكرة «كيل بكيل» كانت قديمة في ذلك الوقت (مر 4: 24 وز)، ونحن نجدها في مت 7: 1- 2 حيث من يدين يُدان بالطريقة عينها. هذا يعني ارتباط كلام بولس بالتقليد عن يسوع (رج روم 12: 14).
«في ما تدين». أي في الفعل الذي به تدين. «تحكم على نفسك». أي تشجب نفسك وتعتبرها مخطئة. هو فعل «كرينو» الذي لا يرد مراراً عند بولس. رج 8: 3، 34؛ 14: 23؛ 1 كور 11: 32. «تفعل تلك الأمور». أي حسب اللائحة التي قرأناها في 1: 29- 31. لا شك في أننا لا نستطيع أن نتحدّث عن عبادة الأصنام والممارسة الجنسيّة المثليّة في العالم اليهوديّ (مع خائفي الله) الذي كانت له فكرة سامية عن الله ونموذج أخلاقيّ رفيع. غير أن في 1: 29- 31 خطايا شارك فيها اليهودُ الوثنيّين. نحن هنا في التقليد المرتبط بيسوع مع ما نقرأ في مر 7: 9- 13، 21- 22، ولا سيّما الكبرياء والإدّعاء، حيث يعتبر اليهوديّ أنه يتميّز عن الوثنيّ. كان بولس ضحيّة هذا داخل الجماعات اليهوديّة في الشتات (3: 8).
«نحن نعلم» (آ 2) أن دينونة الله تتوافق مع الحقّ. هذا ما يعرفه أيضاً الرومانيّون ويقبلون به، حول الدينونة. رج اش 13: 6- 16؛ 34: 8؛ دا 7: 9- 11؛ يوء 2: 1- 2؛ صف 1: 14- 2: 3؛ 3: 8؛ ملا 4: 1؛ ق يوب 5: 10- 16؛ 1 أخن 90: 20- 27. الحقّ هنا يرتبط بصدق الله، وثقة الانسان به. رج 4 عز 7: 34. إذن، لا ينتظِر اليهوديّ أن يتغاضى الله حين يراه يمارس من الأعمال ما يمار سه الوثنيّ (2: 17- 24).
«أفتظنّ» (آ 3)؟ رج 2: 26؛ 3: 28. في ف 4 يرد الفعل 11 مرة. رج 6: 11؛ 8: 18، 36؛ 9: 8؛ 14: 14. نرى هنا نقد بولس لتصرّف خاطئ: مع أنك تفعل تدين الذين يفعلون. هنا نرى تقارباً مع مز سل 15: 8. لا شكّ في أن الشريعة تحكم على أفعال الوثنيين. ولكن افتخار اليهود بالشريعة (2: 17- 21) لا يجعلهم يرون كيف يتعدّون هم أيضاً على الشريعة (2: 21- 29). وهكذا تكون الشريعةُ العنصرَ المسيطر في هذا النقاش (2: 12 ي)، ويبقى الاتهام مفتوحاً مع تطبيقات عامّة.
«تستهين بلطف الله» (آ 4). تدلّ هذه الآيةُ بوضوح أن بولس يتحاور مع شخص يهوديّ. هو يستعمل ألفاظاً نجدها بشكل خاص في ف 9- 11: غنى، لطف، طول أناة. ثم إن اللطف صفة لا تطبّق إلاّ نادراً على الآلهة في العالم الوثنيّ. ولكنها ترد مراراً في الكتاب المقدس (مز 25: 7؛ 69: 16؛ 86: 5؛ 100: 5؛ 106: 1؛ 109: 21؛ 136: 1؛ 145: 8- 9). وطول أناة الله تدلّ على أنه يصبر فيعطينا مهلة للتوبة. رج 9: 15، 22؛ سي 5: 4- 7. والتوبة «ماتانويا» ترد في العالم اليونانيّ، ولا سيّما الرواقيّ منه، مع ابراز التبديل في العقليّة والندم. أمّا في المسيحيّة الأولى، فالتوبة تتضمّن عودة إلى الله، اهتداء، ارتداداً عن عالم الخطيئة وتوجهاً إلى عالمَ الله (ش وب في العبريّة). هنا نتذكّر أن التوبة تحتلّ مكانة هامّة في التعليم عن الخلاص، بعد أن صارت الطريقَ ليعود المؤمن إلى العهد مع الله (لا 4: 20، 26، 31، 35 مع اللازمة «تغفر له». رج مز 116: 1 ي؛ إش 1: 27؛ إر 3: 12- 14، 22...). مع أن الكلام عن التوبة يرد عند يوحنا المعمدان (مت 3: 2، 8، 11؛ مر 1: 4) وعند يسوع (مت 11: 20- 21؛ 12: 41؛ مر 1: 15...)، ولدى التلاميذ الأولين (مر 6: 42؛ أع 2: 38؛ 3: 19...)، إلاّ أنه سيظهر فقط عند بولس في 2 كور 7: 9- 10؛ 12: 21؛ 2 تم 2: 25، ولا يظهر أبداً في إنجيل يوحنا ورسائله. بما أن هذا المدلول ارتبط بالعهد في إطار العالم اليهوديّ، تكلّم بولسُ بالأحرى عن الإيمان، وهكذا استطاع أن يُعطي مفهوماً آخر للعهد. وفي النهاية، يستلهم بولس في كلامه سفرَ الحكمة الذي يعبّر أفضل تعبير عن التقوى اليهوديّة في عالم الشتات: رحمة الله للمختارين (حك 3: 9؛ 4: 15) مع تمييز بين رحمة الله لخاصته (حتّى حين يؤدّبهم) ودينونته وغضبه على الذين يرفضون الله (حك 3: 10؛ 11: 9- 10؛ 12: 22؛ 16: 9- 10)، وقول بأن الأمم تحتاج إلى التوبة أكثر من اسرائيل (11: 23؛ 12: 8- 11، 19- 22). والتقارب واضح بين ما يقول بولس هنا وسفر الحكمة في 15: 1ي: «فأنت، يا إلهنا، صالح، صادق، طويل الأناة، وتدبّر كل شيء بالرحمة...». أجل، أراد بولس أن يبيّن أن اليهوديّ يحتاج إلى التوبة، شأنه شأن الأمميّ، والمناسبة هي الآن أمامه. أتُرى يتوجّه بولس إلى اليهود الذين في رومة، ليدعوهم إلى التوبة، بل إلى الإيمان بيسوع المسيح؟ الأمر معقول جداً، بعد أن عرفنا في 1: 17 أن البار بالإيمان (لا بأعمال الشريعة) يحيا.
ب- قساوة القلب وعدم التوبة (آ 5- 7)
نجد في آ 5 ثلاثة ألفاظ مراحدة: القساوة، رفض التوبة، دينونة الله. هي لا ترد إلاّ هنا في كل العهد الجديد. فكأني ببولس يبحث عن ألفاظ تؤثّر في سامعيه، ويترك ألفاظاً اعتادت عليها آذانُهم. «سكليروتيس» القساوة، التمرّد، رفض النير. لا يرد هذا اللفظ سوى أربع مرات في السبعينية (تث 9: 27). يَقسى القلبُ فيبتعد عن التوبة. رج إر 4: 4؛ حز 3: 7؛ سي 16: 10؛ ق 1 أخن 16: 3؛ وص شمعون 6: 2. كل هذا يعود بنا إلى تنبيه نجده في تث 10: 16 (اختنوا غرلة قلوبكم، ولا تصلّبوا رقابكم بعدُ. أي كونوا شعب الله. تكرّسوا له ولا تتمرّدوا عليه) سيعود إليه بولس في 2: 29 مع القلب الذي يجب أن يُختن، أي يُنزع عنه الغشاء فيفهم. فقساوةُ القلب تهدّد اليهوديّ كما تهدّد الوثنيّ، في خطّ ما قاله إرميا.
«تدّخر لنفسك غضباً». الكنز الذي ينتظرك في السماء هو غضب. فالفكرة حول الأمانة للعهد، جعلت المؤمن يعتبر أن أعماله تؤمّن له كنزاً في السماء (طو 4: 9- 10: تدّخر لك الخير في يوم الضيق. هي نظرة اسكاتولوجيّة. «أنانكي». رج صف 1: 15؛ لو 21: 23). وتتحدّث مز سل 9: 3- 5 عن أعمال الأتقياء، و4 عز 6: 5؛ 7: 77؛ 8: 33، 36 عن «كنز الأعمال». ويتابع بولس كلامه: في يوم الغضب. هو اليوم الأخير (صف 1: 15، 18؛ 2: 2- 3). يوم الدينونة (2: 8؛ 3: 5؛ 5: 9؛ 9: 22؛ 1 تس 1: 10؛ 5: 9). هو اليوم الذي فيه يُعلَن برُّ الله الخالق. اعتبر اليهوديّ التقيّ أن يوم الدينونة العادلة يكون من أجل المختارين (نظح 18: 7- 8؛ يب 3: 702- 709). غير أن بولس بدَّل هذا المفهوم بالنظر إلى ثقة المؤمن بالعهد مع الله، حين لا يدلّ على إيمانه وأمانته. مثل هذا العهد لا يكفي من بعد.
«الله سيجازي» (آ 6). هو مبدأ معروف في المعتقد اليهوديّ. رج مز 62: 12؛ أم 24: 12؛ أي 34: 11؛ إر 17: 10؛ هو 12: 2؛ سي 16: 12- 14؛ 1 أخن 100: 7؛ يوس 28: 3). ومعروف أيضاً في المسيحيّة الأولى (مت 16: 27؛ 2 كور 5: 10؛ كو 3: 25؛ 2 تم 4: 14؛ 1 بط 1: 17؛ رؤ 2: 23...). نحن هنا أمام مثل يبيّن أن المبدأ الواحد يمكن أن يُقرأ في أكثر من إطار من الفكر الدينيّ. فاليهوديّ الذي يحاوره بولس، يعتبر أن الأعمال المذكورة هي ممارسة أمينة لفرائض العهد، مع أعمال المحبّة والمحافظة على الشرائع الطقسيّة (طو 4: 9- 11؛ مز سل 9: 3- 5). هذا ما يعارضه بولس في روم، فيتوقّف عند «العمل» في المعنى الشامل والأساسيّ كثقة بالله بواسطة يسوع المسيح (طاعة الإيمان، 1: 5). وسيحاول المعلّمون أن يقتحموا مفارقة النعمة والدينونة بحيث إن لاهوت بولس يقع في الغموض. ولكن بولس سوف يقدّم الجواب.
«الحياة الأبديّة» (آ 7) للذين يصبرون في العمل الصالح. أما الهدف، فالمجد والكرامة، وهو ما يطلبه الله من الانسان في المفهوم اليهوديّ (أي 40: 10؛ مز 8: 5)، أو يرتبط بالله (مز 29: 1؛ 96: 7). أما المفهوم اليونانيّ، فيشدّد على الشهرة والاسم المعروف في المجتمع. «البقاء أو الخلود». حرفياً: عدم الفساد، عدم الفناء. رج 4 مك 17: 12؛ حك 2: 23. نحن في العالم الهلنستيّ أمام كلام عن خلق الله للانسان. أما الكلام عن الحياة الأبديّة، فقد جاء في الكتابات اليهوديّة المتأخّرة (دا 12: 2؛ 2 مك 7: 9؛ ق4 مك 15: 3؛ نج 4: 7). وفهمه اليونانيّون، فتحدّث عنه بولس في 5: 21؛ 6: 22؛ غل 6: 8؛ 1 تم 1: 16؛ 6: 12؛ تي 1: 2؛ 3: 7. رج مر 10: 17، 30؛ لو 10: 25؛ يو 3: 15- 16، 36... والصبر المذكور هنا يدلّ على المثابرة على العمل الصالح، بحيث لا يشبه المؤمنُ الحبّة التي وقعت في أرض في أرض قليلة التراب (مر 4: 5). والعمل الصالح الوحيد هو إيمان بالله وأمانة لما يطلبه الربّ يسوع. وهذا العمل يُثمر أعمالاً تُرضي الله. من يثبت في مثل هذا العمل ينال المجد والكرامة. وهكذا خرج بولس من إطار العهد الضيّق في إطار شعب من الشعوب، فوسّع النظرة لتطال اليهود والأمم على السواء.
ج- من لا ينقاد للحقّ (آ 8- 11 )
«وإمّا بالغضب» (آ 8). كان خلاف حول معنى «اريتايا»، لأنها لا تظهر في النصوص قبل العهد الجديد، ما عدا في مقطعين في أرسطو مع معنى التزام للحصول على وظيفة في الدولة. تعني الطموح الشخصيّ (يع 3: 14، 16: هو خطِر) الذي يصل إلى التحزّب والمخاصمة للوصول إلى ما نصبو إليه. هم لا يطاوعون الحقّ، لا ينقادون له. وهكذا نعود إلى 1: 18. أشار بولس هنا إلى ما سيصوّره في 10: 21؛ 11: 31؛ 15: 31. رج أع 14: 2؛ 19: 9؛ عب 3: 18؛ 4: 6؛ 1 بط 2: 8. «الحقّ» هنا هو الانجيل، هو حقّ الله، حقّه كخالق بحيث تعترف الخليقة بأنها ترتبط به. وحين بدّل اسرائيل الحقّ مستنداً إلى اعتداده بالله (ونسي الإيمان الذي يُدعى إليه)، عاند الحقّ ورفضه.
«ما طاوعوا» (أبايتوسي) الحقّ، بل طاوعوا «بايتومانوس» (الجذر عينه) الشرّ، اللابرّ. إن الفعل «بابتو» يعني اقتنع، انقاد، طاوع. يشير بولس هنا إلى اللُبس والمساومة، بحيث يُجعل «شعبُ الله» بلا عذر. هي ثلمة في العلاقة الأساسيّة بين الله والانسان، بين الخالق والخليقة. هذا ما تبيّنه «أديكيا». رج 1: 18. «سخط وغضب». لفظان يترافقان في السبعينيّة اليونانيّة، في شكل «غضب السخط» كما في عودة إلى غضب الله (تث 29: 27؛ مز 78: 49؛ سي 45: 18؛ إر 7: 20؛ 21: 5). وقد يلمّح الرسول إلى الدينونة الأخيرة كما في إش 13: 9؛ 30: 30. كل هذا يدلّ على أن الظلم (والشرّ واللابرّ) يغيظ الله.
في آ 9- 10، نجد جملتين متوازيتين: شدّة وضيق... مجد وكرامة وسلام. هناك من يفعل الصلاح. وهناك من يفعل الشرّ. وفي الحالتين نجد اليهوديّ أولاً، ثم اليونانيّ. رج تث 28: 53، 55، 57؛ إش 8: 22؛ 30: 6. تُصوّر الدينونةُ انطلاقاً من خبرة حياة تجعل الانسان يعيش الشدّة والضيق الشخصيّ. هو انسان ما استطاع أن يجد طريقه، فتسمّر في مكانه كأنه في سجن. وما نقرأه في آ 10 يستعيد بعض ما في آ 7، بعد أن حلّ «السلام» محلّ «الخلود». انطلق الرسول من وضع الحياة اليوميّة، فوصل بنا إلى إطار اسكاتولوجيّ يصوّر حالة الانسان الأخيرة وما فيها من صلاح.
«نفس انسان». أي الانسان في نفسه، في ذاته، كما هو، نفساً وجسداً. الانسان في حياته. رج تك 2: 7؛ 1 كور 15: 45؛ ق أع 2: 41، 43؛ 3: 23؛ 7: 14؛ 27: 37؛ 1 بط 3: 20. «من يفعل الشرّ... من يفعل الصلاح». هذا التعارض نقرأه في تث 30: 15؛ 1 مل 3: 9؛ أي 2: 10؛ مز 34: 14؛ 37: 27؛ مرا 3: 38. ويكرّر بولس هذا التعارض في روم 3: 8؛ 7: 19، 21؛ 12: 21؛ 13: 3؛ 16: 19. «اليهوديّ أولاً، ثم اليونانيّ». ظنّ اليهوديّ أنه مميّز، أن الله اختاره (وهذا ما يُقرّ به بولس، 1: 16). ولكنه في الوضع الذي يعرفه الوثنيّ، سواء فعل الخير أم الشرّ.
«الله لا يحابي» (آ 11). أجل. لا محاباة عند الله، ولا هو يفضِّل شخصاً على آخر. رج أف 6: 9؛ كو 3: 25؛ يع 2: 1. في العبرية: ن ث أ، ف ن ي م. رفع الوجه. أو: رفع الرأس ولم يحنِه خوفاً وخجلاً. القاضي يجب عليه أن لا يحابي (لا 19: 15؛ تث 1: 17؛ 16: 19). والله هو نموذج اللامحاباة في العالم اليهوديّ. رج تث 10: 17؛ 2 أخ 19: 7؛ سي 35: 12- 13؛ ق يوب 5: 16؛ 21: 4؛ 30: 16؛ 33: 18؛ مز سل 2: 18 ... كانت النظرة ضيّقة، فوسّعها بولس (أع 10: 34) لتصل إلى البشريّة كلها.

3- خلاصة لاهوتيّة.
ترك بولس صيغة الغائب (آ 1- 2) ليأخذ يصيغه المخاطب، بعد أن جعل أمامه شخصاً يحاوره، هو يهوديّ. وبولس ينتقد موقفه حين يعتبر نفسه مميّزاً لدى الله. أما الجواب فنجده في النهاية: ليس عند الله محاباة للوجوه. وهذا اليهوديّ الذي هو من «شعب الله»، اعتبر أنه يحقّ له أن يحكم على الآخرين، ولا سيّما الوثنيين منهم، فشابه الفرّيسيّين. ولكن بولس حذّره. هو يأخذ أولاً دور الخالق مع أنه مخلوق. هو يأخذ دور الديّان، مع أنه سيُدان لأنه يفعل الأفعال التي يفعلها الآخرون. هو لا يطاوع. هو يتمرّد على نداء الله من أجل الحقّ. هذا يعني أن النداء للمجيء إلى الحقّ، إلى الانجيل، يتوجّه إلى اليهوديّ كما إلى الوثنيّ. عمل الوثنيّون الشرّ، فأظلمت أفكارُهم بحيث لهم يقدروا أن يصلوا إلى الحقّ. واعتدّ اليهوديّ بنفسه وبأعمال الشريعة التي يمارسها، فشابه الوثنيّ، وعاند، وهذا أمر سوف يتوسّع فيه بولس في روم 9- 11.
بدأ «هجوم» بولس بشكل عام، ويمكن أن يكون أصاب الانسان الرواقيّ الذي وسّع نظرته وسع الكون، وعاش أخلاقيّة رفيعة. ولكنه أصاب بشكل الخاص الموقف اليهوديّ الذي رفض الجنس المثليّ، فاعتبر نفسه فوق سائر البشر. ولكن هناك خطايا اجتماعيّة أخرى يقع فيها اليهوديّ، بحيث يُحكم عليه كما يُحكم على الوثنيّ.
إلى ماذا يستند اليهوديّ لكي يتّخذ مثل هذا الموقف؟ سؤال تجيب عليه آ 3- 4. إلى الاختيار الالهيّ. تحدّثت مز سل (15: 8) عن الأبرار، عن الأتقياء، وميّزتهم عن الذين لا شريعة لهم، فيُدانون دينونة قاسية. أما اليهود، فلهم الشريعة والعهد والوعود والمواثيق (9: 4)، لهذا نراهم يثقون بأنفسهم. فالعهد يحميهم، والشريعة تمنع عنهم الدينونة. ثم إن الله رحيم بالنسبة إليهم، يطيل أناته ويصبر عليهم فاتحاً أمامهم طريق التوبة على الدوام (حك 15: 1- 6). ولكن بولس يعتبر أن مثل هذه الثقة المفرطة، التي لا تستند إلى العمل الصالح، هي في الواقع احتقار لصلاح الله وطول أناته. كان حك 15: 1- 2 قد تحدّث عن رحمة الله تجاه مختاريه (15: 1- 2)، وعن مناسبة توبة للأمم (11: 23). أما بولس فرأى أن اليهود يحتاجون إلى التوبة، شأنهم شأن الوثنيين (روم 2: 4)، بل قبل الوثنيّين.
مع آ 5- 6، نعود إلى الوراء. فالكلام عن قساوة القلب كما في تث 10: 16 وإر 4: 4 (اختنوا قلوبكم القاسية) يلتقي مع كلام عن القلب المختون (2: 29). انطلق بولس من القلب القاسي كما تتحدّث عنه أسفارُ الشريعة والأنبياء، ومن نقص توبة يجدها «اليهوديّ» (المدافع) لدى الوثنيّين. وهكذا ضمّ إلى برهانه ما تقوله الكتب المقدّسة عن تاريخ اسرائيل: هذا يعني أن الإيمان لم يصل إلى الأعماق، لدى اليهوديّ، وأن العهد فُهم فهماً سطحياً فكان الارتكاز عليه كاذباً، باطلاً: نحن ندين الآخرين وننسى الدينونة التي تنتظرنا. وإذا كان قلبُنا قاسياً إلى هذا الحدّ، فهو يحتاج إلى توبة كبيرة، يحتاج إلى الختان الحقيقيّ ليرضى الله عن الانسان.
في كل هذا نصل إلى النتيجة القائلة بأن كلام بولس موجّه إلى إخوته اليهود الذين وثقوا بأنهم الشعب المختار، وتوقّفوا عند هذه الثقة دون أن يفعلوا شيئاً. ذاك كان موقف بولس من الثقة بنفسه، حين كان بعدُ فريسياً وقبل أن يصير للمسيح (3: 4- 6). نقصته توبةٌ حقيقيّة قبل خبرته مع الربّ على طريق دمشق. وكذلك اليهود الذين نجد صورة عنهم في نهاية أعمال الرسل: «تسمعون سمعاً ولا تفهمون، وتنظرون نظراً ولا تبصرون» (28: 26).
ويأتي كلام عن «الغضب» الذي لا يتميّز عمّا في 1: 18، فيدلّ على المجازاة الالهيّة عينها. أما الاختلاف الوحيد، فهو أن المجازاة بدأت منذ اليوم بالنسبة إلى الأمم (1: 18- 27)، وهي ستتمّ بالنسبة إلى اليهود في المستقبل، في يوم الدينونة الأخيرة. في ذلك اليوم، يدهش الفرد بأنه لم يدّخر كنزاً من الصلاح (طو 4: 9- 10) بل الغضب الالهيّ. إن الله يجازي كلَّ واحد بحسب أعماله. فإن كان اليهوديّ يرتكز على رحمة الله، فالوثنيّ يفعل مثله، وكلاهما يحتاجان إلى التوبة.
ويتوجّه بولس (آ 7) نحو ما يراه نموذج الثقة المفرطة لدى اليهوديّ، فيورد الكتاب المقدس ليثبّت نظرته ويوسّعها. يرى نوعين من الأعمال، ونوعين من المجازاة. من جهة، هناك الذين يطلبون المجد والكرامة والخلود. نحن في صيغة الحاضر. هذا يعني أنهم بدأوا، ولكنهم لم يبلغوا بعد. لهذا، هم يحتاجون إلى الصبر والثبات في ما يطلبون: هؤلاء يمنحهم الله الحياة الأبديّة (آ 7).
ومن جهة ثانية (آ 8)، هناك الذين يكفون نفوسهم بنفوسهم، ويطمحون طموحهم الشخصيّ الذي لا يرتكز على برّ الله. لا يخضعون للحقّ، بل يقتنعون بالشرّ. لا يطاوعون، بل يعاندون. هم لا يتطلّعون إلى المستقبل، إلى السماء، بل إلى نفوسهم ومصالحهم. هذا لا يعني موقفاً لادينياً تجاه موقف دينيّ، ولا نحن في عودة إلى ف 1 مع حكم اليهوديّ على خطيئة الوثنيّ. بل يعني اكتفاء اليهوديّ بما هو وبما يقوم به من أعمال بحسب الشريعة. فبولس لا يفكّر في أناس يعيشون حياة كاذبة تستوحي الظلم، بل في أناس أبرار في نفوسهم. عاندوا الحقيقة التي تحدّث عنها بولس في 1: 18، فنسوا ارتباطهم بالخالق من أجل الخلاص.
وكرّرت آ 9- 11 التعارض بين نوعين من الحياة: من يعمل الصلاح (الخير) ومن يعمل الشرّ. هنا أيضاً لا يميّز بولس بين يهوديّ ويونانيّ: كلاهما يقعان تحت الدينونة، واليهوديّ قبل الوثنيّ، بعد أن نال شريعة حملتها إليه الملائكة (غل 3: 19). أجل، لن يعود لليهودي موقع مميّز بالنسبة إلى الأمميّ. وهكذا نكون في آ 7- 10 أمام نظرتين إلى الدين. الأولى، ليست يهوديّة بشكل خاص. هي وصف لحياة دينيّة صالحة يُقرّ بها الجميع. وإذ جعل بولس اليهوديّ والوثنيّ على قدم المساواة، وضع حداً للاكتفاء اليهوديّ الذي يجعل نفسه قبل الآخرين. والنظرة الثانية هي عقليّة دينيّة تجعل من التطوّر الديني المرمى الأول وتُخضع له الحقّ والبرّ. يصعب علينا، شأننا شأن قرّاء روم، أن نتخيّل أمثلة من هذه النظرة الدينيّة. نستطيع أن نجد مثلاً عن ذلك في معارضة يسوع لممارسة السبت أو «القربان» كما في مر 2: 23- 3: 5؛ 7: 10- 13.

خاتمة
بعد أن تحدّث بولس عن خطايا العالم الوثنيّ الذي جعلته في انحطاط مريع، ولا سيّما على المستوى الخلقيّ، عاد إلى العالم اليهوديّ ومنعه من أن يدين الوثنيّين. فاليهود الذين نالوا وحي مشروع الله على العالم من خلال الشريعة، هم أيضاً خطأة، شأنهم شأن الأمم. والدينونة تصيبهم كما تصيب الأمم، بل قبل الأمم. ففي نظر الله، جميعُ البشر متساوون، اليهود والوثنيون، ولا محاباة للوجوه لديه. فما ينظر الله إليه، هو التصرّف الذي يقوم به الانسان. لا امتيازات نعتبرها حصناً تمنع الله من الدخول إلى حياتنا. ذاك كان وضع اليهود الذين يكتب إليهم بولس، كما يكتب إلى المسيحيّين في رومة. والتوبة التي يطلبها منهم هي العودة إلى الحقّ، إلى الانجيل. فإن هم عادوا دلّوا على صدق الله. وإلاّ، سيكون مصيرهم كمصير الوثنيّين «فيسلمهم الله» إلى نفوسهم، وإلى ما يحسبونه حرّية تجاه ختان من نوع آخر، هو ختان القلب وانفتاحه، وتجاه عهد جديد يُكتب حقاً في القلوب، لا بحروف ميتة، بل بروح الله الحيّ.
الفصل السابع
العمل بأحكام الشريعة
2: 12- 16

البشر جميعاً هم تحت الدينونة، اليهود والوثنيّون. وسيُدانون بحسب عمل كل واحد، خيراً كان أم شراً. وهذا الوضع الدراماتيكيّ للانسان يظهر شيئاً فشيئاً في ملء شموليّته. فالوثنيّ الذي لا شريعة له، شأنه شأن اليهوديّ، كان له ضميرُه شريعة. ومع ذلك سُجن في الخطيئة وأضلّته شهواته. واليهوديّ الذي أعطاه الله شريعة بواسطة موسى، سُجن أيضاً، فما كان أفضل من الوثنيّ. كلّهم خطئوا. إذن، كلّهم احتاجوا إلى الخلاص الكامل الشامل الذي يحمله يسوع المسيح. فلا خلاص إلاّ باسمه. ويبدأ الرسول كلامه مع الوثنيّين الذين لم ينالوا شريعة مكتوبة. وفي فصل لاحق نعود إلى اليهود الذين يتّكلون على الشريعة ويعلنون أنهم يعرفون الله.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 13، نجد التعريف «تو» أمام «الله» (تايوس) في مخطوطات هامّة، كما يغيب في مخطوطات أخرى هامة. هذي يعني أن استعمال التعريف في مثل هذه الحالات، كان موضوعَ أسلوب في الكتابة. أما المعنى فلا يتبدّل.
في آ 14- 15، حاول المخطوط (011)، داخل التقليد النصوصيّ، أن يقوم بتحسّن على مستوى الأسلوب. «ليس عندهم ناموس». أو: «وأفكارهم».
في آ 16، الانتقال مع «كرينو» (يدين) من الماضي إلى المضارع، شجّع عدّة محاولات من أجل تحسين النصّ في تاريخ انتقاله من نسخة إلى نسخة. هناك من اعتبر آ 13 وآ 16 قد دخلتا فيما بعد إلى النصّ. وآخرون أرادوا أن يجعلوا آ 16 حالاً بعد آ 13 وقبل آ 14- 15. كل هذه المحاولات لتسهيل النصّ وجعْله بحسب منطقنا، باءت بالفشل. لهذا نحافظ على القراءة الأصعب.
ب- بنية النصّ
في آ 12- 16 يصبح برهان بولس أكثر وضوحاً. ففيه تدخل الشريعة في الجدال، للمرّة الأولى، بحيث تُشرف على ما تبقّى من ف 2، فيرد اللفظ 19 مرة في 16 آية، و9 مرات في آ 12- 16 «نوموس». ويرد «أنوموس» (بدون الناموس) مرتين في آ 12. كل هذا يقابل البرهان الذي سنراه فيما بعد. لقد أراد بولس أن ينفي كلَّ تمييز كاذب بين اليهوديّ والأمميّ (آ 9- 10)، فجاءت الشريعة تعلن هذا التمييز فتجعل من الوثنيين أولئك الذين لا شريعة لهم (آ 12، 14). وهكذا يشدّد الرسول على أن لا فضل بأن يكون لنا شريعة، أي بأن ننتمي إلى الشعب الذي سمع شريعة السبت بواسطة موسى (أع 15: 21). فإمكانيّة العمل بالشريعة، بطريقة تُرضي الله، لا ترتبط بفهم للعهد كحالة نعيشها، بل بطاعة القلب التي لا تنحصر في شعب من الشعوب وعرق من الأعراق (آ 13- 15). إن بولس اعتقد هنا بوضوح، بدينونة حسب الأعمال، فعرض نظرة جوهريّة للدينونة تكون فيها الرحمة مع الدينونة، دون تنافر بين واحدة وأخرى. ثم قدّم نظرة جذريّة تمنع اليهوديّ من الثقة المفرطة بأنه ابن الوعد.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (2: 12- 16)
أ- من أخطأ بدون ناموس (آ 12)
نقرأ في هذا النصّ ثلاثة مقاطع. في آ 12، ترتبط الخطيئة بالناموس لمن عندهم ناموس، وبالضمير عند الذين لا ناموس لهم، شرط أن يسمعوا ويعملوا (آ 13- 14). فإذا كان لليهود شريعة مكتوبة على لوحين من حجر، فالشريعة الحقيقية هي المكتوبة في الضمائر والقلوب (آ 15- 16).
دخل مدلول الناموس (الشريعة) منذ البداية، لكي يكون العنصرَ المشرف على 2: 12- 29. نلاحظ هنا التعبير: بدون ناموس /بناموس، بدون ناموس/ عبر الناموس. بولس وحده، في العهد الجديد، استعمل لفظ «أنوموس» بدون ناموس. وليس من قبيل الصدفة تشديده على الشريعة. وفي آ 14 سنقرأ: بدون شريعة= من لا يملك شريعة. وفي 3: 9، 12: بالشريعة (أو في الشريعة، داخل الشريعة) وبمعزل عن الشريعة. وفي 1 كور 9: 21: تحت الناموس. في هذا المناخ، يتمّ التمييزُ بين اليهود والوثنيّين: فاليهود هم شعب الشريعة (رج 4: 14، 16)، والأمم هم كالذين بدون شريعة، هم خارج حدود الشريعة. هكذا حدّد بولس يهوديّة عصره بالنظر إلى الشريعة التي هي العنصر الأساسيّ في نظر اليهوديّ التقيّ، التي تدلّ على هويّته المميّزة وتكوّن له حدوداً تفصله عن سائر الشعوب فتدلّ على أنه شعب الاله الواحد. الأمم هم بلا شريعة، خارج الشريعة، تنقصهم الشريعة. واليهود هم مع الشريعة، في داخل الشريعة. بهذه الطريقة جاء التمييزُ قاطعاً.
هنا ندرك وجهة نظر بولس. بدأ فميّز اليهود والأمم، كما بين الذين لهم شريعة والذين ليس لهم شريعة. ولكنه لم يتوقّف عند حياة خاطئة أم لا. فحكمه لا يرتبط بانطلاقة الانسان من داخل الشريعة أو من خارجها. فالاثنان سيُدانان. والخطيئة تُشجب في الحالتين. فالترادف بين الخطيئة ونتائجها (يهلك) يُسند التمييز الأوليّ بين «أنوموس» (بدون ناموس) و«إن نومو» (في ناموس، بناموس). مثلُ هذا الحكم الذي يحسب حساب الشريعة (آ 13) يؤكّد أن لفظ «بلا ناموس» يدخلنا في نظرة يهوديّة وطنيّة، لا في نظر الله الذين يعتبرهم «بلا ناموس».
نجد فعل خطئ الذي عُرف في العالم اليهوديّ واليونانيّ: تعدّى، عصى. وما يلفت النظر هو أن الخطيئة «هامرتيا» لا ترد كثيراً في الرسائل التي «دوّنها» بولس. 6 مرات في 1 كور. وفي روم 2: 12؛ 3: 23؛ 5: 12، 14، 16؛ 6: 15. استُعمل الفعل في صيغة الماضي البسيط، لأن الحياة كلها تُعتبر حدثاً من الماضي في الدينونة الأخيرة (رج 3: 23؛ 5: 12). وحين تُوجَز حياةٌ في فعل «خطئ»، تكون النتيجة كلها سلبيّة، سواء كان الخاطئ من الأمم أو عضواً في شعب العهد.
«يهلك». أي يموت. نحن أمام قياس (2: 8- 9) يدلّ على ما تصل إليه الحياة التي توجّهها الخطيئة (1 كور 1: 18؛ 15: 18؛ 2 كور 2: 15؛ 4: 3؛ 2 تس 2: 10؛ يو 3: 16؛ 10: 28؛ 17: 12). نشير هنا إلى أن المزامير في السبعينيّة تستعمل هذا الفعل «ليوو» لتعبّر عن تمنّي شعب اسرائيل لأعدائه، للأشرار (9: 3، 5، 6؛ 10: 16؛ 37: 20؛ 68: 2). ويُستعمل الفعلُ أيضاً لينبّه اسرائيل إلى المصير الذي ينتظره إن خان الربّ ولم يكن له أميناً. رج تث 4: 26؛ 8: 19- 20؛ 11: 17؛ 28: 2، 22، 24، 45- 52؛ 30: 18.
«يُدان» (كرينو). من يدينه؟ الله. والفعل يؤخذ هنا في معنى سلبيّ: يُحكم عليه، فيُعاقَب. رج 3: 6- 7؛ 2 تس 2: 12. رج يو 3: 17- 18؛ 12: 47- 48؛ أع 7: 7؛ عب 13: 4؛ يع 5: 9؛ 1 بط 4: 6؛ رؤ 18: 8؛ 19: 2. عاد بولس إلى تث 32: 36 (= مز 135: 14 كما ورد في عب 10: 30)، حيث «دان» يُستعمل في الكلام عن دينونة الله و«انتقامه» من شعبه. وهكذا اتخذ بولس عناصر من ثقة بالنفس لدى اليهود لكي يدمّرها (رج 2: 4؛ ق حك 15: 1- 4). «بالناموس». أو حسب الناموس. حين ينتمي إنسان إلى شعب الشريعة، صارت الشريعة أداة الحكم عليه، بعد أن صارت الشريعة القاعدة التي بحسبها تتمّ الدينونة (يوب 5: 13؛ كعب 11: 1- 3) لليهوديّ كما للوثنيّ.
ب- يسمعون ويعملون (آ 13- 14)
«ليس الذين يسمعون» (آ 13). التشديد على العمل بالشريعة أمرٌ معروف في العالم اليهوديّ (تث 4: 1، 5- 6، 13- 14؛ 30: 11- 14؛ 1 مك 2: 67- 3: 48). هنا يرد التعارض بين السماع والعمل. فلدى اليهود، فكرة السماع (ش م ع في العبريّة) تحمل مضموناً إيجابياً كبيراً، من سماع وإصغاء وتنبّه وعمل. لهذا سُمّي اليهود سامعي الشريعة (يوسيفوس، العاديات 5: 107، 132). ولهذا هم الأبرار. غير أن الرسول يتطلّع إلى طريقة أخرى للعمل بالشريعة تختلف عن السماع المتنبّه الذي يميّز العالم اليهوديّ. وفي الخطّ عينه، سفرا العهد الجديد المرتبطان بالعالم المسيحيّ الآتي من اليهوديّ، أي انجيل متّى ورسالة يعقوب، يميّزان التمييز عنه (مت 7: 24- 27؛ يع 1: 22- 25). فتفسيرُ الشريعة تفسيراً جذرياً وتتميمها كاملة، جزء أساسيّ عرفته المسيحيّةُ الأولى تجاه التقوى اليهوديّة.
البار. «ديكايوس». رج 1: 17. فاليهوديّ التقيّ يفهم نفسه على أنه البار. وفعل «برّر» الذي يرد 15 مرّة في روم (رج 1: 16- 17)، يظهر هنا للمرة الأولى في روم. يبرَّر، أي الله يبرّره. نحن في إطار اسكاتولوجيّ، مع المضارع الذي يتضمّن الدينونة الأخيرة. تعليم بولس هنا يشدّد على التبرير كشيء ينعم به المؤمنون منذ الآن أو التبرير بالإيمان (5: 1). تبرير الله يصوَّر على أنه عمل الله الواحد، على أنه نعمة قبول وسند. ولقد دلّ بولس على أن هناك عمل الشريعة وسماع الطاعة الذي هو ضروريّ ويأمرنا به الربّ (1: 5؛ 2: 7). هدفُ بولس ليس تأمين وضع انجيل المسيح الذي سيأتي فيما بعد. بل هدفه طرحُ سؤال على اليهوديّ الذي يعتبر أنه يفهم الأبرار، ووضع أساس، إليه يستند من أجل التبرير الأخير. فالعالم اليهوديّ عرف انشداداً بين البرّ الحاضر والتبرئة الأخيرة. الفرق هو أن ما يسيطر في زمن بولس، ينطلق من فرضيّة تقول بوضع مميّز أمام الله لأننا أعضاء شعب العهد الذي يتميّز برباط بين «سماع الشريعة» و«البرّ». هذا الرباط يجعله بولس هنا على المحكّ. استعدّ بولس، شأنه شأن سائر اليهود وفي إطار التقليد النبويّ، أن يشدّد على أن العمل بالشريعة ضرورة من أجل التبرئة الأخيرة قدّام الله. غير أن هذا العمل لا يرادف ولا يفترض بأن يكون الواحد عضواً صادقاً في شعب العهد.
«فغير اليهود من الأمم» (آ 14). نجد هنا نظرة يهوديّة إلى الشريعة أوضح ممّا في آ 12 (امتلاك الشريعة). وهكذا يتميّز اليهوديّ عن الوثنيّ (غير اليهوديّ). لا يتطلّع بولس فقط إلى المسيحيّين الأمميّين الذين يعملون بما تقوله الشريعة، لا «بالطبيعة» (فيساي)، بل يسلكون في وفاقٍ مع الروح (8: 4). بل هو يذهب أبعد من ذلك، فيصل إلى كل عمل صالح أو شرّير عند الوثنيّين. وهو لا يتطلّع إلى بعض الوثنيين الذين يعملون الشريعة دائماً، بل فقط إلى واقع يقول إن هناك وثنيّين يعيشون بعض المرات بحسب ما تطلبه الشريعة. ولا ينسب بولس العمل بالشريعة إلى مجهود انسان لا تساعده النعمة. فالعمل بأمور الشريعة ولو لم تكن معروفة، شيء ممكن. لأن ما يُعرَف عن الله أو يمكن أن يُعرف عنه (1: 19، 21) هو أساس السلوك، لا التمرّد الذي يميّز البشر ككلِّ (1: 18- 32)، ولأن في فكر بولس ارتباطاً مباشراً بين معرفة الله والعمل بما يريد (1: 21). في خطّ الرواقيّين، يماهي الرسولُ بين العقل الالهي والشريعة الواضحة. وهكذا يختلف عن فيلون الذي يشكّل كلامُه دفاعاً عن نظرة اليهود إلى الشريعة.
إن انفتاح بولس على الواقع يوازي، داخل العالم اليهوديّ، 4 عز 3: 36، وموقف اليهود تجاه الأمم كما نقرأ في روم 10: 22: يستعدّ الهيكل أن يقتبل العطايا والذبائح من الغرباء، ومن المؤمن كما من ذاك المقيم وسط الشعب. و«خائف الله»، مثل المهتدي الجديد. في داخل العالم الفريسيّ الذي كان بولس قريباً منه، مثل هؤلاء الوثنيّين يُقبلَون لدى الله حين يدخلون في شعب العهد. لا ننسى امكانيّة معرفة شرائع أعطيت لآدم ولموسى. رج 1: 32؛ 7: 7.
«كانوا شريعة لأنفسهم، مع أنهم بلا شريعة». لا ينظر بولس إلى شريعة شاملة، ولا إلى شريعة غير مكتوبة. فمقياس ما يُرضي الله هو الشريعة لبولس ولليهود، مع أن تقليد الحكمة يماهي حكمة الله الشاملة مع الشريعة (سي 24: 33؛ با 4: 1). فموضوع بولس هو أن يقطع الطريق على القول بأن الشريعة عُرفت فقط في اسرائيل لدى اليهود. ما توخّى بولس أن يُبرز امكانية القاعدة الأخلاقيّة عند اليهود، بل القول بأن الوعد بالاختيار (الشريعة) موجود أيضاً عند الأمم بحيث يُستبعَد «افتخارُ» اليهود (3: 27). ولكن في أي معنى كان الأمم «شريعة»؟ هذا ما تشرحه الآيةُ التالية.
ج- شريعة في القلوب وفي الضمائر (آ 15- 16)
«فيثبتون» (آ15). يبرهنون، يدلّون. رج 9: 22؛ 2 كور 8: 24 «إندايكنينتاي» «أعمال الشريعة». ما ماهى بولس بين الاثنين، بل أراد أن يذكر الاثنين. الجمع (أعمال «إرغا») عند بولس له رنّة سلبيّة (3: 20، 28؛ غل 2: 16). أما المفرد (ارغون) الذي نجده هنا، فيوصي به بولس لأنه يصدر عن القلب. القلب يدلّ على داخليّة الانسان، على الانسان ككلّ بالعقل والإرادة والشعور (8: 27؛ 1 كور 4: 5؛ 14: 25). هنا يشير النصّ إلى العهد الجديد والشريعة المكتوبة في القلوب (إر 31: 33). رج إش 51: 7: «يا شعبي، شريعتي في قلبك. وهذا الوعدُ بالشريعة تمَّ في عطيّة الروح للوثنيّين (2 كور 3: 3، 6؛ رج روم 2: 29؛ غل 3: 3). غير أن بولس لا يفكّر هنا بالمسيحيين فقط، بل يقدّم عبارة واسعة. ما ينظر إليه بولس هو ارتباطٌ داخليّ بالله، والتزامٌ يخرج من القلب ولا يُوجد إلاّ عبر الإيمان بالمسيح، وامكانيّةٌ لمثل هذه الديانة لدى الأمم. عندئذ نفعل ما تطلبه الشريعة حقاً. أمّا أن تكون الشريعة المقياس لما يطلب الله، يذكّرنا بأن موضوع بولس حين يفصل الشريعة عن تماهيها مع اسرائيل، ليس بأن يقلِّل من قيمة الشريعة، بل بالأحرى بأن يحرّر الفهم التام لقصد الله للانسان، من نظرة العالم اليهوديّ الضيّقة.
«ضميرُهم يشهد لهم». نحن هنا بشكل خاص في العالم اليونانيّ قبل أن نكون في العالم اليهوديّ. فبولس يعبّر عن فكره بشكل يتجاوز النظرة التقليدية اليهوديّة. سوممرتيراين: شهد مع. ثبّت شيئاً مع آخرين. هو فعل لا نجده في السبعينية، ولا في العهد الجديد إلاّ في 8: 16؛ 9: 1. فالمسّبق «سون» يعطي قوّة للفعل. هذا يعني أن «الضمير» لا يتماهى مع «عمل الشريعة» بل يشكّل شاهداً آخر يُثبت الشريعة. في القرن الأول المسيحيّ، كان معنى الضمير الخلقيّ (سونايديسيس) واضحاً في العالم اليونانيّ. هناك كلام عن الضمير السيّئ أكثر منه عن الضمير الصالح. رج حك 17: 11؛ فيلون، الشرائع الخاصة 2: 49؛ وص رأوبين 4: 3. ولكن بولس يتكلّم مراراً عن الضمير الصالح (1 كور 8: 7، 10، 12؛ رج 1 تم 4: 2؛ تي 1: 15). هنا يتطلّع الرسول إلى الأمم المسؤولين في النهاية حين يبتعدون عن مثل هذه الأعمال. هناك من قال إن الشريعة تشهد على اليهود في الدينونة الأخيرة، والضمير يشهد على الأمم. وهكذا لا تعطي الشريعة امتيازاً خاصاً بحيث ترفع اليهوديّ فوق الوثنيّ.
«لوغسموس»، الفكر، العقل. نجد هذا اللفظ فقط في 2 كور 10: 5. رج حك 11: 15؛ 12: 10؛ سي 27: 5، 7. «كاتيغوراين»: اتّهم كما في المحكمة باسم الشريعة. ثم «أبولوغايستاي» دافع، رافع في المحكمة. رج 2 كور 12: 19. هنا يشدّد بولس، كما في السابق (دون أن ينسى ما قال في 1: 18- 32) على واقع الضمير الخلقيّ لدى الذين عاشوا خارج الشريعة. على ضوء ما بدا وكأنه مكتوب، يبدو الانسان وكأن ليس سيّد نفسه بحيث لا يستطيع أن يدافع عن عمله. هناك «آخر» ينتقده أو يدافع عنه في وجه الآخرين.
«يوم يدين الله» (آ 16). رج 2: 5 (يوم الدينونة)؛ 2: 2 (الله الديّان). يتطلّع بولس إلى يوم الدينونة، وإن يكن الفعلُ في صيغة الحاضر. ففي فكر بولس، هناك تواصل بين الحاضر والمستقبل على مستوى التبرير (2: 3 د) والغضب الالهي (1: 18؛ 2: 5، 6). فالله الذي هو خالق الكل، سيدين الكلّ ولا يراعي اختيار اسرائيل. فالله يعرف سرّ قلب الانسان كما يقول العالم اليهوديّ. رج 1 صم 16: 7؛ 1 أخ 28: 9؛ مز 139: 1- 2 ؛ إر 17: 10. نلاحظ كيف أن بولس يعود إلى الكتاب لينبّه شعبه من أي اعتداد بنفسه أو بعمله. فالدينونة لا تعمل (ولا تخفى) من أجل الشعب المختار، كما لا تكون ضد الأمم. فلا محاباة (آ 28- 29).
«حسب إنجيلي». رج 11: 28؛ 1 تم1 : 11 (انجيلي مع الاداة حسب). الانجيل هو المقياس وهو يُعلن الحكم. تلك هي طريقة بولس حين يبشّر. حين يتكلّم بولس عن الانجيل، لا يعود إلى فكر ضيّق. فالإيمان بالمسيح هو مرمى رسالته وبشارته (10: 14- 17). كانت الشريعةُ المقياسَ بالنسبة إلى اليهوديّ (2: 12). والآن هو الانجيل الذي يجمع اليهوديّ مع الوثنيّ. «بالمسيح يسوع». فالمسيح العامل كديّان في النهاية فكرةٌ معروفة في الكنيسة الأولى (مت 25: 31- 33؛ يو 5: 22، 27؛ أع 10: 42). قد يُعطى هذا الدور لله، أو يكون بواسطة المسيح. في العالم اليهودي، كان كلام عن أخنوخ أو ملكيصادق. ويتحدّث أخنوخ عن ابن الانسان الذي سيدين الخفايا (1 أخن 49: 4؛ 61: 9). رج 4 عز 12: 31- 33 والدور المعطى للمسيح. ولكن المسيحيّة تتحدّث عن الديّان الواحد الذي هو يسوع المسيح الممجّد.

3- خلاصة لاهوتيّة
مع آ 12 يصبح ثقلُ البرهان أكثر وضوحاً، وبولس يعود للمرّة الأولى إلى الشريعة. فعلى السامعين أن لا يشكّوا أنه يعود أولاً إلى الشريعة اليهوديّة، «التوراة»: هناك مقابلة بين الذين هم خارج الشريعة والذين هم داخل الشريعة، بين الأمم واليهود. في آ 7- 11 قال بولس إن اليهوديّ كالوثنيّ يعملان الشرّ. وها هو يبيّن أن الشريعة لا تصنع تمييزاً بين اليهوديّ والأمميّ. فاليهوديّ ليس أفضل من الأمميّ لأنه يمتلك الشريعة، لا سيّما وأن الأمم تكون لهم دينونةٌ أفضل من عدد من اليهود. والديانة التي هاجمها بولس في آ 1- 11 هي ديانة اليهوديّ الذي أحسّ نفسه في اطمئنان قدّام الله لأنه يمتلك الشريعة.
يبدأ بولس بنظرة سلبيّة (آ 12). بما أن الكثيرين خطئوا بدون شريعة، فبدون شريعة يهلكون. هم يهلكون لا لأن لا شريعة لهم، بل لأنهم خطئوا. وبما أن كثيرين خطئوا داخل الشريعة، فسيُدانون حسب هذه الشريعة. سيُدانون لا لأنهم كانوا داخل الشريعة (اليهوديّ) أو خارج الشريعة (الأمميّ)، بل لأنهم خطئوا. فلا نمزج بين دور الشريعة كعامل يدلّ على هويّة الشعب، ودورها في الدينونة. هي تميّز اليهوديّ عن الأمميّ، ولكن امتلاك الشريعة لا يمنع الحكم عن اليهوديّ.
في آ 13 يأتي تفسير ما قيل في آ 12، في فكر لاهوتيّ معروف وليس خاصاً بالقديس بولس: سماعُ الشريعة لا يجعل الانسان باراً قدّام الله. بل العاملُ بالشريعة يبرَّأ في الدينونة الأخيرة. في شكل عام، هناك دعوة إلى السامعين لكي يعملوا. فالخطر يتربّص بهم بحيث لن يحفظوا. وفي شكل خاص، يسمع اليهوديّ يوم السبت، في المجمع، ما يُقرأ من التوراة فيحسب نفسه باراً ومن الشعب المختار (وهذا الموقف عرفته حكمة سليمان ومزامير سليمان). فلا يؤكّد أحدٌ أن الدينونة ستكون مؤاتية لمن هو عضو في شعب العهد. هناك عامل بالشريعة مع أنه خارج الشريعة. فالعاملون بالشريعة (آ 13) وفاعلو الخير (آ 10) هم الأمم واليهود معاً.
ويبرّر بولس في آ 14- 15 هذه النقطة في عودة إلى 1: 19- 20، 28؛ 2: 7- 10، وإلى الفكر الرواقيّ مع تعاطف بين الانسان والكون. فالانسان، بالفطرة، يعرف نظام الأشياء وكيف يجب أن يسلك. فهناك أمميّون (لا كلّهم) يدلّ عيشُهم على الشريعة وإن لم يعرفوا الشريعة. فبالفطرة يعملون أعمال الشريعة. لا يتحدّث بولس هنا، بشكل مباشر، عن الشريعة الطبيعيّة في حدّ ذاتها، بل يلاحظ فقط أن الأمم وإن جهلوا الشريعة، يدلّون على ما يجب أن ننتظره لدى شعب الشريعة. مثلُ هذا الاحساس العميق يلعب دور الشريعة يوم الدينونة، ويكون المعيار للذين خطئوا خارج الشريعة (آ 12). هذا يتضمّن أن الذين يتجاوبون مع هذه الفطرة يكونون، في يوم الدينونة، أفضل من اليهود الذين خطئوا داخل الشريعة.
هؤلاء الأمم يدلّون على الشريعة المكتوبة في القلوب (آ 14). لا الشريعة المكتوبة في قلوبهم (هي خبرة مسيحيّة مع العهد الجديد الذي أتمّ القديم، رج 2 كور 3: 3، 6)، ولا أعمال الشريعة (هذا ما يعود بنا إلى العالم اليهوديّ، 3: 20؛ غل 2: 16). فبولس يعود إلى الاحساس الخلقيّ الموجود لدى الأمم، وقد انتظره عند اليهود. والشاهد الثاني على المسؤوليّة الخلقيّة لدى الوثنيّين هو الضمير: منبّه داخليّ يوافقُ، يحكمُ على أعمال قمنا بها. إنه حاضر خارج الشعب اليهوديّ وبمعزل عن الشريعة. والشاهد الثالث هو الصراع لدى الأمميّ: حكم على الخاطئ أو عذر. فالعمل بما تطلبه الشريعة أمرٌ داخليّ. على مستوى القلب والضمير والفكر. وهذا الأمر داخليّ يقوم على امتلاك الشريعة.
والعمل بالشريعة (آ 16) يكون واضحاً للجميع في يوم الدينونة. فكشْفُ أسرار القلب والضمير والفكر، يبيّن إلى أي حدّ يُدعى الأممُ «صانعي الشريعة» فيتفوّقون في ذلك اليوم على اليهود. ويضيف بولس: «بحسب إنجيلي». المقياس هو الانجيل الذي يبيّن إلى أي حدّ عملَ الأممُ بما في الشريعة. هذا ما يقابل الشريعة المكتوبة في القلب (2 كور 3: 3) التي تكشف حسَّهم الخلقيّ وقربه من الشريعة. هذا لا يعني أن للانجيل دوراً في الدينونة الأخيرة. فشأنه شأن الشريعة (آ 12). هذا يعني أن الشريعة والانجيل لا يتعارضان. فالانجيل يمكن أن يكون المقياس لخفايا القلب، لأنه يبيّن ما تعني الطاعةُ الشريعة، ويفتح القلب على الشريعة المكتوبة في القلب. ونجد الشيء عينه في العبارة الأخيرة التي تنسب إلى يسوع دورَ الوسيط، أو تسميه ممثّل الله في اليوم الأخير. فواقع المسيح (1: 3- 4) والانجيل أعطى بولس أن يرى ديانة الأمم، ويلاحظ اعتداد اليهود بأنهم شعب الله بحيث يكتفون بهذا الوضع الخارجيّ (الشريعة) لكي يكونوا مطمئنين في ذلك اليوم (2: 12- 16).

خاتمة
العمل بأمور الشريعة أمر مهمّ. ولكن بدا واضحاً منذ الآن أن هذا لا يعني حفظ الشريعة، كما يقول اليهوديّ. فهذا العمل يرتبط، في نظر بولس (آ 15)، بتجذّر الشريعة في القلب. وسوف يتوسّع في هذه الفكرة، في 8: 4 وفي 12: 1- 15: 6. أما الآن فاكتفى الرسول بالتعبير عن الفكرة دون أن يوضح. فهمّه أن يبيّن أن الحسّ الخلقيّ لدى الأمم هو شريعة، بحيث يجعل الأمم أفضل من اليهود. فالصراع الذي فيهم يدلّ على أنهم عرفوا «وصايا» الله. فهم يبرّأون الآن بواسطة يسوع المسيح (آ 16)، فيطلبون المجد والكرامة والخلود (آ 7). وهكذا دخل الأممُ في ملء خبرة الروح. وإذ نالوا قوّة الختان بالروح (آ 29)، بيّنوا عمل الشريعة المكتوبة في قلوبهم (آ 5).
الفصل الثامن
يا من تسمّي نفسك يهوديّاً
2: 17- 24

بين العمل بأحكام الشريعة والختان، يعود الرسول إلى الجدال مع «اليهوديّ» الذي يسمّيه بشكل صريح، لا ضمنيّ. كان قد قال إن الأمم تصنع ما في الشريعة. وها هو يقول إن اليهود يتجاوزون الشريعة. غير أن هذا الاتّهام يبدو أكثر تشعّباً. فاليهوديّ الذي يتوجّه إليه بولس، ليس شخصاً فرداً ولا مجموعة من اليهود، بل هو اليهوديّ بشكل عام، اليهوديّ الواعي أنه من شعب خاص تميّز بالشريعة، أنه مختار من قِبَل الله وينتمي إلى شعب يختلف عن سائر الشعوب. واليهودي الذي يتّهمه بولس بالزنى والسرقة، ليس شخصاً فرداً، بل الشعب بشكل عام. فبولس يتذكّر الوصايا بحيث لا يعود اليهوديّ يفتخر بامتيازه وتفوّقه على الأمم، قدّام الله. ترك بولس وضع اليهوديّ كيهوديّ، ونظر إلى البشريّة بشكل عام، إلى اليهوديّ وإلى الأمميّ معاً (2: 9- 11).

1- دراسة النصّ وبنيته
مع 2: 17- 24، صارت هويّة مُحاور بولس واضحة. هو يهوديّ نموذجيّ يعرفه بولس من الداخل. وأسلوب الجدال الذي بدأ في آ 1 ي، يعود الآن فيقود اليهوديّ «إلى بيته» لينتقد اعتدادَه. يدلّ التفصيل أن الرسول لا يريد أن يتّهم اليهود، بل أن ينزع افتخارهم القائل بأن وضعهم كشعب شريعة الله يجعلهم في وضع مميّز بالنسبة إلى سائر البشر. فإذا اقترف اليهوديّ خطيئة يتّهم بها الآخرين، فالحكم يقع عليه أيضاً. الأمميّ الذي ليس له شريعة فيحفظها، ليس أقلّ من اليهوديّ الذي له شريعة ولا يحفظها. هو لا يجهل أن الشريعة كمقياس خلقيّ هي ما يُؤمر بها هنا (آ 21- 23)، كما لا نجهل كلام بولس على شريعة تريد أن تدلّ على اليهود وكأنهم فئة مميّزة عن سائر البشر (آ 25- 29).
على مستوى البنية، هذا المقطع يقع في جزئين (آ 17- 20. ثم آ 21- 23) مع آ 24 بشكل خاتمةٍ تُثبت البرهان الكتابيّ. إن آ 17- 20 بُنيت في شكل مزدوج: الأول في فعل والثاني في عبارة. وينتهي الاثنان في جملة مع اسم الفاعل
يا من تسمّي نفسك يهودياً
وتتّكل على الشريعة وتفتخر بالله
وتعرف مشيئته وتميّز ما هو الأفضل
بما تعلّمته من الشريعة.
وتعتقد في نفسك أنك
قائدٌ للعميان ونور لمن في الظلام
ومؤدّب للأغبياء ومعلّم للبسطاء
لأن لك كمال
المعرفة والحقيقة
في الشريعة.

كل «بيت» ينتهي بالشريعة، ويجعلنا الكاتب نرى الفكرة غير كاملة. هذا ليس ما يطلبه اليهوديّ من الشريعة، بل تمثُّلٌ يعبِّر عن نظرة اليهوديّ الرفيعة إلى الشريعة. أما الجزء الثاني (آ 21- 23) فيرد في أسئلة بلاغيّة مع اسم الفاعل (معلّم، مبشّر، قائد) مع ذروة تعود بنا إلى الشريعة (آ 23).

2- تحليل النصّ الكتابيّ (2: 17- 24)
نقرأ هنا ثلاثة مقاطع فيها يتوجّه بولس إلى اليهوديّ، ليجعله أمام مسؤولياته. هو يسمّي نفسه، يعتبر نفسه (آ 17- 20). ولكن يجب أن يعتبره الله. هو يريد أن يعلّم غيره ولا يعلّم نفسه (آ 21- 23). لذلك يَحكمُ عليه الكتاب (آ 24).
أ- يا من تسمّي نفسك (آ 17- 20)
«وأنت» (آ 17). الفعل «إبونومازوماي» لا يرد إلاّ هنا في العهد الجديد. «تسمّى». «اليهوديّ» في الأصل، هو ابن مملكة يهوذا في لغة الغرباء. ومع الوقت، دلّ على كل يهوديّ، فحلّ اللفظُ محل «الاسرائيليّ» أو «العبريّ». وهكذا يتميّز اليهوديّ عن الأمميّ أو عن غير اليهوديّ (1: 16؛ 2: 9- 10؛ 3: 9؛ 29؛ 1 كور 1: 22- 24). رج 2 مك 2: 21؛ 8: 1؛ 14: 38 مع دلالة على ديانة اليهود الوطنيّة الواعين لنفوسهم والمتعلّقين تعلّقاً كبيراً بالشريعة والتقاليد اليهوديّة. وهكذا افتخر معاصرو بولس، باسمهم اليهوديّ هذا، ووعوا تميّزهم عن سائر الأمم. إلى هؤلاء تكلّم بولس، فذكر يهودياً واحداً وكأنه المثال لكل اليهود. في «أعمال يوحنا» يتميّز اليهود عن المسيحيّين. أما هنا، فيتميّزون عن الأمم. إن بولس يتوجّه إليهم بشكل إجمالي، ولا يتوقّف فقط عند الرؤساء في الجماعات اليهوديّة، كما قال بعض الشرّاح.
«تتّكل» (إبانوباوو). المعنى الأساسيّ: ارتاح، وجد أساساً وسنداً، رضي. ذاك هو موقف اليهوديّ تجاه الشريعة. فامتلاكُها يدلّ دلالة أكيدة على رضى الله. ومع الشريعة، هناك طريقة حياة خاصة (غل 1: 14؛ فل 3: 6) تميّزُ اليهوديّ عن غير اليهوديّ، فتعطي اليهوديّ ثقة بنفسه. هذا ما يهاجمه بولس (2 با 48: 22- 24). «تفتخر». (كاوخاوماي). هناك أولاً المعنى السلبيّ. وهناك أيضاً افتخار مبرّر (مز 49: 6؛ 149: 5؛ سي 11: 4؛ 30: 2). نجد 37 استعمالاً للفعل في العهد الجديد، منها 35 في الرسائل البولسيّة. لا ينتقد بولس الافتخار بالله، بل قول اليهوديّ بأن الله هو له وحده (3: 27- 29). وهكذا يُصبح معنى الفعل سلبياً (2 كور 5: 12؛ 11: 18).
«مشيئته» (آ 18). نحن هنا في إطار يهوديّ مع «تاليما». معرفة ما يريد الله هي هدف التقوى اليهوديّة (مز 40: 8؛ 143: 10؛ ق وص يساكر 4: 3). أما بولس فيفكّر في 2 مك 1: 3- 4. هو لا ينتقد الرغبة في صنع مشيئة الله. فهذا أمرٌ أساسيّ بالنسبة إليه (1: 10؛ 15: 32). بل ينتقد معرفة مميّزة تعلّمُها الشريعة. رج با 4: 4: «هنيئاً لنا، نحن اسرائيل، لأننا نعرف ما يرضي الله» (رج حك 15: 2- 3؛ 4 عز 8: 12). أما في نظر بولس، فهذه المعرفة ممكنة على مستوى عميق عبر قلب تحوّل تحوّلاً عميقاً (12: 2).
«تميّز». توافق. تعرف ما هو الصحيح وما هو الخطأ. رج فل 1: 10. التمييز بين ما هو جوهريّ وما ليس بجوهريّ. تطلّع بولس إلى اليهوديّ الذي يعود إلى الشريعة ليجد الجواب. ولكن الشريعة لا تكفي. «كاتيخيو»، علّم. يشير الفعل إلى التعليم اليهوديّ، إلى الفقاهة. فمعرفة إرادة الله والسلوك الحياتي ترتبط بتعلّم الشريعة ولا سيّما في المجمع (يوسيفوس، ابيون 2: 183). نحن أمام تماهٍ بين الشريعة والشعب، وهذا ما يرفضه بولس.
في آ 19- 20 تتوالى جملٌ تميّزُ موقفَ اليهوديّ النموذجيّ في نظر بولس، كما في المصادر اليهوديّة. وينظر الرسولُ إلى يهود الشتات (مع العمل الرسوليّ والدفاعيّ) لا إلى يهود فلسطين. يتكرّر هذا أربع مرّات للتمييز بين من مُيّز كثيراً ومن مُيّز قليلاً، لا على مستوى الاختيار أو عهد الله وأمانته. مثلُ هذا التمييز بين العهد والشريعة، ليس تمييزاً حقيقياً. فشريعةٌ تشير إلى كل أهداف وجود اسرائيل، هي العهد. ولكن، في نظر بولس، تماهت الشريعة مع شعب الله ككيان وطنيّ، مع سمات وطنيّة مميّزة تمنع العهد والوعد من الانفتاح على الأمم. هذه الجُمل تعبّر عن وضع مميّز ضد الأمم، لا عن مسؤوليّة تجاه الأمم.
«تعتقد». تثق. ما قال بولس «تعرف»، لأنه يرى في موقف اليهوديّ اعتقاداً شخصياً، لا معرفة من عند الله (2 كور 10: 7). «قائد العميان». رج إش 42: 7؛ ق 1 أخن 105: 1؛ سيب 3: 195. «نور لمن في الظلام». رج إش 42: 6- 7؛ 49: 6. وهذا النور يأتي من الشريعة (مز 119: 105؛ حك 18: 4). «مؤدّب». نحن هنا على مستوى الأدب اليهوديّ المعاصر الذي قرأ هو 5: 7؛ سي 37: 19؛ مز سل 8: 29؛ 4 مك 5: 34. وخصوصاً قمران، نج 3: 13؛ 8: 11- 13؛ مد 2: 3؛ 4: 27- 29. «مورفوسيس». أي التعبير الكامل. رج سي 17: 11؛ 45: 5؛ با 3: 36.
ب- يا من يعلّم غيره (آ 21- 23)
الجمل الأربع في آ 21- 22 تبدو بشكل أسئلة (ويمكن أيضاً أن تكون تأكيداً). والبرهان الكتابيّ يأتي في آ 24، فيرتبط بالجملة الخامسة (آ 23). طرحت هذه الآياتُ أسئلة على الشرّاح، لا سيّما وأن الخلقيّة اليهوديّة اجتذبت عدداً من المهتدين وخائفي الله. ولكننا لن نستنتج أن بولس ينطلق من بعض الحالات فيضخّم أو يُعمّم بحيث يحكم على الأمّة اليهوديّة كلها. أو أنه يفكّر بيسوع الذي «رَذل» اليهود. نحن أمام طريقة بلاغيّة معروفة (اش 3: 14- 15؛ إر 7: 8- 11؛ حز 22: 6- 12؛ لو 11: 39- 52؛ مت 23: 1 ي). رج مز سل 8: 8- 14؛ وص لاوي 14: 4- 8. هو تقليد يحمل التوبيخ والارشاد. بما أن هناك بعض اليهود يعملون ما تحرّمه الشريعة، فهذا ما يدمّر ثقة اليهود بأنهم مميّزون وبأنهم يتفوّقون على غير اليهود لأنهم شعبُ الشريعة (3: 3).
نجد في آ 21- 22 ثلاثة اتّهامات تنطلق من الوصايا العشر (خر 20: 15، 14، 4- 5؛ تث 5: 19، 18، 8- 9)، ولا ترتبط بشعائر العبادة مثل الختان أو الأطعمة. هذا يعني تمييزاً بين الوصايا العشر وشرائع العبادة. سيتحدّث بولس عن اليهود «اللامختونين» (آ 25- 29). أما هنا فيتوقّف عند الحياة الخلقيّة النابعة من القلب. «الأصنام». هي رجس. رج اش 2: 8، 20؛ دا 11: 31؛ 1 مك 1: 54؛ حك 14: 11. «بدالغما». هناك حرب يهوديّة على عبادة الأصنام (1: 23). وهنّأ المعلّمون أنفسهم بأن الشرك اقتُلع من اسرائيل. «وتنهب». أي تنجّس، تنزع عنها الطابع القدسيّ. رج وص لاوي 14: 5؛ مز سل 8: 12. هذا كلام عن سرقة هيكل أورشليم. أما بولس فيتحدّث عن سرقة الهياكل بأصنامها.
«تفتخر بالشريعة» (آ 23). رج سي 39: 8. يعود الرسول إلى الشريعة مع قمّة الاتهامات والعودة إلى الافتخار بالشريعة، لا بالتبرير (آ 17). هم يفتخرون بها، لأنهم يجدون فيها علامة عن رضى الله. ويصبح الافتخار عرضة للنقد حين يفتخر اليهودي على من لا شريعة له. بعد الأسئلة الأربعة، نصل إلى قولٍ يمنعنا من التنكّر للأسئلة السابقة. نلاحظ هنا أن بولس يؤكّد أن تجاوز الشريعة يحقّر الله، وحفظ الشريعةُ يكرمه. وهكذا يكرّر بولس أن العمل بالشريعة أمرٌ مرغوب وضروريّ (2: 13). وانتقادُه لمحاوره يحاول أن يُفهمه أن الافتخار بالشريعة نتج عن عدم العمل بما تطلبه الشريعة.
ج- فالكتاب يقول (آ 24)
عاد بولس إلى الكتاب كما في 1: 17 ليُسند برهانه. رج إش 52: 5. قال النصّ العبريّ: «اسمي يُهان كلّ يوم بلا انقطاع». والنصّ اليونانيّ: «بسببكم يُهان اسمي وسط الأمم». أضاف اليونانيّ «بسببكم» ثم «بين الأمم»، فاستفاد بولس من الإضافة ليعطي كلامَه قوّة كبيرة. نحن هنا أمام حكم قاسٍ، قاطع. رج حز 36: 17- 23. سقوط اسرائيل في أيدي الأمم الوثنيّة (كنتيجة خطيئة اسرائيل) جعل إله اسرائيل يُحتقَر وسط الأمم. رج وص نفتالي 8: 6. إذا امتدّ البرهان إلى 3: 27- 30، يصبح تفسيرُ بولس لهذه المقاطع تفسيراً اسكاتولوجياً. ولم نعد فقط أمام أعمال تتجاوز الوصايا، بل أمام موقف من الشريعة عبّرت عنه الآياتُ السابقة، وقادت إلى احتقار مخطّط الله لاسرائيل وللأمم. ونتج عن هذا نظرةٌ إلى الله على أنه إله أمّة صغيرة، لا إله الكون (3: 29). وهكذا ما أُكرِم الله، بل احتُقِر وجُدِّف على اسمه.

3- خلاصة لاهوتيّة
بدأ بولس في آ 17- 20، فتحدّث عن افتخار وطنيّ لدى اليهوديّ. فمحاورُه يفتخر باسم «يهوديّ»، ويثق بامتيازه على أنه يهوديّ، ويعي مسؤوليّاته تجاه الذين لم ينعموا مثله بهذا الامتياز. وارتكزت ثقتهُ على أنه أعطيَ الشريعة، فجعل رجاءه في الشريعة. أما حسّ الطمأنينة عنده فيتأسّس على الشريعة. هو لا يفتخر بالله لأنه إله الكون، بل لأنه إله اسرائيل، لأنه الاله الذي اختار الأمّة اليهوديّة اختياراً خاصاً. وهكذا وضح أن «اليهوديّ» ارتبط بالشريعة وبامتلاكه للشريعة وبموقعه المميّز. كل هذا يدور حول افتخار بأنه شعب الشريعة. ينطلق اليهوديّ من الشريعة ليجد الأجوبة على تساؤلاته: ماذا يريد الله منا؟ بما أن الشريعة تتضمّن كلّ شيء، تأكّد اليهوديّ أنه قائد العميان ونور الذين في الظلام ومعلّم أولئك الذين ما امتلكوا شريعة فبدوا جهلةً وبسطاء.
ذاك هو صوتُ اليهوديّ الأصوليّ: يرى في الشريعة علامة رضى الله المتواصل على اسرائيل. يعتقد أن الشريعة هي، بكل بساطة، كلمة الله. ليست شرعة ولا دستوراً. وليست فقط قاعدة يُعمل بها خارج الحياة اليوميّة، بل هي «كتاب» من أجل الحياة اليوميّة كلِّها. تعلّمها المؤمن فما شكَّ بمشيئة الله. وجاء الجواب واضحاً في ما يمكن أن يكون موضع جدال. وبما أن له الشريعة، فهو في موقف يجعله فوق الأمم. لا ينكر بولس أن يكون هذا القولُ شرعياً. ولكن ما يتضمّنه الجدال هو: هل يُقال هذا عن اليهوديّ لأنه يهوديّ؟ هل يقال عنه ذلك لأنه من الشعب المختار؟ هل يُقال عنه لأنه يمتلك الشريعة؟ كما يتضمّن الجدالُ أن اليهوديّ ما لعب الدور الذي يجب أن يضطلع به شعبُ اسرائيل، بل خطئ وما فهم إرادة الله. افتخر بالله فأضاع الطريق، ووثق بالشريعة ثقة كاذبة. فوصل إلى حائط مسدود. وعرف قرّاء بولس أن تمييز مشيئة الله وسائر الأولويات لا تُقرأ في التوراة، بل في انفتاح على الله وروحه (12: 2؛ فل 1: 9- 10). وأن المسيح هو حكمة الله، لا الشريعة (1 كور 1: 24- 30). وأن اسرائيل لن يقوم بدوره كقائد العميان ولن يكون النور للذين في الظلام إلاّ بواسطة الانجيل (1 كور 4: 5؛ 2 كور 4: 6). مثلُ هذا الدور رفضه اليهوديّ حين رفض الانجيل والمسيح. هذا سيكون أوضح في آ 25- 29، وإن ظلَّ على المحك حقّ المحاور بالاسم «اليهوديّ».
ولكن بولس سعى بأن يُفرغ هذا الافتخار (آ 21- 23) باتهامات أربعة. أنتم أكيدون بأن لكم الشريعة بحيث تعلّمون الآخرين (الأمم). فهل تعلّمون أنفسكم؟ هل اجتهدتم لكي تفهموها؟ فحين يتكلّم اليهوديّ عن الأمّة اليهوديّة، فهو لا يفهم شريعة يفتخر بها ويثق، وإن هو فهم فعلى مستوى ضيّق بحيث يُضيع غناها الحقيقيّ. ثم إن اليهود عاشوا في تعارض مع الشريعة. فلا يكفي أن نرتاح في الشريعة، أن نتعلّم الشريعة، أن نحسب أن لنا فيها المعرفة والحقيقة. تقول الشريعة: لا تسرق، واليهوديّ يسرق. تقول الشريعة: لا تزن، واليهوديّ يزني. هذا يعني أن الافتخار بالشريعة ليس في محلّه. واليهوديّ كيهوديّ ليس أفضل من الأمميّ. فسوف يُحكم على خطيئة اليهوديّ كما يُحكم على خطيئة الوثنيّ (آ 12).
في آ 24 يرد إش 52: 5 مع تلميح إلى حز 36: 20- 23. فالمنفى اليهوديّ وما سبقه من سلوك في الحياة اليوميّة، جعله أمراً لا مفرَّ منه، كما جعل الأمم تحتقر اسم الله. افتخر شعبُ اسرائيل بأنه الأمّة المختارة، واطمأنّ بعهد أعطاه الله. ولكن الأرض خربت، وأورشليم دُمّرت، ومضى الشعبُ إلى المنفى. فاحتقر الأممُ الله بعد أن هُزمت أمّته: فهو ما استطاع أن يخلّص شعبه. وقد رأى بولس توازياً بين وضع يعيشه الشعبُ اليوم ووضع عرفه إشعيا وحزقيال. فاليهوديّ ما زال مطمئنّاً بأنه الشعب الذي اختاره الله، فشدّد على أنه تميّز عن الآخرين حين امتلك الشريعة. وكما بيّن المنفى نتائج هذا الافتخار، فتجاوزاتُ اليهود اليوم تجعل الأمم يستخفون بالله الذي اختار مثل هذا النسل. ما فهم بنو اسرائيل ما يعني العهد، واليهود في أيام بولس اكتفوا بأن يكونوا يهوداً وبأن يمتلكوا الشريعة.

خاتمة
بعد أن تحدّث بولس عن الوثنيّين بالنسبة إلى موقعهم من الشريعة ومن دينونة الله، توجّه في آ 17- 24 إلى اليهود، فشدّد على كرامتهم، كما أبرز خطيئتهم، وفي النهاية أعلن من هو اليهوديّ الحقيقيّ: لا ذاك المختون في اللحم، بل في القلب. أجل، لا يستطيع اليهوديّ أن يفتخر بالرغم ما نال من امتيازات. وذلك مع أنه وعى اختيار الله له اختياراً جعله عضواً في الشعب الفريد الذي اختاره الله من بين جميع الشعوب. غير أن اليهود افتخروا بأعمالهم، لا بعمل الله فيهم. استندوا إلى شخصهم، إلى برّهم الخاص، فكانت تلك الكبرياء المكتفية بذاتها أساس الخطيئة. لا، لا يكفي أن نعرف مشيئة الله ونتجاوز الوصايا. ولا يكفي أن يفتخر اليهودي أنه يمتلك الشريعة، وأنه يمارس الختان. فأعماله تجعل الناس يجدّفون على اسم الله بسببه. كان على اليهوديّ أن يكون النور الذي يشهد لله. فإذا هو لا ينير، بعد أن صار شاهداً كاذباً وسبب معثرة للوثنيين. في كل هذا، بدا كلامُ بولس في خط ما قاله الأنبياء ولا سيّما اشعيا: هذا الشعب يكرمني بشفتيه، ولكن قلبه بعيد عنّي

الفصل التاسع
الختان والعمل بالشريعة
2: 25- 29

كان العنوان الأساسيّ لما في روم 2، دينونة الله. فالربّ يجازي كلَّ انسان بحسب أعماله. سواء كان يهودياً أو من الأمم. ولكن، ظنّ اليهوديّ أنه يمتلك الشريعة، أنه من الشعب المختار، وبالتالي أنه مميَّز عن الوثنيّ، فلا خوف عليه. هو مطمئنّ كلَّ الاطمئنان لخلاصه. ولكن بولس نزع منه هذا الاطمئنان. لا يكفي أن تمتلك الشريعة، بل يجب أن تعمل بحسب الشريعة. فعاد اليهوديّ يُعلن أنه مختون في اللحم، ومطبوع بطابع الشريعة. ولكن بولس ينزع منه أيضاً هذا الاطمئنان. فالختان لا يكفل شيئاً. والدينونة آتية رغم الختان.

1- دراسة النصّ وبنيته
تتوالى البراهين لكي تصل إلى الذروة. والعودة إلى موضوع الدينونة، يعود بنا إلى البداية حيث يتحدّث اليهوديّ عن الدينونة التي تنتظر الوثنيّ (آ 1- 3)، وينسى القول عن دينونة الله العادلة (آ 5، 12- 16)، مع قمّة أخرى حيث يحكم الأمميّ الحافظُ الشريعة، على اليهوديّ الذي ظلّ على مستوى الحرف (آ 27). إن الدرجة التي فيها يتوازى فكر آ 25- 29 مع فكر آ 12- 16، يؤكّد أن هدف بولس ليس تحطيم الأساس في كل مرّة وتقديم الاتهام على اليهود معاصريه. والتشديد على الختان هو مقياس الدرجة التي بها تتميّز هويةُ اليهوديّ، والخطر الذي يتعرّض له هذا اليهوديّ حين يجعل كامل ثقته بالختان. وتقييم الهوية العرقيّة والطقس الخارجيّ هو جزء من اعتداد نقرأه في 1: 22، بحيث يفهم المحاور شرّه ولابرّه. دُوّنت آ 28- 29 في أسلوب مكثّف (وهي واضحة)، فلعبت وظيفة ملخَّص للبرهان السابق كلّه. بُنيت في سلسلة من تناقضات، تداخلت فجاءت فاعلة.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (2: 25- 29)
يتوزّع هذا النصّ في مقطعين. في الأول (آ 25- 27)، نقرأ عن علاقة الشريعة بالختان. فالختان ليس بشيء إن لم نعمل بأحكام الشريعة. وفي الثاني (آ 28- 29)، نتعرّف إلى اليهودي بالاسم، وإلى اليهوديّ الحقيقيّ.
أ- الشريعة والختان (آ 25- 27)
«أن عملتَ» (آ 25). أخذ البرهان يضيق من كلام «عام» حول «عمل الخير»، عبر كلام خاص عن «العمل بالشريعة»، والآن إلى المخرج الوحيد مع الختان، في تطوّر لا يمكن لليهوديّ التقيّ إلاّ أن يقدّره. بعد أن انتهى النقاش في كل شيء، في ما يُرضي الله، والشريعة، وامتياز الشعب اليهوديّ، ها هو الرسول يُبرز مسألة الختان.
الأهميّة الأساسيّة للختان في زمن القديس بولس، معروفة جداً لدى اليهوديّ. هنا نتذكّر تك 17: 9- 14: هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم... يُختَن كلُّ ذكر منكم... فيكون هذا علامة العهد بيني وبينكم. فالختان يشهد على صدق الانسان تجاه العهد، ويميّز اليهوديّ في الحقبة المكابيّة (1 مك 1: 48، 60- 61؛ 3: 46؛ 2 مك 6: 10). من هنا ختان الأدوميّين والأيطوريّين بيد الحشمونيّين حين احتلّوا أرضهم وضمّوها إلى مملكتهم. فهم لا يستطيعون أن ينتموا إلى شعب العهد دون الختان (يوسيفوس، العاديات 3: 257- 258، 318). وكتاب اليوبيلات الذي دُوِّن في ذلك الوقت، على ما يبدو، تبع تك 17 فقال: «هذه الشريعة هي لجميع الأجيال إلى الأبد. هي فريضة أبديّة رُتّبت ودُوّنت على الألواح السماويّة. فكل من وُلد وما خُتنت غرلتُه في اليوم الثامن، لا ينتمي إلى أبناء العهد الذي قطعه الله مع ابراهيم، بل إلى أبناء الهلاك» (يوب 15: 25- 34).
وقد رأى الكتَّاب اليونان والرومان في الختان طقساً يهودياً خاصاً. وإن عُرف هذا الطقس لدى الساميين والعرب والمصريّين... فما عُرف عندهم كطقس يطبع الانسان بهذا الطابع. كان للختان المركز الرفيع الذي به يتحدّد تمييزُ اليهود على المستوى الوطنيّ والمستوى الدينيّ. في هذا الاطار، نفهم كيف أن بولس ميّز بين الختان واللاختان، وكأنه يقول اليهوديّ والأمميّ (أو غير اليهوديّ). رج 2: 26؛ 3: 30؛ غل 2: 7؛ كو 3: 11. كان خائفو الله يشاركون في عبادة المجمع، ولكنهم لا يُصبحون من شعب العهد إلاّ إذا خُتنوا.
ما شكّ المحاور اليهوديّ بأن الختان ضروريّ وأساسيّ، وهو السمة الأوضح التي تدلّ على شعب العهد، والخطّ الفاصل بين اليهوديّ والأمم، بين الذين هم داخل العهد والذين هم خارج العهد (4: 9- 11). «الختان مفيد إن عملتَ بالشريعة». «اوفالاين». رج 1 كور 13: 3؛ 14: 6؛ غل 5: 2. «براساين»، عمل، مارس. يرى اليهوديّ أن الختان جزء أساسيّ من ممارسة الشريعة. ويوافق بولس الرسول على قيمة الختان. ولكن الاختلاف يبدأ حول ممارسة الشريعة (والختان أيضاً) حسب طقس خارجي (آ 27- 29). نشير هنا إلى أن مسيحيّي رومة لم يمارسوا الختان، فلو فعلوا لما كلّمهم بولس بهذه الطريقة.
«ولكن إذا خالفت الشريعة». هذا الكلام عرفه الأنبياء ومزامير سليمان وكتابات قمران. فاليهوديّ المختون قد يخسر مكانه في العهد وفي بركات العهد الجديد. هذا ما قاله بولس، فاختلف عن تعليم الرابينيّين الذين اعتبروا أن الختان ينجّي من الجحيم. فقولُ بولس بأن الختان يُحسَب كلا شيء قد صَدَم عدداً من اليهود. ولكن الرسول أراد أن يزعزع ركناً في فهم اليهود لأنفسهم وعلى مستوى هويّتهم.
«وإذا كان» (آ 26). ذاك هو وضع المختون الذي قد يخسر الخير المرتبط بختانه. واللامختون (أكروبستيا) الذي يراعي أحكام الشريعة يُصبح وكأنه مختون. هذا اللفظ اليوناني يرد أكثر ما يرد في روم 2- 4. أما «ديكايوما»: حكم، قرار. رج 8: 4. «فيلاسو»: حفظ، راعى. رج أع 7: 53؛ 21: 24؛ غل 6: 13. هذا ما يعود بنا إلى تث 4: 40؛ 6: 2؛ 7: 11؛ حز 11: 20؛ 18: 9؛ 20: 18. إن آ 26 أ هي كتابة جديدة لما في 2: 14 مع طابع الختان ودرجة فرْض الختان الذي هو تعبير موجز عن الشريعة. هذا يقابل: الأمم الذين لا شريعة لهم هم لا مختونون. «يعتبرهم الله». صيغة المضارع قد تعني الزمن (الدينونة الأخيرة) أو قد تكون منطقيّة. نحن أمام برهان بشريّ. لا يريد بولس أن يبرهن أن الشعب يُعتبر مختوناً. فنحن نقرأ نظرته في 1 كور 7: 19؛ غل 5: 6؛ 6: 15. حين يوافق اليهوديّ على أعمال الشريعة (آ 15)، فعليه أن يقرّ بأن الله يقبل الذين يراعون ما تطلبه الشريعة (ما عدا الختان وسائر «أعمال الشريعة»). فغير اليهودي الذي تنقصه هذه العلامةُ في جسده (لم تكن موجودة عند خائفي الله)، يقابل في نظر الله عضواً كاملاً في شعب العهد (2: 13). وهكذا دُمّر التمييزُ بين الذين في العهد والذين خارج العهد، بين الذين يقبلهم الله والذين لا يقبلهم. لا شكّ في أن المعلّمين لا يقبلون بهذا البرهان. أما جماعة رومة فستُصغي بفرح إلى هذا التعليم البولسيّ.
«غير مختون الجسد» (آ 27). هو الوثنيّ. أما اليهوديّ فهو مختون. وهكذا يتماهى المختونون مع النسل اليهوديّ (غل 2: 15)، «تالايو»: كمَّل، أتمّ. لا يتحدّث بولس عن تتمّة الشريعة على مستوى الكمّ في كل متطّلبات الشريعة (ولا سيّما الختان)، بل على مستوى النوعيّة: على المستوى الأعمق (يع 2: 8). «يحكم» (كرينو). لا يشجّع بولس المسيحيّين الأمميّين على هذا الموقف ضد اليهود، وهو موقفٌ حكمَ عليه منذ البداية (2: 1، 3). فأسلوب بولس هو أسلوب الجدال مع تأثير من مت 12: 41- 42؛ لو 11: 31- 32. «غراما»، الحرف، الكتابة. ثم «باريتومي» الختان. جمع بولس الاثنين كوسيلتين لنقض الشريعة. هذا ما يدفعنا إلى التمييز بين ما هو سطحيّ وما هو حقيقيّ. عاد بولس إلى الشريعة المكتوبة، فرأى في الختان طقساً خارجياً.
ب- اليهوديّ وغير اليهوديّ (آ 28- 29)
هاتان الآيتان هما قمّة برهان بولس وخاتمتُه، ضدّ اليهوديّ النموذجيّ الذي تحدّثت عنه الآياتُ السابقة. وهكذا نفهم حزن بولس على اليهود معاصريه. لا شكّ في أنه يستعمل نقائض ومواضيع معروفة. رج 2: 16؛ مت 6: 4، 6 (الله يعرف حقيقة الانسان الخفيّة)؛ مر 4: 22؛ لو 8: 17؛ يو 7: 4؛ 1 كور 14: 25 (تمييز بين الظاهر والخفيّ). لا يريد الرسول أن يزيل التعارض بين الداخل والخارج، بل أن يُبرز الخفيّ في الانسان، بحيث لا يكتنفه الظلام حين ننظر إليه نظرة سريعة. ميَّز يو 1: 47 (رج رؤ 2: 9؛ 3: 9) بين اليهوديّ الذي من نسل يهوديّ، واليهوديّ الحقيقيّ.
هذا لا يعني أن التعارض الذي قدّمه بولس هو شكليّ أو مقولب. فنحن هنا أمام مواضيع وأقوال بولسيّة مختلفة. فوصفُ الختان «في اللحم» (في الجسد، ساركس)، يجعلنا في المناخ البولسيّ الواسع. من جهة، صار الختان طقساً جسدياً حيث يُقطع اللحم، ولكنه يعني في السياق، هويّة وطنيّة وقرابة على مستوى النسل (4: 1؛ 9: 3، 5؛ 11: 14). والتقابل بين «في الظاهر» مع «في القلب» يأخذ الطابع السلبيّ. مع أن الرغبة في ختانة القلب أمر معروف في الفكر اليهوديّ (تث 10: 16؛ إر 4: 4؛ 9: 25- 26؛ حز 44: 9)، والأمل في أن يتحقّق مرغوب فيه (تث 30: 6؛ ق يوب 1: 23)، إلاّ أن بولس اعتبر أن هذا الرجاء قد تمّ منذ الآن. هذا لا يعني أن الرجاء الاسكاتولوجيّ لعطيّة الروح قد تحقّق، بل هو أتمّ الشريعة كوعد، ووقف تجاه الشريعة كحرف (غراما، رج 7: 6؛ 2 كور 3: 6؛ فل 3: 3).
«القلب» (كارديا) هو مركز الاختبار، وما يدفع الانسان إلى العمل (1: 21). وهو مركز التجدّد (2: 15؛ 5: 5؛ 6: 17). «الروح» (بنفما) يعمل على تجديد الانسان ويجعل حياته مقبولة لدى الله (5: 5؛ 7: 6؛ 8: 4). كان هناك تقابل بين المعنى الحرفي في الشريعة (العهد القديم) والمعنى الروحيّ، ولكن الشرّاح تركوا مثل هذا التمييز. ونلاحظ هنا التعارضات: في الظاهر، في الباطن. في الجسد، في القلب. في الحرف، في الروح. كل هذا يعود إلى الختان. في الظاهر= في الجسد (أو في اللحم)= في الحرف (على مستوى الانسان). ثم في الباطن= القلب= في الروح (على مستوى الله).
هذا ما يشكّل انتقاد بولس لديانة وُلد فيها، وهي ديانة تشدّد على الظاهر والمنظور، على القرابة الجسديّة والطقسيّة، وبالتالي تنظر إلى الشريعة نظرة سطحيّة. فاليهوديّ الحقيقيّ، اليهوديّ الذي يمتدحه الله، لا يُقاس على مستوى الجسد والمنظور والطقوس. هو انسان الخفاء والباطن، انسان القلب والروح.
لا نقرأ هذه التعارضات كدفاع عن ديانة باطنيّة، ولا كهجوم على عالم الطقوس، ولا كإبراز الخلقيّة على ما هو قانونيّ. فبولس يتطلّع إلى اليهود (في أيامه) الذين تماهوا مع مجموعة عرقيّة. ديانُتهم ديانة وطنيّة. فهموها فهماً سيّئاً بشكل سمات ظاهرة وطقوس منظورة تطبع اليهوديّ بطابعها. اتّهم بولس العالم اليهوديّ وهو يبحث عن مدلوله الحاسم. إن هو تطلّع إلى «اليهوديّ» و«الختان» و«الشريعة»، فهو لا يتنكّر لها بالنسبة إلى شعبه. بالنسبة إليه، هذه في قلب اليهود، وهو عمل يسمو على الانقسام القديم بين اليهود والأمم، ويجعل بدون فائدة الحدود بين اليهوديّ والوثنيّ. وإذ وجّه الرسول إلى محاوره كلاماً على الختان، وجّه كلامه في الوقت عينه إلى الأمم المسيحيّة التي فرحت بعطيّة الروح. في النهاية، اليهوديّ الاسكاتولوجيّ هو، في المسيح، الأمميّ واليهوديّ معاً.

3- خلاصة لاهوتيّة
اتّخذ البرهانُ منحًى ضيقاً (آ 25)، فعاد إلى موضوع الختان الذي كان أهمّ عمل داخل العهد بين الله ونسل ابراهيم. عملُ الختان جعل العهدَ عهداً أبدياً. والتخلّف عن الختان يعني نقض العهد. وتقوّت أهميّةُ الختان في الحقبة الهلنستيّة، كردّة فعل على محاربة الهلنستيّة لهذا الطقس. ومع المكابيين، صار الختانُ التعبيرَ الجوهري عن هويّة اسرائيل الوطنيّة وعن ديانته. وحتّى هيرودسُ الأدوميّ جعل للختان قوّة لا تُنقض. وقرّاء بولس وجدوا العلاقة الفكريّة بدون صعوبة: الختان أمر أساسيّ لكي يفهم اليهوديّ نفسه، وعلامة تميّز الدين، وإشارة إلى الامتياز الوطنيّ، وختم عهد الله من أجل اسرائيل شعبه المختار. والثقة بأن الختان يؤمّن الخلاص لليهوديّ، هي ثقة مُحاور بولس الذي يستند إلى رضى الله (آ 24).
مثل هذه الثقة الكاذبة يهاجمها بولس: فالختان في ذاته لا يقيم اختلافاً بين انسان وانسان. والختان لا يكفي لكي يؤمّن الخلاص لمن تجاوز الشريعة. فقد يكون تناقضٌ بين الختان وحفظ الشريعة، وهذا ما يُزعج اليهوديّ التقيّ. ففي نظر محاور بولس، الختان هو حفظ الشريعة. وهو العمل الأساسيّ في العهد وفي الشريعة. فمن رفض الختان استُبعد من العهد. فحين يُختَن الانسانُ تختلف علاقتُه بالله: إنّ حفظ الشريعة دلّ على طريقة حياة داخل العهد. ولكن بولس يرى الأمور رؤية مختلفة. فحين يتجاوز اليهوديّ الشريعة، يصبح في وضع لا يختلف فيه عن وضع الأمميّ الخاطئ (الذي احتُقر وحُكم عليه، 1: 19- 2: 3). صار ختانُه لاختاناً، وهذا اتهام يشكك اليهوديّ التقيّ. أشار بولس إلى اليهود الذين حاولوا أن يُخفوا ختانتهم في الحقبة المكابيّة، فصاروا خارج العهد. ذاك هو وضع اليهود في زمن بولس، حين يتجاوزون الشريعة.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لا نجهل أن بولس يحافظ على قيمة الختان إن حفظ الانسانُ الشريعة. لا يتخلّى بولس عن فكرة العهد كعلاقة بين الله وخلائقه. كما لا يتخلّى عن عهد قطعه الله مع ابراهيم ونسله وختمه بالختان. لا شكّ في أن هناك تواصلاً بين الشريعة وانجيل بولس، والشريعة تبقى مهمّة في نظره وإن لم يكن ترادفٌ بين حفظ الشريعة والختان بالنسبة إلى اليهوديّ.
ويعود الرسول إلى النقطة عينها في آ 26: ما يُحسَب هو حفظُ الشريعة. فالأمميّ الذي يحفظ متطلّبات الشريعة يُعتبر مختوناً، وبالتالي عضواً في شعب العهد وإن لم يُختَن. ترك بولس ما يقوله تك 17: 9- 14؛ خر 12: 43- 49، فرأى المؤمنون في رومة أهمية البرهان بالنسبة إليهم. وخائفو الله الذين اعتادوا أن يؤمّوا المجامع، فرحوا لأنهم صاروا أعضاء كاملين في العهد، ومشاركين ملء المشاركة في بركاتٍ وعدَ به الله شعبه، دون أن يُفرَض الختانُ عليهم.
مع آ 27 يصبح الاتهام قاطعاً. نجد هنا أيضاً التعارض بين الأمميّ الذي يحفظ الشريعة، واليهوديّ الذي لا يحفظها. ذاك الذي لم يُختن أتمّ الشريعة. فاتمام الشريعة هو أكثر من عمل طقسيّ وأحكام خارجيّة (13: 8). وتجاه هذا، يبقى محاور بولس متجاوزاً للشريعة عبر الحرف والختان. حين يبقى اليهوديّ التقيّ على مستوى الختان وممارسة الطقوس، وحين يثق بالشريعة، فهو يخالف الشريعة. فما يُعَدّ «العمل بالشريعة»، صار في نظر بولس تجاوز الشريعة. وهكذا لن يحكم اليهوديّ على الأمميّ الذي لا شريعة له (2: 1- 3). بل الأمميّ الذي يُتمّ الشريعة بإيمانه وحياته هو الذي يحكم على اليهوديّ الذي يتجاوز الشريعة. هذا ما يكشفه الله من خفايا البشر في يوم الدينونة (2: 16). وهكذا انقلب الوضع على محاور بولس الذي صار متّهَماً بعد أن أراد أن يدين الأمم.
والسبب في هذا التبدّل المدهش وهذا الطرح اللاهوتيّ، نجده ملخصاً في آ 28- 29. فعبر ف 2، اتّضح أن بولس ينظر إلى مختلف مستويات حفظ الشريعة، ويتحدّث في النهاية عن الختان في معنيين مختلفين. ولكن ما هو الختان الذي يمكن أن يُعطى للأمم بدون ختانٍ حاضر؟ وكيف يكون الختان بالجسد وسيلة لتجاوز الشريعة؟ حين يُختن الانسانُ في اللحم، فهذا لا يعني أن الشريعة تمّت إن هي لبثت على هذا المستوى. فالختان الذي يريده الربّ، هو ختان القلب كما سمّاه الأنبياء ووعدوا به فتمّ بواسطة روح الله. إن ختان القلب حلَّ محلّ ختان اللحم، وما جاء يكمّله فقط، لأن حفظ الشريعة يستقلّ استقلالاً تاماً عن شريعة طقسيّة يعتبرها اليهودُ أساسيّة مع كل سلطة موسى وراءها.
وما اكتفى بولس بأن يحرّك الشريعة والختان من عالم الافتخار اليهوديّ الوطنيّ والثقة بالنفس. بل طرح سؤالاً جذرياً حول لفظ «يهوديّ». هاجم بولس مفهوم حفظ الشريعة المرتبط بعضويّة الأمّة اليهوديّة (هذا يعني «البرّ» الوطنيّ) فربط بين «اليهوديّ» و«الختان» و«الحرف» أو الشرع المكتوب. ما سمح بولس لهذا الفهم الخاطئ لبرِّ عهد الله أن يحتفظ حتّى بلقب «يهوديّ». لا بدّ من إعادة تحديد أحكام الختان بحيث يصبح العملُ الخارجيّ غير ضروريّ. وكذلك تحديد لفظ «يهوديّ» بحيث لا نتوقّف عند ما يراه الناس، بل نصل إلى ما يكشفه الله من خفايا القلب. وهكذا نرى أن بولس لم يرذل العناصر الأساسيّة في فهم اليهود لأنفسهم، بل هو يؤكّدها ويطلب تجديدها بحيث يدخل فيها اليهوديّ والأمميّ كواقع للذين سمعوا هذا الكلام في جماعة رومة.

خاتمة
أرادت هذه الآيات أن تتحدّث عن اليهوديّ الحقيقيّ. فبعد أن ذكر الرسول امتيازات شعب اسرائيل وخطيئته، طَرح أسئلة: من هو شعب اسرائيل؟ من هو الشعب المختار؟ ما معنى هذا التذكّر القديم لتاريخ مجيد في رفقة مع الله؟ لا شكّ في أن الختان الذي هو العلامة الأولى للانتماء إلى الشعب، ليس بالشيء القليل. ولكن إن لم يكن لليهوديّ سوى العلامة الخارجيّة، فماذا ينتفع؟ بل هو يحتقر العهد، ويفتخر بالشريعة، لا بالله. يجعل افتخاره في اللحم والدم، لا في رجاء الانسان الجديد. مثلُ هذا المختون يحمل ظاهر الختان، يحمل علامة كاذبة. فالعمل هو الأهم. واللامختون الذي يحفظ الوصايا يكون كأنه مختون. فالشريعة والعهد والاختيار تنتظر ارتباط الشخص كله بالله، ولا تكتفي برباط خارجيّ. أما هذه النظرة الروحيّة فتتجسّد في طاعة الإيمان، في أمانة تامّة تشعّ فرحاً، ولا تحسب حساباً لما تطلبه الوصايا. فمن عاش هكذا لا يحتاج أن يبرّره البشر. فبرّه من الله تعالى الذي يجازيه بحسب أعماله.
الفصل العاشر
ما هو فضل اليهوديّ
3: 1- 8

لجأ اليهوديّ إلى العهد، فأزال بولس هذا الملجأ. ولجأ إلى الشريعة والختان، ولكن بان أن اليهوديّ تجاوز الشريعة، فصار خاطئاً، شأنُه شأن الأمميّ. كما أن الوثنيّ الذي يمارس الشريعة صار مختوناً وحكم على اليهوديّ الذي لا يمارس أحكامها. وبقي لليهوديّ ملجأ أخير: بالنظر إلى مواعيد الله، اسرائيل هو شعب الله المختار. فكيف يجعله بولس خارج طريق الخلاص بعد أن اعتبر هو أن الختان ينجّيه من الهلاك؟ هنا يقدّم بولس جواباً سريعاً على افتراض سيردّ عليه مطوّلاً في ف 9- 11: ليس الله هو الذي خان الأمانة، بل البشر. وفي أي حال، حين يخون البشر الله، فهم لا يُلغون مواعيده. لا شكّ في أن أمانة الله تأخذ وجهاً آخر، ولكن هذا لا يعني أن الخاطئ هو في مأمنٍ من غضب الله (آ 6)، كما لا يعني أنه في حلٍّ من خطيئته فيسمح لنفسه بأن يتمادى فيها (آ 8).

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 2، أراد بعضهم أن يحسّنوا النصّ، مثل أوريجانس، فجعلوا محلّ «بروتون» (أولها) «بروتوي»: كانوا أول من أؤتمن. قرأ الناشر «كاتوس» (كما كُتب) في آ 4، بدل «كاتابر». رج 9: 13؛ 10: 15؛ 11: 8. نشير إلى أن اللفظ غاب من البرديّة 46. ونشير أخيراً إلى أن آ 7 ليست شرحاً لما في آ 6، بل تكراراً لما في آ 5، بعد أن قدّمت آ 6 جواباً كافياً.
ب- بنية النصّ
إن هجوم بولس في ف 2 ليس فقط على تجاوز الشريعة (كما اتّهم الأممُ في 1: 19- 32)، بل على اعتبار اليهود أنفسهم مميّزين عن اللايهود لأنهم شعب مطبوع بالختان. كل هذا تثبته آ 1. فبولس وعى أن برهانه جَعل على المحك الفهمَ التقليديّ لاختيار اسرائيل من قبل الله (آ 3). فأمانة الله هي أمانة الخالق البار والديّان، لا إله اسرائيل الذي تحدّده مقاييسُ ترتبط بهويّة عرقيّة. غير أن هذه النقطة ترتبط ببرهان مفصَّل سوف نعود إليه في الفصول اللاحقة.
هذا المقطع (آ 1- 8) ينقلنا من قسم إلى آخر. أولاً، يواصل بولس الأسلوب الجداليّ، ولكن مع نفسه لا مع محاورٍ. والأسئلة ليست بعدُ مسائل بلاغيّة تساعده على تقديم طرحه، بل أسئلة قاسية من أجل إيمانه (رج صيغة المتكلّم المفرد، أنا، في آ 5- 7). ومع أنه ليس مستعداً لكي يواجه هذه الأسئلة، إلاّ أن اندفاع الجدال وصراحته جعلاه يطرحها في الحال. ولكن بما أنه قَدر أن يقدّم جواباً كافياً في هذه المرحلة، خسر الحوارُ اندفاعه ووجهته. وطابعُ جواب بولس غير المُرضيّ (قدّم هنا أقوالاً مأثورة) جعل الشرّاح يضيعون في الطريقة التي فيها أخذ بولس المناسبة لكي يتطلّع إلى الجدال اللاحق (ف 6، 9- 11)، ويربط جداله بالجزء الأول من اتهامه. وهكذا بدت آ 1- 8 جسراً بين الأقسام الأولى في الرسالة والأقسام الأخيرة، أو رباطاً بين أفكار مفاتيح ومواضيع نجدها في روم. هناك بنية تصالبيّة في آ 4- 8 حيث الاعتراض الأول (آ 5) يعود إلى الايراد الكتابيّ الثاني (آ 4 ب)، والاعتراض الثاني يعود إلى الإيراد الكتابيّ الأول (آ 4 أ). والتعارض بين خطيئة الانسان وأمانة الله يستمرّ في هذا المقطع.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (3: 1- 8)
يرد هذا النصّ في مقطعين. في الأول (آ 1- 4) نتعرف إلى خيانة الانسان تجاه أمانة الله لمواعيده. في الثاني (آ 5- 8) نكتشف صلاح الله وصدقه.
أ- أمانة الله وخيانة الانسان (آ 1- 4)
«ما هو... ما هو» (آ 1). ذاك هو أسلوب بولس. رج 10: 6- 7؛ 11: 34- 35. «فضل» (باريسوس). هو ما يزيد على الأساس العاديّ، اليهوديّ هو نموذج الانسان اليهوديّ. رج 2: 17. هو لا يعني جميعَ اليهود، بل يشير إلى نمطٍ اليهوديّ الوطنيّ. و«فضل» يقابل «نفع» (أوفاليا). انتفع اليهوديّ حين خُتن، افتخر بأنه يهوديّ، والختان يتعلّق تعلّقاً وثيقاً يهويّة اليهوديّ (2: 25).
هناك أكثر من فضل ومن نفع (آ 2). فكأن بولس ترك الاتهام السابق. «بروتون» (أولاً) يدلّ على أن هناك لائحة (1 كور 12: 28). ولكن بولس لا يُكمل اللائحة (1: 8)، وإن كانت هناك منافع أخرى سيذكرها في 9: 4- 5. «أقواله». هي أقوال (لوغيا) الله التي أعطيت لموسى وللأنبياء (لا يميّز) والتي تشكّل الكتب المقدّسة (1: 2). هذا الاستعمال نجده في السبعينيّة (تث 33: 9؛ إش 5: 24؛ مز 12: 6). غير أن هذه الأقوال سوف تصبح واضحة عبر الانجيل.
«فماذا» (آ 3). ماذا يبقى لنا؟ ما هو الوضعُ إذن؟ رج فل 1: 18. «بعضهم» هذا يعني أن 2: 1- 29 لا يحكم على جميع اليهود. ثم إن النقص في الإيمان أمرٌ موقّت (ف 11). رج 4: 20؛ 11: 20، 23. يتركّز الفكر كله على علاقة العهد بين الله واسرائيل، وبالتالي على واجبات «اليهود» الخاضعين للعهد، وعلى الأمانة للعهد. فاليهوديّ النموذجيّ يرى هذه الأمانة في حفظ الوصايا (سي 32: 24؛ 2 با 48: 20)، ويفتخر بأن إيمان اسرائيل بالعهد مع الله يميّزه عن سائر الأمم (4 عز 3: 32). إلاّ أن الرسول رأى واجبات العهد الآن على مستوى أعمق (2: 28- 29) كما فكّر في الأمم في إطار اسكاتولوجيّ مقبل (4: 11- 18) بحيث يلغي العضويّة الجسديّة في الأمّة اليهوديّة كأساس ليكون الواحد عضواً في العهد (2: 17- 29). فعدمُ أمانة اليهوديّ في نظر بولس يعني، لدى «بعض» اليهود، عدم التعرّف إلى ما أؤتمنوا عليه الآن (4: 20). وهكذا لا تستبعد «أبيستيا» (اللاايمان) الإيمان (10: 16). إن بُعد المعنى الممكن يثبّت خطّ معانى الإيمان وكأنها منفعلة بدل أن يكون هناك تواصلٌ، حيث مفهوم «الإيمان» يصل إلى مفهوم «الأمانة».
«أمانة الله». وفاء الله، تجاه عدم أمانة الانسان وخيانته. رج مت 23: 23؛ غل 5: 22؛ 2 تس 1: 4؛ ق مز 33: 4؛ هو 2: 22 (ا م و ن ه في العبريّة، التي تعني الثبات والمصداقيّة). تحدّث بولس عن وفاء الله. هنا نميّز بين أمانة (بستيس) الله لاسرائيل والإيمان بيسوع المسيح. لا نجد هنا فكرة العهد الجديد، بل تواصلَ قصدِ الله في عهد أوّل سُلّم إلى اسرائيل. هناك من رأى أن بولس تطلّع إلى مواعيد الله (عبر ابراهيم مع الأمم)، فميَّز بين اختيار اسرائيل والوعد للأمم (4: 6). لكن يبقى أن 3: 3 هو جواب على 2: 27- 29.
«أما يكون» (آ 4). أو: «ألا يكون»؟ هو نفيٌ قويّ يستعمله بولس مراراً في سؤال بلاغيّ. رج 3: 6، 31؛ 6: 2، 15؛ 7: 7. ق تك 44: 7، 17؛ تث 24: 16. نترجم: مستحيل، حاشا وكلا. إن بولس يرى قوّة عهد الله مع اسرائيل، الذي ما زال حاضراً. ويرى أن فهم اليهوديّ للعهد هو لافهم. ويرى أخيراً في انجيله امتداداً وتتمّة لعهد الله مع اسرائيل. بدون هذا الموضوع المثلّث كعنصر مهم في بناء هذه الرسالة، تبدو لغةُ بولس هنا وفي مكان آخر بلاغةً فارغة.
هناك علاقة فكريّة بين صدق (أليتايا) الله وأمانة (بستيس) الله (آ 3). إن «ا م و ن ه» تدلّ على الأمانة والصدق. رج مز 89: 1، 2، 5، 8، 14 ... تطلّع بولس إلى ثبات الله وأمانته وحقيقته. كل هذا يعني أن اليهودي ما عرف أن يتصوّر الطابع الحقيقيّ لعهد الله مع اسرائيل. الله صادق وكلُّ انسان كاذب. رج مز 116: 11 (115: 2 حسب السبعينيّة). قد لا يكون بولس أراد أن يورد النصّ الكتابيّ. أما عبارة «كما كُتِب» فتدلّ على الايراد اللاحق (مز 51: 4). إن أمانة الله وصدقه لا يُفهمان إلاّ في منظار النهاية. والنظرة إلى التاريخ البشريّ ككلّ، تدهشنا كعلاقة بين صدق الله وطلبات الانسان. فالله يكون الله مهما قال الانسان. في هذه الآية، يكمن أعمقُ موضوع في تعليم بولس عن التبرير. ونلاحظ كلاماً كثيراً عن برّ الله في دينونته في مز سل 2: 16- 19؛ 3: 3؛ 4: 9، 28؛ 5: 1. بل نكون بالأحرى أمام ثقة بإله العهد.
ب- صلاح الله وصدقه (آ 5- 8)
«وإذا كان ضلالنا (آ 5). «سونئستيمي» : وضع معاً. بيَّن. برهن (5: 8؛ 2 كور 7: 11؛ غل 2: 18). «أديكيا» (اللابرّ) تقابل «أبستيا» (اللاإيمان، اللاأمانة). إن عدم أمانة اليهود جزء من عدم أمانة البشريّة. أما أمانة الله وصلاحه وبرّه، فهي تدلّ على عمل الله من أجل شعبه، كما من أجل البشر كلهم. وهكذا يستعمل بولسُ لغة العهد لكي يؤكّد النظرة الأساسيّة إلى مفهوم العهد، كما سيطرت في الكتابات اليهوديّة. حين يتكلّم عن «لابرّنا» فهو يتكلّم عن كل انسان أو بالأحرى عن اليهوديّ الذي يرى الآن المتطلّبات الشاملة لما كان عليه في الماضي.
«ماذا نقول». عبارة نجدها عند بولس. رج 4: 1؛ 6: 1؛ 7: 7؛ 8: 31؛ 9: 14، 30. ويأتي السؤال بشكل يفرض جواباً بالنفي مع «مي»: أيكون الله ظالماً؟ والجواب يكون كلا. إن لفظ «أورغي» هو اسكاتولوجيّ (آ 6). بما أن الله ليس بجائر، فهذا يدلّ على أن مفهوم برّ الله يسيطر عليه رضى الله المجانيّ على الانسان (9: 4). فالغضب ليس فقط وجهة من البرّ، وإلاّ لما ظهر السؤال.
«كانسان». حسب الانسان، حسب مفهوم البشر. رج 6: 19؛ 1 كور 9: 8؛ غل 3: 15. نحن أمام معترضة، لأن الكلام عن الله الجائر هو كلام تجديف. راح بولس في هذا الخطّ الفكريّ، لا بسبب منطقه الخاصّ، بل بسبب انشداد بين ما فهمَه من علاقة بين برّ الله وامتيازات عهد اسرائيل ومتطلّباته. تحدّث بولس عن موقف كل انسان، لا اليهودي النموذجيّ وحسب. وهكذا بدت العلاقة بين الله والانسان (أقلّه في نظر اليهوديّ) غامضة.
«كلا». (آ 6). هذا لا يكون. رج 3: 4. ويصوّر النصّ دينونة الله وعمله (آ 6). هو الآن يفعل. كما يفعل في النهاية. «كوسموس» هو الكون كلّه (1: 20). والجنس البشريّ (3: 19؛ 11: 12، 15). لا صفة دنيئة للعالم كما في 1 كور 1: 20- 21، 27- 28؛ 3: 19 وكما في يو 1: 10؛ 7: 7؛ 8: 23. جاء برهانُ بولس كعودة إلى العبث: كيف يدين الله العالم وهو الذي اختار اسرائيل ليكون شعبه؟ أن يكون حُكمُ الله «باراً» فهذا أمر أساسيّ (تك 18: 25؛ تث 32: 4؛ أي 34: 10- 12). وقد جعله بولس حجر الأساس الذي به نجا شعبه الخاص من مثل هذا اللغز.
«صدق الله» (آ 7). تتكرّر «اليتايا» (صدق) مرّة أخرى في 1: 18- 3: 20، فتبدو اللفظَ المفتاح في كل هذا المقطع (1: 18، 25؛ 2: 2، 8، 20؛ 3: 7). فالكلمة العبرية (ا م ت، ا م و ن ه) هي في أساس الكلمة اليونانيّة. في متتالية الأسئلة المتوازية في آ 3، 5، 7، نجد توازياً في المضامين: أمانة الله، برّ الله، صدق الله.
«كذبي» (بسوسما) يقابل صدق الله. ما هو ضدّ الحقّ. في 1: 25، كان تعارض بين صدق الله وكذب الانسان من أجل الحكم على الذين في الخارج. أما هنا فكذب الانسان لا يحرّك الغضب، بل يبيّن وفاء الله وأمانته تجاهي أنا الكاذب. ومع أن بولس بعيد عمّا في 3: 20، إلاّ أنه لا يستطيع أن يبتعد عن وضع حرج يعرفه الأمميّ اللاّبار واليهوديّ اللاأمين.
«يزيد» (باريساواين). وُجد بافراط. كان أكثر من كافٍ. كان وافراً. فالله في وفائه، كخالق وإله العهد، لا يحسب كذب الانسان وخيانته، بل يظلّ يحسبه خليقته وشريكه في العهد. وهذا السخاء الفيّاض يحمل إلى الله الكرامة والمجد (دوكسا، رج 1: 21؛ 3: 23). هي سمة في لاهوت بولس، أن ما يحمل المجد لله (يجعل صورته ظاهرة) هو ممارسة رحمته ونعمته (9: 23؛ 2 كور 4: 15). وهو لا يتكلّم بالطريقة عينها عن غضب الله. ففي جوهر إيمانه، الله هو قبل كل شيء إله النعمة والحنان (9: 15): «خاطئ» (هامرتولوس): من تجاوز الشريعة، عصا الشريعة لأنه جهلها (الوثنيّ، مز 119: 53، 155؛ 1 مك 2: 44، 48)؛ مز سل 2: 1- 2؛ مت 5: 47؛ لو 6: 33؛ مر 2: 15- 17. مثل هذا الفهم لأمانة الله يصل بنا إلى مفهوم الدينونة والشريعة والحكم. فعندما يكون الله متسامحاً، فما هي وظيفة الشريعة؟
«ولماذا لا نعمل الشر» (آ 8). يرد فعل «افترى» (بلاسفيماين). جدّف على الله. جدّف الوثنيّون حين لم يعرفوا رضى خاصاً من الله تجاه شعبه (2 مل 19: 4- 6، 22؛ حز 35: 12؛ 2 مك 15: 24؛ يوسيفوس، ابيون 1: 59). وهذا ما يفعله اليهود اليوم بالنسبة إلى المسيحيّين. «بعضهم». لا يهاجم بولس الجميع، بل مجموعة خاصة. هؤلاء الذين انتقدوا تعليمه (6: 1). أن يستطيع بولس أن يضع مخرجاً صريحاً، يدلّ بوضوح على خطر يتعرّض له حين يحرِّر برَّ الله من ارتباطه بالشريعة وبشعب العهد: ففكُّ الرباط بين برّ العهد وشريعة العهد، بدا للكثيرين احتقاراً لخلقيّة الله. لهذا احتاج الرسول إلى إيضاح كلامه الخلقيّ. وهذا ما سيفعله بشكل عام في ف 6- 8 وبالتفصيل في 12: 1- 15: 6. «هؤلاء عقابهم عادل» (كريما، رج 2: 2؛ 11: 33). هو يتأسّس على ما هو مستقيم، حقّ. أجل، التعليم مستقيم، وحكم الله عادل (9: 20).

3- خلاصة لاهوتيّة
كل من تبع بولس في برهانه (آ 1) مع المحاور اليهودي، لا بدّ له أن يتساءل: ما فضل اليهوديّ، وما قيمة الختان؟ أن يكون الانسان واحداً من الأمّة اليهوديّة وعضوا في شعب اسرائيل، هو شيء قليل. ما الذي يناله اليهوديّ من الله، وما ناله الجنسُ البشريّ كلّه؟ أن يُطرح السؤال بهذه الطريقة، هذا ما رمى إليه بولس في ف 2: اليهوديّ الواثق بنفسه أنه يهوديّ، المتكّل على امتيازه بأنه من شعب الله المختار. كانوا يعتبرون امتيازاً أن يكون الانسان يهودياً، ويرون في الختان قيمة حتّى إن تجاوز الانسانُ الشريعة (2: 25). كلّ هذا هاجمه بولس بقوّة بحيث احتجّ اليهوديّ احتجاج من أضاع هويّته.
إن جواب بولس (آ 2) للوهلة الأولى يُدهشنا. هناك فضل «من جميع الوجوه». في أكثر من طريق. وتزداد الدهشةُ حين نفهم برهان بولس الذي رفضَ الاعتداد بالعهد، وتساءلَ حول قيمة امتلاك الشريعة والطقس الخارجي بحيث أنكر كلَّ دور للشريعة وأيَّ مدلول للختان. ولكن كما قلنا في ف 1- 2، لا يتخلّى بولس أبداً عن ميراثه كيهوديّ. بل إن أساس فهمه للانجيل، هو الاعتقاد بأنه في تواصل تام مع ما قاله الأنبياء في الكتب المقدّسة (1: 2). خطّط الله بأن تُعطى الشريعة وبأن تتمّ (2: 13، 27). وللختان مدلول هام (2: 26، 29). ذاك كان جواب بولس المباشر.
بدأ فقدّم جوابه بطريقة تدلّ أن عنده الكثير يقوله (أوّلها). هو أسلوب به يدلّ قرّاءه على أن عنده ما يقوله عن هذا الموضوع، ولكنه لا يوافق طرح الموضوع. أو هو دخل في روح الجدال، ووجد نفسه مدفوعاً بمنطق برهانه لكي يجد مخرجاً لوضع اسرائيل الخاص قدّام الله، فاستعدّ لأن يقدّمه بتفصيل. أو ما أراد أن يتوقّف عند هذا المخرج فقطع سؤال محاوره بكلام عامٍ. يبقى أن بولس كان يهودياً، ولا يقدر أن يُلغي هذا الوضع، وإن كان في موقع لا يقدر أن يهتمّ به.
جاء جواب بولس جزئياً، وبداية عرضٍ واسع (ف 9- 11): التواصل بين وحي أعطي لاسرائيل وانجيل ابن الله. فضلُ الشعب اليهوديّ هو أنه اؤتمن على أقوال الله (عبارة فريدة عند بولس. ما قال «مواعيد»). هذا يعني أنه يعود إلى كلام الله الذي قِيل ودُوّن في الكتابات اليهوديّة. أما بالنسبة إلى القارئ الأمميّ، فالأقوال تعني كلاماً ملهماً جاء من الماضي وما زال سرّياً وملغزاً الآن، فينتظر مفتاحاً يدلّ على معناه. يتضمّن كلامُ بولس أن اليهود أؤتمنوا على هذه الأقوال وحفظوها إلى أن يأتي المفتاح الذي هو انجيل المسيح الذي يكشف سرَّ ما كان دوماً مخطّط الله ولكنّه ظلَّ مخفياً إلى زمن النهاية (11: 25- 27؛ 16: 25- 26). كما يتضمّن أن يفهم اليهود ما قاله الله لهم في كل وقت (1: 19)، ويجعلوه معروفاً في العالم كله.
بعضهم خان (آ 3). ليتذكّر قرّاؤه أن جميع اليهود لم يرذلوا الانجيل. خانوا أمانة الله. أولئك الذين حفظوا أقوال الله أجيالاً عديدة، ما استطاعوا الآن أن يعرفوا معناها الحقيقيّ الذي أعطي لهم في الانجيل. وبما أنهم لم يعرفوا المعنى الحقيقيّ، تخلّوا عن مسؤوليّتهم للأمم (2: 19- 20)، فتصوّروا تصوّراً خاطئاً العهدَ والشريعة، في حياتهم (3: 21- 29).
والسؤال الذي يطرحه اليهوديّ اللامؤمن على بولس لافتٌ للنظر: هل أمانتُه جعلت أمانة الله غير فاعلة؟ لماذا هذا السؤال؟ الجواب الذي نكتشفه عند بولس هو الاقرار بأن الله هو الذي أعطى العهد مع اسرائيل. أي أن العلاقة بين الله وشعبه المختار قد أقامها الله وثبّتها، وهو الاله الأمين. والأسئلة الذي لا يمكن أن نتجنّبها: هل خيانةُ اليهود (رج ف 2) وفشلُهم في التعرّف إلى مخطّط الله ومدلول «أقواله»، يعنيان أن وفاء الله لشعبه كان باطلاً؟ أو هل «غسل» الله يديه من اسرائيل فألغى عهده مع اليهود؟ هل كان اختيار اسرائيل وائتمانه على كلام الله خطأ منذ البدء؟ هل ترك الله شعبه وبدأ من جديد؟ جاء جواب بولس بالنفي: كلا، خيانة اليهود لا تحدّد وفاء الله. فالله ظلَّ أميناً لعهده في الماضي رغم خيانة اسرائيل، وهو يبقى أميناً في الزمن الحاضر والمقبل، رغم خيانة اسرائيل المستمرة في رَذْلِ الانجيل.
إن مدلول هذه الآية هو أبعد من ذلك، وأعمق، لأننا نجد في القسم الأول من الرسالة، العنصرَ المفتاح (من إيمان إلى إيمان، 1: 17): البرّ من أمانة الله. فأمانة الله موجّهة قبل كل شيء إلى اسرائيل. فبرّ الله في عمله الخلاصيّ هو من أجل اسرائيل وحفظ الشعب. فبولس لا يقدر أن يسمح بأن تلغي خيانةُ اسرائيل اختيار الله لشعبه وبرَّه تجاه شعبه، لأنه عند ذاك يدمّر إنجيله. هذا هو التواصل بين مخطّط الله من أجل شعبه وانجيل ابنه. فتواصل أمانة الله لشعبه هو التثبيت الأول لاعتقاد بولس بأن برّ الله هو من إيمان إلى إيمان: هو لا يرتبط بعدم فهم اسرائيل للشريعة ولا لدورها، ولا يدمّره هذا اللافهم. كما لا يدمّره الانسان بأعمال يخون فيها العهد.
ولكن بولس ليس مستعداً (آ 4) لأن يتوسّع في هذا البرهان قبل أن يطرحه في ف 9- 11: «من أمانة الله» على ضوء «إيمان الانسان» (3: 21- 5: 21). أما الآن، فهو يكتفي برذل الفكرة التي تقول بعدم أمانة الله، عبر ايرادين من المزامير. إن أمانة الله لا يحدّدها جوابُ الانسان، سواء كان جواب الإيمان أو اللاإيمان. وصدق الله ليس على المحك بسبب فساد الانسان. إن ارتباط آ 3 وآ4 يبيّن أن الكذب ينطبق أيضاً على اليهوديّ اللاأمين، كما ينطبق على البشريّة. فاليهوديّ اللامؤمن ألغى الحقّ (1: 18)، حوّل الحقّ إلى كذب (1: 25)، عصى الحقّ (2: 8) مثله مثل غيره. ومع ذلك أراد الله أن يكون أميناً لمخطّطه حين خلق الانسان (1: 18، 25)، حين اختار شعبه (2: 8، 20).
والإيراد الثاني (مز 51: 4) يتضمّن كلاماً عن دينونة الله الأخيرة (2: 16) حيث يرى الحكمَ على الانسان الخائن وكذبه على أنه عادل وبحسب الصدق (2: 2)، كما يرى انتصار أمانة الله المتواصلة لشعبه، رغم لاأمانة اسرائيل: «أنت صادق في أقوالك، ومبرّر في حكمك». اعترف المرنّم بضعفه وخطيئته. هي خطيئة أمام الله. والله يبرَّرُ حين يحكم على الخاطئ. مع أن الأمر غير معقول، فالله يبقى على وفائه رغم شريكه الخائن تجاه العهد. هكذا كان في الماضي، وهكذا هو الآن في عمله الخلاصيّ تجاه شعبه.
ويأتي السؤال سريعاً: لابرُّ الانسان يبيّن برَّ الله (آ 5). إذن، لماذا الأمانة لله؟ ولماذا نُلام إن كنّا لاأمينين؟ هنا يتماهى بولس مع محاوره اليهوديّ في استعمال صيغة المتكلّم الجمع (نقول، ضلالنا)، وخيانتُهما تتماهى مع لابرِّهما الذي حُكم عليه في المراحل السابقة من البرهان (1: 18، 29؛ 2: 8). في هذا الإطار لا نستطيع أن نقول شيئاً.
ويُطرح السؤال: هل الله جائر؟ هل يحقّ له أن يحكم على اسرائيل؟ تحدّث بولسُ عن غضب الله على البشريّة الشرّيرة (1: 18)، على اليهود كما على الأمم (2: 8- 9). وها هو يقول الآن أن لابرّ اليهود يدلّ على برّ الله (ظلّ رؤوفاً تجاه الخطأة). فكيف يقدر أن يحكم على مواقف وأعمال تُبرز هذا البرّ؟ إذا فُهم برّ الله بهذه الطريقة، فماذا يبقى لغضب الله؟ فكأني ببرهان بولس يأخذ اتجاهين متعارضين.
وعى بولس حدّة السؤال (آ 6) فقال: أتكلّم بطريقة بشريّة. وهذه اللغة لا تكفي للكلام عن الله. لهذا اكتفى بالقول: الله يدين العالم في النهاية، ودينونتُه تكون بحسب الحقّ. ثم هو أمين تجاه شعبه ويبقى كذلك. هذان القولان يسيران معاً ويرتبط الواحد بالآخر، تدفعهما أمانةُ الله قبل خيانة الانسان.
ولكن مثل هذا السؤال قريب من التجديف (آ 7)، فلا يمكن لبولس أن يتركه من دون جواب. «إذا كان كذبي يظهر صدق الله». صدقُ الله هو أمانته. والمزج بين صدق الله وكذب الانسان ومجد الله يعود بنا إلى البداية (1: 18، 23، 25). لسنا فقط أمام أمانة الله تجاه لا أمانة شعبه، بل أمام صدق الله تجاه كذب الانسان. من يعلن برّ الله تجاه اللاأبرار، سواء الأمم أو اليهود اللاأمناء (1: 16- 17). فمسألة فهْم برّ الله في علاقة بغضبه، تبقى هي هي في قوّتها على الجهتين. ويتوقّف بولس عند نفسه: هو الخاطئ وقد صار الآن إناء لبرّ الله الخلاصيّ. هكذا لا يستطيع اليهوديّ أن يحكم على غير اليهود، لأنهما كليهما في الوضع نفسه.
بدا تعليمُ بولس (آ 8) وكأنه حضّ على الخطيئة: نعمل الشرّ ليجيء الخير. لكن بولس لا يقول مثل هذا القول، بل هو محاوره يتخيّل. إن أمانة الله لشعبه هي جزء من برّ الله للبشريّة. وأن يكون بولس الذي حمل الانجيل إلى الأمم، تماهى مع سقطة اسرائيل. وأن يكون انتقل من اعتراض يتحدّث عن أمانة الله لشعبه الخائن، إلى اعتراض على إنجيله، يدلّ على أن نموذج الانجيل قد أعطي في عهد الله مع شعبه أي في المحافظة على الأمانة. كان على الشعب أن يفهم هذا (الاعتراض نفسه على برّ الله في أشعيا كما عند بولس)، ولكنه رفض الانجيل الذي قدّمه الله للبشريّة. هذا الانجيلُ قدّم لليهوديّ كما للأمميّ (1: 16)، ورفضُه يجعل غضب الله يصيب اليهوديّ أولاً ثم الأمميّ.

خاتمة
وأعلن بولس أن شعب اسرائيل لا يشكل استثناء، بل إن وضعه هو وضع كل شعب، بحيث لا فرق بين اليهود والأمم. كلّهم تحت الخطيئة، وكلّهم يحتاجون إلى الإيمان لكي يتبرّروا. عندئذ يُطرح السؤال حول مخطّط الله: ما نفع الاختيار، والخروج من مصر، وعطيّة الشريعة، والوعد، والهيكل؟ لقد وصل مخطّط الله إلى الفشل، وانتهى الدور اليهوديّ، والله سيبدأ مشروعاً جديداً. وجاء جواب بولس: عالم اليهود مسيرة لها معناها، وأوليتهم طبعت تاريخ البشريّة بطابعها، والختان احتفظ ببعض الفائدة. هذا لا يعني أن الديانة اليهوديّة وسيلة لكي تؤمّن علاقة الانسان بالله، بل العكس هو الصحيح: لقد اختار الله شعباً وانتظر منه جواب الطاعة. وهكذا تكون خاصيّة شعب الموعد وقداسته، أن يجعل نفسه تجاه مشيئة الله. نال وحياً، فماذا فعل بهذا الحي؟ حُمّل كنزاً في إناء من خزف، فماذا فعل بهذا الكنز؟ هو مرسَل الله والقائم مقامه على الأرض. بعد هذا، هل يتجاسر اليهود أن يقولوا عن الله إنه كان ظالماً بالنسبة إليهم؟ أما الجواب فسيأتي فيما بعد.
الفصل الحادي عشر
الله يدين الجميع
3: 9- 20

في هذا المقطع، نصل إلى نهاية القسم الثاني مع خاتمة تقول إن دينونة الله تصل إلى الجميع، ولا تستثني أحداً كما لا تحابي أحداً. الأساس هو غضب الله على لابرِّ الانسان. في نظرة أولى، تطلّع اليهوديّ إلى غضب الله على الجنس البشريّ، واعتبر نفسه بعيداً عن هذا الغضب. ولكن الرسول بيّن أن الغضب يصيب اليهود كما يصيب الأمم. وأعطى خمسة براهين: لا محاباة عند الله. فمن خطئ وهو تحت الناموس يُدان تحت الناموس. الشريعة لا تعفي الانسان من حفظ الوصايا، ولا تؤمّن له الحماية. والوضع المميّز لشعب الله لا يمنح الطمأنينة. والختان لا يكفل الخلاص. وهكذا لم يبق لليهوديّ شيء يستند إليه. حينئذ تساءل: ماذا تعني أمانة الله، وما الفرق بين اليهوديّ والأمميّ إذا كان الجميع متساوين أمام الله؟ أبقانا بولس هنا أمام دينونة الله، بانتظار أن يُفهمنا البرّ بالإيمان لا بأعمال الشريعة اليهوديّة.

1- دراسة النصّ وبنيته
السؤال الذي يبدأ المقطع هو الخطوة الأخيرة في جدال أشرف على 2: 1- 3: 9، بل على القسم الثاني كلّه. أما جواب بولس الاجمالي فهو: اليهوديّ واليونانيّ هما كلاهما «تحت الخطيئة»، ولا قيمة لامتلاك الشريعة. ويبني بولس سلسلة من الايرادات الكتابيّة (رج وثص 5: 13- 17؛ 4 عز 7: 22، 24) قد تكون وُجدت قبله، فاستعملها من أجل البرهان الكتابيّ. ويُصبح الأمر واضحاً حين نلاحظ أن إيرادات المزامير تفترض تعارضاً بين الأبرار (الأعضاء الأمناء للعهد) واللاأبرار. هذا يعني أنه حين نترك وضعاً مميّزاً أمام الله، تكون الكتب المقدسة للحكم على البشريّة. ويتّضح هذا في آ 19: تتحدّث الشريعة للذين هم داخل الشريعة، أي أولئك الواثقين بأنهم ينتمون إلى شعب محدَّد انطبع بطابع الشريعة. هناك من قسم النصّ ثلاثة أقسام: آ 10- 12، آ 13- 14، آ 15- 18. أما نحن فنلاحظ ست مرات «ليس واحد» (أوك استين) في آ 10، 11، 12، 18. ما من أحد بار... ما من أحد يفهم... أما آ 20 فتقدّم خاتمة البرهان في 1: 18- 3: 20، وتُعدّ الطريق للحوار التالي: عمل الشريعة (3: 27، 28؛ 4: 2، 6، 9، 11، 32؛ 11: 6). ثم برّر (3: 24، 26، 28، 30؛ 4: 2، 5؛ 5: 1، 9؛ 6: 7؛ 8: 30، 33). وأخيراً شريعة معرفة الخطيئة (4: 15؛ 5: 13؛ 7: 13).

2- تحليل النصّ الكتابيّ (3: 9- 20)
يرد النصّ في ثلاثة مقاطع. يبدأ بولس فيطرح سؤالاً يُجيب عليه: ليس اليهود أفضل من الوثنيين (آ 9)، ويستند إلى الكتاب المقدس (آ 10- 8) فيورد آياته. ويُنهي كلامَه باستخلاص النتيجة (آ 19- 20) حول أقوال الشريعة وأهمّيتها.
أ- فماذا إذن (آ 9)
ماذا نفعل من أجل هذا الوضع الذي نعيش فيه؟ هل نحن اليهود أفضل من الآخرين؟ الجواب: كلا. صيغة المتكلّم الجمع تجعل النظرة واسعة: اليهود هم مع الأمم. نقرأ فعل «بروإخوماي». تفوّق، تميّز. رج 1 أخن 99: 3- 4. هنا يبدأ الحوار الذي انطلق في 3: 1- 8. نحن البشر ماذا نعمل للدفاع عن أنفسنا؟ هو سؤال بلاغيّ، ولا يحتاج إلى جواب. في الواقع، أعطيَ الجوابُ في نهاية سلسلة الايرادات. هذا يعني غياب كل امكانيّة دفاع. عاد اليهوديّ يدافع عن موقعه وامتيازه بأنه شعب العهد، الذي يفترق عن الأمم «الخطأة». ما فكّر بولس في ما يميّز اليهوديّ، بل بما يجعله متضامناً مع البشر الخطأة. إن نصّ المزامير الواردة تتّهم الأمم. ولكن بولس أوردها كاتهام شامل يَدخل فيه اليهودُ والأمم.
الفئتان هما في قفص الاتّهام. كان كلام عن اتهام الأمم (1: 18- 32) ثم كلام عن اتهام اليهود (2: 1- 29). وها هو اتهام البشريّة كلها في ألفاظ نموذجيّة بها يحكم اليهود على الأمم: لقد بيّن اتهام اليهود أن امتياز العهد (وهو حقيقيّ)، فُهم فهماً خاطئاً وضالاً بحيث دلّ على أن 1: 18- 32 هو في الواقع حكم على البشريّة كلها، اليهود والأمم (2: 1- 3: 8). تحدّث النص عن اليهود، في صيغة الجمع، لا عن اليهوديّ النموذجيّ، فدلّ على انطلاقة جديدة في الحوار. «جميعاً». هو كلام بلاغيّ. رج 1: 16؛ 2: 1. صارت الخطيئة قوّة في العالم تلعب دوراً سلبياً لدى الانسان (سي 21: 2؛ 27: 10؛ مد 1: 27؛ 4: 29- 30). لا ننسَ قوّة الصورة لدى قائد يسود أو شخص يُستعبَد (5: 21؛ 6: 12- 23؛ 7: 14). فالنتيجة هي الموت (5: 21؛ 6: 16، 21). يرى بولس في الخطيئة (وفي الموت) أخطر قوّة في الخبرة البشريّة. أما كيف يتصوّرها، فهذا أمر ثانويّ. يبقى أنها تعمل في الانسان (بوعي أو بدون وعي) لتقوده إلى الموت والفساد، وتجعله أضعف من أن يعرف الله ومشيئته، وتحرّك فيه الرغبات الحيوانيّة التي تجعله ينسى أنه خليقة الله. هذه القوّة يدعوها بولس الخطيئة. في ف 6- 7، سوف نرى علاقة الخطيئة بالموت، باللحم والدم (بالجسد)، بالشريعة.
ب- فالكتاب يقول (آ 10- 18)
«كما كُتب». نجد هنا سلسلة من النصوص الكتابية التي لا تتوخّى قبل كل شيء أن تبيّن الحكم على البشر جميعاً، بل أن تبيّن أن النصوص قُرئت في إطار التمييز بين الأبرار والخطأة. وبما أن لا تمييز بعد الآن، فالبشريّة كلها هي تحت الحكم. نجد في هذه السلسلة سبعة ايرادات، بينها خمسة من المزامير، وكلها أخِذت من اليونانيّة السبعينيّة.
يرى الشرّاح (آ 10) أن الافتتاح أَخذ مز 13: 1 وكيّفه. ولكن هناك توازياً مع جا 7: 20: لا، ما من بارّ (ديكايوس). إن ظنّ أحد أنه بار، دلّ على أنه لم يفهم ما هو العهد ولا مسؤوليّة العهد. في آ 11- 12 نجد مز 14: 1- 3 ثم 53: 2- 3. هنا يشير بولس إلى عبادة الأوثان وإلى الفجور، كما إلى نكران الجاهل لله. في آ 13 استعمل مز 5: 9 و140: 3 حيث يميّز المرتّل نفسه، منتظراً بأن يقوده الأبرار فيُحسب بين الأبرار ويُبعَد عن فاعلي الشرّ (مز 5: 5؛ 140: 4). ويبيّن بولس هنا أيضاً أن لا تمييز بين يهوديّ وأممي، لأنّ كليهما يقفان أمام الربّ. وتُورد آ 14 مز 10: 7 مع اتّهام الأشرار الذين يحتقرون الله (مز 10: 2- 4، 6، 10)، في كلام عن اليهود والأمم. وعادت آ 15- 17 إلى إش 59: 7- 8 الذي هو بكاء على خطايا اسرائيل الذي ابتعد عن البرّ (اش 59: 12- 15). هذا يتضمّن ما سبق وقاله بولس في 2: 24 عائداً إلى إش 2: 5: اليهود الآن هم مثل اسرائيل في أيام اشعيا: تسامحوا مع نفوسهم مستندين إلى عهدهم قدام الله. كانت خطاياهم كافية لتقطعهم من الله (اش 59: 2)، مع أن هناك أملاً ببرّ الله وخلاصه (إش 59: 17). وهناك كلام عن طريق السلام. رج 1: 7؛ ق 5: 1. نستطيع أن نستنتج أن فهم بولس للبر تأثّر تأثُّراً كبيراً بما في اشعيا الثاني.
في آ 18 تنتهي السلسلة مع مز 36: 1 حيث التعارض واضح بين الذين يتجاوزون الشريعة (36: 1- 4، 11- 12) والذين يستندون إلى برّ الله (36: 10). وجميعُ البشر هم في الفئة الأولى. وبما أن مخافة الله موضوع هام في الكتاب المقدس والديانة اليهوديّة (تك 22: 2؛ تث 6: 2؛ أم 1: 7؛ ق وص لاوي 13: 1؛ مد 12: 3)، جاءت الآيةُ الأخيرة بحكم قاسٍ: «مخافة الله ليست نصب عيونهم».
ج- نحن نعلم (آ 19- 20)
«ونحن نعلم» (آ 19). رج 2: 2. هي معرفة مشتركة (غل 2: 16). ما تقوله الشريعة تقوله للذين هم في الشريعة. رج «تحت الشريعة» في 1 كور 9: 20؛ غل 4: 5. والذين «لهم الشريعة» في 2: 14؛ والذين «من الشريعة» في 4: 14، 16 (نلاحظ حروف الجرّ). هنا دلّت الشريعة على الحدود بين الأمم واليهود. هؤلاء هم داخل الشريعة. الديانة والوطنيّة وطريقة الحياة تحمل طابع الشريعة. «كل». بما أن طابع الشريعة الفصل بين الذين في الداخل والذين في الخارج، لا نستطيع أن نُنكر أنها تتوجّه إلى الذين في الداخل. ولكنها تتوجّه أيضاً إلى الجميع، كاتهام للذين في الداخل وفي الخارج (3: 10- 18). نلاحظ أن بولس لا يميّز الشريعة عن سائر أسفار العهد القديم. رج 1 كور 14: 21؛ يو 10: 34؛ 15: 25. يرد هنا لفظ «الشريعة» ست مرّات (في 2: 12- 15: تسع مرات). فبولس هو هنا في أول مرحلة من ذروة عرضه، وسوف ينتقل إلى المرحلة الحيويّة المقبلة.
الشريعة تتّهم وهي المسلّطة. فلا يستطيع الانسانُ أن يجادل بعد. «هيبوديكوس». استحقّ العقاب بعد أن وُجد مذنباً. هو انسان لا يقدر أن يجيب في المحكمة، بعد أن استنفد كلَّ امكانيات الردّ على ما يُتهم به. «العالم» أي الجنس البشريّ. كلّ فمّ، والكون كله بلا دفاع أمام اتّهام الكتب. وهكذا لن يكون لليهود ما به يدافعون عن أنفسهم بشكل خاص في الدينونة الأخيرة.
ارتبطت آ 20 بما في مز 143: 2. استعمل هذا النصّ في غل 2: 16 (ما عدا عنده أو قدّامه). ما أورد بولس النصّ حرفياً لكي يستطيع أن يوجّهه بحسب مقصده، وهذا أمر مبرَّر تقبل به أذن يهوديّة. «لا يبرّر». الصورة هي انسان يقف أمام سيّده. وهنا في الدينونة الأخيرة. هل يبرّر بأعمال الشريعة؟ نحن هنا في إطار هجوميّ، لأن اليهوديّ هو تحت الخطيئة، مثله مثل سائر البشر. وهكذا نكون أمام شيء خاص باليهود. ثم إن أعمال الشريعة تعني خدمة الشريعة، خدمة فرائضها ونظامها الدينيّ. هكذا يُعرف العضو في الجماعة (نج 5: 21، 23؛ 6: 18). في العبرية: م ع ث ي. ه. ت و ر ه. انتظر اليهوديّ التقيّ برَّ الله من أجله لأنه داخل الشريعة، لأنه عضو في شعب العهد.
«الشريعة لمعرفة الخطيئة». المعرفة تشير إلى طابع الحياة وتؤثّر على السلوك (1: 28). وعى بولس الخطيئة على أنها قوّة تسيطر على الحياة (3: 9: تحت الخطيئة) أو يقين حول العمل الخاطئ، يقين بالذنب (4: 15؛ 5: 13؛ 7: 13). تبدو الشريعةُ وسيلةَ حياة داخل العهد (سي 45: 5؛ مز سل 14: 2) وسياجاً في وجه الأمم. أما بولس فرأى أن الشريعة لا تعطي امتيازاً ولا طمأنينة، بل تجعل الذين تتوجّه إليهم واعين أنهم وإن كانوا أعضاء في شعب الله، فهم ما زالوا يحتاجون إلى النعمة، شأنهم شأن الوثنيّين.

3- خلاصة لاهوتيّة
إن خطّ التساؤل في 3: 1- 8 وارتباطه بما سبق وبما يلي (آ 9) راح بعيداً. لهذا عاد بولس ليوجز اتهامه لليهود وللأمم (1: 18- 3: 8). انطلق من السياق المباشر فواصل الجدال. هذا يدلّ منذ بداية الخاتمة أن بولس لا يعود إلى منظور سابق يوجزه، أي اتهام الأمم (1: 18- 32) واتهام اليهود (2: 1- 29). بل جاء كلامُه في امتداد 3: 1- 8، فرأى أن لا دفاع ولا مرافعة تجاه لابرّ البشريّة بشكل عام. وحكمُ اليهود على خطأ الأمم (2: 3، 1) صار حكماً على اليهود أنفسهم، حكماً على اعتدادهم بأنهم يختلفون بإيمانهم عن الوثنيين اللاأبرار. رُفض كلُّ عذر لليهوديّ (2: 1) كما لكل انسان. وإذ أراد اليهوديّ أن يلجأ وراء العهد والشريعة والختان، دلّ على لا فهمْه، كما دلّ على اتكاله الكاذب. ماذا بقي للانسان من دفاع؟ لا شيء إطلاقاً.
جاء الاتهام على اليهود واليونانيّين. فما قيل في1 : 18- 2: 29 صار واضحاً الآن. لم يعد لليهوديّ سندٌ في الشريعة ولا في العهد، فصار مثل كل انسان تحت الحكم الذي يصيب البشريّة (آدم، رج ف 1). سبق لبولس وتكلّم عن اليهوديّ واليونانيّ في صيغة المفرد. وها هو يعود إلى صيغة الجمع ليدلّ على التضامن. ويرد هنا للمرة الأولى لفظ «خطيئة» (ذكر الفعل في 2: 12)، على أنها قوّة تسيطر على البشر، وتُحرّك اللابرّ والافتخارَ والطموح الذاتيّ وتبتعد عن الحقّ (رج ف 1- 2). وهكذا تجعل الانسان ينسى أنه خليقة.
وتأتي الايرادات الكتابيّة (آ 10- 18) لتحرم اليهوديّ من أي اعتبار لنفسه قدّام الله. أما النقطة الأساسيّة فنقرأها في آ 19: تتكلّم الشريعة للذين أعطيت لهم. وماذا تقول؟ ما من بار ولا واحد. وتقول جا 7: 20: لا بارّ على الأرض. فالتعليم واضح: ما من أحد يقدر أن يعتبر نفسه باراً، سواء كان داخل الشريعة أو ظنّ أنه يحفظ الشريعة. وقرأ بولس اش 59: 7- 8 الذي ينفي البرّ عن شعب اسرائيل. أما المزامير الواردة فتقول لليهوديّ الذي يصلّي في المجامع أنه بار تجاه الأمميّ الشرّير في خط أخنوخ (1 أخن 99: 3- 4).
ونقرأ في آ 19: كل ما تقوله الشريعة، تقوله للذين هم داخل الشريعة. وهي تلفظ حكماً لا يُفلت منه أحد. فهي تصيب أيضاً شعب الشريعة. وهكذا وجب على الكون كله أن يؤدّي جواباً لله، وأن يقف أمام الديّان. هذا ما يجب أن يقتنع به اليهودُ الذين يرون نفوسهم داحل الشريعة. فالشعب اليهوديّ لا يستطيع أن يفصل نفسه عن سائر الكون، أو يعلن براً يجعله غير مرتبط بالدينونة. وإن كان اليهوديّ لا يقدر أن يتعلّق بأي اعتبار، فما من أحد يقدر.
وتأتي آ 20 بشكل ضربة قاضية، كالسبب الأساسيّ والركن اللاهوتيّ للبرهان كله. هذا يجب أن يكون هكذا، لأن ما من بشر يتبرّر أمام الله بأعمال الشريعة. وعاد بولس إلى مز 143 بما فيه من نداء إلى الله: «يا ربّ اسمع صلاتي، أصغ إلى تضرعي في حقّك، أصخْ إليَّ في برِّك ولا تدخل في حكم مع عبدك، لأنه لا يبرَّر حيّ أمامك». يُقرّ المرتّل أنه تحت حكم الله ودينونته، لأنه (هو والبشر كلهم) لا يعتبر نفسه بريئاً ومبَّرراً لدى الله. حوّل بولس النصّ فطبّقه مرتين. أولاً، أضاف «بأعمال الشريعة» كما فعل في غل 2: 16. نحن هنا أمام موقف يهاجمه ف 2. وأول الأعمال هي الختان. هي أعمال تطبع بطابعها شعب الله، وتجعل ابن العهد يكتشف هويّته كيهوديّ في داخل العهد.
أعمال الشريعة ليست العمل بالشريعة (2: 13- 14) ولا تتميم الشريعة (2: 27). وليست عملَ الشريعة المكتوبة في القلب (2: 15) ولا ختان القلب بالروح (2: 29). أعمال الشريعة هي شيء سطحيّ، على مستوى «الحرف» (2: 27، 29) وعلامة خارجيّة تدلّ على تضامن على مستوى العرق (2: 28). أعمال الشريعة هي الضروريّ للدخول في العهد.
وحوّل بولس نصّ المزمور ثانياً فقرأ: «لا بشر» بدل «لا حيّ». هو الانسان في ضعفه وفي فساده وارتباطه بهذا العالم. هو الانسان الذي يريد أن يستقلّ عن الله، ويحيا كما يرتئي هو مع رغباته التي تقود إلى الموت. هو انسان يأخذ القيم من هذا العالم ومن المجتمع وعاداته. انسان لا أمل له بأن يبرّأ في يوم الدينونة. ويعلن الرسول أن من يستند إلى امتياز العهد الذي يؤمّن له التبرير في يوم الدينونة، هو انسان يعيش على المستوى البشريّ، على مستوى اللحم والدم.
وتجاه هذا الفهم السطحيّ للشريعة، قدّم بولس فهماً آخر لدور الشريعة: «عبر الشريعة تأتي معرفةُ الخطيئة». لسنا هنا أمام مبدأ، مع أن بولس يستعمله كقوّة في نهاية القسم الثاني من رسالته. أجل، إن اليهود معاصري بولس لم يعرفوا دور الشريعة كما قال لهم في 3: 10- 18. فلو فهموا لما وثقوا بالشريعة ولا افتخروا بالامتيازات الخارجيّة. إن الرسول توجّه إلى شعب العهد ليجعله يعي خطيئته، وليُفهمه أنه تحت سلطان الخطيئة ولو كان عضواً في شعب العهد (3: 9،19).

خاتمة
بعد أن فهمنا أن الله يقبل أن نسأله، أن نُحاجّه. وأن لا انسان يحقّ له أن يسأله إن لم يقرّ أنه خاطئ تجاه الذي هو قدوس، أنه لاأمين تجاه الذي هو الأمانة بالذات. عندئذ يردّ العقل البشريّ بمحدوديّته وهو يحاول التهرّب من الحقيقة. يقول: بما أن أمانة الله تسطع أمام لاأمانتنا، فلماذا نكون أمناء؟ وإذا كانت الخطيئة تُبرز النعمةَ، فلماذا لا نكثر من الخطايا؟ مثل هذا الكذب ينال الحكم القاسي. ولكن لا بدّ من التذكير بأن الله لا يبقى لامبالياً: أعطى شريعتَه وهو يدين ويحكم. والخطيئة ليست فقط موقفاً لا أهميّة فيه. أمّا ما يقوله الكتاب فهو: لا بار ولا واحد. ونجد النور حين نتذكّر أن برّ الله هو وحي. وهو أبعد ما يكون عن تطبيق شريعة وفرائض. فلو كان الأمر كذلك، لما احتجنا إلى وحي ولا إلى إنجيل. ولكن برّ الله يختلف كل الاختلاف عن هذا، وهو يُكشَف لنا في وحي، وحي الخلاص الذي تتبعه الشريعة وترافقه.
القسم الثّالث
التبرير وَالإيمَان
3: 21- 5: 21
مع 3: 21 (ولكن الآن) ننتقل إلى مرحلة جديدة في البرهان: الوضع الاسكاتولوجيّ الذي حمله المسيح. وسوف يستعيد الرسولُ ما قاله عن الشريعة في خُلاصة سابقة: ليس البرّ بأعمال الشريعة. فعبر الشريعة هي معرفة الخطيئة (آ 20). ثم: التبرير من دون الشريعة، الذي تشهد له الشريعة. وهكذا لا يكون بولس ضدّ الشريعة، بل ضد اعتبار برّ الله التزاماً لشعب الله بحيث يصبح البرّ «خارج الشريعة» (خارج رباط شعب العهد) غيرَ معقول. لهذا جاء برهان بولس يعارض هذه النظرة: تقدّم ذبيحةُ يسوع وموتُه مقياساً آخر لفهم برّ الله. فالاله الواحد يهتمّ بالأمم كما باليهود من أجل خلاص شامل في التاريخ. والمثال على ذلك هو شخص ابراهيم.
أما الفصول في هذا القسم فترد كما يلي:
1- الإيمان بيسوع المسيح (3: 21- 31)
2- تبرّر ابراهيمُ بإيمانه (4: 1- 8)
3- تبرّر ابراهيم من دون الختان والشريعة (4: 9- 17)
4- إيمان ابراهيم وإيمان المسيحيّ (4: 18- 25)
5- التبرير والخلاص (5: 1- 11)
6- آدم والمسيح (5: 12- 21).
الفصل الثاني عشر
الإيمان بيسوع المسيح
3: 21- 31

نبدأ هنا قسماً جديداً فيه ينتقل بولس من اتهام الجميع، اليهود واليونانيين، ليقدّم إنجيله بكل غناه. ولكن هذا الانتقال لا يعني انقطاعاً في الفكر. لذلك يجب أن نتذكّر السياق السابق إذا أردنا أن نفهم فهماً تاماً عرض بولس لانجيله. هذه النقطة التي تحمل بعض التكرار تقول: إنجيله هو الخبر الطيّب في وضع يصوّره 1: 18- 3: 20، هو خبرُ عمل الله من أجل الانسان، من أجل المؤمن وفي المؤمن، ليجعله مع الله في علاقة قطعها شرُّ الانسان (آدم) ومزّقها شعب اسرائيل حين فهم الشريعة فهماً خاطئاً.
يتوزّع النصّ في مقطعين. الأول: برّ الله في موت يسوع (آ 21- 36). ذاك هو البرهان الحاسم. الثاني: الله إله اليهود والأمم (آ 27- 31). هكذا نستخلص النتيجة من البرهان، بحيث يعرف الشعبُ اليهوديّ موقعَه داخل مخطط الخلاص. المقياس ليس الشريعة، بل الإيمان الذي يبرّر اليهوديّ وغير اليهوديّ.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 22: عبر الإيمان. هناك من يضيف أل التعريف على الاسم. نشير إلى أن العبارة سقطت عرضاً من الكودكس الاسكندرانيّ.
في آ 26، تضيف بعض المخطوطات «المسيح» بعد يسوع، فيصبح النصّ: «يؤمن بيسوع المسيح».
في آ 27، تقرأ بعض المخطوطات الغربية الضمير (سو، فخرك) مع «الفخر». وقد توخّت أن تجعل الحوار واضحاً.
في آ 28، هناك تقليد متين (الفاتيكاني، البازي) يجعل «إذن» (أون) بدل «ف» (غار). ظنّ الناسخ أننا أمام خلاصة: إذن نحن نعتقد.
في آ 29، تحوّل الظرف إلى صفة: «إله اليهود وحدهم» (فقط) صار «الاله الواحد» أو «إله اليهود» (في الفاتيكاني).
ب- بنية النصّ
إن مركزيّة هذا المقطع (آ 21- 31) الذي يوسّع برهانَ بولس، واضحة في عودة اللفظين المفتاحين في الموضوع الأساسيّ في 1: 17: البرّ (ديكايوسيني، 3: 21، 22، 25، 26)، الإيمان (بستيس، 3: 22، 25، 26، 27، 28، 30، 31). والسمة اللافتة هي البنية الشاملة في آ 24- 26 مع اسم الفاعل في بداية آ 24 (ديكايومانوي: مبرَّرون)، وتَوالي الجمل التي تحمل الفكرة ولا توضح ترابط الجمل: بين بعضها أو هي ترتبط بما في آ 25 أ.
هناك بعض الاتّفاق بأن آ 25- 26 أ (صبر الله) هما عبارة سابقة لبولس بسبب وجود أكثر من مراحدة (هيلاستيريون، كفّارة). أدخل بولس «عبر الإيمان»، وكوّن الجملة الثانية من أجل التوازي بين الماضي والحاضر وبين برهان وبرهان. وماذا نقول عن آ 24؟ هل هي أيضاً عبارة سابقة؟ ربّما. وقد يكون كيّفها بولس لكي تدخل في فكره. وهكذا جاءت النتيجة بسيطة: إن موت يسوع الذي هو ذبيحة هيّأها الله بحسب الشريعة، هو وسيلة إلهيّة من أجل امتداد البرّ إلى جميع الذين يؤمنون، بمن فيهم الذين هم خارج الشريعة. نحن هنا أمام اعتراف إيمانٍ في الكنيسة الأولى.
مع آ 27 نعود إلى الأسلوب الجداليّ وإن كانت المواجهة أضعف مع صيغة المتكلّم الجمع (نحن نفتخر). إن خاتمة 3: 20 (تبرير الله لا يفعل بالنظر إلى متطلّبات الشريعة، وهذا ما يدلّ على هويّة اليهوديّ) تكتمل بقول مركزيّ في آ 21- 26: الله يبرّر بالإيمان (آ 28). لم يعد هنا من مكان للافتخار (على مستوى اليهوديّ والأمميّ) كما في 2: 17، 23. لا افتخار بالشريعة على مستوى أعمال تدلّ على أن اليهوديّ هو عضو في شعب الله المختار. بل بالشريعة على مستوى الإيمان (آ 27). هكذا يحافظ هذا الاعتراف الأساسيّ بالله على معناه (آ 29). فالشريعة التي تُفهم على أنها تُميّز اليهوديّ عن الأمميّ، تجعل من الله واهبَ الشريعة، وإلهَ شعب الشريعة وحده. أما الشريعة التي تُفهم بلغة الإيمان، فتعني أن واهب الشريعة هو إله المختونين واللامختونين، لأن برّه لا ينحصر في المختونين بل يمتدّ إلى جميع الذين يؤمنون (آ 30). في هذا الخطّ، الشريعة التي أعطاها الله الواحد (إله اليهود، وإله الأمم) تُفهَم حقاً، تقوم، تثبت (آ 31).

2- تحليل النصّ الكتابيّ (3: 21- 31)
جاء النصّ في مقطعين كبيرين. الأول (آ 21- 26) يتحدّث عن برّ الله في موت يسوع. هذا البرّ ظهر حين نلنا الفداء. والثاني (آ 27- 31) يُفهمنا أنه إن كان التبرير بالإيمان، لا بأعمال الشريعة، فالله الواحد هو إله اليهود وإله الأمم.
أ- برّ الله في موت يسوع (آ 21- 26)
أولاً: ظهر برُّ الله (آ 21- 23)
«ولكن الآن» (نوني دي) (آ 21). هذا ما يميّز أسلوب بولس فيدلّ بعضَ المرات على تعارض منطقيّ (7: 17؛ 1 كور 12: 18؛ 13: 13). نحن هنا أمام انتقال له مدلوله، وأمام تعارض مع ما قيل من قبل (1: 18- 3: 20). انتقال لا قبل وبعد اهتداء الفرد (كما في 6: 22؛ 7: 6؛ كو 1: 22؛ 3: 8)، بل انتقال من حقبة إلى أخرى (على مستوى الزمن، رج 15: 23، 25؛ 2 كور 8: 22؛ فلم 9: 11)، حيث العنصر الجديد الحاسم يحوّل الظروف التي ذُكرت سابقاً (كما في 5: 9- 11؛ 8: 1؛ 11: 30- 31). أي «الآن» الاسكاتولوجيّ.
«من دون (خوريس) الشريعة». هناك توازٍ بين آ 21- 22 وآ 27- 28. وهكذا نجد في آ 28 «بدون أعمال الشريعة». رج 4: 6 (بدون أعمال). هذا يعني: دون أن نحصر نفوسنا في الشريعة بما تقدّمه من ديانة خاصة وأسلوب حياة.
«برّ الله» هو عمله الخلاصيّ من أجل شعبه. ولكن هذا يتمّ من دون الشريعة، وهذا ما يشكّك اليهوديّ الذي يربط بين البرّ والشريعة. «ظهر» (فانيروو). هناك انتقال من تاريخ خلاص في إطار يهوديّ ضيّق إلى تاريخ خلاص يضمّ اليهود والأمم. ليس الكلام عن التجسد، بل عن حدث الخلاص في موت المسيح وقيامته. هذا ما تقوله آ 25؛ 4: 24- 25. وكلّ هذا عُرف في الانجيل (1: 16- 17).
في آ 19- 20 تحدّث بولس عن الشريعة. وهو هنا يذكر «الشريعة والأنبياء». رج مت 11: 13؛ لو 16: 16؛ أع 13: 15؛ 24: 24. إن مخطّط الله يسير مسيرته في الكتب المقدّسة كلها. وهكذا يصل الرسول إلى الانجيل. إن قصد الله الخلاصيّ عبر اسرائيل لا ينحصر في تواصل عرقيّ أو وطنيّ.
هو «برّ الله» (آ 22). لا وجود للفعل هنا، وهذا ما يعطي الجملة الاسميّة قوّتها. «عبر الإيمان». هو إيمان المؤمنين. البرّ يعمل بالإيمان دون الحاجة إلى الشريعة. والإيمان هو الموقف الذي يعارضُ أعمال الشريعة (رج 1: 17). في غل 2: 16 نجد أيضاً التعارض بين «أعمال الشريعة» و«الإيمان»، «كل من يؤمن»، وهكذا يصل قصدُ الله الخلاصيّ وعملُه إلى جميع البشر. الإيمان هو الذي يميّز، لا طقوسُ الشريعة. «لا فرق» بين يهوديّ وأمميّ. لا مكان لتمييز شعب على شعب. وهكذا فُتحت الطريق لعرض إيمان هو الوسيلة الوحيدة لمن يتقبّل برّ الله.
«كلّهم خطئوا» (آ 23). ويتكرّر لفظ «كلّ» (3: 4، 9، 12، 19، 20). استعمل الماضي الناقص، لأن النصّ يدلّ على الدينونة الأخيرة (2: 12) أو على الطابع الشامل لسقطة الانسان (5: 12). «هيستاراين» (نقص) يقابل «باريساواين» (رج 3: 7؛ زاد). رج 1 كور 1: 7؛ 8: 8؛ 12: 24؛ 2 كور 11: 5، 9). ارتبط النقص بمجد الله فلمّح إلى سقطة آدم. مثلُ هذه الفكرة عرفها العالم اليهوديّ. في رؤ موسى (21: 6) يتّهم آدم حواء: «حرمتني من مجد الله». في النهاية سيعود هذا المجد (رؤ موسى 39: 2؛ 1 أخن 50: 1؛ 4 عز 7: 122- 125).
ثانياً: تبرير بالفداء (آ 24- 26)
«ولكن الله» (آ 24). التركيب غامض، ولكن المعنى واضح (آ 24). إن برّ الله يفعل فعله عبر الإيمان بيسوع المسيح. هذا يعني أن الذين خطئوا وحُرموا مجد الله هم الذين تبرّروا (5: 20). صيغة المجهول تدلّ على أن الله هو الذي برّرهم. رج 3: 26؛ 4: 5؛ 8: 33. استُعملت صيغةُ الحاضر لكي تلغي المسافة الزمنيّة بين حقبتين حاسمتين في تاريخ الخلاص: موت يسوع التكفيري (آ 25)، والدينونة الأخيرة (آ 20). كان هذا التبريرُ عطيّة مجانيّة. هو نعمة (خاريس) تدلّ على طابع عمل الله غير المشروط. تحدّث العالمُ اليهوديّ أيضاً عن عهد أعطي بنعمة من عند الله (فيلون، ذبيحة هابيل وقايين 57). ولكن بولس رأى كيف تأثّرت هذه المجانيّة بالشريعة فما عادت واضحة.
«عبر الفداء» (افتداهم). عبر تحرير (آ 25). هناك صورة العبد أو أسير الحرب الذي يحرَّر (يوسيفوس، العاديات 12: 27: ابوليتروسيس). هذا الفداء يتمّ في المسيح يسوع (رج 6: 11، 23؛ 8: 1، 2؛ 9: 1. ترد العبارة 80 مرّة). هو عمل المسيح الحاسم. موته وقيامته. هكذا بدأت حقبةٌ جديدة حدّدها واقعٌ يقول إن يسوع مات وقام. وهذه الحقبة تتميّز أيضاً باستمراريّة سيادة المسيح.
«جعله» (بروتيتيمي). قال أع 2: 23- 24: قتله (اليهود) ولكن الله أقامه. أما هنا فنفهم مبادرة الله في عهد جديد مع موت المسيح وقيامته. «كفّارة». نقرأ فقط في السبعينيّة (هيلاستيريون). رج عب 9: 5؛ 4 مك 17: 22؛ يوسيفوس، العاديات 16: 182. في أساس هذا الكلام نظنّ أن موت يسوع كان ذبيحة. يُذكر هنا دمُ المسيح. إذ لم يكن موتُ المسيح دموياً في التقاليد الأولى، فالكلام عن الدم هنا يُشرح في إطار التقليد اليهوديّ. «دم الذبيحة». نحن أمام طقس عيد التكفير، لا في فلسطين فقط بل في جماعات الشتات (مر 14: 24 وز؛ عب 9: 11- 14؛ 1 بط 1: 19).
مع أن لاهوت الذبيحة غامض في العالم اليهوديّ، نستطيع أن نقول بعض الشيء عن لاهوت الذبيحة عند بولس. (1) استعمالُ اللغة الذبائحيّة للكلام عن موت المسيح. (2) أخذٌ بالصور الذبائحيّة في الكلام عن لاهوت الاستشهاد. (3) مشاركةُ الرسول لنظرة معاصريه وقرّائه (رج 3: 25؛ 4: 25؛ 8: 3): إن ذبيحة الخطيئة ترتبط بالخطيئة. فخبرُ الذبيحة يرتبط، في معنى أو في آخر، بالخطيئة، أو يبعد خطيئة الذابح. إن ذبيحة الخطيئة تمثّل المقدّم في خطيئته، الخاطئ على أنه خاطئ. ذاك هو مدلول ما يفعله مقدّمُ الذبيحة حين يضع يديه على رأس الذبيحة (لا 4: 4، 15، 24، 29، 33). وهكذا يتماهى الخاطئ مع حيوان الذبيحة أو يدلّ على أن هذا الحيوان يمثّله. بمثل هذا الفهم نكتشف المعنى الكافي «للتبادل» في الذبيحة، الذي هو سمة أساسيّة لفهم بولس لموت يسوع. يحيا الخاطئ وتموت امكانية الخطيئة. هذا يعني أن خطيئة الخاطئ انتقلت إلى ذبيحة لا خطيئة فيها، وحياة الذبيحة التي لا خطيئة فيها انتقلت إلى الخاطئ (2 كور 5: 21؛ روم 8: 3؛ غل 3: 13؛ 4: 4).
«بالإيمان». في العهد، يتطلّع اليهوديّ إلى أعمال الشريعة، إلى فعل التكفير. أما بولس فشدّد على الإيمان الذي لا يرتبط بممارسة عباديّة، بل يكون قبولاً لذبيحة حاسمة هيّأها الله، «ليظهر برَّه». نحن هنا أمام عمل الله تجاه الذين التزم معهم (1: 17؛ 3: 5). وهو يُظهر برّه حين يقدِّم ذبيحة تُتمّ عهده مع اسرائيل (ذبيحة خطيئة، 8: 3). وعارُ موت الصليب يمكن أن يقدَّم على أنه تعبير عن نعمة الله الخلاصيّة، وهكذا نكون أمام مثَل به يحوّل الانجيلُ قيماً بشريّة عاديّة.
«باراسيس»: التغاضي. نحن على المستوى القانونيّ. ترك (الله) الخطيئةَ وما فرض العقاب. عفى الانسان ممّا عليه. ما هي العلاقة بين «ظهر» و«تغاضى»، سواء تطلّع بولس إلى الماضي أو إلى الحاضر، سواء كان الغفران موقتاً أو مؤخّراً؟ ساعة كان النظام الذبائحيّ طريقة شرعيّة للتعامل مع الخطيئة في الماضي، فهو لا يشكّل جواباً كافياً لمسألة الخطيئة والخطأ. وحدها ذبيحةُ المسيح تستطيع أن تفعل ذلك (مع قيامته، تزول قوّةُ الخطيئة بالاتحاد به). ولكن في أيّة لغّة تحدّث بولس عن شرعيّة الذبيحة في الماضي؟ هل لها قيمة موقّتة؟ هل عُلّق الحكم إلى مجيء المسيح حيث موتُ المسيح هو وحده الذبيحة الفاعلة (عب 9: 25- 26؛ 10: 12، 14)؟ أو هل نظر إلى هذه الذبيحة كفاعلة في الماضي، ولكنها لم تعد ضروريّة بالنظر إلى فاعليّة موت المسيح؟ كل هذه الأسئلة تبقى بدون حلّ. ويبقى أن بولس أراد أن يستعمل لغة يفهمها قرّاؤه، دون العودة إلى اللغة الذبائحيّة كما في العالم اليهوديّ.
«في صبر الله» (آ 26). هذا يعني أن الله لم يُسرع في عقاب الخطايا الذي اقترفها شعبُ العهد في الحقبة السابقة. مثلُ هذا القول يبدو غريباً في أذن يهوديّة. رج خر 34: 6- 7. كما يعارض مفهوم غضب الله. «يُظهر برّه في الزمن الحاضر». تتكرّر العبارةُ عمداً كما في آ 25 ب. فموتُ المسيح يشكّل محور التاريخ مع برّ الله الذي يفعل في الماضي وفي المستقبل. «كايروس». لا يعني وقتاً في الزمن ولا عبورَ الزمن، بل وقتاً مليئاً بالمدلول، الوقت المحدّد، الوقت المؤاتي الذي فيه تحدّد القراراتُ والأعمالُ المستقبلَ. رج 13: 11؛ 1 كور 7: 29؛ 2 كور 6: 2؛ غل 6: 10. «الزمن الحاضر» هو الزمن الاسكاتولوجي (8: 18؛ 11: 5؛ 2 كور 6: 2). يقع بين موت المسيح وقيامته، والتتمة أي الزمن الذي فيه تتحقّق المواعيدُ تحقّقاً كاملاً.
الله بار، عادل، لا لأن عمله يوافق مثالَ برِّ وعدالة، بل لأنه يُتمّ ما أخذه على نفسه بالنظر إلى عهده مع شعبه. وبما أن النصّ يعود بشكل مباشر (أو غير مباشر) إلى موت يسوع ككفّارة، فهذا يعني أن موت يسوع الذبائحيّ كان طريقةَ الله في التعامل مع خطيئة شعبه (هل تغاضى؟ هل عمل حسب عهده؟). «ويبرّر». يصل التبرير إلى «من يؤمن بيسوع». هذا ما لم يعرفه العهدُ الأول. ما أراد بولس أن يبيّنه، هو أن في موت المسيح تمّ العهدُ القديم وتوسّع. فعاملُ الوحدة والتواصل هو موت يسوع كذبيحة والإيمان بيسوع هذا. لا موت يسوع وحسب، بل موته كذبيحة في إطار العهد. ولا الإيمان وحسب، بل الإيمان بيسوع الذي فيه وصلت الظروفُ إلى كمالها. وكما قالت غل 3، موت يسوع وواقع قيامته الحاضر، أتمّا العهد الموعود به، وفتحا الطريق للأمم دون خسران طابع العهد الذي وُعد به.
استعمل بولس هنا اسم «يسوع» وحده. هذا ما نجده في مقاطع تعود إلى موت المسيح وقيامته (8: 11؛ 2 كور 4: 10- 11، 14؛ غل 6: 17؛ 1 تس 1: 10). «من يؤمن». هو ذاك الذي حياتُه حدّدها فعل إيمان (وثقة) بيسوع (الربّ). وهذا ما يميّز موقف الاستسلام ليسوع. رج 4: 16؛ غل 3: 7، 9.
ب- الله إله اليهود والأمم (آ 27- 31)
أولاً: لا بالأعمال، بل بالإيمان (آ 27- 29)
«أين الفخر» (آ 27)؟ التلميح إلى 2: 17- 23 واضح. ما ينظر إليه بولس، ليس ثقة الانسان التقيّ بنفسه. فبولس يهاجم اليهوديّ كيهوديّ لأنه يستند إلى نفسه. كما يهاجم الافتخار بالله على أنه إله اسرائيل، وبالشريعة التي تفصل اليهود عن الأمم. الهجوم يصيب الافتخار بالشريعة ولا يصيب التوراة التي هي كلام الله. رج 15: 17 حيث يتخذ الافتخار معنى إيجابياً.
صار هذا الافتخار غير ممكن. استُبعد (غل 4: 17). صيغة المجهول تدلّ على الله: إن موت المسيح كتكفير، بدّل علاقة الله بالخطيئة حين حطّم العلاقة مع اسرائيل إذ صار يوم التكفير طقساً خاصاً ومميّزاً في الشريعة اليهوديّة. وفي الحاضر الاسكاتولوجيّ، موتُ المسيح التكفيريّ يدلّ على أن برّ الله هو لكل من يؤمن. هكذا لم يعد من مجال للافتخار. «بأي شريعة»؟ شريعة الإيمان أو مبدأ الإيمان. رج 7: 21، 23؛ 8: 2؛ غل 6: 2. شريعة الأعمال تدلّ على التوراة ومتطلّباتها. فالسؤال المطروح: أي فهم للشريعة هو هذا الفهم؟
«الأعمال». مفتاح الشرح هنا يقع في ثلاثة أقوال تجمع في الفكر اليهوديّ بين الفخر الوطنيّ بشعب العهد، بالشريعة كسبب لهذا الافتخار، بأعمال الشريعة كتعبير عن ارتباط اليهود بالههم وشريعته. لسنا هنا أمام الأعمال الصالحة (استُبعد الفخر بسبب عدم كفاية الأعمال الصالحة)، بل أمام أعمال تدلّ على ما يطلب العهد وما يميّزه. مثل هذه الشريعة إن حُفظت (فل 3: 6) لا تستبعد الافتخار.
«بشريعة الإيمان». هي التوراة (نوموس). لا يعني الرسول الشريعة كشاهدة للإيمان، ولا تلك التي تحثّ على الإيمان، ولا تلك التي تنحصر في بعض أعمال طقسيّة، ولا الشريعة في المعنى المتاويّ (مت 5: 17- 20؛ غل 6: 2). ينظر بولس إلى الشريعة في حدّ ذاتها، إلى الشريعة ككلّ. الشريعة التي تُفهم بلغة الإيمان. هناك طريقتان للنظر إلى الشريعة: حين نفهمها بلغة الأعمال، فهي تميّز اليهوديّ ولا سيّما على مستوى الختان. وحين نفهمها بلغة الإيمان، لا يعود لها الطابع اليهوديّ. والأعمال تصبح ثانويّة، ولا يمكن أن تُطلَب من الأمميّ دون أن تسيء إلى طابع إيمانه. شريعة الإيمان هي التي تتوجّه إلى الإيمان وتتمّ في الإيمان.
«فنحن نعتقد» (آ 28؛ رج غل 2: 16). نحن نقرّ، نعرف. داخل الجماعات المسيحيّة، هناك الاعتقاد والنتائج العمليّة، لا مجرّد قرار في العقل (6: 11؛ 14: 14). أعمال الشريعة هي خاصة باليهوديّ، تجعل حدوداً بينه وبين الأمميّ. أما الإيمان فهو الذي يحمل التبرير.
وتطرح آ 29 السؤال: هل الله هو إله اليهود وحدهم؟ ويأتي الجواب: بل إله الأمم أيضاً. تشير الشريعة إلى اليهود كواعين أنهم شعب الله ومميّزين عن «الأمم». هذا يعكس ما قرأناه في 2: 12- 14. يستغلّ بولس الانشداد في الفكر اليهوديّ بين الله الخالق (إذن، ربّ الجميع) والله ربّ اسرائيل. هنا نقرأ رابي شمعون بن يوحاي: «تكلّم الربّ إلى بني اسرائيل: أنا الله فوق كل ما جاء إلى العالم. ولكن باسمي جُمعتُ فقط معكم. لا أسمّي نفسي إله أمم العالم، بل إله اسرائيل». رج 1 أخن 48: 2؛ يوب 15: 31- 32. هناك نصوص تقول إن الله سلّم الأمم إلى الملائكة، ولكنه احتفظ باسرائيل لنفسه (تث 32: 8- 9؛ سي 17: 17). فالعلاقة الخاصة بالله، تلغي شموليّة عبادة الله الواحد. والتبرير بالإيمان (آ 30) هو أكبر ضمان لمونوتاوية (عبادة الله الواحد) شاملة.
ثانياً: فالله واحد (آ 30- 31)
ليس هناك إلهان، واحد لليهود وآخر للأمم. بل هو واحد، كما يقول قانون الإيمان في شعب اسرائيل (تث 6: 4؛ رج مر 12: 29؛ 1 كور 8: 6؛ يع 2: 19). عاد بولس إلى الله الخالق، فتجاوز تاريخ الخلاص في اسرائيل (اختاره الله)، ليتحدّث عن خلاص يجمع البشريّة ولا ينحصر في اختيار شعب واحد.
«لأن الله واحد» (آ 30). أسلوب هذا الاله في العمل هو واحد. موقفه الأساسيّ واحد. وعلاقته بالبشريّة واحدة: الإيمان. بالنسبة إلى المختون وبالنسبة إلى اللامختون. ذاك هو ارتباط الخليقة بالخالق. وهذا يصوَّر أيضاً كالإيمان بيسوع، لأن موته يعلن أن الله هو الفادي وهو الخالق ويفتح الطريق إلى نداء يتجاوز اسرائيل بحسب الجسد. ولكنه يصوَّر فقط كإيمان لأنه ارتباط الخليقة بمن هو الخالق وبمن هو الديّان.
«نبطل الشريعة» (آ 31). نحن هنا في خاتمة آ 27- 31، وفي بداية ف 4 مع إيمان ابراهيم وأمانته. الفعل «كاترغايو»: ألغى، أبعد. هو يقابل «هستانو»: ثبّت، أكّد. في العبريّة: «ب ط ل» (أبطل) و«ق و م» (أقام، أتمّ). قد يكون «اليهودي» رأى بولس يدمّر الشريعة، لأن الشريعة ترتبط بهويّته كيهوديّ وتدلّ على أن شعبه مميّز. هذا ما نقرأ في 4 مك 5: 25: «بما أننا نعرف أن الشريعة أقامها الله، نعرف في طبيعة الأشياء أن خالق الكون حين أعطانا الشريعة دلّ على تعاطفه معنا». وحين يُلغي بولس الرباط الخاص بين اسرائيل والشريعة، فهل يجعل الشريعة نافلة وبدون قيمة؟ «كلا». حاشا وكلاّ. لا سمح الله. «نُثبت الشريعة». نقيم الشريعة. نجعلها في موقعها الحقيقيّ عبر الإيمان. ما أراد بولس أن يتصرّف وكأن الشريعة لم تكن. بل حين ثبّتها في وجهها الشامل، ثبّتها في وظيفتها الحقّة. توجّهت إلى الإيمان، لا إلى الأعمال، فاقتادت البشر إلى الخالق، ولم تفصل اسرائيل عن الأمم. وهكذا برز دورُ الشريعة في العهد الاسكاتولوجيّ (الزمن الحاضر). حين نُقرّ بدور الشريعة الشامل، فهي تستطيع أن تُتمّ دورها الخاص، على أنها كلمة الخالق لخلائقه حين يطلب منهم جواب الخليقة فيدينهم جميعاً، يهوداً وأمماً. تلك هي «شريعة الإيمان» (3: 27). لا، ما أراد بولس أن يلغي الشريعة، بل وظيفتها حين تفصلُ اليهوديّ عن غير اليهوديّ.

3- خلاصة لاهوتيّة
أ- برّ الله في موت يسوع
مع الأداة «الآن» (آ 21) نفهم أن بولس انطلق في توسّع جديد، على مستوى الخلاص الاسكاتولوجيّ، وهو الوقت الذي فيه يحقّق الله قصدَه الأخير من أجل اسرائيل ومن أجل البشريّة (2 كور 6: 2). أما صيغة الكامل، فتدلّ على أن الوضع الجديد بدأ بعمل حاسم في الماضي، وما زال تأثيره حاضراً. لقد جعل الله برّه منظوراً في العمل، وهو ظاهر الآن. وهذا العمل المفارق هو برّ الله الذي كُشف في يسوع المسيح: تمّ خلاص الله عبر يسوع المسيح، فوجّهَنا إلى الإيمان بيسوع المسيح.
هذه الفكرة ليست بغريبة على اليهوديّ، لأن عمل خلاص الله الاسكاتولوجيّ يرتبط بمجيء المسيح (اش 11: 5؛ 42: 6؛ 61: 3). ولكن بولس ميَّز فهمه لبرّ الله حين وضع العبارة التالية: «من دون الشريعة». أجل، لا حاجة بعدُ إلى الشريعة، والشريعة كما يفهمها اليهوديّ. والوضع الجديد يتّضح حين نعلن أن الله خلّصنا بيسوع المسيح، لا لأننا يهود. لم نعد في إطار تحدّده الشريعة، بل ارتبطنا بعمل يسوع المسيح.
ولكن حين ألغى بولس الرباط بين برّ الله والشريعة، كما يفهمها اليهوديّ في عصره، عجّل فشدّد على التواصل بين انجيله حول برّ الله والشريعة (أو التوراة). هذا ما قاله في البداية: «انجيل الله الذي وَعد به في الأنبياء» (1: 2). وهكذا أوضح الرسول أن الشريعة تتمّ حين تُفهَم داخل الكتب المقدّسة كلها، فتضمّ إليها الأنبياء. هذا ما كان في الماضي، وهو الآن أيضاً (صيغة الحاضر). فالشريعة لا تُعطي فقط معرفة الخطيئة، بل تشهد أيضاً للانجيل. إن تفسير «من دون الشريعة» الذي ينسى أن الشريعة تحمل شهادة، هو ناتج عن تصوّر خاطئ لبرّ الله.
مع آ 22، «برّ الله» (تتكرّر) هو برّ الله عبر الإيمان... إلى الإيمان (1: 17). وهذا الإيمان هو إيمان بيسوع المسيح. أي الإيمان الموجّه إلى يسوع المسيح (الأمين) كموضوعه. هذا يعني استسلام المؤمن للمسيح، الطاعة له. إن أساس العلاقة بالمسيح لا يرتبط بطقس خاص، بل يتوجّه بشكل مباشر إلى المسيح القائم من الموت، بدلاً من أن يستند إلى الشريعة، إلى أعمال الشريعة. ولما حدّد بولسُ أولئك الذين يشاركون في هذه العلاقة مع المسيح على أنهم «يؤمنون»، أكّد أن الإيمان ولا شيء آخر يميّز مجموعة المسيحيّين الأوّلين (لا الشريعة). هذا الموقف هو بداية العلاقة مع المسيح، وهو يتواصل طوال الحياة (غل 3: 2- 3).
تكرّر لفظ «كل» (آ 23) فقادنا إلى معترضة في 22 ج- 23: لا تمييز. كلّهم خطئوا، كلّهم حرموا. اليهود والأمم. إذاً، تجاه «كل الذين آمنوا». ليس هناك طريقان للخلاص، واحد لليهوديّ وآخر للأمميّ. كلهم خطئوا، ونتيجة الخطيئة ما زالت حاضرة. وذلك منذ آدم الذي خسر المجد الذي كان له منذ البداية. أترى اليهوديّ لا يرتبط بآدم؟ هل يريد أن يتخلّص من وضعه كخليقة؟
وتستعيد آ 24 العرض عن «برّ الله» (آ 22). الله برّرهم الآن (صيغة الحاضر)، فارتبطوا به برباط سيظهر كاملاً في ذلك اليوم (فل 1: 6). برّرهم بنعمته، بالإيمان. وعملُه هو عطيّة مجانيّة. هو نعمة على أساس الفداء الذي في يسوع المسيح. ومع الفدية كان كلام عن التكفير (آ 25). والتكفير بالدمّ. والله هو الذي قدّم المسيح «كوسيلة تكفير». ويوضح بولس لاهوته فيقول إن موت المسيح الذبائحيّ يرتبط بالماضي وبالحاضر. فمخطّطُ ذبيحة المسيح التكفيريّة توخّى قبل كل شيء، أن يبرهن عن عمل الله الخلاصيّ: بصبره لم يعاقب الخطيئة. كان ذلك بالنسبة إلى اسرائيل. ويكون بالنسبة إلى الأمم.
ثمّ إن موت المسيح التكفيريّ بيَّن برّ الله في الزمن الحاضر (آ 26)، بحيث يبرّر كلَّ من يؤمن بيسوع. فموت يسوع فاعلٌ في الخطيئة الحاضرة. لأن التماهي بين يسوع والمؤمن، يعني أن موت المسيح تعامل مع خطايا المؤمن فدمّر قوّة الخطيئة عندَ من هو «في المسيح». وفي الوقت عينه، بيَّن أن برّ الله (وهدفه الخلاصيّ الناجع) يتعامل الآن مع قوّة الخطيئة، ويدمّر الموت، ويعيد بناء الوحدة مع الله بالنسبة إلى ذاك الذي تماهى مع المسيح الذي مات وقام، فسلّم نفسه إليه.
تحمل آ 21- 26 مدلولاً خاصاً في برهان بولس كما توسّع به في إنجيله. كرّر لفظ «البرّ» ولفظ «الإيمان». وإذ رأى جميعَ البشر تحت الخطيئة، تكلّم عن يسوع كفدية وذبيحة تكفيريّة. ثم إن عمل الله الخلاصيّ هو في تواصل تام مع الوعد لاسرائيل. ونحن ننعم ببرّ الله بواسطة الإيمان. نحن واثقون أن فدية المسيح وذبيحته التكفيرية ناجعتان. كما نثق بيسوع نفسه. وبما أن الجميع يحتاجون إلى برّ الله، فالطريق هي واحدة، طريق الإيمان.
ب- الله إله اليهود والأمم
في آ 27- 31 نفهم أن الإيمان هو فهم خاص للشريعة (آ 27)، والإيمان هو أساس لا غنى عنه للعمل بالشريعة. «فأين الفخر». هذا ما يعود بنا إلى اليهوديّ الفخور بالاختيار والشريعة (2: 17، 23). هذا هو الواقع اليهوديّ. ولكن بولس يعلن أن عمل الله الخلاصيّ يتوجّه إلى كل من يؤمن، ولا يميّز (آ 22). هذا ما يدفعنا إلى الشكر والثقة. فموت المسيح يُلقي بضوئه على الشريعة. إذن، لا مجال للفخر. فالثقة لا تكون لأننا ننتمي إلى الشعب المختار. الثقة الحقّة بالله تقوم في التعلّق المتواضع بعمل الله الخلاصيّ عبر المسيح.
هل نستند بعد إلى شريعة الأعمال؟ لقد استُبعد أيضاً مثلُ هذا السند. هنا نلاحظ أن بولس لا يعارض الإيمان بالشريعة، بل الإيمان وأعمال الشريعة. ويمكن أن نصوّر الإيمان بلغة الشريعة فنقول «شريعة الإيمان» (1: 5). فبولس يرى انجيلَه في تواصل تام مع وحيٍ وهبَه الله لاسرائيل، ومع الشريعة. ولكن اسرائيل فهم الشريعة فهما خاطئاً، وهذا ما يجب أن يُلغى.
ويأتي شرح ما في آ 27 في آ 28: الانسان يتبرّر بالإيمان. اليهوديّ والأمميّ معاً. ولكن إذا كان الانسان يتبرّر بالإيمان، وبدون أعمال الشريعة، فما معنى اختيار الله لاسرائيل وإعطائه الشريعة من دون البشر؟ هنا لا بدّ من التمييز بين أعمال الشريعة وتتمة الشريعة.
فموقف أعمال الشريعة، يصل بنا إلى القول بأن الله هو فقط إله اليهود، لا إله الأمم (آ 29- 30). إن كان الله رضي عن اسرائيل، فهو أيضاً يحسب حساب الأمم. الله واحد هو. إنه خالق جميع البشر، ويبرّرهم جميعاً. فإن لم يبرّر الله البشريّة كلها، فلا يمكن أن يُحسَب إله اليهود وإله الوثنيّين. ترك بولس قول اليهود مع الاعتداد بحقوقهم قدّام الله، وعاد إلى مبادئ تتفرّع من انجيله حول الاله الخالق الذي يحفظ خليقته كلَّها في الوجود.
ويتلخّص برهان هذا المقطع في آ 31: علاقة الشريعة بالإيمان هي تلك التي أراد بولس أن يوضحها. طرح السؤال: هل تبطل الشريعةُ بالإيمان؟ هذا ما ظنّه عدد من اليهود الذين ماهوا الشريعة مع نظرة وطنيّة. أجاب بولس بأن الإيمان يلغي الشريعة إذا كانت فقط شريعة اليهوديّ وشريعة الأعمال (ولا سيّما الختان). ولكن إن حُسبت «شريعة الإيمان» فتوجّهت إلى الأمم أيضاً، فهو تقوم وتكون شرعيّتها ثابتة. فالله لا يلغي عطيّة الشريعة لليهود، بل يبيّن أن هذه العطيّة تصل إلى الأمم أيضاً. وتُفهم هذه الشريعةُ فهماً حقيقياً حين يستطيع الأمميّ أن يعمل بها، شأنه شأن اليهوديّ، دون أن يصبح يهودياً. وهذا يكون بالإيمان. توخّى برهانُ بولس أن يقطع الطريق على اليهوديّ الذي يريد أن يحتفظ بالشريعة لنفسه، ويؤكّد أن وحي الله قدِّم في كتبٍ مقدّسة تمّت في المسيح.

الخاتمة
تلك كانت مسيرة بولس حتّى الآن: كشفَ الله برّه فما تقبَّله البشر. فسمع الوثنيّون صوت الخليقة تُحدّثهم عن الخالق، وصوتَ ضميرهم يَدلّهم إلى الخير. أما اليهود الذين وهبهم الله شريعته (وكلمته)، فقد جعلوا منها أداة لكي يبرّروا نفوسهم دون أن ينتظروا تبريرهم من الله. فالكتاب بيّن أن لابارَّ سوى الله، كما بيّن للانسان خطيئته. وهذا أيضاً لم يسمعه البشر. عندئذ طُرح السؤال الأخير: كيف يتحقّق برّ الله الذي أعلن أنه كلمة الله الحاسمة، بحيث يُصبح حقيقةً تدرك الانسان؟ فكان الجواب: برّ الله هو وحي. هو برّ المخلّص لا برّ الديّان. وتأتي الشريعة بعد ذلك فترافق الانسان المخلّص. وهذا البرّ هو بالإيمان، ويقدَّم للجميع دون أن يكون مُلك أحد. فنحن لا نستطيع أن نقول إننا نمتلك الإيمان. وبما أن الجميع خطئوا، فجميعهم يحتاجون إلى الإيمان. وإن هم لبثوا على الخطيئة حُرموا مجد الله. غير أنهم يبرَّرون بنعمة الفادي بحيث يكون التبريرُ جواب النعمة على شقاء الانسان.
الفصل الثالث عشر
تبرّر ابراهيمُ بإيمانه
4: 1- 8

بعد أن برهن الرسول عن دور الإيمان بالنسبة إلى الشريعة، ها هو يعطي مثلاً في شخص ابراهيم الذي تبرّر بإيمانه، لا بأعمال الشريعة. كان التقليدُ اليهوديّ قد رأى في ابراهيم نموذجَ المبرَّر بأعماله. لقد كان أميناً لله، وثابتاً في المحن التي تعرّض لها. أما بولس فعاد إلى إيمان ابراهيم كما في تك 12: 1 ليكتشف مبدأ برّه وأعماله كما في الرسالة إلى العبرانيّين (11: 8- 9 ). الفصل الرابع في روم (آ 1- 25) يتحدّث كله عن ابراهيم. أما نحن فقسمناه ثلاثة أقسام. وها نحن نتعرّف إلى أبي الآباء الذي تبرّر بإيمانه.

1- دراسة النصّ وبنيته
نعالج هنا ف 25 كله، بحيث لا نعود في الفصلين اللاحقين إلى ما سوف نتوسّع فيه هنا.
أ- دراسة النصّ
في آ 1 تقرأ الترجمات «باتارا» بدل «بروباتور»: أبينا. غاب الفعل «أوراكيناي» من الفاتيكاني (ما جرى له)، فاعتبر بعضهم أنه لا ينتمي إلى النصّ.
في آ9، أضيف «مونون» كما في آ 12، 16 (ليس فقط)، وذلك في النسخات الغربيّة.
في آ 11، ألغي العطف «كاي» (الواو) في عدد من المخطوطات. هناك انشداد في فكر بولس بين أولويّة مستمرّة لاسرائيل في مخطّط الله واعتقاده بأن العهد أعطيَ للأمم أيضاً: «اليهوديّ أولاً وأيضاً الأمميّ».
في آ 18 أضاف 09، 010، 011. عبارة أخذها من تك 22: 17: «مثل كواكب السماء ورمل البحر»، وأضافها إلى تك 15: 5 الواردة هنا.
في آ 19 جعل النصّ الغربي النافية أمام فعل «كاتانوئيسن»: كان ابراهيم قوياً في الإيمان، فما ضعف... إن إيمان ابراهيم حسبَ حسابَ الظروف الحاليّة.
في آ 22، هناك «كاي» (الواو) أو «ديو» لذلك، مع «لذلك». نبدأ الاستنتاج، ولهذا نحافظ على هذه الأداة.
ب- بنية النصّ
إن تواصل الفكرة والشك مع القسم السابق يظهر بوضوح مع «تبرّر بأعماله» (آ 2). ولكن هذا المخرج ليس فقط نظرياً: كيف يُثبت الإيمانُ الشريعة (3: 31)؟ بل هو عرضٌ للموضوع الأساسيّ في البرهان (كما لُخّص في 3: 28): الله يبرّر عبر الإيمان، اليهوديّ والأمميّ، ولا يحصر برّه الخلاصيّ بالمختونين. في هذا المجال، يقدّم ابراهيم حالة نموذجيّة ساعة فهمه العالمُ اليهوديّ كمثال أوّل لليهوديّ التقيّ الذي دلّ على أمانته للعهد حين حفظ الشريعة فحُسب باراً. قرّر بولس أن يركّز على تك 15: 6، لأنه رأى فيه الطريق ليكون مفهوماً في العالم اليهوديّ، فيصوَّر برّاً يسيرُ مع الأمانة لإله العهد. هو بُعدٌ أساسيّ في تاريخ الخلاص. فابراهيم في ف 4 ليس فقط مثالاً عن «الخاطئ المبرّر»، بل هو الأول في شعب الله. هناك من رأى قبل وبعد 3: 26 وشدّد على عدم التواصل. ولكننا لا نستطيع أن ننكر التواصل في برّ الله (الأمانة) في الحقبة الممتدة من ابراهيم إلى المسيح (أخِذ الموضوع من العهد القديم).
إن عرض تك 15: 6 في ف 4 يشكّل أفضل مثَل عن مدراش يهوديّ قريب منا في هذا المجال. هناك من قال بوجود هذا المدراش قبل بولس، ولكن يبدو أن بولس ألّفه بعد أن تبع نموذجاً من الوعظ التقليديّ، وضمّ إليه مواد عرفها العالم اليهوديّ (خصوصاً آ 13- 22)، وتوسّع فيها فيلون والرسالة إلى العبرانيّين (ف 11). بالإضافة إلى ذلك، أراد يع 2: 18- 24 أن يقدّم برهاناً مقابلاً لما في 3: 27- 4: 25، فقدّم لنا برهاناً آخر عن فهم تك 15: 6 مع كلام عن «أعمال» فُهمت الآن على أنها أعمال صالحة.
ونقدّم لوحة تقابل رسالة يعقوب مع الرسالة إلى رومة
روم يع
بين الإيمان والأعمال 3: 27- 28 2: 18
معنى القول: الله واحد 3: 29- 30 2: 19
ابراهيم كشاهد 4: 1- 2 2: 20- 22
ايراد تك 15: 6 4: 3 2: 20- 22
تفسير تك 15: 6 4: 4- 21 2: 3
الخاتمة 4: 22 2: 24
إن العرض الخاص في آ 3- 22 يحيط به إيرادٌ واضح (آ 3، 22) مع إيرادات (أو صدى وتلميح) داخل المدراش (آ 5، 6، 9، 11، 17، 18). وهو يتكوّن من شرح بولس لفعلين مفتاحين: «إلوغيستي» (حُسب). «ابيستوسان» (آمن). وما يميّز الشكل المدراشي هو استعمال مز 32: 1 لإيضاح نصّ من التوراة (آ 3، 7- 8) والمجيء بـ تك 17: 5 في العرض (آ 17) ليكون ابراهيم حاضراً في الموضوع الرئيسيّ (آ 1، 11- 12، 16- 18).
يقع المدراش داخل مراحل واضحة، وكلُّ مرحلة ترتبط بالكلمات التي هي في أساس الموضوع (الإيمان، الوعد) والتي تظهر خارج المرحلة التي تسيطر فيها.
آ 1- 2 مقدّمة الأسلوب الجدالي يتواصل.
آ 3 النصّ الذي سيُشرح: آمن ابراهيم بالله فحُسب له إيمانه براً.
آ 4- 8 معنى «حُسب».
آ 4- 5 في منطق العلاقة بين الله والانسان
آ 6- 8 مع استعمال مز 32: 1.
آ 9- 21 معنى «آمن».
آ 9- 12 ترتيب الأحداث، في وضع ابراهيم.
آ 13- 17 علاقة الإيمان بالوعد، في وضع ابر اهيم.
آ 17- 21 في طابع إيمان ابراهيم.
آ 22 خاتمة. النصّ الذي شُرح.
آ 23- 25 استنتاج: تطبيق أوسع لما فُهم من النصّ.
إن آ 24- 25 تستعملان عبارات تقليديّة، فتشدّدان على وظيفة موت المسيح الخلاصيّ (3: 25- 26) وعلى القيامة (1: 3- 4). كما تُعدّان القارئ إلى وجهتَي مسيرة الخلاص كما نتتبعهما في الفصول اللاحقة (5: 12- 21).

2- تحليل النصّ الكتابيّ (4: 1- 8)
يتوزّع النصّ في مقطعين. في الأول (آ 1- 3 ) يقدّم لنا بولس إيمان ابراهيم، ويعود إلى الكتاب المقدّس ليبرهن به لليهود نظرته إلى البرّ. في الثاني (آ 4- 8) يتوقّف الرسول عند فعل «حُسب». من الذي يحسبه الله باراً؟ والجواب: ذاك الذي يؤمن.
أ- المقدّمة والنصّ الكتابيّ (آ 1- 3)
«ماذا نقول» (آ 1). رج 3: 5. ليس الموضوع تبيان الحقيقة في حدّ ذاتها، كما نقرأها في 3: 31، بل بناء خاتمة ترتبط بكل 3: 27- 31. «وجد» أي وجد حظوة، نعمة. ترد العبارة 13مرّة في تك و4 مرّات في خر، 6 مرّات في 1 صم، 7 مرّات في سي. رج تث 24: 1؛ دا 3: 38؛ با 1: 12؛ 1 مك 11: 24. أراد ابراهيم أن يجد حظوة لدى الله (تك 18: 3).
«ابراهيم أبينا». ابراهيم هو أبو النسل اليهوديّ بسبب مكانته داخل تاريخ الخلاص (تك 12- 24). بين مؤسّسي الشعب، اتّخذ لقب «الأب» (يوسيفوس، الحرب 5: 38). ودُعي اسرائيلُ زرعَ ابراهيم (مز 105: 6؛ إش 41: 8). اعتبره العالم اليهوديّ في علاقة حميمة مع الربّ. هو «خليل الله» (2 أخ 20: 7؛ اش 41: 8؛ ق يوب 19: 9؛ فيلون، ابراهيم 273؛ يع 2: 23). حين يقول بولس «أبينا»، فقد يعني علاقته باليهود وحدهم (الحوار مع اليهودي) أو بالأمم أيضاً. «حسب الجسد». حسب اللحم والدم. نحن هنا في إطار أعمال الشريعة مع الختان.
«لو بُرِّر» (آ 2). لا يتحدّث بولس عن أعمال صالحة عملها ابراهيم، بل عن طاعته وأمانته لله. هنا يهاجم بولس طريقة التفكير اليهوديّ بالنسبة إلى ابراهيم. بما أنه أبو الأمّة، وخليل الله، فهو نموذج اليهوديّ التقيّ. وقد قيل عنه أنه مارس الشريعة التي لم تكن بعد مكتوبة (تك 26: 5؛ ق يوب 16: 28؛ 24: 11). حُسب ابراهيم خليل الله لأنه حفظ وصايا الله (وثص 3: 2)، وامتُحن ابراهيم أكثر من مرّة وخرج من المحنة منتصراً (يوب 17: 15، 18؛ 18: 16؛ 19: 8؛ يوسيفوس، العاديات 1: 223- 225؛ رج سي 44: 19- 21).
حين قدّم بولس هذا المقطع فكّر في مثل هذه المواضيع: ابونا ابراهيم، أولويّته، حفظُه للشريعة. العهد. اللحم والدم (أو الجسد). البركة التي وُعدتْ بها الأمم. الزرع أو النسل. ولكن يختلف بولس عن ابن سيراخ. ففي نظر ابن سيراخ، العهد الموعود به في بركة للأمم، ينتج عن أمانة ابراهيم، ويفترض تفوّق اسرائيل. غير أن بولس يقرأ التقليد عينه من وجهة مختلفة (4: 9- 21)، منطلقاً ممّا قاله ابن سيراخ.
ويوجز الرسولُ الموضوعَ الذي عرضه العالم اليهوديّ، مع «الأعمال» و«الافتخار». كما امتُحن ابراهيم، كذلك امتُحن اليهود في زمن المكابيّين، فظلّوا أمناء لله، ولبثوا في الحقبة الرومانيّة زرْعَ ابراهيم وأبناء اسرائيل وشعب الشريعة (الختان، طعام بحسب الشريعة، حفظ السبت). للوهلة الأولى، بدا كلام بولس وكأن هذا الافتخار أمام الله أمرٌ مسموح به، ولكنه جعله كفرضيّة لينكر إنكاراً تاماً التأكيد المركزي: لا مكان لهذا الافتخار، لأن البرّ لا يأتي من الأعمال. وهكذا رفض بولس التفسير اليهوديّ لحياة ابراهيم.
«يقول الكتاب» (آ 3). أي الكتب المقدّسة دون أن تحدَّد بعدُ اللائحةُ القانونيّة. نحن أمام متطلّبات كلام الله التي ستُسند برهان بولس. هكذا يكون تواصل بين إيمان ابراهيم والإيمان الذي يتحدّث عنه بولس الآن. في أي حال هو الإيمان بالله (آ 24).
«آمن ابراهيم». هكذا ورد النصّ الكتابيّ في السبعينيّة. الفرق الوحيد هو أن ابراهيم ما زال على اسمه الأول «ابرام». ما تبدّل اسمه حتى إبرام العهد مع الله في تك 17: 5. هذه النقطة لها مدلولها، لأن الوعد الذي وُعد به ابراهيم (بأن يكون أبا جمهور) سبق وأعطي له مرّات عديدة (تك 12: 2- 3؛ 15: 5؛ 17: 4- 5؛ 18: 18؛ 22: 17- 18). أما عطيّة العهد فوردت مرّتين (15: 18؛ 17: 2- 21).
إن تك 25: 6 هو المقطع الوحيد الذي يتكلّم عن إيمان ابراهيم في حدّ ذاته وعن البرّ الذي منحه إياه الله. وهكذا بدا من الطبيعيّ أن يشدّد بولس على هذا الأمر (لا يرتبط كلام الله بشعائر العبادة). والعرض اللاحق في آ 4- 21 سيشدّد على معنى فعلين: حسب، آمن. البرّ: أن يكون الانسان مقبولاً من الله. البرّ هو وضع يمنحه الله لشعب العهد لكي يسند من يُحسب بار اً، يُسند العضو المرتبط بشعب العهد. وقُرئ تك 15: 6 مع تك 22: 1 ي. سوف نلاحظ في الآيات اللاحقة كيف قدّم بولس العلاقة بين البرّ والإيمان: الإيمان كبرّ، أو يقود إلى البرّ (آ 5، 9). ثم: برّ الإيمان (آ 1، 11 5)، أو البرّ الذي يقوم بالإيمان. والبار هو من يؤمن.
ب- معنى الفعل «حُسب» (آ 4- 8)
«من قام بعمل» (آ 4). هو فعل «ارغازوماي»: عمل، قام بعمل. رج 2: 10؛ 1 كور 16: 10؛ غل 6: 10؛ كو 3: 23. «مستوس» هو الأجر، كما في الفكر المسيحيّ. رج مت 5: 12؛ 6: 1؛ مر 9: 41؛ لو 10: 7؛ 1 كور 3: 8، 14؛ رؤ 11: 8. وفعل «لوغيزاتاي» (حُسب) يرد 11 مرة في ف 4. حاول بولس أن يكتشف قوّة هذا الفعل في تك 15: 6. «حسب النعمة»، أي علامة رضى وإرادة طيّبة، مع تشديد على المجانيّة. هي نعمة من عند الله. هذا ما يعارض «حقّ، دَين» (هوفايليما). في آ 3، استعمل بولس فعل «آمن» مع المجرور. أما هنا فمع «إبي» (على) ليدلّ على الإيمان بشيء، بوعد الله، وعلى الإيمان بشخص (آ 17- 21).
ما استعمل تك 15: 6 «عمل»، بل «آمن»، وهذا ما يتضمّن، في علاقة الله بالانسان، أن الرباط بين الذين يظنّون نفوسهم متساوين، لا يسري هنا. فالمحاور اليهوديّ لن يقتنع في محاولة أولى لفصل تك 15: 6 عن أمانة ابراهيم. في تك 15: 6 الإيمان هو الذي يُحسب.
اللغة المستعملة هنا ليست وصفاً للعالم اليهوديّ في أيام بولس (العمل، حُسب، أجر). وبولس لا يلوم معاصريه اليهود حول لاهوت الاستحقاق والأجر. فالكلام المستعمل هنا يجعلنا في عالم الاتفاق والأجر. لا يقول الرسول: إذا ظننتم إيمان ابراهيم عملاً، فيجب أن تحسبوا برّه عملاً. فالتعارض هو بين العمل والإيمان، بين ما يتوجّب للعامل وما يُعطى له بشكل هبة. لا يرفض بولس مدلول الأجر وهو الذي قال إن الله يجازي كل انسان بحسب أعماله (2: 6- 10). وهو ما تردّد في استعمال لفظ «أجر» في سياق مماثل من تعليمه في رسالة أخرى (1 كور 3: 8، 14). ما يريد أن يقوله، هو أن مثل هذه اللغة لا توافق تك 15: 6. من جهة، العمل يُحسب ديناً. ومن جهة ثانية، الإيمان يُحسب هبةً. وحين ننظر إلى إيمان ابراهيم يُحسب البرّ نعمةً لا حقّاً.
«يبرّر الخاطئ» (آ 5). مثلُ هذا الكلام «مرفوض» في العالم اليهوديّ (خر 23: 7؛ أم 17: 15؛ 24: 24؛ إش 5: 23؛ سي 42: 2؛ وثص 1: 19). كيف يبرَّر الشرّيرُ الذي تمرّد على الله واعتبره غير موجود؟ هذا ما يسيء إلى العهد. هل ننسى أن الخاطئ هو خارج العهد (مز 1: 1، 5؛ 37: 4- 35؛ 58: 10؛ أم 11: 31؛ حز 33: 8- 11)؟ وضع بولس معاً مفهومين يستبعد الواحد الآخر: الله يبرّر (بواسطة العهد) الخاطئ (الذي هو خارج العهد، خارج مجال برّ الله الخلاصي). بالنسبة إلى ابراهيم، لم يكن الفكرُ هذا غريباً على آذانٍ يهوديّة. بما أن العهد بدأ مع ابراهيم، كان ابراهيم مثال المهتدي، كان الأمميّ الذي انتقل من عبادة الأوثان إلى عبادة الإله الواحد الحقيقيّ (يوب 12: 1- 21؛ يوسيفوس، العاديات 1: 155؛ رؤ أب 1 8- ). لقد مُدح ابراهيم لأنه مال عن الخطيئة، ودخل في برّ الله بالطاعة لوصايا الله. انطلق بولس من النقطة عينها، فوصل إلى نتيجة أخرى: الإيمان والتبرير كانا حاضرين قبل الأعمال. أما الأعمال فجاءت بعد ذلك. قدّم بولس مبدأ عاماً: الله يبرّر الخاطئ. وطبّقه على ابراهيم معارضاً التفسير العاديّ لابراهيم كمثال لعهد البرّ.
«كما يقول داود» (ا 6)، «كاتابار» (كما). ترد هذه الأداة عند بولس 16 مرّة، ولا ترد خارجاً عنه في العهد الجديد إلاّ في عب 4: 2. يُعتبر داود بشكل عام أنه صاحب المزامير. رج 11: 9 الذي يورد مز 69، وقد أعطيت كلماته معنى لاهوتياً. رج مر 12: 35- 37؛ أع 2: 25- 31؛ 13: 35- 37. هنا ورد اسم داود ككاتب المزامير، لا على أنه مثال آخر مثل ابراهيم. «يبرّره الله». فبولس ما زال يشرح الكلمات الأخيرة في تك 15: 6. هي صيغة المجهول: يبرَّر. هنا لا يظنّ بولس أن قبول الإيمان يحلّ محل البرّ. فالبرّ يُمنح في الوقت الحاضر. في الفكر اليهوديّ. يعامل الله انساناً على أنه مقبول، على أنه مشارك في ملء خيرات العهد. ولكن إن ارتبط القبول بالأعمال، فهذا يعني رفض ما يقوله الكتاب: لقد قبل الله ابراهيم قبولاً تاماً على أساس إيمانه. «بغير الأعمال». رج آ 2؛ 3: 20. أوضح بولس هنا ما تضمنته آ 3- 5، فعارض ما يقوله اليهود حول ربط الإيمان بالأعمال. أما في تك 15: 6، فالبرّ لا يرتبط بعمل يمكن أن يفتخر به اليهوديّ التقيّ. إن كان الختان تبع البر، فالبرّ حُسب قبل الختان.
في آ 7- 8 يرد نص من مز 32: 1- 2 كما نقرأه في السبعينيّة. «هنيئاً». طوبى. مبارك. سعيد هو. فهو قد نال رضى الله. هذا اللفظ نجده في العالم اليهوديّ والعالم المسيحيّ، كما نجده في العالم اليونانيّ. في السبعينيّة، نجده بشكل خاص في المزامير والأسفار الحكميّة. رج مز 1: 1؛ سي 14: 1- 2؛ 28: 19. ق روم 14: 22؛ 1 كور 7: 40. «أنوميا» (خارج الناموس). ما هو خارج العهد (مز 55: 3؛ 92: 7؛ 101: 8). تطلّع داود إلى غفران لا يمرّ في العهد ولا يرتبط بأعمال الشريعة. هناك بركة الغفران (آ 7)، وبركة من حُسب إيمانه براً (آ 6). فالغفران في المعنى الإيجابيّ يتماهى مع التبرير. هنا نتذكّر تعليم الأنبياء حول التوبة. أما المعلّمون فقرأوا مز 32: 1- 2 في ارتباط مع يوم التكفير. كان موقفٌ في زمن بولس: لا يحتاج الأبرار إلى توبة. فالتوبة هي للخطأة فقط. أما ابراهيم فما احتاج إلى توبة لأنه لم يكن خاطئاً (صلاة منسى 8؛ يوب 23: 10).
هي عبارات يراها بولس مترادفة: حسب باراً= غفر الذنوب= غطّى الخطايا= ما حسب الخطايا. هنا نتذكّر وثص 4: 9- 10: «حسب العهد الذي قطعه الله مع الآباء بأن يغفر خطاياهم، ها هو يغفر خطاياهم (أي الأبناء) أيضاً».

3- خلاصة لاهوتيّة
أعلن (آ 1) بولس أن إنجيله سبق ووُعد به في الأنبياء، وتشهد له الآن الشريعةُ والأنبياء (1: 2؛ 3: 21). هذا ما نقرأه أيضاً في العهد الجديد. فيسوع هو ابن داود الموعود، وقد توافقَ موتُه مع شريعة الذبيحة عن الخطيئة في يوم التكفير (1: 3- 4؛ 3: 24- 26). ولكنه أعلن أيضاً (فشكّك اليهود) أن برّ الله يمتدّ إلى الإيمان بيسوع المسيح إلى جميع الذين يؤمنون، بمعزل عن أعمال الشريعة (3: 21- 22، 27- 31). ولكنه لم يبرهن بعدُ عن ذلك انطلاقاً من الكتب. هنا صار انجيل بولس اعتراضاً على اليهود، الذين يتبعون الطرق القديمة والذين يؤمنون بالمسيح يسوع. فإذا أمل بولس أن يُقنع اليهوديّ محاوره (2: 1- 3: 8)، عليه أن يبيّن من الكتاب أن الانسان يبرَّر بالإيمان، لا بأعمال الشريعة (3: 28). وإلاّ ما استطاع أن يحافظ على التواصل بين الانجيل وإيمانه المركزيّ، وها هو الآن يقوم بهذا العمل.
وفي الحال، وجّه بولس نظره إلى ابراهيم. والسبب معروف: كان ابراهيم الأول بين الآباء، واعتُبر أسمى شخص في الأمّة (خليل الله). له أعطيت المواعيد التي أسّست الشعب، كما أعطي العهدُ والأرض والختان (تك 17). فإن وضح عملُ الله التبريري بالنسبة إلى ابراهيم، فنكون أمام نموذج للذين يعتبرون نفوسهم زرعه ووارثيه. وما كان بولس وحده في مثل هذه النظرة إلى ابراهيم. فاليهود في أيامه رأوا في ابراهيم مثالَ اليهوديّ التقيّ: دلّ على أمانته للربّ. «امتُحن فوُجد أميناً» (سي 44: 20؛ 1 مك 2: 52).
آمن ابراهيم بالله فاعتُبر باراً. هذا أمرٌ نفهمه في لغة الأمانة حين قدّم اسحق. ذاك كان قول اليهود الذين لم يُدهشوا حين شدّد على تك 15: 6. فإن لم يستطيعوا أن يفهموا هذا المقطع المفتاح، فتجذيرُه لانجيل البرّ بالإيمان في الشريعة نفسها، يكون فشلاً. فنحن هنا أمام أكثر من مثل عن انسان الإيمان، بل أمام نظرة إلى ابراهيم الذي هو مثال لليهوديّ المؤمن والذي يعارض انجيل بولس.
نلاحظ أن بولس كلّم جماعة رومة عن ابراهيم «أبينا». وهو أبونا «بحسب الجسد». هو يلخّص ما قاله لمحاوره اليهوديّ في 2: 1- 3: 8. أما المسيحيّون الآتون من الأمم، فيدعون ابراهيم أباهم (غل 3) على مستوى الإيمان، لا على مستوى الزرع البشريّ. ولكن القرابة «بحسب الجسد» ليست بكافية. فهناك قرابة من نوع آخر تصل إلى اليهود كما إلى الأمم. بعد أن طمأن اليهودَ (أبونا، الزرع الموعود)، فتح فهمهم على أن شعب العهد يتألف من اليهود والأمم دون التطلّع إلى هويّة تحدّدها الشريعة.
ماذا كان وضع ابراهيم (آ 2)؟ ما هو الجواب على آ 1؟ إذا كان ابراهيم تبرّر بالأعمال، فيحقّ له أن يفتخر. وكذلك اليهود الذين هم شعب اختاره الله فتميّزوا بموقعهم تحت الشريعة (2: 17، 23). هذا هو الجواب الذي ينتظره بولس من اليهوديّ. ولكن يقول بولس: حتّى إن كان الأمر هكذا، فلا يحقّ لهم أن يفتخروا بالنظر إلى الله. فافتخارهم بأنهم مميَّزون بين الأمم، صار افتخاراً أمام الله فخضع للدينونة عينها (1: 21- 22). ذاك كان الوضع المؤلم لدى اليهود: افتخروا بوضعهم الخاص (بأعمال الشريعة)، فما عرفوا أن الطريق الوحيد الذي يُتيح لهم أن يقفوا أمام الله، هو الإيمان المتواضع.
كيف نجد حلاً لهذا الجدال (آ 3)؟ بالعودة إلى الكتاب المقدس، إلى الشريعة، إلى التوراة. عاد بولس إلى تك 15: 6 كما فعل كثيرٌ من اليهود في أيّامه. على ضوء وحي المسيح، قرأ بولس هذا النصّ بطريقة اختلفت عمّا فعله اليهود، وحاول أن يُقنع بقراءته جماعةَ رومة، اليهود منهم والأمم.
بدأ بولس (آ 4- 5) فربط بين العمل والفكرة التي نجدها في «حُسِب». حين نجعل الاثنين معاً، نصبح على مستوى التعامل في المجتمع والأجر الذي يستحقّه العمل، لا على مستوى العطاء المجانيَّ. أما في تك 15: 6 فهناك علاقة بين «آمن» و«حُسِب». فإن لم يَقُم انسانٌ بعمل، بل يؤمن بالله الذي يبرّر الخاطئ، فإيمانه هو الذي يُحسِب براً.
جعل الرسول فكرة «العمل» بين «أعمال الشريعة» أو متطلّبات العهد، وبين «العمل» في المفهوم اليوميّ (العامل الذي ينال أجراً). ليس من الضروريّ القول بأن اليهوديّ يقبل بهذه المعادلة، ولا الاعتبار أن بولس يتّهم اليهوديّ بأنه يأخذ بهذه المعادلة. فالرسول يمنع تفسير تك 15: 6 كأعمال أمينة للعهد، وهكذا لن يعود مكانٌ للنعمة في المنطق العادي حول العمل اليومي الذي يطلب أجراً.
لهذا جاء كلام بولس مشككاً: الله يغفر للخاطئ. الله لا يحسب الذنوب. فالخاطئ لا يهتمّ بالشريعة ومتطلّباتها. إذن برّ الله لا تحدّده الأمانةُ للعهد. هذا يعني في الدرجة الأولى ابراهيم: أعلِن باراً قبل أن يُتمّ فريضة من فرائض العهد، وحين كان بعدُ خاطئاً. ثم اليهود الذين يعاصرون بولس، بدا لهم ابراهيم شاهداً. أجل، أعلِن ابراهيم باراً بمعزل عن الطقوس والفرائض. فبرّ الله يمتدّ إلى جميع الذين يؤمنون دون العودة إلى أي عمل من أعمال الشريعة.
وسار بولس في خطّ التأويل اليهوديّ (آ 6- 8 )، فانتقل إلى نصّ آخر يُلقي الضوء على فعل «حُسب». فداودُ المرتّل يصوّر بركة من لم يحسب له الربّ خطيئة (مز 32: 2). عدم حسبان الخطيئة يوازي غفران الذنوب والعودة بالتوبة. كل هذا يناله المؤمن دون أن يُحسَب حساب خطاياه بالنظر إلى الشريعة. والبركة التي ينالها البار لا تقع في حساب الأعمال. إن هذا المزمور يتكلّم عن الغفران دون العودة إلى ذبيحة التكفير. هذا يعني أن المغفرة هي عمل النعمة، والغفران لا يعادل عدد الخطايا التي اقترفناها، ولا الأعمال الطقسيّة التي قمنا بها. غير أن اليهوديّ سوف يجد انفصاماً، في فكر بولس، بين برّ الله ومتطلّبات العهد في شعب اسرائيل. ومع ذلك أعلن بولس أن عمل الغفران الالهيّ يوازي اعتبار الله الانسان باراً من دون الأعمال (آ 1). ولكن هذا ما يجب أن يُبرهَن عنه بعد.

خاتمة
انتهى البرهان في ف 3 بقول يعلن: أُعدّ برّ الله لجميع البشر، لا لبني اسرائيل وحدهم. فكل من وجد تبريره في الله وحده، هو بار مهما كان من قبل. فكما أنه ليس سوى إله واحد، كذلك ليس هناك سوى طريق واحد يقود الانسان إلى البرّ، سواء كان يهودياً أم أممياً. واتخذ الرسول مثَل ابراهيم، الذي هو النموذج الأول، والبرهان أن هذا البرّ وُجد منذ البدء، أن هذا البرّ هو إرادة الله الأولى. أما ابراهيم فهو أول من يعلنه الكتاب باراً. فما هو برّ الله، وهل نال شيئاً بحسب الجسد؟ كلا. بل إن ابراهيم آمن بالله فحُسب له ذلك براً. عرف إيمانُه أن الأسباب البشريّة لا قيمة لها بدون الرجاء، لأن البرّ الحقيقيّ هو الذي نتقبّله لأن الله يعطيه. وهكذا نكون على نقيض الحساب البشريّ وكبرياء الانسان، والبرهان البشريّ ،الذي يقدّم أعمال الانسان وكأنها هي التي تبرّر. لا تبرير بدون الإيمان، ولا سعادة إلاّ تلك التي يعطيها الله. كلّ هذا يعني علاقة مميّزة عرفها ابراهيم وهو الذي دُعي خليل الله وحبيبه. بإيمانه نال ما نال. ومثله يتبرّر الانسان.
الفصل الرابع عشر
تبرّر ابراهيم من دون الختان والشريعة
4: 9- 17

آمن ابراهيم فحُسب له إيمانه براً. تلك كانت المحطّة الأولى في كلام الرسول عن ابراهيم. هو ما تبرّر بالأعمال، بل تبرّر بالإيمان. ما كان له «حقّ» على الله، وما وجبتْ له أجرة. ما أعطاه الله، أعطاه إياه مجاناً، جعله له هبة. اكتفى بإيمانه فبرّره. وها نحن ننتقل إلى المحطة الثانية: لا حاجة إلى الشريعة التي جاءت بعد ابراهيم بزمن طويل. وهكذا يعود بولس إلى نقطه الانطلاق: كل ما نلناه هو عطيّة، وليس أجراً لأننا مارسنا الشريعة. ونحن نتقبّله في الإيمان بشخص يسوع وبعمله الخلاصيّ.

1- تحليل النصّ الكتابيّ (4: 9- 17)
نقرأ هنا مقطعين في معرض كلامنا عن البرّ الذي ناله ابراهيم بالإيمان: في الأول (آ 9- 12)، نفهم أن إيمان ابراهيم لم يرتبط بأي عمل من الأعمال. ولا سيّما الختان. في الثاني (آ 13- 17)، نفهم أن العهد الذي وُعدنا به ارتبط بالإيمان، لا بالشريعة. لا مكان للختان، لا مكان للشريعة، بل للإيمان وحده من أجل التبرير.
أ- لا مكان للختان (آ9- 12)
نبدأ فنقرأ الأحداث في حياة ابراهيم (آ 9). «السعادة» (مكارسموس). هذا ما يربطنا بما في آ 6 من إيراد مز 32، مع تكرار تك 15: 6. لقد ربط بولس الايرادين الواحد بالآخر: بركة الغفران ترادف حسبان البرّ (هذا كان واضحاً في آ 6). ثم إن مز 32: 1- 2 شارك تك 15: 6 ليدلّ على قوّة «حُسب»، لا بسبب قيمته في حدّ ذاتها (فداود نال البركة حين كان مختوناً). هي المرّة الثالثة يرد تك 15: 16 (آ 3، 5، 6) مع الاسم (بستيس) الذي حلّ محلّ الفعل (إبستوسان) كما في آ 5. ولكن التلميح إلى تك 15: 6 في آ 6، أوضَح أن الإيمان هو البرّ، ولا يحلّ محلّه فقط. فكما رأى اليهوديّ برّ العهد في أمانته للعهد (أعمال الشريعة)، هكذا رأى بولس البرّ الذي حسبه الله في لغة الإيمان، الذي هو ارتباط تام وثقة بالله كما في مثَل ابراهيم (4: 17- 21).
وجاء الكلام عن المختونين (2: 26) أي عن اليهود والأمم، عن الذين في الشريعة والذين خارج الشريعة (2: 12). من اللافت أن بولس لم يطرح السؤال في عودةٍ إلى ابراهيم. ففي نظره، هو مختون ولا مختون. جاء الطقس فثبّت هوية مجموعة، وفصلها عن مجموعة أخرى. أما الاختلاف بين اليهوديّ والأمميّ، فحُصر في عمل طقسيّ واحد هو الختان. هذا الطقس مهمّ لكي يفهم اليهوديّ هويّته، ويعرف أنه شعب الله المميّز، وأنه يختلف عن سائر الشعوب بأعمال الشريعة. ما يميّز اليهود هو أنهم خُتنوا (آ 12). ما قال بولس: المختونون أو اللامختونون. بل جعل واو العطف بين الفئتين. لا شكّ في أن البركة (البرّ، الغفران) وصلت إلى المختونين. كما وصلتْ إلى اللامختونين. لا، لا تُحصر البركة في اليهوديّ كيهوديّ، بحيث لا يستطيع الأمميّ أن ينالها دون أن يدخل في شعب العهد بواسطة الختان.
«ولكن كيف حُسب له ذلك» (آ 10)؟ تعود بنا سلسلة الأسئلة في آ 9- 10 إلى ابراهيم، وتُركّز على الظروف التي عرفها. هل بُرِّر يوم كان مختوناً أم يوم كان لامختوناً؟ إن الأهميّة النموذجيّة لعلاقة ابراهيم بالله، هي في خلفيّة هذا الكلام بحيث لا يناقشه بولس اليهوديّ ولا قرّاؤه عابدو الله (4: 2). الجواب: قبل الختان لا بعده. فإن تك 15: 6 يسبق تك 17 بعدد من السنين (يقول التقليد اليهوديّ 29 سنة). جاء البرهان قريباً ممّا في غل 3: 15- 18 حول المسافة بين الوعد لابراهيم وعطيّة الشريعة. هذه الشريعة تركّزت على أعمال خاصة مثل الختان، فطُرح السؤال بين اليهود: إلى أي مدى يرتبط الوعد بالختان؟ ما جادل بولس (آ9)، بل أراد أن يبرهن أن الله قَبِل ابراهيم يوم لم يكن بعدُ مختوناً.
«نال علامة الختان» (آ 11). ليست آ 11 أ معترضة. فإن آ 11 ب- 12 تتحدّثان عن علاقتين فيهما يقف ابراهيم تجاه المختون الذي آمن واللامختون الذي آمن. لهذا يجب أن تَشرح آ 11 أ مدلولَ ختان ابراهيم بالنظر إلى إيمان ابراهيم. إنه أبو المختونين بعد أن صار ختانُه ختمَ إيمانه. «سيمايون»: علامة، أشارة مميّزة، بها يُعرف الانسان. هذه العلامة هي الختان. رمز طقس الختان. رج تك 17: 11 حيث يصوَّر الختانُ على أنه «علامة العهد»، أي العلامة التي يحملها من هو عضو في العهد (يوب 15: 26- 28: الختان علامة تدلّ على أن المختونين ينتمون إلى أبناء العهد). ما من يهوديّ ينسى هذا. ما استعمل بولس هنا كلمة «عهد». غير أن المقطع يشير إشارة واضحة إلى أن العهد كسياق للختان، هو جزء من الأفكار التي يعالجها بولس. ولكنه يُعيد كتابتَها: لم يعد الختان علامة العهد بل علامة برّ ناله ابراهيم بالإيمان. هذا يعني أن برّ العهد لا يرتبط بالختان بل بالإيمان. ونلاحظ الدور الإيجابيّ للختان في 2: 25.
«ختم برّ الإيمان». الختم يدلّ على سلطة ووضع. هناك تمييز ممكن بين «العلامة» (تتوجّه إلى العالم الخارجي) والختم (يتوجّه إلى المؤمن). حين يصف بولس الختان كختم، فهو يعكس استعمالاً لدى معاصريه. ويتحدّث عن ختانة القلب (تث 30: 6)= الشريعة المكتوبة في القلب (إر 31: 33) أو القلب الجديد والروح الجديد (حز 36: 26؛ يوب 1: 23). كل هذا يتمّ في عطيّة الروح (2 كور 3: 3، 6)= ختم الروح (2 كور 1: 22). هناك من رأى في الختم (رج 2 كور 1: 22؛ أف 1: 13؛ 4: 30) إشارة إلى العموديّة. غير أن بولس يرى عطيّة الروح مساوية لتتمّة الختان. والختان بدون الأيدي (كو 2: 11) قد يشير إلى الروح أيضاً (2 كور 5: 1- 5).
«برّ الإيمان». يحكي أيضاً عن العلاقة بين البرّ والإيمان (آ 3، 5، 6، 9). هذه العلامة أساسُها الإيمان، والتعبيرُ عنها نجده عند ابراهيم. هو أبٌ للذين يؤمنون عبر اللاختان. لا شكّ في أن ابراهيم هو أبو الأمم حين يهتدون إلى الله. هذا ما يقوله اليهوديّ. أما بولس فيجعل ابراهيم أبا اللامختونين في لاختانهم: هم يشاركونه إيمانه. وهكذا يتمّ التمييزُ بين الإيمان وأعمال الشريعة بالاستناد إلى تك 15: 6. «غير المختونين». لقد قُبل ابراهيمُ لينعم بالوعد قبل الختان. وهكذا يقبل الله اللامختون على أنه لا مختون. أجل يبرّر الله الأمم ولا يحسب إن هم اهتدوا أو قبلوا متطلّبات (أعمال) الشريعة.
«وأبو المختونين» (آ 12). إن إيمان ابراهيم كان عاملاً حاسماً في عطيّة الوعد وقبوله، بحيث إن الإيمان جعل من ابراهيم أباً ومن المؤمن ابن ابراهيم. لا ينكر بولس أبوّة ابراهيم بالنسبة إلى الشعب اليهوديّ (4 إر). ولا يقول: لا ختان، بل: ليس فقط الختان. فهو يرى أن الختان يواصل دوره كعلامة في الشعب اليهوديّ. والترتيب الذي نقرأ في آ 11 ب- 12 (اللامختونون ثم المختونون) ليس رفضاً لتاريخ الخلاص لدى اليهود. فالترتيب هو ترتيب ظروف حياة ابراهيم. كان لا مختوناً ثم خُتن. إن النظرة إلى تاريخ الخلاص لا تلغي أن يكون بولس نظر إلى ابراهيم كنموذج لواقع الإيمان الاسكاتولوجيّ، كما نظر أولاً إلى الأمم قبل اليهود (آ 13- 17).
إذا كان ابراهيم نال الختان، فلماذا لا تحذو الأممُ حذوَه؟ أجاب بولس: خُتن ابراهيم لكي يكون أيضاً أبا المختونين. حُطّت قيمة الختان بالنسبة إلى الإيمان. فجاء كلامُ بولس في خطّ الأنبياء (2: 28- 9). إذا كان الإيمان أهم من أي طقس خارجيّ، إذن يرتبط البرّ بالإيمان لا بالطقوس الخارجيّة، ويُعطى للذين يؤمنون من دون طقس خارجيّ. اليهوديّ الحقيقي هو في الباطن، والختان هو ختان القلب بالروح (2: 29). ويبقى الختان مهماً لتحديد هويّة اليهود الذين يسيرون في خطى ابراهيم (2 كور 12: 8؛ 1 بط 2: 21). الإيمان شيء ناشط ويتضمّن عنصر الطاعة (1: 5: طاعة الإيمان).
ب- لا مكان للشريعة (آ 13- 17)
«فالوعد الذي وعده» (آ 13). هنا نصل إلى علاقة الإيمان بالوعد (إبانغاليا). رج آ 13، 14، 16، 20. حين يتحدّث بولس عن الوعد، ينظر إلى الوعد المعطى للآباء (9: 4، 8- 9؛ 15: 8؛ غل 3: 14- 29؛ 4: 23، 28). اللافت هو أن الوعد حين يبرز، يَخضع للشريعة، أو يمرّ بواسطة الشريعة. رج 2 مك 2: 17- 18 الذي يتكلّم عن الميراث «كما وُعد به بواسطة الشريعة». ويصلّي مز سل 12: 6: «ليت تقيّ الربّ يرث مواعيد الربّ» (رج سيب 3: 768- 769). إن بولس لا يُلغي مواعيدَ العهد. فأولويّة العهد صارت له مفتاح تفسير النصّ.
«ونسله» (وزرعه). الوعد هو أيضاً لزرع ابراهيم (نسله). رج تك 12: 7؛ 13: 15- 16؛ 15: 5، 18؛ 17: 7- 8، 19؛ 22: 17- 18). نسل ابراهيم يضمّ كل الذين يؤمنون، لا بالشريعة، بل ببرّ الإيمان (4: 11). فالبرّ هو من الإيمان (لا من الأعمال)، والعلاقة مع الله تتميّز بالإيمان.
«يرث العالم». فكرة الميراث أمرٌ أساسيّ في فهم اليهود للعهد كعلاقة بالله. وأول ميراث هو أرض كنعان التي وُعد بها ابراهيم (8: 17). وتوسّع الوعدُ فوصل إلى الكون كله (سي 44: 21؛ يوب 17: 3؛ 22: 14؛ 32: 19). هذا المقطع هو مثَل عن امتداد فكر بولس الذي عُرف في اللاهوت اليهوديّ، في أيامه (مت 5: 5؛ عب 1: 2). أخذ بولس الشكل الواسع للوعد، لا لأنه يتضمّن سيطرة شعب اسرائيل على العالم، بل لأنه يركّز تاريخ الخلاص في رسمة الخلق. فالبركة التي وُعد بها ابراهيم وزرعه (الأمم أيضاً)، هي إعادة بناء النظام الذي خلقه الله، وعودة الانسان إلى وضع يكون فيه القيّمَ على الخليقة. والوعد بالأرض يتمّ في المسيح. والروح هو الذي يكفل هذا الميراث. ويرى بولس مع «الوعد» (غل 3: 4) و«الختم» (4: 11)، التتمّةَ الاسكاتولوجيّة في كلام حول الروح الذي يُعطى للإيمان. ذاك هو برّ الإيمان. رج 4: 11.
«فإن كان الميراث» (آ 14). طرح بولس السؤال: من يرث الوعد المُعطى لابراهيم؟ والجواب المرفوض: المختونون فقط (آ 9- 12) هم ورثة ابراهيم= زرع ابراهيم= شعب اسرائيل (آ 13- 17). هنا ينظر بولس إلى موقف نموذجي لدى اليهود: يرون مشاركتهم في الميراث الذي وُعد به ابراهيم متماهياً مع عضويّتهم في شعب العهد، في شعب الشريعة (ب ن ي. هـ. ت و ر ه).
هم «من الشريعة»، لأن حياتهم كيهود ما زالت تصدر عن الشريعة. فالشريعة هي ما يميّزهم فيجعلهم شعب الله (6: 14). هم «من أعمال الشريعة»، لأن الأعمال هي ما تطلبه الشريعة من «اليهوديّ» مع الختان الذي يميّزهم (3: 20). «عبثاً» (كانوو): أفرغ، دمّر، جعله لافاعلاً. لا يظهر هذا الفعل إلا عند بولس. رج 1 كور 1: 17؛ 9: 15؛ 2 كور 9: 3؛ فل 2: 7. الإيمان هنا هو إيمان ابراهيم كما في تك 15: 6. إذا كانت الشريعة عاملاً حاسماً، صار قبولُ ابراهيم للوعد بغير معنى.
«والوعد باطلا». «كاتارغايو». رج 6: 6. لا يحدّد الرسول «الوعد». فالوعد يجب أن لا يكون مشروطاً، وإلاّ ليس بوعد. هنا نتذكّر الوعد الذي أعطي في أكثر من ظرف. رج تك 12: 1- 3؛ 17: 1- 14؛ 22: 15- 18. وفي آ 16، صارت «حسب النعمة» نتيجة «بواسطة الإيمان»، لا من الوعد. لا يرتبط بولس بوعد مخفيّ لا تستطيع الشريعة أن تحتفظ به. بل يقول: إن إيمان ابراهيم كان تاماً والجواب للوعد مرضياً (وإلاّ لما حُسب باراً). فإن طلبنا أكثر من الإيمان في تك 15: 6، نُلغي الوعد في تك 15: 5.
«الشريعة تُسبّب الغضب» (آ 15). بعد أن أنكر الرسول دور الشريعة في تحديد من هو وارث الوعد، واجه اعتراضاً: ما هو دور الشريعة إذن؟ رج غل 3: 18- 19. ربط الشريعة بغضب الله، لا بوعد الله. رج الكلام عن غضب الله في 1: 18- 32. جاء كلام بولس هجومياً على الذين يرون في الشريعة مصدر حياة (2 با 38). فأعلن: وظيفة الشريعة هي أن تجعل غضبَ الله فاعلاً، وتُقنع الانسان بخطيئته. ذاك هو دور الشريعة في علاقتها بالعهد.
قد يكون بولس فكّر هنا ببعض أقوال قانونيّة (مثلاً: لا عقاب بدون قانون). عمّم دورَ الشريعة، فصوّرها كمنفّذة للغضب، وهذا ما لا يُدهش القارئ الذي ماهى بين الحكمة الكونيّة والتوراة (10: 6- 8). الشريعة هي التجسيد الملموس لنظام اله الخلق في الكون ككلّ (2: 12- 16).
بما أن الدور الذي أعطي للشريعة يعارض الدور التقليديّ (يحدّد شعب العهد بالوعد)، فتصبح الأعمال وسائل للمحافظة على العهد، فما نقرأ في آ 15 أ، لا يُعتبر وضعاً تاماً لوظيفة الشريعة الإيجابي (8: 4؛ 13: 8- 10). في هذا الإطار من الجدال، في ف 4، يؤكد بولس أن وظيفة الشريعة لا تتوخّى أن تحدّد النظرة إلى الوعد، بل أن تجعل الذين تحت الشريعة يعون خطأهم فيرتبطون بالله بعد أن تركوه (1: 19- 52). وهكذا لا تفصل الشريعةُ اليهوديّ عن الأمميّ، بل تجعله مع الأمميّ حيث يفهم حاجته إلى نعمة الله.
«حيث لا شريعة». لا معصية، لا تجاوز للشريعة. قد تكون الجملة معطوفة (الواو) أو تابعة (لهذا). في أي حال، هي تدلّ على الطريقة التي بها يعمل الغضب. لسنا فقط أمام عصيان أو عمل يُفسد الانسان، بل اختيار حرّ، بأن يحيا الانسان بوسائله ناسياً (أو منكراً) وضعه كخليقة (1: 18- 32). مع الشريعة التي تصنع إرادة الله بطريقة أوضح مما كان لابراهيم في البدء، فجوابُ شعب العهد ليس افتخاراً بامتلاك الشريعة بل وعيٌ أكبر للمعصية وارتباط بالنعمة على مثال ابراهيم «الأمميّ» (3: 20؛ 5: 13). مثل هذا التحديد للشريعة لا يُزعج أذن اليهوديّ. فالإزعاج يأتي في 5 : 20 و7: 5 مع جواب بولس الواضح في برهانه (6: 1ي؛ 7: 7ي).
«على الإيمان» (آ 16). تبدأ الآية مع «ديا توتو»، لذلك. بما أن الشريعة ليست وسيط الوعد كما فهمها اليهود حصراً، ما استطاعوا أن يجيبوا على عملها في الغضب. أو لهذا السبب... وهكذا نصل إلى النعمة. نجد هنا تقابلاً (كما في آ 4- 5) بين «الإيمان» و«النعمة». هذه النعمة يتقبّلها الانسان حين ينفتح على حنان الله ولا يضع شروطاً. فمن انغلق ونسي طابع الإيمان كقبول وارتباط بالله، أنكر هذه النعمة. «من (إك) الإيمان» يقابل «من الشريعة». كما يقابل «بالإيمان» (ديا). رج 3: 30؛ 4: 13. هناك مثلّث سلبي: الشريعة، المعصية، الغضب. ومثلّث إيجابي: الوعد، الإيمان، النعمة.
«ويبقى الوعد». أي بحيث... اعتقد بولس (كما في غل 3) أن وعد الله لابراهيم نظر دوماً إلى الأمم (لا إلى اسرائيل وحده). هو يشدّد على هذا الأمر، لأن معاصريه جعلوا الوعد محصوراً بهم. إن الله حسب ابراهيم باراً فقط على أساس إيمانه، بحيث لا يرتبط الوعد بأيّ أساس آخر. «بابايوس»، أكيد، ثابت. لفظ قانونيّ يصوّر الإيمان، ويعارض «كاتيرغيتاي» في آ 14 (أبطل). ونلاحظ: «النسل كله». لا بعضه.
«لا على أهل الشريعة وحدهم». نظر بولس إلى الوعد الذي يصل إلى الذين هم من الشريعة، دون أن يقولوا إنهم يشاركون في إيمان ابراهيم (آ 12). لا يرفض بولس أن يكون الوعدُ لنسل ابراهيم قد نظر إلى الشعب اليهوديّ. وإن هو وصل إلى المسيحيّين (لنا جميعاً)، فهو ينطلق من هنا ليُلقي الضوء على فكره. عاد إلى العضو في الشعب اليهوديّ، فقال «ليس فقط». فبالرغم من حصر فهم الشريعة داخل العالم اليهوديّ، يبقى بالامكان الكلامُ عن وعد أعطيَ لليهود. «أب لنا جميعاً». هي المرة الثالثة يذكر بولس ابراهيم على أنه أبو القرّاء أو المؤمنين بشكل عام (آ 1، 11- 12، 16- 18). لفظ «كل» في آ 11 وآ 16 يردّ على الذين يحسبون ابراهيم أبا اليهود وحدهم. تكرارُ الموضوع يرتبط بما يسبقه في المرحلة الأولى من البرهان (آ 9- 12) وبما يتبعه من ايراد كتابيّ في آ 13- 17أ.
«كما كُتب» (آ 17). رج 1: 17. «جعلتُك أباً لأمم كثيرة». الأمم هنا تقابل اليهود (3: 29). يعود الإيراد إلى تك 17: 5 كما في السبعينيّة. ما تردّد بولس في العودة إلى تك 17 الذي يستند إليه اليهود ليتحدّثوا عن ضرورة الختان كعلامة العهد (تك 17: 11). (في غل عاد إلى تك 12: 3 و18: 18). إن تك 15: 6 لا يُفصل عن تك 17: 5. الأمم الكثيرة تدلّ على المهتدين الجدد أو وارثي العالم (آ 13) الذين يرون زرع ابراهيم مسيطراً على سائر الأمم (سي 44: 19- 21).
«يُحيي الأموات». يتكلّم بولس عن قدرة الله. رج مز 71: 20؛ طو 13: 2؛ حك 16: 13؛ وص جاد 4: 6. الله هو من يعطي الحياة. رج 8: 11؛ 1 كور 15: 22، 36، 45 (زوؤوبوياين). ق يو 5: 21؛ 1 بط 3: 18. إنه يشير إلى قيامة يسوع (آ 24- 25). ولكن بولس يفكر بالأحرى، بموات جسد ابراهيم وحشا سارة (آ 19). إذن، نحن أمام عمل الله الخلاّق. فعطيّة الحياة تُفهم معجزةً تُنسَب مباشرة إلى الله. وإذا كانت قدرة الله المحيية هي التي تُشرف على فكر بولس، فلأنها ذات القوّة الحاضرة في عمل الخلق الأخير الذي هو جزء من الأول. وهكذا يكون كلام بولس صدى للّغة الليتورجيّة أو اللاهوتيّة.
«يدعو غير الموجود». رج فيلون، يوسف 126، «كالايو»: دعا، بل أمر بقوّة. يرى العالم اليهوديّ أن عمل الخلق هو نداء فاعل (اش 41: 4؛ 48: 13؛ حك 1: 25؛ فيلون، الشرائع الخاصة 4: 187). كما يرى أن الله خلق الكل من لا شيء (2 مك 7: 28؛ يوس 12: 2). يقول فيلون: الله هو الكائن الذي يأتي باللاكائن ليصبر كائناً (خلق العالم 81). وهكذا يأخذ بولس كلامه من الفكر اللاهوتيّ اليهوديّ في المحيط الهليني.
ترك بولس اتجاهاً يجعل الخلق في تعارض مع الخلاص. فمخطّط الله الفدائي عبر ابراهيم، يدلّ على ذات القوّة التي خلقت فجاءت بما لا وجود له إلى الوجود. ربط حسبان الله لابراهيم باراً مع عطيّة الحياة لمّا لم يكن موجوداً، فثبّت العلاقة الوثيقة بين برّ الله وقدرته كخالق، وبيّن الفهم الجذري لوضع الانسان كخليقة أمام الله. في هذا المجال، تُصوّر وصيّةُ جاد (41: 6، 7) الحب الذي «أراد أن يعيد الموتى إلى الحياة» على أنه عمل «شريعة الله... من أجل خلاص الجنس البشريّ». ويرى بولس أن قدرة الله في الخلاص وفي الخلق، تعمل بشكل مباشر من أجل الانسان (غل 3: 19- 22).

2- خلاصة لاهوتيّة
بعد أن عرفنا معنى «حُسب»، نتعرّف هنا إلى معنى «آمن» (آ 9). فكل ما عمله بولس حتى الآن، هو أن يبيّن أن معنى تك 15: 6 لا يجد حلّه بالعودة إلى فعل «حُسب». فرِضى الله على الانسان هو موضوع رضى سخيّ. فالانسان لا يستطيع أن يجعل الله مديناً له. فلا بدّ من العودة إلى المفتاح الثاني: آمن. كان مز 32: 1- 2 مناسبة لطرح السؤال بشكل مختلف: إلى من (وكيف) أتت البركة (أعطي الغفران، حُسب الانسانُ باراً)؟ هنا عاد بولس إلى ابراهيم، وشدّد على المخرج المركزيّ في إيمانه.
أول خطوة (آ 10) فيها عرف بولس «ابراهيم الذي آمن بالله»، كانت لتبيّن في وضع ابراهيم، أن الإيمان لمن حُسب باراً قد تمّ من دون عمل من قبل ابراهيم. هذا يعني أن تك 15: 6 يتكلّم عن الإيمان لا عن الأمانة للعهد.
إن السؤال في آ 9 عاد إلى تك 15: 6: كيف وصلتْ إلى الآخرين البركةُ التي تحدّث عنها داود؟ حينئذ جاء مز 32: 1- 2 ليُوضح فعل «حُسب»: ما اختبره ابراهيم يحدّثنا عن بركة داود. فالبركة بغفران الذنوب وسرّ الخطايا هي ذات البركة بأنِ يُحسب الانسانُ باراً. ولكن كيف جاءت البركة إلى ابراهيم؟
لو تحدّث عن الأعمال أو عدم الأعمال (آ 11- 12)، عن الختان أو اللاختان، لكان انتُقد. ففي نظر اليهوديّ التقيّ، المفتخر بتميّزه الدينيّ والوطنيّ، الختانُ هو عمل صادق تجاه العهد (2: 25- 29). لهذا كان الانقطاع في الرسالة لدى الأمم سبب جدالٍ في الجيل المسيحيّ الأول. وكان أمر لابراهيم، فبيّن الطابع الالهيّ للختان كعلامة لشعب العهد في كل الأزمان (تك 17: 9- 14). عاد بولس إلى ابراهيم تاركاً داود، لأن الغفران لداود لم يكن مستقلاً عن الختان (هي وظيفة شعائر العبادة). إن البركة التي صوّرها داود يمكن أن يختبرها الانسان، كما فعل ابراهيم، من دون الختان. هذا لا يعني أن البرّ يُحسب دوماً خارج الختان، خارج الأعمال. أي هو لا يحتاج أن يبيّن أن داود نال الغفران من دون الختان وممارسة شعائر العبادة. كل ما أراده هو أن يبيّن أن البركة التي تكلّم عنها سفر التكوين وداود هي خارج العهد وأعماله، كما حصل في وضع ابراهيم نفسه.
وجاء جواب بولس مباشراً (آ 9): الحدث الذي يتكلّم عنه تك 15: 6 يسبق الحدث المذكور في تك 17: 23- 27، فشدّد على الفصل في مراحل ما حسبه اليهوديّ (وبولس في ما مضى) كأنه وحدة تامّة. فأمانة ابراهيم لا تبدأ في تك 17. بل في تك 12: 1- 5 مع أول اعلان للعهد الموعود به. وذبيحةُ اسحق هي مثَل عن أمانة ابراهيم وعرض لما في تك 15: 6 (1 مك 2: 52؛ يع 23) وطاعته لله. ولكن بولس قال إن ابراهيم حُسب باراً وقُبل في عهد يربطه بالله قبل أن يُختَن، وقبل أي حديث عن الختان. هذا ما يُثبت أن برّ الله لا يرتبط بأعمال الشريعة ولا بأية ممارسة عباديّة، في وضع ابراهيم. وإذا كان ابراهيم نموذجاً في علاقة الله بالجنس البشريّ وفي عهده مع زرع ابر اهيم، فهذا يعني أن قبول الله للانسان يتمّ «بمعزل عن الأعمال».
ذاك هو برهان الرسول. جاءه الختان بعد البرّ الذي يتميّز بإيمانه الذي حُسب له، قبل أن يُختَن. عُرف الختان أنه علامة وختم القبول الالهي الذي تم قبل ذلك الوقت بقليل، وتجاوب مع المبادرة الالهيّة (بعد 30 سنة)، وعلامة مميّزة أنّنا نخصّ الله. هذا يعني أن الختان ارتبط مسبقاً بقبول الله للانسان وحسبانه باراً.
استعمل بولس هنا لغة العهد. دعا الختان «علامة» (تك 17: 11)، هو علامة العهد وهو ختم العهد (نح 9: 38- 39). لا يحتقر بولس الختان، ولا يتردّد في أن يرى فيه جزءاً من عهد الله مع ابراهيم، ويربطه بتبرير الله لابراهيم. هو يهوديّ ويبقى يهودياً، ولا يتوخّى أن يتنكّر لعهد الله مع اسرائيل. أما هدفُه ففهمُ مدلول العهد: فعلاقة برّ الله مع ابراهيم بختانة ابراهيم لم تكن واضحة. فبرّ ابراهيم الآتي من الله لا يرتبط بختانه. بل الختان هو الاعلان بأن الله قبل ابراهيم. وما قبل فقط المختونين. هكذا بدا الختانُ ثانوياً في هذا المجال وليس جزءاً لا يتجزّأ من برّ ابراهيم. وفي الزمن الاسكاتولوجيّ الذي فيه يتمّ العهد، يكون الروح هو علامة ارتباطنا بالله (2: 28- 29؛ 2 كور 1: 22؛ فل 3: 3).
وهكذا ثبت أن تبرير ابراهيم ارتبط فقط بإيمانه، وسبق الختانَ، وتميّز عن أعمال الشريعة. هذا يعني أن إيمان ابراهيم كان الأساس في العهد ككلّ. وجاء الختانُ بعد ذلك. ويعني أن الوعد بالعهد يحدّده الإيمانُ لا الختان، وأن ميراث العهد يرتبط بهذا الايمان عينه ولا ينحصر في المختونين. وهكذا لا يكون ابراهيم فقط أباً للمختونين، بل لجميع الذين يؤمنون سواء خُتنوا أو لم يُختنوا. هو أبو المختونين ولكنهم لا يدخلون في البنوّة بدون الإيمان. هذا يعني أن الختان لا ينفعهم. واللامختونون الذين يؤمنون يقدرون أن يدعوا ابراهيم أباهم. تلك هي طريق الله، وإلاّ لما كان حُسب ابراهيم باراً من دون الختان.
في آ 13 يستعيد بولس عرضه عن إيمان ابراهيم، وينتقل إلى مرحلة أولى فيركّز على «الوعد». ما آمن به ابراهيم كان عهدَ الله لنسله. تكلّم تك 15: 6 عن برِّ حُسب لابراهيم بفضل إيمانه. أي حين قبل وعدَ الله. لم يُعطَ الوعد لابراهيم بالشريعة بل ببرِّ الإيمان.
ابراهيم «وارث العالم». هذا ما يعود بنا إلى الوعد (تك 12: 2- 3؛1 5: 5). إن زرع ابراهيم يرث الأرض. لهذا اختارهم الله أولاً من الشعوب الذين على الأرض، فتميّزوا عن الأمم المجاورة. هذا الوعد مع ابراهيم بما فيه من رنّة وطنيّة، قطع له بولس كل علاقة بالشريعة (لا برَّ بالشريعة). بما أن الشريعة هي ما يطلبه الله من الذين قطعوا عهداً معه، فعلى العهد أن يعمل «بالشريعة». ولكن هذا ما يرفضه بولس. تنطلق نظرتُه من الآيات السابقة: لم يُعطَ الوعدُ لابراهيم، بل تسلَّمه قبل أن يُطلَب الختانُ منه (رج غل 3: 17 والكلام عن الشريعة التي أعطيت في سيناء).
هنا استطاع بولس (آ 14) أن يُعيد تحديد العهد: وعدٌ يعملُ عبر برّ الإيمان. وفي امتداد مفهومَي ميراث العهد والشريعة، كان مفهومُ البرّ الذي يُسند رباط العهد بشعب الشريعة. لا ينكر بولس أن البرّ أساسيّ للحفاظ على علاقة العهد. ولكنه يشدّد على ما لا يقدر اليهوديّ أن يقبله: البرّ لا تحدّده الشريعة. هو برّ الإيمان. الانجيل الذي يكرز به هو امتداد وتكملة لوعد الله لابراهيم. ولكن وارثي ابراهيم ليسوا فقط أهل الشريعة. فقد أعلن تك 15: 6 أن الوعد يُعطى ويُقبل بالإيمان، من دون الشريعة كلياً أو جزئياً.
ولكن إذا كان شعب العهد هو الوارث، فهذا يعني أن إيمان ابراهيم صار فارغاً، والوعد المُعطى له بلا فاعليّة. «أهل الشريعة» هم الذين يحفظون الشريعة. هذا يعني هويّة وطنيّة، فيها يتماهى العهد والوعد، والأمّة والوطنيّة والشريعة. فعارض بولس كلّ هذا بخبرته للنعمة. الوعد هو وعد ولا يمكن أن يكون مشروطاً، والإيمان والوعد لا يتوافقان مع الشريعة. لهذا فُهم إيمانُ (ابراهيم) والوعد (لابراهيم) في علاقة مع شعب الشريعة.
إذا كانت الشريعة تسبّب الغضب (آ 15)، فهذا يعني أنها انفصلت عن البرّ. قال معاصرو بولس: الشريعة تقود إلى البرّ. فأعلن هو ارتباط البرّ بالإيمان. وإذ ربط الشريعة بالغضب، عاد الرسول إلى 1: 18 ي. وهكذا ترافقت الشريعةُ مع المعصية: حيث لا شريعة فلا معصية، وأول وظيفة للشريعة هي أن تحكم، لا أن تكون واسطة للوعد. فهذا الدور يَلعبُه الإيمان.
لهذا أعطى الله الوعد لابراهيم (آ 16- 17) في الشكل الذي أراد، فدلّ كيف يُفهم الوعد ومن يرثه. الوعد لابراهيم، بدون أي عمل، يدل على الأمانة للعهد. ويوم لم يكن أباً، كان عملاً مجانياً بحيث إن الوعد والذين نعموا به يعبّرون عن النعمة عينها. ووارث ابراهيم ليس ذاك الذي يقوم بأعمال تدلّ على أمانته للشريعة. ولا الذي هو عضو في شعب الشريعة. حين نحصر الوعد في اليهودي نُنكر كيف قُبِل ونقلِّل من قيمته. فهو من الله كما في تك 15: 6، هو وعد النعمة عبر إيمان يضمّ جميع الذين يقبلون هذه النعمة، سواء كانوا يهوداً أم أمماً، كما فعل ابراهيم.
هكذا يتمّ الوعد الذي أعطي لابراهيم بأن يكون «أباً لأمم كثيرة». ويعود بولس إلى تك 17: 5. فالأمم هم زرع ابراهيم بعدد كبير لم يصل إليه المهتدون الجدد. أراد اليهوديّ أن يفسّر أبوّة ابراهيم في إطار الختان وسيطرة شعب العهد. أما بولس فيرى أن الوعد لابراهيم لا يتمّ إن حدّده معيارٌ وطنيّ أو عباديّ. لم يعد السؤال: هل يُقبل الأممُ في نسل ابراهيم مثل اليهود؟ بل: كيف يُحسب الانسان، يهودياً أو أممياً، من نسل ابراهيم؟ فجاء الجواب: بالإيمان لا بأعمال الشريعة.

الخاتمة
سبق لبولس فذكر ابراهيم الذي آمن فحُسب له إيمانه براً، وذكر داود الذي نعم بعطيّة الغفران. ولكن الاثنين من اليهود. أترى تَصلح طريقُهما لهما وحدهما أم لجميع البشر؟ إن كان الجواب نعم، فهذا يعني أن الإيمان يشترط إطاراً دينياً. ولكن لا. أما الختان فهو علامة لاحقة وثانويّة بالنسبة إلى العهد، بالنسبة إلى الانتماء إلى شعب الله. هناك طريق خاطئة توصل إلى التبرير: طريق الجسد وأعماله. وطريق صائبة طريق الإيمان. وهناك أيضاً طريق الشريعة التي بها يستولي الانسان على الوعد. وهنا طريق الوعد الذي يجعل فينا انتظاراً، ويربطنا بالله ارتباط الخليقة بالخالق. لأن الشريعة تثير الغضب. فمن رفض أن يعيش العهد، يكون في حال الخطأ، وبالتالي عرضة لغضب الله. وبما أن في غياب الشريعة لامعصية، فهذا يعني أننا بالإيمان، لا بالشريعة، نصبح وارثي الموعد بحيث إن الإيمان يعني عيش الوعد. تلك هي النعمة التي يمنحها الله مجاناً ويمنحها لجميع البشر. هكذا نال ابراهيم الوعد بأن يكون أبا جميع المؤمنين، من يهود ويونانيّين. وهم يكونون أبناءه إن أخذوا الطريق التي أخذ: لا طريق الشريعة والأعمال، بل طريق الإيمان.
الفصل الخامس عشر
إيمان ابراهيم وإيمان المسيحيّ
4: 17- 25

ويتواصل البرهان، فينتقل القارئ إلى نقطة جديدة وهي المرحلة الثالثة في عرض ما يقوله تك 15: 6: آمن ابراهيم بالله. ما أراد بولس أن يقسم عرضه ثلاث مراحل كما فعلنا. فالعرض واحد، وكل مرحلة تتعلّق بالمرحلتين الأخريين. فإن آ 11- 12 تفرضان برهان آ 13- 17. وآ 17 ب تقدّم مبدأ أساسياً للبرهان في آ 18- 21. وتحديدُ إيمان ابراهيم الذي يتوسّع فيه النصّ الآن، سبق له فميّز بين الشريعة والإيمان كما في آ 13- 16. لم يعرف إيمانُ ابراهيم الضعف، بل كان ثقة بقدرة الله. وهكذا يكون إيمانُ المسيحيّ ليكون حقاً ابناً لابراهيم.

1- تحليل النصّ الكتابيّ (4: 17- 25)
توقّفنا في فصل سابق عند شرح آ 17 أ، وها نحن نبدأ مع آ 17 ب. هو الانتقال إلى مرحلة جديدة في البرهان، حين يربط بما يأتي، وصفَ الله الذي آمن به ابراهيم. فقد أراد بولس أن يؤسّس الملاحظة الأخيرة حول تك 15: 6، على الكلام عن الله كما في ديانة أحاديّة. قدّم بولس تحديداً أساسياً عن الله الذي يعبد، عن الاله الذي آمن به ابراهيم. فإذا فهمنا فهماً صحيحاً الإله الذي يؤمن به ابراهيم، نستطيع أن نفهم أيضاً معنى العبارة: آمن ابراهيم بالله. طابعُ إيمان ابراهيم يحدّده طابعُ الاله الذي به آمن. وهكذا نقرأ في هذا النصّ مقطعين. الأوّل (آ 17- 22) يتوقّف عند إيمان ابراهيم. الثاني (آ 23- 25) عند إيمان المسيحيّ. فيجب أن يتكيّف الكتاب مع واقع المؤمن في زمن بولس.
أ- إيمان ابراهيم (آ 17- 22)
في آ 17 ب، يبدأ بولس فيحدّثنا عن الله الخالق، كما في بداية الكتاب المقدّس، ويذكر الصفات التي تميّز أفضل تمييز، قدرةَ الله في عطيّة الحياة، وفي نقل الكائن من اللاوجود إلى الوجود. كل هذا يهيّئنا لكي نعرف أن الذي خلق هو الذي أقام يسوع من بين الأموات (آ 24).
«آمن بالرجاء» (آ 18). رج 4: 1. ذُكر الإيمان في آيتين كصدى إلى ما في تك 15: 6، فلفت الانتباه إلى طبيعة إيمان ابراهيم، وتحوّل العرضُ إلى المرحلة الأخيرة. «الرجاء» (إلبيس). «بارا» على خلاف، ضدّ: ما يستطيع الانسان أن يرجوه على المستوى البشريّ. أما إيمان ابراهيم، فتميّز (وتأسّس) على رجاء حدّده وعدُ الله وحده. هنا نميّز بين الرجاء في العالم اليونانيّ وفي العالم اليهوديّ. عند اليونان، اللايقين بالنسبة إلى المستقبل هو أساس مدلول الرجاء الذي يعني عادة الانتظار. أما فعل «إلبيزو» (ترجّى) فيدلّ على خوف من الشرّ. في العهد القديم يختلف الرجاء عن الخوف، وعن الرجاء كانتظار لما هو صالح. هو يرتبط بالثقة، بالرجاء الواثق، بالرجاء المتّكل على الله. تبع بولس هنا الخطّ اليهوديّ: ترك رجاء يدلّ عليه اللايقين والخوف من الآتي المجهول، وتحدّث عن ثقة ثابتة بالله. هكذا كان إيمان ابراهيم بذاك الذي يحدّد المستقبل بحسب ما وعد. يلعب الرجاء دوراً هاماً في هذه الرسالة. رج 5: 2، 4- 5؛ 8: 20، 24؛ 12: 12؛ 15: 4- 13.
«فصار أباً». ماذا كان مضمون رجاء ابراهيم؟ مخطّط الله. عملَ اللهُ كما أراد، فحدّد الطريق التي فيها يصير ابراهيم «أباً لأمم كثيرة». وهذه الطريق هي طريق الإيمان. ورد النصُّ الكتابيّ هنا حرفياً، كما في السبعينيّة. دلّ بولس على برهانه، ففسَّر تك 15: 5- 6 على ضوء التعبير اللاحق للوعد (تك 17) أو الأمانة المفروضة (تك 22). شدّد بولس هنا على أن مدلول تعبير تك 17: 5 يتحدّد مع ما في تك 15: 5 حيث يُروى قبولُ ابراهيم للعهد، ويُعبّر بوضوح عن الوضع اللاحق أمام الله، كما عبّر عنه تك 15: 6. رج فيلون، تبدّل الأسماء 177- 178 الذي يرى أن تك 17: 17 يجب أن يُفهم على ضوء تك 15: 6.
«وما ضعف إيمانه» (آ 19). مع أنه نظر إلى جسده الذي مات: «استانايو» (ضعف). استعمل عن الضعف الدينيّ أو الخلقيّ، فقط عند بولس. رج 14: 1- 2، 21؛ 1 كور 8: 11- 12؛ 2 كور 11: 29. إيمان ابراهيم قويّ، لأنه نظر فقط إلى الله وما تعلّق بالامكانيّات البشريّة. هذا لا يعني أن الإيمان يجهل الواقع التاريخيّ (فما ضُعف)، بل أخذ ابراهيمُ بعين الاعتبار هذا الواقع (فكّر، تك 17: 17). لهذا دُعي إيمانُه قوياً. يضعف الإيمان حين يرتبط بقدرة البشر، أو بما يستطيع الانسان أن يفعل. لم يكن ذاك إيمان ابراهيم. ورد فعلُ «مات» فذكّرنا بذاك الذي يُحيي الموتى (آ 17). عمر آدم (100 سنة). رج تك 17: 1، 17؛ 21: 5. لم يعد من امكانيّة بأن يكون أبا أبناء. نشير هنا إلى أنّنا فقط أمام زرع الوعد.
«ما شكّ في وعد الله» (آ 20). مرّة أخرى سعى بولس لكي يُبرز إيمان ابراهيم من خلال نقيضة. وهنا نجد نقيضتين. الأولى سلبيّة. (1) ما شكّ إيمان ابراهيم بالنسبة إلى وعد الله. «دياكرينستاي»: تردّد، رج تك 14: 23. فالإيمان يعني قبول وعد الله والارتباط به. (2) الإيمان هو ما يقابل «أبستيا». ليست اللاأمانةَ في حفظ الشريعة، بل الضعف في قبول وعد الله إلى جميع الأمم بالإيمان. عندئذ تصبح «أبستيا» رفض الإيمان، التخلّي عن وعد الله.
والنقيضة الثانية هي إيجابيّة. (1) «ما ضعف في إيمانه». المجهول يدلّ على عمل الله. ما أضعفه الله، فكان قوياً بالنظر إلى إيمانه. فكّر بولس بالثقة بالله، وسواء هو الإيمان الذي ضعُف أو ما كان وسيلة إضعاف، فالأمر هو هو: ارتباط ابراهيم بالله صار أقوى. هذا يعني أن هذا الإيمان يمكن أن يقوى ويمكن أن يضعف. (2) «مجّد الله». ق 1: 21 (ما مجّدوا الله). عمل ابراهيم ما لم يعمله الانسان في الخطيئة الأول. «بستيس» (الإيمان) مقابل «أبستيا» (اللاإيمان). الإيمان هو جواب الخليقة للخالق. وباللايمان ترفض الخليقةُ أن ترتبط بالله.
«واثقاً» (آ 21). «بلا روفورايستاي»: وثق ملء الثقة، اقتنع كل الاقتناع. رج جا 8: 11. ق كو 22:؛ 1 تس 1: 5؛ عب 6: 11؛ 10: 22 (ملء الإيمان). «الله قادر». رج تك 18: 14 (جواب الربّ إلى سارة التي ضحكت). تحدّث فيلون (الأحلام 2: 136؛ يوسف 244؛ الشرائع الخاصة 1: 282) عن الثقة بقدرة الله ليفعل كلَّ شيء، وبولس عن قدرة الله في 9: 22؛ 11: 23؛ ق مر 10: 27 وز؛ 14: 36 والكلام عن قدرة يسوع. آمن ابراهيم بالله الذي وعد، لا بما وعد به.
«فلهذا» (آ 22) (ديو). هذا يعني أن الأمر واضح ولا يحتاج إلى برهان. وأننا وصلنا إلى خلاصة العرض. ويرد هنا تك 15: 6 (رج آ 3). ما حُسب لابراهيم هو إيمانه بظروفه (آ 9- 12) وموضوعه (آ 13- 17) وطبيعته (آ 17- 21). كلُّ هذا توضّح.
ب- إيمان المسيحيّ (آ 23- 25)
هنا تأتي الخاتمة بالنسبة إلى ابراهيم كما في تضمين (آ 22)، مع التطبيق على المسيحيّ.
في آ 23، عاد بولس إلى ابراهيم كنموذج لوارثيه، حيث يقبل به اليهوديّ والمسيحيّ. استطاع أن يركّز على آية واحدة (تك 15: 6)، لا لأنها عرفت توسّعاً في العالم اليهوديّ، بل لأنه قرأ هنا «الإيمان» و«البرّ»، فاكتشف مدلولاً نموذجياً يُوضح العلاقة بين هذين اللفظتين. ولأن الوعد الذي ارتبط بإيمان ابراهيم ونتج عن برّه يعني النظر إلى أبوّته (أمم كثيرة). فمع أنه قرأ المقطع الكتابيّ على ضوء إيمانه بالمسيح، لم يكن اختيار النصّ اعتباطياً، وما حاول الرسول أن يكتشف فيه معنى ليس فيه.
نظريّة «الكتاب» التي نجدها هنا تحمل سمتين اثنتين. الأولى: كُتب من أجلنا (نحن، الأمم واليهود، زرع ابراهيم، آ 11، 12، 16، 17). هذا ليس اعتقاداً بأن الكتاب هو خارج الزمن بحيث ينطبق على كل ظرف. فالرباط بين النص والسياق البولسيّ رباط خاص. على المستوى الاسكاتولوجيّ. ما حدث في حقبة اسرائيل السابقة والعهد، كان صورة سابقة عن زمن النهاية (15: 4؛ 1 كور 9: 10؛ 10: 11). الثانية: كُتب من أجل ابراهيم. أي حَفظ ذكرى ابراهيم وميّزه في هذا الطريق (سي 44: 10- 15). ولكن إن كان فكرُ بولس آنياً، حين أورد تك 15: 6 (تميّز ابراهيم حين حُسب باراً). وإن كان الكتاب لم يحدّد ب «من أجلنا»، فهذا يعني أن بولس رأى في الكتاب تجسيداً لحدث تاريخيّ. نحن نقرأه في النصّ. ولكننا لا نقرأه فقط في النصّ. نحن أمام تفسير نمطيّ فيه يصل الوعدُ إلى التتمّة.
«بل من أجلنا أيضاً» (آ 24). «مالو». فعل يدلّ على عمل يتبع مخطّط الله وقراره. يجب. سيكون بالتأكيد. و«حُسب» يدخل في وضعنا كما في وضع ابراهيم. والعودة إلى المُقبل الاسكاتولوجيّ (الدينونة الأخيرة) تكشف حسبان الله للبرّ في بداية القبول كما في الدينونة الأخيرة، وفي الوقت الذي يفصل بين الاثنين. الفاعل في آ 22 و23 لم يُذكر وإن كان واضحاً (ابراهيم المؤمن). ولكن بما أن بولس ما ذكره، فقد دفع القارئ أن يرى في ابراهيم المؤمن نموذجاً للمؤمنين. طلب الرسول من القارئ أن يستنتج، فأدخله في فكره.
«الذي أقام ربّنا». نحن هنا أمام أقدم إعلان إيماني في المسيحيّة الأولى (أع 3: 15؛ 4: 10). بالنسبة إلى «يسوع» رج 8: 11؛ 10: 9؛ 1 تس 1: 10. و«كيريوس» (الربّ). رج 1 كور 6: 14؛ 2 كور 4: 4. ما قال عن قيامة يسوع يقابل على المستوى الاسكاتولوجيّ ما قاله عن موت حشا سارة. في الحالتين، هي قدرة الله الخلاّقة. ماذا نلاحظ في هذا التعبير اللاهوتيّ والكرستولوجيّ؟
أولاً: يصوَّر الإيمانُ المسيحيّ كإيمان بالله وإيمان بالمسيح. والإيمان بالله يُعطى لنا بالنظر إلى المسيح (1 تس 1: 8- 10). لسنا هنا أمام مرحلتين تأتي الواحدة بعد الأخرى، بل أمام وجهتين للإيمان الواحد. ثانياً: التعبير الأول (الله أقام يسوع) سابق للتعبير «قام يسوع» (1 تس 4: 14). كلّ هذا يجعل حدثَ قيامة المسيح داخل مقصد الله. ثالثاً: كيريوس هنا ليس وضعاً ينتج عن قيامة يسوع (رج 1: 4؛ 10: 9)، بل هو يتحدّث عن القائم من الموت. نحن هنا أمام نظرة موحّدة لا تترك مكاناً للتمييز بين يسوع الأرضيّ والربّ الممجّد. فيسوع الذي صُلب وقُبر هو الربّ. رابعاً: الله أقام الربّ. مع كل الوضع الالهيّ الذي يتضمّنه كيريوس (1: 7، 8؛ 10: 9)، يبقى الوضع مختلفاً وخاضعاً لله. فالله أقامه على أنه الربّ (1 كور 15: 20- 28).
«أسلم من أجل معاصينا» (آ 25). هي عبارة مختلفة عمّا نجد في المسيحيّة الأولى (8: 32؛ غل 2: 20؛ أف 5: 2، 25). السمة المميّزة هي المجهول (العمل الالهي): الله أسلمه. نحن هنا أمام موقعين في التقليد: خبر الحاش والآلام. ثم تفكير مسيحيّ حول موت يسوع مع قراءة اش 53. «باراديدومي» (أسلم). يضمّ في نظرة واحدة فكرتين: خيانة يسوع على يد يهوذا (مر 9: 31؛ 10: 33؛ 14: 1- 2؛ مت 10: 4). تسليم يسوع بيد الله (أع 3: 13؛ روم 4: 25؛ 8: 32؛ 1 كور 11: 32). إن صيغة المجهول تضمّ الانشداد بين عمل يهوذا الشنيع (مر 14: 21) ومخطّط الله الكامل (أع 2: 23).
«وأقامه من أجل تبريرنا». هي صيغة المجهول: أقيم من بين الأموات. رج 6: 4، 9؛ 7: 4؛ 1 كور 25: 12 (الفعل: اغايرو). ونقرأ «ديكايوسيس» (تبرير). نجد هنا تأثير موت يسوع وتأثير قيامته. كما نجد المدلول السوتيريولوجي (على مستوى الخلاص) لقيامة يسوع بحيث لا ننظر إليها فقط على مستوى التبرير الذي يحمله يسوع (7: 4؛ 8: 34؛ 1 كور 15: 17).

2- خلاصة لاهوتيّة
نبدأ مع آ 17 ب (الله الذي يُحيي الأموات). هذا الموضوع هو الثاني في المباركات الثماني عشرة، وقد اعتاد اليهوديّ التقيّ أن يصلّيه كلّ يوم. هو قانون إيمان في اليهوديّة الهلنستيّة وقد استعمله فيلون. وهكذا اهتمّ بولس بأن يؤسّس عرضه على مثل هذا اللاهوت. لسنا أمام فهم جديد لله به يترك بولس الإيمان اليهوديّ والعهد. هو ما أراد أن يكون عرضُ إيمان ابراهيم تجديداً يبرّره الوحي الجديد وابتعاداً عن أولى كلمات العهد. بل إن فهْمَه لإيمان ابراهيم يتوافق مع فهم اسرائيل لله، وينبثق منه. رأى بولس الآن طابع إله اسرائيل فاستطاع، أن يرى طابع عهد اسرائيل مع الله. وبما أن معنى الوعد لابراهيم وزرعه يحدّده طابع إله ابراهيم، لهذا جاء الواحد يتداخل في الآخر ويقوّيه.
وهناك واقع آخر هام: تصويرُ الله كالخالق. بما أنه الخالق فهو يعطي الحياة ويُسند الحياة. إن الفكر المتحدّث عن الله كمعطي الحياة للموتى (ظهوره الاسكاتولوجي كقوّة تعطي الحياة) هو أسمى مثَل عن قوّة الخلق. هذه القوّة تعطي الحياة في البداية وفي النهاية. والقوّة التي تعطي الحياة للموتى تعطي الانسان الثقة بحيث لا ييأس في هذه الحياة. ويعلن الرسول: ما لم يكن موجوداً صار موجوداً بقدرة الله الخلاّقة.
كل هذا يتضمّن علاقة الخليقة بالخالق. فكما أن الخالق خَلق بدون شرط مسبق، فهو يهب الحياة حيث كان الموت، ويدعو إلى الوجود حيث لم يكن شيء. وبالتالي، ما خُلق يجب أن يرتبط بالخالق الذي أعطاه الحياة. هكذا تُفهَم العلاقةُ بين الله والجنس البشري، بما فيها الخلاص والفداء. فالمبدأ هو هو في النظر إلى الله الخالق وإلى الله المخلّص: هو يفتدي كما يخلق. هو يبرّر كما يُحيي. هذا يعني أن خلاصه لا يرتبط بشيء فيه خلُص. وأن الانسان يرتبط بنعمة الله غير المشروطة في العهد كما في الخلق. هذا الارتباط بالله نساه الانسان. ووقع معاصرو يسوع، اليهود، في الخطأ عينه، فاعتقدوا أن العهد مع ابراهيم يرتبط بأمانة للعهد. يبقى عليهم أن يعرفوا الطابع الأساسيّ لله الذي يخلق والذي يُحيي.
وجاء النصّ المرتبط بابراهيم (آ 18) يرسم هذه العلاقة بين الخالق والخليقة، بين إناء العهد مع الله ومعطي العهد. لقد عرف ابراهيم أن تتمّة الوعد لا ترتبط بحياة له ولا بقدرة منه. فلا أساس للرجاء في ذاته، ولا في وضعه البشري. فكل ما له هو من الوعد. والوعد الذي أعطاه الله كان بلا شرط. وآمن ابراهيم بالوعد. وهذا الإيمان حسبه باراً.
في آ 19 نرى أهمية تك 15: 5- 6 في تفسير ما صار واضحاً، حين نفهم أن ما يتعلّق بإيمان ابراهيم، يعود إلى تك 17. على ضوء تك 15: 5- 6، لا يرتبط فهم تك 17 بما في آ 9- 14 (فريضة الختان)، ولا بوعد أعطي لسارة بأن يكون لها ولد (آ 15 ي). بل شدّد بولس على اللارجاء في الوضع البشريّ (تك 17: 17)، وعلى ضعف الانسان أمام قدرة الله. فهذه القوة ليست في جسده ولا في جسد سارة. بل في إيمانه. هذا ما وعاه ابراهيم حين رأى أن جسده (وجسد سارة) مات. ففهم أن معطي الحياة وحده يُتمّ وعده ويمارس قوّته. وقوّة إيمانه أفهمته أن لا شيء فيه يصل بالوعد إلى الله، وأنه يثق فقط بالله الذي يقيم الموتى ويدعو غير الموجود إلى الوجود.
ما شك ابراهيم بوعد الله (آ 20)، بل تقوّى، أو بالأحرى قوّاه الله في إيمانه. تعلّق بكلمة الله، وكان ذلك كافياً لأن هذه الكلمة تحمل وعدَ الخالق. ويتكرّر الكلام عن إيمان ابراهيم الذي لا يسنده شيء، لا الأمانة ولا العهد. ما كان لابراهيم شيء يعمله سوى الثقة بالله، وليس شيء آخر.
ثقة ابراهيم كانت غير مشروطة، وتخلّت عن كل عون، فتمجّد الله. وهكذا تحوّل ابراهيم من مثال اليهودي التقيّ إلى مثال الخليقة، إلى مثال رجل الإيمان الذي يرتبط كل الارتباط بمن أعطاه الحياة، والمثال لكل من يؤمن سواء كان من اليهود أم من الأمم.
ويدور العرض حول عنصرين اثنين: إيمان ابراهيم، وقدرة الله على تتميم الوعد (آ 21). ويتكرّر الكلام عن الإيمان في ضوء إيمان ابراهيم القويّ. لسنا هنا أمام انفعال قدريّ (ليكن هذا، لأننا لا نقدر أن نفعل شيئاً آخر)، ولا أمام خوف من إله مجهول أو عناية عمياء. بل ثقة بالله واعتراف بقدرته كالخالق. عرّف ابراهيمَ بمخطّطه، فوثق ابراهيم وما طرح سؤالاً ولا وضع شرطاً. لهذا لن يُنظر إلى إيمان ابراهيم كأمانة للعهد. فالإيمان ثقة بصدق الله الذي وحده يجعل وعده يتمّ تماماً كاملاً.
في آ 22، عاد بولس إلى نقطة البداية: بالإيمان تبرّر ابراهيم. لا بأي عمل، ولا سيّما بالختان. إيمانٌ يتجاوب مع وعد يتجاوز النظرة إلى شعب الشريعة. إيمان هو ثقة عارية بقدرة الخالق. بما أن هذا الإيمان يقبله الله، تبرّر ابراهيمُ بالنعمة. هناك قدرة الله وضعف الانسان. هناك وعد الله المجانيّ والثقة بالشريعة أو بالنسل. أين يقف مؤمنو رومة؟
في آ 23- 24 طبَّق بولس هذه النتيجة. ما كُتب تك 15: 6 ليحدّثنا عن ابراهيم الذي تبرّر، بل ليقدّم نموذجاً لنسله. إن إيمان ابراهيم هو النموذج الأول لإيمان المسيحيّين في علاقتهم بيسوع. هناك عنصران: الإيمان بالله. والله الذي يعطي الحياة للموتى. وقدّم الرسول توازياً بين ذاك الذي أخرج الحياة من حشا سارة المائت (آ 19)، وذاك الذي أقام يسوع من الموت. طبّق بولس نموذج ابراهيم الذي تبرّر فقال: «نحن الذين نتبرّر». هو الله الواحد الذي خلق، خلّص، برّر، فما يكون موقف الانسان سوى الإيمان كما فعل ابراهيم.
وانتهى «المدراش» أو الدرس والتأمّل في النصّ الكتابيّ، مع آ 25. وضع بولس جسراً بين التبرير وقيامة يسوع، بعد أن تحدّث عن تبرير ابراهيم حين آمن بالله الذي يُحيي الموتى. وسوف يضع جسراً بين الموت والمعاصي في 5: 15- 20. إن الكلام عن يسوع الذي أسلِم، يجد جذوره في الكنائس الأولى على ضوء اش 53. إن جزئي العبارة هما وجهان لقول لاهوتيّ واحد. فبولس ما أراد من قرّائه أن يميّزوا بين موت يسوع وقيامته وكأنهما نتيجتان منفصلتان. فالتمييز هو تمييز بلاغيّ. وفي الوقت عينه من الطبيعيّ أن نربط معاصي البشر بخيانة يسوع وموته، لا سيّما وأن المقولات الذبائحيّة هي جزء من فهم طريقة الله في التعامل مع الخطيئة. نجح بولس في فصل إيمان ابراهيم عن أعمال العبادة، فما تحدّث عن موت يسوع في إطار الذبيحة وأعمال العبادة. والرباط بين التبرير وقيامة يسوع أبعد في العرض السابق. فنعمة الله المبرّرة هي واحدة مع الخلق والقدرة على إعطاء الحياة. وثقة ابراهيم ستكون باطلة إن لم يعطِ الله سارة ابناً. وكذا يكون إيمان المسيحيّين لو لم يُقم الله يسوع. إن قيامة يسوع هي البرهان الإيجابي بأن القوة التي أعطت الحياة لسارة وابراهيم ما زالت تعمل في البشريّة. يُعرف الإيمان أنه مقبول، لأن لقبوله ذات القوّة الفاعلة التي أقامت يسوع وسوف تقيم الموتى (8: 11) بالروح الساكن فينا.

الخاتمة
ابراهيم هو أبونا، وقد آمن بالله الذي يقدر أن يُحيي الموتى. ففي نظر البشر، لم يعد لابراهيم قدرة أن يلد بحسب الجسد، فهو كأب قد مات. ولكنه آمن أن الله يقدر أن يعطيه نسلاً، وكلمةُ الله ووعده كانا له أهم من الطبيعة ونواميسها. فالخالق يقدر دوماً أن يخلق. وهو أيضاً المخلّص الذي يقدر أن يهب الحياة للمائتين وأولهم يسوع المسيح. وابراهيم لا يؤمن بالحتميّة. كما يرفض نظام الشريعة التي تنظّم كل شيء. فقد جعل في قلبه فتحة يدخل فيها الربّ. وها هو الله يعده أيضاً بحيث لا يستطيع أن يحسب حياته وكأنها جُمّدت. نحن هنا في نقيض الحكمة البشريّة التي لا تؤمن إلا بالحتمية. أما الإيمان فيختار الله الذي يقدر على كل شيء، الذي يصنع العجائب إن هو شاء. وهذا الاله ينظر إلى المؤمن كخليقة مبرّرة، كانسان حقيقيّ أمام إلهه. هذه هي الخليقة الجديدة. قيل كل شيء لابراهيم، وقيل أيضاً للمسيحيّ الذي يؤمن بإله يقيم الموتى، بإله أرسل ابنه: بموته كفّر عنا، وبقيامته برّرنا.
الفصل السادس عشر
التبرير والخلاص
5: 1- 11

يستخلص بولسُ الآن نتائج النظرة الجديدة إلى الإيمان. أولاً بالنسبة إلى المؤمن الفرد في الحاضر وفي المستقبل. هو يتألّم ولكنه يرجو الخلاص (آ 1- 11). ثم على مستوى تاريخ الخلاص الذي يوجز تاريخ البشريّة من الخلق إلى التتمّة في رَجلين، هما آدم والمسيح. واحد يحدّد مجال الخطيئة والموت، والآخر مجال النعمة والحياة (آ 12- 21). يُعتبر ف 5 خاتمةَ البرهان، ولا سيّما 5: 1- 11 في علاقته مع ما سبق. أما 5: 12 فيركّز على الوجهة الكونيّة، مع الانتقال من صيغة المتكلّم الفرد (أنا) إلى صيغة الغائب المفرد (هو). والتواصل مع آ 1- 11 يظهر في عودة الموضوع حول العصيان والطاعة اللذين يحدّدان حقبتين تضمّان التاريخ البشريّ.
بعد كلام عن التبرير في ف 1- 4، نصل في هذا المقطع إلى كلام عن التبرير الذي هو عربون الخلاص. أجل، بالإيمان نلنا هذه النعمة. ونحن نعيش على الرجاء الذي هو انتظار الخيرات الاسكاتولوجيّة، وهذا الرجاء لا يخيب بعد أن حلّت محبّة الله في قلوبنا.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 1، بدل «نعمنا» (أي كان لنا) في الحاضر، هناك من قرأ صيغة التمني: لننعم. لو كنا أمام إرشاد (رج إش 27: 5: بوييسومان: لنصنع) لكان الأمر صحيحاً. ولكننا أمام تأكيد بسيط نستخلصه ممّا سبق.
في آ 2، هناك انقسام بين المخطوطات والترجمات حول «بالإيمان». هل نُبقي عليها، أم نستبعدها؟ يمكن أن نُبقي عليها في خطَ ما برهن عنه بولس سابقاً.
في آ 8 غاب لفظ «الله» من الفاتيكاني وافرام الأرمنيّ. كما تبدّل ترتيبُ الكلمات هنا وهناك.
في آ 11، نسيَ بعضُ النسّاخ أسلوب بولس، فبدّلوا اسم الفاعل إلى صيغة الحاضر: «مفتخرون» صارت «نفتخر». في الفاتيكاني وعدد آخر قليل من المخطوطات غاب لفظ «المسيح» فقرأوا: «الفضل لربّنا يسوع الذي».
ب- بنية النصّ
هذا المقطع مبنيّ بناء محكماً. جاءت آ 9- 11 جواباً على آ 1- 3 عبر تكرار «تبرّرنا» (آ 1، 9)، نفتخر (آ 2، 3، 11)، «ديا» (آ 1، 2، 9- 11، بواسطة، بالمسيح)، ليس فقط بل أيضاً (آ 3، 11). ونلاحظ أيضاً التدرّج البلاغيّ في البرهان (آ 3- 5)، والذروة في آ 6- 10 (ضعفاء، أشرار، خطأة، أعداء)، ويتكرّر فعل «مات» أربع مرات في نهاية كل جملة من آ 6- 8. ويتكرّر في آ 9- 11: فكم بالأولى. هناك من تكلّم عن نشيد ليسوع المصلوب في آ 6- 11. إذا أردنا أن نكتشف العنصر المشرف على النصّ، نتحدّث عن السلام، المصالحة، الر جاء (آ 2- 5). وهناك الانشداد الاسكاتولوجيّ الذي هو سمة خاصة تميّز المقطع كله.

1- تحليل النصّ الكتابيّ (5: 1- 11)
نجد في هذا النص أربعة مقاطع. نقطة الانطلاق (آ 1- 3). تبرَّرنا بالإيمان فوصلنا إلى النعمة التي يمنحها الله لنا. وهكذا يصل الرسول إلى كلام عن الصبر في الشدّة (آ 4- 5). في آ 6- 8، مات المسيح عنا نحن الضعفاء، وهكذا برّرَنا بدمه (آ 9- 11).
«فلما برّرنا» (آ 1). استعمل بولس «ديكايوو» في الماضي الناقص (رج 3: 4 عن الله، 4: 2 عن ابراهيم). مع أنه اعتاد أن يستعمل الحاضر (3: 24، 26، 28؛ 4: 5) أو المضارع (2: 13؛ 3: 20- 30). استعمل هذه الصيغة هنا ليدلّ على عمل الله في الماضي. هو اسم الفاعل: إذ بُرّرنا. قبلَنا الله في هذه العلاقة وفي هذا الوضع (الذي نعم به ابراهيم «خليل الله». «هذه النعمة التي نقيم فيها» آ 2). وبرّرنا في الدينونة الأخيرة («رجاء المجد»، آ 2). رج 2: 13.
«بالإيمان». هو عمل خاص فيه يمارَسُ الإيمانُ أولاً. هو أول عمل فيه نرتبط بالله. هو العمل الأول في الاستسلام لله. يعتبر بولس أن جميع (أو معظم) قرّائه مرّوا في هذا الاهتداء، وأن هذا جزء أساسيّ في التزامهم. ومع أن المعموديّة جزء من هذه المسيرة (6: 4)، إلاّ أنّ لا شيء يشير إلى أن بولس يحدّث قرّاءه هنا عن المعموديّة. وفي الوقت عينه، مع أن الصورة الأولى تدلّ على الإيمان كما مارسه ابراهيم (4: 16)، إلاّ أن هذه الجملة هي المفتاح لما في 1: 17 (أمانة الله وإيمان الانسان): إيمان ابراهيم هو إيمان بالله الأمين لوعده.
«نعمنا بسلام». «ايريني». السلام أي اللاحرب. معنى سلبيّ في العالم اليونانيّ. رج تث 20: 12؛ قض 4: 17؛ 1 صم 7: 14؛ 1 مل 2: 5؛ اش 6: 16. يمكن أن نقرأ هذا المعنى هنا (آ 10). ولكننا نستطيع أن نجد المعنى الايجابي (1: 7). ولا سيّما البُعد الروحي للسلام (سلام في علاقة مع الله). لسنا فقط أمام موقف باطني. «ش ل و م» هو موقف روحيّ (رج المصالحة في آ 10- 11). وقد يتبع هذا السلامَ التبرير.
لا بدّ أن نتذكّر في سياق النصّ (في الفكر اليهوديّ) أن عطيّة السلام ترتبط بالعهد (عد 6: 22- 27؛ مز 55: 18- 19؛ اش 48: 17- 22؛ إر 14: 19- 21؛ سي 47: 13؛ 2 مك 1: 2- 4). وهناك عهد سلام مع كهنوت فنحاس (عد 25: 12؛ ملا 2: 4- 5؛ سي 45: 24). ثم إن السلام والبرّ مفهومان يتكاملان (مز 35: 27؛ 72: 3؛ 85: 10؛ إش 9: 7؛ 32: 17)، وفي الرجاء النبويّ، ملءُ ازدهار سلام الله ينتمي إلى الزمن المقبل (اش 9: 6- 7؛ 54: 10؛ حز 34: 25- 31؛ مي 5: 4). ما يريد أن يقوله بولس هو أن السلام الاسكاتولوجي بدأ مسيرته وهو سيتمّ. فيبدو الانشداد حاضراً بين ما تمّ حتّى الآن وما لم يتمّ بعد (2: 10؛ 14: 17).
«المسيح يسوع». رج آ 1، 11، 21. في كل آية نجد وجهة مختلفة في دور الوسيط الذي يُنسب إلى المسيح الممجّد. فوق، حركة مديح (آ 11). تحت، حركة نعمة (آ 21). نرى هنا التبادل في دور الوسيط «وسيط الدخول» (آ 2). ذاك هو دور خاص ليسوع في وجوده كقائم من الموت.
«به دخلنا» (آ 2). رج آ 1. «بروساغوغي» (دخول): لفظ عبادي. الدخول إلى المعبد حيث حضور الله. رج نج 11: 13- 15. هي علاقة شخصيّة بين الله والمؤمنين. استعمل الرسول الفعل في صيغة الكامل، فدلّ على بدايةِ الدخول إلى حضرة الله (بعد أن تبرّرنا) وتواصُلِ العمل (سلام مع الله). هكذا عبّر الرسول عن الخلاص وعن مفهوم التبرير (1: 17). «النعمة» (خاريس). حالة نَدخلُ فيها. هي قدرة الله المجانيّة تصل إلى البشر وتعمل فيهم. هي دائرة النعمة. هي حالة انطبعت بنعمة الله (مد 4: 21- 22؛ 7: 30- 31). هذه النعمة تدلّ على علاقة إيجابيّة بين الله والانسان. والوعد بالدخول إلى العهد، ينتج عن علاقة مع الله قامت وتثبّتت.
«ونفتخر» (نقدر أن نقول أيضاً: لنفتخر. رج آ 1). نفتخر. رج 2: 17، 23؛ 3: 27؛ 4: 2. الرجاء. رج 4: 18. مجد الله. رج 1: 23؛ 3: 23. انقلب الوضع الآن. فالافتخار الذي يتحدّث عنه بولس الآن، هو إيجابي ويمكن أن نأخذ به. ومجد الله شيء نستطيع أن ننظر إليه (ليس شيئاً ضائعاً). هناك افتخار لائق، ولكن هذا الافتخار ممكن فقط لإنسان يُقيم في نعمة الله، بحيث يُصبح افتخارُه من الله الذي به ارتبط كلّه دون أن يعود إلى أي امتياز. هو افتخار واع لما ليس بعد، وواثق بما سيأتي. هو ثقة الخليقة بأن مخطّط الخالق يتمّ في خليقته. أما بالنسبة إلى مجد الله، فيعود إلى موضوع آدم (1: 21؛ 3: 23). ومخطّط الله في الخلاص، يُفهم بلغة تكوين (وتتميم) البشريّة الساقطة إلى المجد الذي سقط عنه الجميع (8: 17؛ 2 كور 3: 18؛ 1 تس 2: 12).
«ليس فقط بل أيضاً» (آ 3). طريقة خاصة ببولس (5: 11؛ 8: 23؛ 9: 10؛ 2 كور 8: 19). أخذها من العالم اليوناني والأدب اليهودي. «تليبسيس»: الشدة، الضيق الذي تحمله الظروف. رج 2 كور 1: 4، 8؛ 2: 4؛ 6: 4؛ 7: 4؛ غل 1: 17؛ 1 تس 1: 6؛ 3: 3). ويمكن أن يكون كلامٌ عن الشدائد في اليوم الأخير (دا 12: 1؛ مر 13: 19، 24). وهناك الانشداد الاسكاتولوجيّ بين ما هو الآن وما لم يأتِ بعد، كسِمة في كل هذا المقطع (آ 1- 11). رج 8: 35؛ 12: 12؛ 1 كور 7: 28؛ 2 كور 4: 17؛ كو 1: 24. وهناك وجهة في النظر إلى الخلاص بيسوع المسيح: الآلام التي يقاسيها المؤمنون في الحقبة الواقعة بين زمن قديم (زمن آدم) وزمن جديد (زمن المسيح)، هي محمولة لأنها مشاركة في آلام المسيح وموته.
«عارفين» (لعلمنا). هي خبرة مشتركة بين بولس والمؤمنين. «هيبوموني»: الصبر، المقاساة، القوّة، الثبات. هي فضيلة مميّزة لدى اليونان ولا سيّما الرواقيّين، ولدى اليهود (مز سل 2: 36؛ وص يوسف 2: 7؛ 10: 1- 2). رج 4 مك 1: 11؛ 7: 9؛ 9: 8، 30. يرى بولس أهمية «الصبر» المسيحي. رج 2: 7؛ 5: 3- 4؛ 2 كور 1: 6؛ 6: 4؛ 2 تس 1: 4؛ 3: 5. ق يع 1: 3- 4؛ 1 بط 2: 20؛ رؤ 2: 2- 3. أراد بولس أن ينظر إلى الضيق نظرة إيجابيّة، ولكنه يرى أنه يجب أن نستعدّ لاحتمال الألم، لا أن نتهرّب منه، أن نتحمّله في طريق حياتنا.
ب- الصبر امتحان (آ 4- 5)
«والصبر امتحان» (آ 4) «دوكيمي» (امتحان) كلمة خاصة ببولس في العالم اليونانيّ البيبليّ: صفة شيء امتُحن، اختُبر. رج 2 كور 2: 9؛ 9: 13؛ فل 2: 22. بما أننا لم نقرأ هذا اللفظ قبل بولس، فقد يكون بولس أول من استعمله. أما الصورة التي وراءه (امتحان الذهب بالنار) فهي معروفة. هنا يقف الرسول في عالم الحكمة مع أي 23: 10؛ أم 8: 10؛ 17: 3؛ سي 2: 5؛ حك 3: 6. ويفكّر، بلا شك، أن يمنحه لإبراهيم ولا سيّما حين قدّم ابنه. وارتبط الامتحان بالصبر في العالم اليهودي. رج يوب 19: 8؛ وص يوسف 2: 7؛ 4 مك 9- 8؛ 17: 12؛ ق يع 1: 3؛ 1 بط 1: 7. النظر إلى الضيق كاختبار إلهي من أجل الامتحان والنضوج هو المفتاح الذي يقدّمه بولس تجاه الألم. لا بدّ للقرّاء أن يروا التعارض، بين مسيرة الخلاص المطبوعة بالامتحان، ومسيرة الغضب المطبوعة بروح لم يُختبَر (1: 28).
«والامتحان يلد الرجاء». هنا يبتعد العالمان اليهوديّ والمسيحيّ عن العالم اليونانيّ، ولا سيّما الرواقيّ منه. فالرجاء (اليونانيّ) تنقصه الناحيةُ الايجابيّة، فيشدّد على الصبر والامتحان (رج 4: 8). أما الرجاء اليهوديّ المسيحيّ الذي هو ثقة بالله، فينظر إلى أبعد من العالم المنظور في الدهر الحاضر. في العبريّة «ت ق وه». رج أي 14: 19؛ مز 9: 18؛ 62: 5. ربط بولس بين هذه الأفكار في 12: 12؛ 15: 5، 13. في ا تس 1: 3 نقرأ «صبر الرجاء».
«رجاؤنا لا يخيب» (آ 5). «كاتايسخينو» (خجل). هناك فكرة افتخار لا يخيب. مز 22: 5؛ 25: 2- 3، 20؛ 31: 1، 17. رج اش 28: 6 الذي ورد في روم 9: 33؛ 10: 11 كما في 1 بط 2: 6. يتطلّع بولس إلى خبرة الرجاء. هو يفكّر بالتبرير النهائي. ولكن الفعل هو في الحاضر. منذ الآن لا نخيب. وصيغة المجهول تعني أن الله لا يخيّبنا.
«لأن محبّة الله». «هوتي» (لأن) تدلّ على أن ما يتبع يجد أساسه في رجاء واثق. بالنسبة إلى المحبّة (أغابي) رج 12: 9. محبّة الله هي محبته لنا لا محبتنا له. محبّة الله ليست شيئاً نؤمن به على أساس الانجيل أو شهادة الصليب (آ 8)، وليست تأكيداً على حبّ الله، بل هي حبّ الله نفسه الذي نختبر في قدر كبير من الغنى. رج 8: 35، 39؛ 2 كور 5: 14؛ أف 2: 14؛ 1 يو 2: 5؛ 3: 17. أما عبارة محبّة الله، فنقرأها فقط في 5: 5؛ 8: 39؛ 2 كور 13: 13. والرباط بين الروح والمحبة. رج 15: 30؛ غل 5: 22؛ فل 2: 1؛ كو 1: 8؛ 2 تم 1: 7.
جاء الفعل «إكخايو» (سكب) في صيغة الكامل. ومع أنه يُستعمل عن شيء نلناه في الماضي (بالنعمة، مز 45: 2، بالرحمة سي 18: 11)، فالارتباط مع الروح الحاضر في هذا السياق يدلّ على لغة مسيحيّة في عودة إلى حدث العنصرة المؤسّس. إن صيغة الكامل تدلّ على حدث سابق ما زال فعلُه حاضراً. تلك هي خبرة بولس. «في قلوبنا». الله يعمل عمله على مستوى الإرادة والعاطفة (1: 21؛ 2: 15). يعمل عبر الروح في تتمةٍ لوعِد إر 31: 31- 34 (رج 2 كور 3: 3). وهنا يَفترقُ المسيحيون عن اليهود. رج 2: 29. «بالروح القدس». أي بواسطة الروح القدس. رج 1 كور 12: 7 والمواهب التي هي تجلّي الروح القدس. هنا لا نحصر الروح كله في خبرة محبّة الله. في الانتظار النبويّ نُظر إلى سكْب الروح كعلامة للدهر الجديد (اش 32: 15؛ 34: 16؛ حز 11: 19؛ يو 3: 1- 5). أجل مع موت المسيح وقيامته، بدأ الدهرُ الجديد الذي انتظره اليهود.
الخبرة هنا هي خبرة محبٌّة الله، ولا فرق بين عطيّة الروح وسكب المحبّة. في مواضع أخرى، جُمع الروح مع خبرة الفرح (1 تس 1: 6) والمعجزات (غل 3: 5) واعلان المواهب (1 كور 1: 4- 7) والتحوّل الخلقيّ (1 كور 6: 9- 11؛ رج أع 8: 17- 19؛ 10: 44- 47؛ 19: 6). وهبةُ الروح هي التي تحدّد انتماءنا إلى المسيح، وتلعب وظيفة علامة بأننا نخصّ المسيح. بما أن بولس يرى في الله (لا في المسيح، رج أع 2: 33) ذاك الذي يعطي الروح، فهذا يدلّ على نظرته إلى العلاقة بين المسيح الممجّد والروح. وخبرةُ الروح هذه تعود بنا إلى المعموديّة. رج 1 كور 12: 13؛ 2 كور 1: 22؛ غل 3: 2- 5.
ج- ولما كنا ضعفاء، مات المسيح (آ 6- 8)
«ولما كنّا ضعفاء» (آ 6). إن آ 6- 8 تبرّر الرجاء المذكور في آ 3- 5. «مات المسيح». نحن أمام إعلان مسيحيّ يربط الصلب بالمسيحانيّة. رج 1 كور 1: 23؛ غل 2: 20- 31. «استانيس» (ضعيف). هو الوضع البشريّ مقابل قدرة الله (8: 26؛ 1 كور 15: 43؛ رج حك 9: 5). بعد الضعفاء يأتي الخطأة والأعداء (آ 6، 8، 10). كنّا ضعفاء، في الوضع السابق للإيمان. ولكننا لا نزال ضعفاء، خلال وجودنا البشريّ في زمن الانشداد الاسكاتولوجيّ وما يرافقه من آلام (رج آ 3؛ 8: 26؛ 2 كور 11: 29- 30؛ 12: 5، 9- 10). «في الوقت». هو الوقت المناسب. أو وقت الرضى. أو الزمن الاسكاتولوجيّ. وقد يعني: في وقت نكون فيه ضعفاء. ولكن يبقى المعنى الاسكاتولوجيّ هو الأفضل. «مات المسيح من أجل». رج 14: 15؛ 1 كور 25: 3؛ 2 كور 5: 15؛ 1 تس 5: 10؛ 1 بط 3: 18. هو تعبير الإيمان في الأناجيل كما وَرثهَ بولس. ويعلن بولس أن المسيح مات، لا من أجل الأبرار، بل من أجل الأشرار (اسابايس، يعيشون خارج الأمانة للعهد). هذا يعني البشريّة كلها، اليهود والأمم. في موضع آخر يقول بولس: من أجلنا نحن الذين تمرّدنا على الحبّ، نحن الخليقة التي سقطت (8: 19- 23).
«وقلّما يموت أحد» (آ 7). تذكّر بولس حك 10: 20: الأبرار يسلبون الأشرار. وفي كتب المكابيّين، مات الشهداء من أجل العهد، من أجل أمّة هي شعب الله، وما ماتوا من أجل أفراد أتقياء. وموت انسان من أجل انسان آخر لم يكن أمراً يُنصَح به. ولكن المسيح، كما قال بولس، قلب الموازين. ويتابع الرسول: قد يرضى واحد أن يموت عن انسان صالح (وص أشير 2: 3).
«ولكن الله» (آ 8) فعل ما لا يفعله أحد من البشر. وليس من أجل انسان واحد، بل من أجلنا جميعاً. بعد صيغة الكامل (آ 5)، ها هي صيغة الحاضر حيث يعود الرسول إلى موت المسيح الذي يدلّ في كل وقت على حبّ الله (1 كور 1: 23). وحبّه من أجل الخطأة (هامرتولوس). إن حبّ الله لا ينحصر في الذين يعيشون داخل العهد (الأبرار، آ 7)، ولا يرتبط بما يمكن أن نمارس من أعمال الشريعة. وهذا الحبّ الذي بدأ في موت المسيح ما زال حاضراً. تحدّث بولس عن موت المسيح كبرهان عن حبّ الله (3: 25؛ 2 كور 5: 19). إن موت المسيح الذي هو خير للخاطئين، يُثبت أن هذا الموت ذبيحة (ذبيحة عن الخطيئة)، من أجل الخطأة لأنهم خطأة. وهو «يستر» خطاياهم التي اقترفوها ضدّ الشريعة. بل إن الشريعة صارت خارج هذه النظرة مع التكفير عن الذين في داخل العهد.
د- بعدما تبرّرنا بدمه (آ 9- 11)
«فكم بالأولى» (آ 9). عبارة معروفة لدى المعلّمين (ق ل. و. ح و م ر: خفيف وثقيل). استعملها بولس أربع مرّات في ف 5 (آ 9، 10، 15، 17). رج مت 6: 30؛ 1 كور 12: 12؛ 2 كور 3: 9، 11؛ فل 1: 23. «تبرّرنا». رج آ 2 الذي تجعلنا في الزمن الحاضر. وهنا، على المستوى الاسكاتولوجيّ. هذه اللغة تفترض علاقة العهد بين الله وشعبه، حيث الذبيحةُ (بدمه) تكوّن جزءاً أساسياً في مسيرة العهد. إن موت المسيح الذبائحيّ يقيم العهد الجديد (الذي يضمّ أيضاً الأمم)، يأخذ دور كلّ الذبائح ويجعل الذبائح السابقة غير ضروريّة.
«نخلص». يتابع بولس هنا الموضوع الكرازي (1 تس 1: 9- 10). الصورة المستعملة هنا هي نجاة من وضعٍ يحملُ الخطر. والخطر هو ذات الغضب الذي صوّره بولس في 1: 18- 32، ولا سيّما في تعبيره الأخير (2: 5). مدلول الخلاص، يتوجّه إلى المستقبل. وقد استعمل بولس الفعل في صيغة المضارع (آ 9- 10؛ 9: 27؛ 10: 9). إن البرّ يقود إلى الخلاص، والبرّ ينظر إلى الخلاص. تلك هي النظرة اليهوديّة (سي 34: 13؛ حك 5: 2؛ 1 أخن 1: 1؛ 5: 6؛ وص نفتالي 8: 3). أما تمييز المدلولَين عند بولس فيتركّز على عبارتين: «في دمه»، «به». فوساطة المسيح حاسمة في نهايتَي هذه المسيرة. فعملُ الله عبر المسيح، حوّل المقولات وطبّقها تطبيقاً شاملاً. «نحن» الأمم واليهود، لا فقط «أتقياء» اسرائيل. هناك علاقة بين التبرير الأول والتبرير الأخير. وبما أن مسيرة الخلاص لم تكتمل، فهذا يعني أن المؤمن لم ينجُ بعد من عمل الغضب في الزمن الحاضر، ولا من الدينونة في اليوم الأخير (14: 10؛ 1 كور 3: 14- 15؛ 2 كور 8: 10). «فكم بالأولى» تدلّ على مسيرة تامّة، لا على بعض تبدّل، في قلب لاهوت بولس، من التبرير إلى الحياة في المسيح.
وتأتي مرة أخرى في آ 10 عبارة «فكم بالأولى». «اختروس» عدو، مُبغَض لدى الله (اسم المفعول). رج 11: 28 والمقابلة مع «أحبّاء». وقد نكون أمام اسم الفاعل: الانسان يُبغض الله. رج 8: 7؛ كو 12: 1. حينئذ نكون أمام تمرّد حرّ على الله (1: 18 ي). ثم إن الغضب يدلّ على جزء فاعل من العداوة لله. تجاه هذا، نكتشف مبادرة الله وما فيها من سخاء ومجانيّة. «صالَحَ». إن صورة المصالحة قد استُعملت فقط في الكتابات البولسيّة. رج آ 11؛ 11: 15؛ 2 كور 5: 18- 20؛ كو 1: 20- 22؛ أف 2: 16. هي عداوة بين اثنين. تنتهي هذه العداوة فيحلّ السلام والرضى (آ 1- 2). مصالحة بين الرجل وامرأته. مصالحة بين الملك وعبيده. مصالحة بين قوى متحاربة. «كاتالاسو» (صالح) يقابل «بُرّر» (آ9 ) «بموت ابنه». فكرة المصالحة عبر وسيط أمرٌ معروف. هناك موسى وغضب الله على اسرائيل (مز 106: 23؛ يوسيفوس، العاديات 3: 315). وهرون (حك 18: 20- 25) وفنحاس (سي 45: 23). ثمّ الكهنوت الذي يقدّم ذبائح الخطيئة عنه وعن نسله. حين يُذكر «الابن»، فهذا يعني أننا لسنا فقط أمام مبادرة إلهيّة، بل أمام عمل الله بواسطة ابنه (2 كور 5: 19). ابنُ الله قريب من الآب. هو ابنه الوحيد. والعلاقة تامّة بينهما. هنا لن نتكلّم عمّن يميل بغضب الله عن البشر. إن موت يسوع كابن الله كان نقطة رئيسيّة في لاهوت بولس. «أن نخلص». رج آ 9. ما أراد الرسول أن يتحدّث عن وظائف مختلفة في المسيح: الموت القيامة، وهنا الحياة (زوئي). إن موت المسيح حلّ مسألة غضب الله والعداوة بين الله والانسان. والخلاص تمّ، لا فقط بقدرة المسيح القائم إلى الحياة، بل عبر تماهي المؤمنين مع هذا الخلاص: مسيرة الخلاص هي مشاركة في موت المسيح وقيامته (6: 3، 11؛ 7: 4؛ 8: 17). في هذا المجال، يجد الانشدادُ الاسكاتولوجيّ عباراته القويّة (6: 4؛ 8: 10؛ 2 كور 4: 10- 12؛ كو 3: 3- 4). والقيامة (ملء خبرة الحياة) المقبلة للمؤمن تُذكَر في 6: 5، 8؛ 8: 11؛ 1 كور 15: 20- 22؛ 2 كور 4: 14؛ فل 3: 10- 11. كان الرجاء بالقيامة معروفاً في العالم اليهوديّ المعاصر، ولكن لا القيامة التي تتمّ بواسطة وجه خلاصيّ خاص.
«وليس فقط، بل أيضاً» (آ 11). رج 5: 3. استعمل بولس عبارة مفتوحة، ليدلّ أنه يريد بعدُ أن يقول، فيضيفُ إلى ما سبق وقال. أما هدفُه فجمْعُ ما قاله في عبارة واحدة، منذ بداية المقطع (الافتخار، آ 2- 3) إلى نهايته (المصالحة، آ 10). «نفتخر». هو اسم الفاعل في معنى الحاضر: الافتخار هو سمة متواصلة لدى المؤمن، حتى في الوقت الفاصل بين المصالحة والخلاص، والذي يتميّز بالألم (آ 2- 3). إن الافتخار الذي يتطرّق إليه بولس هنا يُفلت من النقد في 2: 17، لأن المسيحيّين يفتخرون في المسيح (فل 3: 3): تصالحوا بعمل الله في المسيح، فارتاح رجاء الخلاص في الله وحده. نحن هنا في إطار ليتورجيّ (المجدلة)، في خطّ العبادة اليهوديّة. هو تواصل ولاتواصل، لأن «نحن» الذي يفتخر هو الأمم واليهود معاً.
«ربّنا يسوع». يسوع هو وسيط شكرنا لله (1: 1). ووساطتُه تضمّ موتَه وقيامته للحياة. استعمل بولس هنا اللقب كاملاً (الربّ، يسوع، المسيح) ليفصل العبادة المسيحيّة عن العبادة اليهوديّة. «به نلنا المصالحة». وهكذا ظلّ دورُ يسوع كوسيط حاضراً حتّى النهاية (آ 1، 2، 9، 10، 11). و«الآن» تحافظ على الرجاء الاسكاتولوجيّ الذي تمّ الآن (آ 9؛ رج 3: 21). والفعل الأخير في صيغة الماضي الناقص، اعاد الكلام عن الرجاء والافتخار إلى حيث كان العملُ الحاسم (على الصليب وفي حياتهم) دون أن ينسى التشديد (آ 10، 11) على أن الخلاص ما تمّ بعد.

3- خلاصة لاهوتيّة
انطلق بولس من شهادة الكتاب حول ابراهيم، فبيّن كيف يجب أن يُفهم كلامُ الكتاب حين يقول إن الله برّر الانسان. وها هو يعود إلى هذه النظرة وما تشتمل، من أجل المؤمن الفرد ومن أجل البشريّة كلها.
«لهذا» (آ 1). هو بولس يستعيد استنتاج تأويله ليصل إلى كل من يؤمن (4: 23- 24). في ف 4 كان كلام عن «البرّ» مع تك 15: 6. وهنا عاد إلى فعل «برّر» الذي يعني «حسب باراً» (3: 20- 26). ما يقول بولس الآن عن نفسه وعن قرّائه (تبرّرنا)، هو ما قاله تك 15: 6 عن ابراهيم. والكلام الذي يستعيده من ف 4، هو أن الله يبرّر بالإيمان. يجعل الله الانسان واقفاً. يرى فيه شريكاً مقبولاً في علاقة العهد، على أساس ثقة الانسان به وقبوله لوعد الله غير المشروط بأن يعمل من أجله. فالعهد مع ابراهيم يبقى الخلفيّة الضروريّة لهذا الكلام. استعمل الرسول الماضي الناقص، ولكن كلامه لا ينفي صيغة أخرى. فتبرير المؤمنين حاضر، وقبولُهم ليس عملاً من الماضي وحسب. أجل، جئنا إلى وعد الله وتمامه حين قبلنا هذا الوعد.
ويصوّر بولس نتائج هذا القبول الأول، قبولنا في دائرة عهد الله الموعود به. كما يصوّر تبريرَ الله يوماً بعد يوم في الواقع. هناك خبرة السلام مع الله (أو أقلّه إمكانيّة السلام مع الله). والتبرير الناتج عن السلام يعود إلى اش 32: 17. فالسلام ليس انتفاء الحرب وحسب، بل النجاح والازدهار، وكل هذا يرتبط بعلاقة الانسان مع الله.
سلام مع الله، ولكن هناك سلام بين البشر. لا يستبعد بولس هذه الوجهة، ولا بروحن المدلول، ولا يحصره في بعض الراحة، بل يعطيه بُعداً اسكاتولوجياً ينطلق من الحياة اليوميّة. بدون سلام بين الله والانسان، بين الخليقة والخالق، لن يُوجد سلامٌ بين الانسان والانسان. ورجاء السلام الاسكاتولوجي تحقّق في المسيح كما وعد به الأنبياء. وهذا السلام لا يكون في شعب واحد، بل في البشريّة، في الأمم واليهود. إن السلام الذي يمنحه الله، يضمّ الأعراق والأمم بدون تمييز، «بواسطة ربنا يسوع المسيح». إن يسوع قام من الموت، وما زال يعمل من أجل العلاقة بين الله والمؤمنين. ويسوع الذي يسود البشر (الربّ)، هو وسيط سلام بين الله والجنس البشريّ. ذاك هو أساس إيمان بولس حول دور يسوع في تحريك العلاقة الشخصيّة مع الله والحفاظ عليها. مشى الله مع بولس في طريق دمشق وما زال يفعل، لا من أجل يسوع الذي انتهت حياته على الصليب، بل عبر يسوع نفسه.
وهناك وجهة أخرى (آ 2) لموقف المؤمن في علاقته بالله عبر الرب كوسيط (آ 2)، نجدها في عبارة «لدخول إلى هذه النعمة». هو امتياز. وهو رضى من قِبَل الله. فالمؤمن يقف في حضرة الله (وراء الحجاب). أما المسيح فأعان الذين يطلبون القرب من الله بواسطته، واثقين به. «ونفتخر». يستعيد بولس لغة الافتخار التي استدناها (رآها دنيئة من قبل 21: 17، 23؛ 3: 27؛ 4: 2). افتخر اليهود بسبب وضعهم المميّز بين الأمم. وتحدّث بولس عن افتخار بالخالق (1 كور 1: 29، 31). الافتخار بالشريعة وبالاختيار الالهي أمر سيّئ (الختان، النظرة الوطنيّة). لهذا كان كلام عن افتخار «برجاء المجد». هذا المجد هو مشاركة في حياة الله وسيادته على الخليقة. هو رجاء الخليقة بأن يتمّ مخطّطُ الله في البشر. وهذا الرجاء هو ثقة، لأن تتمّته تكون مع الله. وهو يربطنا فقط بقدرة الله ورضاه في ثقة متواضعة كما كان الأمر بالنسبة إلى ابراهيم (4: 18). إن الله يفرح بمثل هذا الافتخار، افتخار الانسان بخالقه، حيث يتمّ قصدُه من أجل البشر وتصل قدرتُه إلى ما يشاء.
وهناك افتخار آخر (آ 3- 4): الافتخار بالشدائد. هنا يشعر المؤمن أنه خليقة، وأنه واعٍ لارتباطه بالله. في نظر بولس، مثلُ هذا الألم لا يعارض خبرة المؤمنين الذين يقبلهم الله، بل يكمّلها. ولا يعارض وقفة الانسان في نعمة الله، بل هو شرط لاختبار النعمة في ملء قوّتها.
اللغة هنا بولسيّة وإن كان وراءها الفكر الرواقيّ والكتُب اليهوديّة. فالشدائد ليست فقط سهاماً يرسلها الحظُّ التعيس، بل نهاية تصل بنا إلى انحلال الزمن الحاضر (دا 12: 1)، واحتمال صبور حتّى نهايةٍ يدعونا يسوع إليها (مر 13: 13) وخبرة تنقية أخيرة (ملا 3: 2- 3) بدأت منذ الآن. كل هذه المسيرة تُنتج الرجاء لأنها مسيرة خلاص، مسيرة فيها يعيد الله خلق البشريّة على صورته. كلُّ هذا يعارض فساد الجنس البشريّ الذي تحدّث عنه 1: 21- 32. فالانسان الذي ترك مجد الله يستسلم إلى التسامح مع غرائزه، ما عاد له أن ينظر إلاّ إلى الموت. أما المؤمن الذي ينظر إلى مجد الله، فهو يرى في الألم ما يقدّمه العالم من واقع ويتنقّى في حياته ويتقوّى في إيمانه.
مثل هذا الرجاء لا يمكن أن يخيّب الانسان (آ 5). هنا يسير بولس في خط معاكس لذاك الذي سار فيه في ف 1. مثل هذا التسامح الغرائزي يحمل الخيبة. أما الرجاء الذي يُولَد من الخلاص فلا يخيّب. فلا الضعف ولا الفشل ولا الألم هي خيبة. إن رجاءنا هو في الله، على مثال الرجاء الذي عاشه ابراهيم فأكرمه الله.
ولكن السبب الذي يذكره بولس الآن هو أن محبّة الله وروح الله أغنيا خبرة المؤمنين في حياتهم. استعمل بولس لغة العنصرة (سكب في قلوبنا)، فذكّر المؤمنين بخبرة كانت لهم حين صاروا مسيحيّين. ميّز بين عنصرين: روح الله يُعطى مرة واحدة (الماضي الناقص). محبة الله ما زلنا نختبرها (صيغة الكامل). وقد يكون فكّر بروح الله كبداية عمل قدرة الله، فجعل الخلاص يسير مسيرته، والقناة التي فيها يجرى موج الحبّ الالهي. هي نقطة واضحة: رجاء خلاص تام أو بناء من أجل مجد الله. هذا ليس بباطل وليس برجاء حالم، لأن المسيرة قد بدأت منذ الآن. إن رجاء المؤمن المستقبل لا يتأسّس حتّى النهاية. بما أن رجاء القيامة المقابلة يرتكز على قيامة المسيح التي تمّت (1 كور 15: 17- 22)، فرجاء المجد الآتي يرتكز على خبرة النعمة التي ننعم بها الآن (آ 2). وهكذا يُولد رجاء الخلاص التام من خبرة قدرة الله الاسكاتولوجيّة التي تُكمل قصد حبّ الله (آ 5).
وتقدّم آ 6- 8 أساساً آخر لما قيل في آ 1- 5. الأساس للثقة هو موت المسيح. ويتكرّر فعل مات في نهاية كل جملة. فموت المسيح هو تعبير عن حبّ الله الواحد. حبُّ الله الذي سُكب في قلوبنا، يقابل حباً عبِّر عنه بصلب المسيح. إن التفكير في مدلول موت المسيح يُثبت شهادة قلوبنا، لأنه الحب الواحد في الحالين.
ويذكّر النصّ القرّاء بوضعهم البشريّ، وهو وضع يجب أن يُفلتوا منه ليصلوا إلى نعمة الله، وضع وصلت إليهم فيه نعمة الله وتصل الآن. كانوا ضعفاء. على المستوى الجسديّ والمعنويّ. هناك الجسد المائت على المستوى الجسديّ، وهناك عدم تمكّن فعل إرادة الله تجاه قوّة الخطيئة. هم بلا إله. عاشوا بمعزل عن الله. أو رأوا نفوسهم أكثر من خليقة. فالمفارقة بأن الله يحبّ الأشرار يعود بنا إلى 4: 5. كانوا خطأة لأنهم لم يعرفوا الشريعة، أو عرفوها وما حفظوها. ولكن الله لا ينظر إلى شروط مسبقة ولا يخضع لممارسة الشريعة. فالمسيح مات من أجل الخطأة. هؤلاء الخطأة بولس هو منهم والمؤمنون في رومة، سواء كانوا من اليهود أم من الأمم. لهذا جاءت صيغة المتكلّم الجمع (نحن خاطئون).
«فكم بالأولى» (آ 9) قدّمت آ 6- 8 الركن الأول: رجاء الإيمان أو يقين حبّ الله في موت يسوع (الركن الآخر هو خبرة المؤمنين لحبّ الله، آ 5). والآن انطلق بولس من آ 6- 8 من أجل متتالية تصل إلى ثقة الإيمان كمجال لعرض الرجاء المسيحيّ. ما في آ 9 يُثبت القارئ في ما سبق. من جهة، هناك طابع ذبائحيّ لموت يسوع (بدمه)، وهو دور ضروريّ كأساس قبول الله. في منطق بولس لا يصوَّر اللهُ «كالبار» إذا رفض النظر إلى اللاأبرار (رفضوا أن يعيشوا كخليقة حسب مشيئة الله). هو الضعف البشري ورفض الله والخضوع لقوّة الخطيئة. وموتُ يسوع هو الجواب. ومن جهة ثانية، أكّدت آ9 ب أن مسيرة الخلاص في نظر بولس، تُناقضُ مسيرة غضب الله. ما فعله حبّ الله في موت يسوع وكمّلته القيامة، هو نجاة الانسان من حلقة مفرغة تقوم في استقلال عن الله ينتج عن ارتباط عميق بالشهوات البشريّة، وهذا الحبّ نجّاه أيضاً من الحكم الأخير في يوم الدينونة: زال غضبُ الله في موت يسوع. وتماهى المؤمنون مع المسيح في موته. كل هذا نجده في لاهوت الذبيحة ويصبح واضحاً في ف 6.
وترد صورة أخرى مع «فكم بالأولى» (آ 10). هي صورة المصالحة. سبق وكان كلامٌ عن العداوة بين الله والبشريّة. فالاستقلاليّة عن الله ليست فقط وضعاً من الضعف البشريّ وابتعاداً عن الله ومسؤوليّة تجاه الخطيئة، إنها أيضاً تمرّد على دور الخليقة التي لا تريد الارتباط بالخالق. بالمصالحة تعود علاقة الانسان بالله إلى ما يجب أن تكون. قد تزول قوّةُ الخطيئة ويزول الدمارُ الذي ألحقته بالانسان. إذا كان المؤمنون اختبروا المصالحة مع الله على أنها علاقة استُعيدت، فهم يتأكدون أن مسيرة وصول العلاقة إلى ملئها التام وصل إلى الخاتمة الأخيرة.
يعود بولس إلى الرجاء مع آ 2- 3 في آ 11. إن الإيمان المسيحيّ يفتخر ليس فقط في رجاء المجد، وليس فقط في الشدائد الاسكاتولوجيّة، بل أيضاً في الله. هنا يُكمل الرسول ما قاله في ف 2. كان الافتخار غير صالح في 2: 17، فصار صالحاً الآن لأنه يتمّ بواسطة يسوع المسيح. ما هو افتخار بالله هو افتخار بالشريعة في الوقت عينه (2: 23). فبولس يحث الجماعات المسيحيّة على أن يدلّوا على افتخارهم في علاقتهم بالله. غير أن هذه العلاقة تبدّلت في جوهرها: تميّزت بالحاجة إلى المصالحة، وحدّدها المسيح الذي صالحنا بموته وحياته (هو الوسيط). فما عادت علاقة تحدّدها عوامل وطنيّة (أعمال الشريعة). حين نفهم آ 11 بهذه الطريقة، فهي تشكّل خاتمة موافقة لبرهان توسّع فيه بولس مطوَّلاً منذ ف 2.

خاتمة
بدا ابراهيم نموذج البار، وقد أعلِن كذلك، لأنه استند إلى وعدٍ بنسلٍ وبأرض. جعل وعد الله فوق كل يقيناته وخبرته (وهو عجوز عاجز) وحكم البشر. آمن بالله الخالق، فاستند إليه، لا إلى ذاته. فابراهيم تبرّر بالإيمان. انتظر من يعتبره باراً. ما أراد أن يبني نفسه بنفسه، بل انتظر كلَّ شيء من الله الذي وحده يبرّر الانسان. والانسان الذي يتبرّر، شأنه شأن ابراهيم، هو في سلام مع الله، هو في زمن الملكوت، بربّنا يسوع المسيح. زال زمنُ الغضب وانفتحت الطريق إلى الملكوت، بعد أن صار المسيح الطريق الوحيد. بمجيء المسيح تمّت المواعيد ونحن ننتظرها في الإيمان، رغم المحن التي يمكن أن تنتابنا. أما النتيجة، على مستوانا، فانتقال من الشد ة إلى الصبر، ومن الصبر إلى الامتحان، ومن الامتحان إلى الرجاء. أما الرجاء فلا يمكن أن يخيب، لأنه أكثر من انتظار بسيط. هذا الرجاء بدأ يتحقّق منذ الآن بفعل الروح الذي في قلوبنا. ولماذا كل هذا؟ لأن المسيح مات من أجلنا ونحن خطأة. فما تراه يفعل لنا بعد أن تبرّرنا؟ لقد تصالحنا مع الله، والفضل في ذلك لربّنا يسوع المسيح.
الفصل الرابع عشر
تبرّر ابراهيم من دون الختان والشريعة
4: 9- 17

آمن ابراهيم فحُسب له إيمانه براً. تلك كانت المحطّة الأولى في كلام الرسول عن ابراهيم. هو ما تبرّر بالأعمال، بل تبرّر بالإيمان. ما كان له «حقّ» على الله، وما وجبتْ له أجرة. ما أعطاه الله، أعطاه إياه مجاناً، جعله له هبة. اكتفى بإيمانه فبرّره. وها نحن ننتقل إلى المحطة الثانية: لا حاجة إلى الشريعة التي جاءت بعد ابراهيم بزمن طويل. وهكذا يعود بولس إلى نقطه الانطلاق: كل ما نلناه هو عطيّة، وليس أجراً لأننا مارسنا الشريعة. ونحن نتقبّله في الإيمان بشخص يسوع وبعمله الخلاصيّ.

1- تحليل النصّ الكتابيّ (4: 9- 17)
نقرأ هنا مقطعين في معرض كلامنا عن البرّ الذي ناله ابراهيم بالإيمان: في الأول (آ 9- 12)، نفهم أن إيمان ابراهيم لم يرتبط بأي عمل من الأعمال. ولا سيّما الختان. في الثاني (آ 13- 17)، نفهم أن العهد الذي وُعدنا به ارتبط بالإيمان، لا بالشريعة. لا مكان للختان، لا مكان للشريعة، بل للإيمان وحده من أجل التبرير.
أ- لا مكان للختان (آ9- 12)
نبدأ فنقرأ الأحداث في حياة ابراهيم (آ 9). «السعادة» (مكارسموس). هذا ما يربطنا بما في آ 6 من إيراد مز 32، مع تكرار تك 15: 6. لقد ربط بولس الايرادين الواحد بالآخر: بركة الغفران ترادف حسبان البرّ (هذا كان واضحاً في آ 6). ثم إن مز 32: 1- 2 شارك تك 15: 6 ليدلّ على قوّة «حُسب»، لا بسبب قيمته في حدّ ذاتها (فداود نال البركة حين كان مختوناً). هي المرّة الثالثة يرد تك 15: 16 (آ 3، 5، 6) مع الاسم (بستيس) الذي حلّ محلّ الفعل (إبستوسان) كما في آ 5. ولكن التلميح إلى تك 15: 6 في آ 6، أوضَح أن الإيمان هو البرّ، ولا يحلّ محلّه فقط. فكما رأى اليهوديّ برّ العهد في أمانته للعهد (أعمال الشريعة)، هكذا رأى بولس البرّ الذي حسبه الله في لغة الإيمان، الذي هو ارتباط تام وثقة بالله كما في مثَل ابراهيم (4: 17- 21).
وجاء الكلام عن المختونين (2: 26) أي عن اليهود والأمم، عن الذين في الشريعة والذين خارج الشريعة (2: 12). من اللافت أن بولس لم يطرح السؤال في عودةٍ إلى ابراهيم. ففي نظره، هو مختون ولا مختون. جاء الطقس فثبّت هوية مجموعة، وفصلها عن مجموعة أخرى. أما الاختلاف بين اليهوديّ والأمميّ، فحُصر في عمل طقسيّ واحد هو الختان. هذا الطقس مهمّ لكي يفهم اليهوديّ هويّته، ويعرف أنه شعب الله المميّز، وأنه يختلف عن سائر الشعوب بأعمال الشريعة. ما يميّز اليهود هو أنهم خُتنوا (آ 12). ما قال بولس: المختونون أو اللامختونون. بل جعل واو العطف بين الفئتين. لا شكّ في أن البركة (البرّ، الغفران) وصلت إلى المختونين. كما وصلتْ إلى اللامختونين. لا، لا تُحصر البركة في اليهوديّ كيهوديّ، بحيث لا يستطيع الأمميّ أن ينالها دون أن يدخل في شعب العهد بواسطة الختان.
«ولكن كيف حُسب له ذلك» (آ 10)؟ تعود بنا سلسلة الأسئلة في آ 9- 10 إلى ابراهيم، وتُركّز على الظروف التي عرفها. هل بُرِّر يوم كان مختوناً أم يوم كان لامختوناً؟ إن الأهميّة النموذجيّة لعلاقة ابراهيم بالله، هي في خلفيّة هذا الكلام بحيث لا يناقشه بولس اليهوديّ ولا قرّاؤه عابدو الله (4: 2). الجواب: قبل الختان لا بعده. فإن تك 15: 6 يسبق تك 17 بعدد من السنين (يقول التقليد اليهوديّ 29 سنة). جاء البرهان قريباً ممّا في غل 3: 15- 18 حول المسافة بين الوعد لابراهيم وعطيّة الشريعة. هذه الشريعة تركّزت على أعمال خاصة مثل الختان، فطُرح السؤال بين اليهود: إلى أي مدى يرتبط الوعد بالختان؟ ما جادل بولس (آ9)، بل أراد أن يبرهن أن الله قَبِل ابراهيم يوم لم يكن بعدُ مختوناً.
«نال علامة الختان» (آ 11). ليست آ 11 أ معترضة. فإن آ 11 ب- 12 تتحدّثان عن علاقتين فيهما يقف ابراهيم تجاه المختون الذي آمن واللامختون الذي آمن. لهذا يجب أن تَشرح آ 11 أ مدلولَ ختان ابراهيم بالنظر إلى إيمان ابراهيم. إنه أبو المختونين بعد أن صار ختانُه ختمَ إيمانه. «سيمايون»: علامة، أشارة مميّزة، بها يُعرف الانسان. هذه العلامة هي الختان. رمز طقس الختان. رج تك 17: 11 حيث يصوَّر الختانُ على أنه «علامة العهد»، أي العلامة التي يحملها من هو عضو في العهد (يوب 15: 26- 28: الختان علامة تدلّ على أن المختونين ينتمون إلى أبناء العهد). ما من يهوديّ ينسى هذا. ما استعمل بولس هنا كلمة «عهد». غير أن المقطع يشير إشارة واضحة إلى أن العهد كسياق للختان، هو جزء من الأفكار التي يعالجها بولس. ولكنه يُعيد كتابتَها: لم يعد الختان علامة العهد بل علامة برّ ناله ابراهيم بالإيمان. هذا يعني أن برّ العهد لا يرتبط بالختان بل بالإيمان. ونلاحظ الدور الإيجابيّ للختان في 2: 25.
«ختم برّ الإيمان». الختم يدلّ على سلطة ووضع. هناك تمييز ممكن بين «العلامة» (تتوجّه إلى العالم الخارجي) والختم (يتوجّه إلى المؤمن). حين يصف بولس الختان كختم، فهو يعكس استعمالاً لدى معاصريه. ويتحدّث عن ختانة القلب (تث 30: 6)= الشريعة المكتوبة في القلب (إر 31: 33) أو القلب الجديد والروح الجديد (حز 36: 26؛ يوب 1: 23). كل هذا يتمّ في عطيّة الروح (2 كور 3: 3، 6)= ختم الروح (2 كور 1: 22). هناك من رأى في الختم (رج 2 كور 1: 22؛ أف 1: 13؛ 4: 30) إشارة إلى العموديّة. غير أن بولس يرى عطيّة الروح مساوية لتتمّة الختان. والختان بدون الأيدي (كو 2: 11) قد يشير إلى الروح أيضاً (2 كور 5: 1- 5).
«برّ الإيمان». يحكي أيضاً عن العلاقة بين البرّ والإيمان (آ 3، 5، 6، 9). هذه العلامة أساسُها الإيمان، والتعبيرُ عنها نجده عند ابراهيم. هو أبٌ للذين يؤمنون عبر اللاختان. لا شكّ في أن ابراهيم هو أبو الأمم حين يهتدون إلى الله. هذا ما يقوله اليهوديّ. أما بولس فيجعل ابراهيم أبا اللامختونين في لاختانهم: هم يشاركونه إيمانه. وهكذا يتمّ التمييزُ بين الإيمان وأعمال الشريعة بالاستناد إلى تك 15: 6. «غير المختونين». لقد قُبل ابراهيمُ لينعم بالوعد قبل الختان. وهكذا يقبل الله اللامختون على أنه لا مختون. أجل يبرّر الله الأمم ولا يحسب إن هم اهتدوا أو قبلوا متطلّبات (أعمال) الشريعة.
«وأبو المختونين» (آ 12). إن إيمان ابراهيم كان عاملاً حاسماً في عطيّة الوعد وقبوله، بحيث إن الإيمان جعل من ابراهيم أباً ومن المؤمن ابن ابراهيم. لا ينكر بولس أبوّة ابراهيم بالنسبة إلى الشعب اليهوديّ (4 إر). ولا يقول: لا ختان، بل: ليس فقط الختان. فهو يرى أن الختان يواصل دوره كعلامة في الشعب اليهوديّ. والترتيب الذي نقرأ في آ 11 ب- 12 (اللامختونون ثم المختونون) ليس رفضاً لتاريخ الخلاص لدى اليهود. فالترتيب هو ترتيب ظروف حياة ابراهيم. كان لا مختوناً ثم خُتن. إن النظرة إلى تاريخ الخلاص لا تلغي أن يكون بولس نظر إلى ابراهيم كنموذج لواقع الإيمان الاسكاتولوجيّ، كما نظر أولاً إلى الأمم قبل اليهود (آ 13- 17).
إذا كان ابراهيم نال الختان، فلماذا لا تحذو الأممُ حذوَه؟ أجاب بولس: خُتن ابراهيم لكي يكون أيضاً أبا المختونين. حُطّت قيمة الختان بالنسبة إلى الإيمان. فجاء كلامُ بولس في خطّ الأنبياء (2: 28- 9). إذا كان الإيمان أهم من أي طقس خارجيّ، إذن يرتبط البرّ بالإيمان لا بالطقوس الخارجيّة، ويُعطى للذين يؤمنون من دون طقس خارجيّ. اليهوديّ الحقيقي هو في الباطن، والختان هو ختان القلب بالروح (2: 29). ويبقى الختان مهماً لتحديد هويّة اليهود الذين يسيرون في خطى ابراهيم (2 كور 12: 8؛ 1 بط 2: 21). الإيمان شيء ناشط ويتضمّن عنصر الطاعة (1: 5: طاعة الإيمان).
ب- لا مكان للشريعة (آ 13- 17)
«فالوعد الذي وعده» (آ 13). هنا نصل إلى علاقة الإيمان بالوعد (إبانغاليا). رج آ 13، 14، 16، 20. حين يتحدّث بولس عن الوعد، ينظر إلى الوعد المعطى للآباء (9: 4، 8- 9؛ 15: 8؛ غل 3: 14- 29؛ 4: 23، 28). اللافت هو أن الوعد حين يبرز، يَخضع للشريعة، أو يمرّ بواسطة الشريعة. رج 2 مك 2: 17- 18 الذي يتكلّم عن الميراث «كما وُعد به بواسطة الشريعة». ويصلّي مز سل 12: 6: «ليت تقيّ الربّ يرث مواعيد الربّ» (رج سيب 3: 768- 769). إن بولس لا يُلغي مواعيدَ العهد. فأولويّة العهد صارت له مفتاح تفسير النصّ.
«ونسله» (وزرعه). الوعد هو أيضاً لزرع ابراهيم (نسله). رج تك 12: 7؛ 13: 15- 16؛ 15: 5، 18؛ 17: 7- 8، 19؛ 22: 17- 18). نسل ابراهيم يضمّ كل الذين يؤمنون، لا بالشريعة، بل ببرّ الإيمان (4: 11). فالبرّ هو من الإيمان (لا من الأعمال)، والعلاقة مع الله تتميّز بالإيمان.
«يرث العالم». فكرة الميراث أمرٌ أساسيّ في فهم اليهود للعهد كعلاقة بالله. وأول ميراث هو أرض كنعان التي وُعد بها ابراهيم (8: 17). وتوسّع الوعدُ فوصل إلى الكون كله (سي 44: 21؛ يوب 17: 3؛ 22: 14؛ 32: 19). هذا المقطع هو مثَل عن امتداد فكر بولس الذي عُرف في اللاهوت اليهوديّ، في أيامه (مت 5: 5؛ عب 1: 2). أخذ بولس الشكل الواسع للوعد، لا لأنه يتضمّن سيطرة شعب اسرائيل على العالم، بل لأنه يركّز تاريخ الخلاص في رسمة الخلق. فالبركة التي وُعد بها ابراهيم وزرعه (الأمم أيضاً)، هي إعادة بناء النظام الذي خلقه الله، وعودة الانسان إلى وضع يكون فيه القيّمَ على الخليقة. والوعد بالأرض يتمّ في المسيح. والروح هو الذي يكفل هذا الميراث. ويرى بولس مع «الوعد» (غل 3: 4) و«الختم» (4: 11)، التتمّةَ الاسكاتولوجيّة في كلام حول الروح الذي يُعطى للإيمان. ذاك هو برّ الإيمان. رج 4: 11.
«فإن كان الميراث» (آ 14). طرح بولس السؤال: من يرث الوعد المُعطى لابراهيم؟ والجواب المرفوض: المختونون فقط (آ 9- 12) هم ورثة ابراهيم= زرع ابراهيم= شعب اسرائيل (آ 13- 17). هنا ينظر بولس إلى موقف نموذجي لدى اليهود: يرون مشاركتهم في الميراث الذي وُعد به ابراهيم متماهياً مع عضويّتهم في شعب العهد، في شعب الشريعة (ب ن ي. هـ. ت و ر ه).
هم «من الشريعة»، لأن حياتهم كيهود ما زالت تصدر عن الشريعة. فالشريعة هي ما يميّزهم فيجعلهم شعب الله (6: 14). هم «من أعمال الشريعة»، لأن الأعمال هي ما تطلبه الشريعة من «اليهوديّ» مع الختان الذي يميّزهم (3: 20). «عبثاً» (كانوو): أفرغ، دمّر، جعله لافاعلاً. لا يظهر هذا الفعل إلا عند بولس. رج 1 كور 1: 17؛ 9: 15؛ 2 كور 9: 3؛ فل 2: 7. الإيمان هنا هو إيمان ابراهيم كما في تك 15: 6. إذا كانت الشريعة عاملاً حاسماً، صار قبولُ ابراهيم للوعد بغير معنى.
«والوعد باطلا». «كاتارغايو». رج 6: 6. لا يحدّد الرسول «الوعد». فالوعد يجب أن لا يكون مشروطاً، وإلاّ ليس بوعد. هنا نتذكّر الوعد الذي أعطي في أكثر من ظرف. رج تك 12: 1- 3؛ 17: 1- 14؛ 22: 15- 18. وفي آ 16، صارت «حسب النعمة» نتيجة «بواسطة الإيمان»، لا من الوعد. لا يرتبط بولس بوعد مخفيّ لا تستطيع الشريعة أن تحتفظ به. بل يقول: إن إيمان ابراهيم كان تاماً والجواب للوعد مرضياً (وإلاّ لما حُسب باراً). فإن طلبنا أكثر من الإيمان في تك 15: 6، نُلغي الوعد في تك 15: 5.
«الشريعة تُسبّب الغضب» (آ 15). بعد أن أنكر الرسول دور الشريعة في تحديد من هو وارث الوعد، واجه اعتراضاً: ما هو دور الشريعة إذن؟ رج غل 3: 18- 19. ربط الشريعة بغضب الله، لا بوعد الله. رج الكلام عن غضب الله في 1: 18- 32. جاء كلام بولس هجومياً على الذين يرون في الشريعة مصدر حياة (2 با 38). فأعلن: وظيفة الشريعة هي أن تجعل غضبَ الله فاعلاً، وتُقنع الانسان بخطيئته. ذاك هو دور الشريعة في علاقتها بالعهد.
قد يكون بولس فكّر هنا ببعض أقوال قانونيّة (مثلاً: لا عقاب بدون قانون). عمّم دورَ الشريعة، فصوّرها كمنفّذة للغضب، وهذا ما لا يُدهش القارئ الذي ماهى بين الحكمة الكونيّة والتوراة (10: 6- 8). الشريعة هي التجسيد الملموس لنظام اله الخلق في الكون ككلّ (2: 12- 16).
بما أن الدور الذي أعطي للشريعة يعارض الدور التقليديّ (يحدّد شعب العهد بالوعد)، فتصبح الأعمال وسائل للمحافظة على العهد، فما نقرأ في آ 15 أ، لا يُعتبر وضعاً تاماً لوظيفة الشريعة الإيجابي (8: 4؛ 13: 8- 10). في هذا الإطار من الجدال، في ف 4، يؤكد بولس أن وظيفة الشريعة لا تتوخّى أن تحدّد النظرة إلى الوعد، بل أن تجعل الذين تحت الشريعة يعون خطأهم فيرتبطون بالله بعد أن تركوه (1: 19- 52). وهكذا لا تفصل الشريعةُ اليهوديّ عن الأمميّ، بل تجعله مع الأمميّ حيث يفهم حاجته إلى نعمة الله.
«حيث لا شريعة». لا معصية، لا تجاوز للشريعة. قد تكون الجملة معطوفة (الواو) أو تابعة (لهذا). في أي حال، هي تدلّ على الطريقة التي بها يعمل الغضب. لسنا فقط أمام عصيان أو عمل يُفسد الانسان، بل اختيار حرّ، بأن يحيا الانسان بوسائله ناسياً (أو منكراً) وضعه كخليقة (1: 18- 32). مع الشريعة التي تصنع إرادة الله بطريقة أوضح مما كان لابراهيم في البدء، فجوابُ شعب العهد ليس افتخاراً بامتلاك الشريعة بل وعيٌ أكبر للمعصية وارتباط بالنعمة على مثال ابراهيم «الأمميّ» (3: 20؛ 5: 13). مثل هذا التحديد للشريعة لا يُزعج أذن اليهوديّ. فالإزعاج يأتي في 5 : 20 و7: 5 مع جواب بولس الواضح في برهانه (6: 1ي؛ 7: 7ي).
«على الإيمان» (آ 16). تبدأ الآية مع «ديا توتو»، لذلك. بما أن الشريعة ليست وسيط الوعد كما فهمها اليهود حصراً، ما استطاعوا أن يجيبوا على عملها في الغضب. أو لهذا السبب... وهكذا نصل إلى النعمة. نجد هنا تقابلاً (كما في آ 4- 5) بين «الإيمان» و«النعمة». هذه النعمة يتقبّلها الانسان حين ينفتح على حنان الله ولا يضع شروطاً. فمن انغلق ونسي طابع الإيمان كقبول وارتباط بالله، أنكر هذه النعمة. «من (إك) الإيمان» يقابل «من الشريعة». كما يقابل «بالإيمان» (ديا). رج 3: 30؛ 4: 13. هناك مثلّث سلبي: الشريعة، المعصية، الغضب. ومثلّث إيجابي: الوعد، الإيمان، النعمة.
«ويبقى الوعد». أي بحيث... اعتقد بولس (كما في غل 3) أن وعد الله لابراهيم نظر دوماً إلى الأمم (لا إلى اسرائيل وحده). هو يشدّد على هذا الأمر، لأن معاصريه جعلوا الوعد محصوراً بهم. إن الله حسب ابراهيم باراً فقط على أساس إيمانه، بحيث لا يرتبط الوعد بأيّ أساس آخر. «بابايوس»، أكيد، ثابت. لفظ قانونيّ يصوّر الإيمان، ويعارض «كاتيرغيتاي» في آ 14 (أبطل). ونلاحظ: «النسل كله». لا بعضه.
«لا على أهل الشريعة وحدهم». نظر بولس إلى الوعد الذي يصل إلى الذين هم من الشريعة، دون أن يقولوا إنهم يشاركون في إيمان ابراهيم (آ 12). لا يرفض بولس أن يكون الوعدُ لنسل ابراهيم قد نظر إلى الشعب اليهوديّ. وإن هو وصل إلى المسيحيّين (لنا جميعاً)، فهو ينطلق من هنا ليُلقي الضوء على فكره. عاد إلى العضو في الشعب اليهوديّ، فقال «ليس فقط». فبالرغم من حصر فهم الشريعة داخل العالم اليهوديّ، يبقى بالامكان الكلامُ عن وعد أعطيَ لليهود. «أب لنا جميعاً». هي المرة الثالثة يذكر بولس ابراهيم على أنه أبو القرّاء أو المؤمنين بشكل عام (آ 1، 11- 12، 16- 18). لفظ «كل» في آ 11 وآ 16 يردّ على الذين يحسبون ابراهيم أبا اليهود وحدهم. تكرارُ الموضوع يرتبط بما يسبقه في المرحلة الأولى من البرهان (آ 9- 12) وبما يتبعه من ايراد كتابيّ في آ 13- 17أ.
«كما كُتب» (آ 17). رج 1: 17. «جعلتُك أباً لأمم كثيرة». الأمم هنا تقابل اليهود (3: 29). يعود الإيراد إلى تك 17: 5 كما في السبعينيّة. ما تردّد بولس في العودة إلى تك 17 الذي يستند إليه اليهود ليتحدّثوا عن ضرورة الختان كعلامة العهد (تك 17: 11). (في غل عاد إلى تك 12: 3 و18: 18). إن تك 15: 6 لا يُفصل عن تك 17: 5. الأمم الكثيرة تدلّ على المهتدين الجدد أو وارثي العالم (آ 13) الذين يرون زرع ابراهيم مسيطراً على سائر الأمم (سي 44: 19- 21).
«يُحيي الأموات». يتكلّم بولس عن قدرة الله. رج مز 71: 20؛ طو 13: 2؛ حك 16: 13؛ وص جاد 4: 6. الله هو من يعطي الحياة. رج 8: 11؛ 1 كور 15: 22، 36، 45 (زوؤوبوياين). ق يو 5: 21؛ 1 بط 3: 18. إنه يشير إلى قيامة يسوع (آ 24- 25). ولكن بولس يفكر بالأحرى، بموات جسد ابراهيم وحشا سارة (آ 19). إذن، نحن أمام عمل الله الخلاّق. فعطيّة الحياة تُفهم معجزةً تُنسَب مباشرة إلى الله. وإذا كانت قدرة الله المحيية هي التي تُشرف على فكر بولس، فلأنها ذات القوّة الحاضرة في عمل الخلق الأخير الذي هو جزء من الأول. وهكذا يكون كلام بولس صدى للّغة الليتورجيّة أو اللاهوتيّة.
«يدعو غير الموجود». رج فيلون، يوسف 126، «كالايو»: دعا، بل أمر بقوّة. يرى العالم اليهوديّ أن عمل الخلق هو نداء فاعل (اش 41: 4؛ 48: 13؛ حك 1: 25؛ فيلون، الشرائع الخاصة 4: 187). كما يرى أن الله خلق الكل من لا شيء (2 مك 7: 28؛ يوس 12: 2). يقول فيلون: الله هو الكائن الذي يأتي باللاكائن ليصبر كائناً (خلق العالم 81). وهكذا يأخذ بولس كلامه من الفكر اللاهوتيّ اليهوديّ في المحيط الهليني.
ترك بولس اتجاهاً يجعل الخلق في تعارض مع الخلاص. فمخطّط الله الفدائي عبر ابراهيم، يدلّ على ذات القوّة التي خلقت فجاءت بما لا وجود له إلى الوجود. ربط حسبان الله لابراهيم باراً مع عطيّة الحياة لمّا لم يكن موجوداً، فثبّت العلاقة الوثيقة بين برّ الله وقدرته كخالق، وبيّن الفهم الجذري لوضع الانسان كخليقة أمام الله. في هذا المجال، تُصوّر وصيّةُ جاد (41: 6، 7) الحب الذي «أراد أن يعيد الموتى إلى الحياة» على أنه عمل «شريعة الله... من أجل خلاص الجنس البشريّ». ويرى بولس أن قدرة الله في الخلاص وفي الخلق، تعمل بشكل مباشر من أجل الانسان (غل 3: 19- 22).

2- خلاصة لاهوتيّة
بعد أن عرفنا معنى «حُسب»، نتعرّف هنا إلى معنى «آمن» (آ 9). فكل ما عمله بولس حتى الآن، هو أن يبيّن أن معنى تك 15: 6 لا يجد حلّه بالعودة إلى فعل «حُسب». فرِضى الله على الانسان هو موضوع رضى سخيّ. فالانسان لا يستطيع أن يجعل الله مديناً له. فلا بدّ من العودة إلى المفتاح الثاني: آمن. كان مز 32: 1- 2 مناسبة لطرح السؤال بشكل مختلف: إلى من (وكيف) أتت البركة (أعطي الغفران، حُسب الانسانُ باراً)؟ هنا عاد بولس إلى ابراهيم، وشدّد على المخرج المركزيّ في إيمانه.
أول خطوة (آ 10) فيها عرف بولس «ابراهيم الذي آمن بالله»، كانت لتبيّن في وضع ابراهيم، أن الإيمان لمن حُسب باراً قد تمّ من دون عمل من قبل ابراهيم. هذا يعني أن تك 15: 6 يتكلّم عن الإيمان لا عن الأمانة للعهد.
إن السؤال في آ 9 عاد إلى تك 15: 6: كيف وصلتْ إلى الآخرين البركةُ التي تحدّث عنها داود؟ حينئذ جاء مز 32: 1- 2 ليُوضح فعل «حُسب»: ما اختبره ابراهيم يحدّثنا عن بركة داود. فالبركة بغفران الذنوب وسرّ الخطايا هي ذات البركة بأنِ يُحسب الانسانُ باراً. ولكن كيف جاءت البركة إلى ابراهيم؟
لو تحدّث عن الأعمال أو عدم الأعمال (آ 11- 12)، عن الختان أو اللاختان، لكان انتُقد. ففي نظر اليهوديّ التقيّ، المفتخر بتميّزه الدينيّ والوطنيّ، الختانُ هو عمل صادق تجاه العهد (2: 25- 29). لهذا كان الانقطاع في الرسالة لدى الأمم سبب جدالٍ في الجيل المسيحيّ الأول. وكان أمر لابراهيم، فبيّن الطابع الالهيّ للختان كعلامة لشعب العهد في كل الأزمان (تك 17: 9- 14). عاد بولس إلى ابراهيم تاركاً داود، لأن الغفران لداود لم يكن مستقلاً عن الختان (هي وظيفة شعائر العبادة). إن البركة التي صوّرها داود يمكن أن يختبرها الانسان، كما فعل ابراهيم، من دون الختان. هذا لا يعني أن البرّ يُحسب دوماً خارج الختان، خارج الأعمال. أي هو لا يحتاج أن يبيّن أن داود نال الغفران من دون الختان وممارسة شعائر العبادة. كل ما أراده هو أن يبيّن أن البركة التي تكلّم عنها سفر التكوين وداود هي خارج العهد وأعماله، كما حصل في وضع ابراهيم نفسه.
وجاء جواب بولس مباشراً (آ 9): الحدث الذي يتكلّم عنه تك 15: 6 يسبق الحدث المذكور في تك 17: 23- 27، فشدّد على الفصل في مراحل ما حسبه اليهوديّ (وبولس في ما مضى) كأنه وحدة تامّة. فأمانة ابراهيم لا تبدأ في تك 17. بل في تك 12: 1- 5 مع أول اعلان للعهد الموعود به. وذبيحةُ اسحق هي مثَل عن أمانة ابراهيم وعرض لما في تك 15: 6 (1 مك 2: 52؛ يع 23) وطاعته لله. ولكن بولس قال إن ابراهيم حُسب باراً وقُبل في عهد يربطه بالله قبل أن يُختَن، وقبل أي حديث عن الختان. هذا ما يُثبت أن برّ الله لا يرتبط بأعمال الشريعة ولا بأية ممارسة عباديّة، في وضع ابراهيم. وإذا كان ابراهيم نموذجاً في علاقة الله بالجنس البشريّ وفي عهده مع زرع ابر اهيم، فهذا يعني أن قبول الله للانسان يتمّ «بمعزل عن الأعمال».
ذاك هو برهان الرسول. جاءه الختان بعد البرّ الذي يتميّز بإيمانه الذي حُسب له، قبل أن يُختَن. عُرف الختان أنه علامة وختم القبول الالهي الذي تم قبل ذلك الوقت بقليل، وتجاوب مع المبادرة الالهيّة (بعد 30 سنة)، وعلامة مميّزة أنّنا نخصّ الله. هذا يعني أن الختان ارتبط مسبقاً بقبول الله للانسان وحسبانه باراً.
استعمل بولس هنا لغة العهد. دعا الختان «علامة» (تك 17: 11)، هو علامة العهد وهو ختم العهد (نح 9: 38- 39). لا يحتقر بولس الختان، ولا يتردّد في أن يرى فيه جزءاً من عهد الله مع ابراهيم، ويربطه بتبرير الله لابراهيم. هو يهوديّ ويبقى يهودياً، ولا يتوخّى أن يتنكّر لعهد الله مع اسرائيل. أما هدفُه ففهمُ مدلول العهد: فعلاقة برّ الله مع ابراهيم بختانة ابراهيم لم تكن واضحة. فبرّ ابراهيم الآتي من الله لا يرتبط بختانه. بل الختان هو الاعلان بأن الله قبل ابراهيم. وما قبل فقط المختونين. هكذا بدا الختانُ ثانوياً في هذا المجال وليس جزءاً لا يتجزّأ من برّ ابراهيم. وفي الزمن الاسكاتولوجيّ الذي فيه يتمّ العهد، يكون الروح هو علامة ارتباطنا بالله (2: 28- 29؛ 2 كور 1: 22؛ فل 3: 3).
وهكذا ثبت أن تبرير ابراهيم ارتبط فقط بإيمانه، وسبق الختانَ، وتميّز عن أعمال الشريعة. هذا يعني أن إيمان ابراهيم كان الأساس في العهد ككلّ. وجاء الختانُ بعد ذلك. ويعني أن الوعد بالعهد يحدّده الإيمانُ لا الختان، وأن ميراث العهد يرتبط بهذا الايمان عينه ولا ينحصر في المختونين. وهكذا لا يكون ابراهيم فقط أباً للمختونين، بل لجميع الذين يؤمنون سواء خُتنوا أو لم يُختنوا. هو أبو المختونين ولكنهم لا يدخلون في البنوّة بدون الإيمان. هذا يعني أن الختان لا ينفعهم. واللامختونون الذين يؤمنون يقدرون أن يدعوا ابراهيم أباهم. تلك هي طريق الله، وإلاّ لما كان حُسب ابراهيم باراً من دون الختان.
في آ 13 يستعيد بولس عرضه عن إيمان ابراهيم، وينتقل إلى مرحلة أولى فيركّز على «الوعد». ما آمن به ابراهيم كان عهدَ الله لنسله. تكلّم تك 15: 6 عن برِّ حُسب لابراهيم بفضل إيمانه. أي حين قبل وعدَ الله. لم يُعطَ الوعد لابراهيم بالشريعة بل ببرِّ الإيمان.
ابراهيم «وارث العالم». هذا ما يعود بنا إلى الوعد (تك 12: 2- 3؛1 5: 5). إن زرع ابراهيم يرث الأرض. لهذا اختارهم الله أولاً من الشعوب الذين على الأرض، فتميّزوا عن الأمم المجاورة. هذا الوعد مع ابراهيم بما فيه من رنّة وطنيّة، قطع له بولس كل علاقة بالشريعة (لا برَّ بالشريعة). بما أن الشريعة هي ما يطلبه الله من الذين قطعوا عهداً معه، فعلى العهد أن يعمل «بالشريعة». ولكن هذا ما يرفضه بولس. تنطلق نظرتُه من الآيات السابقة: لم يُعطَ الوعدُ لابراهيم، بل تسلَّمه قبل أن يُطلَب الختانُ منه (رج غل 3: 17 والكلام عن الشريعة التي أعطيت في سيناء).
هنا استطاع بولس (آ 14) أن يُعيد تحديد العهد: وعدٌ يعملُ عبر برّ الإيمان. وفي امتداد مفهومَي ميراث العهد والشريعة، كان مفهومُ البرّ الذي يُسند رباط العهد بشعب الشريعة. لا ينكر بولس أن البرّ أساسيّ للحفاظ على علاقة العهد. ولكنه يشدّد على ما لا يقدر اليهوديّ أن يقبله: البرّ لا تحدّده الشريعة. هو برّ الإيمان. الانجيل الذي يكرز به هو امتداد وتكملة لوعد الله لابراهيم. ولكن وارثي ابراهيم ليسوا فقط أهل الشريعة. فقد أعلن تك 15: 6 أن الوعد يُعطى ويُقبل بالإيمان، من دون الشريعة كلياً أو جزئياً.
ولكن إذا كان شعب العهد هو الوارث، فهذا يعني أن إيمان ابراهيم صار فارغاً، والوعد المُعطى له بلا فاعليّة. «أهل الشريعة» هم الذين يحفظون الشريعة. هذا يعني هويّة وطنيّة، فيها يتماهى العهد والوعد، والأمّة والوطنيّة والشريعة. فعارض بولس كلّ هذا بخبرته للنعمة. الوعد هو وعد ولا يمكن أن يكون مشروطاً، والإيمان والوعد لا يتوافقان مع الشريعة. لهذا فُهم إيمانُ (ابراهيم) والوعد (لابراهيم) في علاقة مع شعب الشريعة.
إذا كانت الشريعة تسبّب الغضب (آ 15)، فهذا يعني أنها انفصلت عن البرّ. قال معاصرو بولس: الشريعة تقود إلى البرّ. فأعلن هو ارتباط البرّ بالإيمان. وإذ ربط الشريعة بالغضب، عاد الرسول إلى 1: 18 ي. وهكذا ترافقت الشريعةُ مع المعصية: حيث لا شريعة فلا معصية، وأول وظيفة للشريعة هي أن تحكم، لا أن تكون واسطة للوعد. فهذا الدور يَلعبُه الإيمان.
لهذا أعطى الله الوعد لابراهيم (آ 16- 17) في الشكل الذي أراد، فدلّ كيف يُفهم الوعد ومن يرثه. الوعد لابراهيم، بدون أي عمل، يدل على الأمانة للعهد. ويوم لم يكن أباً، كان عملاً مجانياً بحيث إن الوعد والذين نعموا به يعبّرون عن النعمة عينها. ووارث ابراهيم ليس ذاك الذي يقوم بأعمال تدلّ على أمانته للشريعة. ولا الذي هو عضو في شعب الشريعة. حين نحصر الوعد في اليهودي نُنكر كيف قُبِل ونقلِّل من قيمته. فهو من الله كما في تك 15: 6، هو وعد النعمة عبر إيمان يضمّ جميع الذين يقبلون هذه النعمة، سواء كانوا يهوداً أم أمماً، كما فعل ابراهيم.
هكذا يتمّ الوعد الذي أعطي لابراهيم بأن يكون «أباً لأمم كثيرة». ويعود بولس إلى تك 17: 5. فالأمم هم زرع ابراهيم بعدد كبير لم يصل إليه المهتدون الجدد. أراد اليهوديّ أن يفسّر أبوّة ابراهيم في إطار الختان وسيطرة شعب العهد. أما بولس فيرى أن الوعد لابراهيم لا يتمّ إن حدّده معيارٌ وطنيّ أو عباديّ. لم يعد السؤال: هل يُقبل الأممُ في نسل ابراهيم مثل اليهود؟ بل: كيف يُحسب الانسان، يهودياً أو أممياً، من نسل ابراهيم؟ فجاء الجواب: بالإيمان لا بأعمال الشريعة.

الخاتمة
سبق لبولس فذكر ابراهيم الذي آمن فحُسب له إيمانه براً، وذكر داود الذي نعم بعطيّة الغفران. ولكن الاثنين من اليهود. أترى تَصلح طريقُهما لهما وحدهما أم لجميع البشر؟ إن كان الجواب نعم، فهذا يعني أن الإيمان يشترط إطاراً دينياً. ولكن لا. أما الختان فهو علامة لاحقة وثانويّة بالنسبة إلى العهد، بالنسبة إلى الانتماء إلى شعب الله. هناك طريق خاطئة توصل إلى التبرير: طريق الجسد وأعماله. وطريق صائبة طريق الإيمان. وهناك أيضاً طريق الشريعة التي بها يستولي الانسان على الوعد. وهنا طريق الوعد الذي يجعل فينا انتظاراً، ويربطنا بالله ارتباط الخليقة بالخالق. لأن الشريعة تثير الغضب. فمن رفض أن يعيش العهد، يكون في حال الخطأ، وبالتالي عرضة لغضب الله. وبما أن في غياب الشريعة لامعصية، فهذا يعني أننا بالإيمان، لا بالشريعة، نصبح وارثي الموعد بحيث إن الإيمان يعني عيش الوعد. تلك هي النعمة التي يمنحها الله مجاناً ويمنحها لجميع البشر. هكذا نال ابراهيم الوعد بأن يكون أبا جميع المؤمنين، من يهود ويونانيّين. وهم يكونون أبناءه إن أخذوا الطريق التي أخذ: لا طريق الشريعة والأعمال، بل طريق الإيمان.
الفصل الخامس عشر
إيمان ابراهيم وإيمان المسيحيّ
4: 17- 25

ويتواصل البرهان، فينتقل القارئ إلى نقطة جديدة وهي المرحلة الثالثة في عرض ما يقوله تك 15: 6: آمن ابراهيم بالله. ما أراد بولس أن يقسم عرضه ثلاث مراحل كما فعلنا. فالعرض واحد، وكل مرحلة تتعلّق بالمرحلتين الأخريين. فإن آ 11- 12 تفرضان برهان آ 13- 17. وآ 17 ب تقدّم مبدأ أساسياً للبرهان في آ 18- 21. وتحديدُ إيمان ابراهيم الذي يتوسّع فيه النصّ الآن، سبق له فميّز بين الشريعة والإيمان كما في آ 13- 16. لم يعرف إيمانُ ابراهيم الضعف، بل كان ثقة بقدرة الله. وهكذا يكون إيمانُ المسيحيّ ليكون حقاً ابناً لابراهيم.

1- تحليل النصّ الكتابيّ (4: 17- 25)
توقّفنا في فصل سابق عند شرح آ 17 أ، وها نحن نبدأ مع آ 17 ب. هو الانتقال إلى مرحلة جديدة في البرهان، حين يربط بما يأتي، وصفَ الله الذي آمن به ابراهيم. فقد أراد بولس أن يؤسّس الملاحظة الأخيرة حول تك 15: 6، على الكلام عن الله كما في ديانة أحاديّة. قدّم بولس تحديداً أساسياً عن الله الذي يعبد، عن الاله الذي آمن به ابراهيم. فإذا فهمنا فهماً صحيحاً الإله الذي يؤمن به ابراهيم، نستطيع أن نفهم أيضاً معنى العبارة: آمن ابراهيم بالله. طابعُ إيمان ابراهيم يحدّده طابعُ الاله الذي به آمن. وهكذا نقرأ في هذا النصّ مقطعين. الأوّل (آ 17- 22) يتوقّف عند إيمان ابراهيم. الثاني (آ 23- 25) عند إيمان المسيحيّ. فيجب أن يتكيّف الكتاب مع واقع المؤمن في زمن بولس.
أ- إيمان ابراهيم (آ 17- 22)
في آ 17 ب، يبدأ بولس فيحدّثنا عن الله الخالق، كما في بداية الكتاب المقدّس، ويذكر الصفات التي تميّز أفضل تمييز، قدرةَ الله في عطيّة الحياة، وفي نقل الكائن من اللاوجود إلى الوجود. كل هذا يهيّئنا لكي نعرف أن الذي خلق هو الذي أقام يسوع من بين الأموات (آ 24).
«آمن بالرجاء» (آ 18). رج 4: 1. ذُكر الإيمان في آيتين كصدى إلى ما في تك 15: 6، فلفت الانتباه إلى طبيعة إيمان ابراهيم، وتحوّل العرضُ إلى المرحلة الأخيرة. «الرجاء» (إلبيس). «بارا» على خلاف، ضدّ: ما يستطيع الانسان أن يرجوه على المستوى البشريّ. أما إيمان ابراهيم، فتميّز (وتأسّس) على رجاء حدّده وعدُ الله وحده. هنا نميّز بين الرجاء في العالم اليونانيّ وفي العالم اليهوديّ. عند اليونان، اللايقين بالنسبة إلى المستقبل هو أساس مدلول الرجاء الذي يعني عادة الانتظار. أما فعل «إلبيزو» (ترجّى) فيدلّ على خوف من الشرّ. في العهد القديم يختلف الرجاء عن الخوف، وعن الرجاء كانتظار لما هو صالح. هو يرتبط بالثقة، بالرجاء الواثق، بالرجاء المتّكل على الله. تبع بولس هنا الخطّ اليهوديّ: ترك رجاء يدلّ عليه اللايقين والخوف من الآتي المجهول، وتحدّث عن ثقة ثابتة بالله. هكذا كان إيمان ابراهيم بذاك الذي يحدّد المستقبل بحسب ما وعد. يلعب الرجاء دوراً هاماً في هذه الرسالة. رج 5: 2، 4- 5؛ 8: 20، 24؛ 12: 12؛ 15: 4- 13.
«فصار أباً». ماذا كان مضمون رجاء ابراهيم؟ مخطّط الله. عملَ اللهُ كما أراد، فحدّد الطريق التي فيها يصير ابراهيم «أباً لأمم كثيرة». وهذه الطريق هي طريق الإيمان. ورد النصُّ الكتابيّ هنا حرفياً، كما في السبعينيّة. دلّ بولس على برهانه، ففسَّر تك 15: 5- 6 على ضوء التعبير اللاحق للوعد (تك 17) أو الأمانة المفروضة (تك 22). شدّد بولس هنا على أن مدلول تعبير تك 17: 5 يتحدّد مع ما في تك 15: 5 حيث يُروى قبولُ ابراهيم للعهد، ويُعبّر بوضوح عن الوضع اللاحق أمام الله، كما عبّر عنه تك 15: 6. رج فيلون، تبدّل الأسماء 177- 178 الذي يرى أن تك 17: 17 يجب أن يُفهم على ضوء تك 15: 6.
«وما ضعف إيمانه» (آ 19). مع أنه نظر إلى جسده الذي مات: «استانايو» (ضعف). استعمل عن الضعف الدينيّ أو الخلقيّ، فقط عند بولس. رج 14: 1- 2، 21؛ 1 كور 8: 11- 12؛ 2 كور 11: 29. إيمان ابراهيم قويّ، لأنه نظر فقط إلى الله وما تعلّق بالامكانيّات البشريّة. هذا لا يعني أن الإيمان يجهل الواقع التاريخيّ (فما ضُعف)، بل أخذ ابراهيمُ بعين الاعتبار هذا الواقع (فكّر، تك 17: 17). لهذا دُعي إيمانُه قوياً. يضعف الإيمان حين يرتبط بقدرة البشر، أو بما يستطيع الانسان أن يفعل. لم يكن ذاك إيمان ابراهيم. ورد فعلُ «مات» فذكّرنا بذاك الذي يُحيي الموتى (آ 17). عمر آدم (100 سنة). رج تك 17: 1، 17؛ 21: 5. لم يعد من امكانيّة بأن يكون أبا أبناء. نشير هنا إلى أنّنا فقط أمام زرع الوعد.
«ما شكّ في وعد الله» (آ 20). مرّة أخرى سعى بولس لكي يُبرز إيمان ابراهيم من خلال نقيضة. وهنا نجد نقيضتين. الأولى سلبيّة. (1) ما شكّ إيمان ابراهيم بالنسبة إلى وعد الله. «دياكرينستاي»: تردّد، رج تك 14: 23. فالإيمان يعني قبول وعد الله والارتباط به. (2) الإيمان هو ما يقابل «أبستيا». ليست اللاأمانةَ في حفظ الشريعة، بل الضعف في قبول وعد الله إلى جميع الأمم بالإيمان. عندئذ تصبح «أبستيا» رفض الإيمان، التخلّي عن وعد الله.
والنقيضة الثانية هي إيجابيّة. (1) «ما ضعف في إيمانه». المجهول يدلّ على عمل الله. ما أضعفه الله، فكان قوياً بالنظر إلى إيمانه. فكّر بولس بالثقة بالله، وسواء هو الإيمان الذي ضعُف أو ما كان وسيلة إضعاف، فالأمر هو هو: ارتباط ابراهيم بالله صار أقوى. هذا يعني أن هذا الإيمان يمكن أن يقوى ويمكن أن يضعف. (2) «مجّد الله». ق 1: 21 (ما مجّدوا الله). عمل ابراهيم ما لم يعمله الانسان في الخطيئة الأول. «بستيس» (الإيمان) مقابل «أبستيا» (اللاإيمان). الإيمان هو جواب الخليقة للخالق. وباللايمان ترفض الخليقةُ أن ترتبط بالله.
«واثقاً» (آ 21). «بلا روفورايستاي»: وثق ملء الثقة، اقتنع كل الاقتناع. رج جا 8: 11. ق كو 22:؛ 1 تس 1: 5؛ عب 6: 11؛ 10: 22 (ملء الإيمان). «الله قادر». رج تك 18: 14 (جواب الربّ إلى سارة التي ضحكت). تحدّث فيلون (الأحلام 2: 136؛ يوسف 244؛ الشرائع الخاصة 1: 282) عن الثقة بقدرة الله ليفعل كلَّ شيء، وبولس عن قدرة الله في 9: 22؛ 11: 23؛ ق مر 10: 27 وز؛ 14: 36 والكلام عن قدرة يسوع. آمن ابراهيم بالله الذي وعد، لا بما وعد به.
«فلهذا» (آ 22) (ديو). هذا يعني أن الأمر واضح ولا يحتاج إلى برهان. وأننا وصلنا إلى خلاصة العرض. ويرد هنا تك 15: 6 (رج آ 3). ما حُسب لابراهيم هو إيمانه بظروفه (آ 9- 12) وموضوعه (آ 13- 17) وطبيعته (آ 17- 21). كلُّ هذا توضّح.
ب- إيمان المسيحيّ (آ 23- 25)
هنا تأتي الخاتمة بالنسبة إلى ابراهيم كما في تضمين (آ 22)، مع التطبيق على المسيحيّ.
في آ 23، عاد بولس إلى ابراهيم كنموذج لوارثيه، حيث يقبل به اليهوديّ والمسيحيّ. استطاع أن يركّز على آية واحدة (تك 15: 6)، لا لأنها عرفت توسّعاً في العالم اليهوديّ، بل لأنه قرأ هنا «الإيمان» و«البرّ»، فاكتشف مدلولاً نموذجياً يُوضح العلاقة بين هذين اللفظتين. ولأن الوعد الذي ارتبط بإيمان ابراهيم ونتج عن برّه يعني النظر إلى أبوّته (أمم كثيرة). فمع أنه قرأ المقطع الكتابيّ على ضوء إيمانه بالمسيح، لم يكن اختيار النصّ اعتباطياً، وما حاول الرسول أن يكتشف فيه معنى ليس فيه.
نظريّة «الكتاب» التي نجدها هنا تحمل سمتين اثنتين. الأولى: كُتب من أجلنا (نحن، الأمم واليهود، زرع ابراهيم، آ 11، 12، 16، 17). هذا ليس اعتقاداً بأن الكتاب هو خارج الزمن بحيث ينطبق على كل ظرف. فالرباط بين النص والسياق البولسيّ رباط خاص. على المستوى الاسكاتولوجيّ. ما حدث في حقبة اسرائيل السابقة والعهد، كان صورة سابقة عن زمن النهاية (15: 4؛ 1 كور 9: 10؛ 10: 11). الثانية: كُتب من أجل ابراهيم. أي حَفظ ذكرى ابراهيم وميّزه في هذا الطريق (سي 44: 10- 15). ولكن إن كان فكرُ بولس آنياً، حين أورد تك 15: 6 (تميّز ابراهيم حين حُسب باراً). وإن كان الكتاب لم يحدّد ب «من أجلنا»، فهذا يعني أن بولس رأى في الكتاب تجسيداً لحدث تاريخيّ. نحن نقرأه في النصّ. ولكننا لا نقرأه فقط في النصّ. نحن أمام تفسير نمطيّ فيه يصل الوعدُ إلى التتمّة.
«بل من أجلنا أيضاً» (آ 24). «مالو». فعل يدلّ على عمل يتبع مخطّط الله وقراره. يجب. سيكون بالتأكيد. و«حُسب» يدخل في وضعنا كما في وضع ابراهيم. والعودة إلى المُقبل الاسكاتولوجيّ (الدينونة الأخيرة) تكشف حسبان الله للبرّ في بداية القبول كما في الدينونة الأخيرة، وفي الوقت الذي يفصل بين الاثنين. الفاعل في آ 22 و23 لم يُذكر وإن كان واضحاً (ابراهيم المؤمن). ولكن بما أن بولس ما ذكره، فقد دفع القارئ أن يرى في ابراهيم المؤمن نموذجاً للمؤمنين. طلب الرسول من القارئ أن يستنتج، فأدخله في فكره.
«الذي أقام ربّنا». نحن هنا أمام أقدم إعلان إيماني في المسيحيّة الأولى (أع 3: 15؛ 4: 10). بالنسبة إلى «يسوع» رج 8: 11؛ 10: 9؛ 1 تس 1: 10. و«كيريوس» (الربّ). رج 1 كور 6: 14؛ 2 كور 4: 4. ما قال عن قيامة يسوع يقابل على المستوى الاسكاتولوجيّ ما قاله عن موت حشا سارة. في الحالتين، هي قدرة الله الخلاّقة. ماذا نلاحظ في هذا التعبير اللاهوتيّ والكرستولوجيّ؟
أولاً: يصوَّر الإيمانُ المسيحيّ كإيمان بالله وإيمان بالمسيح. والإيمان بالله يُعطى لنا بالنظر إلى المسيح (1 تس 1: 8- 10). لسنا هنا أمام مرحلتين تأتي الواحدة بعد الأخرى، بل أمام وجهتين للإيمان الواحد. ثانياً: التعبير الأول (الله أقام يسوع) سابق للتعبير «قام يسوع» (1 تس 4: 14). كلّ هذا يجعل حدثَ قيامة المسيح داخل مقصد الله. ثالثاً: كيريوس هنا ليس وضعاً ينتج عن قيامة يسوع (رج 1: 4؛ 10: 9)، بل هو يتحدّث عن القائم من الموت. نحن هنا أمام نظرة موحّدة لا تترك مكاناً للتمييز بين يسوع الأرضيّ والربّ الممجّد. فيسوع الذي صُلب وقُبر هو الربّ. رابعاً: الله أقام الربّ. مع كل الوضع الالهيّ الذي يتضمّنه كيريوس (1: 7، 8؛ 10: 9)، يبقى الوضع مختلفاً وخاضعاً لله. فالله أقامه على أنه الربّ (1 كور 15: 20- 28).
«أسلم من أجل معاصينا» (آ 25). هي عبارة مختلفة عمّا نجد في المسيحيّة الأولى (8: 32؛ غل 2: 20؛ أف 5: 2، 25). السمة المميّزة هي المجهول (العمل الالهي): الله أسلمه. نحن هنا أمام موقعين في التقليد: خبر الحاش والآلام. ثم تفكير مسيحيّ حول موت يسوع مع قراءة اش 53. «باراديدومي» (أسلم). يضمّ في نظرة واحدة فكرتين: خيانة يسوع على يد يهوذا (مر 9: 31؛ 10: 33؛ 14: 1- 2؛ مت 10: 4). تسليم يسوع بيد الله (أع 3: 13؛ روم 4: 25؛ 8: 32؛ 1 كور 11: 32). إن صيغة المجهول تضمّ الانشداد بين عمل يهوذا الشنيع (مر 14: 21) ومخطّط الله الكامل (أع 2: 23).
«وأقامه من أجل تبريرنا». هي صيغة المجهول: أقيم من بين الأموات. رج 6: 4، 9؛ 7: 4؛ 1 كور 25: 12 (الفعل: اغايرو). ونقرأ «ديكايوسيس» (تبرير). نجد هنا تأثير موت يسوع وتأثير قيامته. كما نجد المدلول السوتيريولوجي (على مستوى الخلاص) لقيامة يسوع بحيث لا ننظر إليها فقط على مستوى التبرير الذي يحمله يسوع (7: 4؛ 8: 34؛ 1 كور 15: 17).

2- خلاصة لاهوتيّة
نبدأ مع آ 17 ب (الله الذي يُحيي الأموات). هذا الموضوع هو الثاني في المباركات الثماني عشرة، وقد اعتاد اليهوديّ التقيّ أن يصلّيه كلّ يوم. هو قانون إيمان في اليهوديّة الهلنستيّة وقد استعمله فيلون. وهكذا اهتمّ بولس بأن يؤسّس عرضه على مثل هذا اللاهوت. لسنا أمام فهم جديد لله به يترك بولس الإيمان اليهوديّ والعهد. هو ما أراد أن يكون عرضُ إيمان ابراهيم تجديداً يبرّره الوحي الجديد وابتعاداً عن أولى كلمات العهد. بل إن فهْمَه لإيمان ابراهيم يتوافق مع فهم اسرائيل لله، وينبثق منه. رأى بولس الآن طابع إله اسرائيل فاستطاع، أن يرى طابع عهد اسرائيل مع الله. وبما أن معنى الوعد لابراهيم وزرعه يحدّده طابع إله ابراهيم، لهذا جاء الواحد يتداخل في الآخر ويقوّيه.
وهناك واقع آخر هام: تصويرُ الله كالخالق. بما أنه الخالق فهو يعطي الحياة ويُسند الحياة. إن الفكر المتحدّث عن الله كمعطي الحياة للموتى (ظهوره الاسكاتولوجي كقوّة تعطي الحياة) هو أسمى مثَل عن قوّة الخلق. هذه القوّة تعطي الحياة في البداية وفي النهاية. والقوّة التي تعطي الحياة للموتى تعطي الانسان الثقة بحيث لا ييأس في هذه الحياة. ويعلن الرسول: ما لم يكن موجوداً صار موجوداً بقدرة الله الخلاّقة.
كل هذا يتضمّن علاقة الخليقة بالخالق. فكما أن الخالق خَلق بدون شرط مسبق، فهو يهب الحياة حيث كان الموت، ويدعو إلى الوجود حيث لم يكن شيء. وبالتالي، ما خُلق يجب أن يرتبط بالخالق الذي أعطاه الحياة. هكذا تُفهَم العلاقةُ بين الله والجنس البشري، بما فيها الخلاص والفداء. فالمبدأ هو هو في النظر إلى الله الخالق وإلى الله المخلّص: هو يفتدي كما يخلق. هو يبرّر كما يُحيي. هذا يعني أن خلاصه لا يرتبط بشيء فيه خلُص. وأن الانسان يرتبط بنعمة الله غير المشروطة في العهد كما في الخلق. هذا الارتباط بالله نساه الانسان. ووقع معاصرو يسوع، اليهود، في الخطأ عينه، فاعتقدوا أن العهد مع ابراهيم يرتبط بأمانة للعهد. يبقى عليهم أن يعرفوا الطابع الأساسيّ لله الذي يخلق والذي يُحيي.
وجاء النصّ المرتبط بابراهيم (آ 18) يرسم هذه العلاقة بين الخالق والخليقة، بين إناء العهد مع الله ومعطي العهد. لقد عرف ابراهيم أن تتمّة الوعد لا ترتبط بحياة له ولا بقدرة منه. فلا أساس للرجاء في ذاته، ولا في وضعه البشري. فكل ما له هو من الوعد. والوعد الذي أعطاه الله كان بلا شرط. وآمن ابراهيم بالوعد. وهذا الإيمان حسبه باراً.
في آ 19 نرى أهمية تك 15: 5- 6 في تفسير ما صار واضحاً، حين نفهم أن ما يتعلّق بإيمان ابراهيم، يعود إلى تك 17. على ضوء تك 15: 5- 6، لا يرتبط فهم تك 17 بما في آ 9- 14 (فريضة الختان)، ولا بوعد أعطي لسارة بأن يكون لها ولد (آ 15 ي). بل شدّد بولس على اللارجاء في الوضع البشريّ (تك 17: 17)، وعلى ضعف الانسان أمام قدرة الله. فهذه القوة ليست في جسده ولا في جسد سارة. بل في إيمانه. هذا ما وعاه ابراهيم حين رأى أن جسده (وجسد سارة) مات. ففهم أن معطي الحياة وحده يُتمّ وعده ويمارس قوّته. وقوّة إيمانه أفهمته أن لا شيء فيه يصل بالوعد إلى الله، وأنه يثق فقط بالله الذي يقيم الموتى ويدعو غير الموجود إلى الوجود.
ما شك ابراهيم بوعد الله (آ 20)، بل تقوّى، أو بالأحرى قوّاه الله في إيمانه. تعلّق بكلمة الله، وكان ذلك كافياً لأن هذه الكلمة تحمل وعدَ الخالق. ويتكرّر الكلام عن إيمان ابراهيم الذي لا يسنده شيء، لا الأمانة ولا العهد. ما كان لابراهيم شيء يعمله سوى الثقة بالله، وليس شيء آخر.
ثقة ابراهيم كانت غير مشروطة، وتخلّت عن كل عون، فتمجّد الله. وهكذا تحوّل ابراهيم من مثال اليهودي التقيّ إلى مثال الخليقة، إلى مثال رجل الإيمان الذي يرتبط كل الارتباط بمن أعطاه الحياة، والمثال لكل من يؤمن سواء كان من اليهود أم من الأمم.
ويدور العرض حول عنصرين اثنين: إيمان ابراهيم، وقدرة الله على تتميم الوعد (آ 21). ويتكرّر الكلام عن الإيمان في ضوء إيمان ابراهيم القويّ. لسنا هنا أمام انفعال قدريّ (ليكن هذا، لأننا لا نقدر أن نفعل شيئاً آخر)، ولا أمام خوف من إله مجهول أو عناية عمياء. بل ثقة بالله واعتراف بقدرته كالخالق. عرّف ابراهيمَ بمخطّطه، فوثق ابراهيم وما طرح سؤالاً ولا وضع شرطاً. لهذا لن يُنظر إلى إيمان ابراهيم كأمانة للعهد. فالإيمان ثقة بصدق الله الذي وحده يجعل وعده يتمّ تماماً كاملاً.
في آ 22، عاد بولس إلى نقطة البداية: بالإيمان تبرّر ابراهيم. لا بأي عمل، ولا سيّما بالختان. إيمانٌ يتجاوب مع وعد يتجاوز النظرة إلى شعب الشريعة. إيمان هو ثقة عارية بقدرة الخالق. بما أن هذا الإيمان يقبله الله، تبرّر ابراهيمُ بالنعمة. هناك قدرة الله وضعف الانسان. هناك وعد الله المجانيّ والثقة بالشريعة أو بالنسل. أين يقف مؤمنو رومة؟
في آ 23- 24 طبَّق بولس هذه النتيجة. ما كُتب تك 15: 6 ليحدّثنا عن ابراهيم الذي تبرّر، بل ليقدّم نموذجاً لنسله. إن إيمان ابراهيم هو النموذج الأول لإيمان المسيحيّين في علاقتهم بيسوع. هناك عنصران: الإيمان بالله. والله الذي يعطي الحياة للموتى. وقدّم الرسول توازياً بين ذاك الذي أخرج الحياة من حشا سارة المائت (آ 19)، وذاك الذي أقام يسوع من الموت. طبّق بولس نموذج ابراهيم الذي تبرّر فقال: «نحن الذين نتبرّر». هو الله الواحد الذي خلق، خلّص، برّر، فما يكون موقف الانسان سوى الإيمان كما فعل ابراهيم.
وانتهى «المدراش» أو الدرس والتأمّل في النصّ الكتابيّ، مع آ 25. وضع بولس جسراً بين التبرير وقيامة يسوع، بعد أن تحدّث عن تبرير ابراهيم حين آمن بالله الذي يُحيي الموتى. وسوف يضع جسراً بين الموت والمعاصي في 5: 15- 20. إن الكلام عن يسوع الذي أسلِم، يجد جذوره في الكنائس الأولى على ضوء اش 53. إن جزئي العبارة هما وجهان لقول لاهوتيّ واحد. فبولس ما أراد من قرّائه أن يميّزوا بين موت يسوع وقيامته وكأنهما نتيجتان منفصلتان. فالتمييز هو تمييز بلاغيّ. وفي الوقت عينه من الطبيعيّ أن نربط معاصي البشر بخيانة يسوع وموته، لا سيّما وأن المقولات الذبائحيّة هي جزء من فهم طريقة الله في التعامل مع الخطيئة. نجح بولس في فصل إيمان ابراهيم عن أعمال العبادة، فما تحدّث عن موت يسوع في إطار الذبيحة وأعمال العبادة. والرباط بين التبرير وقيامة يسوع أبعد في العرض السابق. فنعمة الله المبرّرة هي واحدة مع الخلق والقدرة على إعطاء الحياة. وثقة ابراهيم ستكون باطلة إن لم يعطِ الله سارة ابناً. وكذا يكون إيمان المسيحيّين لو لم يُقم الله يسوع. إن قيامة يسوع هي البرهان الإيجابي بأن القوة التي أعطت الحياة لسارة وابراهيم ما زالت تعمل في البشريّة. يُعرف الإيمان أنه مقبول، لأن لقبوله ذات القوّة الفاعلة التي أقامت يسوع وسوف تقيم الموتى (8: 11) بالروح الساكن فينا.

الخاتمة
ابراهيم هو أبونا، وقد آمن بالله الذي يقدر أن يُحيي الموتى. ففي نظر البشر، لم يعد لابراهيم قدرة أن يلد بحسب الجسد، فهو كأب قد مات. ولكنه آمن أن الله يقدر أن يعطيه نسلاً، وكلمةُ الله ووعده كانا له أهم من الطبيعة ونواميسها. فالخالق يقدر دوماً أن يخلق. وهو أيضاً المخلّص الذي يقدر أن يهب الحياة للمائتين وأولهم يسوع المسيح. وابراهيم لا يؤمن بالحتميّة. كما يرفض نظام الشريعة التي تنظّم كل شيء. فقد جعل في قلبه فتحة يدخل فيها الربّ. وها هو الله يعده أيضاً بحيث لا يستطيع أن يحسب حياته وكأنها جُمّدت. نحن هنا في نقيض الحكمة البشريّة التي لا تؤمن إلا بالحتمية. أما الإيمان فيختار الله الذي يقدر على كل شيء، الذي يصنع العجائب إن هو شاء. وهذا الاله ينظر إلى المؤمن كخليقة مبرّرة، كانسان حقيقيّ أمام إلهه. هذه هي الخليقة الجديدة. قيل كل شيء لابراهيم، وقيل أيضاً للمسيحيّ الذي يؤمن بإله يقيم الموتى، بإله أرسل ابنه: بموته كفّر عنا، وبقيامته برّرنا.
الفصل السادس عشر
التبرير والخلاص
5: 1- 11

يستخلص بولسُ الآن نتائج النظرة الجديدة إلى الإيمان. أولاً بالنسبة إلى المؤمن الفرد في الحاضر وفي المستقبل. هو يتألّم ولكنه يرجو الخلاص (آ 1- 11). ثم على مستوى تاريخ الخلاص الذي يوجز تاريخ البشريّة من الخلق إلى التتمّة في رَجلين، هما آدم والمسيح. واحد يحدّد مجال الخطيئة والموت، والآخر مجال النعمة والحياة (آ 12- 21). يُعتبر ف 5 خاتمةَ البرهان، ولا سيّما 5: 1- 11 في علاقته مع ما سبق. أما 5: 12 فيركّز على الوجهة الكونيّة، مع الانتقال من صيغة المتكلّم الفرد (أنا) إلى صيغة الغائب المفرد (هو). والتواصل مع آ 1- 11 يظهر في عودة الموضوع حول العصيان والطاعة اللذين يحدّدان حقبتين تضمّان التاريخ البشريّ.
بعد كلام عن التبرير في ف 1- 4، نصل في هذا المقطع إلى كلام عن التبرير الذي هو عربون الخلاص. أجل، بالإيمان نلنا هذه النعمة. ونحن نعيش على الرجاء الذي هو انتظار الخيرات الاسكاتولوجيّة، وهذا الرجاء لا يخيب بعد أن حلّت محبّة الله في قلوبنا.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 1، بدل «نعمنا» (أي كان لنا) في الحاضر، هناك من قرأ صيغة التمني: لننعم. لو كنا أمام إرشاد (رج إش 27: 5: بوييسومان: لنصنع) لكان الأمر صحيحاً. ولكننا أمام تأكيد بسيط نستخلصه ممّا سبق.
في آ 2، هناك انقسام بين المخطوطات والترجمات حول «بالإيمان». هل نُبقي عليها، أم نستبعدها؟ يمكن أن نُبقي عليها في خطَ ما برهن عنه بولس سابقاً.
في آ 8 غاب لفظ «الله» من الفاتيكاني وافرام الأرمنيّ. كما تبدّل ترتيبُ الكلمات هنا وهناك.
في آ 11، نسيَ بعضُ النسّاخ أسلوب بولس، فبدّلوا اسم الفاعل إلى صيغة الحاضر: «مفتخرون» صارت «نفتخر». في الفاتيكاني وعدد آخر قليل من المخطوطات غاب لفظ «المسيح» فقرأوا: «الفضل لربّنا يسوع الذي».
ب- بنية النصّ
هذا المقطع مبنيّ بناء محكماً. جاءت آ 9- 11 جواباً على آ 1- 3 عبر تكرار «تبرّرنا» (آ 1، 9)، نفتخر (آ 2، 3، 11)، «ديا» (آ 1، 2، 9- 11، بواسطة، بالمسيح)، ليس فقط بل أيضاً (آ 3، 11). ونلاحظ أيضاً التدرّج البلاغيّ في البرهان (آ 3- 5)، والذروة في آ 6- 10 (ضعفاء، أشرار، خطأة، أعداء)، ويتكرّر فعل «مات» أربع مرات في نهاية كل جملة من آ 6- 8. ويتكرّر في آ 9- 11: فكم بالأولى. هناك من تكلّم عن نشيد ليسوع المصلوب في آ 6- 11. إذا أردنا أن نكتشف العنصر المشرف على النصّ، نتحدّث عن السلام، المصالحة، الر جاء (آ 2- 5). وهناك الانشداد الاسكاتولوجيّ الذي هو سمة خاصة تميّز المقطع كله.

1- تحليل النصّ الكتابيّ (5: 1- 11)
نجد في هذا النص أربعة مقاطع. نقطة الانطلاق (آ 1- 3). تبرَّرنا بالإيمان فوصلنا إلى النعمة التي يمنحها الله لنا. وهكذا يصل الرسول إلى كلام عن الصبر في الشدّة (آ 4- 5). في آ 6- 8، مات المسيح عنا نحن الضعفاء، وهكذا برّرَنا بدمه (آ 9- 11).
«فلما برّرنا» (آ 1). استعمل بولس «ديكايوو» في الماضي الناقص (رج 3: 4 عن الله، 4: 2 عن ابراهيم). مع أنه اعتاد أن يستعمل الحاضر (3: 24، 26، 28؛ 4: 5) أو المضارع (2: 13؛ 3: 20- 30). استعمل هذه الصيغة هنا ليدلّ على عمل الله في الماضي. هو اسم الفاعل: إذ بُرّرنا. قبلَنا الله في هذه العلاقة وفي هذا الوضع (الذي نعم به ابراهيم «خليل الله». «هذه النعمة التي نقيم فيها» آ 2). وبرّرنا في الدينونة الأخيرة («رجاء المجد»، آ 2). رج 2: 13.
«بالإيمان». هو عمل خاص فيه يمارَسُ الإيمانُ أولاً. هو أول عمل فيه نرتبط بالله. هو العمل الأول في الاستسلام لله. يعتبر بولس أن جميع (أو معظم) قرّائه مرّوا في هذا الاهتداء، وأن هذا جزء أساسيّ في التزامهم. ومع أن المعموديّة جزء من هذه المسيرة (6: 4)، إلاّ أنّ لا شيء يشير إلى أن بولس يحدّث قرّاءه هنا عن المعموديّة. وفي الوقت عينه، مع أن الصورة الأولى تدلّ على الإيمان كما مارسه ابراهيم (4: 16)، إلاّ أن هذه الجملة هي المفتاح لما في 1: 17 (أمانة الله وإيمان الانسان): إيمان ابراهيم هو إيمان بالله الأمين لوعده.
«نعمنا بسلام». «ايريني». السلام أي اللاحرب. معنى سلبيّ في العالم اليونانيّ. رج تث 20: 12؛ قض 4: 17؛ 1 صم 7: 14؛ 1 مل 2: 5؛ اش 6: 16. يمكن أن نقرأ هذا المعنى هنا (آ 10). ولكننا نستطيع أن نجد المعنى الايجابي (1: 7). ولا سيّما البُعد الروحي للسلام (سلام في علاقة مع الله). لسنا فقط أمام موقف باطني. «ش ل و م» هو موقف روحيّ (رج المصالحة في آ 10- 11). وقد يتبع هذا السلامَ التبرير.
لا بدّ أن نتذكّر في سياق النصّ (في الفكر اليهوديّ) أن عطيّة السلام ترتبط بالعهد (عد 6: 22- 27؛ مز 55: 18- 19؛ اش 48: 17- 22؛ إر 14: 19- 21؛ سي 47: 13؛ 2 مك 1: 2- 4). وهناك عهد سلام مع كهنوت فنحاس (عد 25: 12؛ ملا 2: 4- 5؛ سي 45: 24). ثم إن السلام والبرّ مفهومان يتكاملان (مز 35: 27؛ 72: 3؛ 85: 10؛ إش 9: 7؛ 32: 17)، وفي الرجاء النبويّ، ملءُ ازدهار سلام الله ينتمي إلى الزمن المقبل (اش 9: 6- 7؛ 54: 10؛ حز 34: 25- 31؛ مي 5: 4). ما يريد أن يقوله بولس هو أن السلام الاسكاتولوجي بدأ مسيرته وهو سيتمّ. فيبدو الانشداد حاضراً بين ما تمّ حتّى الآن وما لم يتمّ بعد (2: 10؛ 14: 17).
«المسيح يسوع». رج آ 1، 11، 21. في كل آية نجد وجهة مختلفة في دور الوسيط الذي يُنسب إلى المسيح الممجّد. فوق، حركة مديح (آ 11). تحت، حركة نعمة (آ 21). نرى هنا التبادل في دور الوسيط «وسيط الدخول» (آ 2). ذاك هو دور خاص ليسوع في وجوده كقائم من الموت.
«به دخلنا» (آ 2). رج آ 1. «بروساغوغي» (دخول): لفظ عبادي. الدخول إلى المعبد حيث حضور الله. رج نج 11: 13- 15. هي علاقة شخصيّة بين الله والمؤمنين. استعمل الرسول الفعل في صيغة الكامل، فدلّ على بدايةِ الدخول إلى حضرة الله (بعد أن تبرّرنا) وتواصُلِ العمل (سلام مع الله). هكذا عبّر الرسول عن الخلاص وعن مفهوم التبرير (1: 17). «النعمة» (خاريس). حالة نَدخلُ فيها. هي قدرة الله المجانيّة تصل إلى البشر وتعمل فيهم. هي دائرة النعمة. هي حالة انطبعت بنعمة الله (مد 4: 21- 22؛ 7: 30- 31). هذه النعمة تدلّ على علاقة إيجابيّة بين الله والانسان. والوعد بالدخول إلى العهد، ينتج عن علاقة مع الله قامت وتثبّتت.
«ونفتخر» (نقدر أن نقول أيضاً: لنفتخر. رج آ 1). نفتخر. رج 2: 17، 23؛ 3: 27؛ 4: 2. الرجاء. رج 4: 18. مجد الله. رج 1: 23؛ 3: 23. انقلب الوضع الآن. فالافتخار الذي يتحدّث عنه بولس الآن، هو إيجابي ويمكن أن نأخذ به. ومجد الله شيء نستطيع أن ننظر إليه (ليس شيئاً ضائعاً). هناك افتخار لائق، ولكن هذا الافتخار ممكن فقط لإنسان يُقيم في نعمة الله، بحيث يُصبح افتخارُه من الله الذي به ارتبط كلّه دون أن يعود إلى أي امتياز. هو افتخار واع لما ليس بعد، وواثق بما سيأتي. هو ثقة الخليقة بأن مخطّط الخالق يتمّ في خليقته. أما بالنسبة إلى مجد الله، فيعود إلى موضوع آدم (1: 21؛ 3: 23). ومخطّط الله في الخلاص، يُفهم بلغة تكوين (وتتميم) البشريّة الساقطة إلى المجد الذي سقط عنه الجميع (8: 17؛ 2 كور 3: 18؛ 1 تس 2: 12).
«ليس فقط بل أيضاً» (آ 3). طريقة خاصة ببولس (5: 11؛ 8: 23؛ 9: 10؛ 2 كور 8: 19). أخذها من العالم اليوناني والأدب اليهودي. «تليبسيس»: الشدة، الضيق الذي تحمله الظروف. رج 2 كور 1: 4، 8؛ 2: 4؛ 6: 4؛ 7: 4؛ غل 1: 17؛ 1 تس 1: 6؛ 3: 3). ويمكن أن يكون كلامٌ عن الشدائد في اليوم الأخير (دا 12: 1؛ مر 13: 19، 24). وهناك الانشداد الاسكاتولوجيّ بين ما هو الآن وما لم يأتِ بعد، كسِمة في كل هذا المقطع (آ 1- 11). رج 8: 35؛ 12: 12؛ 1 كور 7: 28؛ 2 كور 4: 17؛ كو 1: 24. وهناك وجهة في النظر إلى الخلاص بيسوع المسيح: الآلام التي يقاسيها المؤمنون في الحقبة الواقعة بين زمن قديم (زمن آدم) وزمن جديد (زمن المسيح)، هي محمولة لأنها مشاركة في آلام المسيح وموته.
«عارفين» (لعلمنا). هي خبرة مشتركة بين بولس والمؤمنين. «هيبوموني»: الصبر، المقاساة، القوّة، الثبات. هي فضيلة مميّزة لدى اليونان ولا سيّما الرواقيّين، ولدى اليهود (مز سل 2: 36؛ وص يوسف 2: 7؛ 10: 1- 2). رج 4 مك 1: 11؛ 7: 9؛ 9: 8، 30. يرى بولس أهمية «الصبر» المسيحي. رج 2: 7؛ 5: 3- 4؛ 2 كور 1: 6؛ 6: 4؛ 2 تس 1: 4؛ 3: 5. ق يع 1: 3- 4؛ 1 بط 2: 20؛ رؤ 2: 2- 3. أراد بولس أن ينظر إلى الضيق نظرة إيجابيّة، ولكنه يرى أنه يجب أن نستعدّ لاحتمال الألم، لا أن نتهرّب منه، أن نتحمّله في طريق حياتنا.
ب- الصبر امتحان (آ 4- 5)
«والصبر امتحان» (آ 4) «دوكيمي» (امتحان) كلمة خاصة ببولس في العالم اليونانيّ البيبليّ: صفة شيء امتُحن، اختُبر. رج 2 كور 2: 9؛ 9: 13؛ فل 2: 22. بما أننا لم نقرأ هذا اللفظ قبل بولس، فقد يكون بولس أول من استعمله. أما الصورة التي وراءه (امتحان الذهب بالنار) فهي معروفة. هنا يقف الرسول في عالم الحكمة مع أي 23: 10؛ أم 8: 10؛ 17: 3؛ سي 2: 5؛ حك 3: 6. ويفكّر، بلا شك، أن يمنحه لإبراهيم ولا سيّما حين قدّم ابنه. وارتبط الامتحان بالصبر في العالم اليهودي. رج يوب 19: 8؛ وص يوسف 2: 7؛ 4 مك 9- 8؛ 17: 12؛ ق يع 1: 3؛ 1 بط 1: 7. النظر إلى الضيق كاختبار إلهي من أجل الامتحان والنضوج هو المفتاح الذي يقدّمه بولس تجاه الألم. لا بدّ للقرّاء أن يروا التعارض، بين مسيرة الخلاص المطبوعة بالامتحان، ومسيرة الغضب المطبوعة بروح لم يُختبَر (1: 28).
«والامتحان يلد الرجاء». هنا يبتعد العالمان اليهوديّ والمسيحيّ عن العالم اليونانيّ، ولا سيّما الرواقيّ منه. فالرجاء (اليونانيّ) تنقصه الناحيةُ الايجابيّة، فيشدّد على الصبر والامتحان (رج 4: 8). أما الرجاء اليهوديّ المسيحيّ الذي هو ثقة بالله، فينظر إلى أبعد من العالم المنظور في الدهر الحاضر. في العبريّة «ت ق وه». رج أي 14: 19؛ مز 9: 18؛ 62: 5. ربط بولس بين هذه الأفكار في 12: 12؛ 15: 5، 13. في ا تس 1: 3 نقرأ «صبر الرجاء».
«رجاؤنا لا يخيب» (آ 5). «كاتايسخينو» (خجل). هناك فكرة افتخار لا يخيب. مز 22: 5؛ 25: 2- 3، 20؛ 31: 1، 17. رج اش 28: 6 الذي ورد في روم 9: 33؛ 10: 11 كما في 1 بط 2: 6. يتطلّع بولس إلى خبرة الرجاء. هو يفكّر بالتبرير النهائي. ولكن الفعل هو في الحاضر. منذ الآن لا نخيب. وصيغة المجهول تعني أن الله لا يخيّبنا.
«لأن محبّة الله». «هوتي» (لأن) تدلّ على أن ما يتبع يجد أساسه في رجاء واثق. بالنسبة إلى المحبّة (أغابي) رج 12: 9. محبّة الله هي محبته لنا لا محبتنا له. محبّة الله ليست شيئاً نؤمن به على أساس الانجيل أو شهادة الصليب (آ 8)، وليست تأكيداً على حبّ الله، بل هي حبّ الله نفسه الذي نختبر في قدر كبير من الغنى. رج 8: 35، 39؛ 2 كور 5: 14؛ أف 2: 14؛ 1 يو 2: 5؛ 3: 17. أما عبارة محبّة الله، فنقرأها فقط في 5: 5؛ 8: 39؛ 2 كور 13: 13. والرباط بين الروح والمحبة. رج 15: 30؛ غل 5: 22؛ فل 2: 1؛ كو 1: 8؛ 2 تم 1: 7.
جاء الفعل «إكخايو» (سكب) في صيغة الكامل. ومع أنه يُستعمل عن شيء نلناه في الماضي (بالنعمة، مز 45: 2، بالرحمة سي 18: 11)، فالارتباط مع الروح الحاضر في هذا السياق يدلّ على لغة مسيحيّة في عودة إلى حدث العنصرة المؤسّس. إن صيغة الكامل تدلّ على حدث سابق ما زال فعلُه حاضراً. تلك هي خبرة بولس. «في قلوبنا». الله يعمل عمله على مستوى الإرادة والعاطفة (1: 21؛ 2: 15). يعمل عبر الروح في تتمةٍ لوعِد إر 31: 31- 34 (رج 2 كور 3: 3). وهنا يَفترقُ المسيحيون عن اليهود. رج 2: 29. «بالروح القدس». أي بواسطة الروح القدس. رج 1 كور 12: 7 والمواهب التي هي تجلّي الروح القدس. هنا لا نحصر الروح كله في خبرة محبّة الله. في الانتظار النبويّ نُظر إلى سكْب الروح كعلامة للدهر الجديد (اش 32: 15؛ 34: 16؛ حز 11: 19؛ يو 3: 1- 5). أجل مع موت المسيح وقيامته، بدأ الدهرُ الجديد الذي انتظره اليهود.
الخبرة هنا هي خبرة محبٌّة الله، ولا فرق بين عطيّة الروح وسكب المحبّة. في مواضع أخرى، جُمع الروح مع خبرة الفرح (1 تس 1: 6) والمعجزات (غل 3: 5) واعلان المواهب (1 كور 1: 4- 7) والتحوّل الخلقيّ (1 كور 6: 9- 11؛ رج أع 8: 17- 19؛ 10: 44- 47؛ 19: 6). وهبةُ الروح هي التي تحدّد انتماءنا إلى المسيح، وتلعب وظيفة علامة بأننا نخصّ المسيح. بما أن بولس يرى في الله (لا في المسيح، رج أع 2: 33) ذاك الذي يعطي الروح، فهذا يدلّ على نظرته إلى العلاقة بين المسيح الممجّد والروح. وخبرةُ الروح هذه تعود بنا إلى المعموديّة. رج 1 كور 12: 13؛ 2 كور 1: 22؛ غل 3: 2- 5.
ج- ولما كنا ضعفاء، مات المسيح (آ 6- 8)
«ولما كنّا ضعفاء» (آ 6). إن آ 6- 8 تبرّر الرجاء المذكور في آ 3- 5. «مات المسيح». نحن أمام إعلان مسيحيّ يربط الصلب بالمسيحانيّة. رج 1 كور 1: 23؛ غل 2: 20- 31. «استانيس» (ضعيف). هو الوضع البشريّ مقابل قدرة الله (8: 26؛ 1 كور 15: 43؛ رج حك 9: 5). بعد الضعفاء يأتي الخطأة والأعداء (آ 6، 8، 10). كنّا ضعفاء، في الوضع السابق للإيمان. ولكننا لا نزال ضعفاء، خلال وجودنا البشريّ في زمن الانشداد الاسكاتولوجيّ وما يرافقه من آلام (رج آ 3؛ 8: 26؛ 2 كور 11: 29- 30؛ 12: 5، 9- 10). «في الوقت». هو الوقت المناسب. أو وقت الرضى. أو الزمن الاسكاتولوجيّ. وقد يعني: في وقت نكون فيه ضعفاء. ولكن يبقى المعنى الاسكاتولوجيّ هو الأفضل. «مات المسيح من أجل». رج 14: 15؛ 1 كور 25: 3؛ 2 كور 5: 15؛ 1 تس 5: 10؛ 1 بط 3: 18. هو تعبير الإيمان في الأناجيل كما وَرثهَ بولس. ويعلن بولس أن المسيح مات، لا من أجل الأبرار، بل من أجل الأشرار (اسابايس، يعيشون خارج الأمانة للعهد). هذا يعني البشريّة كلها، اليهود والأمم. في موضع آخر يقول بولس: من أجلنا نحن الذين تمرّدنا على الحبّ، نحن الخليقة التي سقطت (8: 19- 23).
«وقلّما يموت أحد» (آ 7). تذكّر بولس حك 10: 20: الأبرار يسلبون الأشرار. وفي كتب المكابيّين، مات الشهداء من أجل العهد، من أجل أمّة هي شعب الله، وما ماتوا من أجل أفراد أتقياء. وموت انسان من أجل انسان آخر لم يكن أمراً يُنصَح به. ولكن المسيح، كما قال بولس، قلب الموازين. ويتابع الرسول: قد يرضى واحد أن يموت عن انسان صالح (وص أشير 2: 3).
«ولكن الله» (آ 8) فعل ما لا يفعله أحد من البشر. وليس من أجل انسان واحد، بل من أجلنا جميعاً. بعد صيغة الكامل (آ 5)، ها هي صيغة الحاضر حيث يعود الرسول إلى موت المسيح الذي يدلّ في كل وقت على حبّ الله (1 كور 1: 23). وحبّه من أجل الخطأة (هامرتولوس). إن حبّ الله لا ينحصر في الذين يعيشون داخل العهد (الأبرار، آ 7)، ولا يرتبط بما يمكن أن نمارس من أعمال الشريعة. وهذا الحبّ الذي بدأ في موت المسيح ما زال حاضراً. تحدّث بولس عن موت المسيح كبرهان عن حبّ الله (3: 25؛ 2 كور 5: 19). إن موت المسيح الذي هو خير للخاطئين، يُثبت أن هذا الموت ذبيحة (ذبيحة عن الخطيئة)، من أجل الخطأة لأنهم خطأة. وهو «يستر» خطاياهم التي اقترفوها ضدّ الشريعة. بل إن الشريعة صارت خارج هذه النظرة مع التكفير عن الذين في داخل العهد.
د- بعدما تبرّرنا بدمه (آ 9- 11)
«فكم بالأولى» (آ 9). عبارة معروفة لدى المعلّمين (ق ل. و. ح و م ر: خفيف وثقيل). استعملها بولس أربع مرّات في ف 5 (آ 9، 10، 15، 17). رج مت 6: 30؛ 1 كور 12: 12؛ 2 كور 3: 9، 11؛ فل 1: 23. «تبرّرنا». رج آ 2 الذي تجعلنا في الزمن الحاضر. وهنا، على المستوى الاسكاتولوجيّ. هذه اللغة تفترض علاقة العهد بين الله وشعبه، حيث الذبيحةُ (بدمه) تكوّن جزءاً أساسياً في مسيرة العهد. إن موت المسيح الذبائحيّ يقيم العهد الجديد (الذي يضمّ أيضاً الأمم)، يأخذ دور كلّ الذبائح ويجعل الذبائح السابقة غير ضروريّة.
«نخلص». يتابع بولس هنا الموضوع الكرازي (1 تس 1: 9- 10). الصورة المستعملة هنا هي نجاة من وضعٍ يحملُ الخطر. والخطر هو ذات الغضب الذي صوّره بولس في 1: 18- 32، ولا سيّما في تعبيره الأخير (2: 5). مدلول الخلاص، يتوجّه إلى المستقبل. وقد استعمل بولس الفعل في صيغة المضارع (آ 9- 10؛ 9: 27؛ 10: 9). إن البرّ يقود إلى الخلاص، والبرّ ينظر إلى الخلاص. تلك هي النظرة اليهوديّة (سي 34: 13؛ حك 5: 2؛ 1 أخن 1: 1؛ 5: 6؛ وص نفتالي 8: 3). أما تمييز المدلولَين عند بولس فيتركّز على عبارتين: «في دمه»، «به». فوساطة المسيح حاسمة في نهايتَي هذه المسيرة. فعملُ الله عبر المسيح، حوّل المقولات وطبّقها تطبيقاً شاملاً. «نحن» الأمم واليهود، لا فقط «أتقياء» اسرائيل. هناك علاقة بين التبرير الأول والتبرير الأخير. وبما أن مسيرة الخلاص لم تكتمل، فهذا يعني أن المؤمن لم ينجُ بعد من عمل الغضب في الزمن الحاضر، ولا من الدينونة في اليوم الأخير (14: 10؛ 1 كور 3: 14- 15؛ 2 كور 8: 10). «فكم بالأولى» تدلّ على مسيرة تامّة، لا على بعض تبدّل، في قلب لاهوت بولس، من التبرير إلى الحياة في المسيح.
وتأتي مرة أخرى في آ 10 عبارة «فكم بالأولى». «اختروس» عدو، مُبغَض لدى الله (اسم المفعول). رج 11: 28 والمقابلة مع «أحبّاء». وقد نكون أمام اسم الفاعل: الانسان يُبغض الله. رج 8: 7؛ كو 12: 1. حينئذ نكون أمام تمرّد حرّ على الله (1: 18 ي). ثم إن الغضب يدلّ على جزء فاعل من العداوة لله. تجاه هذا، نكتشف مبادرة الله وما فيها من سخاء ومجانيّة. «صالَحَ». إن صورة المصالحة قد استُعملت فقط في الكتابات البولسيّة. رج آ 11؛ 11: 15؛ 2 كور 5: 18- 20؛ كو 1: 20- 22؛ أف 2: 16. هي عداوة بين اثنين. تنتهي هذه العداوة فيحلّ السلام والرضى (آ 1- 2). مصالحة بين الرجل وامرأته. مصالحة بين الملك وعبيده. مصالحة بين قوى متحاربة. «كاتالاسو» (صالح) يقابل «بُرّر» (آ9 ) «بموت ابنه». فكرة المصالحة عبر وسيط أمرٌ معروف. هناك موسى وغضب الله على اسرائيل (مز 106: 23؛ يوسيفوس، العاديات 3: 315). وهرون (حك 18: 20- 25) وفنحاس (سي 45: 23). ثمّ الكهنوت الذي يقدّم ذبائح الخطيئة عنه وعن نسله. حين يُذكر «الابن»، فهذا يعني أننا لسنا فقط أمام مبادرة إلهيّة، بل أمام عمل الله بواسطة ابنه (2 كور 5: 19). ابنُ الله قريب من الآب. هو ابنه الوحيد. والعلاقة تامّة بينهما. هنا لن نتكلّم عمّن يميل بغضب الله عن البشر. إن موت يسوع كابن الله كان نقطة رئيسيّة في لاهوت بولس. «أن نخلص». رج آ 9. ما أراد الرسول أن يتحدّث عن وظائف مختلفة في المسيح: الموت القيامة، وهنا الحياة (زوئي). إن موت المسيح حلّ مسألة غضب الله والعداوة بين الله والانسان. والخلاص تمّ، لا فقط بقدرة المسيح القائم إلى الحياة، بل عبر تماهي المؤمنين مع هذا الخلاص: مسيرة الخلاص هي مشاركة في موت المسيح وقيامته (6: 3، 11؛ 7: 4؛ 8: 17). في هذا المجال، يجد الانشدادُ الاسكاتولوجيّ عباراته القويّة (6: 4؛ 8: 10؛ 2 كور 4: 10- 12؛ كو 3: 3- 4). والقيامة (ملء خبرة الحياة) المقبلة للمؤمن تُذكَر في 6: 5، 8؛ 8: 11؛ 1 كور 15: 20- 22؛ 2 كور 4: 14؛ فل 3: 10- 11. كان الرجاء بالقيامة معروفاً في العالم اليهوديّ المعاصر، ولكن لا القيامة التي تتمّ بواسطة وجه خلاصيّ خاص.
«وليس فقط، بل أيضاً» (آ 11). رج 5: 3. استعمل بولس عبارة مفتوحة، ليدلّ أنه يريد بعدُ أن يقول، فيضيفُ إلى ما سبق وقال. أما هدفُه فجمْعُ ما قاله في عبارة واحدة، منذ بداية المقطع (الافتخار، آ 2- 3) إلى نهايته (المصالحة، آ 10). «نفتخر». هو اسم الفاعل في معنى الحاضر: الافتخار هو سمة متواصلة لدى المؤمن، حتى في الوقت الفاصل بين المصالحة والخلاص، والذي يتميّز بالألم (آ 2- 3). إن الافتخار الذي يتطرّق إليه بولس هنا يُفلت من النقد في 2: 17، لأن المسيحيّين يفتخرون في المسيح (فل 3: 3): تصالحوا بعمل الله في المسيح، فارتاح رجاء الخلاص في الله وحده. نحن هنا في إطار ليتورجيّ (المجدلة)، في خطّ العبادة اليهوديّة. هو تواصل ولاتواصل، لأن «نحن» الذي يفتخر هو الأمم واليهود معاً.
«ربّنا يسوع». يسوع هو وسيط شكرنا لله (1: 1). ووساطتُه تضمّ موتَه وقيامته للحياة. استعمل بولس هنا اللقب كاملاً (الربّ، يسوع، المسيح) ليفصل العبادة المسيحيّة عن العبادة اليهوديّة. «به نلنا المصالحة». وهكذا ظلّ دورُ يسوع كوسيط حاضراً حتّى النهاية (آ 1، 2، 9، 10، 11). و«الآن» تحافظ على الرجاء الاسكاتولوجيّ الذي تمّ الآن (آ 9؛ رج 3: 21). والفعل الأخير في صيغة الماضي الناقص، اعاد الكلام عن الرجاء والافتخار إلى حيث كان العملُ الحاسم (على الصليب وفي حياتهم) دون أن ينسى التشديد (آ 10، 11) على أن الخلاص ما تمّ بعد.

3- خلاصة لاهوتيّة
انطلق بولس من شهادة الكتاب حول ابراهيم، فبيّن كيف يجب أن يُفهم كلامُ الكتاب حين يقول إن الله برّر الانسان. وها هو يعود إلى هذه النظرة وما تشتمل، من أجل المؤمن الفرد ومن أجل البشريّة كلها.
«لهذا» (آ 1). هو بولس يستعيد استنتاج تأويله ليصل إلى كل من يؤمن (4: 23- 24). في ف 4 كان كلام عن «البرّ» مع تك 15: 6. وهنا عاد إلى فعل «برّر» الذي يعني «حسب باراً» (3: 20- 26). ما يقول بولس الآن عن نفسه وعن قرّائه (تبرّرنا)، هو ما قاله تك 15: 6 عن ابراهيم. والكلام الذي يستعيده من ف 4، هو أن الله يبرّر بالإيمان. يجعل الله الانسان واقفاً. يرى فيه شريكاً مقبولاً في علاقة العهد، على أساس ثقة الانسان به وقبوله لوعد الله غير المشروط بأن يعمل من أجله. فالعهد مع ابراهيم يبقى الخلفيّة الضروريّة لهذا الكلام. استعمل الرسول الماضي الناقص، ولكن كلامه لا ينفي صيغة أخرى. فتبرير المؤمنين حاضر، وقبولُهم ليس عملاً من الماضي وحسب. أجل، جئنا إلى وعد الله وتمامه حين قبلنا هذا الوعد.
ويصوّر بولس نتائج هذا القبول الأول، قبولنا في دائرة عهد الله الموعود به. كما يصوّر تبريرَ الله يوماً بعد يوم في الواقع. هناك خبرة السلام مع الله (أو أقلّه إمكانيّة السلام مع الله). والتبرير الناتج عن السلام يعود إلى اش 32: 17. فالسلام ليس انتفاء الحرب وحسب، بل النجاح والازدهار، وكل هذا يرتبط بعلاقة الانسان مع الله.
سلام مع الله، ولكن هناك سلام بين البشر. لا يستبعد بولس هذه الوجهة، ولا بروحن المدلول، ولا يحصره في بعض الراحة، بل يعطيه بُعداً اسكاتولوجياً ينطلق من الحياة اليوميّة. بدون سلام بين الله والانسان، بين الخليقة والخالق، لن يُوجد سلامٌ بين الانسان والانسان. ورجاء السلام الاسكاتولوجي تحقّق في المسيح كما وعد به الأنبياء. وهذا السلام لا يكون في شعب واحد، بل في البشريّة، في الأمم واليهود. إن السلام الذي يمنحه الله، يضمّ الأعراق والأمم بدون تمييز، «بواسطة ربنا يسوع المسيح». إن يسوع قام من الموت، وما زال يعمل من أجل العلاقة بين الله والمؤمنين. ويسوع الذي يسود البشر (الربّ)، هو وسيط سلام بين الله والجنس البشريّ. ذاك هو أساس إيمان بولس حول دور يسوع في تحريك العلاقة الشخصيّة مع الله والحفاظ عليها. مشى الله مع بولس في طريق دمشق وما زال يفعل، لا من أجل يسوع الذي انتهت حياته على الصليب، بل عبر يسوع نفسه.
وهناك وجهة أخرى (آ 2) لموقف المؤمن في علاقته بالله عبر الرب كوسيط (آ 2)، نجدها في عبارة «لدخول إلى هذه النعمة». هو امتياز. وهو رضى من قِبَل الله. فالمؤمن يقف في حضرة الله (وراء الحجاب). أما المسيح فأعان الذين يطلبون القرب من الله بواسطته، واثقين به. «ونفتخر». يستعيد بولس لغة الافتخار التي استدناها (رآها دنيئة من قبل 21: 17، 23؛ 3: 27؛ 4: 2). افتخر اليهود بسبب وضعهم المميّز بين الأمم. وتحدّث بولس عن افتخار بالخالق (1 كور 1: 29، 31). الافتخار بالشريعة وبالاختيار الالهي أمر سيّئ (الختان، النظرة الوطنيّة). لهذا كان كلام عن افتخار «برجاء المجد». هذا المجد هو مشاركة في حياة الله وسيادته على الخليقة. هو رجاء الخليقة بأن يتمّ مخطّطُ الله في البشر. وهذا الرجاء هو ثقة، لأن تتمّته تكون مع الله. وهو يربطنا فقط بقدرة الله ورضاه في ثقة متواضعة كما كان الأمر بالنسبة إلى ابراهيم (4: 18). إن الله يفرح بمثل هذا الافتخار، افتخار الانسان بخالقه، حيث يتمّ قصدُه من أجل البشر وتصل قدرتُه إلى ما يشاء.
وهناك افتخار آخر (آ 3- 4): الافتخار بالشدائد. هنا يشعر المؤمن أنه خليقة، وأنه واعٍ لارتباطه بالله. في نظر بولس، مثلُ هذا الألم لا يعارض خبرة المؤمنين الذين يقبلهم الله، بل يكمّلها. ولا يعارض وقفة الانسان في نعمة الله، بل هو شرط لاختبار النعمة في ملء قوّتها.
اللغة هنا بولسيّة وإن كان وراءها الفكر الرواقيّ والكتُب اليهوديّة. فالشدائد ليست فقط سهاماً يرسلها الحظُّ التعيس، بل نهاية تصل بنا إلى انحلال الزمن الحاضر (دا 12: 1)، واحتمال صبور حتّى نهايةٍ يدعونا يسوع إليها (مر 13: 13) وخبرة تنقية أخيرة (ملا 3: 2- 3) بدأت منذ الآن. كل هذه المسيرة تُنتج الرجاء لأنها مسيرة خلاص، مسيرة فيها يعيد الله خلق البشريّة على صورته. كلُّ هذا يعارض فساد الجنس البشريّ الذي تحدّث عنه 1: 21- 32. فالانسان الذي ترك مجد الله يستسلم إلى التسامح مع غرائزه، ما عاد له أن ينظر إلاّ إلى الموت. أما المؤمن الذي ينظر إلى مجد الله، فهو يرى في الألم ما يقدّمه العالم من واقع ويتنقّى في حياته ويتقوّى في إيمانه.
مثل هذا الرجاء لا يمكن أن يخيّب الانسان (آ 5). هنا يسير بولس في خط معاكس لذاك الذي سار فيه في ف 1. مثل هذا التسامح الغرائزي يحمل الخيبة. أما الرجاء الذي يُولَد من الخلاص فلا يخيّب. فلا الضعف ولا الفشل ولا الألم هي خيبة. إن رجاءنا هو في الله، على مثال الرجاء الذي عاشه ابراهيم فأكرمه الله.
ولكن السبب الذي يذكره بولس الآن هو أن محبّة الله وروح الله أغنيا خبرة المؤمنين في حياتهم. استعمل بولس لغة العنصرة (سكب في قلوبنا)، فذكّر المؤمنين بخبرة كانت لهم حين صاروا مسيحيّين. ميّز بين عنصرين: روح الله يُعطى مرة واحدة (الماضي الناقص). محبة الله ما زلنا نختبرها (صيغة الكامل). وقد يكون فكّر بروح الله كبداية عمل قدرة الله، فجعل الخلاص يسير مسيرته، والقناة التي فيها يجرى موج الحبّ الالهي. هي نقطة واضحة: رجاء خلاص تام أو بناء من أجل مجد الله. هذا ليس بباطل وليس برجاء حالم، لأن المسيرة قد بدأت منذ الآن. إن رجاء المؤمن المستقبل لا يتأسّس حتّى النهاية. بما أن رجاء القيامة المقابلة يرتكز على قيامة المسيح التي تمّت (1 كور 15: 17- 22)، فرجاء المجد الآتي يرتكز على خبرة النعمة التي ننعم بها الآن (آ 2). وهكذا يُولد رجاء الخلاص التام من خبرة قدرة الله الاسكاتولوجيّة التي تُكمل قصد حبّ الله (آ 5).
وتقدّم آ 6- 8 أساساً آخر لما قيل في آ 1- 5. الأساس للثقة هو موت المسيح. ويتكرّر فعل مات في نهاية كل جملة. فموت المسيح هو تعبير عن حبّ الله الواحد. حبُّ الله الذي سُكب في قلوبنا، يقابل حباً عبِّر عنه بصلب المسيح. إن التفكير في مدلول موت المسيح يُثبت شهادة قلوبنا، لأنه الحب الواحد في الحالين.
ويذكّر النصّ القرّاء بوضعهم البشريّ، وهو وضع يجب أن يُفلتوا منه ليصلوا إلى نعمة الله، وضع وصلت إليهم فيه نعمة الله وتصل الآن. كانوا ضعفاء. على المستوى الجسديّ والمعنويّ. هناك الجسد المائت على المستوى الجسديّ، وهناك عدم تمكّن فعل إرادة الله تجاه قوّة الخطيئة. هم بلا إله. عاشوا بمعزل عن الله. أو رأوا نفوسهم أكثر من خليقة. فالمفارقة بأن الله يحبّ الأشرار يعود بنا إلى 4: 5. كانوا خطأة لأنهم لم يعرفوا الشريعة، أو عرفوها وما حفظوها. ولكن الله لا ينظر إلى شروط مسبقة ولا يخضع لممارسة الشريعة. فالمسيح مات من أجل الخطأة. هؤلاء الخطأة بولس هو منهم والمؤمنون في رومة، سواء كانوا من اليهود أم من الأمم. لهذا جاءت صيغة المتكلّم الجمع (نحن خاطئون).
«فكم بالأولى» (آ 9) قدّمت آ 6- 8 الركن الأول: رجاء الإيمان أو يقين حبّ الله في موت يسوع (الركن الآخر هو خبرة المؤمنين لحبّ الله، آ 5). والآن انطلق بولس من آ 6- 8 من أجل متتالية تصل إلى ثقة الإيمان كمجال لعرض الرجاء المسيحيّ. ما في آ 9 يُثبت القارئ في ما سبق. من جهة، هناك طابع ذبائحيّ لموت يسوع (بدمه)، وهو دور ضروريّ كأساس قبول الله. في منطق بولس لا يصوَّر اللهُ «كالبار» إذا رفض النظر إلى اللاأبرار (رفضوا أن يعيشوا كخليقة حسب مشيئة الله). هو الضعف البشري ورفض الله والخضوع لقوّة الخطيئة. وموتُ يسوع هو الجواب. ومن جهة ثانية، أكّدت آ9 ب أن مسيرة الخلاص في نظر بولس، تُناقضُ مسيرة غضب الله. ما فعله حبّ الله في موت يسوع وكمّلته القيامة، هو نجاة الانسان من حلقة مفرغة تقوم في استقلال عن الله ينتج عن ارتباط عميق بالشهوات البشريّة، وهذا الحبّ نجّاه أيضاً من الحكم الأخير في يوم الدينونة: زال غضبُ الله في موت يسوع. وتماهى المؤمنون مع المسيح في موته. كل هذا نجده في لاهوت الذبيحة ويصبح واضحاً في ف 6.
وترد صورة أخرى مع «فكم بالأولى» (آ 10). هي صورة المصالحة. سبق وكان كلامٌ عن العداوة بين الله والبشريّة. فالاستقلاليّة عن الله ليست فقط وضعاً من الضعف البشريّ وابتعاداً عن الله ومسؤوليّة تجاه الخطيئة، إنها أيضاً تمرّد على دور الخليقة التي لا تريد الارتباط بالخالق. بالمصالحة تعود علاقة الانسان بالله إلى ما يجب أن تكون. قد تزول قوّةُ الخطيئة ويزول الدمارُ الذي ألحقته بالانسان. إذا كان المؤمنون اختبروا المصالحة مع الله على أنها علاقة استُعيدت، فهم يتأكدون أن مسيرة وصول العلاقة إلى ملئها التام وصل إلى الخاتمة الأخيرة.
يعود بولس إلى الرجاء مع آ 2- 3 في آ 11. إن الإيمان المسيحيّ يفتخر ليس فقط في رجاء المجد، وليس فقط في الشدائد الاسكاتولوجيّة، بل أيضاً في الله. هنا يُكمل الرسول ما قاله في ف 2. كان الافتخار غير صالح في 2: 17، فصار صالحاً الآن لأنه يتمّ بواسطة يسوع المسيح. ما هو افتخار بالله هو افتخار بالشريعة في الوقت عينه (2: 23). فبولس يحث الجماعات المسيحيّة على أن يدلّوا على افتخارهم في علاقتهم بالله. غير أن هذه العلاقة تبدّلت في جوهرها: تميّزت بالحاجة إلى المصالحة، وحدّدها المسيح الذي صالحنا بموته وحياته (هو الوسيط). فما عادت علاقة تحدّدها عوامل وطنيّة (أعمال الشريعة). حين نفهم آ 11 بهذه الطريقة، فهي تشكّل خاتمة موافقة لبرهان توسّع فيه بولس مطوَّلاً منذ ف 2.

خاتمة
بدا ابراهيم نموذج البار، وقد أعلِن كذلك، لأنه استند إلى وعدٍ بنسلٍ وبأرض. جعل وعد الله فوق كل يقيناته وخبرته (وهو عجوز عاجز) وحكم البشر. آمن بالله الخالق، فاستند إليه، لا إلى ذاته. فابراهيم تبرّر بالإيمان. انتظر من يعتبره باراً. ما أراد أن يبني نفسه بنفسه، بل انتظر كلَّ شيء من الله الذي وحده يبرّر الانسان. والانسان الذي يتبرّر، شأنه شأن ابراهيم، هو في سلام مع الله، هو في زمن الملكوت، بربّنا يسوع المسيح. زال زمنُ الغضب وانفتحت الطريق إلى الملكوت، بعد أن صار المسيح الطريق الوحيد. بمجيء المسيح تمّت المواعيد ونحن ننتظرها في الإيمان، رغم المحن التي يمكن أن تنتابنا. أما النتيجة، على مستوانا، فانتقال من الشد ة إلى الصبر، ومن الصبر إلى الامتحان، ومن الامتحان إلى الرجاء. أما الرجاء فلا يمكن أن يخيب، لأنه أكثر من انتظار بسيط. هذا الرجاء بدأ يتحقّق منذ الآن بفعل الروح الذي في قلوبنا. ولماذا كل هذا؟ لأن المسيح مات من أجلنا ونحن خطأة. فما تراه يفعل لنا بعد أن تبرّرنا؟ لقد تصالحنا مع الله، والفضل في ذلك لربّنا يسوع المسيح.
الفصل السابع عشر
آدم والمسيح
5: 12- 21

ورفع بولس نظره من المؤمنين كمجموعة (نحن) ليضمّ البشريّة كلها (كل انسان). بعد أن ذكر اتهامه الأول لافتخار اسرائيل في ف 2 (5: 11)، ها هو يُرسل فكره إلى الوراء، إلى المرحلة الأولى في برهانه (1: 18 ي). بما أن اتهامه الأول تركّز على البشريّة ككلّ، مع تلميح واضح إلى صورة آدم، ها هو الآن في خاتمة هذا القسم من برهانه، يعود أيضاً إلى نظرة إلى البشريّة راجعاً إلى ادم. وكما أن المسيح جعل الفرق بين افتخار مقبول لدى الله (5: 11) وافتخار غير مقبول لدى الله (2: 17)، هكذا كان هنا المعارضَ لآدم، وذاك الذي فيه يأخذ تاريخ البشريّة منعطفاً نحو الأفضل. في هذه الآيات، نستطيع القول أن بولس عرض تاريخ البشريّة في قسمين، في حقبتين يُشرف عليهما وجهان: آدم الذي حمل الموت. والمسيح الذي حمل الفداء.

1- دراسة النصّ وبنيته
نعطي بعض الملاحظات حول النصّ قبل أن نعود إلى البنية. في آ 12، أغفلت المخطوطات الغربية لفظ «موت» (وسرى الموت) الذي هو في الأصل. في آ 14، بعض المخطوطات الجرارة ألغت النفي فصار النصّ: الذين خطئوا. أما الأصل: الذين ما خطئوا. في آ 18، آ 19 أرادت بعض المخطوطات الجرّارة أن تحسّن النصّ فجعلت لفظ «انسان» مع «واحد». أو ألغت «يسوع المسيح» من آ 17.
ونعود إلى البنية. هذا المقطع (آ 12- 25) هو خاتمة القسم كلّه. والتواصل مع 5: 1- 11 يدلّ عليه تكرار «فكم بالأولى» التي تتكرّر في آ 9، 10، 15، 17. بدأ النص في آ 1- 2 حول التبرير، وانتهى كذلك في آ 15- 21. لهذا كان التوازي بين آ 11 وآ 25 في استعمال «بربّنا يسوع المسيح» كعبارة خاتمة، وبالأخص في قلب الموضوع الضمنيّ في آ 1- 11 إلى تعارض واضح بين آدم والمسيح. إلاّ أن اللافت هو الانتقال من لغة شخصيّة وفرديّة إلى صيغة الغائب، ضُمّت حركةُ التاريخ البشريّ في حقبتين تنظمتا حول آدم والمسيح.
بُني المقطع كلّه حول «كما أن... كذلك» (مقابلة). رج آ 12، 18، 19، 21. وأول مقابلة قُطعت بإيضاحين (آ 12 ج- 14 ثم آ 15- 17). وتتكرّر ألفاظ مفاتيح «واحد» (12 مرة). «نعمة، موهبة» (7 مرات). «انسان»، انتروبوس (6 مرّات). «الخطيئة» (6 مرات). «زلّة»، بارابتوما (6 مرات). «البرّ» (6 مرات). «ملك» (5 مرات). «كثيرون» (9 مرات). أما آ 20- 21 (كما هي العادة في روم) فهي انتقال إلى المرحلة التالية مع قوّتين تشرفان على الدهر القديم: الخطيئة والموت.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (5: 12- 21)
توزّع النصّ في أربعة مقاطع: في الأول (آ 12- 14)، رأينا دخول الخطيئة والموت بانسان واحد. ولكن هبة الله هي هنا لتردّ على خطيئة آدم (آ 15- 17). في الثالث تقف خطيئة واحدٍ، هو آدم، تجاه برّ واحدٍ، هو المسيح (آ 18- 19). وهكذا نفهم دور الشريعة تجاه الخطيئة (آ 20- 21).
أ- كما بإنسان واحد (آ 12- 14)
«لذلك» (ديا توتو). لا تعني خاتمة تخرج من البرهان السابق مباشرة (آ 12). فوظيفتُها أن تدلّ على خاتمة القسم كله. «هوسبار»، كما. تبدأ القسم الأول من التعارض الذي لن يتمّ إلاّ في آ 18. «انسان واحد» هو آدم، مع أن اسمه لن يذكر إلاّ في آ 14. انسان واحد، كل انسان. أي البشريّة كلها (آ 15- 17). عاد بولس إلى ابراهيم (ف 4)، ثم إلى موسى (مع التوراة)، وها هو يصل إلى آدم. هكذا يعود البرهانُ إلى نقطة الانطلاق (اتهام البشريّة الخاطئة، في كلام عن سقوط آدم، 1: 22) بحيث تتمّ حلقةُ البرهان. وكل هذا لكي يُبرز حركة خلاص الله بالمسيح. الله هو المخلّص (آ 9- 10) وهو الخالق (4: 17). وليس هو فقط إله اسرائيل.
«دخلت الخطيئة». دلّ بولس هنا أنه عارف بفكر معاصريه حول آدم وأصل الشرّ والموت في العالم. سي 14: 17؛ 25: 24 (بامرأة بدأت الخطيئة وبسببها نموت)؛ حك 2: 23- 24 (خلق الله الانسان للافساد... ولكن عبر حسد إيليس، دخل الموت إلى العالم فيختبره الذين يخصّونه)؛ 4 عز 3: 7، 21- 22؛ 4: 30؛ 7: 116- 118. ولكن بولس تميّز عن اليهود، فما تحدّث عن الطريقة التي بها دخلت الخطيئة إلى العالم: بواسطة إبليس، بواسطة المرأة، حواء (آدم وحواء 44؛ رؤ موسى 14: 32)، بواسطة القلب الشرير (4 عز 4: 30). وهناك النظرة الغنوصيّة بما فيها من ثنائيّة كونيّة. ومع أنه يشخّص الخطيئة والموت (1: 32؛ 3: 9)، إلاّ أن لغته لا تختلف عمّا في سفر الحكمة أو في يشوع بن سيراخ. لا يرى فيهما قوّتين كونيّتين، بل قوّتان في الواقع الوجوديّ. دخلت الخطيئةُ في عالم البشر (آ 12 ج: كل انسان؛ 7: 7- 12). تلك هي لغة الخبرة الشاملة، لا لغة التنظير الكونيّ (لا يهتمّ بولس بالبدايات، بل بالواقع الذي يعيشه).
ويقترب بولس من الفكر اليهوديّ في الكلام عن انشداد بين الخطيئة، كجزء من الطبيعة البشريّة ومسؤوليّة الخطيئة. والموتُ كان نتيجة الخطيئة، لا جزءاً من مخطّط الله في الكون (حك 1: 13؛ 2: 23- 24). وفي المفهوم اليهوديّ، لا تمييز بين الموت «الروحيّ» والموت «الجسديّ»، الضعف البشريّ (آ 6)، فساد الجسد (1: 3؛ 7: 5)، الموت. كل هذا جزء من تغرّب الخليقة عن الخالق. تظهر «الخطيئة» و«الموت» هنا للمرة الأولى كمقولتين مترابطتين، فتشرفان على الجدال في ف 5- 7 («الخطيئة» 42 مرة بين 5: 12 و8: 10. «الموت» 19 مرة بين 5: 12 و8: 6. الاثنان معاً، 5: 12، 21؛ 6: 16، 23؛ 7: 5، 13؛ 8: 2).
«وهكذا سرى الموت». لسنا هنا في جواب مع «كما أن». عبر انسان واحد هو آدم، جاء الموت إلى كل انسان. بدا بولس وكأنه يخرج عن الموضوع، ولكن هدفه كان أن يُبرز الدور الشامل للموت كنتيجة لكل أعمال البشر الخاطئة (آ 12 د) أو نتيجة للخطيئة البشريّة كخطيئة (آ 13- 14). الموضوع هو أصل الموت لا أصل الخطيئة. سرى، أي عبر الموت في كل طبقات البشريّة (حك 7: 24). «لأنهم كلهم خطئوا» (2 كور 5: 4؛ فل 3: 12؛ 4: 10). لسنا أمام الشخصيّة المتضمّنة حيث نتحدّث عن آدم، ونتحدّث في الوقت عينه عن البشر الذين يتضمّنهم «آدم». لقد أراد بولس أن يشدّد على شموليّة نتائج خطيئة آدم (آ 13- 14، 18- 19). بدأ في آ 12، وواصل (آ 15- 19) عبر تمييز بين «الواحد» و«الكل»، و«الكثيرين». لا تُشرح العلاقةُ بين الواحد والكلّ، ولكن التمييز يبدو واضحاً. الواحد ليس الكل، والكل لا يدخلون بكل بساطة في الواحد. هناك انشداد بين واقعٍ يرينا الانسان الذي لا يستطيع أن يُفلت من الخطيئة التي تفعل كقوّة ضاغطة، وبين الاعتراف بمسؤوليّة الانسان في الخطيئة. رج 4 عز 8: 35؛ 2 رؤ با 54: 15، 9 (مع أن آدم كان أول من خطئ وجاء بالموت إلى جميع الذين لم يكونوا في زمانه، فكل واحد منهم وُلد منه، هيّأ لنفسه العذاب الآتي).
«فالخطيئة كانت في العالم» (آ 13). «هامرتيا» (الخطيئة). رج 3: 9؛ 5: 12. «كوسموس» (العالم). هو عالم البشر والخبرة البشريّة. «نوموس» (الشريعة). هي التوراة. هناك حقبة بين آدم وموسى لم تكن أعطيت فيها التوراة، وهكذا عاد بولس سريعاً إلى الشريعة. فبولس يريد من اليهود أن يفهموا انجيلَ المسيح في علاقة مع ما يُبرزه العالمُ اليهوديّ.
«لا حساب» (إلوغايو). هي لغة التجارة. هي فكرة لوحة تُكتب عليها خطايا البشر، كما يقول اليهود (يوب 30: 17- 23؛ 1 أخن 104: 7). لم تعد «نوموس» الشريعة بشكل عام، بل التوراة. والخطيئة لم تعد قوة، بل صارت عملاً (3: 9؛ 5: 20). قال فيلون في «الله اللامتبدّل» 134: «ما دام العقلُ الالهي لم يأتِ إلى نفوسنا... فكلّ أعمالها غير مذنبة». والعقل الالهي هو الشريعة (فيلون، هجرة ابراهيم 130).
شدّد بولس على سيطرة الموت في الحقبة التي بدأت مع آدم. إن آ 13 هي شرح آ 12 ج. وآ 14 توضح آ 13. لا يتركّز الاعتراض على الخطيئة، لأن بالخطيئة دخل الموت. بل يتركّز على العلاقة بين الخطيئة والشريعة: لا تُحسب الخطيئة إلاّ إذا كانت تجاوزاً للشريعة. لهذا، حين تغيب الشريعة، ما من أعمال عُملت فتستحق الموت. وضع بولسُ هذا الاعتراض حين برهن، كما في ف 1- 2، بأن الذين هم خارج الشريعة عرفوا الله وإرادته بحيث يُدانون (2: 4). أو حين برهن أن الشريعة نفسها عُرفت ككلّ أو كجزء في الجنّة (7: 7). ما اختار موقفاً مع أنه كان باستطاعته، وهذا أمر له مدلوله. فقد أراد أن يُبرز دورَ الخطيئة والموت وقوّتهما بمعزل عن الشريعة (آ 13- 14). من جهة، فكّر ببرهان سيتوسّع فيه في ف 7 مع قول عن دور الشريعة الايجابيّ. ومن جهة ثانية، أراد أن يقود اليهود إلى امتلاك مميّز للشريعة: هي أعطيت لليهود لتجعلهم واعين للخطيئة (3: 20؛ 4: 15).
ماذا برز هنا؟ تمييزان اثنان. الأول: بين الإيمان كقوّة في الخبرة البشريّة لا يستطيع الانسان أن يُفلت منها، وبين الخطيئة كشيء نُحاكَم بسببه. بين الخطيئة التي هي قوّة الخطيئة في البشر، والخطيئة «المحسوبة» التي هي تجاوز فرديّ (آ 14). مرةً أخرى، وجّهنا الوضعُ البشريّ داخل حقبة آدم: الخطيئة كمعطى لدى البشر وفي المجتمع (كانت الخطيئة في العالم). والخطيئة كعمل يُحسب علينا ويدلّ على مسؤوليتنا الفرديّة (5: 12 د). بدا بولس وكأنه يفكّر في هذين العنصرين كأنهما حاضران، قليلاً أو كثيراً، في كل خاطئ. الثاني: بين الموت كجزء من الواقع البشريّ لا يستطيع الانسان أن يُفلت منه ولا يمكن أن يحمل مسؤوليّته، وبين الموت كنتيجة مسؤوليّة الفرد في معصيته (1: 32؛ 6: 32). غير أن بولس لا يجعل فرقاً: الجميع ماتوا مهما كان السبب. من جهة، عبّر بولس عن الانشداد بين موت لا مفرّ منه ومسؤوليّة فرديّة. ومن جهة ثانية، استطاع أن يميّز أنواع الدينونة (2: 7- 10؛ 1 كور 3: 12- 15): لا أحد يفلت من الموت كمصير محتّم. ولكن بولس ينظر إليه كشيء يمكن التحرّر منه (6: 7- 11).
«الموت ساد» (آ 14). «تاناتوس» هو قوّة. رج 1: 32؛ 5: 12. هي صورة الملك. الموت يسود. يجسَّد الموت هنا، يُعتَبر شخصاً. ولكن التشديد يبقى على الواقع الوجوديّ. هو يمارس سلطته على حياة الانسان الذي لا يقدر أن يُفلت منه. هناك الموت كنتيجة خطيئة الانسان، وهناك الموت كأجر للخطيئة (6: 23)، تسمّيه 1 كور 15: 26: آخر عدوّ. الحقبة بين آدم وموسى بدت «كعهد البراءة» (تك 6: 5)، وتحليل بولس هنا يعكس انشداد الفكر اليهوديّ بين الافتخار بالشريعة التي أعطيت لاسرائيل، وبالله على أنه إله اسرائيل، وبين الاعتقاد بأن هذه السيادة تصل إلى أقاصي الأرض.
«الذين ما خطئوا». استعمل فعل «خطئ» بشكل يعني أن هناك خطأ ليس معصيةً، ولكنه عمل مسؤول ينتج عنه الموت. «باراباسيس»: خطيئةٌ تُحسَب. تجاوزُ الشريعة (4: 25). كانت خطيئة آدم «باراباسيس»، لأنها كانت فعل عصيان لِما عرف آدم أنه أمر الله (تك 2: 16- 17). هي عصيان وصيّة مباشرة، هذا يعني أنه إن وُجد خطأ في الحقبة الواقعة بين آدم والمسيح، وهو لا يحمل طابع التمرّد الاراديّ على الله، فهو أيضاً شرير لأنه يعمل في الذي اقترفوه (1: 18- 32). لا يعني بولس أن كل خطأ بعد موسى هو «معصية». ولكن المعصية شيء أذنب فيه اسرائيل، لأن له الشريعة (2: 1- 3: 20).
«لمن سيجيء بعده». هو مثال، نمط (تيبوس). هو يترك علامة. المثال، النموذج (6: 17؛ فل 3: 17؛ 1 تس 1: 7؛ 2 تس 3: 9). هو مزمع. هذا ما يجعلنا في إطار اسكاتولوجيّ. هناك ما أتمّه المسيح منذ الآن (غل 3: 23؛ كو 2: 17) وما لم يَتمّ بعد (8: 18).
من أين جاء التوازي بين آدم والمسيح؟ لا من العالم الغنوصيّ كما قال تاريخ الديانات في القرن التاسع عشر. لهذا نعود إلى 1 كور 15: 46 حيث يهاجم بولسُ التمييز بين الانسان الروحيّ والانسان الطبيعيّ. ووُجد عند فيلون تمييزٌ بين تك 1: 27 (الانسان السماويّ) وانسان الطين في تك 2: 7 (استعارات الألسنة 41: 62- 63، 146- 147). كل هذا يعكس كلاماً عن الانسان الأول سابقاً للمسيحيّة. ولا ننسى أن المسيح هو الأول لا آدم. أن المسيح هو آدم الأخير. هذه الفكرة وُجدت في المسيحيّة الأولى فضمّت مز 110: 1 إلى مز 8: 6 فكانت كرستولوجيا مرتبطة بآدم. رج مر 12: 36؛ مت 22: 44؛ 1 كور 15: 25- 27؛ أف 1: 20- 22؛ عب 1: 3- 2: 8؛ 1 بط 3: 22. من أجل هذا قدّمها بولسُ وما احتاج أن يبرهن عنها.
ب- هبة الله وخطيئة آدم (آ 15- 17)
«ولكن هبة الله» (آ 15). المقابلة بين آدم والمسيح بدأت في آ 12، وعادت في آ 14 ج، وتوقّفت الآن لتشدّد على الاختلاف بينهما، ولكن مع عبارة: ليس كما .. هكذا أيضاً. عبارة تشبه: كما... كذلك، التي نجد في آ 12، 18، وتخفّف من حدّة الانقطاع الطويل (آ 12 ج). «بارابتوما» (الزلة). حلّت محلّ «باراباسيس» (معصية). الأولى تدلّ على زلَّة، زلّة قدم. ولكن يبقى الفرق بين الاثنين ضعيفاً. رج حز 18: 22، 24، 26. فالاثنان يعودان إلى عصيان آدم. وبما أن «باراباسيس» تحمل دوماً في روم قوّة التجاوز الاراديّ للشريعة، جاءت «بارابتوما» لتشدّد على مفهوم واسع للخطيئة (آ 12 د- 14). «خارسما» هي عمل ملموس من النعمة (1: 11). هنا يتميّز عمل يسوع كتجسيد للنعمة، لا في وقت محدّد، بل في كل وقت. «بزلّة واحد مات كثيرون». «الكثيرون» أي البشريّة كلها. رج آ 12، 18.
«نعمة الله». رج 1: 5. هو كلام عن عمل الله المجانيّ والقدير. هو نعمة وهو هبة. ويناله من يؤمن بالمسيح. «دورايا»، الهبة. هي هبة الروح بشكل خاص (5: 5) أو هبة البرّ (5: 17). ولكن الهبة والنعمة والبرّ والروح تترادف في وصف العمل الذي يُعمل للانسان. وهكذا يمكن أن نستعمل لفظاً بدل الآخر (3: 24؛ 5: 17، 21؛ 8: 10؛ غل 4: 4- 5؛ أع 2: 38؛ 10: 45؛ أف 3: 7؛ 4: 7). إن جواب الله على زلّة آدم لا يكتفي بأن يستعيد ما خُسِر، بل يكلّل المصير الذي لم يصله آدم حين سقط. عملُ النعمة لا يوازي فقط عمل الخطيئة، بل يتجاوزه.
«وهناك فرق» (آ 16). تبدأ الآية مثْل آ 15 مع «ليس كما». ولكن التعارض هو بين الهبة وما جاء عبر آدم، لا مع زلّة آدم كزلّة (آ 15). «الهبة» «دوريما». رج يع 1: 17. «كريما» الدينونة. أي الحكم على الانسان الخاطئ. وهنا هي «كاتاكريما» التي لا ترد في العهد الجديد إلاّ في 5: 18؛ 8: 1. وهكذا برزت وجهتا الموت: الموت كنتيجة حقبة بدأت مع آدم. والموت كحكم على عمل مسؤول. «واحد» يعود إلى آدم، أو إلى عمله، أو إلى الاثنين معاً. وعاد الرسول يتحدّث عن الواحد والكثيرين. واحد زلّ والكثيرون زلّوا. ولكن في النهاية، سيأتي عمل يسوع الذي يقود البشر إلى البرّ.
«إذا... بالأولى» (آ 17). هي المرّة الرابعة ترد هذه العبارة في 9 آيات (5: 15). «بزلّة واحد». رج ما قيل في آ 12، 14 وأهميّة التكرار. دلّت آ 14 على تركيز أساسيّ يقول إن زمن آدم كان مُلك الموت الشامل. فعاد الرسول وبيّن كيف أن مع «بالأولى» جاءت نعمة الله وحوّلته. صيغة الماضي الناقص تعود إلى دور السيادة الذي يمارسه الموت (عبر خطيئة آدم)، أو تنظر إلى حركة زمن آدم كما تلخَّص في فترة الموت الذي يجب أن يخضع له الجميع.
«فيض النعمة». ركَّز بولس هنا أيضاً على عظمة النعمة التي أُعطيت وقُبلت. «باريسايا»، فيض، وفر، زيادة. كلمة نادرة. فقط في 2 كور 8: 2؛ 10: 15؛ يع 1: 21. أجل، فاضت النعمة فيضاً تجاه نتائج الخطيئة. ونقرأ «هبة النعمة»، الموضوع الرئيسيّ في هذا القسم من روم، و«هبة البرّ» التي هي هبة نتقبّلها. وأن يكون الانسان مقبولاً لدى الله، يعني هبة الله. فالهبة ليست شيئاً نأخذه وكأنه ملكنا. هبة الله هي الله يهب نفسه لنا. «ينالون». يذكّر الرسول قرّاءه ماذا نالوا: النعمة (1: 5)، المصالحة (5: 11)، الروح (8: 15؛ 1 كور 2: 12؛ غل 3: 2، 14). حيث دور الموت يكون مفاجئاً وموقتاً، يكون عهدُ النعمة الجديد منفتحاً على المستقبل.
«تسود الحياة». صيغة المضارع تجعلنا في إطار اسكاتولوجيّ يميّز ف 5 (آ 2، 5، 9- 10). والحياة (زوئي) تعود إلى حياة المسيح التي بواسطتها نخلص ( آ 10). لقد نالوا النعمة، ولكنهم ما ملكوا بعد. فملكُهم يكون نتيجة تبريرهم الأخير (آ 16). انتظر الذين نالوا رضى الله أن يمارسوا الملك في الدهر الآتي. ذاك كان الرجاء اليهوديّ (دا 7: 22- 2 7؛ حك 3: 8؛ 5: 15- 16؛ ق نظح 12: 14- 15). ولكن بولس حوّل هذا: الذين نالوا النعمة وتبرّروا بالإيمان (لا الذين انضمّوا إلى اسرائيل)، يملكون مع يسوع المسيح، ولا يتسلّط واحد على آخر، لا يتسلّط اليهوديّ على الوثنيّ. مثلُ هذا التحوّل يميّز فهْمَ بولس لمخطّط عهد الله عبر الانجيل (رج ف 4).
ج- خطيئةُ واحد، برّ واحد (آ 18- 19)
«فكما... كذلك» (آ 18). «أرا أون»: هكذا إذن. تستعمل في البرهان (12 مرّة عند بولس، منها 8 مرات في روم). هكذا لخّص الكاتبُ النقطة الرئيسيّة في البرهان (آ 12) بعد أن توقّف (آ 12 د- 17) مع «كما وكذلك» في آ 12. أما الأسلوب المكثّف فهو قريب من آ 16.
«بزلّة واحد». نعود إلى واحد (آ 12، 16، 17) مع الزلّة (آ 15- 17)، وإلى كثيرين (آ 12) مع الحكم (آ 16). واحد هو كل انسان. كل من تجاوز الشريعة وأوّلهم آدم. وسيأتي واحد آخر هو يسوع المسيح (آ 15، 17، 19). يشدّد الرسول على ما فعله يسوع المسيح فدشّن حقبة جديدة. نحن هنا أمام نظرة شاملة إلى الخلاص (5: 19). «البرّ» (ديكايوسيس). رج 4: 25. هي تضمّ المسيرة كما تضمّ النتيجة. التبرير الأخير= الخلاص (آ 9- 10)= امتلاك الحياة في الزمن الآتي (آ 17). وهكذا يَبرز هنا الانشدادُ الاسكاتولوجيّ. فالمؤمنون اختبروا منذ الآن بعض الحياة الجديدة (6: 4، 11، 13)، وإن لم يتمّ بعدُ ظهورُها التام (6: 5، 22- 23؛ 8: 11، 13).
«فكما... كذلك» (آ 19). يعود البناء ذاتُه، ويكرّر ما سبق وقيل. «بمعصية انسان واحد». «باراكوي» (قابل «هيباكوي»). رج آ 15- 16. خطيئة آدم ومعصيته وزلّته تتماهى مع فعل عصيان، عدم طاعة، عدم سماع (رج تك 2- 3). «الكثيرون» أي البشر جميعاً. صاروا خاطئين، فصاروا تحت الحكم. واليهود أيضاً انجرّوا بمعصية آدم بواسطة الشريعة. كرّر الرسول ألفاظاً ترتبط بالشريعة (عصيان وطاعة، خطأة وأبرار) فهيّأ الطريق للكلام عن الشريعة في آ 20.
تجاه معصية واحد، هناك طاعة واحد. تحدّث بولس عن موت المسيح كفعل طاعة، كفعل برّ (آ 18). حيث فعل آدمُ فتجاوز الوصيّة الالهيّة، فعل المسيحُ فوافق مشيئةَ الله التي كُشفت في الشريعة. رأى بعضُ الشرّاح في هذه الطاعة حياة يسوع كلّها. ولكن يبدو أن بولس نظر فقط إلى موت المسيح. (1) هذا الموت يعارض فعل عصيان آدم. (2) هذا الموت هو جواب على عصيان آدم، لأنه يواجه نتائج زلّة آدم: إذ صار ذبيحة عن الخطيئة، حطّم قوّة الخطيئة. إذ مات حطّم سلطان الموت. (3) موضوع طاعة المسيح يعود إلى خضوعه للموت (فل 2: 8؛ عب 5: 8). (4) مدلول «الواحد» هو جزء في كرستولوجية آدم والمسيح. فهذا يعني فكرة اتحاد مع المسيح. نشاركه في موته فنشاركه في قيامته. الحكم على آدم الأول قاده إلى الموت. والمسيح بموته وقيامته حطّم سلطان الموت، ودشّن بشريّةً جديدة لأنه آدم الأخير (1 كور 15: 21- 22، 45- 49).
«يصير البشر أبراراً». صيغة المضارع صيغة بلاغيّة. حياة المؤمنين الحاضرة. وأيضاً الموافقة عليها في الدينونة الأخيرة. ففي الموت يتمّ التوافق على زمن آدم، ويكون الجوابُ الأخير كاملاً مع التبرير الأخير. ونعود إلى «الكثيرين». لا يمكن أن نتصوّر قوّة النعمة من دون شموليّة اسكاتولوجيّة. هو خلاص محدود وخلاص شامل.
الموضوع الذي نقرأه هنا، هو تضامن «الكثيرين» مع الواحد، سواء في المعصية والحكم، أو في النعمة والبرّ. إذا، ليس اسرائيل وحده هو الذي يبرَّر، بل الكثيرون، اليهود والأمم. وإذا كان الموت حقاً نهاية الذين ينتمون إلى حقبة آدم (آ 12، 14، 17، 21)، فإن «الكثيرين» يدلّ على الذين يشاركون إيمان ابراهيم في الحياة التي يمنحها الله (4: 17، 23- 25) كما في الحياة بعد الموت (1 كور 15: 22).
د- الشريعة والخطيئة (آ 20- 21)
«وجاءت الشريعة» (آ 20). هي الشريعة اليهوديّة، التوراة (2: 12، 14). ضيّق بولس شموليّة عرضه، فأدخل العالم اليهوديّ الخاص. تحدّث عن حقبتين (آدم والمسيح). ولكن هناك حقبة لها مدلولها: تقليد الشريعة الدينيّ الذي طبع بطابعه الشعب الذي به يُتمّ الله مخطّط برّه وقصده الاسكاتولوجيّ (6: 14). واجه بولس دور تاريخ الخلاص الايجابيّ للشريعة. بل إن الشريعة جعلت واقع آدم خبراً وجودياً. استعمل صيغة المعلوم (لا المجهول الالهيّ، ق غل 3: 19)، ليجعل الشريعة بجانب الخطيئة والموت اللذين دخلا في الخبرة البشريّة (آ 12). قد يكون هذا عرضاً كافياً على المستوى السلبيّ. غير أن بولس أشار إلى أن الشريعة (تكثر الخطيئة) تلعب دوراً أقلّ من دور النعمة، أو أن دخول الشريعة جاء متأخراً وموقتاً بالنسبة إلى النعمة (5: 13؛ غل 3: 15- 29)، إذ إن دورها في إكثار الخطيئة ينتهي مع الموت والحكم، ولا يبلغ إلى الزمن الجديد من الحياة بعد الموت (7: 1- 6).
مع أن «الشريعة» تُعامَل كأنها قوّة مثل «الخطيئة» و«الموت»، فإن الأداة «هينا» (لكي) تدلّ أنها تخدم قصد الله. «بلايونازو» (كثر). رج سي 23: 3؛ مز سل 5: 16. يُنسب إلى الشريعة زلّة واحدة وزلاّت كثيرة (آ 16). هذا يشكّل تقويَةً للدور المعطى للشريعة في 3: 20 و4: 15. وهنا أيضاً الهجوم على تقييم اليهود للشريعة تقييماً تقليدياً، هو جوهر هذه النقطة: إن هدف الله من الشريعة، ليس أن يميّز اليهود الأبرار عن الأمم الخاطئين (آ 19)، بل أن يجعل اسرائيل يعي تضامنه في الخطيئة مع سائر زرع آدم. هذا لا يعني أن بولس يريد أن يحصر الناس في تأثير تجاوزات الشريعة المتنامية. في الماضي اعتقد بولس، حين كان يهودياً، أن الشريعة تُكثر خطايا الأمم فتكشف كم كانوا خطأة، أو تبيّن أن متطلّبات الشريعة كانت معروفة (1: 32).
«حيث كثرت الخطيئة». يوم تكاثرت الخطيئة، كان فيضُ النعمة في موت المسيح. كان كلامٌ عن تجسيد سلطة الخطيئة. وها نحن الآن مع فعل التعدّي نفسه (آ 3- 9). واستعمل الرسول «التفضيل» (هيبار) ليدلّ على الوفر الاسكاتولوجيّ هنا وفيما بعد.
«كما سادت الخطيئة» (آ 21). إن «هينا» (لكي) يترافق مع ما في آ 20 أ ويُدخل «كما... كذلك»، فيُتم المتتالية التي بدأت في آ 18. وعادت الخطيئة كقوّة سائدة. وحيث سبق لبولس وتحدّث عن سيادة الموت (آ 14، 17)، اختتم تعبيره بالعودة إلى هاتين القوّتين كما في آ 12 (الموت دخل بالخطيئة). وهنا، لقد مارست الخطيئة سيادتها بواسطة الموت، في دائرة الموت. إن قوّة الموت في حقبة آدم، تميّزت بتأثيرها الأخير، أي الموت (6: 16، 21، 23؛ 1كور 5: 56). بما أن العبارة، «سادت الخطيئة بالموت» ارتبطت بزلاّت تكثر (آ 20، رج آ 15، 17)، فإن «هينا» جعلت سيادة الخطيئة في مخطط الله. لا كتنازل، ولا كعامل خارج المخطّط، بل كجزء من بنية الله لعالم البشر: سيادة الخطيئة في الموت هي طريقة أخرى للكلام عن غضب الله. فمخطّط الله في الخلاص يضمّ الموت، بعد أن انتهت حقبةُ آدم في الموت، وتحطّمت قوّةُ الخطيئة (6: 7- 10).
«هكذا أيضاً النعمة». في آ 17 المقابلُ الاسكاتولوجيّ لسيادة الموت كان سيادة الأبرار. هنا تُعارض سيادةُ النعمة سيادةَ الخطيئة. كما أن الخطيئة (كقوّة وعمل) تميّز حقبة آدم، كذلك النعمة تميّز حقبة المسيح. نحن هنا في وضع البرّ، به تُكمِل النعمةُ مفعولها: الحياة الأبديّة. هكذا يبرز الطابع الاسكاتولوجيّ في تناقض بين حقبة تنتهي في الموت وحقبة نعمة الحياة. هنا يرى بولس تاريخ الخلاص. «بربّنا يسوع». يتواصل هنا التشديد على دور المسيح كوسيط حين يتمّ التحوّل من حقبة إلى أخرى. فيسوع هو التجسيد الكامل (والوسيط) للنعمة والبرّ.

3- خلاصة لاهوتيّة
بدأ بولس (آ 12) مع ما هو في الواقع ملخّص ف 1: حالة الانسان الذي رذل الله، فأدخل قائدين: الخطيئة والموت اللذين ظهرا، حتى الآن، ظهوراً سريعاً. ولكنهما الآن أخذا موقعاً مركزياً. هما قوّتان تمارسان سيادة على البشريّة. لا تحدَّد «الخطيئةُ»، ولكنها قوّة تدفع الخبرة البشريّة إلى العصيان والخطيئة. ولا تحديد «للموت»: يُفهَم في الكون على أنه قوّة تقهر وتُنهي الحياة التي هي الخير الرئيسيّ في الخلق وذروته.
الخطيئة، أول قوّة عدوّة، دخلت عبر انسان (آدم). جاء وراءها رفيقُها المشؤوم، الموت. وامتدّ الموت إلى الجميع. وهكذا دخلا معاً. لم تُوضَح علاقةُ الواحد بالآخر. ولكن قيل أن الموت هو تحت سلطة الخطيئة. هذا يعني أن الموت ليس نهاية الانسان. فهو كان جزءاً من البرنامج الأصليّ للبشريّة. بل كان دخولُ الخطيئة والنتيجة المدمّرة للانسان الذي رفض أن يعيش بارتباط بالله. لولا الخطيئة، ما كان على الانسان أن يموت.
في كل هذا، فكّر بولس في تك 3 مع فهم مشترك «للسقطة». فقرّاؤه يعرفون خبر آدم وحوّاء وصراعهما مع الشرّ والموت. ما تَميَّز به الرسول، ليس تحليل الوضع التعيس للانسان (مع الدور الذي لعبته الشريعة). بل الحلّ، في ما عمله المسيح ليعارض ما تركه آدم من ضرر. انطلق من واحد، هو آدم. فوصل إلى واحد هو المسيح. بين هذين الانسانين، نجد تاريخ البشر من البداية إلى النهاية. إن سقوط آدم هو طريقة تُصوّرُ وضعَ البشريّة في حقبة التاريخ البشريّ الذي امتدّ من بداية الجنس البشريّ حتّى الآن.
هنا لا نقول إن الفكر اللاهوتيّ البولسيّ يرتبط بآدم على أنه شخص «تاريخيّ»، أو يرتبط بعصيانه كأنه حدث تاريخيّ. مثلُ هذا الوضع لا يتبع بالضرورة ما قيل عن عمل يسوع الفريد (موته على الصليب). حين أدخل بولس «انسان واحد، الخطيئة، الموت، كل انسان»، لم يقدّم شرحاً عن علاقة الواحد بالآخر. أما التوضيح الأول فنقرأه في نهاية آ 12: «لأنهم كلهم خطئوا». ما من أحد يُفلت من سيادة الخطيئة والموت. والشرحُ يُبرز أن الموت هو نتيجة الخطيئة: كلّهم يموتون، لأنهم كلّهم خطئوا. وما زال الموت يسود البشريّة، ليس فقط بسبب عمل أول، بل بسبب تواصل أعمال الخطيئة في البشريّة، ممّا يدل على أنهم جميعاً تحت قوّة الخطيئة، بعيدين عن الله الذي يقدر أن يُعطي قوّة الحياة التي تقهر قوّة الموت. ولكن ما هي العلاقة بين الانسان الأول وجميع البشر؟ هذا ما لا يوضحه بولس. كلّ ما يريد أن يقوله، هو أن تلك الحقبة من التاريخ البشريّ يميزها ويحدّدها عملُ الخطيئة والموت (الجميع خطئوا والجميع ماتوا)، وقوّتهما الحاضرة منذ بداية الحقبة عبر انسان أول هو آدم.
والتوضيح الثاني (آ 13- 14) يشير إلى دور الشريعة. فكل من اعتاد على تحليل فكر بولس، لا بدّ أن ينتظر عمل الشريعة. سار في خطّ اللاهوت اليهوديّ، فتحدّث عن خطيئة آدم كتجاوز لوصايا الله، كوصف لخطيئة آدم على أنها معصية (آ 14). أما هنا فيحافظ على الزمن التاريخيّ: ما جاءت الشريعة حتّى موسى. لا شكّ في ذلك، بسبب ما قيل في ف 4 عن ابراهيم الذي تلقّى الوعد قبل الشريعة. ثم لأنه أراد أن يؤكّد الطابع الشامل للخطيئة وسيادة الموت: فالخطيئة والموت يمارسان قوّتهما بمعزل عن الشريعة، أي في بشريّة لا تمييز فيها بين يهوديّ وأمميّ. هذا الفكر يقابل ما في 7: 7- 11 (كنت حياً بمعزل عن الشريعة. فالشريعة لا تستطيع أن تمدّ سيادتها بدون الشريعة).
إن التوضيح الثاني يعني بالدرجة الأولى الخطيئة قبل الشريعة. في آ 12، استعمل بولس الاسم (خطيئة) والفعل (خطئ)، مع أن الخطيئة رادفت العمل الخاطئ. تلك العلاقة أراد بولس أن يوضحها. بدأ فميّز الخطيئة من الخطيئة «التي تُحسب» (آ 13)، أي الخطيئة كقوّة، الخطيئة كفعل.حينئذ فُهمت «الخطيئةُ» كقوّة. وظيفتُها سابقة لأعمال خاصة من الخطيئة. هذه القوّة يختبرها الانسان كمؤثّرة على رغباته وخياراته ليفعل عكس منفعته كخليقة الله. ثم يميّز بولس بين الأفعال الخاطئة التي تُحسَب كمعصية وتلك التي لا تحسب (آ 14): كلهم خطئوا حتّى قبل الشريعة، ولكن قبل الشريعة (وبمعزل عن الشريعة)، مثلُ هذه الأعمال الخاطئة لم تُحسب كمعصية كما كان الأمر بالنسبة إلى آدم. لم يحسب تجاوزاً لمنعٍ عرف أنه أمر الله.
هذا يعني أن كل البشريّة هي تحت سلطة الخطيئة بأعمالها الخاطئة (أعمال صُنعت متناسية الله ومجده كخالق، 1: 20- 23). ولكن ليس كلّ عمل خاطئ يحسبه الله معصية، بل فقط ذاك الذي اقتُرف بتجاوز إراديّ لوصيّة الله. لهذا ميّز بولس بين الموت كنتيجة الخطيئة، والموت كعقاب للخطيئة. رأى الموت كعقاب تستحقّه إرادة تطلب نفسها. ولكن في تحليل الوضع البشريّ، الموت هو أولاً نتيجة الخطيئة: نكون تحت سيادة الخطيئة لا سيادة الله. والنتيجة عيش في ارتباط بقوّة تقدر أن تفهم الموت. هنا نستطيع أن نرى عند بولس تعليماً عن الخطيئة الأصليّة، بمعنى أن كل انسان هو، منذ البدء، تحت سلطة الخطيئة مع الموت كنتيجة لها، لا تعليماً عن الذنب الأصليّ، لأن الانسان مسؤول فقط عن أعمال حرّة تُعارض الله وشريعتَه. وهذا يعني، بالمقابل، أن انجيل بولس ما نظر أولاً إلى الذين يعملون في الاحساس بالذنب، بل إلى جميع الخاضعين للموت والخطيئة. والحلّ الالهيّ الذي يقدّمه كان في المستوى الأساسيّ فداءً، قبل أن يكون عقاباً (3: 25- 26).
النظرة التاريخيّة التي نجدها هنا تأخذ امتدادها في تحليل ف 1- 2. هنا دخول الشريعة حوّل الخطيئة إلى معصية. أما في البداية، فقد بان الأممُ مذنبين لأنهم رفضوا الله ولم يعرفوا الشريعة كشريعة. لكن هذا يبقى مشكلة للذين شدّدوا على مقولات صعبة وسريعة. فبولس استعدّ لأن يتكلّم عن المعصية قبل الشريعة («حُسبت» معصية آدم)، أن يتكلّم عن الذنب الذي يناسب معرفة الله، مع أن هذه المعرفة سبقَتْ فأعطيت (لا كمعرفة الشريعة كشريعة). ولكن ما لا بدّ أن نتذكّر، هو أن بولس يعود دوماً إلى الشريعة، لأن هدفه أن يبيّن عدم فهم اسرائيل لموقعه قدّام الله. فأبرز قولَه: الشريعة تجلب معرفة الخطيئة (3: 20). والشريعة تحوّل الخطيئة إلى معصية (4: 15). والخطيئة تُحسَب فقط بالنظر إلى الشريعة (5: 13). هذا لا يعني أنه ينكر وجود معصية أو ذنب بمعزل عن الشريعة، بل لأنه يريد من اسرائيل أن يعرف أن امتلاكه للشريعة الآن يُكثر حاجته إلى الفداء. لا يُنكر بولس أن الشريعة تحمل الخير إلى اسرائيل. ولكن لأن اسرائيل ضخّم ذاك الخير، ضخّم بولس القول من جهته، فبيّن أن الشريعة تحوّل الخطيئة إلى معصية. تجعل خطيئة اسرائيل أكثر شناعة بحيث تستحقّ الحكم. وهكذا صار وضع اسرائيل أكثر خطراً من وضع الأمم.
بعد توضيح آ 12 د- 14 ب، أرادت الجملة الأخيرة في آ 14 أن تعود إلى المقابلة بين آدم والمسيح. حدّد بولس العلاقة بين آدم والمسيح: إن الأول هو نمط الآتي. هذا يعني أن آدم هو نموذج المسيح، لأن الاثنين هما صورتان عن حقبتين. بعمل حاسم واحد، حدّد طابعَ الحقبة الآتية للذين ينتمون إلى هذه الحقبة. كما حدّد آدمُ بمعصيته طابع الدهر الحاضر، هكذا حدّد المسيحُ طابع الدهر الآتي. لقد دشّن المسيحُ الدهر الجديد، وظلّ في علاقة مع الدهر الحاضر. والموضوع ليس ميلاد يسوع ولا رسالته العامّة، بل موته كردّ على خطيئة آدم: كما أدخلت معصيةُ آدم الموتَ، هكذا أدخل موتُ المسيح الحياة. فالمسيح السماويّ والقائم من الموت يميّز الدهر الآتي، كآدم الساقط الذي يميّز الدهر الحاضر. هنا نعود إلى 1 كور 15: 45- 49 حيث المسيح القائم من الموت هو آدم الأخير، والذي من السماء.
وجاء التعارض بين الزلة وعمل النعمة (آ 15). من زلّ أضاع طريقه. أما العاصي فيُحكَم عليه بسبب تمرّده الاراديّ. «الكثيرين» تقابل «الجميع» (آ 12). فبولس يتطلّع إلى جميع البشر. هنا نجد العلاقة بين معصية آدم وموت الكثيرين. هناك حقبة آدم والخطيئة. ثم حقبة النعمة وعمل الله المجانيّ: ما فعله المسيحُ (خضوعه للموت) فتجلّت نعمة الله في الأفراد، هو عودة إلى اهتداء المؤمنين في البداية (1 كور 1: 4- 5)، أو إشارة إلى عطيّة الروح القدس (أع 2: 38). هو النعمة ذاتها. في موت المسيح وقيامته. في تأوين هذه النعمة في حياة المؤمنين. هنا تحدَّد العلاقةُ بين بداية عمل انسان واحد، والخير إلى كل نسله. وهذه النعمة صارت وافرة للكثيرين. أجل، كان هذا التعارضُ حاضراً بين سقوط البشر ومبادرة الله ونعمته. تميّزت حقبةُ آدم بالموت. وحقبة المسيح بملء النعمة. لم يعد هناك من مكان للتشاؤم واليأس، لأن نعمة الله فتحت صفحة جديدة بها تضع حداً للموت.
وفي آ 16 يعبِّر بولس من جديد عن التعارض بين انسانين وبين حقبتين في أقوال مختلفة: ذاك الذي خطئ صار تجاه العطيّة التي جعلها المسيح ممكنة. وهناك تعارض آخر بين الواحد والكثيرين. عملُ انسان واحد حدّد مصير الكثيرين الذين حكم عليهم. ولكن جاء عملُ النعمة والتبرير وهكذا أوجز بولس التعارض بين الحقبتين على مستوى البداية وعلى مستوى النهاية. الانسان الذي بدأت خطيئتُه الزمنَ الحاضر وانتهت بالحكم. وعملُ النعمة بدأ الحقبةَ الشديدة مع التبرير الذي هو الكلمة الأخيرة.
بعد أن أوجز بولس لاهوت النعمة التي قبلناها، عاد إلى النقطة الأساسيّة في المقابلة بين آدم والمسيح (آ 17)، وإلى التعارض بينهما وبين حقبة كل منهما. واحد كان مسؤولاً عن إدخال الخطيئة والموت. وكان لخطيئته تأثير على البشريّة كلها، فسادَ الموتُ. وحقبةُ المسيح هي حقبة الحياة للذين نالوا فيض النعمة وموهبة الروح. فالبرّ هو موهبة، هو وضع (وعلاقة) تقبّلناه من الله. نظر بولس إلى الموت كنتيجة الأخرى. هذا يعني أن سيادة الموت لم تنتهِ (ما زال الجميع يختبرون الموت)، وأن الحقبة الجديدة بدأت. وأخيراً، إن آدم يقف في بداية حقبة مع أن عمله يحدّد سيادة الموت على الحقبة كلها (وهكذا نتكلّم عن آدم وكأننا نتكلّم عن البشريّة كلها). مقابل هذا، بدأ عهدُ المسيح وهو يتواصل في الزمن الحاضر. سقط آدم فما حقّق مخطّط الله للانسان (سيادة الحياة)، فخضع للموت. والمسيح الذي أتمّ بقيامته مخطّط الله، منح الذين يتبعونه أن يملكوا في الحياة معه.
مع آ 18- 19، أحسّ بولس أن المقابلة بين آدم والمسيح لم تتمّ في آ 12. فكانت آ 15- 17. والآن صار التقابل واضحاً، وبدا الرسول وكأنه يكرّر نفسه: عملُ انسان واحد حدّد مصير الجميع، البشريّة ككلّ. هو تقابل تيبولوجي، نمطيّ، بين انسان أول وانسان ثانٍ. والتعارض يبدو بين عمل كل منهما ونتيجته: عصيان آدم. عمل يسوع البار. نتيجة الأول هي الحكم. ونتيجة الثاني هي البرّ الذي يعطي الحياة. مع آ 19، هناك تعارض بين عصيان آدم وطاعة المسيح، فكان عددٌ من الخطأة في الحالة الأولى، وعدد من الأبرار في الحالة الثانية.
في مرحلة أولى، أوضح عملُ المسيح بعض الشيء: عمل النعمة. عمل بارّ. عمل طاعة انسان واحد. في هذه المرحلة، برزت سماتُ آدم الكرونولوجيّ مع عمل المسيح الذي صُوّر في تعارض مع عمل آدم. العمل الذي يتوافق مع مشيئة الله تجاه المعصية التي تدلّ على ضلال البشر. العمل الذي حُدّد كطاعة مقابل عصيان (عدم طاعة) آدم. عمل الحقبة الجديدة يعارض عمل القديم.
ونصل إلى آ 20- 21. يمدّ بولس المقابلة (والتعارض) بين آدم والمسيح. فالبرهان الذي بدأ في ف 1 مع اتهام آدم، يكمَّلُ الآن مع تشديد على مصير الانسان الذي واجهه عملُ المسيح المجاني ونتيجته، مع كل البشريّة، وكل التاريخ البشريّ في نظرة واحدة إلى الانسانين وإلى الحقبتين. وها هو بولس يستعدّ لكي يُنهي هذا القسم من توسّعه. ولكن خاف أن تكون الصورة ناقصة فذكر الشريعة، ونسب إليها ما يمكن أن يشكّك المؤمن اليهوديّ. في 3: 20- 22، أبعد الشريعة عن برّ الله بالإيمان، وأعطى في ذلك مثَل ابراهيم (ف 4). وها هو يجعل الشريعة تعارض النعمة. لا، ليست الشريعة جواباً على الخطيئة، بل هي تُكثر الخطيئة. ليست وسيلة في يد الله في حقبة النعمة، بل هي تنضمّ إلى الخطيئة والموت. بل هي قوّة مثلهما. وهي تشدّد قبضة الخطيئة والموت على نسل آدم.

خاتمة
بعد أن برّرنا الله الذي ننتظر منه تبريرنا وثقتنا، وأساس حياتنا، والسلام والمجد، ودعوتنا الأخيرة في العالم، نلنا الروح الذي يشهد لنا أننا في الخلاص. وهكذا بدأ الكلام عن آدم وخطيئته وموته، لا من أجل آدم، بل من أجل المسيح وعمله. فبما أننا خلصنا بيسوع المسيح، وبما أن الروح يقيم فينا، نستطيع أن نلقي نظرة إلى الوراء. هي خليقة جديدة وهي بشريّة جديدة في يسوع المسيح. من أجل هذا، من أجل ما نلناه، نستطيع أن نفهم تاريخ الانسان الذي أراد أن يقود نفسه بنفسه، فقاد البشريّة إلى الخطيئة والموت. كان آدم الأول المثال البعيد والمعارض لآدم الثاني. وكانت الخليقة الأول نموذج الخليقة الثانية. وكل هذا بيسوع الذي هو صورة الله ومجده الحاضر في العالم. وهو لا يأتي كالديان الذي يحكم، ولا كالمشترع الذي يهدّد من يتجاوز الوصايا، بل كالمخلّص الذي هو حبّ وعطاء. بانسان واحد عرفت البشريّة الموت، وبانسان واحد كانت لنا الحياة والنعمة. أما الشرّ الذي كان في العالم، فقد قهرَه الله حين أخذه على عاتقه، صلبه على الصليب، فحصل الخلاص للبشريّة كلها.
القسم الرابع
الإنجيل
وعَمَله في الأفراد
6: 1- 8: 39

في محطّة كبيرة (ف 6- 11)، نرى عمل الانجيل في حياة الأفراد، وعلى مستوى اختيار النعمة. أما هذا القسم الرابع، فيقدّم لنا علاقة الانجيل بحياتنا كمؤمنين (6: 1- 8: 39). هذا القسم تُشرف عليه أربعة ألفاظ مفاتيح: الخطيئة، الموت، الشريعة، البدن (أو اللحم والدم) أو الجسد. أيّ دور تلعبه هذه العناصرُ في حياة المؤمن؟ إنها سلبيّة، وتأثيرها ما زال حاضراً في حياة من صاروا آنية برّ لله. الخطيئة والموت دخلا إلى تاريخ الخلاص وما زالا يسودان الحياة. ودخلت الشريعة في ف 7، وفي ف 8، الخطيئةُ والشريعة.
أما فصول هذا القسم فجاءت كما يلي:
1- المؤمن مات عن الخطيئة (6: 1- 11)
2- المؤمن يحيا لله (6: 12- 23)
3- المؤمن تحرّر من الشريعة (7: 1- 6)
4- الشريعة والخطيئة (7: 7- 13)
5- صراع الانسان مع نفسه (7: 14- 25)
6- حياة الروح (8: 1- 11)
7- روح الأبناء (8: 12- 17)
8- المجد المهيّأ لنا (8: 18- 25)
9- مخطّط الخلاص (8: 26- 30)
10- محبّة الله في المسيح يسوع (8: 31- 39).
سوف نرى التعارض بين المقولات. بين الخطيئة والنعمة. بين الموت والحياة. بين الجسد (أو البدن، اللحم والدم) والروح. غير أن هذا التعارض ليس جامداً. ففي 8: 2، نجد الروح تجاه الخطيئة. وفي 6: 14- 15، الشريعة تجاه النعمة. ومن اللافت أن تكون الشريعة وحدها في ف 7. أما الإيمان الذي تحدّث عنه القسم الثاني وسوف يتحدّث عنه القسم الخامس، فلا كلام عنه في هذا القسم. هذا يعني أن الشريعة في حياة الإيمان لها معنيان: سلبيّ وإيجابيّ. والتعارض هو في قلب الشريعة.

الفصل التاسع عشر
المؤمن يحيا لله
6: 12- 23

طُرح سؤال في بداية ف 6: هل تدعو النعمة إلى الخطيئة، لأنها ترتبط بالشريعة في العالم اليهوديّ؟ وكان جواب أول: المؤمن مات عن الخطيئة، فكيف يعود إليها؟ مات جسدُ الخطيئة عنده مع موت المسيح، فتحرّر تحرّراً نهائياً من الخطيئة. تلك كانت النظرة السلبيّة في هذا البرهان الذي حاول فيه بولس أن يردّ على الذين طلبوا أن تكثر الخطيئة لكي تفيض النعمة. ويأتي الجواب الإيجابيّ: إذا كان المؤمن كذلك، فهو سيحيا لله. سينتقل من خدمة الخطيئة إلى خدمة البرّ (آ 12- 14). وسوف يتحرّر من الخطيئة، وإن لم يزل مقيماً في جسده الذي هو مركز الرغبات (آ 15- 19). وأخيراً، تبرز ثمارُ الخطيئة وثمار البرّ (آ 20- 23). ثمرة الخطيئة عاقبتها الموت. وثمرة البر والقداسة عاقبتها الحياة. لهذا بدأ الارشاد في أكثر من تمنٍ. ما قال: يا ليت الخطيئة، بل أعطى أمراً إلى المؤمنين: يجب أن لا يملك الموتُ بعدُ.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 12، بعض الشهود (ومنهم بردية 46) جعلوا صيغة المؤنّث (اوتي) فربطوا الضمير بالخطيئة، والأصحّ صيغة الحياد (أوتو): رغبات الجسد (سوما).
في آ 15: هل نخطأ. هناك من جعل الصيغة المصدريّة كما في 6: 1.
في آ 16: هناك من وضع «أو» (هي)؛ أو، ألا تعلمون؟ هكذا تكون الجملة مثل 11: 2؛ 1 كور 6: 2، 9، 16- 19. وألغى قليلٌ من الشهود «إلى الموت». هو تصحيح غير متعمَّد.
في آ 17، أضاف الاسكندراني «كاتاروس» (طاهر) على قلب، فصار النص: قلب طاهر. في آ 19 حاولت بعضُ المخطوطات أن تحسّن النصّ، فجعلت «دولاواين» (استعبد) بدل «دولا» عبيد. وألغى الفاتيكاني وغيره «للشرّ» أو في الشرّ.
ب- بنية النصّ
الانتقال من القول الرئيسيّ إلى الإرشاد الذي أشرنا إليه في آ 11، يميّز هذا المقطع، مع تعارض واضح فيه استُعملت صيغةُ المخاطب الجمع بشكل حصريّ. وشذّ عن ذلك سؤال في أسلوب جدالي في آ 15. أما السمات الأساسيّة فتبدو في سلسلة من النقائض:
آ 13 سلاحاً للشرّ في سبيل الخطيئة سلاحاً للخير في سبيل الله
آ 14- 15 في حكم الشريعة في حكم النعمة
آ 16 إما للخطيئة إلى الموت وإما للطاعة إلى البرّ
آ 18 تحرّرتم من الخطيئة استُعبدتم للبرّ
آ 19 عبيداً للدنس للشرّ عبيداً للبرّ للقداسة
آ 20 عبيد الخطيئة أحرار للبرّ
آ 22 تحرّرتم من الخطيئة استُعبدتم لله
آ 21- 22 العاقبة الموت العاقبة الحياة الأبديّة
آ 23 أجرة الخطيئة الموت هبة الله الحياة الأبديّة
نتج عن هذه البنية التعارضيّة، دون الوقوع في التكرار، أمران اثنان.
الأوّل: التنوّع في استعمال الكلمة المفتاح (ديكايوسيني، البرّ)، في معارضة مع الخطيئة (هامرتيا، آ 18- 20). وأيضاً: الشر (أديكيا، آ 13)، الموت (تاناتوس، آ 16)، والدنس (أكاترسيا، آ 19). وفي ترادف مع الله (تايوس) في تعارض مع الخطيئة (آ 13 و19، آ 18 و22). رج أيضاً آ 16 وآ 17. ق 6: 22. وفي جملة لافتة: طاعة البرّ (رج 6: 16) التي تقابل في وظيفتها «البرّ للقداسة» (آ 19). هذه المرونة كانت كافية لتحذر فرض تحديد ضيّق «للبرّ» في كلام بولس عن هذا الموضوع. «فالبرّ»، في نظر بولس هنا، يقابل قدرة الله ونعمته. يطلب المؤمن ويسنده، ويصل إلى التعبير الكامل في الحياة الأبديّة (5: 21؛ 6: 23).
الثاني: المحافظة على الانشداد بين ما حصل وما لم يحصل بعد. بين قبل وبعد. الارشاد في آ 12، 13 أ، 16، 19، 21. رج 15، 23 تأسّس على الصيغة الاخباريّة في آ 13 ب، 14، 17- 18، 22. قبل في آ 17- 18، 19 ب، 20- 21. بعد في آ 19 ب، 22. وهكذا حاول بولس المحافظة على الانشداد الاسكاتولوجيّ، فنتج عن ذلك أمر مهمّ: بما أن الكلام سلسلة من التعارضات والتوازيات، نخطئ إن أخذنا آية وجعلناها تسيطر على ما تبقَّى، أو على مجمل شرح الموضوع البولسيّ. ما من أية تفسَّر بمعزل عن الكل، وبدون عودة إلى تنوّع التعارضات والتوازيات. ولا أساس (كما قال البعض) بأن نرى في آ 13 وآ 19 حواشي جاءت بعد بولس.
إن استعادة ما في 5: 21 و6: 23 تُثبت أن آ 1- 23 هي وحدة موضوع، فيه خاتمة 5: 12- 21 استُعيدت لتلغي الغموض من 6: 1. فمسألة العلاقة المتواصلة بين المؤمن وبين الخطيئة والموت (ما مارست الخطيئةُ كلمتَها الأخيرة في الموت)، قد أعطت الجواب النهائي الأول، فوضحت الطريقُ لبولس ليلفت الانتباه إلى المسألة الرئيسيّة: تواصلُ دور الخطيئة (ف 7).

2- تحليل النصّ الكتابيّ (6: 12- 23)
يتوزّع النصّ في ثلاثة مقاطع. في الأول (آ 12- 4) مقابلة بين خدمة الخطيئة وخدمة البرّ. وهكذا يفهم المؤمنُ أن عليه أن يعمل للبرّ. لماذا؟ لأنه محرَّر من الخطيئة (آ 15- 19). ما عاد عبداً للخطيئة، فانتقل إلى عبوديّة البرّ، التي هي في الواقع حريّة. فلا يبقى على المسيحيّ إلاّ أن يكتشف، إلى أين قادت عبوديّةُ الخطيئة وما أعطت من ثمر، وإلى أين قادت عبودية البر (آ 20- 23).
أ- خدمة الخطيئة وخدمة البرّ (آ 12- 14)
«فلا تدَعوا الخطيئة تسود» (آ 12). بدأ النص مع «أون» (اذن)، فدلّ على خاتمة استُخرجت من البرهان السابق. لسنا أمام تفكير جديد بل موقف عمليّ. الكلام عن الخطيئة التي تسود يذكِّرنا بما في 5: 21 (رج 3: 9). ورغم ما قيل في آ 2- 11، فسيادةُ الخطيئة ليست فقط إمكانيّة. إنها واقع يجب أن نقاومه في كل وقت (لهذا صيغة الحاضر). «جسدكم الفاني (المائت)». لا يقابل الجسد البشريّ ولا هو كلام لاحتقار الجسد كما في العالم الغنوصيّ. فالخطيئة لا تخضع فقط على جزء من الانسان، بل عليه كلّه في انتمائه إلى هذا العالم وهذا الدهر. الانسان سريع العطب تجاه قوّة الخطيئة التي تعمل تجاه ضعفنا.
«فتنقادوا لشهواته». ذاك هو هدف الخطيئة حين تسعى إلى التأثير على الانسان. ولا تسود الخطيئة إلاّ إذا أطعناها. «هيبوكواين» (خضع). هو يرد هنا للمرة الأولى. وهناك الاسم. استعمالُ هذا الجذر قليل. لم يرد في 1 كور ولا في غل ولا في 1 تس ولا في الرسائل الرعائيّة. ورد 3 مرّات في 2 كور ومرة واحدة في فل ومرتين في كو. أما في روم فورد 11 مرّة. هذا يعني أهميّته. ينظر بولس إلى الطاعة، التي تتجاوب مع طاعة المسيح (5: 19) والتي ما زال تأثيرها حاضراً. «ابيتيميا» (رغبة، شهوة). رج 1: 24 (شهوات قلوبهم)؛ غل 5: 16 (شهوة الجسد، البدن، اللحم والدم). يرتبط بها الانسان فيسير إلى العبوديّة. ونحن نهرب من هذا الارتباط حين نتماهى مع المسيح. في هذا المجال، قال ابيكتات: «أنت لا تقتني الحريّة حين تُرضي رغبتك، بل حين تدمّر رغبتك». إن السقوط في الخطيئة، هو واقع ممكن للمسيحيّ. لهذا فقراره بأن يكون لله يتّخذ طابع الحرية وكأنه ما خضع لسلطان الخطيئة.
«ولا تجعلوا من أعضائكم» (آ 13). «باريستيمي»: أعدّ، هيّأ. يتكرّر الفعل هنا مرتين كما في آ 19، وفي آ 16 مرّة واحدة. رج 12: 1. هي صورة العبد تجاه سيّده (آ 16- 18)، أو الجندي تجاه قائده. هي طاعة عمياء. صيغة الحاضر تدلّ على أننا، كلَّ يوم، نقدر أن نرفض هذا الخضوع. «مالوس»، الجزء من الجسد، العضو. وهناك أيضاً العضو في الجماعة. رج 12: 14- 15؛ 1 كور 12: 12- 27؛ أف 4: 16، 25؛ 5: 30. نلاحظ هنا استعمال استعارة حربيّة (13: 12؛ 1 تس 5: 8؛ أف 6: 13- 17). «اديكيا»، الشر. لفظ واسع يدلّ على معارضة برّ الله. وهكذا تقوى قبضةُ الخطيئة وكأنها شخص حيّ. فحين يرغب الانسان في الاستقلال عن الله، يدلّ على خدمته للخطيئة في صراعه بين البرّ واللابرّ.
«بل كونوا لله». بما أنه لا بدّ أن نخضع لسلطة، لماذا لا نخضع للخالق خضوعاً يصبح في النهاية علاقة شخصيّة. بعد أن كنّا أمواتاً نصبح أحياء. إن حدثَ قيامة المسيح قد حصل، فمكّننا من تحويل موقفنا. والباعث على سلوك خلقيّ يرجع إلى تشبّهنا بالمسيح في موته وقيامته. هكذا نستطيع العيش في مشاركة مع حياة المسيح المنبعث. وهنا يأتي التعارض. قد نكون أداة للشرّ، للخطيئة، أداة للبرّ، لله. رج 5: 20 حيث «النعمة» تقابل «الخطيئة». لسنا أمام ثنائيّة بين الخطيئة والله. بل الخطيئة هي قوّة على الأفراد والجماعات ولا يستطيع إلا الله أن يقهرها، وهو يفعل بنعمته. تحدّث بولس عن قوّة الخطيئة وما تحدّث عن الشيطان (16: 20). «اللابرّ» هو الوسيلة التي بها تفعل قوّةُ الخطيئة، وتمارس سلطتها على الأفراد وبواسطة الأفراد. و«البرّ» هو قوّة الله التي تحفظ المؤمن تحت تأثير الله.
«يكون للخطيئة سلطان» (آ 14). استعمل بولس هنا صيغة المضارع. هذا ما سيكون للمؤمن إن هو شارك المسيح في قيامته. ولكن لسنا فقط أمام وعد فقط، بل وعد بدأ يعمل. وهكذا يكون التوازن بين عمل تمّ مرّة واحدة في تاريخ الخلاص وما ينتظر المؤمنين في النهاية. ولكن تبقى الخطيئة ممكنة، الآن وفي المستقبل.
«فما أنتم في حكم الشريعة». عاد بولس إلى الحاضر تجاه المضارع. فالمضارع هو وعد ثابت، بعد أن شارك المؤمنون منذ الآن في تاريخ الخلاص، فانتقلوا من حقبة سيطرت عليها الخطيئة إلى حقبة سيطرت عليها النعمة. فالذين جعلوا نفوسهم تحت سيادة المسيح، لن يخضعوا للخطيئة وللشريعة مع أن تأثير الخطيئة ما زال حاضراً في الموت (5: 12). «نوموس»، الشريعة، التوراة. ما زالت قوّةً تفرض سيطرتها. في 5: 20- 21 بدت الشريعة مع الخطيئة والموت كطريقة تصف الحقبة القديمة، حقبة آدم. «تحت الشريعة». ذاك هو الموقف اليهوديّ ككلّ (1 كور 9: 20؛ غل 3: 23؛ 4: 4- 5، 21). جعلوا نفوسهم تحت الشريعة كقوّة روحيّة وضعها الله بشكل «ملاك حارس». ذاك ما يميّز شكل حياة عرفه العالم اليهوديّ. وفي رسالة تحاول أن تدلّ على التواصل والانقطاع بين عهد أعطي لابراهيم (وعبر اسرائيل) وتتمّته الاسكاتولوجيّة، عبارة «تحت الشريعة» تميّز حقبة آدم. ويقابل عالم الشريعة عالم النعمة في غل 5: 18: تقابلٌ بين عالم الشريعة وعالم الروح.
ب- المسيحيّ محرّر من الخطيئة (آ 15- 19)
«فماذا إذن» (آ 15). عبارة تدلّ على أن البرهان ما زال حاضراً، ونحن نتابع. «أنخطأ». يرد هذا الفعل هنا فقط في ف 6، ويرد للمرّة الأخيرة في الرسالة. هو يدلّ على عمل مسؤول (2: 12؛ 3: 23؛ 5: 12، 14، 16). وهذا العصيان المسؤول ممكن حتّى خارج الشريعة (2: 12- 5؛ 14). لا مفرَّ من هذا العمل في حكم الخطيئة. ترك بولس المخاطب وأخذ بالمتكلّم، فبيّن أنه لا يطرح سؤالاً فقط على قرّائه. بل هو جعل نفسه معهم (نخطأ).
«ألا تعلمون» (آ 16). هو سؤال بلاغيّ يفضّله بولس على أسلوب «نحن نعلم». هو أمر معروف لا يحتاج إلى برهان. «إذا جعلتم أنفسكم عبيداً». هذا ما يقابل شطرَي آ 13. ولكن صورة العبوديّة التي تظهر الآن تُشرف على الفصل كلّه. عالم العبوديّة كان معروفاً في العالم الرومانيّ. والتمييز كان أساسياً بين العبد والحرّ. وكلام بولس معروف: أنتم تخصّون من تطيعون فتصيرون عبيداً لمن له تخضعون. والمؤمن يختار. أيختار الخطيئة، فتصل به إلى الموت؟ بدت «الخطيئة» وكأنها شخص يمارس قوّته (نلاحظ هنا الصورة في آ 12- 16). ويظهر «الموت» من جديد مع الخطيئة فيكتمل المثلّث: الخطيئة، الشريعة، الموت (آ 14- 16؛ رج 5: 20- 21). بدا الموتُ هنا التعبيرَ الأخير والنهائيّ لقبضة الخطيئة على الانسان. وسرّ الانجيل هو أن المسيح حوّل شرّ الخطيئة إلى انتصار الحياة (آ 7- 10).
أيختار المؤمن البرّ؟ وترد كلمة «طاعة» مع البرّ لا مع الله. في آ 16- 17، 4 مرات كلامٌ عن الطاعة، 3 مرات عن العبد (دولوس). فالعبوديّة والطاعة توأمان. بالنسبة إلى العبد، الطاعة هي الخيار الوحيد. الخطيئة هي قوة تسود الانسان، ولكنها أيضاً عمل يكون فيه الانسان مسؤولاً. والطاعة كمسؤوليّة الانسان ترتبط بمن نعطي ذواتنا له. ثم إن «البرّ» جاء يقابل الموت. فنقول: الطاعة التي تقود إلى البرّ. نحن بعيدون عن أعمال البرّ. لأن الطاعة هي هبة من الله (1: 17؛ 5: 17).
«ولكن شكراً لله» (آ 17). ويمكن أن يُرفع الشكرُ إلى المسيح. رج 1 كور 15: 57؛ 2 كور 2: 14؛ 8: 16؛ 9: 15، ونعود هنا إلى «عبد الخطيئة» والطاعة التي هي الخيار الوحيد للعبد. «صرتم طائعين» «بكل قلوبكم». طاعة القلب، لا طاعة خارجيّة مكرهة. هي طاعة مجذَّرة في العاطفة وفي الارادة. ذاك هو الواقع المسيحيّ الذي يكون جوابُه جوابَ القلب. رج 2: 15، 29؛ 5: 5؛ 10: 9- 10. «أطعتم التعاليم». هو التعليم المسيحيّ الذي بدأ يتثبّت. هناك مثال (تيبوس) سلِّم إلى المؤمنين، كما في تقليد انطلق من أورشليم وامتدّ إلى الكنائس.
«فتحرّرتم» (آ 18). يُذكر هنا للمرة الأولى موضوع هام: تحرّر المسيحيّ (8: 2) في إطار كلام عن العبوديّة (آ 18، 20، 22). ما اهتمّ بولس فقط بالتعارض بين العبد والحرّ في مجتمع عصره (آ 16)، بل بتشوّق العبد إلى الحريّة. من نظرة لاهوتيّة هناك حرّ يُستعبد، ثمَّ يتحرَّر بعد أن كان عبداً. إن لم يكن الانسان عبداً لله، سيكون عبداً للخطيئة. وإن لم يكن للمسيح سيكون لآدم، وما من خيار ثالث. أما الحريّة الوحيدة للانسان فهي أن يكون عبد الله، فيحيا حياةً يقرّ فيها أنه يرتبط به ارتباط الخليقة بالخالق.
«تعبيري بشري» (آ 19). هي معترضة: هذا ما يقوله الناس، كل يوم في الحياة اليوميّة. ولكن لفظ «ساركس» (اللحم والدم، الضعف، والميل إلى الخطيئة) يدلّ على تناقض بين ما هو بشريّ وما هو إلهيّ. وعى بولس أن استعارة العبوديّة لا تكفي للكلام عن العلاقة بالله. فالوضع البشريّ ضعيف ولا يقدر أن يعبّر عن ذاته، بل هو فاسد وخاضع لمختلف الرغبات. «فكما جعلتم من أعضائكم». هكذا يستعيد بولس المواضيع السابقة: أعضاء (آ 13)، جعل، عبد (آ 16). ثم «نجاسة، شرّ، قداسة» (5: 12، 18، 19، 21). وعبارة «كما... كذلك». هي صيغة الماضي الناقص. لا تدلّ فقط على ما فعل المؤمن في الماضي (جعلتم)، حين عاش في الحقبة الآدميّة، بل على الخضوع الحاسم للخطيئة الذي ميّز طريقة حياته قبل التجاوب مع برّ الله. ويحافظ بولس على التوازي بين المسؤوليّة البشريّة وسيادة قبضة قويّة. «دولا» (لا نجده كذلك إلاّ في اليونانيّة البيبليّة). صيغة حيادية مع «مالوس» (عضو، 6: 13). هكذا يَبرزُ وضعُ العبد. «الآن». هذا ما يجعلنا في إطار اسكاتولوجيّ، قبل وبعد الاهتداء الذي يدلّ على المشاركة في الانتقال من حقبة إلى أخرى.
الطابع اليهوديّ للعناصر الجديدة واضح: النجاسة، الشرّ، قدّس، القداسة. هذا ما يعود بنا إلى اصلاح عزرا الذي ميَّز شعب العهد من الأمم النجسين (عز 9: 10- 14). «أكارتسيا» (النجاسة). تذكّرنا بانتقاد اليهوديّة اليونانيّة لعبادة الأوثان والفجور لدى الأمم (1: 24). وهناك موضوع التقديس أو التكريس. فالشعب اليهودي يعتبر نفسه شعب كهنة (خر 19: 6). كل هذا انتقل إلى العالم المسيحيّ. فالمؤمنون هم مقدّسون. والقداسة ترتبط بما يقال عن العماد. هذا يعني أن بولس يكتب بشكل خاص إلى الأمم دون أن ينسى جذوره اليهوديّة.
ج- ثمر الخطيئة وثمر البرّ (آ 20- 23)
«وحين كنتم عبيداً» (آ 20). تستعيد هذه الآية آ 17- 18 وتوجزهما، لتصل إلى تعارض بين حالة المؤمنين الحاضرة في يسوع المسيح، والمكرّسة لله في الاهتداء والتدرّج مع المعموديّة، وبين حالتهم الماضي، مع تعارض بين «البرّ» و«الخطيئة» كقوّتين متقابلتين. وتتواصل الاستعارةُ. أن يكون الانسان تحت سلطة الخطيئة، هذا ما يدلّ على أن قوّة نعمة الله التي تعطي القوّة، لا تقيم التوازن. فلا نستطيع أن نكون تحت سيادة الخطيئة الكاملة، وفي الوقت عينه نسير في برّ الله. ففي الحياة اليوميّة، الخطيئة تستبعد البرّ، والبرّ يستبعد الخطيئة.
«فأي ثمر جنيتم» (آ 21). هي صورة الثمرة مع صورة العبوديّة. استعمالُها واسع ومدلولُها معروف (1: 13). «كربوس» (ثمر). يدلّ على المفرد وعلى الجمع. وفي اليونانيّة الجمع: التي. رج غل 5: 22. مقابلة بين: ما قبل... والآن. قبل الاهتداء وبعده. مع آدم ومع المسيح. لبث بولس في منظار يهوديّ. إن فعل «خجل» يرتبط في السبعينيّة بالفجور (1 صم 20: 30؛ أم 9: 13؛ اش 20: 4؛ 47: 3؛ حز 16: 36، 38). هو أسلوب اليهوديّة الهلنستيّة في انتقاد الأمم (1: 23- 27). هي مواضيع كثيرة قريبة من عز 9: 7- 15 مع: خجل، نجاسة، لا شريعة، عبوديّة، قداسة (الهيكل). «تالوس»، العاقبة، النتيجة في إطار اسكاتولوجيّ. رج 2 كور 11: 15؛ فل 3: 19؛ 1 بط 4: 17. الموت هو النتيجة النهائيّة، وبالتالي نهاية سلطة الموت. وهذا يعني أيضاً أن الموت هو نتيجة عصيان إرادة الله والتحوّل عن الخالق (1: 32). رج 5: 12.
«أما الآن» (آ 22). هذه الآية تجمع أيضاً المواضيع السابقة، فتُبرز صوَر آ 18- 21 لتعبّر عن غنى الحاضر بالنسبة إلى الماضي. «حُرّرتم». حرّركم الله. لا في المستقبل وحسب، بل الآن. فالبرّ هو تجلّي الله ليسند الشعب الخاطئ والخليقة الساقطة. هو ما يقابل النعمة في 5: 20 ي. ونعود إلى الثمرة مع كلام عن غرس البرّ في الكتابات اليهوديّة (اش 32: 15- 17؛ 60: 21؛ 61: 3؛ ق يوب 1: 16؛ 16: 26؛ 36: 6). لا شكّ في أن القداسة ترتبط بالمستقبل، إلاّ أن ثمرها حاضر الآن ومنظور. فمسيرةُ التقديس تسير ولا تتوقّف. وتجاه الموت كنتيجة الخطيئة، ها الحياة كنتيجة القداسة.
«أجرة الخطيئة الموت» (آ 23). وها هي صورة أخرى، صورة الأجر (اوبسونيون) الذي يأخذه الجندي (1 مك 3: 28؛ 14: 32؛ لو 3: 14؛ 1 كور 9: 7). والأجر بشكل عام (2 كور 11: 8). لقد نلنا أجر الموت. ولكن ما يكون الأجر الذي وُعدنا به؟ هذا الأجر هو دفع مستمرّ، يوميّ. وهكذا هو فعل الموت (5: 21). الموت هو الأجر الأخير للخطيئة، وليس فقط موت الجسد. بل الموت الأبدي تجاه الحياة الأبديّة التي يهبها الله لنا. كل هذا نناله بواسطة يسوع المسيح.

3- خلاصة لاهوتيّة
هناك من لم يرَ الانشداد الاسكاتولوجيّ في آ 1- 11، ففكّر بارشاد خلقيّ هنا (آ 12). ما دام المؤمن الذي يشارك المسيح في قيامته لم يتماهَ «بعدُ» مع المسيح في موته، يبقى هذا الكلام غامضاً. ما معنى هذا النصح إن كان المؤمن ما زال ميتاً للخطيئة؟ كيف يُطلب من انسان ميت أن يقوم بمجهود خلقيّ؟ لهذا نعود إلى التوازن في فكر بولس: سيادة الخطيئة تنتمي إلى الحقبة القديمة، حقبة آدم الساقط ونسله. من أراد أن يبرّر نفسه ارتبط بالانسان القديم. بدون النعمة. يختبر مثلُ هذا الانسان أنه لا يستطيع أن يقاوم رغباته.
أما المؤمنون الذين يعرفون مدلول حقبة موت المسيح وقيامته، فليسوا في هذا الوضع. فمع أن حياتهم هي في محيط العالم الحاضر، على المستوى البشريّ والاجتماعيّ (جسد الموت)، ما صارت كلها تحت سلطة المسيح المنبعث (8: 11). إلاّ أن الحاجة لإشباع رغباتهم لا تتطلّب بعدُ سيادة. فالانشداد الاسكاتولوجيّ حاضر. في نظر المؤمنين، ما زال الجسد مائتاً والشهوات تُحدّد طابعَ الحياة وأولوياتها. ولكن قوّة النعمة، قوّة المسيح المنبعث، تؤهّلهم للنهوض. فالتحوّل المسيحيّ ليس آلياً وكأنه تمّ بضربة ساحر. فعبر الاهتداء والتدرّج، هناك عمل لا رجوع عنه ندلّ عليه في الحياة اليوميّة. مسؤوليّة المؤمن كبيرة، وعليه أن يجعل النعمة تعبّر عن نفسها في حياته. إن المجهود الخلقيّ لا يعارض الإيمان، بل هو عمل الإيمان والتعبير عنه.
ويبقى بولس على مستوى الجسد (آ 13)، لأن المؤمن ما زال من هذا العالم بالجسد (أعضاء)، وعمل النعمة ما تمَّ بعد. إن استطاعت قوّةُ المسيح المنبعث أن تدلّ على نفسها في ملء العلاقات البشريّة، عندئذ يتأكّد انتصارُ النعمة. ولكن ما دمنا في هذا الجسد، فهناك أعمال من أجل اللابرّ، بحيث تكون فينا مناطقُ في خدمة الخطيئة. هنا يحذر المؤمن من أن يكون منقسماً: أن يكون سلاحاً (اناء) في يد الخطيئة وفي يد البرّ معاً. وقد تُستعمل بعضُ أعمالنا كأداة في يد الخطيئة لتقطع العلاقة بيننا وبين الله، بيننا وبين الآخرين.
ولكن هناك خياراً للمؤمنين: يستطيعون أن يختاروا، أن يجعلوا نفوسهم في تصرّف الله كأناس قاموا من بين الأموات، وأعضاءهم سلاحاً (أو: أدوات) للبرّ. يتذكّرون مدلول فعل المسيح البار من منظار موت المسيح وقيامته، ليختاروا ويفعلوا في خط ما أتمته قيامةُ المسيح (أن يفعلوا ما يفعلون في حضرة الله)، أن يفعلوا كأناس تجري فيهم حياةُ المسيح المنبعث. إن كلَّ عمل يتضمّن خياراً خلقياً، هو عمل تسليم يتجدّد فيه الاهتداء ويتحقّق. إذا عُمل كلُّ عمل لله كشيء يستطيع الله أن يستعمله لخير البشريّة، يستطيع المؤمن أن يثق أنه يسير في الحياة الجديدة.
السبب الذي لأجله (آ 14) يمكن للمؤمنين أن يتجنّبوا التسليم للخطيئة في حياتهم، هو أن الخطيئة لا تسود بعدُ في حياتهم، لأنهم ما عادوا تحت الشريعة، بل تحت النعمة. وهذا ما يتمّ شيئاً فشيئاً بواسطة موت المسيح وقيامته وتشبّههم بهما. فالنعمة هي القوّة الوحيدة التي تحطّم سيادة الخطيئة. ووحدهم المؤمنون العائشون تحت النعمة والخاضعون لله، يقدرون أن يهزموا قوّة الخطيئة.
والمنظار الوحيد الذي يريد بولس أن يقود فيه قرّاءه، هو خيار النعمة على الشريعة. لماذا أدخل بولس الشريعة في فصل يتحدّث عن الخطيئة والموت؟ لأن الشريعة لم تكن يوماً بعيدة عن فكر بولس، الذي يعلن أن انجيله ليس ضدّ الشريعة التي تلعب دوراً هاماً في مسيرة الخلاص. ولكن اللافت هو أن هذه الشريعة هي في الجهة التي لا يودّ أن يراها اليهوديّ التقيّ: فمن كان تحت الشريعة ارتبط بسيادة الخطيئة، فخضع للشرّ وأطاع رغبات جسده المائت. مثلُ هذا الجمع بين مفهومين، يُدهش اليهود الذين يرون أن الشريعة أعطيت بالنعمة لتمنع الخطيئة، أعطيت كسورٍ في وجه الشرّ، كوسيلة تواجه نجاسة الجسد. أما في نظر بولس، فالحياة تحت الشريعة هي حياة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالخطيئة.
هنا يصوّر بولس، للمرة الأولى في رسالته، الشريعةَ كقوّة تسيطر على الانسان، وبالتالي على اليهود كأمّة (غل 3: 23؛ 4: 4- 5؛ 1 كور 9: 20). هو أبعد من أن يتحدّث عن الشريعة كقوّة خيّرة للشعب اليهوديّ، بل إن تأثيرها باهت. رج ف 2، مع كلام عن الشريعة كقوّة تشجّع على الحكم على الآخرين (باسم العرق)، وكنظرة سطحيّة تمزج الأعمال الطقسيّة بعمل الروح. وعاد بولس إلى حياته كفرّيسيّ، فاستنتج أن الشريعة لا تربط الانسان بالله في طاعة واثقة، بل تفصله عن الله وتمنعه من قبول نعمة الله في ملء برّها («من دون أعمال الشريعة»). ويعارض بولس النظرة الوطنيّة إلى الشريعة، فيتحدّث عن برّ شامل يُفهم في لغة النعمة من البداية إلى النهاية.
«فماذا إذن» (آ 15). هي مرحلة ثانية في الجدال (آ 1). ولكن تكرار السؤال يجعل اليهوديّ يحسّ أن بولس يحتقر الشريعة. هي كارثة خلقيّة أن تُجعل الشريعةُ ضدّ النعمة. إن وُضعت النعمة موضع الشريعة، ابتعد الحاجز الموضوع ضد الخطيئة، وفُتحت الطريق أمام تيّار الخطيئة الجارف.
أجاب بولس (آ 16). ما قال شيئاً في البدء عن الشريعة. في ف 7 سوف يعرض دور الشريعة عرضاً كاملاً داخل إنجيله. أما الآن، فسعى أن يؤكّد أن إنجيله لا يحضّ على الخطيئة. ثم جعل المؤمن يفهم أنه في ما حصل عليه وفي ما لم يحصل بعد، في انشداد اسكاتولوجيّ: يخضع الانسان لسيّدٍ كعبد طائع. وهناك طاعة يوميّة. الاهتداء يُدخل المؤمن في علاقة جديدة مع الله، تحدّد كلَّ حياته وكلَّ علاقاته. ليس هو وضعاً بلا خطيئة ينكره ويدمّره الفعلُ الخاطئ. بل علاقة يمكن المحافظة عليها رغم أعمال العصيان التي يقترفها الفرد. في علاقة السيّد بعبده، يتسامح السيّد ويغفر التجاوزات. أما الخطيئة العادية فتدمّر العلاقة كعلاقة.
ووضع بولس خيارين: عبوديّة الخطيئة وعبوديّة الله (عبوديّة الطاعة، العبوديّة كطاعة لله. رج آ 13، 22). فالعلاقتان هما بين السيّد والعبد. فالانسان لا يمكن أن يكون مستقلاً. فمن رفض سيادة الله يصبح عبدَ الخطيئة. فمن يقود المؤمن؟ الله أم الخطيئة؟ لا خيار ثالثاً. ونتيجة عبوديّة الخطيئة والخضوع لرغبات الجسد المائت، هي الموت الذي هو النتيجة الأخيرة لمثل هذه العبوديّة. الموت هو نهاية الحياة على مستوى الجسد. وهناك وضعُ موت يتميّز بعدم جواب للقوّة الوحيدة القادرة على مساندة الحياة ضدّ الموت (قوّة الله التي تعطي الحياة). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نتيجة العبوديّة الطائعة لله هي البرّ، أي علاقة مع الله تسندُها قوّةُ نعمته من أجل الخير. لا ننس هنا أن «البرّ» و«الغضب» يقعان كلاهما في مسيرة اسكاتولوجيّة. هذا لا يعني أن المؤمن الطائع ينجو من الموت. فما ينجو منه هو الوضع كنهاية وحالة أخيرة. هو لا يزال يختبر الموت في جسده المائت، ولكن تشبّهه بالمسيح في موته يعني أنه يقدر أن ينظر، عبر الموت، إلى ملء العلاقة مع الله، عبر الموت. والبرّ في نظر بولس ليس علاقة منفعلة، بل يتضمّن الطاعة. حين أنكر الرسول بأن يكون المؤمن تحت الشريعة (آ 15)، حين اعتبر أن الشريعة تسير مع الخطيئة والموت، فهو ما استبعد الطاعة من جهة المؤمن. هو ترك الطاعة للشريعة، لا الطاعة لله، وهذه تختلف عن تلك كما سنرى في آ 17.
هي أولاً طاعة القلب (آ 17) التي نقصت في طاعة اليهوديّ للشريعة. وهي ثانياً طاعة للمسيح الذي يقدّم التعليم. يسوع هو آدم الجديد ويحمل نموذج التعليم ونموذج الطاعة ولا سيّما في حدث موته (5: 19؛ فل 2: 8)، بل في حياته كلها، بأقوالها وأعمالها، التي انتقلت إلى كل كنيسة (15: 1- 6؛ 1 كور 11: 1؛ كو 2: 6؛ 1 تس 4: 1- 2؛ 2 تس 3: 6). المثالُ الوحيد بالنسبة إلى المسيحيّين، هو المسيح الذي يوجّه حياة المؤمن. أما اليهوديّ فتُوجّهه الشريعة. جاءت صيغة المجهول هنا، فدلّت على انتقال المؤمن من سيادة إلى سيادة. في هذا الوضع لا يقول العبدُ شيئاً. مسؤوليّته تقوم في الطاعة لسيّده، أياً كان. يبقى على المؤمن أن لا يثق بسيّده القديم: كنتم عبيداً للخطيئة. والآن تعلّقتم بالمسيح. ويعود التوازن بين مبادرة الله وجواب الانسان، بين إيمان يقبل نعمة الله وإيمان يمارَس في مجهود خلقيّ. هذا الأخير هو على هامش فكر بولس.
ويذكّر بولس قرّاءه (آ 18) بأن اهتداءهم كان فعل تحرّر. تحرّر من الرغبات ومن العادات. صُوّر المؤمن «باراً» فارتبط بالله (آ 13). بالنعمة (آ 14- 15)، بالطاعة (آ 16)، بالمسيح (آ 17). وشُخّص البرّ كما شُخّصت الخطيئة، وكلاهما يوجّه الحياة في وجهة خاصة: الخطيئة نحو الفساد والموت (آ 12، 16). والبرّ يحوّل الانسان ليشارك مشاركة تامة في حياة القائم من الموت (آ 5،8).
وما رضي بولس بهذا التشبيه البشريّ (آ 19) لكي يتكلّم عن علاقة مع الله بواسطة المسيح. كل استعارة مأخوذة من الحياة اليوميّة لا يمكن أن تكون كافية. فالبشر ضعفاء وخاضعون لرغباتهم، فيبتعدون عن العلاقة بالله وعن «نموذج التعليم». واهتداؤهم لم يُتمّ بعدُ خلاصَهم. فلا بدّ من انتقالهم إلى سيّد آخر. لهذا يتوجّه إليهم الرسول في إرشاد يردِّد ما قال في آ 13، 16: «اجعلوا من أعضائكم عبيداً للبرّ». وهذا البرّ لا تحدّده الشريعةُ بل النعمة، وذلك من أجل القداسة.
وما استعدّ بولس ليترك استعارة العبوديّة (آ 20- 22). فالتعارض بين قبل وبعد الاهتداء يتكرّر، والانشداد بين الاهتداء الحاسم (كحدث تحرّر من سيادة الخطيئة) ومسيرة القداسة التي لم تتمّ بعد، بقي حاضراً. حين صوّر ما سبق اهتداءهم، دلّ أنهم كانوا عبيداً وصاروا أحراراً. فذكر قرَّاءه أن طريقة حياتهم الماضية أمرٌ يُستحى منه. هذا يتطلّب مجهوداً خلقياً بحيث لا نعود إلى سيادة الخطيئة. والتعارض في النهاية ينتج من عبوديتين (آ 16- 19). من عبوديّة أولى تَخرج ثمرةُ النجاسة والموت. ومن الثانية، القداسة والحياة الأبديّة.
ما استعمل بولس لفظ «الحياة» تجاه «الموت» لكي ينتهي بالكلام عن الحياة الأبديّة (آ 23). فما يقدّمه الانجيل هو القداسة التي تنتهي في حياة أبديّة. القداسة هي تحوّل من الداخل. فتكون القيامة الأخيرة مع المسيح تمام المسيرة كلها (2 كور 4: 6- 5: 5). إن البعد الغني للاهوت بولس (تحوّل المؤمن إلى صورة المسيح المائت والقائم)، قد لا يكون معروفاً لدى المسيحيّين في رومة، مع أنه جزء من كروستولوجيا ترتبط بآدم. ولكن الجميع سيعرفون أن الحياة الأبديّة التي يتكلّم عنها، هي حياة مع المسيح (آ 8). فالمسيح هو الوحيد الذي مات وقام ولن يموتَ بعدُ، بحيث إن الحياة الأبديّة هي مشاركة في حياة المسيح التي لا تنتهي. تحدّث بولس هنا عن «الحياة الأبديّة في المسيح يسوع ربّنا». وقبل ذلك تكلّم عن «الحياة مع المسيح». الفكرة هي هي. والتشبّه بالمسيح يبدأ بالاهتداء ويتواصل عبر الموت إلى القيامة.

خاتمة
كانت نقطة الانطلاق: يجب على المؤمن أن يحيا لله بعد أن نال النعمة وتحرّر من الخطيئة ومن الجسد المائت. ولكن هذا التحرّر لم يتمّ بعد. إنه يتمّ في النهاية، ساعة يموت جميع البشر في يسوع. ولكننا منذ الآن، نستطيع أن نتعرّف إلى البرّ وإلى الخطيئة من خلال ثمر كلٍّ منهما. حين يكون الموت هنا، نفهم أن الخطيئة هي السيّد. وحين تكون الحياة والقداسة، نعرف أن البرّ هو السيّد. غير أن الانتقال من سيادة إلى سيادة يبقى أمراً طويلاً. هو يبدأ بالاهتداء ويتواصل في تدرّج نعيش طقسه في المعموديّة. وهذا الاهتداء ليس عملاً منعزلاً وحدثاً عابراً تلاقت فيه الطاعة مع النعمة. فهذا العمل الأول يميّز كلَّ حياة المؤمن كمؤمن. وجدّة الحياة التي يدخل فيها، يتقبلها كعطيّة نعمة تتجدّد عبر حياته في جسده المائت، وبعد ذلك في ملء القيامة. والتشبّه بالمسيح في موته، يتواصل أيضاً وأيضاً إلى أن يلعب الموتُ ورقتَه الأخيرة فيعرف المؤمن أنه تشبّه بالمسيح في قيامته. والطاعة في الخطوة الأولى، تتكرّر في كل قرار له نتائج خلقيّة بحيث يصبح طاعةً للبرّ، وبراً للقداسة، وقداسة تنتج عنها الحياة الأبديّة.
الفصل الرابع والعشرون
روح الأبناء
8: 12- 17

بعد أن تحرّرنا من الشريعة في موتنا مع المسيح. بعد أن تحرّرنا من أعمال الجسد فعرفنا ثمر الروح. بعد أن فهمنا الصراعَ الداخليّ الذي يُقيم فينا، مع أن المسيح افتدانا، برّرنا، نقلنا إلى ملكوت النعمة، ها نحن نتعرّف إلى ما تفعله فينا حياةُ الروح. هي تجعلنا أبناء. تعطينا روح الأبناء بعد أن تخلّصنا من روح العبيد. لا، لم نعد مدينين للجسد، بل صرنا مدينين للروح بحيث نتصرّف على مثال المسيح الذي أعلن: روح الربّ عليّ. نتصرّف كالأبناء. فندعو الله «أبّا» كما الطفل أباه. والشاهد على ذلك هو الروح نفسه. ونتيجة البنوّة هي أننا ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث. لا ميراث أرض تاق إليها العبرانيون وهم في البريّة، بل مجمل الخيرات الالهيّة: الملكوت، الحياة الأبديّة. إن المسيح، بموته وقيامته، قد نال من الآب كل خير، وها هو يشركنا في ميراثه. ولكن هناك شرطاً: مشاركة المسيح في آلامه إذا شئنا أن نشاركه في مجده. فهناك سرّ واحد يربط المؤمن بالمسيح. حيث مرّ المسيح يمرّ المسيحيّ. وبنوّة المسيح يشارك فيها المسيحيّ.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 13، رأى بعضهم أن «سوما» (الجسد) لا يُستعمل في معنى سلبيّ، فأحلوا محلّه «ساركس» أي اللحم والدم، البدن.
في آ 14، تبدّلَ ترتيبُ الكلمات في النهاية، من أجل ابراز لفظ «هيوي» (أبناء).
في آ 15، «الذي به» (إن هو) يمكن أن يعود إلى ما قبل فيُنهي الجملة. أو هو يبدأ جملة جديدة.
في آ 16، أضاف الكودكس البازي: اذن. فصارت الجملة: اذن، ما دمنا...
في آ 17، نقرأ «كاي» (أيضاً). غابت من البرديّة 46.
ب- بنية النصّ
يتوقّف هذا المقطع عند فكرة المؤمنين الذين هم أبناء (أولاد) الله. فعلاقتهم بالمسيح تتمّ في صورة العائلة بما فيها من قوّة. إن آ 14- 30 تشكّل صياغة لما في آ 9- 11، وآ 14- 17 هي عرض لما في آ 9، وآ 18- 30 لما في آ 10- 11. بدت آ 15- 17 متوازية مع غل 4: 6- 7. هذا يعني أن بولس استعمل في هذين المقطعين أفكاراً عرفتها الكنائس الأولى معرفة واسعة. ذاك هو وضع العنصر المركزيّ: أبّا، أيها الآب. ولكن التوازي اللفظيّ لا يكفي ليدلّ على شكل ثابت. وقد نكون أمام متتالية من بولس وردت في غل 5: 13- 24 وروم 8: 2- 13.
وأخيراً نلاحظ الانتقال من صيغة المتكلّم (آ 1،12 15ب، 17) إلى صيغة الغائب (آ 13- 15 أ). كما نلاحظ عدداً من الأفعال مع «سين» (مع) في آ 17؛ رج آ 22، 26، 28، 29.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (8: 12- 17)
جاء النصّ في مقطعين. في الأوّل (آ 12- 13) نتعرّف إلى أعمال الجسد وأعمال الروح: الموت والحياة. ولكن المؤمن هو ابن الله بالروح، فكيف يعود إلى أعمال الجسد. كيف ينسى أنه ابن الله ووارث خيراته (آ 14- 17)؟ أ- أعمال الجسد والروح (آ 12- 13)
«فنحن يا اخوتي». آ12. «أرا أون» (هكذا اذن). تدلّ على خلاصة تصدر عمّا قيل (آ 1). هذه الخلاصة هي إرشاد يدعونا أن لا نعيش بحسب الجسد. إن الحدود بين عالم الروح وعالم الجسد ليست كما بين المؤمنين واللامؤمنين. فهذه الحدود تمرّ عبر كلّ مؤمن. «اخوتي». هي المرة التاسعة يتوجّه فيها بولس هكذا إلى أهل رومة. رج آ 13. نجد هنا المتكلّم الجمع (نحن). جعل بولس نفسه مع قرّائه، لأن وضعه (في انشداد اسكاتولوجيّ) لا يختلف عن وضعهم. فهو يحتاج أن يمارس الحياة الخلقيّة عينها. «أوفايلاتيس»، مدين، يجب عليه دين. من انتمى إلى عالم الجسد، لا يقدر أن يُفلت. غير أن هذا الانتماء لا يشكّل واجباً للجسد وكأن كونهم في الجسد كان سبباً كافياً لنعيش له وحده.
«فإذا حييتم» (آ 13). إن تكرار العبارة الأخيرة في آ 12 يدلّ على أن بولس لا يفكّر فقط في فرضيّة أو إمكانيّة لاواقعيّة. فالخطر يتربّص بسامعيه. لهذا جاءت صيغة المخاطب تنبّههم. وهو لا يتوجّه فقط إلى اللامؤمنين، بل إلى المؤمنين أيضاً. «سوف تموتون». هو المضارع مع الثقة بأن الأمر حصل. في أي حال، النهاية قريبة. الموت ليس فقط نهاية الحياة. ولكننا لا نقول إننا أمام الموت الروحي. إن الحياة حسب الجسد تربط الانسان بما هو فاسد وزائل. رج 8: 6؛ غل 6: 8 (من زرع في الجسد حصد من الجسد الفساد). لهذا فهو يهلك مع دمار الجسد (الموت هو وضعه الأخير). إن هدف مخطّط الله الخلاصي هو تحريرنا من عبوديّة الفساد (فتورا، آ 21).
«وأما إذا أمتّم». هو توازٍ بين الموت والحياة نقرأه في تث 30: 15 ي مع إشارة إلى الميراث (تث 11: 29، 31؛ 30: 16؛ روم 8: 17). انتظر بولس مجهوداً لا يكون أقلَّ من مجهود موسى. ولكن الميراث اختلف بين أرض نمتلكها وعطية الروح الذي يُفاض على الوارثين (غل 4: 1- 7)، «براكسيس». ليس قوّة سلبيّة في ذاتها، هو الأعمال. لا شكّ في أن هناك كلاماً عن الفعل الشرير في لو 23: 51؛ كو 3: 9. هنا جاء الشر من الجسد (سوما، لا ساركس). الجسد يدلّ على الهويّة وعلى الارتباط. «أعمال الجسد» هي أعمال تعبّر عن ارتباط بالرغبات البشريّة والطموحات. وصيغةُ الحاضر تدلّ على أن هذا الوضع يستمرّ وإن تمّ الاهتداء (العماد). فالانسان القديم لم يمت بعد ولا جسد الخطيئة (كو 3: 5- 10). «ستحيون». هذا لا يعني إعفاء من الموت وعيشاً لا ينتهي. هي الحياة الاسكاتولوجيّة. الحياة بعد الموت وبعد نهاية حياة حسب الجسد.
ب- أبناء الله بالروح (آ 14- 17)
إن آ 14 تبدو غير مرتبطة بما في آ 13. ومع ذلك، هناك مسألة تُطرح حين ننسى التواصل والتتمّة في الوعود لابراهيم واسرائيل، حيث يسير فكرُ بولس: دور الشريعة، الروح الاسكاتولوجيّ، وضع الأبناء. كل هذا يدلّ على امتيازات المؤمنين الذين يعتبرون أنهم دخلوا في الامتيازات الاسكاتولوجيّة التي وُعد بها اسرائيل. هنا نقابل ف 8 مع ف 9: انتقل ميراث اسرائيل إلى الذين للمسيح. فماذا لاسرائيل بعد؟
«والذين يقودهم». أي جميع الذين يقودهم. الارتباط بالروح هو حاسم. هناك حدود لاسرائيل حسب الجسد، وتوسّع للروح الذي يفيض على الذين هم للمسيح. هذه العبارة تلتقي مع «سلك حسب الروح». كان حسب الروح، في الاهتمام بالروح. نكون بجانب الروح، نعيش حسب الروح. نكون في الروح. هو الروح يوجّه حياتنا، يرافقها. إن فعل «أغاين» في السبعينيّة يدلّ على إرادة تقيّة وخضوع شخصيّ. أما «أغاستاي» المستعمل هنا، فيدل على قوّة دفع. رج 2 تم 3: 6. «هم أبناء الله». نتذكر في العالم الرواقيّ أن الاله زوش هو أبو الجميع (لأنهم كلهم يشاركون في العقل الالهي). رج أع 17: 28. وقد تحدّث أفلاطون عن «أبناء الله». يعني أنهم نالوا رضى الله. في العالم اليهوديّ، اسرائيل هو ابن الله. وبنو اسرائيل، ولا سيّما الأتقياء (الذين عاشوا وماتوا مطبوعين بالأمانة للشريعة) هم أبناء الله أو أولاد السماء. رج تث 4: 1 والكلام عن الاختيار، ثمّ هو 1: 10 الذي يرد في روم 9: 26 عن الوعد الاسكاتولوجيّ. عرف بولس فكر معاصريه وتحدّث عن هذه البنوة بلغة روح الله. فالنبوّة الالهيّة للأفراد يحدّدها روح الله، قوّة الله كما فهمها التقليد اليهوديّ واختُبرت الآن بشكل فيض اسكاتولوجيّ. هذه البنوّة لا ترتبط بالشريعة ولا بالأمانة للشريعة، كما يقول سفر الحكمة والتقليد عن شهداء العالم اليهوديّ. بالنسبة إلى المسيحيّ هي أمانة للروح.
«ما نلتم روح العبوديّة» (آ 15). «غار» (لأن). تدلّ أن آ 15 هي برهان لما في آ 14. بما أننا نقاد بالروح، فهذا برهان عن بنوّتنا. والفعل يدلّ على تقبّل الروح الذي يكوّن بداية الحياة المسيحيّة (نخصّ المسيح). رج 2 كور 11: 4؛ غل 3: 2، 14؛ يو 7: 39؛ 14: 17؛ أع 1: 8؛ 2: 33، 38. الحدث الذي فيه ننتقل إلى وضع الأبناء، هو العماد كعمل ملموس (آ 9). «روح العبوديّة». رج قض 9: 23؛ 1صم 16: 14- 16؛ (1مل 22: 19- 23). يُعطى الروح لئلا يسقط المؤمنون وهناك روح الشر، روح الزنى والفجور. رج وص رأوبين 5: 3؛ وص شمعون 2: 7؛ 3: 1؛ ق 1 كور 2: 12؛ 2 كور 11: 4؛ أف 2: 2؛ 2 تس 2: 2؛ 2 تم 1: 7. أما هنا، فالتمييز ليس بخلقيّ، في الدرجة الأولى، بل بين حقبة وحقبة. حقبة روح العبوديّة وحقبة روح الأبناء. هكذا كان الأمم قبل اهتدائهم، وهكذا كان اليهود (غل 4: 24؛ 5: 1). بل الخليقة كلها كانت في العبوديّة (8: 21). «الخوف» (فوبوس). معنى سلبيّ. مع أن هناك «مخافة الله» (3: 18؛ 2 كور 5: 11؛ 7: 1؛ أف 5: 21؛ فل 2: 2) في وجه إيجابي. الخوف هنا يرتبط بعاطفة العبيد.
«بل نلتم روح الأبناء». هو الروح الذي يجعلكم أبناء، أو يعبّر عن بنوّتكم. هو واقع حقيقيّ بالنسبة إلى المؤمن. هي «البنوّة». الله يتبنّانا فنصبح أبناءه (هيوتاسيا). فقط في الرسائل البولسيّة. رج 8: 15، 23؛ 9: 4؛ غل 4: 5؛ أف 1: 5. هي عادة يونانيّة رومانيّة، لا يهوديّة. استعمل النص «البنوّة» ليقابلها ب «العبوديّة». لا يتحوّل المؤمن فقط من عبد إلى حرّ، بل إلى ابن تبنّاه الله. «به نصرخ». قد نكون أمام نداء احتفاليّ. وقد تكون صرخةَ الألم التي نطلقها مع خليقة وصلت بها الأمور إلى اليأس. رج غل 4: 6 حيث الروح يصرخ (كرازو). يهتف. في السبعينية، يُستعمل الفعلُ في الصلاة الملحة. «أبّا». في الأراميّة. نداء ميّز يسوع في صلاته، فدلّ على بنوّة حميمة مع الآب. هي علاقة داخل العيلة. أجل، المؤمنون يصرخون إلى الله بلفظ استعمله يسوع. هذا يعني أنهم أبناء وورثة (آ 16- 17). هذا النداء يميّز المسيحيين بعلاقتهم الحميمة بالله. وضعُ يسوع هو وضعُ من يؤمنون به.
«وهذا الروح بشهد» (آ 16). هذا هو فعل الروح فينا مع «سين». يشهد مع روحنا. يرافقنا هذا الروح فيؤهّلنا لكي نصرخ. وهكذا يلتصق روحنا بالروح القدس. وحياته فينا هي ما يُسمّى النعمة الالهيّة. «أننا أبناء». استعمل بولس «تكنون» 24 مرة: أولاد الله. ولكنه لم يستعمل هذا الاسم ليسوع. بالنسبة إلى يسوع «هيوس» (الابن): 38 مرة. رج 1: 3، 4، 9؛ 5: 10؛ 8: 3، 29، 32. غير أن الاسمين يترادفان. وصيغة الحاضر تدل على أن صلاة الأبانا والسلوك بحسب الروح، يسيران معاً في حياة المؤمن.
«وما دمنا» (آ 17). نتذكّر الشريعة الرومانيّة. ونتذكّر اللاهوت اليهوديّ: اسرائيل ابن الله ووارث الوعد بالأرض الذي أعطي لابراهيم (4: 13). رج رؤ 21: 7 حيث البنوّة جزء من الميراث، واسرائيل هو ميراث الله أي الحصّة التي اختارها لنفسه. تث 32: 9؛ 1 مل 8: 51، 53؛ 2 مل 21: 14؛ مز 33: 12؛ 47: 2. أخذ بولس بهذا المنطق، وربطه بخبرة الروح (بالنسبة إلى الأمم، غل 3: 1- 2،14، 29؛ 4: 28- 29). الرباط بين الروح والميراث ميزةٌ في فكر بولس (1 كور 6: 9- 11؛ غل 4: 7؛ أف 1: 14؛ تي 3: 5- 7). الميراث هو ملكوت الله. هو ميراث مُقبلَ ندخل فيه. «كليرونوميا» (الميراث). وأضيف «سين» في البداية (مع). نحن نرث مع المسيح. لا نجد هذا الفعل إلاّ في العهد الجديد (8: 17؛ أف 3: 6؛ عب 11: 9؛ 1 بط 3: 7). المسيح هو وارث. ونحن معه. المسيح مَلك وهو يرتبط بالله في ميراث الملكوت (1 كور 15: 24- 28). ويسوع هو وارث ابراهيم. ولكنه حوّل هذا الميراث من مفهوم وطنيّ إلى ما يتجاوز الوطن والعرق. ونحن نشارك في الميراث، حين نشارك المسيح في موته لنشاركه في قيامته.
«نشاركه في آلامه». ربط بولس بين البنوّة والألم، كما في الفكر اليهوديّ (أم 3: 12؛ طو 13: 4- 5؛ حك 3- 5؛ مز سل 13: 8- 9)، وكيّف هذا مع الكرستولوجيّا المسيحيّة. هذه المشاركة شرط ضروريّ وهي كافية أيضاً. يكفي أن نشارك في الآلام لكي نشارك في المجد. قد نختار المشاركة أو نتهرّب منها. في هذه الحالة الأخيرة لا نصل. رج 2 تم 2: 11- 12؛ ا بط 4: 13. إن مخطّط الله الخلاصيّ يريد للانسان أن يختبر هذا المجد ويشارك فيه. رج 2: 7، 10؛ 5: 2؛ 1 كور 2: 7؛ 15: 43؛ 2 كور 3: 18؛ 4: 17؛ فل 3: 21.

3- خلاصة لاهوتيّة
بدأ بولس (آ 12) فاستخرج النتائج ممّا حلّل سابقاً. ليست الخلاصة بأن الجسد لم يعد مسألة بالنسبة إلى المؤمن. وأن امكانيّة العيش حسب الجسد لم تعد مفتوحة أمام سامعيه، بل إن الحياة حسب الجسد هي إمكانيّة حقيقيّة لقرّائه. ولو كانوا «في المسيح»، فشريعة الخطيئة والموت ما زالت عاملاً حاسماً في حياتهم تجاه شريعة الروح التي تهب الحياة. هذا يعني أنهم يحتاجون بعدُ إلى مجهود. عليهم أن لا يعيشوا بعد حسب الجسد، لأن الجسد يعارض الروح. وقد تسود على الحياة الرغباتُ والطموحات التي تغذّي «الافتخار». فبما أنهم مدينون لله، للمسيح، للروح، عليهم أن يعيشوا على مستوى هذه الكرامة فتكون حياتهم وفاء لهذا الدَين.
ونجد في آ 13 التعارض بين حياة وحياة، والنتيجة في كل حالة. حسب الجسد، الموت. لهذا يتوجّه إليهم بولس في صيغة المخاطب ويدعوهم إلى المجهود الخلقيّ، لأن مسيرة اهتدائهم لم تنتهِ. هم تعمّدوا في موت المسيح، ولكن الموت لم يُصبح شيئاً من الماضي. بل إن الذين هم «في الروح» قد يعيشون حسب الجسد. فإن فعلوا هذا، إن تركوا هذه القوّة تسيطر على حياتهم، يعودون إلى طريق الموت. بما أن المؤمنين بشرٌ من لحم ودم، فهم ما زالوا يخدمون شريعة الجسد. لهذا فتحرّرهم ما انتهى بعدُ. ذاك هو التنبيه للمسيحيين: لا تعودوا إلى الوثنيّة.
فما يُطلب هو مجهود خلقيّ مسؤول «يقتل أعمال الجسد». يقتلع أعمال اللحم والدم. هو توازٍ بين نعمة الله وعمل الانسان. وهذا لا يتمّ إلا بالروح. هذا يعني إدراكاً لإرادة الله في كل وقت، لنعرف ما تطلبه الشريعة في ذلك الوقت.
في آ 14 ترك بولس التعارض بين الجسد والروح، وتوقّف عند العلاقة بالروح والبنوّة. أبناء الله هم الذين يرضى عنهم الله. هم أمناء للشريعة وما تطلب. هم أمناء للعهد (حك 2: 12- 13). ذاك كان الموقف اليهوديّ. أما بولس، فأعاد تحديد هذه البنوّة لتضمّ أكثر من شعب اسرائيل (حسب الجسد). أبناء الله هم الذين يقودهم روحُ الله. فالذي ينتمي إلى المسيح ليس فقط من يمتلك الروح، بل من يتبع توجّهات الروح. وامتلاك الروح الذي لا يدلّ على نفسه في الحياة اليوميّة، يتعارض مع ما يقوله بولس. وهذه البنوّة التي يقدّمها الانجيل، ليست شيئاً ينعم به بعضُ المميّزين، أو ينحصر في الذين كانوا أمناء للشريعة فكوَّنوا طبقة لا تختلط مع الباقين. هم أبناء الله بقدر ما يتجاوبون مع توجيهات الروح.
إن آ 15 عمّمت ما قيل في آ 14 ليصل القولُ إلى جماعة رومة. حين اهتديتُم ما أخذتم روح العبوديّة. هي حياة تحت الشريعة. هذا يعني أن عدداً من المؤمنين لم يتحرّروا بعدُ من أعمال الشريعة. وما يُسند هذا الموقف هو الخوف، الخوف أن لا نكون لله مثل الفريسيّين وممارستهم الدقيقة للفرائض اليهوديّة. تلك كانت خبرة بولس، وهي اليوم خبرة قرّائه: وقد وثق أنهم سيجدون التحرير الذي وجده هو (آ 2). ما يقابل الخوف هو الدالة، هو الحياة الحميمة مع الله، والتي نعبّر عنها حين نقول: أبّا، أيها الآب.
كما يهتف المؤمن «أبّا»، ينعم بشهادة الروح (آ 16) ذاك الذي يقول له الروح إنه ابن الله. فالروح هو القوّة التي تضمّ الأفكار والأعمال في طريق تهب الحياة (عكس طريق تقود إلى الموت). هذا الروح يعطينا أن نشارك في بنوّة حميمة نعمَ بها يسوعُ على هذه الأرض، ونحن ننعم بها منذ بداية المسيرة التي تنتهي حين ينضمّ جسدُنا إلى الخلاص التام (آ 9- 11، 15- 16). نحن نمتلك الروح حين يكون لنا روح المسيح، حين نشاركه في البنوة، حين نحيا كأبناء يقودهم الروح. وهذا ممكن لكل انسان، لا لفئة معيّنة.
وارتبط مفهوم الميراث بمفهوم البنوّة (آ 17). فالابن هو الوارث، وأهميّة الميراث تسير في اتجاهين. مع مبدأ «ما حصل بعد»، المؤمنون هم وارثون، ولكنهم ما دخلوا بعدُ في ملء ميراثهم. هذا هو الانشداد الاسكاتولوجيّ. والاتجاه الثاني ينطلق من النظرة اليهوديّة. اسرائيل هو كالشعب المختار، ميراثُ الله، وبهذا يتميّز عن سائر أمم الأرض (تث 32: 9). وقد أعطاه الربّ أرض الموعد ميراثاً. ولكن الوارثين اليوم هم اليهود والأمم معاً. كلهم وارثو الله. وعلاقة اسرائيل الخاصة بالله صارت إلى جميع الذين في المسيح. والوعدُ بأرضٍ تحوّلَ إلى وعد بالملكوت. والفكرة بميراث الملكوت كانت معروفة في الكنائس التي عرفها بولس. فاستنتج المؤمنون في الإطار الاسكاتولوجيّ، أن ميراث الملكوت، ومواطنيّة تخضع لسيادة الله، أمران ننتظرهما بعد.
كل المؤمنين ورثة الله، لأنهم انضموا إلى المسيح كورثة. هم أبناء مع الابن، وهم ورثة مع الوارث. هم لا يرثون بمعزل عن المسيح، بل يصبح هذا الامتيازُ امتيازهم كنتيجة لانتمائهم إلى المسيح. هم يشاركونه البنوّة بعد أن تبنّاهم الله. والمسيح جاء في تواصل وانقطاع مع ما سبق: كابن داود ونسل ابراهيم ورث وعد العهد الأول. وكابن الله بالقوّة، وبالقيامة من بين الأموات (1: 3- 4)، صار وضعُه كالوارث موضوعَ مشاركة للذين يتشبّهون به.
وهم سوف يشاركون ملء الميراث (في المستقبل) إن تابع تشبُّههم بالمسيح طريقه، لا بأسلوب حياة على الأرض، ولا بخبرة المسيح القائم من الموت وحسب، بل أيضاً في مشاركة يسوع في آلامه وموته. هناك الاضهادات، لا شك في ذلك. وهناك «جسد الخطيئة» (7: 24) أو «قتل أعمال الجسد» (8: 13). مثل هذه الآلام وهذا الفساد، نتيجة لا مفرّ منها لحياة الجسد. هي مرحلة في الطريق للمشاركة في الملكوت، ولكنها ليست كلّ المراحل. والألم الذي نقبله ونعيشه كمشاركة في آلام يسوع، يحمل الوعد بالمجد المقبل. أن نكون للمسيح، ليس فقط أن نشاركه بنوّته، بل آلامه وموته.
مع الكلام عن المجد، عاد بولس إلى الكلام عن آدم (1: 21، 23؛ 3: 23). فالتاريخ كله ينحصر في مصير رجلين: آدم والمسيح. أن يكون الانسان فقط عضواً لآدم يبقى بعيداً عن عظمة مقصد الله من أجل البشريّة، يكون في طريق الموت. وحده المسيح أتمّ مقصَد الله. وحده ورث مجدَ الله. ووحدهم الذين في المسيح يشاركون في هذا الميراث، ولكن شرط أن يكونوا من قبل قد شاركوه في آلامه وموته. وهكذا نصل إلى المعنى الكامل لعبارة «نمتلك روح المسيح»: لا في قبول الروح فقط، لا في أسلوب حياة وسلوك خاص وحسب، بل في حياة كاملة تجد تعبيرها الكامل مع موت المسيح.

الخاتمة
صوَّر ف 7 وضع الانسان الذي يعرف مشيئة الله بروحه، ولكنه يفتح بجسده الطريق لهجمة الخطيئة التي تسيطر وتستعبد وتقود إلى الموت وتمزّق الانسان. فمن يخلّصه؟ وكان الجواب: الحمد لله بربّنا يسوع المسيح. فاستعاد ف 7 ما قيل في ف 6: الذين هم في يسوع المسيح، الذين اتّحدوا بالعماد معه، لم يعودوا تحت الحكم، تحت الدينونة، لأن روح الله يقيم فيهم. هم أحرار، وإن كان من دَيْنٍ، فقد أخذه المحرّر، يسوع المسيح، على عاتقه. ولكن على المؤمن أن يتحاشى كل دَيْن للجسد. ما عاد عبداً، بل صار حراً وبالتالي ابناً. ما رجا أن يبلغ إلى هذا الوضع الموعود منذ بداية التاريخ: أن يكون ابن الله. والآن، إذ يقوده روح الله، يستطيع أن يصلّي إلى الله ويدعوه أباه. تبنانا الله، فصار لنا ملء حقوق الأبناء. صرنا إخوة المسيح، فصرنا ورثة معه. ولكن هناك شرطاً لكي نشاركه في مجده، هو أن نكون قد شاركناه في آلامه. هكذا تكون طريقُ المسيح طريقنا عبر الموت والقيامة.
الفصل الخامس والعشرون
المجد المهيّأ لنا
8: 18- 25

كان كلام عن الآلام والمجد، وها نحن نعود إلى المجد بشكل خاص، لا بالنسبة إلى الانسان وحسب، بل بالنسبة إلى الخليقة كلها. فالعالم الماديّ الذي خُلق للانسان، يشارك الانسانَ في مصيره. لُعن بسبب خطيئة الانسان، منذ البدء، فوجد نفسه الآن في حالة من الباطل. جُعل في نظام خلقيّ مرتبط بخطيئة الانسان، فاستُعبد للفساد. غير أن هذا العالم الذي يشبه جسد الانسان، هو معدّ للمجد، وقد نال الخلاص الذي ناله الجسدُ البشريّ. فهو أيضاً يشارك في الحرية، وفي حالة المجد. بالمسيح خلق الله كلَّ شيء، وبالمسيح يُعيد خلق كل شيء بعد أن اضطرب بالخطيئة. وتبقى قمّةُ هذا الخلق، الانسانَ الجديد الذي خُلق لحياة جديدة في البرّ والقداسة. هذا ما نقرأه هنا، لا في اتصال بالمسيح، بل بالروح. وهذا المجد المهيّأ لنا هو باكورة الروح وأول أعماله في العالم وفي تاريخ الخلاص.

1- دراسة النصّ وبنيته
ندرس هنا 8: 18- 30 وإن كنا نفصلها فصلين مميّزين. لهذا لن نعود في الفصل التالي الذي عنوانه مخطّط الخلاص، إلى دراسة النصّ وبنيته.
أ- دراسة النصّ
في آ 20، نقرأ «في (إن) الرجاء»، وهناك اختلافة. «على (إبي) الرجاء».
في آ 12، هناك تكرار يعتبره الشرّاح غير ضروريّ: نحن أيضاً الذين لنا... ونحن أيضاً نئنّ.
وغابت كلمة «بنوّة» (هيوتاسيا) من عدد من المخطوطات ولا سيّما الغربيّة منها.
في آ 24، نجد النسخة الطويلة التي تضيف قبل العبارة الأخيرة: ما ينتظره الانسان كيف يرجوه؟
والسينائي وشهود آخرون يجعلون محل «يرجو» الفعل: احتمل، ثبت (هيبوماناين).
في آ 26، يُضاف بعد ضعفنا لفظة عن الصلاة (دائيسيوس). «يشفع لنا». من أجلنا (هيبار). هذه الأداة الأخيرة تنضمّ إلى الفعل كمسبّق (هيبارانتونخاناي). ولكن بعضهم يعيد الأداة مع ضمير الجميع: «هيبار هيمون»: من أجلنا.
في آ 28، يضاف «تايوس» الله كفاعل الفعل: الذين يحبّون الله، الله يعمل.
ب- بنية النصّ
هذا المقطع (8: 18- 30) يلعب دور المفتاح في بنية برهان بولس. هو الذروة في الجدال الذي نقرأ في ف 8. أخذ لغةَ التحرير من العبوديّة (آ 2، 21)، والقيامة (آ 11، 23)، والبنوّة والتبنّي (آ 14- 17، 19، 21، 23)، وحصّة الروح في كل هذا (آ 6 و27، آ 11 و23، آ 15 و23، آ 15- 16 و26). وصاغ آ 17 وموضوع الألم (آ 17، 18- 23، 26)، وأشار إلى موضوع المجد (آ 17، 18، 30) كمعترضة في المقطع كله (آ 18، 30). في قمّة إدخال القمّة الكرستولوجيّة في آ 29 (مع خمسة أفعال في صيغة الماضي الناقص) لعبت ذات الدور الذي في آ 17 مع «سين» (مع). والآيتان ركّزتا على أهميّة دور المسيح في مسيرة الخلاص.
وهذا المقطع هو قمّة أيضاً بالنسبة إلى ف 6- 8 وبالتالي إلى 1: 18- 8: 30. قدّم بولس عمل الخلاص الكونيّ في لفظ آدم كانعكاس أخير لسقطة الانسان وقمّة إصلاحه (إعادة بنائه). من هنا الارتباط اللفظي: 1: 18 ي: كتيسيس (الخليقة) رج 1: 20، 25؛ 8: 20، 22. ماتايوتيس (الباطل). رج 1: 21؛ 8: 20. «دوكسازاين» (مجّد). رج 1: 21؛ 8: 30. دوكسا (مجد). رج 1: 23؛ 8: 18، 21. إيكون (صورة). رج 1: 23؛ 8: 29. سوماتا (أجساد) انحطّت (1: 24) وافتُديت (8: 23). وفي كل هذا، سيطر موضوعُ آدم الكامل مع إصلاح الخليقة التي لُعنت بخطيئة آدم وارتبطت باصلاح الانسان نفسه (8: 19- 23): قدّم النصّ جواباً نهائياً للتحليل القاتم في 1: 18- 32، وحركة تاريخ الخلاص (8: 29- 30) مع ادخال كرستولوجيّة آدم في حركة 5: 12- 21. ثم عاد وقدّم برهاناً لهذه النقطة مع إيضاح ف 6- 8 (نلاحظ أيضاً موضوع 5: 1- 5 في 8: 18- 25).
وهناك الطريقة التي هيّأ فيها بولس، في هذا المقطع، الطريقَ للجدال في ف 9- 11، عاد عمداً إلى مواضيع التقليد اليهوديّ: الألم الحاضر، التبرير النهائيّ (آ 18). الزمن الأخير الذي يشبه الزمن الأول (آ 21). موضوع آدم الكامل، التشفّع الالهيّ (آ 26). يرى ما في القلوب (آ 27). لغة أوجاع الولادة (آ 22) والباكورة (آ 23) والرجاء (آ 24- 25) والقصد (آ 28). ونلاحظ بشكل خاص الألفاظ التي استُعملت لتصف اسرائيل في آ 27- 30: قدّيسون، محبّو الله، المدعوّون، باكورة. أراد بولس بوضوح أن يُفهم قرّاءه أن البركات التي ورثوها هي ميراث اسرائيل. فطُرح السؤال: ماذا عن اسرائيل نفسه؟ سيعود إليه بولس في ف9- 11 مع أقوال عن التبني والمجد (9: 4) والقصد الالهي (9: 11). واليقين أن خلاص الله يُتم قصده في الخلق. وقصدُه في دعوة اسرائيل، هو جزء من أصالة لاهوت بولس.
أما السمات الأبديّة في هذا المقطع فهي تكرار الكلمات المفاتيح: مجدٌ ومجّد (آ 18، 21، 30). انتظر (آ 19، 23، 25). الرجاء وترجّى (آ 20، 24- 25). والمسبّق «سين» (مع) في آ 22، 26- 29. وهناك ثلاثة يئنون: الخليقة، المؤمنون، الروح (آ 22، 23، 26). ويظهر الموصول «هوس» (الذين) خمس مرات في آ 29- 30. كل هذا يربطنا بالمعموديّة، ولكنه لا يتوّقف عند المعموديّة.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (8: 18- 25)
انطلق بولس من وضع يعيشه المؤمن، بل تعيشه الخليقةُ كلّها (آ 18- 21). فالمؤمن يتطلّع إلى البرّ، والخليقة تئنّ منتظرة، هي أيضاً، لتشارك الانسان في حرّيته ومجده (آ 22- 23). ولكن لا ننسى أننا والخليقة نعيش في الرجاء (آ 24- 25). لهذا نحتاج إلى الصبر والثبات.
أ- آلام الزمن الحاضر (آ 18- 21)
«وأرى» (آ 18). «لوغيزوماي». أرى، اعتقد. يقدّم بولس هنا مرحلة جديدة من عرضه. سوف يستعمل «أويدا» (المعنى نفسه) في آ 22، 28. لسنا أمام اعتقاد ينبع من العقل، بل يدلّ على خبرة الروح. «الآلام» (باتيما). رج 7: 5. هو يتطلّع إلى آلام المسيحيّين كمشاركة في آلام المسيح (2 كور 1: 5؛ فل 3: 10؛ كو 1: 24). الآلام الكرستولوجيّة مع بُعدها الاسكاتولوجيّ. «الزمن الحاضر». رج 3: 26. هي لا توازي «العالم الشرّير» (غل 1: 14)، بل هي تدلّ على طبيعة ما بين زمنين: قيامة المسيح وعودته، وفيها يتداخل العالم الشرّير مع عالم القيامة الذي فيه نشارك المسيح.
«سيظهر». المزمع. «مالو» يدلّ على اليقين (آ 13)، وأيضاً على القرب. اقترب أن يجيء. هي ثقة بأن السماء ستكون مختلفة بشكل لا نستطيع أن نحدّده: «أبوكالبتو»، كشف. هو وحي سماويّ، سرّي. حدث اسكاتولوجيّ. سيُكشف مخطّط الله الذي غطّته أحداث على الأرض. نحن لا نملك المجد. هو سيأتي. هو ينتمي إلى السماء.
المقابلة بين ألم الأبرار والمجد الذي ينتظرهم، قد عرفه الفكر اليهوديّ. رج دا 7: 17- 27؛ حك ف 2- 5؛ 2 مك 7: 1؛ 1 أخن 102- 104. لهذا، ما برهن بولس عن هذا الأمر في كلامه.
«فالخليقة» (آ 19). «أبوكارادوكيا»: انتظار عيل صبرُه. يرفع الانسان رأسه ليرى. نجده فقط عند الكتّاب المسيحيّين. يعبّر عن الانشداد الاسكاتولوجيّ. رج فل 1: 20. الخليقة المذكورة هنا لا تضمّ البشر، وإن هي تأثّرت بخطيئة آدم. إن تبدُّل سقطة آدم يتطلّب تبدّل اللعنة. ثم إن كل نظام الخلق يدخل كجزء في الحقبة الأخيرة. «هي تنتظر». ما يُكشف من السماء. هو الحجاب الأخير يُنزع. الفعل «أواكداخوماي» (انتظر). يستعمل 6 مرّات عند بولس. منها 3 مرّات في آ 19، 23، 25. هو انتظار حارّ للبرّ (غل 5: 5) والتبنّي.
«خضوعها» (آ 20). ذكر بولس «الباطل» (1: 21)، ليدلّ كيف أن عمل الله هو عكس وضع الانسان الذي صُوّر بقساوة. نسي آدم أنه خليقة، فأراد أن يستقلّ عن الخالق. فحلّ الباطلُ بالخليقة التي ارتبطت بالانسان (استعملها، خدعها) الذي ألّهها ونسي أنها خليقة الله بعد أن رتّبها الله. «ماتايوتيس» (الباطل). قريبة من «فتورا» (الفساد). أخضِعت الخليقة. أي أخضعها الله.
ما أرادت الخليقة أن تسمع (إكوسا)، أن تخضع. إذن، لم تكن جزءاً من سقطة آدم، ولكنها دُفعت دفعاً. رج 4 عز 7: 11. «ديا» بواسطة. تعود إلى آدم. رج مز 8: 7 (1 كور 15: 27؛ أف 12: 2؛ فل 3: 21؛ عب 2: 5- 8؛ 1 بط 3: 22). آدم في سقطته، لا في ما ناله من وظيفة من قِبَل الله. حين تجاوز الوصيّة، خضع كل شيء له في سقطته كما كان الأمر في خلقه «الذي أخضعها». هو الله أخضعها لآدم الساقط. إذن، وضعُ الخليقة الحاضر ليس وليد الصدفة أو القدر، بل رتّبه الله. ولكن هذا يبقى محطّة في مخطّط الله. حين تدمّر الخطيئةُ، تُصلح الخليقةُ وتعود إلى وظيفتها الأولى كمحيط لأولاد الله.
«ستتحرّر» (آ 21). الخليقة سوف تُفتدى. كما أن رجاء القيامة هو رجاء قيامة الجسد، فالحياة في القيامة هي جزء من الخليقة التامّة. فالحقبة الأخيرة تشبه الحقبة الأولى. رج اش 11: 6- 9؛ 65: 17، 25؛ 66: 23؛ يوب 1: 29؛ 23: 26- 29. ق أع 3: 21؛ رؤ 21: 1 ي. وعاد موضوع الحريّة والتحرّر من الخطيئة (6: 18، 22) والشريعة (7: 3؛ 8: 2) فربطهما بعهد آدم. «دولايا». صفة سلبية، عبوديّة لنظام الخلق. هي أيضاً الفساد. هي سمةُ نظامٍ طبيعيّ يتفكّك. لسنا هنا على مستوى الفساد الخلقيّ، بل فساد الخليقة التي ستحرّر (لهذا أغفل مرقيون آ 18- 22). رج 4 عز 13: 26. «إلى حرّية». هكذا يتكرّر لفظُ الحرية كمفتاح لفهم نظرة بولس إلى الخلاص. هذه الحريّة هي مستقبل المؤمنين ومستقبل الخطيئة. والتحرُّر يعني مشاركة الله في مجده. تحرّرٌ من الخطيئة والشريعة، والفساد والموت. ويظهر لفظ المجد (دوكسا)، فيدلّ على أن الله توخّى أن يَتمّ قصدُه الأصليّ في الخلق ساعةَ تتويج الانسان بالمجد (مز 8: 5؛ 4 عز 7: 96- 98).
ب- الخليقة تئن (آ 22- 23)
«نحن نعلم» (آ 22). رج 2: 2. نحن في إطار جلياني عرفه الشتاتُ اليهود والجماعات المسيحيّة الأولى. «الخليقة» لا الانسان. الفعل مع «سين» (مع). لا يعود إلى المسيح كما في آ 17. عاد بولس إلى المؤمنين حيث تترابط كلُّ هذه الآلام (آ 23). «سوستانازو» (أنَّ). رج وص يساكر 7: 5. صارت الخليقة شخصاً حياً كما في الشعر اليهوديّ. رج أي 31: 38؛ إش 24: 4؛ إر 4: 28؛ حب 3: 10؛ مد 3: 32- 33. «سينودينو» (تألّم مع آخر آلام الولادة). استعارةُ آلام الولادة تُستعمل مراراً للكلام عن ضيق النهاية. رج اش 13: 8؛ 21: 3؛ إر 4: 31؛ هو 13: 13؛ مي 4: 9- 10؛ مد 3: 7- 18. رج مر 13: 8 وز؛ يو 16: 21؛ أع 2: 24؛ 1 تس 5: 3؛ رؤ 12: 2. ق 1 أخن 62: 4؛ 4 عز 10: 6- 6. «الآن» (نين). ليس فقط في الوقت الحاضر، بل حاضر الخلاص الاسكاتولوجيّ الذي فيه بدأت مسيرةُ الخلاص (3: 21؛ 7: 6؛ 8: 1) مع آلام الحبل التي تَعِد بولادة الكون في الدهر الجديد.
«ليس فقط، بل أيضاً» (آ 23). رج 5: 3. نحن نئنّ لأن لنا الباكورة، البداية. ونودّ أن نصل إلى التمام بعد أن تعبنا من الانتظار. «أبارخي»: أول الثمر الذي يُقدّم ذبيحة. رج «ارابون» (عربون) في 2 كور 1: 22؛ 5: 5. باكورة الحصاد والقطاف. النبيذ، الحنطة (خر 22: 29؛ 23: 19؛ لا 2: 12؛ 23: 10؛ عد 15: 20؛ تث 26: 2. تقديم الثمار يتمّ في عيد العنصرة (خر 23: 16؛ 34: 22؛ تث 16: 9- 12؛ فيلون، الشرائع الخاصة 2: 179). «باكورة الحصاد الآتي». هو قد بدأ. نحن أمام الجزء بانتظار الكلّ. وهنا قيامة الجسد. هكذا يكون التواصل بين عطيّة الروح وعمله في المؤمنين، وبين قيامة الأجساد الأخيرة، الحصاد الأخير (البعد الاسكاتولوجيّ). رج اش 27: 12؛ يوء 3: 3؛ مت 3: 12= لو 3: 17؛ غل 6: 8. هذا الحصاد بدأ بقيامة المسيح (1 كور 15: 20، 23)، وهو يتواصل.
«بل نحن أيضاً». ليست الخليقة وحدها. بل نحن. نعيش ألم الولادة. لا يحرّرنا الروح من هذا الانشداد، بل يقوّيه. بدأ الفداء في الخليقة الماديّة (مع الجسد)، وهو يتواصل منذ بداية الخليقة، وها هو يصل الآن إلى التمام. «هيبوتاسيا» (التبنّي). رج 8: 15. انتظر. رج 8: 19. كما تنتظر الخليقةُ بحرارة، كذلك «أبناء الله» الذين يلعبون في الخليقة دوراً شبيهاً بما يفعله الروح في المؤمنين. تحدّث بولس عن التبنّي على أنه حاجة إلى الخلاص.
«أبولتروسيس». افتداء. رج أف 1: 14. ويميّز الرسول بين «سوما» (الانسان الجسدي المشارك في محيطه) و«ساركس» (الانسان المرتبط بمحيطه وبالمجتمع). رج 1 كور 15: 44، 50. سيتحوّل الجسد، ومعه سيتحوّل محيطُه.
ج- في الرجاء خلاصنا (آ 24- 25)
«ففي الرجاء» (آ 24). رج 4: 18. «سوزو» خلص. رج 5: 9. نرجو أن نكون مخلّصين. فطبيعة الرجاء المسيحيّ هي ثقة ثابتة بمخطّط الله وقدرته. أما الفداء التام فما تمّ بعد. على مستوى الرجاء، نحن خلصنا. غير أن الرجاء نفسه ليس ملء الخلاص.
«الرجاء المنظور». هنا تمييز بين ما يُرى وما لا يُرى (1: 20). فما يُرى هو عابر. وما لا يُرى يُدركه العقل. هذا ما قاله اليونان. ما لا يُرى هو العالم العلويّ، وما يُرى هو عالم الأرض. رج 2 كور 4: 18؛ 5: 7؛ 1 بط 1: 8- 9؛ عب 11: 1. ما يُرى ينتمي إلى دائرة الجسد التي لا رجاء فيها.
«إذا كنا نرجو» (آ 25). «هيبوموني» (الصبر). رج 5: 3. ويرد فعل «انتظر» للمرّة الثالثة في ثلاث آيات (آ 19، 23، 25). انه انتظار ملحّ، وهو يحتاج إلى الصبر. لا تتميّز النظرةُ المسيحيّة بخيبة الماضي، بل بالرجاء المقبل. لهذا فنحن نئن (آ 23، رج صراخ 7: 24) بعد أن طال الانتظار، ولا نئنّ من اليأس. إن الصبر الذي يتجذّر في الروح العامل الآن، يقدّم خاتمة هذا المقطع مع طابعه الجلياني، الذي يجعلنا في سرّ الله.

3- خلاصة لاهوتيّة
وسّع بولس نظرة الخلاص إلى أبعد من اسرائيل. فوصل إلى المؤمنين من الأمم. بل وصل إلى الخليقة كلها. وميراثُ شعب الله المفتدى ليس فقط أرض الوعد، بل العالم كله. وهكذا يبرز بقوّة موضوعُ آدم. ما يتطلّع إليه الله الآن، تطلّع إليه منذ البدء مع ابراهيم، وهو عكس سقوط آدم ونتائج هذا السقوط. وتحليلُ الوضع البشريّ الذي بدأ في ف 1 (مع آدم)، وصل إلى الذروة مع عودة أبناء الله إلى مجد الله المهيّأ للانسان منذ البدء، وعودة الكون. لا يتعارض الخلقُ والخلاصُ، والفداء ليس تخلّصاً من الخلق (كما في الغنوصيّة)، بل هو يكمّل مخطّط الله الأصليّ في خليقته.
تبدأ آ 18 مع قول يقين، وهو أن الألم الحاضر لا يمكن أن يوازي المجد المقبل الذي ننعم به. ورجاء المجد لا يُعزل عن المجد الحاضر. والألم الحاضر لا يدمّر رجاء المجد ولا يعارضه. بل إن الألم هو جزء من مسيرة تشارك المسيح في موته، وعلامة دمار الدهر الحاضر الذي يسبق ويرافق ظهور الجديد. هناك تداخل بين حقبة وحقبة. والمؤمنون يمكن أن يثقوا باقتراب النهاية، لأن عمل التحرّر الاسكاتولوجيّ والتجديد قد بدأ. وكشفُ المجد الاسكاتولوجيّ، أقلّه جزئياً، يُرى في ما عُمل في المؤمنين. هذا التأكيد نجده في ما حصل الآن، وفي صرخة أبَّا، وفي ما لم يحصل بعد بسبب ألم الجسد الذي يكوّن الانشدادَ الاسكاتولوجيّ.
وتمد آ 19 هذه الفكرة إلى الخليقة. إن نظرة بولس إلى مخطّط الله الخلاصيّ، تقوده أبعد من فداء شخصيّ أو بشريّ. هو يتطلّع إلى الخليقة ككلّ، وإلى تتمة قصد الله حين خلق الكون. ومع نظرة ثنائيّة إلى الجسد والروح، هناك نظرة إلى المادة والروح، والخليقة والسماء. فالخليقة مدعوة إلى المجد الاسكاتولوجيّ الذي ينظر إليه هو وقرّاؤه. هنا يظهر الإيمانُ بالله الخالق، فنعود إلى خبر الخلق، مع علاقة الخليقة بالانسان الذي هو إكليلها ووكيلها. واكتشاف دور الخليقة يرتبط بعودة الانسان إلى مجده كصورة الله.
والسبب الذي لأجله تنتظر الخليقة وتئنّ (آ 20) متطلّعة إلى الفداء، هو أن الخليقة سقطت بسقوط الانسان. خضعت الخليقةُ للباطل، شأنها شأن الانسان. صوّر بولس الخليقة التي أكرِهت على هذا الخضوع، فبدت وكأنها شخص حيّ يودّ أن يقف في وجه الانسان ولكنه لا يقدر. فبقي لها الرجاء. كما أن آلام المؤمنين صارت أساس الرجاء (يكوّن الطبع ويجدّد الانسان الداخليّ، 5: 3- 4؛ 2 كور 4: 16)، هكذا ما انتظرت الخليقة أن يحصل لها ما حصل. منذ البداية، الخضوع للباطل سيُتم قصد الله الأصليّ من أجل الانسان والكون الذي يقيم فيه. فالخليقة في باطلها تبقى لله.
والنهاية التي تطلّع إليها الله (آ 21) في خليقته، هي تحرّرٌ اسكاتولوجيّ، تحرّر من عبوديّة الفساد. عاد بولس عمداً إلى موضوع التحرّر والعبوديّة ليربط فكرته بما في 2: 15. عبوديّة الشريعة كما استعملتها الخطيئة، قد تحرّروا منها، تحرّروا من فهْمٍ ضيّق للشريعة. تحرّروا من الحرف الذي تستعمله الخطيئة لفائدتها. وابتهجوا منذ الآن بهذه الحريّة. ولكن هناك أيضاً عبوديّة الفساد، وعدم التفلّت من نظام خليقة تسوده الخطيئة. والمؤمنون أنفسهم ما زالوا جزءاً من الخليقة، ولم يتحرّروا بعد من هذه العبوديّة. ووثق بولس أن الذين هم للمسيح يدخلون في ملء الحريّة، حرية أبناء الله التي أرادها الله دوماً للانسان حين خلقه. ووثق أيضاً أن الخليقة ستشارك في هذه الحريّة. كما أن الانسان الذي سقط في الباطل يطلب عالماً يتجاوز الفساد والانحلال، هكذا الانسان المحرَّر من الخطيئة والجسد يطلب وضع اللافساد من أجل تجسّده كقائم من الموت (1 كور 15: 42- 50).
أراد بولس أن يربح قرّاءه إلى نظرته (آ 22)، فدعاهم إلى ما تعرفه الكنائس، وشبّه انتظار الخليقة بانتظار أم تلد أولادها. هي تتألّم. والآن، مضى زمنُ الانين وصارت نجاةُ الخليقة الجديدة قريبة. أجل، رجاء النجاة هو قريب.
في آ 23 وضُح أن أوجاع الخلق جزء من الانشداد الاسكاتولوجيّ الذي اختبره المؤمنون. فآلام القديسين هي جزء من دراما كونيّة تخصّ الخليقة كلها، الحيّة والجامدة. وهكذا يكون تعاطفٌ بين المسيحيّين المتألّمين والقوى الخفيّة في الطبيعة. لا تكرار الظواهر عينها، بل حركة التاريخ حتّى النهاية. بدأ قصد الله مع آدم، ووصل إلى ابراهيم وإلى اسرائيل، وتوسّع مع يسوع المسيح ليصل إلى الأمم. وما حاول بولس أن يمجّد رسالته التي هي جزء صغير في مخطّط كونيّ، منذ بداية الزمن.
وقدّم بولس نظرة واضحة إلى مسيرة الخلاص التي رآها عاملة في خبرة المؤمنين. فالزمنان الحاسمان هما قبول الروح وافتداء الجسد مع حقبة تتميّز بالانشداد الاسكاتولوجيّ. ما حصل وما لم يحصل بعد. هي العلاقة مع الله التي تكوّنت وما نضجت بعدُ.
الزمن الحاسم الأول الذي يُدخل الأفراد في مخطّط فداء الكون، هو عطيّة الروح، قوّة الروح الفاعلة التي تصل إلى الانسان فيستقبلها كقوّة توجّه حياته. هنا يتحدّث بولس عن المسيحيّ «الذي يمتلك الروح» (آ 9). ويوسّع التحديد: «الذي يمتلك باكورة الروح». هو يصوّر عطيّة الروح، أو عمل الروح في حياة المؤمن، كبداية مسيرة واسعة يصوّرها باستعارة الحصاد أو القطاف. الحصاد بدأ وهو سينتهي. أما الوقت بين زمن وزمن (الروح والقيامة) فهو زمن الأنين. فحياة الروح لم تكمّل ملء تعبيرها. في حاضر المؤمنين، بدأ أنينُ الخلاص للبشر وللخليقة، ولكنه لم يكتمل.
والزمن الحاسم الثاني في مسيرة الخلاص الفرديّ (والجسديّ) هو «افتداء الجسد» أو قيامة الجسد (آ 11؛ 2 كور 5: 1- 5). هذا يعني طبيعة «الجسد الروحي» (1 كور 15: 44- 46). جسد يحرّكه الروح. الوعد هو أن باكورة الروح في توجيه الانسان (المرتبط برغباته البشريّة) ستتمّ في «تجسيد» جديد يحرّكه الروح. وإذ استعمل بولس كلمة «فداء»، أفهم قرّاءه أن الفداء لم يتمّ بعد مع عطيّة الروح، ولا يمكن أن يكون كاملاً بدون هذا الجسد وداخل الشكل الحاضر للخليقة. وإذ تحدّث عن التبنّي، بيّن أن البنوّة التي ننعم بها الآن ليست تامّة. حين يشارك المؤمنون المسيح في بنوّته، يشاركونه في بنوّته بحسب الجسد، وفي بنوّته بحسب الروح بالقيامة من بين الأموات. وينطبع ما بين الاثنين بالألم «معه» (8: 17).
مسيرةُ الخلاص هذه (آ 24- 25) تعني أن الإيمان المسيحيّ يتميّز بالرجاء. خاف الرسول أن تُبرز الجماعةُ الرومانيّة (مثل أهل كورنتوس) وجهة الخلاص الذي تمّ، فتبتهج بخبرة الروح الذي أعطي لها منذ الآن. لا يتوقّف بولس عند هذا التهرّب من العالم الواقعيّ. فالتزام المؤمن، جسدياً، بالخليقة في شكلها الحاضر، هو جزء من مسيرة الخلاص، ومن خبرة المؤمنين لخلاصٍ يختبرونه في الرجاء.
إذا كنا نرجو شيئاً، هذا يعني أننا لان نراه، لا نمتلكه. ونحن نمارس الرجاء بما يقف أقامنا، بما هو غير منظور وآتٍ. لا يريد بولس من المسيحيّين أن يبتلعهم الحاضرُ مهما كانت مسؤولياتهم. ولكنه يذكّرهم بطابع هذا الرجاء. «نحن خُلّصنا». فالخلاص هو أمر أكيد للذين لهم الروح ويقودهم الروح. والرجاء المسيحيّ رجاء واثق، لأنه مؤسّس على خبرة الروح الذي أعطي الآن، ولأن قيامة المسيح تبدو كباكورة، فتؤكد مشاركة الآخرين في قيامة الأجساد. هذان العاملان كافيان لمساندة رجاء المؤمنين وتأهيلهم ليقاسوا الصعوبات في الجسد، بصبرٍ يصل بتبنّيهم إلى النضوج.

الخاتمة
في بداية ف 8، طرح بولس سؤالاً: كيف التصرّف في الحياة وبالنسبة إلى الطاعة لله؟ هل أكون الانسان الجسديّ، اللحميّ، أم الانسان الروحيّ؟ كيف أخدم الله خدمة يدعوني إليها الروح؟ وأعلن الرسول، وإن كان بعض الشكّ في قلب الانسان: نحن تبرّرنا، صرنا في المسيح أحراراً، وقد أحبّنا الله وحسبنا أبناءه. والروح الذي فينا، ساعدنا كيف نصلّي إلى الله. كل هذا يستبق المجد الموعود من أجل الآخرة، في قلب واقع يميّزه الألم. ويُطرح السؤال من جديد: ما هي العلاقة بين هذا الحاضر وهذا المستقبل؟ والجواب: أعطي المجد الموعود به منذ الآن: للخليقة، للانسان، للروح القدس. فالخليقة خضعت للباطل، وهي ترجو تجلّي مجد أبناء الله والتحرير من عبوديّة الفساد. أما الآن فتخضع لآلام الولادة. والانسان يئنّ، ولكن فيه عربون الروح. هو لا ينتظر واقعاً خارجياً، شأنه شأن الخليقة. فهذا الواقع هو فيه، وإن كان بعدُ في الجسد، لأن له باكورة الروح. كل هذا يجعلنا منذ الآن في مخطّط الخلاص الذي دشّنه يسوعُ المسيح.
الفصل السادس والعشرون
مخطّط الخلاص
8: 26- 30

الخليقة تئنّ من مثل أوجاع الولادة. والمؤمنون يئنّون منتظرين التبنّي وافتداء الأجساد. والآن الروح يئنّ فيجعلنا نصرخ إلى الله: أبّا، أيها الآب. ذاك المجد الآتي الذي نتطلّع إليه جميعنا، قد بدأ بفعل الروح العامل في الكون. فالله بدأ يعمل فينا، يعمل معنا من أجل خيرنا. أما المثال فهو يسوع المسيح صورة الآب التامّة. هذه الصورة تنطبع لدى جميع الذين يشاركونه في بنوّته، في تحوّل داخلي ومتواصليّ، الذي لن يكون كاملاً قبل المجيء الثاني. كان الانسان صورة الله في الخلق الأول فسقط. فجاء المسيح، بخلق جديد، يعيد إلى البشريّة الساقطة هذه الصورة التي شوّهتها الخطيئة. وإذ يطبع يسوع فينا صورته، يعيدنا إلى الانسان الجديد، كما يعيد لنا الحقّ بأن نشارك في مجدٍ يمتلكه هو، إلى أن تنطبع فينا صورةُ الانسان السماويّ. من أجل هذا، هيّأ الله كلّ شيء لمجد الذين هيّأهم فاختارهم، ودعاهم فبرّرهم في المعموديّة، فلبسوا المسيح لكي يكونوا على صورةِ صورته الكاملة.

1- تحليل النصّ الكتابيّ (8: 26- 30)
في الفصل السابق توقّفنا عند دراسة النصّ وبنيته (آ 18- 30). وها نحن ندخل في تحليل ما قال بولس الرسول عن مخطّط الخلاص. الروح يُعين ضعفَنا (آ 26- 27). الله يعمل مع الذين يحبّونه (آ 28- 30). دعانا الله واختارنا لنكون إخوة ذاك الذي هو بكرنا، الابن الوحيد الذي هو الصورة الكاملة للآب.
أ- الروح يعين ضعفنا (آ 26- 27)
«ويجيء الروح» (آ 26). يبدأ النص: وبالطريقة عينها أيضاً. رج مر 14: 31؛ لو 20: 31؛ 1 تم 5: 25. تعود الآية إلى آ 23 مع لفظ «الروح» (بنفما). إن الأنين هو جزء من تعبير عن حضور الروح (سمة أساسيّة في الانشداد الاسكاتولوجيّ). الفعل «ساعد» أنجدَ، يعني في العالم القديم: حمل معه، ساعده، مدّ له يده، جاء لعونه (نلاحظ «سين»، مع). رج خر 18: 22؛ عد 11: 17 (السبعون شيخاً الذين يساعدون موسى)؛ لو 10: 40. هي مشاركة في مسؤوليّة، في واجب. وصورة الروح الذي يحمل ثقلاً يجعله ضعفُنا علينا. رج مز 89: 21. الروح يُعيننا لا في التجربة وحسب، ولا في ضعفنا في الصلاة فقط، بل في وضعنا البشريّ كله (فساد الجسد) الذي يشكّل المؤمن جزءاً منه والذي يعبّر عنه بعدم إمكانيّة الصلاة.
«فنحن لا نعرف». هم ينتمون إلى حقبتين، ولا يعرفون ما هي إرادة الله لهم ولمجتمعهم. ليس الكلام عن الصلاة كصلاة. بل عن الصلاة التي تُفهمنا ارتباطَنا كخليقة بالخالق. «كما يجب». نعبّر عن إرادة الله. رج 2 مك 6: 20؛ 2 تم 2: 6، 24. فالله له مقصد في خلقه، والصلاة تحاول أن تكتشف هذا المقصد، كما يجب، أي بحَسب الله (آ 27). «ولكن الروح». الروح القدس، روح الله. لا يُلغي الروح عدم أهليّة المؤمن ليحافظ على الحوار بين الله والانسان. بل هو يعمل في ضعفنا وبواسطة ضعفنا. الكلام عن الروح كالمتشفّع موضوعٌ مسيحيّ. أما اليهود فعرفوا الملاك المتشفّع. رج أي 33: 23- 26؛ طو 12: 15؛ 1 أخن 9: 3؛ 15: 2؛ 99: 3؛ 104: 1؛ وص لاوي 3: 5؛ 5: 6- 7؛ وص دان 6: 2. هي قوّة الله تساند المؤمنين في عمق ضعفهم. «بأنّات». ستانغموس: أنّ، تأوّه. ألاليتوس: لا تقدر أن تتكلّم. تقابل «لاليتوس» يتكلّم. أي 38: 14. هي أنّات لا نعبّر عنها بالكلام. فيبقى على الروح أن يقول فينا ما لا نستطيع نحن أن نقوله.
«والذي يُرى» (آ 27). العالمُ اليهوديّ يصوّر الله كذلك الذي يعرف قلوب الناس. رج 1 صم 16: 7؛ 1 مل 8: 39؛ مز 44: 21؛ 139: 1- 2، 23؛ أم 15: 11. الذي يمتحن القلوب. رج مز 17: 3؛ 26: 2؛ إر 11: 20؛ 12: 3؛ 17: 10. «إراوناوو» بحث. هو قريب من «دوكيمازو» (رؤ 2: 23) فحص. «يعرف». رج آ 6 (معرفة روح الحياة). يُصوّر الروحُ عادة على أنه يبحث عن حضور الله (مز 139؛ حك 1: 7) أو معرفة الله (1 كور 2: 10- 11). هنا يختفي الروح في قلب الخليقة الضعيفة فيعرفه الله وحده. لأنه يتشفّع (سببيّة). أو: هو يتشفّع (تفسيريّة). الله نفسه يعبَّر عنه كقاعدة لما هو خير لشعبه. أو إرادة الله هي التعبير عن الله. هو الله حين يعمل. «القديسين». رج 1: 7.
ب- الله يعمل مع الذين يحبّونه (آ 28- 30)
«ونحن نعلم» (آ 28). رج 2: 2. هي معرفة الإيمان. نحن هنا في الارث اليهوديّ. هي خبرة شخصيّة، خبرة شعب الله. «أغاباوو» (أحبّ). يرد هنا للمرة الأولى في روم (رج 5: 8،5 ). الذين يحبون الله: اليهود الأتقياء. الذين يحفظون وصايا الله. خر 20: 6؛ تث 5: 10؛ 6: 5؛ 7: 9؛ يش 22: 5؛ وثص 19: 2؛ مد 16: 13. ونجد رباطاً بين العنصرين في سي 2: 15- 16؛ مز سل 14: 1- 2؛ وص يساكر 5: 1- 2؛ ق 1 يو 5: 2. فالله يريد جواباً حراً. والحبّ المكرَه ليس بحبّ. هؤلاء يعمل الله معهم. «سينارغايو». يشاركهم. إن اليهوديّ التقيّ يرجو أن يكون كلُّ شيء لخيره (تك 50: 20؛ جا 8: 12؛ سي 39: 27). نُسب إلى رابي عقيبة قول: «ليعتد الانسان أن يقول: كل ما يفعله القدير يفعله للخير». ولكننا مع بولس لا نتوقّف على مستوى الأرض، لأن الخير (أغاتوس) يعود بنا إلى زمن النهاية (14: 16).
«أولئك الذين دعاهم». «بروتاسيس»: قصد الله. رج 9: 11؛ أف 1: 11؛ 3: 11؛ 2 تم1 : 9؛ فيلون، موسى 2: 61. يقابل هذا اللفظ في العالم اليهودي «ع ص ه» (بولي في اليونانيّة). الله يحرّك التاريخ من أجل هدف هيّأه. رج مز 33: 11؛ أم 19: 21؛ اش 51: 9؛ حك 6: 4؛ 9: 13، 17؛ نخ 1: 8، 10، 13؛ مد 6: 10- 11. «كليتوي». المدعوون. يقابل «هاغيوي»، القديسين (آ 27). رج 1: 7. هنا نقابل بين 8: 28 (مدعوون حسب قصد) و9: 11 (حسب اختيار القصد). فقصدُ الله ودعوة الله وجهان لصورة واحدة. هذا ما يُقال عن المؤمنين (أمم ويهود): ميراثُ اسرائيل فُتح أمام الجميع، وهذا ما جعل اختيار الله على المحك بالنسبة إلى اليهود. وهذا ما يقودنا إلى ف 9. دُعوا في الماضي ويُدعون اليوم، وفُتح أمامهم الميراثُ ويُفتح اليوم.
«فالذين سبق فاختارهم» (آ 29). الله يعرف خاصته قبل أن يكونوا. «بروغينوسكو». عرف مسبقاً. عرف قبل الحدث (أع 26: 5؛ 2 بط 3: 17). ثم إن المعرفة في العبريّة تدلّ على علاقة وخبرة مشتركة (1: 21). رج تك 18: 19؛ إر 1: 5؛ هو 13: 5؛ عا 3: 2؛ مد 9: 29- 30. وهذا واضح عند بولس. رج 1 كور 8: 3؛ 13: 12؛ غل 4: 9؛ 2 تم 2: 19. «بروأوراوو». رأى مسبقاً، عيّن. رج «بروتاسيس» (القصد). الذين عرفهم الله أنهم خاصته كانوا في يده منذ البدء. ذاك كان الفكر المسيحيّ الأول. 11: 2؛ 1 بط 1: 2، 20؛ أع 2: 23 (علاقة بين عرف مسبقاً وعيّن مسبقاً). وهكذا ضمّ بولس الزمن والتاريخ من البداية إلى النهاية، في آ 29- 30. إن المؤمنين يتأكّدون أن حصّتهم في شعب الله ليست عرضيّة ولا بنت الصدفة. هي جزء من مخطّط الله العامل من البدء. كل هذا بُني على الفكر اليهوديّ (إر 1: 5؛ وص موسى 1: 14) وعبر اللاهوت المسيحيّ (أع 4: 28؛ 1 كور 2: 7؛ أف 1: 5، 11).
«على مثال صورة ابنه». في هذه المسيرة، يستعمل بولسُ ما استعمل من كلام في فل 3: 21 (الفعل مع «سين» مع) ثم «ايكون» (صورة) في 1 كور 15: 49 فعاد إلى قيامة الجسد. «ليكونوا على مثال». رج 2 كور 3: 18. هناك الأداة «مع» (سين) ثم «مورفي» (صورة). هنا نصل إلى النتيجة النهائيّة للمسيرة (تشابه لموت المسيح، تحوّل كامل إلى صورته). ونجد عودة إلى المعموديّة أيضاً: صار المؤمن مثل المسيح في الموت والقيامة. الانسان هو على صورة الله. رج تك 1: 26- 27 (آدم). رج سي 17: 3؛ حك 2: 23؛ وص نفتالي 2: 5؛ رؤ موسى 10: 3؛ 12: 1؛ 33: 5؛ 4 عز 8: 44. هو عملُ تحوّل يتمّ في الانسان. المسيح هو صورة الله والنموذج الكامل. هذا ما كان على آدم أن يكونه. الكلام هو عن يسوع الممجّد، لا عن يسوع كما كان على الأرض. ففي نهاية مخطّط الله في الخلق، هي القيامة لا التجسّد. رج 1 كور 15: 49؛ 2 كور 3: 18؛ 4: 4، 6.
«حتّى يكون بكر». بروتوتوكوس. رج كو 1: 18؛ رؤ 1: 5 (بكر المائتين). قيامة يسوع هي نموذج البشريّة الجديدة في الدهر الأخير. والمسيح هو بكر النسل الجديد للشعب الاسكاتولوجيّ، الذي فيه يتمّ مثالُ الله منذ بداية الخلق. رج عب 4: 6- 10 حيث يكمّل يسوع ما قصده الله لآدم (أن يكلّل بالمجد)، عبر ألم الموت ليحمل الأبناء (كما عبر الألم والموت) إلى المجد. وهكذا كمل عبر الألم.
«وهؤلاء الذين سبق» (آ 30). نعود إلى «برو» سبق، كما في آ 29. «دعاهم». رج «كليتوس» المدعوّين في آ 28. لسنا أمام دعوة يمكن أن نرذلها. فالله لا يجعل مخطّطه عرضة للظروف، بل يريده ناجعاً. وينظر بولس إلى المسيرة في نتيجتها الناجحة. فالذي افتُدي يعلن بفرح أن مجيئه إلى الإيمان هو كلّه عمل الله. رج 1: 1؛ 4: 17؛ 1 كور 1: 9؛ 7: 17- 24؛ غل 1: 6، 15؛ 5: 8. «والذين دعاهم». ديكايووو (برّر). رج 1: 17؛ 2: 13. بعد أن دعا، ها هو يكمّل عمل الاهتداء، عمل الخلاص. «والذين برّرهم». دوكسازو» مجّد. أشركهم في مجد الله كالهدف الأخير في مخطّط الله في الخلق والفداء. لم يُستعمل فعل «مجّد» بعد 1: 21. هذا ما يجعلنا في بداية مسيرة الخلاص وفي نهايتها. ما أراد الانسان أن يمجّد الله في البدء، فمجّد اللهُ الانسانَ في النهاية. المجد هو ما هيّأه الله للانسان (مز 8: 5؛ عب 2: 8- 10). وصيغة الماضي الناقص تدلّ على أن هذا التمجيد تمّ في المعموديّة. وإذا كانت مسيرة التمجيد هي كلها أمام عيوننا (2 كور 3: 18)، فهذا يعني نظرة إلى النهاية والتتمّة (تتمّة الخلاص). وهكذا ننطلق من النهاية، فنرى مقصد الله الخالق الذي يكمّل ما سبق ونظر إليه حين خلق الكون.

2- خلاصة لاهوتيّة
إذا كان بولس (آ 26) لم يركّز على الحاضر (آ 22- 23) ولا على المستقبل (آ 24- 25)، فلكي لا يُبعد قرّاءه عن واقع بين اثنين: بين باكورة قيامة المسيح وتحرير الكون كله، وبين باكورة الروح وافتداء الجسد. فالروح كخبرة (وتأكيد) لقبول أبوّة الله (آ 15- 6) وحبّه المفاض في القلوب، يهب الثقة بالنظر إلى المستقبل، ويُسندنا في الضعف الحاضر. فالرجاء والضعف لا يتعارضان في نظر بولس (الرجاء ليس شيئاً نظرياً ولا عقلياً في مواجهة واقع الخطيئة بقوّتها على الضعف المستمرّ للجسد)، بل يرتبطان في خبرة واحدة بالنسبة إلى المؤمن. وهي خبرة الروح، خبرة العون والمساندة في الضعف. حيث لبثت الشريعة ضعيفة في هذا الوضع (آ 3)، لأن القوّة واجهت الأفراد في هذا الضعف عينه، ضعُفَ الجسد، فكان الروح قوّة جاءت لعون الفرد في هذا الضعف. وما كان شفيعاً بعيداً، آتياً من السماء (مثل الملائكة مثلاً في العالم اليهوديّ)، صار عوناً حاضراً في داخلنا. ثم إن الروح لا يغلب ضعف الجسد ويمضي. فالمؤمن كمؤمن يمتلك الروح. والروح يبقى في الجسد وبالتالي في الضعف. والخلاص يعمل في الحاضر عبر الضعف البشريّ، وقوّة الله ناجعةٌ حيث لا قوّة للانسان (2 كور 12: 9- 10).
هذا التأهيل الالهيّ يعبّر عن نفسه في الصلاة. صلاة لا تلهم طلباً يسبق ارادة الله. لا تعطي بلاغة تشبه بلاغة الشعراء. بل «أنّة» انسان لا يعرف ماذا يقول، ولا يقدر أن يعبّر عن حاجته قدّام الله إلاّ في انشداد اسكاتولوجيّ. هو يتطلّع إلى النهاية وافتداء الجسد. صلاة المؤمن تعبّر عن ارتباط الخليقة بالخالق. هي صلاة إكرام وشكر واعتراف وعبادة (1: 21، 25، 28)، دخول في إرادة الله الذي يعرف ماذا يريد الانسان. ولكن حاضر المؤمن لم يتمّ إصلاحه بحيث لا يعرف كيف يصلّي وماذا يقول في صلاته. هو يكتفي بأنات لا توصف، لا تعرف أن تتكلّم، فيعبِّر عن ارتباطه بالله. من أجل هذا يأتي الروح لعوننا.
وهذه الثقة (آ 27) التي يمنحها الله عبر الظواهر والكلمات، توضح ما لم نستطع أن نوضحه. أي الاتجاه الأساسيّ نحو الله والمتعلّق به. ما هو للروح يتعارض مع ما هو للجسد، ولكنه لا ينفصل عن الجسد، بل يعبّر عن نفسه في ضعف الجسد. وما هو للروح يجد سنداً له في انشداد اسكاتولوجيّ لجسد ما زال أسير الخطيئة وخاضعاً للموت. ويؤكّد بولس أن ما هو للروح ليس الموقف البشريّ التام، ولكنه موقف تؤهّله نعمةُ الله وتُسنده قدرة الله في قلب ضعفه وارتباطه بالخالق. هذا لا يعني أن الضعف البشري هو علامة نعمة الله، بل الضعف البشريّ الذي نقرّ به هو الموضع الذي تسيطر فيه الخطيئة. إلاّ أن الاقرار بارتباطنا بالله، هو الذي يشكّل الصلاة الحقّة. عندئذ يعمل الله فينا بإرادته.
يتذكّر قرّاء بولس (آ 28) تواصُلَ فكره منذ الآيات السابقة التي فيها دخلت آلامُ الخليقة مخاضَها، وهو يقدّم لهم خبرة بشر (مؤمنين). هي ليست خبرة يأس، لأن الله هو أيضاً إله الخلق. ومخطّطه أن يواصل هذا الخلق عبر الخليقة. لهذا يقدر شعبه أن يثق بأن مكانه في مخطّط الله يتناسق مع تاريخ الخلق. فالذين أحبّوا الله هم الذين عرفوا أنهم خليقة، ووثقوا بالله الذي هو خالق وأب. فيصلي المؤمنون ويئّنون، لأنهم لا يقدرون أن يتكلّموا. فلا بدّ أن يأتي الروح لعونهم لكي ينضجوا ويُميتوا أعمال الجسد.
الذين أحبّوا الله هم أيضاً «القديسون» (آ 27) و«المدعوّون». كتب بولس هذا، فعاد إلى بداية الرسالة (1: 7)، وتوخّى أن يبيّن أن من ينتمي إلى المسيح يعيش في تواصل مع الشعب الأول. هي محبّة الله وعمل الله. ويميّز لا اليهود عن الأمم، ولا الكاهن عن الشعب، ولكن الذين امتلكوا الروح عن الذين ما زالوا يعيشون في الجسد، سواء كانوا يهوداً أم أمماً. هذا يعني أن مبادرة الله لم تكن قراراً مفاجئاً وبنت الساعة. ودعوته للأمم لم يسبّبها رذلُ اسرائيل. فمخطّط الله حاضرٌ منذ البدء. فالله هو خالق وهو مخلّص. ومشروعه جاء قبل ابراهيم.
بعد أن كشف بولس التعارض الذي يواجهه المؤمنون (آ 29- 30)، عاد إلى البرّ: ماذا يعني هذا في واقع الوجود اليوميّ؟ بدأ فأكّد أن الله فوق الجميع ويحيط بالجميع، وهدفه أن يصل بالخليقة إلى الملء الذي هيّأه لها دون تراجع. والهدف الذي جعله لشعبه في منتصف الزمن، هو أن يأتي بالخليقة كلها إلى ملء العلاقة معه: هي تخصّه، وهو يسندها، ويعطيها أن تشارك في مجده. ترك بولس كل «إذا» وكل «بل» في ف 6- 8، وأكّد على تتمّة مخطّط الله في الخلق والخلاص.
وهدف الخالق والمخلّص يعبَّر عنه بخلق أول يُنقل إلى شكل اسكاتولوجيّ. هو تحوّل الانسان المؤمن إلى صورة الله التي خسرها الانسان العاصي. وهو مشاركة في مجده مع انسان خلقه وما دخل بعدُ دخولاً كاملاً إلى هذا المجد (3: 23). وهذا صار ممكناً، لأنه في انسان واحد، يسوع المسيح، كان التعبير الكامل عن صورة الله، لا ليسوع فقط، بل كعلاقة يشارك فيها مع الآخرين. هنا عاد بولس إلى آ 15- 17 حيث قال بأن هدف الله تمّ فقط في المسيح وعبر المسيح. لهذا كانت لغة المشاركة في البنوّة (بكر اخوة كثيرين) صدى لما قيل في بداية الرسالة: المسيح هو آدم الاسكاتولوجيّ، آدم نهاية الزمن، المسيح القائم، الذي في قيامته كلِّل بالمجد والكرامة، وأعطي السلطان على كل شيء (هذا كان في الأصل لآدم، مز 8: 4- 6). بهذه القدرة (وهذا الامتياز) يشارك بها اخوتَه لأنه البكر. والخلاص الذي يقدّمه، هو مسيرة لنكون على مثال هذه الصورة، صورة آدم الاسكاتولوجيّ، عبر الألم معه ومشاركته في موته حتى الموت الأخير لجسد الخطيئة. ونحن متأكّدون أننا نشاركه منذ الآن، في ملء القيامة والحياة: ؛كما أن آدم بعصيانه جاء بالكثيرين إلى الموت، كذلك المسيح جاء بالكثيرين إلى الحياة. ولكن الآن مع سيادة الخطيئة والموت واستغلالهما للشريعة عبر ضعف الجسد، بدت الخاتمةُ الأولى قاتمة (5: 20- 21). ولكن الظلام سيُطرد، فينتصر مخطّطُ الله. لهذا انتقل الرسول من تحليل مظلم لفشل آدم الذي سبَّب الدمار، إلى نجاح آدم الثاني الذي يمنح الحياة.

الخاتمة
ماذا نلنا في باكورة الروح؟ التبنّي الذي يجعلنا أبناء الله، وخلاص الجسد. وهذه الباكورة هي واقع حاضر وإن كان بعدُ في بدايته. نحن خلصنا، هذا ما لا شكّ فيه. ولكننا خلصنا في الرجاء. وهذا الرجاء أبعد من اندفاع يوجّهنا نحو المستقبل. إنه قبول أخذناه بملء حرّيتنا، وهو يدوم لأنه متين. وما الذي أعطاه هذه المتانة؟ الروح الذي فينا. ونحن لا نُعطى فقط، في هذا الخطّ، كسرة من الآخرة. فالروح هو حقاً فينا. ولكن ما كان أنيناً بالنسبة إلى الخليقة، صار صلاة موجّهة إلى الله. وهذه الصلاة التي هي صلاة الروح، هي حقاً حسب الله: إنها تتلاقى مع إرادة الله الذي يرغب في أن يؤول كلُّ شيء لخير الذين يحبّونه.
الفصل السابع والعشرون
محبّة الله في المسيح يسوع
8: 31- 39

قدّم لنا الرسول في نهاية القسم الثالث استنتاجاً أول حول نظرة جديدة إلى الإيمان في علاقته بالأفراد وبالبشريّة كلها. علاقة بالمؤمن في الحاضر وفي المستقبل. علاقة بالبشرية مع قصد برّ الله الذي نقلَنا من آدم الأول إلى آدم الثاني. وها هو القسم الرابع يقدّم لنا استنتاجاً آخر، هو انتصار الله. أمانته هي سند إيماننا. لهذا أطلق بولس نشيداً لمحبّة الله التي عملت وما زالت تعمل. التي بدأت مع الشعب الأول وواصلت مع الشعب الثاني. لهذا لا يمكن المؤمن إلاّ أن يعيش في الرجاء، فينال قوّة تجعله لا يخاف من قوى الأرض ولا من قوى السماء، من الموت ولا من الحياة، من هذا الدهر ولا من الآتي. إذا كان الله هو الذي برّرنا، فمن يجسر أن يحكم علينا؟ إذا كان الله أعطانا ابنه، فماذا لا يعطينا بعد؟ يبقى علينا أن نشارك المسيح في آلامه لنشاركه في مجده، وهكذا لن يعود شيء يفصلنا عن محبّته.

1- دراسة النصّ وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 33، يمكن أن تكون الآية كلّها في شكل سؤال. أو نقول: من يتّهم...؟ الله هو الذي...
في آ 34، نقرأ: والمسيح يسوع. في عدد من المخطوطات لا نقرأ لفظ «يسوع». لهذا تلغيه بعض الترجمات. في عدد من الشهود، منها السينائي، يضاف: «من بين الأموات» بحيث تصير الجملة: «أقيم من بين الأموات»، لا أقيم، أو قام فقط.
في آ 35، نقرأ: محبة المسيح. السينائي يقرأ: محبّة الله. والفاتيكاني: محبة الله في المسيح يسوع (رج آ 38). أما الكلام عن الله فيشدّد على الاله الواحد.
في آ 37، نقرأ «ديا» (بواسطة) مع المجرور. البازي و10. و11. يجعلون المفعول: بسبب. عند ذاك يضيّقون النظرة، ويتوقّفون عند حدث من الماضي هو موت المسيح، ولا يحافظون على معنى التواصل والكلام عن فيض الحبّ.
في آ 38، تضيف بعض التقاليد «إكسوسياي» (السلطات) بعد «الملائكة». بعض التقاليد نقلت «القوّات» (دينامايس) التي تقع في آخر الآية قبل «ولا» لتربطها مع الرؤساء (ارخاي، الرؤساء).
ب- بنية النصّ
وجد القسمُ الأخير من ف 6- 8 ذروتَه في كلام عن تأكيد واثق (آ 26- 30)، فوصل إلى مديح يعلن ما صنعه الله في المسيح وعبر المسيح. فثبّت رباطَ المحبّة الذي لا يمكن أن يُحلّ، في هذا النصر. نشيد الثقة بالخلاص هو قلب الرسالة كلها. كانت البنية إيقاعيّة، فدلّت على شعور عميق، لا على أسلوب مصطنع (كما قال البعض). وهذا الاحساس بالعظمة، ينتقل في القراءة مع سؤال وجواب. التقسيم الطبيعيّ يمكن أن يكون: آ 31- 32، آ 33- 34، آ 35- 37، آ 38- 39. إن آ 32 هي صياغة آ 31 ب وآ 33- 34 صياغة آ 31 ج. وقال آخرون: تشكّل آ 31 ب- 32 القول الأساسيّ. آ 33- 37 هي الجدال. آ 38- 39 هي الخلاصة.
هناك جدال حول ما وراء هذا النشيد. هناك من قال بوجود نصّ قبل بولس يتضمّن آ 31 ب- 32 أ، آ 33- 35 أ، آ 38- 39. وكان ردّ يقلب آ 31 ب وآ 31 ج، ويعتبر بأن لا أساس لقطع آ 35 ب- 37، مع الشدّة (باريستاسيس). من الممكن أن تكون آ 32 و34 صدى لمواد اعتراف إيماني (رج 8: 32 و8: 34). واعتبر آخرون أن آ 31- 34 جاءت من محيط قبلبولسيّ.
إن ما نقرأه في آ 35 من لائحة، نجده في رسائل بولس. الشدّة (روم 2: 9؛ 2 كور 6: 4؛ 2 تس 1: 4). الجوع (2 كور 11: 27). العري (2 كور 11: 27). الخطر (2 كور 11: 26). السيف. وفي آ 38- 39، الموت (1 كور 3: 22؛ فل 1: 20). الملائكة (1 بط 3: 22). ثم الرؤساء (1 كور 15: 24؛ كو 1: 16؛ 2: 10، 15؛ أف 1: 21؛ 3: 10؛ 6: 12). الحاضر (1 كور 3: 22؛ أف 1: 21). المستقبل (1 كور 3: 22؛ أف 1: 21). القوى (1 كور 15: 24؛ أف 1: 21؛ 1 بط 3: 22). العلو (3: 18). العمق (3: 18)، خليقة (كو 1: 16).
في آ 38- 39، جاءت الألفاظ اثنين اثنين: الحياة والموت، الحاضر والمستقبل، العلو والعمق. ثم الملائكة والرؤساء (رج 1 كور 15: 24؛ رئاسة سلطة. ق أف 1: 21؛ 3: 10؛ 6: 12؛ كو 1: 16؛ 2: 10، 15؛ رج 1 بط 3: 22). ثم ليس من الواضح أن يكون بولس قد عاد إلى عبارات سابقة. هناك عناصر مثل «عروش» (كو 1: 16) و«سلاطين» (أف 1: 21). حين نقابل اللوائح المعروفة (2 كور 6: 4؛ 11: 27. ثم كو 1: 16؛ أف 1: 21)، نرى أن بولس كان حراً في استعمال عناصر وُجدت فيها، وإن ما أخذها كما قرأها.
هذا المقطع (آ 31- 39) هو خاتمة ف 8. عادت آ 31- 32 إلى مبادرة الله في آ 3. والثقة بأنه لا تكون دينونة في آ 34 هي صدى لما في آ 1. «معه» (سين أوتو) في آ 32، تجمع الألفاظ مع «سين» في آ 17. فعلُ «يشفع» في آ 34 يرتبط بما في آ 26- 27. ومناخ النصر التام في آ 35- 39، يُبعد كلَّ شكّ يرتبط بما في آ 17- 2 3. وهناك تذكّر لما في 5: 1- 11. عبر الخطيئة والموت اللذين لم يُذكرا (تتضمّنهما آ 33- 34)، ليس من قبيل الصدف أن اللفظ الأول في اللائحة النهائيّة (آ 38) هو الموت. وهناك تلميحات إلى ما سبق. «أسلم» في آ 32 (1: 24، 26، 28). «برّر» في آ 33 (2: 13 ...). «حكم» في آ 34 (2: 1). «الضيق والاضطهاد» في آ 35 (2: 9). «خليقة» في آ 39 (1: 25). وإن آ 31- 34 تعود إلى النقطة التي وصلنا إليها في بداية ف 3: مدافعة عن أمانة الله لاسرائيل. وهنا دفاع عن أمانة الله لخاصته. كل هذا يعود بنا إلى «من إيمان إلى إيمان»، من إيمان الله إلى أمانة الانسان.
وهناك سمة هامّة في هذا المقطع: طابعه اليهوديّ. نجد تلميحاً إلى اسحق (آ 32، ما بخل بابنه؛ رج اش 53: 6). اختيار الله (آ 33). المسيح (آ 35). استعمال مز 44: 23 (آ 36). إبراز محبّة الله (آ 37، 39). وفوق كل هذا، يتحوّل الموضوع في3 : 1- 8: حبّ الله الأمينُ يعبر ويتجاوز كلَّ شيء. أخذ بولس مواضيع من وعي اسرائيل أنه شعب الله، وطبّقها بدون تحفّظ على الأمم. وهذا ما دفع القارئ لكي يتساءل: ماذا عن شعب الله، عن اليهود؟ وهكذا يهيّئنا هذا المقطعُ للدخول في القسم الخامس من الرسالة إلى أهل رومة.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (8: 31- 39)
نجد في هذا النص ثلاثة مقاطع. في الأول (آ 31- 34) يُطلق بولس صيحة، وهو الذي نال نعمة التبرير، انتصاره التام. إن كان الله معنا فمن يقدر علينا؟ وبمثل هذه القوة التي ينعشها الروح، يهتف: من يفصلنا عن محبّة المسيح؟ والجواب: لا شيء (آ 35- 37). هذا ما يعطينا الثقة التامة (آ 38- 39) بأننا نغلب جميع القوى المعادية على الأرض وفي الجو، بل تحت الأرض. أجل، لا شيء يفصلنا عن محبّة الله في المسيح يسوع ربّنا.
أ- إن كان الله معنا (آ 31- 34)
«بعد هذا كله» (آ 31). ماذا نقدر بعدُ أن نقول (3: 5)، بالنسبة إلى كل هذا. هو سؤال يبدو بشكل خاتمة. «إذا كان الله معنا». نلاحظ البهجة بالنصر. ليس الموت والخطيئة معنا. بل الله. إذا. أي بما أن. «هيبار» من أجلنا (أسلم من أجلنا). رج مر 9: 40؛ 2 كور 13: 8. هذا ما يجعلنا في خطّ المزامير، في إطار البريء الذي يتألّم. يتطلّع بولس هنا إلى الدينونة الأخيرة في نهاية التاريخ. فهي التي ستنتصر، والكلمةُ الأخيرة هي لأمانة الله.
«الله الذي» (آ 32). فهو الذي، أو: ما بخل حتى بابنه. رج 11: 21؛ 2 كور 13: 2. أرسل الله ابنه في النعمة، رداً على الغضب الذي يهدّد الخلائق. أرسله من أجل خيرهم (آ 27، 31، 34؛ 9: 27؛ 10: 1؛ 15: 30؛ 16: 4). وموتُه سيكون ذبيحة (14: 15؛ 1 كور 1: 13؛ 11: 24؛ 15: 3). «جميعاً». أي الأمم واليهود. وهكذا كان بولس أميناً لمنطقه. رج 1: 5، 16؛ 2: 9- 10؛ 3: 4، 9، 20، 22، 23؛ 4: 11، 16؛ 5: 12، 18). «نحن». أي البشريّة الجديدة، اخوة (وأخوات) المسيح القائم من الموت. آدم الاسكاتولوجيّ. هناك من يقابل بين هذه الآية وبين تك 22: 16. قال بولس ابنه «الخاص» (لا الحبيب). أراد أن يبعد أي لبس حول البكر (آ 14- 17، 29)، حيث «الحبيب» (اغابيتوس) تقابل «ي ح ي د» (الوحيد) في العبريّة. فقرّاؤه هم أحبّاء: 1: 7؛ رج 11: 28؛ 12: 19. رج أيضاً مقابلة بعيدة مع 2 صم 21: 1- 14. نشير هنا إلى أن بولس لم يتكلّم عن ذبيحة اسحق في ف 4، لأن همه ليس أن يتحدّث عن أمانة اليهوديّ التقي، بل عن أمانة الله. وهكذا ابتعد عن التوسّع اليهوديّ الذي عرفته ذبيحةُ اسحق في بداية المسيحيّة (كعب 18: 5؛ 32: 2- 4؛ 40: 2).
«كيف لا يهب لنا». كيف بمعنى: بالأولى، بالأحرى (5: 9، 10، 15، 17). معه (سين أوتو). مع هذا الابن الذي وهَبنا، سيهب كل شيء. هي إشارة إلى موت المسيح. وتضامنه في جسد الخطيئة (آ 3) ورفقته لنا في الموت والقيامة (آ 17). «كل شيء». أي ملء الخلاص. وبالأحرى الخليقة كلها. عندئذ نشارك في سيادة المسيح (مز 110: 1 مع تلميح في آ 34: عن يمين الله). الفعل «خاريتوو» (وهب) هو في صيغة المضارع: كمال صنع الله في مقصد الله. وهب الله كلَّ هذا كنعمة (خاريس). هذا ما يميّز انجيل بولس (1: 5؛ 3: 24؛ 4: 4، 16؛ 5: 2). إن سيادة الانسان على الكون هبةٌ من الله، وتمارَس في ارتباط بالله. وهكذا جاء انتصار الله في خلقه رداً على عبوديّة رفض فيها الانسان أن يُقرّ بارتباطه بالله (1: 21- 25).
«فمن يتّهم» (آ 33). إنكاليو. لفظ قانونيّ يعود إلى المحكمة. اتهم، لاحق، اضطهد، اتّخذ إجراءات. رج أم 19: 5؛ حك 12: 12؛ سي 46: 19؛ أع 19: 38؛ 23: 28. هو اتهام في نهاية التاريخ والدينونة الأخيرة (في الفكر اليهودي، إبليس هو الذي يتهم، أي 1- 2؛ زك 3: 1- 2). «مختاري الله». هو عنصر مركزي في فهم اليهود لأنفسهم (1 كور 16: 13؛ مز 89: 3؛ 105: 6؛ اش 42: 1؛ حك 3: 9؛ 4: 15؛ يوب 1: 29؛ 1 أخن 1: 3، 8؛ 5: 7- 8؛ 25: 5). وبولس يريد أن يبيّن التواصل بين الشعب الأول والشعب الثاني كما في مر 13: 20، 22، 27 وز؛ لو 18: 7؛ كو 3: 12؛ تي 1: 1؛ رؤ 17: 4، ويتكرّر هنا اسم الله ليُبرز الفكر بقوة. «برّر». رج 2: 13؛ 8: 30. صيغة الحاضر تدلّ على أن عمل الله يتواصل. برّر وما زال يبرّر. رج اش 50: 8؛ قرُبتْ براءتي. ومن يخاصمني فليتقدّم للقضاء».
«ومن يقدر». (آ34). من هو الذي يحكم. اسم الفاعل. في نظرة اسكاتولوجيّة (الدينونة الأخيرة). بما أن الله هو الديّان، فمن يتجرّأ أن يحكم؟ وقد جاء الجواب في آ 33 ج: الله برّرهم. حين يمنح الله برّ الخلاص، فمن يحكم؟ والمسيح هو من يشارك الله في مهمّته كالديّان. رج 2: 16؛ ق 2 كور 5: 10 مع روم 14: 10. مات. بل بالأحرى قام. هناك تصحيح لما سبق (1 كور 14: 1، 5؛ غل 4: 9). يذكّرنا بولس في كلامه عن المسيح (سوتيريولوجيا) أن موت يسوع وحده لم يكن حاسماً من أجل خلاص خاصته. الموت هو نهاية آدم الأول (آ 3). وهو يفتح الطريق لآدم الجديد في القيامة.
«عن يمين الله». رج مز 110: 1. ورد هذا المزمور مراراً في المسيحيّة الأولى. مر 12: 36 وز؛ 14: 62 وز؛ أع 2: 34- 35؛ عب 1: 13. «يميني». تدلّ على القدرة (خر 15: 6، 12؛ تث 33: 2؛ أي 40: 9؛ مز 17: 7؛ 18: 35؛ مز سل 13: 1؛ يوسيفوس، الحرب 1: 378). والجلوس عن اليمين يدلّ على الكرامة الخاصة (1 مل 2: 19؛ مز 45: 9؛ أع 2: 33؛ 5: 31؛ 7: 55- 46). «يشفع لنا». رج آ 27. كان العالم اليهوديّ يتكلّم عن شفاعة الملائكة. آدم الأخير يشفع في نسله (وص ابراهيم 11). وتحدّثت آ 26 عن شفاعة الروح.
ب- من يفصلنا عن محبّة المسيح (آ 35- 37)
«هيماس» (نحن، نا). (آ 35). بعد أن كنا مع (سين) المسيح (آ 17)، فمن يقدر أن يفصلنا عنه؟ فهذه الآلام تدلّ أننا اتحدنا مع المصلوب وما شككنا بحبّه. هناك كلام عن «حبّ الله» (5: 5؛ 8: 39؛ 2 كور 13: 13؛ 2 تس 3: 5)، وعن «حبّ المسيح» (2 كور 5: 14؛ أف 3: 19). رج لو 11: 42؛ يو 5: 42؛ 1 يو 2: 5؛ 3: 17؛ 4: 9؛ 5: 3؛ يهو 21). مع الشدّة والضيق نحن في نهاية الزمن (آ 18؛ 2: 9). «ديوغموس» هو الاضطهاد لسبب دينيّ. مر 4: 17 وز؛ 2 كور 12: 10؛ 2 تس 1: 4. والجوع هو أيضاً سمة الزمن الأخير (مر 13: 8 وز؛ رؤ 6: 8؛ 18: 8). العري: أن يكون الانسان بلا لباس. هذا يدلّ على انحطاط. لهذا كان اللباس ضرورياً لصحة الجسد والعلاقات الطبيعيّة (وص زبولون 7: 1؛ مت 25: 35- 36؛ 2 كور 11: 27؛ يع 2: 15). الخطر. رج 2 كور 11: 26. والسيف يدلّ على القتل، على الحرب (تك 31: 26؛ سيب 8: 120؛ مت 10: 34). هو الحاجز الأخير. ولكنه ليس بحاجز والمسيح معنا.
«فالكتاب يقول» (آ 36). كما كُتب. رج 1: 17. ورد مز 44: 22 (في السبعينيّة 43: 23) حرفياً كما في اليونانيّة. ردّده المعلّمون في كلامهم عن الشهداء المكابيين والذين قُتلوا في زمن هرقانوس. وهناك صدى لذلك في زك 11: 4، 7 وإش 53: 7. مثل هذا الضيق هو ما يسبق الحقبة الجديدة. رج آ 18؛ 1 أخن 103: 9- 15. مات المكابيون من أجل شريعة الله (2 مك 7: 9؛ 4 عز 7: 8- 9). مع بولس، المسيح هو التعبير الحاسم عن علاقة خاصة بين الله وشعبه (آ 35- 39؛ مت 5: 11؛ مر 8: 35؛ رؤ 1: 9).
«ولكننا في هذه الشدائد» (آ 37). في قلب كل هذه الأشياء. وربما: بالرغم من كل هذا. «هيبارنيكاوو» (انتصر مع «هيبار» للتشديد)، رج «نيكاوو» في المعنى عينه. نقول في العربيّة: انتصر انتصاراً كبيراً. انتصرنا لا بقوّتنا، بل بقوّة الذي أحبّنا. وقد عبّر عن هذه المحبة حين أعطانا ابنه (آ 31- 32). استعمل بولس أكثر من مرّة الفعل مع «هيبار» مثلاً في 2 كور 11: 23 مع فعل فاق، تجاوز (هيباربالو). في روم 8: 26 مع تشفّع...
ج- أنا على يقين (آ 38- 39)
«أنا مقتنع» (آ 38). أُقنِعت. صيغة المجهول (الله أقنعني) الكامل. أقنِعتُ في الماضي وما زلت مقتنعاً الآن. لا شيء يحرّك اقتناعي. رج 14: 14؛ 15: 14؛ 2 تم 1: 5، 12؛ عب 6: 9. يستند هذا الاقتناع إلى محبّة الله في المسيح (آ 35- 39)، كما ظهر بشكل خاص على الصليب (آ 32) وما تلاه من انتصار (آ 34؛ رج 14: 9؛ 1 كور 15: 25- 27؛ كو 2: 5). لسنا أمام اقتناع عقليّ، بل أمام خبرة اختبرناها (5: 5). «الموت» هو في رأس اللائحة كقوّة معادية (ف 5- 8). ثم «الحياة» التي تعارض الموت. يسبق كل من الاسمين النافية: لا الموت، لا الحياة. يشير بولس إلى الحياة بما فيها من ألم (آ 17 ي)، والتي لم تصل إلى كمالها بعدُ في الخلاص (2 كور 5: 8؛ فل 1: 23). جمع الحياةَ والموت، فضمَّ كل الوضع البشريّ في نظرة واحدة (كما نقول السماء والأرض). رج 14: 7- 9؛ 1 كور 3: 22؛ فل 1: 20.
«الملائكة». كائنات سماويّة. يتميّزون عن الكائنات الأرضيّة (1 كور 4: 9؛ 13: 1). يُذكرون مع «الرؤساء» مرّة واحدة في روم. يُعتبَرون وسطاء بين السماء والأرض (غل 1: 18؛ 4: 14). هناك الملائكة الصالحون، ملائكة الوجه (8: 26؛ 2 كور 11: 14؛ 2 تس 1: 7) والملائكة المعادون. 1 أخن 6- 8؛ يوب 5: 1؛ وص رأوبين 5: 6. هؤلاء الملائكة الأدنون قد يكونون حاجزاً بين الله وشعبه على الأرض. أو بما أن الملائكة يسوسون الأمم (تث 32: 8؛ دا 10: 13؛ سي 17: 17؛ يوب 15: 31- 23)، فيمكن أن يتعدّوا دورهم ويتدخّلون في الأمّة اليهوديّة. «لا الأشياء الحاضرة ولا الأشياء الآتية». هكذا جمع بولس الزمان، كما سبق له وجمع المكان.
«لا العلو ولا العمق» (آ 39). التعارض واضح ليدلّ على الكليّة. العلو هو عالم الكواكب، عالم السماء، والعمق يدلّ على ما تحت الأرض. كل ما يمكن أن يتخيّله العقل. «ولا شيء». بما أن الله هو الخالق، ذُكرت كلُّ الخلائق. هي لا تقدر. نعود هنا إلى محبّة الله (آ 28، 35، 37). المحبّة ترتبط بالامتياز (آ 28؛ 1: 7). فحبُّ الله في المسيح يضمّ كلَّ المؤمنين، الذين يخصّون المسيح الربّ، اليهود والأمم، هي ثقة بولس وأمانة الله التي تضمّ الذين أحبَّهم وساندهم.

3- خلاصة لاهوتيّة
قال بولس الآن (آ 31) ما احتاج من كلام ليبيّن فهمه للانجيل على أنه يحمل برّ الله للجميع، عبر الإيمان، وبمعزل عن الشريعة. هذا لا يعني أنه يُلغي المجهود الأخلاقيّ (ف 6). إنه يتخلّى عن الشريعة للخطيئة والموت (ف 7)، ولا يتجاهل واقع المؤمن الذي ما زال خاضعاً لضعف الجسد (ف 8). ترك لبعض الوقت الصفة الاسكاتولوجيّة وترك العنان لثقته بالله. انطلق فكره مباشرة من نهاية البرهان، من هبة الروح التي أعطيت له. وبما أن الألم يتواصل والضعف هو هو في الزمن الحاضر، تأكّد قصدُ الله من أجل الجميع. ويرفع بولس نظره فوق التعبير عن الثقة الذي يتطلّع إلى الأفراد بل إلى الكون في الدهر الحاضر، ليضع كل الواقع في كل وقت. يمتدح الله كالخالق، القوّة الأخيرة في الكون. مع إله خلق كل شيء، وخلق كلَّ شيء من أجلنا، ما من قوّة يمكنها أن تقاوم قوّة الله. وإذ يمجّد الرسولُ الله ويشكره، يبيّن كيف أن الإيمان بالمسيح يعيد الانسان إلى موقف الثقة والارتباط بالله. وكل البراهين عن الإيمان تحوّلت إلى نشيد لأمانة الله.
أساس ثقة بولس (آ 32) وأمانة الله لخاصته، هما المسيح. في المقطع السابق كانت خبرة الروح وحياة الإيمان، في الأفق. والآن هو يعود إلى صورة تضمّ الزمان والمكان. هو حدث المسيح الذي هو في منتصف الزمن ومحور كل شيء. وبشكل خاص، أساس الثقة هو موت المسيح. ما وفّر الله ابنه، بل أسلمه عن الجميع كذبيحة قدّمها (3: 25؛ 8: 3). كما في 5: 9- 10 ينطلق إيمان بولس من هذه النقطة المركزيّة. إذا كان الله أعطى نفسه بهذه الصورة، فهو سيعطينا كلَّ شيء. لا شكّ، كل ما هو ضروريّ لخلاصنا. كما سيعطينا الخليقة كلها التي ستكون تحت قدمي الانسان (مز 8: 6). إن هدف الخليقة تمّ في المسيح، الانسان الجديد، وبكر القائمين من الموت، والأخ الأكبر في العيلة الجديد. تسلّم السيادة على كل شيء فجلس عن يمين الله. والذين يكونون له يكونون معه، فيشاركونه في سلطانه على سائر الخليقة، بحيث يُتمّون قصدَ الخالق الأصليّ حين خلق الانسان على صورته. كان الروح العربون لمخطّط الله الفدائي بالنسبة للأفراد. وها هو موت المسيح وقيامته وصعوده كفالة من أجل قصد الله في خلقه على مستوى الخلاص التاريخيّ والكونيّ.
سار مار بولس (آ 33) في خط إشعيا الثاني، حيث الانشداد بين الرجاء الحماسيّ والواقع القاسي، بدا مؤلماً. فعاد إلى البلاط السماويّ. إلى الدينونة الأخيرة. وسّع بولس نظرته فضمّت الكون كله والزمان كله. فأعلن: من يتجاسر أن يتّهم الذين اختارهم الله؟ والجواب: لا أحد. الله الذي خلق الانسان في البدء، هو الذي يبرّره الآن. فإن قبل الانسانُ وضعه كخليقة أمام الخالق، سانده الله وأكمل قصده في الخلق والخلاص.
كل هذا سيتفصّل ويتوضّح في آ 34. من يجرؤ أن يتهم؟ إبليس أو ملاك معادٍ أو قوّة روحيّة وقفت في وجه الله؟ الحكم أو البراءة هما في يد الله، في المسيح. فالمسيح القائم من الموت يتشفّع.
بالإضافة إلى ذلك، اقتنع بولس (آ 35) بأن دور المسيح في السماء ليس فقط كممثّل لشعبه على الأرض أمام الديّان الأبديّ. بل هو يساند أيضاً شعبه على الأرض. حبّه يحيط بهم كقوّة في وجه جميع الظروف. حبُّ المسيح هو حبّ الله. والمسيح الممجّد هو المسيح الذي أسلمه الله للموت من أجلنا. فدورُ الوسيط الوحيد هذا الذي يمثِّل الانسان أمام الله ويمثِّل الله أمام الانسان، لا يجد ما يوازيه في الفكر اليهودي (الحكمة تمثّل الله. والملائكة هم الشفعاء. أو هو أخنوخ الشفيع) بإيمانه بالله الواحد. هنا يعود بولس فيتذكر حدث موت المسيح وتأثيره في حياته. فكما أن المسيح مرَّ عبر الألم، هكذا يصل حبّه إلى الذين تلقّوا هذه الضيقات. فيساندهم ويأتي بهم إلى حيث هو.
ويُسند بولس كلامه عن الألم (آ 36)، فيورد مز 44: 23 في كلامه عن الأتقياء وعن الشهداء. في الأوقات القاسية، يصبح الضيق متواصلاً (النهار كله) فيبدو أنه لا ينتهي، ويصبح الموت أمراً عادياً (مثل غنم للذبح). حينئذ يئنّ المؤمن الذي ينتمي إلى المسيح، ويطلب أن يسير بالروح عبر هذا كلّه. الانشداد الاسكاتولوجيّ يبقى النسمة الأخيرة في جسده.
ولكن (آ 37) حن يذكر بولس وضع المؤمن لا يتركه في الظلام كما في 7: 21- 25. بما أن التزام الله لخاصته يدوم، فبرّه يصل إلى التبرير النهائي، وحبّ المسيح يؤهّل المؤمن لكي يتجاوز أصعب الصعاب. في كل هذه الاهتمامات والظروف، بل في وسطها، وعى بولس وقرّاؤه حباً يؤهّلهم لكي ينتصروا عليها كلّها.
أحسّ بولس (آ 38- 39) بالحاجة لكي يصل إلى عبارة تضمّ كل ما قاله عن إيمانه بالله، بالمسيح، في كلام شخصيّ يدلّ على يقينه. لا كلام عن وضع الألم في الحياة، بل قوّة تحدّد المصير الأبديّ. لا شيء يتغلّب على حبّ الله في المسيح. لا الموت. فالذين في المسيح، الذين شاركوا في موته، لا يحمل موتهم خوفاً. لا الحياة. لا ضيقات هذه الحياة، بل الحياة في الجسد، جسد الخطيئة وجسد الموت. يذكر الرسول القوى العديدة، ويرى ضعف الانسان، ولكنه متأكّد من قدرة الله الخالق والمساند والديّان.
بما أن الله هو الخالق، وبما أنه الواحد، كلُّ ما تبقّى هو خلائق وهي تخضع لله. لهذا، لا شيء يقدر أن يفصلنا عن حب الله في المسيح يسوع ربّنا. في هذا السرّ (الله لنا في المسيح يسوع المصلوب كالربّ) تكمن ثقة بولس: التزام الله بخاصته في المسيح والتزامهم تجاه المسيح كالرب الذي يسود كلّ شيء ويحدّد كلّ شيء. بعد هذا، لا نحتاج أن نقول شيئاً، فيبقى لنا الصمتُ أمام عظمة الله على مثال أيوب الذي سمع صوت الله ورآه، فترك الكلام الباطل: «تكلّمتُ مرة فلا أعود، ومرّتين فلا أزيد».

الخاتمة
في هذه الآيات، قيل لنا كلّ شيء: إذا كان الديّان يتقبّلنا ويرفع رأسنا، فمن يمكنه أن يعارضه؟ أجل، ما من أحدٍ بعدُ يتّهمنا. هذا هو الجديد بالنسبة إلى خبر أيوب. إن الديّان خاطر وأسلم ابنه من أجلنا. كان على الانسان أن يقدّم ذبيحة نفسه، فإذا الله يُعطي ما وجب على الانسان أن يعطيه. ذاك هو نظام النعمة التي تمضي أبعد من كل معقول: الله يقدّم أعزَّ ما له. فكيف نتخيّل أنه سيحسب حساب ما يعطينا؟ كيف نفكّر أنه يمنع عنا شيئاً؟ أجل، لا مكان للمتهم، لا مكان للديّان. جاء العقاب والربّ أخذ موتنا على عاتقه. وحلّت المحبّة التي هي الحياة الأبديّة كما تجلّت في يسوع المسيح. التي هي قوّة لا تقهر، ولا يُبعدها عداء بشريّ مهما كان. فلا يبقى لنا سوى أن نُنشد نشيد الشكر إلى الله الذي نعترف به مخلصاً. غير أن بني اسرائيل غابوا عن هذا النشيد، لأنهم فضَّلوا برّهم على برّ يأتي من الله، بل أرادوا أن يتهموا الله واعتبروا أنه أخلّ بعهده. على هذا الوضع يجيب القسم الخامس، ويفهمنا أنه كما رفض آدم، في بداية البشرية، نداء النعمة، هكذا فعل الشعبُ اليهوديّ. قلّة قليلة قبلت النداء. أما الأكثرية فتركت المكان للأمم الوثنيّة «الذين يسمعون» (أع 28: 28).
القسم الخَامِس
الإنجيل وَاختيَار النعمَة
9: 1- 11: 36
تبدو ف 9- 11 وحدة تامة مع بداية واضحة (9: 1- 5) ونهاية (11: 33- 36)، وطرْحٍ نقرأه في 9: 6: هل خاب وعدُ الله؟ هل فشلت كلمةُ الله؟ ما تمّ في نداء الله، ووعدُه لابراهيم في شعبه، هما خبرة العهد وخبرة الرحمة. وكمال الوعد في الأمم وفي اليهود. أضاع اسرائيل الطريق، أما الأمم فأجابوا جواب الإيمان. والنتيجة: بقية اختارها الله، والآخرون قسّوا قلوبهم. لهذا كانت نتيجة سقوط اسرائيل إيجابيّة، فتمّ الخلاص للأمم. وفي النهاية، انكشف مخططُ الله كله: فُتحت الطريق للأمم. ثمّ يعود شعبُ اسرائيل.
وجاءت فصول هذا القسم كما يلي:
1- الله ومختاروه (9: 1- 5)
2- اختيار الله الحرّ (9: 6- 13)
3- غضب الله ورحمته (9: 14- 24)
4- المدعوّون من اليهود والأمم (9: 25- 33)
5- برّ الشريعة وبرّ الإيمان (10: 14- 21)
6- البقيّة بحسب النعمة (11: 1- 10)
7- الرجاء بعودة بني اسرائيل (11: 11- 24)
8- رحمة الله للجميع (11: 25- 36).
هذه الفصول ليست ملحقاً لبرهان قدّمه بولس وأنهاه. فالمسألة التي طُرحت في 9: 6 (كلمة الله) و11: 1 (هل نبذ الله شعبه) جاءت منذ البداية في 1: 18- 2: 29، واتهام بولس للأمم واليهود معاً. وكان سؤال أول في 3: 1 (ما فضل اليهودي) وسؤال ثان في 3: 3 (فماذا إن خان بعضهم). كل هذا نجد جواباً عنه في ف 9- 11 التي تتحدّث عن برّ الله في وضع اسرائيل. مع أن الله كان أميناً، فالشعبُ اليهوديّ ما تجاوب مع الانجيل. رُذل بأكثريّته، ولكن بقيت بقيّة.
الفصل الثامن والعشرون
الله ومختاروه
9: 1- 5

تعرّفنا حتى الآن إلى برّ الله كما شهدت له الشريعةُ والأنبياء، ووعدُ الله لابراهيم، بعد أن دخلت فيه الأمم. ذاك هو عمل الشريعة، وختانة القلب، وشريعة روح الحياة التي تحقّقت ووصلت إلى كمالها في طاعة الامم للانجيل. وبدأت هذه الأمم تختبر نعمة الله وأمانته اللتين كانتا امتيازاً خاصاً باسرائيل. هنا يُطرح السؤال: كيف دخلت الأمم في وعد ابراهيم ساعة أكثريّة شعبه الذين أعطيت لهم المواعيد فشلوا في ذلك؟ وجاء الجواب: حسب اليهودُ اختيارَ الله كلا شيء فأساءوا التعامل مع الامتيازات بحيث تركهم الله وتحوّل إلى الأمم. غير أن أمانة الله لعهده، هي المقياس لليهود، وتبقى كذلك بالنسبة إلى بولس. في هذه الحقبة الجديدة، اهتمّ الله بالجميع وقدّم برّه للبشريّة كلها، لليهود أولاً وللأمم أيضاً. ولكن ان كان الله غير أمين لشعبه، فكيف سيكون أميناً للأمم؟ هنا قلبَ بولسُ المسألة التي طرحها في بداية ف 3: إذا كان البر امتدّ إلى الجميع، وإذا كانت الأمانة أعطيت للإيمان، فماذا عن برّ العهد لاسرائيل، وكيف تقف أمانة الله في وجه لاأمانة اسرائيل؟

1- دراسة النص وبنيته
أ- دراسة النصّ
في آ 1، نقرأ «في المسيح». أما بعض الشهود فقالوا: في المسيح يسوع.
في آ 3، نقرأ «منفصلاً عن المسيح». هي الأداة «أبو». بعضهم جعل «هيبو» (بفعل) أو «هيبار» (من أجل).
في آ 4: العهود. هي في صيغة الجمع. ولكن البردية 46 والفاتيكاني وغيرهما جعلوا المفرد= العهد.
ونقرأ: الوعود. في صيغة الجمع. ولكننا نقرأ المفرد في بردية 46: الوعد.
في آ 5، نقرأ: وهو الكائن (هون هو). حاول بعضهم أن يبدّل النصّ، ولكن لا أساس ثابتاً.
ب- بنية النصّ
العناية التي بها بُني هذا المقطع الافتتاحي واضحة جداً. أولاً، لا نجد حرف عطف. هذا يعني أن على القارئ أن يتوقّف في نهاية 8: 39 قبل أن يواصل قراءة 9: 1. ثانياً، إن آ 1- 3 جُعلت في متتالية مع تعبيرين احتفاليين:
أقول الحقيقة لا أكذب
ضميري في الروح القدس
حزن كبير ألم غير منقطع
محروم عن المسيح
إخوتي بني قومي.
أراد بولس من سامعيه أن لا يشكّوا بهويّته ولا باهتمامه بشعبه الخاص. ثالثاً، إن تعداد بركات اسرائيل في آ 4- 5 جاء في تعبير مسكوب، مع «بني اسرائيل»، كعبارة رئيسيّة يرتبط بها الباقي: هم، هم، منهم. وفي ألفاظ متناغمة: هيوتاسيا ونوموتاسيا (التبني وعطيّة الشريعة). دوكسا ولاترايا (المجد والعبادة). دياتيكاي وابانغالياي (العهود والوعود).
وأهم من ذلك، الكلمات التي اختيرت لتذكّر الأمم ببركات يشاركون فيها اليهود. رج 8: 15، 23 (البنوّة)؛ 8: 18، 21 (المجد)؛ 4: 13- 4، 16 (الوعد). واللافت هو أن بولس يعدّ الشريعة بين البركات التي نالها اسرائيل. وهناك اعتبار يبيّن أن نهاية آ 5 هي مجدلة ومباركة. فاليهوديّ التقيّ ينهي الكلام على خيرات الله لاسرائيل، بكلام البركة لإله اسرائيل. والمسيحيّ يفكّر بالمسيح الذي هو أعظم خير أعطيَ له.

2- تحليل النصّ الكتابيّ (9: 1- 5)
نقرأ هنا مقطعين. في الأول (آ 1- 3) يعلن بولس أنه يقول الحقّ في المسيح. اهتمامه كبير ببني قومه، ويعرف الغنى الذي نالوه في تاريخهم (آ 4- 5): لهم المجد والع