دراسات في انجيل يوحنا
تقديم
هذا الكتاب هو حصيلة المحاضرات التي تُليت في المؤتمر الكتابي السادس الذي نظّمته
الرابطة الكتابيّة إقليم الشرق الأوسط، في سيدة البير، جل الديب، لبنان، في 24- 30
كانون الثاني 1999، وكان عنوانه: الكلمة صار بشرًا، دراسات في انجيل يوحنا.
حضرته وفود من البلدان العربيّة، من مصر وسورية والعراق والأردن وفلسطين ولبنان.
كما شرّفنا بحضوره الأمين العام للرابطة العالميّة، الأب لودجر فلدكمبر. وجاءنا من
فرنسا، من المعهد الكاثوليكي في باريس، الأب شارل بيرو محاضرًا. جاءت المحاضرات في
اللغة العربية، ما عدا أربع محاضرات في الفرنسيّة للأب بيرو، ومحاضرة للأب صابو.
غير أنه كان هناك ترجمة فورية، فاستطاع الجميع الإفادة من هذه المداخلات في انجيل
يوحنا.
والكتاب الذي نقدّمه الآن، يرد في أربعة أقسام: دراسات عامة، يوحنا وتجذّره
التاريخي، دراسات لاهوتيّة، دراسات روحيّة. مواضيع متنوّعة حاولنا أن نوزّعها على
هذه المحاور الأربعة علّها تساعد القارئ على اكتشاف بعضًا من انجيل يوحنا، بعد أن
حاولت الرابطة أن تقدّم في هذه السلسلة عينها كتابًا عن يوحنا يتضمّن التأمّلات
والأبحاث.
شكرنا لله أولاً الذي أتاح لنا أن نعقد هذا المؤتمر الذي شارك فيه ما يقارب المئة
شخص. وشكرًا للرابطة الكتابيّة العالميّة التي هي السند المعنويّ لمثل هذه
التظاهرات الكتابيّة. وشكرًا لإقليم الشرق الأوسط والرابطة الكتابيّة في لبنان التي
أمّنت التنظيم والقسم الأكبر من المحاضرات. وشكرنا أخيرًا لمنظمّة الشبيبة
النمساويّة التي لولا مساعدتها المادية، لما كان انعقد هذا المؤتمر على مستوى الشرق
الأوسط. وعلى مستوى لبنان، نشكر صوت المحبّة وتلفزيون النور اللذين غطيّا أعمال هذا
المؤتمر.
وإلى مؤتمر سابع يعقد سنة 2001 ويكون موضوعه رسائل القديس بولس. وقد نتوقّف بشكل
خاص عند مراسلته مع أهل كورنتوس. فرسائل القديس بولس هي القراءة الأكثر أهميّة في
ليتورجياتنا الشرقيّة، بعد الأناجيل. لهذا نحتاج التعرّف إليها والتأمل فيها. نحتاج
الولوج إلى أولى التعابير عن الايمان المسيحيّ، الذي تركه رسول الأمم من أجل كنيسة
من الكنائس، وهو كلام ما زال يتوجّه إلى كنائسنا اليوم، ولن يزال حتى نهاية العالم.
القسْم الأول
دراسَاتٌ عَامَّة
يتضمن هذا القسم الدراسات التالية:
1- يسوع المسيح الحياة في انجيل يوحنا
2- أين صار البحث اليوحناويّ
3- انجيل يوحنا على مشارف سنة الألفين
4- الجماعات اليوحناويّة
5- النزول والصعود أو اللغة المكانيّة في الانجيل الرابع
6- الآيات والأعمال: عمل الآب والابن.
الفصل الأول
يسوع المسيح الحياة في إنجيل يوحنا
المطران كيرلّس سليم بسترس
رئيس أساقفة بعلبك وما للروم الكاثوليك
"في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله. إنّه في البدء كان
لدى الله. به كان كلّ شيء وبغيره لم يكن شيء مّما كان. فيه كانت الحياة، والحياة
كانت نور الناس" (يو 1: 1-4). هكذا يبدأ إنجيل يوحنا. وينتهي بالقول: "وصنع يسوع
أمام التلاميذ آيات أخرى كثيرة لم تدوَّن في هذا الكتاب. وإنما دوِّنت هذه لتؤمنوا
بأن يسوع هو المسيح ابن الله، فتكون لكم، إذا آمنتم، الحياة باسمه" (يو 20: 30-
31). فيبدأ بالقول إنّ الحياة كانت في الكلمة: "فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور
الناس". وينتهي بمنح الحياة للذين يؤمنون به. فالهدف من كتابة إنجيل يوحنا هو
"لتؤمنوا بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله"، وتكون لكم، نتيجة لهذا الإيمان، "الحياة
باسمه".
الايمان بأن يسوع هو المسيح ابن الله وبأن من يؤمن به ينال الحياة الأبدّية، هما
النقطتان الأساسيّتان اللتان يتوسّع فيهما إنجيل يوحنا من بدايته، كما يتبيَّن لنا
من خلال نظرة سريعة لمضمونه. وهذا ما سنوضحه من خلال خمس عشرة شهادة تؤكد كلّها أنّ
يسوع هو المسيح ابن الله، ولأنّه ابن يستطيع من ثمّ أن يعطي الحياة للّذين يؤمنون
به.
1- شهادة يوحنا المعمدان: يسوع هو حمل الله والممتلىء من الروح القدس
الشهادة الأولى التي ترد على الفور بعد فاتحة الإنجيل هي شهادة يوحنا المعمدان،
الذي قال عن نفسه: "أنا لست المسيح" (1: 19). ثم قال عن يسوع: "هوذا حمل الله الذي
يرفع خطيئة العالم. إنه هو الذي قلت عنه: يأتي رجل قد تقدّمني لأنه كان قبلي"
(29:1-30). منذ بدء إنجيله، يضع يوحنا نصب أعيننا حمل الله المذبوح منذ إنشاء
العالم، والذي بموته سوف يرفع خطايا العالم ويمنح الناس الحياة. وهذه الحياة هي
حياة الروح القدس نفسه. فالمسيح، لكونه ممتلئا من الروح القدس، يستطيع أن يمنح
الروح القدس، كما يتّضح مما يلي: "إنّي رأيت الروح ينزل من السماء كمثل حمامة
ويستقرّ عليه. أنا لم أكن أعرفه، غير أنّ الذي أرسلني أعمّد بالماء هو قال لي: إنّ
الذي ترى الروح ينزل ويستقرّ عليه هو الذي يعمّد بالروح القدس. وأنا قد رأيت وأشهد
أنّه ابن الله" (1: 32-34). وهكذا تنتهي الشهادة الأولى لإعلان الإيمان بأنّ يسوع
هو ابن الله الممتلئ من روح الله.
2- شهادة الرسولين أندراوس ونتنائيل: يسوع هو المسيح، ابن الله
أندراوس هو أوّل الرسل الذين دعاهم يسوع. فحالما وجد أخاه بطرس، قال له: لأقد وجدنا
هامشيحا، أي المسيح" (1: 41). وبعد ذلك اعترف نتنائيل قائلاً ليسوع: "رابّي أنت ابن
الله، أنت ملك إسرائيل" (1: 49). وهكذا ينتهي المقطع أيضًا بالايمان بيسوع المسيح
والشهادة بأنه ابن الله.
3- تحويل الماء الى خمر في عرس قانا الجليل: ظهور مجد ابن الله
ثم يروي إنجيل يوحنا أولى عجائب المسيح، وهي تحويله الماء الى خمر في عرس قانا
الجليل. والخمر رمز الدم، والدم رمز الحياة. فأول عجيبة صنعها يسوع المسيح تدلّ على
أنّه هو المسيح ابن الله، وأن عنده ينبوع الحياة. وهذا ما يوضحه الإنجيل في نهاية
الرواية بقوله: "تلك كانت أولى آيات يسوع، صنعها في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به
تلاميذ" (2: 11). والمجد هنا يعني ظهور كيان الله في شخص ابنه. فالكلمة الذي منذ
البدء كانت فيه الحياة "صار بشرًا، وسكن بيننا مملوءًا نعمة وحقًّا. وقد رأينا
مجده، مجد ابن وحيد آت من الآب" (1: 14). وتنتهي أيضًا رواية عرس قانا بإيمان
التلاميذ بيسوع.
4- حديث يسوع مع نيقوديمس: الولادة من الماء والروح
لدخول الملكوت والحصول على الحياة
في الفصل الثالث يؤكد يسوع لنيقوديمس ضرورة الولادة الجديدة "من فوق" و "من الماء
والروح" لدخول ملكوت الله. وملكوت الله هو مرادف الحياة. "ما من أحد يستطيع دخول
ملكوت الله ما لم يُولد من الماء والروح" (3: 5). وهذه الولادة ودخول الملكوت لا
يستطيع أحد أن يمنحهما إلاّ ابن الله: "فإنه لم يصعد أحد إلى السماء إلاّ الذي نزل
من السماء ابن البشر الكائن في السماء. وإنه كما رفع موسى الحيّة في البريّة كذلك
ينبغي أن يُرفع ابن البشر، لتكون به الحياة الأبدية لكلّ من يؤمن به، أجل لقد أحبّ
الله العالم حتى إنّه بذل ابنه، وحيده، لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له
الحياة الأبديّة" (13:3-16). وفي المقارنة بين يوحنا المعمدان وشموع يقول يوحنا
المعمدان لتلاميذه: "أنتم أنفسكم تشهدون لي بأني قلت: إنّي لست المسيح، بل أنا رسول
قدامه. فالذي له العروس هو العريس؛ وأما صديق العريس فإنه يقف هناك ويسمعه، فيملأه
صوتُ العريس فرحًا؛ فهذا الفرح الذي هو فرحي قد تمّ. فله إذن ينمو ولي أن أنقص"
(28: 3-30). ثم يضيف الإنجيليّ: "إنّ الآتي من فوق هو فوق الكلّ، والذي من الأرض
أرضيّ هو، وكلامه كلامُ أهل الإرض. إن الآتي من السماء يشهد بما رأى وسمع [...].
ذلك بأنّ الذي أرسله الله يتكلّم بكلام الله، لأن الله يُعطيه الروح بغير حساب.
الآب يحبّ الابنَ، فجعل في يده كلّ شيء. فمن بؤمن بالابن فله الحياة الأبديّة. ومن
لا يؤمن فلا يرى الحياة، بل غضبُ الله مستقرٌّ عليه" (3: 31-36). وينتهي المقطع
أيضًا بالإيمان بابن الله الذي يعطي من يؤمن به الحياة الأبديّة.
5- المرأة السامريّة وماء الحياة: يسوع المسيح مخلّص العالم
الفصل الرابع يدور حول الإيمان بأنّ يسوع هو المسيح الذي يعطي ماء الحياة. ففي حديث
يسوع مع السامريّة يؤكد الإنجيل أنّ يسوع هو المسيح، لذلك يستطيع أن يعطي ماء
الحياة. فيقول يسوع للسامريّة: "لو كنت تعرفين عطيّة الله ومن ذا الذي يقول لكِ
أسقيني لكنتِ أنتِ تسألينه فيعطيك ماء حيًا (4: 10). ثم يضيف: "إن من يشرب من هذا
الماء يعود فيعطش. وأمّا الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش أبدًا. بل
الماء الذي أعطيه إيّاه يتفجر حياةً أبديّة" (4: 13-14). وعندما تقول له المرأة:
"إنّي أعلم أن هامشيحا- ذاك الذي يقال له المسيح- سيأتي، فمتى أتى أخبرنا بكلّ
شيء"، يجيبها يسوع: "أنا هو، أنا الذي يكلّمك" (4: 25-26). ويؤكّد الإنجيل: "وآمن
به كثير من سامريّ تلك المدينة بفعل كلام المرأة..." (4: 39). وبعد أن أقام عندهم
يومين، "آمن به لسماع كلامه عدد أكبر جدًا. وقالوا للمرأة: لسنا لكلامكِ فقط نؤمن،
فإنّا قد سمعنا نحن أنفسُنا أنهّ حفا مخلّص العالم" (4: 41).
6- شفاء ابن الضابط الملكيّ: يسوع يمنح الحياة
الأعجوبة الثانية التي يذكرها إنجيل يوحنا هي شفاء ابن ضابط ملكي مشرف على الموت:
"اذهب، فابنُك حيّ" (4: 50). يسوع يمنح الحياة. وتنتهي الرواية أيضًا بالإيمان
بيسوع: فآمن الضابط "هو وأهل بيته جميعًا" (4: 53).
7- شفاء المخلع يوم السبت: يسوع هو ابن الله الذي يعطي الحياة على مثال الله الآب
الفصل الخامس يروي شفاء مخلّع يوم السبت. فالسبت هو النهار المقدس والمكرّس لعمل
الله. والمخلّع هو أشبه بالميّت. فيقول له المسيح سيّد الحياة: "قم، احمل فراشكَ
وامش" (8:5). ويلي ذلك خطاب يسوع في وحدته مع الآب، وفي سلطانه على الحياة: "كلّ ما
يعمله الآب يعمله الابن على مثاله [...] فكما أنّ الآب يُقيم الأموات ويعطي
الحياةَ، كذلك الابن يعطي الحياة لمن يشاء [...] الحق الحق أقول لكم إنّ من يسمع
كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله الحياة الأبديّة، ولا يصير الى دينونة، بل قد انتقل
من الموت إلى الحياة". ثم يستفيض يسوع بالحديث ليؤكّد سلطانه على الحياة، وأنّ
الحياة الأبديّة التي لا يقوى عليها الموت قد أتت بمجيئه: "الحق الحق أقول لكم
أنّها ستأتي الساعة- وقد أتت الآن- التي يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، والذين
يسمعون يحيون. لأنه كما أنّ الآب له الحياة في ذاته كذلك أعطى الابنَ أن تكون له
الحياة في ذاته، وأعطاه سلطان القضاء لأنه ابن البشر. لا تتعجّبوا من هذا. فإنّها
ستأتي الساعة التي يسمع فيها جميع من في القبور صوته، فيخرجون منها: فالذين عملوا
الصالحات إلى قيامة الحياة، والذي عملوا السّيئات إلى قيامة الدينونة" (5: 25- 30).
ويؤنّب اليهود على عدم إيمانهم به: "أنتم تتفحّصون الكتب لأنكم تظنّون أنّ لكم بها
الحياة الأبديّة، وهي التي تشهد لي. ولكنّكم لا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم
الحياة" (39:5-40). فالحياة لم تعد في كتب العهد القديم الذي تحتوي كلام الله
متفرّقًا، بل في شخص يسوع المسيح الذي هو كلمة الله وابن الله. وهذا الفصل أيضًا
ينتهي بالدعوة إلى الإيمان بيسوع المسيح بأنّه النبيّ الذي تكلّم عنه موسى: "فلو
كنتم تصدّقون موسى لصدّقتموني لأنه كتب عنّي" (5: 46)، وبأنّه ابن الله المعطي
الحياة.
8- يسوع خبز الحياة الذي يعطي الحياة ببذل ذاته
الفصل السادس يروي أعجوبة تكثير الخبزات، وإيمان الناس بأنّ يسوع هو النبيّ الآتي
إلى العالم الذي أنبأ بمجيئه موسى. "فلمّا شاهد الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا:
إنه حقًا النبيّ الآتي إلى العالم" (6: 14). ويلي الأعجوبة خطاب طويل في خبز الحياة
الآتي من السماء، الذي هو يسوع المسيح ابن الله نفسه الآتي من السماء. وتتوالى
الأقوال الإلهيّة كالمطر الكثيف الهاطل من السماء: "اعملوا لا للطعام الذي يفنى بل
للطعام الذي يبقى للحياة الأبديّة الذي يعطيكموه ابن البشر، فإنّه هو الذي ثبّته
الله الآب بختمه" (6: 27). "الحق الحق أقول لكم إنّ موسى لم يعطكم الخبز من السماء،
بل أبي يعطيكم خبز السماء الحق، لأنّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي الحياة
للعالم" 6: 32-33). "أنا خبز الحياة، من يأت إليّ فلن يجوع أبدًا، ومن يؤمن بي فلن
يعطش أبدًا" 35:6). "أجل تلك مشيئة أبي: أن تكون لكلّ من يرى الابن ويؤمن به
الحياةُ الأبديّة؛ وأنا أقيمه في اليوم الأخير" (6: 51). "الحق الحق أقول لكم إنّ
من آمن فله الحياةُ الأبديّة" (6: 47). "أنا هو الخبز الحيّ، النازل من السماء. فمن
أكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطيه أنا هو جسدي المبذول لأجل حياة
العالم" (6: 51). "الحق الحق أقول لكم، إذا لم تأكلوا جسد ابن البشر وإذا لم تشربوا
دمه، فلا حياة لكم في أنفسكم. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية، وأنا
أقيمه في اليوم الأخير. [...] وكما أنّ الآب الذي أرسلني حيّ وأنا أحيا بالآب فكذلك
من يأكلني فإنّه يحيا بي" (53:6-57)، "إنّ الروح هو الذي يُحيي، وأمّا الجسد فلا
يملكُ نفعًا. والكلام الذي كلّمتكم به هو روح وحياة" (6: 63).
في كلّ هذه الأقوال التي تتكرّر بتعابير مختلفة وتصاوير متنوّعة، يؤكّد الإنجيل
الحقيقية الواحدة: يسوع هو المسيح ابن الله الآتي من السماء، أعني من عند الله
ليمنح الحياة الأبديّة لكلّ من يؤمن به. وعندما "ارتدّ عنه كثير من تلاميذه وانقطوا
عن السير معه، قال يسوع للاثني عشر: "وأنتم، أفلا تريدون أن تذهبوا؟"، أجابه سمعان
بطرس: "إلى من نذهب، يا ربّ؟ إنّ عندك كلامَ الحياة الأبديّة. فإنّا نحن قد آمنّا
بك وعرفنا أنّك قدّوس الله" (6: 66-69). وهنا أيضًا ينتهي الفصل بإعلان إيمان الرسل
بيسوع مع إضافة لقب جديد ليسوع، لقب قدّوس الله. فيسوع هو إذن المسيح، والنبيّ،
وكلمة الله، وابن الله، وقدّوس الله. لذلك هو الماء الحيّ، وهو خبز الحياة، وهو
الذي أرسله الله وأعطاه الروح بغير حساب. ولذلك يستطيع أن يمنح حياة الله للناس.
9- يسوع المعطي الروح
في الفصل السابع يعود إنجيل يوحنّا فيؤكّد أنّ يسوع هو مُرسَل الله. فعندما يقول
اليهود متعجّبين: "كيف له كلّ هذا العلم وهو لم يتعلّم؟"، يجيبهم يسوع: "إنّ تعليمي
ليست من عندي بل من عند الذي أرسلني" (7: 16). ويعود الى صورة الماء الحيّ،
ويطبّقها على الروح القدس: "وفي اليوم الأخير من العيد، وهو يومه الأعظم، وقف يسوع
وصاح قائلاً: من كان عطشان فليأت إليّ، ومن آمن بي فليشرب. فإنّه، كما قال الكتاب،
ستجري من جوفه أنهار ماء حيّ. قال هذا عن الروح الذي سيقبله المؤمنون به: فإنّ
الروح لم يكن قد أعطي بعد، لأن يسوع لم يكن بعد قد مُجّد" (37:7-39).
10- يسوع يُحرّر من الخطيئة ويُنير العالم ويمنحه الحياة
الفصل الثامن يروي قصة المرأة الزانية التي أراد أليهود أن يرجموها. أمّا يسوع
فيغفر لها قائلاً: "اذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة" (8: 11). ثم يقول يسوع لليهود:
"أنا نور العالم. فمن تبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له النور الذي يقود إلى
الحياة" (8: 12). والحياة هنا هي الخلاص من الخطايا. والمسيح يستطيع أن يخلّص من
موت الخطيئة، لأنه آت من عند الله: "أنتم من أسفل، وأنا من فوق. أنتم من هذا العالم
وأنا لست من هذا العالم. من أجل ذلك قلت لكم إنّكم ستموتون في خطاياكم. أجل، إنّكم،
إذا لم تؤمنوا بأنّي أنا هو، ستموتون في خطاياكم" (23:8). "الحق أقول لكم إنّ من
ارتكب الخطيئة كان عبدًا للخطيئة. والعبد لا يقيم في البيت على الدوام، بل الابن
يقيم على الدوام. فإذا حرّركم الابن صرتم بالحقيقة أحرارًا" (8: 34-36). "الحق الحق
أقول لكم إنّ من يحفظ كلامي لا يرى الموتَ أبدًا. فقال له اليهود: الآن أيقنّا أن
بك شيطانًا: فإبراهيم قد مات، والأنبياء أيضًا، وتقول أنت إن من يحفظ كلامي لا يذوق
طعم الموت أبدًا. أفتكون أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات؟ والأنبياء أيضًا ماتوا!
فمن تجعل نفسَك؟". وجاء جواب يسوع يفسّر سلطانه على مغفرة الخطايا وقدرته على منح
الحياة: "الحق الحق أقول لكم إنّي، قبل أن يكون إبراهيم، أنا كائن" (8: 51-58). هنا
أيضًا يستنتج الإنجيل قدرة يسوع على منح الحياة الإلهيّة من كيانه الإلهي.
11- شفاء الأعمى منذ مولده: يسوع هو النور والحياة
في الفصل التاسع، يعود موضوع المسيح نور العالم في أعجوبة شفاء الأعمى منذ مولده:
"ما دمتُ في العالم، فأنا نور العالم" (9: 5). والنور والحياة متلازمان، كما في
مطلع الإنجيل: "والحياة كانت نور الناس، والنور يُضيء في الظلمة" (1: 4- 5). ويعقب
الأعجوبة إعلان إيمان الأعمى الذي شُفي، بأن يسوع هو "نبي" (9: 17)، وبأنّه "ابن
البشر" (9: 35).
12- يسوع هو الراعي الصالح الذي يبذل حياتَه عن الخراف
في الفصل العاشر يبدأ إنجيل يوحنا بتهيئة الأجواء لموت يسوع المعطي الحياة. فيسوع
هو الراعي الصالح الذي أتى ليمنح خرافه الحياة: "وأما أنا فإنّما أتيت لتكون للخراف
الحياة، وتكون لها وافرة. أنا الراعي الصالح: الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف"
(10: 10- 11). "إنّ خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها، وهي تتبعني. وأنا أعطيها الحياة
الأبديّة فلا تهلك أبدًا، ولا ينتزعها أحد من يدي. إنّ ما أعطانيه الآب أثمن من كلّ
شيء، وما من أحد يقدر أن ينتزع من يد الآب شيئًا". ثم يخلص إلى القول، موضحًا من
أين له هذا السلطان على الحياة الأبديّة: "أنا والآب واحد" (10: 27- 30).
13- إحياء لعازر: يسوع هو المسيح ابن الله، وهو القيامة والحياة
في الفصل الحادي عشر يظهر يسوع سيّد الحياة والموت بإعادته الحياة للعازر. ويوضح
ذلك بقوله لمرتا: "أنا القيامة والحياة. فمن آمن بي وإن مات يحيا. ومن كان حيّا
وآمن بي فلن يموت أبدًا. أتؤمنين بهذا؟ قالت: نعم يا ربّ، أنا أومن أنّك المسيح،
أنّك ابنُ الله الآتي إلى العالم" (11: 25-27). "وجاء يسوع إلى القبر، [...] وقال:
إرفعرا الحجر. فقالت له أخت الميت: إنه أنتن، يا ربّ، فإنّ له أربعة أيّام. قال لها
يسوع: أما قلت لك إنّك إذا آمنت ترينَ مجدَ الله؟ وصاح يسوع بصوت شديد: يا لعازر،
هلم خارجًا! فخرج الذي كان ميتًا ويداه ورجلاه مشدودات بلفائف، ووجهه ملفوف بمنديل.
فقال لهم يسوع: فكوّه، ودعوه يذهب!" (11: 39-44). وتنتهي الرواية بالإيمان: فكما
آمنت مرتا أنّ يسوع هو المسيح ابن الله، على مثالها، "آمن به كثير من اليهود الذين
كانوا قد جاؤوا الى مريم وشاهدوا ما فعل" (11: 45). يسوع هو المسيح ابن الله. يسوع
هو كلمة الله الذي منذ البدء كانت فيه الحياة. وها هو اليوم، بكلمة، يعيد الحياة
إلى الأموات.
وبعد هذه الأعجوبة ينبىء الإنجيل بقتل يسوع على لسان قيافا رئيس الكهنة: "خير لكم
أن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلكَ الأمّة بأجمعها" (11: 50). سيموت يسوع ولن
تهلك الأمّة، بل ستكون لها الحياة. ويشير الإنجيل إلى أنّ يسوع لم يمت "عن الأمّة
فقط، بل ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتتين" (52:11).
14- حبّة الحنطة: يسوع يقبل الموت ليمنح بموته الحياة
لدى شعور يسوع باقتراب موته، قال: "الحقّ أقول لكم إنّ حبّة الحنطة التي تقع في
الأرض تبقى وحدها إذا لم تمت. أمّا إذا ماتت أتت بثمر كثير. فمن أحبّ حياته أضاعها.
ومن أبغض حياتَه في هذا العالم حفظها للحياة الأبديّة" (12: 24-25). وفي نهاية
الفصل الثاني عشر، أوجز يسوع تعليمه بقوله: "من آمن بي فليس بي يؤمن بل بالذي
أرسلني، ومن رآني رأى الذي أرسلني [...]. لأنّي لم أتكلّم من عند نفسي، بل الآب
الذي أرسلني قد أوصاني بما أقول وأعلن. وأنا أعلم أنّ وصيّته حياة أبديّة: فما أقول
إنّما أقول كما قاله لي أبي" (12: 44- 50). يسوع هو مرسل من قبل الآب، وما يقوله هو
كلام الله، وكلام الحياة الأبديّة. وما يعمله هو عمل الله ويعطي الحياة الأبديّة.
وهكذا نصل إلى موت المسيح وقيامته.
15- موت يسوع وقيامته: يسوع هو الطريق والحق والحياة
تبدأ رواية الآلام بغسل يسوع أرجل تلاميذه، علامة لتواضعه وعطاء ذاته الذي سيقوده
إلى الموت من أجل حياة العالم. وهذا العمل الرمزيّ يحلّ في إنجيل يوحنّا محلّ ما
يرويه الإزائيّون في عطاء يسوع ذاته في الخبز والخمر. والهدف واحد في كلا
العلامتين: يُظهر يسوع لتلاميذه أنّ طريق الآلام التي يسلكها هي طريق الحياة. هذه
الطريق هي طريق الله إلى الناس، وهي في الوقت عينه طريق الناس إلى الآب: "أنا
الطريق والحق والحياة. فلا أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي. فإذا كنتم تعرفوني عرفتم أبي
أيضًا، بل تعرفونه منذ الآن وقد رأيتموه. فقال له فيلبس: يا ربّ، أرنا الآب
وحسُبنا. فقال له يسوع: أنا معكم كلّ هذا الزمان، يا فيلبس، ولم تعرفني! إنّ من
رآني رأى الآب. فلماذا تقول: أرنا الآب؟ أفلا تؤمن أنّي في الآب وأنّ الآب فيّ؟ إنّ
الكلام الذي أقوله لكم لا أقوله من عند نفسي، بل هو الآب المقيم فيّ يعمل أعماله"
(14: 6- 11).
في هذا السياق عينه يعطي يسوع تلاميذه وصيّته التي بإمكانها أن تعطيهم الحياة: "إني
أعطيكم وصيّة جديدة: أحبوا بعضكم بعضًا. ولكن كما أحببتكم أنا تحّبون أنتم أيضًا
بعضكم بعضًا. فأذا أحببتم بعضكم عرف الجميع أنكم تلاميذي" (34:13-35). "كما أحببتكم
أنا"، أي حتى الموت
(رج 15: 12-13). وسنجد صدى لهذه الوصيّة في قول يوحنا في رسالته الأولى: "نحن نعلم
أنّنا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة، لأنا نحبّ الإخوة. من لا يحبّ يثبت في
الموت" (1 يو 3: 14).
ولمّا كان الآب يقيم في يسوع، يستطيع يسوع أن يعطي الحياة الأبدية، كما يؤكّد ذلك
في صلاته الأخيرة: "يا أبت، قد أتت الساعة، فمجّد ابنك لكي يمجدّك ابنك، ويعطي، بما
أوليته من سلطان على كلّ بشر، الحياة الأبديّة لجميع الذين أعطيتهم له. والحياة
الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقّ وحدك، ويعرفوا يسوع المسيح رسولك" (17:
1-3).
ولما مات يسوع، طعن أحد الجند جنبه بحربة، "فخرج للوقت دم وماء" (19: 34). الموت
والدم هما علامة الموت، ولكنهما في الوقت عينه علامة الحياة التي أعطاها المسيح
العالم بموته.
وقام المسيح، تاركًا في القبر الأكفان التي كان ملفوفًا بها جسده المائت والمنديل
الذي كان على رأسه، على مثال العازر (20: 6-7). وتراءى حيًا لتلاميذه، "ونفخ فيهم
وقال لهم: خذوا الروح القدس. من غفرتم خطاياهم غُفرت لهم، ومن أمسكتوها عليهم
أمسكت" (20: 22). روح المسيح الذي يحيي الأجساد يحيي أيضًا النفوس المائتة
بالخطيئة. وتراءى أخيرًا لتوما وقال له: لأنّك رأيتني آمنت: طوبى للذين لم يروا
وآمنوا" (20: 29). والدعوة الأخيرة هي أيضًا للإيمان.
خلاصة
هكذا تبيّن لنا أنّ انجيل يوحنّا هو، من بدايته حتى نهايته، إنجيل الإيمان بأن يسوع
هو الحياة، لأنّه هو النبيّ الذي أنبأ به موسى، وهو المسيح الذي تنبّأ عنه
الأنبياء، وهو ابن البشر الذي أعلن عنه دانيال، وهو كلمة الله وابن الله، الذي كان
منذ البدء مع الله، وكانت فيه منذ البدء الحياة، والذي أرسله الله إلى العالم
بالجسد ليعطي الحياة لكلّ ذي جسد. ونراه في أثناء حياته على الأرض يمنح الحياة
للناس. فيشفي ابن الضابط الملكي: "اذهب، فابنُك حيّ"، ويقيم المخلع: "قم، احمل
فراشك وامش"، ويعيد حياة النفس للزانية: "اذهبي، ولا تعودي بعد إلى الخطيئة"، ويُحي
لعازر الميت: دايا لعازر، هلمّ خارجًا!". ويقول للسامريّة: "أنا ماء الحياة"، ويقول
قبل شفاء الأعمى: "ما دمتُ في العالم، فأنا نور العالم". ويقول لليهود: "أنا نور
العالم، من تبعني فلا يمشي في الظلام، بل يكون له النور الذي يقود إلى الحياة"،
ويقول للجموع: "أنا الخبز الحي"، ويقول لمرتا: "أنا القيامة والحياة"، ويقول
لتلاميذه: "أنا الطريق والحق والحياة"، وأخيرًا يبذل حياته ويُدفن كحبّة الحنطة ثم
يقوم مانحًا العالم الحياة.
وعندما أراد يوحنّا أن يكتب رسالته الأولى، أوجز في مطلعها شهادة انجيله كلّها.
فعلى مثال انجيل يوحنا، تبدأ رسالته الأولى بالشهادة لظهور الحياة الإلهية في شخص
يسوع المسيح: "إنّ ما كان من البدء، ما سمعناه، وما رأيناه بأعيننا، وما تأمّلناه
وما لمسته أيدينا في شأن كلمة الحياة- لأنّ الحياة قد ظهرت، لقد رأيناها، ونشهد
لها، ونبشِّركم بهذه الحياة التي كانت لدى الآب وظهرت لنا- إنّ ما رأيناه وسمعناه
به نبشّركم أنتم أيضًا، لتكون لكم، أنتم أيضًا، شركة معنا. وشركتنا نحن، إنّما هي
مع الآب ومع يسوع المسيح ابنه" (1 يو 1: 1-3). وتؤكّد الرسالة: "ها هي هذه الشهادة:
أنّ الله أعطانا الحياة الأبديّة، وهذه الحياة هي في ابنه. من له الابن فله الحياة،
ومن ليس له الابن فليس له الحياة" (1 يو 5: 11-12).
وينتهي آخر سفر من العهد الجديد، سفر الرؤيا، بتأكيد دور يسوع في منح الحياة: "وقال
الجالس على العرش: ها إنّي أجعل كلّ شيء جديدًا... لقد تمّ. أنا الألف والياء،
والمبدأ والغاية؛ أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجّانًا" (رؤ 21: 5-6). "ثم
أراني نهر ماء الحياة صافيًا طاهرًا مقدّسًا من عرش الله والحمل" (رؤ 22: 1) أي من
الآب، ومن الحمل، أي من يسوع المسيح الذي بذل ذاته لأجل حياة العالم. وعندما يصف
المدينة السماويّة يقول: لألم أرَ فيها هيكلاً، فإن الربّ الإلهَ القدير والحمل هما
هيكلُها. ولا حاجة للمدينة إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها، لإنّ مجد ألله
ينيرها، والحمل مصباحها" (رؤ 21: 22-23). وهنا أيضًا، كما في مطلع الإنجيل، "الحياة
هي نور الناس". وتنتهي الرؤيا بالروح والكنيسة يدعوان الناس إلى أن يأتوا إلى يسوع
المسيح، حمل الله وعريس الكنيسة (رؤ:29:3)، ليستقوا منه ماء الحياة: "الروح والعرس
يقولان: هلمّ! ومن سمع فليقل أيضًا: هلمّ! من كان عطشان فليأتِ، من شاء فليأخذ ماء
الحياة، مجّانًا" (رؤ 17:22).
الفصل الثاني
أين صار البحث اليوحناويّ
الأب شارل بيرو
أين صارت الأبحاث حول التقليد اليوحناويّ؟ أين هي الجبهة الحاليّة في هذا المجال
الواسع؟ بعد تذكير موجز بالنتائج التفسيريّة التي صارت قديمة، نقدّم الجواب في
خطّين اثنين: (1) الخط الأول يركّز على تطور الأساليب التفسيريّة المتّبعة اليوم.
فتنوّعها هو أيضًا ينبوع غنى. (2) والخط الثاني يركّز على بعض المواضيع التي تجتذب
بشكل خاص دارسي يوحنا اليوم؟ ومنها (أ) البناء الأدبي في الانجيل الرابع. (ب)
التقاليد اليوحناويّة الأساسيّة وعلاقتها بالغنوصيّة. (ج) تاريخ الجماعة
اليوحناويّة (هذا ما نعود إليه في مداخلة خاصة). (د) يوحنا والكتاب المقدس، المسألة
اليهوديّة في التقليد اليوحناويّ. (هـ) اللاهوت والكرستولوجيا عند يوحنا (مداخلة
ثالثة). (و) الروح والخلاص عند يوحنا (مداخلة رابعة). (ز) الهرمانايا أو التأويل
اليوحناويّ. الرمزيّة، استعمال الممازحة التي ترتبط بلافهم عند الشعب أو عند
السامعين، وبعبارة تُفهم في معنيين.
ونبدأ بتذكير تاريخيّ موجز يُشرف على الدراسات اليوم. لقد نظّم كتاب حديث (فهم
الانجيل الرابع) تاريخ تفسير يوحنا بحسب ثلاث مراحل: قبل رودلف بولتمان. ثم
بولتمان. وأخيرًا، بعد بولتمان. أعطى هذا الكتاب أهميّة مفرطة لمسألة التأويل بحسب
طريقة بولتمان.
1- تذكير تاريخيّ
لن نقدّم هنا تاريخ التفسير اليوحناويّ منذ آباء الكنيسة حتى ولادة التأويل النقديّ
في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى القراءات الحاليّة للتقليد اليوحناويّ. بدأ الآباء
فقرأوا النصّ ليعيشوا منه، فأبرزوا بشكل خاص رمزيّة هذا الانجيل المدهشة. حينئذ بدا
النصّ حسب الهدف الذي حدّده له الانجيليّ: الايمان والحياة (رج 20: 23). ومع "عصر
الأنوار" وولادة العلوم التاريخيّة، انتقل المؤوِّل من "مدخل" إلى النصّ، إلى
التأويل، فجعل مسافة بين النصّ والقارئ: هكذا يعطي النصّ الأسباب الوضعيّة لـ
"لايمان" لدى قارئ يتساءل حول شرعيّة الخبر، حول صحّته الأدبيّة والتاريخيّة. فعلى
مدّ القرن التاسع عشر، كان السؤال الأهم سؤالاً حول التاريخيّة: هل خبر يوحنا صحيح
مع أن "حياة يسوع" تختلف كل الاختلاف تقريبًا عن "حياة يسوع" كما في الأناجيل
الإزائية (مت، مر، لو)؟ أما يبدو انجيل يوحنا تأمّلاً (وموعظة) جاء متأخرًا بالنسبة
إلى مواد خشنة نجدها عند الإزائيين؟ ثم إن انجيل يوحنا لا يبدو موحّدًا، متجانسًا.
أما يكون صُنع من قطع وتقاليد متمازجة؟ وفي أي حال، يشكّل الفصل الأخير (ف 21)
بصورة واضحة، ملحقًا لعمل أول انتهى في البدء في ف 20 مع خاتمته الخاصة. ولهذا بدت
الضرورة ملحّة لكي نكتشف العناصر الأقدم، ونُبرز الطبقات الأدبيّة المتعاقبة،
ونُحيط بالينابيع الأدبيّة إن لم يكن وجود التصميم الأصلي.
ونقدّم بعض الأمثلة المعروفة عن التنافر أو التعارض داخل يو: في المطلع (1: 1-18)،
يُذكر يوحنا المعمدان مرتين (6:1-8 ثم 1: 15)، فيتحطّم الايقاع في النشيد. زيد
53:6-58 على خطبة الخبز الذي صار جسد يسوع، مع أننا قرأنا في 6: 63: "الجسد لا ينفع
شيئًا". والترتيب الحالي للفصول 4-6 التي تتمّ في الجليل ثم في أورشليم ثمّ في
الجليل دون الاشارة إلى انتقال إلى الجليل. لهذا اقترح بعضهم تحويل مواضع النصوص.
يجب أن نقرأ: 4+ 6+ 5+ 7: 15-24 + 7: 1-14.
ونتابع هذا التذكير التاريخيّ. ننطلق من هذه التقاليد الأولى كما "كوَّنها"
المؤوِّل، فنقدّم حكمًا على قيمتها التاريخيّة. ولكن الخاتمة ستبدو حالاً سلبيّة:
هذا الانجيل الذي يظلّ كاتبه الأول مجهولاً إن لم نقل مغمورًا (التلميذ الحبيب، أو
يوحنا الانجيليّ، أو يوحنا الشيخ؟)، قد لا تكون له قيمة تاريخيّة رغم بعض التفاصيل
الطوبوغرافيّة (مثل سيخار وشكيم وبئر يعقوب. والموضع المسمّى "جباتا" في خبر
الآلام) والكرونولوجيّة (ذكر الأعياد يفترض أن رسالة يسوع امتدّت ثلاث سنوات
تقريبًا. تاريخ موت يسوع، مساء الفصح). بل رغم تقاليد قديمة مثل محاكمة يسوع أمام
بيلاطس فقط، تجاه محاكمتين، واحدة أمام السنهدرين أو المجلس الأعلى وواحدة أمام
بيلاطس، كما فعل مرقس. ومع ذلك فكلمة يسوع حسب يو تبدو مختلفة عمّا في الأناجيل
الازائيّة: هي رمزيّة، استعاريّة، دفاعيّة، لاهوتيّة. وهكذا تكون خطب يسوع في يو
نتاجَ الانجيليّ، لا نتاج يسوع.
ولكن من أين جاءت هذه التفاسير الحرّة والمدهشة لشخص يسوع، وتوسّعات كلامه والتشديد
على بعض فعلاته؟ قد نكون هنا أمام عمل مدوّن متأخّر نحدّد موقعه فقط في نهاية القرن
الأول أو بداية القرن الثاني؟ وتتكدّس الفرضيّات في إطار مدرسة تاريخ الديانات.
وكان تشديد على التأثير الهلنستي في أشكاله المختلفة. أما يكون يو فقط النتاج
الثانوي للغنوصيّة أو بالأحرى الهرماسيّة؟ أما يكون قد تأثّر بفيلون الاسكندراني
الذي أبرز أهميّة اللوغوس كما هو الأمر في مطلع يو؟ وقالوا: من هذا المناخ الهلنستي
برزت "كرستولوجيا عليا" لكلمة الله حسب التدوين اليوحناويّ الأخير، ساعة اكتفت
التقاليد اليوحناويّة الأولى بالكلام عن مسيح اسرائيل. وهكذا ألِّه الانسانُ يسوعُ.
كانت أحكام هؤلاء المؤوّلين السابقين (وكانوا بشكل خاص من الالمان) مرات عديدة،
جذريّة، فلا يستطيع أن يتفلّت منها الشارح. حين نقول هذا نستثني أشخاصًا مجلّين مثل
الآب لاغرانج الفرنسي وعددًا كبيرًا من المفسّرين ذوي الثقافة الانكليزية مثل دود
بشكل خاص. فتبدّلت النظرة التفسيريّة إلى يوحنا أو التقليد اليوحناويّ (كما سيُقال
فيما بعد) بشكل خاص دون التوصّل إلى رفع اللغز رفعًا كليًا، وهو لغز ما زال يُطرح
اليوم. ومع ذلك، فهناك فرضيّات عديدة ترتّبت قبل سنة 1950، ولكنها انهارت اليوم على
أثر:
- تنقيبات قمران التي أتاحت تقييمًا جديدًا للعالم اليهوديّ في القرن الأول،
وبالتالي تحديدًا لموقع العالم المسيحيّ المتهوّد الذي نجده بشكل خاص في التقليد
اليوحناوي، في إطار عالم يهودي بدأ متنوّعًا كل التنوّع في ذلك الوقت، بما في ذلك
الوجه الصوفيّ.
- الاكتشاف في نجع حمادي لمكتبة غنوصيّة، وهذا ما دفعنا إلى إعادة تقييم الظاهرة
الغنوصيّة في القرن الثالث ب م، وما بعد ذلك. وهكذا استطعنا اليوم بشكل أفضل أن
نتّبع "مسيرة" التقليد اليوحناويّ مع انحرافاته الغنوصيّة مع "إنجيل فيلبس".
- اكتشاف مخطوطات مختلفة على الورق البرديّ: اكتشاف ب 52 التي دوّنت في مصر قبل سنة
150. وبرديّة اغرتون التي دوّنت قبل سنة 150 ومزجت عناصر من يو مع الإزائيين. ثم ب
86. وفي سنة 1961، ب 75 (مكتبة بودمر). وبمختصر الكلام، بدا الأساس المخطوطيّ
لانجيل يوحنا متينًا جدًا (23 برديّة)، وهو يعود إلى بضع سنوات بعد التدوين الأخير
للانجيل الرابع، الذي يعود، على ما يبدو، إلى ما بعد سنة 95. هذا ما يقوله معظم
الشّراح مستندين إلى اضطهاد دوميسيانس الذي اعتبر نفسه "الاله والربّ".
- تنقيبات أركيولوجيّة مختلفة. مثل بركة بيت زاتا مع أروقتها الخمسة التي يتحدّث
عنها يو 5: 2. ولفيفة النحاس التي اكتشفت في قمران (هي اليوم في عمّان) تتحدّث عن
"بيت اسداتايين"، "بيت (موضع) الحوضين".
- تحسّن أساليب الدراسة منذ سنة 1970 تقريبًا.
2- أساليب للدراسة جديدة
بعد سنة 1970 بشكل خاص، اجتاحت المسائل الاسلوبيّة الحقل التفسيريّ. منذ الآن، لم
يعد يهتمّ الأخصائي بجديد فرضيّة أدبيّة، بقدر ما يهتم بطريقة طرحها أو إسنادها.
وبمختصر الكلام، أخد التفسير يفكّر في ما يفعل. فكتاب تفسيريّ لا يوضح أسلوبه ونهجه
يصبح مثار شكّ. لهذا، لا بدّ من توزيع الأعمال التالية بالنظر إلى الأساليب التي
أخذ بها (دون أن يستبعد الاسلوبُ أسلوبًا آخر).
أ- التأويل التاريخيّ النقديّ
هناك متطلّبة أولى (لا تُراعى دومًا) تفرض التمييز الضروريّ بين السنكرونيا (أو:
النظرة الاجماليّة) والدياكرونيا (أو: النظرة التفصيلية): دراسة النصّ في واقعه
الادبي الحالي. دراسة تكوينه الأدبي وتكوين تاريخ التدوين. لا نمزج بين الطريقتين.
في البداية، وحوالي سنة 1973 وما بعد، بدت الدراسات من النمط السنكروني، وكأنها
تواجه الأعمال الدياكرونيّة المسمّاة "تاريخيّة ونقديّة". ولكن منذ عقد من الزمن،
انتهت الحرب بينهما. وتكاتفت الوجهتان السنكرونيّة والدياكرونيّة، ووصلتا إلى نتيجة
طيّبة، شرط بدء الدراسة بتحليل دقيق للسنكرونيا، لا بشكل مباشر بالدياكرونيا. نبدأ
فنقرأ النصّ قبل أن نصوغ ما قبل النص فنصل إلى الأب وإلى الجدّ.
ب- تحاليل من النمط السنكرونيّ
اهتمّ الكتّاب مرارًا بالسنكرونيا وبحسب المناهج المختلفة. (1) السيميائيّة أو
التحليل البنيويّ. غير أن هذه الممارسة بدت مملّة وذات نتيجة ضئيلة. (2) التحليل
البنيويّ انطلاقًا من التضمينات والتصالبات، ولكن شرط أن لا نستسلم "لمرض التصالب"
(نجد تصالبًا في كل نصّ). (3) التحليل البلاغيّ، حسب قواعد البلاغة القديمة من
أرسطو إلى كونتليانس. ولكن هذه القواعد البلاغيّة قد تطوّرت وظلّ تطبيقها ذاتيًا
(لا وضعيًا). فيجب أن نقرّ بأن النتائج تختلف اختلافًا لافتا بين مفسّر وآخر داخل
نظام واحد: فاكتشاف التصالبات بشكل خاص، يعكس الفكر الاستنباطيّ لدى ذاك الذي يظنّ
أنه يكتشفها في النصّ، وذلك بالاستعانة بمنطق "غربيّ". كم مرّة تبدو هذه القراءات
من النمط السنكرونيّ نسقيّة، فتتابع "تضرّسات" خبر كان يستند إليها التأويل
التاريخيّ النقدي.
ج- الأبحاث الاجتماعيّة الدينيّة
ووعى مفسّرون البُعد التاريخيّ للنصوص، فحاولوا أن يحدّدوا موقعها في سياقها
الحضاريّ والدينيّ. من هنا أهميّة هذه الأبحاث التي برع فيها ريمون برون.
د- تاريخ "النتيجة" والتنبّه إلى السرد
هـ- تاريخ تقبّل النصوص
في قلب مسيرة تقليديّة واحدة، حتى آباء الكنيسة، بل حتى أيامنا، ما نسي الشرّاح
البُعد التفسيريّ الذي بدأ به بولتمان من أجل قراءة حاليّة لانجيل يوحنا من أجل
انسان اليوم. إمّا مع تنبّه إلى الوجهة الروحيّة كما في تفسير ليون دوفور. وإمّا مع
تنبّه إلى تاريخ تقبّل النص.
3- بعض المواضيع المدروسة في أيامنا
نشير أولاً إلى المواضيع التي ما عادت تلقى اهتمام الباحثين: الدراسات حول اللغة
والاسلوب والكاتب (التقليد اليوحناويّ من التلميذ الحبيب إلى المدوّن الأخير)
وتاريخ التدوين (قبل سنة 70 أو بعد سنة 95) لم تعد كثيرة في أيامنا، لأن هناك
توافقًا على أثر الأعمال السابقة.
أما المواضيع التي ما زالت مثار جدال، فهي إلى المسائل التفسيريّة، كما يلي:
أ- ينابيع تدوين يوحنا ومراحله
أي القراءة التاريخيّة النقديّة، من النمط الدياكروني.
أولاً: لم يولد إنجيل يوحنا دفعة واحدة. لهذا يميّز الأخصائيّون مرارًا المراحل
التالية: (1) مرحلة سابقة ليوحنا في مدّ التقاليد الشفهيّة وقبل تأليف ف 1- 20. (2)
ضمَّ عملُ الكتابة هذا تقاليدَ أولى مختلفة في إطار تناسق إجماليّ. (3) في مرحلة
ثالثة، حصلت بعد كتابة ف 1-20، قُدّمت ردّة فعل كاتب الرسائل المنسوبة إلى يوحنا،
قبل الوصول إلى التدوين النهائيّ للانجيل مع ف 21. (4) وأخيرًا، يجب أن نتابع
المسيرة اليوحناويّة فنرى كيف استولى الغنوصيون على هذا التقليد وكيف جاهد ايريناوس
ليعيد هذا التقليد إلى الكنيسة. ونقول الشيء عينه في إطار الصراع ضدّ المونتانيّة.
فذريّة العمل اليوحناوي (وإن جاء منحرفًا في قسم منه) تضيء العمل نفسه بطريقتها
الخاصة.
ثانيًا: ونذكر بعد ذلك طرح بولتمان الذي اكتشف في يوحنا ثلاثة ينابيع أو ثلاثة
مراجع: مجموعة من أقوال وحي (إغو ايمي: أنا هو). مجموعة الآيات التي نجدها الآن في
ف 1-12 مع الخاتمة في 20: 30- 31. خبر الآلام. ما زال لهذه الفرضيّة محبّذون،
ولاسيّما في ما يخصّ "كتاب الآيات". واستند باكر أيضًا، بحثًا عن "الكتاب
اليوحناويّ الأساسيّ"، إلى كتاب الآيات حيث يبرز وجه يسوع، مسيح اسرائيل، الذي يجري
آيات مسيحانيّة مثل إيليا أو موسى. بعد ذلك سيدلّ انجيليّ آخر على يسوع كمرسل الله
في إطار "كرستولوجيا عليا". وذلك قبل أن يُدخل مدوّن أخير في النهاية عناصر من
النمط الاسكاتولوجيّ أو الأسراري (يو 6: 53-58).
أما بوامار ولاموي فقد ميّزا عدّة طبقات أدبيّة (وثيقة ج، استعادها يوحنا 2 أ،
يوحنا 2 ب، يوحنا 3). نعترف بأن إعادات هذه البناءات المتنوّعة ليس لها محبّذون،
وإن أدرك كل واحد أن التقليد اليوحناويّ هو نسيج عدّة قراءات متواصلة. ومع ذلك،
فبقدر ما البحث عن مراجع مكتوبة (إعادة بناء نصّ يأتي قبل النصّ الحاليّ) يبقى
أمرًا مشكوكًا فيه، بهذا القدر تبقى الاشارة إلى المواضيع التقليديّة، السابقة
للكتاب الحالي، دومًا مفتوحة ومقبولة. وهكذا يبقى علينا أن ندرك سبب هاتين
الظاهرتين: من جهة، وحدة التقليد اليوحناويّ في رنّته الخاصة، اللغوية واللاهوتيّة.
ومن جهة أخرى، تنافر غريب بين عناصر حاليّة تسمّى عناصر يوحناويّة.
بوجيز الكلام، نسمح لنفوسنا بأن نميّز هذه المواضيع القديمة و"ندلّ" عليها، وقد
استعادها التقليد اليوحناويّ. ولكننا نظنّ أنه يستحيل علينا أن "نعيد تكوين" النصّ
الينبوع.
- إن ما يلي "تكثير الأرغفة والسير على المياه" الذي يدلّ على يسوع الذي هو موسى
الجديد، بل أعظم من موسى (لأن الله هو الذي يعطي الخبز ويسود على المياه، لا موسى)،
قد استعيد من متتالية إخباريّة أخذت من محيط مسيحيّ متهوّد. هذا ما يدلّ عليه
الإزائيون.
- إن يو 6 حيث الخطبة حول الايمان بهذا الخبز السماوي الذي هو الكلمة الجديدة،
تقطعه ظاهرًا بعضُ اعتبارات حول الخبز الذي صار جسد الرب (آ 53-58: "إن لم تأكلوا
جسد ابن الانسان). نشير هنا إلى أن الدراسات على يو 6 هي عديدة جدًا. والنتائج
تختلف حسب المقاربة السنكرونيّة أو الدياكرونيّة.
- إن الآيات التي أجراها يسوع ارتبطت بالايمان وهي تبرّره. في 2: 23: "كثيرون آمنوا
به حين رأوا الآيات". ولكن بعد ذلك ستقدَّم الآيات على أنها ذات قيمة دنيا، ويخفّ
اعتبارها بالنسبة إلى الايمان. في 4: 48: "إذا كنتم لا ترون الآيات والمعجزات، أفلا
تؤمنون"! تبعوه "لأنهم رأوا الآيات" (6: 2) وفي 20: 29: طوبى للذين آمنوا ولم يروا.
ب- التقاليد اليوحناويّة. العالم اليهوديّ القديم والغنوصيّة
أولاً: الغنوصيّة
مع بولتمان وغيره، شدّد الشرّاح مرارًا على أهميّة الغنوصيّة: فحسب نظرة كونيّة من
النمط الثنائي، موروثة من بلاد فارس (اهورا ≠ مزدا)، ساعة سقط الانسان السماوي
الاولاني في الظلمة، أُرسل مرسَل سماوي على الأرض ليخلّص نفسه من المادة وينتزع
الآخرين منها فقط بقدرة معرفته للخلاص. هذا هو "المخلّص المخلّص" من عالم ماديّ
وشرّير. وقد يكون يو صحّح هذه السطرة ومسحنها، فطبّقت على يسوع رسمة "النزول
والصعود"، نزول يسوع، المرسل السماوي الذي يحمل النور والحقّ والحياة. ثم أدخل
موضوعًا بيبليًا هو موضوع الخلق، ورفضَ "ثنائيّة كوسمولوجيّة" (على مستوى الكون)
محتفظًا بـ "ثنائيّة القرار"، قرار الايمان الحالي بدون تطلّع اسكاتولوجي.
منذ مؤتمر مسّينة (سنة 1966) بشكل خاص، لم يعد من الممكن أن نعود هكذا إلى
الغنوصيّة قبل القرنين الثاني والثالث ب م، أقلّه في معنى نهج لاهوتيّ مكوّن (فهذا
"المخلّص- المخلّص" قد صار سطرة تأويليّة). وإن تكلّمنا عن غنوصيّة قبل الغنوصيّة،
لن نلقي ضوءًا على الوضع. ولكن، إن كنا نرفض الغنوصيّة كنسق موحَّد (وهذا ما لم
تكنه يومًا)، فيجب أن لا نلغي في الوقت عينه المواضيع العديدة التي تمازجت مرارًا،
فدخلت العالم الهلنستي في القرن الأول المسيحي. مثلاً، التشديد على موضوع الخلاص
وموضوع المعرفة.
بعد هذا، أتاحت اكتشافات قمران نظرة جديدة إلى يوحنا، فجعلت الوضع في الوقت عينه
أكثر بساطة وأكثر تعقيدًا. أكثر بساطة حين أعيد يو إلى العالم اليهوديّ. وأكثر
تعقيدًا بسبب التنوعّ في هذا العالم اليهوديّ.
ب- من العالم الهليني إلى العالم اليهوديّ
بعد أن ردّ مفسّرون عديدون على الطروحات الغنوصيّة، حوّلوا نظرهم إلى تجذّر يو في
العالم اليهوديّ. فالكتاب المقدس هو ما ينير بالدرجة الأولى وأفضل إنارة النص
اليوحناوي، لا العالم الهليني الذي بدا فكره "بخاريًا" (ضبابيًا) مرّات عديدة. فآلت
الأمور ببعضهم إلى نسيان السياق الهلنستي للانجيليّ ليتوقّفوا فقط عند الكتاب
المقدس في استكشاف يو. وذلك في شبه "مواجهة حصريّة" بين يو والتوراة، ونسوا أن
التقليد اليهودي (من مدراش، وتراجيم) يحمل الكتاب المقدس، وأن الحضارة الهلنستيّة
قد ولجت العالم اليهوديّ في ذلك العصر.
لهذا بدا من الضروريّ أن نقدّم التصحيحين الأساسيّين التاليين:
الأول: يجب أن نعيد النظر ونُظهر الفروق في تقسيمات "اليهوديّة والهلنيّة" (أو:
العالم اليهودي والعالم الهلينيّ)، اليهوديّة المسمّاة فلسطينيّة، واليهوديّة
المسمّاة هلنستيّة. فجميع اليهود كانوا في ذلك الوقت في ظلّ التأثير اليوناني،
التأثير اليوناني- الروماني. فلنميّز بالحري عدّة عوالم يهوديّة: اليهوديّة القديمة
في زمن عزرا. اليهوديّة الهلنستيّة التي انغرست في فلسطين (500000 أو 600000) أو
ظلّت في الشتات (6 أو 7 ملايين). اليهودية الرابينيّة بعد 150 ب م، ودمار أورشليم
الثاني. ولنتجنَّب الكلام عن يهوديّة مسمّاة بين عهدين.
الثاني: لا يقلّ هذا التصحيح عن سابقه. إن اليهوديّة الهلنستيّة المغروسة في
فلسطين، تدلّ على تنوعّ مدهش (أي: ليس هناك تيّار واحد). فهل يجب أن نتكلّم عن عالم
يهوديّ واحد، أم عن عوالم (في صيغة الجمع)؟ وليس هناك يهودية "ارثوذكسية" (صاحبة
إيمان مستقيم تقدّم القاعدة الصحيحة) بجانب "يهوديّات" منحرفة (قمران أو فيلون
الاسكندراني). كانوا يمارسون فقط "ارثوبركسيّة" (أو ممارسة مستقيمة): الختان،
السبت، الوصايا. وسارت بعض المواضيع اللاهوتيّة بشكل مختلف حسب الأوساط اليهودية:
حول المسيح، وقيامة الموتى، والملائكة، والعناية الالهيّة، والحريّة.
وبموجز الكلام حرّكت اكتشافات قمران تفجّرًا في معرفتنا للعالم اليهودي (أو العوالم
اليهوديّة) في القرن الأول المسيحيّ، فتجدّدت المقابلة بين النصّ اليوحناويّ
والمحيط اليهودي ومختلف الأوساط اليهوديّة.
ونقدّم موقفين تفسيريين في هذا المجال:
- ارتباط التقليد اليوحناوي مع قمران واضح. ولكن المسافة بين الخطّين واضحة أيضًا.
فيوحنا قريب من جماعة العهد وفي الوقت عينه بعيد جدًا.
- العلاقة (بما فيها من رباطات واختلافات) بين الجماعة (أو الجماعات) اليوحناويّة
وجماعة العهد، تبدو شبيهة بعلاقة الاسيانيين مع سائر اليهود، وبعلاقة تلاميذ يوحنا
المعمدان مع سائر الجماعات المسيحيّة (بطرس، يعقوب، بولس). وإذا نظرنا إلى سائر
الكنائس اللايوحناويّة، نفهم خاصيّة المجموعة المسيحيّة المتهوّدة، المسمّاة
يوحناويّة، في أنطاكية، والمجموعة المسيحيّة ذات النزعة اليهوديّة المهلينة من
النمط اليوحناويّ في أنطاكية، والمجموعة المسيحيّة المهلنية في أفسس. هذا ما نعود
إليه فيما بعد.
أما الآن فنتابع جردتنا متكلّمين عن الدراسات حول البناء الأدبي لإنجيل يوحنا.
فالدراسات عديدة حول يو 1 (المطلع) ويو 6 (خبز الحياة) وهي لافتة للنظر. أما دراسة
ف 13-17 (لا تسمّى بعد اليوم الصلاة الكهنوتيّة) فلا تلقى اهتمام المفسّرين.
ج- البنية الأدبية للانجيل الرابع
درسها الأب كوتنيه في المدخل إلى البيبليا، واستعادها الأب فغالي في كتابه حول
يوحنا.
د- يوحنا والكتاب المقدس، المسألة اليهوديّة في التقليد اليوحناويّ
أولاً: الايرادات البيبليّة
هناك قرابة 17 أو 19 ايرادًا واضحًا (خصوصًا من الأسفار الخمسة وأشعيا والمزامير)
وقريبًا (ممّا يسمّى) السبعينيّة أو العبريّة (الماسوريّة). وقد حوِّلت من الداخل
تحويلاً كبيرًا لتخدم خدمة أفضل حركة السرد. حينئذ صار الكتاب في خدمة الكلمة
الجديدة. والهدف تعبير أفضل عن الايمان، لا بشكل مباشر إسناد هذا الايمان. هكذا
يصبح الكتاب شاهدًا ليسوع، لا مجرّد قطعة إثباتيّة (يو 5: 19-20: "الكتب تشهد لي").
فكلام الله هو في خدمة الكلمة، يسوع المسيح، والروح يذكّرنا به. الكتاب يكشف
الايمان ويعلنه قبل أن يبرّره. وهو يدخل في سياق نبوءة تجد الآن في يسوع شمتها
الكاملة (ايرادات التتمة: لكي يتمّ).
عند ذاك أصبح قراءة الكتاب بشكل مباشر قراءة كرستولوجيّة. وهذه الكرستولوجيا هي
موجودة في الكتاب. لا يبدو يوحنا بشكل "مدراش" (كتابة مستحدثة) ولا بشكل "فشر"
(تفسير، كتاب نؤوّنه فندلّ به على شخص أو حدث حاضر كما في قمران). فكل شيء ينطلق من
يسوع ولا ينطلق من الكتاب. نحن أمام "مدراش" أو "فشر" "مقلوب". فيسوع هو الذي يعطي
وزنه للكتاب، ويُبرز قيمته النبوية. حينئذ يصبح الكتاب في الدرجة الثانية.
فالايرادات ليست عديدة. وهناك ايرادات ذات هدف كرستولوجى (1: 33؛ 2: 17؛ 6: 31، 45؛
10: 34؛ 12: 13، 15). وهناك ايرادات ستزداد وضوحًا حالاً قبل الآلام وخلالها (12:
38، 40؛ 18:13؛ 15: 25؛ 19: 24، 36، 37). ففي يسوع يجد الكتاب ملء اتمامه.
ثانيًا: يوحنا واليهود.
كيف نحدّد موقع يو والتقليد اليوحناويّ تجاه اليهود؟ لماذا لفظة "اليهود" ترتدي
معنى معاديا وذلك في مرّات عديدة؟ هل نقول "اليهوداويين" (نسبة إلى يهودا أي
المنطقة التي عاصمتها أورشليم) فنبرّر بهذه الذريعة أهل الجليل والسامرة؟ هل يعني
النصّ فقط رؤساء اليهود أو الفريسيين؟ هل نحصر هؤلاء اليهود بـ "أنماط أدبيّة"
يستطيع كل واحد أن يجد نفسه فيها حين لا يؤمن؟
على المستوى التاريخيّ، لاشكّ في أنه من الضروريّ أن نحدّد موقع يوحنا في محيطه
المسيحيّ المتهوّد. ولكن هذا المحيط هو مهمّش بعض الشيء: من جهة، يعارض اليهودَ
الذي لا يتقبّلون يسوع، بل يحاربونه (طرد المسيحيين من المجمع). ومن جهة ثانية،
يتنازع مع أوساط مسيحية متهوّدة أخرى (لا بولسيّة) لم يعرفوا أن يتحرّروا بما فيه
الكفاية من الشريعة: "شريعتهم". بعد هذا تدلّ لفظة "اليهود" (وكذا هو الأمر في بولس
مع بعض فروقات) على أن القطيعة بين الجماعة اليوحناويّة وسائر اليهود، قد فرضت
نفسها سريعًا، وإن قال يسوع بحسب يو إن "الخلاص يأتي من اليهود" (4: 22). ومع أن
بولس شدّد على أسبقيّة اسرائيل، وقبل بوجود مسيحيين متهودين تجاه مسيحيين هلينيين،
فما كان عبّر عن فكره بهذا الشكل، لأن الخلاص بالنسبة إليه يأتي فقط من الايمان
بالمسيح.
الفصل الثالث
انجيل يوحنا
على مشارف سنة الألفين
الخوري بولس الفغالي
انجيل يوحنا، هذا الانجيل الذي دوِّن قبل كل انجيل وانتهى تدوينه بعد كل الأناجيل.
هذا الانجيل الذي بدأت الكنيسة فخافت منه بعد أن سيطر عليه الغنوصيون واعتبروه
كتابًا من كتبهم. هذا الانجيل الذي بدا كتابًا لشيعة مسيحيّة منغلقة على ذاتها، لا
تفكّر بالرسالة التي تحملها إلى الآخرين، ولا توسّع آفاقها لتصل إلى العالم
الوثنيّ. فالمحبّة فيها هي بين الإخوة، ولا تصل إلى الأعداء. والعالم هو عالم الشرّ
الذي نعيش فيه لأنه فُرض علينا. ولكننا لسنا منه. هذا الانجيل الذي فتح له خطًا
خاصًا ابتعد فيه عن سائر الأناجيل، فقدّم أخبارًا لم يقدّمها سواه، وقال أقوالاً لا
نجدها عند متّى ومرقس ولوقا. هذا الانجيل الذي سماه اكلمنضوس الاسكندراني الانجيل
الروحاني. هو انجيل الروح القدس. وهو انجيل الآب والابن. لهذا، نقرأه على مشارف سنة
الألفين، بعد أن تأملنا في شخص الابن وشخص الروح، ووصلنا في هذه السنة إلى سنة
الآب.
هذا الانجيل الذي يقرأه الصغار فيدخلون في معانيه. والمتصوّفون فيغوصون في
روحانيّته. يقرأه العلماء ليكتشفوا ما ترك فيه من أثر الاسيانيون والغنوصيون ومختلف
الفئات الفكرية في القرن الأول المسيحي. ويقرأه المؤمن العادي ليتعرّف إلى ذلك الذي
هو الطريق والحق والحياة. إلى الكلمة الذي هو نور العالم. الذي جاء إلى خاصته،
وخاصته لم تقبله. الذي جاء إلى العالم، فما قبله العالم.
هذا الانجيل سنحاول الدخول فيه من ثلاث بوّابات: الخلفيّة الدينيّة. اللاهوت.
التاريخ والرمزية.
1- الخلفية الدينيّة في الانجيل الرابع
اختلف يوحنا عن الأناجيل الازائية. فتساءل علماء تاريخ الديانات منذ القرن التاسع
عشر عن مختلف التيارات الدينيّة التي تلاقت في كتاب وُلد في إطار يهوديّ قبل أن
ينتقل إلى محيط هليني. ونبدأ بالنهاية مع العالم الغنوصي قبل أن نعود إلى العالم
اليهودي.
أ- انجيل يوحنا والغنوصيّة
الغنوصيّة تيّار فكري وُلد من نظرة متشائمة إلى الكون. وهو يعتبر أن المعرفة تمنح
الخلاص. هذه المعرفة الباطنيّة التي تصل إلينا من خلال خبرة، لا عبر التقليد
الرسولي. وبما أن الانسان يبقى غريبًا عن الكون، فبالأحرى الكلمة. لهذا فهو لم
يتجسّد، ولم يخلّصنا بالصليب.
نلاحظ أن الانجيل الرابع يتحدّث مرارًا عن المعرفة الحقّة الني نراها في عرس قانا
الجليل حيث رئيس المتكأ كان لا يعرف. أما الخدم فكانوا يعرفون (2: 9). واعتبر
نيقوديمس أنه يعرف (3: 2)، فقال له يسوع: أنت لا تعرف (3: 8، 9). فالمعرفة التي
يقدّمها الانجيل ترفعنا إلى مستوى السماء ولا تبقينا على مستوى الأرض (3: 12).
والعارف الوحيد يبقى يسوع الذي هو بالنسبة إلينا الطريق والحق والحياة، وذاك الذي
يدلّنا على الآب.
هنا نشدّد على أن هذه المعرفة المرتبطة بيسوع ظلّت محصورة في جماعة أو جماعات
منغلقة على تعليم يرتبط بالتلميذ الحبيب. ذاك في مرحلة أولى. ولكن في مرحلة ثانية،
ستنفتح هذه الجماعة على الكنيسة الكبرى، ولاسيّما بواسطة إدخال شخص بطرس، فترتبط
معرفتها بالتقليد الرسولي. لم نعد فقط أمام الشاهد الذي عاين ما عاين عند الصليب
(19: 35)، بل أمام سمعان الذي قال له الرب: إرعَ خرافي، ارعَ نعاجي (21: 15، 18)،
فدلَّ على محبّة تفوق محبّة الآخرين.
ماذا نقول عن علاقة انجيل يوحنا بالعالم الغنوصيّ؟ نتذكّر أولاً أن هذا الانجيل كان
عزيزًا على قلب الغنوصيين في القرن الثاني وما بعد، ولاسيّما تلاميذ ولنطينس. كما
نتذكّر أن أول من فسّره كان هرقليون الغنوصي وأن أوريجانس لم يفسّره بشكل مباشر، بل
كان تفسيره ردًا على تفسير هرقليون. هذا الوضع هو الذي جعل الكنيسة الجامعة تأخذ
حذرها من انجيل اعتبره الغنوصيون إنجيلهم. وسوف ننتظر ايريناوس ونهاية القرن الثاني
أو بداية القرن الثالث، ليأخذ الانجيل الرابع المكانة التي يستحقّ بين الأناجيل
الأربعة.
يبقى أن نطرح السؤال حول التأثير الغنوصيّ على هذا الانجيل. نبدأ فنقول إن الكتب
الغنوصيّة ظهرت في القرن الثاني أو القرن الثالث. ساعة كان انجيل يوحنا قد دوّن
بشكل نهائيّ، بل وصل إلى مصر مع بردية رايلندس بانتظار بردية إغرتون. ولكن إن
تحدثنا عن مناخ غنوصيّ بدأ قبل المسيحية وامتدّ بشكل شفهيّ أو تدوينيّ وإن لم تظهر
آثاره قبل القرن الثاني، فنستطيع القول إن هذا الانجيل تنشّق المناخ الغنوصي وحاول
أن يقدّم له الجواب على تطلّعاته. فماذا اعتبرنا أن الحقبة الأخيرة في تدوين هذا
الانجيل تعود إلى أفسس، هذه المدينة الجامعية المتأثّرة بالتيارات اليونانيّة، نفهم
أن يكون الكاتب الملهم قد لجأ إلى المواضيع والصور والمفردات الغنوصيّة ليعبّر عن
خبرة الجماعة مع يسوع وبين أعضائها في لغة تصل إلى العالم الذي يحيط بها.
ب- العالم اليهودي الهامشيّ
اعتاد الشرّاح في خط أوسكار كولمان أن يميّزوا شكلين كبيرين في العالم اليهوديّ
الفلسطينيّ في القرن الأول المسيحيّ: العالم اليهوديّ الرسميّ أو الأرثوذكسيّ،
والعالم اليهوديّ الهامشي أو الإتروذكسي أي الذي تطعّم بعناصر غريبة. ونبدأ بهذا
الأخير، على أن نعود إلى تجذّر انجيل يوحنا في التوراة. فما هي مركّبات هذا العالم
اليهودي الإتروذكسي؟ هناك العماديون، والاسيانيون.
أولاً: العماديون
إن الحركة (أو الحركات) العماديّة هي حركة يقظة دينيّة، وُلدت في الأوساط الشعبيّة،
فأعلنت اقتراب الدينونة الاسكاتولوجيّة (جاءت النهاية)، ودعت الناس إلى الخلاص
بارتداد القلب وطقس التغطيس في الماء الحيّ لغفران الخطايا. توجّه طقس العماد
الخلاصي إلى الجميع، فجاء إليه الجميع بعد أن سقطت العوائق والحواجز المتعلّقة
بالطهارة بحسب الطقوس. كان العالم اليهودي ينال غفران خطاياه من خلال الذبائح التي
يقدّمها في الهيكل. أما الحركة العمادية فابتعدت عن الهيكل وسوف نراها مع يوحنا
المعمدان، كما مع يسوع، في نهر الاردن. واتخذ يوم كيبور، يوم التكفير، مكانة هامة
في حياة الشعب من أجل غفران خطاياه. أمّا مع يوحنا، فالتغطيس في الماء يكفي.
ما علاقة يوحنا بالعماديين؟ تفرّد يو فأشار إلى أن الرسل الأولين كانوا من تلاميذ
يوحنا المعمدان (1: 19). فكما كان عمادهم يتمّ مرة واحدة، وجد امتداده في العالم
المسيحيّ، وإن كان العماد المسيحيّ تفوّق بشكل لا محدود على عماد يوحنا. وتفرّد
الانجيل الرابع فقال إن يسوع بدأ فعمّد، شأنه شأن العماديين ومنهم يوحنا (3: 26).
وتحدّث عن يوحنّا الذي يعمّد في بيت عنيا، في عبر الاردن (28:1) وفي عين نون
(23:3). غير أننا لا نجد شيئًا حول كرازة المعمدان الاسكاتولوجيّة التي تتحدّث عن
"فأس وُضعت على أصل الشجر" (مت 3: 10)، وعن "تبن يجب أن يُحرق" (آ 12).
ثانيًا: الأسيانيون
جذور الانجيل الرابع في حركة العماديين. وجذوره أيضًا في حركة الاسيانيين، هؤلاء
العائشين قرب البحر الميت. عبارات عديدة نجدها في نظام الجماعة وفي المدائح توازي
ما نجده عند يوحنا. مثلاً، التعارض بين الحقّ والكذب، بينّ النور والظلمة. وهناك
عبارات مثل روح الحق، إبن الهلاك، السير في الظلمة. وهناك نصّ نجده في نظام الجماعة
عنوانه: نظام الروحين. هو ملخّص تعليم يصل إلى المبتدئين: "الله هو الذي خلق روح
النور وروح الظلمة، وعليهما أسسّ عمله كله. الأول يحبّه الله لكل مدى الأجيال،
ويرضى به في كل نشاطاته على الدوام. والثاني يُبغض الله مجلسه، ويبغض كل طرقه إلى
الأبد".
يتحارب هذان الروحان في قلب البشر بانتظار تدخّل الله في خط حز 36: "ينقّي بحقيقته
كل أعمال الانسان، ويطهّر له بناء جسده، حين ينتزع كل روح شرّ من أعضاء بشريّته،
وحين ينقّي بروح قداسته كل نشاط الشرّ، وبفيض عليه روح الحقّ كماء التطهير".
وهناك مقابلة نقرأها في كتاب المدائح على مستوى الحقّ كتعبير عن الوحي الالهي، وعن
دور روح الله في معرفة الله: "وأنا العاقل عرفتك يا إلهي بفضل الروح الذي وضعتَه
فيّ، وسمعتُ ما هو أكيد من سرّك العجيب. بفضل روحك القدوس، فتحتَ في وسطي المعرفة
في ما يتعلّق بسرّ فهمك ومعين قدرتك".
لا شكّ في هذه التشابهات بين انجيل يوحنا وكتابات قمران. ولكن لاهوت يوحنا يختلف كل
الاختلاف عن لاهوت قمران، وذلك في أعمق ما فيه. فإصلاح معلّم البرّ ركّز على شريعة
موسى التي يجب أن تعود بكل قساوتها ومتطلّباتها. وذلك من أجل تكوين جماعة من
"الأطهار" تنعزل بعيدًا عن أبناء الاثم بانتظار الدينونة الكبيرة ضد الخطأة. أما
إنجيل يوحنا فتركّز على شخص يسوع كالوحي السامي لأبوّة الله. والايمان به هو
المتطلّبة الوحيدة مع ما يتبعها من محبّة متبادلة بين الإخوة.
ج- العالم اليهوديّ الرسميّ
ارتبط الانجيل الرابع بالأماني الدينيّة في العالم الهلنستي، وبالحركات الهامشيّة
في العالم اليهوديّ. ولكن تبقى خلفيّته الأساسيّة العالم اليهودي "الارثوذكسي" مع
العبارة التي قالها يسوع للسامريّة: "الخلاص يأتي من اليهود" (4: 22). لسنا هنا
أمام اعتبار ثانويّ، بل أمام يقين عميق. لقد جاء المسيح إلى أخصّائه وإن لم يقبله
أخصّاؤه (1: 11). هناك تيّار بعيد المدى من الاستعداد لمجيء حامل الوحي، وهو لا
يخسر أهميّته حين يأتي النور. إذا كان يسوع هو المسيح، فهو قبل كل شيء مسيح
اسرائيل. وهكذا يلتقي الانجيل الرابع مع الانجيل الأول.
كيف يبدو ارتباط يوحنا بهذا العالم اليهودي؟ على مستوى حياة يسوع وعلى مستوى
تعليمه. فحياة يسوع تتوزّع على عدد من أعياد الحجّ إلى أورشليم. وإن كان المعلّم قد
طرد حيوانات الذبيحة من الهيكل (2: 14- 15)، فهو مع ذلك يقدّم تعليمه في الرواق
المقدس، ذاك المخصّص للوثنيين. هناك يتجادل مع العالم اليهوديّ الرسميّ، ويحاول أن
يقنعه فيما يخصّ إرسال الآب لابنه. وموسى نفسه سيطلب منه بأن يشهد ليسوع: "إذا
آمنتم بموسى تؤمنون بي لأنه كتب عني" (46:5).
وعلى مستوى تعليمه. نجد في يو 19 ايرادًا صريخا من العهد القديم. وإذا أضفنا
التلميحات الأكيدة، يزداد تجذّر يو في عالم التوراة ولاسيّما في الأسفار الخمسة
وأشعيا والمزامير. تُذكر شريعة موسى (نوموس) 14 مرة، وهي تعتبَر في أساسها مقدّمة
أولى للوحي النهائيّ في يسوع المسيح، لا نظام خلاص. لمّح يوحنا إلى وحي الاسم
الالهي على سيناء (خر 34: 6) فقال في المطلع: "أعطيت لنا الشريعة بموسى، وجاءت
النعمة والحقّ بيسوع المسيح" (1: 17). هذه الشريعة لا تنفصل عن الكتب النبويّة.
ومع ذلك، فهناك نصوص تشدّد على المسافة بين يسوع والجماعة اليوحناويّة من جهة، وبين
"شريعة اليهود" من جهة ثانية. استند يسوع إلى إحدى فرائض تث فأعلن: "كُتب في
ناموسكم (أنتم، لا ناموسنا نحن المسيحيين) أن شهادة رجلين مقبولة" (8: 17؛ رج 10:
34). فقد بدت القطيعة واضحة، ولاسيّما بالنسبة إلى السبت. ففي هذا اليوم شفى يسوع
المخلّع (9:5) والأعمى منذ مولده (9: 14) وأعلن أنه يعمل دومًا، شأنه شأن أبيه (5:
17).
استعاد يو سفر التكوين (1: 1) كما فسّره سفر الأمثال (8: 22) وابن سيراخ (24: 8).
وتوسّع في سيرة ابراهيم (يو 8: 31-59) وسيرة موسى، وما نسي عيد الفصح. ولكن شتان ما
بين يسوع وبين ابراهيم، بين يسوع وبين موسى. وشتّان بين الفصح اليهوديّ وفصح يسوع
الذي مات على الصليب فما كُسر له عظم. وكانت قراءة كرستولوجيّة لأشعيا (يو 12: 37-
42) ولسفر المزامير.
2- لاهوت الانجيل الرابع
منذ بداية المسيحيّة اعتُبر يوحنا الكاتب اللاهوتيّ. والقرية التركيّة التي تحتفظ
بمدفنه قرب أفسس تدلّ على ذلك: أيا سوليك أي القديس اللاهوتيّ. نكتشف لاهوت هذا
الانجيل منذ المطلع الذي دفعنا إلى أن ندخل في سرّ حياة الله بما فيها من نور.
ونسير في الانجيل فنكتشف ثلاث محطات: شخص يسوع المسيح. ذاك الذي هو مخلّص العالم.
ذاك الذي يبني كنيسته.
أ- شخص يسوع المسيح
يبدو انجيل يوحنا كتاب الشهادة ليسوع في محاكمة العالم اليهوديّ له. في هذا الجوّ
نُدعى إلى فعل إيمان تكون لنا به الحياة على ما نقرأ في نهاية الخاتمة الأولى:
"لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، وإذا آمنتم كانت لكم باسمه الحياة" (20: 31).
ونتحدّث أولاً عن شخص يسوع.
بعد مقابلة بين يوحنا ومرقس، نعدّد ألقاب يسوع. ونتأمّل في علاقته مع الآب التي
توصلنا إلى القول بأنه الكلمة وابن الله.
أولاً: بين يوحنا ومرقس
حين نقابل تعليم يوحنا عن المسيح والطريقة التي بها يعرض مرقس انجيله، نرى تعارضًا
كبيرًا بين الاثنين. في مرقس، لا يكشف يسوع عن نفسه إلاّ بشكل تدريجيّ. وهو يفرض
"السرّ المسيحاني" على الذين ولجوا سرّ رسالته وشخصه. ويجب أن ننتظر مشهد قيصريّة
فيلبّس لكي يقول التلاميذ رأيهم في هويّة يسوع. وما إن أعلن بطرس إيمانه المسيحانيّ
حتّى طلب منه يسوع الصمت.
أما في الانجيل الرابع، فالتلاميذ يعبّرون، منذ لقائهم الأول، عن حماسهم بإعلانات
متنوّعة: "وجدنا المسيح". "رابي، أنت ابن الله، أنت ملك اسرائيل" (1: 41، 49). ما
رفض يسوع هذه الاعلانات، بل عمّقها فقدّم نفسه ابن الانسان الذي يتفوّق على
الملائكة (1: 51). ثم أعلن للسامريّة أنه المسيح المنتظر (4: 26). ومنذ خطبته
الأولى في أورشليم، قدّم نفسه على أنه الابن.
ومع ذلك، فيسوع يبدو انسانًا حقًا. اختلف يو عن الأناجيل الغنوصيّة في القرن الثالث
التي قدّمت نفسها بشكل ايحاءات لازمنيّة لمسيح روحاني، فظل أمينًا كل الأمانة
للإطار الزمني في التقليد الانجيلي. استعمل الانجيل 15 مرة لفظةَ "انتروبوس" (رجل،
انسان) ليدلّ على يسوع. مثلاً، قالت السامريّة: "تعالوا وانظروا رجلاً قال لي كل ما
فعلت" (29:4). ودافع غملائيل عن يسوع قائلاً: "هل تحكم شريعتنا على رجل دون أن تسمع
له" (7: 51)؟ وقال قيافا: "يجب أن يموت رجل واحد عن الشعب كله" (11: 43). وفي
النهاية، قال بيلاطس: "هوذا الرجل" (19: 5). هذا الرجل تعب من السير في الطريق (4:
6). بكى عند قبر لعازر (11: 33، 38). أحسّ مسبقًا بالنزاع (12: 27). وفي النهاية،
كلّل بالشوك (2:19)، وحمل صليبه مثل كل محكوم عليه بالموت (19: 17). حافظ يوحنا على
بشريّة يسوع، فكان على طرفي نقيض مع الظاهريّين الذين اعتبروا أن يسوع تظاهر بأنه
انسان، وأنه ما مات على الصليب.
ثانيًا: ألقاب يسوع
إذا أردنا أن نتعرّف إلى شخص يسوع في يو، ليس أفضل من أن نكتشف الألقاب التي يعطيها
هذا الانجيل ليسوع. ففي الخاتمة، نعرف أن يسوع هو المسيح وابن الله (20: 31). وبعد
المطلع، نكتشف تسميات عديدة: هو حمل الله (1: 29، 36). هو مختار الله، ابن الله (1:
34). هو رابي (38:1؛ في 20: 16 نجد رابوني في فم المجدلية). هو الماسيا، المسيح،
كرستوس (1: 41). وهو ابن الانسان (1: 51) كما قال يسوع عن نفسه.
ونذكر أيضًا تسميات أخرى: هو الابن (3: 16). والعريس (3: 29). ومخلّص العالم (4:
24). والنبيّ الآتي (6: 14). وقدّوس الله (6: 96). وربي وإلهي (28:20) كما قال توما
في إيمان عميق عبّر فيه عن إيمان الكنيسة على مر الأجيال.
وتُضاف تسميات رمزيّة مع عبارة "أنا هو" تُوضع في فم يسوع. بعد تكثير الأرغفة قال
يسوع: "أنا هو خبز الحياة" (6: 35، 41، 48، 51). وفي شفاء الأعمى: "أنا هو نور
العالم" (9: 5). وقال في 7:10، 9: "أنا هو باب الخراف". وفي 10: 11، 14: "أنا هو
الراعي الصالح". وفي قيامة لعازر: "أنا هو القيامة والحياة" (11: 25). وفي الخطبة
الأولى بعد العشاء السريّ: "أنا هو الطريق والحقّ والحياة" (14: 6). وفي الخطبة
الثانية: "أنا هو الكرمة الحقّة" (15: 1، 5). إن يسوع يحمل في شخصه ملء ما تمثّله
هذه الألفاظ بما فيها من توق البشر إلى السلام والطمأنينة والسعادة.
وقد نستطيع أن نتوقّف عند النبي المرسل من قبَل الله. تلك هي الخطوة الأولى في
مسيرة الايمان. تلك كانت أولى خطى السامريّة (4: 19) والأعمى منذ مولده (9: 17).
وفي خطوة لاحقة، يعلن المؤمن أن يسوع هو النبيّ الذي أعلنه موسى من أجل أزمنة
الخلاص. ويستعمل يوحنا فعلين ليدلّ على أن يسوع هو مرسل الآب. "بمباين" (32 مرة)
يدلّ على الرسالة في المعنى الحصريّ للكلمة. "أبوستالاين" يدلّ على المهمّة الملقاة
على عاتق المرسل، وعلى المسؤوليّة.
ونستطيع أن نتوقّف عند لقب ابن الانسان (12 مرة). هذا اللقب يدلّ على ارتباط يو
بالتقليد الازائي، كما يدلّ على أصالته. يعود يوحنا، شأنه شأن الازائيين، إلى دا 7
وإجلاس شخص سريّ على العرش السماويّ بعد دينونة الممالك الوثنيّة المرموز عنها
بالحيوانات. ويتبع يو الأناجيل الازائيّة الثلاثة فيجعل هذه التسمية في فم يسوع.
وهكذا أوردت الأناجيل طريقة أحبّها يسوع للحديث عن مصيره.
ولكن في يو، تتميّز تسمية ابن الانسان عن الابن. فالابن يُذكر في علاقته مع الآب.
ولكننا لا نجد عبارة واحدة تربط ابن الانسان بالآب. ومع أننا نستشف أزليّة ابن
الانسان في خلفيّة 3: 13؛ 6: 61، فيوحنا يشدّد في استعمال هذا اللقب على حياة يسوع
على الأرض. هناك حديث عن لحمه ودمه (53:6). ابن الانسان هو الهيكل الجديد الذي فيه
يتمّ اتصال السماء بالأرض (1: 51). وهناك كلام عن ارتفاع يسوع وتمجيده (3: 14).
ثالثًا: علاقة الآب بالابن
يتميّز الانجيل الرابع في أنه يذكر الآب مرات عديدة (100 مرة ونيّف)، وكذلك الابن
(29 مرة). وهكذا يدلّ على علاقتهما المتبادلة. مثلاً، نقرأ في 53:3: "الآب يحب
الابن وقد جعل كل شيء بين يديه". وفي 19:5: "ما يعمله الآب يعمله الابن مثله". وفي
5: 26: "كما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له الحياة في
ذاته". وفي 14: 13: "كل ما تطلبون باسمي أعطيكم، ليتمجّد الآب في الابن".
لا شكّ في أن يوحنا يُظهر عظمة الابن التي لا تضاهيها عظمة. ومع ذلك، فهو يحتفظ
بعبارات تتحدّث عن ارتباط الابن بالآب ارتباط تبعيّة. فيسوع هو الابن المتنبّه الذي
لا يفعل شيئًا إلاّ إذا رأى الآب يعمله. وهو يتقبّل التلاميذ الذين يرسلهم الآب
إليه (6: 37، 38). ولا هدف له إلاّ أن يعمل إرادة الآب (4: 34؛ 29:8)، أن يبحث عن
مجد الذي أرسله (5: 41، 44؛ 18:7؛ 8: 50، 54). هذا التجرّد التامّ هو الختم الذي
يشهد لواقعيّة رسالته. "لو كنت أنا أمجّد نفسي، فمجدي ليس بشيء. إنما أبي يمجّدني،
هو الذي تقولون عنه إنه إلهكم" (8: 54).
اعتبر اليهود أن مجد يسوع وارتفاعه يؤثّران على مفهوم التوحيد: "ازداد اليهود طلبًا
لقتله... لأنه كان يدعو الله أباه، مساويًا نفسه بالله" (18:5). ولكن يوحنا سيبيّن
"تداخل" الآب والابن. قال يسوع لفيلبّس: "أفلا تؤمن أني أنا في الآب، وأنّ الآب
فيّ" (14: 1)؟ فهذه العبارات التي تدلّ على التبادل بين الآب والابن تتوزعّ على
الانجيل الرابع، ونقرأها بشكل خاص في الصلاة الكهنوتيّة. فالآب حاضر في الأعمال
التي يتمّها الابن (10: 38). وهو حاضر في تعليمه (7: 17). وسوف يقول يسوع كلمة
ستجعل اليهود يتناولون الحجارة لكي يرجموه: "أنا والآب واحد" (10: 30). اعتبروه أنه
يجدّف. وسيقول في 17: 5: "فالآن، أيها الآب، مجدّني أنت عندك، بالمجد الذي كان لي
لديك من قبل كون العالم".
وفي خط هذا "التداخل" بين الآب والابن، نتذكّر عبارة "أنا هو": قد تدلّ على شخص من
الناس. على ما قال الأعمى حين سألوه: "أنا هو" الأعمى منذ مولده (9: 9). وسأل الحرس
عن يسوع الناصريّ، فقال: أنا هو (18: 9) فدلّ على نفسه. ولكن من خلال هذه الاشارة
الماديّة، نفهم أن كلمة يسوع دلّت على أنه الله. لهذا تراجع الحرس إلى الوراء
خوفًا، وسجدوا سجود الرهبة.
ونقول الشيء عينه ساعة كان التلاميذ منهوكين في العاصفة. قال يسوع: "أنا هو" (6:
20). فاتخد كلامُه شكلَ ظهور إلهيّ. بدّد حضورُ يسوع كل خوف، ووصلت السفينة حالاً
إلى الشاطئ.
هنا نميّز "أنا هو" مع صفة أو بدون صفة. حين يقدّم يسوع نفسه على أنه خبز الحياة
ونور العالم وباب الخراف، فهو يعلن أن الخيرات التي نجدها في هذه التسمية قد وُجدت
فيه كاملة. أو: من هو "يهوه" (الاله الذي هو)؟ هو الراعي الصالح والباب... بعد أن
كثر الرعاة الكذبة وأغلق باب السماء... أما الاستعمال المطلق لعبارة "أنا هو" فنجده
في 8: 24، 28، 58؛ 13: 19. وفيه يتماهى يسوع مع الله. هو الله. "قبل أن يكون
ابراهيم، أنا هو". (8: 58)، أنا يهوه، أنا الله. وهذا ما سيفهمه اليهود، ويطلبون أن
يرجموا يسوع (آ 59).
في هذا الخطّ نعود إلى المطلع الانجيلي الذي هو قمّة الكرستولوجيا اليوحناويّة. فهو
يعلن أن يسوع هو منذ الأزل كلمة الله. وهذا الذي هو الكلمة، هذا الذي كان لدى الله
الآب، قد صار بشرًا وسكن بيننا فأبصرنا مجده.
ب- يسوع مخلّص العالم
تركّز الانجيل الرابع على وحي المسيح وعلى سرّ علاقة الابن مع الآب، فترك مواضيع
أساسيّة نجدها في الأناجيل الازائيّة. هناك موضوع التوبة مثلاً وغيره من المواضيع.
ولكن ماذا نقول عن موضوع الخلاص؟
أولاً: موضوع الخلاص
اعتبر الغنوصيّون أن الخلاص معرفة (غنوسيس) أو هو تعرُّف على الذات الروحيّة في
الانسان. ورأى بولتمان أن على الانسان أن يتواجه مع كلمة الموحي ليدلّ على علاقته
بالله. هنا يُطرح السؤال: هل من موضع في اللاهوت اليوحناويّ لكلام عن الخلاص
بالتكفير عن الخطايا؟ من أجل الجواب، ننطلق من النصوص.
لا يرد لقب "مخلّص" سوى مرّة واحدة، وذلك في الاعتراف الايماني لدى السامريّين
الذيم يمثّلون العالم الوثني: "عرفنا أنه حفا مخلّص العالم" (4: 42، سوتير). أما
فعل "سوزاين" (خلّص) فيرد مرارًا ليدلّ على عمل يسوع من أجل العالم الخاطىء، وهو
يقابل فعل "دان، حكم". إن إرادة الخلاص هذه تتأسّس على معرفة يسوع لأبيه: "كما أن
الآب يحيي الموتى، هكذا يحيي الابنُ من يشاء" (5: 21). وإذا كان الابن يحيا بالآب،
فلكي ينقل حياته لتلاميذه ويغذّيهم بجسده الذي يسلمه من أجلهم (6: 51، 57). إذن،
يقوم الخلاص بالنسبة إلى المؤمن أن ينضمّ إلى حياة الابن في اتحاده مع الآب. هذا هو
قلب الصلاة الكهنوتيّة (ف 17).
والشرّ الأكبر الذي يريد المسيح أن يخلّص البشر منه، ليس الجهل، بل الخطيئة. ما
حاول يوحنا أن يفصّل ظهور الخطيئة في الحياة البشريّة. بل توقّف بشكل جوهريّ عند
خطيئة اللاإيمان (8: 32-24). ومع ذلك، فالوجهة الأخلاقيّة ليس غائبة، وهذا ما
نلاحظه في المقابلة بين "صنع الشرَّ" و"صنع الحق". نقرأ في 3: 20- 21: "من يصنع
الشرّ يبغض النور ويرفض أن يأتي إلى النور مخافة أن تُفضح أعمالُه. ومن يصنع الحقّ
يأتي إلى النور لكي تكون أعماله ظاهرة، وهي التي تمّت في الله".
هذه الخطيئة يكون الانسان عبدًا لها (8: 34). وهو يتحمّل تسلّط أبي الكذب (44:8)
الذي سُمّي أيضًا رئيس هذا العالم (12: 21؛ 14: 30؛ 16: 11). هنا نبدو قريبين جدًا
من سفر الرؤيا (ف 13). ونلاحظ أن يسوع يقف أمام العالم الوثني الذي يمثّله بيلاطس،
فيعلن: "من هو من الحقّ يسمع صوتي" (18: 37). وهكذا يحرّك الانسان من أجل القرار
الذي يُعطي معنى لوجوده. وجواب بيلاطس (وما هو الحق) وما فيه من خيبة أمل، يدلّ على
حالة الذين يغطسون في الظلمة حين يوضَعون فجأة أمام النور.
ثانيًا: حمل الله
أورد الانجيل الرابع باحتفال خاص مرّتين كلام المعمدان عن يسوع: "هوذا حمل الله
الذي يرفع (يحمل) خطيئة العالم" (1: 29، 36). اعتبر الشرّاح أن يوحنا رأى في يسوع
"عبد يهوه" كما في أشعيا، أو "حمل الفصح".
هنا نعود إلى خبر الآلام مع إيراد يشير إلى حمل الفصح: "لم يكسر له عظم" (19: 36).
ونتذكّر أن يوحنا اختلف عن الازائيين فحدّد موعد محاكمة يسوع وموته عشيّة عيد الفصح
(18: 28). إذن، مات يسوع ساعة كانت تُذبح الحملان في الهيكل. وهكذا تحقّقت النبوءة
السريّة التي تفوّه بها يوحنا المعمدان.
ويُطرح السؤال: كيف انتصر يسوع على الخطيئة؟ نجد في 1 يو 2: 2 كلامًا يرتبط
بالذبيحة: يسوع هو ذبيحة تكفير. ولكن في انجيل يوحنا، نجد الخلاص في عمل الروح الذي
سلّمه يسوع إلى الكنيسة (19: 30)، فعمل الخلاص يتم بواسطة الدم والماء اللذين جريا
من جنب المصلوب.
والبعد الشامل للخلاص الذي حمله يسوع، يجد تعبيرًا عنه في الكتابة فوق الصليب في
ثلاث لغات (19: 20). جميع البشر مدعوون لكي يشاهدوا المصلوب (19: 37)، الذي يجتذبهم
إليه في حركة عودته إلى أبيه (12: 32).
ثالثًا: الصليب يكشف حبّ الآب
كانت الكرازة المسيحيّة الأولى تفصل بين ذلّ الصليب ومجد الفصح (1 كور 15: 1-5؛ فل
6:2- 11). بل كانت تحاول أن تخفّف من شكّ الصليب ببهاء القيامة (أع 2: 22-24). أما
يوحنا فضمّ وجهتَي السرّ الفصحيّ في نظرة إيمانية واحدة. هذا ما نكتشفه في فعل
"رفع" وفعل "مجّد".
نقرأ في 3: 14-15: "كما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب أن يُرفع ابن
الانسان، لكي تكون الحياة الابديّة لكل من يؤمن به" (رج 28:8؛ 32:12، 34). ومجد
الله لا يظهر فقط في آيات قدرة، مثل قيامة لعازر (11: 40)، بل في موت حبّة القمح
(13:12)، وهذا الموت هو شرط لحمل الثمار. هنا نتذكّر بداية الصلاة الكهنوتيّة:
"أيها الآب، جاءت الساعة، فمجِّد ابنك لكي يمجّدك ابنك" (17: 1). في هذا الكلام، لا
ينفصل الصليب عن المجد. ونحن لا نستطيع أن نلغي الصليب كأنه زمن فشل موقّت. فالصليب
ينتصب إلى الأبد كعلامة عن محبّة الله.
وساعةُ يسوع، في نظر يوحنا، هي ساعة ملء الوحي، لأنها الساعة التي تُظهر ظهورًا لا
محدودًا إرادة الآب بأن يعطي ابنه من أجل حياة العالم. فتجاه حبّ الله المقدّس، نجد
حبّ الابن في ملئه. فيسوع يمضي إلى جتسيماني، "ليعرف العالم أنه يحبّ الآب وأنه
يعمل بما أوصاه الآب" (14: 31).
ج- يسوع يبني كنيسته
هذه المحبّة يتوسّع فيه الانجيل الرابع في كل أبعادها، ويربطها بالروح القدس.
فمحبّة المسيح للآب تظهر في طاعة (14: 31) تقوده إلى أن يقول على الجلجلة: "تمّ كل
شيء" (19: 30). ومحبّة المسيح لأخصّائه يدلّ عليها غسلُ الأرجل كعمل يدلّ على عظمة
حبّ الفاديّ (13: 2). والمحبّة بين التلاميذ تعود بشكل قرار في خطب الوداع.
في هذا القسم نتوقّف عند وحدة الكنيسة، عند بنية الكنيسة. وننهي بنظرة إلى أم يسوع.
أولاً: وحدة الكنيسة
يتميّز الانجيل الرابع باهتمام بوحدة الكنيسة. فالخلاص في نظر يوحنا يتمّ لتجميع
أبناء الله المشتتين (11: 50-52). وهؤلاء الأبناء ليسوا فقط يهود الشتات، بل جميع
الوثنيين الذين يريد الراعي الصالح أن يجمعهم في رعيّة واحدة (10: 16). والوحدة لا
تتحقّق بانضمام أشخاص ارتدّوا إلى اسرائيل القديم، كما ظنّ المسيحيون المتوّدون. لا
بدّ من الخروج من الحظيرة القديمة (3:10، 4) والذهاب إلى المراع الخصيبة. وهذه
الوحدة تستند إلى تعلّق بشخص يسوع، الراعي الصالح: "خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها
وهي تتبعني" (27:10).
هناك صورتان عن تلك الوحدة. الاولى، القميص الذي لم يشقّه الجنود (23:19-24).
والثانية، الشبكة التي لا تتمزّق مع أن فيها 153 سمكة (21: 11). وهذه الوحدة، يدلّ
عليها التلاميذ حين يحبّون بعضهم بعضًا. "بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذي إذا كنتم
تحبّون بعضكم بعضًا". وحبّ التلاميذ هذا هو انعكاس لحبّ الآب للابن. "إن حفظتم
وصاياي ثبتّم في محبتي، كما حفظت أنا وصايا أبي وثبتّ في محبته" (15: 10).
غير أن هذه الوحدة مهدّدة بسبب الانشدادت التي فيها. لهذا، يركّز يوحنا مرارًا على
ضرورة البقاء في كلمة المسيح (8: 31؛ 15: 4-9). ويطلب من التلاميذ أن يظلّوا
متّحدين فيما بينهم لكي يكون انتماؤهم إلى المسيح صادقًا. والصلاة الكهنوتيّة (ف
17) هي جواب على أزمة تتحدّث عنها 1 يو 19:2 (خرجوا منا، يبد أنهم لم يكونوا منا.
لأنهم لو كانوا منا لاستمرّوا معنا): فالذين تركوا الجماعة أو هم يستعدّون لأن
يتركوها، يذكّرهم يوحنا بصلاة المسيح الأخيرة. هو لم يصلِّ فقط من أجل تلاميذه
المباشرين (17: 9)، بل من أجل الذين سيؤمنون بشهادتهم (17: 20): "ليكونوا كلهم
واحدًا، كما أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا واحدًا فينا أيضًا ليؤمن العالم
أنك أرسلتني".
يجب أن تتحقّق هذه الوحدة في الأجيال المتعاقبة، كما تقول الصلاة الكهنوتيّة (ف
17). ويجب أن تتحقّق في الجماعات المشتّتة في العالم، كما يقول مثل الراعي الصالح
(10: 16).
ثانياً: بنية الكنيسة
ما استعمل يوحنا، شأنه شأن مرقس ولوقا، لفظة "كنيسة" ليدلّ على جماعة تلاميذ يسوع.
ولكن هناك صورة القطيع (10: 16). وصورة الشبكة (11:21).
أما اللفظة الأساسيّة فهي "التلاميذ" (ماتيتاي): هم الاثنا عشر. أو مجموعةٌ أوسع
تراجع عددٌ منها (6: 60-66). والتلميذ هو قبل كل شيء ذاك الذي يتعلّق بالايمان
بيسوع (2: 11). هذا يعني أن الايمان هو العنصر الجوهريّ الذي يؤمّن تماسك المؤمنين
ووحدتهم. لقد طوّب يسوع أولئك الذين يؤمنون ولم يروا (29:20).
كيف تنظّمت هذه الكنيسة؟ بالامانة للشهادة لدى الذين كانوا مع يسوع منذ البدء (15:
27). بالاتحاد مع المسيح وحدةً نعيشها في الايمان، ونغذّيها بسرّي المعموديّة
والافخارستيا.
ثالثًا: أم يسوع
نجد في الانجيل الرابع مشهدين يعطيان لمريم مكانة مميّزة: آية قانا، والجلجلة. وقد
ربط يوحنا بين هذين المشهدين اللذين يشيران إلى ساعة يسوع، ويتضمّنان تسمية "امرأة"
على شفتي يسوع (2: 4؛ 19: 26).
ليست معجزة قانا فقط الآية الأولى التي أجراها يسوع. هي البداية. هي المبدأ الذي
يتضمّن سائر المعجزات كما في بذار. فآية تجديد العهد تتوجّه نحو تتميم الساعة التي
فيها لن يُعطي يسوع خيرات ماديّة (خمر من أجل المدعوين)، بل روحه (أسلم الروح)
العامل في أسرار الكنيسة (سرّ المعموديّة، وسرّ الافخارستيا، الدم والماء).
في مشهد قانا كما في مشهد الجلجلة، تُسمّى مريم أم يسوع، وتوضع مسافة بين يسوع
وأمّه (ما لي ولك في 2: 4؛ هذا ابنك في 26:19). في الحالة الأولى لا يُجري يسوع
المعجزة بالنظر إلى رباطات اللحم والدم (هي أمّه على المستوى الجسدي)، بل يفرض على
أمّه فعل إيمان ستفهمه نداء إلى الخدم بأن يفعلوا ما يأمرهم به (7:2). فعظمة مريم
تقوم في أنها اكتشفت في الايمان متطلّبات مخطط الله، وامّحت (كما امّحى يوحنا
المعمدان) ساعة بدأ ابنها رسالته العلنيّة. ومع ذلك، فإن تدخّلها حصل على نعمة بها
تكوّنت جماعةُ التلاميذ الذين آمنوا بيسوع حين رأوا الآية (2: 11).
أما مشهد الجلجلة، فقد درسه آباء الكنيسة ووجدوا فيه علامة تقوى بنويّة من يسوع إلى
أمّه. أما القرون الوسطى فتحدّثت عن الأمومة الروحيّة. واللاهوت الحديث رأى في مريم
صورة الجماعة المؤمنة. كانت عند صليب يسوع، ساعة الجميع هربوا. كانت واقفة لأنها
آمنت بابنها القائم من الموت الذي جاء إلى التلاميذ "ووقف في الوسط". في الآية
الأولى، في قانا، يتحدّث الانجيليّ عن إيمان التلاميذ، ولا يقول شيئًا عن إيمان
مريم. لقد كانت مؤمنة. وفي مشهد الجلجلة، نفهم أن مريم سبقت التلاميذ فآمنت بقيامة
ابنها ولهذا ما احتاجت أن يظهر عليها كما ظهر على النسوة عند القبر، وعلى التلاميذ
في العليّة.
3- التاريخ والرمزيّة
أ- هل يتوافق التاريخ والرمز
توزعّ الشرّاح بين مشدِّد على الرمزيّة إلى حدّ أنكروا واقع معجزات يسوع، وبين
مشدّد على التاريخ والواقع، فما عرفوا أن يخرجوا لكي يكتشفوا المعنى العميق للنصوص
اليوحناويّة. هنا نسارع ونقول إن الرمزيّة هي كاللون الذي يلتصق بجسم جامد. فإن لم
يكن جسم، فبماذا يلتصق اللون. وهكذا نقول بالنسبة إلى انجيل يوحنا. هناك الواقع
الذي حصل، والتاريخ الذي يشير إليه الانجيلي. نتمسّك بهما لنصل إلى المعنى الرمزيّ،
المعنى الروحي. وبقدر ما يكون الواقع صلبًا، تكون الرمزيّة غنيّة. ولن نبحث أبدًا
عن الفصل بينهما. أين يتوقّف الواقع وتبدأ الرمزيّة، هذا ما لا نستطيع أن نعرفه.
ولكن المهمّ هو الوصول في النهاية إلى المعنى الروحيّ الذي يريد يوحنا أن يقدّمه
لنا.
ماذا نجد في الأناجيل؟ إن خاتمتَي الانجيل الرابع (20: 30- 31؛ 21: 24- 25) تؤكّدان
بوضوح أدن الانجيليّ أراد أن يورد وقائع تاريخيّة تستطيع أن تحرّك الايمان وتغذّيه.
والبدايات المسيحيّة لم تشكّ يومًا في القيمة التاريخيّة للانجيل. فما هذا الايمان
الذي لا يستند إلى حضور تاريخيّ ليسوع المسيح الذي وُلد في أيام أوغسطس وهيرودس،
الذي وُلد في أرض محدّدة هي فلسطين، الذي وُلد في عائلة من العيال عرفنا فيها
"الأب" والأم والأقارب، الذي عاش في الناصرة فالتصق اسمه باسم بلدته؟
لماذا طُرح هذا السؤال بالنسبة إلى انجيل يوحنا ولم يطرح بالنسبة إلى الأناجيل
الازائيّة؟ لأن ترتيب حياة يسوع في يو يختلف عمّا هو في متّى ومرقس ولوقا. هذا ما
نلاحظه منذ قانون موراتوري الذي يعود إلى القرن الثاني المسيحي.
وقد أبرز خصوم المسيحيّة، ومنهم قلسيوس وفورفيريوس، الفروقات بين الأناجيل الأربعة
ليدمّروا شهادتها. وقد حاول آباء الكنيسة ولاسيّما أوريجانس وأوغسطينس، أن يبيّنوا
توافق الانجيليين وتكامل النصوص بشكل متوافق. هذا على مستوى الأخبار. وعلى المستوى
اللاهوتي، فُرض شخص يسوع الموجود قبل الأزل كما قدّمه الانجيل الرابع، بحيث أهمل
الشرّاح السمات البشريّة ليسوع كما نجدها في انجيل مرقس.
وتوسّع النقد الكتابيّ فطرح طرحًا جذريًا الثقة التي مُنحت حتى الآن لشهادة التلميذ
الحبيب. حاول هؤلاء الباحثون أن يبحثوا عن جذور الانجيل الرابع. ثم جعلوا تدوين
الانجيل الرابع يعود إلى القرن الثاني، كما ربطوه بالأناجيل الازائيّة. وها نحن
نورد بعض ما قالوا: "لم تكن اهتمامات الانجيلي وإلهامه على المستوى التاريخيّ أو
السيرويّ، بل على المستوى الدفاعيّ والتعليميّ واللاهوتيّ"، وقالوا: "استعمل الكاتب
التقليد الازائيّ بحريّة تامة وكيّفه بحسب حاجاته". وقالوا: "إن خُطب المسيح
اليوحناويّ تعبّر عن فكر الانجيليّ" (هذا يعني أنها لا تعبّر عن فكر يسوع). وقالوا:
"بالنسبة إلى حياة يسوع، ليس الانجيل الرابع مرجعًا نستطيع أن نستعمله مع
الإزائيين، أو نفضّله عليهم".
ب- اعتبارات منهجية
كيف نعالج هذا الوضع؟ نبدأ فنقدّم بعض الاعتبارات المنهجيّة.
- إن القيمة التاريخيّة للانجيل الرابع هي مستقلّة عن الجواب الذي نعطيه للسؤال حول
كاتبه. نحن هنا أمام معطية عامة بالنسبة إلى دراسة الأناجيل. فلا بدّ من إعادة
النظر في الدفاعيّة القديمة المؤسّسة على واقع يقول إن الانجيليين كانوا شهودًا
عيانًا وصادقين. فالانجيليّ ليس شخصًا فردًا يكتب في عزلة غرفته وبمعزل عن جماعة
تحمل التقليد. نحن نعرف أنّ لوقا استفاد من وثائق مكتوبة أو تقاليد شفهيّة. فلماذا
لا يكون وضع كاتب الانجيل الرابع وضع لوقا؟
- لا نستطيع أن نفهم الواقع التاريخيّ كما فهمه علم المؤرّخين في القرن التاسع عشر:
يصوَّر ببرودة لامبالية. يُنقل كما يُنقل تقرير صحافيّ. فلا عودة إلى الماضي من دون
تفسير. وليس من مؤرخّ إلاّ وعنده إيديولوجيّا مسبقة. ونحن لا نستطيع أن ننتقد
المراجع إن لم يكن لنا فهم مسبق لها يرتبط بفلسفة عامة وموقف ديني شخصي. في هذا
الجوّ نقرأ انجيل يوحنا، لا كصورة فوتوغرافيّة عن الواقع، بل كلوحة دينيّة وتأمّل
لاهوتي ينطلق من الواقع المادي فينيره الروح.
- كتب عدد كبير من الشرّاح "سيرة يسوع". وانطلق كاتبوها من انجيل مرقس الذي اعتُبر
الأقدم في الزمن والأقل لاهوتيًا، فاكتشفوا السمات الأساسيّة لرسم وجه يسوع. ولكنهم
نسوا أن كل انجيليّ يقدّم "صورة" عن وجه يسوع. فإذا مزجنا هذه الصور الأربع، كان
لنا كل شيء ما عدا وجه يسوع. ثم إن النقد الحديث قد أبرز القيمة الكرازيّة
واللاهوتيّة لانجيل مرقس. فهو لا يختلف عن سائر الأناجيل. وهناك خطّ يعتبر بداية
انجيل يوحنا قد سبقت سائر الأناجيل. لهذا، ليس يوحنا انجيليًا معزولاً عن سائر
الانجيليين، ونحن لا نعارضه بمرقس كما نعارض التأمل اللاهوتيّ بشهادة "فجّة" تعود
إلى البدايات.
- وتحدّث الشرّاح عن الرمزيّة في الانجيل الرابع. أترى الرمزيّة عائقًا لتجذّر هذا
الانجيل في التاريخ. لا نستطيع أن نعارض بين التاريخ والرمز كبُعدين لا يتصالحان.
يقولون: حيث التاريخ لا وجود للرمز. وحيث الرمز لا وجود للتاريخ. ولكننا ننسى
حينذاك قيمة الرمز كترجمة ملموسة لمعطيات وجوديّة يبرز فيها المصيرُ البشريّ. ثم
ليس من "واقع" إلاّ ويكون مفسَّرا. والمسافة بين الواقع وتفسيره شرط ضروريّ لكي
نقدّر أبعاد هذا الواقع وموضعه في مسيرة التاريخ. فالتقديم "الرمزيّ" للواقع يتوخّى
كشف خلفيّة هذا الواقع في حياة القارئ الشخصيّة، وفي تاريخ الجماعة.
- وحاول الشّراح أن يدرسوا تاريخ الجماعة اليوحناويّة. وبحثوا في النصوص عن
انعكاسات الاهتمامات والصراعات التي عرفتها. هذا عمل لا بأس به. ولكن يجب أن لا
ينسينا أن الانجيل الرابع هو قبل كل شيء شهادة عن حياة وتعليم شخص حقيقي، شخص وُجد
في التاريخ، هو يسوع الناصري. ونحن لا نستطيع أن تستشفّ حياة الجماعة إلاّ من خلال
النصّ الذي بين أيدينا والذي يرتبط في النهاية بيسوع المسيح، بما عاشه وقاله وعمله.
ج- التقاليد التاريخية في يو
نودّ أن نذكر هنا ثلاثة أمور فقط: إطار حياة يسوع. تفصيلات طوبوغرافيّة. من الحدث
إلى تفسير الحدث.
أولاً: إطار حياة يسوع
جعل الإزائيون نشاط يسوع يبدأ بعد توقيف يوحنا المعمدان (مر 1: 14). أما الانجيل
الرابع فدلّ على حقبة عماديّة في رسالة يسوع. كان هو يعمّد ويوحنا يعمّد (3: 22-26؛
4: 1-2). في الأناجيل الازائيّة، بدت دعوة الرسل الأولين المفاجئة، مدهشة بالنسبة
إلى القارئ (مر 1: 16- 20 وز). أما يوحنا، فأرانا أن الرسل الأولين كانوا تلاميذ
قدماء ليوحنا المعمدان، وقد ساروا مسيرة الايمان بشكل تدريجيّ (1: 35؛ 2: 11؛ 6:
67- 71).
تحدّث الازائيون عن صعود واحد ليسوع إلى أورشليم خلال حياته العلنية، وهو صعود
انتهى بالحكم عليه وصلبه وموته. أما الانجيل الرابع فتحدّث عن أكثر من صعود، وهذا
على حساب الرسالة في الجليل (4: 43-54؛ 6: 1 ي). هذا ما يساعد المؤرّخين على توزيع
نشاط يسوع على سنتين ونصف السنة، لا على سنة واحدة كما تظهر الأمور في انجيل مرقس.
قالت الأناجيل الازائيّة إن يسوع احتفل بالعشاء الأخير مع تلاميذه. وفي يوم العيد
نفِّذ فيه حكم الاعدام. ولكن هذه الفرضيّة تبقى غير معقولة من الوجهة التاريخيّة؟
فكيف يعود سمعان القيريني (مر 15: 21) من حقله "يوم العيد"؟ وكيف تتمّ محاكمتان في
ذاك اليوم المجيد؟ أما يوحنا فيؤكّد أن يسوع أوقف ليلة العيد (28:18) وفي يوم
التهيئة (19: 31). وما قدّمه يوحنا أخذ يفرض نفسه على الشرّاح شيئًا فشيئًا.
ثانيًا: تفصيلات طوبوغرافيّة
بعد الإطار، نعود إلى الأمكنة التي أوردها الانجيل الرابع، مع أن المؤرخين الأقدمين
لم يشدّدوا مرارًا على تفاصيل محدّدة. فيوحنا ذكر أماكن لم يذكرها الازائيون. بيت
عنيا التي في عبر الاردن (1: 28) وهي غير بيت عنيا، موطن لعازر وأختيه. قانا الجليل
التي فيها حوّل الماء إلى خمر (2: 1، 11)، وشفى ابن عامل الملك (46:4). وذكر منابع
عين نون (23:3)، قرب ساليم، وسيخار في السامرة (4: 4) مع بئر يعقوب الذي لا تزال
آثاره حاضرة حتى اليوم داخل كنيسة روسيّة لم يكتمل بناؤها مدة طويلة. وذكرَ قريةَ
أفرام حيث اختفى يسوع قبل آلامه (11: 54).
وكان يوحنا عارفًا معرفة خاصّة بطوبوغرافيّة أورشليم: بركة سلوام (9: 7)، والبركة
ذات الخمسة أروقة في بيت زاتا أو بيت حسدا (5: 1-2) التي اكتشفتها حفريّات تمّت في
القرن التاسع عشر. وأشار إلى وادي قدرون (18: 1)، والموضع المسّى ليتوستروتوس (في
اليونانية) أو جباثا (في العبريّة أو بالأحرى الأرامية) (19: 13). سمّى الجلجلة
موضع الجمجمة (في الأرامية: جلجثة) (19: 13). كما أشار إلى رواق سليمان (10: 13؛ رج
أع 1: 12) وموضع الخزانة (8: 20؛ رج لو 20: 21).
لا شكّ في أن تحديد موقع المشهد لا يكفل القيمة التاريخيّة للخبر، ولكنه إشارة مع
غيرها من الإشارات. فهناك تفاصيل يقدّمها يوحنا ولاسيّما في معرض الحديث عن
المعجزات. قد يستلهمها المفسّر ليكتشف البُعد اللاهوتي للمشهد. ولكنها تبقى واقعية:
ستة أجاجين في عرس قانا الجليل. العشب الأخضر في تكثير الأرغفة...
ونعطي أمثلة أخرى تلقي الضوء على تاريخيّة الانجيل الرابع. حسب مرقس، أطلق يسوع
التلاميذ بعد أول تكثير للأرغفة (مر 6: 45). ولكنه لا يقول السبب الذي دفع يسوع إلى
هذا العمل. أما يوحنا، فبيّن أن يسوع ما أراد أن يُشارك التلاميذُ الجمعَ في حماسهم
الشعبيّ (6: 14-15). قالت الأناجيل الإزائيّة إن يسوع حاول أكثر من مرّة أن يجمع
بني أورشليم كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولكنه اصطدم برفض سامعيه. هذا لا
نفهمه في صعود واحد ليسوع إلى أورشليم كما يقول متّى ومرقس. بل في أكثر من صعود كما
يقول يوحنا وربّما لوقا. عندئذ نفهم أن تكون محاكمةُ يوم الجمعة العظيمة المرحلةَ
الأخيرة في دراما دامت ثلاث سنوات.
ثالثًا: من الحدث إلى تفسير الحدث
إذا أردنا أن نقدّر القيمة التاريخيّة للانجيل الرابع حقّ قدره، نتذكّر هدف
الانجيلّ: هو يريد أن يقدّم شهادته في المحاكمة الكبرى التي تجعل العالم في وجه
يسوع. فالشهادة ليست فقط إيراد حدث رأيناه أو سمعنا عنه، بل دخول شخصيّ والتزام في
خدمة الحقيقة.
هنا نفهم الزمنين اللذين يشكّلان التاريخ. زمن يسوع وزمن التلاميذ الذين ترتبط
حياتهم بحياة يسوع. هناك زمن الحدث وزمن تفسير الحدث على ضوء الايمان. هنا يعطينا
الانجيليّ مفتاح قراءة النصّ على ثلاث دفعات. حين طرد يسوع الباعة من الهيكل، تفوّه
بكلمة سريّة: " انقضوا، اهدموا (أي إذا نقضتم، إذا هدمتم) هذا الهيكل وأنا أقيمه في
ثلاثة أيام" (2: 19). حين قال يسوع ما قال، لم يفهم أحد التلميح إلى موته، كما لم
يتطلّع أحد إلى هذا الهيكل الجديد الذي فيه سيعبد المؤمنون الآبَ بالروح والحقّ (4:
23). ولكن يوحنا قال لنا إن التلاميذ تذكّروا ذلك بعد القيامة وفهموه. عند ذاك
آمنوا بالكتاب وبالكلام الذي قاله (2: 22). وهكذا أتاح الايمان للمؤمن أن يربط بين
حدث (أو: بين كلمة يسوع) وبين تتمّة هذا الحدث في زمن الكنيسة (ق 17:2).
ونلاحظ الشيء عينه في مشهد دخول يسوع إلى أورشليم: "ولم يفهم التلاميذ ذلك بادئ ذي
بدء. ولكنهم، لما مجِّد يسوع، تذكّروا أن ذلك كُتب عنه، وأن هذا ما صنعوه له" (12:
16). وهنا أيضًا، تشير شهادة الانجيليّ إلى العلاقة بين حدث (أو: بين كلمة من
الكتاب المقدس، زك 9: 9) وبين التمجيد الفصحيّ. وفي موضع آخر، نفهم كيف تحقّق الوعد
بالمياه الحيّة (38:7) من خلال عطيّة الروح القدس للمؤمنين.
ولكن من يجعل التلاميذ يتذكّرون؟ من يقودهم في هذا التعميق اللاهوتيّ؟ البارقليط،
الروح القدس. فهو روح الحقّ الذي يتيح للمؤمن أن يعود من زمن الكنيسة إلى زمن يسوع.
هو المحامي عن الذين يشهدون (15: 27)، وهو يشهد ليسوع فيصل بالرسل إلى الحقيقة كلها
(16: 13). إذن، لسنا أمام زمن الروح الذي يحلّ محلّ زمن يسوع. زمن الروح هو زمن
اكتشاف غنى الوحي كله الذي تتضمّنه بشريّةُ الكلمة. وهكذا يظهر يسوعُ في قلب
التاريخ كله بعد أن أعطاه العهد القديم كثافة واقعه التاريخيّ. فمنذ التجسّد ينير
الكلمةُ البشر (1: 4)، وسيظل يفعل حتى اليوم الأخير، يوم القيامة العامة (5:
28-29).
خاتمة
تلك هي نظرة عامّة إلى انجيل يوحنا. وقد جاءت في ثلاث محطّات: عدنا إلى الخلفيّة
الدينيّة في العالم اليونانيّ والعالم اليهوديّ، فرأينا في هذا الانجيل جوابًا على
الفئتين اللتين يتحدّث عنهما بولس الرسول: اليهود واليونانيين. انطلق من هاتين
الحضارتين وطعّمهما بكلام الانجيل، فاعتبر اليهود أن هذا الكتاب كتابهم. وحاول
الغنوصيون أيضًا أن يسيطروا عليه ويحسبونه كتابًا من كتبهم. فتخلّت عنه الكنيسة
الجامعة بعض الوقت. وفي محطة ثانية، قدّمنا اللاهوت اليوحناوي حول شخص يسوع المسيح
وعلاقته بالآب، حول شخص المخلّص، حول الكنيسة. واكتفينا بالاشارة إلى الروح القدس
في القسم الثالث. أما المحطة الأخيرة، فأردناها حوارًا بين عالم التاريخ وعالم
الرمز. إن إنجيل يوحنا الذي هو أقرب الأناجيل إلى الجذور. إن إنجيل يوحنا الذي ذكر
تفاصيل لم يذكرها الازائيون. إن إنجيل يوحنا الذي يرتبط بشاهد عيان هو التلميذ
الذين كان يسوع يحبّه، وربما كان يوحنا. إن هذا الانجيل يغرز جذوره العميقة في
التاريخ، في حياة يسوع، وأعماله وأقواله. ولكنه جعل نور الكلمة يلقي بكل شعاعه على
هذا التاريخ فيجعل من تاريخ الانسان تاريخ الله. ومن تاريخ الله تاريخ الانسان.
فلماذا نريد أن نفصل بين الاثنين؟ ولماذا نريد أن نضحّي بتاريخ الانسان من أجل
تاريخ الله أو تاريخ الله من أجل تاريخ الانسان؟ فهذا الكلمة الذي هو لدى الله قد
صار بشرًا فحمل تاريخ الله إلى البشر. وهو حين يعود إلى أبيه يحمل تاريخ البشر إلى
الله. بل هو كل يوم يحمل تاريخنا بما فيه من ضعف وخطيئة فيصل به وبنا إلى سنة
الألفين، بل إلى ألف ألف سنة وحتى نهاية العالم ومجيئه الثاني.
الفصل الرابع
الجماعات اليوحناوية
الأب شارل بيرو
ما زال الأدب اليوحناويّ يشكل لغزًا، لأنه يختلف كثيرًا عن سائر نتاج التقليد
الكنسيّ. فإن "يسوع" في كتابات القديس يوحنا، الكلمة وابن الله، يبدو فريدًا،
غريبًا، بالنسبة إلى "مسيح" متّى و"الربّ" عند بولس. ونقول الشيء عينه عن الجماعة
(أو: الجماعات) اليوحناويّة التي لا نستطيع أن ندركها كما ندرك كنيسة متّى
المسيحيّة المتهوّدة، أو كنائس بولس المسيحيّة الهلينيّة.
1- الجماعة اليوحناويّة وسائر الكنائس
إن الجماعة اليوحناويّة تبدو مختلفة عن الكنيسة المتاويّة، في المعنى الذي تستعمل
فيه مرتين لفظة "كنيسة" (اكلاسيا) في مت، عن الجماعة أو "المجمع" الذي هو في امتداد
مع شعب الله. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فالجماعة اليوحناويّة التي هي مسيحيّة
متهوّدة مع ردّة فعل قويّة ضدّ اليهود الذين لا يعترفون بالمسيح، تبدو مختلفة
اختلافًا خاصًا عن كنيسة بولسيّة أو كنائس ورثت تقاليد بولس (رج كو؛ أف؛ أع؛
الرسائل الرعائيّة). في الواقع، لا تستعمل لفظة "اكلاسيا" في يو، ولا في 1 يو و2
يو، بل فقط في 3 يو. غير أن المرتبطين بالتقليد اليوحناويّ، ومع أنهم من أصل
يهوديّ، يبدون وكأنهم لا يتساءلون عن العلاقة التي يجب أن يقيموها مع الشعب المختار
بحسب خطّ يعقوب في أورشليم (حسب أع 15). أو بحسب بولس في روم 9- 11.
فمنذ البداية، القطيعة واضحة مع "اليهود" (الذين لا يقبلون بيسوع)، ومع "العالم"،
بل نكاد نقول مع مؤمنين آخرين بيسوع لا يدخلون في أصالة الطريق اليوحناويّة. لهذا
نحسّ بعض المرات في الكتابات اليوحناويّة بـ "تشيّع" يجعلنا نشعر أننا أمام عالم
منعزل حتى بالنسبة إلى مؤمنين ليسوا بعدُ من "القطيع". تعلّقوا بالتلميذ الحبيب، لا
ببطرس (الذي ستظهر صورته في ف 21) ولا بسائر الرسل (غابت لفظة "رسول")، فانغلقوا
بعض الشيء على نفوسهم في يقين كرستولوجيا متسامية. حينئذ أرادوا أن يعلنوا هويّتهم
الخاصة واختلافهم عن سائر التقاليد المسيحيّة، وبالتالي عن سائر الأناجيل. ومع ذلك،
نادوا بوحدة القطيع مع يسوع (10: 16).
وتظهر هذه المسافة في الكتابة، في شكل خاص لهذا الانجيل (الذي لا يستعمل كلمة
"إنجيل") الذي يختلف كل الاختلاف عن الازائيين في لحمته العامّة. وذلك حتى في
استعادة عدّة أخبار يوحناويّة (تصل إلى العشرة) نجد ما يقابلها في سائر الأناجيل.
مثلاً، الباعة المطرودون من الهيكل. ابن عامل الملك. تكثير الأرغفة. السير على
المياه... ولا ننسى خبر الآلام. فكم من اختلاف مع الأناجيل الإزائيّة! فيسوع لا
يتكلّم ولا يتصرّف في يو كما في مت، مر، لو، وهذا ما يُبرز الشعور بالغرابة.
فنحن أمام "عالم آخر"، حتى وإن طرحت كثرةُ التقاليد اليوحناويّة، المبعثرة في بعض
المرات، أكثرَ من سؤال حول التماسك الأدبي في المجموعة. غير أن هذه التقاليد
المختلفة التي نجدها داخل التقليد اليوحناويّ، تنغمر في محيط واحد خاصّ جدًا. إذن،
ظلّ التقليد اليوحناويّ حيًا منذ انطلاقته المنسوبة إلى "التلميذ الحبيب" ثم
التدوين الأخير في نهاية القرن الأول. وفي الوقت عينه، بدا هذا التقليد الواحد
وكأنه ممزَّق من الداخل.
2- الانشدادات والانشقاقات في قلب الجماعة اليوحناويّة
رجع عدد من الأخصّائيين أقلّه إلى الحقبة الأخيرة من تدوين يو، فاكتشفوا أن بعض
تلاميذ يوحنا واجهوا بعنف تلاميذ آخرين ينتمون أيضًا إلى التقليد اليوحناويّ. غير
أن تأثير الحضارة اليونانيّة، تأثير غنوصيّة قبل الغنوصيّة كما يقول البعض، بدأ
يظهر. فيسوع هذا الموحي الالهي، وصلت به الأمور بأن يخسر كل علامة عن بشريّته.
وزادوا: ولحسن الحظ، ردّ صاحب 1 يو ثم 2 يو و3 يو على هذه الظاهريّة التي وُلدت.
وكأني بالاعتراف الرفيع بكلمة الله (المسيح) حرّك لدى البعض محاولةً للتخفيف من وجه
يسوع البشريّ. بعد هذا، أما تكون قادتنا إلى هذا النوع من الغموض، قراءةٌ للتقليد
اليوحناويّ الأول؟ وبعد أن انتُزعت الجماعة اليوحناويّة من قبضة "معلمين كذبة" مثل
ديوتريفس وديمتريوس اللذين تتكلّم عنها 2 يو و3 يو، استعادت مع ضعفها، هذا التوازن
الجوهريّ فنسجت علاقات مع سائر الكنائس المرتبطة ببطرس (لهذا أضيف ف 21)، ومع سائر
الأناجيل (وهكذا كانت رباطات بين لو ويو).
أ- الانشقاقات
ونقدّم بعفن التفاصيل متتبّعين تاريخ "المسار اليوحناويّ"، ومنطلقين من فرضيّة
تعتبر أن 1 يو دوّنت بعد يو. إلى أي حدّ لا ينطلق فهم "غنوصيّ" لانجيل يوحنا من
الانجيل نفسه؟ وهذا ما حرّك انشقاقات في قلب التقليد اليوحناويّ اللاحق. هذه
التمزّقات الداخليّة التي تشهد عليها الرسائل اليوحناويّة (1 يو، 2 يو) تبيّن أن
الجماعة كانت في خطر كبير، بعد أن ابتلعتها الغنوصيّة. فقد كان انشقاق: "خرجوا منّا
ولكنهم ما كانوا منّا. فلو كانوا منّا لظلّوا معنا" (1 يو 1: 19).
لا شكّ في أن كرستولوجية الكلمة الموجود من الأزل، كما تسلّمها الانجيلي، اجتذبت
البعض فحجبوا أو رفضوا الواقع البشري للمسيح (في لحمه ودمه) على حساب تأكيد على
ألوهيته العالية والحصرية (هو فقط إله)، كما تقول 1 يو 2: 22: (من هو الكذّاب إلاّ
الذي يُنكر المسيح. هذا هو الانتيكرست (المسيح الدجّال)، ذاك الذي ينكر الآب
والابن". وفي 4: 2-3: "بهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بأن يسوع المسيح جاء في
الجسد (في لحم ودم) هو من الله. وكل روح يقسم (يشقّ) يسوع ليس من الله. إنه روح
الانتيكروست". فلدى هؤلاء الخصوم، انفصل الكائن السماويّ عن الانسان يسوع، وهكذا
رفضوا في الواقع تجسّده. وهكذا فُتحت الطريق أمام الظاهريّة حيث صارت بشريّة يسوع
محض ظهور لا واقع. ثم إن هذا الانفصام الذي يلامس شخص المسيح ويحقّر بشريته، يجد
تعبيرًا عنه في حياة المؤمن الذي يستسلم إلى الانفلات الأخلاقي لأن الجسد (ما هو
بشري، بدني، من لحم ودم) لا ينفع شيئًا. وإذ ردّ صاحب الرسائل اليوحناويّة مع
تابعيه على المعلّمين الكذبة، شدّد بالتالي على أن بشريّة المسيح "جاءت في الجسد"
(في اللحم والدم). وأبرز موضوعَ "الوصايا التي تنظّم التصرّف المسيحيّ. وها نحن
نحاول أن نحدّد الخطر.
ب- سلالة يو الغنوصيّة
وما ينيرنا في هذا الطريق ليس فقط الرسائل اليوحناوية، بل القراءات الغنوصيّة
اللاحقة، أقلّه من أجل قراءة ناقصة لانجيل يوحنا، ولكنها قراءة تبقى "ممكنة". عند
ذاك، يجب أن نتبع الكتابات الغنوصيّة في القرن الثاني وما بعد: مثلاً، في آسية
الصغرى، استعادت "أعمال يوحنا" كرازة انجيليّة ليوحنا مع نشيد طويل من النمط
الظاهريّ (ف 87-105). في هذا المجال، يصل بنا لاهوت الكلمة الذي قبل الزمن، إلى
إلغاء جسد المصلوب الذي هو ظاهر ووهم. هنا نتذكّر أن أول تفسير معروف للمطلع
اليوحناويّ (1: 1-18) يعود إلى مسيحيّ غنوصيّ عاش في القرن الثاني. وأن أقدّم مفسّر
لانجيل يوحنا هو هرقليون الغنوصي وتلميذ ولنطينس. هذا يعني أن أرفع مظاهر اللاهوت
المسمّاة لاهوت "التسامي" تستطيع أن تكون حاملة الموت إن لم يكن هناك اهتمام متواصل
في توازن كرستولوجيّ، استُقي أولاً في هذا الجوّ الكنسيّ المسكونيّ الذي يجعل مختلف
التقاليد تتواجه، وتصلح بعضها بعضًا لكي تتناسق.
هذا "الجو المسكوني الكتابي" يطبع بطابعه الطريقة التي بها ألِّفت الأناجيل
الازائية: عمل مت في نص مر. ولو في نص مر. فكان المعين. ثم مت ولو. ونضيف تأثير
التقليد اليوحناويّ على لوقا، وتقليد لوقا على يو كما يقول الأب بوامار الدومنكاني.
ج- فرادة الطريقة اليوحناويّة
ونعود إلى التقليد اليوحناوي الأول الذي يعكسه هذا الانجيل. هل نستطيع أن نحيط
إحاطة أفضل بفرادة هذا التقليد بالنسبة إلى سائر الجماعات المسيحيّة، والخيارات
الكبرى، ومختلف الاتجاهات التي كانت تشقّ طريقها حينذاك في الجماعات الأولى. وإن
أردنا أن نوضح الوضع، نبدأ بالمقابلات بقدر الامكان. كيف (أو بم) يختلف التقليد
اليوحناويّ عن تقليد سائر الكنائس؟ سؤال مهمّ جدًا، لأن أول الأوساط المسيحيّة
المتهوّدة قد بدت متنوّعة في أصلها: اختلف "العبرانيون" عن اليهوديّة الهلينيّة في
أورشليم (أع 6: 1-2)، واختلف الاورشليميون (نجد وجههم في لو ويو) عن الجليليين (نجد
وجههم في مر ومت). وهناك مؤمنون من أصل معمداني، فرّيسيّ (أع 15: 1-2؛ يو 3: 1؛ 7:
5؛ 39:19) أو من أصول أخرى. وهناك يهود مهلينون قريبون من السامرة، من أنطاكية...
تظهر الاختلافات بين هذه المجموعات المسيحيّة بالنظر إلى عدّة عوامل: علاقتها مع
يوحنا المعمدان وتبّاعه. موقعها بالنسبة إلى الهيكل، بالنسبة إلى شريعة موسى،
بالنسبة إلى الآتين من الأمم، بالنسبة إلى تنوعّ الاتجاهات المسيحيّة المتهوّدة
والمسيحيّة المهلينة. هكذا نستطيع أن نفهم الوضع فهمًا أفضل، وعن طريق التعارض، على
مستوى الجماعة اليوحناويّة.
نلاحظ عند يوحنا الاستعمال المتواتر للفظة "يهود" للدلالة على المعارضين بشكل عام.
وهذا ما يتضمّن فكرة القطيعة مع سائر اليهود الذين ما تقبّلوا المسيح. وتبدو
الظاهرة عينها عند بولس في 1 تس، وذلك منذ سنة 51. وذلك في وقت لم يكونوا قد قبلوا
فيه بلفظة "مسيحي" في كل مكان. أما يوحنا فيتكلّم بالأحرى عن "التلاميذ" الذين
استبعدوا من المجامع (يو 9: 22؛ 12: 42؛ 16: 2)، حُرموا، اضطهدوا. ومع ذلك، ظلّوا
متعلّقين باسرائيل. نسمّي هؤلاء في لغة اليوم "المسيحيين المتهوّدين" لكي نميّزهم
عن "المسيحيين الهلينين" (الذين هم من أصل وثنيّ). ولكن هؤلاء المسيحيين
المتهوّدين، شأنهم شأن المسيحيين الهلينين، ما كانوا يشكّلون مجموعة موحّدة.
وإذا عدنا إلى النصوص البولسيّة بشكل خاص، نكتشف على الأقلّ أربعة اتجاهات كبرى لدى
المسيحيين المتهوّدين واتجاهين لدى المسيحيين الهلينين. فالسؤال المطروح هو التالي:
كيف يتحدّد موقعهم بالنسبة إلى الشريعة، وبالتالي بالنسبة إلى الأمم؟ وها نحن نقدّم
الوضع في رسمة سريعة.
أولاً: لدى المسيحيّين المتهوّدين
* التقليديون أو الجذريون. يتبعون الشريعة وفرائضها كلها، فيدعون المؤمنين الآتين
من الأمم إلى الانضمام إلى الشعب المختار بعد أن تُوِّج الآن مسيحُه.
* أولئك الذين يقبلون بتسوية فيميّزون الشعب المسيحاني (المسيحيون المتهودوان) من
"شعب آخر" يؤمن بيسوع، هم المسيحيون الهلينيون (أع 15: 14).
* أولئك الذين تأثّروا بالحضارة الهلينيّة في خطّ بولس: الايمان، لا الشريعة، هو
الينبوع الوحيد للخلاص. إذن، المسيحيون الهلينيون ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية
بالنسبة إلى المسيحيين المتهوّدين.
* المتحرّرون الذين ينكرون يهوديّتهم كما في 1 كور 7: 18-19: "أدُعي أحد وهو مختون،
فلا يتظاهر بالقلف. أدُعيَ أحد وهو في القلف، فلا يختتن. ليس الختان بشيء، ولا
القلف بشيء، بل حفظ وصايا الله".
ثانيًا: لدى المسيحيين المهلينين
* "المتهودون". هم وثنيّون صاروا من "خائفي الله" في إطار المجمع. آمنوا الآن بيسوع
ولكنهم ما زالوا يسيرون بحسب الشريعة كما يفعل اليهود.
* أناس من الأمم جاؤوا مباشرة إلى الايمان.
ونقدّم بعض الايضاحات. فالنزاع بين بولس وخصومه يشير بشكل مباشر إلى الرسالة، التي
هي رسالتان، رسالة تجاه اسرائيل ورسالة تجاه الأمم. كيف تتمّ هذه الرسالة بأفضل
الظروف؟ تلك هي المسألة الأساسيّة للجميع. لا مسألة أولئك الذين يهمّهم نشر الرسالة
وأولئك الذين ينغلقون على نفوسهم. ولكن من يستقبل هؤلاء الجدد الآتين من الأم؟ هل
يجب أن ينسلخوا عن عالمهم الذي عرفوه أمس ليدلّوا على ولائهم اليوم لاسرائيل
المسيحاني، وبالتالي لينحصروا بشكل عمليّ في العالم اليهوديّ أو المسيحيّ المتهود؟
ولكن إن قبلنا هؤلاء الآتين من الأمم وما ربطناهم ربطًا عضويًا بالشعب المختار، أما
نقع في خطر بأن نحطّم الرسالة لدى شعب اسرائيل ونحتقر مسيحه؟
مثل هذه المواضيع لا تظهر أبدًا في قلب التقليد اليوحناوي. بل نحسّ للوهلة الأولى
أننا أمام جماعة تعيش القطيعة مع اليهود مع الاسرائيل الذي لم يتقبّل المسيح،
وكأننا مع عالم "شرير". فهناك تنكّر للشريعة. نقرأ في 8: 17؛ 10: 34: "شريعتكم"
(أنتم أيها اليهود، لا شريعتنا). وفي 15: 25: "الكلمة المكتوبة في ناموسهم" (هم
اليهود). وإذ كان موضوع إرسال الابن قد برز بشكل قويّ (3: 17)، فموضوع إرسال
التلاميذ ليس بارزًا ما عدا في 4: 38 (أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه)؛ 17: 18
(كما أرسلتني إلى العالم، أنا أيضًا أرسلتهم). والمرّة الوحيدة التي فيها يستعمل يو
لفظة "ابوستولوس" (رسول، 13: 16: ما من رسول أعظم من مرسله)، فهو يستعملها ليشدّد
على أن المرسل ليس أعظم من الذي يرسله.
وبمختصر الكلام، إن خاصيّة كتابة يو ومواقفه حول الشريعة والعالم، تجعلنا نفكّر
بمجموعة مسيحية متهوّدة، بمجموعة منعزلة وملتمّة حول التلميذ الحبيب، وذلك قبل أن
توسّع أفقها فتشدّد عل وجه بطرس ولاسيّما في ف 21.
ولكن هل نستطيع أن نحدّد نسيج هذه الجماعات اليوحناويّة، انطلاقًا من عناصر مأخوذة
من هذا التقليد؟
د- الجماعة (أو الجماعات) اليوحناويّة
نتبع هنا ريمون برون في كتابه حول "جماعة التلميذ الحبيب"، فنميّز بين أولئك الذين
لا يؤمنون بالمسيح والذين يتقبّلونه (ولو بطرق مختلفة). نبدأ فنتحدّث عن القطيعة مع
اللامؤمنين، ثم عن الخلافات بين المؤمنين.
أولاً: الذين يرفضون يسوع
* إذا توقّفنا عند الذين لا يقبلون يسوع، نذكر أولاً بعض تلاميذ يوحنا المعمدان
(رفضوا أن ينضمّوا إلى مجموعة يسوع) والتلاميذ الذين خرجوا من حلقة المعمدان (مثل
اندراوس)، وظلّوا يسمّون المعمدان مرسَل الله أو النبيّ الاسكاتولوجيّ الأخير، على
مثال إيليا، أو النبيّ الذي يرسله الله "مثل موسى". إذن، قد يكون يوحنا المعمدان
المسيح، مثل هؤلاء الأنبياء (أو الأنبياء الكذبة) الاسكاتولوجيين في ذلك العصر.
لهذا، اهتم الانجيلي بأن يُنكر المعمدانُ نفسه مثل هذه الادّعاءات. ليس يوحنا
"النور" (1: 8). ليس "المسيح" ولا "النبيّ" (1: 19-27). ليس "العريس" بل "صديق
العريس" (3: 29). فالتقليد اليوحناويّ (ومثله التقليد الإزائيّ) يشدّد منذ البداية
على الفصل الواضح بين يسوع والمعمدان. انفصل بعض التلاميذ عن المعمدان، كما فعل
أندراوس أخو سمعان (1: 40). ولكن جماعة المعمدان ظلّت حيّة، فاعتبرت المعمدان
"المسيح". فهم، في نظر التقليد اليوحناويّ، رفضوا أن يعترفوا ملء الاعتراف بيسوع،
في إطار كرستولوجيا عالية: "أنا رأيت وشهدت أنه هو ابن الله" (1: 34). في يو، صار
المعمدان أوّلَ المؤمنين.
* بين الذين ينكرون يسوع، نرى أيضًا اليهود الذين يرفضون سلطته التي يجدونها غير
معقولة وغير مقبولة. إن لفظة "يهود" ترد مرّات عديدة في يو مع لهجة عداء بارزة.
لاشكّ في أن القطيعة مع "اليهود" برزت بشكل تدريجيّ إلى أن انتهت بطرد المسيحيين من
المجامع: "يطرد من المجمع كل من يعترف بأن يسوع هو المسيح" (9: 22؛ رج 12: 42؛ 16:
2). مثل هذا "الحرم" قد جاء في زمن متأخّر، في نهاية القرن الأول. في الواقع، إن
ممارسة مثل هذا الحرم تبدو غريبة في وسط يهوديّ، مع أن الطرد من مجمع خاص، أو من
جماعة خاصة (مثل جماعة قمران) قد عُرف بشكل واسع.
* متّى تمّت القطيعة
يبقى علينا أن نعرف متى كانت القطيعة بين المسيحيين اليوحناويين واليهود (أو
اليهوداويين)، بين المسيحيين وأبناء إبليس هؤلاء (8: 44). يرتبط الجواب على هذا
السؤال بثلاثة عناصر على الأقل:
- إن الحركة العماديّة (ربطت فعلة الماء بفعلة غفران الخطايا) سبق لها وتساءلت عن
الهيكل الذي اعتبر نفسه قادرًا على تأمين هذا الغفران (كيبور والذبيحة عن الخطيئة).
كانت فعلة المعمدان تزاحم الهيكل بشكل من الأشكال. وموقف يسوع اليوحناويّ بالنظر
إلى الهيكل والذبائح الدموية، جاء قاطعًا بشكل أكبر، فدلّ على فصل واضح مع العالم
اليهوديّ في ذلك الوقت. وليس من قبيل الصدف أن يجعل الانجيلي خبر "الباعة المطرودين
من الهيكل" في بداية عمله، وبألفاظ أعنف من تلك التي نجدها في الأناجيل الإزائيّة
(2: 13-22). وفي موضع آخر، يرفض يسوع هيكل أورشليم كما يرفض هيكل جرزيم ليعلن
العبادة بالروح والحقّ (4: 21- 24).
- والعنصر الثاني: إن المسيحيين اليوحناوين لا يراعون السبت في الظاهر، على مثال
يسوع الذي "يتجاوزه" (18:5؛ 7: 23). بل إن الشريعة خسرت اعتبارها، ولاسيّما حين
يهاجم يسوع "شريعتكم" أو "شريعتهم" (هي لم تعد شريعتنا): "أما كُتب في ناموسكم" (8:
17)؟ ولكن حدث هذا دون التعرّض لوجه موسى (1: 17، 45؛ 7: 19).
- والعنصر الثالث هو أساسيّ جدًا لفهم الحركة اليوحناويّة: متى أعلنت الجماعة
اليوحناويّة "الكرستولوجيا العليا" حيث يتحدّث يسوع عن "الله كأبيه، ويعتبر نفسه
مساويًا لله" (18:5)؟
* قطيعة مع "العالم"
وأخيرًا، تبدو قطيعة المسيحيين اليوحناويين مع "العالم"، واضحة. فلفظة "كوسموس" لا
تُقرأ دومًا بشكل تحقيريّ. ومع ذلك، فهذا المعنى التحقيريّ يسيطر بالأحرى في عنف
ثنائيّة جادّة على مثال ما في العالم الاسياني (ثم الغنوصي). فالعالم ما "عرف" يسوع
(1: 10). "أبغضه" (7: 7؛ 15: 18- 19). "ما تقبّل روح الحقّ" (7:14). ظلَّ تحت سلطة
"رئيس هذا العالم" (14: 30؛ 16- 11؛ رج 1-2 يو). ولكن يُطرح السؤال مجدّدًا: هذه
القطيعة مع العالم متى فرضت نفسها على تلاميذ الانجيليّ؟ أفي حقبة متأخرة، ساعت
غاصت الجماعة في العالم اليوناني (في أنطاكية أو في أفسس)؟ أفي ردّة فعل على محيط
عابد للأوثان؟ أما أحسّ المؤمنون حينذاك أنهم خارج العالم (19:15؛ 17: 14)؟ وهذا ما
يطرح على بساط البحث علاقة هذه الجماعة مع الأمم. لا شكّ في أن بعض اليونانيين قد
قُبلوا وانضمّوا إلى المجموعة اليوحناويّة (7: 35؛ 12: 20). غير أن الجماعة
اليوحناويّة ليست حاملة رسالة إلى البعيد. لهذا تناساها (أو كاد) الخبر اللوقاوي عن
الرسالة المسيحيّة في أعمال الرسل.
ثانيًا: الذين يقبلون يسوع
إذا انطلقنا فقط من كتابات يوحنا، يصعب علينا أن نميّز المسيحيين اليوحناويين عن
سائر المجموعات المسيحيّة.
هل نضع في مجموعة خاصة هؤلاء المسيحيين الذين بدا إيمانهم سريع العطب، هؤلاء
"الرؤساء" الذين خافوا من الفريسيين فما تجرّأوا أن يعترفوا بيسوع "خوفًا من أن
يطردوا من المجمع" (12: 42). "فالتلاميذ" (66:6) و"إخوته" (7: 5) أنفسهم ما كانوا
يؤمنون به. و"اليهود الذين آمنوا به" (8: 31) بدوا بعيدين عن الحقيقية. فهناك إيمان
وإيمان.
قد تبدو الأرضيّة متينة حين نتحدّث عن أولئك الذين اكتفوا بـ "كرستولوجيا سفلى" دون
التشديد على ألوهيّة المسيح. ولكن حين نشدّد على "كرستولوجيا عليا" نجد التحفّظات
العديدة.
وأخيرًا، تبدو النصوص المتعلّقة بوجه بطرس (6: 67-68؛ 21: 1 ي)، والمتحدّثة عن
علاقة بطرس بالتلميذ الحبيب (13: 22، 26؛ 18: 15-16؛ 2:20-10؛ 7:21)، وكأنها صدى
لرباط (وربّما لمسافة) بين الجماعة اليوحناويّة ووسط بطرسيّ نجده في مت. فالتلميذ
الحبيب يتفوّق على بطرس في قلب الانجيليّ، وان وجب عليه أن يفتح له المجال ويتركه
يمرّ قبله (20: 5-6).
الفصل الخامس
النزول والصعود
أو اللغة المكانيّة في الانجيل الرابع
الأب لاسلو صابو
كما نجد قبر المسيح قرب الصليب، كذلك يكون موضع الصلب أيضًا قرب موضع القيامة. وفي
أورشليم، بازيليك القبر المقدّس تسمّى أيضًا بازيليك القيامة. هذا ما يعطينا صورة
عن النظرة اليوحناويّة التي بحسبها كانت القيامة جزءًا لا يتجزّأ من الآلام. والتي
فيها يكون الموت عينه في نظر يوحنا ارتفاعًا في المجد، في ساعة الموت. فساعة يسوع
تضمّ الزمانين في السرّ الفصحيّ: فابن الانسان "نزل" في وسط الجنس البشريّ، ولكن
ليحمل أخصّاءه في "صعوده" نحو الآب، ويُدخلهم إلى شكل جديد من الحياة (1: 11-13).
فهذا الخطّ من العودة الصاعدة يمرّ في ارتفاع الصليب.
من المهمّ جدًا أن نحدّد موقع هاتين اللفظتين الرمزيّتين في بنية الانجيل الرابع.
نحن أمام رمزيّة تتركّز تركّزًا عميقًا في الفكر البشري. ومع ذلك، فمنذ اكتشاف
دوران الأرض، نحن نعرف أن السماء لا يمكن أن تكون "فوق" بالنسبة إلينا. بما أن
الأرض تدور، فما هو "فوق" عند الظهر، سيكون بالطبع "تحت" في نصف الليل. ولكن في نظر
الساميين القدامى، كانت الأرض المركز اللامتحرّك للكون. إذن، كان يجب علينا أن نصعد
ونعبر السماوات، ولاسيّما قبّة السماء، لنذهب من الأرض إلى السماء والعكس بالعكس.
ومع ذلك، فهذا التمثّل التشبيهيّ يعبّر عن خبرة دينيّة عميقة. فالإله الحيّ هو في
الوقت عينه ذاك الذي لا نصل إليه والقريب جدَا، ذاك البعيد في سمائه والقريب في
تاريخنا. هو المتسامي والملازم لنا.
لا نجد في الانجيل أي أثر لمسيرة فيزيكية لمرسل إلهي، ولا لمسيرة النفوس عبر
المساحات السماويّة. إذن، يتميّز يوحنا عن كل فكر غنوصيّ، لأن اللقاء بين السماء
والأرض يبدأ في داخل تاريخنا. فـ "إلى العالم" جاء الكلمة لكي يخلق لنا مساحة
جديدة. هو مركز هذه المساحة لأن فيه قد فُتحت لنا السماء منذ الآن. فلا مسافة يصعب
اجتيازها بين "فوق" وبين "تحت".
ويستطيع التمثّل المصوّر أن يفترق عن كل سند ماديّ. وهذا ما نقدر أن نلاحظه مثلاً
في المقابلة بين خبرين: لقاء يسوع مع نتنائيل (1: 51) وحلم يعقوب (تك 28: 12). في
سفر التكوين "نُصب سلّم على الأرض ولامس رأسه السماء. وكان الملائكة يصعدون عليه
وينزلون". عند يوحنا، ألغيت بكل بساطة هذه الصورة الجميلة، صورة السلم السماوي:
"أقول لكم: سترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون فوق ابن الانسان".
ولكن يبقى أن الملائكة يصعدون قبل أن ينزلوا، ساعة كنا ننتظر عكس ذلك. فقد أخذت
الصورة من الناس الذين يتوسّلون السلّم لكي يصعدوا على سقف البيت ثم لينزلوا من
هناك. لا يهتمّ يوحنا بماديّة هذه الصورة. بل هو يريد قبل كل شيء أن يبيّن أن حلم
يعقوب صار حقيقة مستمرّة بالنسبة إلى المؤمنين. فلغته الرمزيِّة تفترق كليًا عن
التمثّلات المكانيّة لدى الغنوصيّين، لأن الولادة "من علُ" تتيح لنا أن نبقى في
العالم دون أن نكون من العالم.
"فمن يقدر أن يصعد إلى السماء سوى ذاك الذي نزل منها" (3: 13)؟ هذا التمثّل المصوّر
"للنزول من السماء" هو بشكل أكيد عبارة أساسيّة في الخطبة حول نجز الحياة (ف 6).
وتجاه منّ البرية، كشف يسوع خبزَ السماء الحقيقيّ، لأنه ينزل من السماء ويعطي
الحياة للعالم. في هذا النصّ الكبير، ينطبق فعل "نزل" سبع مرات على المسيح، إمّا
شخصيًا وإمّا في رمز الخبز. وفي النهاية، أعلن يسوع للسامعين الذين تشكّكوا: "ماذا
تقولون حين ترون ابن الانسان صاعدًا إلى حيث كان من قبل" (62:6)؟ فقبل الصعود
بالذات، يمرّ هذا الصعودُ عبر تمجيد الصليب. فبين التجسّد وتمجيد الصليب والحضور
الافخارستي، ونجد هنا تواصلاً لا يحمل أية قطيعة مكانيّة. ويُشرَح هذا التمثّل
المصوّر بمجموعة الانجيل الكبرى. في قسم أول، تظهر مسيرة المسيح بشكل نزول: منذ
تجسّد الكلمة، يبدأ نزول من السماء حتى النزول إلى كفرناحوم من أجل الخطبة حول خبز
الحياة التي هي النقطة الأخيرة في التجسّد. وفي قسم ثان، يبدأ الصعود، منذ الصعود
إلى أورشليم (7: 10) حتى الارتفاع على الصليب والصعود النهائيّ إلى الآب (20: 17).
هذه المسيرة هي لاهوتيّة، أكثر منها جغرافيّة، ولا تتضمّن أبدًا فصلاً مكانيًا بين
"عالمين اثنين". فنزل وصعد لا يدلاّن على مجرّد تنقّل في المكان، بل دخول الكلمة
دخولاً تدريجيًا في عالمنا.
ونبدأ فنتوقّف عند نصوص تشير إلى صعود يسوع إلى أورشليم في عيد المظال: "حيث أمضي
لا تستطيعون أن تمضوا... أنتم من أسفل وأنا من أعلى. أنتم من هذا العالم وأنا لست
من هذا العالم" (8: 21-23).
يسوع ينزل ويصعد بحسب هذه النصوص. وحيث يمضي لا يستطيع اليهود اللامؤمنون إن يتبعوه
دون أن يمرّوا عبر ارتداد جذريّ (8: 21). غير أن هذا الوضع ليس بدون دواء، وكأنه
مصير رُسم مسبقًا لكل واحد منهم. فكل انسان يستطيع بكامل حرّيته أن يختار طريقه مع
المسيح. أما المؤمن الذي ينخرط في هذا "الخروج" الجديد، فعليه أن يُرفع هو أيضًا
على الصليب ليتّجه "إلى ما هو فوق، لا لما هو على الأرض" (رج كو 3: 1) حيث تلتقي
التمثّلات اليوحناويّة والتمثلات البولسيّة. لقد اعتدنا كل عادة على هذه اللغة،
فيصعب علينا أن نستخلص منها طوعًا المعنى الرمزيّ. ولم تعد القضيّة في أن نتمثل
السماء كموضع كوني. بل كحياة حميمة مع الله.
وما يلي من النصّ يحدّد ارتفاع المسيح وارتفاع المسيحيّ في منظار شخصانيّ: "فالذي
أرسلني هو معي. وما تركني، لأني أعمل دومًا ما يرضيه" (29:8).
نحن من فوق، فوق المسيح، حين نُنقل إلى هذا الشكل الجديد من الحياة، ونصنع دومًا ما
يرضي الآب. فما تحقّق مرّة واحدة للجميع في شخص المسيح حين جمع العالم العلويّ
والعالم السفليّ، يجب على كل واحد منا أن يتركه يتحقّق في ذاته لئلا يبقى "وحده
أبدًا". هكذا يتجاوز الانجيل تمثّلات الغنوصية الثنائيّة حيث يُقسم الكون إلى
منطقتين لا تتداخلان.
ونصل إلى ف 12 حيث جاءت الساعة بالنظر إلى يسوع، لكي يواجه "رئيس العالم". "الآن
رئيس هذا العالم يُلقى خارجًا. وأنا متى رُفعت عن الأرض اجتذبت إليّ جميع البشر"
(12: 31-32).
فمع أن الصور قد تكون أخذت من عالم السطر، فدينونة هذا العالم تتمّ هنا دون أي حرب
بين المخلّص ورئيس هذا العالم. فالمهمّ هو أن محنة الصليب ليست سقوطًا في الهاوية،
بل انطلاقة إلى الحياة. ويدلّ ولْي النصّ أن الفكر الشعبيّ لدى اليهود (وهو يشبه ما
عند المسلمين) لا يقبل بهذه المحنة تصيب مسيحه بارتفاعه على الصليب (8: 34). ومع
ذلك فالارتفاع ضروريّ (يجب)، لأنه بدون هذا الارتفاع يبقى عمل المسيح عملاً بشريًا
محضًا وذات بُعد واحد. فلا يكفي أن ينزل ابن الانسان إلى وسط المعمعة البشريّة. بل
عليه أن يصعد إلى حميميّة الآب. وهذا الخطّ من الصعود الذي تحدّثنا عنه في البداية
يمرّ في تمجيد الصليب، لا في موضع آخر.
هي ساعة العبور من هذا العالم إلى الآب. والبداية الاحتفاليّة في ف 13 تجمع السمات
الجوهريّة لهذا المقطع الذي يشكل السرّ الفصحيّ: "حين علم يسوع أن ساعته أتت لكي
ينتقل من هذا العالم إلى الآب، أحبّ خاصته الذين في العالم، أحبّهم إلى الغاية...
عرف أنه جاء من الله وإلى الله يمضي" (13: 1-3).
قبل ذلك الوقت، وعد يسوعُ المؤمن أنه يعبر من الموت إلى الحياة (5: 24). والآن يمرّ
يسوع نفسه من هذا العالم المائت إلى حياة الآب الذي هو حيّ دائمًا. هذا لا يُبرز
فقط الانطلاقَ الاحتفاليّ، بل مجموعة مسيرة يسوع الذي يقود أخصّاءه من أسفل إلى
أعلى، نحو الآب، عبر الصليب والقيامة. لا شكّ في أنه ليس هناك من فصل بين عالمين.
فالابن لا يعود إلى حضن الآب وكأنه يرذل تجسّده في العالم. فبالأحرى هو يمضي إلى
الآب حاملاً في طريقه البشريّة التي يبقى على الدوام متضامنًا معها.
وظهورات القائم من الموت (ف 20) لا تكشف لنا فقط قيامة يسوع، بل تكشف بشكل خاص
حضوره الذي تجلّى والذي لا يقدر أن يدركه سوى من ينظر نظرة الايمان.
أخطأت مريم المجدليّة حين أرادت أن تحتفظ به في وضع المائت. فاجتذبها يسوع إلى نمط
جديد من العلاقات: "لا تمسكيني، لأني لم أصعد بعدُ إلى أبي... إمضي إلى إخوتي وقولي
لهم إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (17:20).
لا يشير بلاغ يسوع هذا إلى الصعود في اليوم الأربعين، كما يشدّد عليه بعض الشرّاح.
بل يشير إلى مجمل الواقع الفصحيّ في أعمق مدلوله. وصعود يسوع إلى ينبوع الحياة الذي
منه نزل إلى البشر، يتوخّى تبادلاً عجيبًا: يعطيهم سلطانًا به يصيرون أبناء الله.
فأخبار القيامة لا تكشف انفصالاً، بل اتحادًا مع المسيح القائم من الموت. لهذا لا
يصحّ أن نتخيّل الظهورات بصورة مكانيّة، وكأن المسيح ينتقل دومًا من عالم إلى آخر،
أو هو سيعتزل في سمائه بين ظهورين. بل هو الآن حاضر في كل نقاط الكون، حاضر
بالضرورة التي بها يكون الله حاضرًا لخليقته في كل مكان. ذاقت مريم المجدلية طعمًا
مسبقًا لهذا الحضور الجديد ساعة اللقاء في البستان.
ويتوضّح المعنى المكاني للألفاظ بشكل أكبر أيضًا في خطب الوداع. هنا، يُستعاد موضوع
الطريق بحيث إن التمثّل المكاني يُمَّحى إمّحاء كليًا: "أنا هو الطريق والحقّ
والحياة. لا يأتي أحد إلى الآب إلاّ بي" (14: 6).
إذن، يجب أن نطلب المسيح، نجده، نصعد، وفي النهاية نقيم معه في حميميّة الآب.
ونستطيع أن نعبّر عمّا هو جوهريّ اليوم في لغة انتروبولوجيّة: فالمسيح يعيش خبرة
حميمة مع الآب فيها يجتذب كل من يريد أن يتبعه.
وننهي بشكل موجز مع مطلع الانجيل اليوحناوي، هذا النصّ العظيم الذي يبدأ وينتهي حين
يرينا الكلمة لدى الله (1: 1) والابن في حضن الآب (1: 18). وبين هذين الانفتاحين
على اللامحدود، تصوّر رسالةُ الكلمة وسط البشر. "كان في العالم، والعالم وُجد به...
جاء إلى خاصته... وأعطى جميع الذين قبلوه سلطانًا به يصيرون أبناء الله" (1:
10-12).
هذه الحركة الرمزيّة من النزول من عند الله والصعود إلى الله، تقابل النصّ الشهير
الذي نقرأه في 28:16، وفيه يعلن يسوع: "خرجت من الآب وجئت إلى العالم. والآن أترك
العالم وأمضي إلى الآب". ومع ذلك، فالكلمة كان في العالم، والعالم وُجد به. فإن
أتمّ الكلمة هذا العبور، ففي طريقة بها يعلن أنه يجتذبنا معه إلى عالم جديد من
الحياة. ونستطيع أن نكتشف في المطلع بنية "الآب- العالم- الآب"، ونستطيع أن نرسم
هذا في خط قطعيّ موافق يلامس أساسُه الأرض ويمتدّ فرعاه إلى اللامحدود. كل شيء
ينطلق من الله، وبالتجسّد يعود كل شيء إليه.
ليس هناك من جهة أولى الله، من جهة ثانية العالم: هناك الله الذي يعمل في العالم.
بما أن الكلمة هو في بيته في كل مكان، فالثنائيةّ اليوحناويّة الظاهرة ليست كونيّة
كما في الغنوصيّة. فالثنائيّة هي اسكاتولوجيّة وأخلاقيّة، لأنها تقيم في قلب كل
انسان، وهو ضعيف وخاطئ، ولكنه يستطيع أن يرتدّ إلى الله ويتّحد به. فالانسان يستطيع
أن يختار حرًا طريق المسيح. ولكن عليه أن يتقبّل وضعه الجديد "من فوق" كعطيّة
الولادة الجديدة. ومع ذلك، فالتمثّلات المكانيّة في الانجيل الرابع، ليست صورًا
وحسب. فإن كان الكلمة يعمل في المكان والمدى البشريّ، فلكي يجعل حدود الكون تتفجّر
ولكي يمنح الوضعَ البشريّ بُعدًا جديدًا.
الفصل السادس
الآيات والأعمال: عمل الآب والابن
الخوري نعمة الله الخوري
أنهى يوحنا إنجيله مشيرًا إلى الهدف الذي دفعه لكي يكتب كتابه: "وأتى يسوع أمام
التلاميذ بآيات أخرى كثيرة لم تكتب في هذا الكتاب، وإنما هذه كُتبت لتؤمنوا بأن
يسوع هو المسيح ابن الله، ولتكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه" (يو 20: 30- 31).
نلاحظ في هذه الخاتمة أن الدافع الأساسي لكتابة الانجيل الرابع هو الكشف عن شخصيّة
يسوع بواسطة الآيات.
غير أن الانجيلي الرابع أورد الأعمال التي صنعها يسوع ليكشف عن علاقته بالآب؛ هكذا
تظهر إلى جانب الآيات مجموعة أخرى من الأعمال التي يعملها يسوع ويشرح معانيها
ليتوصّل المؤمنون إلى التعمّق بعلاقة الآب بالابن.
سنحاول في عرصنا أن نوضح موقع الآيات والأعمال في الانجيل الرابع، ثمّ سنستعرض
علاقة الآب بالابن كما ظهرت من خلال هذه الآيات والأعمال.
1- موقع الآيات والأعمال في الانجيل الرابع
أ- الآيات في الانجيل الرابع
بدأ يسوع حياته العلنية كاشفًا عن نفسه بواسطة الآيات، فصنع في قانا أولى آياته (2:
11) كما أنّ شفاء ابن الضابط الملكي هو الآية الثانية التي صنعها يسوع (4: 54)؛ هذا
وقد آمن كثير من اليهود لمّا رأوا الآيات التي أتى بها (23:2). الآية في انجيل
يوحنا ليست برهانًا لغير المؤمن حتى يصل إلى الايمان؛ إنها وسيلة وحي متوجّهة إلى
جميع الذين يريدون أن يؤمنوا؛ هكذا تحمل الآية معنى روحيًا عميقًا ولها قيمة
نبويّة.
ب- الأعمال في الانجيل الرابع
يُغيّر يوحنا مفهومه للآيات ابتداءً من الفصل الخامس من انجيله ويبدأ بالحديث عن
أعمال يسوع فتُصبح الآيات في الدرجة الثانية؛ إن هذا التغيير في التعابير ليس نتيجة
الصدفة، فالأعمال تدلّ على مرحلة جديدة من الوحي تختلف عن المرحلة الأولى التي
سيطرت فيها الآيات.
في هذا الإطار نستغرب لدى قراءة الانجيل الرابع أن يسوع لا يُسمّي المعجزة التي
يعملها: آية؛ فكلمة آية نجدها في تعليق الانجيلي أو على لسان الناس. يفضّل يسوع أن
يسمّي معجزاته أعمالاً لذلك يقول لليهود: "إنّ الأعمال التي وكل إليّ الآب أن
أتمّها هذه الأعمال التي أعملها هي تشهد لي بأنّ الآب أرسلني" (5: 36).
إنّ الأعمال هي الوسيلة الفضلى التي تكشف عن هوية يسوع وهي تلقي الضوء على المعنى
الحقيقي لشخصيّته ولعلاقته بالآب.
2- الآيات تكشف عن المسيح
من الصعب تحديد معنى الآية في انجيل يوحنا؛ للوهلة الأولى نلاحظ أنّ الآية هي عمل
خارق مبهر للعقول وهي بالتالي تقود البعض إلى الايمان (2: 11، 23؛ 6: 2). حين رأى
الناس الآيات علموا أنّ يسوع هو النبي الآتي إلى العالم (6: 14) واكتشفوا أنه
المسيح (7: 31؛ 12: 13، 18)؛ لذلك أرادوا، بعد تكثير الخبز، أن يُقيموه ملكًا لأنهم
اعتبروا أنّ يسوع ليس بعيدًا عن مفهومهم للمسيح المنتظر.
لم يتطابق يسوع مع تفكير اليهود الخاطئ عن المسيح المنتظر. فهم ينتظرون المسيح
الملك الزمني لذلك لن يستطيعوا أن يفهموا معنى آيات يسوع لأنّ لها مدلولاً آخر
يختلف عن تفكيرهم وانتظارهم. إنّ الآيات تكشف عن شخصية يسوع أنه المسيح؛ ولكن يجب
أن نفهم هذه المسيحانيّة بطريقة مختلفة عن انتظار اليهود. نحن نرى أحيانًا أن
اليهود لم يؤمنوا بعد رؤية الآيات (12: 37).
صنع يسوع آياته ودشّن الأيام المسيحانية؛ لقد أظهرت أولى آياته في قانا كرامته
المسيحانية؛ إنّ آية تحويل الماء إلى خمر تدلّ على الوفرة التي تتميّز بها الأيام
المسيحانية إزاء القحط الذي ساد في الأيام السابقة. هكذا نلاحظ أنّ الانجيليّ ركّز
انتباهنا حول مجد يسوع الذي ظهر في قانا (2: 11) وأهمل الاشارة إلى ردّات فعل
العروسين والأهل، فالعرس ينتهي فجأة لأن هذه التفاصيل المادية لها قليل من الأهمية
في تفكير يوحنا؛ إنّ هدف يوحنا من رواية آية قانا هو واضح: هذه الآية الأولى أظهرت
مجد يسوع (2: 11).
3- الأعمال تكشف عن ابن الانسان
تحتلّ الأعمال التي قام بها يسوع مركزًا مهمًا في الانجيل الرابع ابتداءً من الفصل
الخامس. إن لقب المسيح الذي كشفت عنه الفصول 2-4 يبدأ بالاختفاء تدريجيًا (سنجد هذا
اللقب ولكن في اطار الشك أو الجدال، رج 7: 26-27؛ 22:9) ليحلّ محلّه لقب آخر هو لقب
ابن الانسان (27:5؛ 27:6، 53، 62). لقد انتقل الانجيلي من الآيات إلى الأعمال لأن
هذه الأخيرة تدلّ على حقبة جديدة من الوحي؛ إن تسمية يسوع لمعجزاته بأنها أعمال
تُعطيها المعنى الحقيقي الذي أراد المعلم الإلهي أن يُحمّلها إياه؛ إن تسمية
الأعمال تنتمي إلى مستوى من الوحي أعلى من الانتظار المسيحاني لليهود. هذا المستوى
من الوحي هو الكشف عن حقيقة يسوع: إنه ابن الانسان وقد فضّل يسوع هذا اللقب على
غيره من الألقاب. هنا نتساءل: ما هي المعاني التي يحملها لقب ابن الانسان؟
4- لقب ابن الانسان
نجد لقب ابن الانسان في انجيل يوحنا بشكل وافر (13 مرة) وقد أطلق يسوع على نفسه هذا
اللقب لأنه يكشف عن هويته الحقيقية. بالرغم من أنّ لقب ابن الانسان يرد في مواقع
مختلفة من الكتاب المقدّس إلاّ أنه يحمل معنى مُميّزًا في الانجيل الرابع.
أثناء حياته العلنية قام ابن الانسان بعدة أعمال، فشفى المقعد والأعمى وأقام لعازر
من الموت. يؤكّد يسوع أنّ هذه الأعمال التي يقوم بها هي أعمال الله (34:4)؛ غير أنّ
هذه الأعمال التي يعلّمها يسوع الآن تبدو ذات أهميّة محدودة بالمقارنة مع الأعمال
التي سيعملها في نهاية الأزمنة؛ إنّ كميات الخبز التي أطعمت الآلاف تصبح بدون
أهميّة إزاء الخبز السماوي الذي يعطيه ابن الانسال (27:6، 33)؛ لهذا السبب نرى يسوع
يشدّد في خطابه، بعد تكثير الخبز، على الوُجهة النهيوية لوظيفة ابن الانسان (6:
53-54).
إنّ ارتباط لقب ابن الانسان بالزمن النهيوي يحضرنا لظهور لقب جديد ليسوع وهو لقب:
ابن الله (1: 34، 39؛ 3: 18؛ 5: 25...) أو لقب الابن (36:3؛ 5: 21-22 ...). أمام
هذا التنوع في ألقاب يسوع نلاحظ أنّ الانجيلي يضعنا أمام وحي وكشف تدريجيّ ليسوع
الناصري ابن يوسف (45:1)؛ إنّ يسوع هو المسيح كما كشفت عنه الآيات. ولكنّ يسوع فضّل
لقب ابن الانسان وهذا اللقب بدوره يحضّر لظهور لقب ابن الله أو لقب الابن.
في الزمن النهيوي سيعمل الابن أعمالاً عظيمة (5: 20). وهذه الأعمال العظيمة هي
أعمال الله نفسه الذي يقيم الموتى وهو ديّان عادل يحصي من يشاء؛ لقد أعطى الآب هذا
السلطان الاسكاتولوجي إلى الابن، فالابن يحي من يشاء (5: 21) ولن يدين الآب أخدًا
بل أعطى القضاء كلّه للابن (5: 22) وإذا سمع الأموات صوت ابن الله يحيون (5: 25).
إننا نتساءل: متى يبدأ ذاك الزمن النهيوي؟
لن يبدأ الزمن النهيوي إلاّ حين تأتي الساعة: "أتت الساعة التي يُمجّد فيها ابن
الانسان" (23:12)؛ في تلك الساعة سيرتفع يسوع على الصليب وفي الوقت عينه سيرتفع في
المجد وسيجذب إليه كلّ انسان (32:12). هذا ما يدفعنا إلى الاعتبار أن أعمال يسوع
التي يعملها الآن هي أعمال تحضيرية للأعمال المقبلة.
باختصار إن ابن الانسان الذي كشفت هويته الأعمال، هو ابن الله وسيبقى في اتحاد دائم
مع أبيه السماوي.
5- الابن يكشف بأعماله عن الآب
قلنا سابقًا إنّ الأعمال كشفت عن هوية يسوع أنه ابن الانسان؛ والآن نقول إنّ الكشف
عن هوية ابن الانسان يهدف في النهاية إلى الكشف عن هوية الآب أو بالأحرى الكشف عن
علاقة الآب بالابن.
يؤكّد يسوع أنه والآب واحد وأنّ الأعمال التي يعملها هي أعمال الآب المقيم فيه،
وهذه الأعمال هي برهان أنّ كلامه عن الوحدة مع الآب هو صادق. هذه الأمور هي واضحة
في الجدال بين يسوع واليهود (10: 30-39) وفي الحوار بين يسوع وفيلبس (14: 8- 11).
إذا قرأنا هذين المقطعين بتمعّن نلاحظ أن الأعمال هي البرهان الذي يؤكّد صحة كلام
يسوع عن وحدته مع الآب؛ هذان المقطعان يتبعان نفس التصميم ولكن مع فارق بسيط وهو
أنّ يسوع، في المقطع الأول، يجادل اليهود في حين أنه يجادل فيلبس في المقطع الثاني.
حين قال يسوع لليهود: "أنا والآب واحد" (10: 30) أخذوا حجارة ليرجموه (10: 31) فقال
لهم: "إذا كنت لا أعمل أعمال أبي فلا تصدّقوني. وإذا كنت أعملها فصدّقوا هذه
الأعمال إن لم تصدّقوني. فتعلموا أنّ الآب فيّ وأني في الآب" (10: 37-38).
كذلك لم يفهم فيلبس كلام يسوع عن وحدته، لهذا الأمر قال له يسوع: من رآني رأى الآب
(14: 9) واستشهد يسوع ببرهان الأعمال بقوله: "صدّقوني أني في الآب وأنّ الآب فيّ
وإذا كنتم لا تصدّقوني فصدّقوا من أجل تلك الأعمال" (14: 11).
نلاحظ إذًا أنّ الأعمال التي يعملها يسوع أثناء حياته العلنية هي أعمال الله
الحقيقيّة، فالابن لا يعمل شيئًا إلاّ ما يرى الآب يعمل (5: 19) وطالما هناك نهار
يجب على الابن أن يعمل أعمال الآب (9: 4). هذا دليل أنّ الأعمال التي يعملها يسوع
هي عمل الآب والابن وأنّ العلاقة بين الآب والابن هي فريدة.
هذه الأعمال تجد مصدرها في الآب ولكنها تظهر في نشاط الابن. إنّ الابن يعيش في وحدة
مع الآب وهو يحافظ على هذه الوحدة الدائمة بدون انقطاع بينه وبين الآب.
هنا يُطرح تساؤل: كيف حافظ يسوع على وحدته مع الآب أثناء حياته العلنية؟ إنّ مجيء
يسوع على الأرض هو اقامة مؤقتة لحين عودته إلى الآب؛ إن الوجود قرب الآب في السماء
(7: 29؛ 8: 42) حلّ مكانه، أثناء حياة يسوع العلنية، حضور الآب في يسوع: "إنّ
الكلام الذي أقوله لكم لا أقوله من عندي بل الآب المقيم فيّ يعمل أعماله" (14: 10).
هناك وحدة في العمل ترتكز على حبّ الآب للابن (5: 20). فالآب يبرهن عن حبه للابن
حين يضع كل شيء بين يديه (35:3) وحين يجعله يحقّق أعماله.
6- المسيحانية والاسكاتولوجيا بين الآيات والأعمال
لاحظنا أثناء عرضنا أننا ميّزنا بين الآيات التي تكشف عن المسيح (المسيحانية) وبين
الأعمال النهيوية التي تكشف عن ابن الانسان (الاسكاتولوجيا). لكن يجب أن نكون
حذرين، فالتمييز بين الآيات والأعمال وبين الاسكاتولوجيا والمسيحانية يوحي أن هناك
فرقًا بين الآيات والأعمال في حين أنه من الصعب التمييز والفصل بين الآيات
والأعمال.
إن الشرّاح اليوم يميلون إلى عدم التمييز بين الآيات والأعمال، وبالتالي بين
المسيحانية والاسكاتولوجيا؛ وهناك عدة أسباب تدفع إلى هذا الاعتقاد:
1- الآيات والأعمال هي مشابهة لأنها معجزات.
2- الآيات والأعمال تكشف عن الإبن يسوع.
3- خلال الحلقة الواسعة التي يتعرض فيها الانجيلي أعمال يسوع، لا تغيب الآيات عن
الأفق (6: 2؛ 7: 31؛ 9: 16...).
4- ختم الانجيلي كتابه بالاشارة إلى الآيات التي كشفت عن هوية يسوع أنه المسيح وابن
الله (20: 31) وبالتالي نلاحظ أن الانجيلي في الخاتمة لم يميّز بين الآيات
والأعمال.
5- هناك تلازم بين المسيحانيّة والاسكاتولوجيا في التفكير اليهودي الذي ينتظر
المسيح؛ ونحن نجد صدىً لهذا التلازم في كلام التلاميذ الذين سألوا يسوع: "قل لنا
متى تكون هذه الأمور وما علامة مجيئك وانتهاء العالم" (مت 3:24). إن مجيء المسيح
ونهاية العالم متلازمان!
باختصار تتداخل الآيات والأعمال مثلما تتداخل المسيحانية والاسكاتولوجيا. إن آية
الخمر في قانا كشفت عن مسيحانية يسوع ولكنها بطريقة غير مباشرة تكشف عن الخيرات
الأساتولوجية التي سيفيضها يسوع بإعطائه دمه مشربًا للمؤمنين على مدى الأجيال؛
ونقول نفس الأمر عن الخبز الي قدّمه يسوع للآلاف والذي يحضّر الخبز الحقيقي النازل
من السماء.
خاتمة
صنع يسوع الآيات وعرفه اليهود والتلاميذ أنه المسيح، ولكنه لم يُسبّب انزعاجًا لدى
اليهود؛ وبالفعل نحن لا نجد مشكلة بعد تحويل الماء إلى خمر في قانا، ولا بعد شفاء
ابن الضابط الملكي. ولكن حين صنع يسوع أعماله وكشف عن هوية ابن الانسان الديّان
الاسكاتولوجيّ، لم يتفهم اليهود كلامه وقد تآمروا عليه ليقتلوه. لقد كشف لقب ابن
الانسان عن هوية يسوع الحقيقية: إنه مساو للآب وهو ابن الله.
إنّ الآيات والأعمال تعرّفنا على علاقة الآب بالابن، ولكنّ هذه العلاقة تمتّد في
النهاية إلى المؤمنين، فكما أحبّ الآب الابن هكذا أحبّ الابن تلاميذه وأوصاهم أن
يحبّوا بعضهم بعضًا (15: 12). لقد قدّم يسوع دمه على الصليب ليفدي البشرية، هكذا
يجب على كلّ انسان أن يبذل نفسه في سبيل أحبّائه (13:15).
لم تعد العلاقة بين الآب والابن مجرّد فكرة بعيدة عنا، بل دخلت هذه العلاقة في صلب
حياتنا اليومية. حين يعيش المؤمن في اتحاد مع أخيه بالمحبة، يكون قد حقق في حياته
وصية يسوع بالمحبة التي تربط الآب بالابن وبالمؤمنين.
القسْم الثّاني
يوحَنّا وَتجَذّرُهُ التّاريخي
يتضمّن هذا القسم الدراسات التالية:
1- العلاقة بين يوحنا والإزائيين
2- الخلفيّة اليهوديّة في انجيل يوحنا
3- يسوع المسيح وابراهيم، 8: 45-59
4- مقارنة بين تعاليم يوحنا وقمران
5- موشحات سليمان ومدرسة يوحنا
الفصل السابع
يوحنّا والإزائيون
القس ل. كوب المخلّصي
1- العلاقة بين يوحنا والازائيين
تتوسّع شيئًا فشيئًا بين العُلماء في أيامنا نظرة تقول إن يوحنّا عرف التقاليد
الأزائية ليست فحسب بل الأناجيل الإزائية نفسها أيضًا. الأستاذ فرانس نايرنك من
لوفن بيّن في عدّة مقالات أن يوحنّا متوقّف على التقليد الشفهي من قبل الإزائيين
ليس فحسب بل فيه آثار من الأنجيل المكتوبة أيضًا. بناءً على هذه الفرضية، من الممكن
أن نقرأ يوحنّا كإعادة قراءة وإعادة تفسير للأناجيل الإزائية. لا يظهر في الإنجيل
الرابع أنه يريد أن يأخذ محلّ الإزائيين. ما يريده يوحنا هو تكملة شخصية مُبدعة
ورأيٌ خاص لتعليم يسوع وحياته، دون أن يستقصر الأناجيل الأخرى.
أريد هنا أن أقدّم مقالة من يد الأستاذ فرانس فان سغبروك من لوفن يقرأ فيها يوحنّا
6 على ضؤ الإزائيين. بعد الفاتحة (1: 1-18) ومشاهد المعمدان (1: 19-34) ودعوة
التلاميذ (1: 35- 51) تتبع الفصول التي فيها يُقدم سر (هوية) يسوع بآيات وكلام
(2-4). ثم يلي في 5-6 وقت الأزمة الكبرى حول السؤال: هل ممكن قبول كذا يسوع؟ في يو
6 يتركّر هذا السؤال في موضوع الخبز (يوحنّا يفضّل استعمال هذه الأمور اليومية
كالخبز والماء والنور ليوضّح أفكاره اللاهوتية العميقة).
فلنلق أولاً نظرة إلى التوازي العجيب بين يوحنا ومرقس.
يو 6: 1-15 يسوع يطعم 5000 مر 30:6-44؛ 8: 1
16-24 يسوع يمشي على البحر 6: 45-54
25-34 طلب آية 8: 11-13
35-59 حوار في الخبز 8: 14- 21
60-69 إعتراف بطرس 8: 27- 30
70- 71 ابن الإنسان سيُسلَم 8: 31-33
7: 1-10 يسوع مُختَفٍ في الجليل 9: 30
والاتّفاقات اللفظية:
يو 6: 5 "جمعًا كثيرًا" (مر 6: 34؛ متى 14: 13 ولو 9: 11: "جموع")
5 "نشتري خبزًا؟" (مر 6: 37) يو 6: 15 "إلى الجبل وحده" (متى 14: 23)
7 "بمئتي دينار" (مر 6: 37) 16 "ولما جاء المساء" (مر 6: 47)
9 "خمسة أرغفة" (مر 6: 38؛ 16 "ركبوا السفينة" (مر 64: 45)
متى 17:14)
10 "أن يقعدوا" (مر 8: 6) 18 "ريح شديدة" (مر 4: 37)
10 "عشب" (مر 39:6؛ متى 19:14) 19 "غلوة" (متى 24:14)
10 "فقعدوا" (مر 6: 40) 19 "يسوع ماشيًا على البحر" (مر 6: 49)
10 "خمسة آلاف" (مر 6: 44) 19 "فخافوا" (متى 14: 26)
11 "الأرغفة" (مر 6: 41) 20 "فقال لهم: أنا هو. لا تخافوا"
11 "وشكر" (مر 6:8) (مر 6: 50)
13 "12 قفّة من الكسر" مر 43:6) 21 "إلى السفينة" (مر 6: 51)
1- قراءة يوحنا 6 على ضوء الإزائيين
أ- الرواية (6: 1- 25)
أعجوبة الخبز (6: 1- 15)
1-4 مقدمة: مكان، زمان، ظروف. يظهَر يوحنا هنا راويًا ماهرًا. لا يكتفي بعبارات
سابقيه الغامضة الفاترة كمثل "في ذلك الوقت"، أو "بعدئذ". لكن عندنا هنا أكثر من
فنّ الرواية: ظروف الزمان والمكان مهمة كإرشارات إلى ما يلي.
يسوع يعبُر البحر وجمع كثير يتبعه. كيف هذا؟ لماذا يعبُر البحر؟ كيف يتبعه الجمهور؟
بسفن أم ماشين على البحر؟ هذه الأسئلة تضمحلّ لما يُقرأ يوحنّا كإعادة رواية مرقس
6: 30-34. فيها البحر واتّباع الجمهور أمور معقولة. فلا يتّخذ منها يوحنّا إلا ما
يحتاج إليه فيما بعد. فمن ثم بعض النقط غير المعقولة عنده. يتبع الجمهور يسوع
"لأنهم رأوا الآيات..." (2): إعادة صياغة خاصة بيوحنا لملاحظة قرأناها عند متى
(14:14): "وشفى مرضاهم" (في نفس السياق). هكذا يُعدّ يوحنا موضوع "طلب الآيات" في
14-15. وردّ فعل يسوع عليه (26) كنقطة انطلاق لكل البيان في يوحنا 6.
يُهمل يوحنا ذكر الازائيين لشفقة يسوع (مر 6: 34) وإيراد في "غنم لا راعي لها" (عد
17:27): يهمه شيءٌ أعمق من شفقة يسوع: آية لهوية يسوع العميقة. لماذا يُذكَر اقتراب
عيد الفصح؟ هل يُلمح إلى اشتداد التوتّر والفصل بين يسوع والجمع ورفض التلاميذ بل
خيانتهم بل "إسلام" آية 71؟
الحوار مع فيلبس وأندراوس (5-9)
من المقارنة بالحوار عند الإزائيين تبرُز خصائص يوحنّا: 1) التشخيص: "التلاميذ" //
"فيلبس وأندراوس"، 2) التكتُّل: يُميَّز جمع التلاميذ منذ البدء واضحًا عن جمع
"الجمهور". من الأول هنا "المسيحيون" وهناك "اليهود". 3) المبادرة عند يسوع. هو
يطرح الأسئلة، لا التلاميذ (= الإزائيين). إنه مسيطر على الوضع. يسأل أسئلة ليجرِّب
التلاميذ (6). 4) "فرفع يسوع عينيه..": كذلك في 35:4؛ 11: 41؛ 17: 1. 5). "من
أين.." (5) كلمة مفتاح في يوحنّا.
تأتي بالسؤال عن أصل يسوع. في عدد 11: 13 سؤال مماثل في فم موسى: "من أين لي لحم
لهذا الشعب كله؟". نلاحظ أن يوحنّا لا يذكر ضيق الناس (مر 6: 35، 36 وخاصة 8: 1، 3
حيث تبعوا يسوع طول النهار بلا أكل). في يوحنا يرى يسوع الناس وحالاً يسأل: "من أين
نجيء بخبز؟": عنوان ممتاز على كلّ الفصل. الجواب يكون: "من السماء".
تعليق من قبل الإنجيلي (6)
إنه يحب بعض الأساليب كمثل "سوء الفهم" و "التصحيح" و "التوضيح". هنا "امتحان
التلاميذ"، إعدادًا للامتحان الكبير في 67 ثم يسوع "يعلم"، يسيطر على الوضع. ألفاظ
مثل "تجريب" و "تذمُّر" (41) تُذكّر حالاً بقصص البرية.
تابع الحوار (7- 9)
"حتى مئتا دينار لا تكفي..". عند مرقس: "أنذهب فنشتري خبزًا بمئتي دينار..؟".
يوحنّا يُعيد التعبير ويشدّد عليه. "فيحصل كل واحد على كسرة صغيرة": صدى من خر
18:16 حيث كل واحد يأخذ حصته من المن. في 8 يُقّدم أندراوس "أخا بطرس"، كأننا لا
نعرفه من زمان (1: 40). أم يُحضّر دور بطرس اللاحق في القصة (68)؟- في 9 صارت
"أرغفة" الإزئيين فجأة "أرغفة من شعير". الاسم فريد في العهد الجديد. إشارة واضحة
إلى أرغفة الشعير في أعجوبة الخبز لإليشاع (2 مل 4: 42- 44 كذلك "الصبي" ( ) مثل
جيحزى خادم إليشاع في السبعينية (2 مل 4: 12). لا تَرِد الكلمة في مكان آخر في
العهد الجديد.
10 "عشب كثير" دليل آخر على اعتماد يوحنّا على مرقس. هناك "العشب الأخضر" و"الغنم
بلا راع" و "القعود أفواجًا" كلٌّ من إشارات إلى العهد القديم (مز 23 مثلاً). في
يوحنّا بقًي العشب دون غير.
11 يُوجز فعل يسوع إيجازًا. مع الإلحاح في الوفرة: "على قدر ما أرادوا": تحضيرًا
لحديث يسوع الذي يبتدىء بهذه الملاحظة (26).
نتعلّم من هذه النقط الصغيرة كيف يُعامل يوحنّا مصادره. يُروى في مرقس (ومتى) أن
الناس أكلوا فشبعوا (مر 6: 42؛ متى 14: 20) وهذا شكرًا لفعل يسوع العجيب. فيشهد
مرقس ومتى لنفس الفهم لما حدث مثل الجمهور الجائع الذي حسب يو 26:6 لم يفهم شيئًا.
لقد أشار مرقس نفسه إلى عدم الفهم بالنسبة إلى الخبز في تعليق من عنده (6: 52) دون
أن يقول كيف يجب أن يُفهم ما حدث. فيوحنّا سيملأً الفراغ. إن الأناجيل الأزائية
نفسَها تُمِدّه بما ينفعه لعرض رأيه في يسوع.
12. هنا أيضًا يسوع يبادر: يأمر بجمع الفضلات. الجمع نفسه كان في مصادره. فيضيف نية
يسوع بهذا الأمر: "لئلاّ يضيع شيء". ما عند الإزائيين تشديد على الأعجوبة (12
قفّة!) يكتسب عند يوحنّا معنًى خاصًا يتجلّى في 27 فقط: "لا تعملوا لطعامٍ يفنى بل
اعملوا لطعامٍ يبقى.." مرة أخرى خط واصل بين حدث وتفسير.
14. يذكر يوحنّا تفسير الحدث من قبل الجمع صراحةً (خلافًا للإزائيين). التعبير
والموضوع يوحنّاويان تمامًا. الإنجيلي يقول الخلاصة اللاهوتية المضبوطة من أعجوبة
الخبز: "يسوع هو النبي" الحقيقي الحاسم (كما قيل في يو 1: 21 و 11: 27). لكن يظهر
من 15 أن الجمع يفهم هذا اللفظ المضبوط بالغلط: يُعطونه مضمونًا أرضيًا: سياسيًا.
سوء الفهم اليوحناويّ! على يسوع أن يبدّل الأمور ويأتي بالتفسير المضبوط. في 15
أيضًا "وانصرف إلى الجبل". يسوع في الجبل منذ 3. قد نسي الأنجيلي. فيشير دون قصد من
عنده إلى مصدره (مر 46:6)؟
العبور وطلب يسوع (16:6- 25)
يحفظ يوحنّا الارتباط بين العبور وأعجوبة الخبز (مرقس)، لكنه يضيف إليه ملاحظة
بخصوص سفن أخرى تعبُر البحر في طلب يسوع (22-25). هذه الإضافة تحضّر قول يسوع في 26
"أنتم تطلبونني". هذا الطلب أيضًا كان في مرقس في بدء قصة الخبز. يوحنا ينقل الطلب
إلى بعد الأعجوبة (القارىء يعرف ما يريد الجمهور من 15 (ملك). أسلوب يوحنّا يشدّد
على مأساة سوء الفهم. الشعب الذي يجتهد في طلب يسوع لا يلبث أن يتركه كليًا.
ب- تفسير وحوار ومجابهة (26:6- 59)
يسوع والجمع (26:6- 40)
يتقدّم الحوار خطوةً خطوةً إلى الكشف التام عن هوية يسوع. يبتدىء الحديث بالسؤال
المبتذل: "رابّي، متى وصلت إلى هنا؟". نلاحظ: "رابّي" بدل "النبي" في 14، ولا
يسألون عن هوية يسوع. فيحاول يسوع أن يُلفت انتباههم إلى ما هو أهم يسميه يوحنّا
"الأعمال". الجمهور جاهل مستعدّ: "أية أعمال؟". جواب يسوع مباشر وواضح: "أن تؤمنوا
بي كرسول الله" (29). بلخ الحوار قمته الأولى. طلبُ يسوع أمرٌ مقبول شرطَ أن يطلبوا
يسوع المضبوط وأن يقبلوه مثلما هو.
يفهم الجمع جواب يسوع الواضح: فاتت مرحلةُ سوء الفهم. بدأت مرحلة الشكّ والتمهّل في
القرار، فيلبّسون تردّدهم بطلب آية (30). قارن الاعتراف الإيماني في 14: "فلما رأى
الناس هذه الآية... قالوا: حقًا هذا هو النبي...". في مر 8: 11 أيضًا يتبع أعجوبة
الخبز طلب آية. فيقتبس يوحنّا الموضوع ويطوّره. ولكن يتّضح من الأول أن الحديث سوف
ينتهي بالفشل: من طلب آية بعد ما رأى الآية الكبرى فليس إيمانه كبيرًا...
في جواب يسوع (32) تصحيح مزدوج: أولاً موسى أعطى المنّ فقط وليس الخبز الحقيقي من
السماء الذي الآب وحده يعطيه، ثم: أعطى موسى (في الماضي) وأبي يعطي (حاضر). في هذه
المرحلة من الحوار يستعان مجاز الخبز. إنها فرصةٌ لإدخال موضوعات سفر الخروج: موسى
والمن. ولكن ينتج منه مزيد سوء الفهم. في 33 قال يسوع بوضوح: "خبز الله هو ذاك
الذي..." الخبز هو شخص، يسوع نفسه. ولكن الجمع لا يتبعه، ويخطون الخطوة الحاسمة.
يبقون مع المجاز: "أعطنا هذا الخبز" (كمثل السامرية في 4: 15 التي بقيت مع الماء).
الخطوة الثالثة تُلحّ وتتّهم. أولاً يعطي يسوع تعريفًا لذاته: "أنا خبز الحياة".
التهرُّب من درب المجاز لا يعود ممكنًا. القضية ليست قضية خبز بل قضية شخص يسوع. ثم
التهمة: "لكنكم لا تؤمنون رغم كل ما رأيتم" (36). فيشدّد يسوع في تعليمه على دوره
المحيي والخلاص الناتج منه لمن يؤمن به (37-40).
يسوع واليهود (41- 59)
كان الحوار في 22- 40 بين يسوع والجمع. منذ الآن يعطون اسمًا جديدًا: "اليهود" (41
و 52). هل هو تغيير متعمّد؟ أم يُفكر الإنجيلي في معاصريه وهم يهود مثله الذين
يرفضون الإيمان بيسوع المسيح؟ على كل حال، تتضايق الحلقة حول يسوع. مع ظهور اسم
"اليهود" تظهر الكلمة المعروفة من عصر البرية: "تذمّر" (41 و 43). معناها: عدم
إيمان. هنا رفض أصل يسوع (33: من أين؟). مقابل "من السماء" في فم يسوع يضعون "ابن
يوسف" (42) (صدى واضح لما في مر 6: 1-6 حيث مواطنو يسوع يقبلونه كـ "يسوع الناصري"
فقط). النقاش لا يعود يدور حول أعجوبة الخبز بل حول هوية يسوع. هل يسوع إنسان بين
الناس، قدير بالكلام والعمل، لكن "ابن يوسف" فقط؟ أم هو رسول من الآب؟ القضية ليست
يسوع فقط بل الله. هل يقبلون أن الآب يكشف عن ذاته في يسوع؟ (44-46). من آمن بذلك
فقط له دخول عند الله، حياة أبدية. له فقط يسوع حقًا خبز للحياة (47-48). في 48
يُعيد يسوع موضوع المن من 31-32، إلا أنه يُضيف إليه شيئًا جديدًا: "... فماتوا"
(49). "حياة الأبد" من 40 يصبح الان "لا يموت" (50). هكذا ينتقل إلى خطوة جديدة في
العرض: يسوع يعطي حياةً أبدية ليس كمن يوزع خبزًا، لكن بطريقة فريدة كمن يعطي حياته
فيموت فيه (51). الخبز المعطى يصبح لحمًا معطى. فمثلما يؤكل الخبز طعامًا فكذلك
اللحم: من يؤمن بيسوع رسول الآب والمرفوض والمقتول فله دخول إلى الآب، إلى الحياة
الأبدية. وصلنا إلى قمة أخرى في العرض: ردّ فعل المستمعين، بعد الطلب (25-26)
والسؤال (28 و34) والتذمّر (41 و43) الآن تخاصم (52). "كيف يستطيع هذا أن يعطينا
لحمه لنأكله؟": ليس سؤال بل هو رفض. ليس سوء فهم يوحناويًا يطلب توضيحًا. إنه تعارض
مباشر. جواب يسوع لا يوضّح بل يكرّر ويثبّت (53-57). يستعمل يسوع عبارات من مراحل
سابقة في الحوار (37-40 و48- 51) فيظهر بهذه الطريقة أنها تكتسب الآن معناها الكامل
عندما تفهم أقوالاً عن بذل يسوع ذاته في الموت. في الارتباط به فقط توجد حياة أبدية
(56). 58 يعيد 48 مع الكلمة عن الآباء الذين ماتوا، بيانًا أن هذه الآيات وحدةٌ حول
موضوع "أكل المن" إزاء "أكل الخبز الذي هو يسوع". الملاحظة القصيرة في 59 تختم
الحوار الطويل. "كفرنحوم "في 59 و24 يُطوّق الكل تطويقًا.
ج- النتيجة: إيمان روفض (6: 6- 71)
يسوع والتلاميذ
كان القسم الأول من يو 6 يدور بين يسوع والجمع (22- 40) والقسم الثاني بين يسوع
واليهود (41-59). فالقسم الثالث يدور واضحًا بين يسوع والتلاميذ (60-66). تتقلّص
الحلقة أكثر فأكثر، ويتزايد الرفض والعداء. من أين أتى التلاميذ فجأةً؟ أكانوا
حاضرين صامتين؟ أم يقصد الإنجيلي أن النقاش في هوية يسوع ليس موضوعًا بين اليهود
والمسيحيين فقط، إنما هو موضوع يمسّ تلاميذ يسوع أنفسهم في عمق إيمانهم. رفض
التلاميذ في 60 أشدّ واخشن من رفض اليهود المتذمّرين (41): "من يطيق سماعه؟" (60).
يعثرون به (61): إشارة إلى كلمة يسوع في متى 11: 6؛ لو 23:7: "طوبى لمن لا أكون له
حجر عثرة"؟
على كلّ، لأول مرّة يُوقف صراحة لدى رفض التلاميذ الكامل تقريبًا. عند الجمع وجدنا
سوء فهم وعدم إيمان، عند الهود تذمّر، لكن عند التلاميذ عثرة، جحودًا وارتدادًا
(66)، وخيانة (64، 71). خلافًا للجماعتين السابقتين حيث كان يسوع يواصل تعليمه بعد
عدم الإيمان والتذمّر، يطرح على التلاميذ سؤالٌ لا مناص منه: "أفلا تريدون أن
تذهبوا أنتم أيضًا؟" (67). في آخر الأمر حلقة الاثني عشر فقط يبقون، بطرس يعطي جواب
الإيمان (68-69). لكن حتى بينهم يوجد خائن (71). غني عن البيان أن يوحنّا يستعين
هنا باعتراف بطرس وكلمة الشيطان من مر 29:8 و33. ولكنّه يفعله بطريقة شخصية جدًا.
71 يبرز "فشل" أو بالأحرى عجز رسول الله في وجه سوء الفهم والرفض والخيانة. إلا أن
الفشل ليس تامًا. هناك البقية الصغيرة التي في وسطها واحدٌ يعطي الجواب الإيماني.
خلاصة
قراءتنا ليوحنا 6 على ضوء توقّف يوحنا على سابقيه بدت قراءةً مثمرة. إنها تفسّر
الاتفاقات مع الإزائيين. ومن ناحية أخرى جعلتنا نكتشف نقاط اهتمام يوحنّا الشخصية
الخاصة. أغلب اختلافات يوحنّا عن الازائين تتفسر جيدًا من لاهوته الخاص. عادةً
وجدنا أن الاختلافات في قصة الإطعام تتواصل في عناصر ومواضيع من خطاب الخبز التالي.
إنه بيان أن قصة أعجوبة الخبز ليست منتوجًا من التقليد انتهى عن طريق الصدفة إلى
إنجيل يوحنا بهذا الشكل وأضاف إليه الإنجيلي خطابًا من يسوع في الخبز. كلا، القصة
والخطاب وحدةٌ لا تتجزأ. أعاد يوحنّا قصة أعجوبة الخبز الإزائية ونظره إلى
التبسّطات الآتية في خطاب للخبز.
علاقة يوحنّا بالإزائيين علاقةٌ معقدة. إنه يعرف عمل سابقيه جيدًا ويقدّره عاليًا
ويستمد منه الكثير من معلومات حول يسوع. بنفس الوقت يبدو لاهوتيًا شخصيًا يواصل
التفكير على طول الخطوط التي رسمها سابقوه وشقّ طرقًا جديدة. ثم إنه مؤلّف يدمج في
قصته بين أصوات الماضي صوت خبرة جماعته الإيمانية أيضًا. هي جماعة بدأت "جمهورًا"
وانتهت جمعًا قليلاً. يقول الإنجيلي: من اختار يسوع، فليعرف جيدًا أنه سوف ينتهي
إلى جماعةٍ ضئيلة. لكن الاختيار يسوى الثمن: "أنت وحدك عندك كلام حياة أبدية".
الفصل الثامن
الخلفيّة اليهودّية في إنجيل يوحنّا
الأب موسى الحاج
القسم الأوّل
مقدّمة
قال أوريجنوس: "ما من أحد غير يوحنّا استطاع أن يصف ألوهيّة يسوع. لنقل ذلك علانية:
إذا كانت الأناجيل تُكمّل العهد القديم؛ فإنّ إنجيل يوحنّا يُكمّل الأناجيل. لا أحد
يستطيع إدراك معناه إذا لم يضع رأسه على صدر يسوع، وإذا لم يأخذ العذراء إلى بيته،
ويجعلها له أمًا" (أوريجنوس، شرح إنجيل يوحنّا 1: 6).
ويقول أحد الباحثين المعاصرين في العلوم اليهوديّة: "إن غنى العلوم اليهوديّة
الموضوعة في خدمة الكتاب المقدّس، منذ نشأة الكنيسة وحتّى يومنا هذا، تعتبر كنزًا
مهمًا في طريقة التفسير الكتابيّ".
إن فرادة يوحنّا، مقارنة مع الإزائيين بشكل خاص، والعهد الجديد بشكل عام، تدعونا
إلى أن نطرح السؤال التالي: ما هي المميّزات التي يتمتّع بها هذا الإنجيل؟ جوابًا
على هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى الخلفيّات التي أحاطت بالإنجيل الرابع، وإلى
استعراض مختلف التيّارات الدينيّة التي تتقاطع في فكر الكاتب وفي نشأة الإنجيل.
فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، أظهرت التفاسير الكتابيّة والاكتشافات العلميّة
الجديدة، التوجّه اللاهوتيّ لإنجيل يوحنا تجاه التّيارات الفلسفيّة والدينيّة
آنذاك. وتوصّلت الدراسات إلى الاتفاق على مصدرين رئيسييّن للإنجيل: الخلفية
اليهوديّة- التوراتيّة، والخلفيّة الهلّينيّة بما فيها الغنوصيّة. ولقد اعتمد
الباحثون في دراساتهم على طريقتين معروفتين هما: الدياكرونيّة والسنكرونيّة.
بحثنا اليوم يرتكز على الطريقة الدياكرونيّة، أو طريقة المقارنة مع نصوص ومصادر
أخرى. فتكوين النصّ له أهميّة كبرى ويهمّ الباحثين إلى حدٍّ بعيد، ولكن ما يهمّنا
أكثر هو النصّ الذي وصل إلينا في صيغته النهائيّة والذي نسعى إلى كشف مرتكزاته
الأساسيّة.
الإنجيل الرابع والعلوم اليهوديّة
والسؤال الأساسيّ هو: هل من المعقول أن نقرأ الإنجيل في عصرنا اليوم على ضوء العلوم
اليهوديّة؟ أليس من الأفضل أن نقرأه على ضوء تقليد آباء الكنيسة؟
من الأكيد أن الأبحاث المعاصرة حول الكتاب المقدس فتحت آفاقًا جديدة. فإذا ما
تفحّصنا التقاليد اليهوديّة المتعلّقة بإنجيل يوحنّا، نجد ذواتنا في الجهة المقابلة
لأنّنا نعمل على اكتشاف النصّ المتّصل بالإنجيل. يقول القديس أغوسطينوس: "إن العهد
الجديد محتجبٌ في العهد القديم، والعهد القديم يفسّره العهد الجديد". هذا يعني أنّ
الإطار اليهوديّ يندرج في طريقة النقد التاريخيّ التي تسمح برؤية أوسع للوسط
الثقافيّ الذي نشأ فيه الإنجيل. ولا يمكننا فهم تفسير آباء الكنيسة من دون معرفة
التأثير اليهوديّ الذي أخذته الكنيسة واعتمدته في أمكنة العبادة.
وإذا كان من الضروريّ إيجاد الوحدة بين التفسير النقديّ والتفسير اللاهوتيّ
الروحيّ، فمن الخطأ اعتماد التفسير الآبائي دون العودة إلى التفسير اليهودي
الرابّيني، إذ لا يمكن اختصار المسافات، وإلاّ زادت الانقسامات عوض الوصول إلى وحدة
النصّ ومعناه.
إستنادًا إلى ما تقدّم، من الواضح أن تقاليد اليهوديّة والنصوص الكتابيّة قُرئت على
ضوء قيامة المسيح. هذا العنصر الجديد يحوي الجذور اليهوديّة للنصّ ضمن حركيّة
جديدة، يوضح غناها الرّوح القدس وحده، لأنّه يحوي الحقيقة كلّها وبالتالي يفسّر
الإنجيل الرابع. لم تكن نيّة يوحنا كتابة مدراش لاهوتيٍّ بسيط فقط، لقد أراد أن
يقدّم يسوع ويبيّن الآيات التي اجترحها، والتعاليم التي أعطاها كما ظهرت وكما ذكّر
بها الرّوح القدس. هذه هي الجذور اليهوديّة للإنجيل الرابع. ولكن وقبل إظهار
القطيعة بين يسوع واليهوديّة، يجب تبيان الوحدة الحقيقيّة حيث إن المسيح لم يأت
لينقض بل ليكمّل.
ولكن عن أي جذور نتكلّم؟
من المعلوم أنّه قبل السنة 70، يوم هُدم الهيكل، كانت الأسس اليهوديّة متأثّرة
بعدّة تيّارات دينيّة: الرؤيويّة، والحكميّة، والفريسيّة. أمّا السامريّون فقد
اعتمدوا لاهوتًا خاصًا بهم. وفي الشتات، وبالأخص في الإسكندريّة، سيطر الخطّ
اليهوديّ ذو الطابع الهلّيني مع فيلون الإسكندري، وكانت الطريقة الرمزيّة هي
السائدة بشكل واضح. وبعد دمار الهيكل، تطوّر هذا الخطّ بشكل بارز وسريع: الخطّ
الفرّيسي الهلّيني فرض ذاته باعتماده عنصري الشريعة والقطيعة مع غير اليهود. مع
التيّار اليهودي المتأثّر بأحداث السنة 70 والرافض للمسيحيّين، نرى أن يوحنّا يعتمد
لغة الحوار.
جماعات يوحنّا والبيئة اليهوديّة
وكذلك فالمشاكل الداخليّة في الجماعات المسيحيّة تبدو جليّة، إذ إنّ بعض اليهود
المرتدّين إلى المسيحية كانوا يتراجعون عن إيمانهم. فعمل يوحنّا على إقناعهم بأنّ
المسيح هو الذي يكمّل العهد مع موسى والآباء. وكان من الضرويّ أيضًا أن يبرهن أنّ
يسوع في التاريخ هو نفسه يسوع القائم من الموت والحاضر الآن في الكنيسة من خلال
الأسرار.
يمكننا معرفة مختلف المواقف بالنسبة إلى جماعة يوحنّا من خلال قراءتنا للإنجيل:
هناك من لا يؤمنون (العالم، اليهود، تلاميذ يوحنّا المعمدان)، وهناك الذين يؤمنون
بطريقة خاصّة (المسيحيون الخائفون 5: 44، الآتون من اليهود 8: 31). وهذا ما يفسّر
التحدّي والطابع العنيف في الإنجيل. فالجماعة تألّفت أساسًا من يهود آمنوا بما
لليهود من انتظار مسيحانيّ ونهيويّ. فالتلميذ الذي كان يسوع يحبّه، يعرض علينا
لاهوتًا في جوهر المسيح الأزليّ المولود قبل كل الدهور. وهذا ما حمل اليهود على
اضطهاد يسوع باعتباره يجدّف حين قال: "أنا كنت قبل أن يكون إبراهيم".
ثمّ تأتي القطيعة مع اليهود حين بدأت بطرد المسيحيّين من المجامع. فحاول يوحنّا أن
يظهر الوحدة الثابتة في يسوع الإله والإنسان. ولجأ إلى المواضيع الحكميّة التي
تبيّن أن المسيحييّن هم مؤمنون بالإله الواحد.
هدف الإنجيل
أما هدف الإنجيل ومضمونه فأمر واضح: "هذه الآيات كتبت لتؤمنوا أن يسوع المسيح هو
ابن الله، ولكي تكون لكم الحياة الأبدية إذا آمنتم" (20: 31). ويؤكد يوحنّا بأن
يسوع هو المسيح وابن الله في آن واحد، ذاكرًا الآيات التي اجترحها يسوع وهي علامات
لحقيقة مستمرة في الكنيسة. والمعنى من هذه الأحداث واضح في حوار يسوع مع محيطه حيث
التعاليم اللاهوتية تتبع هذه الحوارات. فالآية تظهر هويّة يسوع وتختبر إيمان
التلاميذ: "رأوا فآمنوا". وهناك حقيقة واضحة في الإنجيل وهي: إنّ يسوع هو حقًا في
السماء الآن، كما كان في حياته العلنيّة على الأرض.
إن نيّة الإنجيل هي لاهوتيّة: يسوع هو ابن الله، يظهر عمله في العلاقة التي تربطه
بالآب الذي أرسله. لقد حاول يوحنّا أن يكشف سرّ الآب والابن في ردّه على وجهة نظر
اليهود والمسيحييّن المتردّدين خوفًا من المسّ بوحدانيّة الله ومن الوقوع في
الإشراك. ولكي يقنع يوحنّا اليهود، حاول الاستشهاد بآيات من العهد القديم
وبالتقاليد الليتورجيّة اليهوديّة والأعياد ليأتي بهم إلى الإيمان. فاليهوديّة تلقى
جوابها في المسيح، إذ إن موسى نفسه كتب عن يسوع. وما العناصر الواردة في فصح اليهود
سوى مقدّمة تأخذ معناها في إنجيل يوحنّا. فليتورجيّة المظال كانت تهيئة لحياة يسوع.
هذا التعليم اللاهوتيّ ليس مجرّدًا، فالإيمان هو نبع الحياة. ونظرة المؤمن ليست
موجّهة إلى ماضٍ ثائر، إنّه يتوجّه إلى الحاضر الذي يعطي معنًى لوجود المومنين
ويجعل منهم أبناء لله. إنّه حضور روح الله في الجماعة التي تتابع وتحقّق حضور يسوع
في الأسرار. بهذا المعنى يمكننا اعتبار انجيل يوحنا إنجيل الروح.
إنّه إنجيل التاريخ أيضًا، فهو يتبع حياة يسوع بشكل دقيق. هذه الدّقة نابعة من رغبة
في أن يقول الحقيقة كلّها كما هي: الحدث، معنى الحدث، تجلّي يسوع أي تجلّي الله
وإعطاء الحياة الأبديّة بالإيمان والأسرار.
رمزيّة الإنجيل والخلفيّة اليهوديّة
ومّما يميّز يوحنّا هو لجوءه إلى اللغة الرمزيّة. في الوقت الذي نقل الإزائيون
كلمات يسوع من خلال الأمثال والمعنى الإسكاتولوجي، لجأ يوحنّا إلى الرمزيّة
الكتابيّة لأسباب عديدة. فالرمز هو صورة بسيطة، إنّه الرباط بين الأشياء المنظورة
والسماء غير المنظورة للخالق، كل رمزٍ يجمع في نتيجة مختصرة كلّ ما هو داخلي في
اللاوعي والشخصيّ، في الإجتماعي والكوني والديني والسماوي. فرمز الكرمة يشرح لنا
عمل الكرّام ويطبّقه على عمل الآب وعلى علاقته بالابن وبالمؤمنين. إنّه ليس خبرًا
ولا قصة: الرمزية لها جذورها في العهد القديم، لا سيّما في أشعيا 5: 1-7؛ إر 7: 21؛
مز 79: 9-15. سوف نلاحظ أيضا معنى المياه الأبدية والمنّ والسلوى الذي هو رمز
البركات في الزمن المسيحاني. كلّ هذه العناصر هي مهمّةٌ في ممارسة الأسرار
الكنسيّة. فاستعمال الماء والخبز والخمر، يعطي المعنى الآنيّ لهذه التعابير ويربطه
بكلمات يسوع.
فعندما شدّد يوحنّا على أن يسوع هو الكرمة الحقيقية والمنّ الحقيقي، أراد بذلك أن
يبرهن على حقيقة رموز العهد القديم التي اتّضحت واكتملت في شخص يسوع وإن أردنا أن
ندرك معناها علينا معرفة يسوع الذي هو الرمز الأول.
ومن الخطإ اسبتعاد فكرة تاريخيّة الإنجيل الرابع بسبب اعتباره إنجيلا لاهوتيًا
رمزيًا، بل على العكس، من خلال الرموز تتمّ الوحدة الكتابيّة ويتّضح لنا مخطّط
الله.
"المجد" بين يوحنّا والعهد القديم
ومن الأمور المهمة في الإنجيل إبراز الأفكار الأساسيّة والتي تتوضّح بشكل تصاعديّ
عبر الأحداث والخطب: من هذه الأفكار، بنظر بعض الباحثين، إظهار مجد يسوع من قبل
الآب. إنهّا المفصل الحقيقيٌّ في الإنجيل (1: 14؛ 12: 41)، وتظهر بشكل واضح في خطبة
الوداع (13: 31 و17). فحياة يسوع ورسالته تختصران بهذه الآية: "مجّدتك في الأرض،
فمجّدني أيّها الآب" (8: 50-54؛ 17: 51). هذا المجد هو صدى مجد الله في العهد
القديم، حيث إن مجد يهوه يظهر في عظمته وفي قداسته، في آياته الخارقة وفي عجائبه
(عد 14: 22)، في معجزة البحر الأحمر وفي معجزة المنّ والسلوى (خروج 7:17). هذه
الآيات الخلاصيّة تظهر مجد الله، من البحر الأحمر إلى سيناء وبعد ذلك في تابوت
العهد (خر 43:29) قبل أن تسكن في هيكل سليمان (1 مل 8: 10) حيث تراءى مجد الله
لأشعيا.
هذا المجد ترك الهيكل في زمن الجلاء بسبب خطيئة الشعب (حزقيال 9- 11)، وسوف يحلّ
على الجماعة التي تتجدّد بالروح (حز 36: 23)، ويؤكد أشعيا الثالث أن الله سيملك على
أورشليم المولودة من جديد بقوّته والمستنيرة بحضوره (أش 60: 1). ومن أورشليم سوف
يشعّ مجد الله على كلّ الأمم (أش 60: 3). هذا البعد الشموليّ يظهر كذلك في مزامير
الملك.
في إنجيل يوحنّا، يظهر مجد الله من خلال عاملين أساسييّن: الأول من خلال القدرة
الإلهية الساكنة في المسيح، وخاصة في الآلام التي من خلالها سوف يتمجّد المسيح
ويمجّد الآب.
والثاني من خلال إيمان التلاميذ، إذ إن الإيمان هو نتيجة الآيات (2: 11)، وتعاليم
يسوع (68:6-69). فالمجد الذي ينطلق من المسيح لا ينفصل عن مجد الآب (9:17-10). إذا
حمل التلاميذ الثّمار، فإنّهم يمجّدون الآب (8:15).
القسم الثاني
1- كيف ندرس الخلفيّة التوراتيّة
أ- النهج: إن الاستشهادات الصريحة من العهد القديم هي قليلة عند يوحنا بالنسبة إلى
ما في إنجيل متى. هي 19 استشهادًا وتختلف عمّا في الأناجيل الإزائية.
وإذا ما قارنّا الاستشهادات المشتركة بين يوحنا والازائيين، نلاحظ استقلالية يوحنا
في هذا الخصوص: أش 40: 3-5 "صوت صارخ في البريّة أعدّوا طريق الربّ" يقولها
المعمدان (يو 1: 23). المزمور 118: 26 "مبارك الآتي باسم الرب" تلفظها الجموع في
دخول يسوع إلى أورشليم (يو 13:12؛ مر 11: 19). ويرد مز 69: 10 (ق يو 2: 17) غيرة
بيتك أكلتني، ولقد وردت هذه الآية في السبعينية بصيغة المضارع.
هذه الطريقة في إيراد الاستشهادات في النصوص، تفترض تعاملاً طويلاً مع الكتاب
المقدّس (39:5: "إنكم تبحثون في الكتب") هو شبيهٌ بتقليد متى وإن كان أكثر عمقًا.
وهكذا نستطيع ان نتكلّم عمن مدرسة لمتى ومدرسة ليوحنا.
ب- الخلفية التوراتيّة: إن التقاليد الكتابية التي يرتبط بها الإنجيل الرابع تبدو
متصلة بمعظم أسفار العهد القديم، ونذكر تحديدًا سفر الحكمة في تأثيره على مطلع
الإنجيل، وسفر الخروج مع سيناء أمر لا يمكن تجاهله. هذه المجموعات كانت الأكثر
انتشارًا في المجامع اليهودية. لنأخذ مثلاً التلميحات: في يو 19: 41 ترد كلمة بستان
Képos مرتين، وفي يو 20: 15 ترد كلمة Képoros البستاني، هذه الكلمة تعيدنا إلى جنة
عدن التي تذكرنا بآدم القديم والتي استعملها يوحنا بالارتكاز على ترجمة أكيلا
وتيودوسيون في تك 2-3 ليذكّر بأن البستان هو الجلجلة حيث قبر يسوع، آدم الجديد، في
التقليد المسيحي اليهوديّ.
اتفق الشرّاح على وضع الاستشهاد القصير في سياق أوسع لإدراك معناه الواسع.
كيف يقرأ يوحنا مز 42-43 مثلاً؟
ننطلق من الردّة: "لماذا تكتئبين يا نفسي وتقلقين فيّ؟".
هناك نصّان عند يوحنا يشيران إلى هذه الآية وهما يعودان إلى اضطراب المسيح أمام
آلامه القريبة. في 12: 27 نقرأ: "الآن نفسي قلقة، وفي 13: 21: "قال يسوع هذا واضطرب
في روحه". وهناك أصداء أخرى لهذا المزمور في اضطراب يسوع أمام قبر لعازر (11:
33-35) فنقرأ: "فارتعش يسوع بروحه واضطرب"، وعلى الصليب صرخ يسوع قائلاً "أنا
عطشان" (28:19) صدى هذه الآية في المزمور نفسه 42: 3 "ظمئت نفسي إلى الله".
2- تقاليد آباء الشعب
بما أن آباء الشعب العبراني يحتلّون مكانة كبيرة في التقوى اليهوديّة، لم نعجب إن
أفرد لهم يوحنا حيّزًا كبيرًا في إنجيله. نتوقّف فقط عند التفسير الكرستولوجيّ،
ونكتفي ببعض لقطات لأن الموضوع أوسع من أن يحتويه مقال.
أ- يعقوب
أشار جميع الاباء إلى سلّم يعقوب في 1: 51 (سترون السماء مفتوحة، وملائكة الله
يصعدون وينزلون على ابن البشر). غير أن الطريقة التي بها يستلهم يوحنا هذا النص لا
تُفهم إلاّ إذا عدنا إلى الترجوم. فبسبب النصّ العبريّ، تدلّ السلّم على أن الموضع
(بيت إيل) هو نقطة اتّصال بين السماء والأرض. في هذا المكان نال يعقوب رؤية سماويّة
وقف يهوه بقربه (تك 28: 31). في يو 1: 51، تركّزت الرؤية على العلاقة بين ملائكة
الله وابن الإنسان وكأنه سلّم لهم؟ هناك بعض الالتباس في النصّ العبري. قيل عن
الملائكة: "كانوا صاعدين ونازلين عليه" (ع ل ي م. و. ي ر د ي م. ب و) (تك 28: 12).
إلى ماذا يعود الضمير مع حرف الجرّ (به)؟ إلى السلّم أم إلى يعقوب؟ تأرجح التفسير
الرابينّي بين هذين الشرحين. ويلفت انتباهنا ترجوم نيوفيتي حيث تتركّز رؤية
الملائكة على كرامة يعقوب. فخلال رقاده أعلن الملائكة الذين يرافقونه لملائكة
العلاء: "تعالوا انظروا رجلاً بارًا حفرت صورته (إ ي ق و ن ي ه، ايقونته) على عرش
المجد الذي تحترقون شوقًا لرؤيته".
ليس الموضوع في 51: 1 اكتشاف هويّة البار يعقوب، بل إبن الإنسان. وهكذا يشكّل هذا
القول ذروة الأقوال التي تتوزعّ 1: 19- 51. فتجاه التيوفانيا (ظهور الله) التي نعم
بها يعقوب، نال التلاميذ كرستوفانيا (ظهور المسيح) تدلّ على تسامي المسيح على
الملائكة. إذا كان لا شكّ في تأثير الترجوم على هذا التفسير، فمان مزج تك 28 ودا 7
هو عمل اللاهوت اليوحناوي. ويكون الأمر طبيعيًا حين نلاحظ أن ترجوم تك 28 ودا 7
يرتبطان كلاهما برؤية حزقيال على شاطئ نهر كبار (أو الخابور).
ب- إبراهيم
لا يظهر إسم إبراهيم إلاّ في ف 8. ولكنه سيُذكر عشر مرات في 8: 31- 59. وبعد ذلك لن
يظهر من جديد. لماذا كل هذا الاهتمام؟ هنا نعود إلى خلفيّة حوار يوحناوّي. فاليهود
الذين آمنوا (8: 31) هم مسيحيون متهوّدون متأثرون بالشريعة اليهوديّة. وقد طلب منهم
يسوع أن ينموا في الإيمان ليقتنوا الحريّة الحقيقيّة.
أما المقطع (8: 31-59) الذي نقرأ فيتميّز بعنف في الجدال. أعلن يسوع لمعارضيه:
"أبوكم هو إبليس" (8: 44). فردّوا عليه: "أنت سامريّ وبك شيطان". (8: 48). يبدو من
الصعب أن نظنّ أن هذه "الحرب" تعني مسيحيين متهوّدين. بل هي تشير إلى يهود عزموا
على قتل يسوع. فكيف نجد تماسك النصّ؟ لا ننسى هنا أننا في إطار ليتورجيّ، في إطار
عيد المظال (سكوت)، الذي يتذكّر مولد اسحاق كما يقول كتاب اليوبيلات (16: 10). إذن،
لا ندهش إن وجدنا تلميحًا إلى الإبن الحرّ، إلى اسحاق، تجاه اسماعيل، إبن الأمة:
"العبد لا يقيم في البيت على الدوام" (8: 35). ولا ننسى أيضًا أن شهر "تشري"
(ايلول- تشرين أول) يتضمّن "يوم كيبور" (يوم التكفير) قبل "سكوت" (عيد المظال
والأغصان). لهذا أعلن يسوع لمحاوريه الواثقين كل الوثوق بالغفران الإلهي: "إذا كنتم
لا تؤمنون أني أنا هو، تموتون في خطاياكم" (8: 24؛ رج آ 21). إذن ليست ليتورجية
"كيبور" هي التي تنال الغفران، بل الإيمان بالمسيح، وهو إيمان يرافق أعماله إبراهيم
(8: 39: إعملوا أعمال إبراهيم).
ونحن نعيد بناء هذا النصّ كما نقرأه اليوم على الشكل التالي:
-8: 31-36: ردٌّ على اليهود الذين يعتبرون ذواتهم أحرارًا لأنهم من نسل إبراهيم.
-8: 37-47: وفضٌ لقول اليهود بأنهم نسل إبراهيم. فأعمالهم تدلّ على أنهم أبناء
إبليس.
-8: 48-59: خضوع إبراهيم ليسوع. رأى يومه فابتهج. والتعارض بين ما صار إليه إبراهيم
(قبل أن يكون إبراهيم) وما هو يسوع (أنا هو) يشدّد على المسافة الكبيرة بين
الإثنين.
ونستطيع أيضًا أن نقابل هذا المقطع مع الحرب الكلاميّة بين يوحنا المعمدان واليهود
الذين عادوا إلى كرامتهم كأبناء إبراهيم ليرفضوا أن يثمروا ثمرًا يليق بالتوبة (مت
7:3-10 وز). غير أن هذه المقابلة لا تكفي لكي تقيم رباطًا مباشرًا بين يوحنا وأقوال
الإزائيين، فيُربط نصّ بآخر. فالمكانة الفريدة التي يمثّلها "أبونا إبراهيم" في
العالم اليهوديّ (سواء كان في فلسطين أو بين الهلينيين)، جعلت المواجهة محتومة بين
إبراهيم ويسوع في مختلف الأوساط.
ويلقي كتاب اليوبيلات ضوءًا على الطريقة التي بها فُهمت أخبار سفر التكوين على عتبة
المسيحيّة: إن امتياز حريّة شعب اسرائيل قد تأسس على ف 15 تأسيسًا لاهوتيًا. فبعد
الشريعة حول الختان (تك 17)، حدّد النصّ أنه إن أسلمت الأمم إلى أرواح تضلّلها،
فالله لم يسمح لملاك ولا لروح أن يكون له سلطان على إسرائيل. "هو وحده ملكهم. هو
يحميهم. هو يطالب بهم لدى ملائكته، لدى أرواحه، لدى قوّاته، لكي يحفظهم ويباركهم،
فيكونون له ويكون لهم من الآن إلى الأبد" (اليوبيلات 15: 31-32).
في هذا المنظار، اعتبر اليهود أنه يحقّ لهم أن يعلنوا في يو 33:8: "نحن ذريّة
إبراهيم. وما كنّا قط عبيدًا لأحد (لم يستعبدنا أحد). فكيف تقول أنت إنكم تصيرون
أحرارًا"؟ لا رنّة سياسيّة (على مستوى العلاقة مع رومة) لموضوع الحريّة هنا، بل
دينيّة. بما أن اليهود اعتبروا أنهم أفلتوا من سلطة الأرواح الشرّيرة، ردّ يسوع
قائلاً إن أباهم هو إبليس (8: 44). وهكذا يلمّح النصّ إلى المدراش الذي يعلن أن
قايين ولد من زواج الحيّة مع حواء (ترجوم تك 4: 1؛ رج 1 يو 8:3-12).
في إطار التعارض بين الابن الحرّ والابن العبد، نفهم أن يسوع اتّهم اليهود بأنهم
أرادوا أن يقتلوه (8: 40). فاليهود يتصرفون مثل إسماعيل، ذاك الرامي بالقوس (تك 21:
20) الذي أراد أن يطعن أخاه متظاهرًا أنه يلعب. ذاك هو أحد الشروح الذي يقدّمه
ترجوم سوطه (6: 6) ليبّرر طرد هاجر وابنها من بيت إبراهيم. ولكن حين يعملون عمل
إبراهيم يقتدون بحسن ضيافته (تك 18). وبالتالي يستقبلون كما يليق مرسل الله (8:
42).
إن ابتهاج إبراهيم الذي رأى يوم المسيح يشكّل ذروة هذا الاعتبار حول وجه أبي
الآباء. "إبراهيم أبوكم ابتهج حين فكّر بأن يرى يومي: رآه وفرح" (56:8). كيف نفسّر
هذه الآية؟ هناك تفسيران لافتان. حسب الترجوم الفلسطينّي حول تك 15: 11، تمثّل
الكواسر التي ترتمي على الاضحيات (علامة العهد) أربع ممالك سوف تسيء إلى إسرائيل:
"هي ممالك الأرض، وحين يحوكون الأهداف الشريرة ضد بني إسرائيل، ينالون الخلاص
باستحقاقات أبيهم إبراهيم" (نيوفيتي، تك 15: 11). وفي الترجوم، نال إبراهيم وحيًا
عن المستقبل، ولا سيّما حول سقوط مملكة أدوم الفاسدة (تك 15: 12). ولكن لا حديث عن
فرحه. غير أن الموضوع حاضر بمناسبة ولادة اسحاق حسب اليوبيلات 16: 16-29. إليكم كيف
روى هذا الكتاب تأسيس عيد "سكوت" (المظال) ساعة وُلد اسحاق:
"احتفل إبراهيم بالعيد سبعة أيام، فابتهج بكل قلبه وكل نفسه، هو وجميع أهل بيته...
فقد عرف أن زرع البّر لن يخرج منه للأجيال الأبديّة. وبالتالي الزرع المقدس... سمّى
هذا العيد: "عيد الرب". عيد بهجة يرضي الله العلي" (يوبيلات 16: 25- 27).
يمكن أن نفسّر فرح إبراهيم لمولد اسحاق فرحًا مسيحانيًا، لأن اسحاق هو إبن الوعد.
هنا يجب أن ندرس وجه اسحاق في الإنجيل الرابع. فالليتورجيا اليهوديّة ربطت بين "ع ق
د ة" (ساعة قيّد) اسحاق وحمل الفصح وحمل المحرقة اليوميّة. لا شكّ في أن موضوع
الحمل الذي يرفع خطيئة العالم، الحمل الذي ينحر ساعة الذبيحة الفصحيّة في الهيكل،
يرتبط بهذه النمطيّة.
تلك هي الطريقة الاصليّة التي بها يقدّم يوحنّا وجه إبراهيم: لا يسترعي انتباهه
صفته كأب للوثنيين، بل ضيافته وفرحه حين ولادة اسحاق. إذن، نحن أمام تفسير
كرستولوجيّ مع تأكيد على وجود المسيح منذ الأزل. وكما أن يوحنا المعمدان انحنى
خاضعًا أمام ذاك الذي هو قبله (يو 1: 15- 30)، شهد إبراهيم مسبقًا أن المسيح يشارك
الله في كيانه: "قبل أن يأتي إبراهيم إلى الوجود فأنا الكائن" (8: 58). "قبل أن
يكون إبراهيم أنا هو".
ج- موسى
تنبثق نظرة اليهود انبثاقًا في نهاية سفر التثنية الذي يختتم أسفار الشريعة الخمسة:
"ولم يقم من بعد نبيٌ في إسرائيل كموسى، الذي عرفه الربّ وجهًا لوجه الذي بعثه
الربّ ليصنع جميع هذه الآيات والمعجزات في أرض مصر" (تث 34: 10-11).
فبحسب النظرة اليهوديّة، لا نستطيع أن نفصل وحي التوراة بالمعنى الحصري، أي الأسفار
الخمسة، عن الآيات التي ترافقه. كان يوحنا أمينًا لهذه النظرة حين توسّع فيها في
منظور كرستولوجيّ.
ونكتفي بمثل واحد يحدّد تفسير يوحنا بالنسبة إلى تفسر الحكمة والتأويل الفلسطيني:
نمطيّة حيّة النحاس. "كما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب على ابن الإنسان أن
يُرفع لكي تكون الحياة الأبدية لكل من يؤمن به" (3: 14- 15).
إن تفسير هذا الحدث (2 مل 18: 4: سحق حزقيا حيّة النحاس التي كان موسى صنعها) في
سفر الحكمة أمر يلفت النظر: "أقلقوا إلى حين انذارًا لهم، ونصبت لهم علامة للخلاص
تذكّرهم وصيّة شريعتك. فكان الملتفت إليها يخلص، لا بذلك المنظور، بل بك يا مخلّص
الجميع" (حك 6:16-7).
فبحسب الاتجاه الإرشادي في المدراش حول خر 10-18، فُهم الحدثُ كتنبيه وإنذار لكي
يُدخل إلى القلوب الامانة للشريعة. وهكذا صارت الحيّة عربون خلاص، علامة خلاص. إن
محور كل نظرة إلى سفر الحكمة، بل إلى العالم اليهوديّ كله، هو الشريعة التي نورها
لا يفسد (حك 18: 5). إنها مبدأ خلاص لكل من يلتفت إليها في حركة توبة وارتداد.
وتوسّع التأويل الفلسطينّي في خطّين. نجد الخطّ الأوّل في كتابات التنائيم (أي
الردّادين) والمكلتا (المحتوى) على خر 17: 11. ففي إطار حضّ على تلاوة "مجيله"
والنفخ بالبوق (شوفر)، يشدّد النصّ على ضرورة "رفع القلب". قال المفسّر: "كل مرّة
ينظر بنو إسرائيل إلى فوق ويخضعون قلوبهم لأبيهم السماوي يخلصون". وهذا النمط عينه
من الشرح نجده في ترجوم يوناتان: "فكل من تعضّه الحيّة ويرفع نظره إليه يبقى حيًا
إن هو وجّه قلبه نحو اسم كلمة الربّ" (حول عد 8:21).
والخطّ الثاني نجده في ترجوم نيوفيتي ومدراش رابّه على سفر العدد. هناك صوت يسمع
اتهام الله لشعبه الذي يتذمّر دائمًا، ويدعو الحيّة لكي تكون شاهدًا يثبت خطأه:
"لتأت الحيّة التي لم تتذمّر بسبب الطعام، وتسيطر على الشعب الذي تذمّر بسبب طعامه"
(حول عد 6:21).
وبدا يوحنا قريبًا من تأويل سفر الحكمة حين أحلّ المسيح محلّ الشريعة. كما نلاحظ أن
النصّ الذي كان لشعب إسرائيل وحده، قد تعمّم فدلّ على البشريّة. وهذا ما يدلّ عليه
لقب إبن الإنسان. فموضوع الخلاص يشرف على كل يو 3. ولكننا نقرأ في آ 15 فعل "آمن"
بدل "نظر" الذي نجده في السبعينيّة. فالإيمان يشكّل في نظر يوحنا العمل الأساسي في
الارتداد، ويجد امتداده في التأمل والمشاهدة. لهذا لا نستطيع أن نفصل 3: 14-15 عن
سائر الأقوال التي تتحدّث عن ارتفاع إبن الانسان (8: 28؛ 12: 32-34). وكل هذا يجد
كماله في إيراد يختتم خبر الآلام: "ينظرون الذي طعنوه" (19: 36).
يكون الواحد تلميذ موسى أو تلميذ يسوع؟ ذاك هو السؤال الذي طُرح أيضًا في الحديث عن
يوحنا المعمدان، مع اعتبار الفارق بين الأشخاص. ففي كلا الحالين، لا يُحدر الإنجيلي
الوجهين المتعارضين، بل يجعلهما في خدمة الإيمان المسيحيّ. هنا نعود إلى نهاية
الخطبة الدفاعيّة الكبيرة في يو 5. فبعد شفاء مخلّع بركة بيت زاتا، قدّم يسوع عمله
على أنه مشاركة في عمل الآب، وجعل الشهود يمرّون الواحد بعد الآخر: "لا تظنّوا أني
أنا من يشكوكم أمام الآب. من يشكوكم هو موسى الذي هو رجاؤكم. لو كنتم تصدّقون موسى
لصدقتموني أنا أيضًا، لأنه كتب عني" (5: 45-46).
ونستطيع أيضًا أن نتوقّف عند الدور المعطى لموسى في يو 6. ففي كل هذا الفصل تتجمّع
ذكريات من سفر الخروج: تكثير الأرغفة، عظة حول المن، ظهور الله على البحر (مثل عبور
البحر الأحمر)، تذمّر الشعب الذي لا ينتهي. تبدو النمطيّة هنا في شكل انحداريّ:
عظّم اليهود دور موسى، فتحدّث يسوع عن عطيّة الله في التدبير الجديد: "الحقّ الحقّ
أقول لكم: ليس موسى هو الذي أعطاكم خبز السماء، بل أبي الذي يعطيكم الخبز الحقيقيّ.
فخبز الله هو الذي ينزل من السماء، ويعطي الحياة للعالم" (6: 32-33).
تظهر أصالة يوحنا في هذا السياق، حين تدخلنا في منظار العهد الجديد الذي يتميّز
بتعليم مباشر يقدّمه الله لنا (لا يعلّم الواحد أخاه من بعد): "يعلّمهم الله كلهم"
(يو 6: 45؛ رج أش 13:44؛ إر 33:31-34). فمسيرة الفكرة هي هي في يو 1: 17-18: كانت
المرحلة الأولى في الوحي ضروريّة. ولكن تفوّقت عليها المرحلة الثانية. هذا ما يشهد
له الأنبياء الذين علّمونا أن نتجاوز حرف التوراة. إذن، يسوع هو أكثر من النبيّ
الشبيه بموسى (تث 18: 15- 18). إنه إبن الإنسان الذي ختمه الآب بختمه (27:6) ليحمل
الحياة إلى العالم كله.
3- قراءة زكريا قراءة مسيحيّة
هنا نعود إلى زك 9-14 الذي انطلق منه يوحنا وتوسّع في التقليد المشترك. ومع ذلك
فليس هناك سوى ايرادين صريحين: واحد يتحدّث عن الملك المسيحاني الذي ركب جحشًا (زك
9: 9؛ رج يو 12: 15). وآخر يتحدّث عن النظر إلى المطعون (زك 12: 10؛ رج يو 19: 35).
إن سفر الرؤيا سيستعمل سفر زكريا استعمالاً واسعًا. أما الإنجيل الرابع فتوقّف عند
القسم الثاني فقط (زك 9-14). نحاول أن نكتشف الإشارات التي تعيننا على قراءة يوحنا
لهذا النصّ النبويّ.
ونبدأ بالمقدمة السريّة: "وصلت كلمة الله إلى حدراك وتوقّفت في دمشق" (9: 1. هذا ما
قالته السبعينيّة. أما العبريّة فتحدثّت عن الراحة). وسوف نجد ذات العبارة
التقديميّة في زك 12: 1: "وصلت كلمة الربّ إلى إسرائيل". نرى هنا كلمة الله التي
بدت كشخص حيّ. هي تشبه جيشًا يحتلّ الممالك، فتنتقل من موضع إلى آخر، وفي النهاية
تجد راحتها. مثل هذا النمط من التفكير يقودنا إلى "أقنوم" الكلمة الإلهيّ.
في إطار دخول يسوع إلى أورشليم، انتمى استعمال المزمور الفصحيّ (مز 18) إلى تقليد
مربّع (أي في الأناجيل الأربعة). أما إعلان الملك المسيحانيّ في زك 9:9 فلم يلق
اهتمامًا إلاّ لدى يوحنا ومتّى. أهتمّ الإنجيلي الأول بالمطيّة، بالجحش، بصغير
الأتان (مت 21: 5). أما الإنجيلي الرابع فأورد وحده مقدّمة القول الخلاصيّ: "لا
تخافي". فاستبعاد الخوف يهيّئ أحد المواضيع التي نجدها في خطب الوداع: "لا يضطرب
قلبكم" (14: 1-27). "تقوّوا (لا تخافوا). أنا غلبت العالم" (16: 33).
لقد أراد يوحنا أن يرسم دخولاً ملكيًا. وهذا ما يدلّ عليه ذكر عبارة "ملك إسرائيل"
كما في مز 25:118-26. وهكذا يكون الخبر مطلعًا لخبر الحاش اليوحناوي المركزّ على
إعلان ملك المسيح. والتلميح إلى داود الذي نجده في زك 9: 9 قد يكون الانجيليّ أراده
أيضًا. قد نشكّ حين نلاحظ أن اليهود عارضوا نبوءة ميخا حول بيت لحم مع أصل يسوع
الجليليّ (يو 7: 42). ولكننا هنا أمام الممازحة اليوحناويّة. فيوحنا يهتمّ كل
الاهتمام بأن يثبت صفة يسوع المسيحانيّة، ويذهب به اهتمامه إلى استعمال لفظة
"ماسيا" (1: 41) في اعترافات الإيمان التي تطبع بطابعها لقاءات يسوع مع تلاميذه
الأولين.
ولكن استعمال يوحنا للعهد القديم، هنا كما في مواضع أخرى يفترض تأوينًا يحوّل مدلول
النصّ. فإن ارتبط يوحنا بقول ناتان النبيّ في 2 صم 7، عبر زك 9:9، فهو يحوّل
منظوره. كانت هناك بنوّة بسيطة على مستوى التبنّي. فصارت بنوّة حقيقيّة. يسوع هو
الابن. مونوغينيس (1: 18). تطلّع زك 9: 9- 10 إلى إعادة بناء إسرائيل الكبير، "من
بحر إلى آخر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض". أما شموليّة يوحنا فتفترض الخروج من
حظيرة إسرائيل (يو 1: 1- 18). ويرمز إلى هذه الشموليّة الكتابة على الصليب. دوّنت
في ثلاث لغات: العبرية (أو: الآراميّة) واللاتينيّة واليونانيّة: فجميع البشر مهما
كانت أجناسهم وأعراقهم، مدعوّون لأن يروا في يسوع ملك اليهود. وبدا زك غامضًا فلم
يلفت انتباه القرّاء المسيحييّن. أما ف 11 فيتضمّن توسعًا حول الراعي الصالح الذي
رذله شعبه. هذا التوسّع نجده عند متّى بشكل مدراش مع الثلاثين من الفضّة (مت
3:27-10. مزج زك 11: 12-13 مع إر 6:32-9). أما منابع إلهام الراعي الصالح في يو 10:
1-8. فهي جدّ متشعبّة. فإن كان حز 34 هو المرجع الرئيسيّ، فنحن لا نستطيع أن نقلّل
دور زكريا. فصورة الراعي المضروب الذي يشرف على انتقاد الرعاية اليهودية كما في
نبوءة زكريا، سيستعيدها يسوع والتقليد الإنجيليّ في إعلان الآلام في مر 14: 27 وز.
وهي تلقي ضوء الكتب على يو 10: 7 ب- 8، وتدلّ (مع أش 53: 12) على الخلفيّة النبويّة
لتوسّع يو 10: 11-17 حول الراعي الاسكاتولوجيّ الذي "يهب حياته" من أجل خرافه.
وإعلان تشتّت القطيع في زك 13:7 هو في خلفيّة مقطع نقرأه في خطبة الوداع الأخيرة:
"قد أتت الساعة، وهي الآن حاضرة، حيث تتفرّقون كل واحد من جهته" (16: 33). إن فعل
"تفرّق" (سكوبيزاين) الذي لا يرد بتواتر مثل "دياسباراين" (من هنا "دياسبورا: أو
الشتات")، لا يقرأ إلاّ في يو 10: 12 في حديث عن تفرّق القطيع بسبب الذئب. استعمل
يوحنا هنا النص الماسوريّ (رج مر 14: 27= مت 26: 31)، لأن السبعينيّة تقدمّ نصًا
مختلفًا: "أضرب الرعيان وأشتّت الخراف". نلاحظ هنا أيضًا كيف أوّن يوحنا النصّ
وحوّل مدلوله. تحدّث نصّ زكريا فقط عن موت الراعي. أما المسيح اليوحناوي فقدّم
تفصيلاً هاما: "تأتي ساعة... تتفرّقون كل واحد من جهته، وتتركوني وحدي. بيد أني لست
وحدي، لأنّ الآب معي" (16: 32). نستطيع أن نقابل هذا القول مع "إيلي، إيلي لما
سبقتاني" (كما في مر ومت). فعن يوحنا، لا تتميّز الساعة بالمسافة بين يسوع والآب،
بل باتحاد الحبّ بين الاثنين.
أما القول السريّ حول مطعون بيت داود في زك 12: 10- 11. فقد لفت اهتمام الجماعة
المسيحيّة. وهذا النصّ قد استعمل في مت 24: 30؛ رؤ 7: 1 (إطار جلياني). بيد أن
يوحنا استعمله بشكل أصيل في نهاية خبر الآلام. بعد المأساة، ها هو نداء مليء
بالرجاء: "يرون الذي طعنوه" (37:19). إن المعنى الحقيقيّ لهذا الايراد البيليّ لا
يُدرك إلاّ إذا وضع مع دعوة يسوع الاحتفاليّة في عيد المظال (سكوت): "إن عطش أحد
فليأت إليّ. وليشرب من يؤمن بي" (يو 7: 37).
ومع أن يوحنا ارتبط بالتقليد المدراشي اليهوديّ، فقد دلّ على حرية كبرى في تفسيره.
وها نحن نشير إلى وجهات مميّزة:
- إن كان أحد... تحمل الدعوةُ الطابع الشخصي والشامل. هذا هو إرث التقليد الحكمي
الحاضر في الإنجيل الرابع، وهو يدعو كل إنسان بشكل شخصيّ إلى جواب على هذا النداء
الذي يوجّه إليه. لا شكّ في أن الخلاص لا يمكن أن يكون دون التجمّع، إلاّ أنه يطلب
قرارًا شخصيًا من كل واحد منا.
- ليأت إليّ. يسوع هو في قلب الحياة الدينيّة. أما في زكريا، فالملك المسيحاني
ومطعون بيت داود، لا يلعب إلاّ دورًا ثانويًا.
- يبدو المسيح مثل صخر البرّية، حجر أساس الهيكل. نجد هنا أيضًا نمطيّة الهيكل كما
في 1: 51 و2: 19- 21.
- مياه الحياة: لا تنحصر هذه الحياة في أفق أرضي كما عند زكريا، بل تصل إلى الحياة
الأبديّة كما بدأت منذ الآن للمؤمن (17: 3).
إن التقارب بين 37:7-38 و19: 34-37، يتيح لنا أن نربط الدم والماء اللذين جريا من
جنب المسيح المطعون بينابيع المياه التي أعلنها زكريا. وهكذا نعطي معنى ايجابيًا
للنظر إلى المطعون. غير أن شرّاحًا انطلقوا من المعنى التهديديّ كما في مت 24: 30
ورؤ 1: 7، ففسّروا النصّ كنبوءة "شرّ" ترتبط بساعة الدينونة. ولكن يبدو أننا أمام
نظرة توبة يُدعى إليها جميعُ قرّاء الإنجيل على خطى التلميذ الحبيب الذي شاهد ما
جرى.
وهكذا حافظ يوحنا على المعنى الاجماليّ لنصّ زكريا، لأن النظر إلى المطعون يترافق
من قبل الله، مع روح الرضى والتّضرّع (زك 12: 10). والإنباءات المتكرّرة حول ارتفاع
إبن الإنسان تتحقّق عند ذاك حين تقابل مع الحيّة النحاسيّة. "وكما رفع موسى الحيّة
في البريّة، هكذا يجب أن يرفع ابن الإنسان لكي ينال الحياة الأبديّة كل من يؤمن به"
(3: 14-15). فالنظر الذي يخلّص لا يمكن إلاّ أن يكون نظر إيمان. غير أن هذا النظر
لم يكن ممكنًا لو لم يعط الروح (أسلم، سلّم الروح إلى الكنيسة) بيد يسوع فأتمّ كل
شيء (19: 30). وخاتمة زك 14: 21 (لا يعود بعد تاجر في بيت يهوه) هي في خلفيّة خبر
طرد الباعة من الهيكل (يو 16:2).
خاتمة
ما لاحظناه في هذه العجالة هو اتّساع التقاليد البيبليّة التي نجدها في خلفيّة
الإنجيل الرابع. فالتوراة تشكّل قماشة ترتسم عليها صور الآباء والوحي المعطى لموسى
والآيات التي طبعت بطابعها سفر الخروج. وقراءة يوحنا لهذه النصوص تستند إلى
التقاليد المدراشيّة المختلفة. عاد يوحنّا إلى أشعيا الأول الذي أبصر مجد يسوع (يو
12: 41). كما عاد إلى أشعيا الثاني ولا سيّما أناشيد عبد يهوه. وتوقّفنا عند زك
9-14 حيث فتح يوحنا طريقًا خاصًا به. أما التقليد الحكميّ فنقرأه بشكل خاص في مطلع
الإنجيل كما في الخطب التي يقدّم يسوع نفسه فيها على أنه ينبوع الحياة.
نظرة يوحنا نظرة تتركّز على المسيح: هو الكلمة المتجسّد وحجر زاوية الكتب المقدسة.
والصور التقليدية أضحت صور يسوع المسيح. هذا ما نقوله عن الهيكل، وعن الكرمة. فكلّ
شيء يتّخذ معناه بواسطة من اعتبر نفسه مشاركًا في الحضور الإلهي كما قالت العلّيقة
الملتهبة. المسيح اليوحناويّ هو مفسّر الآب، هو من يقودنا إلى حضن الآب (18:1)،
فيكشف لنا آنيّة كتب تتيح لنا أن نكتشف ذاك الذي هو الطريق والحقّ والحياة. ورفض
الإيمان به يعتبر عند ذاك خيانة لديناميّة الوحي الذي منحه الله لشعبه بواسطة موسى.
وكل هذا قد أصبح ممكنًا بواسطة الروح الذي ساعد التلميذ الحبيب على الشهادة في خطّ
المسيح الذي قال عنه سفر الرؤيا إنه الشاهد الأمين وبكر الأموات ورئيس ملوك الأرض.
حتّى الآن لا يمكننا أن نجزم بقراءة واحدة للإنجيل الرابع. هناك سبعون تفسيرًا
للكتاب المقدّس، يقول أحد الرابينيّين. هذا صحيح، فكلّ هذه التفاسير موجّهة إلى
المسيح.
فلنصلّ مع مار أفرام السرياني هذه الصلاة: "يا ربّ، من يقدر أن يفهم كلّ الغنى في
كلمة واحدة من كلماتك؟... إنها شجرة الحياة، تحمل الثمار المباركة في كلّ
أغصانها... من يحصل على واحدة من هذه الثمار، لا يتوهّمنّ أنّ المعنى الذي اكتشفه
هو المعنى الوحيد، عليه أن يعي أنّه لم يستطع أن يكشف إلاّ واحدة من المعاني
الكثيرة... إذا روّيت ظمأك من الينبوع الذي لا ينضب، عُد إليه واشرب منه في كلّ
مرّةٍ تحس فيها أنّك عطشان" (دياطسرون، 1: 18- 19).
الفصل التاسع
يسوعُ المسيح وابراهيم
45:8-59
المطران أنطوان أودو
مطران حلب على الكلدان
القرائن الأدبيّة
يقع هذا النصّ في نهاية مناقشة طويلة بين يسوع واليهود (8: 12-44). فقد دارت هذه
المناقشة في أجواء عيد المظالّ اليهوديّ، والفصلان السّابع والثّامن من انجيل
يوحنّا يتكلّمان عن هذا العيد (2:7 و8 و9- 11 و14 و 37).
علينا إذًا أن ندرس هذا النصّ انطلاقًا من القرائن الأدبيّة، وهي المناقشة الدّائرة
بين يسوع واليهود في عيد المظالّ لأن النصّ الذي نحن في صدد دراسته هو القسم الأخير
من هذه المناقشة المذكورة.
عيد المظالّ، تطوّره ومعانيه
كان عند المظّال، وهو عند الخريف الزّراعيّ، يدوم أسبوعًا كاملاً. فقد كان الشعب
يشكر الله على موسم الحصاد، ويرفع الدعاء مستمطرًا البركات على الموسم القادم. ومع
مرّ الزّمن، أخذ العيد أكثر فأكثر طابعًا دينيًا، فصار المؤمنون يحتفلون بمناسبة
هذا العيد بذكرى الأربعين سنةً التي قضاها الأجداد في البريّة، وبذكرى المياه التي
فجّرها موسى من الصّخرة (حز 17).
أمّا نسبة العيد إلى المظّال، فذلك لأن اليهود في زمن العيد هذا كانوا يقيمون تحت
أكواخ من أوراق الشجر، متذكّرين بذلك خيم أجدادهم البداة السّائرين في البريّة مدّة
أربعين سنة.
مكان هذا العيد لا يكتفي بالتلميح إلى أحداث هامّة من الماضي، بل كان يفتح الآفاق
نحو المستقبل، فقد كان مثقلاً بمعان نبويّة: إنّه ينبئ بفرح زمن الخلاص المشيحي
ويرمز إليه، والدليل على ذلك نبوءة زكريّا 14: 6-9 و16:
"وفي ذلك اليوم، لا يكون يومٌ صاف، ثمّ يومٌ غائم. ويكون يومٌ واحد، وهو معلومٌ عن
الرّبّ، ولا يكون نهارٌ ولا ليل، بل يكون وقت المساء نور. ويكون في ذلك اليوم أنّ
مياهًا حيّةً تخرج من أورشليم... ويكون الرّبُّ ملكًا على الأرض كلّها، وفي ذلك
اليوم يكون ربٌّ واحدٌ واسمه واحد... ويكون أنَّ جميع الذين أبقى عليهم من جميع
الأمم الزّاحفة على أورشليم يصعدون سنةً بعد سنة ليسجدوا للملك، ربّ القوّات،
وليعيّدوا عيد الأكواخ".
فقد كان عيد المظالّ من أهمّ الأعياد الدّينيّة لدى اليهود. فالمؤرّخ يوسيفوس
يسمّيه "العيد الكبير". ويتحدّث العهد القديم بإسهاب عن هذا الموضوع في سفر الأحبار
(23: 40-43) وفي سفر تثنية الاشتراع (16: 13- 15).
"وخذوا لكم في اليوم الأوّل ثمر أشجار فقيرة وسعف نخل وأغصان أشجار كثيفة وصفصاف
نهريّ، وافرحوا أمام الرّبّ إلهكم سبعةَ أيّام. وعيّدوه عيدًا للرّبّ سبعة أيّام في
السّنة: فريضة أبديّة مدى أجيالكم.
في الشهر السابع تعيّدون: تقيمون في الأكواخ سبعة أيام. فليقم في الأكواخ كلّ ابن
البلد في اسرائيل، لكي تعلّموا أجيالكم أنّي في الأكواخ أسكنتُ بني اسرائيل، حين
أخرجتهم من أرض مصر: أنا الربّ إلهكم" (أح 23: 40-43).
"واحتفل بعيد الأكواخ سبعة أيّام، حين تجمع غلّة بيدرتك ومعصرتك وافرح في عيدك هذا،
أنت وابنك وابنتك وخادمك وخادمتك واللاوي والنزيل واليتيم والأرملة الذين في مدنك.
سبعة أيّام تعيّد للرّبّ إلهك في الموضع الذي يختاره الرّب، لأن الرّبّ إلهك يباركك
في كلّ غلّتك وفي كلّ عمل يديك، فلا تكون إلاّ فرحًا" (تث 16: 13- 15).
المناقشة حول مشيحيّة يسوع
عندما ننتبه إلى القرائن المذكورة في هذا النصّ، نكتشف أنَّ المناقشة حول مشيحيّة
يسوع مرتبطة بالدرجة الأولى بجوّ عيد المظّال بأبعاده المشيحيّة. فإن عدنا إلى
النصّ وجدنا أن منطلق المناقشة هو تلك الأسئلة التي كان يطرحها النّاس حول شخصيّة
يسوع: والجموع تتهامس في شأنه، فبعضهم يقول: "إنه رجلٌ صالح"، وبعضهم يقول: "كلاّ،
بل يضلّل الشّعب" (7: 12 و26 و31 و40).
ففي قلب هذا العيد الذي كان يُشعل في قلوب النّاس الآمال المشيحيّة الواردة في
الصلوات والقراءات والطقوس، يقف يسوع معلّمًا ومعلنًا أنّه مرسل الله. فلا معنى
لعيد المظالّ إلاّ به، والعيد يشير إليه بشكل خفيّ: في آخر يوم من العيد، وهو أعظم
أيّامه، وقف يسوع ورفع صوته: "إن عطش أحدكم فليُقبل إلي، ومن آمن بي فليشرب" (7:
37-38)، وكلمهم أيضًا يسوع، قال: "أنا نور العالم، من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل
يكون له نور الحياة" (12:8).
وعندما نقرأ ما يتبع نلاحظ أن الشعب في حيرة أمام يسوع، والفريسيين يرفضون شهادة
يسوع على نفسه: "لذلك قلت لكم: ستموتون في خطاياكم" (8: 24)، "وبينما هو يتكلم
بذلك، آمن به خلق كثير" (8: 30). وبعد ذلك يخاطب يسوع الذين آمنوا به: "إن ثبتم في
كلامي، كنتم حقًا تلاميذي، تعرفون الحق، والحق يحرّركم". فيجيبه اليهود بأنهم لا
يحتاجون إلى من يحررهم، لأنهم "ذرية ابراهيم ولم يكونوا يومًا عبيدًا لأحد!" (8:
31-33).
فالنقاش يدور حول موضوع الانتماء إلى ذرية ابراهيم في شرح يسوع لليهود بأنه لا يكفي
أن يكون الانسان من ذرية ابراهيم بالجسد لينال ما نال ابراهيم من نعم وعطايا، فعليه
أن يتم بعض الشروط الروحية:
عليه أن يتحرر من الخطيئة، لأن كل إنسان يرتكب الخطيئة، وإن كان من ذرية ابراهيم،
فهو عبد (8: 40). أما ابراهيم فقد آمن بالمسيح الآتي.
بعد هذه المقدّمات إلتي أستُعرضت فيها أهميّةُ عيد المظال في العهد القديم وعلاقته
بمشيحية يسوع التي تطرح تساؤلات على اليهود من رافضين ومؤمنين، نصل إلى النص الذي
نحن في صدد دراسته (8: 45-59)، فهو يفتتح القسم الثاني من المناقشة، وفيه يكشف يسوع
عن هويته المشيحية في علاقة مع شخصيتين هامتين من الكتاب المقدس، ابراهيم وابنه
اسحق.
1- من منكم يستطيع أن يثبت علي خطيئة
بعد أن أظهر يسوع خطيئة اليهود، غير المؤمنين، فإنه يتحدّث الآن عن نفسه: "من منكم
يثبت علَّ خطيئة"؟ (46:8). فعلى منوال كثير من العبارات اليوحناويّة، فإن لهذه
العبارة مدلولين: قضائي ولاهوتي.
قضائي لأن يسوع بريء رغم المحاكمة التي تقام ضده. وتقوم رواية الآلام على هذه
البراءة التي أعلنها بيلاطس "لم أجد سببًا لتجريمه" وهناك أيضًا مدلول لاهوتي: فإن
يسوع من حيث أنه مرسل من الآب فهو دون ملامة 17:7-19)، لا يكذب ولا يخدع الناس،
يقول الحقيقة التي سمعها من الله ويقول "بما رأى عند أبيه" (8: 45 و40 و38). فيسوع
هو الابن الطاهر والبريء، وحالته هذه تعكس روح الله.
ليس موقف العداء الذي يلقاه يسوع سوى تعبير عن بغض شيطاني للحقيقة. فالحقيقة هي
المزعجة. فحين يرفضون يسوع، فهم يرفضون الحقيقة: أما أنا فلا تصدّقوني لأني أقول
الحق" (8: 45). يُرغم يسوع سامعيه أن يراجعوا ضميرهم: "فإذا كنت أقول الحقّ فلماذا
لا تصدّقوني؟ من كان من الله سمع كلام الله. فإذا كنتم لا تسمعون فلأنكم لستم من
الله" (46:8 ب-47). فإن كانوا لا يكتشفون الله في كلام ابنه، فذلك لأنّهم ليسوا
حقًا أبناء الله. فلا اتّهام أعظم يوجّه لأفراد من الشعب المختار. ألم يقولوا هم
قبلاً: "لا أب لنا إلاّ الله وحده" (8: 41).
2- يسوع متّهم بمسّ من الشيطان
"فقال اليهود: ألسنا على صواب إذا قلنا إنك سامريّ وانّ بك مسّا من الشّيطان؟" لا
حاجة للتوقف عند العداء الذي كان يفصل بين اليهود والسّامريين (4: 9)، فقد كان
اليهود يرون أنّ السّامريين يدّعون على غير استحاق بأنهم شعب الله. فإنّهم يضعون
يسوع في صفّ هؤلاء الذين يحملون اللعنة. وزيادةً على ذلك ففي يسوع مسّ من الشيطان:
"ليس بي مسٌّ من الشيطان ولكنّي أكرّم أبي وأنتم تحتقروني" (8: 49).
يسوع يجيب على التّهمة بطاعته المطلقة لأبيه. أن يكرم أباه هو هّمهالأوحد. أمّا
أعداؤه فلا يفهمون أنّ الذي لا يكرم الابن لا يكرم الآب أيضًا. "فمن لم يكرم الابن
لا يكرم الآب الذي أرسله" (5: 23).
"أنا لا أطلب مجدي، هناك من يطلبه لي ويحكم" (8: 50). إنّ يسوع أسلم مجده الشّخصيّ
لأبيه، فهو كفيل بمجد ابنه. إنّ مجد الآب ومجد الابن واحد. "أنا والآب واحد" (10:
30).
3- كلام يسوع هو كلام الحياة
"الحقّ الحقّ أقول لكم: من يحفظ كلامي لا يرى الموت أبدًا" (8: 51). بما أنّ الابن
يسوع، لا يعمل ولا يتحدّث إلاّ سعيًا وراء مجد الله، فإن كلامه يحمل الحياة لكلّ
النّاس. فإنّ هذه الكلمات ترد مرارًا على شفتي يسوع: "الحقّ الحقّ أقول لكم: من
يسمع كلامي ويؤمن بمن أرسلني فله الحياة الأبديّة... ولكنّه انتقل من الموت إلى
الحياة"، "والكلام الذي كلّمتكم به روحٌ وحياة"، "لأنّي لم أتكلّم بشيء من عندي، بل
الآب الذي أرسلني أوصاني بما أقول وأتكلّم" (5: 24-6: 63-12: 49). إنّ كلام يسوع
ينجي من الموت الإنسانَ الذي يتقبّله ولعمل به.
4- يسوع يعرف الآب
إن سامعي يسوع يشوّهون ما يقول. فهم يطبّقون كلامه على الموت الجسديّ ويسخرون منه
زاعمين أن الرّوح الشرير يتكلّم فيه: "قال له اليهود: الآن أيقنّا أنّ فيك مسّاً من
الشيطان. مات إبراهيم ومات الأنبياء، وأنت تقول: من يحفظ كلامي لا يذق الموت أبدًا"
(8: 52).
إنّ إبراهيم والأنبياء، قد سمعوا كلام الله وماتوا، ويجسر يسوع على القول: "من يحفظ
كلامي لا يرَ الموت أبدًا" (8: 51)، فمن يعدّ نفسه؟ فاليهود لا يرون في كلامه سوى
كفر وجحود فيتابعون سخريّتهم قائلين: "أأنت أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات، وكذلك
الأنبياء ماتوا" (8: 53)؟ كانت السّامريّة قد طرحت على يسوع السّؤال ذاته: "هل أنت
أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر؟" (4: 12). إنّ اليهود يرجعون حتّى
أبراهيم. فقد سألوه منذ فترة قصيرة: "من أنت؟" (8: 25). ويعاودون الكرّة: "فماذا
تعدّ نفسك؟" (53:8). لا يجيب يسوع على السؤال مباشرةً، يبعد بكلمة واحدة أفكار
محدّثيه الخبيثة، فليس فيه أفكار مجد باطل وعنجهيّة تنسب إليه. فمجدٌ واحد يهمّه
وهو المجد الذي يأتيه من الآب. "فأجاب يسوع: "لو مجّدت نفسي لكان مجدي باطلاً لكنّ
أبي هو الذي يمجّدني" (8: 54 آ). إنّ يسوع يعرف أنّ الآب يحبّه حبّاً لا مثيل له
وهذا مجده، وهذه هي حياته، وهذه هي الحقيقة للناس أجمعين (3:17).
يدّعي اليهود بأنهم مرتبطون بالله برباط خاصّ. فقد صاروا شعبه حين اختارهم الله
وأقام عهدًا معهم وهم يقولون: "هو إلهنا" (تك 17: 7). فإنّ يسوع يهدم أوهامهم حين
يكشف لهم جهلهم لله: "تقولون: إنّه إلهنا ولا تعرفونه، أما أنا فأعرفه. وإذا قلت
لكم: لا أعرفه، كنت مثلكم كاذبًا. لكنني أعرفه وأحفظ كلامه" (8: 54 ب- 55).
علينا أن نفهم معنى كلمة المعرفة هنا، استنادًا إلى تقليد العهد القديم النبويّ.
فالمعرفة ليست معرفة مجرّدة قائمة على المفاهيم النّظريّة، إنّما معرفة واقعيّة،
علاقة شخصيّة تخوّل الإنسان على أن يعيش في اتحاد عميق مع الآخر. إنّ محدّثي يسوع
لا يعرفون الله هذه المعرفة العميقة، والدّلالة على ذلك، موقفهم منه. "لو كان الله
أباكم لأحببتوني". فلو عرفوا الآب لقبلوا الابن بالتهليل، لكنّهم يرفضونه كسامريّ
قد مسّه الشيطان. أمّا يسوع فهو يعرف الآب، ولو قال عكس ذلك لناقض كلامُه الحقيقة.
والدّلالة على أنّ يسوع يعرف الآب معرفة شخصيّة، حقيقيّة، هو أنه، يحفظ كلامه
ويتمّمه.
5- إبراهيم ويسوع
بدأت المناقشة حول أبناء إبراهيم الحقيقيين، فنفي يسوع كلام محدّثيه في الانتماء
إلى إبراهيم وفي الادّعاء بأنهم أبناء الله. أما اليهود فقد طرحوا عليه السؤال
ساخرين: "أأنت أعظم من أبينا إبراهيم؟" (8: 53). فأجابهم يسوع مظهرا علاقته بأبيه
ومن ثم علاقة إبراهيم به: "ابتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي ورآه ففرح"
(8: 56).
علينا أن نلاحظ أولا سخرية يسوع في تعبير "أبوكم". لقد أبى يسوع منذ فترة أن ينتسب
محدثوه لإبراهيم. إلا أنه إذا قبل الآن أن ينتسبوا لإبراهيم، فذلك حتى يُظهر لهم
تناقضهم: فكما أن ابراهيم قد عاش راجيًا "يوم يسوع" وسُرَّ برؤيته، فكذلك هم إن
أرادوا أن يكونوا أبناء إبراهيم عليهم أن يُسرّوا برؤية هذا اليوم بعيونهم. إن يسوع
يستعمل لنفسه تعبيرًا خاصًا بالله: "يومي"، لأنه كثيرًا ما استعمل الأنبياء تعبير
"يوم الرب". فإن يسوع يستبق زمن موته وقيامته مظهرا مجده، ولكن خطيئة اليهود قامت
في عدم رؤيتهم هذا المجد.
متى وكيف شاهد إبراهيم يوم يسوع؟
يبدو أن يسوع يستند إلى حدث من حياة إبراهيم. ولا شك أن هذا الحدث قد سرد في تك
17:17 و16:21 فقد كُتب في هذه النصوص أن "إبراهيم سقط على وجهه وضحك" حين سمع أن
الله يعده بابن في شيخوخته. وأن اسم اسحق نفسه يعني "ضحك". وقد فسرت هذه الضحكة في
قسم كبير من التقليد اليهودي كعلامة فرح كبير، واعتُبرت عنصرا هاما في ميلاد اسحق.
لا شكّ أن يسوع يستند إلى هذا التقليد مفسرا حدث ميلاد اسحق على الطريقة التالية:
إن إبراهيم قد شاهد في ميلاد اسحق مجيء يوم يسوع. لقد شاهده عن بعد (عد 17:24 وعب
13:11) في رؤية نبوية حملت إليه الفرح. ففي نهاية المناقشة حول حق الانتساب
لإبراهيم، يقدم يسوع ذاته كثمرة الوعد الحقيقية، سبب الفرح الحقيقي اسحق الحقيقي.
فاسحق الأول لم يكن إلاّ صورة عنه.
إن يسوع يوصل الفرح المشيحيّ في نفسه بمناسبة عيد المظال. فكأن طقوس الماء والنور
قد صارت له. وإنه بمقدورنا كذلك أن ندعم هذا التفسير بتقليد يهودي قديم مفسِّر لهذه
الحادثة. فإنه يزعم أن إبراهيم قد أسس عيد المظال لدى ولادة اسحق، ليعبِّر عن فرحه
مدة سبعة أيام.
فعلى السؤال الذي يطرحه اليهود على يسوع: "أأنت أعظم من أبينا إبراهيم؟" الجواب
واضح ليس إبراهيم سوى شاهد ليسوع، ولا وجود له سوى بيسوع، فهو مرتبط بيسوع وليس
العكس. فإن فرحَ إبراهيم العميق يتعارض مع رفض ذريته غير مؤمنة.
"قال له اليهود: أرأيت إبراهيم وما بلغْتَ الخمسين بعد؟" في الواقع، إنّ اليهود
يشوّهون كلام يسوع: فإنّ يسوع لم يقل إنّه رأى إبراهيم، ولكنّ إبراهيم قد رآه. لم
يُرد اليهود الفهم بأنّ يسوع يتحدّث عن رؤية نبويّة، فراحوا يشوّهون كلامه، ويسخرون
منه. ولكنّ ما يقولون هو أعمق مما يفكّرون: "فقال لهم يسوع: "الحقّ الحقّ أقول لكم:
قبل أن يكون إبراهيم، أنا هو". فأخذوا حجارة ليرجموه" (8: 58-59 آ).
عملاً بشريعة الله في سفر الأحبار 16:24، يهمّ اليهود في رجم يسوع. أفلا يدّعي يسوع
أنّ له وجودًا يتجاوز الزمن؟ أوليس هذا لله وحده؟ فإنّ يسوع يعلن أنّه قبل أن يكون
إبراهيم في الوجود، فهو "كائن أمس واليوم وغدًا". فهو إذًا مثل الله، يسيطر على
الزمن والتّاريخ، ويستعمل اسم الله "أنا هو الكائن" (خر 14:3).
6- يسوع يخرج من الهيكل
"فتوارى يسوع وخرج من الهيكل" (8: 59 ب). اختفى يسوع خوفًا من أن يرجموه، فإنّ
ساعته لم تأت بعد. وإنّنا نقرأ كذلك في إنجيل يوحنّا: "فحمل صليبه، وخرج إلى المكان
الذي يدعى الجمجمة" (19: 17). ففعل "خرج" هامّ جدًا بالنسبة ليسوع وللشعب اليهودي.
فإنّ مدينة الخلاص، أورشليم، وفي قلبها الهيكل، تقف رافضةً يسوع: "جاء إلى بيته فما
قبله أهل بيته" (1: 11). فهو دون خطيئة وقد اتّهموه بأن فيه مسّاً من الشيطان.
خاتمة
لا يصعب علينا أن نفهم نحن معنى هذا النصّ المدروس وأن نسمع صداه في حياتنا
اليومية. فإن رفض يسوع ليس عملاً قام به معاصروه فقط. إن هذا الرّفض في فكر يوحنا
هو رفض "العالم". إنّ يسوع يحمل الحقيقة للإنسان ويسعى إلى أن يحرّره ويخلّصه بها.
إنّ الانسانيّة في أعماقها تنتظر يوم مجيئه، تنتظر هذا اليوم الذي سوف ينتشلها من
ظلماتها. وإنّ تاريخ العهدين القديم والجديد يؤكّد لنا بأنّ هذه الإنسانيّة قد
شاهدت هذا اليوم وفرحت به، لكنّ قلبَ الإنسان قاس ومقاومٌ ليسوع. إنّه يرفض
الاعتراف بأن يسوع هو كلمة الله وأن كلامه حقّ وحياة.
الفصل العاشر
مقارنة بين تعاليم يوحنا وقمران
الأب د. كميل وليم سمعان
تعيد الإسكاتولوجيا، في إنجيل يوحنا، الحياة للتعابير الرؤيوية وتؤوِّنها. ويحاول
البعض أن يؤكد أن الكاتب لم يتأثّر فقط ببعض الجماعات الصغيرة المنغلقة، بل يمدون
التأثير على فئات يهودية ذات اتساع كبير.
1- تعبيرات رؤيوية
يرى Barett أن لكشف الأمور السماوية(يو 3: 12...) مكانة خاصة في الأدب الرؤيوي،
بجوار الموضوعات الإسكاتولوجية. ويرى آخرون في ذلك تشابهًا مع التصوف اليهودي. لا
ينقض رأي الرأي الآخر، لأنه لم تكن هناك فروق كبيرة بين الرؤيويين والمتصوفين، ولكن
يوحنا لا يهتم كثيرًا بالأحداث الإسكاتولوجية وبالأمور السماوية المخفية، والتي
ينصح الإنسان ألا يبحث ويفتش عنها، وذلك ليولي كل اهتمامه لإعلانات المسيح (1: 18؛
5: 37؛ 6: 46؛ 14: 8...)، وأقصى ما يمكن افتراضه في هذا الصدد هو معرفة كاتب
الإنجيل الرابع بهذه الأمور، مع تجاهلها، وبالتالي يكون تأثيرها ضعيفًا.
ولكن من الألقاب التي نسبها يوحنا للمسيح هو "إبن الإنسان"، وهو على الأرجح لقب من
أصل رؤيوي. وقد اهتم Schulz بدراسة تاريخ هذا اللقب ويرى أن معظم الألقاب (يو 1:
51؛ 3: 13..؛ 5: 27؛ 6: 27 و35، 13: 31..) كانت من ضمن التقاليد المصاغة، قبل
يوحنا، وصيغت في الأدب الرؤيوي اليهودي في زمن متأخر، ونالت بعد ذلك تأويلاً
مسيحانيًا.
ونتساءل إذ لم يكن يوحنا قد ورث هذه الموضوعات من التقليد المسيحي السابق وأعاد
قيمتها وصياغتها بطريقته الخاصة.
واكتسب هذا الأمر أهمية خاصة بعد اكتشافات قمران. هناك تشابه شديد بين بعض نصوص
قمران وتعبيرات يوحنا الرؤيوية. وجدير بالذكر أن جماعات قمران تدخل في تيار الحركة
الرؤيوية. ففي مخطوطات قمران، التي نشر معظمها، لم يرد لقب "ابن الإنسان" ولا
الآمال المعقودة عليه، إنما ترد تعبيرات ثنائية بنوع خاص في قانون الجماعة (1QS)
والحرب (!QH) وبأسلوب ذي طابع واع بالاختيار والكشف الإلهي وقرب الله، خاصة في
الأناشيد (!QH). كما تتكرر مفاهيم "الحق" و"الإعلان" و"المعرفة" ومعنى الروح
الإلهية، والرغبة في العالم السماوي والشركة الأخوية على الأرض. كل هذا يقرّب
جماعات قمران من تلك الجماعات التي كانت، بطابعها الروحي ولغتها، خلفية للأدب
اليوحناوي. ولكي نؤكد ذلك نجري المقارنات اللازمة.
لم يول أعضاء جماعة قمران وحدهم، مع مجموعات الأسيانيين، الاهتمام الخاص بالتطهير
والتوبة والاعتراف. فقد كان هناك تيار واسع بالعماد وأوضح هذا الأمر J. Thomas في
كتابه حركة العماديين في فلسطين وسوريا والذي نشره عام 1935 قبل اكتشافات قمران.
ويولي إنجيل يوحنا اهتمامًا خاصًا بيوحنا المعمدان وسائل العماد، ليس فقط بسبب
الجدل مع تلاميذ يوحنا المعمدان اللاحقين الذين عاشوا وناقشوا المسيحية، ولكن بسبب
التراث الثقافي المتأصل في هذه الجماعات.
المقارنة بين العماد بالماء والعماد بالروح (يو 1: 26 و33)
الدعوة المتكررة للطهارة (2: 6؛ 3: 25؛ 13: 10؛ 15: 3)
آيات الشفاء في الفصلين 5 (المقعد والماء) و9 (الأعمى منذ مولده)
موضوع الماء الحي (4: 10، 14؛ 38:7)
يسوع منبع المياء المحيية (35:6؛ 38:7؛ 19: 34).
2- الثنائيات
ونحاول الآن أن نتعمق أكثر في التشابه بين إنجيل يوحنا وعالم قمران، الثنائية هي
طريقة التفكير والتعبير بالمتناقضات. وترد الثنائيات في أشكال مختلفة. وقد اجتاحت،
في العالم الهليني، كل المعارف الكونية والوجودية، ولذلك يستحسن أن نحدد مرة بمرة
نوعية الثنائية: وقد تخصص في دراسة ثنائيات قمران Baumbach وركز دراساته على قانون
الجماعة (1QS). ويمد الدراسة إلى الرؤى في الأدب اليهودي المتأخر، وفي الإطار إنجيل
يوحنا. ويختم دراسته بقوله إنه لا يمكن الإدعاء بأن قانون الجماعة أثر بطريقة
مباشرة على إنجيل يوحنا. وتقترب مفردات قانون الجماعة من مفردات الرؤى في الأدب
اليهودي المتأخر. وتشابه مفرداتها مع إنجيل يوحنا راجع لتأثير مصدر مشترك على
الاثنين معًا (إنجيل يوحنا وقانون الجماعة) بينما وجه Happenbauer دراساته إلى
ثنائيات قمران. ونتيجة لأبحاثه يؤكّد أن ثنائيات نصوص قمران ثانوية وذات طابع كوني
أخلاقي.
ونحاول الأن أن نقارن بين ثنائيات نصوص قمران وإنجيل يوحنا.
أ- عبارات متشابهة للغاية
لا توجد عبارات متشابهة للغاية ولا في الأدب اليهودي المتأخر:
النور & الظلام (يو 1: 5؛ 3: 19؛ 8: 12؛ 12: 35 و36؛ 1 يو 1:5؛ 8:2-11)
الحق & الكذب (يو 8: 44؛ 1 يو 1: 6؛ 2: 21-27؛ 4: 26)
روح & تجسد (يو 3: 6؛ 6: 63)
وقد يثير الدهشة الاستعمال المتواتر لكلمة aletheia الإنجيل وفي نصوص قمران. إنها
علامة خارجية للإيمان بتفوق الانسان وقدرته.
ب- ثنائية الموت والحياة
لا يرد ذكر ثنائية الموت والحياة، التي تحتل مكانة هامة في فكر يوحنا، في نصوص
قمران. ففي إنجيل يوحنا تحتل حياة الدهر الآتي جوهر الخلاص الذي كشفه وأتمه المسيح
(49 مرة في إنجيل يوحنا ورسائله، أما في نصوص قمران فهي تعني حياة الإنسان)، ويضعها
يوحنا بقصد ضد الموت أو سلطان الموت:
5: 24 الحق من سمع كلامي واَمن بمن أرسلني له الحياة الأبدية ولا يمثل لدى القضاء
بل انتقل من الموت إلى الحياة.
8: 51 من يحفظ كلامي لا يرَ الموت أبدًا.
6: 50 الخبز النازل من السماء هو الذي يأكل منه الإنسان ولا يموت...
58:6 من يأكل من هذا يحيا إلى الأبد
11: 25، 26 أنا القيامة والحياة من آمن بي وإن مات فسيحيا كل من يحيا ويؤمن بي لن
يموت للأبد.
وتردّد نصوص قمران عبارات من العهد القديم. لذلك نقول لا يمكن أن يكون إنجيل يوحنا
تأثر في ثنائياته بنصوص قمران.
ج- ثنائيات متناقضة
هناك ثنائيات متناقضة أخرى في إنجيل يوحنا
هنا & هناك
8: 23 أنتم من أسفل، أنا من أعلى
13:3 فما من أحد يصعد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء
13: 31 إن الذي يأتي من على هو فوق كل شيء والذي من الأرض هو أرضيّ يتكلّم بكلام
أهل الأرض... إن الذي يأتي من السماء..
أرضي & سماوي
12: 13 فإذا كنتم لا تؤمنون عندما أكلمكم في أمور الأرض فكيف تؤمنون إذا كلمتكم في
أمور السماء.
31:13...
الله & هذا العالم
يو 3: 16 الله أحب العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد
17 فمان الله لم يرسله ليدين العالم بل ليخلص به العالم
8: 23 أنتم من هذا العالم وأنا لست من هذا العالم
13: 1 قد أتت ساعة انتقاله من العالم أما الآن فإني أترك العالم وأمضي إلى الآب.
17: 15 لا أسألك أن تخرجهم من هذا العالم بل أن تحفظهم من الشرير
25 يا أبت البار إن العالم لم يعرفك أما أنا فقد عرفتك.
إنها ثنائيات لا ترد في نصوص قمران إلا قدر ورودها في الأدب اليهودي المتأخر، وخاصة
الرؤيوي.
ثنائية الحرية والعبودية (يو 8: 32-36) تعرفون الحق والحق يحرركم.. لا يرد لها أي
مثيل في نصوص قمران.
د- سيد هذا العالم
هناك تقارب شديد بين يوحنا ونصوص قمران في موضوع سيّد هذا العالم كمقاوم لله وخططه:
- يو 12: 31 اليوم دينونة هذا العالم. اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج
- 14: 30 لأن سيد هذا العالم آت وليس له يد عليّ.
- 16: 11 فلأن سيد هذا العالم قد دين
3- الشيطان أصل الشر
كذلك الشيطان أصل كل شر وأبو البشر الذين ينتمون إليه
- يو 8: 44 أنتم أولاد أبيكم إبليس تريدون إتمام شهوات أبيكم كان منذ البدء قتالاً
للناس.
يقابل هذه الصورة في نصوص قمران "ملاك الظلام" الذي يرأس "أبناء الظلام" والذي
يحاول إغواء النور" (قارن 1QS 3,20..) وتسميته نصوص قمران أحيانًا بليعال.
ولكننا نشير أن تعاليم قمران عن الروحين ما هي إلاّ تطور لتعاليم اليهود عامة عن
الملاك والشيطان والتي تخضع لإيمان اليهود بالله وبالخلق، وبالتالي لن نستطيع القول
إن ثنائيات يوحنا الناتجة من الفكر اليهودي، تجد لها مقابلاً مباشرًا في نصوص
قمران، وخاصة في أمر النور والظلام. وهناك اختلاف شاسع في هذا الأمر، مرجعه إيمان
يوحنا بيسوع المسيح وبتعاليمه الخلاصية.
4- القدرية أو التحديد المسبق
هناك ارتباط وثيق التعبير بالثنائيات المتناقضة وبين التحديد المسبق الوارد سواء في
إنجيل يوحنا أو في نصوص قمران. من ناحية المضمون هناك توازٍ، حتى وإن اختلفت
العبارات.
توحي بعض النصوص وخاصة (1QS 3,15-21,4,16-19, 1QH 15,12-17) أن ما يحدد تصرفات
أبناء النور وأبناء الظلام هو إرادة الله الثابتة غير المتغيرة. هناك إشارات عديدة
إلى كلمة جورال: المصير، الذي يسير نحوه كل إنسان. وهذا يؤيد الرأي. ولكن بفحص دقيق
لمضمون النصوص يتضح أن الروحين يتصارعان داخل قلب الإنسان الذي يحتفظ بحريته
ومسؤوليته. وليوحنا عبارات فريدة مثل من الله (يو 47:8؛ 1 يو 3: 10؛ 4: 1-3 و4 و6
و7؛ 19:5؛ 3 يو 11) أشهد للحق (يو 18: 37؛ 1 يو 2: 21؛ 3: 19) وتقابلها عبارات أخرى
مثل من العالم (يو 8: 23؛ 15: 19؛ 17: 14 و16؛ 1 يو 2: 16؛ 4: 5) أو من أسفل من
الأرض أو من هنا (يو 3: 31؛ 3:8) أو من إبليس (يو 44:8؛ 1 يو 8:3).
ولكن نلاحظ أن وجود أبناء إبليس (1 يو 3: 10) الأنطولوجي لا يصدر من أبيهم، بعكس
أولاد الله الذين من الله ولدوا (يو 1: 13؛ 1 يو 2: 29؛ 3: 9؛ 4: 7؛ 5: 1 و4 و18)،
وما يجعلهم أبناء إبليس هو رغباتهم وأعمالهم الشريرة (يو 8: 44؛ 1 يو 8:3 و10 و12).
ولا يمكن سبر غور سر انتمائهم إلى عالم الشر.
بالإضافة إلى فكرة التحديد المسبق هناك أيضًا الشرح الأدبيّ لموقفهم المقاوم لله.
"إنما الدينونة هي أن النور جاء إلى العالم ففضّل الناس الظلام على النور لأن
أعمالهم كانت سيئة" (يو 3: 19.. قارن 7: 7؛ 8: 44). وبتحديد أكثر عدم إيمانهم
بيسوع، الذي أرسله الآب ليعلن لهم الحقائق (يو 5: 40، 44-9: 41، 21: 43؛ 15: 22).
هذا هو الفارق الأساسي بين تعاليم يوحنا وقمران.
تنشأ المشكلة في يوحنا عن عدم إيمان اليهود غير المبرر، ويشير يسوع نفسه إلى أن
أساس العداوة هو رفضهم. أما في قمران فيرتبط الحكم على أبناء الظلام وأبناء النور
بالطهارة الشرعية والمحافظة على قوانين الجماعة وعلى أساس قائمة من الفضائل
والرذائل (1QS4,2-11). لذلك نقول إن التشابه في البنية التعليمية والتوازي الخاص
بالأخلاق وبفكرة التحديد المسبق، أمور لا يقوم على أساس تطبع أحدهما بالآخر أو
تأثره منه (يوحنا- قمران)، إنما يقوم على تشابه شكلي في بنية التفكير، وهذا أمر
موروث من العهد القديم ومن الديانة اليهودية.
5- الروح القدس
وينطبق نفس الشيء على التعاليم الخاصة بالروح. هناك نقاط تلامس كثيرة بين نصوص
قمران وكتابات يوحنا: الامتلاء من الروح القدس والاتحاد بالله حتى في هذه الحياة
"بالروح والحق"، وعمل الروح في الناس الذين نالوه.
ولكن إذا تناولنا بالتحليل الدقيق تعليم قمران عن الروح لأكتشفنا أنه يختلف تمامًا
عن تعاليم يوحنا عنه: فمفهوم قمران عن الروح القدس مصطبغ بفكر العهد القديم عنه،
وهو روح إلهية تعطى للإنسان منذ مولده ولكنه مع الوقت يضعف ويتقوى مرة أخرى بتطهير
الإنسان وتوبته عن أعماله الشريرة، وذلك عندما يدخل الإنسان كعضو في الجماعة. كما
أنها تتقوى بدراسة التوراة والمحافظة على الشريعة وطقوس التطهير، إلى أن يزيل منه،
في الزمن الإسكاتولوجي، كل روح خطيئة ويقود إلى المجد الكامل.
أما عند يوحنا فإن من يؤمن بالمسيح فهو مولود من الروح (يو 3: 3 و5 و 8). إنه عمل
خارق العادة (يو 3: 8) لا يمكن فهمه إلا كعطية اسكاتولوجية للروح، الذي يرسله
المسيح الممجَّد (يو 49:7؛ 22:20). ويقوم عمل الروح، بالإضافة إلى الإشارة السريعة
إلى التطهير ومغفرة الخطايا (يو 15: 3؛ 20: 22) في ملء الحياة الإلهية (يو 6: 23 أب
7: 38) التي تقود مباشرة إلى الشركة مع الله (1 يو 24:3؛ 4: 13).
كما أن الاختلاف بين تعاليم قمران ويوحنا يقابل أيضًا دور الروح القدس في الإعلان:
ففي قمران، يعطي الروح القدس فهمًا جديدًا للكتاب المقدس، ويعلن الأسرار الإلهية
الكامنة فيه، أما عند يوحنا فهو المؤيد، روح الحق الذي يعلم ويذكر ويكشف معنى كلمات
المسيح (يو 26:14؛ 13:16) ويشهد (1 يو 5: 6) لعمل المسيح الخلاصي داخل الكنيسة (1
يو 5: 7) وتجاه العالم (يو 15: 16).
هذه الفروق والاختلافات الكبيرة تظهر أن التشابه في هذا الموضوع أيضًا شكلي فقط وأن
تعاليم يوحنا عن الروح القدس تسمو بواسطة الإيمان بالمسيح على كل التعاليم السابقة:
إنها شيء جديد تمامًا.
الخاتمة
هناك علاقة وثيقة في بعض النقاط الهامة بين يوحنا وقمران، ولكن لا يمكن القول إن
يوحنا استقى هذه النقاط من قمران. يمكن أن نأخذ في الاعتبار إمكانية صلة ما عن طريق
التلاميذ الذين انضموا إلى المسيح بعد أن تتلمذوا ليوحنا المعمدان (يو 1: 35- 51)
أو عن طريق الأسيانيين الذين انضموا إلى جماعات يوحنا أو عن طريق معرفة الكاتب
وتأثره ببيئات قويَ فيها تأثير تعاليم قمران.
الفصل الحادي عشر
موشحات سليمان ومدرسة يوحنا
الآب الدكتور افرام عازار
نذكّر بأن وراء التسمية التي نطلقها على كتابات يوحنا، نشير إلى مجمل الكتابات
اليوحناويّة، أي الانجيل الرابع ورسائل يوحنا الثلاث وكتاب الرؤيا. وراء كتابات
يوحنا عدة أقلام واصلت فكره. ونقل ارثه تلاميذه الذين كانوا يؤلّفون مدرسة أو جماعة
واصلوا نقل إرث معلمهم بأمانة. ونفيدنا الدراسات الحديثة أن إنجيل يوحنا قام
بكتابته عدة أشخاص واصلوا فكر معلمهم، وفي الآخير قام يوحنا بنقل البلاغ كشاهد عيان
لرسالة يسوع.
اللوحة الاولى: تاريخ الجماعة اليوحناوية
المرحلة الاولى (55- 80)
الفئة الاولى
في فلسطين والمناطق المجاورة، يعيش يهودٌ الآمالَ المشيحانية. يعيش يوحنا المعمدان
وتلاميذ هذه الآمال. إنهم يعترفون بيسوع مسيحا ابن داود. وضمن هذه الفئة رجل عرف
يسوع من خلال رسالته، وسيصبح فيما بعد التلميذ الحبيب.
الفئة الثانية
يهود مناهضون للهيكل، آمنوا بيسوع، واهتدوا في السامرة. رأوا يسوع من خلال علاقته
بموسى، أقلّ ممّا هي بداود. كان مع الله، رأى الله، وآتى شعبه كلمته. أثّر انضمام
الفئة الثانية في تطور كرستولوجية الوجود الازلي، وحصلت من جراء ذلك مصادمة مع
اليهود الذين ظنوا أن الجماعة اليوحناوية تخلّت عن ايمانها بالله الواحد، لتجعل من
يسوع الهًا ثانيًا. وفي أوج هذه المصادمة طرد رؤساء الكهنة المسيحيين اليوحناويّين
من المجامع، فأصبح هؤلاء غرباء عن اليهود. واعتبر هؤلاء المسيحيون اليهود أبناء
الشيطان، واكدوا بأن الوعود الاسكاتولوجية تحققت بيسوع. اختبر التلميذ خبرة الوعي
والنضج، ورافق اخوته ليبلغوا إلى النضج الذي اختبره، فأصبح منذئذ التلميذ الحبيب.
الفئة الثالثة: مهتدون من الامم "اليونانيون"، "الهلّينيون".
المرحلة الثانية (حوالي سنة 90)
بما أن اليهود كانوا عميانًا، جاء انضمام اليونانيين مطابقًا للقصد الالهي. اتجهت
الجماعة إلى الجاليات لتعليم اليونانيين. شرع الانفتاح يتجّه نحو الشمولية. ولكن
المعاناة التي الّمت بالمسيحيين اليوحناويّين، من جراء معاداة اليهود لهم، ورفض
الآخرين، نما وعي، وهو أن العالم معاد ليسوع، لهذا عليهم الا يكونوا من العالم الذي
يخضع للشيطان. رفض اليهود المتنصرين أعتبر كجحود الإيمان وأدى إلى قطع العلاقة،
بينما استمرت العلاقات مع المسيحيين الرسوليين، على أمل أن تتم الوحدة معهم، بالرغم
من الاختلافات المتعلقة بالكرستولوجيا والبنية الكنسيّة. وبسبب التشديد على
الكرستولوجيا، كإجراء دفاعي ضد اليهود وضد اليهود- المسيحيين، حصل انشقاق داخل
الجماعة.
المرحلة الثالثة (نحو سنة 100): مؤيّدو كاتب الرسائل
لنصبح ابناء الله، ينبغي الاعتراف بيسوع الذي جاء بحسب الجسد، وينبغي حفظ الوصايا.
أما المنشقون فإنهم أبناء الشيطان، ومسحة الروح تسد حاجة المعلمين: يختبر المسحة كل
من يمتلك الروح.
المنشقون
من نزل من فوق هو بمنزلة اله، وهو ليس انسانا بالكامل، وليس من العالم. فمن ثم لا
أهمية لحياته الارضية، ولحياة المؤمن أيضًا، للخلاص. يكفي الايمان بابن الله الذي
جاء إلى العالم. من يؤمن به يخلص.
المرحلة الرابعة (القرن الثاني): الوحدة مع الكنيسة الكبرى
عجز بعض مؤيّدي الكاتب عن محاربة المنشقين ليعودوا إلى التقليد، وبسبب فشلهم أمام
خصومهم، اعترفوا بضرورة دور المعلمين الرسميين (الشيوخ والاساقفة) الذين أوكل إليهم
التعليم. وفي الوقت عينه، تقبلت الكنيسة "الجامعة" كرستولوجية يوحنا، وصحبه تقبل
بطيء للانجيل الرابع، إذ إن الغنوصيين كانوا هم أيضًا يستخدمونه.
نحو الغنوصية
يبدو أن غالبية الجماعة اليوحناويّة قبلت لاهوت المنشقين، ولكنها انقسمت على ذاتها
وأخذ الانشطار نزعات ثلاثة:
أ- الظاهرية أي العبور من يسوع انسان غير كامل إلى جعله مجرد مظهر بشري.
ب- الغنوصية من يسوع في وجوده الازلي إلى مؤمنين وكأن لهم وجودًا أزلي وقد انحدروا
من مساكن سماوية.
ج- المونتانيّة من امتلاك الفارقليط إلى الامتزاج به. حمل أنصار هذا التيار معهم
الانجيل الرابع الذي قبله الغنوصيون وفسّروه.
اللوحة الثانية: المجموعات الدينية المنبثقة من جماعة يوحنا
1- الذين لا يؤمنون
أ- العالم: يتّخذ يوحنا موقفًا إيجابيًا من العالم (يو 3: 16). العالم مفهوم أوسع
من كلمة اليهود. العالم يمثّل أيضًا جميع الذين رفضوا النور. ولكن يوحنا يتحدّث عن
الذين آثروا الظلمة على نور يسوع، لأن أعمالهم كانت سيّئة. اختيارهم هذا أدّى إلى
دينونتهم، لأنهم يخضعون لسلطان الشيطان "سيّد هذا العالم". يرفض يسوع الصلاة من أجل
العالم. إنه غلب العالم. أما الذين قبلوا النور، فهم من ضمن جماعة يوحنا. هكذا نفهم
قوله بأن مجيء يسوع هو بمثابة حكم على العالم (يو 39:9 و12: 31) "إني جئت إلى هذا
العالم لإصدار حكم... اليوم دينونة هذا العالم...". هذا العالم الذي يسكنه أبناء
الظلمة (يو 12: 35-36) لأنه لا يتماشى والمسيح وروحه (يو 16: 20؛ 17: 14-16؛ 18:
36؛ 14: 17؛ 16: 8- 11). العالم يكره المسيح وتلاميذه (يو 7:7؛ 8:15-9؛ 16: 20).
غلب المسيح العالم ورمى سيّد هذا العالم خارجًا (يو 12: 31؛ 14: 30). وفي رسائل
يوحنا يشدّد النصّ على رفض العالم (1 يو 2: 15-16). أنمى هذا المفهوم احساسًا لدى
الجماعة اليوحناويّة أنها تعيش في المنفى، أي أنها متغرّبة عن العالم.
رفضُ اليهود والعالم للمسيح، كان له تأثير مأساوي على تفكير يوحنا (يو 1: 11؛ 3:
16، 19). ويصبح يسوع غريبًا على الأرض. إنه يذهب إلى بيته ويعود إلى أبيه لينال
المجد (يو 15:7). وإن لم يكن يسوع من العالم، فالتلاميذ أنفسهم سوف يُرفَضون (يو
15: 18-19)، وبيتُهم الحقيقي في السماء (يو 2:14-3؛ 24:17). رفضُ انجيل يوحنا من
قبل اليهود والعالم، خلق شعورًا، وهو أن الجماعة تعيش في المنفى، وهو أنها غريبة عن
العالم. ويوم كتب الانجيل، كانت المحبة تسود الجماعة، وكانت كافية لتولي الفرح
والسلام. أما المأساة فستحل لاحقًا عندما حصل الانقسام داخل الجماعة.
كما أبدى الوثنيون امتعاضهم بسبب حماس جماعة المؤمنين ومخاطبة بعضهم البعض بعبارة
"الأخ والإخوة". فأصبحت جماعة يوحنا مستهدفة لحقد العالم، وتعرّضت للاضطهاد والقتل.
ليس العالم أرضًا جديرة بتقبّل الانجيل، ولا "منطقة محايدة". ولذلك تعاني الجماعة،
لأن الناس آثروا الظلمة على النور. وعلى المؤمنين أن يواصلوا الرسالة بكل الوسائل
الممكنة ليشهدوا للمسيح أمام الأمم.
ب- اليهود: لم يؤمن الذين كانوا أعضاء في المجامع بيسوع فحسب، إنما قرروا أن يطردوا
من المجمع كل من يعترف بيسوع مسيحًا. إن النقاش الذي يركّز عليه الانجيل هي الوهية
يسوع (يو10: 34-36؛ 8: 34-57). وهذه نقاط ساخنة بين الجماعة اليوحناويّة ورؤساء
المجمع. تمحور الخلاف مع اليهود حول الخلاص والايمان اللذين هما عطيّة من الله (يو
37:6، 39، 44، 65). وكان من بين المؤمنين من ظلّوا في المجمع. وحثهم يوحنا على
المجاهرة بإيمانهم، حتى وإن أدّى ذلك إلى طردهم من المجمع (يو 9: 22). ويدور الخلاف
حول ادّعاء وحدة يسوع بالآب. كان يسوع اليوحناويّ يتكلّم عن الله أبيه. جعل نفسه
مساويًا لله.
- الادعاءات التي تجعل من يسوع كحضور الله على الأرض. لا بل إنه يعادي الهيكل
ومؤسّساته، ويجرّد الأعياد اليهودية من معناها.
- اضطهدوا المسيحيين اليوحناويّين، وقتلوا بعضًا منهم. وكانوا يعتقدون أنهم بفعلهم
هذا، يؤدّون العبادة لله.
- في نظر يوحنا، إنهم أبناء الشيطان.
ج- اتباع يوحنا المعمدان: بالرغم من أن بعض تلاميذ يوحنا المعمدان انضمّوا إلى
يسوع، وأصبحوا "مسيحيين" يوحناويّين، إلاّ أن بعضًا منهم رفضوا الانضمام، وزعموا أن
يوحنا هو مرسل الله في الدرجة الاولى، وليس يسوع. ولكن الانجيل يرفض أن يكون يوحنا
المعمدان المسيح أو إيليا النبي أو النور أو العريس. "ليس لأحد أن يأخذ شيئًا لم
يُعطه من السماء. أنتم بأنفسكم تشهدون لي بأني قلت إني لست المسيح، بل مرسل قدامه.
من كان له العروس فهو العريس وأما صديق العريس الذي يقف يستمع إليه فإنه يفرح أشد
الفرح لصوت العريس. فهوذا فرحي قد تمّ. لا بد له أن يكبر، ولا بد لي من أن أصغر"
(يو 1: 15 و19-34 و27:3-30). أما الصورة التي احتفظ بها الانجيل عن أنصار يوحنا
المعمدان فتتضمّن بالأحرى سوء فهم يسوع، من دون أن يظهروا له الكراهية، وأن الباب
لم يزل مفتوحًا لاهتدائهم.
كان التلاميذ الأوّلين الذين تبعوا يسوع من تلاميذ يوحنا المعمدان. وتتأصل جذور
الحركة اليوحناوية عند هؤلاء التلاميذ. لا نعجب من وجود اشارات تقلل من دور يوحنا
المعمدان:
- ليس هو النور (يو 1: 9).
- لم يكن قبل يسوع (يو 1: 15-30).
- ليس المخلص، ولا ايليا، ولا النبي (يو 1: 19-20 و3: 28).
- ليس العريس (يو 3: 29).
- عليه أن يصغر، وعلى يسوع أن يكبر (يو 3: 30).
- لم يصنع العجائب (يو10: 40).
- هو بالاحرى شاهد ليسوع وسابقه ليعلنه لاسرائيل (يو 1: 29-34؛ 33:5)، علما بأن
يسوع في غنى عنها (يو 5: 34). يوضح هذا لنا حين نقرأ يو 3: 22-26 لماذا بعض تلاميذ
يوحنا لم يتبعوا يسوع. هل كان اليوحناويّون ضد يوحنا المعمدان؟
- في أعمال الرسل (19: 4) يتحدّث لوقا عن أبلّوس وبعض المؤمنين في أفسس (الموضع
التقليدي الذي فيه كتب الانجيل). فإنهم لم يقتبلوا إلاّ معمودية يوحنا.
- اعتقد اتباع يوحنا المعمدان أنه المخلص، وليس يسوع. ولذلك كان اليوحناويّون على
خلاف مع تلاميذ يوحنا المعمدان، وكانوا يعتقدون أنهم سوف يعودون إلى المسيحية (يو
3: 22-26).
2- الذين يؤمنون بيسوع، او يدّعون أنهم يؤمنون به: المتنصرون من اليهود.
أ- المسيحيون- اليهود الذين لم يتركوا المجامع ولم يجاهروا بايمانهم. إنهم آثروا
مجد العالم على مجد الله. لقد ظنّوا أن بامكانهم أن يؤمنوا بيسوع، من دون قطع ارثهم
اليهودي. وفي نظر يوحنا، فضّلوا أن يبقوا تلاميذ موسى.
ب- المسيحيون الذين تركوا المجامع، ولكن يوحنا يرى أن إيمانه بيسوع، ليس سليما.
يظنون أنهم ورثة لمسيحيّة نشأت في أورشليِم، تحت سلطة يعقوب أخي الرب. هؤلاء-
يرفضون أن يكون يسوع إلهًا- لم يفهموا الافخارستيا أنها جسد ودم يسوع الحقيقيين- في
نظر يوحنا، ليس هؤلاء بمؤمنين.
ج- المسيحيون الذين ينتمون إلى الكنائس الرسولية: جميع الذين انفصلوا عن المجامع
أكانوا من الجماعات المؤلفة من اليهود أو من الأمميين، واعتبروا أنفسهم ورثة
لمسيحية بطرس والاثني عشر. قبل هؤلاء يسوع مسيحًا، من سلالة داود، ولد في بيت لحم،
وهو ابن الله، منذ الحبل به. إلاّ أنهم لم يكن لديهم رؤية واضحة عن وجوده الأزليّ،
قبل الخليقة. أما تصوّرهم للكنيسة، فهو أن يسوع أسّس كنيسة وأسرارًا، ولهذه الكنيسة
بنية حية، لها رعاة يكمّلون واجبهم التعليمي والرسولي. وبحسب رؤية يوحنا، لم يفهموا
يسوع فهمًا كاملاً، ولا دور الفارقليط. يصلّي مسيحيو يوحنا لتتم الوحدة معهم.
دور التلميذ الحبيب
ربما نجد صلة بين تلاميذ يوحنا المعمدان والجماعة اللاحقة التي تمحورت حول التلميذ
الحبيب. يقول تيان "كان التلميذ الحبيب الشيخ الذي تتحدّث عنه الرسالة الثانية
والثالثة ليوحنا، من دون أن يكون شاهد عيان لرسالة يسوع، وكان له دور مميَّز بحكمه
الصائب، ليحكم بين التفاسير ويبتّ بين ما هو حق وبين ما هو خطأ. إن نصوص الانجيل
الرابع التي تتحدّث عن التلميذ الحبيب، هي اضافات من قبل كاتب الانجيل، وغايتها
محاربة ديوتريفوس الذي يرد ذكره في 3 يو 9-10، والذي رفض الاعتراف بسلطة الشيخ. وهو
خائن. ولم يستطع انسان أن يكشف عما إذا كانت آراؤه صحيحة إلاّ التلميذ الحبيب (يو
13: 21- 30)". هذا الوجه الغريب والمليء بالاسرار والغموض والذي لم يرد ذكره إلاّ
في الانجيل الرابع، يعتبر بطل الجماعة. الا أن عددا من المفسرين رأوا فيه شخصًا
"وهميًا". أما نحن فنعتبر أن هذه النظرية غير منطقية. ولو قبلناها، فهذا يعني أن
الذي كتب 21: 20-23 قد خدعه البعض، أو كان يخدع الناس، لأنه ينقل لنا قلق الجماعة
عند موت التلميذ الحبيب. وبالتأكيد قدم هذا التلميذ كوجه مثالي. في رأي برون
الدراسات والبحوث عن كنيسة يوحنا، تقدمه لنا بكل وضوح شخصًا تاريخيًا، رافق يسوع.
وعند دراسة تاريخ الجماعة، نرى أن المسيحيين الذين ينتمون إلى كنيسة يوحنا يختلفون
عن بقية الفئات المسيحية الأخرى التي كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بذكريات الاثني
عشر، وببطرس، بشكل خاص. استطاع المسيحيون اليوحناويّون أن يدافعوا عن رؤيتهم الخاصة
بالكرستولوجيا والاكليزيولوجيا، إذ إنهم كانوا يعنلون انتماءهم المباشر لشهادة
التلميذ الحبيب. إن تقدّم هذا التلميذ على بطرس في الانجيل الرابع بديهي، وإن كان
تقديمه بهذه الصورة قد خلق ردّ فعل معاكس، إن كان شخصًا وهميًا او رمزيًا، فإن لم
يكن قد تبع يسوع بالفعل، لكان الدفاع الشخصي للجماعة، في هذه الحالة، قد انهار.
ولكن قد لا يكون وراء التلميذ الحبيب شخص تاريخيّ، كل مرة تشير إليه نصوص الانجيل
الرابع. ويؤكّد شناكنبورغ أن هذا التلميذ، وإن رافق يسوع في حياته، فهو لم يكن
حاضرًا في العشاء الأخير، وأنه ليس التلميذ الذي اتكأ على صدر يسوع، أثناء العشاء.
كما أن أسلوب كاتب الإنجيل الرابع في ابراز دور هذا التلميذ، يفوق بكثير أهميته
أثناء رسالة يسوع. وهذا ما يلاحظه المراقب الذي يقرأ الأحداث من الخارج. يعتبر كاتب
الانجيل هذه المسألة مسألة شعور شخصيّ، وليست غايته الخدعة.
على ضوء الدراسات حول جماعة يوحنا نقول، وبكل تأكيد، بأن الانجيل الرابع ليس مجرد
شاهد عيان دونّت أقواله دفعة واحدة. هناك إجماع لدى المفسرين من أن الانجيل جاء
نتيجة نضج طويل. يميل الاقدمون (في القرن الثاني) إلى تبسيط مسألة الانجيليين
تبسيطًا مبالغًا فيه، إلى حد أنهم كانوا يقيمون صلة مباشرة بين الانجيليين من أنهم
شهود عيان مباشرين لنشاط يسوع.
وراء "يوحنا" عدة شخصيات: التلميذ الحبيب، يوحنا الرسول، يوحنا مرافق بطرس في نشاطه
الرسوليّ، وقد تكون شخصية آخرى وراء "كاتب" الانجيل الرابع.
وبالرغم من عدم تتطابق كلّ الآراء في تحديد هوية كاتب الانجيل الرابع، وبالرغم من
عدم ذكر يوحنا اسمه، إلا أنه لا ينبغي التوقف على الشاهد، بل على من هو موضوع
البشارة الذي أوصله إلينا، من خلال خبرة عميقة ومعرفة شخصية، في مسيرة نضج روحي.
إنه الشاهد عن حياة الجماعات المسيحية في نهاية القرن الاول.
يوحنا والذين خارج الجماعة
أدّى دخول الوثنيين في الجماعة إلى تعديل (إعادة النظر) في فكر يوحنا ليكون أكثر
فهما وأكثر تشوقا. الشمولية ليست غائبة عن فكره اللاهوتي وهو يؤكد "أن الله أحب
العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة
الأبدية. فإن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم" (يو
3: 16-17). ولكن مع هذه النظرة الشمولية، فإن الانجيل إنجيل دعوى بكامله. هناك من
حُكم عليهم والذين لهم الحياة "من آمن به لا يدان ومن لم يؤمن به فقد دين منذ الآن
لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وإنما الدينونة هي أن النور جاء إلى العالم
ففضّل الناس الظلام على النور" (يو 3: 18- 21).
يستعمل يوحنا- وبهذا يختلف عن الأزائيين- المفارقات والعبارات المتناقضة. والغاية
من ذلك أن يقود القارئ إلى أن يبصر النور الذي يشعّ من جماعة مؤمنة، وهذه النقطة
تشكّل محور الانجيل.
تعكس رسائل يوحنا الطابع المميّز للجماعة اليوحناويّة وتشدد على "الشركة شوتوفوتو":
"ذاك الذي رأيناه وسمعناه نبشركم به أنتم أيضًا لتكون لكم شركة معنا..." (1 يو 1:
3). للجماعة شركة واحدة: إنهم كلهم أولاد الله. والكلام في "أحبوا بعضكم بعضًا" هي
الوصية الجديدة الموجهة إلى هذه الجماعة. هذه المحبة مصدر فرح وسلام للذين يشاركون
الرؤية مع يسوع (يو 15 :11 و27:14).
إن إيمان يوحنا الشفّاف وحسّه المرهف، ليسا مجرد فحص تجريدي من دون أن يكون له أيّ
ارتباط مع حياة الجماعة. وصعوبة الايمان بيسوع كانت في الايمان به كـ "كلمة" الله
الآتي من الله، "الذي أحب العالم" (يو 16:3 و8:4-9). تصبح علاقة يسوع بأبيه نموذجا
لجماعة التلاميذ: "إذا أحب بعضكم بعضا عرف الناس جميعا أنكم تلاميذي" (يو 13: 35).
إعترض بعض الباحثين بأن هذا الشعور، أي شعور المحبة داخل المجموعة، والمعارضة
(المعاداة) من خارجها، جعل منها خلية منغلقة على ذاتها، لها لغة خاصة بها، ولا
يفهمها من هو خارج عنها. ويقول ميكس بأن القارئ المنسجم مع الانجيل بكامل شعوره
وإحساسه يستطيع فهم المعاني المزدوجة وحركات أسلوبه اللولبية. وحتى بالنسبة للذين
كانوا قريبين من الجماعة، مثل نيقوديموس الذي جاء يبحث، إلاّ أن النقاش معه ظل في
طريق مسدودة. ولذلك نرى يوحنا يذهب أبعد من الازائيين، إذ إن الحوار مع يسوع يهدف
إلى حث القاريء ليفهم، سواء مع نيقوديموس ومع السامرِية، أم في الخطب الاخرى. ليس
الانجيل حكرًا على جماعة منغلقة، ولم يتوخَّ الكاتب إثارة إعجاب الذين أتوا من خارج
الجماعة، إنما حث جماعته على فهم يسوع بشكل أعمق. جاء يسوع من عند الآب، ولكنّه يظل
غير مفهوم، كالانجيل الذي في غالبية فصوله يصعب فهمه. ولكن هدف يوحنا في كتابة
الانجيل ليس أن يكتب بأسلوب غامض، بل ليقنع المؤمنين ليصبحوا مسيحيين، أي حث القارئ
لمعرفة ذاته والتحلّي بالثقة. أما المسألة الجوهرية عند يوحنا فهي علاقة المؤمنين
بالله، بيسوع ومع يسوع. قيل أن يوحنا في آخر أيام حياته أصبح بسيطًا بحيث كان يخاطب
الحمام، وكان يقول لجميع من يأتون لزيارته "أحبوا بعضكم بعضًا". إنجيله أغنى
الأناجيل، وأكثرهم تعقيدًا، وربما لكونه بسيطًا استطاع أن يسبر أعماق كنوز حكمة
الله.
لا تغيب عن إنجيل يوحنا وعن رسائله التوترات التي شملت المؤمنين اليوحناويّين وغير
المؤمنين. لا بل إنها تتحدّث عن صراعات. سنتوقّف عند إبرز هذه المجموعات التي لا
تؤمن بيسوع وترفضه.
مؤمنون آخرون في الإنجيل: مؤمنون مهـن اليهود، ولكن يسوع يرفضهم (يو 8: 31).
وآخرون، هم من التلاميذ. تراجعوا وتخلّوا عن متابعة يسوع (يو 66:6).
من ناحية أخرى نجد بعض المؤمنين الذين ينظرون إلى يسوع بطريقة تختلف عن تلك التي
تنظر إليه الجماعة اليوحناوية، مثل فيلبس الذي تبع يسوع عدة سنوات، ولكنّه لم يعرفه
(يو 14: 9). وهناك مؤمنون يلزمون الصمت. إنهم يهود في المجمع (يو 12: 42-43). رؤساء
آمنوا، ولكنّهم لم يجاهروا بإيمانهم لئلا يطردوا من المجمع. لا يحب يوحنا موقفهم
لأنهم "فضلوا المجد الآتي من الناس على المجد الآتي من الله". يبرز الفصل التاسع
قصة الاعمى التي توجز هذا الجانب: لم يخف الأعمى ايمانه، حتى لما طرد من المجمع (يو
9: 22-23). قصة الأعمى هذه تترجم قصة الجماعة اليوحناوية التي لا ترضى بحلول وسط.
ولذلك فإن الانتقادات اللاذعة أحيانًا التي يوجّهها يوحنا إلى اليهود تنطبق على
اولئك المؤمنين الذين يخافون أن يجاهروا بإيمانهم الذي يعتبره ناقصًا، إلاّ أنهم لم
يؤمنوا بيسوع بصورة كاملة. إنهم يفضلون أن يظلوا كاليهود تلاميذ موسى، من أن يصبحوا
تلاميذ يسوع (يو 27:9-28). بالتأكيد لم يشارك هؤلاء نظرة يوحنا ولم يشاطروه في
انتقاده المجمع. إن المسيحية تبنّت خطّ يوحنا وابتعدت عن المجمع.
الكنائس اليهوديّة المسيحية: إيمانها غير كاف
يهود آمنوا، وخرجوا من المجمع لأنهم طردوا منه، وأسسوا كنائس. يتخذ يوحنا موقفا
عدائيا تجاههم ويوبخههم بسبب إيمانهم الناقص.
* الفئة الاولى تبنّت موقفها بعد خطبة خبز الحياة التي ألقاها يسوع في المجمع (يو
6: 60-66). رفض هؤلاء يسوع حين يقول عن نفسه إنه خبز الحياة النازل من السماء (يو
6: 41-42)، أو إنه جسد ودم (يو 6: 53). وإن كان يسوع بعد خطبته كلّم من يسميهم
يوحنا "تلاميذ"، فهذه إشارة إلى الذين كانوا يتبعونه علنا. ونرى في يو 67:6 أن من
بين الاثني عشر من تذمروا مما قاله يسوع في المجمع. كلمات يسوع عن خبز الحياة الذي
يرمز إليه جسده ودمه، كان من الصعب قبوله، ولكن يسوع يجيب أن كلامه روح وحياة. بعض
التلاميذ لم يؤمنوا فعلاً، أما الذين آمنوا به وتبعوه، فهم من مشيئة الآب (يو
66:6). "فارتد عندئذ كثير من تلاميذه وانقطعوا عن السير معه". وربما فكر يوحنا
باليهود المسيحيين الذين لم يؤمنوا، لأنهم لا يشاطرون رأي يوحنا في الافخارستيا.
* الفئة الثانية هم اليهود المسيحيون ذوي إيمان متأرجح، وربما يكون إخوة يسوع من
بين هؤلاء (يو 7: 3- 5). إنهم طلبوا من يسوع أن يصعد إلى أورشليم ليصنع معجزات،
ويظهر نفسه للعالم. رأى البعض في ملاحظة يوحنا "إخوته" أنها جماعة اورشليم، وكانت
تتمتع بمكانة خاصة في كنائس فلسطين حتى القرن الثاني. نجد من بين إخوته من لم يؤمن
به. ولهذا فان إخوة يسوع الحقيقيين هم من آمن من التلاميذ. ولهذا تصبح أمُّ يسوع أم
التلميذ الحبيب. وفي يو 8: 31 يتكلّم يوحنا عن اليهود المسيحيين الذين ايمانهم غير
كاف. يسوع يخاطبهم ويتحدّث معهم ليتحقّق إن كانوا أحرارًا أم عبيدًا.
وأخيرًا ما يثير الدهشة هو انتقاد يسوع (يوحنا) للمرتزقة "الاجراء" الذين لا يحمون
القطيع من فتك الذئاب (يو10: 12). ليس الاجراء الفريسيين رؤساء المجمع الذين
سيتحدّث يوحنا عنهم في مطلع الفصل العاشر عن الراعي الصالح (يو10: 1)، هؤلاء هم
لصوص. فالاجراء هم بالاحرى رعاة يمثلون رؤساء مسيحيين يهودًا لم يبعدوا القطيع عن
اليهود، لأنهم شكّوا برأي جماعة يوحنا ورأوا أن المسيحية حلت مكان اليهودية. وفي
القرن الثاني سنقرأ نصوصًا من آباء الكنيسة تتطرّق إلى القطيعة التي تمّت بين
الكنيسة واليهود المسيحيين، واعتبروا هراطقة. ويذكر اغناطيوس الانطاكي في رسائله
الموجهة إلى كنائس آسيا الصغرى هذه الجماعة التي كانت تعترف بيسوع معلمًا، ولكنّها
لم تعترف به الهًا. يقبلون المائدة المقدّسة على طريقتهم كذكرى لكسر الخبز، ولكن لا
في الشركة مع اغناطيوس. يتناقض لاهوت يوحنا وجماعته مع لاهوت اليهود المسيحيين.
لقد شارك اليهود المسيحيون المجمع الذي انعقد في نيقية سنة 325 م. كانت مسيحية
آريوس أقدم من مسيحية أثناسيوس الاسكندري. وكان آريوس يعرّف المسيح بهذه العبارات
"في البدء كان الكلمة"، وفسّر هذه الآية على طريقته، أي أن للكلمة بداية. أما
أثناسيوس فأنه أقنع آباء المجمع لتبني عبارات في قانون الايمان الذي نردده اليوم،
وكانت أحدث من تلك التي كانت متداولة "اله حق من اله حق، مولود خير مخلوق، مساو
للآب في الجوهر". وفعل هذا بذكاء ودهاء.
المسيحيون في "الكنائس" الرسولية
إنها الجماعة الملتفة حول بطرس وجماعة الاثني عشر والتي يتزعّمها بطرس. لا يستعمل
يوحنا كلمة "رسل"، وان هذه المجموعة ليست من الجماعة التي أسّسها. وذكر فيلبس
وأندراوس (يو 12: 20) في طلب اليونان أن يروا يسوع، فسّر كانفتاح على الوثنيين.
بالتأكيد جماعة يوحنا تتكوّن من اليهود والوثنيين. ولكن يوحنا يشير إلى جماعة خاصة
تلتف حول بطرس والاثني عشر. يشير يوحنا إلى هذه الجماعة بعد خطبة خبز الحياة والتي
كانت مناسبة لغربلة العديد من التلاميذ (يو 6: 60-69)، حيث نجد مجموعتين من تلاميذ
يسوع: المجموعة الاولى هم الذين تركوا المجمع. إنهم مع يسوع، ولكنّهم ارتدوا عنه في
ما بعد، بسبب الكلام الصعب عن خبز الحياة. يمثّل هؤلاء التلاميذ الكنائس اليهودية
بإيمان غير كامل. أما المجموعة الثانية فهم الاثني عشر ويتكلّم بطرس باسمهم. إنهم
لم يتخلوا عن يسوع: "إلى من نذهب يا رب فإن كلام الحياة عندك". من خلالهم نسمع صوت
المسيحيين الذين لهم ايمان حقيقي، يجسّده بطرس والاثنا عشر.
هل الجماعة اليوحناوية بدعة
هل تكون جماعة يوحنا قد انسلخت عن بقية الجماعة المسيحية؟ الجواب هو أن
لليوحناويّين صلة ببعض المجموعات التي ورد ذكرها من قبل. ليس اليوحناويّون وحدهم
مناهضين للمجمع، علما بأن لهجة يوحنا أشد قسوة من بقية كتّاب العهد الجديد. كان
اليوحناويون على يقين أنهم يملكون الحقيقة، أما الآخرون فهم غير أصيلين. تتسم مواقف
يوحنا بالراديكالية والرؤية الرفيعة. يسوع يوحنا متغرب عن العالم وعن خاصته.
للتلميذ الحبيب، وهو بطل الجماعة، حب خاص ليسوع، وهو الوحيد من بين الآخرين لم
يتخلّ عن يسوع. اليوحناويّون هم الذين فهموا يسوع، وهم مثله منبوذون ويضطهدهم
العالم. مسيحيتهم أعمق، وهم على حق، لأن الروح القدس يرشدهم إلى الحق.
ليست جماعة يوحنا بدعة. إنها لم تنشطر عن بقية المجموعة. حضور بطرس وباقي التلاميذ
أثناء العشاء، ووصية المعلم "أحبوا بعضكم بعضًا، كما أحببتكم"، يعني أنهم يشاركون
رجاء واحدًا للمستقبل إلى أن تتم الوحدة: "لي خراف أخرى ليست من هذا القطيع، عليَّ
أن آتي بها فتسمع صوتي، فتكون رعية واحدة وراع واحد" (يو 10: 16). وكذلك الصلاة
الكهنوتية بحضور بطرس والتلميذ الحبيب (يو 17: 20- 21). صلى يسوع "أو هي صلاة
يوحنا" من أجل وحدة المسيحيين "الرسوليين" والمسيحيين اليوحناويّين. فالجماعة
اليوحناويّة ليست بدعة لها طابعها، وتستقبل من يطلب الانضمام إليها من الجماعات
الاخرى، وإن جاؤوا من تقليد مغاير لتقليدها، لأنهم آتون من المسيح.
كاتب موشحات سليمان تلميذ في مدرسة يوحنا
صور ورموز مشتركة تتخلّل صفحات كتابات يوحنا والموشحات، كالماء الحي والحياة
الأبدية "الخالدة" والروح والكلمة. هذه المواضيع أساسية في كتابات يوحنا والموشحات.
كاتب الموشحات يشارك يوحنا في رؤيته للخلاص والكرستولوجيا، هذا إذا اعتبرنا أن
بلورة الفكر اللاهوتي- إذا جاز لنا التعبير، عن الكرستولوجيا بالمعنى المألوف- لم
تستجّد إلا لاحقًا. وحتى إذا وجدنا أن مؤلفات العهد الجديد قد بلورت لاهوتا حول
المسيح، فينبغي إنتظار قرنين أو ثلاثة قرون، لكي تأخذ هذه الكرستولرجيا شكلها
المعروف، في صيغ محددة، وتعابير فلسفية، كما أقرّتها المجامع المسكونية، في القرنين
الرابع والخامس، أي في مجامع نيقية وأفسس وخلقيدونية، حيث نوقشت مسائل لاهوتية
وكرستولوجية، وفيها تمت صياغة قانون الايمان الذي نتلوه اليوم في كنائسنا.
لا يكفي طرح السؤال إن كانت الموشحات، وكتابات يوحنا، ثمرة بيئة ثقافية وروحية
مشتركة، إنما ينبغي طرح السؤال عن بيئة يوحنا نفسها، والتي تجيب على جوانب كثيرة من
العناصر التي نجدها في الموشحات. فمن أسلوب الجدل الذي نجده في مقاطع متعددة، إلى
الاشارات الواردة في الرسالة الاولى ليوحنا (1 يو 2: 18-23، 26؛ 3:4؛ 2 يو 7)، هذه
كلّها تشهد للخلافات والصراعات التي عصفت بالجماعة اليوحناويّة. وعندما نقرأ على
سبيل المثال، الفصل السابع عشر من إنجيل يوحنا، والذي يطلق عليه "الصلاة الكهنوتية"
الصلاة التي يضعها يوحنا في فم يسوع (تكون صلاة يوحنا، أو صلاة تلميذ من تلاميذه)
هي صلاة من أجل وحدة الجماعة التي تعاني من انقسام داخل أعضائها. نستنتج من ذلك أن
الجماعات التي توجّه إليها كاتب رسائل يوحنا، مرّت في أزمات حادة. ثمة إشارات توحي
بأن جماعة يوحنا كانت منقسمة، وأن أفكار مضادة للوحي المسيحي أوشكت تهدد
"أورثوذكسية" الايمان. كما نلاحظ أن هذا الانقسام أثّر في كتابة الانجيل في صيغته
النهائية. وفي رأيه كان كاتب رسالة يوحنا، والمنشّقون الذين ورد ذكرهم في هذه
الرسالة حريصين على البقاء أمناء لتقليد معلّمهم يوحنا، في تفسيرهم الصائب للانجيل
الرابع لما كان للتلميذ الحبيب من دور ومكانة مرموقة وسط جماعته.
إن النزاع داخل الجماعة لم يحدث من جرّاء تقليدين مختلفين، بل بسبب تفاسير مختلفة
لفكر يوحنا. الرسالة الأولى ليوحنا تتحدث عن الذين "خرجوا عنها". وفي رأي برون
وبرونسون، في القرن الثاني، وتحت تأثير كاتب رسالة يوحنا الاولى انضمت فئة إلى
الكنيسة الكبرى، ومال منشقون آخرون إلى الاوساط الغنوصية. وإن الدراسات حول نشأة
المسيحية كما نعرفها من مدرسة يوحنا، سوف توجّه تحليلنا في المماثلة القائمة بين
الموشحات والتقليد اليوحناوي. إننا نشير إلى جدية دراسات برون الذي كتب بأن جماعتين
(ربما أكثر) في بداية القرن الثاني، كانتا تدّعيان الانتماء إلى مدرسة يوحنا، ولكن
نقاط خلاف كانت قائمة بين هذه المجموعات، لاسيّما في موضوع الخلاص والكرستولوجيا.
كانت هذه التيارات تشكّل خطرًا على الجماعات التي كانت ترى في انجيل يوحنا، تعبيرًا
شرعيًا ومطابقًا لايمانها.
الخلاص والكرستولوجيا عند كاتب الموشحات والمنشقين، يختلفان عن نظرة يوحنا. هذه
المجموعات المنشقة أعطت تفسيرات غنوصية، أو صنفت خطأ في خط لاهوت الظاهريين. إن
نقاط النزاع الأساسية بين هذه المجموعات المسيحية- اليهودية ويوحنا هي حول
الكرستولوجيا. إن الذين واكبوا المسيح، وعرفوه، ورأوه، وسمعوه، لم يطرحوا السؤال
حول انسانيته، لأن ذلك كان بديهيًا لهم، لكونهم "شهود عيان". ولهذا، فالايمان بوجود
ابن الله الازلي، يعتبر أمرا جوهريا للبشرى التي يعلنها يوحنا. ولكن الانجيل الذي
كتب بعد غياب هؤلاء التلاميذ الذين كانوا شهود عيان، طرح السؤال لفهم علاقة يسوع
الانسان بالله.
البيئة المشتركة للموشحات وللتقليد اليوحناوي
إن التشابه بين الموشحات والتقليد اليوحناوي أمر واضح. يمكننا أن نقوم بمقابلات
عديدة ملفتة للنظر. وفي حالة تصنيف الموشحات في لاهوت غير "أرثوذكسي"، لأنها تميل
إلى التقليل من شأن التجسد، إلاّ أنها ليست غنوصية، ولا تنتمي إلى تيار ظاهريّ.
الموشحات قريبة من يوحنا، وهي تنشد وتسبّح، كما فعل يوحنا، حضور الكلمة "ملتو"،
مصدر النور، والحياة للعالم، ولكن بأسلوب يختلف عن أسلوب يوحنا. غير أن الشاعر
ينفرد بموضوع الابن، المولود من عذراء، لم يتطرّق إليه الانجيل الرابع، ويتحدّث عنه
بعبارات غريبة، تسبق بلورة لاهوت ميلاد يسوع من عذراء، كما جاء في أناجيل الطفولة.
فكره بدائي، إذ إنه يتحدّث عن الولادة من عذراء، وثديي الآب والحليب الذي يجرى
منهما، ويعتبر الروح مؤنثًا. إن المعالجة التي يقوم بها كاتب الموشحات تبدو غريبة
لأول وهلة، إذ إننا اعتدنا على تعابير لاهوتية وعقائدية عن الثالوث والتجسّد
والفداء. لا عجب أن تكون الموشحات حمدًا وتسبيحًا، تتّسم بالبساطة، ونقاء الروح،
وصفاء التعبير. يعتمد الكاتب على لغة صوفية واختبار روحي وصوفي ليتكلم عن الكلمة
المتجسد. في قلب الاختبار الروحي، تتم العلاقة مع "الكلمة ملتو" المتجسد، ومن دونها
يكون اللاهوت جافا، وعلم تفسير الكتاب المقدس، عقيما. في هذه المرحلة، كان المؤمنون
والشعراء المسيحيون، يعيشون في جو من الحياة المدهشة التي كانت في الوقت ذاته
حياتهم، والتي لم يكن بوسعهم أن يحلّلوها أو يحدّدوها، بصورة منهجية وعقائدية، بسبب
إعجابهم بما ينهلونه منها.
إن كان كاتب الموشحات ويوحنا عاشا في ذات البيئة، فإنهما يختلفان من حيث الثقافة
والتعبير. لقد أعاد كاتب إنجيل يوحنا النظر في بعض الافكار، وعالج بعض ما تبقّى من
آثار غنوصية هيمنت على الانجيل، قبل تحريره النهائي، وكتابته في شكله الحالي. أما
الموشحات فتكون أقرب إلى جماعات المنشقين الذين يذكرهم كاتب رسالة يوحنا الاولى.
فإن لهذا الأخير ردود فعل ضد الافكار التي نجدها في الموشحات. كانت هذه الافكار
تهدّد وحدة الجماعة، وتشكّل خطرًا عليها. أما كاتب الانجيل، فبعد أن أعاد النظر في
بعض الافكار، والغنوصية منها، رأى في الإنجيل الرابع، إنجيلاً قانونيًا، أي تعبيرًا
شرعيًا، ومرجعًا لايمان جماعة الرسول يوحنا.
لـ "الكلمة" دور بارز في الموشحات "أفتح فمي/ فيتكلّم بي روحه/ (أتحدث) عن عمل
يديه/ وصنع أصابعه/ عن كثرة مراحمه/ وقدرة كلمته/ فإن كلمة الرب تدرك ما لا يرى/
وتكشف مقصده" (الموشحة 16: 5-8). وتتحدّث الموشحات وكذلك مقدمة إنجيل يوحنا، عن
التجسّد، ولكنّها تعبّر عنه بطريقة غريبة، وبأسلوب غير مألوف "عضدًا وجدت في الرب/
عرّفني نفسه بسخاء وبساطة/ ولطفه أظهر (صغّر) عظمته/ صار شبيها بي، لكي أقبله/
بالشكل صار على مثالي، لأتشح به/ لم اخف لما رأيته/ لانه تحنن علي/ أصبح مثل
طبيعتي، حتى أدركه/ ومثل صورتي، لئلا ارتد عنه" (الموشحة 3:7-6). الكلمة هو النور
"عملها ليهون مثل توقعها/ إنها نور للفكر وشروقه" (الموشحة 7:12). وتربط الموشحات
بين مجد الله الذي يتنازل، والنور الذي ينعم به البشر بفضله "نهار عظيم نارنا/
وعجيب من وهبنا تسابيحه" (الموشحة 41: 4).
وكما في مقدمة إنجيل يوحنا، في الموشحات، يميّز الكاتب بين من هم "خاصته"، والذين
هم في "الظلمة"، أي الذين لم يعرفوه "رفع صوته إلى العلى/ وقدم له الابناء الذين
صنعتهم يده" (الموشحة 31: 4). ثم يليه موجز لقصة نشأة الكون، تختمها أنشودة لـ
"لكلمة" "ولا شيء يثبت بعيدا عن الرب/ فهو كائن، قبل كل شيء/ بكلمته كانت العوالم/
وبفكر قلبه وُجدت" (الموشحة 16: 18- 19).
ومن المواضيع الاساسية في الموشحات، الحياة الأبدية. في إنجيل يوحنا، إنها مركز
رسالة يسوع. الحياة الأبدية هي الله بالذات، وليست مجرد معرفة غامضة، بل عرفان جميل
لذات الله الحق الاحد، إله يسوع المسيح، المرسل من قبله. تُمنح هذه المعرفةُ
بالايمان بيسوع، ومن خلال أعماله. ولكنّ اكتمالها يتم في الأزمنة النهيوية. أما
الحصول عليها، فيتمّ بالايمان بالمسيح، رسول الله، أي الايمان به، لكونه ابن الله.
فالايمان فعل يتم في "المعرفة"، وهو تقبّل كلام المسيح، والامتثال له. على أن
الايمان بالحياة "التي لا تموت، حايي لو ميوتي"، يعني أيضًا، تقبّل سرّ العماد،
وسرّ الافخارستيا.
أما الموشحات، وخلافا الانجيل، فهي تجهل سبل الخلاص من خلال الاسرار، الامر الذي لا
يمنعنا من استخلاص نتائج ملموسة عن الحياة الأبدية، وإن اختلفت في التعبير.
ليس الماء الحي رمزا خاصا بالموشحات، ولا بالكتابات اليوحناوية. يعالج العهد القديم
موضوع الماء رمزا لتحقيق الأزمنة المسيحيانية ويرمز إلى محبّة الله. في الموشحة
الثالثة، فرع طعّم من شجرة نشيد الاناشيد، ومن كتب حكمية (أم 7: 35-36 و8: 17)، ومن
كتب الانبياء.
"ملتو- لوغوس" الكلمة
يعبّر كاتب الموشحات عن الكلمة "ملتو"، كما يعبّر يوحنا عنه بكلمة "لوغوس". ينشد
يوحنا للكلمة. مقدمة الانجيل نشيد رائع للكلمة وهي أشبه بسمفونية: "في البدء كان
الكلمة، والكلمة كان لدى... به كان كل شيء... فيه كانت الحياة... والكلمة صار جسدا
وحلّ فينا". أما الموشحات، فهي بكاملها، نشيد للكلمة الحال في الجماعة المسبّحة.
ولكن أن كان كلام يوحنا عن تجسد "الكلمة" صريحا وواضحًا، إلاّ أن الشاعر لا يقول
مباشرة وبوضوح، إن الكلمة صار جسدا، وإن وجدنا في كلامه ما يعبّر عن حقيقة تجسد
"الكلمة": "مسكن الكلمة هو ابن الانسان، وحقّه هو الحب". تشدد هذه العبارة بالاحرى
على النور الذي يضيء كلّ انسان، وعلى تجلي الانسان. التركيز هو إذن على تجلي الله
في الانسان. هذه الكرستولوجيا ميزة للاهوت الشرقيين الذين يركّزون على تجلي الله،
وتأليه الانسان، من دون أن يتعارض مع اللاهوت الغربي "اللاتيني" الذي يشدد على تجسد
الله. يؤكّد ايريناوس وهو وريث فكر يوحنا: "أصبح الله إنسانا، ليصبح الانسان الها".
لا يهتم الشاعر، وينطبق هذا على يوحنا، بكيفية التجسد بمعناه اللاهوتي، بل بحضور
الكلمة في الخلق والعالم والجماعة. نجد توازيا بين فكرة كلمة "ملتو" وفكرة مسكن
الكلمة في الانسان، وهذه الكلمة هي التي تجسدت في بالمسيح، كما تعبر عنها الموشحة
"تسير الخلائق بمسارها وتقضي أعمالها، لا تعرف البطالة ولا التوقف. القوات تطيع
الكلمة" (الموشحة 16: 13-14). "بكلمة كانت العوالم وبفكر قلبه وجدت". وهذا التعبير
مطابق لنشيد الكلمة عند يوحنا: "به كان كل شيء" (19:16). ولا جديد إن قلنا بأن
مقدمة الانجيل بعيدة عن المسائل التي تمس عقيدة التجسد، وعن الملابسات والتعقيدات
اللاهوتية التي ستعالج لاحقًا.
الكلمة في نظر الشاعر شخص متجسد، ولقد عبّر عن هذه الحقيقة في الموشحة 16: 13-14.
"الكلمة" بحسب يوحنا هو بالتأكيد، "الكلمة الذي يرد في الموشحات. إنه الله الذي نصب
خيمته بيننا. وهو "ابن الانسان، برنوشو" الذي أصبح مسكن الله. يسوع هو تجليّ الله،
ومن ثم، كل انسان، يصبح مسكن الله. وكاتب الموشحات يعبّر عن الكلمة، مستعينا
بكلمتين: "فتغومو" و "ملتو". أما تفرّد الكاتب في استعمال "فتغومو" للتعبير عن
الكلمة الالهي، فهذا تعبير خاص بالموشحات، ولا نجده في مكان آخر، إذ اننا لا نجد
هذه الكلمة على الاطلاق في تاريخ تطور الكرستولرجيا، وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن
الموشحات ترقى إلى عهد قديم. وقد ذهب الباحثون الذين انكبّوا على دراسة تعابير
الكلمة في الموشحات، إلى الاستنتاج بأن المؤلف معاصر ليوحنا، إن لم يكن قد عاش
قبله. والنظرية الارجح هي أن يوحنا والشاعر، نهلا من بيئة فكرية وثقافية مشتركة.
الماء الحق، ماء الحياة
حدّ الموشحات عن الماء الحق "فعرها كل من في الرب/ وعاشو بالمياه الحق، إلى الأبد"
والموشحة "شربت، وسكرت/ من مياه الحياة التي لا تموت". والموشحة "مثل سيل المياه،
يجري الحق على فمي/ وشفتاي أظهرتا ثماره" (الموشحة 6: 18؛ 11: 7؛ 12: 2). لهذا
الموضوع أهمية في الأدب البيبلي، وهو مشترك للموشحات وليوحنا. لكن السؤال الذي
نطرحه هو ما الذي يجمع بين الكاتبين في استعمالهما رموز الماء هذه؟
إن استعمال كل من الكاف لهذا التعبير يُظهر الأهمية الكبرى التي يوليانها له.
بالماء الحق هبة من الله "فالعلي هو الذي اعطى الشراب"؛ "إستقوا لكم ماء من نبع
الله الحق، لأنه تدفّق عليكم" (الموشحة 6: 12؛ 30: 1). وفي إنجيل يوحنا نجد أهمية
هذا الماء "لو كنت تعرفين عطاء الله ومن هو الذي يقول لك: اسقيني، لسألته أنت
فأعطاك ماء حيا" (يو 4: 10). وهذا الماء يروي ظمأ العطشان "شرب كل عطاش الارض،
والعطش كفّ وزال" (الموشحة 6: 18؛ والموشحة 11: 7). ويعبّر يوحنا أيضًا عن حقيقة
هذا الماء "واما الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إيّاه فلن يعطش أبدا، بل الماء
الذي أعطيه إياه، يصير فيه عين ماء يتفجّر حياة أبدية".
الماء الحي رمز لكشف الروح الذي يهبه يسوع للمؤمنين، ويرتبط مباشرة بماء المعمودية،
كما لاحظ برون. ونجد هذه الرموز في الموشحات "مياه ناطقة دنت من شفتي، من نبع الرب،
بسخاء. لم تكن نشوتي عن جهل إلا أنني تخليت عن الباطل" (الموشحة 11: 6-8). وتعابير
"الماء" أو "المياه" قريبة من نصوص يوحنا (4: 10- 15). فالشاعر ويوحنا، يركزان على
الدعوة الموجّهة إلى كلّ العطاش "ليرتووا ويستريحوا إلى نبع الرب" (الموشحة (30:
2)، وكذلك عند يوحنا "وفي آخر يوم من أيام العيد، وقف يسوع ورفع صوته وقال: إن عطش
أحد فليقبل إليّ ومن آمن بي فليشرب". يجري هذا الماء الحي من "جوف" الرب: "ستجري من
جوفه انهار من الماء الحي" (يو 37:7- 38). وفي الموشحات اشارة إلى الماء الذي يخرج
من شفتي الرب (30: 5) "لأنه خرج من شفتي الرب، ومن قلب الرب نال اسمه". وتدفق هذا
الماء الحي يصبح نهرا: "جرى جدول، فغدا نهرًا عظيمًا واسعًا، جرف كل شيء واجتاحه،
وحمله إلى الهيكل" (موشحة 6: 8).
وتتحدّث الموشحات عن خدّام الماء "طوبى لخدام هذا الشراب الذين استودعهم الله
مياهه" ((موشحة 13:6)، كما تشير إلى سعة النهر وقوته، (موشحة 8:6-10؛ 8:11). وهي
تستفيض في هذه الصور أكثر مما يفعله الانجيل الرابع، مثلاً: العلاقة بين الماء
والرضا "الراحة"، (موشحة 30: 1-7). ولكن الدقة في التعبير وشعور يوحنا المرهف يعكس
تفكيرًا لاهوتيًا أغنى وأعمق. إن عمق الخبرة الصوفية تتجلى عند كلا الكاتبين؛ وصور
الاكليل، والكلمة، والحب، والحبيب، والحق والمعرفة، تتدفق بغزارة عند يوحنا
والموشحات. الموشحة الاولى ويوحنا (15) يتحدثان عن الثمار، والعلاقة الحميمة التي
تربط المؤمن بالله "الرب اكليل على رأسي، ولن أتخلى عنه. نسج لي اكليل الحق، وفي
قلبي يزهر الاكليل ويثمر" (موشحة 1: 1-2).
يركز يوحنا ومؤلف الموشحات، على أهمية الخلاص الذي يتحقق اليوم، وليس وعدًا
للمستقبل. فخبرة الحياة الخالدة "اللامائتة"، أو الحياة الأبدية، يعيشها الكاتب منذ
الآن، ويختبر حقيقتها وديناميتها، في الحياة مع الله. ما أرق تعابير الموشحة
الثالثة "حب الرب اتشح، وجوارحي عنده وأنا مشغوف به وأحبه. لم أكن لم عرف كيف أحب
الرب، لو لم يحبّني. من يقدر أن يعرف الحب/ غير المحبوب. أحب الحبيب وتحبّه نفسي/
وحيث يكون رضاه أكون أنا أيضا. ذبت لأصبح حبيبا للحبيب/ لكي أحب ذلك الابن فأصير
ابنا. من يلحق المائت/ هو أيضًا لا يذوق الموت. من يسرّ بالحياة/ يناله الحياة".
ويعبّر يوحنا عن الحياة الأبدية بتعابير مشابهة (يو 11: 25 و14: 9).
وعن هذا الموضوع يكتب تشارلسوورت: "الموشحات ويوحنا ورثا هذه الرموز من كتابات
قمران واستعارا هذه الرموز والصور من ذات البيئة، ولكنهما طوّراها، وعالجاها كل
بحسب طريقته. أما دانيالو فيقيم صلة بين الموشحات، وبين مخطوطات قمران. وهذه الصلة
تشكل تطورًا متوازيًا، حيث إنها نشأت في بيئة مشتركة، أي بيئة يهودية- مسيحية. إن
تأثير كتابات قمران على لغة رسائل اغناطيوس، وأسلوبه لكبير، وهذا ما نجده عند 1 يو
والموشّحات معًا.
ويقول كرالنغ: "في هذا الكتاب، كما في رسائل اغناطيوس، ظهرت مجموعة من العناصر
المشتركة مع تعابير الموشحات، وهي مهمة ولكنّها ثمرة استشهاد تلقائي وحرّ، فكل
الدلائل تشير إلى أنّ انطاكية هي البيئة الادبية، لا بل نذهب إلى القول، بأن
الموشحات كتبت، قبل رسائل اغناطيوس الانطاكي، أي حوالي سنة 100 ب م.
الكرستولوجيا
يسوع الذي نعرف حياته وموته هو ابن الله الكائن قبل كل الدهور. أما الجدال فيرمي
إلى التوفيق بين المسيح وحياة يسوع الأرضية. لا يقبل المنشقون بحسب تعبير يوحنا
ظهور المسيح بحسب الجسد: "وما تعرفون به روح الله هو أن كل روح يشهد ليسوع المسيح
الذي جاء في الجسد كان من الله وكل روح لا يشهد ليسوع لم يكن من الله. ذاك هو روح
المسيح الدجال الذي سمعتم أنه آت. وهو اليوم في العالم" (1 يو 4: 2-3). كُتبت
الرسالة في إطار، كانت فيه الجماعة الموجّهة اليها الرسالة، والمعارضون يتداولون
عبارة "المسيح" ابن الله. يدور الخلاف بين الفئتين حول قراءة الانجيل الذي يؤكّد أن
يسوع الكلمة المتجسّد، هو ابن الله، أي أن يسوع أبن الله، عاش ومات. تؤكّد الرسائل
أن المسيح هو ابن الله. ينكر المنشقون يسوع المسيح الذي جاء بالجسد إذ إنهم كانوا
يشهدون على الوهية يسوع، ويهملون حقيقة حياته الارضية.
يرى يوحنا حياة يسوع تجلي "الكلمة" في العالم، ولكن كرستولوجيته فسِّرت كتقليل من
أهمية حياته الارضية، وتركت مجالاً لتفسير باتجاه الظاهريين. ولكن هذا التفسير
مبالغ فيه، إذ إن يوحنا يشدّد على انسانية يسوع، وعلى حسّه المرهف. نراه مبتهجًا
وقلقًا ومتألمًا وباكيًا. إنه إنسان بالكامل. يسوع الانسان هو التجلي لمجد الله
"والكلمة صار بشرًا فسكن بيننا فرأينا مجده، مجدًا من لدن الآب لابن وحيد ملؤه
النعمة والحق".
لا تخلو تعابير كرستولوجية الموشحات من الالتباس. فهي قريبة من طروحات
المونوفيزيين، وليس الظاهريين. لا تعبّر الموشحات عن إنسانية المسيح وأحاسيسه
بوضوح. أثناء آلامه، يبدو وكأن الانسان اختفى "جميع الذين رأوني بُهتوا/ وحسبوني
غريبا" (الموشحة 6:17). تهمل هذه الآية حقيقة حياة يسوع الأرضيّة، وكأنّ يسوع
"اتّشح" الانسان، ولم يكن انسانًا شبيهًا بنا في كلّ شيء. في موضوع ولادة الابن
أيضا، نقرأ بأنه ولد من امرأة، ولكن دون أن تحسّ بآلام المخاض، ولم تستدعي أثناء
ولادته، حضور قابلة "وحبلت، وولدت ابنًا، من دون الم/ لأن ذلك لم يكن عبثًا. وما
احتاجت إلى قابلة/ لأنه أحياها". "لم أهلك، لأني لم أكن أخًا لهم/ لأن مولدي لم
ليهن مثل مولدهم" (الموشحة 19: 8-9؛ 28: 17). في الموشحة 19، إشارة إلى الحبل
البتولي، ولكن العذراء ولدت من دون ألم، وهذا يقلّل من دور العذراء كأم حقيقية.
رأى البعض في ذلك حواء، المرأة الاولى "أم الأحياء"، التي ولدت بنيها بألم، بحسب
سفر التكوين. وأراد الكاتب أن يعلي من شأن العذراء، لكونها حواء الجديدة، أم
الاحياء الجدد. وفسّر موضوع "الجنس الغريب للابن"، و"أصله الالهي" انتقاصًا من
انسانيته. وبما أن الموشحات تولي أهمية للخلاص الذي يهبه يسوع، فإن سمات "الغرابة"
تطغي على طبيعته الانسانية "إنني من جنس آخر". وإن كان الشاعر يؤكّد حقيقة التجسّد،
إلاّ أنه يرى انسانيّة يسوع بشكل عابر. يستعمل الشاعر فعل "سبر"، "فكّر، ظنّ،
إعتبر، فحص، استكشف" وفي صيغة استفعل، يترجم ب "ظن، تخيّل". "بدائية" سبقت ما نسميه
الكرستولوجيا الرفيعة. تعكس الموشحات فكرا رفيعا عن يسوع المسيح، وتعتبر من أولى
الانتاجات الفكرية، وفي مرحلة متأخرة. في الموشحات تأكيد لحقيقة تجسد الكلمة،
ولكنها لا تعبّر عنه علنًا، بل تراه، بمثابة ظهور أمام ناقصي المعرفة، ولا علاقة له
بالفداء. فالشاعر كالمنشقين، لا يمنح بُعدًا خلاصيًا ليسوع المسيح الذي جاء بحسب
الجسد (1 يو 4: 2-3).
لو اتيح لنا تصنيف الموشّحات، لقلنا بأنها مونوفيزية وإن كانت التسمية سابقة
لأوانها. لانها ترى انسانية يسوع تختلف عن إنسانيتنا. أما يسوع، بحسب يوحنا، فهو
انسان مثلنا: "هذا الذي رأيناه وسمعناه ولمسته يدانا...". ولكن الرسالة إلى
العبرانيين تشدد على انسانية يسوع: "تعلّم الطاعة لأنه تألم وصار كاملا". (عب 5:
8-9) وستردد الصلاة الافخارستية الرابعة، بحسب الليتورجيا اللاتينية، ذات التعابير:
"صار شبيهًا بنا في كل شيء، ما عدا الخطيئة". فالرسالة إلى العبرانيين، وبأسلوب
واضح، وبتعبير أكثر دقة من تعبير يوحنا، توفّقت، إذ إنها حافظت على التوتر، بين
الكرستولوجيا الرفيعة وإنسانية يسوع الكاملة. وبمعنى آخر وازنت بين يسوع المسيح إله
حق وانسان حق. تتحدث الموشحات عن الولادة العجائبية، وأن هذه الولادة تمت من دون
ألم وهذه التعابير قريبة جدا من تلك التي نجدها في الاناجيل المنحولة. وسيتبنى
القرآن هذه القراءة، في تفسير لولادة عيسى ابن مريم، معتمدا على هذه الاناجيل، وليس
على الاناجيل القانونية.
اعتبارُ كرستولوجيا يوحنا غير كاملة، إذا قيست بمقاييس متأخرة لمجمع خلقيدونية، لا
يتناقض مع التعليم الرسمي. ينبغي أن نقرأ الانجيل لا بحسب التعبير اللاهوتي
والكرستولوجي الذي حدِّد لاحقًا، إذ لا أحد من محرري أسفار العهد الجديد، كان قد
احتوى سرّ يسوع وعبّر عنه كاملا. هذا أمر بديهي، إذ إن الانجيلي يكتب اختباره
الشخصي واختبار التلاميذ لشخصية يسوع. أما الكنيسة، ومن خلال مجمع خلقدونية، فهي
ذات الكنيسة السائرة ضمن التقليد، والتي تقبل يوحنا ومرقس ومتى ولوقا في قانون
الكتب، بالرغم من وجود تباين في تعابيرهم.
كان المنشقون يفكرون أنه بالامكان المشاركة بالحياة الأبدية، من خلال حضور الكلمة
في العالم، فقط، وليس بما أنجزه؛ وأنهم لا يولون اهتماما للتفاصيل التاريخية لحياته
وموته. حضور الكلمة المتجسد والمحتفل به وسط جماعة حية، أهمّ بكثير من التحدث عنه
في الماضي. نفهم من خلال رسالة يوحنا الاولى، أن المنشقين ينكرون أن المسيح هو
يسوع: "من الكذّاب إن لم يكن ذاك الذي ينكر أن يسوع هو المسيح. هذا هو المسيح
الدجّال ذلك الذي ينكر الآب والابن" (1 يو 22:2). لم تكن هذه البدعة تنكر الكرامة
المسيحانية ليسوع الانسان، بل تميّز بين المسيح الممجّد، وبين يسوع الناصري.
فالسؤال المطروح، لا يتعلق بالمسيح، بل بيسوع. غياب اسم يسوع من الموشحات يفاجئنا،
لاسيّما وأنها من نتاج مسيحيّ، وهي تسبّح، وتنشد للكلمة، وللمخلص. وإذ يبلغ تبجيل
المسيح "الذي أخلى ذاته"، إلى أسمى درجة من التعبير، في الرسالة إلى أهل فيلبي (2:
6- 11)، تفاجئنا الموشحات بصمتها عن الانسان يسوع. فالشاعر لا يربط، كما فعل
المنشقون وكما تذكرهم رسالة يوحنا الاولى، بين يسوع الذي عرفناه في حقيقته على
الارض، والمسيح الممجّد الذي تكرّم الجماعة حضوره الفعّال في الجماعة، من خلال
التسبيح والاحتفال.
السلوك المسيحيّ
ينبع السلوك المسيحي من الكرستولوجيا. يدّعي المنشقون الكمال منذ البدء. ويدّعون
أنهم بلا خطيئة، ولا يبالون بحفظ الوصايا، ولا بضرورة محبة القريب (1 يو: 8-10؛ 2:
4-6؛ 1 يو 2، 3، 4؛ 5: 2-3). إن الكثير من هذه الادعاءات "أنهم كاملون ومن دون
خطيئة"، نجد ما يماثلها في إنجيل يوحنا. أن يكون المؤمن متحدا بالله، ويثبت فيه،
هبة من الله، حسب وعد يسوع (يو 17: 21). وعبارة "أن نعرف الله" تتجذّر في التقليد
اليوحناوي. يعد يسوع الذين يعرفونه أنهم سيرون الآب أيضًا. فإذا كنا نجد في الرسالة
الاولى ليوحنا (8:1، 10) الادعاءات التي كان يروّجها المنشقون من أنهم بلا خطيئة،
فهو يعلن بأنه طاهر (1 يو 6:3، 9 و5، 18). فما هي إذن طبيعة النزاع بين يوحنا
وخصومه؟
هذه الادعاءات التي أشرنا إليها يمكن تبريرها، لاننا نجدها عند يوحنا. فاتحاد
الانسان بالله، والثبات فيه، هبات يمنحها يسوع للمؤمنين. والادعاء بأننا "نعرف
الله"، ليس غريبا عن فكر يوحنا. وعلى هذه النقطة يختلف المنشقون، بحسب التقليد
اليوحناوي، لأنهم يدّعون بأنهم أحرار من الخطيئة، وأنهم لا يخطئون لانهم في النور.
إن الذي يؤمن بحسب يوحنا، لا يخطأ، ويؤكّد أنه بلا خطيئة. ولكن إن خطئ الانسان،
فالله يمنح الغفران بيسوع "إذا ما حدث وأخطأ أحد، فان لنا مدافعا عند الآب، إنه
يسوع المسيح، الذي هو عادل". أما المنشّقون، فإنهم يشاركون يوحنا في موضوع الطهارة،
ولكن من دون الحاجة إلى الغفران. ليست الخطيئة عند المنشقين جزءًا من الخبرة
المسيحيّة. أما يوحنا، فهو يؤكّد على ضرورة التزوّد المستمر بالخلاص الذي حقّقه
المسيح بموته.
يدّعي كلا الفريقين النقاء، لكنهما يختلفان حول مصدره. يرى المنشقون أن الطهارة صفة
مميزة لطبيعة الانسان المسيحي، ينالها مرة واحدة، وليس بحاجة إلى تجددها، ولا حاجة
للاعتراف بالخطايا. أما كاتب الرسالة الاولى ليوحنا، فيشدد على الحاجة المستمرة إلى
الاعتراف بالخطايا.
لا ذكر للخطيئة في الموشحات، ولا للتوبة. الله هو الذي يغمر الشاعر بحنانه، ليتمكن
من الاشتراك بالذبيحة "عضدا وجدت لي من الرب/ عرّفني نفسه بسخاء وببساطة/ ولطفه
أظهر (صغّر) عظمته... لهذا شملني بحنانه العظيم/ ووهبني أن أطلب إليه واشترك في
ذبيحته" (الموشحة 7: 3، 10). عبارة "الذبيحة" و"اللطف الذي صغّر عظمته" إشارة إلى
الضعة، إلى التنازل أو "إخلاء الذات" الذي تتكلّم عنه الرسالة إلى أهل فيلبي (فل
2). إن ذكر كلمة "ذبيحة" في الموشحات أمر مذهل، إذا إنها لا تشير إلى ذبيحة الصليب،
ولا إلى التفكير عن الخطايا والغفران، بل إلى التنعم بمعرفة الله، من خلال هذه
الذبيحة. لا تهتم الموشحات بالحاجة إلى الغفران المتجدد. نذكّر بأن الاعتراف
بالذنوب جاء متأخّرا في اليهودية، وفي ممارسة الكنيسة الاولى. كان الاعتراف العلني
بالخطايا يمارس في اليهودية المتأخرة، وكذلك عند الاسيانيين (نظام الجماعة 1: 23-2:
1). والانجيلي متى أيضًا (3: 6، اعمال 19: 18، روم 14: 11، يعقوب 5: 16، اقليميس 1:
50، ديداكي 4: 14، 9: 23...).
حفظ الوصايا
يعلن المنشقون أنهم "يعرفون" ولكن من دون حفظ الوصايا. أما يوحنا فينعت بالكاذب "من
قال: "إني أعرفه ولم يحفظ وصاياه كان كاذبًا ولم يكن الحق فيه". لا يعدد يوحنا
رذائل معيّنة كما هي الحال في كتب أخرى من العهد الجديد، (غل 5: 19- 21، روم 13: 13
و1 بطرس 3:4) إنما يحذّر من روح العالم، ويشدّد على أن "معرفة الله"، و"المكوث في
الله" ينبغي أن يرتبط بتعليم يسوع، أي حفظ وصاياه، والعيش على مثاله. "معرفة الله"
هي تجلي المسيح في الحياة، والاقرار بأنه المسيح. فالمطلوب هو الممارسة وليس التبجح
بالكلام.
"معرفة الله" ومن المواضيع الرئيسية في الموشحات. إنها تعني الخلاص الذي يناله
المؤمن من يسوع. وفي هذه النقطة، تختلف أيضًا رؤية الموشحات، كما فعل المنشقون مع
موقف يوحنا. وإذ يرى يوحنا محبة الله كحقيقة فعّالة تترجم في الواقع، وفي صلة
مباشرة معه، لا تنظر الموشحات إلى معرفة الله، كضرورة الاقتداء به. يوجز يوحنا هذا
الاختلاف بقوله "وأما من حفظ كلمته فإن محبته لله اكتملت فيه حقا. بذلك نعرف اننا
فيه" (1 يو 2: 5). إن الاختلاف بين يوحنا وبين طروحات كاتب الموشحات واضح. هذا
الأخير لا يعطي للسلوك أيّ بُعد خلاصي، ولا يرى في حياة يسوع أية قيمة خلاصية. لا
يعتبر كاتب الموشحات الحياة الارضية للمسيحيّ مشاركة في العمل الخلاصي. وكما أن
الموشحات لا تتحدث عن حياة يسوع على الارض، كذلك لا تولي أهمية لحياة المؤمن
الارضية. هل تكون هذه النظرة مطابقة لوصيّة المعلّم "لستم من العالم"؟ (يوحنا
(يوحنا 15: 19). تم التأكيد على أن الحياة الأبدية تقوم على معرفة الله، ومعرفة
الذي أرسله (يو 3:17)، فهل يكفي الادعاء فقط بأن الاتحاد بالله والمعرفة يقودان إلى
الخلاص، من دون حفظ الوصايا؟ وهل يعيش المؤمن حياته على الارض وهو متغرّب عن
العالم؟
عدم ذكر "حفظ الوصايا" في الموشحات، يبرّر غياب التوجيهات الاخلاقية (السلوك) التي
يشدد يوحنا عليها. إهتمام المسيحيين الاولين يقوم على بناء صلة مباشرة بين الايمان
والاعمال. وهذا ما يشير اليه إنجيل يوحنا (28:6)، حيث يقوم الايمان بيسوع على عمل
الله فقط. وإذا قارنا إنجيل يوحنا بالانجيل الازائية، فانه يفتقر إلى تعليم أدبي.
فاذا كان الدخول في ملكوت السماء، في رأي الأناجيل الازائية، لا يتحقق إلاّ من خلال
الاهتداء، يشدد انجيل يوحنا على كلام يسوع المطهّر، والذي يقود إلى الله. وحين
يتكلم يوحنا عن الخطيئة، فهو يعتبرها رفضًا للنور (يو 8: 24؛ 9: 41).
الجماعة
تحتل الجماعة مكانة هامة عند يوحنا. والجماعة هي إحدى نقاط الخلاف بين الموشحات
ويوحنا. في رسالة يوحنا الاولى، المحبة هي جوهرية وتقود إلى الله. وللتأكيد من أن
هذه المحبّة حقيقيّة، فإنها تنطلق من محبّة القريب. لا يستطيع المرء أن يحبّ الله
من دون أن يحب القريب. يهاجم يوحنا المنشقين الذين يدّعون أنهم يحبّون الله، ولكنهم
لا يحبون بعضهم بعضا. تتحدّث الموشحات بإسهاب عن محبة الله، الا أنها لا تعالج
موضوع المحبة للقريب. لا يفصل كاتب الرسالة بين محبة الله ومحبة القريب (1 يو 7:4-
11؛ 3: 22-24؛ 4: 21). يركز يوحنا على وصية واحدة، "وصيته هي أن نؤمن باسم ابنه
يسوع المسيح وأن يحب بعضنا بعضا كما أعطانا وصية بذلك". "إليكم الوصية التي أخذناها
عنه: من أحب الله فليحب أخاه أيضًا". وعندما يتحدث عن الوصايا، فإنها تتجسّد في
محبة الإخوة. لم يرفض كاتب الموشحات الجماعة أو الإخوة، وله شعور مرهف تجاه
الجماعة، كالذي كان لكاتب الرسالة الاولى ليوحنا، وهو يسير في تقليد يوحنا.
ماذا تعني كلمة أخ ليوحنا؟ الإخوة أعضاه الجماعة ومتحدّين بها. أما المنشقون فلم
يعودوا إخوة، لأنهم ابتعدوا "خرجوا" عن التقليد اليوحناوي الحقيقي، ولهذا يوصي
يوحنا بالمحبة بين الإخوة والأخوات "إذا قال أحد: إني أحب الله وهو يبغض أخاه كان
كاذبًا لأن الذي لا يحب أخاه وهو يراه لا يستطيع أن لا يحب الله وهو لا يراه" (1
يوحنا 4: 20). إن وصية المحبة لم يعبّر عنها يوحنا بعبارات محبة القريب كما نجد في
متى 9:19، بل بعبارات المحبة المتبادلة (يو 13: 34-35، 15: 12-17). وهذه إشارة
واضحة إلى المحبة التي تربط التلاميذ بعضهم ببعض "أحبوا بعضكم بعضًا". يرفض يوحنا
الصلاة من أجل الآخرين، أي اولئك الذين "خرجوا" عن الجماعة. وهكذا نفهم رفض يسوع
الصلاة من أجل العالم (يو 17: 9). عند هذا التأكيد، ندرك لماذا يوجّه يوحنا حكما
قاسيا على المنشقين الذين كانوا أعضاء في جماعته. ولكن الصلاة من أجل الإخوة وصيّة،
ولاسيما عندما يخطأون.
ينسب كاتب رسالة يوحنا الاولى إلى المنشقين إدعاء آخر، وهو الاتحاد بالله أو
بالمسيح. لا نجد في الانجيل الرابع، ولا في سفر الرؤيا، كلمة "شركة"، ولكن كاتب
الرسالة يستعملها بمعنى الاتحاد بالله والصداقة وروح الأخوّة. تتحدث الموشحات عن
الشركة "شوتوفوتو"، كما نجدها عند يوحنا. "شوتف" شارك، اتحد بـ ومع. تتشح عبارة
"شركة، شوتوفوتو" في الموشحات معنى صوفيا، أي الوحدة التامة والذوبان في الآخر، كما
في العلاقة الزوجية "وهبتنا شركتك/ لا لافتقارك إلينا/ بل لافتقارنا إليك" (الموشحة
9:4). تستعمل الليتورجيا السريانية هذه العبارة للدلالة على المشاركة في
الافخارستيا، سرّ الشكر، أي الوحدة التامة بالمسيح. وتؤكّد الموشحة 21: 1-19
الاتحاد بالله (أو معه)، ولكن على الصعيد الفردي، من دون البعد الجماعي والكنسي
"صار لي فكر الرب عضدًا/ والشركة معه لا تبلى" (الموشحة 21: 5). وبالرغم من استعمال
ضمير الجمع في الموشحة 4: 9، إلاّ أن المقصود هو الصداقة مع الله، أكثر من الصداقة
مع مؤمنين آخرين.
الخاتمة
لفترة طويلة قد أهملت الأبحاث، أهميّة الموشحات التي تعتبر اليوم مفتاحًا للمصادر
التي استخدمها يوحنا. ومع ذلك فان النظرية المذهلة التي جاء بها هرناك قد أنمت
إهتمامًا حقيقيًا. ساهم اكتشاف الموشحات وطبعها في فهم كتابات يوحنا. باحثون أجلاء
أمثال بارت وبولتمان استشهدوا بالموشحات ورأوها ذات صلة مباشرة بانجيل يوحنا. إن
المقارنات التي تجمع الكاتبين، تبيّن العلاقات القائمة بين هذين الكتابين.
ولكن الطابع الغريب للمخلص وكأنه "غريب" في هذا العالم، أكثر من جانبه الانساني
العادي والملموس والاهتمام بالهوية "الفوق- الانسانية" ليسوع، ليس بالتأكيد خاصًا
بالموشحات، إذ إن مثل هذه المواضيع غالبًا ما تظهر في الانجيل الرابع ذاته (8: 58).
لقد حصل لدى كاتب الموشحات وعي عميق، بأن ذلك الكائن قد تجلّى فعلا "وابن العلي ظهر
في ملء أبيه"، أنه الابن "وظهر في المقدمة رأس تجلى/ وابن الحق الآب المتعالي"
(الموشحة 23: 18؛ 41: 13). وهو ليس الآب. ويعبّر الشاعر عن إيمانه بالتجسّد، من
خلال صور ينفرد بها، وليست هذه الصور أقل وضوحًا من تلك التي يستعملها يوحنا، حول
ظهور ابن الله، وكلاهما يسميان أعضاء الجماعة "أبناء"، وأن هذه البنوة مرتبطة
بالمحبة التي تقود إلى الحياة. ويشير كلاهما إلى أن الجماعة تتلقى حياتها من
المسيح، كما أنهما يؤكدان على أن المحبة تنبع من الله.
إلاّ أن هناك اختلافًا بين يوحنا والموشحات تتعلق بارسال الابن. إن كان يوحنا قد
اكّد على دور الابن الذي جاء من أجل التكفير عن الخطايا، فالموشحات لا تقول شيئا عن
ذلك. إن أوجه الشبه مع يوحنا واضحة. فكلا الكاتبين يربطان الخلاص بالكرستولوجيا، من
حيث الأهميّة الجوهرية للايمان الذي يعتمد على الاعتراف بـ "الكلمة" الكائن منذ
البدء، في شخص يسوع الناصري. على أن كاتب الموشحات لا يتطرق إلى انسانية يسوع، ولا
يتجاهلها، بل يصرف النظر عنها. وعلى كل حال، فان هذه الانسانية لا تجد حقيقتها لا
عند يوحنا الذي يؤكد على مجيء الكلمة وسكناه بين البشر "الكلمة صار جسدا وحلّ فينا،
ورأينا مجده".
هل يكون الشاعر واحدًا من المنشقين الذين يتكلّم عنهم كاتب الرسالة الاولى ليوحنا؟
ربما يكون الشاعر قد تلقى إرثًا روحيًا، إستقاه من تقاليد مختلفة، لجماعات يهودية-
مسيحية سينتهي بها المطاف إلى شق طريق تختلف عن تلك التي سلكتها جماعة يوحنا. ولكن
يبدو واضحًا أن الموشحات تمثل إتجاها آخر، في تفسير الكلمة "ملتو". ودون أن نقلل من
قيمة الموشحات، أو حتى من قيمة تفسير المنشقين لـ "الكلمة"، فلقد ساهموا في تطوير
الفكر اللاهوتي اليوحناوي. ولكن في نهاية المطاف، رفض التقليد اليوحناوي التيارات
الاخرى، التي كانت في طريقها إلى الانتشار، والتي اعتبرت في ما بعد، أفكارًا غير
سليمة، لبنيان ايمان الجماعة.
إن روحانية الجماعة التي واكبت الموشحات، وحملتها في حنايا أضلعها، ستتدفق في بيئة
الرها التي سيكون فيها افراهاط، وافرام، رمزًا لديناميّتها، من خلال كتاباتهما.
إنها الدينيامية التي أعطت النور لتيارات كرستولوجية متعددة، غنية ومشبعة باللاهوت
الكتابي، الذي تتميّز به المدرسة الانطاكية، والتي ستعطي ثمارها في المجامع الكبرى،
بعد أن خضعت لغربلة التقليد الحي. لقد توجب انتظار أكثر من ثلاثة قرون، قبل الوصول
إلى الصيغ الارثوذكسية الرسمية التي بلورتها المجامع الكبرى، والتي أصبحت ركيزة
للايمان.
كانت الاجيال المسيحيّة الاولى واعية لدور الروح القدس، ولحضوره فيها، ولكنها سرعان
ما وجدت ذاتها وهي تواجه مشاكل، تتطلب منها، أن تقول بأنها مؤتمنة على التقليد، وأن
تعبّر عن ردود فعلها، بوجه الهرطقات الناشئة. فالحرص على هذه الامانة يوضح لماذا
رُفضت بعض الكتب، واحتفظ بغيرها دون سواها. وعلى الأرجح وجد كاتب الموشحات ذاته،
وقد أبعده القانون الكنسي مع المنشقين، من جماعة يوحنا. ومع ذلك عندما أعلن كاتب
الرسائل القانونية الثانية (والتي نسميها "الكاثوليكية" أو" القانونية الثانية"،
والتي تعتبرها بعض الكنائس منحولة)، أو تلك التي نسبت إلى بولس (كالرسالة إلى أهل
أفسس) بأنه تلميذ بولس، ونعم ما فعل، فإنه بالتأكيد كان يعني استمراريته مع رسول
الامم. ذلك أن كلّ رسول يدخل ضمن الاستمرارية الحية لتقليد كنسي معين، حيث كان
تعليم الرسل، منذ ذلك الوقت المبكر، حقيقة مرجعية.
لقد خفت الصوت النبوي المدّوي! ذلك أن "المعلمين" أو "الفقهاء" (السلطة التعليمية
في الكنيسة)، سحبوا (سحبت) البساط من تحت أقدام الانبياء، وأرغموهم (أرغمتهم) على
الخضوع لهم (لها)، وكانت من ثمّ نهاية الوحي، حتى وإن بقي الرجوع إلى التقليد
الرسولي، أمرا حيويًا.
أما يشير ذلك إلى عنصر مهم، كمسألة "القانون"، مثلا: كيف، ولماذا تجرّأ آباء، مثل
اقليميس واغناطيوس وآخرون، أن يكتبوا، هم أيضا رسائل، حملت أسماءهم، حتى وإن ظلّ
الامر في حالتهم، بعيدا عن التيار النبوي الذي كان حتى ذلك الوقت يحمل الكنائس. وهل
يذهب بنا الامر إلى القول بأن بدء تحديد القانون يشير إلى نهاية النبوءة؟ ربما هو
الامر كذلك في الكنيسة! ولكن، أوليس على الانبياء الجدد، وملهمي أزمنتنا، أن يطيعوا
جماعاتهم؟ وإلا "سيطردون من مدينتهم"، أو يمنعون عن الكلام!
القسْم الثّالث
دراسَاتٌ لاهوتيَّة
يتضمّن هذا القسم الدراسات التالية:
1- الكرستولوجيا اليوحناويّة
2- الشهادات في انجيل يوحنا
3- والكلمة صار بشرًا، 1: 1- 14
4- علاقة الآب بالابن، ف 17
5- يسوع مرسل الآب
6- البرقليط، ف 14-16
7- الخلاص عند يوحنا
8- غسل الأرجل، 13: 1- 20
9- الآلام بحسب يوحنا، 19: 28- 30
10- حدث القيامة حسب انجيل يوحنا
الفصل الثاني عشر
الكرستولوجيا اليوحناويّة
الأب شارل بيرو
ليس من السهل أن ندرك إدراكًا دقيقًا فكر يوحنا الكرستولوجي في الحالة الآنيّة لهذا
الانجيل، أي في تدوينه الأخير. فهناك عدّة معطيات تتعلّق بيسوع الابن، بالآب،
وبالاسكاتولوجيا، وبأمور أخرى، تبدو في أفقين اثنين. فالمسيح يقدّم على أنه كله
"مرتبط" بالآب. وفي الوقت عينه، تبقى استقلاليّته كاملة. هو المرسل، ذاك الذي لا
يقول شيئًا من ذاته. وفي الوقت عينه، هو الكلمة الذي كلامه مستقلّ. وأيضًا: عند
يوحنا تبدو الاسكاتولوجيا وكأنها تحقّقت: "جاءت الساعة وهي الآن" (23:12؛ 16: 22).
وفي الوقت عينه، ليست النهاية بعدُ هنا (2: 4؛ 8: 20). وأيضًا: كل شيء يبدو محدّدًا
بيد الله. وفي الوقت عينه، تبقى حريّة الايمان. بل يبدو أن الكاتب يلعب على هذه
المواضيع "في مخالفة متبادلة"، ساعة يكون تقديمه المجيد للكلمة في انشداد مع بشريّة
المصلوب. وأيضًا: هناك اسكاتولوجيا "تالية" (نهاية أخيرة ما زلنا ننتظرها) في
انشداد مع اسكاتولوجيا قد "تحقّقت" وكأن الأزمنة تبلبلت، وكأن "ما لم يتمّ بعد" من
خلاص نهائي قد دخل في خلاص "حاضر هنا" منذ الآن.
هل نعود فقط إلى مراجع أو إلى تقاليد مختلفة لكي نجد حلاً لهذه الاختلافات؟ أما
تكون هذه الاختلافات في قلب التقليد اليوحناوي (وفي قلب سائر التقاليد أيضًا)، في
قلب "المسيرة الجدليّة" للاهوت اليوحناوي (واللاهوت البولسيّ أيضًا)، في قلب علاقة
لا نفهمها بين ما نسمّي اليوم بشريّة يسوع ولاهوته الذي لا يعبرّ عنه؟ إن مسيرة
الايمان تأخذ على عاتقها هذه الانشدادات القصيّة، بل هي تستفيد منها من أجل انطلاقة
للاعتراف بربّها.
لقد حاول عدد كبير من أخصائيّ يو أن يُبرزوا هذه الاختلافات الداخليّة في النص
اليوحناويّ، مستعينين أولاً بمراجع أو تقاليد عديدة حسب الأوقات المهمّة في حياة
الجماعة. وهذا المجهود (من النمط الدياكروني) يلفت الانتباه، وإن ظلّ كل (على
المستوى السنكروني) تفسير العناصر اليوحناويّة "في انشداد معاكس"، مهمًا جدًا.
1- التوسّع الكرستولوجيّ في التقليد اليوحناويّ
أ- على المستوى الدياكروني، نذكر بوئير الذي يمّز أربع مراحل لتوسّعه في التقليد
اليوحناويّ:
أولاً: في البداية، لا يتضمّن الانجيل سوى مجموعة معجزات قدِّمت على أنها آيات
مسيحانيّة (2: 1- 11؛ 46:4-54؛ 5: 1-9 أ؛ 9: 1-7؛ 11: 1-44). بعد ذلك، جاء خبر
الباعة (2: 14-22)، ثم خبر الآلام، وأخيرًا الخاتمة (20: 30- 31). كل هذا يمجّد وجه
يسوع كالمسيِح وموسى الجديد الذي يُجري الآيات والمعجزات المسيحانيّة. بهذا الشكل،
دلَّت الجماعة المسيحيّة المتهوّدة، جماعة التلميذ الحبيب، على مسافة جعلتها بينها
وبين تلاميذ يوحنا المعمدان، بينها وبين سائر اليهود.
ثانيًا: على أثر استبعاد المسيحيين من المجامع، أعاد تلاميذُ هذا التقليد
اليوحناويّ عينه، قراءةَ التقليد الأول، فأبرزوا وجه المسيح كابن الله، والمرسل
الذي نزل من السماء قبل أن يصعد إلى الآب. حينئذ برزت مسألة أصل يسوع الالهي. لهذا،
ازدادت الحرب ضدّ اليهود بشكل واضح. ما استطاع هؤلاء اليهود أن يحتملوا ما بدا لهم
نظرية عن إلهين اثنين. عند ذاك تفتّحت كرستولوجية الكلمة الموجودة قبل الزمان: هو
موجود قبل ابراهيم (يو 8: 56)، بل هو موجود منذ الأزل (1: 1-2، 14).
ثالثًا: ثم جعلت الجماعة انتباهها على وجه ابن الانسان، الديّان الاسكاتولوجيّ،
المرفوع الآن والممجّد على الصليب. فصارت الحرب أكثر ضراوة مع اليهود بسبب اضطهادهم
للمسيحيين. بعد هذا، شدّدت قراءة التقليد على الانتظار وعلى المستقبل (دون أن تبقى
عند اسكاتولوجيا تحقّقت).
رابعًا: وأخيرًا، كانت قراءة أخيرة، بالنظر إلى الأزمة "الغنوصيّة" التي هزّت
الجماعة حينذاك (وهذا ما نجده في 1 يو). حينئذ كان تشديد على بشريّة يسوع (رفض
الظاهريّة) وعلى موته كذبيحة. فهو الذي يطهّر الخطيئة ويكفّر عنها.
ب- ونذكر أيضًا برون الذي سبق "بوئير" وشابهه في بعض الأمور، حين أراد أن يعيد بناء
التوسّع الكرستولوجيّ في يو. في الحقبة الأولى من التقليد اليوحناويّ، حدّدت
الجماعة هويّتها بالنظر إلى وجه المعمدان، وبالتالي في الخط المعمداني مع موقفه
تجاه الهيكل والذبائح. وطبع موقفٌ من القطيعة بطابعه هذه المجموعة المسيحيّة
المتهوّدة، على شاكلة قمران، أو في خط "الأنبياء الاسكاتولوجيين" الذين قدّموا
نفوسهم مثل "موسى الجديد" أو "يشوع الجديد"، فدعوا الجموع إلى البريّة. لاشكّ في أن
مجموعة "الحبيب" الفلسطينيّة ظلّت في بدايتها "مسيحيّة متهوّدة". غير أنها اتخذت
مسافتها بالنسبة إلى اسرائيل بشكل عام. وهكذا اختلفت عن يعقوب، وبالأحرى عن "جماعة
يعقوب" التي أرادت الاحتفاظ بعلاقتها مع اسرائيل.
بعد ذلك، وعلى مستوى ثان، جاء بعد المستوى الأول وبدا موازيًا له، ظهرت مجموعة
يهوديّة مهلينة ترتبط بيوحنا، وتحارب بشكل خاص في السامرة (4: 39-42)، وتغتني بحضور
"اليونان" (12: 20-23) أو مرتدّين جاؤوا من الأمم. وبمختصر الكلام، نستطيع أن نميّز
في الجماعة اليوحناويّة ثلاث طبقات سوف تكوّنها بشكل تدريجيّ: (1) مسيحيون متهودون
فلسطينيون. (2) يهود مهلينون ذات روح رسوليّة. (3) مسيحيون مهلينون. من الواضح أن
العبور إلى الأمم سيُبرز بشكل قويّ القطيعةَ مع "اليهود" كما مع "العالم" اللذين لم
يقبلا المسيح.
ولكن يُطرح السؤال: بعد أن تعرّفنا إلى هذه المجموعة معرفة قليلة أو كثيرة، إلى أي
حدّ نستطيع أن نربط بكل منها خيارات كرستولوجيّة حسب الأوقات والأزمنة. هنا نحفظ
نفوسنا من "تطوّر كرستولوجيّ" فيه تعود المجموعات على التوالي إلى مسيح داود. إلى
النبيّ الذي مثل موسى. ثم إلى الرب في وجوده الأزلي، في وسط غطسَ في العالم
الهلنستي ولامسته الغنوصيّة. وهكذا ننتقل من "كرستولوجيا دنيا" عن المسيح، إلى
"كرستولوجيا عليا" مع الكلمة. في الواقع، تبدو الأمور متشعّبة. وإذا استطعنا أن
نميّز مواضيع مختلفة، إلاّ أننا لا نستطيع أن نرتّبها ونؤرّخها حسب ظهورها. وإذا
أردنا أن نرى المسألة بوضوح، نتوقّف على التوالي عند مختلف التسميات الكرستولوجيّة
التس استعادها التقليد اليوحناويّ.
2- الألقاب الكرستولوجيّة في يو
أ- الألقاب الرئيسيّة
ونبدأ بالألقاب التي تعتبر رئيسية: المسيح. رج 1: 41 حيث نقرأ بفم اندراوس الذي قال
لأخيه سمعان: "وجدنا ماسيا أي المسيح". وفي 4: 25 في حوار بين يسوع والسامرية.
قالت: "أعرف أن ماسيا ذاك الذي يُدعى المسيح، يأتي...". قال لها يسوع: "أنا هو أنا
المتكلّم معك" (رج 4: 29، قالت المرأة: ألا يكون المسيح؟). وفي 7: 27، 31، 42 نقرأ
جدالاً بين يسوع واليهود حول المسيح: "إذا ما أتى لا يعلم به أحدٌ". "متى جاء
المسيح أتُرى يعمل آيات أكثر من هذا"؟ "هل يأتي المسيح من الجليل" أم "من بيت لحم"؟
في 9: 22، يهدّد اليهودُ بالحرم كلّ من يعترف بأن يسوع هو المسيح. رج 10: 24؛
27:11؛ 31:20.
واللقب الثاني: يسوع المسيح. نقرأ في 1: 17 مقابلة بين موسى ويسوع: "النعمة
والحقيقة بيسوع المسيح قد حصلا". وفي 3:17 نقرأ في الصلاة الكهنوتيّة: "أن يعرفوك
أنت الاله الحقيقيّ الوحيد، والذي أرسله يسوع المسيح".
غاب لقب "ابن داود" (رج 7: 42). وظهر ملك اسرائيل في فم نتنائيل (رابي أنت ابن
الله، أنت ملك اسرائيل، 1: 49) وفي فم مستقبلي يسوع الآتي إلى أورشليم (مبارك الآتي
باسم الرب، ملك اسرائيل، 12: 13)، ثم ملك اليهود في خبر الآلام (18: 33؛ 19: 3،
19).
وشموع هو الابن (18:1؛ 3: 6). وابن الله (1: 49؛ 18:3: لم يؤمن باسم ابن الله
الوحيد). والربّ (4: 11). وابن الانسان (1: 51 وحتى 13: 31. ولكن هل نحن أمام
لقب؟).
ب- تسميات مختلفة
ونذكر تسميات مختلفة تعود إلى حقبات مختلفة ومصادر متنوّعة. فتدلّ على أصل يسوع: هو
ابن يوسف (1: 45؛ 6: 42). ولكن غاب "ابن مريم". هو الناصريّ (نازورايوس، 18: 5، 7،
19: 19). وتدلّ على وظيفته في المجتمع: هو رابي (1: 38، 49...). ومعلّم (ديدسكالوس،
1: 38...). وتدلّ على دوره الدينيّ الحالي والمقبل: هو النبيّ (4: 19، كما قالت
السامريّة؛ رج 17:9 في خبر شفاء الأعمى). هو ذاك الآتي (6: 14؛ 11: 27). ذاك الذي
لا يدين (3: 17؛ 12: 47). وذاك الذي يدين (5: 22؛ رج 8: 15، 16، 26). وتدلّ على
رسالته: المرسل (ابوستولوس، 3: 17... 20: 21). والراعي (10: 11).
ج- صفات تدلّ على كيانه
نجد تسميات تورد صفات تشير إلى عمق كيانه في علاقته مع الله والبشر. غابت تسمية
"الخادم" (دولوس أو دياكونوس). وتسمية "البار" و"البكر" و"الحبيب"، و"آدم الجديد أو
الأخير" و"حكمة الله" و"صورة الله". وسمّي يسوع "قدوس الله" (6: 69)، "العريس" (3:
29)، "الكلمة (1: 1، 14؛ 1 يو 1: 1). ولا ننسى لفظة "الله" التي طبّقت على يسوع (1:
1) مع "إغو إيمي" (أنا هو) في 24:8-28.
د- ألقاب تدلّ على عمل الخلاص
ونورد أيضًا عدّة ألقاب تدلّ على عمله الخلاصيّ. هو المخلّص كما اعترف به السامريون
بعد أن بشرّتهم المرأة ثم بشرّهم هو (4: 42). هو الحمل الذي يحمل خطايا العالم، كما
سمّاه يوحنا المعمدان (1: 29، 36). هو البارقليط (14: 16؛ 1 يو 2: 1، بارقليط آخر).
هو القيامة والحياة (11: 25). ولكن غابت لفظة "الوسيط". ولا ننسى الألقاب
الاستعاريّة: النور (1: 4؛ 8: 12؛ 9: 5). خبز الحياة (32:6). ينبوع الماء الحيّ
(37:7). الباب (10: 7). الطريق (14: 6).
ما نلاحظه للوهلة الأولى هو غنى اللغة الكرستولوجيّة في يو وتنوّعها، وارتباط هذه
اللغة مع سائر التقاليد الكنسيّة بما فيها من تشابهات واختلافات.
3- دراسة بعض المواضيع والالقاب الكرستولوجيّة
أ- يسوع والمعمدان
نتذكّر بادئ ذي بدء المسافة الشاسعة بين يسوع والمعمدان، التي كانت السبب في تكوين
مجموعة أخرى، مجموعة معمدانية. نقرأ في 4: 1: "إن يسوع يصطنع تلاميذ ويعمّد أكثر من
يوحنا". لقد وُلدت الكرستولوجيا من هذه القطيعة الاولى فحرّكت تقييمًا جديدًا لشخص
يسوع وعمله.
اختلفت مسيرة يسوع عن مسيرة المعمدان. يوحنا يعمّد في عين نون قرب ساليم، ربّما في
السامرة. يسوع يعمّد في بيت عينا، في عبر الاردن، ثم في اليهودية (3: 22-23). ظلّ
يوحنا يعمّد واستمرّت مجموعته تعمّد بعد موته (مر 29:6) وحتّى زمن الآباء على
الأقلّ. وبعد ذلك، لم يتردّد بعض من تلاميذ يوحنا من تسمية معلّمهم المسيح كم تقول
الرسائل الاقليميّة المزعومة. لهذا أراد يو أن يوقف هذا التمدّد في الاعتداد
المسيحاني، فشدّد قائلاً: "اعترف يوحنا وما أنكر. اعترف: إني لست المسيح" (1: 20).
ومن جهته، توقّف يسوع عن التعميد، كما يقول 2:4 في جملة قاطعة (مع أن يسوع لم يكن
هو نفسه يعمّد بل تلاميذه). فالأناجيل الازائيّة هي أيضًا لا تتحدّث أبدًا عن عماد
يمارَس خلال رسالة يسوع العلنيّة. بل هو الصمت الكامل. ونلاحظ أيضًا صمت يو حول
عماد المعمدان كفعلة من أجل غفران الخطيئة (مر 1: 4- 5). فمنذ الآن، "حملُ الله" هو
"الذي يرفع خطيئة العالم" (1: 29). وزال التشديد على الماء، وحلّ محلّه التشديد على
الروح (يو 1: 32-33، لم يذكر عماد يسوع بالماء على يو المعمدان). فالخلاص لم يعد في
الماء، بل خارج الماء، في الروح.
حسب يو امّحى المعمدان أمام يسوع: أعلن المعمدان في 1: 27: "ذاك الذي يأتي بعدي"
(يو 1: 27-28؛ مت 3: 11). وحصر الانجيلي وجه المعمدان بالنسبة إلى يسوع. أعلن أنه
ليس المسيح (1: 20). ثم كبّر هذا الوجه بالنسبة إلى المؤمنين: صار المعمدان المعترف
الأول بالايمان في خط كرستولوجيا عليا: "يأتي بعدي انسان قد تقدّم عليّ، لأنه كان
قبلي" (1: 30). "وأنا رأيت وأشهد أنه هو ابن الله" (آ 34).
ب- القدوس
ونورد في عجالة تسميتين كرستولوجيتين قديمتين، ما عتّمتا أن زالتا من اللغة
المسيحيّة. يسوع هو "القدوس" (المنفصل)، هو "البار" (أعلنه الله بارًا). كان هذان
اللقبان قد طبّقا على يوحنا المعمدان. "كان هيرودس يخاف يوحنا، لأنه علم أنه كان
رجل بار وقديس" (مر 6: 20؛ رج مر 1: 24). ثم أعطاهما بطرس يسوع في إحدى خطبه:
"أنكرتم القدّوس والبار" (أع 3: 14). وكذلك فعل اسطفانس حين أشار إلى الأنبياء
الذين "أعلنوا مجيء البار" (أع 7: 52). في انجيل يوحنا، أعلن بطرس كلامًا بلتقي مع
اعتراف قيصريّة فيلبس كما نقرأه عند الإزائيين: "نحن نعلم أنك قدوس الله" (6: 69.
في مر 1: 24، نقرأ هذا اللقب في فم الشياطين). لن نعود نرى هذا اللقب في الانجيل
الرابع.
ج- يسوع النبيّ
وهنا أيضًا يتميّز وجه يسوع النبويّ عن وجه المعمدان. فهذا الأخير قد سمّاه والده
زكريا "النبيّ" (لو 1: 76)، وكذلك فعلت الجموع حسب مت 11: 5؛ 21: 26 (كلهم يعتبرون
يوحنا نبيًا). ويسوع نفسه قال عن المعمدان حسب مت 9:11؛ لو 26:7: "ماذا أتيتم ترون؟
أنبيًا؟ بل أعظم من نبيّ". ولكن إذا عدنا إلى الانجيل الرابع نسمع جوابًا سلبيًا
لدى المعمدان. سألوه: "هل أنت النبيّ"؟ أجاب: "كلا" (1: 21، 25). بل ليس هو "إيليا
الذي عاد إلى الحياة" (يو 1: 21، 25)، كما يقول مر 1: 1 ي.
أما يسوع، فالتقليد الازائيّ يعطيه لقب النبيّ بشكل غير مباشر: "قال لهم يسوع: لا
يُحتقر نبيّ إلاّ في موطنه" (مر 6: 4؛ رج يو 44:4؛ لو 33:13). كما أعلنت الجموع:
"هذا هو النبيّ يسوع من ناصرة الجليل" (مت 21: 11؛ لو 7: 16). في انجيل يوحنا، ظهر
هذا اللقب بشكل متواتر. في خبر السامرية، "أرى أنك نبيّ" (يو 19:4). وكذلك في خبر
المولود أعمى: "هو نبيّ" (17:9). ونجد في شكل خاص كيف يقدّم يسوع نفسه على أنه نبيّ
وملك معًا. فحسب 1: 45، قال فيلبس لنتنائيل في مناخ تث 15:18، 18: "هذا الذي كُتب
عنه في شريعة موسى وفي الأنبياء، قد وجدناه" (1: 45). وفي 6: 14-15 هتف الجمع بعد
الفعلة الموسويّة التي قام بها يسوع حين كثّر الأرغفة: "هذا هو حقًا النبيّ الذي
سيأتي إلى العالم"... "ولكن يسوع علم أنهم سيأتون ليختطفوه ويجعلوه ملكًا".
لاحظنا أن معطيات العهد الجديد محصورة، لأن اللقب النبويّ ظهر حالاً غير كاف وغير
كفوء. فهذا اللقب القديم ما عاد يدخل في اعترافات الايمان، إلاّ للدلالة على يسوع
كما "من قبل" (لو 19:24 وما قاله تلميذ عماوس). ومع ذلك، استعمل يو هذا اللقب بشكل
أوسع بعد أن بدّل معناه وحمّله مدلولاً عميقًا.
ونضيف أن لقب "نبيّ" بدا حينذاك خطرًا، بعد أن استعمله هؤلاء السحرة والمضلّلون (7:
12؛ مر 13: 5-6، 22) الذين قدّموا نفوسهم في أيام موسى الجديد فأتمّوا الآيات
والمعجزات المسيحانيّة التي تحدّث عنها سفر التثنية. كان أنبياء مثل توداس والمصري
اللذين تكلّم عنهما فلافيوس يوسيفوس في العاديات اليهودية (20: 9) ولوقا في أع 5:
36؛ 21: 38.
في الواقع، في القرن الأول المسيحي، اتجه لقبا المسيح الملك والنبي اللذان كانا
مميّزين في الأصل، إلى الاندماج (مر 13: 22)، بحيث إن اللقب النبويّ حمل قوّة لفظة
مسيح في عصره (رج اتهام يسوع "ملك اليهود"). لهذا، سيتجنّب يوحنا قدر الامكان
التباس لقب مسيحاني وسياسيّ ودينيّ. وسيقلّل في الظاهر من الأهميّة الكبرى المعطاة
لعجائب يسوع (سمّاها آيات، لا معجزات أو أعمال قوّة، دينامايس. وألغى فعلة يسوع في
طرد الشياطين وما استعاد إلاّ القليل من المعجزات الواردة عند الازائيين). ومع ذلك،
استعاد التقليدَ المسيحيّ المتهوّد القديم الذي يشير إلى فعلتين رئيسيتين لعطيّة
الخبز والسير على المياه (6: 1-15، 16- 21)، رافقتهما خطبة طويلة. فيسوع هو موسى
الجديد. وهو أيضًا أعظم من موسى: يعطي الخبز مثل الله (لا كموسى)، ويسيطر على الماء
كما يفعل الله.
ومع ذلك، فاللقب النبويّ القديم كانت له فائدته. فهو يطبع بطابعه تجديد كلمة الله.
الله يتكلّم (إذن يتدخّل) من جديد بواسطة نبيّه، تجاه الذين اعتبروا أن "السماوات
أغلقت" منذ ملاخي (توسفتا سوطا 13: 2). حينئذ استغلّ يو هذا الموضوع وأعطاه معنى
عميقًا. فدلّ على يسوع "الكلمة" (لوغوس)، كلمة الله السامية والفاعلة. لاشكّ في أن
موضوع "اللوغوس" عُرف لدى فيلون الاسكندراني الذي جعل منه قوّة (شبه ملائكيّة
ومخلوقة) تلعب دورًا لدى الله في الخلق على مثال الحكمة. ولكن الألفاظ الأولى في
المطلع اليوحناوي تبدو كالرعد فتحدّد موقع هذا الكلمة في الله نفسه.
ثم إن هذا اللقب النبويّ يشير إلى وجه إيليا ووجه موسى. ففي يو، يقدّم يسوع نفسه
بشكل متسام، على أنه إيليا الجديد، على أنه بدرجة أكبر موسى الجديد. فنتذكّر
الاعلان الالهي الذي نقرأه في تث 18: 15: "يقيم الرب إلهك نبيًا مثلي... تسمعون
له". ويظهر الموضوع أيضًا في ما قاله المعمدان الست إياه، 1: 21). إن لفظة "أنا هو"
التي تبدو عادية وتحمل في الوقت عينه معنى عميقًا سنجده في يو 28:8، 58، تبدو
امتدادًا لما نقرأ في تث 15:18: "مثلي". ولكن هذه العبارات العميقة جدًا سوف تتفجّر
أيضًا في يو، في كل الاتجاهات.
د- المسيح، الملك والملكوت
يستعمل التقليد اليوحناوي في هذا الوسط المسيحي المتهوّد ذات الطابع الخاص، اللقب
المسيحاني بشكل واسع. ولا ينسى القرّاء اليونانيين الذين لا يعرفونه بعد: "وجدنا
المسيح (مشيحا في الأرامية)، وجدنا الماسيا" (1: 41؛ رج 25:4). هذا ما قاله اندراوس
لسمعان أخيه. فمسيحانيّة يسوع هي موضوع اكتشاف يجب أن ينتشر كالبشرى (كالخبر
الطيّب) "لكي تؤمنوا أن يسوع هو المسيح، ابن الله" (20: 31).
في الظاهر، هي عبارة لا تحرّك تحفّظات إلا إذا أعطيناها معنى "ملكيًا" مفرطًا (6:
15: أرادوا أن يختطفوه ليجعلوه ملكًا". رج 18: 36). فلفظة "خرستوس" (مسيح) تبدو
وكأنها مفصولة عن لفظة "ملك". ومع ذلك، فهذا اللقب الملكي لا يُرفض. فالتأكيد
الملكيّ واضح على شفتي نتنائيل: "أنت ملك اسرائيل" (1: 49؛ رج 13:12-14). وقد سجّله
يو في قلب خبر الآلام مع سؤال بيلاطس: "أأنت ملك اليهود" (مت 27: 11)؟ وسار
الانجيليون الآخرون في الخطّ عينه. غير أن يسوع اليوحناويّ سيعرف كيف يبيّن
الاختلاف: هو ملك ولكن لمملكة أخرى: "مملكتي ليست من هذا العالم". فقال له بيلاطس:
"أأنت ملك إذن"؟ أجاب يسوع: "أنت تقول إني هو" (18: 36-37). وهكذا أزيل الالتباس
المسيحانيّ.
هـ- الابن وابن الله
سمّى يسوع نفسه "الابن"، ولاسيّما في إطار تقليد المعين (مت 11: 27؛ لو 10: 21-22):
"كل شيء أعطي لي من قبل الآب، ولا يعرف أحد الابن إلاّ الآب، ولا يعرف أحد الآب
إلاّ الابن ومن شاء الابن أن يكشف له". إن لهذا العنصر رنّة يوحناويّة، وهو يؤكّد
في الوقت عينه الرباط بين الآب والابن: خضوع (على مستوى الوجود والحياة) الابن
بالنسبة إلى الآب، ومعرفة متبادلة بين الاثنين، في خبرة حيّة بين الاثنين. هذه
العلاقة الشخصيّة بين الاثنين تعطي لقب الابن وزنًا أثقل ممّا نجد فقط في عبارة
"ابن الله" التي يختلف معناها باختلاف السياق.
قد تعني التسمية: لقب مسيحانيّ كما في قمران. أو ما يدلّ على حماية إلهيّة (مت 3:
11 وكتب الحكمة). أو اسم أعطي للملائكة أو اسرائيل أو الأبرار. وهناك المعنى القويّ
الذي نقرأه عند بولس في روم 1: 3 (عن ابنه يسوع المسيح ربّنا)، وعند مرقس حيث يكشف
الله عن ابنه في المعموديّة والتجلّي. فكيف لا نلاحظ تشديد يو الكبير على لفظة
"الابن" التي تستعمل في المطلق: يو 1: 18؛ 3: 16-17؛ 5: 19-23، 26؛ 6:6، 40؛ 36:8؛
14: 13؛ 17: 1. وعبارة "ابن الله" حاضرة أيضًا: 1: 49؛ 3: 18؛ 5: 25؛ 10: 36؛ 11:
4، 27؛ 19: 27؛ 20: 31. فبحسب يو لسنا أولاً أمام لقب أعطاه الله (كما في مرقس)، أو
أقرّ به المؤمنون أخصّاؤه (مت 16: 16)، بل تعبير عاديّ في فم يسوع. هو صفة مرتبطة
به منذ حضن الآب (18:1)، وليس فقط في العماد أو على الصليب أو في القيامة.
حين يرد هذا اللقب في المطلق، فهو يحيلنا إلى وجه الآب. فالكل يعرفون كم يحبّ يسوع
أن ينادي الله بلفظة: الآب (لو 11: 2). أبي (لو 49:2. ولكن في مت ويو خصوصًا) أبانا
(مت 6: 9). إن الاستعمال اليوحناوي للفظة الآب هي متواترة جدًا، دون أن نستطيع أن
نُبرز الفرق اللاهوتي بين "الآب" و"أبي" و"أبينا" (20: 17). ومع ذلك، فإذا كان الله
أبا جميع البشر، فموضوع
(2: 16... رج مت 7: 21...) يُبرز تصرّفَ يسوع النبويّ، ويدلّ على أنَّ علاقته بالآب
هي من نمط خاص.
يشدّد الانجيليّ على هذه البنوّة الفريدة، بنوّة يسوع (18:1؛ 3: 16، 18)، على علاقة
مباشرة ومتبادلة بين الآب والابن (5: 15، 23...). لأن "الآب يحبّ الابن وقد جعل كل
شيء بين يديه" (35:3؛ رج 22:6؛ رج أيضًا لو 11: 22). إنه "الأوحد" (المولود وحده)
(1: 14). بالإضافة إلى ذلك، تنسب "إيس" (إلى) و"مونوس" (واحد، وحيد، فريد) إلى الله
بشكل رفيع، في الكتاب المقدس. رج مت 23: 8-9 (لا تدعو أحدًا على الأرض أبًا)؛ روم
3: 30؛ يو 8: 41. الله هو الوحيد كما تقول صلاة "اسمع يا اسرائيل" (تث 6: 4)، وكما
يقول يسوع أيضًا. وبمختصر الكلام، في يو، يسمّي يسوع نفسه "الابن". ونجد الاعتراف
الكرستولوجيّ في الجماعة اليوحناويّة مجموعًا في كلمة مرتا عن ابن الله: "نعم يا
رب. أؤمن أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (يو 11: 27).
د- المعلّم والربّ
سُمّي يسوع "رابي" (معلّم) في 1: 38، 49؛ 3: 2؛ 4: 31؛ 25:6؛ 2:9؛ 8:11؛ 16:20. هو
ما سمّى نفسه كذلك، بل سمّاه الآخرون. وسُمّي "ديدسكالوس" (معلّم التلاميذ) في 1:
38؛ 3: 2؛ 8: 4؛ 11: 28؛ 13:13-14؛ 20: 16). سمّاه الآخرون كذلك. وهو ما سمّى نفسه
إلاّ في 13: 13-14: "تدعونني معلّمًا وربًا... وأنا كذلك". ولكن لقب "الرب" يعطي
لقبَ المعلّم بُعدًا كبيرًا جدًا.
يطبَّق لقب "كيريوس" (السيّد، الرب) على يسوع قرابة أربعين مرة (يو 4: 11...).
وهكذا تجاوزنا بشكل واضح لقب ربّ البيت. هذا اللقب هو أسمى لقب في اعتراف الايمان
اليوحناويّ (كما عند بولس ولوقا، لا كما عند مرقس). وفي السياق الشرقيّ بشكل خاص،
انطبق اللقب عادة على الآلهة، ثم على الأباطرة (منذ كاليغولا ونيرون). وفي نهاية
حكم دوميسيانس (81-96)، نسب هذا الأمبراطورُ إلى نفسه لقب "كيريوس كاي تيوس" (الرب
والاله)، فضمّ كيريوس إلى الله. تذكّر التقليد اليوحناويّ (بما فيه سفر الرؤيا) هذا
الكلام، فقدّم اعتراف توما الايماني: "ربي وإلهي" (يو 20: 28).
على أثر هذه الملاحظات القليلة حول الألقاب الكرستولوجيّة عند يو، يبدو من الأهميّة
بمكان أن ندرك كيف اعترف يوحنا بما نسمّيه اليوم "ألوهيّة المسيح" (عبارة مأخوذة من
العالم اليوناني). نتذكّر هنا فقط النصوص الهامة المتعلّقة بهذا الموضوع: فل 2: 6؛
روم 9: 5؛ وبشكل غير مباشر: 1 كور 8: 6؛ ثم كو 1: 15؛ 19:2 (فيه يسكن جسديًا كل ملء
اللاهوت)؛ تي 13:2 (إلهنا العظيم ومخلّصنا المسيح يسوع؛ رج 2 بط 1: 1، 3). ولكن
يوحنا يتفوّق عليهم في خطّ "الكرستولوجيا العليا"، فيشدّد على هذه النقطة
الرئيسيّة: 1: 1؛ 18:5؛ 10: 33؛ 20: 28؛ 1 يو 5: 20.
ونكتفي بالإشارة إلى ما يقال حول أصل ابن الله "الذي هو في حضن الآب" (18:1). الذي
جاء "من السماء" (من عند الله) (13:3، 31؛ رج 6: 31-58). قال الخصوم: يسوع يجدّف
"لأنك وأنت انسان تجعل نفسك الله" (33:10). وقالت الخاتمة الاولى في ف 20 (لا
الخاتمة الثانية في ف 21) في عبارة جمعت هذه الألقاب الكرستولوجيّة: "ربّي وإلهي.
المسيح وابن الله" (28:20 ي). ومرمى الكتاب مرمى كرستولوجي واضح: هو الكتاب
اليوحناويّ لاعتراف الايمان.
وأخيرًا، وفي خطّ التقليد اليوحناويّ في ملئه، كان موضوع اللوغوس (كلمة الله)
مقدّمة للانجيل كله. وكان لهذا الموضوع رنّة قويّة في سياق فلسطينيّ ومسيحيّ
متهوّد. فالكلمة والكيان هما واحد بحسب الفكر الساميّ. الله يتكلّم، وهذه الكلمة هي
أكثر من أداة يعطيها الله لذاته. هذه الكلمة ليست مخلوقة على مثال الحكمة. وقد
تماهى يسوع مع الكلمة الالهيّة (1: 1، 14؛ 1 يو 1: 1؛ رؤ 13:19). وهذا التماهي
السامي يلقي ضوءًا على التقليد اليوحناويّ في انطلاقته وفي مجرى الانجيل فيقدّم عمق
الفكر اليوحناويّ.
إن العبارة التي تبدأ يو، تجعل انشدادًا بين ثلاثة تأكيدات غير منعزلة الواحدة عن
الأخرى. "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله" (1: 1).
وهذا قبل أن نصل إلى الاعلان الأساسي: "والكلمة صار بشرًا" (آ 14). إن هذا التقليد
لا يجد صدى له في سائر التقاليد المسيحيّة، ولو استمرت هذه التقاليد تذكر أقوال
يسوع. أيكون السبب خاصية يوحنا في إطار مسيحيّة متهوّدة من النمط الصوفي
(المستيكي)، ترتبط بقمران أو بالاسكندريّة؟ أيكون لأن بولس واللحمة الانجيليّة
الأولى التي نسجها مرقس، قد أبرزا يسوع في عمله الخلاصي، لا في كلامه مثل يوحنا؟
أيكون لأن صورة كلمة الله ما أتاحت للكنيسة أن تميّز كلمة يسوع في خاصيتها؟ إن كان
التماهي بين يسوع والكلمة قد وصل إلى هذا الحدّ (على مثال فيلون الاسكندراني)، أما
نصل إلى شكل من أشكال المودالية (أو: الشكليّة) التي تجعل من يسوع مجرّد ظهور
تاريخيّ لله؟ ولكن يسوع يحافظ على هويّته تجاه الله، دون أن يكون أو يصير "إلهًا
ثانيًا" كما قال فيلون.
الفصل الثالث عشر
الشهادات في إنجيل يوحنا
الأب وليد الخوري الأنطوني
إن موضوع الشهادة هو من دون أي شك ذو أهمية أساسية بالنسبة لعصرنا. فالأيمان المعلن
بالقول والتعليم يبقى عقيمًا إذا لم تصحبه شهادة الحياة. في الواقع، يتأثّر مجتمعنا
بالشهادة النابعة من إيمان ملتزم، أكثر من تأثّره بالمواعظ البليغة؛ فالشاهد أكثر
فاعلية من الواعظ.
بيد أن هذا الموضوع ليس ابتكارًا جديدًا، بل يشكّل استمرارية مع التقليد الكنسي منذ
بداية المسيحية ويستنبت جذوره من الكتاب المقدّس. فالشهادة هي أحد المواضيع التي
استعملها الكتاب المقدّس ليوصل الانسان إلى ثروات السرّ الإلهي: مثل مواضيع العهد
أو الميثاق والكلمة.
الشهادة في العهد القديم
إن الشاهد في العهد القديم، هو النبي قبل أي شيء آخر. يعرف النبي الله، لأن الله
كلّمة، وأوكل إليه كلمته. تلقّى النبي كلمة الله، لا ليحتفظ بها، بل لينقلها إلى
سواه. إنه خادم الكلمة، وشاهد لله، وسط مناخ من العداء والاضطهاد في أغلب الأحيان.
والشاهد في العهد القديم هو أيضًا شعب إسرائيل الذي اختاره الله ودعاه: "أنتم
شهودي، يقول الرب، ذريّة عبدي الذي اخترته لأنكم علمتم وآمنتم أنّي أنا هو..." (أش
43: 10 راجع أش 43: 12؛ 44: 8). إن الشعب مدعوّ إذًا ليتصرّف كشاهد في وسط الأمم.
ولكن الشعب بدا غالبًا عاجزًا عن القيام برسالته كشاهد، لذلك فالرّب الإله يظهر أنه
الإله الحقيقي إذ ينجز أفعال عدالة وقدرة (راجع أش 45: 21-24).
شهد الله لنفسه عندما أوحى لموسى بمعنى اسمه القدوس (راجع خر 3: 14)، أو عندما أعلن
أنّه الإله الأوحد (راجع خر 20: 2-3). وقد شهد الله أيضًا بالوصايا التي تتضمنها
الشريعة (راجع 2 مل 13:17؛ مر 8:19؛ 87: 5، 56). ولهذا السبب أطلق على "لوحي
الشريعة" اسم "الشهادة" (راجع خر 16:25؛ 18:31). وقد وضعت في تابوت العهد، فسمّي
"تابوت الشهادة" (راجع خر 25: 22؛ 40: 3، 5، 21-22)، وصار قدس الأقداس "مسكن
الشهادة" (راجع خر 38: 21؛ عدد 1: 50-53). في المزامير أيضًا، فرائض الشريعة كان
يعبّر عنها بكلمة "الشهادة" (راجع مز 93: 5؛ 119: 24، 31، 36، 59، 99)...
الشهادة في العهد الجديد
إن موضوع الشهادة، في العهد الجديد، ليس عارضًا، بل متكررًا ومقصودًا. وإذا أجرينا
إحصاء لتكرار كلمة "شهادة" ومشتقاتها، لوجدنا أنها ترد 172 مرة. باستثناء نصوص
يوحنا، تكثر كلمات "شهد" و"شهادة" في التقليد اللوقاوي وخاصة في كتاب أعمال الرسل.
فالشهادة ميزّت النشاط الرسولي بعد القيامة، ودلّ تعبير "شهود" على الرسل بدرجة
أولى.
هناك أربعة خطوط بارزة تحدّد الرسل كشهود:
1- قد اختارهم الله، كما اختار الأنبياء (أع 1: 26؛ 10: 41).
2- لقد رأوا المسيح وسمعوه (أع 4: 20)، وعاشوا معه طوال المدة التي قضاها بينهم (أع
1: 21-22)، وهم، بالتالي، اختبروا شخص المسيح، وتعليمه، وأعماله، اختيارًا حيًا.
3- لكي يتمكّنوا من تأدية الشهادة "نزل عليهم الروح القدس" (راجع أع 8:1).
4- رغم صعوبات الرسالة، بشّر الرسل بكلمة الله، بشجاعة نادرة، هي ثمرة الروح القدس
الذي يعمل فيهم فتغلّبوا على الخجل وعلى الخوف من الاضطهادات والموت، وأدّوا
شهادتهم بأمانة مطلقة للمسيح ولتعليمه.
بفضل الشهادة التي يؤدّيها الرسل، يجد الإنسانُ الإنجيلَ أمامه، كواقع متجسد في
خلائق من لحم ودم. يبدو الرسل كصلة وصل بين زمن يسوع وزمن الكنيسة. إنهم يؤمّنون
الاستمرارية بين جماعة ما قبل الفصح وما بعده. هكذا ترتكز المسيحية، منذ ألفي سنة،
على شهادة الرسل، فضلاً عن ارتكازها على الوحي الذي أنجره يسوع. فلو أن المسيح مات
وقام من دون شهود، ولو أن هؤلاء الشهود لم يعلنوا الحقيقة، لما كانت البشرى السعيدة
بلغتنا.
إنجيل يوحنا والشهادة
توسّع يوحنا في هذا الموضوع، أكثر من الإنجيليين الآخرين. فالإنجيل الرابع بمجمله
يبدو كشهادة، كما ورد في خاتمته الثانية: "وهذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور
ويدوّنها، ونحن نعرف أن شهادته صادقة" (يو 21: 24). ونصادف في الفصل 19 الفكرة
نفسها: "والذي رأى هذا يشهد به، وشهادته صحيحة، ويعرف أنه يقول الحق حتى تؤمنوا
مثله" (يو 19: 35). وكذلك فإن تقليد آسيا الصغرى يطلق على الرسول يوحنا لقب
"الشاهد": فرأى إيريناوس في يوحنا "شاهدًا موثوقًا به على تقليد الرسل" (ضد
الهرطقات 3:3، 4)، ودعاه بوليكاربوس الأفسسي "شاهدًا ومعلمًا" (التاريخ الكنسي 3:
31، 3).
استعمل كاتب الإنجيل الرابع كلمتي marturia "شهادة" و marturein "شهد" 47 مرّة؛ كما
استعمل أيضا تعابير أخرى تعبّر عن فكرة الشهادة. وليست المعطيات الإحصائية وحدها هي
التي تثير الانتباه وتبعث على التأمل؛ ولكن هذه المعيطات، في الواقع، تتّخذ، في
إطارها مدلولات لاهوتية غنيّة جدًا.
ومن جهة أخرى، نلاحظ أنّ مفردات التبشير، المتصلة عادة بإعلان البشرى السعيدة،
والأساسية في التقليد الإزائي، غائبة كلّيًا عن نصّ يوحنا: إننا لا نجد أبدًا
تعابير مثل Kerussein "أعلن، كرز"، و euanguélion "إنجيل، بشرط سعيدة"، أو
euanguélizien "بشّر، أعلن البشرى السعيدة"... فنتساءل عن سبب اختيار يوحنا
المفردات المتعلقة بالشهادة للإعلان عن البشرى السعيدة، خلافًا لما فعله الإنجيليون
الآخرون في اختيار مفرداتهم.
إن علاقة هذا الموضوع بالوحي من جهة، وضرورته في إطار "محاكمة" من جهة أخرى، تعطي
للشهادة اليوحناويّة اتجاهًا خاصًا. سوف نعالج موضوع "المحاكمة" بعد الإشارة إلى
أهمية الشهادة بالنسبة للوحي وبعد دراسة تطوّر معاني كلمة "الشهادة".
شهادة موحية
إن الذهنية السامية شديدة التعلّق بالألوهة، وتدرك مع ذلك المسافة التي تفصلها عن
العالم الإلهي. ويوحنا ينتمي إلى هذه البيئة، ونجد هذه الفكرة في إنجيله: العالم لا
يعرف الله (17: 25)؛ يسوع يمتلك معرفة الله الحقّة، لأنه أتى من الله، وبالتالي فهو
وحده القادر أن يوحي به.
يملأ يسوع هذه المسافة التي تفصل الله عن الإنسان: عرّف الله إلى العالم، لأنه قادر
أن يشهد بما يعرف، وبما رأى وسمع من لدن الآب (راجع 3: 11؛ 3: 31-32؛ 26:8؛ 28:8؛
38:8؛ 8: 40). إن ظهوره تجلّ يكمِّل كل التجلّيات الأخرى فيحجبها ويتخطّاها (راجع
1: 1؛ 1: 17؛ 1: 51؛ 56:8). يدعو يسوع بشهادته الإنسان إلى الإيمان، ليدخله في حب
الله. الشهادة الأكثر أهمية، في إنجيل يوحنا، هي شهادة يسوع الذي يوحي بالله. إنه
مرسل من الآب، وهو ابنه الوحيد، وكلامه عن الله ذات وزن كبير جدًا، لا يقارن بكلام
الآخرين. إن الآب هو ضامن رسالة يسوع، ولقد أعطاه أعمالاً وعلامات تؤكّد أقواله.
والروح القدس يشهد أيضًا لمصلحة يسوع ويثبِّت تلاميذه في الايمان. إن يسوع وحده
يملك المعرفة الإلهية مباشرةً، وبالتالي هو وحده القادر على إظهار ما رأى وسمع وهو
في حضن الآب (راجع 1: 18). إن العلاقة الفريدة القائمة بين الآب والابن، والتي تسمح
ليسوع بالقول: "أنا والآب واحد" (10: 30)، تعطي لشهادة يسوع صفة مميّزة.
شهادة المسيح هذه تشكّل "وحيًا". فهو الكلمة التي تكشف أمام العالم واقعًا مختلفًا
عن الواقع الذي يعرفونه. وبفضل الشهادة التي أدلى بها يسوع، صار الواقع الموجود في
غير أرض البشر، موجودًا هنا بينهم. ولكن لا ينوجد هنا إلاّ بواسطة الشهادة. "إن
وجود الله هنا" متعلّق بكامله بشهادة يسوع الذي رآه وسمعه في حضن الآب.
كل حياة يسوع تشكّل الوحي الكامل، بما هو يسوع حقًا، بالنسبة إلى الله، وبالنسبة
إلى البشر. وهكذا أدّى المسيح شهادة خلال حياته على الأرض، وخاصة بصلبه. وإذا بلغ
الوحي ذروته على الصليب، فلأن شهادة يسوع هناك بلغت ذروتها، مظهرة حب الله الفائق
للبشر.
ومن الطبيعي أن يبني الشهود البشريّون كلمتهم وبشارتهم على شهادة يسوع، ويمكنهم أن
يعتمدوا في رسالتهم هذه على رعاية الروح القدس حسب ما وعدهم يسوع.
دلائل كلمة "شهادة"
يستعمل يوحنا الكلمات المشتقة من فعل "شهد" والاسم "شهادة"، بينما تغيب المفردات
المشتقة من كلمة "شاهد" (martus)، وهكذا يجعلنا نفهم أن يوحنا أكثر اهتمامًا بفعل
أداء الشهادة منه بالشخص الذي يؤدّي الشهادة. بالواضح، الشهود متعدّدون في الإنجيل
الرابع، ولكن شهادتهم كلّها تتمحور حول شخص يسوع، وهذا ما يهمّ الإنجيلي.
سندرس أولاً المعاني المختلفة لكلمة شهادة، ودلالتها وتطورها، قبل أن نهتم بخصوصية
هذا التعبير في الاستعمال اليوحناوي له.
أ- الدلالة الأصلية
الشاهد، عمومًا، هو شخص شاهد بعض الأحداث، أو عرف بعض الناس أو بعض الوقائع، فأصبح
بالتالي قادرًا على نقل ما يعرف إلى سواه. يتمتع الشاهد بتجربة مميّزة، ويجعل
الآخرين يشاركونه فيها، إذ ينقل علنًا ما شاهد وسمع، وبالتالي، فإن شهادته تصريح،
إعلان، واعتراف. إن كلامه إظهار لما شهد من الأحداث التي لم يشهدها من يتوجّه
إليهم، ولا يتمكنون من معرفتها إلا بواسطة شهادته.
من الواضح أيضًا أن الشاهد ليس ناقلاً للأحداث وحسب. فهو لا يتوقّف عند إعلان
مجرّد، بل "يشهد لصالح فلان..."، إنه يؤدّي الشهادة لقضية ما..."، إنه يؤكد ارتباطه
بالقضية التي يدافع عنها، بواسطة اعتراف علني بقناعاته.
ولكن للشهادة علاقة ثنائية بين الشاهد ومن يسمع شهادته. الشاهد رأى، والسامع لم ير
بل يسمع. وهذا الأخير يمكنه أن يصدّق أو لا يصدّق وقائع الأحداث التي ينقلها
الشاهد.
من جهة أخرى، الشهادة عنصر مختصّ بالإطار القانوني. إنها في خدمة القضاء، وهي بهذا
المعنى، تذهب إلى أبعد من سرد بسيط للوقائع؛ إنها إقرار علني بقناعة حميمة عند
الشاهد الذي يلتزم بكلامه من أجل الدفاع عن قضية يعتبرها عادلة. يُدعى الشهود، في
قضية ما، إلى التدخل ليصرّحوا عمّا يعرفون؛ ويمكن أن يكون هذا التصريح ضدّ المتهم
أو لمصلحته. لذلك، فالشهادة عنصر هام من الأدلة اللازمة لمحاكمة معيّنة. قد يكون
ربح قضيّة، أو خسارتها، مرتبطًا بهذه الشهادات.
لا يقدّم الشاهد، من تلقاء ذاته، للادلاء بشهادته: فإمّا أن يستدعى لأداء الشهادة،
وإما أن يكون عازمًا على أداء رسالة. وهذه عمومًا، حالة الشهادة الدينية التي يرجع
إليها الإنجيل الرابع. يرسل الشاهد ليشهد، فهو وسيط لإيصال كلمة أو حقيقة تتجاوزه
وليست ملكًا له، ولكنه يقوم بهذه المهمة بحرّيّة.
ب- الشهادة والحقائق الإلهية
تكتسب الشهادة معنى أغنى عندما يكون موضوعُ هذه الشهادة الحقائقَ الإلهية أو محتوى
الكتب المقدّسة. إن هذا المحتوى هو حقيقة، بالنسبة إلى الإيمان، وهو "حدث" أنجزه
الله. ولكنه حدث ذو مستوى سام: فالمقصود هنا هو الوحي الذي لا يمكن إدراكه حسّيًا،
ولا يمكن أن نشهد عليه كشهادتنا على أحداث عادية من التاريخ. وبالتالي، نعبر هكذا
من الشهادة البسيطة على أحداث متداولة، إلى إعتراف إيماني. إن الشاهد هنا، معنيّ
شخصيًا، ونشاطه هذا يدخل في نطاق رسالة إلهية.
إن فكرة يوحنا عن الشهادة تدخل في هذا الإطار، لأن موضوعها هو يسوع المسيح وهويته
ورسالته.
ج- موضوع الشهادة
نجد في صميم إنجيل يوحنا سرّ شخص يسوع المسيح. يرتكز جوهر هذا الإنجيل على الوحي
بأن ابن الله الأزلي هو الله ذاته. لا يهتم يوحنا كثيرًا بأن يخبر عن أعمال يسوع
وتعاليمه، بقدر ما يهتم بأن يعرّف الناس على من هو يسوع ومن أين جاء، فتتخطّى
الشهادات مجرّد الإشارة إلى تاريخية يسوع وتعاليمه وأعماله، لتكشف معنى هذه الأعمال
والآيات والتعاليم! هكذا فإن الشهادات كلّها تدور عمليًا حول شخص يسوع، وحول طبيعته
الخاصة، وعلاقته بالآب، ومجيئه إلى العالم، ورسالته، وعودته إلى الآب.
ليس للشهادة موضوع واحد، كما في أعمال الرسل الذي يشدّد على حدث القيامة بل انصبّ
اهتمام يوحنا على أن يظهر لنا يسوع ذاته الذي به أوحي لنا العالمُ السماوي.
إن "العجائب" في الإنجيل الرابع، وتسمى دائمًا "آيات"، لا تبرز تعاطف يسوع مع
المرضى وشفقته عليهم وحسب، كما كانت الحال في الأناجيل الإزائية. إن الآيات تبرز
بالأحرى قدرة الابن ومجده: تمّ شفاء الأعمى منذ الولادة "حتى تظهر قدرة الله وهي
تعمل فيه" (9: 3). وقيامة لعازر، هي أيضًا آية تشهد لمجد يسوع: "ما هذا المرض
للموت، بل لمجد الله. فيه سيتمجّد ابن الله" (4:11).
د- "الشهادة" والتعابير المشابهة
أولاً- الشهادة، تصريح علني
إن الميزة الأساسية للشهادة هي أنها تصريح علني. فالشاهد مقتنع بحقيقة الوحي، ولا
يسعه إلا أن يشهد له علنياً. نلاحظ تقاربًا بين فعل (marturein) "شهد"، وفعل
(krazein) "أعلن"، "صاح" (يرد هذا الفعل 4 مرات في إنجيل يوحنا). إن الطابع العلني
للشهادة هو نتيجة الصلة القائمة بين الشهادة والوحي. فإذا كانت الشهادة أداة مميّزة
للوحي، يجب أن تكون علنية للتمكين من بلوغ هدفها.
ثانيًا- الشهادة والاعتراف الإيماني
شهادة الرسل، ومن بعدهم المسيحيين تنطلق من إيمان عميق وتصبح اعترافًا علنيًا بهذا
الإيمان. إن شهادة المعمدان مثلاً (يو 1: 19، 34) تعطى كاعتراف إيماني. وفي هذه
الشهادة يؤدي الفعل marturein "شهد"، معنى الفعل homologuein "اعترف". ويتردّد هذا
الفعل أربع مرّات في إنجيل يوحنا، وهو دائمًا متصل بالمسيح.
ثالثًا- الشهادة وعلاقتها بالفعل "تكلّم، قال"
نجد في إنجيل يوحنا موازاة أخرى، خاصًة في موضوع شهادة يسوع، وهي التوازي بين فعل
marturein "شهد" وفعل lalein "تكلّم، قال". ففي 3: 11، مثلاً قال يسوع لنيقوديموس:
"... نحن نتكلّم بما نعرف، ونشهد بما رأينا ولكنّكم لا تقبلون شهادتنا". ومن الملفت
أن يوحنا لا يستعمل هذا الفعل إطلاقا في حدث عادي. فقد استعمل هذا الفعل 47 مرّة من
أصل 59، وكان يسوع هو المتكلّم، أو كان الموضوع يورد كلمات يسوع: "فمن أرسله الله
يتكلّم بكلام الله" (34:3). من المؤكد أن فعل "قال، تكلم" ذو قيمة خاصة، بالنسبة
ليوحنا، ويجري تطبيقه خصوصًا على نقل الكلمة الموحى بها.
رابعًا- الشاهد رأى وسمع
نجد الفعل "شهد" مرتبطًا، في حالات كثيرة بالفعلين "رأى" و"سمع" (theaomai, orao).
والتقارب بين هذه الأفعال يتأكد في شهادة المسيح: يسوع "الآتي من السماء، يشهد بما
رأى وسمع" (3: 31، 32)، وقد قال لنيقوديموس قبل ذلك: "نحن نتكلّم بما نعرف، ونشهد
بما رأينا..." (3: 11).
لكنّ العلاقة بين الرؤية والشهادة ليست نفسها في شهادة يسوع من جهة، وشهادات الناس
من جهة أخرى. إن يسوع "شاهد عيان" على الحقائق السماوية، وشهادته وحي مباشر من لدن
الله: "ما من أحد رأى الله. الإله الأوحد الذي في حضن الآب، هو الذي أخبر عنه" (1:
18). في هذا المجال، لا يملك الشهود البشريّون الرؤية لله التي يملكها يسوع.
أمّا بعد القيامة، فقد صار الإيمان مبنيًا على الشهادة أكثر مما هو مبني على
الرؤية. إن توما، حتى بعد سماعه شهادة الرسل، أراد أن يرى ويلمس ليؤمن (25:20)،
فدعاه يسوع ليقترب ويضع إصبعه في الجرح، ولكن توما لم يقترب ليلمس، بل اكتفى بأنه
رأى يسوع، فأعلن إيمانه: "ربّي وإلهي!" (28:20). فقال يسوع: "هنيئًا لمن آمن وما
رأى" (20: 29). ومع ذلك، لا تفقد الرؤية أهميتها لأنها افتراض مسبق، ضروري للشهادة،
ولكنّها تتحوّل من رؤية خارجية وجسدية إلى رؤية باطنية وإيمانية.
الشهادة والمحاكمة
سبق وذكرنا أن يوحنا يركّز كثيرًا على الشهادة كوسيلة مميّزة لإعلان بشرى الإنجيل،
وذلك نظرًا للعلاقة الحميمة القائمة بين الشهادة والوحي من جهة، ولأهمية الشهادة
وضرورتها في إطار المحاكمة الكبرى التي نجدها في الإنجيل الرابع من جهة ثانية.
يؤكّد يسوع، بشهادته أمام العالم، واقعًا جديدًا لم يسبق له مثيل. ويجد هذا الواقع
ذاته في صراع حادّ ودائم مع "العالم"، ويصبح من الضروري اتخاذ خيار حاسم وجذري
تجاهه. هذا النزاع أُعلن عنه في مقدمة إنجيل يوحنا: "وكان في العالم... وما عرفه
العالم. إلى بيته جاء، فما قبله أهل بيته" (1: 10، 11). لهذا السبب تتخذ الشهادة
التي يقدّمها الإنجيل الرابع مكانًا لها في "المحاكمة" الكبيرة التي شنّها العالم
ضدَّ يسوع وتلاميذه. بالواقع، نجد في هذا الإنجيل الكثير من التشابيه القانونية
والتعابير المستعارة من لغة القضاء. ونجد يسوع باستمرار، في محيط معاد، يجادل
اليهود ويناظرهم، إنه يسترجع أمامهم سلسلة طويلة من الشهادات التي تؤكّد صدقيّة
رسالته.
إن أسلوب إنجيل يوحنا ومفرداته ولغته وكثرة الشهود فيه، تكوّن جميعها محاكمة
بالمعنى القضائي للكلمة. وسندرس باختصار مختلف مظاهر هذه المحاكمة في إنجيل يوحنا.
أ- الأسلوب
نجد في الإنجيل الرابع عددًا من الخطب التي يمكن وصفها بالمرافعات القانونية. إن
مناقشات يسوع مع "اليهود" تشبه الحجج والبراهين والأدلّة التي تقدّم في أثناء عرض
محاكمة ما. في الواقع، إن الموضوع الرئيسي في الفصول الاثني عشر الأولى في إنجيل
يوحنا، هو النزاع بين يسوع واليهود الذين يمثلّون العالم غير المؤمن بالله والمعادي
له. وهذه المناقشات متعدّدة، وهي تتبع عادة تدخلاً علينًا يقوم به يسوع فيصدم
الإحساس اليهودي، خاصة عندما يكون هذا التدخل انتهاكًا للشريعة. هذا الأمر ينطبق
خاصة على الآيات التي حصلت أثناء استراحة السبت.
ب- اللغة والمفردات
نلاحظ في إنجيل يوحنا غزارة المفردات ذات اللون القضائي مثل: يشكو Katégorein (وردت
مرتين في 45:5)، شكوى Katégoria (6:8؛ 18: 29)؛ نصير، محامي Paraklétos (وردت 4
مرات). يدين Krinein (وردت 18 مرّة)؛ دينونة Krisis (وردت 11 مرّة)، ردّ apokrisis،
منصّة، مكان المحاكمة" البلاط" Béma (19: 13). جدال، مناظرة zétésis (3: 25)؛ أقرّ،
إعترف homologuein (4 مرّات)، ذنب aytia (3 مرات)، شقاق skhisma (43:7؛ 16:9؛ 10:
19)، أقنع، أظهر ذنب فلان، حاكم élénkhein (16: 8)، نفى، رفض arneisthia، ودون أن
ننسى بالطبع شهادة marturia وشهد marturein.
إن هذه التعابير الكثيرة تجعلنا نفهم أن عمل يسوع، بالنسبة لكاتب الإنجيل، يحصل في
إطار من الاعتراض والمدافعة، أي في إطار محاكمة.
ج- أبطال المحاكمة
في هذه المحاكمة نجد يسوع المرسل من الله من جهة، و"العالم" من جهة أخرى. إن الشهود
لقضية يسوع هم يوحنا المعمدان، الكتب، الأقوال والأفعال التي قام بها يسوع، وبعد
ذلك الرسل والروح القدس. وبالمقابل نجد العالم الذي يمثّله اليهود غير المؤمنين
بيسوع، وهؤلاء يمثّلون في هذا الإطار، مجموع العالم المنغلق بوجه بشارة المسيح،
والباقي في الظلمات. وفي فكر الإنجيلي، هذا الرفض يؤدّي إلى الدينونة.
إن أسلوب يوحنا التهكّمي، يحقّق تحوّلاً عظيمًا في الأدوار وتبدلاً لها: فيسوع الذي
اتهمه اليهود وحكموا عليه، هو في الواقع صاحب السلطان الذي يحكم. وقد أعطي له هذا
السلطان من الآب (5: 2). نلاحظ كذلك، أن حضور المسيح ذاته في العالم، هو دينونة.
وهذه الدينونة هي نتيجة رفض العالم للمسيح، لأن يسوع لم يأت ليدين العالم بل
ليخلّصه (17:3).
نلاحظ أيضًا أن المشاركين في القضية هم، في الوقت عينه، شهود ومدافعون. هكذا، فإن
يوحنا المعمدان هو شاهد للمسيح (1: 8 و15)، ولكنه يحاول أيضًا إقناع سامعيه ليقودهم
إلى الإيمان (1: 7). ويسوع يشهد بما رأى وسمع من لدن الآب (3: 11 و32؛ 8: 26)، ثمّ
يعرض قضيته تكرارًا ويدعمها بحجج كثيرة ليردّ على اتهامات أخصامه له (5: 30، 47؛
10: 32-38). وكذلك يقوم الروح القدس بدور مزدوج، هو دور الشاهد والمدافع (14: 16؛
15: 26؛ 8:16- 15). حتى بيلاطس نفسه يقوم بدور شاهد ومدافع. إنه مقتنع ببراءة يسوع،
وببطلان الاتهامات التي ساقها اليهود ضدّه، فيعلن ثلاث مرات متتالية براءة يسوع
(18: 38؛ 19: 4 و6)، ويقترح على اليهود أن يطلقوا سراحه (18: 39- 40)، ثم يحاول أن
يترك لليهود إمكانية مقاضاة يسوع ومحاكمته (19: 6). وبعد ذلك، يرفض تغيير مضمون
الكتابة التي علّقت على الصليب: "يسوع الناصري، ملك اليهود" (19: 19-22)، وهذا
الأمر بحد ذاته يشكّل شهادة لصالح ملوكية يسوع، أقلّه في تفكير الإنجيلي وقرّائه.
د- موضوع المحاكمة
إن موضوع هذا النقاش هو مسيحانية يسوع وبنوّته الإلهية وصدقيّة رسالته (يو 20: 31؛
راجع 3: 15-16) والهدف من الشهادات المعروضة هو الحث على الإيمان.
من المعلوم أن "الايمان" هو موضوع أساسي في الإنجيل الرابع. فالأناجيل الأخرى لم
تتضمن هذا التعبير بمقدار ما تضمّنه إنجيل يوحنا (pisteuein "آمن" 98 مرّة)،
ويتمحور هذا التعبير عادة حول المسيح. فالشهود هم مؤمنون أعلنوا إيمانهم، ودعوا
السامعين إلى السير على خطاهم واعتناق الإيمان عينه. ليس هذا الأمر مستغربًا، نظرًا
للطابع القضائي للإنجيل الذي يبغي إظهار أنّ يسوع هو المسيح، وابن الله.
هـ- الآيات تدعم قضيّة يسوع
إن الأدلّة في محاكمة ما، لها دور هام في تأكيد أقوال المتّهم أو للدلالة على أن
الاتهامات لا ترتكز على أساس متين. و"الآيات" sémeia التي قام بها يسوع، تعتبر
علامات وأدلّة تدعم كلمات المسيح وشهادته. يعطينا نيقوديموس مثلاً على ما سبق. فقد
أقرّ أن يسوع هو "المعلم" الآتي من عند الله. "فلا أحد يقدر أن يصنع ما تصنعه من
الآيات إلا إذا كان الله معه" (3: 2). وكذلك، تبعت الجموع يسوع "لأنهم رأوا آياته
في شفاء المرضى" (2:6؛ راجع 17:12-18).
يدرك الإنجيلي القدرة على الإقناع، الكامنة في الآيات، ولذلك أعلن الأعمى منذ
ولادته: "كيف يقدر رجلٌ خاطئٌ أن يعمل مثل هذه الآيات؟" (9: 16). ونقرأ أيضًا:
"ولولا أنّ هذا الرجل من الله، لما قدر أن يعمل شيئًا" (9: 33). أمّا بالنسبة
لرؤساء اليهود، المتشبّثين بعدم إيمانهم، فقد كانت الآيات مصدر إرباك لهم: "وقالوا:
ماذا نعمل، وهذا الرجل يصنع آيات كثيرة؟ فإذا تركناه على هذه الحال آمن به جميع
الناس..." (11: 47-48).
و- احترام فرائض الشريعة
يهتمّ يوحنا كثيرًا باحترام شريعة العهد القديم الذي ينصّ على أن كل شهادة يجب أن
تكون مدعومة بتأكيد شاهدين لتصبح مقبولة. نجد هذه الشريعة في سفر تثنية الإشتراع:
"لا تثبت شهادة شاهد واحد على أحد في شيء من الذنوب والجنايات التي يرتكبها، لكن
بشهادة شاهدين أو ثلاثة شهود تثبت الشهادة" (تثنية 19: 15). لا يهتم يوحنا في
إنجيله بالإقناع في خطأ أو جريمة ما، بل يهتم بتثبيت الحقيقة.
يحاول الإنجليّ، في مقاطع عديدة، أن يوضح قضيته، داعمًا تأكيداته بشاهدين. نجد
مثلاً في الفصل الأول يوحنا (المعمدان)، والتلاميذ الأوائل (راجع 1: 19-35 و1: 41
و45 و 49). ويقدّم الفصل الثاني شاهدين منفصلين لتأكيد حقيقة آية يسوع الأولى (رئيس
الوليمة والخدم، راجع 2: 9-10). وفي الفصل الخامس نجد مجدّدًا شهادة "المعمدان"، مع
شهادة الآيات والكتب (5: 31-47). وفي الفصل الثامن ينضمّ الآب إلى الشهادة التي
أعطاها يسوع لنفسه: "وفي شريعتكم أنّ شهادة شاهدين صحيحة: فأنا أشهد لنفسي، والآب
الذي أرسلني يشهد لي" (17:8-18). وقد حضر ملاكان عند باب القبر الفارغ في الفصل 20
(وذلك قبل ظهور المسيح لمريم المجدلية 20: 12)، بينما ذكر إنجيل مرقس ملاكًا واحدًا
(مر 16: 5)...
ز- غياب الشهود خلال المحاكمة
نجد في الأناجيل الإزائية اتهامات يتقدّم بها شهود كذبة، في القضية المرفوعة ضد
يسوع (راجع مر 14: 55-60؛ متى 26: 59-62). أما غياب الشهود الكذبة في الإنجيل
الرابع فهو أمر ملحوظ ولا يمكن اعتباره عارضًا؛ في الواقع، طلب يسوع من عظيم
الأحبار أن يسأل الشهود بصراحة: "كلّمت الناس علانية وعلّمت دائما في المجامع وفي
الهيكل حيث يجتمع اليهود كلّهم، وما قلت شيئًا واحدًا في الخفية. فلماذا تسألني؟
إسأل الذين سمعوني عمّا كلّمتهم به، فهم يعرفون ما قلت" (18: 20- 21). ولكن عظيم
الأحبار لم يردّ على التحدّي الذي أطلقه يسوع. كذلك قال يسوع للحارس الذي صفعه: "إن
كنت أخطأت في الكلام، فقل لي أين الخطأ؟ وإن كنت أصبت، فلماذا تضربني؟" (18: 23).
لم يُستدع أي شاهد أمام قوس المحكمة، وبهذا أشار يوحنا إلى أن يسوع ربح الدعوى
المرفوعة ضدّه. وهكذا، بحسب الأصول القانونية في العهد القديم وانسجامًا مع
الممارسة الرابّينية، يكون الحكم على يسوع بالصلب مخالفًا للشريعة، وهو انحراف في
العدالة: لم يقم اتهام ضدّه وليس هناك من سبب للحكم عليه (18: 29 و38).
ح- غياب المثول أمام السلطات اليهودية
لماذا لم يتحدّث يوحنا عن "المحاكمة لدى السلطات" اليهودية بعد توقيف يسوع، ولا عن
استجواب مجلس الأحبار له؟ (راجع متى 26: 57-68؛ مر 53:14-65؛ لو 22: 66- 71). لا شك
أن يوحنا كان على علم بمثول يسوع أمام السلطات اليهودية، والأهمية التاريخية
والقانونية لهذا المثول؛ ولكنه مع ذلك، انتقل فورًا إلى سرد وقائع المحاكمة
الرومانية، بعد الإلماح، بصورة عابرة، إلى إرسال يسوع إلى حنّان ثمّ إلى قيافا. إن
قصة الاستجواب الذي قام به حنّان (18: 19-23)، هي خاصة بيوحنا. ولكن هذا الاستجواب
شكلي فقط. فيجب ألاّ ننسى أن حنّان لم يعد يشغل أية مهمة رسمية، ولكنه كان "حمو
قيافا، رئيس الكهنة في تلك السنة" (18: 13 و24).
يجب ألاّ ننسى، أن أعيان اليهود كانوا قد توافقوا، وقرّروا قتل يسوع (11: 45-53)
قبل أن يستجوبوه، خلافًا لما لفت نيقوديمس نظرهم إليه سابقًا: "أتحكم شريعتنا على
أحد قبل أن تسمعه وتعرف ما فعل؟" (7: 51). إذًا عندما اقتادوا يسوع إلى المحكمة
الرومانية، لم تعد هناك حاجة لأن يجتمعوا من جديد: فقد صدر حكمهم سلفًا!
بالنسبة للإزائيين، الموضوع الأساسي للاستجواب في المجمع هو مسيحانية يسوع، وبنوّته
الإلهية وتهديد الهيكل. لقد رأينا سابقًا كيف أنّ المناظرة بين يسوع ورؤساء اليهود
تمتدّ على كل إنجيل يوحنا، ابتداءً من استجواب يوحنا المعمدان (1: 19) حتى اتخاذ
القرار بقتل يسوع (11: 49-53). إذًا، رأى يوحنا أن ذكر رواية "محاكمة أخرى" يهودية،
أمر غير ضروري. لذلك، عرض الإنجيل الرابع رواية "المحاكمة الرومانية" (18: 28؛ 19:
16 أ) التي تحتل مكانًا مميّزًا في القسم الثاني من إنجيل يوحنا، المعروف بكتاب
الآلام. ففي هذا الكتاب نجد مجدّدًا المواضيع الأساسية للمناظرة بين يسوع وأحبار
اليهود.
إن التفسير الآخر الممكن لهذا الصمت قد يكون التمييز بين المستوى التاريخي من جهة
والمستوى اللاهوتي من جهة أخرى. فبينما نجد يسوع محكومًا عليه، في "المحاكمة"
المعروضة أمام مجلس الأحبار، وذلك على الصعيد التاريخي، نجد عكس ذلك على الصعيد
اللاهوتي. إن المحكومين الفعليين بنظر يوحنا، هم الذين لم يقبلوا يسوع "نور العالم"
فرفضُهم للمسيح يشكّل حكمًا عليهم بالذات. إن موت يسوع على الصليب سيكون حكمًا
مبرمًا على العالم الذي رفض الحقيقة.
الشهادات والشهود
نلاحظ أن يوحنا الإنجيلي، على رغم تآلفه مع العهد القديم، يتجنّب استعمال
الاستشهادات البيبلية بكثرة، كشهادة تدعم قضيّته. استعمل الإزائيون هذه الشواهد
بكثافة، ولكن يوحنا عرف أن يستند إلى العهد القديم من ضمن بنية النصوص، إما بإدخال
استشهادات غير مباشرة، أو بتلميحات. ولكنه ظلّ محتفظًا ببعض الحرية، واختار ما يخدم
لاهوته. كما أن الإنجيلي يعرف أن أخصام يسوع وغير المؤمنين يمكنهم أن يعطوا
للاستشهادات تفسيرًا مختلفًا عن تفسيره، لذلك تحاشى استعمالها بكثرة.
ولكن بالمقابل، يُدخل يوحنا عددًا كبيرًا من الشهود. يشهدون لصالح يسوع الناصري
الذي اتهمه رؤساء اليهود. وهكذا تأتي الشهادات المعطاة لتؤكد أقوال يسوع وأعماله
وتؤكد مسيحانيته وبنوّته الإلهية (راجع 20: 31)، أكثر من الاستشهادات الكتابية.
إن هذا الاهتمام بتقديم شهود يبرز بوضوح منذ الفصل الاول، بإدخال يوحنا المعمدان في
سياق المقدّمة (6:1-8 و15)، وبعرض عدد كبير من الأشخاص والأحداث ليشهدوا ليسوع، كلّ
على طريقته.
من الواضح أن كل هذه الشهادات، ليست على مستوى واحد، ولكن توحِّد بينها نقطةٌ
مشتركة على الأقل: إن هدفها وموضوعها واحد، وهو التعريف بالمسيح.
أ- شهادة يوحنا المعمدان
يوحنا المعمدان هو الشاهد الأول والأهم من بين الذين شهدوا ليسوع. وبالفعل، فإن
الإنجيل الرابع يركّز على هذه الشهادة بكثير من الإلحاح.
لا يهتم إنجيل يوحنا كثيرًا بالمهمة الأساسية التي أعطتها الأناجيل الإزائيّة
ليوحنا المعمدان، كنبي يعدّ طريق الرب، ويحضّر قلوب سامعيه لاستقبال بشارة يسوع؛
ولذلك كان يعمّد ويدعو إلى التوبة. أما في الإنجيل الرابع فإن دور يوحنا يقتصر على
كونه الشاهد.
يقدّم الإنجيل الرابع، في بدايته، المعمدان كشاهد (1: 6: 8 و15). واجهه رؤساء
اليهود بأسئلتهم، فأدلى بالمناسبة بأولى شهادة له (1: 19-34)، ثم أشار إلى يسوع أنه
"حمل الله"، فتبعه اثنان من تلاميذه (1: 35-36). يظهر يوحنا مجدّدًا في 23:3، وهو
يعمّد في "عين نون" قبل أن يُلقى في السجن (23:3، 24). وحصل جدال بين تلاميذه وأحد
اليهود حول الطهارة، فأتوا يستشيرونه (3: 25-26). وقد سبّب هذا الحادث اعتراف يوحنا
الأهم (3: 27-36) الذي يتحدّث عن الصورة الرمزية للعريس. في العهد القديم تُعطى
صورة العرس للعلاقة بين الله وشعبه. يطبِّق يوحنا هذه الصورة على يسوع، ويُسرّ
لكونه صديق العريس. وبذلك يُعْلِنُ الميثاق الجديد المبنيّ على رباط الحب القائم
بين المسيح (العريس) والشعب المسيحاني (العروس). يلي استحضار هذا الموضوع البيبلي
اعترافُ إيماني بيسوع "الآتي من فوق". إنه المرسل من الآب، وينطق بكلمة الله وهو
الشاهد المباشر لها، "ويهب الروح بغير حساب".
ثم إن يسوع ذكرَ يوحنا على أنه "شهد للحق" (33:5)، مع أن شهادته ليست بأهمية شهادة
الآب. وفي النهاية، جاء "كثيرون" إلى يسوع وآمنوا به لأنهم عرفوا صدق شهادة يوحنا
لصالحه: "... ما عمل يوحنا آيةً واحدة، ولكن ما قال في هذا الرجل كان كلّه صحيحًا"
(10: 40-42).
إن مهمّة يوحنا المعمدان هي، بنظر الإنجيلي، أن يكون شاهدًا. ولقد أرسله الله من
أجل هذه الرسالة. ومحتوى شهادته هو أن يدلّ الناس على المسيح ويجعلهم يتبعونه
ويؤمنون به.
ب- شهادة الآيات
بعد شهادة (المعمدان) وشهادة التلاميذ الأوائل، يقدّم لنا الإنجيلي شهادة آيات
يسوع، ابتداء من آية قانا. إن كلمة "آية" ذات قيمة كبيرة في التقليد اليوحناوي.
نجدها 17 مرّة في الإنجيل. يفضّل يوحنا كلمة "آية" على الكلمات الأخرى التي
استعملها الإزائيون والتي تعيّر عن أعمال يسوع، مثل: خوارق أو أعاجيب أو معجزات.
اختار الإنجيلي بعض الآيات التي حصلت على مرأى تلاميذ يسوع، كما ذكر في نهاية
إنجيله (20: 30، 31)، وهذه الآيات كانت منشّطة للإيمان. والاختيار الذي قام به
الإنجيلي للآيات، يدلّ على أنه ينقل معناها البارز الذي يلقي الضوء على سرّ يسوع.
وهذه الآيات، في الواقع، تسهم في إظهار هوية يسوع، وتثبّت التلاميذ وكل الذين
تبعوه، وآمنو به كمسيح، وكابن الله. يعرف يوحنا أن الآيات ليست ذات تأثير تلقائي في
غير المؤمنين، أما المؤمنون فينتقلون منها، ليكتشفوا هوّية يسوع الحقيقية.
نقدّم فيما يلي أعمال يسوع التي أشار إليهل الإنجيل حصرًا "كآيات".
أولاً- الآية الأولى في قانا
إن آية قانا هي الأولى، بحسب الترتيب الزمني. ومن الواضح أن قصة عرس قانا آية تهدف
إلى إظهار مجد يسوع: "فأظهر مجده، فآمن به تلاميذه" (2: 11). ينكشف مجد يسوع بواسطة
عملٍ من أعماله.
يتذكّر القارىء المتيقّظ أن هذا المجد ذو علاقة بالبنوّة الإلهية: "... فرأينا
مجده، مجدًا يفيض بالنعمة والحق، ناله من الآب، كابنٍ له واحد" (1: 14). فتحت هذه
الآية أعين التلاميذ على حضور الله في يسوع، وأعلنت أن الميثاق القديم القائم على
الشريعة قد استعيض عنه بميثاق جديد مبنيّ على الحب. ترمز هذه الآية الأولى إذًا إلى
الإنجاز الحاسم الذي قام به يسوع، وهو ميثاق الله مع شعبه.
ثانيًا- شفاء ابن موظف الملك وشفاء مقعد
آية شفاء ابن موظف الملك (46:4-54) وآية شفاء المقعد عند بركة باب الغنم (5: 1-9)
تحملانا على التأمل في كلمة يسوع القادرة على إعطاء الحياة الجديدة. فالولد كان قد
أشرف على الموت (4: 47). وبعد أن استمع يسوع لموظف الملك أعلن وقال: "اذهب، إن ابنك
حي" (4: 50). بالنسبة للإنجيلي، حققّت كلمة يسوع انتصارًا على الموت. وهذه الآية
ترمز إلى أن يسوع جاء يعطي الحياة الجديدة للإنسان. ولا ننسى أن موظف الملك آمن هو
وأهل بيته (53:4). والقارىء المتنبّه يتذكر ما قاله يسوع: "من آمن بالابن فله
الحياة الأبدية" (3: 36). وكذلك فالمقعد الذي شفاه يسوع قد استعاد حياته بعد ثمان
وثلاثين سنة قضاها في المرض. والجدل الذي يلي هذه الآية يؤكّد هذه الفكرة. ولكي
يبرّر يسوع عمله يوم السبت، شبّه عمله بعمل الله المتواصل الذي يرافق الخليقة
بعنايته ويبقيها في الحياة (راجع 5: 17)، وهذا يضع يسوع على مستوى الله ذاته، الأمر
الذي اغضب اليهود وجعلهم يتآمرون لقتله (5: 18).
ثالثًا- تكثير الخبز
يتضمن الفصل 6 أربعة أحداث: آية تكثير الخبز (6: 1-15)؛ السير فوق مياه البحر (6:
16- 21)؛ لقاء يسوع مجددًا مع الجموع وخطبته عن خبز الحياة (6: 22-65)، ثم اعتراف
بطرس (6: 66- 71).
إن آية تكثير الخبز والسمك (6: 1-15) لم تترك الناس غير مبالين: لقد رأوا في يسوع
"النبي الآتي إلى العالم"، وبدأوا يستعدّون لاختطافه وجعله ملكًا (6: 14-15). لم
يتمكّنوا من فهم المعنى الحقيقي لهذه الآية التي تشهد أن يسوع هو الخبز النازل من
السماء ليعطي الحياة للعالم. إذن، فهو المسيح إذًا. وبالتالي، لم يتّضح معنى هذه
الآية إلاّ مع ما أوحت به الخطبة (6: 33- 65).
إن عطية الخبز جاءت موازية لعطية الخمر في قانا. ويذكّر خبز الحياة، الذي أعلن عنه
الخطاب، بالماء الحي الذي وعدت به السامرية. الخمر، والماء والخبز، رموز يوحناوية
تكمل بعضها بعضًا، لتعني بطريقتها، الحياة التي يعطيها يسوع للمؤمن.
إن السير فوق البحر (6: 16- 21) يوضح معنى آية تكثير الخبز. ففي وسط هذا المقطع،
نجد ما أعلنه يسوع في آ 20: "أنا هو". هذا التعبير كان يطبّق على الله وحده في
العهد القديم، ويدل هنا على أن الله حاضر في يسوع، ويشهد بالتالي لمصدر يسوع
الإلهي، الخبز الآتي من السماء، ويقوّي إيمان المسيحيين المتزعزع لأنهم ظنوا أنهم
متروكون: "لا تخافوا". إن سير يسوع فوق البحر، هو من الناحية البيبلية تجلّ
لألوهيته التي يمكن أن يعنيها الإنجيلي ضمنًا في القول: "أنا هو".
وأخيرًا يلخّص اعتراف بطرس (6: 66- 71) الوحدة الأدبية للفصل 6؛ يتناقض إيمانه مع
رفض الأكثرية التي تخلّت عن يسوع وانقطعت عن مصاحبته (66:6). يوضح سمعان بطرس
مقوّمات الإيمان الحقيقي: ليس بمعرفة غامضة، بل بعلاقة وجودية كالعلاقة التي تجمع
الراعي الصالح بخرافه (10: 14- 15).
رابعًا- يسوع يفتح عيني أعمى منذ الولادة
إن آية شفاء الأعمى منذ الولادة، تُسهم في إظهار يسوع "نور العالم". في هذه القصة،
اقتيد الأعمى الذي شُفي، ليشهد بما جرى له على يد يسوع، رغم إمكانية تعرضه للإهانة
والاضطهاد. تدريجًا، وبشكل موازٍ لقساوة قلوب اليهود، نقل الأعمى الذي أبصر،
الوقائع أولاً، ثم استخلص منها ما يتعلّق بفاعلها. وبينما دخل هذا الإنسان البسيط
في الإيمان، وأصبح يعيش في النور، صار أخصام يسوع "عميانًا"، وظلّت "خطيئتهم باقية"
(9: 41).
خامسًا- يسوع يقيم لعازر من الموت
يخبر الفصل 11، كيف أقام يسوع لعازر من الموت بعد دفنه بأربعة أيام، وفعل بذلك آية
هي شهادة لأخصّائه من جهة، وإرباكًا لأخصامه من جهة ثانية. فمريم ومرتا وتلاميذ
يسوع جميعهم شهود على هذه الآية (7:11 و15-16) وكذلك الحال بالنسبة لجيران عديدين
من اليهود الذين رافقوا مريم إلى المكان الذي دفن ففيه لعازر، وحتى الفريسيّون
الذين أخبرهم أحد اليهود الذي كان حاضرًا بحصول الآية، لم ينفوا الحدث، حدث
القيامة، بل لاحظوا أن "هذا الإنسان يأتي بآيات كثيرة"، ولذلك قرّروا التخلص منه
(11: 47- 54).
تشهد هذه الآية المسيحانية ليسوع وسلطته على الحياة والموت، تمامًا كما الله. هذه
الآية هي الأخيرة قبل أن "تأتي ساعة" يسوع، وهي تُبرز مجد الله وتمجيد الابن الوحيد
(11: 4 و40). إذا كانت كل قصص الآيات تظهر هذا الوجه أو ذاك من أوجه الخلاص الذي
يقدمه يسوع للمؤمنين، فإن قصة لعازر تلامس صميم الإيمان، بأنها تبيِّن الانتصار على
الموت، العدوّ الأكبر للإنسان. لا تعرض هذه الآية على القارىء الإيمان بيسوع كصانع
معجزات خارقة، بل الإيمان بالمسيح الذي هو بالنسبة للبشر كلهم "القيامة والحياة".
سادسًا: قيامة يسوع
القيامة أكثر من مجرّد آية. فإن حدث القيامة يلقي الضوء على كل الآيات والأعمال
التي قام بها يسوع. رسّخت القيامة إيمان الرسل والمؤمنين، لأنها شهدت لمسيحانية
يسوع، وبنوّته الإلهية وصدقيّة كلمته. وبالواقع، فإن يسوع أعلن، خلال حياته
الأرضية، أن ابن البشر عليه أن يتألم، ويموت ويقوم في اليوم الثالث. إن القيامة
تتمّم البشارة وتؤكد بذلك أقوال يسوع: "فلما قام من بين الأموات، تذكّر تلاميذه هذا
الكلام، فآمنوا بالكتاب، والكلام الذي قاله يسوع" (2: 22). إذًا بدت القيامة كإنجاز
لمهمة يسوع في العالم، فإنها تفتتح أيضًا تاريخًا آخر، هو تاريخ الكنيسة، أي تاريخ
"التلاميذ- الشهود" بعد الفصح.
ج- شهادة الأعمال
يعدّد يسوع، من بين الشهادات التي تؤيّد كلامه، شهادة الأعمال التي أعطاه إياها
الآب أن يعملها (راجع 5: 36). إن الأعمال، مثلها مثل الآيات، تُسهم في إظهار هوية
يسوع. إن كلمة ergon "عمل" ترد 27 مرّة في الإنجيل الرابع، كما يرد الفعل ergazomai
"عمل" 8 مرات. ويوجد فرق بين الكلمة المفردة "عمل" (6 مرّات)، وبين الجمع "أعمال"
(12 مرّة).
ففي صيغة المفرد يهتم يسوع بالعمل بمشيئة من أرسله، وإتمام عمله (4: 34؛ 17: 4). إن
إتمام مشّيئة الآب هو إنجاز المخطّط الخلاصي بكل اتّساعه (راجع 3: 16-17). يستعمل
الإنجيلي كلمة "عمل" مع الفعل "أتمّ" الذي يدل على إنجاز العمل. سعى يسوع لإتمام
هذا العمل طيلة حياته الأرضية؛ وأنجز ذلك نهائيًا على الصليب: "تمّ كلّ شيء!" (19:
30).
أما "الأعمال" بصيغة الجمع، فتدل على ما قام به يسوع لصالح الإنسان، مثل شفاء
المقعد قرب بركة سلوام (5: 1-9). وهذه الأعمال التي أعطاه إياها الآب (5: 17 و36؛
10: 14) تشهد على المصدر الإلهي ليسوع. إنها أعمال صالحة (10: 32 و33) خلافًا
لأعمال العالم السيِّئة (7: 7).
ومن جهة أخرى إن الاتحاد بيسوع إيمانيًا سيسمح للتلاميذ بإنجاز أعمال تشبه أعماله،
وحتى أعظم منها (14: 12).
د- شهادة الآب
ترتبط كل الشهادات، في النهاية، بشهادة الآب. فكل الشهود الآخرين لا يفعلون سوى نقل
شهادة الله إلى البشر. إن هذه الشهادة الالهية، التي يعبّر عنها شهود متنوّعون،
والتي تبرز بكاملها في شهادة يسوع، تعطي لشخص يسوع كلّ سلطته، وتؤكدّه كمسيح، أمام
العالم.
هـ- شهادة المسيح
إن الشاهد الأهم والمثالي، في إنجيل يوحنا، هو المسيح. وشهادته هي الأهم، لأنه هو
من يحمل إلى العالم الوحي النهائي، أي الحقيقة. إن التسليم المطلق للآب يشكّل
الضمانة العظمى لرسالة يسوع. شهود كثيرون شهدوا ليسوع، وهو أيضًا يشهد لنفسه (5:
31؛ 13:8 و14 و18). وهذه الشهادة اعتبرها أخصامه نقطة ضعف عنده، من جهة الشريعة.
وبالعكس، اعتبر يسوع شهادته لنفسه مبرّرةً بكونه يعرف "من أين أتى والى أين هو
ذاهب" (8: 14). وكذلك لأنه مدعوم بشهادة الآب والروح القدس، وكل الشهود الآخرين
(18:8-19).
إن المسيح الآتي من السماء، يشهد بما رأى (32:3). وفي حالته هو، العلاقة بين الرؤية
والشهادة أصلية ومميّزة. فوضعه مختلف عن وضع الشهود البشريين. لأن هؤلاء يشهدون
بخصوص الأحداث والوقائع التي يعتبرونها آيات، والتي تفتح أمامهم منفذًا إلى واقع
مخبأ في صميم الإيمان. أما يسوع فيشهد انطلاقًا من واقع مرئي منه وحده: "ما من أحد
رأى الله. الإبن الأوحد الذي في حضن الآب، هو الذي أخبر عنه" (1: 18) وأيضًا "ليس
أنّ أحدًا رأى الآب إلاّ الذي هو من عند الله: هو الذي رأى الآب" (6: 46). بالنسبة
إليه، لا انفصال بين ما يراه وما يشهد به.
و- يسوع والآب
أن يشهد يسوع لذاته يؤدّي إلى كشف علاقته الفريدة والمميّزة مع الآب، ويجعل العالم
يعرف أنه ابن الآب، ومرسله الحقيقي ووحيه النهائي. إن الصلة بين الشهادة والوحي
تبلغ ذروتها في شهادة يسوع.
إن الشهادة إذًا بالنسبة للمسيح هي إظهار الآب وإعلانه. بالواقع، يتمحور اعتراف
يسوع أمام العالم، حول مصدره الإلهي ورسالته في العالم: إن يسوع هو الآتي من الآب،
وهو الذي يعلن الآب ويمهّد الطريق إلى الآب. الشهادة بالنسبة إلى المسيح، هي
الظهور، والتعريف بهويته، ومن أين أتى، وبعلاقته الفريدة مع الآب. إن شهادته تُخرج
حوارَه الحميم مع الآب إلى العلن، إلى العالم.
نشهد في إنجيل يوحنا تبادل شهادات تهدف إلى تغذية الإيمان: قدّم يسوع شهادة لصالح
الآب معلناً إياه للعالم، والآب قدّم شهادة للابن، مؤكدًا أنه مرسله الحقيقي. وكلّ
الشهادات، في الواقع، تجد لها مصدرًا في شهادة الآب.
استعان يسوع بشاهدين بشريين، مثل موسى ويوحنا المعمدان، ليكونا حجّة دامغة تجاه
أولئك المعتقدين بصدق تعاليم هذين الاثنين. ولكن هذه الشهادتين هما ذات محدودية
بالنسبة إلى شهادة الآب التي برزت للناس تحت ثلاثة مظاهر: الكتب المقدسة، أعمال
يسوع وعمل الروح.
1- إن الكتب المقدسة الموحى بها من الله، هي ينبوع حياة لأنها تنقل كلمة الله. وهذه
الكتب تتضمّن حدث الخلاص الذي يتحقق بيسوع المسيح. وهي تشهد لمن يدرك رسالتها أن
الابن كان حاضرًا في الوحي القديم.
2- إن الأعمال هي أعمال الله (3:9)، وقد أعطاها الآب للابن لكي ينجزها (5: 36).
3- روح الحق سيشهد ليسوع لدى عودته إلى الله. إنه يمثّل الصيغة المستقبليّة التي
ستكتسي بها شهادة الآب.
يرى يسوع كلمته وشهادته مثبتة من قبل الآب، ولكن الإنجيلي يقدّم لقرّاءه مسارًا
آخرًا أيضًا: بإتمام الكتب، شهد يسوع لأمانة الله وميثاقه ووعوده. وعندما صنع يسوع
"الآيات" ولجأ في كلماته وتصرفاته إلى عناصر رمزية (نور- ماء- نار في عيد المظال)،
وهذه العناصر تتصل بتصرّفات يهوه في العهد القديم وتذكّر بعطاياه الإسرائيل. وهذا
ما يشكّل استمرارية لتاريخ الخلاص، ويشهد مرة أخرى، لحقيقة كلمة الله إلى شعبه.
إن يسوع هو محور كل هذه الشهادات، وهو نفسه يلفت الانتباه نحو الآب. والإنجيل
بكامله، والشهادات المتنوعة الموجودة فيه، تدلنا على أن الشهادة اليوحناوية هي للآب
من خلال الابن. إن الحقيقة عن الله اللامنظور تتجلّى في وجه يسوع التاريخي وعبر
شهادته. دخل ابن الله في تاريخ البشرية ليوحي لها عن الآب ويوجّه خطانا نحوه.
ز- شهادة الروح
يشير يوحنا، مرات عدّة في إنجيله، إلى دور الروح القدس كشاهد. إن شهادته تتمحور حول
المسيح أساسًا. إن فيض الروح القدس يتحقق مباشرة على يد الابن فوق الصليب وبالقيامة
(19: 30؛ 20: 22)، إنه روح الحق الذي يشهد ليسوع (15: 26)، ولكنه يفعل ذلك مذكّرًا
بأقوال يسوع (14: 26)، أي بإفهام معناها الحقيقي ومفعولها بكامله. فإن الحقيقة التي
يوحي بها ليست سوى وحي الابن (15: 26)، أو وحي أقواله (16: 13- 15).
إن شهادة الروح القدس، كباقي الشهادات، متّصلة بما رأى وسمع وتلقّى من الابن
(13:16-15). الروح القدس يشهد أمام التلاميذ لمجد يسوع: "سيمجّدني، لأنه يأخذ
كلامي، ويقوله لكم" (16: 14).
إن الروح هو أيضًا "البارقليط" أو "المعزّي الآخر" (14: 16)، أي النصير، المحامي.
والتعبير مستعار من الوسط القانوني والقضائي. لا داعي للتذكير بأهمية هذا التعبير
في المحاكمة الكبرى التي يعرضها الإنجيل الرابع، والذي يصبح أساسيا في إطار صراع
التلاميذ مع "العالم". ففي الفصل 14، يدافع الروح القدس لصالح المسيح وتلاميذه في
العالم: "ومتى جاء وبّخ العالم على الخطيئة والبر والدينونة" (16: 8). يوحي الروح
القدس لأعين التلاميذ بخطيئة العالم. يجعل هذه الخطيئة بارزة. وهي عدم استقبال وحي
الله الآتي في شهادة يسوع المسيح (راجع 16: 9). وفي موضوع العدالة، يعلن الروح
القدس (في إطار المحاكمة) انتصار يسوع الذي سيحتلّ مكانه مجدّدًا بجوار الآب (راجع
16: 10). ويبشّر الروح القدس أيضًا بالدينونة ويشير إلى من هو الذي أدين بالفعل:
ظنّ العالم أنه دان يسوع إذ حكم عليه بالصلب، ولكن موت يسوع على الصليب هو في
الواقع إدانة صادرة بحقّ الشيطان "سيّد هذا العالم" (راجع 16: 11).
ح- شهادة التلاميذ
إن مهمة الروح القدس أيضًا هي إيصال التلاميذ إلى الحقيقة بواسطة الشهادة التي
يؤدّيها (16: 13). وهكذا نجد شهادة التلاميذ مرتبطة بعمل الروح القدس وشهادته.
فالروح هو الشاهد، الذي بحضوره في التلاميذ وفي الكنيسة، يوفّر للمؤمنين الإمكانية
والقوة للاعتراف بإيمانهم وللشهادة لصالح يسوع.
أولاً- شهادة التلاميذ الأوائل
المثل الأول عن شهادة التلاميذ نجده في الفصل الأول من الإنجيل الرابع، إن شهادة
المعمدان في بداية الإنجيل (32:1-36) سبّبت أحداثًا مترابطة ومتواصلة: أشار يوحنا
إلى المسيح بأنه "حمل الله"، فإذا تلميذان يتبعانه. أحد الاثنين هو اندراوس الذي
جاء بأخيه سمعان إلى يسوع. وفيلبس الذي التقى بيسوع، جاء بنتنائيل. وبالمناسبة نجد
شهادات عدّة تعطي ليسوع ألقابًا متنوعة: أندراوس أخبر سمعان: "وجدنا المسيّا، أي
المسيح" (1: 41)، وفيليبوس وصف المسيح قائلاً: "وجدنا الذي ذكره موسى في الشريعة،
والأنبياء في الكتب..." (45:1). وأعلن نتنائيل: "أنت يا معّلم ابن الله، أنت ملك
إسرائيل!" (49:1). ويتوّج هذا القسم بكلام يسوع، الذي أكمل سلسلة الألقاب
المسيحانية: "الحق أقول لكم: سترون السماء مفتوحًة، وملائكة الله صاعدين نازلين على
ابن الإنسان" (1: 51).
هكذا تأتي شهادة هؤلاء التلاميذ الأوائل، لتؤيّد شهادة يوحنا المعمدان حول مسيحانية
يسوع، وهذا الأمر يحافظ على منطق الشريعة التي تفرض، لقيام شهادة، تأكيد شاهدين أو
ثلاثة لها (تثنية 19: 15). أكّد هؤلاء الشهود أن يسوع هو المسيح، ابن الله، وملك
إسرائيل، الذي يكمّل كلّ الناموس والأنبياء.
إن تفسير هذه الشهادات يجب أن يأخذ بالاعتبار مختلف مستويات القراءة: إن الألقاب
المعطاة ليسوع تنمّ عن تأمل ناضج لدى الجماعة المؤمنة، المستنيرة بحدث القيامة،
والتي يرعاها الروح. يدخل الإنجيلي ثمار هذا الاختبار في النص، ويكمّل بذلك كل
معطيات التقليد المناسب لزمن يسوع.
ثانيًا- نقل الوحي
إن المسيح نفسه حدّد مهمة تلاميذه، بأنهم شهود، وذلك في خطبته الكبرى الأخيرة:
"وأنتم أيضًا ستشهدون، لأنكّم من البدء معي" (27:15). إن شهادتهم هامة جدًا، إذ
بواسطتها تنتقل كل الشهادات السابقة إلى الكنيسة. فالتلاميذ يمكنهم أن يكونوا
شهودًا صادقين لأنهم عاشوا مع يسوع منذ البداية. وعلى ضوء القيامة خاصة، اكتسبوا
فهمًا حقيقيًا لرسالة المسيح. وبالإضافة إلى ذلك، فإنهم مدعومون بشهادة الروح
البارقليط في داخلهم. لقد اكتسبوا اتصالاً شخصيًا وخبرة مميّزة مع يسوع، مما جعل
منهم شهودًا مميّزين لنقل الحقيقة التي سمعوها من فم المعلّم نفسه ورأوها في شخصه.
ليست الشهادة معدّة للتوقف بموت آخر تلميذ، لأن موضوعها الحقيقي هو على مستوى
الإيمان، ويفوق اختبار الحواس. ومن جهة أخرى فإن روح الحق يدعم كل المؤمنين ويدفعهم
لينقلوا إلى إخوتهم هذه الشهادة على كل ما جعلتهم نظرتهم الإيمانية يكتشفونه في
يسوع.
ط- تنوعّ الشهود ووحدة الشهادة
إن هذا التنوّع في الشهود لا يؤذي وحدة الشهادات في شيء، لأننا نجد في إنجيل يوحنا
مصدرًا واحدًا للشهادة وموضوعًا واحدًا لها. وكلّ هذه الشهادات ترجع، بطريقة ما،
إلى شهادة الآب لصالح يسوع وتهدف إلى إظهار المسيح في العالم، بتأكيد مسيحانيته
وبنوّته الإلهية. المقصود دائمًا شهادة الآب، والشهادة لصالح ابن الله. ويتم
التعبير عنها بطرق عدّة، وتتحقق في التاريخ بشهادات متنوعة، من العهد القديم إلى
الجماعة المسيحية.
يبدأ الإنجيل بشهادة يوحنا المعمدان. ويؤكد الآب أقوال يسوع بإعطائه آيات وأعمالاً
حسنة يحققها فتشهد لصالح مصدره ورسالته. والكتب أيضًا، تسهم بشهادتها في إعلان مجيء
المسيح. فحالة شهادة يسوع لنفسه وللآب هي حالة خاصة. فهو من جهة يشهد لهذه العلاقة
الوحيدة والمميّزة مع الآب. ومن جهة أخرى، يظهر وجه الله الحقيقي للعالم، ويؤكد
إخلاصه لوعوده. أضاء المسيح بقيامته كل الشهادات المعطاة، وأعطى للتلاميذ القوة
اللازمة ليصيروا رسله وشهوده المخلصين في العالم. ثم إن رسالة التلاميذ مدعومة
بشهادة البارقليط، روح الحق، في داخلهم.
في تصوّر الإنجيل الرابع، تجد الشهادة كمالها في شهادة المسيح عن الآب التي تتواصل
بدورها بشهادة الروح. وفي ذلك يكمن البعد الثالوثي للشهادة. وفي الوقت نفسه تكون
هذه الوحدة في مصدر الشهادة وموضوعها ضمانة لوحدة الوحي.
آفاق
أ- الشهادة والإيمان
إن الشهادة تدل على مهمّة يسوع الموحية، وموضوع الشهادة هو المسيح نفسه، في سرّه
الشخصي كابن الله. لهذا السبب يوجد الإيمان في صميم الشهادة، وهو من أهمّ أهدافها.
الوحي هو عطية الله للبشر، بواسطة شهادة ابنه. ولكن هذه العطية لا تُفرض فرضًا، مع
أن قبولها يتيح للإنسان أن يستفيد من الوحي الذي أتمّه يسوع؛ فالوصول إلى الآب يتمّ
من خلال الابن وحده. وأخصام يسوع لا يستطيعون معرفة الله معرفة حقيقية، لأنهم
يرفضون القبول به كابن.
الإيمان هو قبول كلمة يسوع وشهادته. وهذا الأمر يتطلّب انفتاحًا لدى الإنسان،
ليتمكن الخلاص الذي جاء به يسوع من الوصول إليه. ولكن بعد الانضمام إلى يسوع، ينبغي
أن يستمر المؤمن مع يسوع ويحبه بأمانة. وعليه أن يصبح بدوره شاهدًا يقترح على
العالم اعتناق الحقيقة والخلاص.
ب- الشهادة واللاهوت
بعد نهاية القرن الأول حصل تبدّل جذري. فلم يعد هناك شهود مباشرون، وبالتالي لم يعد
بإمكان أي مسيحيّ أن يتمتّع باختبار تاريخي مباشر عن يسوع المسيح. ولم يعد بمقدور
المؤمنين أن يكتفوا بالعودة إلى شهادة الذين "رأوا وسمعوا ولمسوا يسوع" (راجع 1 يو
1: 1). ولهذا السبب اضطروا إلى حمل الكلمة، وجعل أنفسهم شهودًا، ليثبتوا للعالم
صدقيّة الاختيار الذي يعيشونه (راجع 1 بط 3: 15). نكتشف هكذا عدم إمكانية الوقوف
عند مجرّد تكرار ما وصل إلينا.
ثمّ بدأت الكنيسة تعبر تدريجيًا من مرحلة الإعلان، ومن التبشير الصرف، إلى مرحلة
التأمّل بمحتوى إيمانها وتقديم الحجج والبراهين. وهكذا نعبر إلى محاولات جديدة
للتعبير عن الإيمان، وإلى عصر جديد من الشهادة المسيحية.
بما أن أول من تصدّوا للمسيح كانوا من اليهود، فإن أول أشكال اللاهوت المسيحي أخذ
حججه وبراهينه من نبوءات العهد القديم. ومع انتشار المسيحية الناشئة، وتحت تأثير
الثقافة الهلّينية، لم يعد مصدر الحجج والبراهين محصورًا بالعهد القديم، بل تحوّل
إلى الفلسفة.
ولكن مع كلّ هذه التطورات، فإن شهادة الإنجيل الأصلية تبقى أساسية لكل تأمل
لاهوتي... هي تقدّم للفكر المسيحي مضمونًا لينطلق منه. يوجد في شهادة يسوع وفى
بشارة شهوده الذين "سمعوا" و"رأوا" وحيًا مباشرًا يشكّل نقطة انطلاق للتأمل
اللاهوتي. إن لاهوتًا بدون شهادة محكوم عليه بأن يصبح خطابًا لا بداية له ولا
نهاية.
ج- الشهود الحاليّون
تجد المسيحية مصدرها في شهادة يسوع، وفي وحيه الذاتي، وفي شهادة الرسل الذين
استناروا بحدث القيامة وبفعل الروح في داخلهم. والكنيسة تسعى باستمرار إلى تأوين
الشهادة التي تسلّمتها بأمانة وصدق.
إن مسار شهادة الإنسان هو امتداد لشهادة المسيح، وتأوينها بدون انقطاع بشكل يتماشى
مع شهادة يسوع، وبطريقة تواصل نشر الشهادة الأولى، عبر الزمان والمكان، في تاريخ
البشر كلّه.
وشهود اليوم، كشهود الإنجيل، هم في نزاع دائم مع "العالم". إن شهادتهم تسجّل في
خانة قضية إله يسوع المسيح، ضدّ الآلهة الكذبة في هذا العصر. إن الصراع بين النور
والظلمة لم ينته بعد، ولكنه موضوع في إطار جديد وبمعطيات تاريخية وجغرافية وثقافية
جديدة.
يجب أن يحاول الشاهد الحالي إعطاء هذا الزخم للكلمة الإنجيلية، وذلك بالتزام صادق
يتجسّد في شهادة حية، ليصير علامة مربيّة على حب الله بيسوع المسيح. على مثال
الشاهد الأعظم يسوع، يُدعى كلٌّ مؤمن لإتمام الرسالة، رسالة إظهار الآب للبشر، بحيث
تكون للبشر الحياة عبر وحي الابن (راجع 20: 31).
د- الشاهد والشهيد
في القرن الثاني، صارت التعابير "شهد" و"شهادة" تطبّق أكثر فأكثر على العذابات
المؤدية إلى الموت، والتي قاساها المؤمنون لأجل إيمانهم، وقد عُرف هؤلاء المؤمنون
باسم "شهداء". يقاسي "الشهيد" (martus) العذاب ويموًت، لأنه كان، بكلمته وحياته،
"شاهدًا" (في اليونانية تبقى الكلمة نفسها martus) ومؤمنًا بالمسيح.
إن مفهوم يوحنا للشهادة لا يتضمّن بوضوح شهادة الدم، ولكن العبور من المعنى الأول
إلى المعنى الجديد أمر طبيعي، لأن الحقيقة الثابتة في الشهادة المسيحية، هي حقيقة
الموت للفداء. إن "الشاهد- الشهيد" يشهد لانتصار المسيح بالموت، قد غلب الموت
بالموت، وكانت له الحياة التي لا تزول.
كان الرسل في الأساس شهودًا للمسيح القائم من الموت (راجع لو 24: 48؛ أع 1: 8 و22)،
وحملوا هذه الشهادة أمام "كلّ شعوب الأرض" (أع 3: 25)، رغم منع المجمع ورؤساء
اليهود لهم بالضرب والعصي (أع 4: 19؛ 5: 32 و40). واسطفانوس بدوره، أكّد حدث
القيامة، ولهذا السبب رجموه (أع 7: 55-58). وقد ذكّر بولس بموقفه من رجم اسطفانوس
فقال "وإني كنت حاضرًا عندما سفك الشعب دم اسطفانوس شهيدك..." (أع 22: 20). نرى كيف
تطوَّر معنى هذه الكلمة فصار "الشاهد" "شهيدًا".
يشير سفر الرؤيا إلى هذه الفكرة عندما يقول إن تلاميذ المسيح انتصروا على متّهمهم
(الشيطان) "وغلبوه بدم الحمل وبشهادتهم له، وما أحبّوا حياتهم حتى في وجه الموت"
(رؤ 12: 11).
وفي أدب ما بعد الرسل نجد الكلمات "شهود"، "شهادات" و"شهد" 12 مرة في رسالة
اكليمنضوس الروماني الذي يتحدّث فيها عن "الشهادة" (marturia) التي قام بها بطرس
وبولس في روما "حتى الموت" (راجع رسالته إلى أهل روما 5: 1-7). المقصود هنا
بالتأكيد هو الشهادة القصوى، شهادة الدم. ثمّ ظهرت هذه الكلمة في "استشهاد
بوليكاربوس" بمعناها المجرد أي "الشهيد" (martus): "نكتب لكم، أيها الإخوة، بخصوص
الشهداء، وخاصة الطوباوي بوليكاربوس، الذي، باستشهاده، أقفل باب الاضطهاد وجعله
يتوقف" (1: 1). وهكذا أعطي لبوليكاربوس "بأن يكون أهلاً باحتلال مقامه في عداد
الشهداء".
صارت كلمة "الشاهد- الشهيد" (martus) عبارة كلاسيكية من التقليد المسيحي. "فالشهيد"
هو المسيحيّ الذي يشهد علنًا بإيمانه بالله الواحد وبألوهية يسوع المسيح، ويؤدّي
هذه الشهادة حتى الموت. يجمع الشهداء الكنيسة، بطريقة مميزة جدًا، بالمسيح،
وبشهادته المميزة التي أعطاها بآلامه وموته على الصليب. وإذ يشارك الشهيد بموت
المسيح، فإنّه يشاركه في حياته، فتصبح "شهادته" آية للإنسان ودعوة للإيمان بيسوع
المسيح.
الفصل الرابع عشر
"والكلمة صار بشرًا..."
1: 1-14
الأب سمير بشاره اليسوعي
مقدمة
يقول بعضهم إنّ مقدمة إنجيل يوحنا ليست إفتتاحيّة أو مقدمة، بل هي الإنجيل بالذات،
في رؤية شاملة عميقة تيشّر بالأفكار الرئيسية التي سيتناولها الإنجيل وتكشف هكذا،
منذ البدء، عن جوهر لاهوت المسيح...
لقد وضع هذا النص، الملقّب "بالمقدمة"، على مرحلتين: في الأولى، دوّن نشيد أصلي
لتمجيد المسيح بصفته كلمة الله (الآيات 1-5؛ 9-14)؛ وفي الثانية، تمّ توسيع يبدو
أنّ الإنجيلي أدخله فيما بعد، يوضّح من جهة، في الآيات 6-9، أنّ يوحنا ليس المسيح
المنتظر؛ ويوضح من جهة أخرى، في الآيات 16- 18، علاقة الابن بالآب كما ورد مفهومها
في الآية 14.
ستقتصر دراستنا على النشيد الأصلي، أي على الآيات 1-5، 9-14.
لنسمع إولاً هذا النشيد الذي شبّهه أحد المفسرين باستهلاليّة موسيقيّة أو
سيمفونيّة...
يوحنا 1: 1-14
1 في البدء كان الكلمة
والكلمة كان لدى الله
والكلمة كان الله.
2 كان في البدء لدى الله.
3 به كان كل شيء
وبدونه ما كان شيء مما كان.
4 فيه كانت الحياة
والحياة كان نور الناس
5 والنور يشرق في الظلمات
ولم تدركه الظلمات....
9 كان النور الحق الآتي إلى العالم.
10 كان في العالم
وبه كان العالم
والعالم لم يعرفه.
11 جاء إلى ذويه وذووه ما قبلوه
12 أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه
فقد أعطاهم سلطة أن يصيروا أولاد الله
13 هم الذين لا من دماء ولا من رغبة بشر (لحم)
ولا من رغبة رجل بل من الله ولدوا
14 والكلمة صار بشرًا (لحمًا)
فسكن بيننا
فرأينا مجده
مجدًا من لدن الآب لمولود وحيد
ملؤه النعمة والحق.
أ- تحليل أدبي
1- المحيط الإلهي والمحيط الإنساني
يتضمن هذا النشيد احتواء (Inclusion) أو "فاتحة وخاتمة"، يبرز في تكرار المصطلح
Logos- الكلمة (4 مرات)، محددًا هكذا ما نسمّيه وحدة النص: فتتمحور هذه الوحدة حول
"الكلمة الكائن ومصيره":
كان الكلمة... والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله (آ 10)
والكلمة صار بشرًا (آ 14)
نلاحظ في هاتين الآيتين توزايًا بالتناقض:
كان الله
الكلمة
صار بشر
يعكس هذا التوازي، نوعًا ما، وجه "الثنائيّة" الواردة في عمليّة التجسّد: الله/
بشر. في إطار هذه "الثنائيّة"، يتضمّن النشيد سلسلة من المصطلحات أو المصادر
المعيّنة التي تدلّ على تشابك عالمين أو محيطين مميّزين: المحيط الإلهي أو السماوي،
من جهة، والمحيط الإنسانيّ أو البشري، من جهة أخرى.
فيما يختص بالمحيط الإلهي. تبرز المصادر التالية:
الكلمة (1)- الله (1، 2، 12، 13)
الحياة (4)- النور (4، 5، 9)
المجد (14)- النعمة (14)
الحق (14)
وفيما يختص بالمحيط الإنساني، تبرز المصادر التالية:
الظلمة (5)- الإنسان (4- 9)
العالم (9- 10)- الدماء (13)
البشر (13)- الرجل (13)
إنّ عدد المصادر التي تعرّف على المحيط الإلهي هو سبعة (رقم الكمال...)، بينما عدد
المصادر التي تعرّف على المحيط البشري هو "ستة" (إنّ العدد 6، عند يوحنا، يرمز إلى
حالة نقص أو عجز): قد يدلّ هذا الترقيم، من جهة، إلى وجه السموّ والكمال الذي يتّسم
به المحيط الإلهي، ومن جهة أخرى، إلى وجه الخلل والنقص الذي يميّز المحيط البشري.
2- هويّة الابن
"فرأينا مجده، مجدًا من لدى الآب لمولود وحيد..." (آ 14).
إنّ المصادر السبعة المذكورة أعلاه في المحيط الإلهي، تعرّف بصورة مباشرة عن هويّة
الابن المتجسّد، إذ هي مرتبطة به رباطا وثيقًا:
يرافق معظم هذه المصادر فعل واحد يتكرّر عدّة مرّات خلال الآيات 1- 10، هو فعل
"كان" (ην):
كان الكلمة (1)؛ كان لدى الله (1)؛ كان الله (1)؛ كان في البدء (2)؛
كان نور الناس (4)؛ كان النور الحق (9)؛ كان في العالم (10).
يتكرّر فعل كان، نسبةً إلي الابن، 7 مرات: فيشدّد على كيان الابن الأزلي، الموجود
قبل إنشاء العالم؛ إنّه شخصيّة وشخص، لا فكرة تجريديّة. لا يتميّز في هذه الآيات
بأيّ دور ظاهر، إلاّ أنّه الكائن المطلق السائد في قلب الوحدة الإلهيّة.
3- كيفيّة التجسّد
تتميّز الآيات 11-14 باستخدام أربعة أفعال، نسبًة إلى الابن، تدلّ- بخلاف فعل "كان
"- إلى النشاط والحركة: جاء- أعطى أن يصيروا- صار- سكن.
وتتوازى هذه الأفعال، بشكل منطقي، داخل بنية هرميّة واضحة:
بنية الآيات 11-14
11 جاء-إلى ذوية وذووه ما قبلوه
12 أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه
فقد أعطاهم سلطة أن يصيروا أولاد الله.
13 هم الذين لا من دماء ولا من
رغبة بشر ولا من رغبة رجل
14 بل من الله ولدوا
والكلمة صار بشرًا
فسكن بيننا
فرأينا مجده...
تعبّر هذه البنية- بهرميّتها- عن ديناميّة التجسّد وهدفه: ويمكن إبرازها من خلال
الجدول التالي:
مجيء الكلمة
تألّه البشريّة
الخلق الجديد
تجسّد الألوهيّة
سكن الكلمة
معاينة مجد الله
يبرز السؤال التالي: لماذا التجسّد؟ وإلام يهدف؟
هل هو لحلّ النزاع القائم بين الألوهيّة والإنسانيّة؟ بين القدسي والدنيوي؟ هل هو
لتغلّب النور على الظلمة؟ وانتصار الخير على الشرّ؛ وفيض النعمة في إزالة الحطيئة؟
نتوقّف على أبعاد هذا التجسّد، إذ ينفرد يوحنا، في العهد الجديد كلّه، بذكر لاهوت
الكلمة وسرّ تجسّده.
ب- تفسير لاهوتي
والكلمة صار بشرًا
يشير التعبير "صار" إلى واقعيّة تدخّل الكلمة في التاريخ: تدخّل، أو حدث تاريخي
يدشّن كيانًا جديدًا للكلمة، ألا وهو أنّ الكلمة يصبح لحمًا أو بشرًا؛ وهذا لا يعني
رداء خارجيا أو تعبيرًا وهميًا لتدخّل الله في محيط مجرّد، بل إلتزام واضح واعتناق
طبيعة إنسانيّة معينّة. بدون التخفي عن كونه الكلمة.
تدلّ كلمة "لحم" هنا، إلى أن الكلمة اعتنق فعلاً الطبيعة البشريّة (لم يستعمل يوحنا
مثلاً كلمة "إنسان"/ anthropos). يصبح لحمًا، أو "يتلحّم"، إذا صحّ التعبير، وهذا
يعني تحمّل وضع الإنسانيّة بكاملها، مع ضعفها، وزوالها، وحدودها: يعني أن يولد،
وينمو، ويموت، ويشارك في جميع مراحل الحياة البشريّة، في إطار تاريخ دنيوي محدود،
لا بل خاضع لجميع النزاعات الناتجة عنه.
الفعل اليوناني، ‹eskenosen›››- سكن، يعبّر جيدًا عن هذا التجسّد أو هذا "التوطين"
البشري. "وسكن بيننا...".
يذكّر فعل "سكن" بالفعل العبراني "شكن"، الذي يوحي بحضور الله المتسامي في وسط
شعبه: يسكن الله في تابوت العهد في الصحراء (خر 22:15؛ 7:33- 11؛ اح 12:26)؛ ومن
ثمّ يسكن في الهيكل (1 مل 8: 10- 11)؛ والحكمة ذاتها تسكن في يعقوب (سي 24: 8)...
لا يعبّر هذا المصطلح عن إقامة عابرة سريعة. بل يدلّ فعل ‹eskenosen›››، مع مجيء
المسيح، عن مبيت الله الثابت والدائم، فيتوّج بتجسّده تاريخ حضور الله الفعّال في
وسط شعبه.
إنّ نتيجة هذا الحضور الإلهي، من خلال تجسّد الكلمة، له أثر مباشر في "الذين قبلوه،
والذين يؤمنون باسمه": ألا وهو معاينة مجد الله...
"فرأينا مجده..."
إنّ المجد- "كابود"- يرافق تاريخ حضور الله في العهد القديم، فيعبّر عن قداسة الله
وسموّه (اش 6: 1-4)، لا بل عن محبته ورحمته الأزليّتين (خر 16: 10؛ 24: 15؛ 18:33).
بعد عبور سيناء، يحيط المجد الهيكل، الذي يصبح المكان المميّز لتجلي مجد الله (حز
2:43)؛ ومع أنبياء الجلاء، يتّسم بطابع أخروي أو إسكاتولوجي حازم.
إنّ حضور الله وقداسته مرتبطان رباطًا وثيقًا بتجسّد الكلمة الذي يظهر مجد الله
بصورة محسوسة؛ فيتجلّى هذا المجد في عرس قانا الجليل، وفي قيامة لعازر...، حيث
يتمّم الابن مشيئة الآب، معلنًا بأعماله، مجد الله.
ومع أنّ حياة المسيح كلّها ستتسنّى بطابع المجد، فهناك وقت أو ساعة خاصة، يتبلور
فيها مجد الابن، ألا وهي ساعة الفصح: ساعة آلام وموت وقيامة المسيح (راجع صدى كلمة
"مجد/ تمجيد" في إنجيل يوحنا). بالتالي لا نستطيع أن نفصل سرّ التجسّد عن واقع
الفصح وطابعه الفادي.
في الختام
للتجسّد، منذ البدء، طابع الألم والتضحية، يعبّر عنه هذا النزاع الدائم والمستمرّ
بين الأسفل والأعلى، وبين المادة والروح،... كما يرويه يوحنا في نشيده للكلمة.
ألا يكشف هذا النزاع- من وراء حدود الإنسانيّة والضعف البشري- عن نزاع آخر؟ نزاع
ينبع من حضن الألوهيّة؟ إذ، في التجسّد، يغادر الابن "محيط الوحدة الثالوثيّة"،
فيفتتح زمنًا يتميّز، من الآن وصاعدًا، بحضور الله وغيابه (Présence-Absence de
Dieu): حضور وغياب ينبض في قلب البشريّة وفي قلب الله أيضًا...
الفصل الخامس عشر
علاقة الآب بالابن
ف 17
الأب ريمون هاشم الأنطوني
المقدّمة
سنحاول بالاعتماد على الطريقة التحليلية البلاغية لقراءة النصوص أن نقوم ولو بشكل
سريع بدراسة نص يوحنا 17: 1-26، لإبراز علاقة الآب بالابن والكشف عن امتداد هذه
العلاقة لإشراك التلاميذ والعالم بوحدة هذين الأقنومين.
لذلك سنبدأ بطرح موضوع "ساعة التمجيد" (17: 1- 5)، أي المقدّمة، وربطه بموضوع
"المجد والمحبّة"، أي الخاتمة، للعودة بعدها إلى "صُلب الموضوع" حيث سنركّز على
تمميم العهد الجديد بين الآب والعالم بواسطة الابن. وسنحاول في الخاتمة أن نقارن
الأبانا التي اختبرتها الكنيسة ونقلها إلينا متّى مع الأبانا الغائصة في يوحنا 17.
1- ساعة التمجيد (17: 1- 5)
سنأخذ كل آية على حدة محاولين إمّا النظر في التوزيع البلاغي لعناصرها وإمّا ربطها
بالآيات الأخرى.
ثلاثة أمور ملفتة للنظر في هذا المقطع:
* التوجّه بالكلام إلى الآب في الآية 1.
* فعل الأمر "مجّد" الذي استعمله في الآية 1ج والآية 5 ج ج، موضّح بكلمة "المجد" في
لآية 5.
* التشديد على الوقت بقوله "أتت الساعة" (آ 1 ب) و"الآن" (آ 5).
1- (أ) يا أبتِ
(ب) قد أتت الساعة
(ج) مجّد ابنك
حتّى يمجّدك ابنك
5- (ج ج) فمجّدني
(ب ب) الآن
(أ أ) عندك يا أبتِ
وهذا ما يشكل وحدة محورية مستقلة مؤلّفة من الآيات 1- 5
ومن الملاحظ هنا هو العودة لاستعمال فعل "مجّد" بعد (13: 31-32) والدخول بالمرحلة
الثانية من التمجيد.
ويرد هذا التمجيد في الآيات 1-5 للإشارة ولو بشكل غير مباشر إلى الأمور التالية:
الآلام والموت والقيامة. وكان الابن يُمجّد أيضًا أثناء تلاوة صلاته.
أما الآية 2 المتوازية مع الآية 4 لتكرار الفعل "أعطى" فهي تُظهر بالتحديد كيف أنّ
التمجيد الذي مُجّد به الابن والهبة التي وُهب إياها أي السلطان على جميع البشر
لهما هدف واحد وهو إعطاء البشر المؤمنين بواسطة الابن (يو 1: 41 و19: 10- 11)
القدوة على أن ينالوا الحياة الأبديّة.
تبرز الحياة الأبديّة في آ 3 ضمن نظاق التوزيع المتوازي التالي:
(أ) هي أن يعرفوك
(ب) أنت
(ج) الإله الحق وحدك
(أ أ) (ويعرفوا)
(ب ب) الذي أرسلته
(ج ج) يسوع المسيح
إنّ الفعل المضارع "ويعرفوا" (أأ) غير موجود في النص الأصلي بالرغم من وروده في
الطبعة اليسوعية. لذلك "فيعرفوك" تشير إلى "أنت" و"الذي أرسلته"
أما الضمير "أنت" فهو يخصّ بشكل محدّد الايمان اليهودي أي الاعتراف "بالإله الحقّ
وحده". وعبارة "الذي أرسلته" مرتبطة بجوهر الايمان بالمسيح أي الاعتراف بيسوع
المسيح.
والسؤال المطروح على الفصل بكامله هو التالي: كيف استطاع يسوع أن يُطلق على نفسه
صفة المسيح؟ لذلك لا نستطيع أن نفصل صلاة يسوع عن الايمان الذي كان يعترف به
المسيحيون حينها ويعلنونه. صلاة يسوع إذًا هي نفسها صلاة المصلّي الذي يؤمن به.
وتقدّم لنا الآية 4 الفعل "teleio"- تَمّمَ العمل بكامله" (قارن 4: 34 و5: 36).
بالإضافة إلى ارتباط هذا الفعل "بالساعة" (13: 1) و"بالهبة" و"بالتمجيد" (13:
31-32) فهو بلحمة ثابتة مع "المحبة" المذكورة في 13: 1. لذلك فبداية يوحنا 17 تشير
وبوضوح إلى بداية ونهاية الفصل 13. فطلب التمجيد يعود بنا في هذا الفصل (13) إلى
الماضي ومن خلال الماضي إلى البعد الماورائي أي إلى البدء الذي لا نهاية له وهو
القرب الدائم من الآب حيث مجد الابن موجود منذ الأزل. ويشير يو 13: 1 من خلال 17: 4
إلى يو 19: 28 حيث يُذكر الفعل "تمّم" للمرة الأخيرة كي يُعلن عن تتميم الكتب بموت
يسوع على الصليب. إذًا فيوحنا 17: 4 يربط بين مرحلتين:
1- المرحلة الأولى (البدء) أي الوقت الذي بدأ يتمّ فيه كمال المحبّة.
2- والمرحلة الثانية (تمام العمل) أي الوقت الذي تمّ فيه عمل المحبّة فعلاً، وذلك
عند موت الابن على الصليب.
وتوزعّ الآيات 1-5 بحسب الشكل المحوري التالي:
(أ) يا أبت الساعة مجّد
(ب) بما أوليته... على جميع البشر
ليهب "الحياة الأبدية" لجميع الذين...
(ج) الحياة الأبدية هي أن يعرفوك= أنت
= والذي أرسلته
(ب ب) الذي وكلت إليّ
(أأ) والآن فمجّدني عندك يا أبت.
تنطلق صلاة يسوع من الآب (1) لتعود في النهاية (5) لتشرك الابن: بحيث إنّ الاثنين
"أنا" و"أنت" متداخلان بشكل قوي. ويُشكّل هذا التداخل الهدف الذي من أجله كتبت
الآيات 2 و3 و4.
ولكن هذه "الأنا" الواردة في خاتمة المقطع الأول (آ 4) من الصلاة مرتبطة بالتلاميذ
المؤمنين الذين شكّلوا المرتكز الأساسي لتمجيد الابن الذي نجح بإشراكهم في عطية
الآب للابن. فالمجد الذي دخل فيه هؤلاء التلاميذ المؤمنون يساعد منذ الآن على تحديد
معنى الآب والابن الذي امتد إليهم فكَشف لهم عن معنى التمجيد، والحياة الأبديّة،
والمعرفة، والهبة، وتتميم العمل. وتتعلّق هذه الأعمال واقعيًا بالروح الذي أتى
الكاتب على ذكره في المقاطع الخمسة السابقة للفصل 17 والواردة في كلمة يسوع وعظته.
لا يمكننا إغلاق مفاهيم هذه النقاط الواردة أعلاه ضمن المقدّمة 1- 5، بل علينا
الإفادة أيضًا من الخاتمة 24-26 التي ستساعدنا على توضيح البنية التي ترتكز عليها
هذه الصلاة.
2- مجد ومحبّة (24:17-26)
تشكّل الآيات 20-23 بحدّ ذاتها وحدة أدبية مخصّصة لطلب وحدة التلاميذ المرتبطة
بحصولهم على مجد الابن؛ وتظهر هذه الوحدة من خلال البنية التي تشكّل توزيعًا
متوازيًا، ونلاحظ ضمن هذا التوازي محورًا (22 أ) يرتكز على كون الابن سيهبهم مجده
(قارن مع الجدول ب ب) مما يجعل من الآيات 20-23 مختلفة بموضوعها عن الآيات 24-26
التي تختم الصلاة بوضوح.
وتتوازى هذه الآيات 24-26 مع آيات المقدّمة بحسب تركيبتها الأدبية والمعنوية.
والدليل الأول على ذلك هو الاستعانة بكلمة "أبت" (آ 24) وهي مشابهة باثتمام لما ورد
في الآيات 1 و5. أما في الآية 11 فهي مرتبطة بصفة: "يا أبت القدّوس" ويلحقها الفعل
الأمر "احفظهم" المشابه للفعل "قدّسهم" (آ 17). وستساعدنا هذه التعابير على ما يبدو
لرؤية كيفية توزيع عناصر الصلاة بين 17: 1-5 و24:17-26، بحيث نستطيع ملاحظة صلة
الوصل بين الأطراف والتحضير لما سيرد في الآيات 20-23 عن الوحدة حيث ذكرٌ آخر لكلمة
"أبت" (21).
إنّ عبارة "لكل من أعطيته" الواردة بالمجهول تُوضَّح بالجمع المذكّر الذي يتبعها
والمشار إليه بـ "Kakeinoi" أي "هؤلاء" أو "الرجال الذين..." أو "الناس..."، "أن
يعرفوك".
"هؤلاء أيضًا" الذين ورد ذكرهم في الآية 2 يعاود يسوع ويشير إليهم بصلاته فيدخل
التلاميذ إلى المكان الذي سيدخل إليه الابن "أي بالقرب من الآب" آ 5 و24: "أريدهم
أن يكونوا معي".
آ 5 قبل أن يكون العالم بما كان لي... عندك
آ 24 قبل إنشاء العالم
أما توزيع الآية 24 فيكون على الشكل التالي:
(24 أ) أبت....................... ما وهبتني إياه
أريد حتى......................... حيث أكون، أنا
هؤلاء أيضًا يكونوا.......... معي
(24 ب) حتى يتمّموا..................... مجدي
ونلاحظ بأنّ كل هذه النقاط مرتبطة بسبب أساسي:
(24ج) لأنّك أحببتني
قبل إنشاء العالم
وتتوازى الآية 25 مع الآية 3 التي تتمحور حولها المقدّمة لتكرار الفعلين "عرف"
و"أرسل". يرتبط الفعل "عرف" في الآية 25 بأمور ثلاثة:
1- الإشارة السلبية: "إنّ العالم لم يعرفك" (بالجمع).
2- الإشارة الإيجابية: "أما أنا فقد عرفتك" (بالمفرد).
3- الإشارة الإيجابيّة المؤكّدة: "وعرف هؤلاء أنّك أنت أرسلتني" (بالجمع).
وتتوازى الآية 26 مع 24 لورود "أبت" (24 أ) "والاسم" (26 أ) ولورود "وهبتني" في 24
ب و"أحببتني" في 26 ب. أما 24ج و26ج ج فترتكز على الموقع بتوازيها مع بعضها البعض.
24 أ أبت، ما وهبته لي
أريد حتى في المكان الذي أنا فيه
يكون هؤلاء أيضًا معي
24 ب حتى يتأمّلوا المجد الذي وهبتني إياه
24ج لأنّك تحبّني
قبل إنشاء العالم
26 أ عرّفتهم باسمك
وسأعرّفهم به
26 ب لتكون فيهم المحبة التي أحببتني إياها
26ج وأكون أنا فيهم
توضّح لنا هذه البنية الأدبية مدى أهميّة العبارة الختاميّة لهذه الصلاة "وأكون أنا
فيهم" (26 ج). لقد صار المؤمنون المستفيدين الأوّلين من هذه الصلاة بحيث إنّهم
أصبحوا المكان الذي يعبّر فيه الآب عن حبّه للابن.
اكتمل هذا الحبّ فعلاً في التلاميذ بواسطة حضور الابن فيهم. وتوضّحت النقاط
الأساسية التي يُبنى عليها اللاهوت اليوحناوي:
أوّلاً، العهد الجديد: آ 24 الماضي (ما أنا عليه)، آ 25 الحاضر (هؤلاء عرفوا)، آ 26
المستقبل (عرّفتهم باسمك= البركة، وسأعرّفهم- المستقبل).
ثانيًا، اكتمال الكتب باكتمال العهد الجديد بكلام وبأعمال الوسيط الذي تمّم وساطته
لصالح كل البشر من خلال التلاميذ.
وسيعاود المصلّي ذكر الكتب وتتميمها في قلب الصلاة.
3- صلب الموضوع: (6:17-23)
تظهر وحدة هذه الآيات من خلال المعنى الذي يرتكز على ثلاثة معالم:
أ- الإطار القريب للنص
يعاود الفصل 17 الإفادة من الفصول 13-16. ونستطيع إثبات ذلك من خلال الخاتمة 17:
24-26 التي تلخّص الفصل 17 بشكل جدّ ذكي. واعتمدت هذه الطريقة في باقي الفصول
ابتداءً من يو 13 إلى يو 16 وحتى ابتداءً من مقدّمة الإنجيل.
ب- التركيبات البلاغية
باعتمادنا على كلمة "الآن" الواردة في الآيتين 7 و13 تُقسم الآيات 6-19 قسمين.
بالإضافة إلى النداءات الدعائيّة التي تفتتح الصلاة وهي تظهر في الأماكن التالية:
آ 9 إنّي لهم أدعو
وليس للعالم أدعو
آ 15 لا أسألك أن
بل أن
وتتوازى هذه المقدّمات التي تفتتح الصلاة مع طلبين موجّهين مباشرة إلى الآب بصيغة
الأمر:
آ 11 يا أبت القدّوس احفظهم
آ 17 قدّسهم
ويكتمل فعل الأمر "قدِّسهم" (آ 17) بصفة "الحقّ" الواردة في آ 17 وآ 19 لذلك تشكّل
الآيتين معًا نوعًا من تصالب.
آ 17 قدِّسهم بالحقّ
آ 19 ليكونوا هم أيضًا قدّيسين بالحقّ
ونعاود رؤية فاتحة صلاة أخرى في آ 20.
لا أدعو لهم وحدهم
بل أدعو أيضًا للذين يؤمنون بي عن كلامهم.
وتتطوّر الصلاة الموجّهة إلى الآب انطلاقًا من هذه الآية بشكل ملفت للنظر وهي تختلف
بمحتواها عن باقي المقاطع. بالمقابل لا ترد كلمة "الآن" هنا (20) خلافًا للآيتين 7
و13. وتلعب الآيات 6 و12 دور المقدّمات على كل قسم يبدأ بكلمة "الآن" (7 و13)
الزمنية.
بذلك نستطيع تقسيم الآيات 6-19 قسمين:
6- 11 12- 19
1- التذكير بالماضي (6) 1- التذكير بالماضي (12)
2- الآن (7-8) 2- الآن (13- 14)
3- صلاة افتتاحية (9- 11 أ) 3- صلاة افتتاحية (15-16)
موجّهة (للطلب) احفظهم (11 ب) موجّهة (للطلب): قدّسهم (17-19)
ج- العهد
بعد قراءتنا القريبة للنص نستطيع الإشارة هنا إلى بعض المعاني اللاهوتية الكتابية.
بالواقع إننا نواجه هنا نوعًا من إعادة قراءة للعهد المعتاد بهدف التذكير به.
1- "التذكير بالماضي" هو نوع من المقدّمة أ- أظهرت اسمك لهم (آ 6) ب - وهبتهم كلمتك
(آ 6) ج- لذلك استطعت حفظهم باسمك (آ 12).
2- والتاريخ المتعلّق بشكل عميق "بالحاضر" (الآن): فعلموا (آ 7) أني من عندك وآمنوا
(آ 8)، وبما أن الكلام الذي تلقوه جعلهم الآن مماثلين لي فصاروا غرباء عن العالم،
فها إنني آت إليك الآن (آ 13-14)= عودة الابن إلى الآب.
3- وصلاة فاتحة "للمستقبل" (تُفتتح بالبركات أو باللعنات عادةً): بعد أن تسلّمهم
طوال فترة وجوده على الأرض فها هو يعاود تسليمهم للآب من خلاله (آ 9-10) ليحفظهم
باسمه (آ 11) ويقدّسهم بالكلام الحق الذي تسلّموه من ابنه (آ 17) وبذلك يستعيد
الابن مجده (آ 10) ويربط الآب بالعالم بعهد جديد.
بعد أن أتمّ الابن رسالته التي طلبها منه الآب السماوي يعود ليطلب من أبيه أن يعيد
الأمور إلى نصابها فيستعيد هو مكانته أي مجده ويسلّم الآب ما كان له في الأصل منذ
البداية أي الانسان المؤمن.
وهذا التوزيع البلاغي للأوقات وربطها ببعضها البعض مرتين متتاليتين: أوّلاً 6- 11
وبعدها 12-19 لم يرد إلاّ للتذكير بالعهد.
بالواقع إذا ما اعتمدنا على مقدّمات صلاة يسوع من أجل "الذين هم له" نرى بأنها
تحتوي فعلاً (15-16 و17-19) على البركة (احفظهم، قدّسهم) لذلك تبقى فاتحة المستقبل
للخاتمة التي تتكلّم عن الوحدة التي تشكّل مستقبل العهد (20-23).
بعد أن أخذ التلاميذ الكلمة على عاتقهم صاروا واحدًا كما أنّ الابن واحد في الآب،
والكلمة وحّدت أيضًا فيما بينهم وبين الآب والابن.
تصبح الكلمة بذلك العامل الوحيد الذي يؤمّن التواصل بين البشر أنفسهم، وبين البشر
والآب والابن. نستنتج من كل ما ورد أنّ الكلمة أي الآب هو الوسيط الوحيد بين البشر
في ما بينهم، وبين البشر والآب. أمّا المراحل التي مرّت بها رسالة الابن فقد أدّت
إل النتائج التالية:
1- الآب 4- الابن 7- التلاميذ
2- الابن 5- الكلمة 8- الكلمة
3- العالم 6- التلاميذ 9- العالم
وكل ذلك كي يعلم العالم أن محبّة الآب له مشابهة لمحبّته للابن. فكل ما يعيشه الابن
سيعيشه كل من آمن به مُرسلٌ من لدن الآب وآمن بكلمته.
نستنتج ممّا ورد التوزيع البلاغي التالي للفصل بكامله:
17: 1-26
أ 1-5 أ أ 24-26
- تمجيد - محبّة
- معرفة - محبّة
- إرسال - إرسال
- تمجيد - محبّة
ب 20-23 ب ب 6- 11
- للذين يؤمنون بي عن كلامهم - حفظ الكلمة
- وأنا وهبتهم ما وهبتني من مجد - الكلام الذي وهبتنيه وهبتهم للاه
- المحبّة: واحدًا - احفظهم باسمك: واحدًا
ج 12-19
ج 12-19
- حفظتهم باسمك
- إنّي وهبُتهم كلمتك
- بل أن تحفظهم من الشرير
- الكلمة= الحقّ= قدّسهم.
الخاتمة
لا يسعنا في الخاتمة أن نتناسى موضوع الأبانا اليوحناوية التي تظهر جليّة في الفصل
17. لذلك سنحاول بقدر المستطاع أن نُبرزها ولو بشكل سريع بالمقارنة مع الأبانا التي
نقلها إلينا إنجيل متى واختبرتها الكنيسة:
نستنتج من هذه المقارنة التوازي القوي بين المقطعين من خلال الأفعال والتغييرات
الفعلية لبعض المراحل المعتادة في الأبانا.
يشمل هذا التوازي: أولاً؟: كون الصلاة موجّهة إلى الآب.
ثانيًا: تقديس الاسم.
ثالثًا: الإشارة الواضحة إلى الشرير.
بالنسبة لاستعمال الفعل "أعطى"، فالاختلافات كثيرة. أما في ما يخصّ "الملكوت" فقد
استعمل يوحنا بالمقابل عبارة أخرى تحمل المعنى نفسه ألا وهي "الحياة الأبديّة" (3:
15). بالإضافة إلى أنّ النداءات الدعائيّة التي تميّز علاقة الابن بالآب تتردّد في
الفصل بكامله. والعبارة المتّاوية المأخوذة عن الصلاة اليهودية: "أبانا الذي في
السماوات" لم تستعمل في يو 17 كما هي، ولكن الصلاة التي رفعها الابن لأبيه موجّهة
لتكون الصلاة البنويّة للتلاميذ. فالابن يصلّي للآب كما ولو كان يصلّي فينا، لذلك
فاستعمال عبارة "أبانا" تهدف إلى توسيع الدائرة وليس إلى حصرها.
يو 17: 1-26
(أ)
1 تكلّم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال
أيّها الآب قد أتت الساعة.
مجّد ابنك ليُمجِّدك ابنك أيضًا
2 إذ أعطيتَهُ سلطانًا على كلّ جسدٍ
ليُعطي
حيوةً أبدية لكل من اعطيتَهُ.
3 وهذه هي الحيوة الأبدية
أن يعرفوكَ
أنتَ الإله الحقيقيَّ وحدَك
يسوع المسيح الذي أرسلتَهُ.
4 أنا مجَّدتُكَ على الأرض
العملُ
الذي أعطيتَني لأعملَ قد أكملتُه.
5 والآن مجِّدني أنتَ
أيّها الآب عند ذاِتكَ
بالمجدِ الذي
كان لي عندَكَ قبل كوْنِ العالم.
(ب)
6 أنا أظهرتُ اسمكَ للناس
الذين أعطيتَني من العالم.
كانوا لك
وأعطيتُهم لي
وقد حفظوا كلامك.
7 والآن علِموا
أنّ كلَّ ما أعطيتَني
هو من عندِكَ.
8 لأنّ الكلام الذي أعطيتَني
قد أعطيتُهم
وهم قبِلوا
وعلِموا يقينًا
أنّي خرجتُ من عندِكَ
وآمنوا أنّكَ أنتَ أرسلتَني.
9 من أحلِهم أنا أسألُ.
لستُ أسألُ من أجل العالم
بل من أجلِ الذين أعطيتَني
لأنّهم لكَ.
10 وكلُّ ما هو لي فهو لك.
وما هو لكَ فهو لي
وأنا ممجَّدٌ فيهم
11 ولستُ أنا بعدُ في العالم
وأمّا هؤلاء فهمْ في العالم
وأنا آتي إليكَ.
أيُّها الآب القدّوس
احفظْهم في اسمِكَ الذينَ أعطيتَني
ليكونوا واحدًا كما نحنُ.
(ج)
12 حينَ كنتُ معهم
في العالم كنتُ أحفظهم في اسمكَ الذين أعطيتَني
حفِظْتُهم
ولم يهلكْ منهم أحدٌ
إلا ابنُ الهلاك
ليتمَّ الكتاب.
13 أما الآن فإنّي آتي إليكَ.
وأتكلّمُ بهذا في العالم
ليكون لهم فرحي
كاملاً فيهم
14 أنا قد أعطيتُهم كلامكَ
والعالم أبغضهم
لأنّهم ليسوا من العالم
كما أنّي أنا لستُ من العالم.
15 لستُ أسألُ أن تأخذهم من العالم
بل أن تحفظهم من الشرير.
16 ليسوا من العالم
كما أنّي أنا لستُ من العالم.
17 قدِّسهم في حقّكَ.
كلامُكَ هو حقٌّ.
18 كما أرسلتَني الى العالم
أرسلتُهم أنا الى العالم.
19 ولأجلهم أقدِّسُ أنا ذاتي
ليكونوا هم أيضًا مقدَّسين في الحقّ.
(ب ب)
20 ولستُ أسألُ من أجلِ هؤلاء فقط بل أيضًا
من أجلِ الذين يؤمنون بى بكلامهم.
21 ليكون الجميعُ واحداً
كما أنتَ أيّها الآب فيَّ
وأنا فيكَ
ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا
ليؤمنَ العالمُ
أنَّكَ أرسلتَني.
22 وأنا قد أعطيتُهم المجدَ
الذى أعطيتَني
ليكونوا واحداً
كما أنّنا نحنُ واحدٌ.
23 أنا فيهم وأنتَ فيَّ
ليكونوا مُكَمَّلين الى واحدٍ
ليعلمَ العالم
أنَّكَ أرسلتَني
وأحببتُهم كما أحببتَني.
(أ أ)
24أ أيّها الآب أريدُ أنَّ هؤلاء الذين أعطيتَني
يكونون معي
حيثُ أكونُ أنا
24ب لينظروا مجدي
الذي أعطيتَني
24ج لأنَّكَ أحببتَني
قبل إنشاء العالم.
25 أيّها الآب البارّ إنّ العالم
لم يعرفْكَ.
أمّا أنا فعرفتُكَ
وهؤلاء عرفوا
أنّكَ أنتَ أرسلتَني.
26أ وعرَّفتُهُم اسمك
وسأُعرِّفُهم
26ب ليكون فيهم الحُبُّ
الذى أحببتَني به
26ج وأكونَ أنا فيهم.
الفصل السادس عشر
يسوع مرسل الآب
الأب بطرس موسى المخلصيّ
مقدمة
يتّفق معظم شرّاح الكتاب المقدس أن لاهوت الإنجيل الرابع يدور حول هذا السؤال: من
هو يسوع؟ وبالفعل ينفرد إنجيل يوحنا في التعمّق بسر المسيح ويبحث بما لديه من
براهين ومعطيات ليؤكد حقيقة هذا الإله المُرسل من لدن الآب والذي نصب خيمته فيما
بيننا. فنيقودمس يعلن باسم رؤساء اليهود، دهشته حول شخص يسوع فيقول له: "رابي. نحن
نعلم أنك جئت من لدن الله معلّمًا فما من أحد يستطيع أن يأتي بتلك الآيات التي تأتي
بها أنت إلاّ إذا كان الله معه" (3: 2). وتتحيّر السامرية من أجوبة يسوع وتقول: "هل
أنت أعظم من أبينا يعقوب"؟... (12:4)، "أرى أنك نبيٌّ" (19:4)، "ألعلّه المسيح"؟
(29:4). وعامة الشعب أيضًا لا تخفي استغرابها من أمر يسوع: "إن هذا نعرف من أين
هو..." (7: 27). أما المناقشات بين يسوع ورؤساء لليهود فإنها تأخذ طابعًا
دراماتيكيًا: "من تجعل نفسك؟ أأنت أعظم من أبينا إبراهيم الذي مات" (53:8). ولكنهم
أيضًا يعترفون بأن سر يسوع يجهلونه تمامًا: "نحن نعلم أن الله كلّم موسى، أما هذا
فلا نعلم من أين هو" (9: 29)؟
على هذه التساؤلات كافة، يقدّم لنا الإنجيلي يوحنا جوابًا واضحًا عن سر المسيح إذ
يكشف لنا عن هوية يسوع الناصري بأنه "مرسل الآب"- "يسوع مرسل الآب".
هذا هو عنوان بحثنا الذي ينقسم بدوره إلى قسمين:
1- في القسم الأول نبحث عن الآيات والأفعال التي لها علاقة مباشرة في موضوع
الإرسال.
2- في القسم الثاني سنتكلم عن هدف وغاية إرسال يسوع من لدن الآب إلى العالم.
ثم ننهي بحثنا بخلاصة راعوية.
1- الأفعال
هناك فعلان أساسيان يستعملهما الإنجيلي يوحنا للدلالة على إرسال يسوع أو للتأكيد
على أن يسوع مرسل الآب وهما: αποστελλω πεμπω إن الفعل "أرسل" عندما يُستعمل
للدلالة على رسالة يسوع يعبّر عنه باليونانية بهذين الفعلين (πεμπω وαποστελλω) من
دون أيّ اختلاف في المعنى. ونلاحظ غنى وأهمية هذا الموضوع بالنسبة للإنجيل من خلال
تكرار الفعل "أرسل" حوالي أربعين مرّة.
ولا بدّ للإشارة هنا أننا نجد افتقارًا لهذا الموضوع عند الإزائيين: يسوع كمرسل
مرتان (متى 24:15 "لم أرسل إلاّ إلى الخراف الضالة من بيت اسرائيل" ولو 4: 43 "يجب
عليّ أن أبشِّر سائر المدن أيضًا بملكوت الله، فاني لهذا أرسلت")؛ والآب الذي يرسل
4 مرات (متى 10: 40؛ لو 48:9؛ 10: 16؛ مرقس 37:9)؛ وفي مثل الكرّامين القتلة يُذكر
أن الآب هو الذي يُرسل الابن (متى 21: 37؛ مرقس 12: 6؛ لو 20: 13). ما عدا هذه
الآيات فاننا لا نجد أية أهمية لهذا الموضوع عند الإزائيين.
أما في إنجيل يوحنا، فإن هذا الموضوع هو في بالغ الأهمية. يسوع نفسه يستعمل الفعل
"أرسل" مرّات عديدة ليؤكّد لنا مصدره الإلهي أي أنه ينتمي إلى الطبيعة الإلهية
ويخبرنا عن فحوى الرسالة التي يحملها إلى العالم. وهكذا تصبح عبارة "الذي أرسلني"
مرادفًا للآب نفسه كما أنها تعبّر عن حقيقة جوهر ورسالة يسوع كمرسل. هناك علاقة
وثيقة بين الآب الذي يرسل ويسوع المرسَل، علاقة الآب بالإبن، علاقة حب متبادل ينتج
عنها رسالة الخلاص التي يحملها يسوع المسيح إلى العالم أجمع.
بالنسبة إلى يوحنا، يسوع هو مرسل إلى العالم. أما بالنسبة إلى الإزائيين فيسوع هو
مرسل إلى إسرائيل (متى 15: 24؛ لو 4: 43).
2- الآيات التي تدلّ على الإرسال
نلاحظ من خلال البحث أن هناك ثلاث فئات من الناس تكلم يسوع أمامهم في إعلانه عن
ذاته كمرسل من الآب:
1- أمام عامة الشعب
2- أمام اليهود
3- مع التلاميذ
أ- أمام عامة الشعب
نلاحظ أن أول أمر يطلبه يسوع من عامة الشعب هو الإيمان. فعلى سؤالهم "ماذا نعمل
لنقوم بأعمال الله؟" (28:6)، يصرّح يسوع قائلاً: "عمل الله أن تؤمنوا بمن أرسل" (6:
19). والإيمان بيسوع المسيح ليس نظريًا إنما هو تطبيق إرادة الله الآب في حياتنا؟
لأجل هذا يعلن يسوع من أنّه "نزل من السماء لا ليعمل بمشيئته بل بمشيئة الذي أرسله.
ومشيئة الذي أرسله الاّ يهلك أحدًا... بل يقيمه في اليوم الأخير" (28:6، 39). حول
هذه المشيئة، مشيئة الآب، تتمحور حياة يسوع المسيح؛ ويطلب من كل إنسان يريد أن
يتبعه أن يعرف مشيئة الآب ويعمل بها؟ فإن في هذا العمل مرضاة الآب، لذا يقول يسوع:
"ما من أحد يستطيع أن يقبل إليّ إلاّ إذا اجتذبه الآب الذي أرسلني وأنا أقيمه في
اليوم الأخير" (6: 44). من هنا نجد شرطًا أساسيًا لقبول رسالة يسوع ألا وهو معرفته
وتصديق المصدر الذي منه أتى. فإن عجز الناس عن معرفة يسوع كمرسل من قبل الله لهو
دليل على أنهم لا يعرفون الله فعلاً. لذا يؤكّد قائلاً: "أجل، إنكم تعرفوني وتعرفون
من أين أنا. على أني ماجئت من نفسي فالذي أرسلني هو صادق. ذاك الذي لا تعرفونه
أنتم. وأما أنا فأعرفه لأني من عنده وهو الذي أرسلني" (7: 28- 29).
وكان لا بدّ من التأكيد للناس أن يسوع والآب الذي أرسله ينتميان إلى طبيعة واحده
وتربطهما علاقة وحدة وثيقة، علاقة حب الآب للابن والابن للآب. لذا يعلن يسوع
بصراحة: "إني لست وحدي بل أنا والذي أرسلني، وإذا حكمت فحكمي صحيح" (16:8). "أنا
أشهد لنفسي والآب الذي أرسلني يشهد لي أيضًا (18:8). ويضيف متوّجًا إعلانه: "من آمن
بي لم يؤمن بي أنا بل بالذي أرسلني ومن رآني رأى الذي أرسلني" (12: 44-45). إن هذه
الوحدة بين الآب ويسوع تشكل مصدر رسالته في العالم.
ب- أمام اليهود
إن ما يلفت نظرنا في أولى الآيات التي يوجّهها يسوع أمام اليهود عندما كان يتكلّم
عن دوره كمرسل من لدن الآب، هو إعطاء الكرامة للإبن كما للآب. فالكرامة والتمجيد
الواجبان لله الآب واجبان أيضًا للابن: "لأن الآب لا يدين أحدًا بل جعل القضاء كلّه
للابن لكي يُكرم الابن جميع الناس كما يكرمون الآب: فمن لم يكرم الابن لا يكرم الآب
الذي أرسله" (5: 22-23) وبهذا ينفرد يسوع عن سائر الأنبياء كونه الابن الذي يُظهر
في شخصية المتأنس سر الألوهة، سر محبة الله الآب للعالم أجمع.
والذي يقدّم واجب الكرامة للآب وللابن لا بدّ له من أن يسمع الكلمة ويحفظها في
قلبه، لأنّ فيها يجد الحياة الأبدية. هذا ما يؤكّده يسوع حين يقول: "الحق الحق أقول
لكم: من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني فله الحياة الأبدية ولا يمثل لدى القضاء بل
انتقل من الموت إلى الحياة" (5: 24). وهنا أيضًا سماع كلام يسوع يردّد وقع شماع
إسرائيل، فبواسطة سماع وصايا الله وكلامه يدخل اليهود الحياة ويحيون مع الله إلى
الأبد. ويريد يسوع أيضًا أن يؤكّد لليهود بأن سماع كلامه وحفظ وصاياه يجعلانهم
يدخلون الحياة مع الله. ولكن اليهود قساة القلب لم يريدوا أن يسمعوا ولا أن يروا
ليؤمنوا؛ ويسألون الرب: ما هي الأشياء التي تعملها لنؤمن بأنك مرسل من قبل الله؟
ويجيبهم يسوع قائلاً: "إن الأعمال التي وكل إليّ الآب أن أتمّها هذه الأعمال التي
أعملها هي تشهد لي بأن الآب أرسلني. والآب الذي أرسلني، هو يشهد لي" (5: 36-37).
ويتعجب اليهود أيضًا من تعليم يسوع ويسألون: "كيف يعرف هذا الكتب ولم يتعلّم؟"
ويبّين يسوع لهم من "أن تعليمه ليس من عنده بل من عند الآب الذي أرسله" (7: 16).
مرّة أخرى يؤكد يسوع أمام اليهود وحدته مع الآب وهذا ليس فقط من خلال تعليمه بل من
خلال اعماله التي تشهد له بأنه مرسل الآب.
وعلى الرغم من صراحة يسوع بالإعلان عن جوهر ذاته وعن هويته ومن أنه مرسل الآب ظلّ
اليهود ينعتونه بالمجدّف وبالكافر؟ وبشكل دراماتيكي يدل على تعنّتهم وعدم فهمهم
يردّ يسوع عليهم بسؤال: "كيف تقولون للذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم: أنت تجدّف،
لأني قلت إني ابن الله"؟ (10: 36).
وسيبقى اليهود حتى النهاية على موقفهم الرافض لتعاليم يسوع وأعماله التي تشهد له
أنه مرسل الآب.
ج- مع التلاميذ
إن ما يميّز التلميذ عن سائر الناس أعطاؤه الأولوية لتعاليم الرب والعمل بارادته.
هذا ما يبدأ به يسوع مع تلاميذه إذا يعلمهم أن مشيثة الرب هي التي يجب أن تأخذ
بالهم وفكرهم وقلبهم فتصبح هكذا كالطعام الضروري للاستمرار في الحياة: "طعامي أن
أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمّ عمله" (34:4).
والتلميذ أيضًا، على ضوء تعاليم يسوع، وجب عليه أن يطابق عمله مع عمل السيد؛ وبكلام
آخر وجب عليه أن يكون في أعماله إبنًا للنور. ويؤكد يسوع هذا عندما يقول: "يجب
علينا، ما دام النهار، أن نعمل أعمال الذي أرسلني، فالليل آت وفيه لا يستطيع أحد أن
يعمل" (9: 4). فالتلميذ يعدّ عمله امتدادًا لعمل المسيح.
وما يتميَّز به التلميذ أيضًا محبّته لمعلّمه. وتفترض المحبة أن يحفظ التلميذ كلام
الذي يحب لأنه يهمّه أن يصغي إلى صوته لأن الرب لا يريد إلاّ أن يقوده إلى كمال
الوحدة معه. لذا يعلن يسوع أمام تلاميذه: "من لا يحبّني لا يحفظ كلامي. والكلمة
التي تسمعونها ليست كلمتي بل كلمة الآب الذي أرسلني". (14: 24).
إن موقف التلميذ هذا، بمحبته للمعلّم وبسماع كلامه وباتمام مشيئته، سيعرّضه
للإضطهاد بسبب جهل العالم للحقيقة ولرسالة يسوع؛ ولكن لا يهمّ لأن حسب التلميذ أن
يكون مثل معلّمه. هذا ما يعلنه يسوع بقوله: "إذا اضطهدوني فسيضطهدونكم وإذا حفظوا
كلامي فسيحفظون كلامكم أيضًا. لا بل سيفعلون ذلك كلّه بكم من أجل اسمي لأنهم لا
يعرفون الذي أرسلني." (15: 21). ولكن طالما يعرف التلميذ جيدًا أنه بالإيمان بالآب
وبيسوع المسيح المرسل من الآب يدخل الحياة الأبدية فلا داعي للخوف من الاضطهاد ولا
حتى من الموت: "الحياة الأبدية هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويعرفوا الذي
أرسلته يسوع المسيح" (17: 3).
أضف إلى ذلك أن التلميذ مرسل من قبل الرب كما يسوع مرسل من الآب. أنه يتلقّى أمر
الرسالة من الرب يسوع: "كما أرسلتني إلى العالم، فكذلك أنا أرسلتهم إلى العالم"
(18:17). لذا وجب على التلميذ أن يكون في وحدة مع الرب وفي تناغم معه على جميع
الأصعدة. هذه كانت أمنية يسوع لا بل صلاته قبل الوداع الأخير: "فليكونوا بأجمعهم
واحدًا كما أنت فيّ، يا أبت، وأنا فيك فليكونوا هم أيضًا فينا ليؤمن العالم بأنك
أرسلتني" (17: 21). ويضيف قائلاً: "أنا فيهم وأنت فيّ ليبلغوا كمال الوحدة ويعرف
العالم أنك أنت أرسلتني" (23:17). إن وحدتنا مع الرب يسوع ووحدتنا مع بعضنا البعض
كجماعة مسيحية لهي شهادةٌ حية للعالم عن حضور الرب فينا؛ وبهذا يعرف العالم الإله
الحق وأن يسوع مرسل الآب: "يا أبت البار، إن العالم لم يعرفك أما أنا فقد عرفتك
وعرف هؤلاء أنك أرسلتني" (17: 25).
نستنتج أخيرًا أن مهمة التلميذ تكمن في أن يكشف للعالم ولظهر له حقيقة يسوع المسيح
بعد أن يكون قد عاش باتحاد وثيق أو الأحرى بلغ كمال الوحدة مع الرب يسوع.
3- غاية وهدف إرسال يسوع
بعد أن ألقينا نظرة سريعة على الآيات والأفعال التي لها علاقة مباشرة في إرسال
يسوع، لا بدّ لنا أن نتوقف قليلاً ونتكلم عن هدف وغاية الإرسال.
إن فكرة المسيح الآتي والمرسل إلى العالم. يكتب تايلور، هي "المحور الذي حوله تدور
كل التأكيدات والإعلانات العقائدية في إنجيل يوحنا". يسوع يحدّد ذاته أمام اليهود
بأنه "هو الذي قدّسه الله وأرسله إلى العالم" (10: 36).
"إن كل كيان يسوع، يكتب جوزف راتسنغر، يكمن في أن يكون مرسلاً". "وأن يكون مرسلاً،
يضيف مالدونا، هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أن يصير يسوع إنسانًا". وندرك أهمية هذا
الموضوع عندما نتحقّق من أن فكرة التجسّد، "والكلمة صار بشرًا"، هي القاعدة التي
يبني عليها يوحنا إنجيله.
ولكن إعلان يسوع كمرسل، هذا الإعلان بحد ذاته، لا يؤكد لنا الوهيته ولا يعطينا
البعد الحقيقي لفحوى رسالته. فإن هناك أنبياء كثرًا في العهد القديم أطلق عليهم صفة
"مرسلين" كموسى (خروج 3: 10)؛ وأشعيا (6: 8)؛ وإرميا (1: 5-7)؛ وحزقيال (2: 3).
وحتى يوحنا المعمدان يقول عنه الإنجيلي يوحنا إنه: "كان إنسانًا مرسلاً من الله
اسمه يوحنا" (1: 6). إنما نجد هناك اختلافًا كلّيًا بين هؤلاء المرسلين ويسوع كمرسل
الآب.
إن الأنبياء يعيشون كسائر الناس إلى وقت تتوجّه اليهم كلمة الرب وتدعوهم لرسالة
محددّة (خروج 3: 1- 4؛ اشعيا 6: 1- 12؛ ارميا 1: 1- 10؛ حزقيال 2: 1-9؛ لو 3: 1-3).
وعندما يعي النبي كبر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه فإنه يشكو حالته وصعوبته
أمام الرب. فمثلاً موسى يشكو عدم قدرته على التكلم (خروج 3: 11؛ 4: 10) وأشعيا
نجاسة شفتيه (أشعيا 6: 5) وإرميا عدم خبرته (إرميا 1: 6) والمعمدان نفسه مقتنع
بدوره كسابق يهيّئ الطريق للذي سيأتي بعده: "إني لست مستحقًا أن أحل رباط حذائه"
(يوحنا 1: 27).
وعلى الرغم من الصعوبات، هؤلاء الأشخاص هم مرسلون بقوة الرب (خروج 3: 12؛ اشعيا
17:6؛ ارميا 1: 7-8؛ حزقيال 2: 1-9؛ لو 1: 22) لكي يحملوا رسالة الرب (خروج 3:
15-16؛ أشعيا 6: 9-10؛ ارميا 1: 9؛ حزقيال 2: 7؛ لو 3: 3-6).
أما الاختلاف والفرق بين رسالة يسوع ورسالة الأنبياء فيكمن في أن يسوع ليس لديه وقت
محدّد كالأنبياء تبدأ فيه رسالته. إنما على العكس فرسالة يسوع كمرسل الآب تتحدّد
بذاته نفسها؛ إن يسوع لا يعي في وقت ما كالأنبياء فحوى رسالته لأن ذاته هو الرسالة،
رسالة الآب إلى العالم. لذا عند ظهوره لاسرائيل كان على الشعب أن يعي رسالته ولأجل
هذا جاء يوحنا معمدًا بالماء (يو 1: 31). وبما أن شخص يسوع هو فحوى رسالة الآب إلى
العالم أصبح من الضروري قبوله والإيمان به: "إن عمل الله أن تؤمنوا بمن أرسل" (6:
29). أجل، إن عمل الله الأساسي يكمن بأنه ارسل إبنه إلى هذا العالم ومن يريد أن
يشارك في هذا العمل الإلهي ما عليه الاّ أن يتقبل رسالته بالإيمان.
أخيرًا لا يمكننا أن نفهم حقيقة يسوع كمرسل الاّ من هذا المنظار: هو مرسل بقدر ما
يعطي الناس سلطانًا ليصبحوا أبناء الله (1: 12) بالإيمان باسمه ويجعل الآخرين، في
شخصه، يدخلون في سر المحبة، المحبة التي فيها الآب أحب الإبن منذ قبل إنشاء العالم
(26:17).
إن هدف الإرسال إذًا هو إظهار الله في شخص يسوع المتأنس. وبكلام آخر إن يسوع هو
الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يكشف لنا عن طبيعة الله وجوهره. إن ما يفترض هذه
الرؤية اللاهوتية هو أن الله لم يره أحد قط (1: 18). "الابن الوحيد الذي في حضن
الآب" هو القادر أن يخبرنا عن ماهية الآب. هذا الإبن أرسله الآب إلى العالم لنكون
في شركة معه وليهبنا الحياة الأبدية. إن يسوع مرسل الآب "أتى لتكون لنا الحياة
ولتكون بوفرة" (10: 10).
خلاصة راعوية
من خلال ما تقدم نستنتج أن رسالة يسوع كمرسل الآب تكمن في الكشف عن هوية الآب وعن
مشيئته وعن سر حبّه للعالم. وما يميّز هذه الرسالة أن يسوع يحيا في وحدة تامة
وتناغم مستمر مع الآب لذا يقدر يسوع أن يقول لفيلبس: "من رآني فقد رأى الآب"
(9:14). ولم يكن يسوع فقط متناغمًا مع الآب بل كان أيضًا في علاقة حميمة مع
تلاميذه: "إني أطلعتكم على كل ما سمعته من أبي... إخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا
ويبقى ثمركم" (يو 15: 15، 16). وتظهر هذه العلاقة الحميمة مع تلاميذه عندما أرسلهم
ليكمِّلوا الرسالة التي بدأها: "كما أرسلتني إلى العالم فكذلك أنا أرسلتهم إلى
العالم" (18:17). كل شيء ينحدر من الآب، فالآب يرسل الابن، والابن يرسل التلاميذ،
فرسالتهم بين الناس تنطلق من الوحدة بين الثلاثة (الآب والابن والتلاميذ) وقد
تكرّسوا لهذه الرسالة كما تكرّس يسوع نفسه. ليس هذا فحسب. فيسوع أيضًا.. كرّس نفسه
من أجلهم (17: 19).
إنطلاقًا من هذا الواقع، ماذا يمكننا أن نتعلم كوننا مرسلين في هذا العالم؟ وما هي
العبرة التي يمكن أن نأخذها لحياة الجماعة المسيحية والكنيسة؟ هناك ثلاث نقاط
أساسية:
* أولاً، على مثال يسوع مرسل الآب، نتعلّم أن الأولوية في حياتنا المسيحية هي معرفة
مشيئة الرب واتمامها على أكمل وجه. "طعامي أن أعمل مشيئة من أرسلني" (4: 34).
والرسول أيضًا هو الذي يعمل مشيئة من يرسله. "لتكن مشيئتك" هكذا علّم يسوع تلاميذه
أن يصلّوا.
* ثانيًا، نتعلم كيف على التلميذ أن يكون في اتحاد وتناغم مع الرب. فعليه أن يميّز
صوته من بين سائر الأصوات؟ ولكن خاصة أن يكون تعليمه مطابقًا لتعاليم المعلّم: "ليس
تعليمي من عندي بل من عند الآب الذي أرسلني" (7: 16).
* وأخيرًا ضرورة عيش الوحدة في قلب الجماعة المسيحية بين مختلف افرادها لتكون
العلامة المميّزة لحضور الرب القائم والحيّ إلى الأبد: "ليكونوا واحدًا كما نحن
واحد. أنا فيهم وأنت فيّ ليبلغوا كمال الوحدة ويعرف العالم أنك أنت أرسلتني" (17:
22-23). هذه كانت أمنية وصلاة يسوع قبل أن يغادر العالم. ويا ليتها تكون أمنيتنا
جميعًا ليتمجد بذلك اشمه ويبقى ممجَّدًا إلى الأبد.
الفصل السابع عشر
البرقليط
ف 14-16
الأب أسعد جوهر
المقدمة
في إنجيل يوحنا نصوص مميّزة عن الروح القدس وكثيرة. ولكن أغلب هذه النصوص يمكن
إدارجها في مجموعتين: الأولى تتكلم عن إعلان عن عطية الروح، وهي مرتبطة بالعماد أو
برمز الماء (1: 29-34؛ 3: 3-8؛ 7: 37-39)، وتندرج في القسم الأول من حياة يسوع
العلنية؛ أما الثانية فتتألف من خمسة مقاطع (14: 15-17؛ 26:14؛ 15: 26-27؛ 7:16-
11؛ 16: 12- 15)، موزّعة في ما يسمى خطبة الوداع (14-16). هذه الخطبة هي بمثابة
وصيّة يسوع الأخيرة قبل عودته إلى الآب وفيها يلقّب الروح القدس بالبرقليط. وهذه
الخطبة هي فنّ أدبي معروف بفنّ الوصيّة الأخيرة، حيث يدعو الأب أو القائد الروحي
أخصّاءه، وهو على فراش الموت، ليعطيهم وصاياه وتوجيهاته الأخيرة ويكشف لهم أحيانًا
المستقبل ويعيّن غالبًا خلفه حتى يواصل رسالته. هذا ما فعله موسى مع يشوع بن نون
الذي امتلأ من روح الحكمة لماّ وضع عليه موسى يديه (تث 9:34)، وايليا مع أليشع فحصل
هذا الأخير على سهمين من روحه (2 مل 9:3-15).
وحده يوحنا أعطى الروح القدس لقب برقليط وفي هذا الإطار، فماذا قصد به؟ هل هو خليفة
يسوع يواصل رسالته على الأرض؟ وما دوره في حياة التلاميذ والكنيسة؟
1- معنى كلمة برقليط
كلمة برقليط لفظة يونانية، خاصة بيوحنا في العهد الجديد، تعني "المدعوّ إلى جانب"،
يقابلها في اللاتينية Ad-vocatus، تستعمل عادة في لغة القضاء والدعاوى وتدلّ على
الإنسان الذي يُدعى إلى جانب أحدهم ليساعده أي المحامي والمدافع.
النصوص الرابّينيّة استعارت هذا التعبير من الثقافة اليونانية وأعطته معنى محدّدًا:
"الشفيع والوسيط" للدلالة على الذين يشفعون لصالح الناس أمام محكمة العدل الإلهي:
كالتوراة مشخصنة، والملائكة واستحقاقات الناس الأبرار... وهذا المعنى هو جليّ في 1
يو 2: 1 حيث يعطي الكاتب لقب برقليط للمسيح الممجّد. إطار الآية يشرح أن المسيح في
مجده أمام الآب "كفّارة لخطايانا" (آية 2) أي أن ذبيحة المسيح على الأرض تصبح في
السماء صلاة شفاعة أمام الآب، بهذا المعنى المسيح في مجده هو لنا الشفيع والوسيط
لدى الآب. وهو النصّ الوحيد الذي يستعمل كلمة برقليط خارج خطاب يسوع الوادعيّ. ولكن
في إنجيل يوحنا البرقليط لا يشفع لا ليسوع ولا للتلاميذ، ولا يدافع ويرافع عن
التلاميذ ولكنه يتكلّم بواسطتهم (15: 16-27) للدفاع عن يسوع الغائب.
الكتاب المقدس استعمل الفعل ومشتقّاته بكثرة في الترجمة السبعينية، بمعنى "عزّى
وعزاء ومعزي". والمقصود تشجيع الأنبياء وتحريضهم على الإيمان ببشرى الخلاص، وليس
العزاء العاطفي الوجداني: فمثلاً رسالة اشعيا الثاني إلى المسبييّن تبدأ بفعل
"عزّوا عزّوا شعبي" (اش 40، النص اليوناني) وهو تشجيع وتحريض على السير قدمًا
للوصول إلى أورشليم. واستعمله العهد الجديد بذات المعنى في تبشير الشهود الرسوليين
(1 تس 3: 2؛ روم 12: 8؛ عب 13: 22؛ أع 13: 15)، ووصف به الروح القدس في نمو الكنيسة
(أع 9: 31). ولكن يوحنا لا يستعمل الفعل παρακαλεω إطلاقًا في كلامه عن دور الروح
البرقليط.
بما أن ترجمة برقليط اليونانية بمحام أو معزٍ أو شاهد أو نصير أو مؤيّد، لا تدل على
مهمّاته كلّها ولا على الأدوار التي خصّه بها يوحنا، لذلك يميل الشراح، في نقلهم،
إلى الحفاظ على كلمة برقليط، كما فعل التقليد السرياني والقبطي واللاتيني في ترجمة
ايرونيموس الشائعة وكما ورد في ترجمة إونجيلون (الكسليك)، فيحافظون بذلك على وحدة
اللقب، ولا يركّزون على دور واحد على حساب أدواره الأخرى.
2- دور الروح البرقليط
أ- البرقليط الحاضر
في العشاء الأخير، اضطربت قلوب التلاميذ لإعلان يسوع المفاجئ عن ذهابه (يو 14: 1).
حتى الآن كان يسوع بين تلاميذه، ولكن الآن يعلن لهم أنه لن يبقى معهم إلا لوقت قصير
(13: 33). قريبًا لن يروه (16: 16) لأنه ماض إلى الآب (16: 17)، ليس فقط بالظهورات
بعد القيامة لأنه سيبقى معهم مدى الدهر، ولكن بحضور روحي داخلي: وحدهم التلاميذ لا
العالم سيستطيعون رؤيته (14: 19). سيكون هذا الحضور الجديد ليسوع عمل الروح القدس
وقد دُعي "برقليطًا آخر" (14: 16)، وذلك بالنسبة لأحدهم يحمل ذات اللقب وهو
البرقليط الأول، وهو يسوع. وهذا يعني أن البرقليط الآخر أي الروح القدس يحلّ مكان
البرقليط الأول أي يسوع، ولكن ليس كشفيع سماويّ يتدخّل في الأرض (1 يو 2: 1). فما
هو دوره إذًا؟
يعلن يسوع أن في مصلحة تلاميذه أن يذهب هو، حتى يأتي البرقليط وإلا فلن يأتي (16:
7)، لأن الآب يعطي التلاميذ البرقليط على طلب يسوع وباسمه (14: 16و 26)؛ ولأن يسوع
نفسه يرسله لهم من عند الآب (26:15؛ 16: 7)، فهذا الروح المرسل والآتي من عند الآب
دوره أن يكون بدل يسوع مع التلاميذ وفي التلاميذ إلى الأبد (13: 16). وبما أن
البرقليط يستطيع المجيء فقط عندما يذهب يسوع، فالبرقليط الآخر هو إذًا يسوع آخر، هو
حضور يسوع عندما يكون يسوع غائبًا، هو خليفة يسوع يواصل رسالته مع التلاميذ وفيهم
بعد عودة يسوع إلى الآب. إذًا فوعد يسوع أن يبقى مع التلاميذ إلى الأبد يتحقّق في
البرقليط. وليس من الصدف أن أول نص يحتوي على وعد يسوع بإرسال البرقليط (14:
16-17)، تتبعه الآية 18 التي تقول: "لن أدعكم يتامى أنا إليكم آت". يسوع يأتي إلينا
بحضور البرقليط معنا وفينا. يشدد يوحنا أن يسوع سيكون في السماء مع الآب بينما
البرقليط سيكون على الأرض يواصل رسالة يسوع مع التلاميذ وفيهم إلى منتهى الدهر.
وإذا ما راجعنا النصوص في يوحنا وقابلناها، لوجدنا مطابقة تامّة ين يسوع والبرقليط
في علاقتهما بالآب، وبالتلاميذ وبالمؤمنين، وبالعالم:
البرقليط يسوع
*- يأتي من الآب 26:15 43:5؛ 28:16
*- مرسل من الآب 14: 26 14: 24
*- معطى من الآب 14: 16 3: 16
*- لا يقبله العالم 17:14 1: 11؛ 5: 43؛ 48:12
*- يقبله فقط المؤمنون 17:14 1: 12؛ 20:16- 21
*- لا يراه إلا المؤمنون 14: 17 14: 19
*- هو مع وفي التلميذ 14: 16- 17 14: 20و23؛ 15: 5؛ 23:17و26
*- لا يتكلّم من تلقاء ذاته 13:16 17:7؛ 26:8 و28 و38؛ 24: 10
*- يشهد 26:15 3: 11 و32؛ 44:4؛ 8: 14 و18
*- يعلّم 26:14 59:6؛ 14:7؛ 20:8؛ 19:18
*- هو روح الحق 15: 26؛ 7:16 و13 1: 17؛ 14: 6؛ 37:18
*- يُنبئ، يكشف 14:16 4: 25
ولكن رغم هذه المطابقة التامّة، يتميّز الروح عن يسوع التاريخي في أمرين: في زمن
حضوره الذي هو نهائيّ، وفي طريقة عمله. وحي الآب بيسوع يُكمّل بالروح القدس: إنّه
وحيٌ فريد ولكنه أعطي بطريقتين مختلفتين وفق الزمنين اللذين يميّزانه، زمن يسوع
وزمن الروح القدس. عند الوداع يسوع يعلن للتلاميذ الذين يغادرهم عن مجيء البرقليط
مشدّدًا على العطية الأساسية، على الروح القدس، الذي يطبع كل مؤمن في ضميره.
فإذا كان التلاميذ، على خلاف العالم، يسعهم قبول البرقليط فلأن يسوع قد هيّأهم
لذلك، حين قال: "وتعرفونه أنتم، لأنه مقيم لديكم" (17:14). وهذا يعني أن البرقليط
كان حاضرًا في شخص يسوع وعمله، في يسوع المقيم لدى التلاميذ (14: 25). فالروح إذًا،
كان يعمل أيضًا لديهم. فلقد تعلّموا أن يتعرّفوا إلى الروح في يسوع (1: 32؛ 3: 34؛
63:6). فاختبار الروح هذا والمعرفة الأولى التي عاشوها مع يسوع كانت شرطًا أساسيًا
كافيًا، ليستطيعوا قبول عطية الروح.
وهنا تجدر الملاحطة حول ثلاثة أحرف جارّة مختلفة: مع (μετα) ولدى (παρα) وفي (εν)،
يستعملها الإنجيلي في التعبير عن دور الروح البرقليط الحاضر الموعود، في الآيتين 16
و17 من الفصل 14 حيث يقول: "وأنا اسأل الآب فيعطيكم برقليطًا آخر نصيرًا يقيم معكم
إلى الأبد، هو روح الحق، الذي لا يسع العالم قبوله، لأنه لا يراه، ولا يعرفه.
وتعرفونه أنتم، لأنه مقيم لديكم وكائن فيكم." إذًا فالبرقليط سيكون حاضرًا مع
التلاميذ ولديهم وفيهم كما كان يسوع نفسه حاضرًا معهم ولديهم وفيهم.
ب- البرقليط المعلم
دور البرقليط في حضوره لدى التلاميذ هو قبل كل شيء التعليم. "قلت لكم هذا وأنا
لديكم مُقيم. وسيُرسل الآب باسمي البرقليط، الروح القدس، فيعلّمكم كلّ شيء،
ويذكّركم كلّ ما قلتُ لكم" (25:142-26). يسوع يُقيم مقابلة بين تعليمه هو وتعليم
البرقليط في المستقبل. ويميّز بين مرحلتين في التدبير الخلاصي: الأولى تتألف من
تعليم يسوع نفسه، والثانية من تعليم الروح البرقليط.
في القسم الأول من الآية، الآب سيُرسل الروح باسم يسوع (14: 26)، ويسوع أتى الارض
"باسم الآب" (5: 43) أي مع الآب. وكان بين الناس ليعرّفهم اسم الآب، ليُظهر الآب
(17: 6). هذا يوضح ما معنى أن البرقليط سيُرسل "باسمه"؛ فهو لا يعني أن الآب يرسل
الروح على طلبه أو مكانه أو كممثل له، فالاسم يدلّ على أعمق وأهمّ ما في شخص
المسيح، أي كونه الابن: فعبارة "باسم" تدل بوضوح على الشركة التامة بين الآب والابن
في إرسال الروح، ويقول يوحنا أيضًا إن "الابن سيرسل الروح من عند الآب" (15: 26)،
فالآب والابن هما معًا مبدأ رسالة البرقليط. فإذا كان الروح مُرسل باسم يسوع
فرسالته ستكون أن يعرّف التلاميذ إلى اسمه الحقيقي أي كونه ابن الله، وأن يبعث فيهم
الإيمان به.
الوحي الذي يعطيه البرقليط لا يأخذه من ذاته وليس هو مصدره، "لا يتكلّم من تلقاء
نفسه بل بكلّ ما يسمع"، سيأخذ مما ليسوع. كما أن يسوع لم يتكلّم من تلقاء ذاته
(17:7...؛ 49:12: 14: 10)، لم يقل إلا ما أعطاه له الآب (28:8؛ 12: 50)، ما سمعه
لدى الآب (8: 26 و38)، كذلك الروح لا يتكلّم من تلقاء ذاته ولا يقول إلا ما يسمع.
وهو يسمع من الابن ولكن من الآب أيضًا لأن ما الآب هو للابن (راجع 16: 15). لا
منافسة بين البرقليط ويسوع بل تعاون شبيه بالتعاون الذي يجمع بين الابن والآب في
عمل الوحي. الوحي يدخلنا إلى عمق سرّ الثالوث، لأن الوحي هو واحد، يأخذ مصدره من
الآب ويتمّ في الابن ويكمل في الروح القدس.
والقسم الثاني من 26:14 يصف البرقليط في عمل المعلّم، ويدلّ عليه بفعلين
مختلفين:-"يعلّمكم كل شيء ويذكركم كلّ ما قلت لكم". البرقليط لا يحمل إلينا إنجيلاً
جديدًا. ففي حياة يسوع وتعليمه يوجد كلّ ما تجب معرفته لإقامة ملكوت الله.
"علّم" عند يوحنا هو فعل عن الوحي. في البيبليا هذا الفعل له معنى فسّر بشكل صحيح،
وفي قمران له معنى: فسّره وأونّه للحاضر وللمستقبل، وإنجيل يوحنا يحفظ هذا المعنى
الأساسي: نقل حقيقة سماوية. الآب علّم الابن ما عليه أن يعطيه للعالم (28:8). ولكن
غالبًا يسوع نفسه هو الذي يعلّم (يو 59:6؛ 8: 14 و28 و35؛ 8: 20). وهو لا يعلّم
شيئًا لم يأخذه من الآب (7: 16)، كذلك الروح لن يعلّم شيئًا لم يأخذه من الابن،
وهذا الأخير سبق وأخذ من الآب. فالوحي مصدره الآب نقله إلينا الابن ويبلغ غايته
عندما يتملّك عمق أعماقنا بفعل الروح القدس.
"ويذكّركم كلّ ما قلت لكم". بعد رحيل يسوع يتذكّر التلاميذ أكثر من مرّة كلمة من
كلماته أو عملاً من أعماله. فمثلاً بعد كلام يسوع "اهدموا هذا الهيكل أقمه في ثلاثة
أيام"، يفسّر الإنجيليّ "على أن يسوع كان يتكلّم على هيكل جسده، فلما قام من بين
الأموات ذكر تلاميذه كلامه فآمنوا بالكتاب وبالكلمة التي قالها يسوع" (يو 2: 19
و21-22)، وبعد دخول يسوع أورشليم على حمار واستقبال الشعب له، ينوّه يوحنا: "ولم
يفهم التلاميذ هذا أول الأمر، ولكنهم ذكروا حين مجّد يسوع، أنه فيه كتب وله فُعل"
(يو 16:12). في الحدثين إدراك التلاميذ يفترض حدث القيامة أي عطيّة الروح. إذا
فالبرقليط لا يكتفي بأن يعيد إلى الذاكرة أمرًا نسيته، ولكنه يعطي القدرة على فهم
الحدث الذي بقي غامضًا حتى الآن وعلى إدراك معناه الحقيقي على ضوء القيامة.
وفي 16: 13 يقول الإنجيلي في دور البرقليط ما يلي: دا إذا جاء روح الحق فهو يقود
خطاكم في الحق كلّه، لأنه لا يتكلّم من تلقاء نفسه، بل بكلّ ما يسمع، فينبئكم
بالآتي".
في هذه الآية فعلان أساسيان هما: يقود خطاكم، وينبئكم. فالكلام لا يزال يدور حول
التعليم ولكن في صورتين جديدتين:
الأولى يقود خطاكم في الحق كلّه οδηγεω. في الآية السابقة مباشرًة لهذه الآية أي في
16: 12 قال يسوع لتلاميذه: "لديّ أمورٌ كثيرة أقولها لكم، ولا تطيقونها الآن". وفي
آية سابقة 15: 15 قال: "عرّفتكم كلّ ما سمعته من أبي". فليبس في القولين من تناقض،
بل تمييز بين زمانين أي الزمن الحاضر (الآن) والمستقبل، أي زمن ما بعد القيامة
ومجيء البرقليط. فالروح لن يكون دوره إعطاء تعليم جديد مختلف عن تعليم يسوع، أو
حقيقة جديدة غير حقيقة يسوع، بل سيقود خطى التلاميذ نحو الفهم الكامل للحقيقة نفسها
أي لشخص يسوع وتعليمه وعمله. فالروح سيقود التلاميذ إلى عمق هذه الحقيقة نفسها
تدريجيا على مدى زمن البشارة الأولى وحياة الكنيسة.
والثانية "ينبئكم" "αναγγελλω"، والفعل يتردّد ثلاث مرّات في ثلاث آيات متتابعة
(16: 13 و14 و15)، فيه يشرح يسوع كيف يدخلنا الروح في قلب الحقيقة. وهو يعني حسب
الأدب الرؤيوي: كشف، أوحى سرًا، فسّر حلمًا أو رؤيا أو نبوءة (دا 2: 2 و4 و7 و9
و11؛ 5: 12 و15...) والسامرية تسرّ إلى يسوع ماذا تنتظر من المسيح: "عندما يأتي
ينبئنا بكلّ شيء" (يو 25:4) أي يكشف لنا كلّ شيء، وهذا المعنى يتوافق مع 13:16 حيث
الروح يكشف لنا أيضًا كلّ شيء. وفي 25:16 يسوع يقيم مقابلة بين تعليمه في لغة
المجاز وتعليمه الواضح الذي سيعطيه فيما بعد بواسطة الروح "تأتي ساعة... أخبركم عن
الآب بجلاء". عملُ البرقليط في المستقبل يقوم على الكشف. هذا لا يعني، حسب استعماله
في الأدب الرؤيوي، إعطاء وحي جديد بل إعطاء تفسير لوحي سابق بقي خفيًا. هذا ما
سيكون دور البرقليط. مهمّته أن يشرح للكنيسة وحي يسوع المسيح الذي بقي إلى حين غير
مفهوم، أي فهم التدبير الجديد على ضوء موت وقيامة الرب وهذا معنى الآية "يقودكم في
الحق كلّه... فينبئكم بالآتي" (16: 13).
ج- البرقليط الشاهد
"البرقليط، الذي سأرسله أنا إليكم من لدن الآب، روح الحق، الآتي من لدن الآب، هو،
إذا ما جاء، شهد لي وأنتم أيضًا تشهدون، لأنكم منذ البدء معي" (15: 26-27)
يدخلنا البرقليط في مهمّته كشاهد في إطار القضاء والمحاكم، ويذكّرنا أن لفظة برقليط
تعني "المدعوّ إلى جانب" وتتعلّق بالقضاء، فالروح البرقليط هو المدافع عن يسوع.
والشاهد شخص يلتزم في خدمة الحق ويعطي التفسير الصحيح لما رأى وسمع. فالمعمدان
مثلاً لم يكتف بذكر حدث عماد يسوع ولكنه شهد فقدّم تفسيرًا: يسوع هو الذي سيعمّد
بالروح القدس (29:1-33). كذلك التلميذ الذي كان يسوع يحبه لم يكتف بتدوين أحداث
الصلب ولكنه كشف قيمتها الكنسيّة والأسرارية.
ولفهم هذا النص، يساعدنا الإطار كثيرًا. فالنصّان السابق (15: 18- 25) واللاحق (16:
1-4) يتكلّمان عن بغض العالم والاضطهادات. هذا الإطار المعادي يشرح الدور الذي
سيلعبه الشاهد، روح الحق. ويذكّرنا بالنصوص الإزائية حيث يعد يسوع تلاميذ بمؤازرة
الروح في الضيق والاضطهاد: فيشدد عل أنه سيتكلّم فيهم ويعلّمهم ماذا يقولون عندما
يساقون أمام الملوك والقضاة (راجع متى 17:10-25؛ 9:24-14؛ لو 12: 11-12). ولكن لا
يوجد أي نصّ إزائي يتكلم صراحة عن الروح القدس كونه شاهدًا. أما في يوحنا فيقول
يسوع صراحة "سيشهد لي". ماذا تعني هذه الشهادة؟ وأمام من تقدّم؟
شهادة البرقليط ليست موجّهة إلى العالم ولكن إلى التلاميذ، "البرقليط الذي سأرسله
أنا إليكم لما (آية 26). شهادة الروح تتمّيز عن شهادة التلاميذ (راجع آية 27).
شهادة الروح تسبق شهادة التلاميذ. هدفها مزدوج: الأول تثبيت التلاميذ في حقيقة يسوع
القائم من القبر في المرحلة الأولى من حياتهم، والثاني تثبيتهم في فهم متواصل
ومطّرد لحقيقة يسوع، والشهادة له أمام العالم بدون خوف ولا تراجع في جميع
الاضطهادات التي سيتعرّضون لها طوال حياتهم.
د- البرقليط المبرّر
عند يوحنا لا ذكر للمحاكم والقضاة. فالمحكمة الكبرى عنده هي الصراع اللاهوتي الكبير
بين يسوع المسيح والعالم، وتنتهي بالحكم على العالم وتمجيد يسوع بالصليب والقيامة.
فيوحنا لا يهتمّ بالمحاكم التي تقاضي التلاميذ، فكلّها تختزل بقوّة واحدة خفيّة
اسمها العالم. لذلك يقول يسوع بوضوح إنه لن يظهر ذاته للعالم (14: 22)؛ والبرقليط
الذي سيكون مع التلاميذ وفيهم، "لا يسع العالم قبوله، لأنه لا يعرفه ولا يراه"
(17:14). على طلب يسوع سيعطي الآب البرقليط (14: 16) ولكن العالم غير قادر أن يقبل
هذه العطيّة من الآب. وسبب هذا العجز في آخر الآية "لأنه لا يراه ولا يعرفه".
فالفعل "رأى" "θεωρειν" يعني عند يوحنا التدرّج من الرؤية الجسدية إلى الرؤية
الباطنيّة فإلى التأمّل الإيمانيّ في الحقائق الروحيّة. فإذا كان يسوع في حياته على
الأرض يعيب على العالم أنه لم "ير" روح الحق، فهو يريد أن يقول إن العالم لم ينجح
في أن يدركه، أي أن يميّزه من خلال مظاهره الخارجية. وجب التفكير هنا في حضور وعمل
الروح في شخص يسوع نفسه، وفي رسالته وكلامه (23:1؛ 3: 34؛ 6: 63). بما أن العالم
غير قادر أن يدرك الروح العامل في حياة المسيح يسوع فلا يستطيع أن يعرفه. لهذا
السبب قال يسوع إن العالم غير قادر أن يقبل روح الحق الذي سيعطيه الآب إلى
التلاميذ، فهو ليس أهلاً ليقبل عطيّة الآب.
يصرّح يوحنا في 8:16 "متى جاء [البرقليط] يوبّخ على الخطيئة، وفي أمر البرّ
والدينونة". يحدّد يسوع هنا عمل البرقليط المستقبلي بالنسبة للعالم بفعل "ελεγχειν"
وتعني: قام بتحقيق، استنطق، وبّخ وقاصص، أقنع أحدَهم بخطأه، وقدّم البرهان على ذلك.
تبنّى غالبيّة الشرّاح على أن البرقليط يقدّم البرهان على خطيئة العالم وذنبه.
بالفعل إن دعوى كبرى قد افتتحت بين يسوع والعالم، الذي رفض الإيمان به. اتّهم
العالم يسوع بالجنون "إن بك إبليسًا" (يو 8: 48)، وبالتجديف (10: 33). الكلّ يعلم
أن العالم على أعلى مستوياته حكم على يسوع: السلطة المدتيّة باسم القيصر والسلطة
الدينيّة بصوت كهنة الهيكل. لم يكن ليسوع أي مدافع. العالم ببراهينه واتّهاماته
المزوّرة برهن أن يسوع مُذنب. الموت على الصليب هو برهان قاطع، حسب منطق العالم، أن
الله كان ضدّه. فمن سيكون معه ومن سيدافع عنه؟
البرقليط، روح الحق روح يسوع سيكون المبرّر ضد العالم الخاطئ. هو من سيدافع عن
يسوع، ويتّهم العالم ويدينه. البرقليط يقدّم البرهان على ذنب العالم، وذلك في
مواضيع ثلاثة هامّة، وهي الخطيئة والبرّ والدينونة.
أولاً يوبّخ العالم على الخطيئة. في حياة يسوع على الأرض تنكّر اليهود له فحاكموه
وصلبوه. البرقليط سينظر في المحاكمة ويبيّن للتلاميذ أن الخطيئة هي في العالم،
والبرّ هو في يسوع، والمدان الحقيقيّ في هذه المواجهة هو أركون هذا العام.
البرقليط "يعيب على العالم خطيئة لأنه لا يؤمن بي (يسوع)" (9). هنا يكمن بالنسبة
إلى يوحنا جوهر الخطيئة: رفض العالم الإيمان بيسوع كونه مسيحًا وابن الله. في عمل
البرقليط الخفيّ يجد التلاميذ القوّة الكافية لئلا يعثروا في كذب العالم ويثبتوا
أمينين للمسيح. على الصعيد التاريخي تلاميذ يسوع حوكموا بمحاكم البشر، أما على ضوء
روح الحق فالتلاميذ هم الذين أدانوا العالم في قلوبهم.
ثانيًا يوبّخ العالم في أمر البرّ. البرّ هنا ليس برّ المسيحيين ولكن برّ يسوع
نفسه. يشرح هذا البرّ كونه قداسة يسوع، صداقته مع الله، حقّه في نزاعه مع العالم.
ولكن التفسير الذي يعطيه يسوع في الجملة اللاحقة "لأني ماض إلى الآب، ولن تروني"
(10)، يفترض تفسيرًا آخر. البرّ هو بمعنى الظفر والمجد. برّ يسوع هو برّه الظافر
الذي يسطع عند تمجيده وقت يعود إلى الآب. إذًا عودته إلى الآب تظهر أنه البارّ على
الإطلاق. عندما يُعطي البرقليط التأكيد للتلاميذ أن يسوع هو في المجد يساهم مساهمة
كبرى في إظهار خطأ العالم المأساويّ، وبراءة يسوع التامّة من أي خطيئة.
وثالثًا يوبّخ العالم في أمر الدينونة. في المحاكمة بين المسيح والعالم، كان الحكم
ساعة الألم، ساعة موت يسوع: مجده على الصليب ورفض العالم الخاطئ الإيمان به، تؤلّف
الحكم على العالم وعلى رئيسه. عمل الروح المنير يسمح للرسل أن يكتشفوا وراء أحداث
الآلام والموت رئيس هذا العالم، فيحكم البرقليط على عمل الشرير في ضمير التلاميذ.
وهو يقوم بعمله كونه البرقليط أي المدافع ولمحامي. الروح القدس أعاد محاكمة يسوع،
إنه روح الحق، وضع النصاب والحقيقة المطلقة في هذه المأساة الرهبية. ربح يسوع دعواه
ضدّ العالم.
الخاتمة
تَظهر الوحدة واضحةً في نصوص البرقليط، فكلُّها تتكلَّم عن إيمان التلاميذ في
حياتهم. فيها تشديد على المواجهة الجذريَّة بين العالم والتلاميذ، وفيها تحديد لدور
البرقليط التعليميّ، وفيها وصف لعمل البرقليط الشرعيّ في المحاكمة الكبرى بين يسوع
والعالم. وفيها أولاً وآخرًا دور البرقليط الخاصّ في تعميق إيمان التلاميذ ليفهمهم
في العُمق حياة يسوع ورسالتَه ويُثبِّتَهم في الإيمان ضدَّ هجمات العالم.
البرقليط الآخَر، الروح القدس، هو يسوع آخَر يواصل، بعد عودة يسوع إلى الآب، رسالة
يسوع مع التلاميذ وفي التلاميذ حتى منتهى الدهر. وكونَهُ روح الحق (17:14؛ 15: 26؛
13:16)، أصبحت مَهمَّتُه أن يَنقل إلينا الحقيقة، ويغرسها في قلوبنا. هكذا بفضل
عمله الخفي تستمرُّ كلمة يسوع في الكنيسة إلى الأبد.
الفصل الثامن عشر
الخلاص عند يوحنا
الأب شارل بيرو
ما هي السوتيريولوجيا عند يوحنا؟ كيف يتكلّم عن الخلاص؟ إن يو يستعمل مرارًا لفظة
"خلّص" (سوزاين، 1: 17؛ 5: 34؛ 10: 9؛ 12: 47). ولكن كيف يتمّ هذا الخلاص؟ لا
يستعمل سوى مرّة واحدة لقب "مخلّص" (4: 42؛ رج 1 يو 4: 14). لاشكّ في أن المعمدان
يسمّي يسوع منذ البداية كما يلي: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (29:1،
36؛ رج 33:8- 36). ولكن ما هي هذه الخطيئة بحسب يو، هذه الخطيئة التي تفصلنا عن
الله وتجعلنا عبيدًا (34:8، 42، 44، 47)؟ هذه الخطيئة التي تسجننا في نفسنا، وتسجن
العالم في نفسه وتخضعه لرئيس هذا العالم قبل أن يقهره صليب المسيح (31:12؛ 30:14؛
11:16)؟
أما نكون قبل كل شيء أمام خطيئة اللاإيمان لدى ذاك الذي يرفض أن يرى ساعة الخلاص،
الخلاص بصليب الربّ الممجّد؟ وصليب ذلك الذي "رُفع" (هبسوو، في الأرامية س ب ق
بمعنى رفع ومات، 3: 14؛ 8: 28؛ 12: 32، 34) وهكذا "مجِّد" (39:7؛ 12: 16... ما
يقارب ثلاثين مرة، رج أش 13:52)، يكشف عن طريق المفارقة محبّة الله. فالله أسلم
ابنه لخلاص العالم (3: 16؛ 1 يو 4: 9). وكان الابن أمينًا للرسالة التي تسلّمها من
الآب، فأسلم نفسه من أجل "أخصّائه" (13: 1؛ 14: 30- 31؛ 13:15). أعطى حياته طوعًا
(10: 15، 17) لتكون للخراف وفرة الحياة (10: 10).
نستطيع أن نبرز هنا عددًا من المواضيع. (1) حول يو 1: 29 والحمل الذي يرفع خطيئة
العالم" (رج أش 52: 12 ي). (2) حول عطيّة الحياة على مثال اسحاق. (3) حول مواضيع
ساعة الآلام المجيدة، والحياة، والماء... والتي تحمل رنّة سوتيريولوجيّة. (4) حول
الأهميّة المعطاة لخبر الباعة المطرودين من الهيكل، ولعبارات عنيفة ضدّ الهيكل.
وهكذا يخسر نظام الخلاص (الذي جُمع في الهيكل وفي الذبائح) كل قيمته ويُرذل. فيسوع
هو الهيكل الجديد. هو حمل الذبيحة (1: 29: حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم؛ 19:
36: لم يكسر له عظم).
سوف نتوقّف عند النقاط التالية: (1) اسكاتولوجيا تحقّقت. (2) خلاص بالمعرفة. (3)
دور الروح البارقليط.
1- اسكاتولجيا تحقّقت
يُطرح السؤال: هل يتطلّع يو إلى مستقبل الخلاص أم يعتبر أن كل قيم الخلاص هي هنا
منذ الآن بعد أن تحقّقت تحقّقًا كليًا في المسيح؟ أما يلتهم حاضرُ الخلاص المستقبل
التهامًا كاملاً؟ ونبدأ بتذكير قصير حول موضوع الخلاص وألفاظه عند بولس وغيره.
أ- ألفاظ الخلاص
- "سوتيريا"، الخلاص. هو المفهوم البيبلي والهلنستي الذي يتحدّث عن الصحّة والخلاص.
- الاسكاتولوجيا (أقوال تتعلّق بالأزمنة الأخيرة) هي غير العالم الجلياني (أو
الرؤيويّ) الذي يدلّ على نمط من الأدب الذي يكشف الواقع الأخير، على أدب وحي. هذا
ما نجده في دا، رؤ، 4 عز.
- الاسكاتولوجيا التالية (ما زلنا ننتظرها). والاسكاتولوجيا التي تحقّقت (النهاية
هي حاضرة منذ الآن). والاسكاتولوجيا التي هي في طور التحقيق.
ب- الاسكاتولوجيا اليوحناويّة والبولسيّة
أولاً: إلى أيّ حدّ يشير يو إلى خلاص ما زلنا ننتظره، وكيف يتكلّم عن هذا الخلاص؟
هنا يختلف يو كثيرًا عن بولس وعن الازائيّين.
- عند مر ومت، أعلن يسوع الملكوت الآتي. من هنا، كان انتظار كله حمّى للمجيء لدى
التلاميذ الأولين.
- عند لو، أعلن يسوع الملكوت، فجاء الروح القدس.
- عند بولس حيث انتظار المجيء القريب (1 تس 13:4-14) قد حلّتْ محلّه وبشكل تدريجيّ
فكرةُ تتحدّث عن تأخّر المجيء. ويميّز الرسول بين "تبربر" "الخلاص" (يرد فعل خلّص
في المضارع في الرسائل البولسيّة). هذا ما يتضمّن مسيرة حياة مسيحيّة تأخذ بعين
الاعتبار ما "هو حاضر الآن" من صليب القائم من الموت، الذي برّرنا الآن، وما "لم
يتمّ بعد" من خلاص مقبل، وذلك حسب الرسمة التالية:
برّر... خلّص
مع المسيح... في المسيح... مع المسيح
في الروح.
ثانيًا: الاسكاتولوجيا في التقليد اليوحناوي
أما ألغى (أو كاد يلغي) يو الموضوع الاسكاتولوجيّ؟ فنظرته الروحيّة إلى الخلاص، في
ما هو الآن من خلاص تمّ كله، جعلته يلغي بُعد خلاص مقبل وانتظار ورجاء؟ ابتهج
بولتمان بهذه النظرة التي جعلت الخلاص "خارج الزمن"، جعلت الرجاء "خارج السطر"،
ساعة لا يهمّ "سوى القرار الآني للإيمان. ويسير كزمان في هذا الخطّ ويفسّره بشكل
خاص متأثّرًا بغنوصيّة ذلك الوقت، حيث يترك الزمان والمادة.
وبمختصر الكلام، كانت المناقشات عديدة في هذا المجال: بعضها يقول بغياب المنظار
الاسكاتولوجي في يو الذي يهتمّ قبل كل شيء بحاضر الخلاص كما قال جاك دوبون. والبعض
الآخر (أوسكار كولمان) اتجهوا إلى قراءة يو في إطار "تاريخ خلاص". ولكن بعض العناصر
اليوحناوية المتأخّرة (؟) تشير إلى المستقبل. فالتقليد اليوحناوي الذي هو في إطار
اسكاتولوجيا تحقّقت أو كادت، قد يكون تأثّر بالاثر الهلنستي.
ولكن عندذاك أما نخطئ حول الفن الأدبي في يو؟ فخبره يبدو أولاً بشكل "شهادة" (تحكم
على الماضي انطلاقًا من نقطة أخيرة من التاريخ في المسيح) أكثر منه كانجيل يشير إلى
بشرى الخلاص.
هنا نميّز بين الخطبة التعليميّة التداولية والخطبة القضائية: (1) خطبة مدرسية أو
خطبة برهان. (2) خطبة تداوليّة تناقش الخيارات الموضوعة وتطلب قرارًا. (3) خطبة
قضائيّة تعلن حكمًا. فإن انجيل يوحنا لا يبدو بشكل برهان مدرسي أو إعلان يشير إلى
المستقبل، بل خطبة قضائيّة. من هنا الأهمية المعطاة لموضوع "الشهادة". فخبره هو خبر
دعوى كبيرة يُدعى فيها الشهود، واللهُ يعلن الحكم. فالانجيليّ كنبيّ المسيح القائم
من الموت، الذي يحدّد موضعه الآن في الأزمنة الأخيرة، يعلن باسم الله دينونة الله
النهائيّة على العالم والتاريخ. فالنبيّ يمتلك منذ الآن مفاتيح التاريخ النهائيّ
وبالتالي الكلمة الأخيرة في دينونة وُضعت باسم الله. وهكذا يبدو مستقبل الخلاص أو
المجيء هنا، وكأنه نُسيَ أو ابتُلع في الروح. وهذا ما يفسّر غياب منظار ارسالي في
يو. فالنظر لا يتوجّه إلى المستقبل.
ونتذكّر أهمية موضوع الشهادة في إطار دعوى، في الخاتمة: "هذا هو التلميذ الذي يشهد
لهذه الأشياء وقد كتبها، ونحن نعلم أن شهادته حقّ هي" (21: 24). هذا الموضوع يظهر
أيضًا في الأدب الجلياني. وهكذا نصل إلى محاكمة مزدوجة تتداخل ألفاظها: فالعالم
(كوسموس) واليهود الذين يمثلونه، هما في محاكمة ضد يسوع، والله يقيم دعوى على
العالم. ومرمى الدعوى ضدّ يسوع نجد تعبيرًا عنه في إعلان اليهود لبيلاطس: يجب على
يسوع أن يموت، لأنه يعتبر نفسه ابن الله، في المعنى القوي، وفي إطار "كرستولوجيا
عليا". وهكذا نرى الشهود يُعرَضون أمامنا: المعمدان (1: 19-28). الكتب المقدّسة (5:
39). موسى الذي صار متهّمًا لليهود (5: 3-38). ويسوع الذي "يشهد للحقّ" (37:18).
تلك هي الحرب الكبيرة بين يسوع وابليس، وهي حرب تنتهي بموت يسوع في المجد، في هذه
"الساعة" الاسكاتولوجيّة التي دقّت الآن (7: 30؛ 8: 20) لتشير إلى هزيمة العالم.
الآن دينونة العالم. الآن يُلقى رئيس هذا العالم على الأرض" (12: 31). هذا ما حصل
منذ الآن. والعالم قد أدين. ويسوع، منذ الآن، غلب العالم (16: 11، 33 ب).
ج- موضوع ابن الانسان في يو
ونضيف بعض اعتبارات حول صورة ملغزة، صورة ابن الانسان، التي بدا تأثيرها
الاسكاتولوجيّ واضحًا. في الأحوال العادية، يتحدّد موقع هذه العبارة على شفتي يسوع
ليدلّ على نفسه، أو على الديّان الاسكاتولوجيّ المرتبط بنفسه (مر 14: 62؛ لو 9:
26). لسنا أمام لقب كرستولوجيّ في حصر المعنى. ولسنا أمام صفة من الصفات. ولكن في
يو، ستصبح هذه التسمية لقبًا كرستولوجيًا يعبّر عن وضع سماويّ واسكاتولوجيّ. رج يو
1: 51: صار يسوع رباط سلم يعقوب الجديد، وبالتالي موضع الوساطة الأسمى؛ 3: 13-14؛
5: 27 (أقامه الآب الديّان السامي لأنه ابن الانسان)؛ 8: 28 (حين ترون ابن الانسان
تعرفون أني هو). فابن الانسان في مجده (12: 23؛ 13: 31) هو وجه اللاهوت.
2- خلاص بالمعرفة
لا ننسى أهميّة موضوع "المعرفة" في العالم اليونانيّ، في اليهوديّة الهلنستيّة، في
قمران، عند بولس، وعند يوحنا. ولكن لفظة "معرفة" (غنوسيس) يتبدّل معناها بحسب
السياق الذي تقع فيه: هل نحن أمام معرفة من النمط العقلي، على مستوى الفكرة أو
المفهوم (كما في العالم اليوناني)، وهي معرفة تُعتبر الوسيلة الفضلى للبلوغ إلى
الخلاص؟ أو هل نحن أمام "معرفة" بحسب الطريقة السامية (في العبرية د ع ت) أي أمام
تعرّف لما يريد الله منّا (في قمران، في الرسائل البولسيّة)؟
من جهة، تولّد المعرفةُ (العقليّة) الخلاصَ بما أنها معرفة. ومن جهة أخرى، تتسجّل
المعرفة (د ع ت) الحقّة أولاً في العمل، في خبرة ناشطة، في التعرّف إلى خلاص يمنحه
الله (أو مسيحه). نلاحظ في يو وجود فعل "غيغنوسكاين" و "اويدا" (عرف، علم). فلسنا
أمام خلاص يُمنح لنا بالنظر إلى علم أو معرفة جديدة نحصل عليها في إطار تنشئة كما
في الديانات السرانيّة التي تقول إنها تمنح الخلاص.
كان العالم الهلنستي، في ذلك الوقت، شغوفًا بمثل هذه المعرفة. كان قد بحث عن خلاص
(سوتيريا) فردي، عن "خلاص استهلاك" يتمتّع فيه الانسان حالاً. أما في يو، فالخلاص
يتحدّد موقعه منذ الآن في شخص يسوع وحده. فهو وحده يقدّم الغفران ويجمع في ذاته كل
قيم الخلاص التي دلّ عليها الهيكل حتى الآن. "أما هو فكان يتكلّم عن هيكل جسده" (2:
19- 21). وهكذا يقوم كل شيء في أن يحدّد الانسانُ موقعَه بالنسبة إلى يسوع، في
علاقة وجوديّة وحياتيّة معه. ورباط المعرفة هذا يجد علّته الأخيرة في "المعرفة"
نفسها التي تجمع الآب بالابن (10: 15، 38).
3- دور الروح القدس، البارقليط
أ- الروح، شخصه ودوره
أولاً: الروح شخص حيّ
في العالم اليهوديّ القديم، يشكّل الروح واحدًا مع الله. وفي الوقت عينه، يدلّ "روح
النبوءة" على كل ديناميّة مخطّط الله في العالم. إنه تجلّي الله في عمل الخلاص.
وحين نتكلّم عن الروح إنما نتكلّم عن عمل. وستشدّد مختلفُ التقاليد المسيحيّة
بدورها على هذا الدور الجوهريّ. إن مسيرة الخلاص هي منذ الآن "روحيّة"، هي في
الروح. تكلّم بولس ويوحنا عنها. وحدّد يوحنا وجه البارقليط، المحامي، والمدافع عنا
أمام الله (14: 16؛ في 1 يو 2: 1 تطبّق الكلمة على يسوع).
ولكن علاقة الروح بيسوع والآب تطرح بعض الأسئلة. فتجاه هذين الشخصين (أو الاقنومين،
كما سيقول اللاهوت فيما بعد)، يصبحُ الروح بدوره شخصًا حيًا. فلفظة "بنفما" (الروح)
التي هي حياديّة في اليونانيّة، صارت اسم شخص مع ضمير المذكّر (14: 26؛ 13:16).
فالتعرّف إلى شخصه يسير بنا إلى أبعد من تشخيص أدبي على مثال ما قال فيلون عن
الحكمة أو اللوغوس. غير أننا لا نقرأ في يو عبارات من النمط الثالوثيّ كما نجد في
رسائل بولس (روم 15: 30-32؛ 1 كور 12؛ 4-6؛ 2 كور 3:3) أو في مت 28: 19. ومع ذلك،
يبقى دور الروح جوهريًا رغم كل شيء.
سبق وقلنا إن التقليد اليوحناويّ لا يعيش في انتظار مجيء قريب ليسوع. فمسألة "تأخّر
المجيء" (لماذا تأخّر يسوع في العودة) بدت وقد تجاوزها الزمن. فالروح (روح القائم
من الموت) هو الذي يجعلنا نحيا منذ الآن. هذا ما يقوله لوقا ولا سيّما في أع.
والروح هو الذي يجعلنا نقرأ (ونعيد قراءة) حدث يسوع، ويتيح لنا أن نحيا ملء الحياة
منذ الآن.
ثانيًا: الروح وقراءة حدث يسوع
يتيح لنا الروح أن نعيد هذه القراءة في العمق. ويوحّد نظرتنا إلى يسوع، فيضمّ ماضي
يسوع ليجعله حاضرًا في حاضر حياتنا "الروحيّة". الروح هو في مبدأ هذه القراءة
الجديدة والفهم الجديد. وتوقّف هوغن رولس عند كلمات يوحنا عن الروح في الوظيفة
الاستعاديّة والاستقباليّة. بالوظيفة الاستعاديّة يوجّه المؤمن الروح القدس نحو
يسوع القبل الفصحي. وبالوظيفة الاستقباليّة، يُفتح المؤمن على وحي الآب والابن.
فالروح يدلّ على التواصل والتماهي بين عمل يسوع القبل الفصحيّ وعمله البعد الفصحيّ.
وهكذا يُبرز تحقيقَ مشيئة الآب. فإذا كان هناك قطع سبب موت يسوع، فليس من قطع بين
قبل الفصح وبعد الفصح. فالانجيل يرمي بأن يجعلنا نكتشف حضور (يسوع في الروح)
واستمراريّة وحي الله في عمل الروح. فبالتدخّل النبوي للروح، يرتبط المؤمنون في وقت
واحد بكلمة يسوع القبل فصحيّة ووحي الآب والابن. وموضوع المحبّة يترجم قوّة عمل
الروح هذا في الذين يؤمنون.
ثالثًا: الروح يحيينا
وننطلق بشكل خاص من خطب الوداع في الانجيل الرابع (ف 13-17) لنحدّد أيضًا بعض
الأمور. لماذا هذا التشديد على موضوع الوداع، على هذه الخطبة الوصيّة التي تدلّ على
موت المعلّم وتعلن مسبقًا غيابه؟ كيف يستطيع هذا الغائب، وهو يودّع أخصّاءه فيقول
لهم إنه ذاهب إلى الموت، أن يكون أيضًا حاضرًا بينهم؟ نحن هنا بلا شكّ أمام سؤال
أساسيّ في يو حين يعيد قراءة حدث يسوع قراءة بعدفصحيّة. فكيف يستطيع يسوع دومًا أن
يخلّصنا ويحيينا؟ نجد الجواب بدون شك في خطبة الوداع الأولى (13: 31؛ 14: 31) وفي
4:16 ب-33. فزمن غياب المعلّم ليس زمن نقص وقصور. بل هو مصبوغ بحضور الروح، بحضور
ملء جديد نعيشه في جوّ المحبّة (أغابي، رج 13: 34-35؛ 15: 1-17). وهذه المحبّة
المتبادلة بين الإخوة تدلّ على حضور جديد فتبرز الهويّةَ المسيحيّة.
ب- الروح والآب والمسيح
ونتوقّف عند هذا الدور المحدّد، فنتذكّر كيف يوحّدنا الروح بالآب والابن. فالخلاص
هو في جوهره هذا الرباط مع الله في ملئه. وفي خطب الوداع بشكل خاصّ، يشدّد يو على
هذه الوحدة وهذا العمل المشترك بين الثلاثة الذين لا يمتزجون. ولاحظ فرارو بشكل خاص
أن الأفعال عينها تستعمَل للروح والآب والابن، دون مزج بين الأدوار. فالأفعال التي
تدلّ على حضور مثل "نكون مع"، "نقيم"، "نكون في" تُقال في كل من الأقانيم الثلاثة.
ونقول الشيء عينه عن أفعال "رأى"، "عرف"، "قبل"، دون أن ننسى موضوع الشهادة وتعليم
(ديداخي) يسوع والبارقليط والآب. وفي كل مرّة (مثلاً، موضوع عطيّة الحياة) يشدّد
التقليد اليوحناويّ بشكل سام وبألفاظ تدلّ على العمل، على مشاركة جذريّة بين
الأشخاص الالهيّة الثلاثة في التمايز بين شخص وشخص. فإن يوحنا (ومثله بولس) لا
يتكلّم عن الروح مستعملاً لفظة "الطبيعة أو الجوهر أو الشخص". المهمّ هو الحياة
والخلاص. وهذا الخلاص لا يمكن أن نعبّر عنه، كما لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بالنظر إلى
علاقتنا الحيّة مع ابن الآب في الروح.
الفصل التاسع عشر
غسل الأرجل
13: 1- 20
جهاد الاشقر وسوسن حبيب
بيت الرسالة
"في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلام
وروح الله يرفّ على وجه المياه" (تك 1: 1)، وفي بدء آلامه "صبَّ السيّد ماء في
مطهرة وأخذ يغسل أرجل التلاميذ" (يو 13: 5).
فعلُ الخَلق نفسه نقرأهُ في بدايتين: الأولى في الاعتراف بالله الخالق من خلال
كلمته وروحه، والثانية في الاعتراف بالابن الحبيب الذي جعل الآب في يديه كلّ شيء
وهو يُعيد خَلقَنا بفعل حبٍّ وصل به إلى أقصى حدود، "بغسل الميلاد الثاني" (تي 3:
5-6). نربطُ بين نصّ غسل الأرجل ونصّ الخَلق من خلال رؤية كتابيّة متكاملة نرى فيها
الخلفيّة العميقة لبداية ساعة المجد في الانجيل الرابع. رمزيّة الماء واستعمال
اليدين والإنحناء تشكّلُ مثلّثًا كتابيّاً يبني عليه كاتب الانجيل الرابع هذا الفصل
13 على صورة لاهوت نصّ الخلق الذي يستعمل هذه الرمزيّة المثلّثة نفسَها: ماء- جبل
بيديه- انحنى. هذه الرؤية سوف تكون خلفيّة قراءتنا نحن أيضًا بعد أن درسنا النصّ
واكتشفنا كثيرًا من الخطوط والمحاور التي تجد صدىً لها ورمزيّة تُضيئُها في أسفار
أخرى، والكتاب يضيء الكتاب ويفسّره ونبدأ بدراسة نص غسل الأرجل (13: 1- 20).
أ- موقع النصّ ومدلولُه
1- مقدمة (1-3)
2- تصوير الفعل (4- 5)
3- السؤال (6- 11)
ب- درس النص في بيانه وهيكليّته وأبعاده الكتابيّة واللاهوتية:
4- التفسير (12-17)
5- الخاتمة (18- 25).
ج- سؤالين: 1- أين نحن من فعل الخَلق في عيشنا الكنسيّ والرسوليّ؟
2- ما هو موقع القدوة التي تركها لنا الربّ في مسيرة
التلمذة الدائمة له؟
1 قبل عيد الفصح، وكان يسوع يعلم بأن قد أتت ساعة انتقاله عن هذا العالم إلى أبيه،
وكان قد أحبّ خاصّته الذين في العالم، فبلغ به الحبّ لهم إلى أقصى حدوده
2 وفي أثناء العشاء، وقد ألقى إبليس في قلب يهوذا بن سمعان الاسخريوطيّ أن يُسلّمه،
3 وكان يسوع يعلم أنّ الآب جعل في يديه كلّ شيء وأنّه خرج من الله وإلى الله يمضي،
3 فقام عن العشاء، فخلع ثيابه، وأخذ منديلاً فائتزر به، 5 ثمّ صبّ ماءً في مطهرة
وأخذ يغسل أقدام التلاميذ ويمسحها بالمنديل الذي ائتزر به.
6 فجاء إلى سمعان بطرس فقال له: "أأنتَ، يا ربّ، تغسل قدميَّ؟"
7 أجابه يسوع: "ما أنا فاعل، أنتَ لا تعرفه الآن ولكنكَ ستدركه بعد حين".
8 قال له بطرس: "لن تغسل قدميَّ أبدًا".
أجابه يسوع: "إذا لم أغسلكَ فلا نصيب لكَ معي" (المستقبل).
9 فقال له سمعان بطرس: "يا ربّ، لا قدميَّ فقط، بل يديّ ورأسي أيضًا".
10 فقال له يسوع: "مَن استحمَّ لا يحتاج إلاّ إلى غسل قدميه، فهو كلّه طاهر.
وأنتم أيضًا أطهار، ولكن لا كلكم".
11 فقد كان يعرف مَن سيسلمه، ولذلك قال لستم كلّكم أطهارًا.
12 فلمّا غسل أقدامهم لبسَ ثيابه وعاد إلى المائدة فقال لهم: "إتفهمون ما صنعت لكم؟
13 أنتم تدعونني "المعلّم والربّ"، وأصبتم فيما تقولون، فهكذا أنا
14 فإذا كنت أنا الربّ والمعلّم قد غسلت أقدامكم، فيجب عليكم أنتم أيضًا
أن يغسلَ بعضكم أقدام بعض. 15 فقد جعلت لكم من نفسي قدوةً (الآن)
لتصنعوا أنتم أيضًا ما صنعتُ إليكم. (المستقبل) 16 الحقّ الحقّ أقول لكم:
ما كان الخادم
أعظم من سيّده ولا كان الرسول أعظم من مُرسله.
17 أمّا وقد علمتم (الآن) هذا فطوبى لكم إذا عملتم (المستقبل) به.
18 لا أقول هذا فيكم جميعًا، فأنا أعرف الذين اخترتهم، ولكن لا بدّ أن يتمّ ما كتب:
"أنّ الآكل خبزي رفع عليّ عقبه. (مز 41: 10).
19 منذ الآن أكلّمكم بالأمر قبل حدوثه، حتى إذا حدث تؤمنون بأنّي أنا هو (خر 3: 14،
تثنية 39:32)
20 الحقّ الحقّ أقول لكم مَن قبل الذي أرسلُه قبلَني، ومن قبلَني قبلَ الذي
أرسلني".
- إشارات الزمان تعابير الشموليّة، إشارات المكان، اللون الأسود: أفعال يسوع، الخطّ
الكوفيّ: ذكر الآب.
1- موقع النصّ ومدلولُه
نحن في بداية كتاب المجد وبلوغ ساعة يسوع التي ينشدُّ كلّ الانجيل الرابع صوبها.
هذه الساعة التي قبلَ أن يغيّر افتتاحها عند طلب "أمّ يسوع" في عرس قانا والتي تصل
الآن- في عرس الصليب- وفي هذا النصّ إلى ملئها: "وكان يسوع يعلم بأن قد أتت ساعة
انتقاله من هذا العالم إلى أبيه" (13: 1)، وقد دهنت مريم قدَمَي يسوع بالطيب
ومسحتهما بشعرها (يو 12: 3).
ونحن في بداية سرّ آلام السيّد يفتتحُه الانجيليّ بمقدمة احتفاليّة تردّنا إلى
مقدمة الانجيل: "في البَدء كان الكلماة والكلمة كان الله.... به كوّن كلّ شيء..."
(يو 1: 1) وإلى مقدمة سفر التكوين: في البدء خلق الله السماوات والأرض (تك 1: 1).
ونحن قبل عيد الفصح الذي يُعيدُ ذكرى مراحم الربّ وأعماله العظيمة بالتسابيح
والمزامير. وأثناء العشاء الفصحيّ الذي يعيد إلى ذاكرة القلب ذكرى الليالي الأربعة
التي يذكرها الترجوم الفلسطينيّ: الليل الأول لمّا تجلّى الله في الكون لكي يخلقه،
والليل الثاني لمّا قُدّم اسحق إلى الذبح، والليل الثالث عند ظهور الله للمصريّين
في نصف الليل، يده اليسرى قتلت أبكار المصريّين ويمينه حَمَت أبكار اسرائيل ليتمّ
ما كُتبَ ابني البكر هو اسرائيل، والليل الرابع هو ليل وصول العالم إلى نهايته لكي
يغيب بعدها، إنه ليل الفصح لأجل اسم الله.
ونحن في بداية آخر حديث للربّ مع تلاميذه قبل موته (يو 14-18) وفي نهاية اعتلانه من
خلال الكلمات والآيات، والعالم انقسم أمامه أكثريّة ترفضه وتطالب بموته وبقية تقول
له: "يا ربّ، إلى مَن نذهب وكلام الحياة الأبديّة عندك" (يو 68:6). ومع هذه البقيّة
ومن خلالها سيقدّم الخلاص الحقيقيّ والفصح الجديد نعبُرُ وبواسطته من هذا العالم
إلى الآب، على خشبة صليبه.
لم يبقَ كلام ولا آيات. بقيَ شخصُهُ آية الآيات، أعطانا أن نراهُ يُعلّمنا آخر
أمثولة لا بفمه بل يقوم عن العشاء ليقولها بجسده، وأعطانا أن نراه معلّقًا على
خشبة.
2- درس النص في بيانه وهكليّته وأبعاده الكتابيّة واللاهوتيّة
تكشف لنا الدراسة أنّ بنية النصّ مثلّثة: تصوير الفعل (4-5)، السؤال الذي سبّبه
الفعل (6- 11)، وتفسير الفعل (12-17). وهذه البنية المثلّثة أسلوبٌ معمولٌ به لدى
الربّانيّين، لكنّ الانجيليّ أضاف إلى هذه البنيّة مقدّمة (1-3) وخاتمة (18- 20)
يُعلن فيهما عن خيانة يهوذا ويذكر الآب وفعله.
أ- المقدّمة (1-3)
هذه المقدمة الاحتفاليّة التي تفتح النصّ تخرج عن كونها مقدمة عاديّة تفتتح كتابًا
أو جزءًا من كتاب أو حدَثًا. نحن نقرأ من خلال بَيانها اهتمامات الانجيليّ المندرجة
في تكديسات أربعة تدورُ كلّها في حركة اتّصال الابن بالآب.
الاهتمام الأوّل- إشارات الزمان (قبل عيد الفصح- كان يسوع يعلم بأن قد أتت ساعة
انتقاله- وقد أحبَّ- وفي أثناء العشاء- وقد ألقى إبليس) تصبُّ كلّها في ساعة يسوع،
في اللحظة الحاضرة وفعله الحاضر. وهي تتخطّى كونها توقيتًا وتأريخًا لتكونَ مناخًا
لاهوتيًا غايته القول إنّ زمنَ الربّ حاضرٌ في كلّ الأزمنة وفاعلٌ من خلال كلّ
الأزمنة ما يشاؤه الآب الذي جعل في يَدي الابن كلّ شيء. ويُظهر الانجيليّ من خلال
إشارته "أثناء العشاء" إلى فظاعة الخيانة التي تصير في قلب يهوذا في الوقت الذي
يُظهر الربّ محبّته في أقصى تعبير لها. ومن خلال هذه الخيانة يدخل إبليس وتصير
المُجابهة بينه وبين يسوع، بين النور والظلمة.
الاهتمام الثاني- إشارات المكان (هذا العالم- العشاء- في قلب يهوذا- في يديه) هي
أيضًا تتّخذُ صورة الدائرة التي يصغُرُ قَطرها تدريجيًا ابتداءً من كلمة "هذا
العالم" إلى "العشاء"، إلى "قلب يهوذا" لتصل إلى يَدي يسوع. ويصير كلّ المكان
محشورًا في "يديه" اللَتين جعل الآب فيهما كلَّ شيء وسوف تغسلان أرجل التلاميذ
وتُثقبان بالمسامير.
الاهتمام الثالث- تكديس للأفعال الستّة المنسوبة إلى الربّ (يعلم- أحبّ خاصّته- بلغ
به الحبّ- يعلم- خرج من الله وإلى الله يمضي)، يقابله فعل واحد منسوب إلى الآب هو
أنه جعل كلَّ شيء في يَدي الابن، وفعل واحد منسوب إلى إبليس أنه ألقى في قلب يهوذا
أن يسلمه... وهذا التكديس لأفعال الربّ يُضيف إليه استعمالاً ملفتًا لتعابير الكلّ
والشموليّة (أقصى حدود الحبّ- كلّ شيء) وهو في حركة ديناميّة تصاعديّة تجمع بين
الماضي والمستقبل وتخلو من أيّ فعل في صيغة الحاضر. كمال المعرفة (كان يعلم) وكمال
الحبّ (كان قد أحبّ) وكمال السلطة (الآب جعل في يَديه كلّ شيء) الذي يعيشه يسوع في
مواجهة ساعة الظلمة.
واهتمامه الرابع نقرأه في إلحاحه على علاقة يسوع بالآب في حركة خروج من حضن الآب
ورجوع إليه. ويؤكّد هذه العلاقة بتكرار ذكر الآب بمرّات أربع وبفعل تخلّي الآب
للإبن إذ يجعلُ كلّ شيء في يديه. هذا التخلّي من قبل الآب للابن الذي يصل به الحبّ
إلى أقصى درجات إخلاء الذات هو بداية الولوج إلى سرّ الله المحتجب في هذا النصّ.
وتجدر الاشارة إلى أنّ ذكر الآب يبدأ النصّ ويختمه ويُنسب إليه فعلان: أنّه جعل في
يديّ الابن كلّ شيء (3) وأنّه هو الذي أرسل الابن (20). والارسالُ سبقَ الإنحجاب في
خبرتنا، بينما الانجيليّ يعكس ترتيب الأفعال. الآب أخلى ذاته منذ البدء وأسلَمَ
وجههُ في وجه الابن الذي أرسله إلينا. نحن نفهم هذه الحقيقة بعد أن رأينا وجه الابن
وكلّمنا عنه، بتعبير آخر، نحن نختبر الإرسال قبل أن نختبر الإنحجاب. ولأنّنا رأينا
وجه الآب من خلال الابن المُرسل وسَمعنا عنه، صرنا قادرين على فهم سرّ انحجابه
وإخلاء ذاته في الابن. وحركة الحبّ هذه بين الآب والابن يعبّر عنها بتعابير
الشموليّة (كلّ شيء- أقصى حدود الحبّ) وهذا الإنشداد نحو الحدّ الأقصى في التعبير
ما هو إلاّ فعل الروح بين الآب والابن.
ب- تصوير الفعل (4- 5)
يتفرّد الانجيليّ الرابع برواية هذا الفعل الذي قام به السيّد ليلة أسلَم ذاته،
ويغيّب الكلام عن العشاء الافخارستيّ بحدّ ذاته، ولا بدّ أنّ له غاية. نلاحظ أنه لم
يُغيّب فقط الكلام عن العشاء الافخارستيّ المؤسِّس للعهد الجديد، بل غيّب أيضًا
كلَّ كلام يضعنا في جوّ عشاء الفصح اليهوديّ وكأنه يُبعد عن ذهن القارئ كلَّ خلفيّة
الفصح اليهوديّ. وقصده واضح، فالذي يقوم به السيّد في عشائه الأخير، ولو أنه في
امتداد الفصح اليهوديّ، هو في جدّة تمنعنا من مقاربته مع أيّ شيء سبقه: لا ذبيحة لا
حَمَل لا خبر ولا خمر ولا عَجَلة، ترك لنا الانجيليّ فقط صورة العبد. وقصده في
تغييب الكلام عن الافخارستيّا وتركيزه على فعل غسل الأرجل هو أيضًا واضح: فالذي قام
عن العشاء وانحنى على أقدام خليقته هو نفسه الذي قال: خذوا كلوا هذا هو جسدي وخذوا
اشربوا هذا هو دمي، والفعلان ما هما إلاّ تعبيرٌ لفعل الحبّ الواحد. هو يضع إذًا
فعل غسل الأرجل الذي قام به الربّ في مُقام الاعلان عن جسده ودمه في الخبز والخمر
وهو يؤسّس في آن سرَّ حضوره في القربان وسرّ الخدمة، وكلاهما مكان لقائه وتجلّيه.
ويعطي منطقًا آخر للخدمة والسلطة: "تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونها، وأن أكابرها
يتسلّطون عليها. فلا يكن هذا فيكم، بل من أراد أن يكون كبيرًا فيكم، فليكن لكم
خادمًا. ومن أراد أن يكون الأول فيكم فليكن لكم عبدًا" (متى 25:20-27). ويُلقي
الضوء على فرادة هذا الفعل الذي يخرج عن المألوف إن في توقيته (أثناء العشاء
الفصحيّ) أو في نوعيّته (المعلّم يغسل أرجل تلاميذه)، ويُلقي الضوء على معناهُ
ومرماه.
فالكتاب المقدّس في كلّ نصوصه لا يذكر غسل الأرجل في هكذا جوّ. وإذا ذكره فمن باب
الضيافة كما فعل ابراهيم (تك 4:18)، أو لابان (تك 24: 32)، أو أبيجائيل التي رحّبت
برجال داود (1 صم 2: 41) أو ذَكَرَه من باب التكريم (يو 12: 1-4) والتوبة كما فعلت
المرأة مع الربّ يسوع وأخذت تبلّ قدميه بدموعها (لو 38:7). إضافة إلى كون فعل غسل
الأرجل فعلةٌ تُنسَب فقط إلى العبد ولا تُطلب أبدًا من رجل عبرانيّ كما ورد في
اللاويّين: "إذا افتقر أخوكَ معكَ فباعكَ نفسه، فلا تستخدمه خدمة العبيد" (لا 25:
39). وإذا شاء التلميذ أن يعبّر عن احترامه لمعلّمه فهو يغسل رجليه طوعًا كما تغسل
المرأة رجلَي زوجها والأم رجلَي ابنها.
لكنّنا في هذا الحدث نرى الربّ يقوم بعمل العبد والمعلّم يغسل أرجل التلاميذ ويقلب
كلّ المفاهيم. وهو يُعطيهم بفعلته هذه أن يَروا بداية الانحناء بينما هو معهم
ليستطيعوا أن يروا الانحناء كلّه في آلامه وحيدًا وكلُّ واحد منهم يعيش موته. فعل
غسل الأرجل هو تعزية للتلاميذ واستباق لهوان الصليب كما أن التخلّي هو استباق لمجد
القيامة. وهو، من هذا المنظار، آخر آية صنعها يسوع قبل آية موته وقيامته. وهو
يُحقّق في ذاته المَثَل الذي أورده القديس لوقا عن المعلّم الذي يأخذ موقف الخادم
"طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيّدهم وجدهم ساهرين. الحقّ أقول لكم: إنّه يشدّ
وسطه ويجلسهم للطعام، ويطوف بهم ويخدمهم" (لو 12: 37؛ 22: 27).
تستوقفنا تفاصيل الفعل التي يوردها كاتب الانجيل في سبعة أفعال لم يغيّب أية حركة
قام بها السيّد (قام عن العشا- خلع ثيابه- أخذ منديلاً- ائتزر به- صبّ ماء- أخذ
يغسلُ أقدام التلاميذ- ويمسحها بالمنديل).
ويفتتح الأفعال السبعة بفعل "قام عن العشاء". في القراءة الأولى لحركة الأفعال نحن
نرى الأمر طبيعيًا: يقوم ليستطيع أن يُكمّل أفعاله الباقية. ولكنّنا نكتشف أنّ
الأولويّة المعطاة لهذا الفعل لها أبعادٌ أخرى: قام عن العشاء أي ترك العشاء، تخلّى
عن الجلوس بينما الجميع جالسون، وأوقف اللقاء التذكاريّ الفصحيّ. وقيامه هذا يضع
حدًا واضحًا لكلّ ما كان يُعاش كتذكار لفعل في الماضي يُقرأ الكتاب المقدّس
والمزامير من أجل الهذيذ به، ويخلق واقعًا في الحاضر هو في جدّة فعل الخلق والفداء.
وحركة القيام هي من أجل الانحناء، فنحن لا يمكننا أن ننحني ما لم نقم. وقيامه عن
العشاء وتركُه الخبز والخمر والتذكار هو ليُعطي عشاءً آخر وكلمة أخرى يتركها قدوةً
في جسده المنحني وتذكارًا آخر هو افتتاح العهد الجديد.
والأفعال الستّة التالية يحمّلها الانجيليّ لغة الرموز ويفتحها على وساعة أبعاد
الكتاب المقدس كلّه، وكأننا نقرأ من جديد فعل الخَلق وكتب الشريعة والنبوءات من
خلال فعل التخلّي الذي يختصر سرّ الموت والقيامة.
وخلع ثيابَه، "هو الذي في صورة الله... تجرّد من ذاته متّخذًا صورة العبد" (فل 2:
6-7). خلع ثياب مجده وبهائه، هو الابن الأوحد ليصير واحدًا منّا، وخلع ثياب المعلّم
ليكون في موقف العبد والتلميذ. وخلع ثيابه بنفسه أمام تلاميذه ليستطيعوا أن يفهموا،
في ليل آلامه، كيف ترك صالبيه يعرّوه من ثيابه. أعطاهم أن يذوقوا، في حميميّة عشائه
الأخير معهم، استباقَ ما سيُذيقُه العالم من ذلٍّ وهوان. هو المعلّم في آخر جلسة
تلمذة، يختصرُ كلّ كلماته ليس بكلمة بل بتعبير يعيشه في جسده ويعزّي تلاميذَه قبل
أن يدخلوا معهُ في ليل الآلام. وكلّ هذا لنفهم الكلمة التي أنبأ فيها عن موته
وتخلّيه عن ذاته: "إنّ الآب يحبّني لأني أبذل نفسي لأنالها ثانيةً. ما من أحد
ينتزعها منّي ولكنّي أبذلها برضايَ، فلي أن أبذلها ولي أن أنالها ثانيةً" (يو 10:
17-18).
وأخذ منديلاً فأتزر به. المنديل الذي يشدُّ الحقوين استعدادًا للمشي (لتكن أوساطكم
مشدودة، لو 12: 35) واستعدادًا لأكل حمل الفصح (خر 12)، يصير هنا وزرة الخدمة
وأداتها وهو الذي كان حول رأسه في القبر (يو 20: 7). ترتبط صورة المنديل ارتباطًا
وثيقًا بالتلمذة للمعلّم، فهو رباط التلمذة نحتاجه في شدّ الحقوين والتدريب على
السهر والاستعداد وشجاعة المشي، كما نحتاجه في خدمة الغسل وزرةً هي أداة الخدمة
وشرفيّة الانتماء لمعلّم جعل من نفسه خادمًا.
وأخذ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنديل سبق وذكرنا أن رمزيّة الماء واليَدين
وفعل الانحناء تشكّل مُثلّثًا كتابيًا يبني عليه كاتب الانجيل الرابع هذا الفصل.
الماء هو رمز الحياة والمادّة الأولى في فعل الخلق، وهو الذي يُخصب الأرض (تك 1: 2)
والنهر الذي يخرج من عدن ليسقي الجنّة (تك 2: 10)، وهو ماء الطوفان الذي يُعيد فعل
الخلق من جديد فاصلاً بين الأتقياء وغير الأتقياء (تك 6: 17)، وهو الماء الذي ابتلع
فرعون ومركباته (خر 14: 26-28) والماء المتفجّر من الصخر لكي لا يموت الشعب عطشًا
(خر 6:17)، وهو الماء الذي يغسل أورشليم المتخبّطة بدمائها (حز 16: 4) والماء الذي
يسكبه الربّ علينا لنطهر (حز 36: 25)، وماء النقاوة الذي يطلب كاتب المزامير من
الربّ أن ينقّيه به: "نقّني بالزوفى فأطهر، إغسلني فأفوق الثلج بياضًا" (مز 51)
"وفي الطهارة أغسل يديّ" (مز 26: 6)، ودعوة أشعيا النبيّ للاغتسال والتطهّر:
"اغتسلوا وتطهّروا وأزيلوا شرّ أعمالكم من أمام عينيّ وكفّوا عن الإساءة" (أش 1:
16). وهو ماء الأردن حيث نزل المخلّص يعتمد على يد يوحنا (يو 1: 28) وهو الماء
المتحوّل خمرًا في عرس قانا في أجران التطهير (يو 2: 6) والماء الخارج من جنبه على
الصليب (يو 19: 34). هو في آن عنصر الحياة ورمزها وعنصر الموت ورمزه، وهو بالتالي
المعْبَر والجسد بين الموت والحياة، نمرّ فيه "لنتطهّر بماء الاستحمام" (أف 5: 25)
ونتعمّد في سرّ موت الربّ لنصير في حال القيامة والنعمة. ولأجل ذلك لن يكون في
أورشليم الجديدة التي يصفها سفر الرؤيا بحرٌ (رؤ 21: 1)، لأننا نكون قد عبرنا من
هذه الغربة التي تحتاج إلى غسل وصرنا في حال الوجه إلى وجه.
وتفاصيل فعل الغسل التي أعطانا كاتب الانجيل تفترض استعمال اليدَين. لماذا استعمل
اليدَين وهو القادر أن يخلق بكلمة؟ صورة استعمال اليدَين هي أيضًا صورة لفعل الخلق،
يوم جبل الربّ الاله ترابًا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الانسان نفسًا
حيّة (تك 2: 7). ويعيد الصورة مرارًا كاتب المزامير ويقول: "هو الذي بيده أعماق
الأرض وله قمم الجبال، له البحر وهو صنعه ويداه جبلتا اليبس" (مز 4:95- 5) وهو وحده
جابل القلوب (مز 15:33). والربّ يسوع "تفل في الأرض، فجبل طينًا، وطلى به عينيّ
الأعمى، ثم قال له إذهب واغتسل في بركة سلوان" (يو 6:9)، ومدّ يده للأبرص (مر 2:
41). الاله الذي نؤمن به هو إله يضع يده في الجبلة، في العجين وفي القذارة ليغسلها،
وعنده منطق آخر في الكرامات. الكرامة عنده هي أن ينزل، لا أن يعطي أمرًا في النزول،
وأن يضع يدَيه علينا وعلى كلّ حالنا، ولا يخاف أو يقرف من القذارة، يضع يدَيه علينا
ليعطينا النقاء والحياة. أليس أن "الآب جعل كلّ شيء في يديه"؟ (يو 13: 3) وأنه أعاد
روحه بين يدَي الآب (لو 46:23)؟ وفعله هذا يجعلنا نُراجع منطق تعاطينا إنْ على
الصعيد الشخصيّ أو على الصعيد الكنسيّ، هل نقبل أن تتّسخ أيدينا لأننا وضعناها في
التراب ليصير جبلة الشفاء أو في القذارة لنغسلها؟
وذروة أفعاله هي في فعلَي: الإنحناء وغسل الأرجل. إنحناء السيّد بدأ منذ الأزل، منذ
أن حنا على آدم، وتمشّى معه في الفردوس، وبدل أن يلعنه كما لعن الأرض والحيّة،
تلطّف به ووعده أن يغسل خطيئته وينصره بآت يجيء من نسله يسحق رأس الحيّة (تك 3:
15). وبقي يحنو عليه كما قالها بفم الأنبياء: أنا درّجت أفرائيم وحملتهم على ذراعي
لكنهم لم يعلموا أنّي اهتممتُ بهم وكنت لهم كمن يرفع الرضيع إلى وجنتيه وانحنيت
عليه وأطعمته (هو 3:11-4). "وإذا غسَلَ السيّد قَذَر بنات صهيون، ونظّف دماء
أورشليم من وسطها بروح القضاء وروح الاحراق، خلق الربّ على كلّ مكان في جبل صهيون
وعلى محافلها غمامًا في النهار ودخانًا، وضياء نار ملتهبة في الليل" (أش 4: 4- 5).
وفي ملء الزمن، أعطانا أن نراه طفلاً في مذود (لو 7:2) وحنى رأسه أمام يوحنا
المعمدان ليتعمّد (يو 1: 28) ومشى على طرقاتنا يحنو على مرضانا ويمدّ يده للأبرص
(مر 2: 41).
وفي هذا العشاء، يصل به الحبّ إلى أقصى الحدود فينحني على أرجل التلاميذ وتتحقّق
فيه صورة العبد المتألّم التي أنبأ عنها أشعيا (ف 53). لقد أخذ الربّ آخر مكان كما
يقول شارل دو فوكو، المكان الأخير وأقام فيه، وصرنا لا نجد المكان الأخير لأنه
شَغَله، لكنّنا لا نلقاه إلاّ هناك. ولكي نتذكّر أنّ المنحني هو نفسه الربّ ابن
الله كرّر النصّ علاقته بالآب وخروجه من حضنه وعودَته إليه. التفاصيل التي يوردها
الانجيليّ غايتها أن تصف فعل الحبّ الذي يصل إلى النهاية ولا يختصر أيَ تفصيل في
تعبير الحبّ أو يُهمله. منطق الحبّ الذي يعلّمه الربّ منطق يرى التفاصيل والحركات
الوضيعة بنفس النظرة مع الأعمال العظيمة والكريمة. ومنطق يبدأ الفعل ويُكملُه
بنوعية حضور وانتباه لكلّ شيء وفي كلّ لحظة. منطقٌ يعلّمنا أنّ قيمة الزمن تختصرها
اثنتان: اللحظة الحاضرة ونوعيّة الحضور.
وإنحناؤه هذا يرى فيه مار افرام تواضع الخالق ليُلاقي الساقطين في أدنى درجات
سقطتهم ويقول:
واضعَ السيّد الكلّي الرحمة يديه
وغسل أرجل الخائن الذي سيردّ له الجميل بتسميره على الصليب
هو الذي به كوّن كلّ شيء، تواضع حتى غسل الأرجل...
ولأن كلّ شيء كان في السقطة ورازحًا تحت نير اللعنة،
تواضع ونزل إلى أبعد منها ليغسلها ويرفعها.
وكما أذلّها في البدء، هو يأتي نحوها الآن، بحكمته، طبيبًا ومطهّرًا. (XVIII, 22).
لماذا غسل أرجل تلاميذه وليس أيديهم أو رأسهم؟ ذلك أن غسل الأرجل يضطر الفاعل إلى
الانحناء ولأنّ الأرجل تفوق اليدَين والرأس في الاتساخ! هو يغسل الأرجل وليس الرأس
أو اليدين لأنّ الأرجل هي نقطة اتّصالنا بالأرض والعضو الأقل كرامة في الجسد وهمزة
الوصل بين الفكر والقلب وبين الإرادة التي تجعلنا نضع موضع التنفيذ ما فهمناه وغيّر
قلبنا. حركته هذه تتخطّى كونها فعل تطهير لتصير فعل تهيئة "لأقدام المبشّرين
بالسلام والمسمعين بالخير" (أش 52: 7-9). وبشارتهم تمرّ بمطهرة الغسل والماء على
صورة المرور بسرّ المعمودّية والتوبة، كما يمرّ الخبز والخمر في الكأس ليصير سرّ
حضوره. ونقرأ هذا من خلال إشارتي المكان الموجودتين في هذا الفعل: العشاء والمطهرة.
والربّ أوضح التشابه والترابط بين النقاوة التي يُعطيها فعل الغسل: "أنتم أنقياء
بفضل الكلمة التي كلّمتكم بها" (يو 3:15). ورغم كونهم أنقياء غَسَل لهم أرجلهم
لنفهم أنّ غسل الروح والقلب بسماع الكلمة مرتبطٌ جوهريًا بغسل الأرجل. وانحناء
التواضع هو تعبير عن سرّ sacrement اتّضاعه وهوانه في آلام الفداء. وهو "نبع
الخيرات ومبدأ الفضيلة وغايتها" كما يقول الذهبيّ الفم في شرحه للنصّ (Homelie
LXX). هذا هو علم اللاهوت الراكع الذي يتمنّاه كارل راهنر.
ج- السؤال الذي سبّبه الفعل (6- 11)
الربّ يفعل دائمًا قبل أن يفسّر، وهو يخاطب بهذه الطريقة قلبنا وإيماننا قبل أن
يخاطب فكرنا. والفعل الذي قام به السيّد والمعلّم سبّب، دون شكّ، سؤالاً وصل بسمعان
بطرس، الذي يمثّل كلّ التلاميذ، إلى حدّ الاعتراض والرفض، وقد سبق له أن اعترض على
موته: حاشى لك ذلك (مر 8: 31-33). ويعود اعتراضه ورفضه إلى نوعيّة علاقته بالمعلّم
وإيمانه به، وإلى الخلفيّة التي يعيشها في تراتبيّة المعلّم والتلميذ وما تقوله
الشريعة في تصنيف العبد والابن والأعمال المرتبطة بكلٍّ منهما. فهو يرى في يسوع
"المسيح ابن الله الحيّ" ويسمّيه "الربّ" ويرى فيه المعلّم والعظيم والمرسَل اثنتظر
لتحقيق الخلاص، ولا يستطيع بالتالي أن يراه في صورة العبد منحنيًا يغسل الأقدام.
وحواره مع المعلّم يصوّر مراحل تلمذته ونموّه في هذا المنطق الجديد الذي يخلقه
الربّ بفعله هذا. سمعان بطرس طرح سؤالاً لا ينتظر جوابًا: "أأنت يا ربّ تغسل قدميّ"
بمعنى آخر: لا يمكن لذلك أن يصير. والسؤال لا يحمل فقط استهجانًا ودهشةً بل ينبئ
ببداية مسيرة في ليل الايمان، مسيرة تتطلّب التخلّي عن الصوَر والأطر المعيوشة
والمسلّم بها، من أجل ولادة ثانية في منطق جديد وصور جديدة لوجه الله بطريقة غير
مألوفة ولا مُنتظرَة.
ردّ فعل سمعان بطرس يخرج عن كونه فقط استحالة رؤية المعلّم في الانحناء بسبب إكباره
له، وهو في الحقيقة حَدْسٌ للذي يطلبه يسوع في العمق كما شرح ذلك لنيقوديموس من
قبله (يو 3). ويلي السؤال رفضٌ يبدأ من الحاضر ويطاول المستقبل: "لن تغسل قدميّ
أبدًا"، والسؤال والرفض كلاهما مرتبط جوهريًا برؤية بطرس للمعلّم. وجواب الربّ يفتح
عينيه على رؤية أخرى وفكر آخر وعلى الفرق بين "المعرفة" و"الادراك": "أنتَ لا تعرفه
ولكنك ستدركه"، والفرق بين "الآن" و"بعد حين"، أي بعد اختباره ذلك بنفسه. وأمام
إصرار سمعان بطرس على الرفض، نرى حزم المعلّم إلى حدّ التهديد، وهذا الحزم هو تعبير
عن نقطة الصفر أو هو حدّ اللاّرجوع الذي يتطلّب موقفًا جذريًا: أو معي أو عليّ "إذا
لم أغسلك فلا نصيب لك معي". يسوع يطلب من تلميذه إخلاء ذاته والتخلّي عن تصوّراته
والقبول بالتعرّي والمرور بالموت الذي يصوّره فعل الغسل ليكون له نصيب معه. وهذا
النصيب يُرجع إلى الذاكرة الايمانيّة نصيب سبط لاوي الذي لا نصيب له من الأرض شيئًا
لأنّ الربّ نصيبه (تث 10: 9؛ عد 18: 20)، وصلاة المزامير: "الربّ حظّي وقسمتي" (مز
16: 5) "وفي أرض الأحياء أنت نصيبي" (مز 142: 6). النصيب مع الله هو العلاقة
الوثيقة معه وهو بالتالي الله نفسه وليس أشياء أخرى أو تصوّرًا له مهما سما. وهو أن
نقبل أن يُحبّنا الله، ويعرفنا على حقيقتنا ويغسل أوساخنا. ونصير من موكب تلاميذه
ويصير لنا "نصيب في هذه الخدمة" (أع 1: 17).
والنصيب مع المسيح له أبعاد اسكاتولوجيّة عند يوحنا: عند الآب، في المجد، يكون
التلميذ مع معلّمه: "وحيث أكون أنا يكون خادمي، ومَن خَدَمني أكرمه أبي" (يو 12:
26؛ 14: 1-3؛ 17: 24). وتصبح معرفة الآب ("الحياة الأبديّة هي أن يعرفوك" يو 3:17)
هي أن نكون مع المسيح ويكون لنا نصيب معه. وهذا هو النصيب الأوفر الذي اختارته مريم
(لو 10: 43)، وهذه هي صورة الكنيسة العروس التي تجد في الربّ نصيبها. فالربّ يطلب
من بطرس جوابًا ليس بالكلام ولا على مستوى الاقناع والفكر، هو يطلب منه جوابًا
يترجمه في الحركة والتعبير: أن يقبل الغسل. ويستوقفنا ارتباط النصيب بفعل الغسل
والاستحمام. ويسوع يركّز على غسل الانسان كلّه وليس فقط على غسل قدميه، قال له: إن
لم أغسلك ولم يقل إن لم أغسل قدميكَ. ذلك أنّ غسل الأرجل هو صورة عن الغسل العميق
الذي يتطلّبه اللقاء مع الله إذ إنّ القُربى منه تفترض أن نكون أطهارًا: "من ذا
الذي يقيم في مقرّ قدسه؟ النقيّ الكفّين والطاهر القلب" (مز 24: 3- 4)، ولأن
النصيبَ يتطلّب جواب الانسان بكليّته المعبّر عنه بالاستحمام. وليس المطلوب تطهيرًا
خارجيًا أو لبعض الأعضاء، فالمطلوب هو الاستحمام بكلمته ومَثَله، ومَن استحمّ كان
كلّه في الماء، وهو بالتالي لا يقاومها ولا يجعل أعضاءً خارجًا عنها. لذلك من
استحمّ لا يحتاج إلاّ إلى غسل قدميه، أي إلى تعبير رمزيّ خارجيّ عن الغسل العميق
الذي صار في مستوى كلّ الكيان. ومن أصل 8 مرّات يرد فيها فعل غسل (13: 5، 6، 8، 8،
10، 12، 14، 14) نجد منها أربع في هذا الحوار مع بطرس. ويلفتنا أيضًا تكرار مثلّث
لكلمة طاهر (13: 15، 10، 11) وتعابير الشموليّة التي ترافق هذا التكرار (كلّه،
كلّكم، لا كلّكم).
واستعماله للطهارة والغسل والاستحمام في هذا النصّ يرى فيه معظم آباء الكنيسة صورةً
لسريّ المعموديّة والتوبة: فنحن نتعمّد بموته أي "بدمه الذي يطهّرنا من كلّ خطيئة"
(1 يو 1: 7) و"نغسل حللنا ونبيّضها بدم الحمل" (رؤ 14:7؛ 14:22).
د- التفسير (12-17)
يأخذ هذا الجزء من النصّ طابع المجد والانكشاف والتعليم. طابع المجد نقرأه في فعل
استرجاعه لثيابه ونقرأ من خلال الحركة استرجاعه لحياته بالقيامة من الموت. وطابع
الانكشاف نقرأه في الألقاب التي يعطيها لنفسه: أنا الربّ والمعلّم والقدوة والسيّد
والمُرسل. وطابع التعليم نقرأه في التفسير نفسه الذي يعطيه ويأخذ تصاعديّة السؤال
والتوضيح وينتهي بإعطاء الطوبى. والسؤال الذي يبدأ به، على عكس السؤال الذي طرحه
سمعان بطرس، هو في الحقيقة سؤال يتطلّب من أجل الاجابة عليه، قراءة الفعل من جديد
للفهم والاستنتاج. والاستنتاج يكون مادّة الايمان وبالتالي مادّة العمل بهذا
الايمان. "أتفهمون ما صنعتُ لكم"؟ بمعنى آخر: مطلوب منكم أن تفهموا ما صنعت لكم.
والفهم ليس فقط على مستوى الفكر والتحليل، هو فهمٌ يضع يديه في المطهرة ويقوم عن
العشاء ويغسل الأقدام. ويُلقي الضوء، من خلال سؤاله، على العلاقة الجوهريّة بين
تسميته معلّمًا وبين فهمه والتشبّه به. أنتم تدعوني المعلّم والربّ؟ اصنعوا ما صنعت
لكم تصبح عندها التسمية فعلاً واقعًا. ومن خلال الكشف عن شخصه ومعنى فعله هو يضع
نفسه مثالاً وقدوةً وهذا هو جديد تعليمه: هو يفعل ليعلّم ولا يعلّم فقط كيفيّة
العمل. وهو يطلب من تلاميذه أن يصنعوا ما صنعه لهم: خدمة غسل الأقدام وأسبقية
الخدمة على الكلام. وقوله أعطيتكم قدوة لتصنعوا أنتم أيضًا ما صنعته لكم تعيدنا إلى
قوله في العشاء نفسه: "اصنعوا هذا لذكري" (1 كور 11: 25). وذكر الربّ يُصنع على
المائدة كما يُصنع في الانحناء على الأرجل. وذكر فعل الغسل الذي ورد سبع مرّات
وكلّها منسوبة للمعلّم، يرد هنا مطلوبًا من التلاميذ، فعلاً ثامنًا يُكمل ما بدأه
المعلّم في كمال الرمزيّة ويبدأ فعل الكنيسة الشاهدة والرسولة. وذكر كلمة رسول هنا
هو الذكر الوحيد في الانجيل الرابع وربما العلاقة الأساسيّة التي يراها الانجيليّ
بين الرسول وبين الخدمة مهما كانت متواضعة.
وتوضيح الربّ يُطاول الزمان في الحاضر والمستقبل كما يُطاول معنى العظمة الحقيقيّة،
فعظمة التلميذ هي أن يكون مثل معلّمه والعبد مثل سيّده. وهذا التشبه الذي يطلبه
يجعل الكلّ إخوة ولا يعود هناك عظيمٌ إلاّ الله وحده. ونهاية التصاعديّة هي في
الطوبى المعطاة لمن يعمل بالذي علمه. وهي الطوبى الأولى التي يوردها يوحنا في
انجيله تليها طوبى ثانية للذين آمنوا ولم يروا (يو 20: 29). يقول القديس كيرلّس
الاسكندريّ: "عند منبر الديّان، سوف نكون سبب سخرية وازدراء إن لم نحقّق طلب الربّ
في غسل أرجل إخوتنا. إذ كيف يتقاعس الخَدَم عن عمل قام به السيّد؟" (P.G. 74, 127).
هـ- الخاتمة (18- 20)
بعد تصوير الفعل والسؤال الذي سبّبه الفعل والتفسير الذي أعطاه المعلّم، يعود
الانجيليّ إلى ذكر يهوذا الذي سيخون المعلّم وإلى ذكر الآب وكأنه يُغلق المشهد على
ما بدأه. الخيانة التي قال في المقدمة إنّها من فعل إبليس ذكرها في الآية 11 أنها
فعل يهوذا وهو الآن يذكر أنّها تتميم لما جاء في الكتب: "إنّ الآكل خبزي رفَعَ عليّ
عقبه" (مز 41: 10)، ويجوز أيضًا القول إنّ الذي غسلت له قدميه رفع عليّ عقبه. وفي
كلّ الأحوال فمواجهة يسوع هي مع إبليس وإن كان الباب هو يهوذا وإن ذُكرت في الكتب.
ففي نصّ التجربة لا يفوّت إبليس تجربهّ إلاّ ويشهّد عليها الكتاب. ولكنّ الخاتمة
تخلو من جوّ المجابهة ويعطينا الانجيليّ أن نرى الربّ يسوع المعلّم الذي يفسّر
الكتب والذي يُنبئ بما سيحدث "حتى إذا حدث تؤمنون"، ويصير كلام المعلّم مرجعًا
وتفسيرًا للأحداث كما الكتب المقدّسة هي المرجع. وهو المعلّم الذي يكلّم ويوضح
ويختار ويُرسل ويعطي كلمة رجاء وشجاعة. ويُعطينا أن نرى تجلّيًا واضحًا لألوهيّته
واتّحاده العميق بالآب: فهو ينسب إلى ذاته ما قاله الله عن ذاته "أنا هو" (خر 3:
14؛ تث 32: 39) وهو الذي أرسله الآب. نرى الآب الذي احتجب في الابن في بداية النصّ
ووضع في يديه كلّ شيء، نراه المُرسل والمعطي والخالق. ذكر الآب يعود ويضعنا في حركة
الحبّ بينه وبين الابن وفي حركة فعل الخلق الذي لا ينتهي.
3- سؤالين:
1- أين نحن من فعل الخَلق في عيشنا الكنسيّ والرسوليّ؟
2- ما هو موقع القدوة التي تركها لنا الربّ في مسيرة التلمذة الدائمة له؟
قراءتنا لهذا النصّ تدعونا إلى مراجعة هويّتنا المسيحيّة وتجلّي هذه الهويّة على ما
يوضح بولس الرسول: "كلّ واحد ينال موهبة يتجلّى فيها الروح للخير العام" (1 كور 12:
7)، وتطرح علينا سؤالين:
السؤال الأوّل هو في مستوى الخَلق. هل يكون فعل غسل الأرجل في خبرتنا وخدمتنا حظًا
لعيش فعل حبٍّ يخلقُنا ويخلق الآخر، وينفي تاليًا موقف الدينونة أو القرف من الآخر
أو التمنين؟
والسؤال الثاني هو في مستوى القدوة التي تركها لنا المعلّم. هل نجرؤ أن نقوم عن
العشاء وننحني نغسل الأقدام؟ وهل نجرؤ أن يغسل الآخر أقدامنا؟ قيامنا عن العشاء على
صورته يفترض أن نرى لنا مكانًا شاغرًا للخدمة، لذا نسأل السيّد أن يعطينا استنارة
عيون الأنبياء لنرى مكاننا الخاص في خدمته ويُعطينا شجاعة مَن سبقونا في محبته
والاقتداء به.
الفصل العشرون
الآلام بحسب يوحنا
19: 28- 30
الخوري يوسف فخري
يرسم لنا الإنجيليّ يوحنا حدث الآلام والجلجلة على قماشة فصحيّة. فيشير عمدًا إلى
أنّ الأسبوع الأخير من حياة يسوع يبدأ "قبل الفصح بستة أيام" (12: 1)، وينتهي
بالدفن يوم "التهيئة" للفصح (42:19). حين نكشف بُنيةَ هذا الخبر نفهم فهمًا أعمق
الطابع النمطي للوقائع التي أوردها الإنجيلي: يسوع على الصليب هو حمل الفصح الجديد.
فالقارئ الذي ينتقل من الأناجيل الإزائية إلى الإنجيل الرابع، يلاحظ تبدلاً في خبر
الآلام كما نجده في يوحنا. فمأساة الآلام في الإزائيين تبلغ قمتها مع موت يسوع الذي
ترافقه إضطرابات كونيّة خارقة: إنشقاق حجاب الهيكل، زلزلة الأرض، تصدّع الصخور،
الظلمة وقت الظهيرة، قيامة الموتى (متى 27: 51- 52). أمّا يوحنا فلا يأتي على ذكر
هذه الأحداث-الخوارق، لكنّه يصوّر في لوحة مهيبة جلالة موت يسوع (28:19-30) الذي
يطلق، قبل تسليم الروح، عبارتين تختصران كل اللاهوت اليوحناوي: "أنا عطشان" (28:19)
و"قد تمّ كلّ شيء" (28:19- 30). لذا سننطلق في بحثنا هذا من حدث الجلجلة (19:
28-30) قاصدين النفاذ إلى كل دراما الآلام في يوحنا، لا بل إلى مجمل الإنجيل الرابع
1- يسوع الذي يَعْلَم
يبدأ يوحنا خبرَ موت يسوع بهذه العبارة: "كان يسوع يعلم أنّ كل شيء قد تمّ" (28:19)
وينهيه بهذه العبارة أيضًا: "قد تمّ كل شيء" (19: 30) هذه الكلمات الأخيرة ليسوع
تعبّر عن معرفته الكاملة والشاملة للأحداث، فهو يعرف ساعة انتاله من العالم إلى
الآب، والساعة التي أحبّ فيها "إلى الغاية ετς τελος" (13: 1) بعد أن أتمّ الرسالة.
فيسوع اليوحناوي بعيد كلّ كلّ البعد عن يسوع متى ومرقس الذي يطلق صرخة الاستغاثة
والألم: "لماذا تركتني؟" بل على العكس، فهو طيلة الفصول (يو 13-19) السابقة
للجلجلة، يوّجه بنفسه الأحداث نحو تلك "الساعة" وهو في إتحاد مطلق مع الآب.
هذه المعرفة الكاملة ليسوع نجدها في أول خبر الاعتقال: "وكان يسوع يعلم جميع ما
سيحدث له..." (18: 4). فهو يأخذ المبادرة بنفسه ويخرج لملاقاة الحّراس ويطرح عليهم
السوال على دفعتين قائلاً: "من تطلبون؟" (18: 4 و7). هذا السؤال يذكّر بدعوة
التلاميذ الأولين (1: 38): "ماذا تريدون؟" أو بمريم في صباح القيامة: "عمّن تبحثين
أيتها الامرأة؟" (20: 15). أسئلة يطرحها يسوع بنفسه على الآخرين، فهو صاحب المبادرة
الأولى لأنه سيّد نفسه ومصيره وسيّد الأحداث كلّها.
هذه السيادة المطلقة تتجلّى في العبارات الالهية الثلاث التي أطلقها يسوع أمام
الحرس: "أنا هو Εγω ειμι" (18: 5، 6- ط 8). ففي خضمّ دراما الآلام، تظهر القوة
والسيادة ملك يسوع وحده لا ملك الحرس، والشهادة على ذلك، تراجعهم إلى الوراء
وسقوطهم على الأرض.
وأخيرًا، في رواية الاعتقال، يبدو يسوع عنيفًا مع بطرس الذي قطع الأذن اليمنى
للخادم ملخس ووبخّه على عمله قائلاً له: "أغمد السيف! أفلا أشرب الكأس التي ناولني
أبي إيّاها؟" (18: 11).
فمنذ بداية "كتاب المجد" (13: 1) يظهر يسوع سيّدًا لمصيره وعاثا بالأحداث كلها
وموجّهًا لها، لأنه "كان يسوع يعلم أن الآب جعل في يديه كلّ شيء..." (3:13). وهذا
ما نراه في بداية الانجيل أيضًا: "إن الآب أحبّ الابن فجعل كلّ شيء في يديه"
(35:3).
فالجلجلة اليوحناويّة ليست مكانًا لخيبات الأمل أو لغياب الله: "لماذا تركتني؟"، بل
موعد اللقاء العظيم بين الآب والابن، وطريق هذا اللقاء يخطوها الابن بنفسه بحرية
مطلقة، هذا ما نستشفه من حدث حمل الصليب: "فخرج حاملاً صليبه إلى المكان الذي يقال
له مكان الجلجلة" (17:19). ولقد أهمل يوحنا ما جاء في الإزائيين في شأن تدّخل سمعان
القيرواني في مساعدة يسوع على حمل صليبه. وفي عدّة مناسبات نرى يسوع يتحدّث على أنه
سيّد مصيره ولا يستطيع أحد أن يختطف حياته منه بل هو الذي يعطيها بنفسه: "ما من أحد
ينتزعها منّي ولكن أبذلها برضاي..." فقال له يسوع: "إفعل ما أنت فاعل وعجّل" (13:
27) ويقف أمام حنّان دون خوف أو تردد (18: 20-23) وأمام بيلاطوس (19: 9- 11) أيضًا.
فيسوع الذي يعلم، هو يسوع الذي يقود جلجلته بنفسه إلى اللقاء الفصحي مع الآب، بعد
أن تمم إرادته القدّوسة.
2- يسوع يتمم إرادة الآب والكتب
رأينا أن يسوع هو الذي يعلم كلّ شيء وهو سيّد مصيره وجلجلته، وبالتالي، فهو الذي
يكمّل بذاته على الصليب إرادة الآب والكتب المقدّسة: "قد تمّ كلّ شيء" (28:19 و30).
إن وجود الفعل "قد تمّ" (parfait du verbe= terminer ou accomplir) في آ 28 و30 له
بعد لاهوتي عميق، ولقد عبّر يوحنا عن هذا التمام بفعلين قريبي المعنى مع فارق صغير:
الأول τελεω- أنهى؛ والثاني Τελειοω: "تمم أو كمّل". فالفعل الأول τελεω (19: 28-
30) يعني أنّ "مهمّة ما" أو "رسالة ما" أو "عملاً ما" قد تحقق على أكمل وجه. وهذا
الفعل لا يستعمله يوحنا إلاَّ عندما يتحدث عن تتميم الابن لمشيئة الآب وإرادته عن
تتميم عمل الآب بالابن كما في حدث الجلجلة (34:4؛ 5: 30، 37؛ 38:6 ي؛ 28:8؛ 4:9؛
10: 37؛ 17: 14) فيسوع اليوحناوي الذي حقق إرادة أبيه طيلة حياته الزمنيّة، يتمم
الآن نهائيًا، بصدق وأمانه، عمل الآب الخلاصي ومشيئته القدوّسة حتى النفس الأخير.
أمّا الفعل الثاني τελειοω "لكي يتّم الكتاب" (آ 28) "تمم أو كمَّل" فيعني أن شيئًا
ما وصل إلى كماله وغايته أو بمعنى آخر وصل إلى ملء معناه (الفعل لدى Τελειοω يشبه
بالمعنى الفعل πληροω= تمم: "فتمت (πληρωθη) الكلمة التي قالها النبي أشعيا..." (يو
38:12)؛ "لكن لا بد أن يتم (πληρωθη) ما كتب..." (13: 18؛ 15: 25؛ 17: 12؛ 19: 24
و36). فالكتب المقدسة وصلت إلى غايتها وملء معناها في حدث الجلجلة.
هذا الفعل لديه τελειοω، بحسب السبعينّية (LXX)، هو ترجمة للفعل العبري "م ل ا" أو
"م ل ا و. ي د" أو= ملأ أو ملأ اليد". والعبارة: ملأ اليد" تعني كرِّس إنسان لخدمة
الرب أو كرّس لخدمة كهنوتية كما في خر 32: 29: "فقال موسى (للاويين): إملأوا أيديكم
اليوم للرب" (تكرّسوا للرب= تكرّسوا كهنة وخدّامًا له) (راجع أيضًا 1 أخ 19: 5).
فعلى الصليب كرّس يسوع في شخصه الكتب بأقسامها التشريعية والنبوية والحكمية وأوصلها
إلى كمال غايتها. ألم يقل يومًا لليهود: "تتصفحون الكتب تظنون أنّ لكم فيها الحياة
الأبدية فهي التي تشهد لي... لو كنتم تؤمنون بموسى لآمنتم بي لأنه في شأني كتب" (يو
5: 39 و36). وأيضًا في رؤيا يوحنا: "ورأيت ملاكًا قويا ينادي بأعلى صوته: من هو أهل
لفتح الكتاب وفضّ أختامه؟... فقال لي واحدٌ من الشيوخ: لا تبك. ها قد غلب الأسد من
سبط يهوذا، ذريّة داود: فسيفتح الكتاب ويفضّ ختومه السبعة" (رؤ 5: 2- 5). لقد
تكّرست الكتب المقدسة في يسوع الجلجلة ووجدت ملأها فيه. هناك تحققت إرادة الآب
وتدبيره الخلاصيّ ومجّدت مشيئته لأن الابن أحب خاصته إلى الغاية "εις τελος" ولم
يفقد منهم إلاّ ابن الهلاك (يو 3: 15؛ 6: 36؛ 10: 28؛ 17: 12).
3- يسوع الظمآن
يقول يوحنا: "لكي يتّم الكتاب ινα τελειωθη η γραφη" صرخ يسوع قائلاً: أنا عطشان
∆ιψω" (28:19)
ما هذه الصرخة؟ كيف يصرخ يسوع قبل موته "أنا عطشان"، وبعد موته يدّفق من جنبه
المطعون الدم والماء؟ إنّ الانجيلي يدعونا إلى قراءة أعمق لعبارته "أنا عطشان". ففي
حواره مع السامرية عند بئر يعقوب في "كتاب الآيات" (يو 4)، يطلب يسوع من الإمرأة
شيئًا قريبًا من "أنا عطشان"، يقول لها: "أعطيني لأشرب" (7:4)، وبعد ذلك، يقول لها:
"لو كنت تعرفين عطاء الله ومن هو الذي يقول لك: أسقيني، لسألته أنت فأعطاك ماءً
حيًا... الماء الذي أعطيه إيّاه يصير فيه عين ماء يتفجّر حياة أبدية" (4: 10 و14).
هذا اللقاء بين يسوع والسامريّة قد تمّ في الساعة السادسة (أي عند الظهر)، أي في
تمام الساعة التي حكم فيها على يسوع بالموت: "والساعة تقارب الظهر ωρα ην ως εκτη"
(يو 6:4 و19: 14). هذا التقارب في الوقت، يجعلنا نقرأ حدث الجلجلة على ضوء لقاء
يسوع مع السامريّة. هناك يطلب منها أن تسقيه، ثمّ يقول لها: "... الماء الذي أعطيه
إياه يصير فيه عين ماء يتفجّر حياة أبدّية". وعلى الصليب يصرخ: "أنا عطشان" ثمّ
يجري من حنبه المطعون الدم والماء؟ ما هذا التناقض؟ كيف يطلب الماء من السامرية وهو
نبع الماء كما قال في يوم عيد المظال: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ومن آمن بي فليشرب،
كما ورد في الكتاب: ستجري من جوفه أنهار من الماء الحيّ" (يو 38:7-39). كيف يصرخ
أنا عطشان وتتدفق المياه من حنبه المطعون؟ على ضوء الحوار مع السامريّة، وعلى ضوء
قوله لتلاميذه: "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأن أتمّ عمله τελειωτω" (4: 34)
تصبح عبارة "أنا عطشان" صرّخة الشوق المتأجج في قلب يسوع لتتميم مشيئة الآب حتى
النهاية، وبالتالي، يصبح عطشه توقًا حارًا للعودة إلى الآب والاتحاد به كما يقول
المزمور (41: 2): "... ظمئت نفسي إلى الله إلى الإله الحي متى آتي وأحضر أمام
الله". عطش يسوع هو عطش روحي، عطش اللقاء والاتحاد الكامل بالله الآب.
4- "وكان هناك إناءٌ موضوعًا"
يتفرد يوحنا في الإناء الموضوع قرب الصليب فيقول: "كان هناك إناءٌ موضوعًا Sκεuος
εκειτο" (19: 29).
هذه العبارة فريدة في كل الكتب اليوحناويّة. وُضعت في أول الآية 29 لتفتح آفاقًا
واسعة من المعاني والرموز. فـ "الإناء Sκεuος " في البيبليا هو وعاء مقدّس يستعمل
لأغراض طقسيّة كرتبة تطهير النجسين الخاطئين (عد 19: 17- 18؛ حك 15: 7) فوجوده على
الجلجلة يعطي الحدث صبغة معيّنة، خاصة وزن الفعل "موضوع εκειτο " (من الفعل κειμαι=
وضع) الذي يرافقه، له أبعاد عميقة في إنجيل يوحنا. ففي عرس قانا الجليل (2: 1-12)،
في بداية "كتاب الآيات"، يقول الانجيلي: "وكان هناك ستة أجران من حجر موضوعة
(κειμεναι) لتطهير اليهود" إن وجود الفعل "κειμεναι" (اسمً الفاعل لـ وضع= κειμαι)
في عرس قانا الجليل، يربط أولى آيات يسوع بحدث الجلجلة، وبالتالي، ما عجزت عن
تطهيره الأجران الستة في قانا (العدد ستة يرمز إلى النقص في الكتب اليوحناوية 7-1=
6) يطهرّه بالتمام والكمال الجرن السابع، جرن يسوع- الجلجلة.
والفعل "κειμαι= وضع" يستعمله الانجيلّي أيضًا في جوّ فصحي فيدّل على حالة اللفائف
الممدودة في القبر صباح القيامة: "وانحنى (التلميذ الآخر) فأبصر اللفائف ممدودة
κειμενα (اسم الفاعل لـ وضع= κειμαι)... ثمّ وصل سمعان بطرس... فدخل القبر فأبصر
اللفائف ممدودة κειμενα (اسم الفاعل لـ وضع=κειμαι)، والمنديل الذي كان حول رأسه
غير ممدود κειμενον مع اللفائف... أمّا مريم... فأنحنت نحو القبر وهي تبكي، فرأت
ملاكين في ثياب بيض جالسين حيث وضع εκειτο (Imparfait du v. κειμαι) جثمان يسوع"
(يو50:2، 6، 7، 12). وفي ظهور يسوع لتلاميذه على شاطئ بحيرة طبريّة بعد القيامة
يقول الانجيليّ: "فلّما نزلوا إلى البّر أبصروا جمرًا موضوعًا κειμενην (اسم الفاعل
لـ وضع= κειμαι) وسمكا عليه επικειμενον (من الفعل "وضع على επι-κειμαι) وخبزًا"
(يو 21: 9). كما نرى ذات الفعل في حدث إحياء لعازر: "وجاش صدر يسوع ثانية وذهب إلى
القبر وكان مغارة وضع على επεκειτο (Imparfait du v. επι-κειμαι) مدخلها حجر" (يو
11: 38).
أليس وجود الفعل κειμαι على الجلجلة، يدعونا أن نقرأ هذا الحدث قراءة فصحيّة؟ أليست
الجلجلة اليوحناوية مكانًا لفصح الآب والابن؟
5- "وكان هناك إناءٌ وموضوعًا مملوءٌ خلاً"
كلمة "خلّ οξος" لا ترد إلاّ قليلاً في السبعينيّة (LXX) (4 مرات فقط) وهي ترجمة
للكلمة العبرّية "ح م ص". فتأتي مرة واحدة بوجه سلبي كما في المزمور (29: 22):
"جعلوا في طعامي سمًا وسقوني في عطشي خلاً". ومرّة بوجه عادي: "كنزع الثياب في أوان
البرد، وكالخّل على الجرح، هكذا من يغنّي الاغاني لقلب مصاب" (أم 25: 20)، وتأتي
على دفعتين بوجه إيجابي: "فليمتنع (النذير) عن الخمر والمسكر، ولا يشرب خلّ خمر
وخلٍّ مسكر، ولا يشرب أي عصير من العنب" (عد 3:6)؛ "ولّما كان وقت الأكل، قال لها
(راعوت) بوعز: هلمّي إلى ههنا وكلي من الخبز وأغمسي لقمتك في الخلّ" (را 2: 14).
إنّ الببيليا تنظر إلى الخلّ نظرة إيجابية أكثر منها سلبيّة. فقاموس Bauer-Gingrich
يقول: "إن الخلّ يسكّن العطش أكثر من الماء، وهو المشروب المفضّل لدى الطبقة
الفقيرة لأنه أدنى ثمنًا من الخمر العادي" (ويستشهد بـ را 2: 14). والعهد القديم
يعرف الخل كشراب مرطبّ (عد 6: 3؛ را 2: 14). ففي "مدراش راعوت 2: 14" (133 أ) نقرأ:
"إن الحصادين، أيام الحصاد، يغمسون خبزهم في الخل لترطيب عطشهم". على ضوء هذه
المعطيات البييليّة نرى في تقدمة الخل ليسوع- الجلجلة عملاً إيجابّيًا.
لكن سفر راعوت يذهب بنا إلى أبعد من ذلك. فالدعوة التي يوجهها بوعز إلى راعوت
الموابية "لتغمس لقمتها في الخل" (را 2: 14) هي دعوة إلى "مائدة إقامة عهد" ستتوجّ
بزواج بوعز، أحد أجداد السلالة الداودية، من راعوت الموآبيّة. هكذا يسوع اليوحناوي
الذي يتناول الاسفنجة المغمّسة بالخل، يقيم العهد الأبدي بينه وبين أحبائه ويختمه
على الصليب: "قد تمّ كل شيء" ألم يقل: "متى ارتفعت جذبت إليّ كل أحد" (يو 12: 32)؟
من جهة أخرى، إن مسيرة شعب الله في الصحراء (سفر الخروج) تتوجت بإنزال الشريعة في
جبل السيناء، هناك بتّ الله معه عهدًا أبديًا، وكان بنو اسرائيل، حتى يومنا،
يجدّدون كل سنة هذا العهد في عيد العنصرة أو عيد الحصاد، وفي المناسبة، يقرأون سفر
راعوت.
يقرأ سفر راعوت في العنصرة لسببين: الأول: لأن السفر يتحدث عن الحصاد والحصّادين،
فيعّبر عن البيئة الزراعية للعيد. الثاني: لأن الشريعة أعطيت في الفقر والجوع
والألم ومشقة الصحراء كما يقول الآب De Vaux، وبما أن سفر راعوت يبدأ بهذه الكلمات:
"وكان في أيام حكم القضاة مجاعة في الأرض" (را 1: 1)، إعتبر التقليد اليهودي نزول
الشريعة يوم العنصرة أو الحصاد جوابًا ايجابيًا على "المجاعة في الأرض". فالعهد
القديم يؤمن أنّه حيث تطبّق بنود الشريعة، تتوافر النعم والغلاّت كما جاء في سفر
راعوت: "فجلست (راعوت) بجانب الحصادين، وجعل (بوعز) لها كومة من الفريك، فأكلت
وشبعت، واستبقت ما فضل عنها" (را 2: 14).
إن وجه هذا السفر المطّل على الجلجلة اليوحناوية، يجعل من الصليب والقيامة والعنصرة
حدثًا واحدًا. ألم يهب يسوع روحه على الصليب (آ 30)؟ ألم يعط روحه القدوس لتلاميذه
يوم أحد القيامة (يو20: 22-23)؟ أليست هذه هي النظرة اللاهوتيه اليوحناويّة للصليب
والقيامة والعنصرة؟
6- الزوفى والجلجلة
بعد أن أطلق يسوع صرخته: "أنا عطشان" وضع الجنود "إسفنجة مبتلّة بالخلّ على ساق
وزوفى وأدنوها من فمه".
(آ 29). فالزوفى نبات له ورق دقيق وشائق ينبت في الأرض الصخرية والحائط (1 مل 5:
13) ويستعمل لأغراض طقسيّة تطهيريّة، كرشّ دم الحملان والعجول أو الماء الطاهر (لا
3:14؛ عد 18:19؛ مز 51: 9؛ إش 1: 18؛ حز 36: 25؛ عب 9: 13- 14). ويقول الأب De
Vaux: "إنّ الزوفى هي نبتة عطرة، تجمع أغصانها في باقة يوم الاحتفال الفصحيّ، فتغمس
الباقة في دم الحمل ويرش كل يهودي عارضة باب بيته وقائمتيه" (خر 12: 22).
إنطلاقًا من هذه المعطيات الكتابيّة، تضعنا كلمة "زوفى" في جوّ طقسي عند الصليب، في
حفلة تكريس العهد الأبدي بين الله وشعبه الجديد يوم الحمل الفصحي: يسوع (خر 22:12).
ألم يشهد يوحنا المعمدان ليسوع في أول الانجيل اليوحناوي قائلاً: "هوذا حمل الله"؟
(يو 1: 36).
7- موت يسوع
لقد تمّ عمل الآب لخلاص العالم، على ما أنبأت به الكتب، تمّ كل ما تجسّد يسوع من
أجله حبًا بنا، وذروته الموت على الصليب. لا يذكر يوحنا صرخة الاستغاثة: "لماذا
تركتني؟" (متى 46:27؛ مز 15: 34)، بل يكتفي بهذا القول: "فلمّا تناول يسوع الخلّ
قال: "قد تمّ كل شيء Тετελεσται، ثم حنى κλινας رأسه، وأسلم παρεδωκεν الروح"
(19:30). يسوع اليوحناوي يشرب كأس المرارة حتى النفس الأخير، بعكس يسوع متّى (متى
27: 34) الذي رفض أن يشرب الخمر الممزوج بالمرّ. وبهذا العمل يصل يسوع إلى ذروة
الحبّ "قد تمّ كل شيء" (آ30).
ونتساءل عن كيفية موت يسوع!؟ إنّ الذين يرافقون المنازعين في الدقائق الأخيرة من
حياتهم، يعرفون حق المعرفة أنّ تسليم الروح يأتي قبل انحناء الرأس، لكن يوحنا، على
عكس ذلك، يذكر أن يسوع "حنى رأسه وأسلم الروح" (آ 30) إن الفعل "حنى κλινας" (اسم
الفاعل لـ حنى κλινω) هو في صيغة المعلوم ويشير إلى سيطرة على النفس يتميّز بها
يسوع حتى النهاية في القيام لرسالته. فاستعمال هذا الفعل κλινω قبل "تسليم الروح"
يؤكد لنا أنه في هذا الوقت بالذات لا أحد يستطيع أن يأخذ حياة يسوع، بل هو يعطيها
بملء حريته كما قال: "ما من أحد ينزعها مني ولكني أبذلها برضاي" (يو10-18). ثم إن
وجود الفعل "أسلم أو أعطى، παραδιδμι" في لحظة الموت (19: 30)، يؤكد بأن يسوع هو
سيّد موته كما كان سيّد حياته. فالفعل παραδιδωμι أو διδωμι يأتي في إطار خيانة
يهوذا واليهود وعظماء الكهنة ليسوع، بهذا الصدد يقول يوحنا: "وكان يهوذا الذي أسلمه
παραδιδους (اسم الفاعل لـ أسلم παραδιδωμι) يعرف ذاك المكان..." (18: 2)، وعلى هذه
الخيانة الاسخريوطيّة يرّد يسوع بعمل مفعم بالمحبة، فليلة الوداع: "غمس (يسوع)
اللقمة ورفعها وناولها διδωδεν يهوذا بن سمعان الاسخريوطي" (13: 26) وشارك في هذه
الخيانة اليهود وعظماء الكهنة إذ أسلموا يسوع إلى بيلاطس ليحكم عليه بالموت: "أجاب
بيلاطس أتراني يهوديًا؟ إن أمتّك وعظماء الكهنة أسلموك إليّ παρεδωκαν σε εμοι.
ماذا فعلت؟" (35:18). فخطيئة يهوذا وعظماء الكهنة لا تغتفر: "لذلك فالذي أسلمني
إليك παραδus με σοι (اسم الفاعل لـ παραδιδωμι) عليه خطيئة كبيرة" (19: 11). وهذه
الخطيئة تنال بيلاطس الذي أسلم يسوع للموت: "فأسلمه παρεδωκεν αuτον إليهم ليصلب"
(19: 16).
هذه السلسلة من الخيانات لم تستطع سلب حياة يسوع (يو 18:10) لأنه هو وحده سيّد
حياته. فعلى هذه الخيانات يردّ يسوع بتسليم روحه بذاته وفي الوقت الذي شاءه: "أسلم
الروح παρεδωκεν το πνεuμα" (إنّ فاعل الفعل παραδιδωμι هو يسوع وحده) (19: 30).
وبتسليم روحه وهب الروح القدس للعالم: "أراد بقوله الروح الذي سيناله المؤمنون به،
فلم يكن هناك بعد من روح، لأن يسوع لم يكن قد مجّد" (39:7؛ رج 16: 5-7؛ 20: 22)
8- الجنب المطعون عند يوحنا
يتحدّث الإزائيون عن سلسلة أحداث رافقت موت يسوع: إنشقاق حجاب الهيكل، تصدّع
الصخور، قيامة الموتى واعتراف قائد المئة... (متى 27: 45- 54؛ مر 15: 33-39؛ لو 23:
24-38)، لم يأت يوحنا على ذكرها، إنمّا تحدث عن طعن يسوع بالحربة (19: 31-37). لو
عدنا إلى بداية حياة يسوع العلنيّة، نراه يتكلّم في حدث تطهير الهيكل (2: 13-22) عن
هدم وإعادة بناء هذا المقام في ثلاثة أيام، وهذا المقام هو جسده كما يقول يوحنا.
"أما هو فكان يعني هيكل جسده" (2: 21). فيسوع اليوحناوي هو هيكل الله، من جنبه
المطعون على الصليب يتدفق ماء الحياة. ألم يقل يوم عيد المظال: "إن عطش أحدٌ فليقبل
إليّ ومن آمن بي فليشرب كما في الكتاب: ستجري من جوفه أنهار من الماء الحي"
(37:7-38) طبعًا، لم يذكر يوحنا انشقاق حجاب الهيكل، إنما تحدّث عن الطعن بالحربة،
لأن يسوع اليوحناوي هو الهيكل الحقيقي الذي تجري منه الحياة وهو مسكن الله.
9- إعتراف الشاهد
لم يذكر يوحنا إعتراف قائد المئة كما ورد في الإزائيين (مت 27: 54؛ مر 39:15؛ لو
47:23)، لكنه يخبر، بعد حادثة طعن جنب يسوع (يو 19: 31، 37)، أنّ "الذي رأى εωρακως
(اسم الفاعل لـ رأى= οραω) شهد μεμαρτuρηκεν (من الفعل شهد μαρτuρεω) وشهادته حقٌّ"
(19: 35). في بداية الإنجيل، يخبر يوحنا الرسول عن شهادة المعمدان ليسوع فيقول:
"وأنا (المعمدان) رأيت εωρακα (الفعل رأى= οραω في صيغة الماضي) وشهدتُ μεμαρτuρηκα
(الفعل شهد= μαρτuρεω في صيغة الماضي) أنّه هو ابن الله" (يو 1: 43). فالمعمدان،
على مثال قائد المئة، يشهد ليسوع بأنه ابن والله. فالفعلان "رأى وشهد οραω,
μαρτυεω" اللذان يستعملهما الانجيلي سويّة، في شهادة المعمدان، يردان سوية أيضًا في
حدث الجلجلة، وهذا ما يجعلنا نفكّر بمضمون إعتراف ذاك الذي "رأى وشهد" عند الصليب:
"يسوع هو ابن الله". هذا هو اعتراف الشاهد.
لكنا نطرح السؤال: ماذا رأى الشاهد وعلى ما شهد؟؟
على الأقل، رأى حدثين: الأول: "أما يسوع... فلم يكسروا ساقيه" (19: 33). والثاني:
"لكنّ واحدًا من الجنود طعنه بحربة في جنبه فخرج لوقته دم وماء" (19: 34). الحدث
الأولى (9: 33) يذكرّنا بالحمل الفصحيّ الذي لم يُكسر له عظم. فيسوع هو حمل الفصح
الجديد. ألم يشهد يوحنا المعمدان في بداية الانجيل بأن يسوع هو حمل الله الحامل
خطيئة العالم (1: 29)؟ والحدث الثاني يذكرنا بالنبي الاسكاتولوجي المطعون الذي
يتحدّث عنه سفر زكريا (12: 10). فالشاهد الذي "رأى وشهد" والذي اعترف مثل المعمدان
وقائد المئة بأن يسوع هو ابن الله، شهد أيضًا بما رأى على الجلجلة: يسوع هو الحمل
الفصحي، هو هيكل الرب الجديد وهو النبي الاسكاتولوجي المطعون.
خاتمة
إنّ الصليب اليوحناويّ يوجهّنا نحو الآب (19: 28- 30)، فهو "إرتفاع"، كما يقول
إلانجيلّي (3: 14؛ 28:8؛ 23:12-34)، وبالتالي فهو "تمجيد" (12: 27-33). فدراما
الآلام اليوحناويّة ليست مسرحًا لأحداث مأساوّية تخبر عن غياب الله الآب، بل كما
يقول يسوع: "... ما أتيت إلاّ لتلك الساعة. يا أبت مجدّ إسمك" (27:12-28). لقد
أصبحت الجلجلة مكانًا لتمجيد الآب، لا بل مكانًا لعودة الابن إلى حضن الآب والاتحاد
المطلق به: "الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (18:1). هذا الاتحاد
المطلق بين الآب والابن، نراه متجلّيًا وظاهرًا للعيان طيلة حياة يسوع العلنية: "إن
الذي أرسلني هو معي لم يتركني وحدي لأني أعمل أبدًا ما يرضيه" (29:8)، والآن، وصل
إلى كماله على الصليب، وصل إلى ساعة المجد، ساعة العودة إلى حضن الآب بعد أن تمم
مشيئته حتى النهاية، فأحبَّ خاصته وأعادهم معه إلى الآب: "وأنا إذا رُفعت من الأرض
جذبت إليّ الناس أجمعين" (12: 32). فالجلجلة هي مكان عودة الابن وخاصته إلى حضن
الآب. هذه الصورة تتجلى بالابن المرتفع بالمجد على الصليب كملك على الشعوب كافة:
"وكتب بيلاطس رقعة وجعلها على الصليب، وكان مكتوبًا فيها: يسوع الناصري ملك
اليهود... وكانت الكتابة بالعبريّة واللاتينيّة واليونانية" (19: 19- 20)،
وبالأشخاص الأربعة: "هناك عند صليب يسوع، وقفت أمّه، وأخت أمّه، ومريم امرأة قلوبا،
ومريم المجدليّة، فرأى يسوع أمّه وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه..." (يو 19:
25-26) الذين يمثّلون البشرية (العدد أربعة في التقليد اليوحناوي يرمز إلى العالم).
فالجلجلة اليوحناوية هي نقطة اللقاء والاتحاد بين الابن والبشرية مع الله الآب.
إنها عودة إلى حضن الآب.
الفصل الحادي والعشرون
حدث القيامة حسب إنجيل يوحنا
د. منى عبيد
1- القيامة في موت يسوع
كل الحياة المسيحية تبدأ من قيامة الرب يسوع المسيح. والجماعة المسيحية تبدأ بعد
القيامة، وتنشر الايمان إنطلاقًا من القيامة. فالقيامة هي اللحظة الابدية التي تربط
بين كل تاريخ البشرية مع الله منذ الخلق مع تاريخ البشرية الجديدة المنطلقة بعد
قيامة الرب يسوع.
وتعيش الجماعة المسيحية بسبب القيامة، وسبب تبشيرها بيسوع هو القيامة، ودافعها إلى
التبشير هو القيامة، حيث الروح القدس يعمل فيها مع الآب والإبن (رج يو 20: 22).
وإذا انطلقت من القيامة كان ذلك لفهم أعمق لكل ما سبقها وهيّأ لها.
فيسوع الذي هو بكر القائمين (رج قول 1: 18+). هو رأس سلسلة القائمين بعده، أي
المؤمنين، أي الكنيسة التي ولدت "لوقته" من موته (رج يو 19: 34). فلحظة موت يسوع،
هي في الحقيقة، حسب الإنجيلي يوحنا، لحظة الحياة؛ لحظة "تسليم" روح الرب إلى شعبه
المخلوق تحت الصليب (رج يو 19: 30)؛ وهي ذاتها لحظة القيامة وبدء الحياة الابدية
(رج الخلق الاول، تك 7:2)..
يُفهمنا يوحنا أن لحظة موت يسوع هي لحظة انتقال روحه منه إلى الجماعة المؤمنة التي
تحيا باستلام هذا الروح، فتكون لحظة موته ليس فقط لحظة الحياة والقيامة، بل أيضًا
لحظة العنصرة.
وفي أول أيام الاسبوع "يوم الاحد" (يو 20: 1)، يوم القيامة، ملك الروح القدس على
بشرية الرب يسوع حسب ما ورد في الكتب (رج 1 قور 3:15، 4)، وجعله "روحًا محييًا" (1
قور 15: 45). هكذا فان قيامة الرب يسوع هي عمل الآب والروح القدس والابن بذاته (رج
يو 10: 17-18)، لهذا يعطى روح الآب والابن في لحظة القيامة مثل ما أعطى لحظة الموت
(رج يو 19: 30- 34) ويفيضه بأكمله من خلال بشرية الرب القائم (رج أع 2: 32-33).
كنتيجة لهذا تبدأ رسالة التلاميذ في يوم القيامة عينه، "في مساء ذلك اليوم، يوم
الأحد" (رج يو 20: 1 و19)، والذي هو ذاته يوم العنصرة (رج يو 20: 22-23) أي حلول
الروح القدس عليهم والانطلاق في المناداة بالتوبة وغفران الخطايا، ثمرة الذبيحة
الدموية على الصليب.
الرب القائم من الموت "ينفخ" فيهم، يخلقهم من جديد، مثل الخلق الأول وقبل الخطيئة
(رج تك 2: 7)، يصبحون من جديد على صورته كمثاله (رج تك 1: 26-27). من حياته يأخذون
الحياة على مثال الإنسان الأول، "نفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسًا حية"
(تك 2: 7)، لكن هذه المرة حياة أبدية من نفخة القائم الحي أبدًا، الرب الإله.
2- القبر الفارغ
أ- أول أيام الأسبوع
في إنجيل القبر الفارغ، حسب يوحنا، نجد إشارة مميّزة وثمينة التعبير: "أول أيام
الأسبوع"، والتي يكرّرها يوحنا ثلاث مرات (رج يو 10: 1 و19 و26 "اليوم الثامن" أي
1+7).
اليوم الأول هذا هو اليوم العظيم، يوم الخلق الجديد، يوم الرب القائم بقوة الروح
القدس؛ هو يوم تجلي الحقيقة الإلهية بكمالها بفعل الصليب والقيامة؛ وهو يوم إلباس
البشرية الروح الإلهية.
إنه اليوم الأول في الخلق الجديد، بدء عمل الله الجديد، على مثال الخلق الأول (رج
تك 1: 5). اليوم الأول هذا يبدأ بالقيامة المجيدة ويكتمل بتحقيق هدفها أي حلول
الروح القدس. إنه الزمن الجديد مع الله، زمن القيامة الدائمة.
هذا اليوم، "أول أيام الأسبوع"، يوم فريد، هو بداية سلسلة من أيام أول (آحاد)، من
أجل احتفال مستمر بالقيامة من الموت إلى حين عودة الرب: إنه احتفال شامل، فرح،
ينطلق من القبر ويشمل كل الكون إلى الأبد (رج 1 قور 26:11).
ب- يسوع هو الرب
الرسالة الثانية في إنجيل القبر الفارغ هي إعلان مريم المجدلية لبطرس وللتلميذ
الحبيب: "أخذوا الرب" (يو 20: 1-2). إن يسوع غير الموجود في القبر هو الرب، أي
السيد (kyrios)، بمعنى المسيح، رغم أن الرؤية لم تتضح بعد (رج يو 9:20-14، 16 و18).
ترى مريم المجدلية أن الحجر قد أزيح، وأن القبر فارغ (رج يو 20: 1-3). فيما بعد ترى
الملاكين (رج يو 20: 12)، وفي لحظة لاحقة ترى يسوع واقفًا (رج يو 20: 14) إلى أن
تكتمل رؤيتها تدريجيًا بالتعرّف على الرب: "رأيت الرب" (يو 20: 18).
هكذا يأتي الرب، ويظهر أنه يسوع: "فرأت يسوع واقفًا، ولم تعلم أنه يسوع" (يو 20:
14)، وما أن تتعرف عليه التلميذة حتى تصرخ معترفة: "ربوني"، "قد رأيت الرب" (يو 20:
16 و18). بنفس الطريقة كانت الظهورات للتلاميذ (رج يو 20: 19- 21 و26؛ ثم رج 20: 25
و28).
يُظهر يسوع تمام سيادته ومشيحانيته في القيامة.
ج- تجلي وجه الرب
ينفرد يوحنا في إنجيله حول القبر الفارغ بذكره كيف أن بطرس والتلميذ الآخر انطلقا
إلى القبر، وأن التلميذ الآخر أبصر أولاً الاكفان ممدودة لكنه لم يدخل، ثم أن بطرس
وصل بعده فدخل القبر وأبصر هو أيضًا الاكفان ممدودة والمنديل الذي لف به رأس يسوع
مفصولاً عن الاكفان، مطويًا، وحده في موضع أخر (رج يو 20: 3-7).
هذا المنديل الذي كان يغطي "وجه الرب" (رج يو 20: 7) هو الآن منفصل عن الاكفان،
مرتَّب بعناية، كعلامة مميزة. لقد أزيل المنديل عن "وجه الرب"، ويمكن التأمل في هذا
"الوجه" الإلهي من خلال الوجه البشري "للقائم". كلام يتحقق ويُفهم في القيامة (رج
يو 10: 30؛ 12: 45).
تجلي الرب الآن أوضح، فالقائم يكشف عن وجهه، أنه صورة الآب، "ايقونة الآب"، الذي
يمكن عبادته لطالما أن القبر فارغ والمنديل قد أزيل، لأن العبادة للحي وليست للميت.
أما التلميذ الآخر، "التلميذ الحبيب" (رج يو 20: 2) فعندما دخل "رأى وآمن" (يو 20:
8). ماذا رأى يوحنا التلميذ؟ رأى فقط الاكفان والمنديل، رأى القبر الفارغ، فآمن أن
الرب قام بعكس المجدلية التي اعتقدت أنهم أخذوه (رج يو 20: 2). كيف آمن ولم يره
بعد؟ ولا فهم الكتاب بعد (رج يو 20: 9)؟
لقد آمن التلميذ الحبيب بعيني الحب للمعلم، وحده وقبل التلاميذ الآخرين. آمن قبل أن
يراه، أو بالأحرى قبل أن يرى الجسد القائم وقبل أن يلمسه (رج يو 20: 19-29؛ 21:
1-23).
يعلّما يوحنا هنا بتعبيره "رأى وآمن" كيف أن عيون الحب، حسب الكتاب المقدس، هي عيون
ترى أكثر من الحواجز وأبعد منها؟ عيون الحب ليست عيونًا عمياءً لا ترى (كما يفهم
العالم)، بل هي عيون حادة النظر والإيمان، قادرة أن تثقب الحواجز، تمر من خلالها
وتتخطاها. فالحب ليس أعمى، الحب يرى أكثر من البعد المحدود. هكذا كان حب يوحنا
الحبيب لمعلمه. رأى ما لم يره اخوته التلاميذ، فتخطى خوف الموت وعار الصليب.
وأما بقية التلاميذ، فلأنهم يحتاجون أن يروا القائم بذاته، وأن يلمسوه كي يؤمنوا،
فقد ظهر لهم في مساء اليوم عينه (رج يو 19:20)، أول أيام الأسبوع، لكن بعد تبشير
مريم المجدلية لهم (رج يو 17:20-18). هكذا يستطيع التلاميذ أن يكونوا شهود عيان (رج
1يو 1: 1-4؛ يو 1: 14).
في قيامة الرب من الموت ليس فقط إنطلاقة نحو الحياة الأبدية وتكوين جماعة الإيمان:
بل أيضًا قراءة عكسية لكل تاريخ الخلاص بحسب تعليم الرب نفسه "تتقصّون ما في
الكتب... وهي... تشهد لي" (يو 5: 39). فيسوع هو الظهور الكامل لتدبير الله الخلاصيّ
وحبه للبشر.
القبر الفارغ كان الانتفاضة الجذرية على عدم فهم الكتاب: "ذلك بأنهما لم يكونا قد
فهما ما ورد في الكتاب، من إنه يجب أن يقوم من بين الاموات" (يو 9:20؛ رج أيضًا لو
26:24-27، 44-48).
هكذا، وفقط عبر القيامة، تبدأ القراءة العكسية: من القيامة إلى الموت والألم، إلى
الانبياء والمزامير والشريعة، إلى الخلق، رجوعًا من جديد إلى القيامة. الرب القائم
هو كل الحقيقة، هو الألف والياء، الأول والآخر، والبداية والنهاية (رج رؤ 1: 8؛ 21:
6؛ 22: 13). هو الحي أبدًا، ومن حياته بعد القبر التي هي الياء والنهاية نعود إلى
الوراء لنفهم الألف والبداية.
2- جروحات الصلب" علامات أبدية"
أ- أثار الصلب
"في مساء ذلك اليوم، أول أيام الأسبوع" (يو 19:20) كان التلاميذ مختبئين خوفًا من
اليهود، وقد اغلقوا الابواب على أنفسهم. لكن الرب يأتي، "فجاء يسوع"، بمبادرة حرة
منه، ويقف في "وسطهم". إن الرب يأتي دومًا ويظل مع تلاميذه دومًا، لأنه حيّ أبدًا.
يسوع الرب، السيد القائم، يرى التلاميذ آثار الصلب، المسامير في يديه (عند لوقا 24:
40، يديه ورجليه) والجرح في جنبه (رج يو 20: 20أ).
اليدان والجنب موسومة بجراحات الموت، الموت المغلوب. هذه الجروحات تتحول من علامات
موت إلى علامات نصر وقيامة. إنها علامات "أبدية" للحياة بعد الموت.
أثرُ التعذيب يتحوّل إلى أثر إيمان وإقرار بألوهية يسوع: "ربي والهي" (يو 20:
28-29). مات كإنسان وقام كإله.
أثر المسامير والجنب المطعون، الجسد المجلود يتحول إلى علامة مجد للحمل المذبوح
لكنه قائم: "رأيت حملاً واقفًا كأنه مذبوح" (رؤ 5: 6).
إن علامات الموت في القيامة هي "ذكر" لهذا الحدث الوحيد للخلاص، الموت والقيامة.
هذا الحدث هو التقدمة الاسمى نحو الآب ونحو البشرية.
هذا "الذكر" يصبح تأملاً ببشرية يسوع المؤلّهة وفرحًا أبديًا: "فافعمهم مرأى الرب
فرحًا" (يو 20: 20 ب). لقد رأى التلاميذ الرب وجسوه، تأملوه وعرفوه (رج 1 يو 1: 1،
4). عرفوا أنه الرب. ظهر لهم كالإنسان القائم فعرفوا فيه الإله الحي أبدًا.
لقد أراد القائم من الموت عن قصد أن يريهم آثار الجروحات، فيتأكدوا أنه هو ذاته
المعلم الذي مات مصلوبًا وقام من القبر. وكأنه باظهاره آثار الصلب يفسر لهم ما كُتب
في شأنه في الكتب (رج لو 25:24-27، 44-47؛ مز 22: 17) وقد دعاهم إلى تفحص الكتب
وفهمها.
إن يسوع هو المفسر الأول للكتاب المقدس، ومعلم الشريعة، والنبي المتشفع بآلامه،
ومصلي المزامير بامتياز. إنه العبد المتألم. والملك المشيحاني: "أما كان يجب على
المسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده؟" (لو 46:24). ولفظة المسيح بحد ذاتها
تعني الرب، السيد، الحي، القائم من الموت والذي يجب أن يتألم كي يمجد.
بقيامته، يفسر يسوع موته وآلامه، ويعطي لهما المعنى الحقيقي (رج مز 2؛ 22؛ 30؛ 31؛
45؛ 69؛ 71؛ 89؛ 110؛ 132؛ 144).
ب- خلق جديد
لكن التعبير الإلهي يجب أن يتم أيضًا من خلال التلاميذ والرسل. لابد لهم أن ينطلقوا
ويبشروا بالقائم من الموت، وقوتهم في الانطلاق هي "روح الرب القائم"، "النفس"
الإلهي: "ونفخ فيهم" (يو 20: 22 أ؛ قارن أيضًا مع تك 2: 7). هذا الفعل "نفخ" الذي
يدل على الخلق، والمستعمل مرات عديدة في العهد القديم، موجود في العهد الجديد فقط
هنا عند يوحنا. كما يدل هذا الفعل أيضًا على الشفاء وعلى القيامة من جديد (رج حز
9:37؛ طو 11: 11).
في أول أيام الاسبوع. في مساء ذلك اليوم، يظهر القائم مثل الرب الخالق،. الذي يخلق
الكون الجديد الأخير، ينفخ للمرة الأخيرة، المرة الابديّة. إنه يوصل نفسه الإلهي،
روح الآب وروحه، روح القيامة بعد الصليب (رج يو 19: 30).
ج- سلام أبديّ
يبدأ يسوع ظهوره بالسلام ليبدد خوفهم، ويؤكد سلامه مرتين (رج يو 20: 19، 21، 26).
إنه السلام الإلهي، السلام المشيحاني (ειρηνη)، أي الخلاص الكامل. هذا السلام يعني
الراحة في الرب، الاطمئنان، الختم الإلهي في نفوس تلاميذه، وشعار الحياة فيه: "لا
تخافوا" (متى 27:14)، "هاءنذا معكم" (متى 28: 20).
بعد السلام يعود بهم يسوع إلى عمل الله الآب الذي أرسله، "أرسل ابنه الوحيد"،
الرسول الوحيد الذي يرسل التلاميذ (رج يو 20: 21 ب). رسالة التلاميذ يجب أن تكون
مطابقة لرسالة معلمهم وإلههم: "كما أرسلني... أرسلكم"، ومن يقبلهم يعني أنه قبل
الرب المرسل بدوره من الآب؛ ومن يقبل الرب يقبل الآب الذي أرسله ويخضع للتدبير
الإلهي.
د- غفران الخطايا
لا تقتصر مهمّة التلاميذ المخلوقين الآن من روح القائم، على نشر قيامته، لكن عليهم
واجب تكرار أعمال المعلم واعطاء فرح غفران الخطايا بسلطان من السماء، فرح الروح
القدس، الذي من خلاله خلعوا آدم القديم ليلبسوا آدم الجديد. إنهم الآن الخلق
المفتدى المولود ثانية (رج يو 20: 22-23).
مهمتهم من لحظة امتلائهم من روح القائم أن يوصلوا هذا الروح إلى البشرية باجمعها،
روح الفداء، روح النعمة، روح الملكوت للوصول إلى الآب السماوي، روح السيد الرب
الموعود به منذ القدم (رج أش 61: 1+؛ لو 18:4-19).
إن من السماء ذاتها تُثبت وتقرّر نتيجة القيامة والصلب: فإما التوبة والغفران وإما
الدينونة والقضاء. والرجاء يعطى بكامله والاختيار الحر للبشر.
كلُّ البشرية مدعوة إلى تكوين جماعة العليّة، الابتعاد عن الخطيئة، انتطار الرب،
استلام روحه، الحياة بسلامه والولادة من جديد: "لأنه يأتي" ويبقى في "وسطها" (رج يو
20: 19) قائم حي أبدًا بالروح.
هـ- الإيمان والفرح
آيات الرب القائم كثيرة (رج يو 20: 30-31) وكلها تعود بالتلاميذ إلى الآيات التي
قام بها قبل موته لتكون تفسيرًا لما قام به الانبياء وما وعدوا به، ولما علمته
الشريعة وصلاة الشعب المختار في مزاميره. آيات يسوع وإن لم تدوّن كلها، إلا أنه
يسلّم بها من خلال إيمان التلاميذ والرسل، ويؤمن بها لتكون في اسمه الحياة.
يقبل بآيات يسوع من خلال الإيمان، ويخضع لها من خلال الحب للرب الذي صنعها، والتي
أراها لتلاميذه ليشهدوا لها في العالم أجمع. هذا يعني أنها لم تعد منظورة أو "طوبى
لمن لم يروا وآمنوا" (يو 29:20). إن فرح الذي يؤمن "بالكلمة"، من خلال شهادة الرسل،
أعظم. إنهم يرون بعيون الحب مثل يوحنا: "ما من أحد يسلبكم هذا الفرح" (يو 16: 22).
لقد كان حب الرب القائم أكبر من شك توما، إنه يأتي للمرة الثانية (رج يو 20: 26)،
وللمرة الثالثة يحمل لهم السلام، سلام القيامة للجميع.
يؤنِّب القائم توما: "كن مؤمنًا، لا غير مؤمن" (يو 27:20)، لكن في تأنيبه حب واضح:
"هات اصبعك إلى هنا فانظر يدي، وهات يدك فضعها في جنبي". الرب القائم يسمح لتوما أن
ينهل من موضع الجروحات نعمة الإيمان، وعطاء الروح، والسلام الإلهي.
ويصرخ توما معترفًا بايمان ممتلئ بعطية السلام والروح: "ربي وإلهي" (يو 28:20).
وإيمانه يتحوّل إلى صلاة وعبادة ونشيد تسبيح (رج مز 3:5؛ 34: 23؛ 43: 5). إنه يقبل
بالعهد الجديد مع الله، ويجدد قانون إيمانه.
إن المناداة المزدوجة لتوما "ربي وإلهي"، بصيغة الملكية الفردية، هي اعتراف مضاعف
بسيادة يسوع الملك والإله، مع أنه لم يكن من المعتاد أن ينادي أي "معلم" بالرب فكيف
بالاحرى بالإله.
جواب يسوع (رج يو 20: 29) هو العهد الجديد، والطوبى لكل الاجيال التي تؤمن به ولا
تراه بالعين المجردة. أكل ما يُرى فقط يمكن تصديقه؟ هناك كثير من الحقائق التي لا
ترى لكن يمكن أن يحسّ بها، تعاش ويشهد لها، يعبر عنها وتنشر رسالتها: الرمز مثلاً،
الموسيقى، الفن، الشعر، الابداع، الاحساس، الفطنة، الرحمة، الحنان والحب... وغيرها،
أجميعها ترى؟ ومع ذلك فهي موجودة!
4- خلاصة: القائم يفسر موته
في العلية يفتتح الرب القائم "أسلوب" تفسير الكتب. يحدد بدقة التفسير القاطع
والأخير من خلال قيامته: قبل كل شيء، إنه يدخل مكانَ تجمعهم، في دارهم ويقف في
وسطهم (رج يو 19:20). المكان يصبح بيته. فحيث يوجد هو، هناك الهيكل الحقيقي والكلمة
المعلنة وتفسير هذه الكلمة، وهناك الوليمة (رج لو 29:24+). إنه الضيف الإلهي، السيد
المطلق والرب (رج لو 38:10-42)، مثلما أصبح قبلاً بيت مريم ومرتا بيت الرب: حيث
تسمع الكلمة وتعلن النبوءة مسبقًا.
أ- الكلمة- الحدث"
من ناحية اخرى، تثمر القيامة مفعول "الكلمة" التي تنبأ بها يسوع عن ذاته خلال حياته
الارضية. تعاليمه تتحول بحد ذاتها إلى "كتاب مقدس"، والقيامة تحمل التلاميذ إلى فهم
ما قاله لهم من قبل، وإلى ادراك أن ما يتكلم به الرب هو "كلمة- حدث" (λογοι-ρηατα)،
تجمع فتصبح الكتاب المقدس بالإضافة إلى العهد القديم.
هناك بعض النصوص التي تذكر لنا اهمية القيامة في فهم الاحداث التي خلال حياة يسوع
الارضية. كلامه مثلاً حول هدم الهيكل وبنائه في ثلاثة أيام: "فلما قام من بين
الاموات، تذكر تلاميذه أنه قال ذلك. فآمنوا بالكتاب، وبالكلمة التي قالها يسوع" (رج
يو 2: 13-22).
ومثال أخر في جواب يسوع لبطرس الذي رفض في البداية غسل قدميه: "ما أنا فاعل، أنت لا
تعرفه الآن، ولكنك ستدركه بعد حين" (رج يو 13: 1- 12).
في هذين النصّين يعلن يسوع قيامته من خلال كلامه النبوي أثناء حياته مع التلاميذ.
وفيما بعد فسرت القيامة كل ما جرى من أحداث. القيامة تقرأ من جديد كل ما تم، إنها
الياء التي كشفت عن الألف.
ب- "الكلمة النبوءة"
مثلما وضحت القيامة الأحداث التي سبقتها توضح أيضًا أقوال يسوع التنبؤية. مثلاً حول
خيانة يهوذا وتسليمه الرب والإصرار على ذكر ذلك (رج يو 6: 64، 70-71؛ 2:13، 18-19،
26-27؛ 12:17).
كذلك حول دفن يسوع (رج يو 7:12)؛ حول نكران بطرس له (رج يو 38:13)؛ حول هرب
التلاميذ وترك يسوع وحده (رج يو 16: 32؛ زك 13: 7)؛ ونبوءته في الصعود إلى أبيه (رج
يو 14: 29).
بالطبع هناك الكثير من النصوص الأخرى التي تذكر نبواءت يسوع، كأقوال وكأحداث، والتي
فهمت فقط بعد القيامة وحلول الروح القدس.
إن يسوع الذي يدعو التلاميذ إلى تفتيش الكتب وفهمها يؤكّد أنها تتمة كل ما جاء
فيها. لهذا هو يدعو أيضًا إلى عدم ابطال "الكتاب" (رج يو 10: 35)؛ والشريعة:
"شريعتكم" (يو 10: 34)، ويؤنبهم على جهلهم لكتبهم (رج يو 5: 39). إنه يؤكّد ويبرّر
تعاليمه من خلال كتبهم (رج متى 5: 17؛ مر 7:11؛ 29:12-31؛ 49:14).
الانجيليون الأربعة يذكرون لنا هذه الحقيقة من خلال استعمالهم لفظة πληρωμα والتي
تعني التمام، الامتلاء، الكمال. نذكر بعض ما جاء في إنجيل يوحنا: "وقتي لم يتم" (يو
8:7)؛ "لتتم كلمة النبي آشعيا" (يو 12: 38+؟ رج اش 9:6-10)؛ "إن الآكل خبزي رفع علي
عقبه" (يو 18:13؛ رج مز 41: 10؛ يو 17: 12)؛ "من يبغضني يبغض أبي أيضًا" (يو 15:
23؛ رج مز 19:35؛ 5:69).
ويسوع "الكلمة" هو الكتاب المقدس، تتحقّق أقواله النبويّة كلّها. نذكر منها صلاته
في حماية اتباعه من الهلاك (رج يو 12:17؛ 9:18)؛ نبوءاته حول الميتة التي سيموتها
(رج يو 3: 14؛ 12: 32؛ 18: 32).
إنه يتمّم كل نبوءات العهد القديم، خاصًة في أحداث الموت والقيامة. هنا أيضًا نذكر
بعضها حول تقاسم ثيابه تحت الصليب (رج يو 19: 24) والذي يحقق نبوءة المزمور 19:12؛
حول عدم كسر ساقيه، كحمل الفصح المذبوح (رج يو 36:19؛ خر 12: 46؛ عد 9: 12؛ مز 34:
21)؛ واخيرًا تأمل الفادي المطعون (رج يو 19: 37؛ زك 12: 10؛ رؤ 1: 7).
هناك تعبير أخر في إنجيل يوحنا هو τελος والذي يعني النهاية، الاكتمال والوصول إلى
الهدف. مثال قول يسوع: "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأن أتمّ عمله" (يو 4:
34؛ رج أيضًا 36:5؛ 17: 4) والذي يعبر عن تتميم يسوع لعمل الآب وتدبيره الخلاصي.
ومثال أخر أثناء نزاع يسوع على الصليب في عطشه وفي البلوغ كمال صنعه (رج يو 28:19،
30؛ مز 16:22؛ 22:69).
الخاتمة
إن عمل الله وتدبيره الخلاصي يتمّان في صنعه الشعب الجديد، الذي يولد من موت
المصلوب (رج يو 19: 30)؛ يولد من آلام المخاض شعبًا مشيحانيًا من على الصليب (رج يو
19: 34).
ويستعمل يوحنا فعل "تم" (τελεω) ليؤكّد عمل الله هذا، يؤكّد خلقه من جديد والذي
يختم نبوءة المزمور 22: 32ج: "صنع صنيعًا"، الذي صلاّه يسوع بكامله على الصليب (رج
متى 46:26؛ مر 34:15؛ يو 19: 30). يسوع يرجع الروح إلى أبيه الذي يعطيه بدوره إلى
الشعب المولود، والذي يعبر عنه يوحنا بالماء والدم، قوة الروح القدس، وصورته (رج يو
19: 34).
هكذا يتبين أن حياة يسوع نفسها واقواله هي "الكتاب المقدس"، وهي "تفسير" الكتاب
المقدس (بعهديه القديم والجديد)، الذي لا يفهم تمام الفهم إلا بعد القيامة-
العنصرة.
ومثلما أن الموت ذاته، عند يوحنا، هو الحياة الأبدية التي تعطى أي القيامة عن طريق
اعطاء يسوع لروحه، إذا يشكّل موت يسوع أيضًا العنصرة. بهذا يظهر لنا يوحنا أن لحظة
موت يسوع هي ذاتها لحظة العنصرة عندما أسلم الروح (رج يو 19: 30)؛ وهي ذاتها لحظة
القيامة، أي الحياة الأبدية، عندما خرج من جنبه المطعون دم وماء (رج يو 19: 34).
القسْم الرابع
دراسَاتُ روحيَّة
يتضمّن هذا القسم الدراسات التالية:
1- الثبات في انجيل يوحنا
2- يوحنا المعلّم الروحيّ
3- التلميذ في انجيل يوحنا
4- أم يسوع في انجيل يوحنا
5- المرأة في انجيل يوحنا
6- يسوع في السامرة، 4: 1- 45
7- لغة الرموز في انجيل القديس يوحنا
8- الأسرار في انجيل يوحنا
9- الساعة في الانجيل بحسب القديس يوحنا.
الفصل الثاني والعشرون
الثبات في انجيل يوحنا
الآب نجيب ابراهيم الفرنسيسكاني
المقدمة
كلمة "يثبت- يقيم" ترد 118 مرة في العهد الجديد. أمّا في الانجيل الرابع فترد 40
مرة (في 33 آية) و27 مرة في رسائل يوحنا أي ما يشكّل 57 في المئة من مجموع النصوص
في العهد الجديد، مما يعني أهميّة الموضوع في تعليم كتابات يوحنا. ونلاحظ أن الكلمة
ترد 5 مرات في الفصل الأول و11 مرة في الفصل الخامس عشر من الانجيل حيث الاستعمال
الاكبر. وإذا أردنا إكمال الصورة علينا أن نذكر كلمة منزل في 14: 3 و23.
لدينا في الانجيل الرابع معنى غير لاهوتي أي الاقامة في مكان ما خلال زمن معيّن
(12:2؛ 40:4؛ 9:7؛ 40:10؛ 6:11؛ 54:11؛ 14: 22، 23)؛ ومعنى لاهوتي في باقي النصوص.
بعض الأحيان يمكن للكلمة ان يكون لها معنى غير لاهوتي ولاهوتي في الوقت نفسه، مثلا
في 4: 40 حيث يطلب السامريون من يسوع الاقامة عندهم.
سوف نتوقّف عند الفصل الخامس عشر بنوع خاص. ولكن نبدأ قراءتنا من خلال استعراض سريع
للموضوع في الانجيل عامّة.
1- موضوع الثبات في الانجيل
1) مصدر وهدف الثبات
نجد هذه الكلمة لاول مرة في 1: 32-34:
"وشهد يوحنا قال: رأيت الروح ينزل من السماء كأنّه حمامة فيستقرّ عليه. وأنا لم أكن
أعرفه، ولكنّ الذي أرسلني أعمّد في الماء هو قال لي: إنّ الذي ترى الروح ينزل
فيستقرّ عليه، هو ذاك الّذي يعمّد في الروح القدس. وأنا رأيت وشهدت أنّه هو ابن
الله".
إذن يستقرّ الروح على يسوع وهو الابن الذي يبدأ الرسالة الموكلة إليه. هذه الرسالة
ليست إلاّ اظهارا لهذه الوحدة التي تجمع بين الآب والابن الذي يستقرّ عليه الروح
باستمرار ليعمّد بالروح القدس.
وفي حديث الوداع يعتر يسوع عن هذه الوحدة التي تجمع بينه وبين الآب. في يسوع يقيم
الآب. لذلك من رأى يسوع يرى الآب:
"من رآني رأى الآب. فكيف تقول: أرنا الآب؟ ألا تؤمن بأنّي في الآب وأنّ الآب في؟
إنّ الكلام الّذي قلته لكم لا أقوله من عندي بل الآب المقيم فيّ يعمل أعماله".
الروح يستقرّ على يسوع في بداية رسالته العلنّة والآب مقيم في يسوع الذي يعمل أعمال
الآب. هذه هي رسالة يسوع: أن نصل إلى ما هو عليه من وحدة مع الآب بالروح القدس.
علاقة يسوع مع الآب هي أساس علاقة التلاميذ معه، وهذه تكون بالثبات أي في العيش
باستمرار في علاقة حضور متبادل بين التلميذ ويسوع، تستوحي معناها وتستقي قوّتها من
علاقة يسوع مع الآب بالروح القدس.
2) دعوة التلميذ هي الثبات في يسوع
دعوة اول تلميذين في يوحنا 1: 35-39:
"وكان يوحنّا في الغد أيضًا قائمًا هناك، ومعه اثنان من تلاميذه. فحدّق إلى يسوع
وهو سائر وقال: "هوذا حمل الله". فسمع التّلميذان كلامه فتبعا يسوع. فالتفت يسوع
فرأهما يتبعانه فقال لهما: "ماذا تريدان؟" قالا له: "رابّي (أي يا معلّم) أين
تقيم؟" فقال لهما: "هلمّا فانظرا!" فذهبا ونظرا أين يقيم، فأقاما عنده ذلك اليوم،
وكانت السّاعة نحو الرّابعة بعد الظّهر".
قبل كل شيء علينا الانتباه لمكان هذا النّص في الجزء الافتتاحي: 1: 19-2: 11 الذي
يشكّل المقدمة التاريخية اللانجيل. ودعوة التلميذين الاولين هي بمثابة افتتاح مسيرة
الايمان واتباع يسوع حسب الانجيل الرابع. لننتبه لبعض الافعال مثل "سمع" و"تبع" في
النص. وهذا استعمال مهم في الانجيل ويعبّر عن مسيرة الايمان. ولكن لنتوقف عند فعل
الاقامة الذي يكلّل دعوة التلاميذ في الرواية. الاقامة عند يسوع هي هدف دعوة
التلميذ. ولكن ليس ليسوع مكان إقامة ثابت سوى حضن الآب (18:1 راجع 23:13). هذا هو
مكان الحياة الذي اكتشفه التلميذان، ودعوتُهما هي مثال مسيرة الايمان التي يوسّعها
الانجيل لاحقًا.
ولكن كيف يمكن للتلميذ ان يستمرّ بالاقامة مع يسوع؟
3) كلام الله يعطينا نعمة الثبات
في معرض كلام يسوع عن أعماله التي هي أعمال الآب، يقول للذين يضطهدونه لانّه شفى
المقعد يوم السبت:
"والآب الذي أرسلني هو شهد لي. أنتم لم تصغوا إلى صوته قطّ، ولا رأيتم وجهه. وكلمته
لا تثبت فيكم، لانّكم لا تؤمنون بمن أرسل. تتصفّحون الكتب، تظنّون أنّ لكم فيها
الحياة الأبديّة فهي تشهد لي. وانتم لا تريدون ان تقبلوا إليّ، فتكون لكم الحياة"
(5: 37-39).
من خلال كلام يسوع نفهم انّ هناك علاقة بين كلام الله والاقبال إلى يسوع. لا يكفي
أن نقرأ الكتب المقدّسة اذا لم يكن هدفنا الاقبال إلى يسوع. هناك علاقة وثيقة بين
الاصغاء إلى صوت الله الذي يكلّمنا في الكتاب المقدّس والاقبال بايمان إلى يسوع.
والاصغاء إلى صوت الله هو في نهاية الامر إصغاء ليسوع الذي يحرّرنا من عبودية
الخطيئة لنكون أبناء الله:
"إن ثبتّم في كلامي، كنتم تلاميذي حقًا، تعرفون الحقّ، والحقّ يحرّركم" (8: 31-33).
إذا أردنا أن نكون تلاميذ يسوع علينا أن نقيم في كلامه لأنّ كلام يسوع هو كلام الله
(راجع 14: 10) الذي يعطينا حريّة أبناء الله. والّذين يثبتون في كلام يسوع ويحفظون
كلامه، يعيشون في نور الحقّ وينالون الحياة الأبديّة:
"من يحفظ كلامي لا يذق الموت أبدًا" (8: 52).
وأخيرا وحدها الاقامة في كلام يسوع تعلّمنا الصلاة وتفسح المجال أمامنا لنسأل الله
ما شئنا من ثمار الفضائل الالهية من ايمان ومحبّة ورجاء وفرح وسلام:
"إذا ثبتّم فيّ وثبت كلامي فيكم، فاسألوا ما شئتم يكن لكم" (16: 7).
نلاحظ في هذه الآية التوازي بين يسوع وكلام يسوع. كلام الله، كلام الانجيل يؤهلّنا
لصداقة يسوع، الحاضر بيننا والذي به ومعه وفيه نرفع الصلاة والشكر الى الآب، مانح
الحياة والفرح والسلام (راجع 16: 24 و33).
4) الثبات وخبز الحياة
في الفصل السادس من انجيل يوحنا ترد هذه الكلمة "يثبت- يقيم" مرتين:
-27:6:
"لا تعملوا للطّعام الذي يفنى
بل اعملوا للطّعام الّذي يبقى فيصير حياة ابدية
ذاك الّذي يعطيكموه ابن الانسان
فهو الّذي ختمه الآب، الله نفسه، بختمه".
- 6: 56: "من أكل جسدي وشرب دمي
ثبت فيّ وثبتُّ فيه.
وكما أنّ الآب الحيّ أرسلني وأنّي أحيا بالآب
فكذلك الّذي يأكلني سيحيا بي".
سر الافخارستيا (جسدي ودمي) يبني الوحدة مع المسيح. فإذا اشتركنا بإيمان بجسد
الرّبّ ودمه، نقبل المسيح في حياتنا فيلازم كياننا. المسيح يعطي ذاته بكلّيتها،
جسدًا ونفسًا والوهية، تحت شكلي الخبز والخمر. وبهذا العطاء يصبح هو مركز حياتنا.
يسوع يحيا بالآب الذي أرسله، والتلميذ الذي يشترك بهذا السّرّ يحيا بالمسيح.
المناولة هي إذا استجابة لمحبّة المسيح الذي يعطي ذاته. نقابل محبّته بالمحبّة
ونعطي ذاتنا كما أعطى ذاته. فاشتراكنا بجسد المسيح ودمه، إذا ما تمّ بالايمان،
يلزمنا بالعطاء فلا نحيا بعد اليوم لذاتنا بل للّذي مات وقام من بين الاموات من
أجلنا. وهذا العطاء المستمرّ هو ثبات بيسوع.
إنّه أيضا سرّ الايمان. يسوع يدعونا الى العمل من أجل الخبز الذي يبقى ويصبح حياة
ابدية. كيف نعمل وماذا نعمل؟ يسوع يقول:
"عملُ الله ان تؤمنوا بمن أرسل" (6: 29).
حقيقةُ الخبز الذي يبقى، مرتبطةٌ إذا بعمل الله، بالايمان. هذا ما تعلّمنا إياه
الكنيسة من خلال الاحتفال بسر الافخارستيا.
والاقبال بايمان إلى يسوع في سرّ الافخارستيا يعطينا الحياة التي تدوم. إنّه سرّ
الثبات في يسوع، والثبات وحدة حياة مع الحيّ الذي يحيينا ويجمعنا. إنّه سرّ
الكنيسة.
وفي نهاية هذه القراءة السّريعة للموضوع في انجيل يوحنا، نريد ان نتوقّف بنوع خاص
في الفصل 15 وتحدّدا في 15: 1-17. كلمة "ثبت- أقام" ترد 11 مرة في هذا الفصل من
انجيل يوحنا حيث يكلّمنا يسوع عن الكرمة الحق. يبدو إذا أنّ الرمز التمثيلي يكلّل
بالفعل موضوع الثبات في الانجيل الرابع.
بعد خروج يهوذا الإسخريوطيّ من مكان العشاء الأخير (13: 31)، يتكلّم يسوع مع
تلاميذه. أحاديث الوداع موجّهة بنوع خاص إلى الجماعة المؤمنة أي إلى الكنيسة. يذكر
يسوع عدّة مرات موضوع ذهابه وعودته. ومن الجدير بالذكر الوضع الصعب الّذي يعيشه
التلاميذ وهم معرّضون للاضطهاد في المجامع (16: 2) ومن العالم (15: 18): فهل يصبحون
أيتامًا (راجع 14: 18)؟
لا يكفي أن نكون مسيحيين، بل علينا الثبات متحدين بيسوع المسيح مثل الاغصان مع
الكرمة (يوحنا 15). فالفصل 15 يبدو أنّه يجيب على تساؤلات ومشاكل الجماعة: تراجعٌ
في ايمِان بعض التلاميذ، ونقص في المحبّة الأخويّة. لذلك يطرح الانجيلي موضوع
الأمانة للتقليد الذي قبله أولئك "الذين كانوا معه منذ البدء" وهو الوحي الالهي
(راجع 15: 27). علينا إذا أن ننتبه لهذا السياق حتى نفهم ونفسّر موضوع الثبات في
الفصل 15.
2- أنا الكرمة الحق 15: 1-17
1) حدود النّص
وضع يوحنا هذا النّص في سياق أحاديث الوداع، وموضوعه الاساسي هو الكرمة. فبعد نهاية
أولى للحديث في 14: 31 ("قوموا نذهب من ههنا")، فجأة يبدأ حديثا آخر في 15: 1: "أنا
الكرمة الحقّ، وأبي هو الكرّام". ويستمر بالموضوع حتى الآية 16 حيث نجد موضوع الثمر
الوارد ذكره سابقا في النّص (كلمة ثمر ترد 8 مرات في الآيات 2 و4 و5 و8 و16 وفي
باقي الانجيل مرتين فقط، في 36:4 و12: 24). أما الآية 17 فيجب أن تبقى متصّلة بما
سبق، لأنّ وصيّة المحبّة ورد ذكرها سابقا في آ 9 وآ 12. أما الآية 18 فتبدأ موضوعًا
جديدًا يتعلّق بالبغض. إذا باستطاعتنا أن نقرأ 15: 1-17 كنصّ على حدة.
2) الاسلوب الادبي
ما يقوله يسوع في 15: 1 هو استعارة حية (métaphore vive) لأنّ الصورة لا تنطبق على
إنسان. لدينا إذا معنى رمزي. والاستعارة جديدة لأنّها لم تُطلق على أحد من قبلُ
بالطريقة التي يستعملها يسوع. الكلمة في العهد القديم تقول: "أنا كالكرمة أنبت
النّعمة، وأزهاري ثمار مجد وغنى" (سي 17:24). في هذه الجملة لدينا مَثَل لاستعمال
"كاف التشبيه" وليس استعارة رمزية. والقارىء يندهش امام التعبير الجديد فيندفع
لاكتشاف معنى الاستعارة والاستطراد التالي ذات الطابع التأملّي.
لدينا إذًا في الفصل 15 صورة الكرمة حسب معطيات الرمز في الانجيل الرابع. يستند
يوحنا على الخبرة الانسانية في تقديم الموضوع، مستعملاً لغة الكرم: الكرمة،
الكرّام، الأغصان، يثمر، يقضّب، يجمعون الأغصان، يلقونها في النّار. ورمز الكرمة له
معنى عام أيضًا حسب الخبره الطبيعية: الكرمة ترمز للفرح والثروة والحياة. ولكن هذا
المعنى العام يرتبط بالموضوع الأساسي، أي مسألة الثمر.
3) الخلفية الكتابية
لا بدّ للقارئ أن يذكر موضوع الكرمة في العهد القديم لفهم النّص. يسوع يقصد إحياء
الرمز وإعطاءه المعنى الكامل. في العهد القديم تنطبق الصورة على إسرائيل كرم
الرّبّ: "إنّي غرستك أفضل كرمة" (إرميا 2: 21؛ راجع خاصة أشعيا 5: 1-7). اعتنى الله
بكرمه أي اعتناء ليثمر، ولكنّه لم يعطِ الثمر، فتحوَّلت الكرمة إلى "نبات بريّ وإلى
كرمة هجينة" (إرميا 2: 21). والثمر الذي كان يجب على إسرائيل أن يعطيه هو الأمانة
للعهد وللوصايا وبنوع خاص ما يتعلّق بالعدالة الاجتماعية:
"لأنّ كرم ربّ القوَّات هو بيت إسرائيل
وأناسُ يهوذا هم غرس ئعيمه
وقد انتظر الحقّ فإذا سفك الدّماء
والبرّ فإذا الصّراخ" (أشعيا 5: 7).
4) يسوع، إسرائيل الحقّ
تعطي خلفية العهد القديم لهذا النّصّ الطريق الأوّل للتفسير. الآب هو الكرّام الذي
اعتنى بكرمه. ولكنّ بعض الأغصان لم تثمر، لذلك تُلقى في النار. والثمر يرمز مثل
العهد القديم إلى الامانة للوصايا. يسوع يشدّد هنا على الوصية الكبرى أي وصية
المحبّة الاخوية. ومن خلال هذه الخلفية نكتشف بديهيا أنّ يسوع بقوله "أنا الكرمه
الحقّ" يعني أنّه إسرائيل الحقّ الّذي يحقّق في شخصه مشروع الله الأول الذي أصبح
وعدا يخص الأزمنة المسيحانية. بيسوع غرس الآب الكرمة الفضلى للأزمنة الأخيرة، وفيه
يجمع البشر من أجل ثمر أكيد.
5) الوحي الالهي والتركيز المسيحاني
في العبارة المهمّة التّي ترد في الانجيل "أنا هو"، بالشكل المطلق أو مع الخبر مثل
"أنا هو الكرمة الحقّ"، لدينا تعبير واضح عن التركيز المسيحاني للانجيل الرابع. في
الاناجيل الازائية يسوع هو أيضًا في مركز البشارة ولكنّه لا يتكلّم كثيرًا عن ذاته.
في انجيل يوحنا، يتكلّم يسوع بنوع خاص عني ذاته في علاقته مع الآب ومع البشر. وهذا
التركيز المسيحاني هو بُعد اساسيّ لتفسير الانجيل الرابع. نذكر بنوع خاص هدف
الانجيل من خلال 20: 30- 31: "وأتى يسوع أمام التلاميذ بآيات أخرى كثيرة لم تكتب في
هذا الكتاب، وأنّما كُتبت هذه لتؤمنوا (لتثابروا بالايمان) بأن يسوع هو المسيح ابن
الله ولتكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه". يبيّن الكاتب بوضوح هدف الانجيل وهو
الايمان بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله. فاللقب الاول يضع يسوع في علاقة مع تاريخ
الخلاص. واللقب الثاني يُظهر علاقته الوحيدة مع الآب الذي أرسله. ونتيجة الايمان هي
الحياة باسمه.
إذًا الهدف الأساسي للانجيل هو التركيز على الايمان بيسوع المسيح ابن الله لنيل
الحياة باسمه. ويعبّر الانجيلي عن هذا التركيز من خلال القاب يسوع ومن خلال العبارة
التي ذكرناها في شكليها المطلق ومع الخبر. يسوع يكشف عن ذاته في هذا التعبير الذي
نجده بشكله المطلق في: 24:8 و28 و58 و19:13. في العهد القديم نجد هذه العبارة في
الترجمة السبعينية فقط وتدلّ على وحدة الله وعلى اسمه الخاص "أنا هو الرب": راجع
أشعيا 43: 10. ومن المعلوم أنّ هذه العبارة تكونّت من خلال خروج 3: 14-15 حيث يعلن
الله عن اسمه لموسى ولشعبه. إذا يُظهر يسوع سرّ شخصه من خلال هذه العبارة التي
تعلنه متساويًا للرّبّ (يهوه) ولذلك نفهم ردّة فعل اليهود على كلامه ومحاولتهم
قتله.
أما الاستعمال مع الخبر فيرد في سبعة نصوص وهي:
- 6: 35 و51: "أنا خبز الحياة".
- 8: 12: "أنا نور العالم".
- 10: 7 و9: "أنا باب الخراف".
- 10: 11 و14: "أنا الراعي الصالح".
- 11: 25: "أنا القيامة والحياة"
- 14: 6: "أنا الطريق والحق والحياة".
- 15: 1 و5: "أنا الكرمة".
بعض هذه النصوص مرتبط بآيات سابقة أو لاحقة: خبز الحياة وآية تكثير الخبز؛ نور
العالم مع شفاء الاعمى؛ الحياة مع قيامة لعازر. وبذلك يُظهر يسوعُ ذاته في علاقة
قوية مع حاجات الانسان الأساسيّة مثل الغذاء والحق والحياة والطريق. وكلّ هذه
الرموز مستوحاة من العهد القديم حيث تعبّر عن علاقة الله بشعبه في إطار العهد.
نستنتج إذًا أنّ العبارة في شكليها المطلق ومع الخبر هي وحي ذاتي وترتبط الواحدة مع
الاخرى لتعبّر عن وحدة شخصيّة يسوع الالهية وضرورة الخلاص المطلقة بواسطته. عندما
يقول يسوع: "أنا هو الكرمة" يعلن لنا ضرورة العلاقة الشخصية معه لنعطي الثمر الذي
يمجّد الآب وهو الايمان والمحبّة. وهذه العلاقة مع المسيح هي الاساس لبناء الكنيسة،
شعب العهد الجديد. فالتركيز المسيحانيّ في الانجيل يوجّه المواضيع الاخرى في النّص
مثل الكنيسة والتلميذ.
6) الكرمة وعلاقة يسوع بالتلاميذ
تظهر علاقة يسوع بالتلاميذ ابتداء من أولّ النّص. عمل الآب هو تقضيب الاغصان لتبقى
في الكرمة وتثمر. والغصن المقضّب هو التلميذ الطاهر بكلمة يسوع. الكلمة ذاتها تعني
قضَّب وأصبح طاهرًا. أما "الكلمة" التي تطهّر فهي تعليم يسوع (15: 3) وهي عبارة
تقنية تدلّ على الانجيل. الانجيل، إذا، يعطي التلاميذ أن يكونوا كالاغصان التي
يقضبّها الآب لتبقى في الكرمة وتثمر كثيرًا. يسوع أعطى كلمة الانجيل ويعطيها الآن
كاملة لبقاء التلاميذ في علاقة عضوية معه مثل الاغصان والكرمة.
في 15: 4 تأتي صورة الكرمة لتعبّر أكثر عن هذا الحضور المتبادل بين يسوع والتلميذ.
فهي ضرورية لعطاء الثمر:
"اثبتوا فيّ وأنا فيكم.
وكما أنّ الغصن لا يستطيع أن يثمر من نفسه، إن لم يثبت في الكرمة، فكذلك أيضا أنتم
إن فيّ لم تثبتوا".
نلاحظ أن النّص يحاول التشديد على هذه العلاقة بين التلميذ ويسوع: إن فيّ لم
تثبتوا!
بمعزل عن يسوع لا يستطيع التلميذ أن يعمل شيئًا (15: 5). في هذه الآية لدينا مقارنة
واضحة بين الأغصان والتلاميذ. فنتساءل عمّا تعبّر هذه الصورة. أوضحنا سابقا أنّ
يسوع، كرمة الآب الحقّ، هو إسرائيل الجديد. إذا التلاميذ هم أغصان الكرمة أي أعضاء
شعب الله الجديد. على الأغصان أن تبقى في الكرمة، على التلميذ أن يبقى في يسوع وهو
إسرائيل الحقّ. يسوع إذا هو النبع والتلميذ يحيا منه كالساقية. وبهذا يعبّر النّص
عن هذه الحقيقة: يسوع ليس فقط إسرائيل الحقّ، إنّه الحكمة والكلمة التي تخصب
التلميذ (راجع سيراخ 24: 16- 21). صورة الكرمة توضّح هذه العلاقة الشخصية التي يجب
أن تنمو بين يسوع التلاميذ وهي مبنيّة على كلمة الانجيل أي الوحي الذي أظهره يسوع
لتلاميذه بالملء. وتدلّ أيضًا على حياة الكنيسة، شعب الله الجديد وحياة التلميذ،
هناك معنى فرديّ مرتبط بالمعنى الجماعي. النّص يُظهر بنوع خاصّ نوعية العلاقة
الشخصية بين يسوع والتلاميذ: علاقة حضور (immanence) وترابط حياتي يجب أن تُبنى على
الصعيد الشخصيّ وليس على الصعيد الجماعي. يسوع يتوجّه للتلاميذ بشكل جماعيّ (15:
3-5 و7-17). ولكنّ يتوجّه أيضا للتلميذ بشكل فردي ليكون مسؤولا عن توجّهاته: آ 2
و6.
7) الكرمة والثمر
نتساءل ما هو الثمر حسب النّص؟ وما هو الغذاء المحيي الّذي تهبه الكرمة للأغصان؟
من خلال مطالعة العهد القديم عرفنا أنّ الثمر المطلوب من شعب الله هو قبل كلّ شيء
حفظ الوصايا، أي الوفاء للعهد وبنوع خاص ما يخصّ العدالة الاجتماعية. وفي نصّنا،
الثمر يكون بحفظ الوصايا (3 مرات في آ 10 و12) وبنوع خاص وصيّة المحبّة الاخوية (5
مرات في آ 9 و12 و17).
وثمر الكرمة هو الفرح أيضا. هذا ما نستدلّه من الآية 11: "قلت لكم هذه الاشياء
ليكون بكم فرحي فيكون فرحكم تامّا".
أما آ 16 فتدلّ بوضوح على الرسالة: ثمر الثبات في الكرمة الحقّ هو الرسالة: "لم
تختاروني أنتم بل أنا اختركم وأقمتكم لتذهبوا وتثمروا، ويبقى ثمركم، فيعطيكم الآب
كل ما تسألونه باسمى". ومن الجدير بالذكر أنّ كلمة ثمر ترد مرّتين فقط خارج الفصل
15؛ في 4: 36 و12: 34.
- "هوذا الحاصد يأخذ أجرته فيجمع الثمر للحياة الابدية فيفرح الزّارع والحاصد معا"
(4: 36).
- الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّ حبّة الحنطة التّي تقع في الأرض إن لم تمت تبقى وحدها.
وإذا ماتت، أخرجت ثمرًا كثيرًا". (12: 24).
في الآية الاولى يتكلّم يسوع مع تلاميذه في سياق نصف رواية السامريّة ويتعلّق
بالرسالة. وكذلك في 12: 24 لدينا معنى الرسالة. على حبّة الحنطة أن تثمر من خلال
الموت.
فكرة الثمر في هذين النصّين لا تتعلّق مباشرة بخصب رسالة التلاميذ. أمّا في 15: 16
فالثمر هو نتيجة رسالة التلاميذ بصفتهم مختارين من يسوع ليذهبوا ويثمروا.
الثمر إذًا هو حفظ وصيّة يسوع الاولى، وصيّة المحبّة والقيام بالرسالة الموكلة إلى
التلاميذ من قبله. المحبّة والرسالة يعيشهما التلميذ بفرح وتنتجان عن الثبات
بالمسيح.
8) غذاء الاغصان
1- الانجيل هو غذاء التلاميذ، هذا ما اكتشفناه في آ 3. الثمر، ثمر المحبّة والفرح
والرسالة، يتأتّى عن ثبات كلام الله في حياة التلميذ. إنّها قضية حياة أو موت: أو
الحياة مع الانجيل أو الموت بدونه. والثبات في الانجيل هو الثبات في يسوع (آ 7).
إنّها إذا مسألة إيمان: لنرَ في الانجيل شخص المسيح وليكن كلامه موضع لقاء معه. من
كلامه تستمدّ الأغصانُ الغذاء لتثمر مجدًا للآب.
2- المحبّة غذاء التلميذ من أجل الحياة والثمر. هذا ما يتبيَّن لنا ابتداء من آ 9.
المحبّة بين الآب والابن هي مصدر ومثال محبّة التلاميذ: وكما أحبّني الآب فكذلك
أحببتكم أنا أيضًا" (15: 9). بدون هذه المحبّة الالهية لا يستطيعون أن يثبتوا فيه.
9) الثبات في يسوع يجمعنا ويبنينا في الكنيسة
على نور تاريخ الخلاص نرى أنّ الله غرس الكرمة واعتنى بها أفضل اعتناء منتظرا
الثمر. ولكنّ الكرمة لم تثمر. شعب الله ابتعد عن العهد وعن حفظ الوصايا.
أما يسوع فيقول إنّه الكرمة الحقّ، كرمة الآب. بيسوع غرس الآب الكرمة الفضلى
للازمنة الاخيرة، وفيه يجمع البشر من أجل ثمر أكيد. يسوع إذا هو اسرائيل الحقّ، هو
شعب الله. ومن أراد ان يعطي ثمر الله عليه أن يثبت في يسوع مثل الأغصان التي تثبت
في الكرمة. وبمعزل عن يسوع لا أحد يستطيع ان يعمل شيئا، أي لا أحد يستطيع أن يثمر
لله.
يقول يسوع: "من ثبت فيّ وثبتّ أنا فيه، فذاك الذي يثمو ثمرًا كثيرًا... ألا إنّ ما
يمجّد به أبي أن تثمروا ثمرًا كثيرًا" (15: 5 و8).
الثبات هو التبادل بين يسوع وبين التلميذ. إنّه حوار الحياة. فمنه يستقي التلاميذ
الغذاء من أجل حياة تمجّد الآب. والغذاء هو الكلمة والوصية والخبز النازل من
السّماء. وكلّها تعمل من أجل الثمر، ثمر العهد الجديد أي المحبّة. فالثبات في يسوع
يعني أن نثبت في محبّته ونبذل ذاتنا مثله (15: 9-17). يسوع جعلنا أحبّاءه أي
اصدقاءه لنصبح الشّعب المختار، والاختيار هو فعل محبّة:
"لم تختارروني انتم، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم" (15:
16).
هو المختار والابن الحبيب وبه نثمر.
نرى في هذا الرمز صورة الكنيسة التي تثمر إذا ما ثبتت في يسوع الذي أطلعها على كلّ
شيء ويريدها ان تثمر بالمحبّة مجدًا للآب. إنّه سرّ حضور المسيح الحيّ القائم من
بين الاموات في الكنيسة ليدخلها بالروح القدس المعزيّ إلى الوحدة التي تجمع بينه
وبين الآب. صورة الكرمة تقابل إذا عبارة "جسد المسيح" عند القدّيس بولس.
وأخيرًا نرى أن الذبيحة الالهية هي سرّ هذه الوحدة والثبات في المسيح الذي يبنينا
كنيسة. فالمثابرة على الاشتراك بايمان بمائدتي كلام الله وجسد ودم المسيح، توحدّنا
بالكرمة الحقّ فنُثمر بالمحبّة ونمجّد الآب بحياتنا التي تُظهر المسيح الحيّ بيننا.
وهذا الحضور يتمّ بقوة الروح القدس، هبة الفصح (راجع 14: 17 وقابله مع 1: 32-33).
الخاتمة
إنجيل يوحنا يتّصف بالتركيز المسيحاني، وبهذا نرى البعد الاساسي لكل تفسير ولفهم
موضوع الثبات الذي يتخذ أهمية خاصّة في تعليم الانجيلي. حين يقول يسوع "أنا الكرمة
الحقّ"، فهو يظهر ذاته نسبة للآب وللبشر. هو الابن الذي أرسله الآب ليجمع شعبه به
ومعه. أرسله كلمة تطهّر التلاميذ فيثبتون متّحدين به ليثمروا ثمرًا كثيرا يمجّده.
هذا الكلمة المتجسد بنى ويبني علاقة شخصية ووحيدة مع أولئك الذين اختارهم ليكونوا
معه منذ البدء. فالثبات في الكرمة في زمن تكثر فيه الشيع واللامبالاة وحتى
الاضطهادات على أنواعها، يعني المثابرة على قبول الوديعة، وديعة الايمان من الكنيسة
الرسولية. فالكتاب المقدّس هو كتاب الكنيسة. وهي، إذا عرفت كيف تجعل من المسيح
مركزها الدائم، تكون المكان الوحيد السريّ لاعلان كلام الله لقاء مع المسيح. هذا
يعني أيضا أنّ التلميذ الفرد يستطيع الاستمرار في اتحاده مع المسيح الكرمة إذا ثبت
كلام الانجيل فيه. هناك ترابط وثيق يظهره النّص بين العلاقة الشخصية مع المسيح
الكرمة وبين اتحاد جماعة التلاميذ فيما بينهم ومع المسيح بالمحبّة. هنا نصل إلى
الوصية كطريق للثبات وهذه هي وصية العهد الجديد أي المحبة. فالايمان والمحبة هما
موضوعان أساسيان في كلّ الانجيل. وإنما هناك تشديد كثيف لهما في أحاديث الوداع. ومن
خلال قراءتنا للموضوع في الانجيل، خاصة في الفصل السادس، وسياق النص في العشاء
الأخير، نرى أنّ سر الافخارستيا هو طريق الثبات في الكرمة. لذلك تصبح كلمة الانجيل
وسر جسد ودم المسيح غذاء التلاميذ لينموا وتكون لهم الحياة باتحادهم بالمعلّم
الالهي. وهنا نرجع إلى البدء. فسرّ اتحاد التلاميذ مع المسيح هو بالطبع سرّ
الكنيسة. ولكن كلّ وحدة بينهم تنبع من الاصل الالهي وتقود إليه، أي اتحاد الآب مع
بالروح القدس. الثالوث الاقدس هو بالفعل دعوة البشر الاولى.
الفصل الثالث والعشرون
يوحنا المعلّم الروحيّ
الخوري مكرم قزاح
والأخت ماري انطوانيت سعاده
"الآب نفسه يحبّكم لأنكم أحببتوني، وآمنتم أني خرجت من لدن الله" (يو 27:16).
إن كلمات يسوع هذه تعبّر عن كل روحانية القديس يوحنا. لقد أحبَّ القديس يوحنا يسوع
الذي من الناصرة حبًا شديدًا. منذ اللقاء الأول، صار يسوع بالنسبة إليه محور تفكيره
وحياته. وبما أنه تبع يسوع، وأقام حيث يقيم، وبقي معه، واستمع إليه وأحبّه، فهو
يعرف أن الآب يحبّه.
لقد أنار يسوع حياة يوحنا: هو أوحى إليه بالآب الذي ما رآه أحد البتّة (18:1).
وهكذا فان يوحنا لم يكتب إلاّ ليحدّثنا عن يسوع، ويقودنا بواسطته إلى الآب، ومن ثمّ
ليوصلنا إلى الحياة، "لأن الحياة لّد ظهرت، فرأينا ونشهد، ونبشركم بالحياة الأبدية،
التي كانت عند الآب، وظهرت لنا" (1 يو 1: 2). أجل إن الحياة التي كانت عند الآبّ قد
ظهرت لنا في يسوع الذي من الناصرة.
إذًا لا ينبغي أن نتوقّع من إنجيل القديس يوحنا شيئًا آخر سوى هذه الشهادة على يسوع
بالنسبة إلى التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. إن كل ما يصبو إليه الإنسان، وأعمق رغبة
فيه، موجود في يسوع كما في ينبوع النور، الحقيقة، الحياة... لا أحد يذهب إلى الآب
إلاّ به، لأن "كل شيء به كوّن، وبغيره ما كوّن أيّ شيء" (1: 3).
يسوع هو الكرمة التي ينبغي لكل إنسان أن يطعّم فيها، كما الغصن، لكي يغمره ملء
الحياة وكل الفرح الذي لا أحد يمكنه أن ينزعه منه (16: 22).
لذلك فان إنجيل يوحنا يفترض علاقة طويلة للكاتب مع يسوع الإنسان، فهو كلّه نتيجة
لإقامته معه: "رابّي، أين تقيم؟ (...) تعاليا وانظرا (...) وأقاما عنده ذلك اليوم،
لكي لا يعودا ينفصلان عشه إلى الأبد (1: 38-39).
من هنا كان التشديد على الشهادة: "ذاك الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي
أبصرناه ولمسته أيدينا، ذاك الذي هو كلمة الحياة (...) به نبشركم أنتم أيضًا، لتكون
لكم أنتم أيضًا شركة معنا. وشركتنا إنما هي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونحن
نكتب إليكم بهذا ليكون فرحنا كاملاً" (1 يو 1: 1- 4).
أجل "الكلمة صار جسدًا (...) ورأينا مجده، مجد إبن وحيد، آتٍ من الآب، ملآن نعمةً
وحقًا" (1: 14).
هناك تشديد وإلحاح على التجسّد: "بهذا تعرفون روح الله، أن كل روح يعترف بأن يسوع
المسيح قد أتى بالجسد، يكون من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع لا يكون من الله. وهذا
هو روح المسيح الدجّال" (1 يو 4: 2-3).
لقد سمّر القديس يوحنا نظره مطوّلاً على شخص يسوع، وهو يدعونا بإلحاح إلى هذا
التأمل عينه في شخص يسوع. فإنه يشدّد على طابع الوحي في عمل الله أكثر منه على
ديناميته. فيوحنا يعرض بحبّ شديد أمام عيوننا، عطيّة الله، ويدعونا إلى سبر غورها:
"هكذا أحبّ الله العالم، حتى إنه جاد بابنه الوحيد، لكي لا يملك أيّ مؤمن به، بل
تكون له حياهّ أبديّة" (3: 16). "لو كنت تعرفين عطيّة الله..." (4: 10)، كما قال
يسوع للسامرية.
في الواقع، لن يمكننا أن نكتشف دينامية عمل الله متجلّيًا في حياة الإبن، إلاّ من
خلال هذا التأمّل الطويل، ومن خلال إقامتنا معه: "سينظرون إلى الذي طعنوه" (19:
37).
في تلك الساعة فقط اكتمل فعلاً عمل المسيح، واكتمل الوحي. إنها ساعة حياته في
قمّتها. إنها الساعة المحور في تاريخ الكون وبها يتعلّق كل شيء. والمقصود إنما هو
مجد الساعة، ذلك المجد الذي يحتوي سرّ يسوع بكامله. وما يكتشفه يوحنا، ليس هو
القدرة على الظفر، بل هو بالحري عودة إبن الله إلى حيث كان قبلاً، وظهور مجده
كاملاً، وإعلان غنى عطيّة الله التي أعطاناها فيه: "لما ذاق يسوع الخلّ قال: لقد
تمّ! ثمّ حنى الرأس، وأسلم الروح" (19: 30).
وحين يوحي يسوع إلينا بالآب، يمنحنا أيضًا الروح القدس، ويضحي حتى بجسده ينبوعًا
يتفجّر حياة للعالم، غذاءً حقيقيًا للناس، خبزًا يعطى ويكسر من أجل عالم جديد.
وينتج عن ذلك لاهوت وروحانية ذات طابع تأمّليّ، تمتدّ جذوره إلى الأبدية، إلى الوقت
الذي هو قبل كل بدء، حيث كان الكلمة مع الله، إلى الحبّ الذي أحبّ به الآب الإبن
قبل إنشاء العالم (17: 24).
وهكذا فالابن الوحيد، كما تأمّله يوحنا، صار لنا بتجسّده "شارح الآب"، كما يحبّ
القديس ايريناوس أن يعبّر. فقد "أظهر لنا اسمه" (17: 6 و26)؛ ونقل إلينا بأمانة
كلمته وتعليمه (17:7؛ 8:17)، وأظهر لنا مشيئته (29:6 و38-40)، وعبّر لنا عن حبّه
(16:3)، وعكس لنا ملامح وجهه: "من رآني رأى الآب" (14: 9)، لأني "أنا والآب واحد"
(10: 30).
وكيف يكون تقبّلنا نحن؟ فان الكلمة لا يرغم البتّة الحرّيات التي هو خلقها. إنه
ينتظر أن يفتح الباب (رؤ 3: 20)، حتى يفيض على الذين أعطاهم سلطانًا أن يصيروا
أولاد الله، الملء الذي فيه: "أجل، من ملئه نحن كلنا أخذنا نعمًة تلو نعمة" (1: 12
و16)، لأننا للحياة خلقنا، وانجيله هو حقًا إنجيل الحياة.
وقد تكون عظمة يوحنا في أنّه يضع رسالة يسوع في علاقة مباشرة بأعمق ما يصبو إليه
الكيان الإنساني في صميمه الأكثر تطلّبًا والأوسع شمولاً، وهي رغبته في الحياة، في
حياة دومًا أكثر وأفضل؛ ثمّ في أنه يعرض لنا شخص يسوع السيّد والمعلّم الأوحد لتلك
الرغبة وغايتها القصوى، لأن جذور الانسان في ذاتها وأشواقه كلّها هي في عطش دائم
إلى النور، على حدّ قول صاحب المزامير: "ياربّ، رغبتي كلها أمامك" (مز 38: 10).
مع يوحنا، يمكننا أن نحدّد المتأمل بأنه هو الذي يبحث عن الداخل، عمّا هو أبعد من
الأشياء، ليصل إلى الإنسان في أعمق كيانه، في جذوره، هناك حيث الرب يكون في انتظار
كل منّا.
لذلك يسم يوحنا هذا الموقف التأملي بطابع الجذريّة والشخصانيّة والشموليّة
والديناميّة.
1- الجذريّة
بالنسبة إلى المسيحي، الكلمة المتجسد هو محور كل شيء. فعليه وعليه وحده يركز نظر
المتأمل ليكتشف فيه "الطريق والحق والحياة" (14: 6).
أ- يسوع مرسل الآب
في الواقع، إن الكلمات التي يقولها يسوع هي في الحقيقة دعوة إلى ملاقاته هناك حيث
هو، حيث هو يقيم، حيث هو يحيا في الملء؛ مشدودًا كلّه إلى الآب، أبيه. إنها جذرية
حياة بكاملها مشدورة إلى الآب الذي هو مرسل من لدنه. فهو بكل كيانه موجود في هذا
الانشداد وهذه الحركة صوب الآب.
في اللاهوت العبري ما بين العهدين، أي في مرحلة حياة يسوع التاريخية، كانت الكلمة
"ش ل ي ح" المرسل، تعني من له ملء السلطان، فردًا كان أو جماعة، أي من تكون هويتّه
كهويّة مرسله، بحسب الجماعة الشهيرة "مرسل الإنسان هو الإنسان في نفسه" "ش ل و ح و.
ش ل. ا د م. ك م و ت و" كما في العبرية. فالمرسل شبيه جوهريًا بمرسله، وبهذا
المقدار فقط يمكنه أن يكون مرسلاً. أما الرسالة بحدّ ذاتها فليست أوّليّة، بل هي
ثانويّة تابعة.
في العهد القديم، دعي أبناء كثيرون "مرسلين" من قبل الله، ولكن في الأدب الرابّيني
القديم فإن استعمال كلمة "شليح" كإسم لا كنعت فحسب، يبدو محصورًا في النبيّين موسى
وإيليا فقط، لأنهما قبلا وحي مجد يهوه، ونقلا توراته ومشيئته إلى شعبه.
هكذا فان موسى يدعى "شليح" في إطار وحي العلّيقة الملتهبة أو وحي سيناء، أمّا إيليا
فقد رأى الله في حوريب. بالواقع فإن هذا الطابع الخاص بالوحي في سيناء، هو ما يجعل
موسى نبيًا كليًا على حدة، كما جاء في عد 12: 5-8: "فمًا إلى فم أخاطبه، وعيانًا لا
بألغاز، وصورة الربّ يعاين". أمّا إيليا فيدعى أيضًا "شليح" ولكن في إطار آخر.
نقرأ في إطار ليورجي قديم، في كتاب "تعنيت"، أن "رابّي يوحنان يقول: إن في يد
القدوس- ليكن مباركًا- مفاتيح ثلاثة لم توضع في يد أي "شليح". وهي مقتاح الأمطار
المرتبط بالدينونة، ومفتاح الحياة، ومفتاح قّيامة الأموات.
وفي شأن إيليا، عندما كان يريد أن يقيم من الموت إبن الأرملة، بعد أن كان قد نال من
الله مفتاح الأمطار، يضع المدارش في فم الله هذه الكلمات: "إذا نفّذت لك ما أنت
تطلبه مني، سيقولون: "في يد التلميذ مفتاحان، وفي يد المعلم مفتاح واحد. ردّ لي
المفتاح الأول لأعطيك الثاني".
لقد نال إيليا المفاتيح التي لم ينلها أي "شليح"، ولكنه نالها واحدًا بعد واحد، لا
في آنٍ معًا.
في ختام هذا القسم الأول، يمكننا القول إن كلمة "شليح" مرسل- هي وصف مميّز للوسيط
بين الله وشعبه، وقد كان موسى وإيليا أوّل من وصف به. وهو يشدّد على النعم الإلهية
الخاصة المعطاة للوسيط: عطيّة التوراة، عطيّة المفاتيح، والوحي الخاص الذي أوحي
إليه به.
وبحسب الأناجيل، وخصوصًا إنجيل يوحنا، ليس يسوع معلّمًا مثل الآخرين، ولا هو "شليح"
على طريقة موسى وإيليا.
هناك ثلاثة مفاتيح، كما سبق القول أعلاه، لم يعطها الله في الوقت عينه لأي من
المرسلين، هي مفتاح الحياة، ومفتاح الأمطار المرتبطة بالدينونة، ومفتاح القيامة من
بين الأموات. ففي يوحنا 5: 19 يُظهر يسوع نفسه أنه الابن الذي لا يستطيع أن يفعل
شيئًا من تلقاء نفسه، بل هو يفعل ما يرى الآب يفعله. وهذا هو التحديد الكامل للمرسل
بصفته كامل السلطان؛ ويسوع يحدّد رسالته كما يلي:
"الحق الحق أقول لكم: من يسمع كلمتي، ويؤمن بمن أرسلني، ينال حياة أبديّة (المفتاح
الأول)؛ ولا يأتي إلى دينونة (المفتاح الثاني)، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة
(المفتاح الثالث). الحق الحق أقول لكم: تأتي ساعة، وهي الآن، فيها يسمح الأموات صوت
أبن ألله، ويحيا الذين يسمعون. فكما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن
تكون له الحياة في ذاته (المفتاح الأول)؛ وأعطاه سلطانًا به يدين، لأنه ابن الإنسان
(المفتاح الثاني). لا تتعجبوا من هذا! إنها تأتي ساعة، فيها يسمع صوته كل من في
القبور، فيخرج الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة (المفتاح الثالث)؛ والذين
عملوا السّيئات إلى قيامة الدينونة" (5: 24، 29).
هكذا يتضح أن يسوع هو "شليح" الله بنوع أسمى بكثير من إيليا الذي لم ينل إلاّ
مفتاحًا واحدًا في كل دفعة.
ويتبع في الفصل عينه تصريحات ليسوع تصفه، هذه المرّة، لا بالنسبة إلى إيليا، بل
بالمنسبة إلى موسى. نحن نعرف أن الله أيّد موسى بعجائب تُسمّى "آيات". وكذلك نسمع
من فم يسوع: "الأعمال التي أعطاني الآب أن أتمّمها، تلك الأعمال نفسها التي أعملها،
تشهد أن الآب أرسلني" (5: 36)،
إنّ ليسوع المميّزات نفسها التي لموسى، ولكنه يتخطّاه بكثير: "الآب الذي أرسلني هو
يشهد لي. وأنتم ما سمعتم يومًا صوته، ولا رأيتم محيّاه، ولا جعلتم كلمته راسخة
فيكم، لأنكم لا تؤمنون بمن أرسله الآب" (5: 38).
يعتبر اليهود موسى "مُرسلاً" كلَّمهُ الله "كلامًا مباشرًا"، لقد "سمعوا" ورأوا
الأصوات (خروج 18:20). فإن قيل لهم إنهم لم يسمعوا صوت الله البتّة، لأنهم لا
يؤمنون بيسوع الذي أرسله الله، فذلك يعني بوضوح أن المرسل الحقيقي الأوحد المسؤول
كلّيا عن كلام الله ليس هو موسى بل هو يسوع: "إنكم تبحثون في الكتب، لأنكم تحسبون
أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي. ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم
الحياة" (5: 39- 40).
فليس يسوع من بعد "مرسلاً" على طريقة إيليا، بل على طريقة موسى، وبطريقة أسمى جدًا.
وهنا ننتقي بحدث التجلي حيث يظهر يسوع بصفته الأقرب من الله، متفوّقًا على كلا
المرسلين من قبل الله في العهد القديم، أي موسى وإيليا.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن موسى لا يكون "مرسل الله" إلاّ رمزًا ومثالاً للمسيح
يسوع. والذي نسمّيهم نحن "رسلاً" ليسوا إلاّ بقدر ما يتمثّلون بالمسيح يسوع. فيسوع،
بصفته متفوقًا على موسى والرسل، هو "مرسل الله" بأسمى معناه، وله وحده حقًا ملء
سلطان الله. وهكذا نفهم قوله يسوع لرسله: "من يقبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل من
أرسلني" (متى 10: 40). هنا يظهر الرسل حاملين ملء السلطان من يسوع، ويسوع حاملاً
ملء السلطان من أبيه. فإن علاقة موسى بيسوع، وعلاقة الرسل بمعلّمهم هي أشبه
بمنعطفَي جبل قمّته يسوع.
لا أحد آخر أوحى إلينا وأشركنا في سرّ المُرسَل وديناميته، مثل يوحنا. ولا أحد آخر
أوحى إلينا بهذا المقدار تلك الوحدة العميقة التي تربط يسوع بأبيه: "أنا والآب
واحد". فمن هذه الوحدة العميقة يجري، كما من الينبوع، إرسال الابن إلى العالم، بقوة
الروح القدس: "من رآني رأى الآب". إنه الأوحد. لكنه ليس وحده، كما رأينا سابقًا: هو
مشدود إلى أبيه، وبقوّة هذه الحركة نفسها هو مشدود إلى إخوته. وكل رغبته إنمّا هي
في أن يعود فيصعد بإخوته جميعهم إلى الآب، إلى حيث هو مقامه الحقيقي، ومقامنا
الحقيقي نحن أيضًا.
في بدء الإنجيل سأل التلميذان الأولان يسوع: "أين تقيم؟". فأجابهما: "تعاليا
وانظرا" (آ: 38-39). وفي ختام الإنجيل، يظهر لهما مقامه الحقيقي: إنّه في علاقته
بالآب، علاقة محبة وشركة، نحن أيضًا فيها مشاركون، ودعوة ملحّة إلى الدخول في الفرح
الفصحي الكبير، فرح الشركة مع الآب، أبيه: "إن تحبّوني تفرحوا بأني ذاهب إلى الآب"
(14: 28).
في الواقع، كما قال يسوع لتلاميذه في خطابه الأخير لهم قبل موته: "غير أني أقول لكم
الحق: خير لكم أن أمضي. فإن لم أمض لا يأت إليكم البرقليط المعزّي. أما إذا ذهبت
فإني سأرسله إليكم (...) ومتى جاء روح الحق فهو يقود خطاكم في الحق كله" (16:
7-13)، و"سترون أني أنا حيّ وأنتم ستحيون. في ذلك اليوم تعرفون أني أنا في أبي،
وأنتم فيّ، وأنا فيكم" (19:14-20).
أجل، إن يسوع لا يطلب إلاّ أمرًا، هو الإيمان بشخصه، الإيمان بصفته إبنًا مرسلاً من
قبل الآب، لأننا بدونه لا يمكننا أن نعمل شيئًا (15: 5). فالمقصود دائمًا هو التحام
جذريّ بشخصه: الإيمان به هو قبول عطيّة الله، أي دفق حبّ الثالوث على البشر؛ هو
قبول حياة الله، لأنه هو نفسه يختصر رسالته في هذه العبارة: "أنا أتيت لتكون للخراف
حياة، وتكون لهم وافرة" (10: 10).
ب- غسل أرجل التلاميذ
والايمان هو أن نكون شهودًا لهذا الحبّ الجذري الذي يملك هو سرّه. إن حقيقة العالم
الجديد هذه يشير إليها يسوع ويجسّدها في هذا العمل غير المألوف، وهو غسل أرجل
تلاميذه.
أولاً، لقد حدث في أثناء عشاء، لا قبله، كما قد يفترضه قانون الضيافة. إذًا ليس
المقصود هنا عمل ضيافة.
ولا هو طقس تطهير. فقد أعلن يسوع نفسه ذلك: "أنتم أطهار" (13: 10). فليس هناك شيء
للتطهير.
ولا هو فعل تواضع. فلم يقم يسوع بهذا العمل لكي يواضع نفسه. فإنه المعلم والربّ،
كما هو قال، ولو غسل أقدامهم (13: 13).
إن غسل أرجل التلاميذ هو فعل محبة، محبة قصوى: "قبل عيد الفصح، إذ كان يسوع يعلم
أنّ ساعته حانت ليعبر من هذا العالم إلى الآب، وقد أحبّ خاصته الذين في العالم،
أحبّهم إلى الغاية" (13: 1).
إنه شهادة على الحريّة التي بها سيلقى يسوع آلامه، فصحه، حيث سيبدو أنه يحتمل ما
أراده الآخرون له. أمّا في غسل الأرجل فهو يوضح أنه يعطي نفسه بحريّة، وأن لا أحد
يأخذ منه حياته، بل هو الذي يعطيها. ولهذه الغاية نفسها ينزع عنه الرداء لكي يكون
حرًا أكثر في حركاته، ثمّ يعود فيأخذه عندما ينتهي من عمله. وهكذا أوضح هو نفسه:
"الآب يحبني لأني أبذل نفسي، لكي أعود فأسترجعها. لا أحد ينتزعها مني، بل أنا
أبذلها من تلقاء نفسي. لي سلطان أن أبذلها، ولي سلطان أن أعود فاسترجعها. هذه
الوصية قبلتها من أبي" (17:10-18).
إنّ يسوع، وهو المعلّم والربّ، يجثو أمام كل واحد من رسله، أمام كل واحد منهم،
وأمامهم جميعًا، أمام من هم أطهار، وأمام ذلك الذي لم يكن طاهرًا. إنه يؤكّد علاقته
الخاصة بكل واحد. وعلى مدى الجماعة البشريّة، يمرّ يسوع من واحد إلى آخر، مردّدًا
العمل نفسه، ولكنه في كل مرّة عمل فريد، لكي يقول لكل واحد: إسمح بأن تُحَبّ، دعني
أحبّك... يردّد لبطرس، وليوحنا، وليهوذا الذي عزم في قلبه أن يسلمه قائلاً: دعني
أحبّك! فلا فرق بين الاثنى عشر، ولا فريق بين البشر. من أجل هذا خرج من الآب، لكي
يعيدنا جميعًا إلى الآب (3:13). في هذا يكمن كل معنى فصحه.
"إن لم أغسلك فليس لك نصيب معي" (8:13): دعنى أحبّك! على الغاية، وأعطيك كل شيء،
وإلاّ فانك لن تستطيع أن تشترك في ما أنا هو، ولن يكون لك نصيب في حياتي وموتي، ولن
تكون لك شركة في جسدي ودمي، ولا نصيب في آلامي وقيامتي. فغسل الأرجل هو فعل مشاركة،
هو سرّ مشاركة. ففي ذلك المساء، بصورة مسبقة، كما في رسم الافخرستيّا، بحسب رواية
الإزائيين، يسمع يشرك خاصته في رسالته وفي آلامه. في ذلك المساء كان لهم نصيب معه.
ولكن هذا الفعل لا يكتمل في هذه المشاركة، بل ينبغي أن يتواصل ويتكاثر حتى
اللانهاية في التلاميذ وفي تلاميذ التلاميذ. وهذا هو الدليل على جذريّته. وكما في
رسم الافخرستيا: "إصنعوا هذا لذكري"، كذلك في مشهد غسل الأرجل: "فإن كنت أنا الربّ
والمعلّم قد غسلت أقدامكم، فعليكم أنتم أيضًا أن يغسل بعضكم أقدام بعض. لقد أعطيتكم
مثالاً، لتفعلوا أنتم أيضًا كما فعلت أنا لكم" (13: 14-15). إنه العمل نفسه،
والخدمة نفسها، والحبّ نفسه. فليس هو تردادًا، ولا تقليدًا، إنما هو "أخذ نصيب"،
لأنه مثل وطريقة تصرّف يسلّمنا إياهما الرب وإذ يسلّم نفسه، يسلّمنا طريقة وجود:
وهنا الجديد، وهنا كل الجذريّة.
لا يطلب يسوع لنفسه شيئًا. فهو لا يقول لتلاميذه كما أنا أحببتكم، أحبّوني أنتم
بالمقابل، بل بالأحرى يقول: بما إني أحببتكم، أحبّوا بعضكم بعضًا. والجواب على
الحبّ الذي أظهره لكم لا ينبغي أن ويعود إليّ، بل أن يحملكم نحو إخوتكم: بهذا
ستجرفون- وسيعرف الآخرون -أن لكم نصيبًا معي.
إبن ألله بغسل أرجل البشر، وقد وسّخها الغبار، ورضّضتها الحصى، أرجل الجميع، جميع
أولئك الذين سيأتون من بعد، وجميع أولئك الذين أتوا من قبل، الأبرار والفجّار،
الصالحين والإشرار. وهذا ما يعطي معنى للتبشير بالانجيل. فقبل أيّ رسالة، وقبل أيّ
إعلان، هناك غسل الأرجل، هو شرط بدونه لا نجاح لكل رسالة.
في مشهد غسل الأرجل، من هو أعظم من الآخر؟ الذي يُخدَم أم الذي يخدم؟ إن يسوع، وهو
المعلم والربّ، جاث على الركبتين. والتلميذ، وهوّ ليس إلا تلميذًا، يبدو وكأنه فوق
المعلم. مع ذلك فالخادم ليس فوق المعلم. ولكنه لم يقل إنه تحته. في الحقيقة إن
المواضع قابل للتغيير. فاغسلوا أرجل بعضكم، بعضًا، وليس ذلك إذلالاً متبادلاً، بل
هو اعتراف من قبل الجميع بكرامة كل واحد لو كان كل واحد يغسل أرجل الآخر... لما كان
ملكوت الله بعيدًا... ولكن يجب أن يكون أحد هو البادئ... حتى تنطلق الحركة، وتشتعل
النار؛ ولا يمكن أن يكون إلاّ إنسان آتيًا من مكان آخر، هو الكلمة المتجسّد. فلا
أحد منّا، ولا من عندنا، كان في إمكانه أن يجترح ذلك بهذه البساطة، لأنه عمل
العبيد، وعمل من هو الأحقر بينهم. فلم يكن في الإمكان أن يكون إلاّ عمل ذلك المرسل،
الأوحد، الذي نسمّيه إبن الله، الذي يمكنه وحده أن يجعل كل شيء جديدًا (رؤ 21: 5):
"ما فعلته أنا، افعلوا أنتم أيضًا". جدّدوا فعلبهم هذا، واصلوه، كثّروه، لذكرى،
وباسمي، وفي شركة معي، وبواسطتي، مع الآب الذي أرسلني، وكأنه "نصيب" من ذاتي، ومن
رسالتي، بقوة الروح القدس. "إن علمتم هذا، وعملتم به، فطوبى لكم!" (13: 17).
2- الشخصانيّة
الكلمة المتجسّد، كما أوحى ذاته وأسلم ذاته لنا، هو سرّ لقاء: لقاء حياة الله التي
ظهرت وتجلّت، والحياة التوّاقة في الإنسان. إن إنجيل يوحنا هو بكامله قصّة هذا
اللقاء الذي فيه ينجلي مجد البدايات: "رابي، أين تقيم؟"
الإنسان هو في جوهره كائن يصبو ويتوق. فبخلاف بعض الفلسفات التي ترى في هذا الشوق
أصل شرورنا كلها، فتروح تبحث عن الخلاص في إطفاء ذلك الشوق، وبخلاف بعض المناهج
التي تغالي في وصف الشوق كأنه قيمة مطلقة، فإن الكلمة المتجسّد يصل إلى الإنسان في
أعمق أشواقه. ويوحنا يرى في ذلك أوّل قوّة دافعة قد طبعها الخالق نفسه في خلقه، إذ
يدعوه إلى مشاركته في حياته لأنّ الإنسان، من ذات خلقه، هو في عمق كيانه "قادر على
الله". وبدل أن يحاول أن يوقف تلك القوّة الدافعة، فإن يوحنا يظهر لنا يسوع آتيًا
لكي يتبنّاها من الداخل ويحرّرها من رباطاتها البدائية، ويشرّعها على النور الإلهي،
باعطائهم معنى ومستقبلاً: "إن عطش أحد فليأت إليّ، والمؤمن بي فليشرب" (7: 37).
إن هذا النداء من يسوع موجّه إلى ما هو الأصل الأصل والأشمل في الإنسان، ليعطيه
بُعد الخلود. فهو يفتح الإنسان على ملئه، إذ يفتحه على ملء الله. وهكذا فالإنسان،
على ضوء الكلمة المتجسّد، يصبح ذاك الكائن العظيم القادر على أن يكمّل نفسه كلّيًا
في المشاركة مع من هو ملء الحياة.
وهذا ما يكمّله يسوع على أعلى صليبه ومن خلال قيامته. فهو يسلّم الروح الذي هو نسمة
الحياة. وعندئذ كل شيء يكتمل. ولكن أيضًا كل شيء يبدأ، لأنها بالروح تتفجّر الحياة
وتعطى. ومذّاك يصير في إمكان كل إنسان أن يقوم في حياته الحاضرة باختبار الحياة
الأبدية، وهو اختبار شراكة. في الواقع، إن إنجيل يوحنا، بعد أن يظهر لنا أن الحياة
الالهية هي بكاملها عطاء ذات، يظهر لنا أنها أيضًا في الأساس شراكة ثالوثية، مشاركة
في الحب، وعمل الروح فينا:
"إن تحبوني تحفظوا وصاياي. وأنا أسأل الآب فيعطيكم برقليطًا آخر مؤيدًا يكون معكم
إلى الأبد (...) أما أنتم فتعرفونه، لأنه مقيم عندكم، وهو فيكم (...) في ذلك اليوم
تعرفون أني أنا في أبي، وأنتم فيّ، وأنا فيكم" (15:14-20).
من هنا كان إلحاح يسوع، في عشائه الوداعي، على مثَل الكرمة، وعلى هذا الرباط
الحيويّ الذي يجب أن يكون بينه وبين التلاميذ، لكي تعطي فيهم الحياةُ الإلهية
ثمرها، ثمرًا يدوم (15: 16). وما هذا الثمر سوى المشاركة مع الآب، مشاركة إلى حدّ
أنها تجرّ حتمًا إلى وحدة كاملة بين التلاميذ أنفسهم: "ليكونوا كلهم واحدًا، كما
أنك أنت فيّ، يا أبت، وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا، لكي يؤمن العالم
أنّك أنت أرسلتني" (17: 21).
في الواقع، إن بين هذه الثمار التي ينبغي أن تكتسي بها الكرمة الفريدة التي هي
الابن، والتي غرسها الآب، وفيها مائيّة الروح، ثمرةً تفوق كل الأثمار الأخرى
وتختصرها، هي العيش بوصية المحبة الأخوية.
ويتوسع يسوع في الحديث عنها، لأنها محور كل خطابه الوداعي. بها نعرف من نحن نكون،
وهكذا تكتمل هوية المسيح والتلميذ. وبالمشاركة في هذه المحبة إلى أقصى الحدود، كما
يعيشها يسوع فينا، يُعرف أحبّاؤه أولئك الذين لم يعودوا عبدًا، بل هم يحبّون
بمجانيّة مثل معلمهم وربهم. أولئك يصبحون أحبّاء لأنهم تدرّبوا على أسرار حبّ الآب
والابن، أسرار أظهرها يسوع للتلميذ الذي يحبّه، في أثناء العشاء الأخير، التلميذ
الذي اتّكأ على صدره (13: 25).
هذه الثمرة تجعلهم يتوجّهون إلى الآب بالثقة عينها التي للابن: "الحق الحق أقول
لكم: كل ما تطلبونه من الآب باسمي، يعطيكم إيّاه (...) فيكتمل فرحكم" (23:16-24).
وهذه الثمرة تظهر أيضًا في الحب الذي يحمله التلاميذ بعضهم لبعض: "هذه هي وصيّتي أن
تحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم. ليس لأحد حبّ أعظم من هذا، وهو أن يبذل الانسان
نفسه في سبيل أحبائه. أنتم أحبائي إن تعملوا بما أوصيتكم به" (15: 12-14).
كل شيء يتعلّق ويتماسك بهذه النواحي المختلفة من حياة التلميذ. إنها الحياة نفسها
تجري من الآب في الابن، ومن الابن في التلاميذ، بقوّة الروح الذي يقيم فيهم. إن دفق
هذه الحياة هو الذي يجعل منهم كنيسة، كما يقول يسوع متوجّهًا إلى الآب: "ليكونوا
كلّهم واحدًا، كما أنك أنت فيّ، يا أبت، وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا،
لكي يؤمن العالم أنك أنت أرسلتنَي (...) وقد عرّفتهم اسمك وسأعرّفهم، لتكون فيهم
المحبة التي بها أحببتني، وأكون أنا فيهم" (17: 21 و26).
وأخيرًا، لا توجد صلاة أخرى غير هذه الصلاة. إنها صلاة العهد النهائي والأبدي، تلك
التي بها يتلاقى الله والإنسان في شخص يسوع. في الواقع، كل سرّ المسيح نراه مختصرًا
في الخطاب الوداعيّ هذا، حتى امتداده في الكنيسة. وفي إمكان كل مسيحي قد تتلمذ، أن
يتّخذه في أيّ مرحلة من مسيرته الروحية.
هكذا تتحقّق وحدة الإنسان مع ألله بشخص المسيح، لا بتصاعد سرّي، ولا بتنوير من
الروح، بل بالإيمان بمن أعطاه الآب لنا. وأعطانا له. فيه نقوم باختبار علاقة شخصية
لقوة الاتحاد المتبادل بين الكائنات، وللاعتراف بالمسيح أنه وحي الآب بقوّة الروح.
وهكذا تظهر المشاركة الثالوثية كالقطب في مشروع الحياة الكبير هذا، الذي جاء يسوع
ليوحي به ويحقّقه في هذا العالم (17: 21). وهي ما إليه تصبو نسمة الحياة التي جاء
يسوع برسالته ليشركنا فيها، ويقدّمها لنا في كل يوم حاضر من تاريخنا، وهي ملء
الحياة التي إليها يصبو شوق الإنسان منذ البدايات.
3- شموليّة
إن القديس يوحنا، بتأملّه في الكلمة المتجسّد، يجعلنا نكتشف ما لا يُرى من خلال ما
يرى. فالأشياء والأحداث تصبح في ذات حقيقتها آيات لأن الكلمة المتجسّد قد اتّخذها:
الخبز، الكرمة، والماء؛ كل هذه الأشياء التي هي بغاية من البساطة في إختبارنا
الملموس تصبح آيات. وهكذا فجميع الأشياء لا تُرفض أو لا تؤخذ بواقعيتها، بل تمشقها
حركة الروح الذي، بقوّة حضور جسد المسيح الممجّد، يجذبها إلى قلب الله. فالمادة
تصير ذا قيمة روحية وأسراريّة وتأمليّة في إطار هذه الحركة التي بها يجذب المسيح
معه الكون كلّه: "هاءنذا أجعل كلّ شيء جديدًا". (رؤ 21: 5).
كذلك الأمور المتعلّقة بحياة الإنسان فهي أيضًا تتجلّى: الأحداث، والعلاقات،
والأشياء، والحب. ومن ثمّ تقودنا إلى شركة حبّ، مكانها وسرّها هي الكنيسة نفسها.
فكلّها تشترك في عمل الله، عمل والخلاص الذي جاء الابن ليجسّده في قلب العالم
بحياته وموته وبقيامته، إذ يعطينا الروح القدس.
وهكذا، يمكننا أن نتأمّل، من خلال ما يحقّقه الكلمة المتجسّد في جسدنا، النصر
الشامل الذي يحقّقه المسيح في جسده وعلى عدوّ كل بشر، الشيطان، سلطان هذا العالم،
الذي يحاول أن يأسرنا في الموت: "كلّمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. سيكون لكم في
العالم ضيق. ولكن ثقوا: أنا غليت العالم" (16: 33).
فأننا نشترك هكذا في الحركة التي قادت الكلمة من حضن الآب إلى هذا العالم، ومن هذا
العالم إلى الآب، لكي يوحّد في ذاته عالم البشر في شركة حبّ لانهاية لها: إنها
إنطلاقة مستمرة من الذات صوب الآب والآخرين بأكثر ما يمكن من الحضور الباطني، في
سبيل شراكة هي "إقامة" في الروح. وهكذا نصبح مشاركين في حياة الثالوث وفي العمل
الذي به يخلق الكون ويخلّصه في يسوع (49:11-53).
هكذا يجذبنا جسد الرب إلى أبعد من تلك المتناقضات المألوفة بين العمل والتأمّل.
فنصبح تأمّليّين بمقدار ما نشترك في حياة المسيح المتفجّرة فينا، وقد جاء في الجسد
ليخلّص العالم، لأن هذا البُعد الباطني المعطي لنا لا يقدر إلاّ أن يكون بُعد
الشاهد عينه.
لذلك، يصبح هذا التأمّل، لمن يعطي ذاته له إتهامًا للعالم لا ينقطع، والعالم هنا
بمعناه اليوحنّوي، بكل ما تحوي هذه الكلمة من قوّة موت، عندما يستسلم لسلطان
الشيطان، أبي الكذب وقاتل الناس (8: 44). فالتلميذ لا يجد نفسه أبدًا متروكًا لذاته
في هذا الصراع ضدّ العالم، لأن المسيح يسوع قد وعده بذلك: "غير أني أقول لكم الحق:
خير لكم أن أمضي. فإن لم أمض لا يأت إليكم البرقليط المعزي. أمّا إذا ذهبت فإني
سأرسله إليكم. وهو متى جاء يوبّخ العالم على الخطيئة وفي أمر البرّ والدينونة (...)
أمّا في أمر الدينونة فلأنّ سلطان هذا العالم قد أدين" (7:16- 11). وفي رسالته
الأولى، يؤكّد لنا القديس يوحنا أن "الغلبة التي تغلب العالم إنما هي إيماننا. ومن
الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو إبن الله؟" (1يو 5: 4- 5)
أمّا مثال هذا التأمّل الذي يجعلنا بشركة في عمل الكلمة الذي يُغلغَل في الكل وفي
كل شيء، بروحه، لكي يرفعه إلى أبيه، فنجده في التلميذ الذي أحبّه يسوع، وفي موقف
مريم التي أخذها إلى خاصته، والتي كانت واقفة معه عند الصليب الذي هو الآية بأسمى
معانيها، كما كانت حاضرة في الآية الأولى في قانا، حيث أظهر يسوع مجده لتلاميذ.
فيوحنا ومريم يعرفان أسرار "الإقامة"، وهما يدلاّننا على الطريق لنصل إليها، كما أن
المسيح يظهر لنا، بقوّة الروح، الطريق التي تقود إلى الآب، حيث الإقامة الأصليّة
والأصلية.
4- رغبة وديناميّة
"في البدء كان الكلمة...
فيه كانت الحياة...
وحياته كنت نور الناس..."
"من فيض نعمه نلنا جميهًا نعمةً على نعمة" (1: 1، 4-16).
إن إنجيل يوحنا هو إنجيل الحياة، إنجيل ملء الحياة، انتشار الحياة. هذه الحياة
الأبدية، المخفية في الله منذ البدء، منذ الأزل، ها هي تظهر وتنكشف لعيوننا،
لآذاننا، لقلوبنا، لحياتنا... لقد حلّ ملء الزمن، حتى يظهر ملء تدفّق حياة الله
لعيوننا البشرية، لإدراكنا البشريّ، لقلوبنا اللحميّة: لأن "الحياة تجلّت
فرأيناها..." خبرناها، نحيا منها، هي فينا نبعٌ حيّ متدفّق، لذلك "نشهد لها
ونبشّركم بالحياة الأبدية" (1 يو 1: 2).
أ- الرغبة
لقد حضر زمن الله، زمن ظهوره بيننا في الجسد، لأن شوق الإنسان أيضًا مشدودٌ إلى
الالتقاء بهذه الحياة التي تعجّ، التي تهدر وتضجّ، فقد أصبح جاهزًا، مرهفًا
بالكفاية، شديد التوق، في استعداد للالتقاء بالله الآتي إليه، ولو كانت لقاءات يسوع
في إنجيل يوحنا تكشف عن رغبة الإنسان الحقيقية، وتخرجها من أعماق كيانه إلى النور.
بهذا يظهر يسوع في إنجيل يوحنا مربّيًا حقيقيًا كما يذكر إلوا لاكلار في كتابه
"معلم الرغبة". إن يسوع في سياق لقاءاته بيدو مربّيًا حقيقيًا للرغبة. إنه يعمل على
إيقاظها، ثم يخلّصها من مفهومها القديم، ينتزعها من الظلام الذي يلفّها ومن مفهومها
الضيّق والمبهم، ثم يفتحها على النور ويوسّع مداها حتى اللانهاية. إنه نموٌّ حقيقيّ
للرغبة يبدّلها ويجعلها مستودعًا لعطية الله".
ما يهمّ يوحنا هو التأكد من طبيعة هذه الرغبة، هو تطهيرها، إعادة توجيهها،
استعلاؤها ورفعها وجعلها أكثر عمقًا. هذا هو عمل يسوع التربوي في إنجيل يوحنا.
أولاً: التلاميذ الأول: يو 1: 35- 51
بعد المقّدمة التي يفتتح بها يوحنا إنجيله كنشيدٍ للحياة، كفاتحة مهداة إلى إله
الحياة، إلى كلمة الحياة، يأتي اللقاء الأول ليسوع ويبدأه بهذا السؤال الأساسي:
"ماذا تريدان؟" هذا السؤال يهيمن على كلّ الإنجيل: "ماذا تريد؟" هذا يعني: ما هي
الرغبة التي تكمن في داخلك، إلى م تتوق؟ إنه سؤال يطرحه يسوع وسوف يوقظ سؤالاً
جديدًا عند التلاميذ: "رابّي، أين تقيم؟" في هذا السؤال أول تعبير ظاهر للرغبة، إذ
هناك رغبةٌ خفيّة أولى عبّر عنها التلاميذ باتّباعهم يسوع. إنّ لسؤال المعلّم وقع
باب مفتوح، لقاء يعقد، طريق يمتدّ، وها هو هذا الطريق: "تعاليا وانظرا"... يسوع
يلتقي برغبة الإنسان.
"تعاليا وانظرا".. لا يزيد الانجيليّ شيئًا على هاتين الكلمتين. الباقي يُعاش كي
يُفهم الجوهر... وإذا كانت هاتان الكلمتان "تعاليا وانظرا" توقظان عند القارئ رغبةً
ما، فما عليه إلاّ أن يأتي ويرى، أي أن يختبر. عندئذ فقط يستطيع أن يشهد. "تعال
وانظر"، إنه طريق مفتوحٌ. إنه تعبيرٌ يدعو كلّ إنسان ليقومَ بهذا الاختبار، ويمضي
فيه إلى النهاية.
إن تلاميذ يوحنا حاولوا، ونجح اختبارُهم، لأنهم مضوا ودعوا أصدقاءهم وإخوتهم ليحذوا
حذوهم. إلى نتنائيل قالوا: "تعال وانظر". وبما أن نتنائيل لم يكن سهلَ المنال، كان
لقاؤه مع يسوع مبدّدًا لكلّ شكوكه، وانتزع يسوع من أعماقه أعمق الرغبات.
"لقد وجدناه" (1: 45): تمّت رغبتُهم... موضوع رغبتهم حاضرٌ أمام أعينهم: يعرفون
اسمَه، رأوا وجهَه، والتقوا نظرَه: "الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا، الذي تأملناه
ولمسته أيدينا من كلمة الحياة... نبشّركم به لتكونوا أنتم أيضًا شركاءنا..." (1 يو
1: 1-4).
إن رغبةَ التلاميذ الأول حرّكتها رغبةُ يوحنا المعمدان اللاهبة. إنّ شوقَه استحثّ
أشواقَ التلاميذ الذين يبحثون ويتساءلون (يو 1: 26-27): هذا هو حملُ الله! هذا هو
الذي كلّمتكم عنه. من خلال حركات المعمدان وكلماته والقوّة التي كانت تخرجُ من كلّ
كيانه المشدود نحو الآتي، فهمَ التلاميذ أن هناك سرًا عليهم أن يكتشفوه، قوّةً
حياتيّة عليهم أن يتبعوها، نبعًا من الحبّ، لا يُفوّت...
ثانيًا: فانا: يو 2: 1- 12
"ما بقي عندهم خمرٌ" (آ 3)
في هذه الملاحظة التي أتت بها مريم إلى يسوع، يكمُن نداءُ، طلبٌ ملحّ. الطلب ليس
مباشرًا. إن أمّ يسوع تثقل إليه رغبةً خفيّة تخشىِ إظهارها، رغبةً تحتاجُ إلى من
يُخرجها إلى النور، إلى من يُظهرها جليًا، إلى من يجدُ الوسائلَ الضروريّة لإنقاذ
الموقف. إن المدعوّين إلى العرس يخشَون إظهارَ رغباتهم: وماذا يمكنهم أن يشتهوا،
وممّن؟ كل الحسابات البشريّة أنجزت، وكل الوسائل اتّخدت. وفي الوضع الذي هام فيه،
فالمشكلة وشيكة ومحتومة. عندئذ تدخّل الله وأتى إليهم وهم لا يريدون... فقامت أمُّ
يسوع، وحملت عندهم إلى ابنها رغبتَهم اليائسة: "ما بقي عندهم خمر"...
وكان لأمّ يسوع أن تكمّل رسالتها في إيقاظ الرغبة عندهم والسهر على تحقيقها فتواصل
عملها مع الخدم: "إعملوا ما يأمركم به". لأن الشرط الموضوع لتلقي الجواب متوقّف على
مساهمة الانسان: الرغبة، الجهوزية، والانتباه لعلامات الأزمنة...
ثالثًا: نيقوديموس يو 3: 1- 21
نيقوديموس، هو أيضًا مترقّب وساهر، رجلٌ معتادٌ على السهر والانتظار. إنه ابنُ
شعبه، شعب الانتظار وترقّب علامات تدخّل الله في حياته. لأنه يعرف أنّ الله أمينٌ
وأنه ليتمّم دائمًا وعودَه. وعندما بدأ الناس، في بلده، يتكلّمون عن شخص اسمه يسوع،
شيءٌ ما في أعماقه تحّرّك، والتساؤلات وردت، والرغبة استيقظت: ألعلّه الماسيّا؟
ألعّه مسيح الله؟ فيستعجل آتيًا إليه ليلاً، فهو من رؤساء اليهود ولا يريد أن يراه
أحدٌ، في حال أخطأ التصرّف. وها هو مُبحرٌ في مغامرة جديدة، لولادة جديدة وحياة
جديدة تفوقُ إدراكه. لكنّ، الجدير بالذكر هو أنه حاول حتى النهاية فهمَ ما يشرحه له
يسوع، وما لم تستوعبه أفكاره. حتى النهاية، وبكلّ ما أعطي من رغبة قويّة، لا ينفكّ
عن طرح الأسئلة على المعلّم، لأنه يريد أن يخرقَ السرّ الكامن في أقواله: "كيف يكون
هذا؟" (3: 9). ويسوع، كمُربّ، وهو كلمة الحياة، يبدأ بصبر طويل، رويدًا رويدًا،
وبروح طريفة، يُفسّر له ما لا تفسيرَ له، ويفتح أمامه العهدَ الجديد، عهدَ البنوّة
والولادة الجديدة بالروح والحق.
رابعًا: السامريّة يو 4: 1- 42
امرأةٌ، على مثال الكثيرات من نساء السامرة، أتت لتستقي ماءً من بئر يعقوب. لطالما
أتت واستقت بجرّتها، وقامت بهذا العمل العادي الذي لا أبعادَ خفية وغريبة له. وفجأة
يظهرُ رجلٌ، يهوديّ، جالسًا على حافة البئر، يوجّه لها الكلام ويطلب منها ماءً
ليشرب. نعلمُ ما تتضمّن هذه اللوحة من أمور غريبة، غير منتظرة، مثيرة: امرأةٌ أمامَ
رجل، سامريّة أمام يهوديّ. وللقارئ العارف بالأمور: ابنُ الله أمام خاطئة... ومع
ذلك، إن المبادرة بالطلب لا تنمّ عن سير الأمور بشكل طبيعيّ: إنّ القويّ يطلبُ من
الضعيف... إنّ القدرة تستعطي العجز... وهذه الحيلة التربوية تتحوّل إلى تدبير
لإيقاظ الرغبة الكامنة في قلب هذه المرأة: "أعطني من هذا الماء يا سيّدي، فلا أعطشَ
ولا أعودَ إلى هنا لأستقي". وانطلاقًا من هذا الطلب الذي هو محضُ ماديّ ولمنفعة
شخصيّة، يلجُ يسوع إلى أعماق قلب هذه المرأة البشريّ، لينتزع منه الرغبة الحقيقية،
"الرغبة الخفيّة المقفلة وراء حجر ضخم" (إلوا لاكلار)، حجر خطيئتها، وانحراف رغبتها
الحقيقية نحو حياة آليّة مبتذلة...
إن يسوع بمبادرته هذه، وبعدما انتزع الغشاء الذي يغطّي رغبتها، رغبةَ الماء الحيّ،
قد ذهب أبعدَ ممّا طلبته المرأة، وصل إلى الأعماق، إلى قعر قلبها حيث تركدُ وتُنتنُ
مياهُ خطيئتها. إن المعلّم يطلب منها أن تُريحَ كلَّ كيانها، بأن تسلّط أضواءَ
ضميرها على المأساة التي تؤلمُها والتي تشلُّ كلّ حياتها: "تعالوا وانظروا رجلاً
ذكر لي كلَّ ما عملت. فهل يكونُ هو المسيح؟"... (آ 29). لقد تحرّرت من الأثقال التي
تضغطُ حياتَها كلَّها، فأسرعت نحو ذويها والبشرى السعيدة تنتقلُ معها حتى تطالَ كلّ
السامرة.
خامسًا: كسيح بركة بيتَ زاتا: يو 5: 1-18
إن كسيح بيتَ زاتا هو أفضلُ صورة تُعطى عن الرغبة الميتة المنطفئة. إنه هنا قربَ
البركة، ولا ندري لماذا. إنه هنا، ولا ينتظرُ شيئًا. منذ زمن طويل لم يعدْ ينتظر
شيئًا. ومع ذلك، إن يسوع، كلمة الحياة، الآتي من حضن الآب لتكونَ الحياةُ لكلِّ
مخلوق وتكون له وافرة... لكلّ انسان، بما فيه وخاصة كلّ انسان لم يعُد يرجو شيئًا،
لم يعُد ينتظر من أحد شيئًا... مَن تُعيدُ له الحياة رغبةُ الله، وتُزكي النار
المنطفئة تحت رماد رغبته الميتة... لهذا الانسان قال يسوع: أتريد أن تشفى؟". لكنّ
السؤال لم يؤثّر في هذا الكسيح، لأنه منذ زمن طويل ماتت رغبتُه: "ما لي أحدٌ يا
سيّدي، يُنزلني في البركة عندما يتحرّك الماء. وكلّما حاولتُ الوصولَ اليها سبقني
غيري". إنّ وضعَه مميتٌ لأنه أوسع المجال للاستسلام الخالي من كلّ رغبة. بينما
المعلّمُ الآتي للقاء البشريّة الكسيحة والمجروحة، يأتي بكلّ ما لرغبته الالهية من
قوّة، كي يوقظَ اللهب الذاوي في قلب بشريتنا. عندئذ، وبكلّ ما لرغبته، رغبة ابن
الله، من سلطان وقوّة، يعطيه أمرَ الحياة: "قُمْ، واحمل فراشك وامش" (يو 5: 8). عند
ذلك يبدأ الكلامُ على عمل الآب والابن في العالم، عمل الخلاص، عمل الحياة، عمل بعث
الحياة، عمل خلق جديد.
سادسًا: تكثير الخبز: يو 6: 22- 26
إن يسوع في انجيل يوحنا، يطوفُ المدن والقرى بحثًا عن رجال ونساء يوقظ عندهم رغبتهم
في الحياة، ملء الحياة، الحياة الجديدة الآتية إليهم، الحياة الالهية. إنه يُقيم
لقاءاته بطريقة فرديّة، شخصيّة. لكن عند اللزوم، يلتقي يسوع الجموع، وإنْ كانت هذه
الجموع لا تفتّش عنه إلاّ لأسباب ماديّة لا تتخطى بطونهم: "الحقّ الحق أقولُ لكم:
أنتم تطلبوني لا لأنكم رأيتم الآيات، بل لأنكم أكلتم الخبز وشبعتم". لكن يسوع،
المربّي الماهر، يتّخذ هذه الحاجة الأوليّة، ومنها ينطلق ليقدّم لهم طعامًا لا
يزول، طعامًا إلهيًا، خبزَ السماء: "لا تعملوا للقوت الفاني، بل اعملوا للقوت
الباقي للحياة الأبديّة" (آ 26-27). ورويدًا رويدًا سينتزعُ منهم طلبًا، وإنْ غير
صاف، إنما يتضمّن رغبةً ممكنة: "ماذا نصنع لكي نعمل أعمال الله؟" (آ 28).
ومن سؤال إلى آخر، توصّل أخيرًا لانتراع رغبةَ الجموع الحقيقية، رغبةَ البشريّة
بكاملها وإنْ خفيّة: "يا سيّد، أعطنا كلَّ حين من هذا الخبز". فقال لهم يسوع: "أنا
خبزُ الحياة، من جاء إليّ لا يجوع، ومن آمنَ بي لا يعطش أبدًا" (آ 34-35).
سابعًا: أنهارُ ماء حيّ: يو 37:7-39
رغبةٌ ظاهرة، رغبةٌ دفينة، رغبةٌ ميتة، رغبةٌ غامضة، رغبةٌ منحرفة، رغبةٌ مطهّرة،
هذا ما رآه يسوع عند البشرية التي قبلته. مع ذلك، فإنّ الله الذي صار انسانًا كي
تحيا البشريّة جمعاء، لم يكتف بهذه الرغبات كي يفجّر الحياة، ويفجّر عند الانسان
التوقَ إلى الله الذي لا يريد إلاّ أن يهبَ ذاته كاملاً. ها هو في أورشليم الهائجة،
في قلب الهيكل، بين الجماهير المنقسمة بشأنه، في اليوم الأخير من العيد، يُطلق
بأعلى صوته نداءه لمن يريد أن يسمع: "إنْ عطش أحد فليجئ إليَّ ليشرب، ومن آمن بي...
تفيض من صدره أنهار ماء حيّ" (7: 37-38). لا أحد ولا شيء يستطيع أن يتحدّى عطشَ
الله للانسان، ولا رغبَته في بذل حياته كي تكونَ الحياة لكل إنسان، وتكون له فائضة،
إذا ما أروى عطشَه الحقيقي والعميق، وإذا ما سدّ جوعَه الحقيقيّ والعميق. لأنه هو
الماءُ الحيّ الذي يجري كالنهر في قلب البشريّة، إنه خبزُ الحياة المعطى بغزارة من
أجل حياة البشرية جمعاء.
ب- الديناميّة
أولاً: المقدّمة: يو 1-18
في البدء كان الكلمة، كان تدفّقُ الحياة، تدفّقٌ الهيّ بكلّ ما للكلمة من قوّة.
الله حياة، الله قدرة حياة ونور لامتناهية. منذ البدء هو الحياة. وهذه الحياة
بالذات أعطاها للبشرية. فكلُّ خليقة تحملُ في ذاتها قبسًا من الحياة الالهية التي
بها ومن أجلها تحيا. لكنّ الله لا يكتفي بهذه العطيّة الجوهريّة للحياة إلى كلّ
مخلوق، إلى كلّ انسان، إنما يرغبُ بأكثر من ذلك، ينوي إعطاء حياته بالذات إلى
الانسان، ومن أجل ذلك أرسل ابنه الوحيد، كلمة الحياة، الذي فيه كانت الحياة لكلّ
الكائنات: "والحياة تجلّت فرأيناها" (1 يو 1: 2).
هذه الحياة التي تجلّت بيسوع المسيح، ابن الله، تحملُ في ذاتها وللعالم كلَّ القوّة
الدافعة الأصلية الكامنة منذ البدء في حضن الآب. هذه الحياة التي تدفّقت في قلب
البشريّة بيسوع تحملُ في ذاتها كلّ قوّة الحبّ. هذه القوّة الديناميكيّة تشبه قوّة
الخمير المخفي في قلب العجين، أو قوّة حبّة القمح التي تموت في الأرض ثم تفرخُ
لتعطي الحياة بدل الواحدة مئة.
ديناميّة، سلطان، وقوّة، قدرة للحياة تنبثقُ باستمرار من يسوع. هذه الحياة بالذات
أتى ليعطيها للعالم، يعطيها للإنسان، مع كلّ ما تحويه من تدفّق الخلق الأوّليّ، مع
كلّ قوّة ونضارة الحبّ الذي وحده يسوع يستطيع ويعرف أن يعطيه. لأن "فيه كانت
الحياة، وحياته كانت نور الناس، والنور يُشرق في الظلمة، والظلمة لا تقوى عليه" (يو
4:1). لا سلطان لأيّ ظلمة استطاع، ولا يستطيع، ولن يستطيع أن يقف في وجه هذه
الدينامية الأولى للحياة التي تجلّت في قلب الانسان، كي أصلاً، تنشله من حياته
المظلمة.
إن الحياة التي أتى يسوع ليعطيها لإنسان أعطيت من الباطن، من أعماق الجسد. إنه أتى
ليوقظَ حياة القلب في حياة الانسان. لذلك، "الكلمة صار جسدًا". أتى يسوع ليُحيي
الجسد. أتى في الجسد: واختبر وضعنا البشريّ الجسديّ. صار جسدًا ليمجّد الجسد. دخل
التاريخ كي يدخل في تصوّرات فكر الانسان. تجلّى لعقلنا البشريّ حتى نحن بدورنا، في
اتباعنا له ومعه، ندخل في ديناميّة الخلاص، ونقبل منه نعمة: أن نكون أبناء الله.
وكلّ صيرورة مستقبليّة تحمل في باطنها قوّةً ديناميكيّة. هذه الديناميّة المعطاة من
قبل ابن الله هي حياةُ الله بالذات التي نلجُ إليها بالايمان. إنه طريقٌ مفتوح...
ثانيًا: قانا: يو 2: 1- 12
إن القوّة الديناميكيّة للحياة المتدفّقة حاضرة في كلّ انجيل يوحنا. في قانا،
وحالما أتمّت مريم مهمّتها، أمر يسوع الخدم ليملأوا الأجران الحجرية المعدّة لتطهير
اليهود. يوضّحُ النصّ أنهم ملأوها حتى فاضت. وبعد هذه العمليّة قال المعلّم:
"إستقوا الآن وناولوا رئيس الوليمة". بهذا أتمّ يسوع، بطريقة رمزية، الاشارة التي
تدلّ على الرسالة التي من أجلها أتى من عند الآب. أتى ليبدّل الحياة الرتيبة،
الحياة الكئيبة، الحياة المأساوية، إلى خمرة لذيذة: الحياة الأبدية أصبحت بمتناول
الانسان. هذه الحياة الأبدية مفاضة بوفرة وغزارة، وتفوق رغبة الانسان. إنه فيض
الخمرة الجديدة، الحياة الجديدة، ملء الحياة الذي ترمز إليه الأجران الست الفائضة.
إن كمية المياه كانت غزيرة جدًا (600 لترًا)، وهكذا سيكونُ ملءُ الحياة التي
ستتدفّق وتُعطى بلا قياس. فيضٌ، مجّانيّة، فرحٌ، كمالٌ، سخاء. هذا العرس في حياة
الانسان والذي أتى ابنُ الله إلى أفراحه بكلّ بساطة، هو صورةٌ مسبقة للعرس الحقيقي
الذي أعدّه الله منذ الأزل للبشريّة.
ثالثًا: تكثير الخبز: يو 6
إنّ تهافت الجماهير وراء يسوع بعد معجزة تكثير الخبز هو علامة بأن هذه الجماهير
تبحث عن الحياة، عن القوت الذي يوفّر لها الحياة. لكنّ الحياة التي تبحث عنها
الجماهير لا تزال في بدايتها، تبحث عن القوت الفاني ولم تصل بعد إلى طلب القوت الذي
يعطي الحياة الأبدية. من أجل ذلك، لم يكتف يسوع بإعطائها خبزَ الجسد، بل أيضًا
وخاصةً أعطاها خبزَ الحياة، الخبز الذي يعطي ملء الحياة. لأن ابنَ الله لا يسامح
بأن يحيا الانسان فقط من الخبز الذي يزول. لذلك حثّ يسوع الناس كي يسموا برغباتهم
وطلبهم للحياة. فالخبز الذي أعطاهم إياه يغذّي أكثر بكثير من الخبز الذي يطلبونه،
إنه خبزٌ للأبديّة.
"ماذا نصنع لكي نعمل أعمال الله؟" سألت الجماهير، ما هي الأعمال التي تدوم؟ "عمل
الله أن تؤمنوا بمن أرسل" (يو 6: 29). "عمل الله" هو الانسان الحيّ، الانسان الجديد
بقوّة الحياة الجديدة، بقوّة الحياة المتدفقة من ابن الله الآتي لينهض بالانسان،
ليخلقه من جديد، لينفخ فيه القوة وملءَ الحياة.
رابعًا: الأعمى منذ مولده: يو 9: 1- 40
إنّ عمل يسوع الخلاّق يأخذ كلّ أبعاده بما فعله كي يشفي الأعمى منذ مولده: أخذ يسوع
ترابًا وبصق فيه، وجبل من ريقه طينًا ووضعه على عينيّ الأعمى، وأرسله ليغتسل...
بهذا أعاد يسوع عملَ أبيه الخالق. إنه يخلق من جديد عالمًا من النور. إنّ فقدان
البصر عند الأعمى رمزٌ للظلام الذي فيه يغوص العالم. يسوع، نور العالم، يأتي ليكرّر
عمل الخلق الأول. يخلق من جديد، عند الأعمى الذي لم يعرف يومًا ما هو البصر، عيونًا
تبصر. إن النور الذي أتى ابنُ الله ليعطيه للإنسان هو نورٌ جديد. وكم هو ضروريّ كي
به يلجَ الانسان إلى الحياة الحقّة، إلى ملء الحياة، إلى الحياة الأبديّة. أتى
"لتكون لهم الحياة، بل ملءُ الحياة" (يو 10: 10).
خامسًا: القيامة والحياة: يو 11: 1-14
إن ملء الحياة كما يعطيها يسوع في انجيل يوحنا، ليست فقط قبولَ عطية الحياة، بل هي
أيضًا حربٌ كي تشقَ الحياة طريقها مقتحمة كلّ قوى الموت. هذه الحرب بدأها ابن الله
بالذات. قبل أن يدخل في مثوى الأموات كي يغلب نهائيًا الموت بقيامته، تحدّى يسوع
الموت في شخص صديقه لعازر. وقبل أن يُقيمَه من الموت قال لمرتا: "أنا هو القيامة
والحياة. من آمن بي يحيا وإنْ مات. أتؤمنين بهذا؟" (آ 25-26).
وتأكيدًا لذلك، يدعو لعازر كي يخرج من القبر، بعدما شكر أباه الذي استجاب له: "وصاح
بأعلى صوته: لعازر أخرج!". فخرج الميت، مشدود اليدين والرجلين بالأكفان، معصوب
الوجه بمنديل. فقال يسوع: "حلّوه ودعوه يذهب". أتى يسوع ليحلّ الانسان من كلّ
عبودياته، من كلّ ما يمنعه من التمتع بالحياة الحقة. ومن أجل ذلك، هو مستعدّ
ليتحدّى الموت بالذات، كي يؤمن الانسان بابن الانسان، الحياة الأبديّة لكلّ انسان.
سادسًا: قيامة يسوع: يو 20: 1-18
تبقى حلقة واحدة لكي تظهر حياة يسوع نهائيًا وبملئها، هي قيامته من بين الأموات.
كان يجب على ابن الانسان أن يمرّ بهذه الطريق حتى تبقى الطريق إلى الحياة الأبديّة
مفتوحة أبدًا أمام الذين يؤمنون، وبإيمانهم يحصلون على سلطان أن يكونوا أبناء
النور، أبناء الله.
قال يسوع لمريم المجدليّة: "لا تمسكيني. لأني ما صعدتُ بعد إلى الآب. بل إذهبي إلى
إخوتي وقولي لهم: أنا صاعد إلى أبي وأبيكم، إلهي وإلهكم".
إنها الكلمة الأخيرة، كلمة العودة إلى البدء، إلى النبع. فقد تمّ كل شيء. فالطريق
أصبحت مرسومة ومفتوحة، والعودة إلى أصلنا أصبح ممكنًا. فالمسيح الطريق والحق
والحياة هو الذي يوصلنا إليه.
خاتمة
الحياة في المسيح، كما يصفها يوحنا، تريد أن تعبّر عن الجذريّة في العطاء المطلوب
من الجميع، لأنه موهوب للجميع.
وتريد أن تكون حياة بشريّة في كل عمقها، فتأخذ بجديّة كلّ الثروات والإمكانات
الراسخة في أعماق الشخص البشري: مثل غنى القلب والارادة والتوق إلى المطلق والعطش
الشديد إلى الامتلاك والحبّ...
إنّ في الانسان طاقات حيويّة كثيرة، تنحرف غالبًا عن ينبوعها. إن الذين يرضون أن
يتبعوا المسيح في حياة تتلمذ يتمنّون لو كان في مقدورهم أن يدلّوا الجميع على ذلك
القادر وحده أن يُعطي معنى لحياتهم، والذي بحياته وموته وقيامته قد امتلكهم كليًا
وأعادهم في اتّجاه ينبوعهم.
في الواقع، إن من يوجّه كل طاقاته صوب يسوع، ينمّيها لحياة أبديّة. فمن يعطيه حياته
حُرًا كما أعطاها هو (18:10)، يربحها منذ الآن، لأنها تُعاد إليه بملئها، غير
منتَقصَة، بل مضاعفة، ومُنمّاة في خدمة الملكوت، وكل إنسان، وأخيرًا، في خدمة تجلّي
البشريّة بأسرها: "وأنا إذا رُفعت عن الأرض، جذبت إليّ الجميع" (12: 32).
"الروح والعروس يقولان: تعال! ومن يسمعُ فليقلْ: تعال! ومن يعطَشُ فليأت! ومن
يُريدُ فليأخذْ ماء الحياة مجّانًا!" (رؤ 22: 17).
الفصل الرابع والعشرون
"التلميذ" في انجيل يوحنا
الأخت ياره متى
مقدمة
"من أراد أن يخدمني، فليتبعني، وحيث أكون أنا يكون خادمي. ومن خدمني أكرمه الآب"
(يو 12: 26).
إذ يُقام المؤتمر الكتابي السادس هذا تحت عنوان "دراسات في إنجيل يوحنا"، يحظى
بنعمة مزدوجة: خلفيّته سرّ التجسد، وزمنه بداية السنة المكرسة للآب في مسيرتنا
اليوبيلية نحو عام الألفين. ولعل صورة التلميذ ومفهوم التتلمذ كما يراها إنجيل
يوحنا، تلقي بعض الأضواء على مسيرتنا هذه الفرديّة والكنسيّة.
وفي الواقع، إن الإنجيل الرابع يقدّم لنا شخصيات مختلفة، كلّ منها يلعب دورًا
معيّنًا يريد الكاتب من خلاله أن يوصل رسالة للقارئ المؤمن. عندما نقرأ الأنجيل،
نرى هؤلاء الأشخاص يتحركون، يلتقون بيسوع، فنتابع علاقتهم به، جوابهم على ندائه،
ردات فعلهم... وربما ننتظر، كمؤمنين، أن تحمل إلينا هذه الرسالة زخمًا جديدًا في
تعميق إيماننا وفهمنا وحبنا ليسوع المتجسّد في حياتنا. يرسم الإنجيل هذه الشخصيات
المختلفة فيُرينا أحيانًا مثالاً إيجابيًا يدعونا للتشبه به، وأحيانًا صورة سلبية
تحدونا إلى الابتعاد عنها، كما يبدو ذلك واضحًا مثلاً في رواية الأعمى منذ مولده
حيث ينمو إيمانه بيسوع خطوة فخطوة، بينما يتأرجح نيقوديمس بين الايمان والشك دافعًا
القارئ إلى أخذ موقف حاسم من يسوع. فمن هو التلميذ بنظر يوحنا إذًا؟ ما هي ملامحة
في الواقع وفي المرتجى؟ وهل يمكن أن ينقل إلينا اليوم رسالة جديدة؟
لدى القراءة الأولى لإنجيل يوحنا نجد أن لفظة "تلميذ" (باليونانية mathétés) ترد 78
مرة، وهذه بداية الطريق لتبيان أهمية الموضوع. بالإضافة لذلك، يذكر الإنجيل الرابع
ثلاث مجموعات منتظمة من التلاميذ: تلاميذ يوحنا المعمدان (1: 35-37)، تلاميذ موسى
(9: 28) وتلاميذ يسوع (2: 2- 11). فهل هناك فيما يخص يسوع مجموعة واحدة من التلاميذ
الذين يرافقونه دومًا ويسيرون معه؟ يبدو أن الحلقة كانت أوسع بكثير من الإثني عشر
كما يوحي بذلك يو 4: 1-2؛ 6: 60-66: بعد كلام يسوع على خبز الحياة تذمّر الكثيرون
قائلين: هذا كلام عسير فمن يطيق سماعه؟ فتخلّى عنه عدد كبير من تلاميذه وانقطعوا عن
مصاحبته. إذّاك ظهر الاثنا عشر على المسرح كمجموعة مميّزة، مجموعة صغيرة من الأشخاص
الذين يتبعون يسوع عمليًا، يرافقونه، يمكثون معه. وبالرغم من أن يوحنا لا يعطي
لائحة بأسماء الاثني عشر كما يفعل الازائيون، فهو يذكر هذه الجماعة الصغيرة ويسمّي
بعض أعضائها في مواقف وأحداث مختلفة.
بالإضافة لهذا المفهوم البديهي الأول حيث المقصود عادةً بالتلاميذ جماعة الاثني عشر
(7:11-12، 54 و18: 1-2)، يذكر يوحنا عدة أشخاص يلتقون بالمسيح في أوضاع خاصة وحالات
محدّدة، لا يرافقونه كمجموعة منظَّمة إنما يتتلمذون له. إنهم أفراد لا رابط ظاهر
بينهم ولكن النص الانجيلي يعطيهم مواصفات التلميذ عينها دون أن يذكر بالضرورة
أسماءهم، ومنهم على سبيل المثال: المرأة السامرية، الضابط الملكي، الرجل الكسيح،
الرجل الأعمى منذ مولده، وربما مرتا أخت لعازر. هؤلاء الذين لم ينخرطوا في صفوف
الإثني عشر، ولم يذكر الإنجيل بشكل عام أيّ إسم علم يخصهم، نجدهم خاصة خلال رسالة
يسوع العلنية أي في القسم الأول من الإنجيل بين الفصول 1 و12، بينما تركّز الفصول
الباقية من 13 إلى 21 على خطاب يسوع ورواية الآلام والقيامة وعندما يقتصر وجود
التلاميذ على مجموعة الإثني عشر.
إذًا هناك فئتان من التلاميذ: الفئة الأولى تتمثّل بالاثني عشر، المجموعة التاريخية
التي سارت وراء يسوع ورافقته عمليًا، ويوحنا يذكر بعضًا من أفرادها باسمه. والفئة
الثانية تضم تلاميذ حقيقيّين ولكن غير معلنين، يلتقون بيسوع منفردين. لم يُذكروا
عادًة بأسمائهم ولم تعط لهم علنًا "وظيفة" التلميذ.
كلُ من هاتين الفئتين تظهر ناحية من الموضوع، موضوع التتلمذ، وهذا غير مستغرب عند
يوحنا الذي يجمع دائمًا في بشارته مستويات مختلفة، من المعاني البديهية السطحية إلى
المعاني الرمزية العميقة.
وذلك يجعلني أعرض الموضوع في ثلاث نقاط:
أولاً: مواصفات التلميذ من خلال ما يرويه الإنجيل عن الفئة الأولى، أي كل ما يخصّ
تلاميذ يسوع الذين يشكّلون الجماعة المصغّرة حوله، ويعطي الإنجيل بعضًا من أسمائهم.
ثانيًا: مواصفات التتلمذ من خلال أشخاص التقوا بيسوع منفردين، وتتلمذوا له بالعمق
والحق دون أن يسمّيهم الإنجيل بأسمائهم ودون أن يدعوهم بوضوح "تلاميذ".
وثالثًا: سنرى معًا كيف تلتقي مواصفات التلاميذ كجماعة رافقت يسوع أو كأفراد التقوا
بيسوع، كيف تلتقي مواصفات الفئتين إيجابيًا بشخص التلميذ المثالي أي التلميذ الذي
كان يسوع يحبه، بينما تُرينا شخصية يهوذا الاسخريوطي المثال السلبي للتتلمذ، مثال
التلميذ الفاشل.
وقبل أن ننتقل إلى معالجة هذه النقاط الثلاث، ألفت النظر إلى ملاحظة منهجية صغيرة:
هذه الدراسة البسيطة تعتمد على الإنجيل الرابع بشكله القانوني الحالي. فلن أدخل في
اعتبارات النقد التاريخي ولا حتى التطور التاريخي لمفهوم التلميذ والتتلمذ في
الجماعات الكنسية الأولى، بل أكتفي بالنص الإنجيلي كما نقرأه اليوم.
1- مجموعة التلاميذ الذين يرافقون يسوع
يسمّي الإنجيل منهم بطرس، اندراوس، فيلبس، توما، يهوذا، ابني زبدى، كما يذكر
نتنائيل. يمكننا أن نتبعهم في الإنجيل خطوة خطوة، بطريقة منهجية بسيطة: نكتشف ماذا
يقولون، ماذا يعملون؟ ماذا يُقال عنهم أو لهم؟ هذه الأسئلة البدائية تساعدنا على
فهم دورهم في الدراما الإنجيلية التي يقودها الكاتب.
ماذا يقولون؟
إن جمعنا أقوالهم في إنجيل يوحنا يمكن أن نصنّفها بين الأسئلة المباشرة ليسوع،
التعبير عن عدم فهمهم، اعتراضهم أحيانًا واعترافهم بالمسيح أحيانًا أخرى، الإيمان
به والشهادة له أخيرًا.
الأسئلة المنطلقة من المجموعة الصغيرة الممثّلة أحيانًا ببطرس (6:13؛ 21: 21)،
تتوجه بمعظمها مباشرة إلى يسوع (عدا واحدة في 17:16-18) بعضها للاستعلام (38:1 أين
تقيم- 13: 25 من هو يا سيد- 36:13 إلى إين أنت ذاهب- 14: 22 كيف تظهر لنا ذاتك..)
أو للاستيضاح (13: 6 أأنت تغسل رجلي؟- 37:13 لماذا لا أقدر أن أتبعك- 16: 17- 18 ما
هو هذا القليل- 21: 21 وهذا ما مصيره). بشكل عام، أسئلة هذه المجموعة تتعلق خاصة
بذهاب يسوع وانتقاله عنهم. يريدون الاستفهام إلى أين يذهب (13: 36؛ 14: 5 (لا نعرف
إلى أين أنت ذاهب فكيف نعرف الطريق) وكيف يمكن أن يبقوا تلاميذ بعد أن يذهب (37:13،
لماذا لا أقدر أن أتبعك؟ أنا مستعد أن أموت في سبيلك). 14: 5-22 (ما معنى هذا
القليل وأنه ذاهب إلى الآب، 16: 16-18) كل هذه الأسئلة تطرح علامة استفهام حول وضع
العلاقة بين المعلم والتلاميذ، وكيف يمكن الاحتفاظ بها والحفاظ عليها بعد ذهاب يسوع
وغيابه عنهم. من هنا سوء الفهم أحيانًا (18:16: نحن لا نفهم ما يقول).
على كل حال، عجزُ التلاميذ عن الفهم ليس جديدًا في معرض الآلام والقيامة، بل منذ
بداية الإنجيل تسقط اعتباراتهم الخاطئة شيئًا فشيئًا. ففي 4: 33 كانوا يعتقدون أن
يسوع قد تناول طعامًا ماديًا (هل جاءه أحد بما يؤكل) يسوع يجيب "طعامي" أن أعمل
مشيئة الذي ارسلني وأتم عمله" في 6: 7-9 يعتقدون أن لا مجال لإطعام الجموع الغفيرة،
فأجاب يسوع: "أقعدوا الناس". في 9: 2 يأخذون بالاعتقاد السائد أن الأعمى خطىء هو أو
أبواه.. ألخ. يقرأون الأمور والأحداث بسطحيتها وبديهيتها الخارجية لأنهم لم يفهموا
بعد بالعمق كلمة يسوع.
عجزهم عن فهم المستوى الأعمق يؤدّي أحيانًا إلى الاعتراض على كلمة يسوع وتصرفه كما
فعل الكثيرون في 6: 60- 61، وكما أعترض اليهود في 8: 33 (نحن ذرية إبراهيم وما كنّا
عبيدًا لأحد فكيف تقول ستصيرون أحرارًا). أما التلاميذ الذين عارضوا مواقف يسوع،
فهم: أولاً يهوذا في 12: 4- 5 (أما كان خيرًا أن يباع هذا الطيب بثلاثمائة دينار
ويوزِّع على الفقراء). إعتراض يهوذا هنا هو اعتراض التلميذ المزيّف (فالنص يتابع:
لا لعطفه على الفقراء بل لكونه لصًا وأمين الصندوق). بينما تبدو الاعتراضات الباقية
من قبل التلاميذ الآخرين ناتجة عن عدم الفهم. كما بطرس مثلاً في 13: 6 يحاول أن
يرفض غسل الأرجل، يرفض أن يتصرّف الرب والمعلم كالخادم والعبد، وذلك لأنه لم يفهم
بالعمق طبيعة ومعنى كون يسوع الرب والمعلم. كما توما أيضًا في 20: 25 الذي يرفض
الايمان بيسوع القائم تبعًا لشهادة التلاميذ الآخرين لأنه لم يفهم بالعمق طبيعة
ومعنى الإيمان الحق، المرتكز على شهادة الكنيسة. نلاحظ هنا أن يوحنا لايريد أن يعطي
فقط صورة مثالية عن التلميذ وكيف يجب أن يكون، بل يرسم أيضًا ملامحه الواقعية في
أسئلته وعدم فهمه واعتراضه. ولكن كيف يقودهم يسوع تدريجيًا إلى ايمان أعمق لحد
الشهادة له وحتى الاستشهاد؟
لنتابع مسيرتهم في الإنجيل، ماذا يعملون؟
الأفعال التي يقومون بها ترد كالآتي: إنهم يتبعون (1: 37؛ 10: 4-27؛ 18: 15)،
ينظرون (1: 39؛ 6: 19؛ 20: 25؛ 21: 9)، يؤمنون (2: 11، 22؛ 17: 8؛ 20: 3)، يعرفون
(10: 4؛ 17: 7- 25) يتذكرون (2: 17- 22؛ 12: 16؛ 16: 4، 21)، يسمعون (1: 37؛ 21: 7)
ويحفظون الكلمة (17: 6). هذه الأفعال التي يذكرها الإنجيل الرابع عن التلاميذ ليست
(بمعظمها عدا اتّباع يسوع بمعنى السير وراءه) نشاطًا خارجيًا متوقفًا على الحواس،
أنما حركة تنبع من استعداد داخلي هدفه كلام يسوع وعمله وشخصه، أي إن التلاميذ
يتبعون يسوع، ينظرون إليه، يؤمنون به، يعرفونه، يتذكرون ما قالت عنه الكتب، يسمعون
ويقبلون ويحفظون كلمته التي هي كلمة الله (6:17- 8؛ 22:2). فأساس التتلمذ إذًا هو
وجود علاقة شخصية بين التلميذ ويسوع، علاقة تبني حياته كلها، وربما هذا أحد
الفروقات بين يسوع المعلم وبين المعلمين اليهود. فتلميذ يسوع متعلّق بشخص يسوع
بينما تلميذ معلّمي الشريعة متعلّق بالشريعة وليس بشخص معلّمه. ارتباط التلميذ
بيسوع مباشرة يجعل منه شاهدًا له ومؤمنًا أنه أكثر من معلّم، أنه الربّ.
لذلك نرى في الإنجيل الرابع التلاميذ يشهدون ويدلون على يسوع بل يقودون الآخرين
نحوه (1: 41-46؛ 12: 21 نريد أن نرى يسوع). إنهم يشهدون أن كلمته هي حياة (68:6 إلى
من نذهب..)، وسيشهدون لقيامته (20: 25 رأينا الرب)، بعد أن دخلوا لعبة الإيمان
وعبّروا عن اعترافهم به أنه "أبن الله، ملك اسرائيل" (1: 49)، أنه "قدوس الله" (6:
69)، أنه الآتي من لدن الله" (16: 30)، هو "الرب والاله" (20: 28) الذي "يعرف كل
شيء" (17:21؛ 16: 30). كل هذه الاعترافات بهوية يسوع تبقى مختصرة وتبقى مجرد ألقاب
إن لم يُعطها يسوع المحتوى والمعنى. وذلك يتم عندما يعلن: "أنا هو": "أنا هو خبز
الحياة" (6: 35)، "أنا هو نور العالم" (8: 12)، "ستموتون في خطاياكم أن لم تؤمنوا
أني أنا هو" (8: 24)، "قبل أن يكون إبراهيم أنا هو" (8: 58) "أنا هو باب الخراف"،
"الراعي الصالح" (10: 7- 14)، الخ...
يسوع هو أساس ومرتكز إيمان التلميذ، يسوع هو طريق التتلمذ، هو قصة الخلاص وتاريخه،
وهو الذي يجمع في كلمته وفي كيانه كل الأجيال من التلاميذ. ولكن كيف يتوجه للإثني
عشر (6: 77-69) وماذا يقول لهم؟
إنه يدعوهم "إخوتي" في 20: 17، يدعوهم وأصدقاء" في 15: 15، "أبنائي الصغار" في 13:
33، و"أيّها الأولاد" في 21: 5، أو أحيانًا يدعو أحدهم باسمه مثل بطرس في 1: 42
و21: 15، أو فيلبس في 14: 9.
هذه الكلمات توحي بنوع من العلاقة العائلية القريبة بينه وبينهم. يسوع يسألهم،
يأمرهم، يوبّخهم، يشرح لهم، يشجّعهم، يمنحهم وعودًا وينبئهم بما سيتعرضون له في
العالم. هل يسأل يسوع مثلهم للاستعلام أو للاستيضاح؟
يُرينا الأنجيل أسئلة يسوع عادةً كأنّها جواب على أسئلة التلاميذ، أو واقع يخلق
عندهم تحديًا وتشجيعًا لأخذ موقف أو لتعميق فهمهم. مثلاً في 67:6 بعد أن تخلّى عنه
كثير من تلاميذه، واجه الباقين بهذا السؤال: "ألا تريدون أن تذهبوا أنتم أيضًا؟"
فاستدرج هكذا جواب بطرس ممثّلاً الاثني عشر ومعبّرًا عن إيمانه واعترافه أن يسوع
يملك كلام الحياة الأبدية. غالبًا ما نجد هذا التحدي: "ألآن تؤمنون؟" (16: 31)؛ "هل
آمنت لأنك رأيتني؟" (20: 29). يسوع ينادي إيمانهم بأسئلته. والملفت للنظر في إنجيل
يوحنا أنه في كل مرة يقول التلاميذ إنهم فهموا وآمنوا، تكون هذه علامة شبه أكيدة في
النص أنهم لم يفهموا بعد في العمق، لم يصلوا إلى ملء الايمان وملء المعرفة الذي
سيتم "بعد حين" (7:13، 19، 36؛ 14: 29)، متى "بعد حين"؟ أي بعد ذهاب يسوع، بعد
انتقاله عنهم وقيامته من بين الأموات. إلى ذلك الحين، لم يتوصلوا بعد إلى ملء قامة
التلميذ الحق. أسئلة يسوع تحثّهم وتتحدّاهم ليحافظوا على إيمانهم ولايخافوا مهما
حدث، رغم أن أحدهم سوف يسلمه، رغم أنهم سوف يتشتتون كالخراف الضائعة، يهربون
وينكرون ويعجزون عن فهم ما يحدث (11:18).
بالأضافة للأسئلة، يسوع يوبّخ تلاميذه أحيانًا (12: 7؛ 14: 9: أنا معكم كل هذا
الوقت ولم تعرفني بعد يا فيلبس؛ 20: 27). توبيخاته تتابع وظيفة الأسئلة في النص أي
أنها تستفّز الايمان، تدعو إلى أخذ موقف إيماني. كذلك تشجيعه لهم (13: 12- 17؛ 14:
14) يدعوهم للايمان (14: 1). آمنو بالله وبي.
تجاه عدم فهمهم، يجيب يسوع ببعض التوضيحات والشروحات كما في 9: 3- 5 (ولد أعمى حتى
تظهر أعمال الله فيه)؛ 11: 14- 15 (يسرني لأجلكم كي تؤمنو أني ما كنت هناك- لعازر
مات)؛ 14: 29- 31 (أخبرتكم بهذا قبل أن يحدث حتى متى حدث تؤمنون)؛ 16: 1-4 (قلت لكم
هذا لئلاّ يضعف إيمانكم). هذه التفسيرات كما تلاحظون تدعو إلى الحفاظ على الإيمان
والثبات فيه.
لا يكتفي يسوع بهذه الكلمات بل يوجّه أيضًا بعض الأوامر لتلاميذه: يطلب إليهم أن
يتبعوه (43:1)، يطلب إليهم خاصة أن يحبّوا بعضهم كما أحبهم (13: 34) وأن يثبتوا في
محبته (9:15). حبّهم يتأصل في حبّه. حتى بعد ذهابه من بينهم يبقى حبهم علامة لكونهم
تلاميذ (35:13 إذا أحببتم بعضكم بعضًا يعرف الناس أنكم تلاميذي). الثبات في الإيمان
يقودهم إلى الثبات في المحبة، والاثنان نعمة مجانيّة من الآب. يعرف يسوع حدودهم
وإمكانياتهم، فيمنحهم الوعد بالروح القدس (14: 15-26؛ 15: 26؛ 7:16) الذي يعلّمهم
ويذكّرهم كل شيء. يعدهم يسوع أيضًا انهم سيرون ويعملون أعظم من الأعمال التي صنعها
أمامهم (1: 50؛ 14: 2). ثباتهم في الإيمان وثباتهم في المحبة سيجعلهم يفهمون بعد
حين (13: 7) وإذّاك لا يعودون يسألون شيئًا (16: 23).
إنما هذا النموّ نحو ملء الإيمان والحب والمعرفة لا يتم دون دفع الثمن. يسوع يُنبئ
تلاميذه بأن البعض سوف يتخلّى عنه (13: 21، 38؛ 16: 32) وبأن العالم سوف يبغضهم
ويضطهدهم كما أبغضه واضطهده (18:15؛ 16: 2، 33). لأن العالم لا يعرفه ولا يعرف الآب
(16: 3)، فالتلميذ الذي يتبع معلمه يشاركه مصيره، في الصليب كما في المجد.
هؤلاء الأشخاص الذين أصبحوا تلاميذ من خلال اختيار ودعوة يسوع لهم (1: 42-43؛ 6:
70) جاؤوا إليه بنعمة من الآب (6: 65؛ 17: 6). اختارهم يسوع وأخرجهم من العالم (15:
16، 19؛ 17: 14) ثم أرسلهم إلى العالم (18:17) كما أرسله الآب (20: 21). وللآب صلّى
أن يحفظهم باسمه (17: 11-12) ويحفظهم من الشرير (15:17)، أن يقدّسهم في الحق (17:
17) ويعطيهم فيض الحياة الأبدية (10: 28)..
كل مداخلات يسوع وكلماته لهم تهدف إلى تثبيتهم في الإيمان والمحبة، لإن الآب يحبهم
والابن أيضًا يحبهم (13: 1؛ 23:17-26؛ 26:19)، والتعبير عن ملء الحب يكون بالسكن
المتبادل، يكونون فيه كما أنه في الآب والآب فيه (17: 21). ذهب التلاميذ ليقيموا مع
يسوع حيث يقيم (1: 39) فإذا بهم يقيمون فيه ويقيم فيهم، أصبحوا بيتًا له لأنه جعل
من كلمته ومن حبه بيتًا لهم (14: 23).
أساس اتباعهم ليسوع، أساس تتلمذهم هو إذًا الإيمان بيسوع، إيمان يُعبّر عنه بوصية
المحبة، إيمان مدعو دائمًا إلى عمق أكثر، فلا يمكن للتلميذ أن يعرف الآب والابن
الاّ من خلال ثباته في الإيمان وثباته في الحب. التلمذة ليست مجرد مهنة أو وظيفة في
قلب الكنيسة والعالم، بل هي أيضًا مسيرة شخصية في الإيمان والحب والمعرفة، في
العلاقة مع يسوع. وتبقى هذه الحفنة مثالاً للمؤمنين في مختلف الأجيال، في قبولهم أو
عدم فهمهم، في إيمانهم وفي تراجعهم واعتراضاتهم، في دعوتهم لأخذ موقف من كلمة يسوع
ودعوته. إنما يركّز يوحنا قبل كل شيء على أنها نعمة من الآب، مبادرة منه. فالإيمان
هو إنسانيًا مستحيل. هو المستحيل الذي جعله الله ممكنًا، ووهب الروح كي يثبّت
تلاميذه في كلمته.
2- مواصفات التلاميذ
ننتقل إلى النقطة الثانية حيث نجد على طريق يسوع عدة أشخاص لديهم مواصفات التلميذ
الحق السائر على درب الإيمان. سنتوقف على بعض المشاهد والمقاطع التي تبدو منفصلة عن
بعضها البعض، رغم أن قواسم مشتركة تجمعها من ناحية المضمون- وهو موضوع التتلمذ
ليسوع- ومن ناحية البنية والأبعاد اللاهوتية المختصّة بالمعلّم والتلميذ- أي إن
الإنجيل يظهر لنا، في العمق، كيف نصبح تلامذة يسوع، فنرافق عندئذ التلاميذ خلال
مسيرتهم في طور التنشئة، ونكتشف الاتجاهات التي يُقاد اليها من يريد أن يصبح
تلميذًا.
من بين هؤلاء الأشخاص الذين التقوا بيسوع، نجد المرأة السامرية (4: 4- 42)، الضابط
الملكي (4: 46-53)، الرجل الكسيح (5: 1-15)، المرأة الزانية (8: 1- 11) والأعمى منذ
مولده (9). عدا نيقوديمس (3) ومرتا (11)، وكل هؤلاء الأشخاص لا يحملون اسم علم في
النص. لماذا؟ (على كل حال حتى نيقوديمس يبدأ السؤال في الفصل 3 ثم يختفي من النص
ويتابع يسوعُ الحديث وحده). لماذا تتكرر عند يوحنا هذه الظاهرة الأدبية؟ أهي فقط
جهل لاسم المحاورين أم لها وظيفة أخرى؟
من المحتمل أن تسمية الشخص تحافظ على مسافة معيّنة بينه وبين القارئ بينما ترك
الاسم مجهولاً يدعو القارئ إلى التمثّل، يحرّر القارئ من الأطر التاريخية ليدخله
مباشرة في الرواية. الاسم ليس فقط لزيادة المعلومات بل لتمييز شخصية معيّنة في
النصّ، لتحديد علامة فارقة. من هنا تصبح وظيفة عدم التسمية خلق فراغ معيّن جُعل هنا
ليملأه القارئ. النص يدعو هكذا القارئ المؤمن للمشاركة بأن يتماهى مع مواقف وأجوبة
الأشخاص الذين لا يذكر الكاتب أسماءهم، ولكن يصف كيف دفعهم اللقاء مع يسوع إلى جواب
إيماني.
والجدير بالذكر أنه بعد اللقاء مع الأعمى (منذ الفصل 9 وحتى النهاية) الشخصية
الوحيدة التي لا يعطيها الانجيل اسم علم هي شخصية التلميذ الحبيب؛ عدم تسميته تدل
بشكل أوضح على أنه مثال التلميذ الحق. قبل التعرّف إليه، القارئ مدعو للتشبّه
بأصحاب الإيمان، في القسم الأول من الانجيل، ممّا يعدّه- في القسم الثاني من
الانجيل- للتشبّه بالتلميذ الحبيب، فيصبح القارئ- إن أراد- التلميذ الذي يحبه يسوع.
نتوقّف عند بعض هذه الأمثلة باختصار.
المرأة السامرية تشارك في حوار طويل مع يسوع، حوار يتطوّر شيئًا فشيئًا حتى يصبح
فعل إيمان وشهادة لشعبها. القارئ مدعو أيضًا للمشاركة، وكون المرأة بلا اسم يسهّل
العملية. إنها امرأة عادية مثلنا، مثل أي قارئ يمكن أن يتابع المسيرة عينها ويقوم
بالاختيار نفسه. كيف؟ يسوع هو الذي بدأ الحوار وكل مرة كان يطلقه من جديد من خلال
أسئلة أو مداخلات المرأة، وفي كل مرة كان يعود ليركّز موضوع الحوار حول شخصه، ممّا
يدعو محاورته إلى أخذ موقف: الإيمان أو عدم الإيمان. في نهاية النص، شهادتها له
توحي بأنهـا آمنت، بل نقلت إيمانها للآخرين، وكأنها تحقق ما قاله يسوع لتلاميذ
يومها إن الحصاد قد حان وإنه يرسلهم للحصاد. أن أهل المدينة آمنوا أولاً تبعًا
لكلام المرأة، عكس توما الذي لم يقبل شهادة الرسل زملائه. المرأة السامرية سلكت درب
التلمذة متبعة المراحل عينها: اعترضت على كلام يسوع (4:9)، لم تفهم بالعمق معنى
كلامه (4: 11-15)، سألته (4: 9، 11-12) وأخيرًا أصبحت له شاهدة (28:4، 29-30).
تطورت علاقتها بيسوع متحرّكة من الاعتراض إلى عدم الفهم إلى التساؤل... ثمّ إلى
الشهادة التي هي نتيجة الإيمان.
كذلك في يو 46:4-54 حيث يلتقي يسوع رجلاً من حاشية الملك يلتمس منه شقاء ولده
المشرف على الموت. وجّه إليه يسوع كالعادة تحدّي الإيمان (أنتم لا تؤمنون الا إذا
رأيتم الآيات والعجائب). ولكن الرجل أَمن هو وجميع أهل بيته. كل لقاء مع يسوع يدعو
إلى الإيمان وينتظر الجواب.
ومن أجمل الأمثلة لهذا اللقاء رواية شفاء الأعمى في الفصل 9. يُروى الخبر باقتضاب
في آيتين فقط (6 و7)، والباقي يأخذ شكل الحوار، حوار بين يسوع وتلاميذه، حوار بين
الأعمى وجيرانه، بين الأعمى والفريسيين، بين الفريسيين ووالديه.. وأخيرًا بين
الأعمى ويسوع. بين هذه الحوارات يتحرك النص بصورة تدريجية لكشف هوية يسوع والايمان
به (9:9: رجل يدعى يسوع- 9: 17: نبي-33:9: رجل من الله- 38:9 قد آمنت يا سيدي). في
البداية يقول يسوع لتلاميذه: "ولد أعمى كي تظهر أعمال الله فيه" (9: 3) بعدما قال
لهم سابقًا في 6: 29 "عمل الله أن تؤمنوا بالذي أرسله". ظهر عمل الله في الأعمى
لأنه سارّ نحو الإيمان، نحو الفهم العميق لهوية يسوع. يبدو إيمان الأعمى في حركة
نموّ تتفاعل ظاهريًا من خلال حواره مع الفريسيين، ولكن باطنيًا يعلم القارئ من خلال
الحوار الأخير أن يسوع هو الذي حّرك كل مشروع الإيمان. الرجل الأعمى الذي استجاب
ببساطة لأمر يسوع بغسل عينيه شُفي، ولكنه بدأ أيضًا مسيرة باطنية واجتماعية لأعلان
إيمانه بيسوع. وجوابه الإيماني هذا استمر وتكامل حتى بعد اختفاء يسوع عن ناظريه
وبقائه وحيدًا في مواجهة الفريسيين واحتمال طرده من المجمع. ويبلغ النص ذروته عند
عودة يسوع وكلامه معه وتعبيره عن إيمانه به. فالأعمى الذي كان في البداية مجرد
موضوع للنقاش اللاهوتي (من أخطأ هو أم أبواه) أصبح بمسيرة الإيمانية إنسانًا، شخصًا
حيًا، يحيا من علاقته بيسوع ويشهد له. إنها شخصية تلميذ مجهول. قبل تحدّي الإيمان،
وبقيت شخصيته مفتوحة مدى الأجيال، تاركة فراغًا يملأه القارئ، كل قارئ يؤمن ويريد
أن يتتلمذ ليسوع.
وأخيرًا حوار يسوع مع مرتا أخت لعازر يحثها أيضًا على النموّ في الفهم والإيمان،
يتحدى إيمانها كي يكبر وفهمها كي يعمق أكثر، حتى يظهر أخيرًا هويته وقدرته على
إعادة الحياة للعازر الميت منذ أربعة أيام.
في كل هذه المشاهد ليس المحور الأساسي الأعجوبة أو الشفاء؛ بل هو إيمان الإنسان
تجاه يسوع. التتلمذ ليسوع يعني الشهادة النابعة من هذا الإيمان ومن هذه المعرفة
العميقة لهوية يسوع. وكما قال يسوع لليهود في 8: 31-32: "إن أردتم أن تكونوا
تلاميذي حقًا.. اثبتوا في كلمتي". الاندفاع الأول يجب أن يتحول إيمانًا عميقًا
والتزامًا بالكلمة. لا يكفي قبول يسوع واتباعه، بل المطلوب الثبات في كلمته التي هي
كلمة الله بالذات. بهذا الثبات، الاستقرار في يسوع الكلمة، يفهم التلميذ هوية يسوع،
يدخل في معرفة أعمق هي معرفة العلاقة الحميمة، معرفة الإيمان والحقّ الذي يحرِّر
الوصية الجديدة أي معرفة المحبة.
هؤلاء الذين ذكرهم الإنجيل في الفصول 1-12 دون أن يدعوهم تلاميذ بشكل ظاهر ومباشر،
هؤلاء لم يرافقوا يسوع خارجيًا، ولكن هم آمنوا وتابعوا حياتهم بشكل مختلف. بعد مرور
يسوع وذهابه من بينهم آمنوا بكلمته وحفظوها ونشروها، كما سيؤمن التلاميذ الاثنا عشر
بعد انتقال يسوع عنهم حيث لا يبقى معهم سوى روحه القدوس وكلمته التي حفظوها.
وهكذا في كلتا الفئتين تبدو ملامح التلميذ. بين الاثني عشر والتلاميذ المجهولين
عوامل مشتركة متعددة. فهؤلاء أيضًا يعارضون أحيانًا كلام يسوع، يسيئون فهمه،
يسألونه مس