في رحاب الكتاب، العهد الأول
تقديم
في رحاب الكتاب. مجموعة من أربعة أجزاء أن لم يكن من خمسة. تحاول أن تدخل القارئ
العربي إلى عالم الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد. فالكتاب المقدّس في نظر
المسيحيّ وحدة لا تتجزَّأ. من أول آية في سفر التكوين مع خلق السماء والأرض، حتى
آخر آية في سفر الرؤيا مع العروس التي تنادي الرب لكي يأتي بسرعة. نحن لا نفصل بين
عهد جديد وعهد قديم.
مهما أرادت بعض الفئات، فلا تستطيع أن تستغني عن العهد القديم، وليس الأمر بجديد.
فمع مرقيون في القرن الثاني كانت محاولة وصلت بنا لا إلى الاستغناء عن العهد القديم
كله وحسب، بل حتى عن أناجيل ثلاثة هي متّى ومرقس ويوحنا. وحُذفت بعض الأمور من
انجيل لوقا. وطارت أيضًا كتب أخرى مثل سفر الرؤيا ورسائل يعقوب...
ومهما أراد العالم اليهوديّ أن يستأثر بالتوراة وكأنها ملك خاص به، فهو لا يستطيع
أن ينسى أن غنى الشرق دخل في العهد القديم الذي تميّز بعبادة الله الواحد. ولما
نُقلت التوراة إلى اليونانيّة، دخلت في لغة عالميّة. واليوم قد ترجمت إلى ألفي لغة
ونيّف، فصارت كلمة الله إلى جميع الشعوب، يقرأها الشعب اليهودي كما تقرأها كل أمم
العالم. لسنا نحن من يسيطر على كلمة الله وكأن الرب صار "صنما" بين أيدينا. بل كلمة
الله تدعونا إلى التجاوب مع كلام الله الذي يتوجّه إلينا اليوم في كل محطات حياتنا.
تقول الكنيسة إن العهد الجديد يتجذّر في العهد القديم. فإن قطعناه عنه، كنّا كمن
يقطع للشجرة جذورها. وتقول إن العهد القديم يستضيء بالعهد الجديد. فهو لا يجد كامل
معناه إلاّ في المسيح. لا شكّ في أن هناك تطوّرًا في الكتاب المقدّس يصل إلى الذروة
مع الأناجيل. لاشكّ في أن شرائع وفرائض لم يعد معمولاً بها في العالم الوثنيّ كما
في العالم اليهوديّ نفسه، مثل الذبائح وما يتعلّق بالكهنة. لا شكّ في أن العالم
اليهوديّ كان في البدء يعدّد زوجاته. ولكن على عتبة العهد الجديد، فهم أن الرب يكره
الطلاق كما قالت النبي ملاخي. كما فهم أن الله الواحد الذي تزوّج شعبه هو واحد
وعروسه واحدة. فلا يحقّ للرجل أن يعدّد زوجاته. لاشكّ في أن هناك تطوّرًا من شريعة
الغاب حيث يقتل لامك سبعة وسبعين شخصًا مقابل شخص قُتل في قبيلة. إلى شريعة المثل
مع القول المأثور: سنّ بسنّ وعين بعين. إلى واجب مساعدة العدوّ إذا سقط حماره في
حفرة. وفي النهاية قال سفر الامثال: إن جاع عدوّك فأطعمه وإن جاع فاسقه.
مجموعة في أربعة أجزاء. تبدأ مع العهد الأول أو العهد القديم. ثم تتوالى مع العهد
الثاني أي العهد الجديد. فنحن نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين: العهد الأول كانت له
شعائر العبادة... وقالت: لو كان العهد الأول لا عيب فيه، لما دعت الحاجة إلى عهد
ثان. وهكذا يرتبط العهدان الواحد بالآخر. من أجل هذا سمّينا الجزء الأول "العهد
الأول". وقدّمناه في ثلاث محطات. الأولى: الشعب العبراني، الشعب اليهودي. الثانية:
تقاليد الفكر الديني في التوراة. الثالثة: مواضيع ونصوص من الكتاب.
بعد أمور عامة عن تاريخ الشعب اليهودي ومبادئه وكتبه، نتوقّف عند الدراسات الأخيرة
حول أسفار الشريعة الخمسة ولاسيّما في التقليدين الاشتراعي والكهنوتي. وأخيرًا،
كانت محاولات لاهوتيّة تكتشف غنى العهد الجديد، ولاسيّما على مستوى الخطيئة
والرحمة... وما نسينا مع هذه الدراسات التي قد تبدو مجرّدة من بعض حياة، أن نقدّم
مواضيع ونصوصًا تدلّنا على الحياة التي تملأ الكتب المقدّسة.
هذا ما أردنا أن نقدّمه في هذا الجزء الأول، ونحن نرجو أن نكون قدّمنا خدمة
للباحثين في الكتاب المقدّس، متأمّلين أن يأتي "العهد الثاني" بعد "العهد الأول"،
والدراسة في العهد الجديد بعد الدراسة في العهد القديم، بانتظار الثالث الذي هو
"بين العهدين"، والرابع الذي عنوانه: "أبعد من الكتاب".
القسْمُ الأوّل
الشَّعبُ العبراني، الشّعبُ اليَهوديّ
ثلاث محطات تستوقفنا في هذا القسم الأول: تاريخ الشعب العبراني، تاريخ العالم
اليهودي، منذ البدايات وحتى زمن التلمود. ثم ندخل في المبادئ التي عليها تأسّس شعب
الله في العهد القديم، وما زال اليهود يغتذون منها. وفي محطّة ثالثة، نتطرّق بشكل
سريع إلى الكتب التي تسند إيمان شعب أطلق في العالم ديانة توحيديّة ستستقي منها
سائر الديانات التي جاءت بعدها.
ويتوزّع هذا القسم على الفصول التالية
1- العبرانيون واليهود
2- من البدايات حتى المنفى في بابل
3- من دمار الهيكل الأولى إلى دمار الهيكل الثاني
4- الشعب اليهودي فن بداية القرن الثاني إلى أيامنا
5- مبادئ اليهوديّة، وحدانيّة الله
6- شعائر العبادة في العالم اليهودي
7- الشعب المختار
8- التوراة أو أسفار العهد القديم
9- من المشناة إلى التلمود
10- من المدراش والترجوم إلى قمران وفيلون ويوسيفوس.
الفصل الاول
العبرانيون واليهود
في القرن الثامن عشر ق. م. انطلقت عشيرة صغيرة من سومر بقيادة شخص اسمه ابراهيم.
وسارت بمحاذاة الفرات ثم العاصي، وجاءت تقيم في أرض كنعان التي تقابل في المعنى
الحصري: فلسطين. فقد سكن بنو ابراهيم بين الأردن وساحل البحر المتوسط، وامتدّوا بعض
الامتداد إلى شرقي النهر مع قبيلة منسّى التي أقامت في جلعاد. وكانت لهم علاقات مع
جيرانهم من مصريين وأشوريين وبابليين وفينيقيين وفلسطيين...
أما التوراة فتحدّثنا عن العبرانيين الذين جاؤوا من بلاد الرافدين أو بلاد ما بين
النهرين. عاشوا مع الآباء قبل أن يقتلعهم الجوع ويرسلهم إلى مصر فيصبحوا عبيدًا
هناك. خرجوا حوالي القرن الرابع عشر ق. م. وخيّموا في سيناء حيث تسلّموا شرائع خاصة
بهم، هي التوراة بالمعنى الحصري، أو ما نجده في الأسفار الخمسة من فرائض وأحكام.
دخلوا إلى فلسطين في قبائل قبل أن يكون لهم ملك اسمه سليمان (970-930). ولكن مملكته
انقسمت بعد موته: مملكة إسرائيل في الشمال بعاصمتها الأخيرة السامرة، ومملكة يهوذا
في الجنوب بعاصمتها أورشليم. دمّرت السامرة سنة 722/ 21 ق. م.، فصارت مملكة الشمال
مقاطعة أشوريّة بانتظار أن تصبح بابليّة، فارسيّة... ودمّرت أورشليم سنة 587/ 86
وذهب شعبها إلى المنفى. ولكن عاد الشعب العبراني يعيش في ظلّ الامبراطوريات الكبرى
من فارسية وهلنستيّة أو رومانيّة. وسيظلّ كذلك حتّى الثورة الأولى على يد رومة، وقد
انتهت بدمار أورشليم سنة 70 ب. م.، والثورة الثانية التي قادها ابن الكوكب وانتهت
بتشتّت اليهود سنة 135.
وقبل أن نقسم هذا التاريخ إلى ثلاث حقبات، اثنتان تسبقان التشتّت من أورشليم،
وثالثة تصل بنا إلى العصور الحديثة، قبل ذلك نتعرّف إلى الأسماء التي تسمّى بها هذا
الشعب: عبري، اسرائيل، يهودي.
إن لفظة "ع ب ر ي" هي مشتقّ يُنسب إلى "ع ب ر" الذي يدلي على الجهة المقابلة لنهر
(تك 10:50 ي)، أو واد (1 صك 7:31)، أو بحر (إر 25: 22)، أو حدود (1 يش 22: 11).
أمّا المعنى الاشتقاقي للفظة "عبري" فهي قريبة من لفظة "ن ك ري" (الغريب، النكرة).
وهكذا قد نجد معنى أول في فعل "ع ب ر" الذي نقرأه في تك 6:12؛ قض 26:9؛ أش 21:8،
والذي يعني انتقل عبر "حدود"، هاجرَ، صار غريبًا.
هناك محطّة هامة هي زمن المنفى سنة 587/586. ماذا عن العبريين أو العبرانيّين قبل
هذه المحطّة وبعدها؟ قبل المنفى، يتكلّم الكتّاب عن العبريّين في حالات محدّدة جذا.
فالمصريون أو الفلسطيون (غير الفلسطينيّين. أقام الفلسطيون في خمس مدن على الشاطئ
المحاذي لمصر: غزة، جت، عسقلان...) هم الذين سمّوا هذه القبائل بهذا الاسم. هذا ما
يجعلنا قريبين من (ع ب ي ر و" المذكورين في النصوص القديمة. أما النصوص الأربعة
والثلاثون التي تُذكر فيها لفظة "ع ب ر ي" في التوراة، فهي تدلّ على حال من
العبوديّة عاشوها مع المصريّين (خر 3:13، 14؛ 2: 20. تسمّى مصر أرض العبودية)
أسيادهم (في تك 39: 7 نقرأ: الخادم العبري)، أو مع الفلسطيّين (1 صم 6:4-9؛ 3:13،
7، 9). نجد في تث 12:15: "أذكر أنك كنت عبدًا في مصر".
إذن، دلّت لفظة "ع ب ر ي" قبل المنفى على اسرائيليّ من وضع دنيء، لا يرتبط بقبيلة
من القبائل، ويمكن أن يُستعبَد بشكل نهائي (خر 2:21-6؛ تث 15: 12-18). مثل هذا
الوضع الاجتماعي قريب ممّا نجده في وضع "ع ب ي ر و" في الألف الثاني ق. م.
ماذا نعرف عن "عبيرو" هؤلاء؟ هم أناس يعيشون على هامش المجتمع القبليّ، على حدود
المدينة. أو هم خلاصة قبائل تفكّكت، فجمعوا أنفسهم في قبيلة. في أيام السلم يمارسون
السلب والنهب. وفي أيام الحرب يصبحون جنودًا مرتزقة في خدمة هذا الحاكم أو ذاك.
نجدهم في كل الشرق القديم من بلاد الرافدين حتى بلاد الأناضول ومصر. ولكننا نجدهم
بشكل خاص في بلاد سورية وفلسطين. قد يعود إسمهم إلى الغبار أو التراب، فيدلّ على
وضع اجتماعي أو طريقة حياة. هل نستطيع أن نقابل "عبيرو" هذا مع "ع ب ي ر 1 ي و"
الذي نجده في النصوص البابليّة، أو مع "ع ب ر ي" الذي يدلّ على جماعة إثنية ترتبط
بمكان محدّد؟ ربما.
وماذا عن لفظة "ع ب ر ي" بعد المنفى؟ لقد اتّخذت معنى آخر في النصوص المتأخرّة: هو
اليهوديّ الذي يعيش في مقاطعة عبر الفرات (أو غربي الفرات) التي كانت فلسطين جزءًا
منها، فيتميّز عن البابلي وهو الآراميّ الذي يقيم في مقاطعة بابل (المشناة، بابا
مصيا 7: 9).
أما لفظة اسرائيل فهي اسم انسان عرفه العالم السامي الغربيّ وقد رأيناه في إبله في
الألف الثالث، وهو يعني "بدا الله قويًا" (رج تك 29:32؛ هو 12: 5). فإسرائيل كشعب
لا يدخل في التاريخ إلاّ مع نصب الفرعون منفتاح (1212-1202) الذي يعود إلى العام
الخامس لعهده (1207 ق. م) فيروي نصره بشكل نهائيّ على إسرائيل: "دُمّر اسرائيل بحيث
لم يعد لزرعه من وجود" (صور الشرق القديم 342-343). فحربُ اسرائيل ضدّ مركبات
فرعون، قد صُوّرت على جدار في هيكل آمون في الكرنك (الأقصر)، وهي حرب جرت في سهل
كنعان الساحلي. ينتج عن هذا أن اسرائيل كيان يعيش في قلب الضفّة الغربيّة ويشكّل
وحدة إثنيّة واجهت الجيوش المصرية في أرض مكشوفة لا في الأدغال. هذا لا يعني أن
امتصاص إسرائيل لبني يعقوب الذي يشير اليه تك 28:32-29، كان قد تمّ في القرن الثالث
عشر ق. م. فإذا كانت اللائحة البيبليّة لقضاة إسرائيل الصغار كاملة، وإذا كان
تنظيمهم يقع حالاً بعد زمن يشوع، فتكوين الاتحاد (أو الحلف) بين قبائل إسرائيل بما
فيها بني يعقوب، قد تمّ في شكيم (يش 24) في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، ساعة
بدأ الانحطاط يعمل عمله في القوّة المصرية، بعد حملات رعمسيس الثالث (1182- 1151).
وهناك أخيرًا لفظة "يهودي" التي تعني في الأصل سكان مملكة يهوذا (2 مل 16: 6؛ 25:
25)، أو مقاطعة يهودا الفارسيّة (نح 1: 2؛ 3: 22). وبما أن يهوذا ويهودا (أو
اليهوديّة) احتلّتا موقعًا متقدّمًا في شعب إسرائيل، صار اليهودي كل إنسان ينتمي
إلى شعب إسرائيل، وإن أقام خارج يهودا أو اليهوديّة.
بعد هذا المدخل، نبدأ بدراسة التاريخ اليهوديّ. الحقبة الأولى، منذ البداية حتى سنة
587 ق. م وانهيار مملكة يهوذا الداوديّة بصورة نهائيّة. الحقبة الثانية، من المنفى
(587 ق. م) حتى الثورة اليهوديّة الثانية. والحقبة الثالثة، من سنة 135 ب. م إلى
أيامنا.
الفصل الثاني
من البدايات حتى المنمى إلى بابل
نبدأ هنا تاريخ الشعب العبراني منذ ابراهيم الذي يعتبر أبا الشعب العبراني الروحي،
بل أبا المسيحيين والمسلمين أيضًا، ونصل إلى سنة 587 ق. م، ساعة ذهب المنفيّون إلى
بابل، فكان لهم هذا الذهاب نهاية حقبة وبداية حقبة. انتهت الملكيّة، وما عادت "أرض
الموعد" مستقلّة وصارت أورشليم "مدينة الله" في أيدي الممالك الغريبة. وبدأ الشعب
يتطلّع إلى انطلاقة جديدة ينعشها روح الله لا الأحلام الذهبيّة بملك يعيد المجد
الغابر. بل سيكون الصراع دائمًا بين الوجهة الروحيّة التي فيها يكون الشعب العبراني
خادم سائر الشعوب، فيحمل إليها خبرته عن الله، وبين الوجهة السياسية المنغلقة التي
تعتبر الانفتاح على الآخرين موتًا.
تقول التقاليد العبريّة إن أصل ابراهيم العبري هو أور في بلاد الرافدين. هجر آباؤه
تلك الحاضرة السومريّة المزدهرة (تقع أور بين المقير والعُبيد في جنوبي العراق)
التي أصابها الانحطاط على أثر أزمة اقتصاديّة طويلة. ترك تارح والد ابرام (أو
ابراهيم) أور إلى حاران على الفرات الأعلى (تك 11: 30).
ومن هناك ارتحل ابراهيم إلى أرض كنعان أو ما يسمّى اليوم فلسطين. هكذا اعتاد البدو
أن يفعلوا كما تقول نصوص ماري الواقعة على الفرات.
أقامت عشيرة ابراهيم في شكيم (نابلس) وحبرون وبئر سبع وجرار. مناطق واسعة وسكان
قليلون. وأول ما اقتناه ابراهيم كان مغارة يدفن فيها امرأته بانتظار أن يُدفن هو
فيها، مغارة المكفيلة القريبة من حبرون (تك 27: 13- 20).
كانت العشيرة تتألّف من بضع عشرات من الرجال، بمن فيهم العبيد. وعلى خطى ابراهيم
سار إسحادتى ويعقوب ثم سائر الآباء. كانوا ينتقلون مع قطعانهم من موضع إلى آخر
طلبًا للماء والكلأ. وكانت علاقاتهم ثلاثًا: مع البدو الرعاة الذين يسالمونهم تارة
ويناوئونهم تارة أخرى ولاسيّما على المياه. وكان خلاف أول بين رعاة ابراهيم ورعاة
لوط ابن أخيه بسبب ضيق المكان (تك 205:26)، وكان كل واحد يقوله: "هذا الماء لنا".
منذ ذلك الوقت بدأوا يحفرون الآبار من أجل حياة نصف بدويّة. وارتبط الآباء بأهل
المكان. وبدأوا يتزوّجون ببناتهم ويزوّجونهم بناتهم. فيهوذا بن يعقوب تزوّج من
الكنعانيات على خطى عيسو، أخي اسحاق. وأعطى بنو بعقوب اختهم دينة لشكيم بن حمور (تك
34). لكنهم اختلفوا عنهم في عباداتهم. فالآباء لا يرتبطون بمكان. أما أهل فلسطين
فإلههم هو إيل بيت إيل مثلاً. أو عليون إله شليم التي ستسمّى فيما بعد أورشليم.
والعلاقة الثالثة كانت مع أهل حاران من حيث جاء الآباء. من هناك جاءت رفقة امرأة
اسحاق (تك 24). وإلى هناك ذهب يعقوب فتزوّج، وجمع ثروة كبيرة من العبيد والاماء
والمواشي. كما حملوا معهم آلهة تلك الناس على مثال ما فعلت راحيل حين "سرقت" آلهة
أبيها (تك 31:31-35).
نودّ أن نقول إن ما سمّي الأسباط الاثنا عشر الذين هم أخوة من أب واحد وأربع أمهات،
إنما هو نظرة أدبية انطلقت من واقع ديني وسياسيّ قبل أن تصل إلى مستوى القرابة. في
الأصل، أقامت عدد من القبائل حول معبد من المعابد. وكانت اثنتي عشرة قبيلة بحيث
تؤمّن كلُّ قبيلة خدمة هذا المعبد، شهرًا في السنة. هذا في الجزيرة العربية، ولدى
العبرانيّين ولدى الأدوميّين، بني عيسو، ولدى اليونان في معهد دلفس. وانتقلت
القرابة الدينيّة إلى قرابة سياسيّة ولاسيّما في أيام داود وسليمان. وبعد ذلك،
تحدّث الكاتب عن قرابة الدم، فجمع عددًا من القبائل وربطها بأجدادها. بل نودّ القول
إن بلهة وزلفة وليئة وراحيل اللواتي يسمّين نساء يعقوب، إنما هنّ في الأصل قبائل
ابتلعها يعقوب قبل أن يبتلعه إسرائيل. ففي مرحلة أولى تكوّن ما سمّي "بني يعقوب".
ويحدّثنا تك 32 في لغة سريّة عن تحوّل آخر: "لا يُدعى اسمك يعقوب بعد الآن، بل
إسرائيل" (تك 31: 39).
أما عدد القبائل التي ألّفت هذا الحلف والتي لم تذهب كلها إلى مصر، بل ذهب يهوذا
ويوسف (بابنيه افرائيم ومنسّى) ولاوي، فنجده في نشيد دبّورة حوالي سنة 1100 ق. م.
هي تذكر: افرائيم، بنيامين، ماكير، زبولون، يساكر، نفتالي، رأوبين، جلعاد، دان،
أشير، ميروز (قض: 14-18، 23). غاب يهوذا وشمعون ولاوي. وزيدت أسماء مثل ماكير
وميروز. وسيأتي يوم فيه يبتلع يهوذا شمعون. كل هذا يفهمنا أن التوراة التي هي
المرجع الأهمّ في تاريخ الشعب اليهوديّ، يجب أن تقرأ أولاً على المستوى الروحي،
وبعد ذلك على المستوى السياسيّ والتاريخي. ونحن لا نصل إلى عمق الموضوع إلاّ إذا
عدنا إلى الوثائق المجاورة في مصر وبلاد الرافدين مع الشعوب الذين أقاموا بينهم
فأخذوا بحضارتهم وغناهم. يكفي أن نذكر هنا أن الفلسطيين الآتين من عالم اليونان هم
الذي علّموا العبرانيّين صنع الحديد. ففي القرن الحادي عشر، في أيام شاول، أوّل ملك
رسمي في إسرائيل، نقرأ: "لم يكن في كل أرض إسرائيل حدّاد... فكان على كلّ واحد من
بني إسرائيل أن ينزل إلى الفلسطيّين ليحدّد سكينه أو منجله أو فأسه أو معوله" (1 صم
13: 19-20). كان الفلسطيِّين هم الأقوياء، فما أرادوا أن يصنع العبرانيون سيفًا أو
رمحًا. وهكذا، لما بدأت الحرب بين العبرانيّين والفلسطيّين، "لم يكن سيف ولا رمح في
أيدي جميع الذين يحاربون مع شاول ويوناتان، ما عدا شاول ويوناتان" (1 صم 13:
19-22). سيفان ورمحان: كيف يتوافق هذا مع النصوص التي تتحدّث عن الحرب المفاجئة وعن
قتل المئات والألوف؟
هنا يجب أن نستعيد قراءة التاريخ العبراني من جديد. فإذا قرأنا سفر يشوع بشكل
حرفيّ، نتخيّل العبرانيّين وكأنهم الجيش الأشموريّ الذي يضع الرعب في الأماكن التي
يمرّ فيها فلا يقف في وجهه حاجز. يقول النص: دخل يشوع وجيشه في وسط البلاد، فقطع
"العدو" قسمين. ثمّ احتلّ الجنوب واحتلّ الشمال. وأجمل ما في هذا الخبر هو أن أريحا
سقطت دون أن يرفع أحد سلاحًا ولا مترسة. تطواف أول وثان... تطوافات سبعة، فسقطت
المدينة بضربة ساحر (يش 6). ولكننا نعلم كل العلم أن الشعب العبراني الآتي من مصر،
لم يستول على أريحا ولم يهدمها. فقد هُدمت قبل مجيئه بثلاث مئة سنة، أي سنة 1550
على يد تحوتمس الثالث. أما أريحا التي يعود اسمها إلى الإله القمر "ي ر ح" فقد أقام
فيها "بنو يمينا" الذين يذكرهم أرشيف ماري سنة 1800، الذين كانوا نصف رعاة أقاموا
في وادي الاردن قبل أن يبتلعهم إسرائيل.
حين نقرأ النصوص، يجب أن نفهم مغزاها وزمن تدوينها. دوّنت في شكل نهائي بعد العودة
من المنفى، وفي ظل الحكم الأجنبي. وبما أن العبرانيّين يقيمون فيها الآن بأمان،
فلأن الله أعطاهم إياها بدون أن يرفعوا يدًا. بل منذ بداية المسيرة وعبور مستنقعات
البحيرات المرّة، ما كان على العبرانيّين أن يفعلوا شيئًا سوى أن ينظروا عمل الرب
وخلاصه (خر 13:14). بل لما احتاجوا إلى بعض الوقت، طال النهار، توقّفت الشمس
والقمر... مع أن المعركة دامت بضع ساعات وانتهت قبل طلوع الفجر (يش 9:10-10. هنا
انتهت المعركة). ولكن الكاتب أراد أن يبيّن أن الفضل كلّ الفضل يعود إلى الله الذي
رمى العدو "بالحجارة" (يش 10: 11)، أي بالبرد، فهلكوا. هكذا يجب أن يهلك العالم
الوثني فلا يبقى سوى الذين يعبدون الله الواحد.
بالاضافة إلى بنيامين الذي أقام في أريحا منذ سنة 1800 على الأقل، فقبائل أشير
وزبولون ويساكر ونفتالي لم تنزل يومًا إلى مصر رغم ما يقوله التقليد الكهنوتي
مشدّدًا على المسيرة الروحيّة الواحدة لدى جميع القبائل. فأبناء أشير مثلا (عد: 1:
3، 40- 41؛ 2: 27؛ 7: 72-77)، لم يكونوا مع القبائل العبرانيّة حين "فتحت" الأرض
المقدسة، ولم يعطهم يشوع حصّة بين القبائل (يش 24:19- 31). فهم يقيمون منذ زمن بعيد
وسط الكنعانيّين والفينيقيّين شمالي الكرمل في منطقة من الخصب. ولم يشاركوا في
أحداث سفر القضاة. تحالفوا مع داود وسليمان (1 مل 4: 16)، ولكنهم ظلّوا على
استقلالهم عن أورشليم في أيام ملوك يهوذا.
نقول هذا لنبيّن أن العبرانيّين، أنّ بني إسرائيل، لم يكونوا يومًا وحدهم في أرض
فلسطين. كانوا تارة أقوياء ولاسيّما في أيام داود وسليمان. وكانوا طورًا ضعفاء
ولاسيّما في أيام صموئيل وشاول حين سيطر عليهم الفلسطيون. وسيصبحون أجزاء في
مقاطعات مختلفة مع الأشوريّين والبابليّين والفرس والاسكندر الكبير والرومان. لقد
تمازجوا مع السكان تمازجًا كاملاً فأخذوا منهم أعيادهم (عيد الفطر، عيد الحصاد، عيد
القطاف) وشعائر عبادتهم ولاسيّما عبادة البعل بل تفاعلوا مع أبعد من "فلسطين"
فمدّوا يدهم إلى فينيقية في الغرب وأرام في الشرق ومصر في الجنوب وبلاد الرافدين في
الشمال. أخذوا الكثير من الأدب المجاور، فصارت التوراة عصارة ما في الشرق من فكر
أخذوا الكثير من الأدب المجاور، فصارت التوراة عصارة ما في الشرق من فكر دينيّ.
أخذوا المزمور 29 من فينيقية والمزمور 104 من مصر. كما أخذوا حكمة امينوفي من مصر
وجعلوها في سفر الأمثال. وحكمة احيقار "العالميّة" جعلوها في سفر طوبيا. هذا عدا عن
نظرة "متشائمة" إلى الانسان حملوها معهم من بلاد الرافدين التي اعتبرت أن الانسان
خُلق للشغل والتعب والألم والموت.
أما علاقة العبرانيّين بمصر، فهي بعيدة الغور جدًا. تعود أقلّه إلى سنة 3000 ق. م.
وما يدلّ على ذلك آنية وُجدت في عراد وتل عيراني، وفخاريّات مصريّة. وقد تمّ
التغلغل المصري إلى فلسطين عبر طريق سيناء الشماليّة وتل عيراني الواقع على بعد 45
كلم إلى الجنوب الغربي من أورشليم. كان هذا المكان مركز نشاط تجاري وحربي أقامه
المصريون في جنوب كنعان.
نتذكّر دخول الهكسوس إلى مصر. هل دخلت معهم بعض القبائل التي ستعود إلى فلسطين فيما
بعد؟ ويوسف الذي صار وزير الفرعون، كان في الواقع، إن كان الخبر تاريخيًا، وزير ملك
"أسيوي" على أرض مصر. وفي أي حال، اعتاد الفراعنة منذ المملكة الوسطى أن يلجأوا إلى
خدمة موظفين من آسية. ولكن عمليّة التضخيم التي تدوّن لمجد الله، جعلت من يوسف
الموظّف في منطقة من المناطق (رئيس بيت فوطيفار، أو رئيس أحد السجون أو مسؤول عن
التموين) الشخص الثاني بعد فرعون، وكل ذلك لأن الله كان معه.
طُرد الهكسوس من مصر حوالي سنة 1570، وقد يكون عاد معهم بعض القبائل المقيمة في
فلسطين. ولكن حين يتحدّث الكاتب الملهم عن خروج العبرانيّين بقيادة موسى، فهو يشير
إلى هرب بعض القبائل إما عن طريق الجنوب مثل يهوذا التي ابتلعت بني كالب المقيمين
قرب حبرون (يش 15: 13-19؛ 1 أخ 2: 42- 50) والقنزيين (عد 32: 12) والقينيّين، أبناء
قايين (قض 1: 16). وإما عن طريق الشرق مثل قبيلة افرائيم التي عبرت سيناء ودخلت عبر
أدوم إلى الأرض المقدّسة. وهكذا أخذ الآتون الجدد يتغلغلون في البلاد، حيث المكان
فارغ من السكان، وكانوا هناك يقيمون في سلام أو خلاف مع جيرانهم كما يقول سفر
القضاة في الفصل الأول. وامتدّت هذه الحقبة حتى زمن الملوك.
ذكر الكتاب المقدّس ثلاثة ملوك بدأ معهم النظام الملكي يسيطر على القبائل
العبرانيّة التي اتحدت في أمفيكتيونيّة حول معبد شكيم كما يقول سفر يشوع (ف 24).
شاول (1030- 1010 تقريبًا) بن قيش من قبيلة بنيامين المقيمة بين الكنعانيّين
والفلسطيّين والعمونيّين. وداود (1010- 970) بن يسَّى من قبيلة يهوذا المقيمة قرب
بيت لحم، الذي عاش في بلاط شاول، كما يقول تقليد أول، الذي قتل جليات ممثّل
الفلسطيّين في المبارزة، كما يقول تقليد آخر. وسليمان (970- 931) الذي ثبّت دعائم
الملك الذي هيّأه له أبوه داود. وانتهت الحقبة التي فيها اتّحد الشمال مع الجنوب،
مملكة افرائيم (أو يوسف، أو إسرائيل، أو يعقوب) التي صارت عاصمتها في النهاية
السامرة، ومملكة يهوذا بعاصمتها أورشليم. وستعيش المملكتان حياة متوازية، فتبحث كل
واحدة لنفسها عن أحلاف خارج فلسطين، مع فينيقية أو موآب أو عمون أو مصر، أو
الأشوريّين الذين لجأ إليهم أحاز ملك يهوذا فأجبر على الخضوع لهم.
وسارت مملكة إسرائيل في خطّها وهي الأقوى في فلسطين، بعد أن انعزلت مملكة يهوذا على
جبلها القاحل وفي قلعة يصعب الاستيلاء عليها، أو لا فائدة من الاستيلاء عليها. ولكن
بما أن معبد أورشليم كان عمليًا معبد جميع بني يعقوب وبني إسرائيل، حافظت أورشليم
على تواصل حتى النهاية، أي حتى سقوطها بيد الأشوريّين سنة 587 ق. م. ولكن مملكة
الشمال بعاصمتها السامرة، كانت قد سقطت سنة 722- 721 على يد الأشوريّين وهُدمت على
يد سرجون الثاني. انفتحت مملكة إسرائيل على سائر الشعوب القريبة أو البعيدة فذابت
أو كادت تذوب. أما مملكة يهوذا فانغلقت على نفسها لتحمي نفسها من حضارة يونانيّة أو
فارسيّة أو رافدينيّة. وخافت على نفسها من ديانات تأتي من الخارج فتشوّه دينها
وعبادتها لله الواحد. فكانت النتيجة شرائع عديدة تمنع الاتصال بالآخرين على مستوى
الطعام والشراب، بل على مستوى الحياة كلّها. ذاك ما سيكون تاريخ الشعب اليهوديّ حتى
بعد المسيح. فإن هو انفتح على الآخرين ذاب فيهم وخسر هويّته الأساسيّة. وإن هو
انغلق عاش في "غيتو"، في "مجبر" يُجبر اليهود أو هم يجبرون أنفسهم ليعيشوا فيه.
الفصل الثاني
من البدايات حتى المنمى إلى بابل
نبدأ هنا تاريخ الشعب العبراني منذ ابراهيم الذي يعتبر أبا الشعب العبراني الروحي،
بل أبا المسيحيين والمسلمين أيضًا، ونصل إلى سنة 587 ق. م، ساعة ذهب المنفيّون إلى
بابل، فكان لهم هذا الذهاب نهاية حقبة وبداية حقبة. انتهت الملكيّة، وما عادت "أرض
الموعد" مستقلّة وصارت أورشليم "مدينة الله" في أيدي الممالك الغريبة. وبدأ الشعب
يتطلّع إلى انطلاقة جديدة ينعشها روح الله لا الأحلام الذهبيّة بملك يعيد المجد
الغابر. بل سيكون الصراع دائمًا بين الوجهة الروحيّة التي فيها يكون الشعب العبراني
خادم سائر الشعوب، فيحمل إليها خبرته عن الله، وبين الوجهة السياسية المنغلقة التي
تعتبر الانفتاح على الآخرين موتًا.
تقول التقاليد العبريّة إن أصل ابراهيم العبري هو أور في بلاد الرافدين. هجر آباؤه
تلك الحاضرة السومريّة المزدهرة (تقع أور بين المقير والعُبيد في جنوبي العراق)
التي أصابها الانحطاط على أثر أزمة اقتصاديّة طويلة. ترك تارح والد ابرام (أو
ابراهيم) أور إلى حاران على الفرات الأعلى (تك 11: 30).
ومن هناك ارتحل ابراهيم إلى أرض كنعان أو ما يسمّى اليوم فلسطين. هكذا اعتاد البدو
أن يفعلوا كما تقول نصوص ماري الواقعة على الفرات.
أقامت عشيرة ابراهيم في شكيم (نابلس) وحبرون وبئر سبع وجرار. مناطق واسعة وسكان
قليلون. وأول ما اقتناه ابراهيم كان مغارة يدفن فيها امرأته بانتظار أن يُدفن هو
فيها، مغارة المكفيلة القريبة من حبرون (تك 27: 13- 20).
كانت العشيرة تتألّف من بضع عشرات من الرجال، بمن فيهم العبيد. وعلى خطى ابراهيم
سار إسحادتى ويعقوب ثم سائر الآباء. كانوا ينتقلون مع قطعانهم من موضع إلى آخر
طلبًا للماء والكلأ. وكانت علاقاتهم ثلاثًا: مع البدو الرعاة الذين يسالمونهم تارة
ويناوئونهم تارة أخرى ولاسيّما على المياه. وكان خلاف أول بين رعاة ابراهيم ورعاة
لوط ابن أخيه بسبب ضيق المكان (تك 205:26)، وكان كل واحد يقوله: "هذا الماء لنا".
منذ ذلك الوقت بدأوا يحفرون الآبار من أجل حياة نصف بدويّة. وارتبط الآباء بأهل
المكان. وبدأوا يتزوّجون ببناتهم ويزوّجونهم بناتهم. فيهوذا بن يعقوب تزوّج من
الكنعانيات على خطى عيسو، أخي اسحاق. وأعطى بنو بعقوب اختهم دينة لشكيم بن حمور (تك
34). لكنهم اختلفوا عنهم في عباداتهم. فالآباء لا يرتبطون بمكان. أما أهل فلسطين
فإلههم هو إيل بيت إيل مثلاً. أو عليون إله شليم التي ستسمّى فيما بعد أورشليم.
والعلاقة الثالثة كانت مع أهل حاران من حيث جاء الآباء. من هناك جاءت رفقة امرأة
اسحاق (تك 24). وإلى هناك ذهب يعقوب فتزوّج، وجمع ثروة كبيرة من العبيد والاماء
والمواشي. كما حملوا معهم آلهة تلك الناس على مثال ما فعلت راحيل حين "سرقت" آلهة
أبيها (تك 31:31-35).
نودّ أن نقول إن ما سمّي الأسباط الاثنا عشر الذين هم أخوة من أب واحد وأربع أمهات،
إنما هو نظرة أدبية انطلقت من واقع ديني وسياسيّ قبل أن تصل إلى مستوى القرابة. في
الأصل، أقامت عدد من القبائل حول معبد من المعابد. وكانت اثنتي عشرة قبيلة بحيث
تؤمّن كلُّ قبيلة خدمة هذا المعبد، شهرًا في السنة. هذا في الجزيرة العربية، ولدى
العبرانيّين ولدى الأدوميّين، بني عيسو، ولدى اليونان في معهد دلفس. وانتقلت
القرابة الدينيّة إلى قرابة سياسيّة ولاسيّما في أيام داود وسليمان. وبعد ذلك،
تحدّث الكاتب عن قرابة الدم، فجمع عددًا من القبائل وربطها بأجدادها. بل نودّ القول
إن بلهة وزلفة وليئة وراحيل اللواتي يسمّين نساء يعقوب، إنما هنّ في الأصل قبائل
ابتلعها يعقوب قبل أن يبتلعه إسرائيل. ففي مرحلة أولى تكوّن ما سمّي "بني يعقوب".
ويحدّثنا تك 32 في لغة سريّة عن تحوّل آخر: "لا يُدعى اسمك يعقوب بعد الآن، بل
إسرائيل" (تك 31: 39).
أما عدد القبائل التي ألّفت هذا الحلف والتي لم تذهب كلها إلى مصر، بل ذهب يهوذا
ويوسف (بابنيه افرائيم ومنسّى) ولاوي، فنجده في نشيد دبّورة حوالي سنة 1100 ق. م.
هي تذكر: افرائيم، بنيامين، ماكير، زبولون، يساكر، نفتالي، رأوبين، جلعاد، دان،
أشير، ميروز (قض: 14-18، 23). غاب يهوذا وشمعون ولاوي. وزيدت أسماء مثل ماكير
وميروز. وسيأتي يوم فيه يبتلع يهوذا شمعون. كل هذا يفهمنا أن التوراة التي هي
المرجع الأهمّ في تاريخ الشعب اليهوديّ، يجب أن تقرأ أولاً على المستوى الروحي،
وبعد ذلك على المستوى السياسيّ والتاريخي. ونحن لا نصل إلى عمق الموضوع إلاّ إذا
عدنا إلى الوثائق المجاورة في مصر وبلاد الرافدين مع الشعوب الذين أقاموا بينهم
فأخذوا بحضارتهم وغناهم. يكفي أن نذكر هنا أن الفلسطيين الآتين من عالم اليونان هم
الذي علّموا العبرانيّين صنع الحديد. ففي القرن الحادي عشر، في أيام شاول، أوّل ملك
رسمي في إسرائيل، نقرأ: "لم يكن في كل أرض إسرائيل حدّاد... فكان على كلّ واحد من
بني إسرائيل أن ينزل إلى الفلسطيّين ليحدّد سكينه أو منجله أو فأسه أو معوله" (1 صم
13: 19-20). كان الفلسطيِّين هم الأقوياء، فما أرادوا أن يصنع العبرانيون سيفًا أو
رمحًا. وهكذا، لما بدأت الحرب بين العبرانيّين والفلسطيّين، "لم يكن سيف ولا رمح في
أيدي جميع الذين يحاربون مع شاول ويوناتان، ما عدا شاول ويوناتان" (1 صم 13:
19-22). سيفان ورمحان: كيف يتوافق هذا مع النصوص التي تتحدّث عن الحرب المفاجئة وعن
قتل المئات والألوف؟
هنا يجب أن نستعيد قراءة التاريخ العبراني من جديد. فإذا قرأنا سفر يشوع بشكل
حرفيّ، نتخيّل العبرانيّين وكأنهم الجيش الأشموريّ الذي يضع الرعب في الأماكن التي
يمرّ فيها فلا يقف في وجهه حاجز. يقول النص: دخل يشوع وجيشه في وسط البلاد، فقطع
"العدو" قسمين. ثمّ احتلّ الجنوب واحتلّ الشمال. وأجمل ما في هذا الخبر هو أن أريحا
سقطت دون أن يرفع أحد سلاحًا ولا مترسة. تطواف أول وثان... تطوافات سبعة، فسقطت
المدينة بضربة ساحر (يش 6). ولكننا نعلم كل العلم أن الشعب العبراني الآتي من مصر،
لم يستول على أريحا ولم يهدمها. فقد هُدمت قبل مجيئه بثلاث مئة سنة، أي سنة 1550
على يد تحوتمس الثالث. أما أريحا التي يعود اسمها إلى الإله القمر "ي ر ح" فقد أقام
فيها "بنو يمينا" الذين يذكرهم أرشيف ماري سنة 1800، الذين كانوا نصف رعاة أقاموا
في وادي الاردن قبل أن يبتلعهم إسرائيل.
حين نقرأ النصوص، يجب أن نفهم مغزاها وزمن تدوينها. دوّنت في شكل نهائي بعد العودة
من المنفى، وفي ظل الحكم الأجنبي. وبما أن العبرانيّين يقيمون فيها الآن بأمان،
فلأن الله أعطاهم إياها بدون أن يرفعوا يدًا. بل منذ بداية المسيرة وعبور مستنقعات
البحيرات المرّة، ما كان على العبرانيّين أن يفعلوا شيئًا سوى أن ينظروا عمل الرب
وخلاصه (خر 13:14). بل لما احتاجوا إلى بعض الوقت، طال النهار، توقّفت الشمس
والقمر... مع أن المعركة دامت بضع ساعات وانتهت قبل طلوع الفجر (يش 9:10-10. هنا
انتهت المعركة). ولكن الكاتب أراد أن يبيّن أن الفضل كلّ الفضل يعود إلى الله الذي
رمى العدو "بالحجارة" (يش 10: 11)، أي بالبرد، فهلكوا. هكذا يجب أن يهلك العالم
الوثني فلا يبقى سوى الذين يعبدون الله الواحد.
بالاضافة إلى بنيامين الذي أقام في أريحا منذ سنة 1800 على الأقل، فقبائل أشير
وزبولون ويساكر ونفتالي لم تنزل يومًا إلى مصر رغم ما يقوله التقليد الكهنوتي
مشدّدًا على المسيرة الروحيّة الواحدة لدى جميع القبائل. فأبناء أشير مثلا (عد: 1:
3، 40- 41؛ 2: 27؛ 7: 72-77)، لم يكونوا مع القبائل العبرانيّة حين "فتحت" الأرض
المقدسة، ولم يعطهم يشوع حصّة بين القبائل (يش 24:19- 31). فهم يقيمون منذ زمن بعيد
وسط الكنعانيّين والفينيقيّين شمالي الكرمل في منطقة من الخصب. ولم يشاركوا في
أحداث سفر القضاة. تحالفوا مع داود وسليمان (1 مل 4: 16)، ولكنهم ظلّوا على
استقلالهم عن أورشليم في أيام ملوك يهوذا.
نقول هذا لنبيّن أن العبرانيّين، أنّ بني إسرائيل، لم يكونوا يومًا وحدهم في أرض
فلسطين. كانوا تارة أقوياء ولاسيّما في أيام داود وسليمان. وكانوا طورًا ضعفاء
ولاسيّما في أيام صموئيل وشاول حين سيطر عليهم الفلسطيون. وسيصبحون أجزاء في
مقاطعات مختلفة مع الأشوريّين والبابليّين والفرس والاسكندر الكبير والرومان. لقد
تمازجوا مع السكان تمازجًا كاملاً فأخذوا منهم أعيادهم (عيد الفطر، عيد الحصاد، عيد
القطاف) وشعائر عبادتهم ولاسيّما عبادة البعل بل تفاعلوا مع أبعد من "فلسطين"
فمدّوا يدهم إلى فينيقية في الغرب وأرام في الشرق ومصر في الجنوب وبلاد الرافدين في
الشمال. أخذوا الكثير من الأدب المجاور، فصارت التوراة عصارة ما في الشرق من فكر
أخذوا الكثير من الأدب المجاور، فصارت التوراة عصارة ما في الشرق من فكر دينيّ.
أخذوا المزمور 29 من فينيقية والمزمور 104 من مصر. كما أخذوا حكمة امينوفي من مصر
وجعلوها في سفر الأمثال. وحكمة احيقار "العالميّة" جعلوها في سفر طوبيا. هذا عدا عن
نظرة "متشائمة" إلى الانسان حملوها معهم من بلاد الرافدين التي اعتبرت أن الانسان
خُلق للشغل والتعب والألم والموت.
أما علاقة العبرانيّين بمصر، فهي بعيدة الغور جدًا. تعود أقلّه إلى سنة 3000 ق. م.
وما يدلّ على ذلك آنية وُجدت في عراد وتل عيراني، وفخاريّات مصريّة. وقد تمّ
التغلغل المصري إلى فلسطين عبر طريق سيناء الشماليّة وتل عيراني الواقع على بعد 45
كلم إلى الجنوب الغربي من أورشليم. كان هذا المكان مركز نشاط تجاري وحربي أقامه
المصريون في جنوب كنعان.
نتذكّر دخول الهكسوس إلى مصر. هل دخلت معهم بعض القبائل التي ستعود إلى فلسطين فيما
بعد؟ ويوسف الذي صار وزير الفرعون، كان في الواقع، إن كان الخبر تاريخيًا، وزير ملك
"أسيوي" على أرض مصر. وفي أي حال، اعتاد الفراعنة منذ المملكة الوسطى أن يلجأوا إلى
خدمة موظفين من آسية. ولكن عمليّة التضخيم التي تدوّن لمجد الله، جعلت من يوسف
الموظّف في منطقة من المناطق (رئيس بيت فوطيفار، أو رئيس أحد السجون أو مسؤول عن
التموين) الشخص الثاني بعد فرعون، وكل ذلك لأن الله كان معه.
طُرد الهكسوس من مصر حوالي سنة 1570، وقد يكون عاد معهم بعض القبائل المقيمة في
فلسطين. ولكن حين يتحدّث الكاتب الملهم عن خروج العبرانيّين بقيادة موسى، فهو يشير
إلى هرب بعض القبائل إما عن طريق الجنوب مثل يهوذا التي ابتلعت بني كالب المقيمين
قرب حبرون (يش 15: 13-19؛ 1 أخ 2: 42- 50) والقنزيين (عد 32: 12) والقينيّين، أبناء
قايين (قض 1: 16). وإما عن طريق الشرق مثل قبيلة افرائيم التي عبرت سيناء ودخلت عبر
أدوم إلى الأرض المقدّسة. وهكذا أخذ الآتون الجدد يتغلغلون في البلاد، حيث المكان
فارغ من السكان، وكانوا هناك يقيمون في سلام أو خلاف مع جيرانهم كما يقول سفر
القضاة في الفصل الأول. وامتدّت هذه الحقبة حتى زمن الملوك.
ذكر الكتاب المقدّس ثلاثة ملوك بدأ معهم النظام الملكي يسيطر على القبائل
العبرانيّة التي اتحدت في أمفيكتيونيّة حول معبد شكيم كما يقول سفر يشوع (ف 24).
شاول (1030- 1010 تقريبًا) بن قيش من قبيلة بنيامين المقيمة بين الكنعانيّين
والفلسطيّين والعمونيّين. وداود (1010- 970) بن يسَّى من قبيلة يهوذا المقيمة قرب
بيت لحم، الذي عاش في بلاط شاول، كما يقول تقليد أول، الذي قتل جليات ممثّل
الفلسطيّين في المبارزة، كما يقول تقليد آخر. وسليمان (970- 931) الذي ثبّت دعائم
الملك الذي هيّأه له أبوه داود. وانتهت الحقبة التي فيها اتّحد الشمال مع الجنوب،
مملكة افرائيم (أو يوسف، أو إسرائيل، أو يعقوب) التي صارت عاصمتها في النهاية
السامرة، ومملكة يهوذا بعاصمتها أورشليم. وستعيش المملكتان حياة متوازية، فتبحث كل
واحدة لنفسها عن أحلاف خارج فلسطين، مع فينيقية أو موآب أو عمون أو مصر، أو
الأشوريّين الذين لجأ إليهم أحاز ملك يهوذا فأجبر على الخضوع لهم.
وسارت مملكة إسرائيل في خطّها وهي الأقوى في فلسطين، بعد أن انعزلت مملكة يهوذا على
جبلها القاحل وفي قلعة يصعب الاستيلاء عليها، أو لا فائدة من الاستيلاء عليها. ولكن
بما أن معبد أورشليم كان عمليًا معبد جميع بني يعقوب وبني إسرائيل، حافظت أورشليم
على تواصل حتى النهاية، أي حتى سقوطها بيد الأشوريّين سنة 587 ق. م. ولكن مملكة
الشمال بعاصمتها السامرة، كانت قد سقطت سنة 722- 721 على يد الأشوريّين وهُدمت على
يد سرجون الثاني. انفتحت مملكة إسرائيل على سائر الشعوب القريبة أو البعيدة فذابت
أو كادت تذوب. أما مملكة يهوذا فانغلقت على نفسها لتحمي نفسها من حضارة يونانيّة أو
فارسيّة أو رافدينيّة. وخافت على نفسها من ديانات تأتي من الخارج فتشوّه دينها
وعبادتها لله الواحد. فكانت النتيجة شرائع عديدة تمنع الاتصال بالآخرين على مستوى
الطعام والشراب، بل على مستوى الحياة كلّها. ذاك ما سيكون تاريخ الشعب اليهوديّ حتى
بعد المسيح. فإن هو انفتح على الآخرين ذاب فيهم وخسر هويّته الأساسيّة. وإن هو
انغلق عاش في "غيتو"، في "مجبر" يُجبر اليهود أو هم يجبرون أنفسهم ليعيشوا فيه.
الفصل الثالث
من دمار الهيكل الأول
إلى دمار الهيكل الثاني
بين سنة 587 ق. م ودمار هيكل سليمان على يد نبوخذ نصر البابلي، وبين سنة 70 دمار
الهيكل الثاني الذي جمّله هيرودس وخلفاؤه. بين ذهاب الشعب العبراني إلى منفى بابل،
وبيت تشتّت اليهود مرّة أولى بعد سقوط أورشليم على يد تيطُس ووسباسيانس، ومرّة
ثانية مع الامبراطور ادريانس، مرّت حقبة هامة من سبعة قرون جعلت الكهنة واللاويين
والحكماء يعودون إلى تراثهم الديني، يدوّنونه وهم ينتظرون ذاك الداود الجديد الذي
سيكون بحسب قلب الرب. وسيأتي يسوع. ولكن مسيرتهم البشريّة تتابع طريقها وهم ما
زالوا ينتظرون.
جاءت الجيوش الأشوريّة من بلاد الرافدين إلى بلدان سورية ولبنان وفلسطين مع تغلت
فلاسر الثالث، الذي اجتاح المنطقة ودمّر دمشق سنة 732. وتبعه شلمنصر الخامس الذي
حاصر السامرة واستولى عليها. ولكن سرجون الثاني الذي تسلّم الملك سنة 722- 721 هو
الذي دمّرها وأجلى سكانها وجعل محلهم أناسًا جاء بهم من بابل ومن حماة. وهكذا زالت
مملكة إسرائيل من الوجود. أصبحت مقاطعة أشوريّة بانتظار أن تصبح مقاطعة بابليّة ثم
فارسيّة ثم يونانيّة، لاجيّة، سلوقيّة، رومانيّة، بيزنطيّة... وهرب من هرب من
السكان إلى أورشليم حيث عوملوا كجيران (ج ر في العبريّة). والذين بقوا في السامرة
وحولها، اندمجوا بالسكان الوثنيّين وأضاعوا إيمانهم فصاروا على التوالي أشوريّين مع
الآشوريّين، بابليّين مع البابليّين، يونان مع اليونان حتى سمّيت السامرة سبسطية
باسم أوغسطس الامبراطور الروماني الأول. وظلّت فئة من المؤمنين تحاول أن تنغلق على
ذاتها حتى صارت اليوم حول نابلس أقليّة قليلة لا يصل أفرادها إلى الألف نسمة.
لم تسقط أورشليم بيد الأشوريّين مع أنهم حاصروها. وذلك لأن الوباء تفشّى في الجيش
المهاجم. ولما عاد سنحاريب إلى بلاده، قتله ابناه ليستوليا على العرش. غير أن مملكة
يهوذا صارت صغيرة جدًا، فركّزت اهتمامها على الاصلاح الدينيّ الذي تمّ مع حزقيا
(716-687) ثم مع يوشيا الذي توفيّ في معركة مجدو سنة 609، ساعة أراد أن يصدّ الجيش
المصري بقيادة نكو الثاني الذاهب لمساندة الأشوريّين ضدّ البابليّين باسم سياسة
توازن القوى. وفي سنة 597، جاء نبوخذ نصّر فوضع يده على أورشليم. سلب ما سلب، أخذ
الملك أسيرًا، وأخذ معه عددًا كبيرًا من الوجهاء والصنّاع ورجال الحرب. ولما ثارت
أورشليم بدفع من مصر، كانت عاقبتها الدمار سنة 587. لم يعد من ملك. أحرق الهيكل
موضع حضور الله. دمّرت الأسوار فصارت مدينة الله مدينة مباحة. وسوف تنتظر مئة سنة
ونيّف حتى يعاد بناؤها على يد نحميا والعائدين من السبيّ.
عاد أولا العائدين من السبي سنة 538 وأرادوا إعادة ملكيّة داود مع زربابل. ولكن
يبدو أنه خسر دوره فحلّ محلّه يشوع عظيم الكهنة (زك 3: 1) الذي قيل فيه ما قيل في
داود: "هذا ما قال الرب القدير: إن سرتَ في طرقي وعملت بأوامري، فأنت تحكم بيتي
وتسهر على دياري" (زك 13: 7). فمنذ دمار أورشليم، لم تعد من سلطة سياسيّة تحاور
الحاكم الأجنبي في شأن الشعوب المقيمة في الشرق. فالدولة الحاكمة ترسل موظفًا من
قبلها يراقب الامن ويؤمّن وصول الضرائب إلى عاصمة الامبراطوريّة. أما المتكلّم باسم
الشعوب المغلوبة على أمرها التي ستصبح أقليّات حتى في زمن العثمانيّين، فهو رئيس
السلطة الدينيّة. كان عظيم الكهنة في ما قبل المسيح، وسيصير أسقف المدينة مع
المسيحيّة.
تسامح الفرس مع الشعب اليهوديّ، فسمحوا لهم بالعودة. فعاد الفقراء لا الأغنياء
الذين صار بعضهم أصحاب مصارف ومتاجر مشهورة. عاد الكهنة وعادت قلّة من اللاويّين
بعد أن خسرت مكانتها في الاصلاح الجديد الذي بدأه يوشيّا سنة 627. ولكن هؤلاء
العائدين نفحوا في ما سمّي "شعب الأرض"، الشعب الذي ظلّ يعمل في ظلّ الحاكم
الأجنبي، روحًا جديد، فبنوا هيكلاً جديدًا لا يمكن أن يقابل إطلاقًا بهيكل سليمان.
اعتبروه "كلا شيء" (حج 3:2). ولكن سيأتي هيرودس الكبير في نهاية القرن الأول ق. م
ويعمل فيه قرابة أربعين سنة ليصبح قبلة الأنظار. غير أنه سيدمّر على يد الرومان سنة
70. يل يُقتلع من مكانه فلا تبقى إلاْ الأساسات التي صارت حائط المبكى اليوم، لأن
الامبراطور ادريانس بنى مكانه هيكلاً لزوش إله الكابتول في رومة، وبدّل اسم أورشليم
فصارت "أيليا كابيتولينا". بل أعطى البلاد كلّها اسمًا جديدًا استقاه من شعب
الفلسطيّين، سماها فلسطين حوالي سنة 135 ب. م.
ومرّ بعد الفرس جيش الاسكندر الكبير. ويقول التقليد إن رئيس الكهنة استقبله فكان
السلام لأورشليم. أما أهل السامرة الذين ثاروا على الحاكم اندروماكوس وأحرقوه حيًا
بالنار، فقد كانت لهم آخرة تعيسة وهرب الوجهاء، فاختبأوا في مغارة أشعلت النار على
بابها فاختنق كل من فيها. وظلّت المغارة مقفلة حتى سنة 1962 حيث وُجدت مدونات هامّة
جدًا.
تسامح اللاجيّون المصريون الذين حكموا فلسطين بعد الاسكندر. ولكن في بداية القرن
الثاني ق م، انتقلت فلسطين ومعها البقاع اللبناني وامتداده إلى حكم السلوقيّين في
أنطاكية. فقامت ثورة يهوديّة على أنطيوخس الرابع ابيفانيوس الذي أراد أن يكون جميع
سكان ممكلته متساوين حتى على مستوى العبادة، فمنع اليهود من ممارساتهم الدينيّة
ولاسيّما الختان. قام بهذه الثورة متتيا وأبناؤه الذي سيسمّون المكابيّين أو
المختارين. وبعدهم جاء الحشمونيون، فنالت البلاد بعض الاستقلال. ولكن المكابيّين لم
يكتفوا بالحرب من أجل الحريّة الدينيّة، بل أرادوا أن يصيروا ملوكًا. لهذا السبب
تركهم "الحسيديم" أي جماعة الاتقياء. فصاروا الفريسّيين الذي انفصلوا عن الحرب
ولكنهم ظلّوا يعيشون في قلب المجتمع يعلّمونه كيف يحافظ على نقاوته وسط عالم وثنيّ.
كما صاروا جماعة قمران أو الاسيانيّين الذين أقاموا عند البحر الميت وكانت نهايتهم
سنة 69 ب م، ساعة مرور الجيوش الرومانيّة التي زحفت على أورشليم واحتلتها سنة 70.
ولكن الخلافات كانت عديدة على مستوى السياسة كما على مستوى الدين. من يكون حاكم
البلاد؟ أرسطوبولس أم أخوه هركانس الثاني؟ حسم بومبيوس القائد الروماني سنة 63 ق م
المسألة، فأزاح الاثنين وجعل من يهودا أو أرض اليهود (اليهوديّة) مقاطعة رومانيّة.
وعلى مستوى عظيم الكهنة، كانت صراعات على هذا المركز بالوساطة والمال والقوة
والقتل، بحيث صار عظيم الكهنة لعبة في يد الحاكم. بل إن الحاكم احتفظ له بثيابه
الكهنوتيّة رهينة وما كان يعطيه إياها إلاّ في زمن العيد، على أن تعود إلى "خزنة"
الحاكم حالا بعد العيد. وكان صراع بين الصادوقيّين والفريسيّين، بين أصدقاء العرش
الذين كانوا السبب في قتل الآلاف من الفريسيّين. وبين أصدقاء الشعب وقد رافقوه في
المجامع يوم السبت بل في حياته طوال الأسبوع على مستوى الوصايا التي وصلت إلى 613
وصيّة منها 248 فريضة (إيجابية، ما يجب على الانسان أن يعمل) و365 أمرًا محرما
(سلبية، ما لا يجب أن يعمل).
الفريسيون يقاومون الاحتلال الروماني بموقف رافض وإن دفعوا الضرائب في الوقت
الحاضر. كما يقاومون بالوعظ والكتابات التي وصل إلينا منها الكثير. أما الصادوقيون
فيتعاملون مع الحاكم سواء السلوقي أو الروماني. وقد أخذوا بعادات السلوقيّين من لغة
وحضارة وألعاب على مثال الألعاب الاولمبيّة. أما المقاومون في الحرب فهم الغيورون
الذين نبتوا بشكل خاص في الجليل. واشتهر منهم أصحاب الخناجر الصغيرة (سيكا) الذين
قتلوا العديد من الأشخاص واختفوا عن الأنظار. هذا الاتجاه العنفيّ والحربيّ هو الذي
يسيطر شيئًا فشيئًا فتعود البلاد كلها إلى حرب تؤخذ فيها أورشليم. ثم إلى حرب ثانية
مع ابن الكوكب الذي اعتبروه المسيح المخلّص، الآتي ليحرّر شعبه من حكم الرومان.
ولكن حركة العنف هذه قادت البلاد إلى الدمار، والشعب اليهودي إلى المنفى. كان قد
بدأ تشتّته منذ زمن بعيد، ولكن في نهاية القرن الأول المسيحي صار المشتّتون (أو
المشتات) يشكلّون عشرة أضعاف سكان اليهوديّة والجليل. فتوزعوا في كل المدن ولاسيّما
انطاكية والاسكندريّة ورومة، وكانت لهم مجامع في كل حوض البحر المتوسط، بل في
العالم الشرقي، في بابل وغيرها من المدن.
الفصل الرابع
الشعب اليهودي
من بداية القرن الثاني إلى أيامنا
نودّ هنا أن نلقي نظرة لصريعة إلى الشعب اليهوديّ، بعد أن سحقت رومة في الدم ثورة
ابن الكوكب (بركوخبا) سنة 135. ترك اليهود أورشليم حيث مُنع تعليم الشريعة
اليهوديّة، ولكنهم انسحبوا بترتيب إلى الجليل وظلّوا هناك حتى سنة 425 قبل الانطلاق
إلى بابل حيث ظلّوا حتى سنة 1200.
بدأوا فنظمّوا صفوفهم في مجمع يبنة أو يمنية حوالي سنة 90. اتفقوا على قانون الكتاب
المقدّس أو لائحة الأسفار القانونيّة. فأخذوا بقانون فلسطين (في اللغة العبريّة)،
وتركوا قانون الاسكندرية الذي يتضمّن الترجمة السبعينيّة اليونانيّة، كما يتضمّن
سبعة أسفار وبعض المقاطع التي لا نجدها في النصّ العبري الفلسطيني. لم يعد من كهنوت
بعد دمار الهيكل ولم تعد من ذبائح. الصادوقيون المرتبطون بعظيم الكهنة زالوا، فما
بقي سوى الفريسيّين الذين لعبوا دورًا كبيرًا في جمع التقاليد والنصوص لئلا يضيع أي
شيء من الغنى الذي حملوه منذ ألفي سنة تقريبًا.
بعد سنة 135، لاحق الحاكم الروماني المعلّمين، وحرّم الممارسة الدينيّة اليهوديّة.
وسُجن القائد الروحي الكبير رابي عقيبة في قيصريّة وعُذّب مع عدد كبير من زملائه
وتلاميذه. غير أن هذا الاضطهاد لم يدم طويلاً. ففي أيام انطونين التقي، امبراطور
رومة (138- 161)، تحسّن وضع اليهود ومعاملتهم. فاجتمع السنهدرين أو المجلس الأعلى
في أوشه في الجليل، وجعل من سمعان بن غملائيل "بطريركًا" على اليهود. واعترفت رومة
بسلطته الدينيّة كما أقرت بسلطة السنهدرين القضائيّة. عمليًا نحن أمام حكم يهوديّ
يعقد جلساته في الجليل في بيت شعاريم أو صفوريّة. وكانت في تلك الحقبة نهضة ماديّة
وروحيّة، فبُنيت المجامع في كفرناحوم وبيت ألفا وكفربرعم وميرون وكورزين وأريحا
وغزة... كما دوّنت في ذلك الوقت المشناة (تكرار الشريعة). ودوّنت التفاسير الملحقة
(توسفتا، المضافة) أما المعلّمون فهم "ردّادون" (تنائيم). 148 منهم ذُكرت أسماؤهم.
في القرن الرابع، كانت مصادمة مع الحامية الرومانيّة فدمّرت مراكز طبرية وصفورية
واللدّ. وبدأ المركز الفلسطيني بالانحطاط وكان اضطهاد دفع إليه تيودوسيوس الثاني.
وننتقل من فلسطين إلى بابل. منذ القرن السادس ق م، ذهب اليهود إلى أرض بابل، وما
عتّموا أن كوّنوا "مستوطنات" حيّة وغنية، فنعمت بمساندة السلطة حتى سنة 211
البرتيين (أو الفراتيّين)، وحتى سنة 642 مع الفرس الساسانيّين، وبعد ذلك مع الخلفاء
العرب. فاعترفوا جميعًا بسلطة الحاكم اليهودي المستقل "رئيس جلوتا" أو "رئيس" أهل
الجلاء أي أهل المنفى. سمّيت تلك الحقبة الحقبة التلموديّة. هناك نجد العدد الكبير
من اليهود الذين شكّلوا دولة ضمن الدولة: نهارديا، نصيبين... وكانت المدارس التي
سمّيت "أكادميات" (يشيبوت) فعلّمت الشريعة اليهوديّة. أما آخر هذه الفترة فسمّيت
حقبة "جيونيم" أي رؤساء هذه الاكادميات الذي سيلعبون دورًا كاد يسيطر على دور "رئيس
الجلاء".
سنعود إلى كتابة التلمود فيما بعد، مع "القوّالين" (اموارئيم) بعد "الردادين"
(تنائيم). ودوّنت الغمارة فشكّلت مع المشناة، التلمود مع جميع الأسئلة والأجوبة.
نشير هنا إلى حركة يهوديّة في بلاد الخزر (شمال بحر قزوين) سيطرت على الحكم ولم
تذهب إلى الانحلال إلاَّ بعد الهزيمة التي مناها بها الأمير الروسي باروسلاف سنة
1083. امتلأت البلاد بالجوامع حتى مجيء التتر سنة 1237.
وامتدّ اليهود إلى أفريقيا الشمالية، كما وصلوا إلى اسبانيا، فكان لهم عهد ذهبيّ مع
العرب. لا ننسى أن ابن ميمون هو من اسبانيا وأنه طبع الفكر اليهودي بالطابع
العقلاني. ولكن مع "الموحدين" بدأ الاضطهاد، فهرب اليهود إلى أوروبا وهناك توسّعوا
حتى وصلوا إلى روسيا. ولما اضطهدوا في أوروبا عادوا إلى السلطنة العثمانيّة فشكلّوا
"سفراديم" (أي اليهود الذين أصلهم من اسبانيا). كما بدأوا يعودون إلى الأرض
المقدّسة: في عالم الزراعة في الريف، في عالم الصناعة ولاسيّما الحياكة في المدن.
نتوقّف هنا بعد هذه المسيرة الطويلة للشعب اليهودي الذي كان في الواقع فئيتن. الفئة
الأولى تضمّ اليهود الذين ولدوا من أمهات يهوديّات. والفئة الثانية، اليهود
المرتدون. وقد كانت ارتدادات عديدة إلى الشعب اليهودي، ولاسيّما في الشرق مع مملكة
حدياب، ومع منطقة الخزر. كما أن عددًا كبيرًا من القبائل (كابيليا) في جبال الجزائر
ارتدت إلى اليهوديّة قبل أن يردّها الاسلام. تيار روحي طويل النفس، لا يزال حاضرًا
حتى اليوم. ولكنه اعتبر أن تركيزه في أرض فلسطين من جديد يعطيه غنى لم يكن له حين
انتشر في بلدان العالم من فرنسا إلى هولندا إلى انكلترا والولايات المتحدة
والبرازيل والأرجنتين واوستراليا... أظنّ أنه حين يفسّر التوراة بشكل حرفيّ ليطبقها
على الحياة السياسيّة اليوم، يضعف من موقفه كما يقلّل من قيمة التوراة التي ليست
كتابه وحده، بل كتاب الشرق كله. وحين يريد أن يعزل نفسه في مجبر (غيتو) كما في
القرون الوسطى، يحكم على نفسه بالاختناق والموت. فالتفاعل مع الشعوب والأمم هو الذي
يغني الجماعات البشريّة.
ذاك هو تاريخ الشعب اليهودي الذي حمل رسالة عبادة الإله الواحد في العالم. حمل
رسالة ستأخذ منها المسيحيّة ولكنها تجدّدها تجدّدًا تامًا وتفتحها على جميع الشعوب
والبلدان والحضارات. وهي رسالة استقت منها تيارات واسعة في هذا الشرق. وهو أدب
توراتي يتدارسه العلماء في جميع أنحاء العالم فيقابلونه بسائر ما اكتُشف هنا وهناك
من مكتبات. فمتى نتعرّف نحن على تراثنا، متى نتعرّف على تاريخنا وتاريخ كل شعب من
شعوب الشرق، علّنا بذلك نعرف أن نتعايش في عائلة واحدة تكون المساواة مبدأنا
والمحبة نورنا والايمان بالله الواحد أساس حياتنا؟
الفصل الخامس
مبادئ اليهودية، وحدانية الله
حين نتحدّث عن المبادئ نشير إلى أمور عديدة. إلى الأصل، إلى الينبوع، إلى السبب
الأول. عند ذاك نتوقّف عند التوراة أو أسفار العهد القديم، ولا ننسى التقليد الشفهي
الذي نجده في خطّ يبدأ في المشناة وينتهي في تلمود بابل الذي دوّن في القرن الخامس
ب م. هذا دون أن ننسى الترجوم وسائر التوسّعات اليهوديّة. وقد نشير حين نتحدّث عن
المبادئ إلى العناصر التي تؤسّس جماعة أو شعبًا أو ديانة. في هذا المعنى نتّخذ لفظة
مبادئ في موضوعنا: "مدخل إلى مبادئ اليهوديّة". فنتوقّف عند ثلاثة أمور: وحدانية
الله، شعائر العبادة، نظرة بني إسرائيل إلى أنفسهم على أنّهم الشعب المختار، وإلى
علاقتهم بسائر الشعوب.
ونبدأ بالحديث عن وحدانية الله، عن المونوتاويّة أو التوحيد.
المونوتاويّة أو عبادة الله الواحد، تدلّ على شكل من الديانة، لا يوجد بحسبه سوى
إله واحد. فبقدر ما نفهم المونوتاويّة في المعنى الحصري، أي الاعتقاد بإله واحد،
ونفي واضح لجميع الآلهة الأخرى، نستطيع أن نتحدّث عن أصل مهمّ من أصول الديانة
اليهوديّة التي تتلو كل يوم صلاة شماع: "إسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد" (تث
6: 4).
كيف وصل بنو إسرائيل إلى المونوتاويّة، بعد أن بدأوا بعبادة الآلهة المتعدّدة؟ كيف
توصّلوا إلى الاعتقاد بإله واحد دون سائر الآلهة؟ وكيف تركوا جميع شعائر العبادة
التي لا تتوجّه إلى يهوه، الإله الذي أخرجهم من مصر بيد ممدودة وذراع قادرة؟ نتوقّف
هنا عند ثلاث محطات: عبادة الآلهة المتعددة التي يشير إليها يشوع في عهد شكيم.
الهينوتاويّة التي هي خطوة إلى المونوتاويّة لم تكتمل بعد: تعترف بإله واحد تعبده،
ولكنها لا تستبعد وجود سائر الآلهة. قد نقرّب هذه اللفظة من "مونولاتريا" التي تعني
عبادة إله هو فوق سائر الآلهة.
جمع يشوع أسباط إسرائيل في شكيم وقال لهم: "في عبر النهر سكن آباؤكم منذ القديم،
تارح أبو ابراهيم وأبو ناحور، وعبدوا آلهة أخرى" (يش 24: 1-3). هذا ما أعلنه يشوع
عن جذور الشعب العبراني. ولا ننسى أن اسم تارح يرتبط بالإله القمر (ي ر ح). نشير
هنا بالنسبة إلى ابراهيم أنه عرف العبادة الوثنيّة في بيت أبيه، ولكنه حطّم
الأصنام، كما تقول التقاليد اليهوديّة. ولا ننسى أن راحيل أم يوسف وبنيامين، لم
تتخلّ عن الآلهة التي عرفتها في حاران، بل حملتها معها إلى أرض كنعان (تك 31:
30-34).
عرف الآباء في ترحالهم آلهة "المناطق" التي كانوا يحاذونها. عرفوا إيل بيت إيل،
وتعاهدوا مع أهل شكيم. أما يعقوب فكانت له معاهدة مع لابان الآراميّ ومع آلهته،
فدخل في عهد معه وحلف باسم غير يهوه: "إله إبراهيم وإله ناحور"، أي إله الشعب
العبراني وإله الشعب الآرامي. ونتذكّر سليمان الحكيم نفسه. لاشكّ في أنه بنى هيكلاً
للرب لم يكن مثله. ولكنه بنى أيضًا هياكل لآلهة نسائه. يقول 1 مل 11: 4-8: وكان في
زمن شيخوخة سليمان أن أزواجه ملن بقلبه إلى اتّباع آلهة غريبة... وتبع سليمان
عشتاروت إلاهة الصيدونيّين، وملكوم رجس (هكذا سمّاه الكاتب الاشتراعي، لا سليمان)
بني عمون... حينئذ بنى سليمان على الجبل الذي تجاه أورشليم (أي جبل الزيتون. سوف
يسمّى في 2 مل 13:23 جبل الخراب) مذبحًا عاليًا لكاموش رجس موآب، ولمولك رجس بني
عمّون. وكذلك صنع لجميع نسائه الغريبات اللواتي كنّ يقدّمن البخور ويذبحن الذبائح
لآلهتهن.
وهكذا نكون قد انتقلنا من عبادة الآلهة المتعدّدة "التي عبدها آباؤكم (أي آباء
الشعب العبراني) في عبر النهر، أو آلهة الأموريين الذين أنمَم مقيمون بأرضهم" (يش
24: 15)، إلى عبادة إله واحد لا ينفي وجود آلهة أخرى. هذا ما سميناه
"الهينوتاويّة". لا شك في أن المقام الأول هو ليهوه في نظر سليمان. وقد بنى له
هيكلاً على التلّة. ولكنه بنى أيضًا على التلال المجاورة مذابح وهياكل لآلهة نسائه.
هنا نتذكّر أيضًا ما فعله أخاب من أجل زوجته إيزابيل، بنت اتبعل ملك الصيدونيّين:
"عبد البعل وسجد له. وأقام مذبحًا للبعل في بيت بناه له في السامرة" (1 مل 16:
31-32). فكأنه قد صار في السامرة هيكل للبعل، كما في أورشليم هيكل ليهوه. ويتابع
النص فيقول إن أخاب "أقام أشيره" أي نصبًا مقدّسًا يدل على إله كنعاني قديم عُرف في
أوغاريت، وتماهى فيما بعد مع عشتاروت.
وهكذا اعتبر الشعب العبراني أن إلهه هو يهوه. وأن لكل شعب إلهه. فبابل يحميها الإله
مردوك. وبنو عمون يحميهم مولك. وبنو موآب يحميهم كاموش. وهكذا دواليك. أما ما نجده
من صفات تحقّر هذه الآلهة (رجس...)، فقد زيدت فيما بعد على ضوء الاصلاح الاشتراعي
الذي تمّ في أيام يوشيّا في الربع الأخير من القرن السابع. بل كانوا يعتبرون أن
الله قدير في أرضه، لا في سائر ممالك الأرض. إنه حاضر في الأرض المقدّسة وحسب، كأني
به حارس يقف على حدود البلاد كي يحمي شعبه. هنا نتذكّر خبر داود الذي أجبر على
الهرب من أرض الربّ إلى أرض الفلسطيّين. اعتبر أنه لم يعد في حماية الله، أنه مدفوع
لأن يعبد آلهة أخرى لأنه ذهب إلى بلد آخر. قال لشاول: "نفوني (الأعداء) اليوم...
ومنعوني (أو قطعوني) من الانضمام إلى ميراث الرب قائلين: اذهب وأعبد آلهة أخرى.
والآن أرجو أن لا يسقط دمي على الأرض بعيدًا عن وجه الرب" (1 صم 26: 19-20).
أرض إسرائيل هي أرض الرب. وسائر الآراضي تخصّ سائر الآلهة. لهذا، يتعبّد الناس لإله
المكان. في هذا المجال نفهم معنى سفر طوبيا: فمع أن طوبيت والد طوبيا يعيش في
المنفى، إلاّ أنه يحفظ الشريعة حتى في ما يخصّ العشور. بل هو يمارس أعمال الرحمة
مثل إطعام الجياع ودفن الموتى. فالله حاضر في أرضه، كما هو حاضر في المنفى حيث يقيم
شعبه. ويخبرنا حزقيال النبيّ أن "مجد الرب ارتفع من وسط المدينة (أورشمليم) ووقف
على الجبل الذي في الشرق" (أي جبل الزيتون) (23:11). أجل، ترك الله المدينة، ووقف
ينتظر الذاهبين إلى المنفى لكي يذهب معهم. وحين يعودون سوف يعود معهم. قال حز 43:
2: "فإذا بمجد إله إسرائيل قد أتى من طريق الشرق، وصوته كصوت مياه غزيرة، والأرض قد
تلألأت من مجده".
في هذا الإطار أيضًا نفهم الحكم القاسي على اليمالك زوج نعمي وابنيه محلون (زوج
عرفة) وكليون (زوج راعوت) لأنهم تركوا أرض الآباء وذهبوا إلى أرض غريبة ونجسة، إلى
أرض موآب. كما نفهم النظرة المعجبة إلى راعوت الغريبة التي قالت لحماتها نعمي:
"حيثما ذهبت أذهب، وحيثما أقمت أقيم. شعبك يكون شعبي وإلهك إلهي. وحيثما تموتين
أموت، وهناك أدفن" (را 1: 16-17). كما نفهم ما فعله يونان حين توجّه إلى الغرب،
حاسبًا أن يد الرب لا تصل إلى هناك، كما أنها لا تستطيع أن تصل إلى الشرق. ولو وصلت
إلى هناك لمنعت الأشوريين بعاصمتهم نينوى من التنكيل بسكان الأرض. ولكنه سيفهم فيما
بعد أن يد الرب تصل إلى البحر وتحرّكه من أجل مشاريع الخلاص، تصل إلى ترشيش آخر
حدود العالم. تصل إلى نينوى وتدعوها إلى التوبة فتتوب. الله هو إله أورشليم وهو إله
نينوى. بل إن ما فعلته نينوى لم تفعله أورشليم. هي تابت ولبست المسح. "لكن إسرائيل
لم يعرف وشعبي لم يفهم". (أش 1: 3).
ماذا نستخلص من كل هذه المعطيات؟ قبل موسى، عبدَ الآباءُ الله تحت أسماء مختلفة:
إيل، الوهيم، يهوه، عولام أو إله الآباد (تك 2: 33). روئي أو الإله الذي يُرى أو
يتراءى ويظهر (تك 13:16). هو الإله العليّ، عليون (تك 18:14-20)، هو شداي أي الإله
الشديد أو إله الجبال لأنه هناك يُعبد في الحالات العاديّة (تك 17: 1؛ 35: 11).
عُبد على جبل الرب في شمالي لبنان. عُبد على جبل حرمون، كما عُبد على جبل الأقرع،
جبل صافون، شمالي أوغاريت. ويقول خر 6: 3 إن شداي هو الاسم الذي به كشف الله عن
نفسه للآباء. ونلاحظ بشكل خاص علاقة هذا الاله بالأشخاص: إله ابراهيم (تك 24:
12-27). إله اسحاق (تك 46: 1-3). إله ابيك (تك 49: 25). إله آبائك (خر 3: 13). قويّ
يعقوب (تك 49: 24) لأنه يعطي القوة ليعقوب. ورعب (أو قريب) يعقوب (تك 31: 42-53).
لا نفسّر هذه الأسماء المتعدّدة وكأننا أمام آلهة متعدّدة. فالعهد القديم يعارض
"إله الآباء" مع "سائر الآلهة" (تث 29: 24؛ قض 2: 12). هي بالأحرى طريقة نعبّر فيها
عن تواصل الأجيال التي خضعت لربّ الشعب. وقوّة هذا الإله وسلطانه لا ينحصران في
موضع واحد (تك 18: 25)، ولا في مجموعة واحدة (تك 12: 3)، مع أن غير اليهود يعتبرونه
إلهًا خاصًا بإسرائيل (تك 28:26؛ 27:30). ومع أن العبرانيّين لا ينكرون وجود آلهة
أخرى تعبدها شعوب أخرى (تك 31: 35).
ولعبت شخصيّة موسى دورًا هامًا في تطوّر المونوتاويّة. فإله الآباء (خر 3:13، 15)
كشف عن نفسه لموسى باسم يهوه، اسم الله الذي هو بالحقيقة، باسم الإله الذي يُعلن عن
نفسه عاملاً من أجل شعبه المضطهد (خر 27:7). فحين خلّص الله بني إسرائيل من عبودية
مصر، جعل من هذا الشعب ملكه الخاص (خر 19: 3)، عروسه (هو 2: 16؛ إر 2: 2؛ حز 16: 8،
14)، وعقد معه عهدًا (خر 3:24-8؛ 34: 1-35). وهكذا صار إسرائيل شعبه موحّدًا، يجتمع
حول يهوه كما حول راية بها يرتبط بالرب وهي تحوي الوصايا العشر.
حين حرّر الرب شعبه، دلّ على أنه الإله الحيّ. هو يفعل كشخص حرّ، كالإله السامي
وسيّد الكون (خر 15: 18: 19: 9؛ عد 23: 51). هو سيّد شعبه وسيّد البشر جميعًا.
ففرعون نفسه يهاب هذا الإله. فبالأحداث المؤثرة التي رافقت بنود عهد سيناء (خر
9:19، 12-16)، دلّ الله على أنه الإله القدّوس والرهيب. مثل هذه الديانة تُعتبر
ديانة توحيدية، مونوتاويّة، وإن لم تنكر أخبارُ الخروج وجودَ آلهة أخرى (خر 15:
11).
وأقام الشعب على أرض فلسطين. وأخذ بعادات الكنعانيّين، كما أخذ بالنظم الدينيّة
والعباديّة في البلاد. عُبد الرب كالإله الوطني، الذي هو الرباط الرئيسي بين
القبائل المشتّتة. وعُبد معه البعل وعشتاروت الكنعانيين ثم آلهة الفينيقيّين
والأشوريّين والبابليّين (قض 2: 11-13؛ 3: 7-8؛ 1 مل 14: 22- 24؛ 31:16-34؛ 2 مل
2:21-7). وهكذا وُلدت ديانة شعبيّة تلفيقيّة لم يستطع إصلاح حزقيا أن يقتلعها، ولا
إصلاح يوشيّا.
وندّد الأنبياء بقوّة بهذه الانحرافات. فوضع إيليا النبيُّ الشعبَ أمام خيارين لا
ثالث لهما: إمّا يهوه، وإمّا البعل (1 مل 18: 21). وشدّد عا 3: 2؛ 5: 8؛ 7: 4؛ 9:8
على العدالة التي تدلّ على أن الشعب يعبد الرب حقًا. وحدّثنا هوشع عن علاقة الحب
بين الرب وشعبه (3: 1؛ 11: 1). بعد ذلك من عبد آلهة أخرى، كان كأنه زنى، أي خان
الرب كما تخون المرأة زوجها. وفي نظر أشعيا الثاني، يهوه هو وحده الإله الحقيقي.
وهكذا ما اكتفى هذا النبيّ بأن ينكر سلطة سائر الآلهة. بل اعتبرها غير موجودة: نفى
وجود آلهة غير الإله الواحد (أش 40: 19- 20؛ 7:41؛ 9:44-20). أما الأصنام فهي ضعيفة
لا قوة لها. هي عمل إنسان صنعها (أش 8:2-20). فماذا يكون مثل هذا الإله؟ وحارب
إرميا عبادة الأصنام، وشدّد حربه. وهكذا استلهمت كرازة الأنبياء التوحيد النقيّ
الصافي الذي لا التباس فيه ولا مساومة.
وعى الأنبياء أنهم لا يقدّمون تعليمًا جديدًا، بل اعتبروا أنهم يستندون إلى وحي
يعود إلى زمن موسى. وهذا الزمن كان زمن العلاقة المثاليّة الكاملة مع الربّ، زمن
الحبّ الأول بين يهوه وشعبه (إر 2: 2؛ حز 16: 3-14؛ هو 2: 14-24). ويصل صراع
الأنبياء مع واقع الشعب، إلى البعد الشامل لإيمان إسرائيل، كجواب جديد لمسألة عبادة
الأوثان والتلفيق الدينيّ: إن سلطان يهوه يمتدّ إلى جميع الشعوب وهو يحمل إليهم
الخلاص (أش 18:7-20؛ 8: 7- 10؛ إر 47:46)، كما فعل حين أرسل يونان إلى نينوى
المدينة الوثنيّة الخاطئة.
وخلاصة القول، بدأ الآباء في عبادات آلهة عديدة، ومرّوا في ما سمّيناه الهينوتاويّة
التي تعبد إلهًا ولا تنكر الآلهة الأخرى لدى الشعوب الغريبة. وسيكون تطوّر بطيء
نابع من قلب شعب إسرائيل، يصل بنا إلى المونوتاويّة في أجلى نقائها في زمن المنفى.
فيُعلن أشعيا الثاني بلسان الرب: "لا إله غيري" (45: 21). "لم يكن إله قبلي، ولا
يكون بعدي، أنا الرب ولا مخلّص غيري" (43: 10- 11). "أنا الأول والآخر، ولا إله
غيري" (44: 16). وهكذا نكون قد وصلنا إلى مونوتاويّة مطلقة تنفىِ نفيًا واضحًا وجود
آلهة غير الإله الواحد. ذاك هو الخطّ الذي سار فيه الاسلام. عُبد الله بجانب آلهة
القبائل ولكن الاسلام استبعد كل هذه الآلهة وقال: لا إله إلاّ الله. هذه
المونوتاويّة قد أخذت بها المسيحيّة، ولكنها رفعتها حين وصلت بها إلى التعليم
الثالوثيّ، الله واحد في ثلاثة أقانيم، الآب والابن والروح القدس.
الفصل السادس
شعائر العبادة في العالم اليهوديّ
كانت المونوتاويّة أو عبادة الله الواحد المبدأ الأول الذي درسناه حين أجملنا
المبادئ اليهوديّة في ثلاثة مبادئ. أمّا المبدأ الثاني فهو العبادة أو بالأحرى
شعائر العبادة التي هي أفعال خارجيّة نعبّر فيها عن إكرامنا لله، عن تعبّدنا
وسجودنا له، عن إعلان ارتباطنا به وحاجتنا إلى عونه وبركته.
في كل الديانات، تقيم العبادةُ بشعائرها، علاقات بين الله والانسان. وحسب التوراة،
مبادرة هذه العلاقات تعود إلى الله. النداء من الله، والجواب من الانسان، وجوابه
جواب سجود في شعائر عبادة تأخذ شكلاً جماعيًا. العبادة هي عمل الجماعة. وهي لا
تعبّر فقط عن حاجة الانسان إلى الخالق الذي به يرتبط ارتباطًا تامًا، بل هي تُتمّ
فرضًا واجبًا: إن الله اختار له شعبًا ليخدمه وبالتالي يكون شاهدًا له. فعلى الشعب
المختار أن يقوم بالمهمّة الملقاة على عاتقه فيقدّم له العبادة. هنا نتذكّر في
العبريّة كما في العربية ما يحمل فعل عبد ومشتقاته من غنى. عبد الله أي وحّده،
خدمه، خضع وذلّ وطاع له. وتعبّد أي انفرد للعبادة والنسك. واستعبد أي صار عبدًا لله
في الطاعة لوصاياه والتعلّق به.
ونودّ أن نذكر التاريخ القديم لكي نفهم أساس فعل "عبد". فالآلهة الصغار تعبوا من
خدمة الآلهة الكبار. لهذا قرّروا أن يخلقوا الانسان ليقوم عنهم بأعمال "العبيد". كم
نحن بعيدون عن سفر التكوين حيث الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله. كم نحن بعيدون
عن روح الجنّة حيث يعمل الله مع الانسان، كالصديق مع صديقه، وعند المساء يتمشّى معه
ويتحدّث.
إن العبادة في الكتاب المقدّس ولدى الشعب اليهودي، قد تبعت مسيرة العبادة لدى كل
الشعوب القديمة في الشرق والغرب. فهناك أماكن العبادة. كانت في البريّة خيمة سمّيت
خيمة الاجتماع. فيها يلتقي موسى بالله. ويحمل إلى الشعب نتيجة لقائه بالله. هذه
الخيمة كانت في وسط الخيام لتدلّ على أن الله يقيم في وسط شعبه. أو تكون بعيدة عن
الخيام للدلالة على أن الله هو الآخر الآخر الذي لا يُدنى منه. هو نار محرقة. ولما
تحوّل العبرانيون من البدو إلى الحضر، أخذوا بالمعابد التي وجدوها في أرض كنعان، في
بيت إيل وشكيم وحبرون وبئر سبع. وكانت محاولة إصلاح وجدت نقطتها الأخيرة مع يوشيا
في نهاية القرن السابع ق م. ألغيت كل المعابد المحليّة، فلم يبقَ سوى هيكل أورشليم
الذي فيه تُذبح جميعُ الذبائح. ولما هُدم الهيكل الأول سنة 587، توقّفت الذبائح إلى
أن أعيد المذبح بانتظار عودة الهيكل. ولكن لما هُدم الهيكل الثاني سنة 70 ب م. زالت
الذبائح وزال الكهنوت من الشعب اليهودي. واليوم يمارس اليهود شعائرهم بدون كهنة ولا
ذبائح، ولا هيكل. تشير الرسالة إلى العبرانيّين إلى هذا الوضع، ولكنها تنقل النظرة
من شعب إلى شعب، من شعب سار وراء موسى إلى شعب سار وراء المسيح، الذي هو الذبيحة
الوحيدة، الذي هو الهيكل وموضع حضور الله على الأرض، الذي هو الكاهن الوحيد الذي لا
يحتاج أن يقدّم ذبائح عن نفسه وعن الشعب. فقد قدّم ذاته مرّة واحدة في ذبيحة روحيّة
فكان علّة خلاص لجميع البشر.
كان الهيكلُ موضعَ حضور الله واجتماع الجماعة. ولما تشتّت الشعب اليهوديّ أخذ يبني
المجامع في كل موضع يُوجد فيه على الأقل عشرةُ رجال. فالمجمع أو الكنيس هو موضع
الاجتماع يوم السبت والصلاة. وهو المدرسة الدينيّة. في المجمع يتلون صلاة "شماع"،
إسمع يا إسرائيل وغيرها من الصلوات، يقرأون من التوراة بالمعنى الحصري للكلمة، ومن
أسفار الأنبياء. وبعد ذلك تأتي العظة. هناك موظّفون في المجمع، لا كهنة.
أما مركز حضور الله، الوسيط بين الله والشعب، فهو الكتاب المقدّس. بواسطة الكلمة
التي أوحيت في الماضي إلى موسى والأنبياء، يتّصل الانسان بالله. وأظنّ أن هذا هو
الوضع بالنسبة إلى الاسلام حيث القرآن هو الوسيط بين الله والانسان.
وهناك الأزمنة المقدّسة. السبت أولاً الذي تفرعّ منه الفعل "سبت" أي استراح. ففي
أساس السبت، تطلب الشريعة من المؤمن أن يستريح كما استراح الله بعد أن عمل "ستة"
أيام في خلق العالم (تك 3:2). وتقول الوصية التي تلقّاها موسى على الجبل: "أذكر يوم
السبت وكرّسه (قدّسه) لي. في ستة أيّام تعمل وتنجز جميع أعمالك. واليوم السابع سبت
للرب إلهك (نهار لا يخصّك فتتصرف به كما تشاء، بل هو لله). لا تقم فيه بعمل ما، أنت
وابنك وابنتك وعبدك وجاريتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك، لأن الرب في ستة
أيام خلق السماوات والأرض والبحر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح. ولذلك
بارك الرب يوم السبت وكرّسه له" (خر 20: 8- 11).
يبدو أن السبت (أو: الراحة) الأسبوعي أمر خاصّ بإسرائيل، ولا يجد ما يوازيه في
العالم القديم. لا شك في أننا نجد في العالم السومري والبابلي "ش ف ت و"، وهو عيد
شهري يقع في اليوم الخامس عشر من الشهر، في يوم البدر. اعتبروه يومًا يحمل البركة
ورضى الله، فصار مناسبة احتفالات عباديّة. وذكرت كتب الطقوس في أوغاريت عيدين
يرتبطان بالقمر: بداية القمر، ووسط القمر أو "عيد البدر" الذي كان الأهم بطقوسه
وذبائحه.
هذا السبت الذي يختلف الشرّاح على أساسه، هل وُلد قبل المنفى ومع تأسيس اليهويّة،
أي عبادة يهوه، الإله الواحد؟ هل وُلد بعد المنفى منطلقًا من عيد البدر كما عرفته
الشعوب الشرقيّة؟ تبقى المسألة موضح الجدال. ولكن ما هو أكيد هو أن هذا اليوم جمع
عنصرين رئيسيين: هو يوم صلاة وعبادة، هو يوم راحة وانقطاع عن العمل. إنه يوم مقدّس
للرب، فلا يحقّ للانسان أن يتصرّف به كما يشاء. لهذا جاءت القوانين صارمة جدًا بحيث
إن إنسانًا حمل الحطب يوم السبت فرُجم (عد 15: 32).
وسيتّخذ السبت حيّزًا واسعًا في الحياة اليهوديّة. فهو مع الختان علامة الانتماء
إلى الشعب. وستكون له مكانته في المشناة والتلمود. ففي نظام "م و ع د" (الموعد،
الزمن المحدّد) الذي هو النظام الثاني من المشناة الذي يعالج الشرائع التي تسود
الأعياد، صغيرها وكبيرها، نجد في المقام الأول "ش ب ت" أو السبت، بفصوله الأربعة
والعشرين. هو يحدّد الممنوعات في ذلك اليوم المقدّس.
وإذا عدنا إلى الوصايا الـ 613 بما فمِها من إيجابي (ما يجب أن نعمل) وسلبي (ما لا
يجب أن نعمل) نجد مثلاً منع كل عمل يوم السبت، منع تعدّي الحدود يوم السبت... ومن
اتصل باليهود اليوم، يعرف أنهم لا يشعلون نارًا يوم السبت ولا يهيّئون طعامًا...
السبت هو في جوهره يوم فرح وصلاة وتأمّل. يترك المؤمن جانبًا جميع الاهتمامات التي
تحتل أيّام الأسبوع، ويكرّس هذا اليوم للدرس والراحة. يبدأ السبت في مساء الجمعة،
عند غروب الشمس. تشعل ربّة البيت شمعتين وتتلو المباركة. وينتهي مساء السبت. في
فترة من الفترات عيّدت فئات يهوديّة ليبراليّة يوم الأحد. ولكن جميع اليهود عادوا
إلى السبت، لا سيما وأنه يوم عطلة في عدد كبير من بلدان العالم.
ومع السبت الذي هو مهمّ جدًا، لأنه يعود مرّة كل أسبوع، تأتي الأعياد الموزّعة على
السنة. من عيد الفصح إلى الأسابيع ورأس السنة وعيد التكفير وعيد القطاف وعيد
الفوريم. يحاول اليهود أن يعيّدوا هذه الأعياد دون أن ينظروا إلى ما تفعله الجماعات
الأخرى. هم عالم في عالم. وهم يربطون عدّ السنوات بخلق العالم. فالسنة 1998 تقابل
سنة 5759 وهي تبدأ في 21-22 أيلول. أما سنة 5760 فتبدأ في 11-12 أيلول.
ذكرنا أماكن العبادة والأشخاص الموكّلين بأعمال العبادة، الذين كانوا في الأصل ربّ
البيت، رئيس العشيرة، الملك. ثم صاروا الكهنة واللاويين. واليوم جميع اليهود
يستطيعون أن يقوموا بأعمال العبادة شرط أن يعيّنوا في هذا العمل أو ذاك. لم يعد من
فئة مخصّصة في العالم اليهوديّ. لم يعد من كهنوت. يبقى أن نذكر في هذا الاطار
الأعمال العباديّة.
أول هذه الأعمال هو الختان. وقد عرفته الشعوب الشرقيّة القديمة. فهناك نصوص مصريّة
في المملكة القديمة والمملكة الحديثة تتحدّث عنه. وهو طقس قديم جدًا مورس ساعة كانت
السكاكين بعد من صوّان، وما زالت يُمارس كذلك في الشعب اليهودي. في الأصل، الختان
هو طقس استعداد للزواج وتنشئة على الحياة الزوجيّة. ولكنه صار يدلّ على انتماء
الولد إلى شعب الله. لهذا يُمارس في اليوم الثامن، وقد أخذ أهمية كبيرة في زمن
المنفى والشتات.
وثاني هذه الأعمال هو التطهير. فالطهارة والنجاسة شغلتا بال الأقدمين، فلجأوا إلى
الماء وبالأحرى إلى الذبائح العديدة التي يقدّمونها للاله لكي يتنقوا من نجاستهم
فيصبحوا أهلاً للمشاركة في الأعمال الطقسيّة. زالت الذبائح مع زوال الهيكل سنة 70 ب
م، فلجأ المؤمنون إلى الماء والصلاة والمشاركة في يوم كيبور، يوم التكفير.
إن التلمود يربط بين مفهوم الطهارة والتطوّر الاخلاقي والروحي. "فالطهارة هي إحدى
المراحل في طريق روح القداسة" (عبوده زره أو عبادة الأوثان 20 ب). "التوبة والأعمال
الصالحة تقود إلى الطهارة وإلى القداسة" (بركوت 17 أ). ثم إن دراسة التوراة تُعتبر
في ذاتها تطهيرًا. وقد قال النبي حزقيال ذاكرًا زمن الفداء: "أرشَّ عليكم ماء
طاهرًا فتطهرون. أطهِّركم من كل نجاساتكم وكل أخطائكم" (36: 25).
شرائع كثيرة. بعضها عفّاه الزمن. ولكن الأتقياء (حسيديم) ما زالوا يشدّدون على
الاغتسال الطقسي، إما بغسل الجسد كلّه وإما برشّ الماء على اليدين.
لن نتحدّث عن الذبائح التي زالت من حياة اليهود بزوال الهيكل الثاني والكهنة. من
ذبائح محرقة (تحرق كلّها) إلى ذبائح سلامة أو اتحاد بين الله من جهة، والمؤمن
وأصدقائه وأقاربه من جهة ثانية. ولكن الصلاة تحتلّ حيّزًا كبيرًا في حياة المؤمن.
صلوات الصباح، بركوت هاشحر. صلوات المساء والنوم، صلوات تطلب المطر والطلّ، صلاة
قبل السفر. ومع الصلاة هناك الصوم في 17 تموز (شهر عبري قمري، يمتدّ من 15 حزيران
إلى 15 تموز)، وفي 9 آب، وفي يوم التطهير أو يوم كيبور الذي يقع في 10 تشرين. ولا
ننسى المحرّمات العديدة ولاسيّما على مستوى الطعام والشراب، ما لا مجال لذكره في
هذه العجالة.
في الأصل، علاقة الانسان مع الله بسيطة، شرط أن لا يتجاوز الانسان حدوده. عندئذ
تنقطع العلاقة بين المؤمن والله. فيحتاج المؤمن إلى عمل عباديّ يعيد هذا التواصل.
هنا نشير إلى الأمور الكثيرة التي أخذتها التوراة ثم العالم اليهودي عن الفينيقيّين
والكنعانيّين والآراميّين، ولكنهم حاولوا أن ينقّوها من كل ما يمتّ إلى تعدّد
الآلهة. ففي التوراة، لا نجد صراع الآلهة، بل الانسان الذي يقف أمام الله. من أجل
هذا كانت كل شعائر العبادات محاولات تبقي الاتصال بين الله والانسان حاضرًا. أما
المسيحيّة التي تجذّرت في العالم اليهوديّ، فقد عرفت هذا الاقتراب من الله بواسطة
يسوع الذي هو إله وإنسان معًا. يعرف ما في الانسان من ضعف، كما يعرف ما في قلب الله
من حنان وغفران.
الفصل السابع
الشعب المختار
كان المبدأ الأول في اليهوديّة، عبادة الله الواحد. والمبدأ الثاني شعائر العبادة
التي بها نعبّر عن تعلّقنا بهذا الإله الذي اختبره الشعب العبراني مخلصًا قبل أن
يختبره خالقًا، الذي اختبره مرتبطًا بشعب من الشعوب قبل أن يختبره إله جميع الشعوب.
وهكذا نصل إلى المبدأ الثالث الذي بحسبه يعتبر اليهود أنهم شعب الله، أنهم الشعب
المختار، أنهم أفضل شعب وأفضل أمّة. أما باقي الشعوب فيأتون في الدرجة الثانية حتى
ولو عبدوا الله الواحد. ذاك هو المبدأ الثالث في هذا المدخل إلى المبادئ اليهوديّة.
إن موضوع شعب الله هو المركز الذي نجد فيه نواحي حياة إسرائيل كلّها. وهو مهمّ جدًا
على مستوى العهد القديم، على مثال الكنيسة التي هي مهمّة على مستوى العهد الجديد.
ولا ننسى مفهوم الأمة في الاسلام.
ما هي الألفاظ التي تدلّ على الشعب؟
هناك "ل ا م"، "ج و ي"، "ع م". فمع أن هذه الألفاظ الثلاث تُستعمل مرارًا في صيغة
الجمع في تواز مترادف، فالاستعمال على مرّ العصور يدلّ على اختلافات بين لفظة
ولفظة. ونورد بعض الأمثال قبل أن نتوقّف عند التفاصيل. نتهرأ في مز 47: 4: "يُخضع
الشعوب (ع م ي م) تحتنا، والأمم (ل ا م ي م) تحت أقدامنا". وفي مز 3:96، 1: "حدّثوا
في الأمم بمجده، في جميع الشعوب بمعجزاته... نادوا في الأمم: الرب قد ملك" (رج 105:
44: فورثوا تعب الشعوب، ج و ي م، 106: 34- 35).
في الأصل، دلت "ل أ م" على الجمع، على العدد الكبير من الناس (أم 26:11؛ 24:24). هي
لفظة قديمة جدًا لا تُستعمل في النثر بل في الشعر فقط. وهي لا تنطبق أبدًا على شعب
إسرائيل، ما عدا في أش 51: 1 (اصغوا إليّ يا شعبي، ع م ي، التي قد تكون ربما
"لأمي"). لا ننسى أن الأمم تعني الأمم الوثنيّة تجاه شعب الله.
أما "ج و ي" فدلّت في الأصل على "العشيرة" أو "القبيلة". ونحن نجد هنا الاستعمال
القديم جدًا في 2 أخ 15: 6 (وتسحق أمة أمّة: ج و ي. ب ج و ي) أو حز 5: 10: 3 (بما
أن الأمتين: ج و ي م). إذن، "ج و ي" هو الذي ينحدر من جدّ واحد، حقيقي أو مفترض (تك
2:12؛ 35: 11). وفي الواقع، تُستعمل اللفظة في الحديث عن نسل ابراهيم (تك 17:
4-1652) ويعقوب (تك 35: 11). كما هي تدلّ على شعب إسرائيل (خر 6:19؛ تث 6:4؛ إر
36:31)، ولكنها لا تظهر أبدًا في عبارة "شعب يهوه". وفي صيغة الجمع، دلّت "ج و ي م"
على شعوب هي أعداء إسرائيل (مز 6:9، 16، 20- 21). من هذه اللفظة تفرّع استعمال
"اللايهوي". "ج و ي" هو من لا يعبد يهوه، الجماعي وعلى المستوى الديني (عز 6: 21).
"ج و ي" هو من لا يعبد يهوه، الإله الواحد. وسيتعمّم هذا المدلول في الحقبة التي
بعد التوراة، فتقابل في اليونانيّة "إتنوس" أو الأمم.
وتبقى لفظة "ع م" (في الشريانيّة: عما. وفي العربيّة، العمّ هو الجماعة). تدلّ
اللفظة على الحشد، على الشموليّة (في العربية، عمّ الشيء أي شمل الجماعة). وتستعمل
في علاقة مع النظم السياسيّة والوطنيّة والدينيّة: جماعة عامّة، جماعة المؤمنين،
مجموعة دينيّة. أما المدلول الأولاني فنجده في بعض العبارات التي تحجّرت فما عادت
تتطوّر (انضمّ إلى قومه، تك 8:25؛ خر 31: 14). "ع م" أي الأقارب. وصارت في العربية
أقرب الأقارب أي شقيق الأب.
لا شكّ في أن لفظة "ع م" هي الأكثر إيحاء. فتدلّ مثلاً على المواطنين في المدينة
الذين ينعمون بذات الحقوق المدنيّة (را 4: 4، 9)، مثلاً شعب أورشليم (2 أخ 23: 8).
يجتمعون ليتّخذوا قرارًا، فيشكّلون جماعة الشعب التي تسمّى فقط "ع م". وهناك شعب
الأرض "ع م. هـ. ارص" الذي يتميّز عن الملك والامير، عن الملك ووزرائه، كما يتميّز
عن الكهنة. بل هو يتميّز حتى عن شعب المدينة. نستطيع أن نقول إن شعب الأرض هم أهل
الريف، وهم الذين سيعلنون يوآش (2 مل 11: 14-19) ثمّ يوشيا ملكًا (2 مل 24:21). وهم
الذين يدمّرون هيكل بعل في أورشليم، ويقتلون كاهن بعل مع عثليا "الوثنية" التي
أرادت أن تملك في أورشليم (2 مل 11: 18- 20).
كلّ هذا يصل بنا إلى شعب إسرائيل. ما الذي يميّزه في نظرته هو عن سائر الشعوب؟ هنا
نتوقَّف عند ثلاثة مفاهيم: الاختيار، الدعوة، العهد.
لا شكّ في أن قبيلة إسرائيل شعب كسائر الشعوب، وهي تنتمي إلى التاريخ البشري. ولكن
منذ بداية التوراة، نفهم أن هذه القبيلة تتجاوز نظام التاريخ الذي جعل هذا الشعب
هنا أو هناك. فإن وُجد شعب إسرائيل، فلأن الله قد وجده ودعاه لا بسبب كثرة عدده،
ولا بسبب قوّته ولا بسبب استحقاقاته، بل محبة به وبالآباء.
ميّز الله هذا الشعب وسط سائر الشعوب، فافتداه وحرّره من العبوديّة في زمن الخروج.
وإذ جعل منه أمّة مستقلّة، بدا كأنه قد خلقه من جديد (أش 48: 15: تكلّمت ودعوته
وأتيت به). كوّنه كما يتكوّن الولد في أحشاء أمه: "الرب صانعك وجابلك الذي أعانك من
البطن" (أش 44: 2، 24). وعى بنو إسرائيل وعيًا عميقًا أنهم يرتبطون ارتباطًا كليًا
بالرب. واعتبروا هذه العلاقة عهدًا يؤسّس ولادة شعب جديد كان في الأصل خليطًا (خر
35:12؛ عد 11: 4) من أقوام مختلفة فيهم الجيّد والرديء.
لم نعد هنا على مستوى التاريخ وحسب، بل على مستوى الايمان. فهناك عقد مقدّس يربط
القبائل الاثنتي عشرة، ويختم هذا الرباط في دم ذبيحة (خر 24: 8). وهكذا صار يهوه
إله إسرائيل، وصار إسرائيل شعب الله. وهكذا كانت علاقة فريدة بين الله وجماعة
بشريّة معيّنة. فكل من انتمى إلى هذه الجماعة بالختان، شارك في هذه العلاقة بين
الله وشعبه (تك 17: 10).
وقبل أن نتوقّف عند مفاهيم الاختيار والدعوة والعهد نورد بعض النصوص: "لا لأنكم
أكثر من جميع الشعوب لزمكم الرب واصطفاكم، فأنتم أقلّ من جميع الشعوب. لكن لمحبّة
الرب لكم... أخرجكم الرب بيد قديرة، وفداكم من دار العبوديّة" (تث 7: 7-8). ونقرأ
في أش 41: 8-9: "يا إسرائيل عبدي، يا يعقوب الذي اخترته... أخذته من أقاصي الأرض،
ودعوته من أقطارها، وقلت له: أنت عبدي. اخترته ولم أرذله".
وهكذا نصل إلى موضوع الاختيار. ففي العهد القديم، اختيار الله لشعبه هو موضوع أساسي
في سفر التثنية كما في الأسفار الاشتراعية مثل يشوع والقضاة وصموئيل والملوك. فسفر
التثنية (7: 6-8) يشدّد على هذا الاختيار الذي لا شيء يفسّره سوى حبّ الربّ. وقد
بدأ هذا الاختيار يتحقّق مع الآباء، ابراهيم واسحاق ويعقوب (تك 12: 1-3). ثم مع
تحرير نسلهم (مز 43:105)، ثم بعطيّة الشريعة التي جعلت من هؤلاء الأوباش الذين
هربوا من مصر والتحقوا بموسى، شعبًا مرّتبًا منظَّمًا (مز 147: 19- 20)، ثم بحماية
منحها الله لشعبه على مدّ تاريخه، كما في المحن التي خضع لها (أش 48: 10).
وصار هذا الاختيار رسميًا بواسطة العهد، الذي جعل من إسرائيل مُلك الرب، والشعب
المقدّس الذي وضعه الله جانبًا واحتفظ به لنفسه. لقد اختير هذا الشعب ليكون مستودع
الشريعة (تث 4: 8)، والشاهد على عمل الرب في التاريخ (أش 43: 10)، وعابد الرب الذي
يقدّم له المؤمن شعائر عبادة تليق به (عد 19: 19؛ أش 61: 6)، ويعلن تدخّلاته في
تاريخ البشر (أش 41: 14).
ويرتبط الاختيار بالدعوة، بنداء يرسله الله لا إلى فرد من الأفراد وحسب، بل إلى شعب
من الشعوب. وهذا هو موضوعنا. فالله يتصرّف مع شعبه كما يتصرّف مع شخص من الأشخاص
يدعوه. لا شكّ في أنه يكلّمه بالوسطاء، مثل موسى. ولكن إذا وضعنا هذا العنصر
جانبًا، فمسيرة شعب إسرائيل تتضمّن كل عناصر الدعوة. فالعهد هو أولاً نداء من الله.
وكلام يتوجّه إلى القلب. وحين نقرأ أسفار الشريعة والأنبياء، نراها مملوءة من هذا
النداء. "إسمع يا إسرائيل". "إسمع الرسوم والأحكام التي أعلّمكم لتعملوا بها" (تث
4: 1). "إسمع يا إسرائيل الرسوم التي أتلوها على مسامعكم" (5: 1). "إسمع يا
إسرائيل، إن الرب إلهنا رب واحد" (6: 3-4). "إسمع يا إسرائيل، إنك اليوم تجوز
الاردن... فاعلم أن الرب إلهك هو يعبر أمامك" (9: 1-3).
مثل هذا الكلام يُلزم الشعب بحياة تختلف عن حياة سائر الشعوب. فالله هو كافل شعبه:
"أنت شعب مقدّس للرب إلهك، وإياك اصطفى أن تكون له أمّة خاصة من بين جميع الأمم
التي على وجه الأرض" (7: 6). وسيقول في خر 19: 4: "حملتكم على أجنحة النسور (فلا
يطالكم أحد) وأنت بكم إليّ".
بما أن هذا الشعب هو شعب الله، فالله يمنعه من أن يستند إلى إله سواه، إلى ملك
سواه. هذا ما نجده في سفر أشعيا خلال الحرب الآراميّة (دمشق) الافرائيميّة
(السامرة) ضدّ أورشليم. استند أحاز ملك أورشليم، إلى تغلت فلاسر، ملك الأشوريين، لا
إلى يهوه، فجاءه كلام الرب بفم أشعيا قاطعًا: "إن لم تؤمنوا فلن تأمنوا" (9:7).
يعني: إذا كنتم لا تتّكلون كل الاتّكال على الرب، فلن تجدوا الخلاص. لن تثبتوا.
وسيقول الربُ بفم إرميا "هازئًا" بهذا الشعب الذي عبد الآلهة، وترك الإله الواحد:
"هل استبدلت أمّةٌ آلهتها بآلهة الآخرين، هذا مع أنها ليست بآلهة؟ ومع ذلك، فشعبي
استبدل إلهه بالآلهة. استبدل مجده (أي: الله) بما لا فائدة فيه. إنذهلي أيتها
السماوات من هذا واقشعرّي" (إر 2: 11- 12).
وأخيرًا، إن نداء الرب ينتظر جوابًا، لا من شخص من الأشخاص وحسب، بل من الشعب كله.
ينتظر الالتزام الحياتيّ بلا تردّد ولا مساومة. بعد أن ألقى موسى كلام الله على
الشعب، قالوا: "كل ما تكلّم به الرب نعمل بحسبه" (خر 19: 8). هذا مع موسى. ومع
يشوع، كان اتفاق بين الله والشعب في مدينة شكيم. سألهم يشوع: هل تريدون أن تعبدوا
الآلهة الغريبة؟ أجابوا: حاشى لنا أن نترك الرب ونعبد آلهة غريبة. ثم زادوا: كلا،
بل الرب نعبد. وفي النهاية: "الرب إلهنا نعبد ولصوته نسمع" (يش 24: 16-24).
العهد في سيناء، العهد في شكيم، العهد في موآب قبل دخول الأرض المقدّسة. فالعهد في
الأساس هو اتفاق بين ملكين، بين دولتين. كان عهد بين الله الذي هو ملك الكون، وموسى
الذي هو ملك شعبه. وكان عهد مع داود. بل إن كل ملك كان يقيم عهدًا مع الله حين
يتوّج فيهتف له المرتّل باسم الله: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك". أنت اليوم صرت
ابني. فأنا قد تبنّيتك (مز 2: 7). وبما أن موسى أو داود يمثّل الشعب، فنحن أمام عهد
بين الله وشعبه. بموجب هذا العهد يصبح يهوه إله إسرائيل. ويصبح إسرائيل شعب الله.
أجل، هذا العهد هو رباط يطلبه الضعيف من القوي، والفقير من الغنيّ. أما هنا فالله
القدير هو الذي قدّم عهده حين دعا موسى وأرسله ليخلّص شعبه.
العهد هو علاقة تدلّ على التضامن بين متعاقدين. في العبرية "ب ر ي ت". وتعني في
الأصل "بين اثنين" (راجع في الأكادية: بريتو، بيريتو). وتطوّر معنى "ب ر ي ت"
انطلاقًا من عبارة "ك ر ت. ب ر ي ت" أي قطع عهدًا. فقطع العهد هو خاتمة عقد العهد
بين الاثنين (تك 15: 18؛ 21: 27، 32). أما أقدم مثل معروف لعبارة "قطع العهد" فنجده
في وثيقة من وثائق "ماري" (على الفرات)، تتحدّث عن "قتل جحش بين (بيريه) الخانيين
وأهل ايداماراز" لكي يقوم الوفاق بين الاثنين.
ولفظة "قطع" في عبارة "ك ر ت. ب ر ي ت"، تشير إلى العهد نفسه. ففي تك 9:15-10، 17
وإر 18:34-19، قُطعت الاضاحي قطعتين، ودعا كلّ من المتعاقدين على نفسه بأن يُقطع
مثل هذه الذبائح إن هو تجاوز بنود العهد. نجد مثلاً أراميًا يعود إلى القرن الثامن
ق م، وفيه عقد بين "م ت ي ع ل" ملك أرفاد، وملك "ك ت ك". نقرأ: "وكما قُطع هذا
العجل فليُقطع "متيعل" ويُقطع عظماؤه" إن هم تجاوزوا بنود العهد.
هكذا هو العهد مع البشر. والعهد مع الإله (في العالم الوثني)، مع يهوه (في عالم
إسرائيل)، هو طريقة بها نعبّر عن العلاقات بين الله والبشر. قد نجد "عهدًا" بين
الله والملك في العالم الشرقي. ولكننا لا نجد إلاّ في إسرائيل عهدًا بين الله وشعب
من الشعوب. قد تعود الفكرة إلى علاقة بين ملك صغير (جبيل، صور...) وملك كبير (مصر)،
أو إلى عقد زواج. هذا يعني أن الأصغر يُقسم بأنه يكون أمينًا للأكبر، وأن الشعب
يكون أمينًا لربه.
إن تعابير هذا التوافق، تتلائم كل الملائمة مع ما قيل عن علاقة الشعب بإله غيور،
بإله متطلّب. ونقول الشيء عينه عن عقد الزواج، تحط يطلبون من المرأة تعلّقًا تامًا
بزوجها. فإن هي خانته صارت زانية. وهكذا تكون العلاقة بين الرب وشعبه، بحيث يصبح
الشعب زانيًا حين يخون ربه ويلجأ إلى آلهة أخرى. فالأنبياء، ولاسيّما هوشع (ف 1-3)
وإرميا (2: 2؛ 3: 1-6، 12) وحزقيال (8:16) يلجأون إلى هذه الاستعارة التي وجدوها في
أسفار موسى الخمسة وطبّقوها. نقرأ في خر 20: 5 وتث 5: 9: إن الله "إله غيور"، يغار
على شعبه (لئلا يخونه)، كما يغار الرجل على امرأته.
خاتمة
مبادئ ثلاثة قدّمناها في ثلاثة فصول، وهي تتيح لنا أن نتعرّف ولو بطريقة سريعة إلى
الديانة اليهوديّة في الماضي كما في الحاضر. في الماضي منذ أيام الآباء وموسى
مرورًا بالأنبياء، إلى زمن ما بعد الجلاء. بل إلى بدايات المسيحيّة. وفي الحاضر
الذي يبدأ منذ القرن الثاني ب م، بعد أن ضاع الهيكل والكهنوت والذبائح. بعد أن زالت
ممارسات عديدة من الحياة اليوميّة، بعد أن تشتّت شعب إسرائيل وسط سائر الشعوب فكاد
يذوب فيها، بعد أن صارت التوراة (أي العهد القديم) الصلة الوحيدة بين الله والبشر.
هذا الواقع نجده اليوم في جماعات عديدة تخاف من الانفتاح لئلا تذوب كما كادت أن
تفعل في أوروبا في عصر الانوار في القرن الثامن عشر. فتنغلق على ذاتها في إسرائيل
أو في أحياء تعود باليهود إلى زمن المجبر أو الغيتو.
قد تعيش هذه الجماعات حياتها الاجتماعية الخارجيّة مع سائر الديانات. ولكنها تحاول
أن تجعل من الختان بداية انتماء إلى شعب يتميّز عن سائر الشعوب. وتحافظ على السبت
في كل دقائقه. وتعيّد أعيادها بما فيها من أمور قديمة وجديدة، بما فيها من عناصر
دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة وفولكلوريّة. وتحافظ على "طهارتها" ولاسيّما على مستوى
الطعام والشراب والعلاقات بالناس. هذه المبادئ تحافظ على تماسك الاقليّة اليهوديّة
في العالم، التي لا تتعدّى الخمسة عشر مليونًا. ولكنها قد تسير بها إلى الإنحلال إن
هي رفضت الامتزاج بالآخرين على ما حصل للسامريين الذين صاروا اليوم قلّة قليلة حول
جبل جرزيم في فلسطين.
الفصل الثامن
التوراة أو أسفار العهد القديم
كل دين ينطلق من وحي، من خبرة مع الله، من اتصال به. وهذا الوحي هو نور سماويّ
يلامس أعماق الانسان، وقلبه وحواسه. فيملأه من حضور الله. غير أن هذا الوحي لا بدّ
أن يتجسّد في كلام البشر إن بشكل شفهيّ وإن بشكل خطّي وإلاّ ظلَّ في قلب من تسلّمه.
فيلجأ ذاك الشخص المميّز إلى وسائل التعبير الذي في متناوله، ويحمّلها المضمون
الجديد أو المتجدّد الذي ملأ كيانه. ذاك هو الوضع في العالم اليهوديّ، الذي بدأ مع
موسى، بل بدأ مع إبراهيم، وامتدّ إلى الأنبياء والكتّاب الملهمين والحكماء
والأتقياء، فقدّم لنا عددًا من المجموعات المقدّسة، ما زالت حيّة حتى اليوم لدى
اليهود في ممارستهم لإيمانهم وحياتهم اليوميّة. بل انتقل قسم كبير منه إلى الديانة
الاسلاميّة والديانة المسيحيّة. بل استوحاه الشعراء والفنّانون المسيحيّون على مرّ
العصور، فصار هذا الكلام المقدّس حرفًا نقرأه ورسمًا نتأمل فيه وصوتًا يتردّد في
المسامع.
ونحن نعتبر المجموعات اليهوديّة ثلاثًا: التوراة بالمعنى الواسع أو أسفار العهد
القديم. وهي التي كُتبت قبل مولد السيّد المسيح. التلمود وما سبقه من تدوينات بدأت
بالمشناة وامتدت مع التوسفتا والغماره قبل أن تصل بنا إلى تلمود أورشليم وتلمود
بابل. والمجموعة الثالثة هي التفاسير والتراجيم التي غذّت صلاة المجمع أجيالاً
وأجيالاً وما زالت تغني قراءة الكتاب المقدّس لدى اليهود والمسيحيّين.
إذا عدنا إلى اللغة العربيّة، نجد المعنى الحصري والمعنى الواسع للفظة "توراة". هي
أسفار موسى الخمسة. وقد سمّيت في اللغة البيبليّة العالميّة "بنتاتوكس" أو الأدراج
(اللفائف) الخمسة، لأن الكتاب يلفّ على قضيب ولا يتوضّب في صفحات كتاب كما نعرف في
خبرتنا. وبما أن لأسفار موسى الخمسة قيمة تفوق سائر الأسفار، حتى أسفار الأنبياء،
بحيث توقّف عندها السامريون، سمّي العهد القديم كلّه "التوراة".
أما في العالم اليهودي، فالعهد القديم يتألّف من ثلاثة أقسام يُشار إليها بالحرف
الأول من كل قسم: ت (توراة). ن (نبييم أو الأنبياء). ك (كتوبيم أو سائر الكتب).
لهذا يسمّون الكتاب المقدّس "تنخ" (يلفظون الكاف خاء كما في عدد من اللغات
الساميّة). أما القسم الأول فيضمّ البنتاتوكس أو أسفار موسى الخمسة، وقد نسبت
كتابته خلال قرون عديدة إلى موسى. والقسم الثاني يضمّ ما يسمّى "الكتب التاريخيّة"
(يش، قض، 1-2 صم، 1-2 مل) تحت عنوان الأنبياء الأولين أو الأنبياء السابقين. كما
يضمّ نبوءات أشعيا وإرميا وحزقيال والأنبياء الاثني عشر مثل هوشع وعاموس وغيرهما.
وما نجده في "كتوبيم" أو سائر الكتب، هو كل ما لم يدخل في القسم الأول والقسم
الثاني. من صلوت المزامير، إلى حكمة أيوب والجامعة، إلى أسفار الأخبار وعزرا
ونحميا. وقد تمّ هذا التمييز في نهاية القرن الثالث أو بداية القرن الثاني ق. م.
وبما أن سفر دانيال الذي جعلته السبعينية اليونانيّة بين الأنبياء، قد دوّن في
منتصف القرن الثاني ق. م. أو قبل ذلك الوقت بقليل، فهو لم يدخل مع الأنبياء، بل
جُعل مع الكتب الباقية التي نجدها في القسم الثالث.
ونشير قبل الحديث عن أسفار "تنخ"، عن أسفار التوراة والأنبياء والكتب، أنه كان هناك
قانونان (القانون هو قصبة القياس، المعيار للدلالة على أن هذا السفر كتاب مقدّس) أو
لائحتان للأسفار المقدّسة: لائحة فلسطين التي تضمّ 39 كتابًا أو سفرًا. وقد وصلت
إلينا في اللغة العبريّة، ومقاطع قصيرة جدًا في الأرامية، مثل فصول من سفر دانيال.
ثم لائحة الاسكندريّة التي زادت سبعة كتب على لائحة فلسطين، ووصلت إلينا في اللغة
اليونانيّة مترجمة عن العبرية أو الأرامية، أو مدوّنة مباشرة في اليونانيّة مثل سفر
الحكمة. أما السبب الذي لأجله رفض العالم اليهوديّ لائحة الأسفار المقدّسة كما كانت
في الاسكندريّة، فلأن المسيحيّة الفتيّة أخذت بها بعد أن وجدت فيها الكثير ممّا
يدلّ على مجيء المسيح وحياته. يكفي لذلك أن نذكر أش 7: 14 حيث الصبية المتزوجة في
العبرية (ع ل م ه. مؤنث غلام في العربية) صارت "العذراء والبتول" (برتانوس في
اليونانية). وهكذا انطبق النصّ الكتابي على مريم العذراء، وأم يسوع المسيح. لهذا
السبب، طلبوا ترجمة يونانيّة جديدة تصحّح "أخطاء" الترجمة السبعينيّة التي سمّيت
كذلك لأن التقليد يقول إن مترجميها سبعون (أو اثنان وسبعون)، بنسبة ستة مترجمين من
كل قبيلة من قبائل إسرائيل الاثنتي عشرة. بدأت ترجمةُ السبعينيّة في منتصف القرن
الثالث ق م. أما الترجمات اليهوديّة اللاحقة فجاءت في القرن الأول المسيحي وما بعد
(أكيلا، سيماك).
ماذا عن "توره" أو أسفار موسى الخمسة؟ هي في الأصل كتاب واحد، وقد قُسم إلى خمسة من
أجل القراءة الليتورجيّة. يبدأ بنشيد خلق العالم وينتهي بموت موسى. أما المواضيع
الروحيّة الرئيسيّة فيه، فهي بركة الله (تك 12: 1- 3)، ومخافة الله (تك 20: 22)،
وعهد الله ولاسيّما في سفر التثنية، وقول الله الذي تردّد عشر مرات في تك 1 فأتمّ
عمل الخلق، كما سيتكوّن شعب الله في وصايا عشر يحفظها ويعمل بها.
هناك طبقات في تدوين هذه الأسفار الخمسة التي اسمها التكوين والخروج واللاويين
والعدد وتثنية الاشترع. أما عند اليهود فقد سمّيت بأولى كلمات كل سفر. الأول: في
البدء. الثاني: أسماء. الثالث: ودعا (الرب موسى). الرابع: في بريّة (سيناء).
الخامس: الكلمات (التي كلّم بها موسى جميع إسرائيل). يعني أنها لم تُدوَّن دفعة
واحدة. بل هي انطلقت من تقاليد عديدة حاول موسى أن يجمعها ويُطلق ما سمِّي الديانة
الموسويّة. وما بدأه موسى في القرن الثالث عشر ق م قد أتّمه الكاهن عزرا في القرن
الرابع ق. م.
إنطلق "اللاويون" (أو الكهنة) من نواة أولى وأخذوا يتوسّعون فيها، ولاسيّما في
مناسبة الأعياد حيث يجتمع المؤمنون بالآلاف. بل أخذوا أمورًا عديدة من الشعوب
المجاورة، وقد اختلفت "الاخبار والأقوال" بين منطقة وأخرى، بين معبد وآخر. فالحكماء
في أرض يهوذا بدأوا منذ داود وسليمان يجمعون التقاليد التي تسند ملكيّة داود
وسليمان، وتدلّ على أن بركة ابراهيم قد وصلت إلى داود عبر قبيلة يهوذا، وستمتدّ في
نسله. اسم الرب عندهم: يهوه أي الإله الذي هو. واللاويون المتأثّرون بالأنبياء
توسّعوا بشكل خاص في موضوع مخافة الله والعيش بحسب وصاياه. كانوا في شمالي البلاد
فأبرزوا قبيلة رأوبين. ولم يتعلّقوا بسلالة خاصة (سلالة داود في يهوذا)، بل حافظوا
على المبدأ الديمقراطيّ الذي يتمثّل في القبائل. أما إلههم فقريب من إله
الكنعانيّين. هو إلوهيم أي جمع إيل. وأعاد اللاويون قراءة التقاليد فقدّموا لنا
"شريعة ثانية" (تث 18:17) توجّهت بشكل خاص إلى الملك. وفعل مثلهم الكهنة. فعادوا
إلى الوثائق المحفوظة في المعابد، وقدّموا الأسفار الخمسة في صيغتها النهائية إبّان
الحكم الفارسي. وهكذا كان لليهود شريعة وقوانين كما لسائر الشعوب في المملكة
الفارسيّة.
حدّثنا سفر التكوين (في البدء لدى الشعب اليهودي) عن خلق الكون والانسان، عن بداية
تكوين الشعب العبراني مع ابراهيم واسحاق ويعقوب والقبائل الاثنتي عشرة. في الأصل،
يشكّل كل اسم من هذه الأسماء إسم قبيلة. اتّحدت القبائل اتحادًا دينيًا قبل أن تتحد
إتحادًا سياسيًا حول شخص داود وسليمان. وفي النهاية اعتبر الكاتب أن رؤساء هذه
القبائل هم أقارب: ابراهيم هو أبو اسحاق، ويعقوب هو أبو يوسف وبنيامين وسائر
"اخوتهما". ونقلنا سفر الخروج إلى مصر (أسماء بني إسرائيل) بعد أن كانت وجهتنا في
سفر التكوين بلاد الرافدين. أما هذا السفر الثاني فيروي لنا خروج الشعب من مصر، من
أرض العبوديّة إلى سيناء موضع العبادة لله. أما سفر اللاويين أو سفر الأحبار، فهو
يورد قوانين تتعلّق بشعائر العبادة، بالذبائح، بالكهنة، بالمحرّمات. وأعاد سفر
العدد الذي سمّي كذلك بسبب الاحصاءات التي فيه، قراءة أخبار الخروج في البرية
واستعدّ للدخول إلى الأرض المقدّسة. أما سفر التثنية فهو قراءة مسيرة الشعب مع موسى
على ضوء الوضع الجديد الذي يعيشه العبرانيون. تركوا حياة البداوة وأخذوا بحياة
الحضارة، فلا بدّ من أن تتكيّف الشرائع القديمة مع ظروف الحياة في أرض كنعان.
نقول هنا ما سبق وقلناه في مقالة سابقة: إن جميع القبائل لم تذهب إلى مصر، بل بعضها
ولاسيّما قبيلة موسى (لاوي) ويشوع بن نون (إفرائيم). كما نشدّد على تمازج التقاليد
بحيث نجد التكرار بين كتاب وكتاب، بل داخل الخبر نفسه كما في خبر الطوفان (تك 6-9).
وأخيرًا، كان لخبرة المنفى (587- 538) تأثير كبير جعلت الكتّاب يعيدون النظر في ما
كتبوا ويربطون كلّ شيء بالله تاركين جانبًا العوامل البشريّة والتاريخيّة.
أما أسفار "نبييم" فتضمّ أولى الأسفار التاريخيّة التي سمّيت التاريخ الاشتراعي
لأنها دوّنت على ضوء سفر تثنية الاشتراع الذي يربط عطية الأرض بالأمانة لوصايا
الله. كما يشدّد على وحدة المعبد لئلا تظهر انحرافات على مستوى العبادة في أماكن
مشتّتة في عرض البلاد وطولها. ونبدأ بسفر يشوع الذي يروي لنا بشكل ملحميّ احتلال
الأرض المقدّسة في سرعة مذهلة. سيُفهمنا سفر القضاة الذي يأتي بعده، كم عانى
العبرانيون لكي يجدوا لهم مكانًا في هذه الأرض الفقيرة. هم لا يستطيعون أن ينزلوا
إلى السهول ولا أن يقيموا في المدن. فظلّوا على التلال القاحلة أو على حدود الأرض
المزروعة. ويتحدّث سفر يشوع عن قسمة الأرض. ومتى كانت الأرض كلّها للعبرانيّين؟ فهم
يعيشون وسط شعوب مختلفة. ثم حين نعلم أن هذا السفر دوّن في شكله النهائي بعد
المنفى، نفهم أننا لم نعد أمام المعنى السياسيّ والحربي، بل أمام المعنى الروحي:
الأرض هي أرض الله والعبرانيون هم ضيوف عنده.
ويحدّثنا كتاب صموئيل عن تنظيم الملكيّة لدى القبائل الاسرائيليّة على مثال ما في
الشعوب المجاورة. هنا نكتشف أولاً شخصيّة صموئيل الذي اختبر حضور الرب في رؤيا، يوم
كانت الرؤى نادرة، الذي سمع كلام الله ولم يدع كلمة واحدة تسقط على الأرض. ثم نكتشف
شخصيّة شاول أول ملك في "إسرائيل". أعطي المواهب العديدة، ولكنه فضّل أن يسمع صوت
الجيش لا صوت الله. فرذله الله. هكذا فسّر الكاتب الملهم نهاية سلالة شاول. أما
داود الذي جاء بعده، فكان بحسب قلب الله. لا شكّ في أنه خطئ، ولكنه عرف أن يتوب.
ويروي كتاب صموئيل بسفريه حرب العصابات بين شاول وداود. ولم يَسُد السلام إلاّ بعد
موت شاول في حرب مع الفلسطيين.
ويبدأ كتاب الملوك مع سليمان العظيم الحكيم الذي ينتهي حكمه في الثورات الاجتماعيّة
بعد أن أثقل كاهل الشعب بالضرائب وأعمال السخرة. بعد موته انقسمت القبائل بين شمال
بعشر قبائل وجنوب بقبيلتين. ونشهد سقوط السامرة سنة 722- 721 ثم سقوط أورشليم سنة
587-586. لا شك في أن هناك ظروفًا إقليميّة وسياسيّة، ولكن الكاتب يتوقّف فقط عند
الناحية الدينيّة: "كان إسرائيل قد خطئ إلى الرب إلهه الذي أخرجه من أرض مصر" (2 مل
17: 7 ي). ولكن بقي بصيص أمل في النهاية: أفرج البابليّون عن ملك اليهود، وأعادوا
إليه بعض الاعتبار. مثل هذا الأمر قد يبشّر بعودة المنفيين المهجّرين إلى بلدهم.
وهذا ما سوف يتمّ في أيام الفرس سنة 538.
وأسفار الأنبياء اللاحقين هي سفر أشعيا الذي شدّد على قداسة الله، كما قدّم لنا
لوحة تاريخيّة أسقط عليها كلام الله، تمتدّ من سنة 740 ق م حتى القرن الخامس
والعودة من المنفى. وعاش إرميا أحلك ظروف شعبه: رأى المدينة تُدمّر، والهيكل يحرق،
والملكُ يؤسر والشعبُ يهجّر، فصرخ من الوجع: أحشائي أحشائي (19:4). وكان حزقيال
نبيًا في المنفى. حكم في البدء على الشعب الخائن لربّه. ولكنه لما علم بدمار
أورشليم وضياع كلّ شيء، بدأ يشجّع المنفيّين ويصوّر لهم الأرض الجديدة التي يهيّئها
الله لشعبه مع هيكل يقيم فيه.
وحدّثنا عاموس عن عدالة الله، وهوشع عن حبّ الله لشعبه كحبّ العريس لعروسه. وتساءل
حبقوق عن معنى الشرّ الذي يصيب العالم... وهكذا امتدت نبوءاتهم حتى زمن الاسكندر
الكبير وما بعد.
والقسم الثالث من العهد القديمُ سُمّي "كتوبيم" فضمَّ سفر المزامير الذي هو كتاب
الصلاة، وسفر الجامعة وبطلان مشاريع الانسان التي لا تنعشها مخافة الله، ونشيد
الأناشيد أي نشيد حب الله لشعبه ولكل مؤمن من مؤمنيه، وسفر الأخبار اللذان أعادا
قراءة كل تاريخ الشعب العبراني منذ البدايات حتى القرن الثالث ق م، من وجهة التقليد
الكهنوتي.
لن نتحدّث عن الأسفار القانونيّة الثانية التي لم تحوها التوراة العبريّة، لأن
العالم اليهودي، شأنه شأن العالم البروتستانتي، يعتبرها أسفارًا منحولة. ولكننا
نقول إنه بعد دمار الهيكل وغياب الكهنة، صار الكتاب المقدّس هو الوسيط بين الله
والبشر. وقد كلّم الله شعبه بلغة عبريّة صارت لغة مقدّسة حتى بألفاظها وحروفها،
ففتحت الطريق أمام العربية. فاليهودي المؤمن لا يقرأ كتابه إلاّ في اللغة العبريّة
ولا يعود إلاّ نادرًا إلى الترجمات الحديثة. أما المسيحيّة فلم تقدّس لغة من
اللغات، بل حاولت أن توصل كلام الله إلى جميع البشر في كل لغات العالم.
الفصل التاسع
من المشناة إلى التلمود
تحدّثنا في فصل سابق عن التقليد الخطّي الذي يرقى إلى موسى وداود وسليمان والأنبياء
وسائر الكتّاب الملهمين. إنه كلمة الله المكتوبة التي يدرسها اليهوديّ ويتحرّاها
ويقابل النصوص بالنصوص والآيات بالآيات، بل الحروف بالحروف. ولكن التيار الفريسي
اعتبر أن هناك تقليدًا شفهيًا يتناقله المعلّمون جيلاً بعد جيل، وهو أيضًا كلام
الله. هذا التقليد الشفهي بدأوا بتدوينه بعد زمن المسيح. بدأوا بالمشناة وانتهوا
بالتلمود.
تعود المشناة (أو المشنى) إلى فعل "ش ن هـ" الذي يعني "ردّد، كرّر" وتأثر باللفظة
الآرامية "تنى" (رج في العربيّة: ثنى، اثنين) فاتخذ معنى "درس". وطُبّق بشكل خاص
على دراسة "الشريعة الشفهيّة"، ودلّ على أسلوب خاص يقوم على الذاكرة والاستعادة على
ما في نظام الآباء (أبوت 8:3) "حين يسير واحد في الطريق ويستعيد ما تعلّمه يقطع
المشنى". إن "م ش ن ه" تقابل "م ق ر ا" (قرا، قرأ) التي تعني الشريعة المكتوبة التي
يجب قراءتها (نح 8: 8).
في شكل عام، تدلّ المشناة على الشريعة الشفهيّة في كل نواحيها، على المدراش (أو
الدرس والتأمل)، على الهلكوت أو الأمور السلوكيّة، على الهاغادوت أي الأخبار
الكتابيّة التقويّة. في النهاية، دلّت على السلوك الواجب اتباعه.
المشناة هي تعليم شفهي حول المبادئ القانونيّة وتطبيقاتها المختلفة بحيث تخرق عقول
التلاميذ كما تخرق الماء الأرض. قد نكون أمام جزء تعليمي خاص بهذا المعلّم أو ذاك،
أو أمام مجموعة من الشرائع اللامكتوبة، التي لا تُقرأ في كتاب، بل يسمعها التلميذ
من فم معلّم ويكرّرها هو بدوره.
أما المشناة ككتاب فهي المجموعة الكاملة التي دوّنت في العبريّة، لشرائع انتقلت في
الماضي انتقالاً شفهيًا، ثم دوّنها رابي يهودا هاناسي، وقد شكّلت نواة تلمود
أورشليم وتلمود بابل.
نستطيع أن نعتبر المشناة نتيجة النشاط القانوني للمعلّمين اليهود خلال القرن الثاني
ب م. فالظروف الجديدة فرضت شروحًا جديدة، وتفاصيل وإيضاحات، وتكيّفات وتطبيقات على
شريعة موسى: الشريعة لا تتبدّل، ولكن طريقة عيشها تتبدّل، لهذا نعود إلى نصوص قديمة
ونقرأها في إطار جديد فنتجدّد.
كان المشناة أولاً عمل "س ف ر د م" أي السفرة (سفر الكتاب أي كتبه) أو معلّمي
الشريعة، وقد كوّنوا مجموعتين. المجموعة الأولى (الصادوقيون) يفسّرون الشريعة
تفسيرًا واسعًا. والمجموعة الثانية (الفريسيون) يفسّرونها بأضيق طريقة، ويسعون إلى
إلغاء خطر تجاوزها، فيُدخلون فرائض جديدة، وقد جعل الفريسيون لتفاسيرهم والفرائض
التي أضافوا، قوّة تضاهي قوّة الشريعة المكتوبة، وسعوا لكي تنتقل تقاليد الآباء
كلّها (غل 1: 14؛ رج مت 15: 2) من السلف إلى الخلف. ولما دمّرت أورشليم سنة 70 ب م،
زالت المجموعة الصادوقيّة وسيطر الفريسيون على العالم اليهودي سيطرة لا ينازعهم
فيها أحد.
عند ذاك حلّ محل علماء الشريعة (س ف ر ي م، يذكرهم الانجيل) "الردادين" (في
الآرامية تنائيم، من ت ن ا، ردّد، كرّر) الذين كانوا يعلّمون في صفورية وطبرية
(فلسطين)، فدونّت تعاليمهم في المشناة. ولقد أظهر النقد الأدبي، أنها عمل أربعة
أجيال: النواة القديمة. رابي عقبية (الجيل الثاني 100-130 ب م). ورابي مئير ورابي
يهودا (الجيل الثالث، 130- 160) وغيرهما، الذين زادوا مواد جديدة. وفي النهاية جاء
رابي يهودا هاناسي (أي الأمير، وقد سمّي "رابي" فقط بدون زيادة، لأنه اعتُبر
"المعلم"، 135-217 ب م) فأعطى المشناة شكلها الرسمي والنهائي، فصارت قاعدة حياة
وفكر.
تألفت المشناة من ستة أقسام أو نظم (س د ر ي م، ترتيب)، وتوزّعت على ستين (في
النصوص المطبوعة: 63) مقالاً، و523 (هناك من يجعلها 524 أو 525) فصلاً، و4187
مقطعًا. النظام الأول: "زرع ي م" (الزروع) ويعالج ثمار الحقل. فيه 12 مقالاً حول
الزراعة والعشور... النظام الثاني: "م و ع د" أي الموعد والزمن المحدّد. نجد فيه 12
مقالاً حول السبت وأيام الأعياد خلال السنة. النظام الثالث: "ن ش ي م" أي النساء.
وفيه سبعة مقالات حول الزواج والطلاق.... النظام الرابع: "ن ز ق ي م" أو الأضرار
والاساءات. هي عشرة مقالات حول الحقّ المدني والجنائي. النظام الخامس: "ق د ش ي م"
أي المقدسات، الأمور المقدسة. فيه 11 مقالاً عن الذبائح وشعائر العبادة. والنظام
السادس والأخير: "ط هـ ر و ت" أي الطهارة في 12 مقالاً حول الطاهر والنجس.
وبعد المشناة "توسفتا" أي مجموعة تعاليم تنائية (دوّنها الردادون، تنائيم) تكمّل
تعاليم المشناة. فالتوسفتا التي هي ستة أضعاف المشناة، تنقسم قسمات المشناة أي
الزرع والموعد والنساء والأضرار والقدسيّات والطهارة. غير أن هناك برّانيات تزيد
مواضيع على المشناة أو تحمل عناصر جديدة.
ما هو أصل توسفتا، ومن أين جاءت موادها؟ نسب التلمود (سنهدرين 61 أ) تدوين توسفتا
إلى رابي نحميا، وأعلن أن المشناة هي عمل رابي مئير. إذا كان هذا القول صحيحًا، نجد
تفسيرًا للنقاط المشتركة العديدة بين توسفتا والمشناة، لأن الرجلين كانا تلميذي
رابي عقيبة. ولكن لا شيء يبرهن على أن رابي نحميا هو الذي دوّن "الاضافات". رأى
أخصّائيون أننا أمام مجموعة انتقائية فيها الأمور المختلفة، بل المتعارضة في بعض
المرّات. فالتوسفتا شأنها شأن المشناة، تورد مرارًا رأيين يتعارضان ولا تقدّم كلمة
الفصل.
يبدو من البحث الحديث، أن التوسفتا كما نُقلت إلينا، لم يعرفها كتّاب تلمود بابل
ولا كتّاب تلمود أورشليم، لأن التلمود يحاول أن يوضح مسائل سبق وأوضحتها توسفتا.
ولكن من المرجّح أن كاتب أو كتّاب التوسفتا عاشوا في فلسطين، لأن الأسلوب والمضمون
في الاضافات قريب جدًا من تلمود أورشليم.
أمّا "البرانيّات" التي نجدها في "الاضافات" فتقدّم في أكثر المرّات نصًا مشابهًا
لنص المشناة. ولكن قد تكون اختلافات على مستوى التعبير، بل على مستوى المضمون. وقد
تكون مادة في توسفتا غير موجودة في المشناة. أما التلمود فيعتبر بشكل عام أن
المشناة هي الينبوع الأول لكل تفسير، وحين لا تتوافق برانيّة ما مع المشناة، يستند
الشارح إلى سلطة المشناة. أما إذا كان هناك فجوة في المشناة، فيؤخذ عادة نص
البرانيّات.
ونصل إلى التلمود الذي يعود إلى "ل م د" درس (رج التلميذ في العربيّة). هو يعود بنا
إلى آراء وتعاليم تلقّاها التلاميذ من معلّميهم ليعرضوها ويفسّروها (س د ر تنائيم
وأمورائيم: نظام الردّادين والقوّالين). التلمود هو تفاسير وجدالات القوّالين
(أمورائيم) حول مشناة يهودا هاناسي. هناك "شاس" أي ستة أنظمة المشناة. وهناك
"جمارة" أو "غمارة". تواصلت دراسة المشناة في فلسطين وفي بابل، فتكوّن تلمودان:
تلمود أورشليم (تسمية خاطئة) وتلمود بابل.
هذه المجموعة هي أساس سلطة الشرائع والتقاليد اليهوديّة، التي تجمّعت على مدى 700
سنة، من 2000 سنة ق م حتى سنة 500 ب م. وهي تضمّ المشناة وجدالات الرابينيين في
الغمارة. إن الشريعة الشفهيّة التي أعطيت لموسى على جبل سيناء كما يقول التقليد، قد
جُعلت قوانين في المشناة، وكانت الغمارة نتيجة المناقشات في هذه القوانين. وهكذا
نقسم الحقبة التلموديّة حقبتين: حقبة المشناة وحقبة الغمارة. وحين نقوم بهذه
القسمة، فنحن لا نقف فقط على المستوى الأدبي. فالهلكة (أو السلوك) التي هي مجمل
الشريعة اليهوديّة تتأسّس على تراتبيّة المراجع. مهما كان المرجع قديمًا كانت سلطته
عظيمة. فالشرائع التي عبّرت عنها التوراة بوضوح، لها سلطة تسمو على سلطة المشناة.
وتتفوّق سلطة المشناة على سلطة الغمارة. والشرائع التي أعطتها غمارة لها سلطة لا
تمتلكها القرارات السلوكيّة اللاحقة. لهذا سمّي معلّمو المشناة تنائيم أي الذي
يعلّمون. أما سلطة الغمارة فسمّيت "أمورائيم" أي الذين يشرحون.
تكرّست المشناة بشكل شبه حصريّ للهلكة، وهي لا تتضمّن إلاّ النتيجة الأخيرة لجدالات
الرابينيّين. وغابت عنها براهين وجدالات طويلة حول النصوص البيبليّة. ولكن إذا كانت
المشناة أعظم مجموعة لقرارات الرابينيين في القرن الثاني ب م، إلاّ أنها ليست
الوحيدة. فقد احتفظت لنا الكتب بالاسلوب القديم لدراسة الشريعة الشفهيّة في أربعة
أجزاء المدراش السلوكي. فالمدراش يدلّ على كل تفسير رابيني للنص البيبليّ. ومدراش
هلكه يتضمّن تفاسير الرابينيين حول الشرائع البيبليّة. ولا ننسى "البرانيّات" التي
جمعت في الاضافات، في توسفتا. غير أن توسفتا لا تتضمّن كل أعمال الردّادين التي
غابت عن المشناة. فهناك برّانيّات عديدة حُفظت في القسم الثاني والأكبر من التلمود،
الذي سمي "غمارة" أي ما نتعلّمه من التقليد. انطلق المعلّمون من نصّ المشناة
ووسّعوه في صفحات عديدة. وهكذا كان لنا سنة 425 ب م أول نسخة للتلمود (المشناة +
غمارة). سمّي أولاً تلمود المغارب لأن أرض فلسطين تقع غربي بابل، ثم سمّته الأجيال
اللاحقة تلمود أورشليم.
هذا التلمود ليس نتاج أكادمية أورشليم الرابينيّة. بل الرابينيين في قيصرية البحرية
وصفورية وطبرية. يشكّل تلمود أورشليم ثلث تلمود بابل في عدد الصفحات. وهو لا يحوي
"غمارة" على كل المشناة (قدشيم أو الشرائع المتعلّقة بالذبائح والهيكل، طهوروت أو
الشرائع حول الطاهر والنجس).
دُوّنت غمارة تلمود أورشليم في الشكل الجليلي للآرامية الغربية. ووُجدت ألفاظ
عبرية، كما وُجدت ألفاظ لاتينيّة ويونانيّة مشوهة. والجدالات هي بشكل عام قصيرة
وقاطعة. وثلث هذا التلمود لا يتعلّق بالسلوك، لأنه تأثّر بالمدراش الاخباري الذي
اتّسع كثيرًا في فلسطين.
ساءت الحالة في البلاد فأجبر الرابينيون في فلسطين على السرعة في العمل. أما
المعلّمون في بابل، فواصلوا أبحاثهم. نشير إلى دور كبير لعبه يوحنان بر نفخة خلال
القرن الثالث في جميع هذه العناصر العديدة. أما التدوين فقد تمّ بعد موته. بما أن
"ج ي و ن ي م" أو رؤساء الأكادميات منذ القرن السادس حتى القرن الحادي عشر، أعلنوا
سلطة تلمود بابل، لهذا أهمل تلمود أورشليم الذي لم يذكره سوى سعدية غاوون. غير أن
المعلّمين في أفريقيا الشمالية وجنوبي إيطاليا ظلّوا يدرسونه. نشير إلى أن النسخة
الفرنسيّة ظهرت في ستة أجزاء في باريس بعناية م. شواب Schwab (1969) بعد أن كانت 11
جزءًا سنة 1871- 1879، و12 جزءًا سنة 1932. وهناك ترجمات انكليزيّة وألمانيّة...
أما تلمود بابل فهو يختلف كل الاختلاف عن تلمود أورشليم. دوّن نصف الغمارة في
العبريّة، والنصف الآخر في الآراميّة. وتوسّعت الجدالات وطالت. كما أن الأمور
السلوكيّة لم تأخذ سوى ثلث الكتاب. أما الثلثان الآخران فيتضمّنان المدارش
الاخباريّة.
يعلن التقليد أن رابي عشي وربينا قد نشر تقليد بابل، ولكن رابي عشي قد يكون وضع
الأسس، وتتابع العمل بعده أجيالاً عديدة. وانتهى حوالي 500 ب م. ولم يكتف اليهود
بهذا التلمود واتّساعه ولاسيّما تلمود بابل الذي ظهر في 28 جزءًا. بل أخذوا يفسّرون
التلمود. فقد فسّر راشي (1040- 1050)، في تروا من أعمال شمبانيا في فرنسا، تلمود
بابل، فجاء تفسيره واضحًا، وزاد تفاصيل عديدة. وفسّر سيريلو حوالي سنة 1530 تلمود
أورشليم، كما فسّره موسى مرغوليس (+ 1780 ليتوانيا).
كان تأثير التلمود كبيرًا جدًا، وهو الذي امتدّ انتقاله من الحقبة الشفهيّة إلى
الحقبة الخطيّة قرونًا عديدة، ولاسيّما على الممارسة الدينيّة في العالم اليهوديّ
على مرّ العصور. وقد كان لدراسة التلمود من الأهميّة بحيث إن وصيّة دراسة التوراة
في تث 7:6 (وكرّرها على بنيك وكلّمهم بها إذا جلست في بيتك) و11: 19 (علموها بنيكم
وتدارسوها إذا جلستم في بيوتكم)، فسّرت على أنها بشكل رئيسيّ وصيّة تدعو المواطن
إلى دراسة التلمود. وحتى اليوم، ما زالت دراسة التلمود الاهتمام الرئيسي في
الاكادميات الرابينيّة في العالم.
وتلمود بابل هو بشكل خاص أكثر من مجموعة شرائع وفرائض. فهو يتضمّن كنزًا غنيًا على
مستوى الفكر والتاريخ والتأويل البيبلي والعادات اليهوديّة. لهذا طبع بطابعه
العالمَ اليهوديّ والهويّة اليهوديّة. وشرائعه حوّلت اليهوديّة إلى نمط حياة يشمل
كل وجهات الحياة اليوميّة.
الفصل العاشر
من المدراش والترجوم
إلى قمران وفيلون ويوسيفوس
بعد التوراة التي امتدّ تدوينها عشرة قرون ونيّف، وبعد التلمود الذي بدأت أولى
تمتماته في القرن الثاني ق م،، انتهى تدوينه في القرن الخامس ب م، نودّ أن نتوقّف
عند ثلاث ظواهر أدبية: المدراش والترجوم، مؤلفات قمران، يوسيفوس وفيلون
الاسكندراني.
ما هو المدراش؟ تعود الكلمة إلى "درش"، تفحّص، شرح، فسّر، درس. المدراش هو تأويل
الرابينيّين للعهد القديم. وإن يكن للمدراش شكل تفسيري يشرح النصّ الكتابيّ آية
آية، إلاّ أنه في أغلب الأحيان توسيع وإسهاب لهذا النصّ في طريقة تقويّة تبني
المؤمنين، وتحمل غنى معطيات جديدة (بعضها خبر له أساس في التاريخ). هذا ما نسميه
المدراش الاخباري (هاغاده). المدراش هو جمع مواعظ وخطب قيلت في المجامع ومدارس
السبوت والأعياد، أو بمناسبة أحداث هامّة في الحياة العامّة أو الخاصّة (حرب، جوع،
ختان، زواج، جنازة...).
أما في ما يتعلّق بالنصوص التشريعيّة، فالمدراش يحاول أن يوضح تطبيقها في الحياة
اليوميّة، أو أن يستنتج توجيهات جديدة عمليّة. هذا ما يسمّى المدراش السلوكي. أما
أقدم المدارش (جمع مدراش) فهو ملكتا (قياس، أسلوب، شكل) رابي اسماعيل حول الخروج،
وهو مدراش التنائيم (الردّادين) حول الخروج. يبدأ الكتاب في خر 12: 2 ويمتدّ حتى
النهاية. فيحتفظ بأخبار قديمة لا نجدها في موضع آخر. وهناك "سفرا" (كلمة آرامية
تعني الكتاب) حول سفر اللاويين. هو مدراش يضمّ مجموعة من "برانيات" التنائيم وهي
تعود إلى القرن الثاني ب م. ونذكر أيضًا في الوقت عينه المدراش حول سفر العدد،
والمدراش حول سفر التثنية. هنا يجدر القول إننا نجد "مدراش" على جميع أسفار
التوراة.
والترجوم يعني "ترجمة" ونقلاً من العبرية إلى الآرامية. تعود اللفظة إلى "ت ر ج م"
(شرح، نقل) (رج عز 7:4)، إلى أصل أكاديّ أو حثّي. أما في الاستعمال الرابيني،
فالفعل يدلّ على نقل النصّ العبريّ إلى أية لغة أخرى (تلمود أورشليم قدشيم 1: 59 أ؛
مجله 1: 7 ج). غير أن الكلمة (ترجوم) استعملت فقط لتدلّ على ترجمة البيبليا إلى
الآرامية، أو على النصوص الآرامية التي نجدها بشكل خاص في دانيال وعزرا (المشناة،
يديم 4: 4). يُقرأ النص العبري في ليتورجيّة المجمع، وينقله المترجم (متورجمان)
للحاضرين الذين ما عادوا يفهمون العبرية.
بدأت "التراجيم" في القرن الأول ق م، إن لم يكن قبل ذلك. وقد اكتُشفت نصوص عديدة في
قمران مثل ترجوم أيوب، ترجوم اللاويّين، ترجوم (أو أبوكريفون، منحول) سفر التكوين.
هذا الترجوم لم يكن مكتوبًا، بل كان قائله يتلوه غيبًا. فإذا كان النصّ المقروء من
أسفار الشريعة الخمسة، يترجم المترجم آية بعد آية. وإذا كان من أسفار الأنبياء
يترجم كل ثلاث آيات معًا (المشناة، مجله 4: 4).
نحن نمتلك اليوم "ترجوم" جميع الأسفار البيبليّة ما عدا دانيال وعزرا ونحميا. وهي
تتوزّع حسب توزيع الكتاب المقدّس في عهده القديم: التوراة (ت و ر ه)، الأنبياء
(نبييم)، الكتب (كتوبيم). تراجيم الكتب حديثة العهد. والترجوم الرسمي للأنبياء، قد
نسبه التقليد (مجله 3 أ) إلى يوناتان بن عزيئيل، أشهر تلاميذ هلاّل. أصل هذا
الترجوم فلسطيني، ولكنه نُشر في بابل، فصار توأم الترجوم الرسمي للبنتاتوكس، ترجوم
أونكلوس. أما لغة ترجوم الأنبياء فتدلّ على أنه دوّن على أبعد حدّ حوالي سنة 135 ب
م. أما تراجيم البنتاتوكس فنجعلها في مجموعتين: ترجوم أونكلوس أو ترجوم بابل. ثم
النسخات الفلسطينيّة.
أما ترجوم أونكلوس فهو النسخة الرسميّة والقانونيّة للتوراة، وقد اتّخذ مكانة خاصّة
في التقليد اليهوديّ بجانب تلمود بابل الذي يسمّيه "ترجومنا" (قدشيم 49 أ). يُقرأ
اسم أونكلوس في مجله 3 أ، ولكن المقطع الموازي في الترجوم الفلسطيني (مجله 1: 71ج)
يدلّ على أننا أمام التباس مع اسم أكيلا الذي ترجم التوراة العبرية إلى اليونانيّة
في القرن الثاني ب م. أما تلمود أونكلوس فهو نسخة تقليديّة لا نعرف اسم كاتبها،
ولكنها تعود في الأصل، إلى فلسطين. هذا التلمود الذي انطلق من فلسطين إلى بابل،
سيعود إلى فلسطين بعد الفتح العربي ويسيطر سيطرة تامّة على سائر التراجيم التي لم
تعد تنسخ. وهكذا لا نملك منها سوى مخطوطين كاملين، الكودكس نيوفيتي (أو مدرسة
المعمدين الجدد)، في المكتبة الفاتيكانيّة، والمخطوط البريطاني 27031.
إن تراجيم فلسطين تمثّل نهاية المطاف لتقاليد مختلفة لترجوم شفهيّ لم يعرف يومًا
نسخة رسميّة موحّدة. غير أن مضمون هذه النسخات هو واحد. نذكر منها نسخة تامّة
"يوناتان المزعوم" أو الترجوم الأورشليمي الأول. ثم نسخة "نيوفيتي" التامة. وأخيرًا
الترجوم الاجزائي أو ترجوم أورشليم الثاني، الذي يتضمّن 850 آية تقريبًا تعود إلى
اختلافات وُضعت في هوامش المخطوطات.
وفي نهاية هذا القسم نذكر ما ترك لنا الاسيانيون في قمران من مخطوطات ونتوقّف عند
شخصين دوّنا ما دوّنا في القرن الأول المسيحيّ، فكان الأول ذاك المفسّر الذي استعمل
لغة الرموز.. والثاني ذاك المؤرّخ الذي أعاد قراءة تاريخ شعبه ثم قدّم لنا معلومات
عن التاريخ اليهوديّ حتى نهاية القرن الأول لا نجدها إلاّ قليلاً في مراجع أخرى.
في بداية سنة 1947، كان راع شاب من قبيلة تعميرة اسمه محمد الديب، يطلب خروفًا
أضاعه وسط الصخور وشقوقها، فاكتشف على مسافة 1300 م إلى الشمال من خرائب قمران،
المغارة الأولى بمخطوطاتها. نشير هنا إلى أن هذه الخرائب تبعد قرابة 12 كلم إلى
الشمال من أريحا الحالية، وعلى الشاطئ الغربي للبحر الميت. لهذا سمّيت أيضًا
مخطوطات البحر الميت. وتتابعت التنقيبات من سنة 1949 حتى سنة 1956، فكشفت إحدى عشرة
مغارة مع ما يوازي 600 مخطوطة دوّن أكثرها في العبرية أو في الآرامية، وكشفت لنا
المغارة السابعة أجزاء من برديات دوّنت في اليونانيّة. وهكذا عرفنا أننا أمام مكتبة
الجماعة الاسيانيّة.
ماذا تتضمّن هذه المكتبة؟ 12 لفيفة محفوظة، سبع من المغارة الأولى وخمس من المغارة
الحادية عشر. نسختان من أشعيا، تفسير حبقوق، نظام الجماعة، نظام الحرب، المدائح،
منحول التكوين (في الآرامية). وفي المغارة الحادية عشرة: سفر اللاويين. مجموعة
مزامير تستعيد 37 مزمورًا من اللائحة القانونيّة وتضيف سبعة مزامير وجدت ثلاثة منها
في اللغة السريانيّة، ترجوم أيوب، درج الهيكل. ووُجدت أجزاء عديدة، بل فتافيت ما
زال الباحثون يتعاملون معها وكأنها لعبة معقدّة (بازل). رُبع هذه الأجزاء هو نسخات
من أسفار التوراة، والباقي يقدّم لنا صورة عن حياة هذه الجماعة.
في هذا الاطار لا نستطيع إلاّ أن نذكر الأسفار المنحولة أو المكتوبة التي سمّيناها
"على هامش الكتاب". فكتفي بذكرها: أخنوخ، وصيات الآباء الاثني عشر، مزامير سليمان،
وصيّة موسى، استشهاد أشعيا، الأقوال السيبليّة، رؤيا باروك اليونانيّة، كتاب أسرار
أخنوخ، كتاب العاديات (أو: القديميات) البيبليّة، سفر عزرا الرابع، رؤيا باروك
السريانيّة، يوسف واسنات، وصيّة أيوب، وصيّة ابراهيم، رؤيا ابراهيم، أخبار إرميا،
حياة آدم وحواء في اليونانيّة، رؤيا إيليا.
ونصل إلى كاتبين يهوديّين من القرن الأول المسيحي. الأول هو فيلون ابن الاسكندرية.
وُلد بين سنة 15 وسنة 10 ق م من عائلة بورجوازية وقد لعب اخوته دورًا سياسيًا
بارزًا. أما هو فاختلفت حياته عن حياتهم فتكرّس للفلسفة واللاهوت، وهو اليهودي
المتكلّم في اللغة اليونانيّة. وقد ترك لنا العديد من كتب الشرح الكتابي والتفسير:
أسئلة في سفر التكوين. أسئلة في سفر الخروج، الجبابرة، بلبلة اللغات، الاحلام. كما
ترك كتبًا لاهوتيّة مثل: وضع الكون، الوصايا العشر، الشرائع الخاصّة. وترك أيضًا
كتبًا دفاعية: حياة موسى، حياة التأمل والمشاهدة.
أخذ لغته وأسلوب براهينه من مقولات الفلسفة اليونانيّة. ولكنه لم يتوقّف عند فيلسوف
واحد أو تيّار فلسفي واحد. بل انتقى ما انتقى من الفلسفة الرواقيّة والفيتاغوريّة
واللاأدريّة والارسطاطاليّة. كان كل ذلك أساسًا ثقافيًا، لا ارتباطًا بهذا النظام
أو ذاك. فبالنسبة إليه، الفلاسفة بسفسطاتهم هم نسل قايين القاتل. والشرائع
اليونانيّة بتعدّدها مملوءة بالتناقضات. أما شريعة موسى فهي شاملة لأنها ترتبط
بالله. لهذا فهي توافق العقل. أما تفسير فيلون المستند إلى اللغة الاستعاريّة في
الكتاب المقدّس، فقد فتح الطريق لاوريجانس وغيره من آباء الكنيسة.
ومعِ فيلون الفيلسوف اللاهوتي نذكر فلافيوس يوسيفوس المؤرّخ الذي كان قريبًا من
الحشمونيين بواسطة جدة جدّته. وُلد سنة 37 ب م، ونال ثقافة واسعة انتهت به لدى
الفريسيين. حارب مع اليهود ضد رومة. حاصره الرومان في يوتفتة. وحين سقطت المدينة،
عزم الوجهاء على قتل أنفسهم. وظلّ يوسيفوس ورفيق له على قيد الحياة، فاستسلما إلى
الرومان وصار هو صديق الرومان. قد يكون مات حوالي سنة 100 ب م.
تآليفه: الحرب اليهوديّة، العادّيات اليهوديّة، السيرة الذاتية، مقال ضد أبيون.
دوّن الحرب اليهوديّة أولاً في الآراميّة، ثم عاد فكتبها في اليونانيّة، وجاءت
العاديات اليهوديّة في عشرين كتابًا فروت تاريخ الشعب اليهودي منذ الخلق حتى سنة 66
ب م. في السيرة الذاتية حاول أن يدافع عن موقفه. وفي مقاله "ضد أبيون" ردّ على
انتقادات الوثنيّين ضدّ اليهود.
كتب الحرب اليهوديّة في أيام وسباسيانس، فبدا قريبًا من الرومان. ولكنه أحسّ بأنه
مهدّد بالقتل. فقلّل من دوره في السيرة الذاتية. أما في العاديات اليهوديّة فتوخّى
أن يعرّف المثقّفين اليونان بالتاريخ اليهوديّ. كما توخّى أن يعيد الأمل إلى شعبه
المشتّت الذي يجب أن يعيش إيمانه بدون هيكل ولا ليتورجيا. فذكّرهم أن العالم
اليهودي يغرز جذوره في تاريخ أقدم من تاريخ اليونان، وفي شريعة تامّة كاملة ترتبط
بالله الواحد.
خاتمة
تلك هي الآداب المقدّسة لدى الشعب اليهوديّ عرضناها بسرعة في ثلاثة فصول. فهناك
الكتاب المقدّس بعهده القديم (أو "التوراة"، بالمعنى الواسع) وفي اللائحة
الفلسطينية التي اكتفت بكتب نقرأها في أصولها العبرية والآرامية. وهناك التلمود
الذي سبقته المشناة والتوسفتا أي التعاليم والاضافات. تلمود هو في الواقع تلمودان.
واحد دوّن في أرض فلسطين ولكنه سمّي خطأ تلمود أورشليم. تلمود موجز جذا وقد أراد
كاتبوه أن يسرعوا في الانتهاء منه بسبب سوء الأحوال في فلسطين. والثاني تلمود بابل
الذي جاء موسّعًا جدًا وفرض نفسه كالتلمود الرسميّ في كل العالم اليهوديّ. وهناك
الترجوم والمدراش، وكتابات قمران، والكتابات التي ارتبطت باسماء مشهورة في العالم
اليهوديّ مثل أخنوخ وأشعيا وابراهيم... فسمّيت الاسفار المنحولة أو المكتومة.
وأنهينا هذه اللمحة السريعة بوجهين كبيرين، واحد في عالم التفسير اللاهوتيّ هو
فيلون الاسكندراني. وآخر في عالم التاريخ هو فلافيوس يوسيفوس.
كل هذه الآداب ترجمت إلى اللغات الحديثة، وقد درسها اليهود، كما درسها المسيحيون،
واستقى منها الشرق بشكل خاصّ في كتب التفاسير واللاهوت. وها هي تنشر اليوم في
الغرب، فتساعد العلماء على فهم المحيط الحياتي الذي عاش فيه يسوع، وكتبَ الرسلُ
الأناجيلَ وسائر أسفار العهد الجديد.
القسْمُ الثّاني
تقاليدُ الفِكر الدّيني في التّوراة
نتطرّق في هذا القسم الثاني، وبعد نظرة سريعة إلى الشعب العبراني في تاريخه ومبادئه
وكتبه، إلى أبحاث حول أسفار الشريعة الخمسة كان لها أثرها في كل التوراة أو العهد
القديم بالمعنى الواسع. ونتوقّف بشكل خاص عند تقليدين سيطرا سيطرة شبه تامّة على
أسفار موسى الخمسة، بل على الكتاب المقدّس كله. هما التقليد الاشتراعي الذي كانت
نواته في سفر التثنية، فشدّد على الملكية، على الهيكل، على الأرض التي يعطيها الرب
لشعبه إن كان أمينًا لعهده. والتقليد الكهنوتي الذي انطلق من عالم الكهنة ولا سيّما
في سفر اللاويّين وسفر العدد، فطبع "النسخة" الأخيرة من التوراة بطابعه، بعد أن جعل
لها مقدّمة في تك 1- 11 تبدأ في "خلق السماوات والأرض".
وتتوزّع فصول هذا القسم الثاني كما يلي:
1- تقليد الآباء في سفر التكوين 12- وجه ابراهيم في التقاليد الكتابيّة
2- تثنية الاشتراع والعودة إلى الأصول 13- أكرم أباك وأمك
3- العودة إلى الآباء في سفر التثنية 14- الغريب في التقليد الكتابيّ
4- الآباء والتاريخ الاشتراعي 15- موسى، من مولده إلى الخروج
5- الابحاث حول التقليد الكهنوتي من مصر
6- التاريخ وبناء السطر في التقليد الكهنوتي 16- موسى، الحياة في البريّة والاقامة
7- التاريخ الكهنوتي تاريخ لا يتطوّر في سيناء
8- ضربات مصر في الخبر الكهنوتي 17- إلى أبواب أرض الميعاد
9- ضربات مصر معجزة نبي من الأنبياء 18- أيوب وابن التي مرّ فيها
10- القساوة في قلب فرعون 19- أيوب وأصدقاؤه
11- الخروج دينونة الله لمصر 20- تدخّل الله في حياة أيوب.
الفصل الحادي عشر
تقليد الآباء في سفر التكوين
نشهد منذ بضع سنوات انقلابًا يؤثّر على دراسة البنتاتوكس أو أسفار موسى الخمسة.
فبحسب الوفاق الذي بدأ منذ قرن من الزمن في ألمانيا بشكل خاص، كانت أقدم اللحمات
الاخباريّة (في اليهوهي، والالوهيمي) في قصة الآباء (تك 12-35) مقدّمة لتاريخ ولادة
شعب اسرائيل في مصر، وقد دوّنت في بدايات الحقبة الملكية، بين القرن العاشر والقرن
الثامن ق م. وقيل أن ما قدّمه اليهوهي والالوهيمي من نظرة شاملة، قد انطلق من أخبار
معزولة ومجموعات مستقلّة داخل التقليد. وهكذا أعطيا شكلاً إخباريًا لما كان في
الأصل في شكل تعداد يعلن مراحل تشكّل قاعدة في تاريخ اسرائيل، وهو تعداد نجد أقدم
نموذج له في "النؤمن التاريخيّ" الذي نقرأه في تث 26: 5- 10: "كان أبي أراميًا
تائهًا. فنزل إلى مصر وتغرّب هناك في جماعة قليلة وصار أمّة عظيمة كثيرة العدد...".
1- تك 12-35 على ضوء النقد الحديث
أ- منعطف جديد
بدأ المنعطف الجديد في دراسة البنتاتوكس منذ سنة 1975، فجعل الوفاق السابق يتزعزع
بشكل خاص في نقطتين اثنتين. الأولى، على مستوى تحديد زمن تدوين اليهوهي والالوهيمي.
انطلق الشرّاح من أسلوب الكاتب ومن المواضيع التي يطرحها، فرأوها متقاربة من الأدب
الاشتراعيّ. ثم إن دراسة الاسماء والنظرة السوسيولوجيّة دلّتا على سياق تاريخيّ
يعود إلى القرن 6-5 ق م، أي خلال المنفى وبعده. والنقطة الثانية نظرت إلى نموذج
النظرية المراجعية، وهي نظرة تقسم النصوص وتفتّتها في مراجع هي اليهوهي
والالوهيمي... كما تعلن لحمات إخباريّة متوازية، بل مستقلّة دون أن تعرف اللحمة
بوجود أخت لها.
لا شكّ في أن وجود الينبوع الكهنوتيّ كطبقة أدبيّة مميّزة ومتواصلة لم يطرح سؤالاً.
ولكن الآراء تختلف حين يحاول الشرّاح أن يعرفوا إذا كان المرجع الكهنوتيّ خبرًا
مستقلاً منذ البدء، أو أنه بدا طبقة تدوينيّة تتوخّى نشر أخبار وُجدت فيما قبل،
وتبويب هذه الأخبار في إطار يحمل عددًا من التواريخ وسلسلة الأنساب. كان الشرّاح قد
قالوا إن المرجع الكهنوتي يعود إلى زمن المنفى، بل يعود إلى ما بعد المنفى، في
القرن الخامس ق م مع شخصية عزرا البارزة.
ب- المؤرخّ الاشتراعي
يبدو بشكل عام أن نقطة الارتكاز في كرونولوجيّة الادب التوراتي، نجدها لدى المؤرّخ
الاشتراعي مع أسفار تبدأ في تث، وتمتدّ في يش، قض، صم، مل. لقد تألّفت هذه اللوحة
التاريخيّة الواسعة بعد دمار أورشليم (587 ق م) بقليل، فتوخّت أن تقدّم الأسباب
اللاهوتيّة الكامنة وراء الكارثة الوطنيّة التي دمّرت البلاد وشتّتت العباد.
تبدأ هذه اللوحة في تث 1-4 بخطبة موسويّة كبيرة تستعيد مراحل تاريخ اسرائيل منذ
الخروج من مصر حتى وقت الاحتلال. وكان الشرّاح قد توافقوا فافترضوا أن هذه
الاستعادة ترجع إلى خر، عد، وبالتالي تفترض وجود هذين السفرين. ولكن جاء من يقدّم
فرضيّة أخرى تقول إن هذه الأخبار قد ألّفت لتقدم لهذه الخطبة نقطة أدبيّة تعود
إليها: إذن، تك، خر، لا، عد، جاء بعد التاريخ الاشتراعيّ. وقد جاء من يُسند هذه
النظريّة فيبيّن أن "الآباء" الذين يعود إليهم المؤرّخ الاشتراعيّ وسفر إرميا،
ليسوا أولئك الذين يتحدّث عنهم تك، بل الجيل الذي خرج من مصر. وهكذا لم يعد لنا أسس
تتيح لنا أن نؤكّد للحقبة السابقة للمنفى، بوجود مجموعة أدبيّة تورد التاريخ منذ
خلق العالم حتى دخول بني اسرائيل إلى كنعان.
وجاء من أبرز الاختلاف الكبير على مستوى اللهجة والمناخ الديني والمواضيع، بين تك
والاسفار التي تليه (خر، لا، عد). مثلاً في خر 3: 8 ي، وعد الله موسى بأن يقود بني
اسرائيل إلى أرض تدرّ لبنًا وعسلاً، إلى أرض تبدو مجهولة جهلاً كاملاً. أما كان من
السهل أن يعود النصّ إلى الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب حين يكلّمنا عن عطيّة الأرض؟
فالاختلافات بين هاتين المجموعتين الادبيتين (تك من جهة، خر، عد، تث من جهة أخرى)
أعمق ممّا نتصوّر. في تك 12-35، الابطال هم السلف، والوساطة مع سامعي الخبر تمرّ
عبر الدم والقرابة، وهذا ما يظهر من خلال الأحداث العديدة التي تبرز علاقات
الانساب. أما في خر 1 ي فالأبطال هم حصرًا أنبياء مثل موسى، وكهنة مثل هارون. وبنو
اسرائيل هم كتلة بشريّة لا اسم لها.
ويلامس الاختلاف أيضًا طريقة عرض التدخّلات الالهيّة. في تك، الله هو "سيّد" قريب
جدًا من العشائر التي تتعبّد له. أما في خر وما يليه من أسفار، فقد صار قائدًا
حربيًا ومشترعًا. تبدّل "طبعه" من مسالم يمنع ابراهيم من الخلاف مع ابن أخيه (تك
13) ويعقوب من القتال مع أهل شكيم (تك 24)، إلى "عنيف" يحطّم فرعون بانتظار أن
يحطّم سائر الملوك (الصغار) الذين يقفون في وجه شعبه. ونزيد فنقول: إن تك 12-35 وخر
1- تث 24 (أي الأسفار الأربعة، خر، لا، عد، تث) يقدّمان نسختين متوازيتين إن لم
تكونا متزاحمتين، عن دخول بني اسرائيل إلى كنعان. وما يؤمّن الرباط بين هاتين
المجموعتين الكبيرتين (هاتين النسختين) هو خبر يوسف الذي يُعتبر كتلة أدبيّة تعود
إلى ما بعد المنفى.
إذا بحثنا عن أصداء وجدها تقليد الآباء في الأدب البيبلي خارج التتراتوكس (أي: تك،
خر، لا، عد. ويوضع تث خارج التتراكوتس)، لا نجد الشيء الأخير أقلّه في ما يتعلّق
بابراهيم. لاشكّ في أن المثلّث الذي يذكر الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب (أو:
اسرائيل) يظهر في بعض المواضع من الأدب الاشتراعيّ (تث 1: 8؛ 6: 10؛ 9: 5، 27؛ 29:
12؛ 30: 20؛ 34: 4؛ 1 مل 36:18؛ 2 مل 23:13؛ إر 26:33). ولكننا لا نخطئ حين ننسب
هذه العبارة (ابراهيم واسحاق ويعقوب) إلى لمسات متأخّرة حاولت أن تنسّق بين مختلف
النصوص التوراتيّة. أما أول ذكر لابراهيم فنجده في نصوص تعود إلى زمن المنفى، مثل
حز 33: 24 (كان ابراهيم واحدًا وورث الأرض)؛ أش 51: 1- 2 (أنظروا إلى ابراهيم
أبيكم، وإلى سارة التي ولدتكم).
ج- دورات الآباء الثلاثة
مثل هذه النظريات حول البنتاتوكس، لا يمكن إلاّ أن يكون لها تأثيرها على مقاربتنا
لأخبار تك 12-35. فالارتباط بين التتراتوكس والتاريخ الاشتراعي تكون نتيجته القول
بأن تاريخ الآباء الثلاثة قد جاء بعد التاريخ الاشتراعي، وبالتالي بعد المنفى، وأنه
ينتمي إلى الحقبة المتأخرة في تكوين البنتاتوكس. هذا لا يعني أن كل شيء في تك 12-35
قد جاء في وقت واحد، كما يعني أن بعض العناصر تعود إلى حقبة قديمة.
ولكن يجب أن نميّز بين الدورات الآبائيّة. أما في ما يتعلّق بأخبار ابراهيم التي
تعتبر تقليديًا على أنها انعكاس لتقليد عتيق يعود إلى "زمن الآباء"، فأكثرها يُعتبر
مقاطع من التفكير اللاهوتي الذي يعبّر عن اهتمامات الجماعات اليهوديّة في الحقبة
التي بعد المنفى. هذا ما نقوله عن تك 15 الذي هو تكثيف حقيقيّ لمواضيع وعبارات تعود
إلى المنفى. وعن تك 17 الذي ينتمي إلى التدوين الكهنوتيّ. فهذان الفصلان لا يمكن أن
يعودا إلى ما قبل المنفى. وفكرة "عهد" مع أبي الآباء هي إسقاط عهد سيناء على حياة
الآباء. وف 20-22 التي نُسبت عادة إلى الالوهيمي، فهي تهتمّ بمسألة "مخافة الله"
ولاسيّما عند الوثنيّين، في خطّ سفر يونان.
واستعاد تك 18: 17 ي الجدال حول خطيئة الفرد والجماعة، وهو جدال يرتبط بالمنفى
(بسبب الخطيئة ذهب الشعب إلى المنفى). وتك 23 هو نصّ كهنوتيّ يعطي صفة شرعيّة لمدفن
أبي الآباء في حبرون. واعتُبر ف 14 منذ زمن بعيد في رأي مختلف الشرّاح، كمدراش
متأخّر يتواجه فيه ابراهيم مع "عظماء" هذا العالم. وعالج ف 24 مسألة الزواج المختلط
كما في أيام نحميا. أما ف 12-13 فقد عادا في جوهرهما (هجرة من حرّان والظهور في
شكيم وبيت إيل) إلى دورة يعقوب. وهكذا يبدو من الصعب أن ننسب عنصرًا واحدًا من جوهر
إخبار تك 12-24 إلى تقليد قديم جدًا. هذا لا يلغي الكثافة اللاهوتيّة في هذه
الأخبار التي ألهمت ألفي سنة من التقوى اليهوديّة والمسيحيّة.
وانحصرت دورة اسحاق في تك 26 فما أتاحت لنا البحث عن وجود تقاليد قديمة، وإن اعتبر
بعض الشرّاح أن آ 1- 11 تفترض 12: 10-20 و20: 1ي.
وإذا عدنا إلى دورة يعقوب، نكتشف الأمور من زاوية مختلفة، وذلك لأسباب ثلاثة: (1)
في عدد من النصوص القديمة يُدعى شعب اسرائيل باسم يعقوب (مي 3: 1؛ عا 7: 2؛ هو 10:
11). هذا التماهي يكون مستحيلاً لو لم يكن يعقوب يمثّل صورة السلف والجد. (2) في هو
12، يلمّح النبيّ في القرن الثامن إلى سلسلة من الأحداث في حياة يعقوب. (3) في سفر
التكوين، كانت دورة يعقوب (تك 25: 19-34؛ 27-35) واحدة من ثلاث، لا تجميعًا لأحداث
لامتجانسة. بل هي ارتدت بنية "مسيرة" حقيقيّة فيها أعمال وأقوال يعقوب. تخلّصت دورة
يعقوب من كل عودة إلى أحداث ترتبط بالسياق الأدبيّ الحاليّ. فما استندت إلى أي سياق
أدبي، فبدت هكذا مستقلّة في وجودها. فيمكن والحال هذه أن نعتبر أصلها الأدبيّ
المستقلّ عن المجموعات التاريخيّة الكبرى التي نجدها في التوراة. وقد تكون سبقت هذه
المجموعات.
2- تكوين التقاليد السابقة للكتابة
أ- دور التقليد الشفهي
منذ القرن التاسع عشر اهتمّ علم التفسير الالماني بالدور الهام الذي لعبه التقليد
الشفهيّ. فوضح له أن أخبار التكوين وتقاليد الخروج وسيناء والاحتلال تعود إلى تقليد
شفهيّ انتقل منذ بدايات اسرائيل حتى الحقبة السابقة للملكيّة. وقد سارت هذه الأخبار
مسيرتها في العشائر والقبائل فرُويت في السهرات حول النار، أو ردّدها الكهنة خلال
الاحتفالات السنوية بشعائر العبادة. واليوم، وبعد انهيار الفرضيات التي استعملت
لإعادة بناء تاريخ أصول اسرائيل (الامفكتيونية أو 12 قبيلة حول المعبد، العهد،
المعبد المركزي، نظام القبائل الاثنتي عشرة)، بدأ التحفّظ يأخذ مكانته بالنسبة إلى
التقليد الشفهيّ. ورفض بعض الكتّاب العودة كليًا إلى مثل هذا التقليد.
إذا قبلنا بالقول إنه لم يعد ممكنًا الأخذ بأصل شفهيّ لخبر من الأخبار بسبب "رنّته"
القديمة أو إخباره المشوّق، يبقى أن العهد القديم يدلّ بلا شكّ على دور التقليد
الشفهي ووظيفته. والنصوص النبويّة (وإن قليلة) التي تعكس عنصرًا من تقليد الآباء،
تقدّم هذا التقليد لكي تعترض عليه. ولكن مع هذا، لابدّ من الفطنة، لأننا لسنا
بأكيدين أن التقليد الذي يفترضه النبي يتماهى مع التقليد الذي يقدّمه سفر التكوين.
ب- التقليد الشفهي السابق لدورة ابراهيم
أما في ما يتعلّق بابراهيم، فنعرف نصّين يعودان إلى أنبياء المنفى: حز 33: 24 وأش
51: 1-2. في النصّ الأول، يُذكر ابراهيم في فم سكان يهوذا (الذين لم يذهبوا إلى
المنفى): "كان ابراهيم واحدًا وورث الأرض. ونحن الكثيرين قد أعطيت لنا الأرض
ميراثًا". ولكن النبيّ يعارض بشدّة هذه المطالبة (اعتبروا أن لهم حقًا بالأرض).
نكتشف في هذا المقطع ثلاثة عناصر تعود إلى التقليد. (1) اعتبر اليهوذاويون نفوسهم
نسل ابراهيم، وإلاّ فلا معنى لذكره في أول السلسلة. إذن، صورة ابراهيم هي صورة
الجدّ والسلف. (2) ارتبط ابراهيم بامتلاك الأرض. "ورثها". "الأرض أعطيت لنا". هذا
لا يعني بالضرورة أن ابراهيم قد تلقّى الوعد بالأرض، ولكن لا شيء يستبعد هذه
الفرضيّة. (3) يبدو من المعقول أن يكون ابراهيم قد ارتبط بشكل أو بآخر بموضوع النسل
الكثير (الوعد أو البركة). وهذا الموضوع يظهر أيضًا بشكل واضح جدًا في أش 51: 2:
"أنظروا إلى ابراهيم أبيكم، وإلى سارة التي ولدتكم. كان رجلاً واحدًا حين دعوته،
فباركته وكثّرته". نرى هنا أيضًا أن ابراهيم كان موضوع دعوة ونداء من قبل الله.
وهكذا يبدو واضحًا أنه وُجد في منتصف القرن السادس، تقليد حول ابراهيم، أبي الآباء
الذي اعتبر مختار الله، وجدّ شعب يهوذا، وأوّل مالك للأرض. وقد ترسّخ هذا التقليد
في وجدان الجماعة ترسّخًا كافيًا بحيث عرفه المنفيّون كما عرفه الذين ظلّوا مقيمين
في الأرض. ولكن هل نستطيع أن نعرف عناصر خبر تك 12-24، التي كانت جزءًا من التقليد
الشعبي؟ يبقى الجواب صعبًا.
ج- تذكّر يعقوب عند النبي هوشع
وجد تقليد يعقوب (كما قلنا) صدى قديمًا لدى النبيّ هوشع. فإن هو 12 قصيدة توازي بين
موقف اسرائيل الحاضر مع تصرّف يعقوب في الماضي. لن نستعرض هنا المسائل المتعلّقة
ببنية النصّ وتفسيره، ولكننا نقول إننا أمام ثلاثة أبيات (آ 1-7، 8- 11، 12-15)،
وكل منها يبدأ بوصف خطيئة اسرائيل في الزمن الحاضر، ويتذكّر تصرّف يعقوب بما فيه من
مراوغة وجبانة. كل هذا يتعارض وحسنات الربّ (آ 4-5، 9-10، 13-14). وينتهي كل بيت
بإعلان ما يصنعه الرب في المستقبل (ردّة فعل تنطلق من الرحمة إلى الدينونة، آ 6،
11، 15). إن تذكّر الجد يفترض أو يحرّك حالاً التماهي مع سامعي هوشع، لأن الجدّ هو
أيضًا يعقوب/ اسرائيل (أي أعطى اسمه لنسل يعقوب وشعب اسرائيل). كانت أعماله حاسمة
بالنسبة إلى اسرائيل، ودلّت هذه الأعمال في الوقت عينه على طبيعة اسرائيل
الحقيقيّة. فتصرّف يعقوب في نظر هوشع (اعتاد سامعوه أن يمتدحوا مثل هذا التصرّف)
يبدو في شكل سلبيّ جدًا.
ما هي التقاليد التي يعود إليها هوشع؟ نجد تلميحات إلى ولادة التوأمين (آ 4 أ؛ تك
25: 21-26)، إلى تعقّب البكر (آ 4 أ؛ تك 26:25)، إلى الصراع مع الله أو مع الملاك
(آ 4 ب- 5 أ؛ تك 23:32-33)، إلى ظهور الله في بيت إيل (آ 5 ب؛ تك 28: 10-22؛ 35:
15)، إلى العودة الموعودة (آ 7؛ تك 28: 15، 21؛ 31: 10)، إلى الهرب إلى سهول آرام
(آ 13؛ تك 27: 43- 44؛ 29: 1ي)، إلى خدمة رجل من أجل امرأة في رعاية القطعان (آ 13؛
تك 29: 15-30). إذن، هي سلسلة من الأحداث أشار إليها النبيّ.
كل هذه الأحداث قد وردت أيضًا في سفر التكوين. كان جدال لمعرفة الاختلافات بين
تقليد يلمّح إليه هوشع وبين أخبار تك. إلى أي حدّ يفترض هوشع أخبار تك؟ ولكننا هنا
أمام سؤال يُطرح بطريقة خاطئة، مهما كان الوقت الذي تمّ فيه تدوين التقليد القبل
كهنوتي في تك 25-35. فمن الواضح أن هوشع لا يعود إلى نصّ مكتوب، بل إلى تقليد يعرفه
جميع سامعيه، إلى تقليد شفهيّ. إن النبيّ يتذكّر عدة أحداث من حياة يعقوب، دون أن
يهتمّ بتسلسلها الكرونولوجيّ. وتدلّ طريقة تذكّره على أن لا فائدة من إعادة سرد هذه
الأخبار، لأن الجميع يعرفونها. كلمة واحدة تكفي. تلميح واحد يكفي لكي يحرّك في
ذاكرة السامعين الحدث كلَّه.
فاذا أردنا أن نعيد تكوين التقليد الشفهيّ السابق ليعقوب، نطرح السؤال التالي: هل
يعود إلى أخبار استقلّت بعضها عن بعض، أو يفترض "سيرة" متواصلة لهذا البطل الآبائي؟
يبدو أن هذه التلميحات تفترض بالضرورة معرفة سيرة تامة ليعقوب (رج آ 4-5: منذ بطن
أمه... في رجولته)، أي مؤلّفة من عدّة أحداث تتوخّى كلها إلقاء الضوء على مصير
يعقوب، أبي الآباء. وهكذا نستخلص أنه قد انتشر في اسرائيل (أي مملكة الشمال)، في
القرن الثامن ق م، خبرُ عن يعقوب يتضمّن أقلّه عناصر من أخبار يعقوب وعيسو، يعقوب
ولابان، من ظهور الله في بيت إيل وفنوئيل. تلك هي محطّة مهمّة في بحثنا داخل دورة
يعقوب.
د- بنية سيرة السلف
إذا كان التقليد المتعلّق بيعقوب قد ارتدى شكل "سيرة"، هل نستطيع أن ننظر بعينين
جديدتين إلى دورة يعقوب في تك 12-35؟ اعتبر عدد من الشرّاح في الماضي أننا في البدء
أمام أخبار معزولة، لا ترتبط بأخبار أخرى. وفي مرحلة لاحقة تكوّنت "دورة" الاخبار.
قد يصحّ هذا القول في ما يتعلّق بدورة ابراهيم. أما دورة يعقوب (تك 25-35) فترتدي
بنية منطقيّة تفرض نفسها علينا، بحيث لا نستطيع أن نعتبرها كنتيجة التحام تدوينيّ.
فنحن منذ البداية، وبمعزل عن كل تحوير تدويني وإغناء في الخبر، أمام سيرة فريدة
تتحدّث عن حياة أبي الآباء منذ ولادته حتى إقامته النهائيّة في أرض كنعان.
إن دورة يعقوب ترتدي، في جوهرها، بنية معروفة لسيرة السلف، التي تفسّر أصول عشيرة
أو مجموعة قبليّة. فعلى أثر خلاف مع العشيرة، أجبر البطل على ترك أرضه والالتجاء
إلى عشيرة غريبة. استُقبل في البدء مثل عامل يوميّ، فتوصّل بمواهبه الخارقة إلى
الحصول على رضى رئيس العشيرة بحيث تزوّج ابنته أو ابنتيه. وإذ بلغ بهذا الزواج إلى
وضع "صهر" الرئيس، وبعد أن واجه المخاطر التي انتهت بصراع أخير، توصّل إلى أن يفرض
نفسه كعشيرة مستقلّة (هي أمّ عدد من الناس). بعد ذلك، يعود البطل إلى أرض الأجداد
ويستعيد كامل حقوقه. ومسيرة البطل (كان في البدء مهدّدًا منعزلاً، فصار غنيًا
وقديرًا، وإن ظلّ سريع العطب) تتوزّعها ظهورات إلهيّة ولقاءات تعطيه ثقة بالمصير
الذي ينتظره.
3- تاريخيّة دورة الآباء
إذا استطعنا أن نقول انطلاقًا من هو 12، ومن بنية تك 25-35، بوجود دورة يعقوب في
القرن الثامن على الأقّل، فما هي الفرضيّة التي نستطيع أن نقدّمها حول أصل هذه
الدورة ونواتها التاريخيّة؟
أ- منذ تضمّنت دورة يعقوب خبر ولادة أبناء يعقوب (تك 29: 31- 30: 24، هو نصّ
متأخّر)، فقد لعبت وظيفةَ التعريف بأصول شعب اسرائيل، ودخوله إلى أرض كنعان. وخبر
البدايات هذا يكفي نفسه بنفسه ولا يتطلّب شيئًا يتبعه (لا خبر يوسف ولا الخروج من
مصر...). ويدّلنا هو 12 أن النبيّ يعارض النسخة "الآبائيّة" لأصول اسرائيل بنسخة
"نبويّة"، هي الخروج من مصر بقيادة نبيّ، لا بقيادة السلف والجد (هو 12: 14). فعلى
اسرائيل أن يختار أصوله. لا نعرف إن كان هناك من اتصال بين الخبرين في أيام هوشع.
ولكننا نعرف أن النسختين كانتا متعارضتين، فكفت كل واحدة نفسها بنفسها.
ب- الإطار الجغرافي لدورة يعقوب، هو مملكة الشمال حيث نجد بيت إيل والمصفاة وجلعاد
ومحنائيم وفنوئيل وسكّوت وشكيم، وهي مدن تلعب دورًا في حياة يعقوب. غير أن اسرائيل
الذي تُقدّم دورةُ يعقوب أصوله، ليس اسرائيل الملوك، بل اسرائيل القبائل. هذا ما
تدلّ عليه أهميّة الانساب كمبدأ يشرح وجه المجتمع. لاشكّ في أننا لا نستطيع التأكيد
اليوم بأن اسرائيل القبائل كان في الأصل "بدويًا"، لأن تحديد ظاهرة البدو قد خضعت
لإعادات نظر مختلفة في هذه السنوات الأخيرة. إلاّ أن نمط القبيلة التي لا رأس لها،
التي انطبعت ببعض عداء تجاه المدينة، يبقى عنصرًا يتناسب بصعوبة مع أصل ملكي لدورة
يعقوب. أما "المناخ" الديني (إله الآباء، معابد خارج المدينة، الوعد...)، فنحدّده
في اسرائيل القبائل. لا في ديانة شخصيّة كما في حقبة الملوك أو في ما بعد المنفى.
وهكذا نعتبر أن دورة يعقوب تتجذّر في إطار سابق للملكيّة في أرض اسرائيل.
ج- من الذي حمل أول "سيرة" ليعقوب؟ نبدأ فنستبعد كل محاولة تسجيل التقليد الآبائى
في سياق تاريخيّ أو اركيولوجيّ يعود إلى الألف الثاني. ثم إن ارتباط يعقوب بعيسو
(بني سعير) وبلابان (الاراميين) والشكيميّين، يبدو معقولاً جدًا. فمن المعروف أن
اسرائيل القبائل تكوّن انطلاقًا من مجموعات ذات أصول مختلفة. وإن دورة يعقوب ترينا
بوضوح عشيرة (أو: قبيلة) متماسكة. وتؤكّد هذه العشيرة أنها انفصلت عن مجموعة
أراميّة. هذا التقليد الذي يسنده تث 26: 5 ("كان أبي أراميًا تائهًا". جاء النصّ
متأخرًا) يتوافق مع عشيرة أو قبيلة أكثر منه مع مجموعة قبائل. لهذا نستطيع القول إن
تقليد يعقوب/ اسرائيل كان خبر بدايات مجموعة ضيّقة سمِّيت "بني اسرائيل" قبل أن
يكون خبر اسرائيل القبائل قد اتّخذ شكله في التقليد.
الفصل الثاني عشر
تثنية الاشتراع والعودة إلى الأصول
1- مكانة سفر التثنية
يحتلّ سفر التثنية داخل التوراة العبريّة مكانة فريدة. فهو من جهة يختم القسم الأول
من النص الماسوري "توره" (أو بنتاتوكس، أو أسفار موسى الخمسة). ومن جهة ثانية،
يشكّل مدخلاً إلى الكتب المسمّاة "تاريخيّة" (يش، قض، 1-2 صم، 1-2 مل)، إلى
"التاريخ الاشتراعيّ". وبسبب هذا الموقع الذي يجعله يشكّل مفصلاً، لن نعجب إن رأى
بعضهم في سفر التثنية "محور" كل العهد القديم. قال بعضهم: سفر التثنية يشبه
"بلّورة" تصفّي التقاليد القديمة في التتراتوكس (تك، خر، لا، عد) لكي يعطيها وجهتها
الاشتراعيّة التي ستظهر في الكتب التالية. وفي الوضع الحالي للابحاث التأويليّة حول
البنتاتوكس، هذه الصورة لم تعد موضوع وفاق، ولاسيّما وأنها تتضمّن معرفة واستعماله
تقاليد لا كهنوتيّة في التتراتوكس بيد كتّاب سفر التثنية. فالعلاقة بين أسفار موسى
الاربعة الأولى هي اليوم موضوع جدال. فقد رأى بعض الشرّاح أن تث الذي اعتُبر
تقليديًا كنتيجة أولى، قد صار بالأحرى "حجر الأساس" الذي بُني عليه التاريخ
الاشتراعي. هذا في زمن أول. وفي زمن ثان، صار توسيعًا لهذه المجموعة اليهوهيّة
والالوهيميّة كما نجدها في البنتاتوكس.
غير أن التساؤلات حوله هذه الأفكار التي كانت مقبولة لدى الشرّاح، جاءت مع ذلك تثبت
المركزيّة التي يجب أن ننسبها إلى تث، إن من أجل فهم البنتاتوكس، وإن من أجل فهم
التاريخ الاشتراعي. فسفر التثنية يبقى المحكّ لجميع النظريات حول تكوين التوراة في
المعنى الحصريّ للكلمة، وحول التيّار الاشتراعي.
إن هذه الأهميّة لآخر سفر في الأسفار الخمسة، لا تتوافق مع قراءة للكتاب من نوع
"تاريخ الخلاص" لأنها تتضمّن "تسلسل الأحداث" (كرونولوجيا)، وتطوّرًا في تاريخ يهوه
مع شعبه. فبين بداية الكتاب ونهايته، لا يحصل شيء جديد سوى تعيين يشوع خلفًا لموسى
(تث 7:3-8)، وموت موسى (تث 34: 1-2). والتدرجّ الاخباري الذي يندرج بين الوصول إلى
شرقي الاردن، كما يرويه سفر العدد، واحتلال غربيّ الاردن، كما يعالجه سفر يشوع، قد
لا يملأ فصلاً واحدًا في كتاب. لاشكّ في أن هناك الكثير من "التاريخ" داخل تث، ولكن
هذا التاريخ يظهر في نصوص ترتبط بالمستقبل أو بالماضي، نصوص لم تظهر بحسب مبدأ
كرونولوجيّ. وعلى مستوى اللوحة التاريخيّة الواسعة التي تنطلق من الخلق مع سفر
التكوين، فتصل إلى نهاية مملكة يهوذا مع 2 مل، يبدو تث وكأنه محطّة نقف فيها. مثل
هذه الظاهرة تلفت انتباهنا. فاذا كان تث لا يتسجّل في تاريخ خطوطيّ، فما هو مشروعه؟
2- مشروع سفر التثنية
قد نقع هنا في فخّ حين نعيد وثيقة قديمة إلى غاية محدّدة. وفي ما يتعلّق بسفر
التثنية، لا نستطيع أن ننسى السؤال التفصيليّ. فمرمى "تث الاولاني" كان مختلفًا عن
مرمى الكتاب في شكله الحاليّ. فالنسخة الأولى لسفر التثنية التي تضمّنت بشكل خاص
شرعة تشريعيّة (ف 12-18 بشكل خاص) سبقتها مقدّمة (تث 6: 4- 5) وتبعتها خاتمة (تث 26
ي)، حرّكت إصلاح يوشيّا الذي يرويه 2 مل 22-23، وأعطته طابعًا شرعيًا. فهذا الكتيّب
(تث) اليوشياوي (نسبة إلى يوشيا) الذي لا نعرف حدوده بدقّة، لم يظهر بعد كخطبة
موسويّة، فيتسجّل في سياق من الغلبة الواثقة بنفسها (بعض استقلال لمملكة يهوذا تجاه
الأشوريّين). ولكن لن تمضي بضع عشرات من السنين، حتى تحوّل تث تحولاً تامًا بعد أن
توسّع توسّعًا كبيرًا ودخل في التاريخ الاشتراعي. فعمل هذا التدوين أعطى تث بشكل
عام شكله الحاليّ وبنيته. إذن، ننطلق من هذه النشرة الاششراعية لسفر التثنية لنقوم
بدراستنا. فنحن أمام مجموعة ثابتة لا تشرف عليها الفرضيّات كما هو الأمر بالنسبة
إلى "تث الاولاني"، بل أمام نصّ يتّفق عليه العلماء.
ومع ذلك، فهذا التأكيد الأخير يبقى نسبيًا في ما يتعلّق بالنظريات الحاليّة حول
التاريخ الاشتراعي الذي يلامس فهم تث. فطرح "نوت" الذي يرى في هذا "التاريخ" كاتبًا
واحدًا دوّن ما دوّن بعد سقوط أورشليم (587 ق م) ولكن قبل سنة 539، هذا الطرح بدأ
يتحوّل. فهناك نصوص اشتراعيّة عديدة تدلّ على أكثر من يد. كما نجد داخل هذه الأسفار
مواقف مختلفة في ما يخصّ الموقف من الملكيّة، أو إمكانيّة مستقبل للشعب بعد
الكارثة.
أما تنظيم هذه المعطيات فيتوزّع في نموذجين مختلفين. النموذج الأول يتحدّث عن
نسختين متلاحقتين لعمل المؤرّخ الاشتراعي. هناك نسخة أولى سابقة للمنفى، وفي عهد
الملك يوشيا. ونسخة ثانية بعد كارثة المنفى (زيد 2 مل 24-25 وأمور أخرى). هذا
الموقف الذي أخذ به العالَم الانكليزي، يطرح علينا مع ذلك سؤالين: أين نجد نهاية
النسخة السابقة للمنفى؟ إن التلميحات إلى المنفى داخل النصوص الاشتراعيّة هي جدّ
عديدة، فهل نستطيع أن نلغيها من النسخة الأولى بمثل هذه السهولة؟
والنموذج الثاني هو نموذج الطبقات التدوينيّة المتعاقبة التي صاغها "سماند"
وتلاميذه. فبعد النسخة الاولى المنفاويّة (أي في زمن المنفى) التي قام بها مؤرخّ
اشتراعيّ، أضيفت أمور بيد نبيّ اشتراعيّ، كما أضيفت مقاطع أخرى بيد ناموسي أو أكثر
(نسبة إلى الناموس أو الشريعة). أخذ عدد كبير من البحّاثة بهذا الطرح وكمّلوه بنواة
قبل منفاويّة تعود إلى زمن يوشيا وتتضمّن تاريخ احتلال الأرض. كما تحدّثوا عن
المدوّن النهائي للتاريخ الاشتراكي في الزمن البعد منفاويّ. مثل هذه المقاربة تحمل
خطرًا لأنها تكثر من الطبقات التدوينيّة التي لم تحدّد، وقد بدت اعتباطيّة.
أمام مثل هذا الوضع، نشدّد على التماسك رغم تشعّب الايديولوجيا الاشتراعيّة
وأسلوبها. فننطلق من نموذج تاريخ اشتراعيّ دوّنته "مدرسة" أو "مجموعة" من الكتّاب،
مجموعة من الموظّفين العاملين في البلاط الملكيّ، ومن الكهنة "المتحرّرين" العائشين
في زمن المنفى. وزيد على هذه النسخة الكثير الكثير على التوالي في داخل هذه
"المجموعة" التي تميّز كتّابها بها الواحد عن الآخر، فلم يكونوا من محيط سوسيولوجيّ
محدّد.
استقلاليّة تث استقلاليّة نسبيّة. كان الكتاب في شكل مقدّمة للتاريخ الاشتراعي (يش،
قض، 1- 2 صم، 1- 2 مل) الذي حاول أن "يعطي معنى" لكارثة المنفى. لهذا، يجب أن يُفهم
"مؤلّفه" في هذا السياق. فالأزمة الايديولوجيّة التي انبثقت من منفى 597-587
بالنسبة إلى مملكة يهوذا، ظلّت فوق كل تصوير. فالعمُد التي عليها ترتكز هويّة الشعب
قد سقطت: الملك، الهيكل، الأرض، كل هذا لم يعد شيئًا. لهذا وجب على المؤمن أن
يستنبط من جديد هويّة جديدة. والبحث عن الهويّة يعني دومًا البحث عن "الاصول"، عن
البدايات.
وهكذا ينقل تث 1- 30 الذي يبدو بشكل خطبة كبيرة يلقيها موسى وتقاطعها بعض
التدخّلات، ينقل الجماعة المنفيّة التي يتوجّه إليها، إلى الاصول، إلى البدايات.
وحين توجّه الاشتراعيّ إلى قرّائه، جعلهم معاصرين لموسى. وهذه "الخدمة الشفافة"
تقابل الوضع الحقيقيّ الذي تعيشه الجماعة المنفيّة: فكما في زمن موسى، ما زلنا خارج
الأرض، ونحن ننتظر الدخول إليها. نحن في بريّة، في أرض النقص والحرمان، في موضوع
يحسّون فيه بإلحاح بالحاجة إلى العون الإلهيّ. وإذ جعل الكاتب قرّاءه في أصول
الايمان اليهوي، جعلنا نشعر أنه يريد أن يمحو قرونًا من التاريخ بشكل موقت، ليدلّ
على أن بداية جديدة هي ممكنة.
ويظهر مشروع تث خارج المقاطع الارشاديّة، على مستوى النظرة البلاغيّة. نجد أولاً
تحوّلاً مستمرًا من المخاطب المفرد (أنت) إلى المخاطب الجمع (أنتم)، وذلك حتى داخل
الجملة الواحدة. نأخذ مثلاً 6: 14-15: "لا تتبعوا (أنتم) آلهة أخر من آلهة الأمم
الذين حواليكم (أنتم)، لأن الرب إلهك (أنت) إله غيور في وسطك" (أنت). هذه المعطية
التي تميّز تث بشكل خاص، قد عُولجت مرارًا دون الوصول إلى اتّفاق. فهذا الاسلوب
البلاغيّ قد استُعمل ليدلّ على مختلف الطبقات الادبيّة. فالأقسام مع "أنت" تنسب إلى
تث الاولاني. والاقسام مع "أنتم" إلى المدوّن الاشتراعيّ. من أخذ هذه المقاربة بشكل
مطلق، وصل سريعًا إلى طريق مسدود. لهذا، يجب أن نفسّر هذه الظاهرة قبل كل شيء كأنها
ظاهرة أسلوبيّة. فالتبدّل المتواتر بين "أنت" و"أنتم" يستعمل لايقاظ انتباه القارئ.
ويدلّ أيضًا على أن الكلام يوجّه إلى الجماعة وكأنها فرد، وبالتالي على أن كل فرد
(أنت) يمثّل الجماعة (أنتم). وهكذا يشدّد النصّ على مسؤوليّة كل واحد تجاه
التعليمات التي أعطيت بواسطة موسى من أجل امتلاك الأرض. وهذه المسؤوليّة ترتبط
بقرار نتّخذه، وتصميم نضعه أمام عيوننا. وهذه الوجهة التي تشدّد على تصميم الانسان
تبرزها تقنيّةٌ بلاغيّة ثانية.
إن الاشتراعيّ يجعل من قرّاء تث معاصرين لموسى. وإذ يفعل هذا يميّز، ولاسيّما في
المقدّمة التاريخيّة (ف 1-3)، بين جيلين موسويين: الجيل الأول الذي مات في البريّة،
والجيل التالي الذي وُعد بامتلاك الأرض. تماهى القرّاء مع الجيل الأول، وهذا أمر
غريب. ثم تماهوا أيضًا مع الجيل الثاني في البريّة. ويذهب الكاتب أبعد من ذلك فيقول
إن موسى يستطيع أن يروي لقرّائه أنهم قد ماتوا. نقرأ مثلاً تث 1: 34-35: "سمع الرب
صوت كلامكم فسخط وأقسم قائلاً: لن يرى أحد من هؤلاء الناس من الجيل الشرير الأرض
الصالحة التي أقسمت أن أعطيها لآبائكم". رج أيضًا 1: 41-42 (قلتم أنتم قد خطئنا).
أما 2: 14 فيلاحظ أن "كل جيل المقاتلين قد انقرض من المحلّة كما أقسم الرب فيهم".
ويقابل هذا التماهي المضاعف مع الجيل الذي هلك والذي بعده (في 18:3-19 تدلّ صيغة
المخاطب على جيل الاحتلال) نهاية خطبة موسى في 30: 15، 19 حيث يكون الحديث عن خيار
يتّخذونه. "أنظر، وضعتُ اليوم أمامك الحياة والسعادة، والموت والشقاء... عند ذاك
تختار الحياة لكي تحيا أنه ونسلك". هذا يعني أن على القرّاء أن يختاروا، أن يتّخذوا
قرارهم. وبقرارهم الخاص يرتبط في النهاية تماثلهم مع أحد الجيلين المذكورين في تث
1-3: جيل الموت أو جيل الحياة. وليس من قبيل الصدف إن شدّدت الفصول التي تحيط
بوصيّة موسى (تث 1-3؛ 30) على هذا التماهي المضاعف وعلى النداء إلى الخيار بين
الحياة والموت. وهذا المزج بين تماهي يدلّ على أن تث لا يحاول مطلقًا أن يخنهي
طابعه المختلف. وقد لاحظ أحد الشرّاح أن الاشتراعي أراد أن يجعل التاريخ الماضي
حاضرًا من أجل هدف إرشاديّ، فما اهتمَّ بتسلسل الاحداث. هو يعرف أن قرّاءه يستطيعون
أن يفهموا لماذا ألغيت الحقبات الزمنيّة، وأن يدخلوا في حياتهم التاريخ الذي يقدّم
إليهم. وهذا "التوافق" بين الكاتب والقارئ يتضمّن بالنسبة إلى تث، تعاملاً مع
التقليد وتعاملاً مع الاجيال.
ونجد مثلاً عن هذا التعامل في تث 30 في إعلان امكانيّة سعادة للأيام الآتية: "يهوه
إلهك يدخلك إلى الأرض التي امتلكها (ي ر ش، و ر ث) أباؤك وأنت تمتلكها، ويحسن (من
طيّب، حسن) إليك وينميك (ر ب ه) أي يجعلك ربوات، أكثر من آبائك... فيهوه يعود ويسرّ
لك بالخبر كما سرّ لآبائك" (آ 5، 9 ب). إذا أردنا أن نعرف إلى من يلمّح الآباء، نجد
الجواب في 28: 63. أجل، الآباء المذكورون في 30: 5، 9 هم أولئك الذين سمعوا 28: 63:
"كما أن الرب يسرّ لكم إذا أحسن إليكم وأنماكم، كذلك يسرّ لكم إذا أفناكم وقرضكم.
تُقلعون من الأرض التي أنتم صائرون إليها لكي تمتلكوها". ففي هذين النصين فقط من
تث، نجد فعل "ي ط ب. ر ب هـ" (أحسن، أنمى). وفعل "سرّ" (ص و ص) لا يظهر في تث إلاّ
في 63:28 و9:30. هذا يعني أن القرّاء الذين يُعلن لهم ما يُقال في 28: 45 من لعنات
آتية (وقد اختبروها في حياتهم)، يقدّمون على أنهم الآباء المذكورون في 30: 5، 9.
وهكذا يتحوّل القرّاء إلى أبناء صارت السعادة ممكنة بالنسبة إليهم.
وهذا التعامل مع الأجيال يستطيع في مواضع أخرى أن يعبّر بإلحاح عن التواصل
والاستمراريّة رغم الانقطاع الذي أحدثه المنفى. وقد لاحظ فون راد أن تث اهتم
اهتمامًا خاصًا "بمسألة الأجيال". فأزمة المنفى عنت أزمة إيمان بالربّ، ولاسيّما في
ما يتعلّق بالأجيال الجديدة، التي قد تولد خارج الاطار التقليديّ للديانة
اليهوديّة. وهذه الأزمة تفسّر إلحاح تث على أن يعلّم تاريخ الرب مع إسرائيل، وعلى
الدور المركزيّ الذي يُفرده لربّ العائلة في نقل هذا العلم. نقرأ في 6: 20-23: "حين
يسألك ابنك غدًا: لماذا المتطلّبات والرسوم والشرائع التي أمر الرب بها؟ حينئذ تقول
لابنك: كنّا عبيدًا في مصر وأخرجنا يهوه من مصر بيد قويّة. صنع يهوه آيات ومعجزات
عظيمة وهائلة ضد مصر، ضد فرعون وضدّ كل بيته، أمام أعيننا. ونحن قد أخرجنا من هناك
ليدخلنا، ليعطينا الأرض التي أقسم لآبائنا".
هذه الفقاهة تجعل أمامنا ثلاثة أجيال: "أنت" (المخاطب المفرد) الذي يدلّ على الجيل
الحاليّ. الابن الذي يشير إلى الجيل الآتي. الآباء الذين يذكّرون المؤمن بالجيل
الماضي. وهكذا يرتبط الماضي والحاضر والآتي، ويذكّرنا الآباء بالاصول التي إليها
يستند تاريخ الرب مع شعبه. ولكن عن أي أصول (أو بدايات) يتكلّم النصّ؟ هذا السؤال
يقودنا إلى طرح سؤال حول "هويّة" الآباء في تث.
الفصل الثالث عشر
العودة إلى الآباء في سفر التثنية
ما نلاحظه للوهلة الأولى حين نقرأ سفر التثنية، هو المكانة التي أفردها "الكاتب"
للآباء. فهم يلعبون دورًا كبيرًا في نقل الرسالة إلى الأبناء. وبعد أن نتوقّف عند
هذا الدور، نتعرّف إلى هؤلاء الآباء منذ موسى حتى زمن المنفى.
1- دور الآباء
الآباء (ابوت) أو الأجداد يلعبون دورًا هامًا جدًا بالنسبة إلى تث. ترد اللفظة
قرابة خمسين مرّة في قرائن لاهوتيّة هامّة، وداخل جمل مقولبة وذلك في أربع عبارات:
- المجموعة الأولى تربط الآباء بقسَم الرب (ش ب ع). والحديث يدور على الأرض (ا د م
ه. أو: أ ر ص) التي أقسم للآباء (تث 1: 8، 35؛ 6: 1، 18، 23؛ 13:7؛ 8: 1...). ونجد
أيضًا العهد (ب ر ي ت) الذي أقسم للآباء (4: 31؛ 7: 12؛ 18:8...). وهناك ثلاثة نصوص
أخرى لا تحدّد بشكل مباشر مضمون الحلف (8:7؛ 9: 15؛ 18:13).
- يظهر "الآباء" في الكلام عن يهوه: هو "إله الآباء" (1: 11، 21؛ 4: 1؛ 3:6؛
1:12...).
- وهناك سلسلة أخرى تتحدّث عمّا لا يعرفه القرّاء ولا آباؤهم: "سائر الآلهة التي لم
تعرفها أنت ولا آباؤك" (13: 7؛ 28: 64؛ 32: 18). والمن (8: 3، 16). والشعب (28:
36).
- وفي النهاية يُذكر الآباء في أماكن متفرّقة: 4: 37؛ 5: 3: خطيئة الآباء؛ 31: 16:
رقد مع آبائه.
إن هذا التذكّر المتوازي للآباء في تث، لم يستغلّه الشرّاح. والسبب: لأن ذكر الآباء
لم يطرح سؤالاً. فحين نقرأ تث على أنه نهاية البنتاتوكس، يتّضح لنا أن آباء تث
يعودون بنا إلى تقاليد الآباء في تك. وهناك بعض نصوص تث تماهي بشكل واضح بين الآباء
في تث والآباء في تك. وساعة يُذكر الآباء للمرّة الأولى في تث 1: 8، يُوضح النصّ
أنه يشير إلى ابراهيم واسحاق ويعقوب. وهذه الاسماء نجدها أيضًا في نهاية الكتاب (تث
34: 4). بهذه الطريقة كوّنت أسماء الآباء تضمينًا يربط تك بما في تث.
ومع ذلك، يجب أن نطرح السؤال: من هو المسؤول عن هذا التماهي في مسيرة تث
التدوينيّة؟ سبق ورأينا أن الآباء المذكورين في تث 30: 5، 9، لا يشيرون إلى ابراهيم
واسحاق ويعقوب. ولكن إذا حلّلنا ذكر "أبوت" انطلاقًا من السياق الاشتراعيّ، باعتبار
أن تث هو مدخل إلى التاريخ الاشتراعيّ، نصل إلى القول: الآباء المذكورون في تث
ليسوا ابراهيم واسحاق ويعقوب، بل جيل مصر أو جيل الخروج. وفي نصوص أخرى، هم يدلّون
على الأجداد بشكل عام دون التلميح إلى جيل محدّد. والسبب هو أن بحث تث عن الاصول
يصل بنا إلى الخروج. وبالنسبة إلى مدوّني تث، يبدأ تاريخ اسرائيل في مصر. والآباء
هم الذين يذكّروننا بهذه البدايات. أو يوجزون استمرار تدخّل الله من أجل شعبه، أو
آنيّة هذا التدخّل بالنظر إلى الأجيال الماضية.
2- نصوص تذكر الآباء
أولاً: ما لم يعرفه الآباء
هذه العبارة تجعل القرّاء في تواصل مع الآباء. ولكنها تدلّ في الوقت عينه، على
قطيعة على مستوى الجيل الحاليّ. ففي ما يتعلّق بالمن الذي لم تعرفه أنت ولم يعرفه
آباؤك (تث 8: 3، 16)، نحن أمام جديد إيجابيّ يتعلّق بعمل الله من أجل شعبه. في
الحالات الأخرى، تدلّ العبارة على وضع متأزّم. ففي ف 28، يصوَّر المنفى كعمل الرب
الذي اجتذب شعبه إلى "شعب لم تعرفه أنت ولا آباؤك" (آ 36). أو كوضع فيه يعبدون
"آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك" (آ 64). هذا "الجديد" على مستوى السبي الذي
يشكّل تهديدًا للعلاقة مع الربّ، يشدّد على مسؤوليّة الجيل الحاليّ، الذي وُضع بين
آباء ما قبل المنفى والأجيال الآتية التي ذُكرت في السياق عينه.
و"الآلهة الآخرون" الذين يحذّر تث منهم المؤمنين، يتميَّزون بعبارة "لا معرفة" في
7:13؛ 32: 17. وكل هذا يشدّد على قطيعة تكوّنها عبادة هؤلاء الآلهة بالنسبة إلى
تاريخ الربّ مع اسرائيل.
في جميع هذه النصوص، لا يدلّ الآباء على جيل محدّد. بل هم يرمزون إلى ماضي اسرائيل
منذ مصر أو منذ الإقامة في الأرض (ف 28). ونحن لا نجد فيها تلميحًا إلى ابراهيم
واسحاق ويعقوب.
ثانيًا: إله الآباء
نقرأ في تث 8 مرات عبارة "إله الآباء". وأكثر النصوص التي تستعمل هذه التسمية هي
جزء من الطبقات الاشتراعيّة الثانويّة. وهذا ما يفسّر من جهة استعمالها النادر في
التاريخ الاشتراعيّ (غيابها من إرميا). كما يفسّر ورودها المتواتر في الخبر
الكهنوتيّ (27 مرّة في 1-2 أخ؛ 3 مرّات في عز).
ترد عبارة "إله الآباء" أولاً في مقدّمات مختلف أجزاء تث: نحن هنا أمام استعمال واع
يعبّر به الاشتراعيّ عن تواصل الأجيال. فذكر "إله آبائك" أو "إله آبائكم" يسبقه أو
يليه بشكل عام "إلهك" أو "إلهكم" (1: 10، 11، 21؛ 4: 1، 2؛ 6: 2، 3...). وهكذا
يشدّد النص على أن يهوه هو إله الجيل الحاليّ (وهذا ليس بمعقول في زمن المنفى) كما
كان إله الأجيال السابقة.
وهذه التقنيّة البلاغيّة التي تُوضع في خدمة الكرازة، تجد قوّتها في واقع يقول إن
يهوه كإله الآباء يرافق مرات عديدة (أربع من ثماني مرات) تذكيرًا بالمواعيد (د ب ر.
كلمة) التي أعطيت للقرّاء كما في 1: 11: "لينجِّكم الرب إله الآباء ألف مرة
وليبارككم كما قال لكم". فالإله الذي يتوجّه إلى الجيل الحاليّ، هو ذاك الذي توجّه
إلى الآباء. وفي أكثر الحالات، الآباء هم الأجداد بشكل عام، أجداد جماعة المنفيّين.
فهذه النصوص لا تأخذ "الخدعة" الموسويّة (أي الله هو الذي يتكلّم) على حرفيتها.
فإنّ 12: 1 (وهذه هي الرسوم والاحكام التي تحفظونها في الأرض التي أعطاها الرب إله
آبائك لتمتلكها) هو تعبير يتوجّه بشكل مباشر إلى القرّاء الحاليّين والآتين. ولكن
غابت في هذه الآية الجملة الموصوليّة "التي أنا آمرك بها اليوم"، وهو تفصيل يرافق
تشريع موسى. أما عطيّة الأرض فقد افترض أنها تمّت (الفعل هو في صيغة الماضي، ن ت ن،
أعطى). وهناك تذكّرات أخرى لإله الآباء تشير إلى تماه أدقّ مع الآباء الذين كانوا
في مصر. فإذا قابلنا الموجز التاريخيّ في تث 26: 5-6 (آ 7: "صرخنا إلى الرب إله
آبائنا") مع قريبه عد 20: 15-16، نفهم أن هؤلاء الآباء، لا يدلّون على ابراهيم
واسحاق ويعقوب، بل على الأجيال التي نزلت إلى مصر أو أقامت فيها. وهذه الإشارة إلى
مصر تبدو واضحة في 29: 24، حيث تفسَّر كارثة المنفى على الشكل التالي: "لأنهم تركوا
عهد الرب، إله آبائكم، الذي عقده معهم حين أخرجهم من أرض مصر".
ثالثًا: عهد أقسم به للآباء
هذا العهد (بريت) الذي به أقسم الله للآباء يتجذّر تجذرًا واضحًا في تقليد عطيّة
الشريعة على حوريب. نقرأ مثلاً 7: 12: "العهد والامانة اللذان أقسم الرب عليها
لآبائك" يتحدّد كما في آ 10: "عهد وأمانة لألف جيل للذين يحبّونه ويحفظون وصاياه".
وهكذا جُعل العهد بشكل واضح في سياق الدكالوغ (أو: الوصايا العشر) (رج 5: 9- 10)
ووحي الشريعة. والسياق عينه يفرض نفسه في 4: 31: "لا ينسى عهد آبائك الذي أقسم به
لهم". تشكّل هذه الآية تضمينًا مع 4: 31 (إحذروا أن تنسوا عهد الرب) حيث ينبَّه
القرّاء أن لا ينسوا "عهد الرب إلههم الذي عقده معهم". بعد ذلك (أي بعد آ 23: منع
الصور لأن يهوه إله غيور) يتماهى هذا العهد أيضًا مع عهد حوريب. هنا نلاحظ أن تث
يميّز بين فعل "ش ب ع" (أقسم) و"ك ر ت" (قطع)، في ما يتعلّق بالعهد. ففي الكتاب
كله، العهد هو حصرًا موضوع قسَم للآباء. ولكنه لا يُعقد (يُقطع) إلاّ مع القرّاء.
وهكذا نكون مع الفكرة اللاهوتيّة التي تتحدّث عن الوعد والتتمّة. في هذا السياق
نفهم أيضًا ما في 3:5: "ليس مع آبائنا قطع يهوه هذا العهد، بل معنا، نحن الأحياء
اليوم جميعًا". فكيف نستطيع أكثر من ذلك أن نشدّد على آنيّة هذا العهد لجماعة
المنفى التي صارت "معاصرة" لموسى؟ لاشكّ بأن العهد قد وُعد به في قسَم للآباء في
مصر، ولكن تحقيقه الجديد يرتبط بهذا الوقت وهذه الساعة. وهكذا يذكّر الاشتراعي في
الجيل الثاني (4: 31؛ 5: 2؛ 7: 7-8) أهل الجلاء، بواسطة الآباء، بالأصل الخروجي
(نسبة إلى خروج الشعب من مصر) للعهد الذي ظلّ (أو يجب أن يصير) أساس العلاقة مع
يهوه.
رابعًا: الأرض التي أقسم عليها للآباء
يحتلّ هذا القول المكان المركزيّ وسط عبارات تتحدّث عن "الآباء". وعلى مستوى
المبنى، نستطيع أن نتحدّث في هذا المجال عن ثلاث مجموعات. تتحدّث المجوعة الأولى عن
الأرض التي أقسم الرب عليها للآباء (18:6؛ 8: 1؛ 31: 20، 21). وتحدّد المجموعة
الثانية بأن هذه الأرض تُعطى لهم (8:1، 35؛ 10: 11؛ 11: 9، 21: 330: 20؛ 31: 7).
أما المجموعة الثالثة فتقول: لتعطى لنا (23:6؛ 3:26، 15)، أو: لتُعطى لك (6: 10؛
13:7؛ 28: 11). وهكذا نميّز بين الذي توجّه إليهم القسَم وبين الذين أعطيت لهم
الأرض. ولكن نحذر أن نرى في هذه المجموعات الثلاث تطوّرًا من الأقصر إلى الأطول، أو
أن ننسبها إلى ثلاث طبقات تدوينيّة.
فجميع النصوص التي تقدّم النسخة القصيرة للقسَم على الأرض، هي جزء من الاشتراعيّ
الثاني. وفي المجموعتين الثانية والثالثة، نجد نصوصًا من الاشتراعي الاول والثاني.
وتحديد القسَم بـ "تعطى لهم" أو "تُعطى لك"، يعود إلى نظرة اشتراعيّة إلى جيلَيْ
البريّة. وهو يشدّد على انفتاح هذا القسم على القارئ الأخير. وعبارة الأرض التي
أقسم عليها الآباء، تتوزّع في كل أجزاء تث ما عدا في الشرعة التشريعيّة (ف 12 ي).
وهذا ما يؤكّد مرّة أخرى الطرح الذي يقول إننا نجد النواة السابقة لسفر التثنية، في
هذه الفصول. والتذكير المستمرّ للحلف على الأرض يحمل وظيفة تدوينيّة، ولاسيّما على
مستوى الاستعادة التاريخيّة (ف 1-3؛ 5؛ 9: 7- 10: 11).
فقارئ سفر التكوين حين يسمع الخطبة حول الأرض التي أقسم الله عليها للآباء، يتذكّر
الوعد بالأرض في أخبار ابراهيم واسحاق ويعقوب. وفي العبارة الأخيرة في تث، تظهر
أسماء هؤلاء الآباء الثلاثة في بعض النصوص التي تشير إلى القسم بالنسبة إلى الأرض
(1: 8؛ 6: 10؛ 30: 20؛ 34: 4). بالإضافة إلى ذلك، أما يشبه الاستعمال المستمر
("التي أقسم")، ما في النصّ الذي ندرس؟ ولكن حين نمعن النظر، نرى أن فعل "ن ش ب ع"
(أقسم)، لا يرد مرارًا في تك 12 ي. إن وُجد، ففي نصوص ترتبط بالتاريخ الاشتراعيّ
المتأخّر (تك 22: 16؛ 24: 7؛ 26: 3؛ 50: 24). ولا نستطيع القول دومًا إن عبارة
"التي أقسم" تدلّ في كل مرّة على نصوص محدّدة.
ونبدأ بتفسير الحلف على الأرض انطلاقًا من السياق الاشتراعيّ. فنلاحظ أن كل
الايرادات المتعلّقة بالأرض التي أقسم عليها للآباء، توجد في إطار الكلام عن مصر،
عن الخروج، عن إفناء الأعداء (رج "حروب يهوه"). فإن تث 26: 15 يتضمّن صلاة (ربما
الاشتراعي الثاني) تشكّل خاتمة المجموعة التشريعيّة التي يتلوها كل جيل في الأرض.
"فاطّلع من مسكن قدسك، من السماء، وبارك شعبك اسرائيل، والأرض التي أعطيتها لنا كما
أقسمت لآبائنا، أرضًا تدرّ لبنًا وعسلاً". هذا الوصف للأرض يرد مرارًا في تث، ونحن
لا نجده في تقليد الآباء، بل في تقليد سفر الخروج (رج خر 8:3، 17 مع دعوة موسى).
والآباء هنا ليسوا ابراهيم واسحاق ويعقوب، بل جيل الخروج (الاول).
ونأخذ مثلاً آخر: استُعمل 18:6-19 كباعث به يحرّض الكاتب الشعب بأن لا يجرّب الرب،
وبأن يحفظ وصاياه (آ 16-17). "هكذا تصيب خيرًا (تكون سعيدًا) وتدخل وترث الأرض
الصالحة التي أقسم عليها الرب لآبائكَ، أن يطرد جميع أعدائك من أمامك كما قال
الربّ". نلاحظ أولاً إطار "الحرب" الذي يميّز خر (23: 27-28) وتث، ويعارض الموقف
المسالم في خبر الآباء تجاه سائر الشعوب. والصفة: "ط و ب ه" (طيبّة، صالحة) التي
تصوّر أرض الوعد لا نجدها في تك. أما خر 8:3؛ عد 7:14، فيعودان بنا من جديد إلى
تقليد الخروج. في هذا الاطار نحدّد موقع الآباء الذين توجّه إليهم قسَم الرب. ففي
نظرة الاشتراعي وُعدت الأرض للآباء في مصر. ويتحدّث حز 20 بوضوح عن تقليد حلف الله
في مصر. ففي هذا الموجز التاريخيّ، يذكّر الرب قرّاءه بأصولهم في مصر. "عرّفت نفسي
لهم في أرض مصر. رفعت يدي وأقسمت بأن أخرجهم من أرض مصر إلى الأرض التي اردتها لهم،
أرض تدر لبنًا وعسلاً، وهي فخر (أجمل) جميع الأراضي" (حز 20: 5-6). ويسمّى هذا
الجيل في مصر "الآباء" في آ 18، 24. وتعلن نهاية هذا النصّ لاسرائيل المنفيّ،
الدخول إلى "هذه الأرض التي رفعت يدي وأقسمت أن أعطيها لآبائكم" (حز 20: 42).
نحن هنا قريبون من الاشتراعيّ الذي يذكّر سامعيه بجذورهم في مصر التي هي شفّافة
لجماعة تعيش في المنفى. فهناك موازاة بين مصر وبابل. ويهوه الذي تدخّل من أجل
الآباء في مصر يستطيع أيضًا أن يتدخّل من أجل الجلاء في بابل.
فإذا كان الآباء يدلّون في نظر الاشتراعي على مصر، فإقحام أسماء ابراهيم واسحاق
ويعقوب قد تمّ في تدوين لاحق. وهكذا يسهل التماهي بين الآباء كما في سفر الخروج
والآباء في سفر التكوين، لأن تث لم يعد فقط مقدّمة للتاريخ الاشتراعيّ، بل نهاية
البنتاتوكس كله. فالقارئ الذي انطلق من تك ففكّر بابراهيم واسحاق ويعقوب حين قرأ
تث، يكفيه أن يخلق إطارًا آبائيًا حول الكتاب من أجل إقحام أباء الشعب في البداية
(8:1؛ 6: 10) وفي النهاية (30: 20؛ 34: 4).
ومع ذلك، فهناك نصوص في جسم الكتاب تقاوم هذا التماهي. مثلاً: 9: 5. فهذه الآية
تبدو في شكلها الحالي كما يلي: "ليس بسبب برّك واستقامة قلبك أنت آت لتمتلك أرضهم،
ولكن لأجل إثم أولئك الأمم طردهم الرب من أمام وجهك ولكي يفي بالقول الذي أقسم الرب
عليه لآبائك ابراهيم وإسحاق ويعقوب". لا نجد في أخبار الآباء وعدًا يشير إلى طرد
الأمم (هذا الوعد يرتبط بزمن الخروج). فتقليد الاحتلال العسكري يرتبط ارتباطًا
وثيقًا بالخروج. ولما أراد الكاتب أن يجعل القارئ يماهي بين الآباء في زمن الخروج
والآباء في زمن التكوين، زاد أسماء ابراهيم واسحاق ويعقوب. والملاحظة عينها تنطبق
على 29: 12-13 حيث يُضاف أسماء ابراهيم واسحاق ويعقوب في سياق يرتبط فيه الآباء
بعبارة العهد (يهوه، إله اسرائيل. اسرائيل شعب يهوه) التي تميّز تقليد سيناء. ونقول
الشيء عينه عن 9: 26-27 حيث زيدت أسماء ابراهيم واسحاق ويعقوب.
إذا كان وجود الآباء مرتبطًا بالتدوين الأخير للبنتاتوكس (أي بعد تدوين تث)، فهل
يعني هذا أن المدرسة الاشتراعيّة تجهل كل تقليد آبائي؟ ونطرح السؤال: ماذا يمتلك
الاشراعي عن الحقبة السابقة لمصر؟ نجد في تث نصيَّن فقط يتحدّثان بوضوح عن النزول
إلى مصر. في 10: 22 يُذكر الآباء السبعون الذين ساروا في طريق مصر (يرتبط بالنصوص
الكهنوتيّة، رج تك 46: 27؛ خر 1: 5). وفي 26: 5 نقرأ: "النؤمن التاريخيّ" الذي يعود
إلى تقليد قديم: "كان أبي أراميًا تائهًا، ونزل إلى مصر". لا يقال اسم ذاك الأب.
وإن لمّح إلى يعقوب كما يرى معظمُ الشرّاح، فتذكّر هذا الجدّ الارامي لا يوافق
كثيرًا دورة يعقوب في تك، ولا نزوله إلى مصر في مركبات الفرعون (تك 49: 19- 20).
وقد رأى أحد الشرّاح أن الاشتراعي تحدّث عن جده بشكل يحمل على الشفقة: كان غريبًا،
وكان تائهًا. فهو لا يريد أن يعرف شيئًا عن ابراهيم واسحاق ولا عن يعقوب. ففي مصر
بدأ تاريخ اسرائيل. والجدّ الذي نزل إلى هناك كان آراميًا.
إن رفض تقليد يعقوب (وكل تقليد آبائي) يرتبط بالنبيّ هوشع "الأب الروحي" للتيّار
الاشتراعيّ. ففي هو 12، نجد نقدًا قاسيًا لهويّة دينيّة تمرّ بالدم، تمرّ بواسطة
جدّ هو يعقوب. ويحرّض النبيّ السامعين لكي يتخلّوا عن هذا الطريق، ويتوجّهوا إلى
الرب إلههم منذ مصر. أما الرباط به فتمرّ عبر الوساطة النبويّة (هو 12: 10، 14).
وقد اختار تث بوضوح هذا الموقف الذي يرتبط بالخروج ويبدو بشكل دعوة ونداء: دور موسى
مهمّ في تث. وعلى كل جيل أن يعرف مسؤوليّته تجاه متطلّبات الله. ودور الآباء في تث
يتسجّل في هذا المنظار. أما أخبار ابراهيم واسحاق ويعقوب فترتبط بسلالة إخباريّة.
أما الآباء في تث فهم مجموعة لا اسم لها. هم يدلّون على الجذور الخروجيّة للقرّاء
كما يدلّون على تواصل تاريخ اسرائيل مع يهوه. ولكن تذكّرهم يدلّ في الوقت عينه على
أن الحاضر والمستقبل لن ينجحا إلاّ إذا اختار القرّاء الحياة، أي التوراة ووساطتها
الموسويّة.
الفصل الرابع عشر
الآباء والتاريخ الاشتراعي
1- من الخروج إلى التثنية
إن التفسير الخروجيّ للآباء في تث يتثبّت في التاريخ الاشتراعي، يش، قض، 1-2 صم،
1-2 مل. فمنذ بداية يش نجد عبارة الأرض التي أقسم الله عليها للآباء. نقرأ في يش
1:6: "تشدّد وتشجّع فإنك أنت تورّث (تعطي ميراثًا) هؤلاء الشعب الأرض التي أقسمت
لآبائهم أن أعطيها لهم". رج تث 7:31: "تشدّد وتشجّع...". وهكذا يرتبط يش مع تث.
فالقسَم الموجّه إلى الآباء، يظهر في إطار التاريخ الاشتراعيّ للمرة الأخيرة في يش
43:21-44. هي مقدّمة لوصيّة يشوع (الأخيرة) في ف 23 الذي يتحدّث عن احتلال الأرض.
"وأعطى الرب اسرائيل جميع الأرض التي حلف أن يعطيها لآبائهم. فتملّكوها وأقاموا
بها". "وأراحهم الرب من كل جانب بحسب جميع ما أقسم عليه لآبائهم، ولم يثبت في
وجوههم أحد من جميع أعدائهم، بل أسلم الرب إليهم جميع أعدائهم. لم تسقط كلمة واحدة
من جميع كلام الخير الذي كلّم به الرب آل اسرائيل. بل تمّ كله" (يش 43:21-44). في
هذه الآيات الثلاث نجد ست مرّات لفظة "كل". كل ما وعد به الرب قد تحقّق. وعلى مستوى
أحداث التاريخ الاشتراعيّ، بدا يش كتتمّة المواعيد للآباء، كما شدّد عليها تث. وفي
الوقت عينه توجّهت هذه الآيات إلى القرّاء الذين حُرموا من هذه التتمّة (هم خارج
الأرض). من هذا القبيل، يبدو هذا القول في بُعد آخر: فمع تتمّة التاريخ، لا ينقص
شيء من آنيّة الموعد. فالوعد بالأرض يحتفظ بأهميّة لاسرائيل رغم أنه تمّ مرّة أولى.
والآباء الذين يذكّرون الشعب بهذا الوعد هم (في يش وفي تث) الجيل الذي أقام في مصر،
جيل الخروج (لا جيل ابراهيم...). يُذكر موضوع الراحة (يش 21: 43-44) واللبن
والعسل... وكل هذا غريب عن التقاليد الآبائيّة.
وبعد يش 21، تتحدّد العلاقة بين "الآباء" و"الأرض" بشكل مختلف. لن يقولوا: "الأرض
التي أقسم الرب عليها لآبائهم". بل "الأرض التي أعطاها الرب لآبائهم" (1 مل 8:40).
إن ظهور هذه العبارة يدفعنا إلى أن نسوق الملاحظتين التاليتين. الأولى، يرى
الاشتراعي أن الأرض لا تُعطى بشكل نهائيّ إلاّ مع بناء الهيكل. ولكن كما في يش
43:21-44؛ 23: 1ي، يأخذ الكاتب بعين الاعتبار وضع القرّاء. ففي صلاة التدشين (1 مل
8)، يبدو المنفى وتدمير الهيكل حاضرين. "وإذا خطئوا إليك... وأسلمتهم إلى أعدائهم
فسبوهم إلى أرض عدوّة... إن عادوا إليك... وإن صلّوا إليك جهة أرضهم التي اصطفيتها
والبيت الذي بنيته لاسمك، فاسمع من السماء" (1 مل 46:8- 49). والملاحظة الثانية،
الآباء الذين أعطيت لهم الأرض هم جيل احتلال الأرض. هم قرّاء تث (الذين يوعدون
مرارًا بعطيّة الأرض) الذين صاروا الآباء في 1 مل 8.
إن تحوّل قرّاء تث إلى "الآباء"، يظهر في استعمال "ك ر ت" (قطع عهدًا). "ص و ه"
(أمر، أوصى). هذان الفعلان خاصان في تث بالسامعين (تث 5: 3؛ 6: 1). وقد ارتبطا الآن
بالآباء. فإن 1 مل 8: 21، يتحدّث عن "عهد قطعه الرب مع آبائنا حين أخرجهم من أرض
مصر". ونقرأ في 2 مل 17: 3 عن "كل التوراة التي أوصيت بها آباءكم".
ويقدّم قض 2: 12 حقبة القضاة بهذا الكلام: "تركوا يهوه إله آبائهم الذي أخرجهم من
أرض مصر". ترد ذات العبارة (تركوا الرب إله آبائهم) للكلام عن حكم أمون سلف يوشيا.
فتاريخ اسرائيل منذ زمن القضاة حتى حكم يوشيا، يحيط به موضوع العصيان للربّ، إله
الآباء. هنا نلاحظ أهميّة يوشيا في نظر تث، هذا الملك الذي سلك في كل طريق داود
أبيه (2 مل 22: 2). مع حزقيا ويوشيا، نحن أمام ملكين يشذّان عن القاعدة في تاريخ
اسرائيل السلبيّ منذ زمن القضاة (لم يصنعا الشرّ). وهذه النظرة السلبيّة إلى
التاريخ تصبح شفّافة في نصوص تذكر عصيان الآباء وأبنائهم كما في قض 19:2: "ولكن عند
موت القاضي، كانوا يعودون إلى الفساد أكثر من آبائهم". عند ذاك تصبح حقبة موسى
"العصر الذهبيّ". ففي تلك الحقبة تحقّقت المواعيد التي أعطيت للآباء في مصر. ولهذا،
على قرّاء تث أن يجعلوا من حقبة الخروج واحتلال الأرض حقبة خاصّة بهم.
وهكذا لا مكان لابراهيم واسحاق ويعقوب في التاريخ الاشتراعي. وإن ذُكروا ففي إطار
بعد اشتراعيّ (مثلاً، 1 صم 12: 8؛ 2 مل 13: 23). أما يش 24، فيبدو أنه دوّن بَعد
الجلاء. فهذا النصّ الذي يتوازى في أمور كثيرة مع نح 9، يجمع الآباء الثلاثة في
استعادة التاريخ. ونلاحظ أن ابراهيم وحده يسمّى "الأب"، ساعة ظهر الآباء في يش 24
وفي سائر النصوص الاشتراعيّة. نقرأ في آ 6: "أخرجت آباءكم من مصر". فالكتّاب الذين
بعد المنفى عرفوا الفرق بين ابراهيم واسحاق ويعقوب وبين آباء تث. فهذان النوعان من
الآباء يعكسان نمطين من السطر في البدايات. ففي نظر الاشتراعي، اسرائيل الحقيقيّ
والوحيد هو في الجلاء البابليّ. وهو يجد جذوره في نمط "خروجي" مع الآباء في مصر.
أما ابراهيم واسحاق ويعقوب فبدوا الجذور من أجل الشعب الذي ظلّ مقيمًا على الأرض
ولم يذهب إلى الجلاء. ومع ذلك، فهؤلاء الآباء الثلاثة قد دخلوا في تث.
2- تث خاتمة البنتاتوكس
يبدو أكيدًا أن التوراة في المعنى الحصري كوثيقة رسميّة، قد رأت النور في إطار
السياسة الفارسيّة، وسمّيت "الترخيص الملكي". والنظرة إلى "نشر" البنتاتوكس الذي
وافقت عليه السلطة الفارسيّة، تضمّنت داخل العالم اليهوديّ بحثًا عن توافق بين
مختلف التيارات اليهوديّة، في إطار التقليد الكهنوتي والتقليد الاشتراعيّ. في هذا
السياق، انفصل تث عن التاريخ الاشتراعي (كمقدّمة يش، قض، 1-2 صم، 1-2 مل) وارتبط
بالبنتاتوكس، وذلك من أجل تقوية النزعة الاشتراعيّة. ولكن كيف شدّدوا على انتماء تث
إلى هذه المجموعة المؤلّفة من الأسفار الخمسة؟ عاد المدوّن الأخير وأقحم أسماء
ابراهيم واسحاق ويعقوب مع الآباء. صار الآباءُ ابراهيمَ واسحاق ويعقوب. وهذا الأمر
لا نجده في التاريخ الاشتراعيّ. وهذا الاقحام قد جُعل في مواقع "استراتيجيّة". في
بداية تث (1: 8) وفي نهايته (34: 4). ثم إن التماهي ظهر في 10:6 وهو أول نصّ يتحدّث
عن القسَم للآباء بعد نظرة إلى التاريخ الماضي في تث 1-3 و5. في 30: 20 تمّ الاقحام
في نهاية الخطبة الموسويّة الكبرى. وفي النهاية دخلت أسماء ابراهيم واسحاق ويعقوب
في مقاطع (9: 5، 27؛ 29: 12) لا تسمح بتلميح إلى تقاليد الآباء. وإذ ذكّر المدوّن
الأخير هذا المثلّث سبع مرّات، وإذ ماهى بين الآباء والمثلّث، فصل تث عن التاريخ
الاشتراعيّ وثبّت تماسك البنتاتوكس. فالمواعيد التي أعطيت للآباء تبدو موزّعة في
الأسفار الخمسة، من تك إلى تث (تك 24:50؛ خر 32: 13؛ 33: 1؛ لا 26: 42؛ عد 32: 11؛
تث 34: 4). والنصّ الأخير الذي يتضمّن هذا الوعد يرتدي أهميّة خاصة. فحالاً قبل موت
موسى، أراه الرب الأرض وقال له: "هذه هي الأرض التي أقسمت لابراهيم واسحاق ويعقوب
قائلاً: لنسلك أعطيها". في هذه الآية، نجد تحوّلين رئيسيّين بالنسبة إلى ذكر القسَم
الالهيّ في تث: فابراهيم واسحاق ويعقوب لا يسمّون "الآباء". والقسَم جاء في خطبة
مباشرة لا في المصدر. يعود هذان التحوّلان إلى واقع يقول إن ف 24 الذي يعكس آخر
مراحل تدوين البنتاتوكس، وإن آ 4 تدخل في هذا الإطار. فهي تستعيد الوعد الاول
بالأرض كما أعطي لابراهيم في تك 12: 7: "لنسلك أعطي هذه الأرض". وفي نهاية المسيرة،
تكرّر الوعد وتطبّق على الآباء الثلاثة. هذا الوعد لم يتمّ في سياق البنتاتوكس،
وهذا ما يجعل التوراة (بحصر المعنى) كتابًا مفتوحًا. ونحن نفهم هذه اللاتتمّة في
إطار الحكم الفارسيّ الذي لا يستطيع أن يقبل إلاّ بالمواعيد الالهيّة، لا بخبر
احتلال مناطق قريبة من أرض اسرائيل. فإذا كانت التقاليد الآبائيّة تحيط بالبنتاتوكس
(ما عدا تك 1- 11)، فالتقاليد الخروجيّة تحافظ على استقلاليّتها. ونذكر هنا أن تك
12-25 يشكّل وحدة كبرى مستقلّة تقدّم لتاريخ البدايات الذي يكفي نفسه بنفسه، اللحمة
الأقدم. و"الانقطاع" بين تاريخ الآباء وتاريخ الخروج يبدو واضحًا في خبر دعوة موسى
(خر 3) حيث الأرض الموعود بها للجيل المقيم في مصر، تقدَّم على أنها مجهولة وغير
مرتبطة بوعد آبائي (خر 3: 8-9). ففي وثيقة تمّ الاتفاق عليها، كان لا بدّ من جعل
سطرتين تسكنان معًا. وإن تث قد عكس في تدوينه الأخير وجود هاتين السطرتين. فحين
نقرأ تث كخاتمة للبنتاتوكس، نرى أن الكلمة الأخيرة هي للأصول الآبائيّة. ولكن إن
توّقفنا عند التاريخ الاشتراعيّ، تأخذ الأصول الخروجيّة أهميّة خاصة. ومهما كانت
الطريقة التي بها نقرأ تث، فهو يجعل كل فرد وكل جماعة أمام مسألة حيّة هي مسألة
الأصول التي فيها يتجذّر التاريخ.
الفصل الخامس عشر
الابحاث حول التقليد الكهنوتي
اعتاد التقليد اليهودي أن يسمّي الأسفار الخمسة في العهد القديم باسم "الشريعة".
وكذا فعل العهد الجديد حين تحدّث عن "الشريعة والأنبياء" (مت 5: 17، 18؛ 12:7...).
أما التقليد المسيحيّ فضمّ الأسفار الخمسة إلى الأسفار التاريخيّة. وفعل كذلك
المؤرخ فلافيوس يوسيفوس في كتابه ضد ابيون (1: 8). من خلال هذه الفروقات، نجد مناحي
مختلفة. فلفظة "شريعة" تعود بنا إلى أمر تلقّيناه، أمر مستمر، يدوم، ويجب أن نحفظه.
أما لفظة "تاريخ" فتنطبق على تطوّر الأحداث الماضية. ولكنها لا تستبعد توسّعات
جديدة.
نبدأ في مقالنا الذي يجمع الشريعة إلى التاريخ، فنفهم كيف عاد البنتاتوكس (الاسفار
الخمسة) إلى نفسه. ونطرح سؤالاً أول: ما معنى عبارة "التقليد الكهنوتي"، هذا
التقليد الذي هو الشريحة الاوسع في البنتاتوكس والأحدث عهدًا. وقد طبع بطابعه
النهائيّ أسفار موسى الخمسة.
1- الأبحاث حول التقليد الكهنوتي
أ- توسّعات أولى
في بداية الابحاث المكثّفة حول البنتاتوكس في القرن التاسع عشر، تحدّد مدلول
التقليد الكهنوتيّ على ضوء لفظتين متواجهتين: الشريعة والتاريخ. في سنة 1807، كان
"دي واتي" أول من قام بمقاربة إلى هذا الموضوع في كتابه: "نقد التاريخ الموسويّ"،
فأبرز من جهة النصوص التشريعيّة، ومن جهة أخرى النصوص التاريخيّة. غير أنه لم يفصل
فصلاً واضحًا بين الاثنين. من جهة، تحدّث عن "حقبة التيوقراطيّة العبرية" التي فيها
أنشد "أحد الشعراء" "ولادة وتكوين شعب الله وشرعته المقدّسة". ولكن من جهة ثانية،
توخّى الشاعر هدفًا آخر: أراد أن يستخلص من التاريخ "الشرائع التيوقراطيّة". غير أن
التوازن بين الشريعة والتاريخ الذي كان منذ البدء سريع العطب، سوف يزول بسبب مواقف
متباينة ومتناقضة.
سنة 1843، كتب "إوالد" "تاريخ شعب اسرائيل" في سبعة أجزاء. في الجزء الأول أفرد 32
صفحة للحديث عن "كتاب البدايات" (تك 1- 11). ثم عاد مرارًا إلى هذا الموضوع. فلاحظ
أن الكاتب لا يروي خبرًا مفصّلاً يتعاطف معه بحرارة إلاّ إذا أراد أن يبرّر إعلان
شريعة، أو شرح فرائض على مستوى الشرائع والأخلاق. غير أن الهدف الرئيسيّ لهذا
الكتاب الكبير هو أن يلقي أوسع نظرة إلى اللحمة التاريخيّة كلها، وأن يعود إلى
الأصول السحيقة لكي يشرح كل ما جرى فيما بعد. هذا ما فعله اليونان بعد انتصارهم على
الفرس. فهذا العمل التاريخيّ قد أراد أن يستعيد كل شيء من زاوية البداية والصيرورة.
فقدّم نظرة سريعة إلى معنى التاريخ. فاستعمل من أجل هذا كرسمة توجّه عرضه، نظرية
حقبات الكون الأربع التي عرفتها شعوب عديدة في العصور القديمة. وهكذا وزّع التاريخ
على آدم ونوح وابراهيم وموسى. وهذا ما يقابل عند هيسيودس (8-7 ق م) الذهب والفضّة
والنحاس والحديد. وهكذا فـ "كتاب البدايات" يتحدّث عن بشريّة تمتدّ يومًا بعد يوم
بحسب حقبات مماثلة، وتتطوّر على مستوى الفنون. ولكن الصراعات المتنامية تنخرها من
الداخل.
ب- أولويّة الشريعة
كان لشرح المعلّم هذا امتدادٌ في لفظة حاول "ولهاوزن" أن يفرضها في "تأليف
الهكساتوكس" (1876، أو الأسفار الستة. يزيد سفر يشوع على أسفار موسى (الخمسة). وفي
"تاريخ اسرائيل" (1878)، استند إلى العهود الأربعة التي تتوزّع عمله: عهد مع آدم
(تك 2-3). عهد مع نوح (تك 9). عهد مع ابراهيم (تك 12 ي). عهد مع موسى (خر 19-24).
ولكن لفظة "أربعة" لم تلقَ النجاح المنتظر. فحسب "كوانان"، "تك 1 :28-30 ليس عهدًا
بل "كلمة مباركة". ولكن ولهاوزن لم يعُد يتحدّث عن نظام متناقص لعصور الكون. وما
يسمّيه الآن "الشرعة الكهنوتيّة" قد وصل إلى ذروته مع عطيّة شريعة موسى، حين غطّى
حالاً الإخبار بمواد تشريعيّة. وما رُوي فيما قبل وجد نفسه "خاضعًا لهدف تشريعي".
إن "الشريعة" هي "مفتاح القراءة" حتى لأخبار الشرعة الكهنوتيّة. وبمختصر الكلام،
الشكل وحده هو تاريخيّ. إنه الإطار للمادة التشريعيّة لكي يرّتبها أو يجعل عليها
قناعًا.
وجاء فيما بعد من حاول أن يجد ما يجمع بين هذين الموقفين الطرفين، عائدًا إلى عبارة
كوانان "كتاب تاريخيّ وتشريعيّ". هذا ما فعله "فون راد" الذي رأى أن موضوع إخبار
التاريخ الكهنوتيّ هو توسّع في نظم عباديّة محدّدة تنطلق من التاريخ. بمثل هذه
النظرة صار التاريخ المرويّ أكثر من "إطار" بسيط أو "قناع". غير أنه ظلّ يُروى في
هدف إتيولوجي (يبحث عن العلّة والسبب) "كتشريع تاريخيّ" لوجود اسرائيل. نستطيع هنا
أن نتكلّم أيضًا عن "تقديم كهنوتيّ لتاريخ الخلاص". مثلاً، يتحدّث شاربار بمناسبة
كلامه عن الكهنوتي، عن "تاريخ خلاص تقم فيه بين الفينة والأخرى المباركات والمواعيد
إلى أن يظهر ملكوت الله في شعب الله الذي تنظّم تظيمًا تراتبيًا". ولكن في الواقع،
يجب أن نقرّ، أنه منذ "ولهاوزن"، قد انتصرت "الشريعة" على التاريخ. هذا يعني أن
التقليد الكهنوتي قد يلجأ إلى التاريخ. ولكنه إن لجأ فهو يتوخّى أن يمتّن العلاقات
الاجتماعيّة الموجودة في أيامه فيقدّم لها بالخبر صفة شرعية. وهكذا تبدو الشريعة
عدوّة كل نموّ ومعارضة لكل تبدّل إجتماعي.
ج- عودة إلى التاريخ في التقليد الكهنوتي
ولكن جاء من طرح مثل هذه المقولة التي بدت في وقت من الاوقات كلاسيكيّة، بل دمّرها
تدميرًا. انطلق من وقائع وملاحظات وتساؤلات، فقدّم وجهات جديدة حول موضوع "التقليد
الكهنوتيّ والتاريخ". وها نحن نعرض بعضها.
أولاً: قيمة التاريخ
منذ "ولهاوزن"، ميّز العلماء بين خبر تاريخيّ كهنوتيّ حقيقيّ، وما تبقّى في النصّ
الذي هو مواد تشريعيّة. ولكن في سنة 1948، تساءل "نوت" في كتابه "تاريخ تقليد
البنتاتوكس" عن لاهوت التقليد الكهنوتي على مستوى التاريخ، وذلك بعد أن عزل الشرائع
التي أضيفت إلى التاريخ الكهنوتي. ولما انطلق من هنا كان لا بدّ له، أقّله في وقت
أول، من تركيز نظره على "التاريخ الكهنوتي". وكان انشداد بين "الشريعة" و"التاريخ"
يجد شروط تعايشه في دمج التاريخ الكهنوتيّ والشرائع الكهنوتيّة.
وقدّم نوت رأيًا آخر في كتابه، فأعلن أن في تنظيم شعائر العبادة في اسرائيل نحن
أمام تنظيم عبادة "مثاليّة"، أمام "برنامج من أجل المستقبل". وهكذا بيّن أنه من
الممكن أن نرى في العلاقة بين التاريخ والشريعة اتجاهًا يتوخّى تبديل النظام، لا
تبريره. وهكذا وصل نوت إلى موقف يقول إن التاريخ الكهنوتي لا يعير أهمية كبرى
للتاريخ كتاريخ.
ثانيًا: محور اهتمام التاريخ الكهنوتي
أخذ نوت بالرأي التقليديّ فقال إن الإخبار الكهنوتي يبلغ إلى هدفه الحقيقيّ مع
تقديم القواعد التي دشّنت سيناء. أما "آليغر" فدافع بالاحرى عن طرح يصعب الردّ
عليه. وهو يقول: إن محور الاهتمام الحقيقيّ في التاريخ الكهنوتي، ورغم اتّساع
مقطوعة سيناء، لا يكمن في شعائر العبادة ولا في الجماعة العباديّة، بل في أرض
كنعان. "فذروة تدخّل الله في التاريخ" هي "امتلاك أرض كنعان" كأساس مادي ومفهومي
"تستطيع أن تمتدّ عليه حقًا حياة الشعب وشعائر العبادة كوظيفة طبيعيّة وجوهريّة".
مثل هذا الطرح يحمل إقناعًا، ولاسيّما أن "آليغر" يستعيد نقد "نوت" الأدبيّ الذي
يقول إن التاريخ الكهنوتي أنهى الكتاب بموت موسى وما صوّر الدخول إلى أرض الموعد،
فعكس شعائر العبادة التي لا يراها التاريخ الكهنوتيّ إلاّ في اسرائيل. فإقامة
الانسان في أرضه الخاصة هي أمر معترف به من أجل جميع الشعوب. وهكذا يفرض علينا
موضوع التاريخ الكهنوتي الاهتمام من جديد بتاريخ البدايات الذي يتطرّق إلى جميع
الشعوب. فهذا التاريخ هو أكثر من مقدّمة في بداية سفر التكوين أو التوراة كلها.
وقدّم "آليغر" بشكل ملموس فكرة جديدة ظهرت من قبل عند "دي واتي": ففي التاريخ
الكهنوتيّ، صار التاريخ المرويّ شفّافًا عن طريق اختيار المواد وترتيبها. وهو
يجعلنا نرى القرّاء الذين يتوجّه إليهم ونعرف وضعهم الملموس. فهناك خلفيّة تسند
فكرة القارئ. وقد فكّر "آليغر" بقرّاء يقيمون في المنفى ببابل (587-539). ونستطيع
أيضًا أن نبرز شفافيّة الخبر الكهنوتيّ، إذا أخذنا بعين الاعتبار علاقات النصّ
بالادب النبويّ في زمن المنفى، وبالحقبة الأولى التي بعد المنفى، ولاسيّما بكتاب
حزقيال. فهذا السفر يقدّم بلا شكّ نظرة إلى التاريخ لا تحاول فقط أن ترتّب مختلف
الاحداث في خطّ زمنيّ أو نظام سببيّ أو غائي، بل أن تجد في التاريخ نماذج وأمثلة
تلائم جميع الأزمنة. هذه النماذج التي برزت في الماضي، سيكون لها مدلول من أجل
المستقبل.
في هذا السياق نشدّد على دراسة "ماك فانيو" في كتابه (الاسلوب الإخباري لدى الكاتب
الكهنوتي) الذي سدّ نقصًا في الدراسات فأتاح لنا أن ندرك التقنيّة الأدبيّة في
التاريخ الكهنوتي. غير أننا لسنا مجبرين على الأخذ برأي الكاتب الذي يظنّ أننا أمام
أدب الطفولة في أرض اسرائيل. فمسألة أصل أسلوب الأدب الكهنوتي ووظيفته والتاريخ
السابق له، تبقى عالقة.
ثالثًا: التاريخ الكهنوتي على المحكّ
وأخذت تتكاثر المحاولات التي ترى في النصوص الاخباريّة التي نجدها في التقليد
الكهنوتيّ، لا كتابة أصيلة ومستقلّة في ذاتها، بل ملحقات على مواد قديمة في
البنتاتوكس الذي يقرأها ويعيد تفسيرها. وهناك من يرى فيها يد المدوّن الحقيقيّ
للبنتاتوكس. ما هي النتيجة التي وصلوا إليها؟ إن الإخبار الكهنوتيّ للتاريخ، وإن
كان في الاصل مستقلا، لا يجب أن يُعتبر فقط تقليدًا مستقلاً ومتوازيًا مع سائر
تقاليد البنتاتوكس التي هي أقدم منه. بل يجب أن نرى فيه بالأحرى نظرة جديدة تعود
عودة واعية إلى التقاليد القديمة، كما تحاول في الوقت عينه أن تبتعد عن هذه
التقاليد. مثل هذه العودة الواعية إلى "المصادر القديمة" لا تفرض بالضرورة نظريّة
الملحقات، أي إعادة قراءة النصّ الأصلي مع إضافات ترافق كل قراءة. بل هي تتلاءم مع
وجود "كتاب مستقلّ" شرط أن يكون الكاتب والقرّاء قد عرفوا هذه "المصادر القديمة".
الفصل السادس عشر
التاريخ وبناء السطر
في التقليد الكهنوتي
التاريخ هو إيراد الوقائع والأحداث الماضية التي تتعلّق بالبشريّة، بمجتمع من
المجتمعات، بشخص من الأشخاص. أما السطر فهي خبر شعبي أو أدبيّ نُسقط فيه أحداثَ
الماضي على الحاضر بعد أن "نجمّلها" ونعطيها هدفًا تعليميًا. هناك انطلاق من
التاريخ والواقع، لنجعل القارئ في بداية البشريّة وأصولها. فما يحدث له الآن، حدث
لأول انسان، لأول عائلة على الأرض.
هذا ما نحاول أن نتطرّق إليه في إطار التقليد الكهنوتي
1- معطيات يطرحها التقليد الكهنوتي
ننطلق من مبدأ يقول إننا نستطيع أن نجد في الهكساتوكس مواد "الكتاب الكهنوتي"، أي
الإخبار التاريخيّ الكهنوتيّ وقد حُفظ لنا في مقاطع تتوزّع أسفار موسى الخمسة وسفر
يشوع. فهذا التاريخ الكهنوتي يتواصل في عباراته الأخيرة حتى سفر يشوع. دوّن في
الأصل بشكل مستقلّ، أو تكوّن من إضافات وملحقات. فصاحب" المؤلّف" عرف البنتاتوكس
القبل كهنوتي وأقدم تدوينات الأنبياء الاولين (يش، قض، 1-2 صم، 1-2 مل) واللاحقين
(أش، إر، حز، الاثنا عشر). كما ظنّ أن قرّاءه يعرفون هذه الأسفار. وقد ألَّف
"كتابه" ساعة بدأ المنفيّون في بابل يتطلّعون إلى إمكانيّة العودة من المنفى.
لهذا، لا بدّ من طرح الأسئلة على هذا الكتاب من جهة التاريخ؟ هل نوى أن يروي لنا
التاريخ؟ ما هي نظرته إلى التاريخ؟ أمّا السؤال الأول فيرمي إلى إبراز نيّة الكاتب
في إيراد أمور تاريخيّة واقعيّة. والثاني يتعلّق بكل ما يعني فلسفة التاريخ. وقد
نستطيع أن نطرح سؤالاً ثالثًا: هل ينقل التاريخ الكهنوتي معلومات يستطيع التاريخ
الحديث أن يستعملها؟ نحن نعرف مراجع التاريخ الكهنوتي، لهذا نشير إليها بطريقة
عابرة.
حسب مقاييسنا، يتوخّى كاتب من الكتّاب أن يدوّن التاريخ إن ظنّ أنه يروي أحداثًا
حصلت في الحقيقة، وأن هذه الاحداث قد تعاقبت وامتدّت في الزمن كما يرويها. ويكون
قريبًا من مؤرّخ العصور الحديثة إن أبرز في خبره مقولات السببيّة والنموّ والتطوّر.
أما الآن، فنطرح على نفوسنا السؤال التالي: هل توخّى الكاتب الكهنوتيّ أن ينقل ما
حصل في الحقيقة، وهل أراد أن يصوّر هذا التاريخ في مسيرته المتماسكة والمتواصلة في
الزمن؟
تلك كانت نيّة مصادر البنتاتوكس القديمة، رغم خلفيّات كرازيّة، والحدود التي يفرضها
الفنّ الأدبيّ على مواد مستعملة. لقد أرادت هذه المصادر أن تُعلم اسرائيل بماضيه.
هل أراد المؤرّخ الكهنوتيّ أن يعمل الشيء عينه؟ للوهلة الأولى يبدو الجواب
بالايجاب. فقد استعاد الخطوط الكبرى كما وُجدت عن البنتاتوكس. بدأ مع الخلق. وعرف
زمن البدايات والطوفان. وتحدّث عن الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب. ورأى عائلة يوسف
تذهب إلى مصر. وصوّر تحرّر بني اسرائيل من مصر، كما تصوّر سنوات العيش في البريّة.
وتوقّف طويلاً عند سيناء. وفي النهاية قاد الشعب إلى الأرض التي وُعد بها الآباء.
وهكذا نحسب حساب الخطّ الإخباري وهدف الكاتب بأن يورد الأمور التاريخيّة التي
ارتبطت بهذا الخطّ.
2- النهج الأدبيّ واللاهوتيّ لدى الكاتب
لا يكتفي الكاتب بأن يستعيد خطّ الإخبار المركّز على التاريخ. بل هو يضيف الأسماء
والأعداد. ويجعل كل هذا في ترتيب ونظام. جعل الأسماء في سلسلة الانساب، وقدّم لائحة
الشعوب والقبائل. وجاءت أرقامه حسب نهج كرونولوجيّ قد صيغ صياغة بارعة. ورتّب مختلف
البنى بما فيها من تمثّلات تتداخل وتتنضّد أقلّه في بعض أجزائها. والبنية التي
تتضمّن كل التاريخ الكهنوتيّ وتتقاسم "المؤلّف" كله في عشرة أجزاء تختلف في حجمها،
تشير إليها عبارة: "وهذه مواليد" (توليدوت). والجزء العاشر الذي هو مواليد يعقوب
والذي يشكّل النصف الثاني من "الكتاب"، يتوزّع بدوره على ثماني حواش تروي الهجرات،
وتنتهي كل مرّة بحدث من الأحداث، وتبدأ الخبر المقبل الذي يجري في مكان آخر.
أ- نذكر أولاً "تولدوت" أو المواليد في التاريخ الكهنوتيّ
- تك 2: 4، مولد السماء والأرض. هو خبر مباركة.
- تك 5: 1، مواليد آدم، سلسلة أنساب.
- تك 6: 9، مواليد نوح، خبر، مباركة+ عهد.
- تك 10: 1، مواليد أبناء نوح، لائحة الشعوب.
- تك 11: 10، مواليد سام، سلسلة أنساب.
- تك 11: 27، مواليد تارح، خبر، مباركة+ عهد.
- تك 25: 12، مواليد اسماعيل، سلسلة العائلة.
- تك 25: 19، مواليد اسحاق، خبر، مباركة.
- تك 36: 1، مواليد عيسو، سلسلة العائلة.
- تك 37: 2، مواليد يعقوب، خبر، هجرة.
ب- ونذكر ثانيًا الهجرات في التاريخ الكهنوتي
- اسرائيل في مصر، الخروج من مصر، خر 12: 37 أ، 40-42؛ 13: 20.
- تدمير المصريّين، نحو بريّة شور، خر 15: 22 أ، 27؛ 16: 1.
- وحي حول السبت، نحو بريّة سيناء، خر 17: 1 أ ب؛ 19: 1-2 أ.
- وحي حول المعبد، نحو بريّة فاران، عد 10: 11-13؛ 12: 16 ب.
- خطيئة الشعب، نحو بريّة صين، عد 20: 1 أ.
- خطيئة موسى وهارون، نحو هور الجبل، عد 20: 22 ب.
- موت هارون، في فيافي موآب، عد 21: 4 أ، 10- 11؛ 22: 1ب.
- موت موسى، الدخول إلى كنعان، يش 4: 19 أب؛ 5: 10- 12؛ 18: 1.
ج- المقاطع "اللاهوتيّة" في التاريخ الكهنوتي
- تك 1، خلق العالم.
- تك 6-9، الطوفان والعهد مع نوح.
- تك 17، عهد مع ابراهيم.
- تك 35، مباركة يعقوب.
- خر 6- 11: إرسال موسى وهارون، المعجزة أمام فرعون.
- خر 14: غرق فرعون (الذي يمثّل الآلهة الوثنيّة) في البحر.
- خر 16: المن والسلوى. وحي حول السبت.
- خر 24- عد 4: سيناء: الوحي وترتيب المعبد في المخيّم، في المحلّة.
- عد 13- 14: التعرّف إلى الأرض: خطايا الشعب والرؤساء.
- عد 20: عطيّة الماء في البريّة: خطايا موسى وهارون.
- عد 20: إجلاس اليعازر على كرسي الكهنوت، موت هارون.
- عد 27- تث 34: إعطاء السلطة ليشوع، أوامر من أجل احتلال الأرض، موت موسى.
يبدو أن الكاتب أعطى أهميّة كبرى للنصوص التي ترينا الله وهو يتكلّم. قد نستطيع أن
نسمّيها: "النصوص اللاهوتيّة" في التاريخ الكهنوتي. وهي ترد في كل مرّة اثنين
اثنين. في بداية الكتاب، في تك 1 :28، نجد برنامج التاريخ. ونستطيع في طريقنا أن
نتحقّق إن كان قد تحقّق أم لا وذلك حسب الحالات. وعبر ذلك، وحين ندخل في التفاصيل
بأي شكل كان، يصير التاريخ المكتوب في التاريخ الكهنوتي مسيرة نستطيع أن نحدّد فيها
موقع كل نقطة في الزمان وفي المكان. هذا ما يدلّ على تمثّل واضح للتاريخ أراده
الكتّاب ونحن نثق بهم.
غير أن الأوامر كثيرة. والوجوه والأحداث توزّعت بشكل مباشر في الزمان والمكان حسب
مبادئ جماليّة. لهذا، حين نلج عميقًا في "الكتاب" يبدأ الشكّ يساورنا. هل يخضع
الكاتب للوقائع، وهي صفة ضروريّة لمن يريد أن يروي التاريخ؟
د- رمزية الأرقام 2، 7، 10
حين نقرأ النصوص نجد الأمور اثنين اثنين. في زمن البدايات، الخلق والطوفان
الموضوعان الوحيدان الذين يرويهما الكاتب حتى النهاية. ونوح وابراهيم اثنان قد نعما
بعهد (بريت). وابراهيم ويعقوب قد نعما برؤية في زمن الآباء. وموسى وهارون هما قائدا
اسرائيل في زمن التحرّر والمسيرة في البريّة. ومقطوعة المن (خر 26) وسيناء (خر 25
ي) هما خبرا تنظيم عبادي. في حدث المن تنظّم السبت. وفي سيناء، المعبد وخدمة الله.
وهناك أيضًا خطيئتان: ساعة أرسل الجواسيس (عد 13-14) وقرب الصخر الذي يُعطي الماء
(عد 20: 1-13). على هارون أن يموت قبل أن يدخل أرض الموعد. وموسى أيضًا. جلس
اليعازر على عرش الكهنة. ويشوع على عرش "الأمير".
وهناك رسمات مبنيّة على الرقم 7: سبعة أيام الخلق. الأيام السبعة التي فيها انتظر
موسى قبل أن يُدعى إلى اللقاء بالله على الجبل في النار. والرقم عشرة حاضر أيضًا:
عشرة أجيال من الخلق إلى الطوفان. عشرة أجيال بين نوح وابراهيم. عشر "توليدوت" أو
مواليد. وهكذا، يغيب الشعور أننا أمام كميّة كبيرة من الأحداث التاريخيّة التي قد
تكون غامضة. كما يغيب هذا الشعور بأننا أمام أخبار عن أوقات حرجة وغير متوقّعة وغير
مفهومة، في طريق البشريّة، عن أوقات تلعب فيها الحريّة والصدفة لعبتهما.
في هذا المجال، تبدو مراجع البنتاتوكس القديمة، حاملة ثقل تاريخيّ حقيقيّ. وهذا ما
نجده أمام تكديس التقاليد الواحد بجانب الآخر وفوق الآخر. كانت مكدّسة من قبل. فجاء
التاريخ الكهنوتي فامسك بها وخلق منها شكلاً جميلاً بعد أن فرض نفسه على نماذج
سابقة. وهكذا أبعد، حوَّل، بدَّل، زاد أشياء جديدة. وعمل ما عمل بحريّة تامّة.
هـ- الكاتب ومراجعه
نأخذ هنا بعض الامثلة لندلّ على الحرية التي بها تعامل الكاتب مع مصادره. إذ أراد
أن يبرز التقابل بين ابراهيم ويعقوب، اقتطع أمورًا في أخبار اسحاق ويوسف. أبعد عن
دورة يعقوب أخْذ البركة الابويّة بالحيلة، والعداوة بين الاخوين (تك 27: 1- 45).
وحين تحدّث عن تحرّك يعقوب إلى الشرق، وجد سببًا جديدًا يبرّر هذا "الارتحال":
أرسله والداه إلى فدّان أرام، لأنهما لم يريدا له أن يتزوّج امرأة كنعانيّة كما فعل
أخوه عيسو (تك 34:21-35؛ 46:27؛ 28: 1-9). هذا الموضوع قد وجده الكاتب عند اسحاق
فجعله عند يعقوب. ترك الكاتب صورة اسحاق، ونقل بعض سماتها إلى دورة يعقوب. وهكذا
فعل بالنسبة إلى ما فعله ابراهيم حين قال إن سارة اخته وفعل ما فعله اسحاق بالنسبة
إلى رفقة. وهكذا نفهم أن الكاتب لم يطرح سؤالاً على التاريخ كتاريخ، بل عاد إلى
مجموعة أحداث حول مسألة من المسائل: أين يجب أن نطلب امرأة؟ في سائر الشعوب أم في
شعبنا وأمّتنا؟
وهناك تبديلات ثانويّة كانت لها في الأصل متانة تاريخيّة. في تك 17: 17 صارت ضحكة
سارة ضحكة ابراهيم. كما أغفل الكاتب الكلام عن عهد سيناء قبل الأوان. قال اليهوهي
إن أنوش بدأ الدعاء باسم يهوه. وإن نوحًا سوف يقدّم ذبيحة. أما الكهنوتي فربط كل
هذا بحدث سيناء. هو لا يستبق الأمور. وهكذا لا نكون فقط أمام نظرة جماليّة، بل أمام
نظرة لاهوتيّة فكرّت فيها الجماعة طويلاً وأنضجتها قبل أن "تدونّها".
و- تسلسل الانساب وتسلسل الأزمنة
ونقول الشيء عينه عن الانساب والأزمنة. وظيفتها وظيفة لاهوتيّة. دوّن التاريخ
الكهنوتي في حقبة (القرن 6 ق م) كان أهل إيونية (على شاطئ تركيا (الحالية) يكتبون
السطر ليبنوا نهجًا من الانساب. مثلاً هاكاتايوس ابن ميلتيوس (540- 480 ق م)،
المؤرخ والجغرافيّ. استعان بالأنساب فعاد إلى الأزمنة الغابرة وأعطى لكل جيل قيمة
متوسّطة. وهكذا كان أول من حاول أن يقدّم كرونولوجيا كاملة من أجل زمن الأبطال.
ونجد في التاريخ الكهنوتي محاولة مماثلة. فالقيمة المتوسّطة للجيل هي مئة سنة. ولكن
في ما يتعلّق بالأنساب والاعداد بشكل عام، يرتبط التاريخ الكهنوتيّ بالتقليد القديم
في الشرق الأوسط. فتنظيم سلسلتين من الأنساب قبل الطوفان وبعده، تدلّ على ذلك، هذا
بالإضافة إلى رقم عشرة. ونقول الشيء عينه حين نرى الكاتب يعيد جميع الأحداث إلى
بداية واحدة على مثال السطر في البدايات. ولكن إن عدنا إلى التفصيل لا نستطيع أن
نميّز ما أخذه الكهنوتيّ من التقليد، وما صاغه هو بنفسه.
هنا نلاحظ أنه ليس من براهين في الاتنولوجيا (علم السلالات البشرية). أما السلالات
فقد وُضعت لكي تورد وقائع تاريخيّة. وساعة نرى الكهنوتيّ "يكتب"، نرى أنه قد وضع
أمامه أهدافًا غير الأهداف التاريخيّة. مثلاً، إنّ متوشائيل في اليهوهي (تك 4: 18،
والد لامك) صار "متوشالح" (تك 5: 21، وهو والد لامك أيضًا في 5: 24) الذي يعني "رجل
السلاح، المحارب". وهكذا يُعرف وضعه كخاطئ في اسمه. وهكذا يكون الطوفان النتيجة
الواضحة للخطيئة. أما الأعمار قبل الطوفان، فقد ترتّبت بحيث إن الخطأة (مثل
متوشالح) يهلكون في الطوفان، وبحيث إن جميع الأجداد استطاعوا أن يروا أخنوخ مرتفعًا
إلى السماء، لأنه الكامل الذي سلك مع الله (تك 5: 24).
حسب التاريخ الكهنوتي، جميع الآباء بعد نوح، وعددهم عشرة، ما زالوا أحياء حين ولادة
ابراهيم. بعد ذلك ماتوا الواحدُ بعد الآخر. فهناك أشخاص برزوا، وأحداث ظهرت بواسطة
الأرقام والاعداد. في النصّ العبريّ الماسوريّ، يجعل الكاتب حدثَ الخروج يجري سنة
2666 لخلق العالم. هذا يعني بالضبط ثُلثَي أربعة آلاف سنة. والسنة 4000 العظيمة
والعجيبة، يتحدّد موقعها حسب معلومات بيبليّة ولا بيبليّة في زمن المكابيّين، في
سنة 164 ق م بحسب الروزنامة العاديّة. تلك السنة هي بالتحديد سنة تقديس جديد لهيكل
أورشليم بعد أن دنّسه السلوقيّون. مثل هذا النظام الكرونولوجيّ قد تكون لامسته يد
في زمن المكابيّين. غير أننا نظنّ أن النظام الأصيل للأرقام أبرز سنة مهمّة جدًا هي
سنة بناء هيكل أورشليم. لم يعد في أيدينا المفتاح لنفهم النظام الانسابي والأزماني
في التاريخ الكهنوتيّ، ولكننا فهمنا أن الأبواب التي استطعنا أن نفتحها لا تصل بنا
إلى التاريخ وإن هي انطلقت من التاريخ.
ز- الكلمة والواقع
إذا كان هذا هو وضع الأسماء والأرقام، فماذا يكون من أمر الكلمة والواقع؟ تحدّث
"آليغر" عن شفافيّة العرض الكهنوتيّ. ترد الأفعال في صيغة الماضي. ولكن ما يرويه
الكاتب يناسب أوضاع قرّائه وامكانيّاتهم وخبراتهم والأسئلة التي يوجّهونها إلى
نفوسهم. فهو يقدّم من خلال الماضي مساعدة للعيش في الوقت الحاضر، كما يعرض حلولاً
لأسئلة يطرحها المؤمن على نفسه. وهذا ما نستطيع أن نبرهن عنه من خلال التقارب بين
ألفاظ التاريخ الكهنوتي وألفاظ النصوص النبويّة التي تعود إلى ما بعد المنفى.
ونأخذ على ذلك خبر الجواسيس في عد 13-14. فالخطيئة التي اقترفها موفدو القبائل
والشعب كله في بريّة فاران تُسمّى باسم خاص "تشنيع الأرض" (عد 13: 32؛ 14: 36- 37،
قالوا إن الأرض شنيعة مع أنها هديّة من عند الربّ). أما مضمون التشنيع فيرد كما
يلي: "هي أرض تأكل ساكنيها" (عد 23:13). إذا قابلنا بين هاتين العبارتين، نصل إلى
حز 36: 1-5 والنبوءة "على جبال اسرائيل". هذه الجبال جرداء. وقد صارت ملك شعوب
آخرين وموضوع هزئهم. صارت "تشنيعًا (مذمّة في فم) الناس" (حز 36: 3). فوعدها (أي:
الجبال) يهوه بأنه يُعيد إليها شعب اسرائيل فيعيش عليها من جديد في السعادة ويكون
كثيرًا جدًا. فكيف شنّع (ذمّ) الناس جبال اسرائيل؟ قالوا عن الأرض: "تأكل رجالها"
(آ 13). فالعلاقة واضحة بين النصّين بالنسبة إلينا. وبالنسبة إلى قارئ التاريخ
الكهنوتيّ الذي عاش في زمن يعود فيه من المنفى ويقيم في الأرض من جديد. ولكن عددًا
كبيرًا من الناس رفضوا العودة. في مثل هذه الحال، جاء التلميح إلى نصّ حزقيال
كلامًا يشير إلى أن تأخير العودة وتبرير هذا التأخير بكلام يذّم الأرض ويشنّعها، هي
طريقة بها نتبنّى تجاديف سائر الشعوب فنجدّف على الله.
حين نأخذ بعين الاعتبار كل هذا، نفهم فهمًا أفضل معنى التبدّلات التي قام بها
التاريخ الكهنوتيّ لتأليف أقدم شكل لخبر الجواسيس (عد 13-14). بين "ماك افينيو" أن
التاريخ الكهنوتيّ استبعد من أخبار الجواسيس القديمة ومن أخبار الحرب القديمة، كل
ما يُشتمّ منه رائحة الحرب. فروى تجسّسًا سلميًا للأرض التي سوف يمتلكونها. وهنا
أيضًا جعلَنا النصّ نستشفّ ما يجري في مملكة الفرس: لا يؤخذ شيء بالقوّة. قد نظنّ
أن موفدي المنفيّين ذهبوا يستعلمون أولاً إن كانت العودة ممكنة والإقامة. وبعد ذلك،
نظّموا قوافل العائدين. ومن الواضح، أن كل شيء يرتبط بالتقرير الذي يقدّمه العائدون
لدى عودتهم.
ونستطيع أن نكتشف بالطريقة عينها أن التاريخ الكهنوتي لا يهتمّ برواية الماضي في
الأخبار والمواضيع. فما يريد أن يبيّنه هو عالم القارئ. وهكذا ارتبط تاريخ البدايات
بالحاضر. كان سبب الطوفان "خطيئة كل بشر". هذه الخطيئة التي هي الخطيئة الأساسيّة
في البشريّة، والتي اسمها "عمل العنف" (ح م س)، تعود بنا إلى خطيئة قايين وإلى
العطش إلى الانتقام عند لامك. كما أننا نستطيع أن نعود أيضًا إلى حز 28: 1-19:
فمجمل المدلولات التي نقرأها في تك 6: 9-13 (مقدّمة إلى الطوفان)، تعود إلى القول
الثالث الذي قيل على ملك صور.
نجد في هذا القول على صور سطرة قديمة تتحدّث عن سقوط كائن من السماء في البداية.
خطيئته الاصليّة هي الكبرياء. وهي ترتبط مع ما فعلته صور من عنف. في هذا التأوين،
ترك المؤرخّ الكهنوتيّ الكبرياء الاصليّة، وقدّم إلى قرّائه سطرة قديمة عن السقوط
الذي يتبع الخطيئة. فما أفسد في الماضي خليقةَ الله الحسنة، هو هذا العنفُ الذي يجب
على الأنبياء أن يندّدوا به. عند ذاك يستطيع القارئ أن يستنتج: إذن، يجب أن يعود
الطوفان اليوم. وهكذا كان قول حزقيال جسرًا يُخرج من الماضي خطيئة البشريّة الأولى،
ومن بداية العالم الطوفان البعيد. وهكذا يصبحان كلمة لنا في اليوم الحاضر.
ونستطيع أن نفسّر بهذه الطريقة مجمل التاريخ الكهنوتيّ. فيُروى كل حدث بشكل شفّاف.
ما وُجد مرّة قد يتكرّر أكثر من مرّة. وتوافقُ البنى ينير حاضر القارئ، كما ينير
حاضر كل واحد منا، لأن الكلمة ليست بعيدة عنا.
3- مشروع الكاتب الكهنوتي
كيف نستطيع أن نسمّي المشروع الذي نجده في خلفيّة هذه الطريقة في الإخبار؟ إنه يشير
إلى ما حدث في الماضي. ولكنه لا يهتمّ بمعرفة متى حصل هذا الحدث، ولا كيف ينبثق
ممّا سبق، ولا كيف أثَّر في ما لحق. فكل ما جرى في أي وقت من الزمن الماضي، يستطيع
أن يحصل من جديد في زمن القارئ. وهكذا يستطيع الماضي أن ينير الحاضر. إذن، نحن أمام
نظرة إلى التاريخ تجد عددًا كبيرًا من النماذج وتتمثّلها في العالم الذي تعيش فيه.
كل هذه التمثّلات كانت هناك في الماضي. وكلها تستطيع أن تعود. لهذا، كان من المفيد
أن نرويها. فإذا عادت، نستفيد من الماضي لنتعلّم كيف نتعرّف إليها.
تلك طريق أولى. وهناك طريق ثانية: ما هو هدف المؤرخّ الكهنوتي الذي يختفي وراء
شفافيّة أخبار الماضي؟ ثم نقابل كل هذا مع الخطبة الميتولوجيّة، مع سطرة البدايات.
فهذه السطرة يتحدّد موقعها في بدايات (أي خارج الزمن) الأخبار التي تبقى مفيدة
لجميع الأزمنة ولجميع الأمكنة، فتنير هكذا زمننا الحاضر. وقد يحصل أن يصبح بعض
الاشخاص في عالم الميتولوجيا والصور القديمة. غير أن السطرة لا ترتبط بالوجود
التاريخي لهذه الوجوه الميتولوجيّة.
ولكن إن وضعنا جانبًا تاريخ البدايات المنبثق من المصادر القديمة، فالإخبار
الكهنوتيّ يستند إلى مصادر تاريخيّة ويوسّع منظارها. غير أنّه يبقى أمينًا للتعاقب
التاريخيّ للأحداث الرئيسيّة. غير أنه يقدّمها وكأنها سطر، وكأنها تعود إلى عالم
الميتولوجيا. فهي بشكل من الاشكال تحوّل التاريخَ إلى سطر. وفي النهاية، يدعو
الإخبار الكهنوتيّ القارئ لكي يرى في كل متتالية زمنيّة، مجموعة صور جُمعت جمعًا
فنيًا. وإذ يستند هذا الإخبار إلى التاريخ، يوجّه أنظاره إلى نماذج، إلى أخبار
تاريخيّة تصبح له مثال الحياة. وهذا الإخبار لا يفصل النماذج بعضها عن بعض. بل
يتوسّع في الانساب ويُدخل تسلسل الأزمنة. وهو يفعل هذا كردّة فعل واعية على اتجاه
يعزل عناصر موجودة في الخبر، بحيث لا ينقطع حبلُ الأحداث. ولكن في سطر البدايات،
هناك أيضًا تسلسل في السطر الفرديّة كما في سطرة اتراحسيس. وهكذا نستطيع أن نقدّم
استنتاجًا موقتًا: في التاريخ الكهنوتيّ لا يتوقّف زمن البدايات حالاً بعد الطوفان،
بل هو يمتدّ على كل التاريخ الذي يرويه الكتاب.
الفصل السابع عشر
التاريخ الكهنوتيّ تاريخ لا يتطوّر
ونسأل راويًا لا يريد أن يروي التاريخ، بل نماذج من هذا التاريخ: ما هي نظرته إلى
التاريخ؟ ما هي "فلسفة التاريخ" عنده؟ لاشكّ في أن له نظرته إلى الطريقة التي بها
يرتبط الحاضر بالماضي والمستقبل بالنسبة إلى قرّائه. وهو يعبّر عن نظرته هذه إمّا
بشكل إجمالي، وإمّا عن طريق نماذج ينعزل فيها الواحد عن الآخر. ونحن نستطيع أن نطرح
هذا السؤال على الإخبار التاريخيّ الكهنوتيّ، لاسيّما وأنه يستند إلى مؤلّفات
تاريخيّة، كما أنه لا يتنكّر لأصوله وإن كانت له أهداف أخرى.
1- الطرح
في مصادر البنتاتوكس القديمة، كانت هناك فلسفة تاريخ. ففي تك 12: 1-3، وفي خلفيّة
بشريّة حكم عليها باللعنة (تك 11: 1-9)، صار ابراهيم بداية بركة جديدة منحها الله
له، فامتدت بشكل ديناميكيّ إلى جميع الشعوب. فتاريخ الآباء، أقلّه في صياغة سابقة
للبنتاتوكس الاشتراعيّ، بل تاريخ كل اسرائيل حتى امتلاك الأرض، يفسَّر بمقولتين:
الوعد وتتمّة الوعد. فسفر التثنية والتاريخ الاشتراعي وبعض عناصر من مقطوعة سيناء
(خر 19- عد 10)، تستعمل مقولة "المعاهدة" (الحلف) بين يهوه واسرائيل كمبدأ تفسيريّ.
لهذا، يبدو من الضروريّ أن نطرح على نفوسنا السؤال التاليّ: كيف حدّد المؤرخّ
الكهنوتيّ موقعه بالنسبة إلى العمل الأدبي الذي سبقه؟
ويُطرح سؤال آخر. هناك عدد كبير من العناصر التي نقرأها في مقطوعات التاريخ
الكهنوتي ترتبط بعض الارتباط بالامل بالعودة، خلال المنفى أو بعد المنفى. وهكذا
يلتقي الكهنوتي مع مجمل الأنبياء الذين أنشدوا هم أيضًا الأمل بالعودة. ولكن هذا
الأمل ارتبط عندهم بما يُسمّى نظرة ديناميكيّة إلى التاريخ: سيكون المستقبل أعظم من
الماضي. وعملُ الله الجديد الذي سوف يتجاوز كل ما فعله في الماضي، هو الآن أمامنا.
ويتبع خطُّ الزمن طريقًا صاعدة. ما هو الآن هو حسن. والآتي أحسن منه. كل هذه النظرة
يتوسّع فيها أشعيا الثاني. فهل أخذ بها المؤرّخ الكهنوتي وهو الذي يتحدّث عن الأمل
بالعودة؟
ما دام الشرّاح لم يروا في التاريخ الذي يرويه التقليد الكهنوتي سوى نظرة شرعيّة
إلى الجماعة العباديّة بعد المنفى، لم يكن مثل هذا السؤال يُطرح. ولكنه بدأ الآن،
بعد فرضيّة تقول إن جماعة العبادة في البريّة ليست شكلاً يرتبط ببداية الشعب، بل
مثالاً عن المستقبل وعن نهاية الأزمنة. ماذا نقول في كل هذا؟
2- الوعد وتتمّة الوعد
اعتاد المؤرّخ الكهنوتي أن يعبّر عن فكره بوضوح. لهذا نبحث عن تفاسير خاصّة به
بالنسبة إلى التاريخ. هو ما استعاد موضوع "ابراهيم كبداية بركة لجميع الشعوب"
واستبعد بشكل واضح اللاهوت الاشتراعيّ حول العهد. وبالتالي أعطى لفظة "ب ر ي ت"
معنى آخر. أما مقولتا الوعد وتتمّة الوعد، فهما تلعبان دورًا هامًا يُشرف على كل
مسيرة التاريخ الذي يرويه.
هذا التاريخ لا يبدأ مع الآباء، بل مع الخليقة. وقد بيّن "شتاك" أن أقوال الله
الخالق في تك 1، لم تكن أوامر تحقّقت كلها بشكل مباشر، بل رسمة إجماليّة صاغها الله
من أجل حالة الكون الأخيرة. فالخالق قد وضع مرّات عديدة في عمله الخلاّق بداية
وقائع لن تبلغ إلى حالتها الأخيرة إلاّ في مسيرة الزمن. وهذا ما نراه بشكل خاص في
العمل الثاني الذي قام به الله في اليوم السادس، وهو آخر أيام الخلق وأهمّها. ففي
البركة التي أعطاها الله للبشر (تك 1: 28)، أعطى مخطّط مشروع لسلسلة الأحداث التي
يرويها فيما بعد المؤلّف التاريخيّ. وهذه البركة التي ستتكرّر، تقابلها عبارات تدلّ
على أنها تمّت.
وحين نأخذ بعين الاعتبار هذه الاسكاتولوجيا كما نفترضها في التاريخ الكهنوتي، نطرح
السؤال: هل أعلن شيء في تك 1: 28، لم تصوّر تتمَّتُه في هذا "الكتاب"، وبالتالي لم
يتحقّق في زمن المنفى أو بعد المنفى؟
هنا نقدّم برنامج التاريخ الكهنوتيّ كما ينطلق من تك 1 :28 مع لست ألفاظ: بارك (ب ر
ك)، نما (ف ر ه)، كثر (ر ب ه)، ملأ (م لا)، امتلك الأرض (ك ب ش)، ملك على الحيوان
(ر د ه). نجد البركة والنمو والكثرة في تك 1: 28؛ 1:9، 7؛ 2:17، 6، 16؛ 3:28؛ 9:35-
11؛ 3:48- 4. وفي تك 1: 28 يزاد: ملأ، ملك، امتلك. وفي تك 9: 1، 7: ملأ. أما
التتمّة فترد في تك 27:47؛ خر 1: 7؛ يش 18: 1 مع فعل نما، كثر. ويزاد في خر 1: 7:
ملأ. وفي يش 18: 1: امتلك الأرض. أما في تك 9: 2 فنحن أمام إعادة ومراجعة مع تشديد
على أن الحيوان سيخاف ويرتعد من الانسان.
وها نحن نعود إلى الشرح. فحسب تك 1: 28، على البشريّة الصغيرة في البداية أن تنمو
وتكثر وتمتدّ على سطح الأرض. "انموا، تكاثروا، املأوا الأرض". وسوف تتكرّر هذه
البركة بعد الطوفان، ساعة تجد البشريّة نفسها في بداية جديدة. وستُعطى هذه البركة
أيضًا بشكل خاص إلى ابراهيم ويعقوب اللذين منهما يخرج شعب اسرائيل. ونلاحظ التتمة
مرتين. في تك 27:47 وفي خر 1: 7. ونقرأ في خر 1: 7 بركة على ابراهيم ويعقوب، وبركة
على البشريّة كلها: "ونما بنو اسرائيل... وامتلأت الأرض منهم".
بركة من أجل النموّ والتكاثر في تك 1: 28. وبركة لكي تمتلك الشعوب الخارجة من هذا
التكثير، أرض الآباء. هكذا يجب أن نفهم صيغة الأمر: "تسلّطوا عليها". ونجد موضوع
الوعد والبركات مرة أخرى مع ابراهيم، ولكن في ألفاظ أخرى، هو وعد ابراهيم وإسحاق
بأرض الوعد، والعودة إلى ذلك الوعد دومًا في التقليد الكهنوتيّ. وبعد أن تتحقّق
البركة من أجل إنماء الشعب (تك 1: 7)، يأتي وعدٌ ثان يقرّر مسيرة العمل كما يعرضها
خر 6 بوضوح. ليس اسرائيل بعدُ في أرضه، ويجب أن يُقاد إلى تلك الأرض. أن يكون هذا
تتمّة تك 1: 28 بالنسبة إلى البشريّة كلها، هذا ما تعبّر عنه بوضوح إحدى الجمل
الأخيرة في التاريخ الكهنوتيّ. ففي يش 18: 1 نقرأ من جديد لفظة وجدناها في تك 1: 28
ولم تستعمل بين ذينك النصّين: "كل جماعة بني اسرائيل اجتمعت في شيلو وأقاموا هناك
خيمة الاجتماع. وخضعت (ك ب ش) لهم الأرض (أرص)". هكذا يكوّن تك 1: 28 ويش 18: 1
تضمينًا أدبيًا يحيط بالمؤلّف الكهنوتي كله.
ويبقى في تك 1: 28 عنصر واحد يجب أن نتطرّق له، هو سيادة البشر على الحيوانات. فلا
نجد في التاريخ الكهنوتيّ شيئًا يدلّ على أن هذا القول قد تمّ. ولكن هذا لا يعني
أننا أمام وعد لم يتمّ. فهناك النصوص الموازية حول السلام المسيحانيّ مع الحيوانات.
ولكن هذا الموضوع قد تطرّق إليه الكهنوتيّ بشكل يختلف عن التتمّة: تحويل مشروع الله
من أجل العالم. ففي ما يخص تسلّط الانسان على الحيوان، يرى الانسان أمامه مصيرًا
جديدًا، كما يقول الادب الرافدينيّ.
فالأمر الذي أعطي للبشر وللحيوان بأن يأكلوا النبات (لا اللحوم) نقرأه في تك 1: 29،
وحالاً بعد البركة في 1: 28. وهذا الذي دمّرته خطيئة كل بشر (من الانسان والحيوان)
هو الذي سيقود إلى الطوفان. فالخطيئة هي عمل عنف (ح م س). والناس والبهائم بدأوا
يقتلون الحيوان لكي يقتاتوا من لحمه. وهكذا تعدّوا بشكل صريح الأمر الذي أعطاهم
الله بأن يعيشوا من النبات. وبعد الطوفان، وعد الله نوحًا بأن لا يرسل بعد طوفانًا
على الأرض. ولكن وجب عليه أن يخفّف إلى حدّ ما درجة الخطورة في ما يمكن أن يحصل من
أعمال عنف، لكي يستطيع أن يفي بوعده. ففعلَ حين سمح للبشر بأن يأكلوا لحمًا بعد ذلك
الوقت. هذا هو معنى الجملة في تك 2:9 التي تستعمل لغة الحرب المقدّسة وتدخل حالة
الحرب بين الانسان والحيوان. "يخافكم ويرتعد منكم جميع وحش الأرض، وجميع طير
السماء، وكل ما يدبّ على الأرض، وجميع سمك البحر. إنها مسلّمة إلى أيديكم".
3- نظرة جامدة إلى التاريخ
وهكذا لا يتجاوز العنصر الأخير في تك 1: 28 أفق التاريخ الذي يرويه الكهنوتي. لسنا
هنا أمام وعد آخر لا يتمّ في داخل الخبر. ففي نظر قرّاء الكهنوتي، فالوعد الذي
بموجبه يكون ابراهيم ويعقوب جدّي الملوك، قد تمّ منذ زمن بعيد. ونقول الشيء عينه عن
الوعد عن ذلك الذي يقول إن يهوه سيكون إلههما وإله نسلهما. إذن، نستطيع أن نؤكّد أن
التاريخ الكهنوتيّ لا يعرف عن المستقبل شيئًا يتجاوز الوقائع التي يصوّرها التاريخ
المُروى. فبعد أن عبر اسرائيل الاردن، ما عاد التاريخ الكهنوتي يعرف تاريخًا
ديناميكيًا يتجاوز دومًا نفسه ويقود إلى نهاية لا يترجّاها انسان.
فإذا عدنا إلى النظام النباتيّ في الفردوس وإلغائه بعد الطوفان، نكون بالاحرى أمام
خطّ تصاعديّ ظاهر. هل كان "إيوالد" على حقّ حين قابل هذه النظريّة مع نظريّة
متشائمة عن التاريخ بعصوره الأربعة. إن التاريخ الكهنوتيّ لا يدافع عن هذه النظريّة
بشكل مباشر. ولكنه يصوّر هو أيضًا التاريخ على سفح ينحدر بالانسان من أفضل العوالم
الممكنة إلى عالم جديد يأتي في الدرجة الثانية على مستوى النوعيّة. هي مقابلة لا
بأس بها. أما في ما يتعلّق بانحطاط عصر ذهبيّ نحو عصر حديديّ، فنحن نستطيع أن نقابل
بين النصوص الكهنوتيّة وسطر اتراحسيس.
يعالج هذا الخبر السطري بشكل سريع جدًا خلق البشريّة. هو أول حدث عظيم يرويه. ثم
يتابع روايته بخبر البشر والآلهة حتى الحقبة التي تلي الطوفان بشكل مباشر. في ذلك
الوقت، اختلفت مجموعة الآلهة حول الطوفان وحول اتراحسيس، بطل الطوفان، فاتّفقوا على
تنظيم حضور البشر في الكون على أسس جديدة. إن العلماء لم يتّفقوا بعد على السبب
الحقيقيّ الذي دفع الآلهة إلى تدمير البشر. هل هو تمرّد البشر على الآلهة؟ هل هي
رغبتهم بأن يأخذوا شيئًا أرفع منهم ولم يكن معدًا لهم؟ أو هل هو سبب بيولوجيّ تكاثر
على أثره البشر؟ قد يكون السببُ الخطيئةَ كما يكون تكاثرَ البشريّة.
أما عبارة الاتّفاق بعد الطوفان، فهي تعكس إشكاليّة تكاثر السكّان، لأن القرار الذي
اتُّخذ يقوم بأن يخفّف سكان العالم. وفي أي حال يقول اتراحسيس إن عالمًا جديدًا قد
قام بعد الطوفان، لأن العالم الأول لم يستطع أن يدوم. قد تختلف الاسباب بين سطرة
اتراحسيس والتاريخ الكهنوتيّ، إلاّ أن المقابلة ممكنة بين هذين "الكتابين" اللذين
وصلا إلى خبر الطوفان.
ماذا يعني كل هذا من أجل فهم التاريخ الكهنوتيّ؟ تحدّثت سطرة اتراحسيس عن حقبة سيطر
فيها الاضطراب على العالم، فبحثت متلّمسة حالة نهائيّة، لأنها تريد أن تلقي ضوءًا
على وضع العالم الحاليّ الذي يعيش حقبة من الهدوء. وهذا ما عمله الكاتب الكهنوتي.
ولكن حين أراد أن يصل إلى حقبة ثابتة لا قلق فيها، عبَرَ مرّتين حقبة ديناميكيّة.
سار مرّة أولى بمحاذاة سطرة اتراحسيس إلى هدوء أولى جاء بعد الطوفان. ولكن بدأت
حقبة ثانية ديناميكيّة بالنسبة إلى البشر الذين يقيمون في هذا البناء، أخذ الخبر
اسرائيل نموذجًا له. فما قدِّم للبشريّة في صباح الخلق قد صحّح. وها أمام البشريّة
واجبٌ يدعوها إلى النمو عددًا، ويدعو كل شعب لكي يمتلك الأرض التي قُسمت له. وهكذا
نكون من جديد أمام حقبة ديناميكيّة، أمام تاريخ يتّجه نحو مستقبل أعظم. عند ذاك
يتحقّق الوضع الذي أعدّه الله. ويتوقّف الخبر هنا، كما توقّفت ممطرة اتراحسيس بعد
الاتفاق الذي وليَ الطوفان. فالعالم هو الآن في الحالة التي يجب أن يكون فيها، وهو
لا يتطلّب تبدّلاً.
ونجد أيضًا في الكتاب الكهنوتي، في نهاية الحقبة الديناميكيّة الثانية، خبر كارثة
تعيد على أثره كلمةُ الله النظر في النظام القديم. فخطيئة الشعب في خبر الجواسيس
(عد 13-14)، وخطيئة القوّاد الروحيّين في خبر عطيّة الماء (عد 20: 1-13)، تقودان
جيلاً كاملاً مع قوّاده إلى الموت في البريّة. كيف لا نتذكّر هنا طوفان نهاية أزمنة
البدايات؟ في عد 27 ستتبدّل ظروف القيادة في اسرائيل من أجل حقبة امتلاك الأرض: في
الحقبة الديناميكية، كان موسى على علاقة بالله، وكان هارون خاضعًا له. والآن، ها هو
اليعازر الكاهن الذي يقول ليشوع، خلف موسى، ما ينقل الله إليه من كلام نبويّ.
إن ثبات الكون الذي وصل إلى شكله النهائيّ بفضل تدخّلين من الله، يكفله عهد وعهد.
فعهد نوح يكفل ثبات بناء الكون. وعهد ابراهيم يكفل عدد الأمم وامتلاك الأرض وحضور
الله في المعبد في وسط اسرائيل. في الحالتين، نحن أمام عهد دائم (ب ر ي ت. ع ل م).
وتختلف قيمته عن قيمة "المعاهدة" الاشتراعيّة، لأن قيمته لا تتعلّق بأمانة البشر
للعهد. فحين يخطأ جيل من البشر يسقط ويُعاقب، هذا ما لا شكّ فيه. ولكن الله لا
يستعيد شيئًا. والجيل المقبل يستطيع من جديد أن يعود إلى بنية العالم النهائية
والثابتة.
4- المنفى والكتاب الكهنوتي
وسقط اسرائيل أيضًا وهو في المنفى. هو يمثّل قارئ الكتاب الكهنوتي. فوضعُ البريّة،
بل وضعُ مصر، يتكرّر. ولكن هناك أملاً بالعودة لا يستند إلى اسكاتولوجيّة من
الاسكاتولوجيات، ولا إلى انتظار تدخّلات الله الجديدة من أجل مستقبل يتجاوز
التدخّلات القديمة. بل هو يستند إلى واقع يقول إن الله أعطانا بعد عبور الاردن،
أرضًا نمتلكها إلى الأبد ولا يستعيدها من قبل ذاته. ويروي التاريخ الكهنوتيّ
الأخبار بشكل نماذج. هذا يرتبط بواقع يقول إن الأرض قد تسقط من شكلها التام إلى نقص
في الصيرورة. عند ذاك، يجب أن نستعيد بشكل من الاشكال طريق الحقبة الديناميكيّة.
وهذا ما يربط نتائج القسم الأول من اعتباراتنا مع ما قلناه في القسم الثاني حول
رؤية التاريخ الخاصّة بالكتاب الكهنوتيّ.
هذا الفهم للتاريخ يؤثّر في اسرائيل العائش في المنفى على مثال نبيّ اسكاتولوجيّ
يعيد إليه الأمل. ولكنه لا يثير في الوقت عينه هذا القلق الحارق الذي أشعله
الأنبياء. وإذ تبدو البشريّة وكأنها وصلت اليوم إلى حدود النموّ، فرؤية عالم ثابت
يقدّمه لنا خبر التاريخ الكهنوتي، يستحقُّ وحده أن يلفت انتباهنا.
وهذه الرؤية هي خاصّة جدًا، بحيث إن الخيار القديم بين "الشويعة" و"التاريخ" لم يعد
له من وجود. فخبر الماضي لا يشرِّع بأي حال الأوضاع الحاضرة. وقرّاء الكتاب
الكهنوتيّ لا يعيشون في أي حال داخل بُنى أرادها الله ورتّبها ترتيبًا هادئًا، وقد
تفرض نفسها علينا. هذا من جهة. ومن جهة ثانية لا يحرّك الخبر انتظار الأزمنة
الأخيرة التي ما زالت مجهولة والتي ستدهشنا. فالشكل المثالي للعالم كان هناك في ذاك
الوقت، وهو معروف. بفضل الله هو دائمًا هناك، ويكفي أن نعود إليه.
نستطيع أن نتساءل في النهاية: حين حمّلنا التاريخ الكهنوتيّ حملاً ثقيلاً من
التشريع، أما جعلنا الميزان يميل إلى "الشريعة"؟ وفي التدوين النهائي للبنتاتوكس،
أما خنقت الأخبارُ التاريخيّة التي وُجدت في المصادر القديمة أو لاهوت العهد
الاشتراعيّ، طريقةَ معالجة التاريخ الكهنوتيّ بحيث جعلته لا منظورًا؟ وفي نهاية هذا
المقال، يبقى السؤال الذي طرحناه في البداية مطروحًا. فلا بدّ من طرحه أيضًا
انطلاقًا من قراءة "قانونيّة" (أي حسب قاعدة الايمان) يهوديّة أو مسيحيّة. ولكننا
لن نجد الجواب في كتب مثل التاريخ الكهنوتي، إلاّ إذا تخلّينا عن مفاهيم مثل مفهوم
"تاريخ الخلاص".
الفصل الثامن عشر
ضربات مصر في الخبر الكهنوتي
إن خبر ضربات مصر قد طرح أكثر من سؤال على مفسّري الكتاب المقدّس. وقد توقّفت
الأبحاث الأخيرة عند التأليف الأدبي لهذه الفصول (خر 6- 14). فميّزت تقاليد مختلفة
حول ضربات مصر التي نجدها أيضًا خارج سفر الخروج (مز 43:78- 51؛ 105: 27-36). كل
عرض من هذه العروض يختار ما يختار من أجل خبرة، لكي ينقل تعليمًا خاصًا به. وهذه
النيّة الارشاديّة والمواعظيّة الحاضرة منذ البداية، ستصبح واضحة في نهاية تقليد
العهد القديم، في حك 11-19 حيث نجد الكثير من السمات المدراشيّة.
نودّ هنا أن ندرس من زاوية التأليف الأدبي أحد مصادر ضربات مصر، الخبر الكهنوتي،
لكي نكتشف ميزاته الخاصّة واتجاهه. ونعتبر أن العناصر الكهنوتيّة هي: خر 6: 2-12؛
7: 1-13، 19 أ، 20 أ، 21 ب، 22؛ 8: 1-3، 11 أ، 12-15؛ 8:9-12؛ 11: 9-10؛ 12: 1،
3-14، 28، 40، 41؛ 14: 1-4، 8 أ، 15-18، 21 أ، 22، 23، 26، 27 أ، 28، 29. إن ف 6-14
يصوّر الخروج من مصر الذي تشكّل فيه الضربات محطّة خاصّة.
ونطرح أسئلة: كيف يترابط الخبر الكهنوتيّ الذي يتحدّث عن ضربات مصر؟ ما هي وظيفة
الضربات في مجمل الخبر؟ هل يدخل في الخبر ما قيل عن الأبكار والفصح؟ ونبدأ بتحليل
مفصّل لما في 7: 1- 5، فنجد بعض الإضاءة على هذه الاسئلة. بل نجد العناصر المفصَل
في ف 7-14، أي المتتالية حول ضربات مصر ونهايتها في معجزة البحر.
1- خطبة برنامج في 7: 1- 5
هذه الخطبة التي تفوّه بها الله أمام موسى، تعلن مسيرة الأحداث حتى تحرير اسرائيل
النهائيّ (خر 7: 5). وهي تتألّف من قسمين تدلّ عليهما سمات نجدها في النصّ. 7:
1-4أ: "فقال الرب لموسى... ولا يسمع لكما فرعون". ثم 7: 4 ب-5: "أجعل يدي على
مصر... وأخرجت بني اسرائيل من بينهم".
تبدأ الخطبة بتقليد موسى وهارون مهمّتهما. واحد يكون "الله". والثاني يكون
"النبيّ". ثم فصّل الله مسؤوليّة كل منهما. وبدأت المداولات مع فرعون، وتقسية قلب
فرعون، وفشل المهمّة، لأن فرعون لن يسمع. فالله هو الذي يوزّع الأدوار. ونحن نجد
أربعة أشخاص على المسرح: الله، موسى، هارون، فرعون. إثنان بينهما يفعلان بشكل خاص
ويجعلان العمل يتقدّم: الله وموسى (آ 2، أنت... آ 3، أنا). وذهب موسى (وهارون)
ليكلّما فرعون. في ذلك الوقت قسّى الله قلب الملك. يتركّز هذان العملان على ملك
مصر. ولكن الكلمة الأخيرة ستكون له. سيرفض ما طُلب منه.
بعد 4:7 أ حصل تبدّل هام: وحده الله ظلّ يعمل وجاء العمل في صيغة المتكلّم المفرد:
أجعل (أنا) وأخرج (أنا) جيوشي (أنا) شعبي (أنا). هناك عمل واحد ليس فاعله الله.
نقرأه في آ 5أ: "يعرف المصريون أني أنا يهوه". ولكن هذا العمل هو نهاية عمل الله
الذي أجبر المصريّين على الخضوع له. وانتهت المرحلة الأولى بالفشل. أما الثانية
فيتوّجها النجاح.
هناك إشارات عديدة في النصّ تساند هذه القسمة. الاختلاف في فاعل الافعال. موقف
فرعون أو المصريّين. رفض ثم اعتراف بالله. وفي بداية كل قسم من الخطبة يعلن الله
عمله بذات الفعل في العبريّة (ن ت ن، جعل). وهذا ما يجعلنا في الإشارة الرابعة
والأهمّ. في 7: 4 أ نجد عبارة فريدة في العهد القديم: "أجعل يدي على مصر". ما معنى
هذه العبارة؟ هي تشبه عبارة تستعمل دومًا مع فعل يكون فاعله الله: "أجعل وجهي ضدّ"
(لا 17: 1؛ 20: 3، 6؛ 17:26؛ حز 8:14؛ 7:15 أ). هذه العبارة هي بداية حكم ينتهي
بموت الأشخاص المشار إليهم. وسياقها الأول هو الحقّ المقدّس، شريعة القداسة (لا
17-26) وقد استعادها بعض الأنبياء في أقوال دينونة ضد اسرائيل (إر 21: 10؛ 44: 11؛
خر 8:14؛ 7:15 أ، 7 ب). ويرتبط قول الحكم (أو: الشجب) هذا بسياق قانونيّ خاص
باسرائيل وبعلاقة الله مع شعبه. في 7: 4، يتبدّل السياق لأن الله يتدخّل ضدّ أمّة
غريبة. ولكن هنا كما في الحالات السابقة، ينتهي عمل الله بإزالة الخصم أو الخاطئ.
هذا ما يتيح لنا أن نفترض معنى مماثلاً لعبارة "أجعل يدي على". فالله يعلن بهذا
القول عزمه على تنفيذ العقاب الذي يعدّه للمصريّين. هو يتدخّل بشكل مباشر. سيضع يده
على المحراث. ويد الله هي علامة قدرته. وهكذا نستطيع القول: أرفع يدي على مصر (كمن
يضربها بعصا). هذه الفعلة تقرّر مصير مصر وبالتالي مصير اسرائيل. فعمل الله المباشر
ضدّ مصر تكون له نتيجتان: يخرج بني اسرائيل من مصر، ويهلك المصريّين. وهو يتوخّى أن
يعرّف المصريّين أنه يهوه. ويشدّد التقليد الكهنوتيّ على أهميّة هذا الواقع حين
يستعمل هذه العبارة الفريدة التي لا نجدها إلاّ في خر 7: 4.
2- مرحلتان في خبر خر 7-14
تجاه قسمَي خطبة الله، نجد قسمين في الخبر (ف 7-14). هذا ما يشير إليه الكهنوتيّ
حين يذكّرنا بعبارات وجدناها في الخطبة البرنامج (7: 1- 5). فالمرحلة الأولى التي
هي مرحلة المداولات مع فرعون تبدأ في 7: 7. يشير الكهنوتيّ إلى عمل موسى وهارون حين
بدأا يكلّمان الله باسم فرعون. وتنتهي هذه المرحلة في 9:11-10 الذي يُبرز فشل موسى
وهارون في مهمّتهما. ونحن نجد هنا عبارات 7: 1-4أ: أكثر الله الآيات (3:7 ب؛ 9:11
ب). ولكن فرعون لم يسمع (4:7 أ؛ 9:11 أ). لأن الله قسّى قلبه (3:7 أ؛ 11: 10 ب). لم
يطلق بني اسرائيل (2:7 ب؛ 11: 10ب. لم يتركهم يذهبون).
والمرحلة الثانية في الخبر، حيث يعمل الله وحده لا بمشاركة مرسليه، "فيرفع يده على
مصر" (7: 4 أ)، تبدأ في ف 12 بعد فاصل حول الفصح وموت الأبكار (12: 1، 3-14، 28)
سنعود إليه. كما رافق بدايةَ مهمّة موسى وهارون إشارة زمنيّة (عمر موسى 80 سنة
وهارون 43). لقد بدأ خبر الخروج من مصر بإشارة إلى الزمن الذي فيه أقام بنو اسرائيل
في مصر (12: 40، 430 سنة). ثم صوّر الكهنوتيّ بشكل موجز أول عمل من أعمال الله:
أخرج جيوش بني اسرائيل من أرض مصر (7: 4 ب؛ 12: 41 ب). وعمل الله الثاني هو محو
المصريّين، ونحن نقرأه في ف 14. ولكن في هذه المقطوعة تبدو المقابلات مع 7: 4-5
واضحة في الوقائع لا في الألفاظ. غير أننا نلاحظ في خبر معجزة البحر ظهور عبارة
الاعتراف بالله: "يعرفون أني أنا يهوه" (7: 5 أ، 14: 4، 18). ولكن لن يكون الحديث
عن يد الله الممدودة على مصر (7: 5)، بل عن يد موسى الممدودة على البحر بأمر من
الله (16:14، 21، 26، 27). فالناس وقوى الطبيعة هم وسطاء ينفّذون دينونة الله.
وينتهي الخبر بوصف الكارثة التي ابتلعت فرعون وجيشه (14: 28) والتذكير بسير اسرائيل
نحو البريّة بين سورين كوّنهما ماء البحر (14: 29). وهكذا نكون أمام رواية حدثين
أعلن عنهما 7: 4-5: خروج اسرائيل من مصر، محو المصريّين.
وهكذا يبدو خبر التقليد الكهنوتي مقسومًا إلى مرحلتين واضحتين. الأولى (ف 7-10)
تصوّر "الضربات": يعمل الله مع موسى وهارون، ولكن هذا العمل يبوء بالفشل. ظلّ فرعون
ثابتًا ولم يتراجع. والمرحلة الثانية (ف 12- 14) تورد الخروج من مصر ومعجزة البحر.
الله وحده يفعل، وعمله يصل إلى مبتغاه. وتأتي بعض التفاصيل التي ستلقي ضوءًا على
الطريقة التي بها يتلاحم هذان القسمان.
3- معجزة البحر في التقليد الكهنوتيّ
لقد سبق للتقليد الكهنوتيّ وأبرز في 7: 4 مدلول المرحلة الثانية (خر 12- 14).
فاستعمل في البداية عبارة فريدة في العهد القديم: "أجعل (أرفع) يدي على مصر".
وتُزاد إشارات تسير في الخطّ عينه. هناك أولاً عبارة الاعتراف بالله (يعرفون أني
أنا يهوه) التي تُستعمل في الكهنوتيّ مع الحديث عن الخروج من مصر في حصر المعنى. رج
7: 5؛ 14: 4، 18: يعرف المصريون ساعة معجزة البحر. ونجد أيضًا في التقليد الكهنوتيّ
أربعة استعمالات لهذه العبارة (6: 7؛ 16: 6، 12؛ 29: 46). إن 6: 7 تتجاوب مع 29:
46. حين يعرف بنو اسرائيل الله، فالله هو في سيناء، وقد أسّس شعائر العبادة. غير أن
المرجع التاريخيّ لَوْحَيّ الله يبقى الخروج من مصر. فيهوه هو ويظلّ ذاك الذي "أخرج
اسرائيل من مصر". في 16: 6، 12، في خبر عطيّة المن، عرّف يهوه بنفسه أنه أصل الخروج
من مصر. والآيتان تتجاوبان. إذن، نستطيع أن نعتبر الاشارة الواضحة إلى الخروج في
16: 6 وكأنها متضمَّنة في 16: 12.
وهناك ملاحظة ثانية تؤكّد موقع خر 14 المركزيّ في الخبر الكهنوتيّ للخروج من مصر.
فعبارة "التعرّف" ترد في التقليد اليهوهي لضربات مصر. ولكن اللافت هو أنها ترتبط
بوجهات مختلفة جدًا في الخبر: ترتبط بالضربة عينها (17:7) أو بالطريقة التي بها
تنتهي الضربة (8: 6) أو بالشكل الذي فيه يعفّ الله عن شعبه حين يضرب المصريّين
(18:8؛ 7:11). ثم إن خبر الضربات يجب أن يحرّك لدى السامعين (10: 2) التعرّف إلى
الربّ. أما الكهنوتيّ فلا يستعمل هذه العبارة خلال خبر الضربات. بل هو يحتفظ بها
لبداية هذا الخبر ونهايته، ويفرد لها مكانة خاصّة فتأتي بكل ثقلها على معجزة البحر.
الكهنوتيّ هو المصدر الوحيد الذي يستعمل هذه العبارة خلال هذا الحدث.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لا يقرّ فرعون ولا المصريّون أبدًا بحضور الله قبل أن
يغرقوا في البحر. ولكن اليهوهي مثلاً يرى أن الفرعون وشعبه قالوا بوجود الله عبر
تصرّفهم. مثلاً، طلب فرعون من موسى أن يصلّي من أجله إلى الربّ (8: 4، 24؛ 28:9؛
10: 17). أقرّ بخطيئته وإن بشكل عابر (9: 27؛ 10: 16، 17). حتّى في مصر نجد أناسًا
يخافون الله ويهربون إلى ملجأ يقيهم الضربات (9: 20- 21. قد تكون هذه إضافة). ولكن
في التقليد الكهنوتيّ، لا يكون فرعون طيّعًا ولا يلين، بل يبقى في قساوته. يبدو
وكأنه لا يتحرّك حين يحدّثه سحرته الذين رأوا "إصبع الله" في هذه الأعمال (8: 15).
لا يسمع فرعون. وهذا لا يمنعه حتى النهاية من أن يرى الأمور بوضوح (14: 3: تاهوا في
البريّة). ولكن عند ذلك ستنقلب الادوار، والله سيعرّف بنفسه "فيتمجّد على حساب
فرعون وكل جنوده" (14: 4، 17). كل هذه الاشارات تتجمّع وتدلّ على نيّة عميقة لدى
الكاتب. تقسّى موقف فرعون، ولن يعترف المصريون بالله إلاّ خلال تدخّله الأخير. فخبر
الضربات الذي يسبق خر 14 يهيّئ هذا الحدث الذي يشكّل بلا شكّ ذروة خبر الخروج من
مصر في نظر الكهنوتي، الذي استبعد كل ما يمكنه أن يكون استباقًا لهذا العمل الأخير
والحاسم.
والعنصر الثالث الذي يتيح لنا أن نحيط إحاطة أوسع بهدف الكهنوتيّ في توجيه الخبر
نحو معجزة البحر، نجده في فعل "مجّد" (14: 4، 17). فالفعل "ك ب د" المستعمل هنا في
وزن "انفعل" (يشبه المجهول) مع الله كفاعل الفعل، لا يرد مرارًا في هذا الشكل.
فالكهنوتيّ يستعمله فقط ثلاث مرات وكلّها في ف 14 (آ 4، 17، 18). ونجده أيضًا في حز
22:28؛ 13:39 (رج أش 15:26؛ 66: 5؛ حج 1: 8). فالكهنوتي يرى أن الله يتمجّد في حدث
محسوس من أحداث التاريخ: نجاة بني اسرائيل وزوال المصريّين. بعد ذلك الوقت، يستطيع
"مجد الله" أن يتدخّل (خر 7:16، 10). ويعرف بنو اسرائيل "وزن" الله في تاريخهم.
وهذا "المجد" قد اقتناه الله لنفسه وحده ساعة الخروج من مصر. إذن، يحتلّ خر 14
مكانة فريدة في الخبر الكهنوتي: في ذلك الوقت اقتنى الله المجد الذي فيه سيظهر بعد
ذلك في اسرائيل.
ثلاثة عناصر أظهرت بشكل واضح كيف بنى الكهنوتي بناء محكمًا هذا القسم من تاريخ
اسرائيل مع ذروة في عبور البحر: عبارة الاعتراف بالله. مقابلة هذه العبارة مع
المصادر الأخرى. استعمال فعل "مجّد" في خر 14. وهكذا نرى بعد تحليل 7: 1-5 والعناصر
البنيويّة في ف 14، أن الكهنوتي صاغ خبر الخروج من مصر في قسمين متميّزين. الاول
وموضوعه الضربات قد انتهى بالفشل. ويصل الخبر إلى الذروة في معجزة البحر (القسم
الثاني) حيث يتمجّد الله حين يحكم على المصريّين. ولكن، هل من موضع لما في خر 12:
1- 14، 28 في هذا التصميم؟ لماذا لا يقول خر 7: 1-5 شيئًا واضحًا عن الفصح وموت
الأبكار؟ هل نستطيع أن نُدخل كلَّ هذا في تصميم الخبر الكهنوتيّ؟
4- خر 12: 1- 14، 28 والخبر الكهنوتيّ
طرح خر 12 عدّة أسئلة على النقد الأدبيّ منذ القرن التاسع عشر. فالقسم الأكبر من
هذا الفصل يعود إلى المرجع الكهنوتيّ وإن دوّن على مراحل. فبعد دراسة خر 7-14 في
الكهنوتيّ، يبقى علينا أن نتساءل كيف ينضمّ ف 12 إلى هذه المجموعة. مسألة دقيقة.
هناك براهين تقول بانتماء هذا الفصل إلى التقليد الكهنوتيّ وهناك براهين ترفض هذا
الانتماء.
نجد سلسلة أولى من البراهين تتحدّث عن انتماء 12: 1-14، 28 إلى الخبر الأصليّ. لهذا
يُطرح السؤال: لماذا روى الكهنوتيّ موت الأبكار وعرض بالتفصيل عيد الفصح؟ من جهة،
نتردّد في حذف هذا المقطع الهام في تقليد الخروج من المصدر الكهنوتيّ. وهل يغيب مثل
هذا المقطع بعد أن أورد اليهوهي بعض أجزاء منه؟ هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نحن
نعرف ميل الكهنوتي إلى ذكر شعائر العبادة. فهو يقحم عادة شرائع عباديّة في خبره،
ويبرّر أصلها بواسطة وقائع يوردها: الختان (تك 17). السبت (خر 16). خيمة الاجتماع
(خر 25-26). وخبر الخروج من مصر يصعب تفسيرُه إن حذفنا الفصح وموت الأبكار. عند
ذاك، يأتي 12: 40-42 بشكل مفاجئ، وبدون تهيئة. ما الذي أعطى بني اسرائيل إشارة
بالانطلاق؟
في ألفاظ خر 12: 1-14، 28، نجد لفظة "حكم، دينونة" (ش ف ط ي م) (12: 12) التي
تتجاوب مع خر 6: 6 ب؛ 7: 4 ب. فهذه "الأحكام" قد تشير في الأصل إلى موت الأبكار،
فتدلّ على عجز "آلهة مصر". وهناك عبارات خاصة بالكهنوتي: "بين الغروبين" (12: 6).
"فريضة أبديّة" (12: 14). "جماعة اسرائيل" (12: 3، 6). "جمهور اسرائيل" (12: 6).
غير أن هناك براهين أخرى ترفض وجود 12: 1-14، 28 في الخبر الأصليّ. أولاً، إن تصميم
الأحداث في 7: 1-5 لا يترك مكانًا لموت الأبكار ولا لعيد الفصح. فالمرحلة الأولى
مرحلة "الآيات والمعجزات"، قد أعلنت في 3:7 واختُتمت في 11: 9- 10. والخروج من مصر
الذي أعلن في 7: 4- 5، يتمّ بعد 12: 40-42 وينتهي في ف 14. فماذا نزيد على هذا
البناء؟ عند ذاك، يجب أن نسير في خطّ معاكس للتقليد الكهنوتيّ، فنقول بأنه يروي
أحداثًا لم يعلن عنها من قبل. فيبدو أنه ليس من تلميح إلى موت الأبكار ولا إلى
الفصح في 7: 1- 5.
ولكن 7: 4 ب (أرفع يدي على مصر) قد تشير إلى ذلك. غير أن هذه العبارة المعزولة تبدأ
العمل كله، لا حدثًا خاصًا في هذا العمل. كيف نجعل مثل هذه العبارة الهامة تلقي
بثقلها على واقع ثانويّ بالنسبة إلى خر 14 ومعجزة البحر؟ فذروة الخبر هي معجزة
البحر لا موت الأبكار. أو هل نستطيع القول بأن "الأحكام العظيمة" (6: 6؛ 7: 4) لا
تعلن موت الأبكار؟ قد نظنّ ذلك، لأننا نجد أيضًا لفظة "الأحكام" في 12: 12. ولكن
رغم الظواهر، لا نستطيع أن نربط هذه النصوص بعضها ببعض. لأن الشكل ليس هو هو:
استعمل 12: 12 لفظة "أحكام" ولكن في عبارة نجدها عند خر 5: 10، 15؛ 9:11؛ 41:16؛
25: 11؛ 22:28، 26؛ 9:30، 19 (ع س ه. ش ف ط ي م. ب)، لا في خر 6: 6؛ 7: 4. ولن نجد
في مكان آخر تلميحًا إلى "أحكام آلهة مصر" في خبر الخروج.
وأخيرًا، هناك إشارات عديدة تدعونا إلى أن نربط خر 6: 6؛ 7: 4، بـ خر 14. ففي معجزة
البحر نفّذ الله "أحكامه العظيمة". ضمّ خر 6: 6 إلى "الأحكام العظيمة" ذكر "يد الله
الممدودة". إن هذه العبارة تعني في التقليد قدرةَ الله التي تعمل في معجزة البحر.
في 7: 4، تبدو "الأحكام" مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بعبارة الاعتراف بالله التي تأتي
بعد ذلك. وفي خر 14 لا في خر 12 يتمّ هذا الاعتراف بالله. وأخيرًا، يتضمّن نص خر
28: 22 ثلاث عبارات ترتبط ارتباطًا وثيقًا: الفعل "مجّد" (في صيغة انفعل). عبارة
الاعتراف بالله. لفظة "الأحكام". قد تنتمي هذه العبارات إلى الاطار اللفظيّ عينه.
فلفظة "أحكام" عند حزقيال ترتبط دومًا بعبارة الاعتراف في أقوال ضدّ الأمم. وهذا ما
لا نجد له أثرًا في خر 12. أما عبارة الاعتراف فتظهر مع فعل "مجّد" في خر 14: 4،
17، 18.
ونجد نقطة لافتة في خر 14. لا نجد في الألفاظ ولا في المواضيع ولا في لحمة الخبر،
تلميحًا إلى موت الأبكار وعيد الفصح. هذا ما يدهشنا ولاسيّما أن موت الأبكار بدا
العنصر الحاسم في تحرير اسرائيل. فنظنّ أننا أمام خبرين، وأن ما يُروى في الضربات
وعبور البحر، يجب أن يميّز بوضوح عن كل ما يتعلّق بموت الأبكار والفصح. وألفاظ 12:
1-14 لا تتحدّث عن ارتباط هذه الآيات بالتقليد الكهنوتيّ. فعبارة "جماعة اسرائيل"
ثم "جمهور اسرائيل" (3:12، 6) قد وُجدتا في الإضافات الكهنوتيّة التي دخلت إلى
البنتاتوكس في وقت متأخّر. وكذا نقول عن عبارة "بين الغروبين" التي نجدها في خر 16:
12؛ 39:29، 41... أما "فريضة أبديّة" فلا تعني إلاّ هذه الآية وحدها.
ونلاحظ أن القطع الليتورجيّة ارتبطت كلها بسياق التيوفانيا، أي الظهور الالهيّ.
فالختان (تك 17) والسبت (خر 16) وخيمة الاجتماع (خر 24- 39)، وأول عيد كبير في
البريّة (لا 9)، كل هذا قد دخل في عالم عباديّ يرتبط بظهور الله أو مجد الله (خر
17: 1؛ حز 16: 10؛ 16:24، 17؛ لا 9: 4، 6، 23). أما في خر 12، فلا نجد أثرًا لظهور
إلهيّ. لكن ف 12 يبدأ بشكل مفاجئ بدون تهيئة، وبدون ارتباط مع السياق السابق، وهو
يحدّد موقع المشهد "في أرض مصر". هذه الاشارة قد تدلّ على نيّة الكاتب بأن يربط
بشكل واضح الفصح بالخروج من مصر. وإن هو شدّد على هذا الأمر، فبسبب التردّد في
محيطه. وهذا ما يدلّ على أن يدًا ثانية عملت في هذا النصّ. ونتخيّل بصعوبة أن يكون
الكهنوتيّ قد تحدّث بالتفصيل على ليتورجيا في مصر، قبل أن يكشف الله عن نفسه لشعبه،
وقبل أن يستعيد هذا الشعبُ الحريّة. بل إن الكهنوتيّ جعل بني اسرائيل يُسرعون من
أجل التدخّل النهائي لله. عند ذاك يستطيع الشعب أن ينشد، أن يمدح، أن يعبد إلهه بعد
أن صار في الحريّة. قبل ذلك كان يعيش في "رقاد" لا يسمح للرجاء أن يموت، فيكون على
مثال النار تحت الرماد.
وبمختصر الكلام، يبدو أن خبر الكهنوتيّ الاصليّ لم يتضمّن رواية موت الأبكار
والاحتفال بعيد الفصح. فكل هذا قد زيد فيما بعد.
خاتمة
توقّفنا في هذه الدراسة عند البنية الادبيّة للخبر الكهنوتيّ. وتعلّمنا أشياء
كثيرة. قال الشرّاح إن موت الأبكار هو الضربة الأولى، وبالنسبة إليها بنى الكاتب
سائر الضربات. وأخذنا نحن بالموقف الذي يعتبر خبر موت الأبكار في الدرجة الثانية.
وكل هذا له نتائجه بالنسبة إلى مدلول الفصح وأصله.
واكتشفنا بنية الخبر الكهنوتيّ مع الضربات ومعجزة البحر. لم يكن الاسلوب حيًا كما
في اليهوهي. وتُرك الحديث عن تردّد فرعون وتطلّباته التي تثير الامل واليأس عند بني
اسرائيل. ترك الكهنوتيّ كل هذا الرسم الحيّ. فجعل الله الشخص المسيطر في الخبر.
وصارت الدراما دراما إلهيّة حيث البشر ممثّلون صامتون لا يلعبون دورًا. يبقى علينا
أن ندرس مواضيع الخبر لنكتشف التعليم الخاص، والسياق المعاش الذي هو إطار هذا
التعليم. هذا ما نقوم به في الفصل التالي.
الفصل التاسع عشر
ضربات مصر، معجزات نبيّ من الأنبياء
درسنا في الفصل السابق البنية العامّة للخبر الكهنوتيّ الذي يتحدّث عن ضربات مصر
وعبور البحر الأحمر (خر 7-14). فاكتشفنا مرحلتين في هذا الخروج من مصر. وظهر بوضوح
أن موت الأبكار والفصح لم يكونا في أصل الخبر، بل جُعلا فيما بعد ساعة التدوين
النهائيّ للبنتاتوكس: كان الخبر يمرّ بشكل مباشر من الضربات إلى عبور البحر دون
تدخّل ضربة من نمط خارق.
أما الآن، فنحاول تفحّص تفصيل هذه البنية التي كنّا قد توقّفنا عند خطوطها العامّة.
ما هو مدلول خبر ضربات مصر في التاريخ الكهنوتيّ؟ ما هو المعنى الخاص بمعجزة البحر؟
ما هي الأوساط التي منها استقى الكهنوتيّ أفكاره، وإطار خبره، واللطائف الخاصة بما
رواه؟
هناك تفصيل قد يجعلنا في طريق يحمل ثمرًا، فيقودنا إلى حلٍّ مرضيّ لهذه الأسئلة.
سمّى الكهنوتيّ الضربات "الآيات والمعجزات" (7: 3)، أو "المعجزات" (7: 9؛ 11: 9-
10). هذا ما يُستعمل عادة للحديث عن الأعمال الرمزيّة عند الأنبياء. مثل هذه
المقاربة تدعونا إلى أن نحدّد نقاط اتصال بين هذا الخبر الكهنوتيّ وتقليد الأنبياء،
فنتوصّل بالتالي إلى إيضاح بعض النقاط الغامضة في خر 7-14.
فإذا أردنا أن نتحقّق من هذه الفرضيّة، نجمع في مرحلة أولى ما في النصّ يدلّ على أن
ضربات مصر هي فعلات نبويّة. وفي مرحلة ثانية نقابل بشكل خاص موضوع تقسية القلب عند
الكهنوتيّ وعند الأنبياء. كل هذا يصل بنا إلى سؤال نطرحه: أما تقدّم دينونةُ الأمم
التي أعلنها الأنبياء الاطارَ الذي يوافق تفسير معجزة البحر في التقليد الكهنوتيّ؟
وأخيرًا، نعود إلى الفرضيّة التي انطلقنا منها لكي نكتشف الفروقات على مستوى المعنى
والمبنى بين الخبر الكهنوتيّ والتقاليد النبويّة الموازية.
1- ضربات مصر هي "آيات ومعجزات"
تلتقي أربع إشارات رئيسيّة في خطّ قراءة "نبويّة" لضربات مصر. فألفاظ الكهنوتيّ
التي تدلّ على الضربات، تقدَّم لنا كقطعة الانطلاق من أجل بحثنا. ثم إن الخبر
الكهنوتي يشير إلى حضور نبيّ وسط الذين يعملون باسم الله. وتجاه موسى وهارون نجد
المزاحمين التقليديّين للآباء، نجد السحرة. أخيرا، مبنى الأخبار يذكّرنا بالفعلات
النبويّة.
المفردات (أو الألفاظ) هي العنصر الأول الذي يتيح لنا أن نكتشف اتّجاه خبر
المعجزات. في هذا المجال، يتحدّث الكهنوتيّ عن الآيات والمعجزات عن "المعجزات". أما
اليهوهي فيفضّل لفظة "الآيات" و"العجائب" (أو المدهشات). أما التسميّة "ضربة"، فهي
لا ترد إلاّ نادرًا، ولا تطبع بطابعها مجمل الظواهر التي سبقت الخروج من مصر. أما
الكهنوتيّ فهو دقيق في اختيار مفرداته. استعمل مرّة واحدة عبارة "آيات ومعجزات"،
فكانت أول ذكر وجدناه في سياق الضربات (7: 3). ثم استعمل مفردة واحدة (معجزات). في
المرّة الأولى، يصوّر عمل العصا التي تحوّلت إلى "تنين" (7: 9). وفي المرّة الثانية
في إجمالة تبدو بشكل خاتمة (11: 9، 10). إن خر 7: 7 و11: 9، 10 يحيطان بكل الحدث،
وبالتالي يحتلاّن مكانة هامّة من أجل تفسير المقطع. ونلاحظ أخيرًا أن لفظة "معجزات"
لا توجد سوى مرّة واحدة خارج الكهنوتيّ في هذه الفصول.
إن عبارة "الآيات والمعجزات" تميّز تثنية الاشتراع. إذن، ننطلق من تث فنفهم أن
"الآيات والمعجزات" تدلّ على ضربات مصر. ويطرح تث سؤالاً حول تقبّل الآيات وفهمها،
فيستعمل ذات الألفاظ لكي يتحدّث عن الفعلات النبويّة.
يرى معظم شرّاح تث أن "الآيات والمعجزات" تدلّ على الضربات. أما العبارة "بيد قديرة
وذراع مبسوطة" التي تأتي مرارًا بجانب العبارة الأولى، فهي ترتبط حصرًا بمعجزات
البحر. ولكن آخرين يرون أن لا اختلاف بين العبارتين: إنهما تشيران كلاهما إلى مجمل
أحداث خروج مصر. ونستطيع أن نضع العبارة محل الأخرى في تث. لهذا نستطيع أن نؤكّد
أنهما متساويتان وتصوّران الاحداث الخاصّة التي رافقت الخروج من مصر. وسوف ننتظر
الأدب الاشتراعيّ المتأخّر لكي نجد التمييز بين العبارتين للحديث عن مرحلتي الخروج.
ولكن حين نتفحّص هذا الطرح، نجد بعض الاعتراضات الهامة. نلاحظ مثلاً أن يد الله
وذراعه وحدهما قد "أخرجتا" شعب اسرائيل من مصر. نجد فعل "ي ص ا" (أخرج، وزن أفعل،
أي فعل لكي يخرج) مع ذكر "اليد القديرة والذراع المبسوطة" (تث 5: 15) أو ذكر "اليد
القديرة" وحدها (تث 6: 21؛ 8: 7؛ 9: 26). وفي كل هذه الحالات تكون غائبة عبارةُ
"الآيات والمعجزات". وحين نجد العبارتين مع فعل "ي ص ا" (في وزن أفعل)، في تث 19:7؛
8:26، فالعبارة الأقرب إلى الفعل هي "يد قديرة وذراع مبسوطة". وحيث لا تظهر يد الله
وذراعه، لا حديث عن الخروج من مصر (تث 2:29؛ 11:34).
ينتج عن هذا أن عبارة "بيد قديرة وذراع مبسوطة" ترتبط بشكل خاصّ بالخروج من مصر في
حصر المعنى. ثم، يبدو أن عبارة من هاتين العبارتين لا تحلّ محلّ الأخرى. ففي تث 6:
21-23 تبدو الظواهر غشّاشة. تشكّل آ 21 المقدّمة. عند ذاك تتوسّع هذه الاجمالة في
مرحلتين: الآيات والمعجزات (آ 22)، ثم الخروج من مصر (آ 23). في هذا التوسّع، حافظ
الكاتب على الترتيب. ولكن هناك حالة واحدة قيلت فيها العبارتان: تث 8:26 حيث
"الآيات والمعجزات" تُذكر بعد "بيد قديرة وذراع مبسوطة". قد نشرّ هذا القلب
بالاسلوب الليتورجي (في هذه القطعة) الذي لا يشير إلاّ إلى الوقائع المهمّة في
تاريخ اسرائيل. فاستجابة الصلاة (آ 7) لا يمكن أن تكون إلاّ الخروج من مصر. وذُكرت
"الآيات والمعجزات" لأنها شاركت في هذا الخروج. وكما لاحظنا أعلاه، فعبارة "بيد
قديرة وذراع مبسوطة" تتبع حالاً فعل "أخرج".
إذن، حين يستعمل الكهنوتيّ عبارة "الآيات والمعجزات"، في سياق ضربات مصر، فهو يحدّد
موقعه في خطّ تقليد يشهد له تث. وهناك نقطة أخرى في "آيات ومعجزات". فأوضحُ نصّ في
هذا المجال هو تث 29: 1-3. فآيات الماضي ومعجزاته لم يفهمها جيل الخروج، لأن الله
لم يعطهم قلوبًا ليفهموا وعيونًا ليروا وآذانًا ليسمعوا (3:29). هذا يعني بشكل
ضمنيّ أن الله يمنح هذه النعمة للسامعين الآن هذا الإرشاد. فلا تصل "الآيات
والمعجزات" إلى نتيجة إلاّ إذا أعطى الله شعبه أعضاء الادراك التي هي ضروريّة من
أجل الفهم. والوضع مماثل في خر 7: 3. إن الله "قسّى قلب فرعون"، وأكثر من الآيات،
فلم يسمع فرعون. فمنذ البداية جعل الله وظيفة الآية كدليل تبوء بالفشل، لأنه لم يعط
فرعون قلبًا يستطيع إدراكها.
وهناك نقطة أخيرة يتيح لنا فيها تث أن نتقدّم في تفسير النصوص الكهنوتيّة في سفر
الخروج. فـ "الآيات والمعجزات" تظهر في تث في قرائن مختلفة عمّا في خر (تث 13: 1-4؛
46:28). إن تث 13: 1-4 يدعونا إلى مقابلة مع التقليد النبويّ. هذا المقطع يحذّر
المؤمنين من الأنبياء الكذبة. إذا قام متنبئ أو راء فأجرى آية أو "معجزة" ودعاهم
إلى عبادة الاصنام، فيجب أن لا يتبعوه. فاستقامة الايمان أهمّ من هذه الأعمال
الخارقة. وسمّى تث "الآية والمعجزة" باسم الشقاء الذي يصيب اسرائيل حتى الفناء إن
لم يسمع لربّه.
في نهاية هذه المسيرة الأولى، بدا واضحًا أن الكهنوتيّ يرتبط بتقليد يمثّله تث حيث
يتصوّر ضربات مصر. ويدعونا تث 13: 1-4 أن نقرّب هذه الاحداث من الأعمال النبويّة.
وسنأخذ نصوصًا أخرى لكي نتحقّق من هذه الفرضيّة.
في نصّين من نصوص أشعيا (18:8؛ 20: 13) تسمّى أعماله النبي الرمزيّة "آيات
ومعجزات". ولكن اللفظة الثانية (معجزة) (م و ف ت) المستعملة في الكهنوتيّ، هي التي
تجد لها سندًا قويًا في التقليد النبويّ. فالكهنوتي يستعمل هذه اللفظة وحدها ثلاث
مرّات (خر 7: 9؛ 11: 9، 10). وهي ذات لون نبويّ، فتدلّ أكثر المرّات على عمل من
أعمال النبيّ يشير إلى مصير النبيّ، أو مصير شخص من الأشخاص (1مل 13: 3، 5؛ 2 أخ
32: 24، 31). وهدف العمل هو تثبيت كلمة النبيّ بفعل يقوم به. أعلن النبيّ دمار بيت
إيل، وإذ أراد أن يثبت كلمة الربّ هذه، أنبأ بأن المذبح سوف ينشقّ وينتشر الشحم
الذي يغطّيه (1مل 3:13- 5). تمّت "المعجزة"، وهكذا لا يبقى شكّ في صحّة النبوءة.
فالعمل الرمزي هو صورة مسبقة لعمل الله كما يعلنه النبيّ قبل أوانه. ونقول أخيرًا
إن لفظة "معجزة" ترد أكثر من مرّة عند حزقيال. في استعمالات أربعة تدلّ اللفظة على
عمل رمزيّ.
2- الإشارة إلى حضور نبيّ
هناك عنصر آخر يتيح لنا أن نرى في "الضربات" صورة مسبقة عن مخطّط الله الذي أوكل
الأنبياء بإعلانه. هذا ما نجده في الطريقة التي بها يقدّم الكهنوتيّ مرسلي الله.
فموسى وهارون يحتلاّن مكانة خاصّة جدًا في الخبر الكهنوتيّ. ففي خر 7: 1 يقول الله
لموسى: "أنت أقمتك إلهًا لفرعون، وأخوك هارون يكون نبيّك". كلمات لم نسمع مثلها في
كل العهد القديم. أما في ما يتعلّق بموسى، فقد نجد تأكدات مماثلة. فقد سمّي "إله"
في خر 16:4 (حسب الالوهيمي). وهناك مقاطع متأخّرة في تث، تمنحه مكانة كبيرة (تث 18:
15، 18؛ 34: 10، 11). ولكن ما نلاحظه في خر 7: 1 هو ما يقوله عن هارون: هو المقطع
الوحيد في العهد القديم يمنحه لقب "نبيّ" وهو لقب نادر في البنتاتوكس.
حين ابتعد الكهنوتيّ هنا عن تقليد هارون أو كبير الكهنة، أعطانا المفتاح لكي نفهم
خبره: فكل الأعمال التي تمّت بواسطة هارون، ستكون أعمال نبيّ من الأنبياء. غير أنه
يبقى خاضعًا لموسى كما "لإلهه". وبعد خر 10:9، سيعمل موسى وحده. في أيّ حال، هذه
الملاحظة تتيح لنا أن نسير خطوة في طريق التفسير. فالأعمال التي سبّبت ضربات مصر
تتلوّن بلون نبويّ، ونجد الشخص الذي يعملها وقد وُضع في خط الأنبياء.
3- السحرة
وهناك إشارة ثالثة تدلّ على تجذّر الخبر الكهنوتي في هذا المحيط عينه. فالكهنوتيّ
يُدخل في توسّعه موضوعًا غاب كلَّ الغياب عن سائر المصادر: هو السحرة. وهكذا يُنمي
بفنّه المزاحمة بين السحرة من جهة وموسى وهارون من جهة ثانية. فالمعجزة الأولى هي
نجاح خفيّ للحزبين (خر 7: 11-12). استطاع السحرة أن يحوّلوا عصيّهم إلى "تنانين"
كما فعل هارون. ولكن عصا هارون التهمت عصيّهم. وفي المعجزة الثانية والثالثة تبقى
الضربة بدون غالب ولا مغلوب (7: 19، 120، 21 ب، 22؛ 8: 1-3، 11 ب). ولكن الضربة
الرابعة ستكون المفترق: ما استطاع فنّ السحرة أن يُخرج البعوض (8: 12- 15). حينئذ
أقرّوا أن "إصبع الله" هي التي تعمل. وفي الضربة الخامسة، إتخذت الامور منحى خطيرًا
بالنسبة إلى السحرة الذين امتلأوا هم أنفسهم بالقروح (9: 8-12). نلاحظ أن موسى هو
الذي أشرف على هذا العمل، لا هارون (9: 10). ومنذ ذاك الوقت، الله هو الذي سيقسّي
قلب فرعون (12:9). ولكن حتّى الآن كان الكهنوتيّ يقول "ظلّ قلب فرعون قاسيًا"
(13:7، 22؛ 8: 5). هنا دخل الله بنفسه على "المسرح"، وما عاد النصّ يتكلّم عن
السحرة.
ولكن من أين جاءت أهميّة السحرة؟ فالأنبياء الكبار ولاسيّما أنبياء الفترة
المنفويّة، يقدّمون لنا إشارات ثمينة. فقد قاموا بحرب على حكمة الأمم، وخصوصًا حكمة
بابل. فقد بدا أنبياء اسرائيل باهتين تجاه المعلّمين في هذه المدينة العظيمة التي
سحرت الشعوب المجاورة بعلمها. وارتبط الكهنوتي بهذا التقليد بواسطة الألفاظ التي
استعملها.
في خر 7: 11 نجد مجموعتين مختلفتين: "الحكماء" و"العرّافين" وقد جُمعتا فيما بعد في
فئة واحدة هي فئة السحرة. اللفظة الثانية هي نادرة. فإذا وضعنا جانبًا خر 7: 11 فلا
نجدها إلاّ في سفر التكوين (خبر يوسف) وفي سفر دانيال. لا توجد هاتان اللفظتان في
الكهنوتيّ إلاّ في هذا الموضع. وهما جزء من المفردات التي يستعملها الأنبياء.
فالعرّافون كانوا ممنوعين في الشريعة (خر 17:22= تث 18: 10). وقد أظهر تت 18: 14-15
سمّو النبيّ على العرّافين وممارساتهم. وشدّد أش 29: 14 على عجز "الحكماء" عن فهم
مقصد الله حين يُكثر عجائبه. أما إر 8: 8- 9 فهو حرب على "الحكماء" الذين يحتقرون
كلمة الله. وحين يتّجه الأنبياء نحو حكمة الأمم، فهدفهم مختلف عن هدف الكهنوتيّ:
يريدون أن ينزعوا القناع عن الباطل ويعرّون أوهام الذين يتكلّمون عليه (أش 19:
11-15؛ 47: 9- 15؛ إر 50: 35). ويمكن أن يكون الكهنوتي الذي استعاد ذات الموضوع
وذات المفردات، قد مزج خبر الضربات باهتمامات مماثلة، هي اهتمامات الأنبياء في
عصره.
4- مبنى الأخبار
وهناك برهان أخير يدلّ على القرابة بين الكهنوتيّ والتقليد النبويّ للأعمال
النبويّة. حين نتفحّص بنية كل ضربة من الضربات يظهر تصميم هو تصميم أخبار الأعمال
النبويّة. وهو رسمة في ثلاثة عناصر: أمر الله. تنفيذ هذا الأمر. شرح مع ذكر النتيجة
التي تتضمّن عبارة الاعتراف بالله. وهذا ما نجده في خبر الطوفان كما لدى الكهنوتيّ.
أما سائر المصادر فتقدّم أخبارًا أكثر تشعبًا بتصميم لا يعرف وضوح الخبر الكهنوتيّ:
أمر الله لموسى وهارون. تنفيذ الأمر. النتائج التي حصلوا عليها. لم يسمع فرعون.
وبمختصر الكلام، جعلنا الكهنوتيّ ندرك في خبره طرق تفكير وفنونًا أدبيّة (أعمال
نبويّة) عرفها التقليد النبويّ. ولكن لابدّ من الحذر، لأن الكهنوتيّ يبتعد في نقطة
هامة عن التصميم العام للآيات النبويّة. فالعناصر الثلاثة تتضمّن أكثر المرّات
عبارة الاعتراف بقدرة الله. أما الكهنوتي فتجنَّب ذلك (على ما يبدو) في خبر
الطوفان. قبل أن نعود إلى السبب الذي لأجله أغفل الكهنوتيّ هذا العنصر، نتوقّف عند
موضوع هام حلّ محلّ الاعتراف بعظمة الله هو: تقسية القلب.
الفصل العشرون
القساوة في قلب فرعون
يبدو أن الأنبياء قد أثّروا في الكهنوتيّ، لأن كرازتهم تلمّح مرارًا إلى قساوة
القلب لتشرح عدم تقبّل الكلمة لدى السامعين. ونستطيع القول إن هذا كان علامةَ صدق
لرسالتهم. فكما في خر 2:7-4، أعلم الله الأنبياء، منذ الانطلاق، بالصدى السلبيّ
الذي يستقبلهم (أش 6: 10- 11؛ إر 1: 10؛ حز 3:2-10؛ 3: 4). ويبدو أن الكهنوتيّ دخل
في ذات التيّار بالألفاظ التي استعملها. ترك مفردات خاصّة باليهوهي (ك ب د: ما كان
ثقيلاً) وأخذ أخرى من الالوهيمي (ح زق: قسّى). ولكن الكهنوتيّ سيلفت انتباهنا إلى
حالتين. في 3:7 نجد استعمالاً فريدًا لفعل يعني الصعوبة والمعاندة (ق ش ه. رخ قسّى
في العربيّة). وفي خر 14، تكلّم الكهنوتيّ عن قساوة القلب ساعة احتفظت سائر المصادر
بهذا الموضوع للضربات. ما هو هدف الكهنوتيّ؟ إذا أردنا أن نكتشف هذا الهدف، نكوّن
فكرة دقيقة عن الدور الذي لعبه هذا الموضوع في قلب الخبر الكهنوتيّ. ونورد المفردات
الخاصّة. عند ذاك نبحث عن المحيط الحياتيّ الذي وُلدت فيه هذه الفكرة المتشعّبة.
سبق وقلنا إن الكهنوتيّ يعير اهتمامًا خاصًا لموضوع تقسية القلب، لأنه يجعله مكان
تفسير الآيات أو عبارة الاعتراف بعظمة الله في نهاية كل ضربة. فأمام تهديد مختلف
المعجزات، والتحذيرات المتلاحقة، رفض فرعون أن يتزحزح قيد أنملة. استطاع أن يتصرّف
بهذه الصورة، ما دام سحرته يستطيعون مقاومة موسى وهارون، أقلّه في الظاهر (حز 7:
13- 32؛ 8: 15). ولكن أجبروا على الانسحاب بعد أن امتلأوا بالقروح. عند ذاك بدأ
الله يقسّي قلب فرعون. هذا ما يقابل الوقت الذي فيه أخذ موسى دورًا قام به هارون،
فاحتلّ المشهد كلّه (9: 10-12).
فالمجابهة المباشرة بين الله والفرعون صارت قريبة جدًا. وساعة معجزة البحر، فرض
الله حلّ الأزمة. في هذا الخبر نجد موضوع تقسية القلب وقد تكرّر ثلاث مرّات (14: 4،
8، 17). ولكن تجاه "المعجزات" جعلت قساوةُ القلب فرعون أصمّ أمام مرسلي الله،
ودفعته إلى أن يمجّد عملهما. أما هنا، فبدت هذه القساوة في سلسلة من ردّات الفعل:
لاحق الفرعون بني اسرائيل. فردّ الله مُظهرًا أنه سيّد الأمم وقوى الكون. وهو سوف
يتمجّد على حساب فرعون وجيشه فيقرّ الجميع أنه الربّ. فعبارة الاقرار بعظمة الله
التي حلّ محلّها ذكرُ تقسية القلب في خبر الضربات، سوف تظهر من جديد في قلب معجزة
البحر (14: 4، 18). وعمل الله الأخير سيقود فرعون إلى الاعتراف بسرّه كما قال في 7:
5: "يعلم المصريون أني أنا الرب". والمفارقة في الكهنوتيّ نراها حين تستجلب تقسية
القلب هنا الاقرار بالربّ.
إذن، يبدو تسلسل الخبر كما يلي: جاءت "الآيات والمعجزات" فسبّبت تقسية القلب.
وتقسية قلب فرعون دفعته إلى النهاية المأساويّة التي فيها يعترف بالله. فتقسية
القلب تشكّل منعطفًا في الخبر، فيفصل عبارة الاعتراف عن "الآيات والمعجزات" ليستطيع
أن يربطها بالعمل الأخير الذي هو معجزة البحر.
إن مفردات الكهنوتيّ، التي تصوّر قساوة القلب، تجد لها سوابق في مختلف التقاليد.
فالجذر "ق ش ه" قد اختاره الكهنوتيّ عمدًا، وجعله في موضع مميّز في الخبر. لا نجد
هذا الجذر إلاّ مرّة واحدة في الخبر الكهنوتيّ الذي يستعمله في ف 7-14. يستعمله
بشكل توطئة لأنه جزء من الخطبة البرنامج (خر 7: 1-5 الذي يتضمّن معنى ف 7-14). في
وزن "أفعل" نجد هذا الجذر مع ثلاثة مفاعيل. وفي الأدب الاشتراعي، نقرأ "قسّى رقبته"
أو "شعب قاسي الرقاب" ونجد أيضًا عبارتين: قسّى الرقبة، عاند. ثم: لم يسمع (2 مل
17: 14؛ إر 26:7؛ 23:17...). وفي الخبر الكهنوتيّ للضربات نجد ردّة تتكرّر مع تقسية
القلب: لم يسمع لهما فرعون.
فالشعب الذي يقسّي رقبته ولا يسمع، يهدَّد بالفناء بيد الله (خر 9:23، 10؛ 33: 3؛
تث 9: 13- 14؛ 2 مل 17: 14، 18...). في تث 2: 30، يأتي "الروح" بعد الفعل. تلك هي
حالة فريدة. قسّى الله قلب سيحون، ملك حشبون، وهذا ما قاده إلى الهلاك في حربه ضد
شعب اسرائيل. ونجد الفعل مع "ل ب" (اللبّ، القلب) ثلاث مرّات (خر 7: 3؛ مز 59: 8؛
أم 28: 14). في خر 7: 3، الله هو الذي يقسّي القلب. وفي مز 59: 8؛ أم 28: 4،
الانسان هو الذي يقسّي قلبه. في كل هذه الامثلة وفي مختلف البنى الممكنة، الموقف
الذي يصوّره النصّ هو موقف دينيّ سلبيّ ونتائجه مشؤومة.
وهناك عبارة ثانية استعملها الكهنوتيّ على مدّ خبره للضربات وعبور البحر. نجد "ح ز
ق" (قسّى) مع "ل ب" (القلب). لا يحمل هذا الفعل عادة وجهًا سلبيًا. بل يعني: شجّع،
ثبّت، قوّى. وهو يظهر مرارًا في سياق من الحرب وفي أقوال خلاص تبشّر بالنصر (مز
4:27؛ 25:31). ففي تث 6:3-7، ساعة تقديم يشوع لتسلّم وظيفته يقال له: "تشدّدوا
وتشجّعوا ولا ترهبوا (الأمم)، لأن الرب إلهك يسير معك. لا يُهملك ولا يتركك".
لا نجد إلاّ نصوصًا قليلة تستعمل هذه اللفظة بشكل سلبيّ (يش 11: 20، قسّى قلوبهم
حتى خرجوا على بني اسرائيل، إر 3:5؛ حز 4:2؛ 7:3). يوجز يش 20:11 احتلالات يشوع
للأرض، ويعطي سبب إفناء الأمم المقهورة: الله "قسّى" قلوبهم، بحيث بدأوا الحرب مع
شعب اسرائيل فنالوا الهزيمة. وصوّر إر 3:5 عناد اسرائيل الذي لا يريد أن يعود إلى
الله رغم الدروس التي أعطيت له. وفي حز 4:2؛ 7:3، أعلن الله للنبيّ أنهم لا يسمعون
له. سيجد أمامه شعبًا معاندًا. ولكن واجبه يدعوه أن يتكلّم رغم كل شيء (حز 2: 5؛ 3:
11). وفي خبر ضربات مصر، هو الفعل المستعمل في النصوص المنسوبة إلى الالوهيمي
للتحدّث عن تقسية القلب. ومفعول الفعل هو دومًا "ل ب" في سفر الخروج، كما في يش 11:
20؛ حز 2: 5 (بشكل صفة). في إر 3:5، المفعول هو "الوجه" (ف ن ي م). وفي حز 7:3، هو
"الجبهة" (م ص ح). نلاحظ أن حز 2: 4؛ 7:3 يقدّم "ل ب" مع "ق ش ه" (7:3)، "ح ز ق"
(2: 4). موازاة لافتة. وهذا يعني في هذا السياق أن الجذرين يتقابلان.
إن هذا البحث في مفردات الخبر الكهنوتيّ، قد فتحت الطريق أمامنا لكي نكتشف أصل
موضوع تقسية القلب. فاللفظتان تقدّمان طريقين للتفسير ووسطين مختلفين. فالجذر "ح ز
ق" يشير إلى إطار الحرب المقدّسة، ووسط سياسي وحربيّ. وتقسية القلب تكون موقفًا
يدفع فرعون إلى أن يجابه الله. ولكن اللفظة لا ترتبط حصرًا بهذا الحقل من المعنى.
فقد اكشتفنا أعلاه بعض الحالات التي فيها يصوّر الجذر موقفًا دينيًا خاصًا في سياق
نبويّ (إر 5: 3؛ حز 7:3). أما فعل "ق ش ه" فيوجّهنا إلى سياق نبويّ، وقد تأثّر بسفر
التثنية ونبوءة حزقيال. والإطار دينيّ دومًا. فالموضوع هو خلاص اسرائيل أو شجبه بيد
الله. وما يلفت النظر استعمال هذا الفعل مع "ل ب" (حز 7:3؛ مز 8:95؛ أم 28: 14).
فبما أن الكهنوتيّ يُفرد لهذه اللفظة مكانة خاصّة في تقديمه للأحداث، فنحن نفضّلها
في تفسير موضوع تقسية القلب. وبما أن سياق خر 7-14 يصوّر تسلسل أعمال بها الله
يتمجّد فيعترف به خصومه أنه يهوه (لا سياق حرب بين اسرائيل ومصر، أو بين الله
والفرعون)، فهذا ما يجعلنا قريبين جدًا من الإنباء بالدينونة لدى الأنبياء، كما في
حز 2: 1-3: 11. ونقاط المقابلة كثيرة.
- كما في خر 7: 1- 5، نحن أمام خطبة يلقيها الله وفيها يكلّف نبيّه بمهمّة. ولكن
نلاحظ منذ الآن الاختلافات: في خر 7: 1- 5، هارون هو نبيّ موسى. والكهنوتيّ لا
يتحدّث عن إرساله، بل عن تقليد وظيفة.
- منذ البداية، ينبئ الله بفشل رسالة مرسليه.
- نجد "ح زق" و"ق ش ه"، جنبًا إلى جنب (خر 4:2؛ 7:3).
- يرتبط هذان الفعلان بلفظة "ل ب" (القلب).
- ترتبط تقسية القلب بموضوع واحد في خر 7: 1-5 وحز 2: 1-3: 11: إن سامعي مرسلي الله
لا يريدون أن يسمعوا (خر 7: 3-4؛ حز 2: 5؛ 3: 7).
- هو موقف يحمل الشرّ وقد يحمل الموت (خر 7: 4-5؛ حز 2: 10).
- تظهر عبارة الاعتراف بالله في حز 2: 5 وخر 7: 5، ولكن في سياقين مختلفين بعض
الاختلاف: الله حاضر بواسطة نبيّه في حزقيال. وهدف كرازته يكمن في أن يجعلهم يقرّون
بوجود نبيّ في وسط الشعب. أما في خر 7: 5، فالله هو الذي يعرّف بنفسه.
استعمل حز الصفة، أما الكهنوتيّ فاستعمل الفعل والمصدر لأنه يُريد أن يجعل كل العمل
مركَّزًا بين يدي الله. عملُ الله هو المحور. أما النبيّ فيجد نفسه أمام شعب لا
يسمع له. وبما أنه يصف وضعًا من الأوضاع، فهو يستعمل الصفات.
وهكذا بدا خر 7: 1-5 قريبًا من حزقيال بالالفاظ المشتركة والمواضيع المماثلة والفن
الأدبيّ الواحد وذات الواقع المعاش (انطلاق في رسالة). ولكن تبقى بعض الاختلافات
الهامة. لا يستعمل الكهنوتيّ فعل "أرسل" (رج حز 2: 3)، ولا عبارة المرسل (حز 2: 4
ب)، ولا يطبّق عبارة الاعتراف بالله على النبيّ كما في حز 2: 5. هذه العوائق لا
تكفي لتسمح لنا بأن نضع النصّين في خانة واحدة. ولكن يبقى أن نص حز قد أعطى عناصر
تفسير ثمينة تتيح لنا أن نحدّد مدلول ووسط المواضيع التي توسّع فيها الكهنوتيّ. ففي
إطار نبويّ، كانت تقسية القلب جوابًا يُعطى لمرسلي الله، فيعود إلى وضع دينونة،
ويصلت على السامعين سيف التهديد والحكم. فهل نجد في الكهنوتيّ ما يقابل دينونة الله
هذه؟ وهل تستطيع معجزة البحر أن تفسَّر على أنها دينونة الله؟ قد يساعدنا على ذلك
تحليل مفردات خر 7-14. هذا ما نراه في فصل لاحق يشدّد على أن عمل الله حين أخرج
شعبه كان فعلاً نبويًا به يدين مصر
الفصل الحادي والعشرون
الخروج دينونة الله لمصر
ما زلنا في مقابلة بين عالم الكهنة وعالم الأنبياء. فالضربات هي في الواقع نداء
يطلقه النبيّ فيدعو شعب مصر وملك مصر إلى التوبة. ولكن فرعون قسّى قلبه، أو هو الله
سبّب بشكل غير مباشر هذه القساوة. لهذا بدا الخروج من مصر دينونة يحكم فيها الله
على مصر لأنها رفضت أن تسمع. هذا هو موضوعنا في هذا الفصل.
1- تضاربات بين الكهنوتيّ والنبويّ
نلاحظ في الخبر الكهنوتيّ عددًا من العبارات الآتية من أقوال الأنبياء ضدّ الأمم في
الادب النبويّ. ثم إن هذه المعطيات ليست مشتّتة، بل هي تتجمَّع مرارًا في أقوال
حزقيال. وهذا ما يعطي البرهان الذي نقدّمه، قوّته وتركيزه.
العبارة الأولى حول الدينونة نجدها في الكهنوتيّ، في خر 7: 5: "مدّ يده على" (ن ط
ه. إت. ي د. ع ل). تُستخدم هذه العبارة دومًا لتصوّر حركة عقاب. والفاعل هو الله،
وقد يكون مرسله فقط في الخروج (ما عدا 7: 5). هذه العبارة تميّز الأنبياء. فاذا
وضعنا خر جانبًا، فهم يتفرّدون في استعمالها. فهي جزء من دعوى الله على شعبه وعلى
الأمم، وهي تتضمّن إعلان تنفيذ العقاب. بهذا الشكل، تعطي العبارةُ خبر الضربات
طابعًا خاصًا. هي أحكام بها يدين الله فيفرض "تصرفًا" على مسيرة الأحداث. والعبارة
تظهر للمرة الأولى في الخبر. تظهر لا في أول خطبة من خطب الله لموسى (6: 2-8)، بل
في الخطبة الثانية التي فيها يفصِّل الله مهمّة مرسله في القريب العاجل (7: 1- 6):
"حينئذ يعرف المصريون أني أنا الرب، حين أمدّ يدي على مصر" (7: 5 أ). بعد ذلك تظهر
في موضعين داخل الحدث. أولاً في خبر الضربات (تحوّل الماء إلى دم، 7: 19؛ الضفادع،
8: 1؛ البعوض، 8: 13. هنا لا نجد حرف الجرّ ولا المفعول. وهي غائبة من ضربة القروح،
9: 8-12). ثانيًا، هي تعود أربع مرّات في خبر عبور البحر (14: 16، 21، 26، 27). في
خبر الضربات كما في عبور البحر، هي يد هارون أو يد موسى (حسب الحالات) التي تصنع
الحدث، تحرّك العمل (هارون في الضربات. موسى في معجزة البحر). وهكذا تضع هذه
العبارة مجمل ف 7-14 في إطار العقاب الإلهيّ الذي أعلن في 7: 5 وتمّ بشكل نهائيّ في
ف 14.
العبارة الثانية التي تشكّل مفتاحًا في هذا المقطعَ هي لفظة "أحكام" (ش ف ط ي م).
هي تعود ثلاث مرّات في الخبر. في خر 6: 6، في الخطبة الحَي فيها يوسّع الله كل
مخطّطه الخلاصيّ منذ القسَم للآباء حتى الدخول إلى أرض الموعد. و"الأحكام الكبرى"
(جمع حُكم) ترتبط بشكل إجماليّ بعمل الله الخلاصيّ حين يُخرج اسرائيل من مصر (خر 6:
6). وفي خر 7: 4 ب، تتّخذ اللفظة معنى أكثر تحديدًا. "الأحكام الكبرى" (أحكام الله)
ترافق الخروج من مصر بحصر المعنى، أي في الخبر الكهنوتيّ، في خر 14. وفي خر 12: 12،
نحن أمام موت الأبكار. وحده الكهنوتيّ يستعمل هذه اللفظة في البنتاتوكس (خر 12: 12
يعود في عد 33: 24). وإذا جعلنا أم 29:19؛ 2 أخ 24: 24 جانبًا، فحزقيال هو الذي
يستعمل هذه اللفظة أكثر ما يستعمل. في كل مرّة تدلّ اللفظة على دينونة وحكم ينتهيان
بالعقاب. وإذا وضعنا 2 أخ 24: 24 جانبًا، الله هو دائمًا فاعل هذا العمل. ففي نظر
حز، هذا الحكم الذي يعاقب يصيب أورشليم (5: 10، 15؛ 11: 9، نخبة المدينة، 14: 21؛
16: 21) أو الأمم (25: 11؛ 28: 22، 26؛ 30: 14، 19). ونلاحظ أن هذه اللفظة هي في
أكثر المرّات جزء من عبارة خاصة: "أنفذ الأحكام ضدّ" (ما عدا خر 6: 6؛ 4:7؛ حز 14:
21؛ 2 أخ 24:24؛ أم 29:19). على ما تدلّ عليه هذه العقوبات؟ تتوزّع لائحة الشرور في
إسرائيل. ونجد عنها ملخّصًا في حز 14: 21. أما بالنسبة للأمم فالفناء. وفي
الكهنوتيّ نجد سياقًا مماثلاً لسياق دينونة الأمم عند حزقيال: الله سيزيل فرعون
وجيشه. وينفّذ هذا الحكم خلال عبور البحر. والضربات التي تسبق هذا العبور هي علامات
تعلن مسبقًا الكارثة الأخيرة.
العبارة الثالثة تتيح لنا أن نحدّد بشكل أوضح مرمى الخبر الكهنوتيّ. ففي سياق
الدينونة تبرز عبارة اعتراف بالله نجدها في خر 7: 4-5؛ 14: 4، 18. ويستعمل حزقيال
أكثر ما يستعمل هذه العبارة في الدعوى ضد الأمم وضدّ أورشليم (حز 11: 10). في خر 7:
5 يعلن الله أن مصر ستعرفه "حين يمدّ يده عليها". وهذا يتحقّق حين يتمجّد الله على
حساب المصريين بمعجزة البحر (خر 14: 4، 18). فهذا يعني من وجهة الخبر، أن اعتراف
مصر بالرب يرتبط بهذا الحدث لا بالضربات.
إن عبارة "الاعتراف" لا ترتبط بحدّ ذاتها بدينونة وحكم. ولكن في خبر الخروج من مصر،
نلاحظ من خلال تفاصيل عديدة أن الكهنوتيّ يربط رباطًا وثيقًا اعتراف المصريين بالله
والحكم عليهم الذي هو في الواقع غرقهم في البحر. هذا ما دلّ عليه التعبير الأول في
الجملة، لأنه يعلن أن المصريين سيعرفون الرب حين "يمدّ يده عليهم" (7: 5). أي حين
ينفّذ الحكم. ولكن هناك أكثر من ذلك. ففي حزقيال، لفظة "ش ف ط ي م" (دينونة، حكم)
ترتبط دومًا بعبارة الاعتراف بالله حين نكون أمام "دينونة" الأمم (حز 25: 11؛ 28:
22، 26؛ 30: 14، 19). وبعبارة أخرى في الأقوال ضد الأمم، كما في حز، الله يعرّف
بنفسه بواسطة الأمم حين ينفّذ أحكامه ضدّهم. أما عندما يكون الأمر متعلّقًا
بإسرائيل، فالرباط بين العبارتين يبدو متراخيًا (حز 5: 10؛ رج آ 13؛ 11: 9، 10).
غير أن حز 28: 24-26 يعارض هذا الرأي. ولكن في الظاهر فقط. فهذا القول النبويّ الذي
يختتم الفصل ويوجزه، ليس إعلان دينونة ضدّ الأمم، بل قول خلاص لإسرائيل. فشعب الله
الملتئم سوف يرى عقاب الأعداء. وعبارة "الاعتراف" تظهر مرّتين في هذا القول (آ 24،
26). ولكن إسرائيل، لا الأمم المعاقبة، هو الذي يعترف بالرب (رج حز 39: 21-22).
وهكذا، في قول يعلن خلاص إسرائيل، تحرّك "دينونات" الله وأحكامُه اعترافَ الأمم
بيهوه. في خر 7: 1- 5، نحن أمام هذه الحالة الثانية. الله ينبئ بدينونة المصريين
واعتراف الغرباء بسرّه. وحين يتمّ هذا الإنباء في ف 14، نكون عند ذاك أمام تنفيذ
هذا الحكم. فالخبر لا يريد أن يصوّر شقاء المصريين من أجل بني إسرائيل المتعطّشين
إلى الانتقام. ولا أن يصوّر مصير شعب الله وما فيه من سعادة، بل إن عبارة
"الاعتراف" توجّه الحدث كله نحو مرماه وهو: ظهور سرّ الربّ. شدّد الكهنوتي على هذا
الواقع وربط الاعتراف بالرب ربطًا وثيقًا مع موضوع تمجيده (4:14، 18). فحين يتمجّد
الله على حساب المصريين يتعرّفون إليه. ففي زوالهم ينكشف مجد الله. ومعهم تزول
عبادة الأوثان.
وفي الختام، نشير إلى أن مختلف لمسات الخبر الكهنوتيّ التي تدعو إلى فهمه كتنفيذ
حكم، نجدها مرارًا في أقواله دينونة جمعها حزقيال. فعبارة الاعتراف تنضمّ إلى لفظة
"أحكام" (ش ف ط ي م) في حز 5: 10؛ 13: 15؛ 11: 9، 10؛ 25: 11؛ 28: 22؛ 30: 19.
وعبارة الاعتراف هذه بعينها تلي عبارة "مدّ يده على" في حز 14:6؛ 7:25، 16-17؛
3:35-4. إن حز 22:28 يتضمّن في الوقت عينه لفظة "حكم"، وفعل "ك ب د" (الفعل، تمجّد)
مع الله كفاعل، وعبارة الاعتراف. وقد تفرّد حزقيال بين الأنبياء فجمع هذين
العنصرين. لهذا نستطيع أن نظنّ أن للكهنوتيّ ولحزقيال لغة واحدة تقع في تقليد واحد،
بعد أن يحافظ كل منهما على سماته الخاصّة. ونستخلص من هذه المقابلة نتيجة واضحة.
لقد أراد الكهنوتيّ أن يصوّر معجزة البحر كـ "دينونة" حسب طريقة الأنبياء. وبهذه
الدينونة (أو هذا الحكم) يعرّف الله بنفسه أنه يهوه.
2- مسافة بين الكهنوتيّ والتقليد النبويّ
إذا كان الكهنوتيّ قد استعاد بعض عناصر الكرازة النبويّة، وبشكل خاص النظرة إلى
الأعمال الرمزيّة والحكم على الأمم لكي يطبّقها على ضربات مصر ومعجزة البحر، إلاّ
أنه ترك بعض المعطيات جانبًا، وهذا ما يدهشنا. لهذا فالمقابلة مع سائر مصادر سفر
الخروج ولاسيّما اليهوهي، تُبرز هذه الاختلافات، وتكشف الاتجاهات الرئيسيّة في
الخبر الكهنوتيّ حين أعاد تفسير ما وصل إليه من التقليد.
أولاً، لا نستطيع أن نماهي بكل بساطة بين ضربات مصر والأعمال الرمزيّة. فهذه
الضربات هي واقع وليست تنبؤًا بالشرّ، بل هي شرّ حقيقيّ. وإذا كانت "معجزات" أو
"آيات"، فلأنها تنبئ بدينونة الله الأخيرة. نجد "الآيات والمعجزات" أو" المعجزات"
في المقدّمة (خر 7: 3) والخاتمة (11: 9- 10) من خبر الضربات. ولكن عملاً واحدًا
يسمّى بوضوح باسم "معجزة"، وهو ليس ضربة بالمعنى الحصري للكلمة. هو خبر العصا التي
تحوّلت إلى "تنين" (7: 9). وهو "معجزة" طلبها فرعون.
ثانيًا، هناك اختلاف آخر بين أعمال الأنبياء الرمزيّة وبين "الضربات" كما نقرأها في
الكهنوتيّ. فالعنصر الثالث في العمل الرمزيّ أو في الآية، هو شرح يوجّه الانسان نحو
المستقبل، نحو تجلّي الله في الأحداث. فالله سيعرّف بنفسه حين يتمّ ما عرضه مرسلوه
بشكل رمزي. وترتبط عبارة الاعتراف مرارًا بهذا العنصر الثالث من الأعمال الرمزيّة
(النبويّة). يبدو أن المصدر اليهوهيّ اتّبع هذا الخطّ من التفسير فاستعمل عبارة
الاعتراف في خبره للضربات. فالله سيعرّف بنفسه حين يحقّق بدقّة ما عرضه مرسلاه
لفرعون. نحن نجد في اليهوهي أقوالاً شبه نبويّة تعلن أن الله سيبرهن عن نفسه من هو
فيدلّ على سلطانه على الاحداث. ولكن كما لاحظنا من قبل، يتجنّب الكهنوتي عبارة
الاعتراف على مدّ خبر الضربات. فالله لا يظهر فيها. بل إن هذه الآيات والمعجزات في
الكهنوتيّ تنتهي بملاحظة الفشل. إن ضربات الخبر الكهنوتيّ ترينا انسانًا ملكًا
غريبًا عن إسرائيل، يستطيع أن يعارض مخطّط الله، ولا تعلن سلطان الله كما لا تبرهن
عنه.
لاشكّ في أن الله قد فعل بواسطة أشخاص يرسلهم وأعلن بنفسه هذا الفشل. ولكن يبقى أن
الكهنوتيّ يخرج من الإطار العاديّ للأعمال النبويّة ولاسيّما حين يجعل في نهايتها
نتيجة سلبيّة.
ونذهب أبعد من ذلك. ابتعد الكهنوتيّ عن اليهوهي فما استعاد عددًا من العبارات
الخاصّة بالكرازة النبويّة. فيتجنّب مثلاً فعل "أرسل" الذي هو خاص بكل مهمّة
نبويّة. وعبارة المرسل (هذا ما يقوله الربّ) تبقى غائبة من خبره. كما أننا عبثًا
نبحث عن عبارات أخرى اعتدنا عليها في الأدب النبويّ مثل "اذهب... وقل...".
فالكهنوتيّ يفضّل عبارة ثانية: "صنع موسى وهارون كما أمرهما الربّ" (خر 7: 6، 10،
20؛ رج 8: 13). وهكذا نحسّ أن الكهنوتيّ يهتم بالأحداث التي تتمّ بموافقة مع مشيئة
الله، أكثر ممّا بالأقوال.
وهناك ملاحظات أخرى تسير في الخطّ عينه. فالكهنوتيّ أوجز خبره وتجنّب سمات نجدها في
سائر المصادر. فالفرعون لا يتردّد في الخبر الكهنوتيّ. موقفه هو هو من البداية إلى
النهاية. هو لا يقرّ أبدًا بخطيئته (خر 27:9، 34؛ 10: 16، 17 مقاطع يهوهيّة).
ومعاملة إسرائيل تختلف أيضًا في الكهنوتيّ. ما يريده الله هو أن يخرج شعبه خروجًا
نهائيًا من مصر. فلا حدث عن مسيرة ثلاثة أيام في البريّة، ولا عن عيد إكرامًا ليهوه
كما في اليهوهي (18:3؛ 3:5؛ 26:7؛ 4:8، 11 أ، 21-24؛ 13:9؛ 3:10، 7، 8- 11، 24-26).
ولا يشير الكهنوتيّ أبدًا إلاّ أن إسرائيل مُيِّز عن المصريين: فالضربات تصيب
البلاد كلها، ولا اختلاف بين السكّان سواء كانوا "بلديين"، أو غرباء. أما في نظر
اليهوهي، فالضربات عفت عن بني إسرائيل.
بالإضافة إلى ذلك، لا يقول الكهنوتيّ في أيّ مكان إن موسى صلّى لكي تتوقّف الضربة.
فنظنّ أن الضربات تجمّعت وتكدَّست. ثم إن الكهنوتيّ حذف من أخباره كل المداولات مع
فرعون. وقد حصلت أمام الملك معجزتان: الأولى (العصا التي تحوّلت إلى تنين) والأخيرة
(القروح، 9: 10). وفي هذه اللقاءات لا يورد الكهنوتيّ كلمة واحدة قالها فرعون. أما
اليهوهي، فقد أعار أهميّة كبيرة لهذه اللقاءات حيث يطول الجدال وترتفع اللهجة.
وأخيرًا مرمى خبر الضربات في الكهنوتيّ يختلف عمّا هو في اليهوهي. ففي المصدر
اليهوهي، تتوخّى الضربات أن تفرض على فرعون أن يُطلق الشعب. أما في الكهنوتيّ، فهذا
الهدف ينتقل إلى المستوى الثاني. فعلى "الآيات والمعجزات" أن تدلّ على مشيئة الله
التي لا يوقفها أحد، كما على صدق كلام المرسلين. وجعل الكهنوتيّ السحرة يتدخّلون من
أجل الهدف عينه. ولكن هذه الآيات تعلن بشكل خاص، وتحرّك النهاية كما أعدّها الله.
لقد أزال الكهنوتيّ كل السمات التي لا تقدّم الضربات كعلامة تجاه دينونة الله. فمصر
سوف تدمّر، وبنو إسرائمِل يتركون البلاد. فالآيات تتكلّم بنفسها، وهي لا تحتاج إلى
من يفسّرها. لهذا تبدو المداولات بدون جدوى. وعلى إسرائيل هو أيضًا أن يتّخذ قراره.
عليه أن يترك هذه البلاد حيث صارت له الحياة فيها لا تُطاق. فدينونة الله على هذه
الأرض لا تتراجع.
هذا يعني أيضًا أن الكهنوتيّ يعطي مهمّة مرسلي الله معنى خاصًا: هي تشير إلى الفشل.
وقد لعبت خبرة المنفى بلا شكّ دورًا هامًا في هذه النظرة إلى الأمور. فالأنبياء، قد
نبّهوا إسرائيل، ولكن عبثًا. وكذا يكون الأمر بالنسبة إلى مصر: فلا شي يؤثّر في
فرعون. وموضوع تقسية القلب سيحاول أن يفسّر هذه الظاهرة بطريقة لاهوتيّة. فخلاص
إسرائيل يكون عمل الله وحده.
إذًا نكتشف عند الكهنوتيّ بعض التحفّظ تجاه التيّار النبويّ. وحين يتجنّب عددًا من
العبارات العاديّة في أسفار الأنبياء، فهو "يرفض" تكاثر هذه العبارات لدى الأنبياء
الكبار في حقبة المنفى (إر، أش الثاني، حز). حين استعملت هذه العبارات في فم
الأنبياء الكذبة، خسرت من قيمتها. لهذا، تحفّظ الكهنوتيّ في استعمالها. فمرسل الله
هو أولاً ذاك الذي يتمّ مشيئة ربّه، لا ذاك الذي ينتسب إليها. فقد تكون خبرة المنفى
قد ولّدت مثالاً جديدًا للمعلّم الروحيّ في شعب الله، داخل الأوساط الكهنوتيّة، وهو
مثال ورثوه من العالم النبويّ وصحّحوا بعض تطرّفاته. وهكذا أقام الله موسى وهارون،
كلاً في وظيفته. وأعطاهما أوامر ينفذانها بدقّة. ونحن نبتعد بهذا الشكل عن الوجهة
المواهبيّة (كرسماتيّة) في العالم النبويّ، لكي نجد أرضًا ثابتة، هي أرض "النظم"
التي أسّسها الله فسارت بحسب مشيئته.
ونلاحظ في الكهنوتيّ أيضًا أن هارون هو الذي يسمّى "نبيًا" لا موسى. تلك هي علامة
تفسيرين جديدين لصورة النبيّ. أولاً، هارون هو خاضع لموسى وما يمثّله بشكل ملموس من
أجل الجماعة التي يتوجّه إليها الكهنوتيّ: إنه المنادي بديانة يهوه، بالاله الذي
وعد الآباء وقطع عهدًا معهم (خر 6: 2- 5). ثانيًا: لقد طالب هارون بلقب النبيّ
ووظيفته، كما طالب بالنظام الكهنوتيّ الذي يمثّله في قلب شعب المؤمنين. فانقلاب
الادوار لفائدة الكهنوت سوف يتمّ بشكل نهائي حين يخضع يشوع، خلف موسى، للكاهن
اليعازر، خلف هارون (عد 18:27- 21). حتى ذلك الوقت، كانت صورة موسى تمثّل المكانة
الأولى. ولكن الوضع تبدّل.
3- ثلاث ملاحظات
أ- الرباط بين حزقيال والكهنوتيّ
لاحظنا في هذه الدراسة عددًا من الاتّصالات بين حز والكهنوتيّ. فالتقارب واضح بين
خر 7: 1-5 وحز 2-3. وهناك تشابهات عديدة على مستوى المفردات بين النصوص الكهنوتيّة
والأقوال على الأمم (حز 25-28). بدا الكهنوتيّ قريبًا في لغته من الفصول المتأخّرة
في حز 25-28. وهكذا توافقُ بدايةُ تدوين الكهنوتيّ حقبة متقدّمة من تدوين حز. وهكذا
يكون الكهنوتيّ قد استقى من تقليد عرفه حز.
فالكهنوتي يبتعد عن بعض عبارات نجدها عند حز ومصادر البنتاتوكس، وهي جزء من التقليد
النبويّ. شذّ الكهنوتيّ عن القاعدة وتجنّب هذه الألفاظ (أرسل...). هذا من جهة. ومن
جهة ثانية، أخذ الكهنوتيّ بعض العبارات النبويّة، كما أخذ عناصر من الأدب
الاشتراعيّ. وهكذا أخذ عددًا من المواد التقليديّة.
هل نقول بارتباط الكهنوتيّ بحزقيال؟ يصعب علينا البرهان على ذلك. ولكن هناك اتصالاً
بين الاوساط الكهنوتيّة وتلاميذ حزقيال. وذلك في إطار المنفى. فقد تشرّب الكهنوتيّ
وحزقيال من محيط دينيّ وحضاريّ واحد. وانتماء حزقيال إلى الأوساط الكهنوتيّة يؤكّد
هذا الرأي.
ب- الدينونة
وهناك سمة خاصة باللاهوت تكمن في المكانة المعطاة للدينونة (أو: الحكم). فبنية
الخبر الكهنوتيّ في خر 7-14 هي التالية: (1) الآيات والمعجزات التي تنبئ بالدينونة
فتجعل قلب فرعون يتقسّى. (2) إن تقسية قلب فرعون اجتذبت الدينونة. فالله حسب
الكهنوتيّ يقود الناس إلى أوضاع نهائيّة: خلاص من أجل إسرائيل، دمار من أجل مصر.
بهذه الطريقة يكشف الله عن نفسه في الخبر الكهنوتيّ. ولا يحلّ محلّ عمله لا الآيات
ولا المعجزات ولا كلمة المرسلين. فوظيفة الكرازة وأعمال الذين يرسلهم الله، تقوم
بتحريك هذه الدينونة. هناك يعرّف الله بنفسه حين يتمجّد (خر 4: 14، 17). وهكذا
يُبرز الكهنوتيّ بشكل جذريّ وجهة من الكرازة النبويّة، هي وجهة الفشل التي حصلت
مرارًا. فقد وُضع كل نشاط موسى وهارون في هذا المناخ السلبيّ. فالله وحده يستطيع أن
يقود مخطّطه إلى النهاية. الله وحده يستطيع أن يعرّف بذاته. وحده يستطيع أن يظهر
مجده. أما نشاط البشر فيقوم برفض هذه الحقيقة. والأنبياء بشكل عام كانوا أقلّ
تعلّقًا بهذه النقطة. فوحي الله يستطيع أن يرتبط بـ "الآيات"، ولا يرتبط حصرًا
بدينونة الله وحكمه القاسي.
ج- إسرائيل والأمم
وهناك نقطة أخيرة جاء فيها الكهنوتيّ مجدّدًا بالنسبة إلى التقليد النبويّ. فقد
أرسل موسى وهارونُ إلى ملك غريب. ومواضيع الكرازة النبويّة الخاصة بالعلاقات بين
الله شعبه تطبّقت على العلاقات بين إسرائيل ومصر: آيات ومعجزات، تقسية القلب،
دينونة. إذن، اعترف الكهنوتيّ بوظيفة نبويّة في إسرائيل، تجاه الأمم، أقلّه على
مستوى النخبة الدينيّة. هذا وضع وُجد في اليهوهيّ والالوهيمي، وإن بطريقة مختلفة.
ففي نظر اليهوهيّ، يبدو الله وكأنه يربط موقفه تجاه مصر، بموقف مصر تجاه اسرائيل.
ومصائب مصر هي امتداد لإرادة سيِّئة لدى فرعون. والضربات تتوقّف حين يدلّ على
تسامحه. فالضربات تصوّر في نظر الكهنوتيّ، دينونة الله المسبقة التي لا يوقفها أحد.
كيف نفسّر هذا التطوّر؟
إن خبرة المنفى تتيح لنا بأن نلقي الضوء على عدد من هذه المعطيات اللاهوتيّة في
التقليد الكهنوتيّ. يكفي أن نجعل بابل محلّ مصر التي استعبدت بني إسرائيل. فالله لا
ينسى شعبه المضايق اليوم، كما لم ينسَه في الماضي. ورؤساء الشعب الروحيّون سيدفعون
السلطة لكي تتدخّل. وقد تكون "الضربات" سلسلة من المصائب تدلّ على أن الله يستعدّ
لأن يدين بابل ويحكم عليها. والحكمة والسحر اللذان تستند إليهما العاصمة العظيمة
(بابل)، لن يساعداها (أش 47: 10-15). ورفض بابل سيقودها هي أيضًا إلى الدمار.
ستُدان بابل وينمو شعب إسرائيل. وهكذا يكشف الله مجده ويدلّ على أنه سيّد الكون بلا
منازع. وحين مالك الكهنوتيّ بنظر معاصريه إلى هذا الحدث المؤسّس الذي هو الخروج من
مصر، أنعش رجاء إسرائيل ونبّهه داعيًا إياه لكي يصغي إلى إله الآباء.
الفصل الثاني والعشرون
وجه ابراهيم في التقاليد الكتابية
ابراهيم هو أبو جميع الذين يؤمنون بالله الواحد، أكانوا مسلمين أم يهودًا أم
مسيحيين. كل ما نعرف عنه هو بعض ما سمعناه ممّا يتلى علينا في القداس من رسائل
القديس بولس: "إن الله برّر ابراهيم لإيمانه". ولكن ابراهيم شخص قديم عمره ألف
ثمانماية سنة قبل المسيح وقد تأمّله المؤمنون وهو أبوهم الذي منه وُلدوا بعد أن
باركه الله وكثّره (أش 2:51). تأمّل في حياته الحكماء المقيمون قرب حبرون في جنوبي
البلاد فتعرّفوا إلى بركة الله تغمر هذا الشخص الفريد وتمتدّ إلى أبنائه، وتأمل في
حياته الانبياء المقيمون قرب بيت إيل في الشمال فتعلّموا كيف تدخل مخافة الله في
قلب المؤمن فتجعله لا يحسب حسابًا لشيء عندما تطلب منه تضحية اكرامًا لربّه، وتأمّل
في حياته الكهنة ففرحوا بمن هو حلقة في عهد بدأ مع نوح وامتدّ إليهم عبر موسى
وتعلّموا أن يستمعوا إلى كلام الله في الخضوع والعبادة وأن يحفظوا هذا الكلام ولا
يميلوا عنه يمينًا أو شمالاً فيكونوا من أهل الايمان والخلاص (عب 10: 29).
ونحن اليوم على خطى الحكماء والأنبياء والكهنة في شعب الله سنتعرّف إلى حامل بركة
الله إلى جميع الشعوب، إلى العائش في مخافة الله، وإلى من أقام الله معه عهدًا
سيكون رمزًا للعهد الجديد الأبدي الذي ستقطعه البشريّة كلّها في شخص يسوع المسيح.
1- تقليد الحكماء
ونبدأ مع التقليد الأول، تقليد الحكماء، فننظر إلى من طلب الله منه أن يترك كل
شيءَ. فترك وسار مع الرب فكان له أن يحمل بركة الله إلى جميع الشعوب.
ولنسمع ما يقوله الكتاب. وقال الله لابرام: "ارحل من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى
الأرض التي أريك، فأجعلك أمّة عظيمة وأباركك وأعظّمك وتكون بركة. وأبارك. مباركيك
وألعن لاعنيك، ويتبارك بك جميع عشائر الأرض". فرحل ابراهيم كما قال له الرب (تك 12:
1-4).
في كلمة الله لابراهيم أمر ووعد. إرحل، هذا هو الأمر. والوعد: أنا أجعلك أمّة
عظيمة.
إطار النداء حدّثنا عنه الكاتب فيما سبق. حدّثنا عن بلد ابرام أو ابراهيم، عن
عشيرته وعيلته، عن امرأته سارة التي كانت عاقرًا فلم تنجب له ولدًا. وها نداء الرب
الآن يفتح مرحلة جديدة في مراحل تاريخ الخلاص تبدو وكأنها تتعارض مع حياة الانسان
ابراهيم.
إرحل، وأنا أجعلك. يبدأ النداء بفعل أمر، ويتوالى في أفعال تحمل المواعيد: أجعلك،
أباركك، أعظّمك، أبارك مباركيك، ألعن لا عنك.
إرحل. هناك أمر. وسيرحل ابراهيم كما طلب منه الله. والأمر ليس شرطًا للوعد، كأن
مواعيد الله ترتبط بطاعة ابراهيم له. لا، مواعيد الله نداء وهي تنبع من كرم الله
وسخائه. رحل ابراهيم كما قال له الرب، رحل ولم يضع شروطًا لرحيله، لم يوازن بين
الربح والخسارة. ما الذي يتركه وما الذي يحصل عليه؟ على كل حال، جاءت عطايا الله
تفوق كل تصوّر، فسدّت عليه كل طريق للتردّد. ترك أرضًا يرتحل فيها فسيكون له أرض
يقيم بها. ترك الأهل والأقارب واصطحب امرأته العاقر، فسيكون له ولد، بل أولاد، بل
سيجعله الرب أمّة عظيمة. لاشكّ في أن كلام الرب لم يتحقّق الآن، ولكنه سيتحقّق في
زمن داود، يوم كُتب هذا النص لأول مرّة. بل سيتحقّق في زمن المسيح الذي يجمع كل
الخراف في رعية واحدة حول راع واحد.
ويقول الرب لابراهيم: بك يتبارك جميع عشائر الأرض. أجل، سيكون ابراهيم وسيط البركة
التي يعطيها الرب للشعوب، وستبان حياته ناجحة بسبب البركة التي حصل عليها فيتمكّن
جميع الناس أن تكون لهم البركة التي كانت لابراهيم. أجل، ستحصل الشعوب على البركة
إن هي تصرفت كما تصرّف ابراهيم. نحن لا نحقّق البركة، نحن لا نملك البركة كما نملك
شيئًا من الأشياء، ولكننا نبحث عن هذه البركة حتى نجدها ككنز مخفى في حقل. وإذ
نجدها نتعلّق بها لأنها تربطنا بيد الله العاملة فينا وفي الكون. نحن نتطلّع إلى
ابراهيم حامل هذه البركة، بل إلى يسوع المسيح، لأن ما من اسم آخر نستطيع به أن ندرك
الخلاص (أع 4: 12) إلاّ اسم يسوع المسيح. بالمسيح نعلن ثقتنا، وأمامه نؤكّد على
طاعتنا له فنجد فيه البركة التي ننتظرها.
تكون بركة. هذا ما قاله الرب، ولا رجوع عن كلامه. بابراهيم تكون البركة للشعوب. هذه
البركة رافقت البشريّة منذ بدايتها، وسترافقها حتى النهاية حاملة معها الخلاص لكل
أمم الأرض. هكذا قرأ الحكماء في جنوبي فلسطين قصة ابراهيم بل قصة البشريّة التي
سارت تحت تأثير بركة الله.
خمس مرّات تتردّد كلمة بركة في هذا النصّ القصير الذي قرأناه. أباركك، بركة، أبارك،
مباركيك، يتبارك. وهذا الترداد المخمّس يقابل اللعنات الخمس التي حلّت بالبشريّة
منذ بدايتها. هل ننسى أن الله لعن الحيّة التي حملت الشرّ للانسان (تك 3: 14) ولعن
الأرض (3: 17) ليجعل الانسان يحسّ بالشرّ الذي فعل؟ وحلّت اللعنة بقايين بسبب ما
فعل لأخيه (4: 11) وكنعان لما فعله لأبيه (9: 25) والبشريّة لأنها ملأت الأرض شرًا
وفسادًا (5: 29). فكان لا بدّ من بركات خمس لتزيل اللعنات الخمس. لاشكّ في أن رحمة
الرب رافقت الانسان منذ البداية فاهتمّت بآدم وحواء بعد خطيئتهما، فكساهما الله
لئلا يظلاّ عريانين فيحسّان بالخزي واليأس (3: 21). ولم يترك الرب قايين فريسة
الحقد والانتقام فجعل عليه إشارة وعلامة لئلا يقتله أحد (4: 15). فالرب لا يريد موت
الخاطئ بل توبته ورجوعه إلى المنزل الوالدي. ونزع الرب اللعنة عن الأرض فقال: لن
أعود ألعن الأرض بسبب الانسان ولن أعود أهلك كل حيّ عليها كما صنعت (8: 21)، وتعزّى
في نوح، فنجّاه هو وعياله من الطوفان (29:5). كل هذا كان بصيص أمل يطل هنا وهناك
فيجعلنا ننتظر مراحم الله الفياضة. وهذا ما بدأ فعلاً في شخص ابراهيم بانتظار أن
يجد كماله في يسوع المسيح.
بركة الله ترافق الانسان، فإن اتّكل على هذه البركة كان له النجاح وكانت له
السعادة، وإن هو حاول أن يتملّص من هذه البركة كان له الفشل. حاول ابراهيم أن
يتدبّر أموره بيده فترك الأرض التي وعده بها الرب وذهب إلى مصر الغنية بأرضها
ومائها. عامل امرأته كجارية وكذب على ملك مصر فعاد خائبًا خجلاً وفي حال لا يُحسد
عليها. رجع بالمال الوفير والخير الكثير، ولكن ما اقتناه لم يكن ثمر بركة الله.
وحاولت البشريّة أن تتدبّر أمرها بعد الطوفان فبنت برجًا عاليًا أعظم من هيكل
أورشليم لتعبد فيه آلهتها وبنت مدينة تخلد بها نفسها على حساب الله الذي هو وحده
الخالد والذي لاسمه يحقّ السجود، فماذا كانت النتيجة؟ دمّرت المدينة وخرب البرج
البابلي. أما قال الكتاب: إن لم يبن الرب البيت فعبثًا يتعب البنّاؤون. إن لم يحرس
الرب المدينة فعبثًا يتعب الحارس؟ لا هيكل أمام هيكل الاله الواحد، لا مدينة تجاه
مدينة الله أورشليم التي اختارها الله لسكناه وفيها تمجّد. من دون الله لا طريق
للناس إلاّ طريق الموت والهلاك، ومع الله هم يسيرون في طريق الحياة والسعادة.
هذا ما فهمه ابراهيم فباركه الله وبارك شعبه بل بارك جميع المؤمنين بالله مثله،
وهذا ما يجب أن تفهمه كل أمم الأرض. الانسان مخلوق لله ولن يجد سعادته إلاّ في
الله. يبقى علينا نحن المسيحيين أن نشهد مثل ابراهيم لبركة الله فنزرع في قلوب
الناس الامل والرجاء وفي حياتهم انتظارًا لكلام الله يكون عربونًا لا لعطاء مادي
فحسب، بل لعطاء روحي تكون قمته عطاءنا ابنه الوحيد. أما قال الكتاب: أعطانا الله
ابنه فأعطانا فيه كل شيء؟
2- تقليد الأنبياء
هذا هو وجه ابراهيم كما نظر إليه الحكماء في الجنوب. وجه البركة. أما في شمالي
البلاد فيتأمّلون في وجه آخر لابراهيم. ينظرون إلى ابراهيم الذي يتعلّم مخافة الله.
ونتوقّف في هذا القسم على مقطعين من سفر التكوين: ابراهيم في بلدة جرار مع أبيمالك،
ابراهيم مع ابنه اسحاق يوم أراد أن يقدمه ذبيحة على الجبل.
في المقطع الأول نرى ابراهيم غريبًا بين قوم لا يعبدون الاله الذي يعبده، فيخفي
هوية سارة امرأته لئلا يقتلوه بسببها. تزوجها ابيمالك ولكن الرب منعه أن يمسها فيقع
في الخطيئة. ولما عرف بحقيقة أمرها قال لابراهيم: "بماذا أذنبت إليك حتى جلبت عليّ
وعلى مملكتي خطيئة عظيمة؟ ماذا خطر لك حتى فعلت هذا"؟ فأجاب ابراهيم: "ظننت أن لا
وجود لخوف الله في هذا المكان فيقتلني الناس بسبب امرأتي" (تك 20: 9- 11).
أبيمالك هو ملك، وابراهيم نبيّ يحمل اسم الله ويتكلّم كلامه. بين الاثنين يقوم نزاع
أساسه ما قاله ابراهيم من كذب في شأن امرأته: هي أختي وليست امرأتي. هذا الصراع
يثير مشكلة أدبيّة أخلاقيّة، مشكلة الخطيئة والشريعة التي تنظّم حياة الأفراد الذين
لا يدينون الديانة الواحدة أو لا يؤمنون الايمان الواحد. لا شكّ في أن القانون الذي
يمنع الانسان أن يتخذ امرأة متزوّجة موجود في شعب الله الواحد: "أي رجل زنى مع
امرأة قريبه فليقتل الزاني والزانية" (لا 20: 10؛ رج تث 22: 22). وهناك الوصيّة
القائلة: "لا تزن" (تث 18:5؛ خر 20: 14). ولكن الشريعة التي يسير بمقتضاها أبيمالك
الملك الكنعاني والتي نجد آثارها في قانون حمورابي (عدد 129) تقول هي أيضًا: "إذا
وجدت امرأة تزني مع رجل، يُوثق الرجل والمرأة ويلقيان في الماء". فالمؤمنون بالله
الواحد والذين لا يؤمنون بالله الواحد لهم شريعة تدعوهم إلى الخير وتمنعهم عن الشر.
قال بولس الرسول: "المجد والكرامة لكل من يعمل الخير من اليهود أولاً ثم من
اليونانيين. والويل والعذاب لكل من يعمل الشرّ من اليهود أولاً ثم من اليونانيين.
فالذين خطئوا بغير شريعة موسى فبغير شريعة موسى يهلكون، والذين خطئوا ولهم شريعة
موسى فبشريعة موسى يدانون" (روم 2: 9-12). فشريعة الكنعانيّ كشريعة موسى تمنع
الانسان من الزنى، كما أن كل الشرائع تمنع السرقة والقتل على المؤمن وعلى غير
المؤمن. "فليس الذين يسمعون الشريعة هم الأبرار عند الله، بل الذين يعملون بأحكام
الشريعة هم الذين يتبرَّرون" (روم 2: 13). فلا ينفعنا إذًا أن نقول: يا رب يا رب
لندخل ملكوت السماوات، بل يجب أن نعمل بوصايا الله ليكون لنا الملكوت. ولنفترض أن
الآخرين لا شريعة مكتوبة لهم كشرائعنا، ولكن هناك شريعة محفورة في ضمائرهم. "فالذين
لهم شريعة موسى إن عملوا بشريعة موسى يتبرَّرون، وغير اليهود الذين بلا شريعة، إذا
عملوا بالفطرة المطبوعة في قلوبهم ما تأمر به الشريعة، كانوا شريعة لأنفسهم" (روم
2: 14).
عرف ابراهيم المؤمن بالله الواحد شريعة الله ولكنه لم يعمل بها فكاد يجرّ الذنب
والعقاب على شعب جرار وملكها. أما أبيمالك وشعبه فلما عرفوا إرادة الله خافوا خوفًا
عظيمًا كما يقول الكتاب، وهكذا "أثبتوا أن ما تأمر به الشريعة مكتوب في قلوبهم
وتشهد له ضمائرهم" (روم 2: 15). أراد ابراهيم أن يتهرَّب من الشريعة معتبرًا أن
الناس الذين يقيم بينهم لا يخافون الله. فإذًا هم يخافون الله بل يفتخر ملكهم بأنه
ما أذنب إلى الله القدير.
نحن لا نحكم على خوف الكنعانيين من إله ابراهيم. هناك خوف أول من كل قوّة سريّة
يمكنها أن تحمل الشرّ إلى ملك من الملوك أو إلى مدينته. ولكن أبيمالك ورجاله
يتحلّون بخوف آخر يدفعهم إلى الخضوع لشرائع الله والعمل بوصاياه. وهكذا بدت مخافة
الله عند الوثنيّين أعظم منها عند ابراهيم المؤمن. ولو عرف أبيمالك أن سارة امرأة
ابراهيم لما اتخذها زوجة له. وفي هذا أمثولة لنا نحن المؤمنين بالمسيح. هو يقول
لنا: لا تفتخروا ببرّكم، لا تفتخروا بانجيلكم وبأنكم مسيحيون. فالنساء الزانيات
والعشارون السارقون يسبقونكم إلى ملكوت السماوات. ويقول أيضًا: يأتي الوثنيون، غير
المسيحيين، من المشرق والمغرب ويتكئون إلى مائدة الملكوت ويبقى أبناء الملكوت
خارجًا. حسبتم نفوسكم أولين فإذا أنتم آخرون. ونسمع القديس بولس يقول لنا: "أنت يا
من تسمّي نفسك يهوديًا وتتكل على الشريعة وتفتخر بالله الذي تعبد، أنت يا من تعلّم
الآخرين أما تعلّم نفسك؟ تنادي: لا تسرق، وتسرق أنت؟ تقول: لا تزن، وتزني أنت"؟
(روم 2: 17-27).
ولكن هذه الحادثة التي حصلت لابراهيم والتي أفهمته أن الله لم يتخلَّ عنه رغم
خطيئته، بل قبل صلاته من أجل أبيمالك، ستعلّمه المخافة الحقّة يوم طلب إليه الرب أن
يقدّم ابنه اسحاق ذبيحة على الجبل. وهنا ننتقل إلى المقطع الثاني.
نحن نعرف أن الله لا يريد من شعبه ذبائح بشريّة كما يفعل سائر الشعوب، ونعرف من
قراءة النصّ الكتابي أن الله شاء أن يمتحن ابراهيم ليرى عمق إيمانه وليعرف إذا كانت
مخافة الرب دخلت في قلبه.
وعده الله ثلاث مرّات بأن يكون له ولد من امرأته سارة. وبعد أن جاء الولد الوحيد
الذي يحبه محبة كبيرة، ها هو الله يطلب من ابراهيم أن يضحّي بهذا الولد. في الماضي
مرّ ابراهيم في دنيا الأمل والانتظار. أما الآن فهي ثورة في داخله، وتساؤل: أترى
الله يعطي بيد ويأخذ بالأخرى؟ هو يعطي ابراهيم ولدًا يحمل الوعد. ولكن إن مات هذا
الولد، فمن يحمل مشعل الإيمان بعد ابراهيم؟ هل هناك تضارب في أوامر الله؟
هنا تبان المخافة في قلب ابراهيم، وهي مخافة تتعدّى تلك التي مارسها أبيمالك
فاقتصرت على الطاعة لوصية من الوصايا. المخافة هي هنا خضوع لا يضع شرطًا، لا يسأل
سؤالاً. بكّر ابراهيم وأخذ اسحاق ابنه وسار في طريقه إلى الموضع الذي دلّه الله
عليه (تك 22: 3). سار ثلاثة أيام ولم يضعف إيمانه الذي لم يكن وليد دقيقة من الحماس
يشتعل بسرعة وينطفئ بسرعة. ولما مدّ يده سمع صوتًا من السماء: "لا تمدّ يدك إلى
الصبي ولا تفعل به شيئًا، فالآن عرفت أنك تخاف الله" (تك 22: 10-12). خضع ابراهيم
خضوعًا كليًا جعله يضحّي بمستقبل الوعد ويسلّم أمره إلى الربّ الذي هو قادر أن يميت
ويحيي (2 صم 7:5).
مثل هذه المخافة التي نتعرّف إليها في تقليد الانبياء هي رفيقة المحبة، والمخافة
الحقّة لا تنفي المحبّة. فيا حبّذا لو تعلّمنا أن نخاف الله كما فعل أبيمالك فنعمل
بوصاياه المعروفة: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، أكرم أباك وأمك، لا تظلم أحدًا (مر
10: 19)، لا تشهد بالزور. يا حبّذا لو عرفنا أن اسم الله يجدَّف عليه بسببنا نحن
المؤمنين العائشين عيش الوثنيين بالشراسة والسخط والغضب والصخب والشتيمة والزنى
والدعارة والطمع (أف 4: 31-5: 3). ويا حبّذا لو تشبّهنا بابراهيم المؤمن الذي عبّر
عن مخافته لله في أحلك ظروف حياته: "امتُحن فقرّب اسحاق ابنه واعتقد أن الله قادر
على إقامة الأموات" (عب 17:11-19).
3- تقليد الكهنة
تعرّفنا إلى وجه ابراهيم الحامل بركة الله فما زال أمينًا لله، وإلى وجه ابراهيم
الذي سيتعلّم عند الوثنيين مخافة الله الحقّة الحاضرة في قلب كل انسان تمنعه عن
الشر وتدفعه إلى الخير. وسنتعرّف في القسم الثالث إلى وجه ابراهيم رجل العهد كما
تأمّل فيه الكهنة والعائشون في هيكل أورشليم.
ولنستمع إلى كلام الرب كما ورد في سفر التكوين (17: 1- 10).
تراءى الرب لابرام وقال: "أنا الله القدير! أسلك أمامي، أسلك بحسب وصاياي، وكن
كاملاً، فاجعل عهدي بيني وبينك وأكثّر نسلك جدًا. فوقع ابرام على وجهه ساجدًا. وقال
له الله: "هذا هو عهدي معك: تكون أبًا لأمم كثيرة، ولا تسمّى ابرام بعد اليوم، بل
تسمّى ابراهيم، لأني جعلتك أبًا لأمم كثيرة. سأنمّيك كثيرًا جدًا وأجعلك أممًا،
وملوك من نسلك يخرجون، وأقيم عهدًا أبديًا بيني وبينك وبين نسلك من بعدك، جيلاً بعد
جيل، فأكون لك إلهًا ولنسلك من بعدك، وأعطيك أنت ونسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض
كنعان، ملكًا مؤبدًا وأكون لهم إلهًا". وقال الله لابراهيم: "إحفظ عهدي، أنت ونسلك
جيلاً بعد جيل. وهذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك: أن يُختن
كل ذكر منكم".
تراءى الرب لابرام وأقام معه عهدًا. وتتردّد في هذا النص كلمة عهد التي تعني الوفاء
والضمان والأمان والمودّة والوصيّة والميثاق. العهد يفترض معرفة، العهد يُحفظ
ويراعى، العهد يفترض شروطًا يضعها كل من المتعاهدين. العهد يفرض أرضًا مشتركة يقف
عليها المتعاهدان فيكونان متساويين في حال من الأحوال.
ويتراءى الله ليقيم مع ابراهيم عهدًا. تنازل الله إلى مستوى الانسان، والمحبة هي ما
ينتزع الفوارق ويسوّي الفواصل. الله يرتبط مع الانسان، مع ابراهيم وشعبه، يكون لهم
إلهًا ويكونون له شعبًا خاصًا. في مثل هذا العهد يفرض الله شروطه على نفسه. ويفرض
شروطه على شعبه، فيوصيه بأن يبقى أمينًا على الوديعة. العهد يكون في قلب الثقة
المتبادلة. ابراهيم يثق كل الثقة بالرب، والرب يجعل ثقته بعباده فيسلّم إليهم رسالة
ويطلب منهم عملاً.
تراءى الله وأقام مع ابراهيم عهدًا فصار ابراهيم انسانًا جديدًا. تبدّل اسمه
فتبدّلت صفاته. كان ابرام عبدًا لأحد الآلهة الوثنيّة، فصار ابراهيم، أبًا لأمم
كثيرة هي أمم الله. وستصبح امرأته سارة هي أيضًا انسانًا جديدًا، بانتظار أن يكون
أبناء ابراهيم أناسًا جددًا يوم يُختنون فيطهرون، يُختنون فيكرَّسون للرب تكريسًا
كاملاً في اليوم الثامن من ولادتهم.
ارتبط الله بابراهيم، ومن خلاله ابراهيم ارتبط بشعب من الشعوب بانتظار أن يرتبط بكل
الشعوب. هكذا يرتبط الصديق بصديقه والزوج بزوجته فلا ينفصل الواحد عن الآخر. وإذا
كان الموت هو ما يفصل الانسان عن الانسان، فمع الله تتغلّب المحبّة، والمحبّة أقوى
من الموت.
تراءى الله القدير وحدّث ابراهيم مرة أولى، فكان جواب ابراهيم السجود إلى الأرض.
وحدّثه مرة ثانية ومرّة ثالثة، فسكت ابراهيم، وجواب المؤمن أمام الله القدير هو
السكوت والاستعداد للعمل بأوامر الله. بدّل الرب اسم ابرام فتبدّل اسمه، طلب إليهم
أن يُختتنوا ففعلوا. عندما يتكلّم الله لا يبقى على الانسان إلاّ أن يقول: تكلّم يا
رب فإن عبدك يسمع.
الله يكلّم ابراهيم ويعطيه المواعيد نسلاً يكون كبيرًا وأرضًا تكون له ولنسله. ولكن
نسل ابراهيم لن يكون نسله بحسب الجسد فقط، بل نسله بحسب الروح أيضًا. سمعتم ما يقول
الكتاب: "صار ابراهيم أبًّا لجميع الذين يبرّرهم الله لايمانهم من غير المختونين،
وصار أبًّا للمختونين الذين لا يكتفون بالختان، بل يقتدون بأبينا ابراهيم في إيمانه
قبل أن ينال الختان" (روم 4: 11- 12). كان الختان علامة إيمان عميق عند ابراهيم،
وهذا الايمان العميق جعله أبًّا لأمم كثيرة. وهنا يزيد القديس بولس: نسل ابراهيم
كله هم أهل الشريعة، وهم أيضًا المؤمنون إيمان ابراهيم. فابراهيم هو أب لنا جميعًا
كما يقول الكتاب: جعلتك أبًا لشعوب كثيرة (روم 4: 16-17). ولكن نسل ابراهيم هو
المسيح وبه يتبرّر جمحِ المؤمنين (غل 3: 16).
ووعد الرب ابراهيم بأرض رأى فيها الشعب اليهودي أرض كنعان. ولكنَّ نظر الرب ذهب إلى
أبعد من أرض ماديّة. أجل، لم يذهب ابراهيم كمن لا يعرف إلى أين يذهب، بل أسرع إلى
أرض وعده الله بها وأراه إياها. هذا الذي لا بيت له صار له أرض هي عطيّة من الرب،
ولكنه تطلع إلى أرض جديدة. هو الغريب والنزيل كان يطلب وطنًا فأعطي له ملك قبر
ليشتاق إلى وطن أفضل، إلى الوطن السماوي (عب 11: 13-16).
هذا هو العهد الذي قطعه الرب مع ابراهيم. أعطاه إياه بعد العهد الذي قطعه مع نوح
والذي وعد فيه البشريّة بنهاية العاصفة وبدء بناء جديد، وقبل العهد مع موسى والكهنة
الذي ستكون علامته بناء معبد سيملأه الله بحضوره (خر 40: 34-35). ولكن العهد
الحقيقي والأبدي سيكون مع يسوع المسيح الذي لنا به الخلاص التام الناجز، لا من
كارثة تحل بمنطقة من مناطق الأرض، بل من الشر والخطيئة والموت. والهيكل المنتظر بعد
ذلك الذي هُدم، سيكون جسد المسيح الذي لنا به الخلاص والفداء ومغفرة الخطايا.
دخل ابراهيم في سلسلة العهد التي وصلت بمخطّط الله إلى قمتها في العهد الذي يربط
السماء والأرض في شخص يسوع المسيح الاله والانسان. ونحن نكون نسله وأبناءه إن
اقتدينا به ودخلنا في عهد يقدّمه لنا المسيح في دمه. فنحن خلّصنا مرّة واحدة في
المسيح الذي مات عنا وقام وظلّ حيًّا إلى الأبد، ولكن يبقى علينا أن ندخل في سرّ
الخلاص هذا. ولنسمع ما يقوله لنا الكتاب اليوم: "هذا هو العهد الذي أعاهدهم إياه في
الأيام الآتية يقول الرب: سأجعل شرائعي في قلوبهم واكتبها في عقولهم ولن أذكر
خطاياهم من بعد" (عب 10: 16-17؛ رج إر 31: 33-34). يبقى علينا أن نسمع كلام الكتاب:
"اليوم إذا سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم" (عب 3: 15). هل ننسى "أن كلمة الله حيّة
فاعلة، أمضى من سيف له حدّان، تنفذ في الاعماق ما بين النفس والروح والمفاصل ومخاخ
العظام وتحكم على خواطر القلب وأفكاره" (عب 3: 12)؟
خاتمة
هذا هو وجه ابراهيم في التقاليد الكتابيّة. تعرّفنا إليه من نصوص التوراة كما وصلت
إلينا على يد الحكماء والأنبياء والكهنة: رجل البركة، رجل المخافة، رجل العهد، وفي
كل هذا هو رجل الايمان. ونحن نكون من ذريته إن عملنا أعماله (يو 8: 37-39)، وننخرط
في تيار إيمانه عندما نرجو مثله أن نرى يوم ابن البشر ونترجّى ظهوره. إن كنتم
تسمعون كلام الله أنتم أبناء الله، وإن كنتم لا تسمعون فلستم من الله (يو 47:8).
الفصل الثالث والعشرون
أكرم أباك وأمك
حين نفكّر بالتقلّبات التي وصلت إليها العلاقات الاجتماعية، تبدو قراءة الوصية
المُتعلّقة باكرام الوالدين في أيامنا، محاولة لا فائدة لها، إن لم تكن يائسة في
بعض البلدان. ثم إن الطابع المكثّف للتعبير يجعل فهم هذه الوصيّة صعبًا. لهذا
سنجعلها في إطار أوسع من النصّ المباشر. سنجعلها في إطار الكتاب المقدّس ككل. ومع
هذا، أي تعليم. ستقدّمه لنا هذه الوصيّة المتعلّقة باكرام الوالدين؟ أما يجب علينا
أن نعود نحن المسيحيّين إلى العهد الجديد ونكتفي به؟ ولكن جذور الوصيّة عميقة جدًا،
لا في التوراة، بل في العالم الشرقي. نبدأ في العالم الشرقيّ وفي التوراة. وفي
النهاية، نتأمّل في نصوص العهد الجديد.
1- مفاجآت
نجد في نص الوصايا أوّلاً سلسلة من المحرّمات تتوجّه إلى كل مؤمن. وفجأة تتّخذ
الوصيّة عن الوالدين نبرة إيجابيّة: "أكرم أباك وأمّك، لكي تطول أيامك في الأرض
التي يعطيك الرب إلهك إياها" (خر 20: 12). أما النسخة الثانية لنص الوصايا، نسخة
سفر التثنية (16:5)، فلا تختلف في العمق عمّا نقرأه في سفر الخروج، ولكنها تقدّم
نصًا أوسع: "أكرم أباك وأمّك، كما أمرك الرب إلهك، لكي تطول أيامك وتصيب خيرًا
(تكون سعيدًا) في الأرض التي يعطيك الرب إلهك إياها".
فإن تركنا الآن جانبًا الاختلافات بين النصين، يقدّم لنا تعبيرُ الوصيتين عدَّة
مفاجآت.
أولاً: نحن لا نجد تحريمًا يشير إلى عمل محدّد، بل تعبيرًا إيجابيًا: أكرم أباك
وأمّك. وهذه الخصوصيّة تجعل الوصيّة على الوالدين قريبة من الوصيّة على السبت التي
تشبهها.
ثانيًا: يتبع الوصيّة بركة يَعد بها الكتاب الذين يحفظونها، وهذه ظاهرة فريدة في
نصّ الوصايا.
ثالثًا: تتوجّه الوصيّة إلى أشخاص بالغين لا إلى أولاد، لأنّ مجمل الوصايا تبدو
بشكل نداء اليهم. إذن، لا نستطيع أن نقول بسهولة، كما يُظنّ عادة، أنّ الوصيّة
تتوجّه حصرًا إلى أولاد. فان فعلنا، حصرنا البعد الحقيقي للوصيّة في إطار ضيّق.
وعلاوة على ذلك، إنّ موضع الوصيّة داخل مجموعة الوصايا، يحدّد موقعها بين فرائض
تتعلّق بالله (خر 3:20- 11: أنا الرب إلهك) وبين وصايا تتعلّق بالقريب (خر 20:
13-17: لا تقتل، لا تزن، لا تسرق). وهكذا تكون الوصيّة على الأهل نقطة اتصال بين
قسمَيْ نصّ الوصايا.
موضع فريد لهذه الوصيّة بين الوصايا، وهذا ما يتطلّب تفسيرًا. غير أن النصّ لا يقول
لنا بوضوح لماذا ينال الوالدان معاملة خاصة. بالإضافة إلى ذلك، فالمضمون العملي
للوصيّة لا ينكشف، لأنّ فعل "أكرم" يتضمّن سلوكًا عامًا يحمل تطبيقات متنوعة.
سنحاول أن نبحث في الكتاب المقدّس لنحدّد الموقف الذي نتّخذه تجاه الوالدين. وبعد
هذا نعود إلى الطريقة التي بها عبّر النصّ عن هذه الوصيّة.
2- الواجبات تجاه الوالدين
يستحيل علينا أن نبحث في كل الأسفار المقدّسة عن الموقف الذي يجب أن يقفه المؤمن
تجاه والديه. ولكننا سنختار بعض النصوص منطلقين من سفر الأمثال الذي يجمع في أقوال
قصيرة مأثورة، حكمة تهتمّ بالعلاقات داخل الأسرة.
اليك كيف يصوّر أم 2: 20 سلوكًا مخطئًا تجاه الوالدين: "من لعن أباه وأمه انطفأ
سراجه وسط الظلمات". فإذا كانت لعنة الانسان لوالديه خاطئة، فلأنها تكشف عمق كيانه:
فالذي يلعن يدخل في منطق رهيب يقود من الشرّ إلى الشقاء، وقد يجرّ على نفسه اللعنة
التي نادى بها للقريب: "أحبّ اللعنة فأدركته. ما أراد أن يبارك فابتعدت عنه البركة"
(مز 109: 17).
مثل هذا الموقف يشكّل انجذابًا إلى الشرّ يتعدّى الوالدين وحدهما: "رُبّ جيل يلعن
أباه ولا يبارك أمّه" (أم 30: 11): موقفان مترادفان. ومثل هذا السلوك الخاطئ يجد
عقابه بالحرمان من النسل. ينطفئ سراجه.
ويُبرز أم 30: 10 موقف الانسان الذي يزدري بوالديه ويحتقرهما: "(الانسان) الذي
يستهزئ بالأب ويرفض الطاعة الواجبة للأم تفقأ غربانُ الوادي عينه وتأكله النسور".
ويحذّر مثل آخر ذلك الذي يضع يده على مال والديه: "الذي لا يرى معصية في عمله حين
يسلب أباه وأمّه، هو شريك اللصوص" (أم 28: 24). هو لص وسارق. مثل هذه الأعمال ليست
أعمال أولاد بل أناس ناضجين تعدّوا على والديهم بعد أن تقدّموا في العمر: "إسمع
لأبيك الذي ولدك، ولا تستهن بأمّك إذا شاخت" (أم 23: 22).
وهناك أقوال أخرى تحمل لهجة إيجابيّة وتقدّم المثال الذي تعرضه الحكمة: الابن البار
والحكيم يُفرح والديه. وللوصول إلى هذه الحالة، عليه أن يتقبّل تربية الوالدين، وإن
قاسية. ولكن هذه الأقوال تتوجّه إلى الوالدين لا إلى الأولاد.
"أدّب ابنك فيريحك ويهب لنفسك المسرّة" (أم 29: 17). "الابن الحكيم يسرّ أباه، يعكس
تربية أبيه، والابن الساخر لا يسمع التأنيب... من يوفّر (لا يستعمل) عصاه يبغض ابنه
(يدلّ على أنه لا يحبّه)، ومن يحبّ ابنه يبتكر إلى تأديبه" (أم 13: 1- 24).
ويصطدم التأديب الذي يعطيه الأهل بحريّة الشاب اليوم كما في الماضي. ولهذا يأخذ سفر
الأمثال الأسلوب الشَرطي، فيدلّ على أمل الوالدين بأن يكونوا قد ربّوا ولدًا يعرف
كيف يقود نفسه بنفسه. "يا بني، إن كان قلبك حكيمًا يفرح قلبي أنا أيضًا، ويبتهج
كياني (حرفيًا: كليتاي، مركز العاطفة) اذا نطقت شفتاك بالاستقامة" (أم 23: 15)
ويتّخذ الأب لهجة التحريض: "يا بُنيّ كن حكيمًا وفرّح قلبي، وإن عيّرني أحد أقحمته
بكلمة" (أم 27: 11).
نحسُّ هنا بقلق الوالدين، وهو قلق عرفته كل الأزمنة. أما يجب على الابن أن يرفع رأس
والديه حين يدلّ بسلوكه على التربية التي حصل عليها. فإن لم يفعل، كان سلوكه
السيِّئ، توبيخًا متواصلاً لهما تعود مسؤوليته إلى الوالدين اللذين تهاملا في
تربيته. مقابل هذا، نجد عدّة أقوال تعبّر عن فرح الوالدين الذين يكتشفون ما صار
إليه الذين انجبوهم: "أبو البار يرقص ابتهاجًا، ووالد الحكيم يفرح به. فليفرح أبوك
وأمّك، ولترقص فرحًا تلك التي ولدتك" (أم 23: 24- 25). "الابن الحكيم يسرّ أباه،
والابن الجاهل غمّ لأمّه" (أم 10: 1).
إن أراد الابن ان يُفرح والديه، سمع لهما وتعلّم منهما ما يتيح له بأن يكون حكيمًا
وصالحًا (وصادقًا في تصرفاته، صدّيقًا). دور الوالدين هو دور المربِّين، غير أن
الأمثال لا تدخل في تفاصيل تربيتهم. وهذا واضح بصورة خاصة في النصوص المتأخرة التي
تقدّم لنا تحريضًا عامًا لا يصل بنا إلى أمور محدّدة. "اسمع، يا بُني، تأديب أبيك،
ولا تحتقر تعليم أمّك" (أم 1: 8). قد يكون مثل هذا النداء، تحذيرًا في أمور ملموسة،
ولكن يتعدّاها ويتجاوزها إلى مجمل الحياة.
وهكذا يشدّد سفر الأمثال على الموقف الذي يتّخذه الابن البالغ من والديه، على
التربية التي يقوم بها الوالدون تجاه أولادهم ليصلوا إلى مرحلة النضج ويعرفوا كيف
يتصرّفون. وهكذا نكون تجاه مسؤولية متبادلة. من جهة، يكون الانسان مسؤولاً عن
والديه، ولاسيّما حين يتقدّمون في العمر. ومن جهة ثانية، الوالدان مسؤولان عن تربية
أولادهما وإن لم تكن النتيجة دومًا على قدر آمالهما.
3- الوالدون والابناء تجاه الشريعة
ما تقوله أسفار الحكمة عن العلاقات بين الوالدين والأبناء، لا ينحصر فيها. فنحن نجد
في النصوص التشريعيّة ادراكًا لهذه العلاقات. فإذا أردنا أن نكتشفها، نعيد قراءة
الوصيّة على الوالدين في تعبير تث 5: 16 الذي يحيلنا إلى تشريع سابق: "كما أمرك
الرب إلهك".
إذا بحثنا عن الأمر الذي أحيل إليه القارئ، نجد الفرائض القديمة التي نقرأها في سفر
الخروج: "من ضرب أباه أو أمّه فليُقتل قتلاً" (خر 21: 15). "من لعن (سبّ، شتم) أباه
أو أمّه، فليقتل قتلاً" (خر 17:21).
نلاحظ أنّ الفرائض القديمة في سفر الخروج تندّد بأعمال سيّئة يقوم بها الانسان
البالغ تجاه والديه، فيعاقَب عليها عقابًا لا ينطبق على أولاد صغار. وهكذا نلتقي
بما اكتشفناه في سفر الأمثال.
ولكن وصيّة تث 5: 16، وإن عادت بنا إلى فرائض سفر الخروج، فهي تتبنَّى عبارة
إيجابيّة عامّة، ولا تحدّد عملاً ملموسًا تمنعه أو تدعو إليه. هنا يطرح السؤال
التالي: أي تأثير جعل النصَّ ينتقل من تعبير سلبي محدّد إلى تعبير إيجابي عام؟ هل
نستطيع أن ندرك هذا التطوّر؟ سنحاول.
نلاحظ أوّلاً أنّ الوالدين يلعبون في إطار الشرع العائلي دورًا قانونيًا تجاه
أولادهم المتزوّجين. ويعرض سفر التثنية حالتين تدلاّن على أنّ السلطة الوالدية لا
تمارَس فقط تجاه الأولاد، بل أيضًا تجاه البالغين. ففي تث 22: 13- 21 يتدخّل
الوالدان مع ابنتهما التي تزوجت حديثًا: إن اتُّهمت بأنها لم تكن عذراء، يدافع عنها
والدها أمام المحكمة، أمام الشيوخ. وإن ربح الوالدان الدعوة أدَّب شيوخ المدينة
عريسها الذي اتهمها. وإن كان الأمر صحيحًا ولم توجد الفتاة عذراء، تُقتل الفتاة على
باب أبيها. لا ننسى أننا في عالم قبلي قديم، وأن شريعة الغفران المسيحيّة لم تزل
بعيدة. ولكن هذا يدلّ على مسؤولية الوالدين على مستوى التربية. زنت في بيت أبيها
فعلى باب بيت أبيها تموت. ومسؤوليتهما على مستوى مرافقة أولادهما واجبة حتى في عمر
الشباب، أقلّه على مستوى النصح والارشاد.
والحالة الثانية هي حالة الولد المتمرّد الذي يرفض أن يسمع لوالديه ويطيعهما (تث
18:21- 21). إن لم يستطيعا إعادته إلى طريق الصواب يقدّمانه أمام محكمة الشيوخ
الذين يحكمون عليه بالاعدام. مثل هذا العقاب يصيب الابن العاصي المتمرّد الذي يبدّد
الارث الأبوي. كم نحن في خطّ ما نعرفه عن ملكة فرنسا التي قالت لابنها القديس لويس
(التاسع): "أفضّل أن أراك ميتًا على أن ترتكب خطيئة واحدة مميتة"!
هذان المثلان المأخوذان من سفر التثنية، يدلاّن على مدى علاقات الوالدين بأولادهم.
وإن كنا أمام حالتين تجعلاننا في أقصى الحدود، إلاّ أنهما تبيّنان أنّ السلطة
الوالدية كانت تجد لها سندًا قويًا في إطار المجتمع. ونستطيع أيضًا أن نبيّن أن هذه
السلطة الوالدية توازي سلطة الكاهن أو سلطة القاضي، لأنّ من رفض أن يخضع لهاتين
السلطتين يُقتل هو أيضًا قتلاً (تث 12:17: من لم يسمع من الكاهن أو من القاضي
فليقتل).
ولكنّنا نخطئ إن حصرنا السلطة الوالدية بدور قانوني. فهذه السلطة هي في سفر
التثنية، في خدمة شريعة الله التي تنتقل من جيل إلى جيل بواسطة الوالدين. فإن كان
موسى قد مارس وظيفة تعليميّة تجاه شعبه الذي أخرجه من مصر، فسلّم إليه شرائع
وأحكامًا يمارسها في الأرض الموعودة وتطول أيامه (تث 6: 2)، فانتقال هذه الشرائع
والأحكام يتمّ في كل جيل بواسطة الوالدين الذين يعلّموها لأولادهم. هذا ما قاله
الله لموسى حين طلب منه أن يجمع الشعب: "أسمعهم كلامي لكي يتعلموا أن يخافوني
(يتعلموا مخافتي) ما داموا على الأرض ويعلّموا بنيهم ذلك" (تث 4: 10).
في هذا الاطار الذي يذكّرنا بظهور الله على جبل حوريب (أو جبل سيناء)، يعلن موسى
على الشعب عطيّة الكلمات العشر أو الوصايا العشر (تث 13:4: الكلمات العشر التي
كتبها على لوحين). في هذه الظروف، لن نندهش إن شدّد سفر التثنية على دور الوالدين.
وإليك ما حدّد موسى لهما من مهمّة: "فاجعلوا كلماتي هذه في قلوبكم... وعلّموها
بنيكم. تقولونها لهم إذا جلستم في بيوتكم وإذا مشيتم في الطريق وإذا قمتم وإذا
قمتم. واكتبوها على دعائم أبواب بيوتكم وعلى مداخل مدنكم، لكي تكثر أيامكم (تطول
حياتكم) وأيام بنيكم على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيهم إياها، كأيام
السماء على الأرض" (تث 11: 19- 21).
نلاحظ في هذا النصّ وفي نصوص أخرى (تث 31: 12-13: ويسمع بنوهم فيتعلّموا مخافة الرب
كل الأيام) أن حفظ كلمات الله التي نقلها موسى، يرافقه وعد بالبركة يشبه وعد من
يكرم والديه: "لكي تكثر أيامك (تطول حياتك) وتكون سعيدًا في الأرض التي أعطاك الرب
إلهك إياها" (تث 5: 16). وهكذا تستعيد الوصيّة ما وُعد به بصورة عامّة في جزء من
كرازة سفر التثنية على الشعب.
وإذا انتقلنا إلى المزامير، نرى أيضًا دور الوالدين واضحًا في عمليّة نقل كلمات
الله وأعماله: "ما سمعناه وعرفناه، وما أخبرنا به آباؤنا، لا نكتمه عن بنيهم، بل
نخبر به الجيل الآتي. نخبرهم بألقاب الرب المجيدة، بقدرته، بعجائبه التي صنع" (مز
78: 3-4).
يدلّ المرنّم (صاحب المزامير) بطريقته على أهميّة وضرورة نقل التقليد الايماني في
شعبه. لاشكّ في أن الوالدين ليسوا وحدهم في هذه المهمّة، ولكنهم يلعبون فيها الدور
الأوّل. ونجد أفضل صورة عن هذا النقل في الحياة اليومية حين يطرح الولد على والديه
سؤالاً حول ممارستهما كمؤمنين. هناك نصوص عديدة مثل خر 12: 26-27: "واذا سألكم
بنوكم: ما هذه العبادة؟ تقولون". وخر 13: 14: "واذا سألك ابنك: ما هذا؟ تقول له".
وفي يش 4: 6، 21: "فإذا سألكم غدًا بنوكم... تقولون لهم".
ولكن أفضل مثال هو تث 6: 20-24: "واذا سألك ابنك غدًا قائلاً: لماذا هذه الأوامر
والفرائض والأحكام التي أمركم بها الرب الهنا؟ فقل لابنك: إننا كنا عبيدًا لفرعون
بمصر، فأخرجنا الرب منها بيد قويّة. وصنع الرب آيات وأخرجنا من هناك لكي يدخلنا
ويعطينا الأرض التي أقسم عليها لآبائنا. فأمرنا الرب بأن نعمل بهذه الفرائض كلّها
ونخاف الرب لكي نكون سعداء كل الأيام ويحفظنا على قيد الحياة كما نحن اليوم".
وهكذا ينقل الآباء إلى بنيهم معرفة التقليد الإيماني الذي تسلّموه وتعلّموه وحفظوه
قدر استطاعتهم. فإذا كان نص الوصايا يطلب من الأولاد أن يكرموا والديهم، فليس ذلك
بالدرجة الأولى لأنّهم أعطوهم الحياة، بل لأنّهم كانوا بالنسبة إليهم هؤلاء الذين
نقلوا إليهم شريعة الله وأخبروهم بالمعجزات التي صنعها الله لشعبه. لاشكّ في أنّ
الوصيّة على الوالدين تبقى عامّة، ولكنّها تتضمّن في تعبير واحد الموقف الملموس
الذي يقفه الأولاد تجاه والديهم، وعرفانهم لجميل الذين نقلوا إليهم الايمان الذي
تسلّموه.
إنّ التعبير الايجابي عن الوصيّة وكأنّها في نص الوصايا نفهمها على أثر تطوّر وعى
فيه الشعب دور الوالدين على أنّهم ينقلون التقليد الحيّ، تقليد الجماعة المؤمنة.
فنحن لا نستطيع أن ننسى أنه لما هُجِّر الشعب من أورشليم سنة 587 ق م زالت كل النظم
المدنية والدينية، فاستطاع الوالدون وحدهم أن يحافظوا على هويّة الشعب الدينية
بنقلهم الشريعة وتعاليمها إلى أبنائهم.
4- الاكرام والمخافة
ويربط نص من سفر اللاويين مخافة الوالدين بحفظ يوم السبت. "ليهَب (ليخف) كل انسان
أمّه وأباه، واحفظوا سبوتي" (لا 19: 3). إنّ هذا التعبير قريب نسبيًا من الوصيّة
المتعلّقة باكرام الأهل في نص الوصايا. ولكنّه يجمعها مع حفظ السبت. إذا قابلنا هذا
النصّ بنصّ الوصايا، نرى أنّ الوصيّة على الأهل تسبق الوصيّة على السبت. وهذا ليس
من قبيل الصدف. فالنصّ يقول إنّ الأولاد الذين يعترفون بسلطة والديهم سيحفظون
ولاشكّ وصيّة السبت. فالسبت هو اليوم الذي فيه يحتفل المؤمن بأعمال الله، هو يوم
مكرّس للمديح والصلاة. وبعد المنفى كانت الخليّة العائليّة الاطار الأضمن لحفظ
السبت. ونحن نفهم ضمّ هاتين الوصيتين انطلاقًا من دور الوالدين كما تقول نصوص سفر
التثنيّة. فإن كان نصّ الوصايا قد جعل الوصيّة على الأهل بعد الوصيّة على السبت،
فهذا عائد إلى ترتيب النصّ الداخلي الذي يتحدّث أوّلاً عن الله. تلعب الوصيّة على
الأهل دورًا يتوسّط الوصيّة على السبت التي تعني الله (السبت هو للرب، تث 5: 14)
وسائر المحرّمات التي تعني القريب (تث 5: 17- 21).
ولكن تبقى اختلافة واحدة بين تعبير لا 3:19 وتعبير تث 5: 16. الأوّل يستعمل فعل
"خاف، هاب". والثاني فعل "أكرم". في الحالة الأولى نعطي الفعل معنى "احترم، أجلّ".
ولكن هذا لا يكفي. فلا ننسى أنّنا نجد مرارًا في النصوص البيبليّة عبارة "خاف
الله"، وأن هذه العبارة تدلّ على موقف الأمانة الواثقة بالله وبإرادته. فإذا كان
الأهل هم الذين ينقلون إلى أبنائهم التقليد الحيّ عن الله، فلا نستطيع أن نحوّل
موقف الأولاد إلى احترام بشريّ بسيط. ولكن يجب أن نرى في احترام الوالدين طريقة
ندلّ بها على أمانتنا لله.
قد نندهش من هذا الرباط نقيمه بين الله والوالدين من جهة الأولاد، ولكن النصوص التي
أوردناها قد أوصلتنا إلى هذه النتيجة. وهذا ما يتوضّح لنا حين نحاوله أن نفهم لماذا
ظهر فجأة فعل "أكرم" في الوصيّة على الوالدين (تث 5: 16). يشهد الكتاب أننا إن
استطعنا أن نكرم البشر ولاسيّما الرؤساء، فهذا الموقف يوافق بصورة خاصة الله الذي
نكرمه بالدرجة الأولى. من هذا القبيل يدعو المرنّم جماعة المؤمنين ليمجّدوا الله،
ليكرموه، ليخبروا باسمه (مز 22: 24؛ 86: 12). غير أن الاكرام الذي نقدّمه إلى الله
يمر عبر عمل نقوم به تجاه القريب. يقول أم 14: 31: "من يظلم الفقير يهن خالقه، ومن
يرحم المسكين يكرِّم خالقه".
وكما يُطلَب من المؤمن أن يكرّم يوم السبت ويمجّده (أش 13:58)، كذلك يدعى الابن إلى
تكريم والديه كما يكرّم الله، لأنّ معرفة الله جاءت إليه على أيديهما. وكذا يكون
فعل "أكرم" أقوى من فعل "خاف"، مع أن هناك نصوصًا يرد فيها الفعلان بشكل متواز (أش
13:29: يكرّمني بشفتيه... ومخافته لي). ومهما يكن من أمر، فاستعمال الفعل في تث
16:5 يكشف لنا مدى تعبير الوصيّة على الوالدين. فعبر إيجازها، هي تشدّد أيضًا على
مسؤولية الوالدين تجاه أولادهم، وهذا ما يجعلنا مع إحدى مفارقات هذه الوصيّة.
5- الوصيّة في الأزمنة المتأخّرة
هذا هو البُعد الحاسم للوصيّة على الوالدين، ونحن نمتلك عنها شهادات بيبليّة تسند
التفسير الذي قدّمناه. فالنصوص التي سوف نوردها تفترض أن نصّ الوصايا قد أعلن،
فتكون شهادة لهذه الوصايا فريدة من نوعها.
النص الأوّل نقرأه في ملاخي (1: 6) الذي يرفع اتّهامًا على الكهنة. برهان النبيّ
مهمّ جدًا بالنسبة إلينا. وهو يقول: "الابن يكرم أباه والخادم يخاف سيّده". فالله
الذي هو أب وسيد، ألا يحقّ له أن ينتظر من الكهنة الاكرام والمخافة حين يقومون
بخدمتهم في الهيكل. نقطة انطلاق البرهان هي الوصيّة على الوالدين، ولكن النصّ يهمنا
في أنه يوازي بين الاكرام والمخافة، كما اكشتفنا ذلك حين قابلنا لا 3:19 وتث 16:5.
وهو يقابل أيضًا بين موقف الابن تجاه أبيه وموقف الكهنة تجاه الله نفسه.
ولكننا نجد أفضل تفسير للوصيّة على الوالدين في سفر يشوع بن سيراخ الذي دوّن في
القرن الثاني ق م:
يا بني اسمعوا لنصائح أبيكم، واعملوا هكذا لكي تخلصوا.
فالرب يكرم الأب في أولاده ويثبت حق الأم على بنيها.
من أكرم أباه كفّر عن خطاياه ومن عظّم أمه كان كمن يجمع الكنوز.
من أكرم أباه سرّ بأولاده وفي يوم صلاته يستجاب له.
من عظّم أباه طالت أيامه ومن أطاع الرب أراح أمّه.
يخدم والديه كسيدين له.
في العمل والقول أكرم أباك لتأتي عليك البركة من فوق.
يا بني، أعن أباك في شيخوخته ولا تحزنه في حياته.
كن مسامحًا وإن فقد رشده ولا تهنه وأنت في كل قوّتك.
فإن الاحسان إلى الأب لا يُنسى فيكون لك بيتٌ جديدٌ بدل خطاياك.
في يوم ضعفك تذكَّر وكالجليد في الصحو تذوب خطاياك.
من خذل أباه كان كالمجدّف ومن أغاظ أمّه فلعنة الرب عليه" (سي 3: 1- 5، 12-16).
هذا الاكرام الواجب للوالدين يعود إلى مهمتهم في نقل تقاليد الآباء إلى البنين.
لهذا فالابن الذي يسمع نصائح والديه يكون وكأنّه يسمع الله نفسه. الخلاص والفرح
والبركة وطول الأيّام ترتبط بالله كما ترتبط بالوالدين. ويوازي النصّ موازاة
حقيقيّة بين "اكرام الأب" و"الطاعة للرب". وإن الله يذيب خطايا الابن بسبب موقفه
تجاه والديه.
وفي مقطع آخر من ابن سيراخ نرى أنّ الاكرام الواجب للوالدين يتأسّس على الحياة التي
أعطياها.
"أكرم أباك بكلّ قلبك ولا تنسى آلام أمّك.
أذكر أنك منهما وُلدت، فبماذا تكافئهما على ما صنعا لك" (سي 27:7- 28):
لا نجد هذا الموضوع إلاّ في النصوص المتأخّرة ولاسيّما في سفر طوبيا. حين أعلن
طوبيت المريض والمسن توصياته الأخيرة لابنه الذي يرسله في مهمّة، قال له: "أكرم
والدتك ولا تتركها جميع أيّام حياتها. واعمل كل ما يسرّها، ولا تحزن نفسها بأي أمر
كان. أذكر، يا بني، المخاطر التي تعرضت لها وأنت في أحشائها" (طو 4: 3-4).
وبعد هذه السلسلة الأولى من التوصيات، نقرأ دعوة إلىِ خدمة الله والتعبّد له
بأمانة: "واذكر الرب، يا بني، جميع أيامك. ولا ترضَ بأن تخطأ وتتعدّى وصاياه. إعمل
أعمال البر جميع أيام حياتك، ولا تسلك سبيل الاثم" (طو 5:4).
إن التقوى البنويّة ترافق ممارسة الوصايا. وفي إطار وصيّة الأب لابنه، يبدو من
الطبيعي أن يُجمَع الاكرام الواجب للوالدين مع وصايا الله.
تقدّم لنا هذه النصوص تفسيرًا حقيقيًا للوصيّة على الوالدين، وتبيّن أنه كان لهذه
الوصيّة صدى واسع في المجتمع اليهودي في القرنين الأخيرين قبل المسيحيّة. إذن، لم
تقم الوصيّة في نصّ الوصايا لتذكّر الأولاد فقط بالاحترام الواجب للذين أعطوهم
الحياة، فهذا ما نجده منذ قديم الزمان في نصوص مصر وبلاد الرافدين. ولكن النصوص ترى
دور الوالدين على ضوء وحي الله الذي ينقل شريعته إلى موسى، فيتسلّم الأبناء هذا
الارث عبر شهادة الوالدين.
"أكرم أباك وأمّك". تتضمّن هذه الوصيّة بالنسبة إلى الأولاد أن يقرّوا برسالة
والديهم. هذه هي الفكرة الأساسيّة التي تشرف على وصيّة تتوجّه إلى الوالدين كما
تتوجّه إلى الأولاد.
6- يسوع ووصيّة اكرام الوالدين
حين ننتقل من التوراة إلى العهد الجديد نكتشف ما آلت إليه الوصيّة على الوالدين،
نجد نفوسنا أمام مفارقة. فالاناجيل تؤكّد أنّ نص الوصايا احتفظ بكل أهميّته في نظر
يسوع. فحين أورد الانجيليّون لقاء يسوع بالشاب الغنيّ (مت 19: 16- 30؛ مر 10: 17-
31؛ لو 18: 18- 30) ذكر آخر فرائض الوصايا، أي تلك التي تعني القريب، وزاد في
النهاية: "أكرم أباك وأمّك" (مت 19:19). وفي مت 15: 1-9 (رج مر 7: 1-13) ذهب يسوع
أبعد من ذلك فدافع عن وصيّة اكرام الوالدين ضدّ تقاليد الآباء. اتّهم معارضوه
تلاميذه بأنّهم لا يوقّرون تقليد الشيوخ، فأجاب يسوع: "وأنتم لمَ تتعدّون وصيّة
الله باسم تقاليدكم. فلقد قال الله: أكرم أباك وأمّك. وأيضًا: من لعن أباه وأمّه
فليقتل قتلاً" (خر 17:21). وأما أنتم فتقولون: من قال لأبيه أو أمّه: إن ما تنتفع
به مني هو قربان، لهذا لم يعد ملتزمًا بأن يكرّم أباه وأمّه. وهكذا تبطلون كلمة
الله باسم تقليدكم" (مت 15: 4-6).
يدافع يسوع، في هذا النص، عن الوصايا العشر. ويؤكّد على حقوق كلمة الله ضد تقليد
الشيوخ. وهكذا يقول يسوع ما قالته الوصيّة: "أكرم أباك وأمّك". ففي إطار الخبر
الانجيلي تتوجّه الوصيّة إلى البالغين الذين يكرّسون لمنفعة الهيكل مالاً يحتاج
إليه والدوهم.
وتسطع المفارقة الانجيليّة بصورة خاصة حين تنتقل إلى نصوص يؤكّد فيها يسوع: "من
أحبّ أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقّني" (مت 37:10؛ لو 14: 26). أو: "لا تظنوا
أني جئت لأحمل إلى الأرض سلامًا. ما جئت أحمل السلام بل السيف، جئت أفرّق الرجل عن
أبيه، والابنة عن أمّها، والكنّة عن حماتها" (مت 10: 34-35؛ رج مي 6:7؛ لو 21:
51-53). كيف تتوافق مثل هذه الكلمات مع وصيّة عرفها يسوع وقبل بها؟
المفارقة حاضرة، ولكننا نفهمها إذا تذكرنا، فيما نتذكّر، أن دور الوالدين هو أن
ينقلوا كلمة الله إلى أولادهم. وتجاه وحي يحمله يسوع كمرسل الآب، قد تشكّل الرباطات
العائلية عائقًا، لأن الوالدين يستطيعون أن يمنعوا أولادهم من أن يصيروا تلاميذ
يسوع. لهذا، قد يكونون أشخاصًا لا يقومون بالدور المسلَّم اليهم بالنسبة إلى
الانجيل الذي يحمله يسوع. حين انتقل الوالدون من العهد القديم إلى العهد الجديد،
ودورهم أن ينقلوا كلمة الله، واجهوا الكلمة الذي صار بشرًا. وحسب الخيار الذي
يتّخذونه، قد تولد توتّرات داخل الأسرة الواحدة. فصليب يسوع هو علامة خلاف قد يبلبل
العلاقات بين الوالدين والأولاد كما حدّدها العالم اليهوديّ.
ولكنّنا لا نجد المفارقة الانجيليّة أيضًا بالقوة عينها في الجماعات المسيحيّة
الأولى. والسبب بسيط جدًا: فحين توجّه الرسل إلى الوالدين والأولاد، كانوا كلّهم
تلاميذ يسوع المسيح. فإن وُجدت توترات داخل الأسر من وجهة الايمان المسيحي،
فالرسائل الرسوليّة لا تتحدّث عنها. وهكذا لا تتردّد الرسالة إلى أفسس من أن تستعيد
نصّ الوصايا العشر في النصائح المعطاة للأولاد والوالدين: "وأنتم أيّها الأولاد،
أطيعوا والديكم في الرب، فإن ذلك عدل. أكرم أباك وأمّك، تلك هي الوصيّة الأولى التي
يرافقها وعد: لكي تكون لك السعادة والعمر الطويل على الأرض (تث 5: 16). وأنتم أيّها
الآباء، لا تحنقوا أولادكم، بل ربّوهم بالتأديب والموعظة في الرب" (أف 6: 1- 4؛ رج
كو 3: 20- 21).
إن الرسالة لا تتردّد في أن تستعيد الوصيّة كما وردت في نصّ الوصايا العشر. غير
أننا لا نستطيع أن نفصل عنها الدور المعطى للوالدين الذين سيلجأون في تربية أولادهم
إلى نصائح الرب المربي الحقيقي لأولادهم. بل إن كل مسيحي كما تقول الرسالة إلى
العبرانيين (12: 4-12؛ رج أم 3: 11- 12) يجد مربيه في الله الذي يريد أن يجعل منه
ابنًا حقيقيًا له. من هذا القبيل، لم يعد من تفوّق من الوالدين على الأولاد، لأنّهم
كلّهم يقرّون بأب واحد هو الذي في السماوات، ومنه ينالون الحياة والقداسة.
الفصل الرابع والعشرون
الغريب في التقليد الكتابي
يعلن أحد البنود القديمة في الشريعة: "لا تضايق الغريب. أنتم تعلمون ما يشعر به
الغريب، فإنّكم كنتم غرباء في أرض مصر" (خر 9:23). هذا منطق بعيد عن الطبيعة
البشريّة، لأنّ ردة الفعل الطوعيّة عند شعب عرف الضيق، هي أن يثأر من الضحايا التي
تصل اليها يده. إذن، ما الذي جعل التوراة تهتمّ بالوضع الصعب الذي يعرفه الغريب؟
كرازة الأنبياء وخبرة حياتهم مع الله.
1- شعب من الغرباء
نلاحظ أنّ وضع الغريب يعود إلى الخبرات الأساسيّة التي عرفها الشعب: قال الله
لابراهيم: "أترك أرضك وأهلك وبيت أبيك إلى الأرض التي أدلّك عليها" (تك 12: 1). حين
قال الله له هذا الكلام جعله انسانًا بلا وطن دون أن يجعله يستشفّ، يرى من بعيد،
الأرض التي سيقيم فيها. لاشكّ في أنّ ابراهيم ينتمي إلى احدى هذه القبائل الرحّل
الذين يقودون قطعانهم في الأطراف التي تفصل المناطق المروية والمزروعة عن المناطق
الصحراوية في سورية والجزيرة العربية. إذن، لم يكن لابراهيم أن يبدّل حياته. ولكن
يبقى أن عليه أن يترك منطقة تربطه بها رباطات وعادات. وأخبار سفر التكوين تعرف
وقائع يبدو فيها الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب، كغرباء يخضعون لارادة السكان
ورؤسائهم المقيمين في البلاد.
وإليك واقعة نموذجيّة: حين تفاوض ابراهيم مع عفرون الحثي ليحصل في حبرون على موضع
يدفن فيه سارة امرأته، قال: "أنا غريب أقيم فيما بينكم. أعطوني ملك قبر عندكم فأدفن
ميتي فيه" (تك 23: 4). ودفع ابراهيم أربع مئة مثقال ثمن مدفن له ولأبنائه. هل سيثبت
ابراهيم في هذا المكان؟ كلا. بل سيترك هو ونسله هذه المراعي التي اعتادوا إليه،
بسبب الجوع، وسينزلون إلى مصر تلك الأرض الغنيّة والدولة القويّة ذات الحضارة
المشرقة. ولكن العبرانيين لن يحسّوا يومًا أنهم منها، فلهذا سيطلبون الخروج منها.
وكان الرب قد أعلن لابراهيم بعد أن اختبر الاقامة في مصر قبل أن يخرج منها مذلولاً
(تك 12: 20): "إعلم يقينا أن نسلك سيكونون غرباء في أرض ليست لهم. هناك يستعبدونهم
ويذلّونهم أربع مئة سنة" (تك 15: 13).
ولن ينسى الشعب العبراني يومًا سنوات العبوديّة في مصر "بيت الاستعباد والتنّور
المهيّأ للحديد". وسيبقى المصريون أجيالاً وأجيالاً رمز الظلم والضيق. ونلاحظ في
قلب الشريعة وصيّة تتكرّر أربع مرّات بصورة احتفاليّة: "لا تظلم الغريب ولا تضايقه،
فإنكم كنتم غرباء في أرض مصر" (خر 20:22، 23: 9). ونقرأ في لا 19: 33-34: "وإذا نزل
عليكم غريب في أرضكم، فلا تظلموه. وليكن عندكم الغريب المقيم فيما بينكم كابن
بلدكم، تحبّه حبك لنفسك. تذكّروا أنّكم كنتم غرباء في أرض مصر: أنا الرب إلهكم
آمركم بهذا". ويقدّم لنا تث 18:10-19 مثال الله في تصرّفه مع الغرباء، ويدعو
المؤمنين إلى التشبه به: "الله ينصف اليتيم والأرملة ويحب الغريب النازل بينكم،
فيعطيه قوتًا وكسوة. إذن أحبّوا الغرباء الذين بينكم، فإنّكم كنتم غرباء في أرض
مصر".
الغريب يعيش خارج أسرته وخارج قبيلته، وهو بالتالي يحتاج إلى حماية الفرد أو
الجماعة. لا أرض له يقيم بها، ولا شريعة تحميه إلاّ شريعة الجيرة والضيافة. فأحبَّه
أيّها المؤمن، ولا تستغلَّه ولا تحرمه أجرًا يستحقّه.
هذا التشديد يدعونا إلى التفكير في تصرفاتنا. لا يكتفي المؤمن بأن يكرّر وصيّة لا
يمارسها الانسان بسهولة، بل يؤسّسها على خبرة حيّة ومؤلمة، يؤسّسها على تصرّف الله
نفسه الذي يهتمّ بالغريب كما يهتمّ باليتيم والأرملة.
حين يتذكّر العبرانيون مصر، يتذكّرون من جهة زمن شقاء عميق وضيق قاس. ومن جهة ثانية
عمل الله العجيب الذي جاء ليحرّر شعبه. وتأتي الشريعة فتدمج هذين التذكّرين في
تعبير واحد: تألمتم كثيرًا، ولكنّكم رأيتم الله الآتي ليحرّركم. فكونوا الآن شعب
الله الذي يحمل الخلاص. نحن هنا أمام مثَل تقدّمه التوراة عن التقابل بين اختبار
الله الذي ما زال حيًا، وبين شعور حقيقيّ تجاه الانسان وألمه.
ولقد احتفظ الشعب العبراني بوعي لجذوره على مر الأجيال. هذا ما يقوله نص ليتورجي
قديم يرافق تقديم البواكير (أول ثمار الأرض والحيوان)، نص هو شهادة إيمان: "كان أبي
أراميًا تائهًا، فنزل إلى مصر... فأساء إلينا المصريون وأذلّونا وفرضوا علينا
الأعمال الشاقة... فسمع الرب صوتنا ورأى شقاءنا... وأخرجنا من مصر وأعطانا هذه
الأرض". ويتابع المؤمن الحامل التقدمة صلاته: "والآن، هاءنذا آت ببواكير ثمار الأرض
التي أعطيتني إياها يا رب" (تث 5:26-10).
ويتابع كتيّب العيد تعليماته: "بعد هذا، تضعها (التقدمة) أمام الرب إلهك. وتفرح بكل
الخيرات التي أعطاك الرب إلهك لك ولبيتك". تفرح أنت واللاوي الذي لا يملك شيئًا بعد
أن جعل الربَّ قسمته وميراثه. تفرح أنت والغريب الذي يقيم بينكم (تث 26: 11).
إنطلق المؤمن مع ابراهيم من موطنه الارامي، فأقام على أرض أعطاه الله إياها. فعليه
أن يجعل الغريب يفرح معه بالفرح الذي يعطيه الله اياه.
2- تشريع من أجل الغريب
إن الاحساس بوضع الغريب وشقائه موضوع هام في كرازة الأنبياء. ونحن نجده متواترًا
عند إرميا في كلام معبّر: الغريب واليتيم والأرملة. قال الرب: "ان لم تظلموا الغريب
واليتيم والأرملة، فأنا..." (إر 7: 6). وقال أيضًا: "أحكموا بالعدل، أنقذوا من
المستغلين هؤلاء الذين يسلبونهم. لا تستفيدوا من ضعف الغريب واليتيم والأرملة (لا
تتحاملوا عليهم) لتأخذوا منهم ما يملكون" (إر 3:22).
ويطلب سفر التثنية من المؤمن أن يجعل عشر غلَّته بتصرّف اللاوي "الذي ليس له نصيب
وميراث معك"، وبتصرّف الغريب واليتيم والأرملة، فيأكلون ويشربون. إن فعلت هذا،
باركك الله في كل ما تقوم به من عمل (تث 28:14-29).
ويتابع سفر التثنية: "إذا حصدت حصادك في حقلك، فنسيت حزمة في الحقل، فلا ترجع
لتأخذها: أتركها للغريب واليتيم والأرملة. إن فعلت هذا باركك الله في كل ما تقوم به
من عمل. وإذا خبطت (فرطت) زيتونك، فلا تراجع (ترجع وتلتقط) ما بقي في الأغصان:
أتركها للغريب واليتيم والأرملة" (تث 19:24-21).
إنّ سفر التثنية يتجاوز هذه الاجراءات الإداريّة، ويهتمّ بادخال الغريب في قلب شعب
الله، يهتم باشراكه في إيمانه وفي التعبير عن هذا الايمان عبر شعائر العبادة.
نجد في أساس هذا الاجراء تأكيدًا ينبع من الايمان: "الله يحبّ الغريب" (تث 10: 18).
فاذا أردنا أن نفهم أهميّة هذا القول ووزنه، نتذكّر أنّ التاريخ العبراني وُلد في
حب الله لشعب اختاره. قال موسى: "أنما الله آباءك واختار نسلهم من بعدهم، وأخرجك من
مصر، فدل على حضوره بقدرته العظيمة" (تث 4: 37). وقال أيضًا: "تعلّق الرب بكم
واختاركم، لأنّه أحبّكم وأراد المحافظة على القسَم الذي أقسمه لآبائكم" (تث 7:
7-8).
الله يحب أبناء شعبه. ولكنّه يحب أيضًا الغريب المقيم وسط هذا الشعب. إذن، على
العبرانيين أيضًا أن "يحبّوا الغريب" (تث 10: 19).
وندلّ على هذا الحب بممارسات عملية: سخاء اعتدنا عليه تجاه اليتيم والأرملة، يمنعنا
من أن نأخذ ثوب الغريب رهنًا: "لا تحرّف حق الغريب واليتيم، ولا تأخذ ثوب الأرملة
رهنًا" (تث 24: 17). وأترك لهم ما بقي من قمح في حقل حصَدته، ومن عنب في كرم قطفته
(تث 24: 19-22). واجعل الغريب يشاركك في ثمر أرضك، وفي فرحك حين تحتفل بأعياد ربّك.
وحين جاءت أيام التهجير والمنفى، اكتشف الشعب العبراني أبعاد العالم والعدد الكبير
من الغرباء، فما عاد يستطيع أن يرذلهم من أفقه وتطلّعاته. فالصلاة الكبيرة التي بها
كرّس سليمان الملك الهيكل الذي بناه لله، هذه الصلاة التي دُوّنت بصيغتها النهائيّة
في وقت متأخّر، لم تنسَ الغريب، بل تركت له مكانًا في وسط شعب الله: "وكذلك الغريب
الذي ليس من شعبك، والآتي من أرض بعيدة من أجل اسمك... حين يأتي ويصلي في هذا
الهيكل، فاسمع أنت من السماء حيث تقيم، واستجب طلبات الغريب ليعرف (ويعترف) جميع
شعوب الأرض اسمك ويتّقوك مثل شعبك" (1 مل 8: 41-43).
تعبرّ التوراة هنا عن شموليّة حقيقيّة، سنرى مثلها حين يشفي اليشاع النبي نعمان،
رئيس الجيش الأرامي (2 مل 5: 1-19). وحين يتوجّه يونان ليدعو مدينة نينوى إلى
التوبة. وحين تصبح راعوت، الموآبية الغريبة، جدَّة الملك داود ومثال المرأة
الأمينة.
ولقد قال أش 56: 6-7: "وبنو الغرباء الذين ينضمّون إلى الرب ليخدموه ويحبوه
ويتعبّدوا له، كل من حافظ على السبت ولم ينتهكه وتمسّك بعهدي، آتي بهم إلي جبلي
المقدّس وأفرّحهم في بيت صلاتي، وتكون محرقاتهم وذبائحهم مرضيّة على مذبحي، لأن
بيتي يدعى بيت صلاة لجميع الشعوب".
يتحدّث النصّ هنا عن الغرباء المجهولين، الغرباء العابرين، لا أولئك المقيمين وسط
شعب الله. هؤلاء يتجنّبهم الناس (أش 43: 12؛ 61: 5) ولا يسمحون لهم بأن يتنعَّموا
بأي حق من الحقوق. كانوا يُمنعون من المشاركة في شعائر العبادة (خر 43:12)،
ويُحرمون من عدة منافع. بل كانوا يُحتقرون: لا تأكل شيئًا من الجيف وإنما تعطيها
للغريب الذي في مدنك (تث 14: 21). ولا يُعاملون كما يعامل القريب وابن القبيلة: "لا
تطالب قريبك في سنة الإبراء أو الاعفاء من الديون في السنة السابعة. أما الغريب،
فطالبه" (تث 15: 5). "لا تقرض أخاك بفائدة، أما الغريب فاقرضه بفائدة" (تث 23: 21).
وسيذهب حزقيال بعيدًا في هذا التمييز فيمنع الغرباء من الدخول إلى الهيكل: "لا يدخل
معبدي أي غريب (غير مختون)، لا يدخله غريب يقيم وسط شعبي" (حز 9:44).
تلك كانت ردّة فعل ضيقة، ذلك كان تصرّف الخائفين. أما نصّ أشعيا الذي قرأناه فقد
فتح باب بيت الله أمام جميع الشعوب. وقد قال النبيّ زكريا (8: 20-22) في هذا
المعنى: ستأتي شعوب أيضًا، سيأتي سكان مدن كبيرة، ويسير سكان الواحدة إلى الأخرى
قائلين: "لنذهب لاسترضاء الرب، والتماس الرب القدير". فيجيبونهم: "ونحن أيضًا
نذهب". وهكذا تأتي شعوب كثيرة وأمم قوية، تأتي إلى أورشليم لالتماس الرب القدير
واسترضائه.
لا نجد مركزًا تتجمّع فيه الشعوب إلاّ أورشليم، ولا مكانًا يكون فيه الله حاضرًا
إلاّ الهيكل. ولكن أورشليم لا ترفض أحدًا، والهيكل يجمع كل شعوب الأرض. وفي أسلوب
مختلف يصوّر حزقيال الأرض الجديدة المعدّة للقبائل الاثنتي عشرة، ويعطي الغرباء
موضعًا في أرض الرب فيقول: "تقسمون الأرض لكم وللغرباء الذين يقيمون في وسطكم،
والذين ولدوا بنين فيما بينكم، فتعاملونهم كابن البلد" (حز 47: 22). لاشكّ في أننا
أمام رؤية لا أمام تصوير واقع، ولكن هذه الرؤية اتّخذت شكل شريعة، اتّخذت سلطة كلام
الله.
3- آلهة غريبة، نساء غريبات
ولكن الواقع لم يتجاوب دومًا مع الأحلام. ولهذا سنجد عددًا من النصوص تعبّر عن
التخوّف من الغرباء. هذا هو الوجه البشري الذي نكتشفه في التوراة، والذي لابدّ له
أن يستنير بنداء الله كما أطلقه الأنبياء. هذا هو نقص العهد القديم، ونقصنا نحن
أيضًا. الذي سيكمّله العهد الجديد فيقول لنا: لم يعد هناك بعيد ولا غريب، بل صرنا
كلّنا قريبين بدم المسيح. هدم يسوع الحاجز الذي يفصل بين شعب وشعب، فصرنا كلّنا
أبناء وطن القديسين ومن أهل بيت الله (أف 2: 12-19).
عاش الشعب العبراني وسط شعوب أخرى، تارة في علاقات سلام، وطورًا في علاقات متوتّرة.
والغريب الذي يستقبلونه ويساعدونه هو أسر أو مجموعات صغير من المهاجرين الفقراء
الذين جاؤوا يطلبون ملجأ وقوتًا. هذا الغريب لا يخاف منه المؤمن، بل يعامله كأهل
البلد.
ولكن هناك غريبًا من نوع آخر، هو جموع تحافظ على ممارستها الدينيّة، وبالتالي تؤثّر
على نقاوة إيمان شعب الله. تشكّل خطرًا على شعب الله. لقد عرف العبرانيون هذه
التجربة وهذا التهديد، وهذا ما نكتشفه في الأسفار المقدّسة. مثلاً يتحدّث سفر
القضاة (2:14؛ 5:16، 18) عن "بنات الفلسطيين" (جماعة جاءت من الجزر اليونانية
وأقامت في خمس مدن على شاطئ ما يسمّى اليوم فلسطين) اللواتي ملن بقلب سليمان نحو
آلهة أخرى، نحو آلهة غريبة (1مل 11: 1-4؛ 2 مل 17: 35-38). فلن ندهش بعد ذلك إن
رأينا حركة اصلاح ديني يلهمها الأنبياء، ويعبّر عنها سفر التثنية. هذا الاصلاح حرّم
الزواج بين العبرانيين والغرباء: "لا تصاهر أحدًا من الحثيين والجرجاشيين... لا تعط
ابنتك لابنه، ولا تأخذ ابنته لابنك، لأنه يبعد ابنك عن السير ورائي (وراء موسى
وشريعة الله، وبالتالي الله) فيعبد آلهة أخرى" (تث 3:7-4).
وعلى أساس سفر التثنية تصرّف عزرا الكاهن بعد العودة من المنفى حوالي سنة 400 ق م.
قال أحد الشيوخ: "خالفنا إلهنا وأخذنا نساء غريبات. لنقطع الآن عهدًا على تسريح
جميع النساء وأولادهنّ" (عز 10: 2-3). كان إجراء قاس ولا انساني تصرّفت به الجماعة
الخائفة على دينها ولغتها وعوائدها. ولهذا كُتب سفر راعوت وحدّثنا عن تلك المرأة
الغريبة التي رفعت اسم الملوك في شعب الله.
وجاء المنفى سنة 587 ق م، فقلب الأمور رأسًا على عقب بصورة مأساويّة: هُجِّر
العبرانيون فصاروا غرباء. قال مز 137: 4: "كيف ننشد نشيد الرب ونحن في أرض غريبة"؟
وبا 3: 10: "لماذا يا شعبي، تشيخ في أرض الغربة".
وتتشعّب ردّات الفعل. تارة يثير مشهد الأوثان والآلهة الغريبة القرف والازدراء،
وطورًا تبرز الاتصالات المتعدّدة مع عالم موسع، عالم العظمة الفريدة التي يتمتع بها
الله الواحد كما يبرز إيمانًا نقّته المحنة فانتظر تجديدًا وإعادة بناء سيشارك فيه
"بنو الغرباء". قال أش 60: 10: "يا أورشليم، بنو الغرباء يبنون أسوارك". يتكرّس
الشعب لخدمة الرب. ويكون الغرباء الحراثين والكرامين (أش 61: 5).
ولكن الواقع اليومي لم يتجاوب دومًا مع هذه الآمال. فالعائدون من المنفى عادوا
وسقطوا في التجارب القديمة. وجدوا شعبًا هو مزيج من شعوب وثنية، فعادت بهم الزوجات
الوثنيات إلى عبادة الأوثان. ولهذا تدخل عزرا ونحميا والشيوخ فأعلنوا الشريعة
والغوا الزواجات مع النساء الغريبات. واجهت اليهوديّة عالمًا يتحدّاها، فانعزلت على
ذاتها لتدافع عن هويتها. وستبقى ممهورة بهذين الميلين العميقين: من جهة، الحاجة بأن
يؤكّد الشعب، بكل أعماله، انتماءه إلى الله الواحد. ومن جهة ثانية، النداء بأن
يتلاقى والبشريّة جمعاء في نشاطاتها الحيّة. ماذا سيختار؟ الانفلات أم الانفتاح؟
4- جدَّات يسوع الغريبات
تتضمّن بداية انجيل متى سلسلة نسب المسيح وفيها بالاضافة إلى مريم أربعة أسماء
نساء: تامار، راحاب، راعوت، امرأة أوريا (مت 1: 3-6). كانت راحاب من أريحا وراعوت
من موآب، وكانتا امرأتين وثنيتين وبالتالي غريبتين عن شعب الله. وكانت تامار، كنّة
يهوذا، وثنيّة هي أيضًا. كان موطنها عدلاّم فلم تكن من قبيلة الآباء (تك 38: 1-14).
والرابعة التي نجهل مولدها، تزوجت أوريا الحثي. السمة المشتركة بين هذه النساء
الأربع هي أنهن كنّ غريبات. وفي لائحة أجداد المسيح هذه، لا يذكر الانجيل إلاّ
اسمهنّ وما عملن في حياتهنّ. لماذا؟ لأنّ الأسفار المقدّسة احتفظت عنهنّ وعن
أمومتهنّ ذكرًا حيًا وأخبارًا أثَّرت في شعب الله. ولكن ما الذي حدا بالتقليد
الكتابي فاحتفظ بهذه النسوة في ذاكرته؟ الأمر واضح عند راحاب وراعوت، ويعبّر عنه
النصّ بوضوح: أرادتا أن تربطا مصيرهما بمصير شعب الله. وإذا كانت تامار قد أرادت أن
يكون لها ولد من نسل حميها يهوذا، فلأنّها آمنت بالمواعيد المعطاة للآباء (تك 38:
1-27).
لبست تامار ثوب الزانية وتصرّفت تصرّفاتها. أما راحاب فهي زانية معروفة في أريحا،
وإن مبادرتها تدلّ على لباقتها في محيط تعيش فيه (يش 2: 1-24). ولكن الخبر البيبلي
الذي يتوسّع مرتاحًا في حيلها، يُبرز الدافع الذي يجعل راحاب تقوم بهذه المغامرة:
إنه ايمانها. إيمان حقيقي يجعلها تدرك من خلال الوقائع يد الله وتعترف أن "يهوه
إلهكم هو إله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل" (يش 2: 11). وحين يقول سفر يشوع
إن بيت راحاب ظلّ في شعب الله إلى اليوم (يش 6: 25)، فهو يريد أن يبيّن فكرة هامّة:
إذا كان لهذه الغريبة مكان في شعب الله، فلأنّها آمنت. وهذا ما تقوله الرسالة إلى
العبرانيين مسجِّلة في لائحة المؤمنين العظام "راحاب الزانية" (عب 11: 31).
أما راعوت فلا نجدها في لائحة الرسالة إلى العبرانيين. ولكن التقليد لم ينسها، وهو
الذي كرَّس سفرًا كاملاً ليروي خبرها. خبر كله حنان وعاطفة. خبر فيه يتبارى الأشخاص
(نعمى، بوعز، راعوت) في الاستقامة والسخاء. ولكن بطلة الخبر هي غريبة، هي "راعوت
الموآبية" كما يسميها النص مرارًا (را 1: 22؛ 3: 2- 21؛ 4: 5-10) على خطى الرواة
الذين رووا الخبر. فهذه الموآبية تعلّقت بإله نعمى عبر حماتها التي أحبَّتها. قالت
نعمى لكنتها: "عودي إلى شعبك وإلهك". فما أرادت راعوت، بل قالت لحماتها: "حيث
تذهبين أذهب وحيث تقيمين أقيم. شعبك يكون شعبي وإلهك الهي" (را 1: 15-16). هذه هي
كلمات العهد، وهذه هي عباراته الاحتفاليّة: "أكون إلهكم وتكونون شعبي" (خر 19: 5؛
تث 26: 17-18؛ إر 31: 31-33؛ 32: 38). إن أمانة راعوت لنعمى ولعائلتها جعلتها تدخل
في قلب إيمان شعب الله. والله من جهته سيتجاوب مع هذا السخاء، فيعطي راعوت الموآبية
أن تكون جدّة داود الذي سيكون جدَّ المسيح.
وحين هتف أهل بيت لحم لراعوت ساعة اتّخذها بوعز زوجة له أمامهم، لم يكونوا يعرفون
بعد مجدها المقبل. ولكن يمكننا أن نتساءل: حين أشار كاتب الخبر إلى تامار، جدّة
بوعز، قرّب بين هاتين المرأتين اللتين انضمتا في إيمانهما إلى مصير شعب الله. قال
الحاضرون لبوعز: "ليكن بيتك مثل بيت فارص (جدك) الذي ولدته تامار ليهوذا، بفضل
النسل الذي يرزقك الرب من هزه المرأة (راعوت)" (را 4: 12).
وهكذا فهذه النسوة الأربع اللواتي سجّلهن الانجيلي في سلسلة نسب المسيح، لم يعدن
غريبات. ولكن بفضل عناد إيمانهنّ، وهو إيمان كان واحدًا في أساسه ومتنوِّعًا في
تعابيره، بفضل هذا الايمان، وجدن مكانهنّ في قلب شعب الله. والعبرة الكبرى في هذه
الاحداث ليست شجاعة هذه النسوة وحسب، بل قوّة الايمان الذي دخل في حياتهنّ فحرّكهن.
إنه إيمان الآباء عينه الذي قاد تامار إلى يهوذا فأعلن مُقرًا بخطأه: "إنها أبرُّ
مني، إنّها أقرب إلى إرادة الله مني" (تك 38: 26). فكأنه يقول بلسان القديس بولس:
"إنّها أكثر إيمانًا مني". فالايمان بإله موسى أملى على راحاب الموقف الذي اتّخذته.
وقد اعتنقت راعوت إيمان نعمى حين ظلّت مرتبطة بحماتها فلم تنصرف عنها. فالإيمان
يستطيع أن يدركنا رجالاً ونساء، والنص لا يذكر هنا إلاّ النساء، يدرك الغرباء
فيجعلهم يسيرون في طريق توصلهم إلى الله وتضمّهم إلى شعبه.
5- الغريب في الانجيل
أ- فهم ناقص
إذا توقّفنا عند الظواهر، شعرنا أنّ الغريب لا يمثّل في الانجيل إلاّ حيِّزًا
محدودًا. فالنصّ لا يتحدّث عنه، بل نظن وكأنّ يسوع لا يهتمّ به. فحين خرج الرب من
فلسطين بدا وكأنّه ينقطع عن الرسالة، وكأنّه توقّف عند حدود شعبه. جاءت إليه امرأة
فينيقيّة تتوسّل إليه لكي يشفي ابنتها، فأجابها بقساوة وكأنّ الأمر لا يعنيه: "لم
أرسل إلاّ إلى الخراف الضالة من بيت اسرائيل" (مت 15: 24). ويرسم خطًا يسلكه
تلاميذه الذاهبون إلى الرسالة: "لا تسلكوا طريقًا إلى الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة
للسامريين، بل اذهبوا نحو الخراف الضالّة من آل اسرائيل" (مت 10: 5-6). قد نندهش من
هذه القيود البعيدة كل البعد عن الأفق الشامل الذي سيكون طابع الرسالة المسيحيّة
منذ بدايتها: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (مت 29: 19). "إذهبوا إلى الأرض كلّها،
وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين" (مر 16: 15). "يدعى باسم المسيح في جميع الأمم
إلى التوبة لغفران الخطايا" (لو 24: 47).
كيف نفسّر هذا الواقع؟ هناك أسباب عديدة وأولها الرسالة التي اهتمّ بها يسوع: "بيت
اسرائيل" و"الخراف الضالة". هذه الرسالة مطبوعة بطابع الشمول: عليها أن "تجمع"
شعبًا مشتّتًا فتعيده إلى وحدته وتذكّره بدعوته. عمل يسوعُ كالأنبياء الذين قبله،
ولكن بقوة لا مثيل لها وبحماس فريد: وجّه نظره إلى شعبه، إلى المصير الذي يدعوه
الله إليه. فتركّز قلبه البشري عند هذا الأمر، بل تركّزت انسانيته كابن شعبه
ورسالته الالهيّة كابن الله.
أراد يسوع أن يجمع شعبه في طريق الانجيل ليكون شاهدًا لله حتى أقاصي الأرض. ولكن
القلّة لبّت هذا النداء، ولكن البقيّة الباقية آمنت، أما الآخرون فظلّوا خارج
الملكوت، وقد قال لهم يسوع: "الويل لكم أيّها الكتبة والفريسيون المراؤون، تغلقون
ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون، ولا الذين يريدون الدخول تدَعونهم
يدخلون" (مت 23: 12).
بعد هذا، أين صار الغريب؟ هل نظنّ أن يسوع اهتمّ بشعبه إلى حدّ نسي معه الغريب؟ هل
يصح القول بأن الغريب يحتلّ حيِّزًا ضئيلاً في تعليم الأناجيل؟ نحن لا نجد في أقوال
يسوع ما يقابل أوامر واضحة أوردتها الشريعة: "لا تظلم الغريب". فهل صارت هذه
الوصيّة عديمة الجدوى؟ هل وجد الغريب مكانه في العالم اليهودي في زمان يسوع؟ لا
وألف لا. فمن منا لا يتذكر ردّة الفعل التي يشارك فيها اليهود تجاه السامريين،
هؤلاء المنشقّين والمبتعدين عن إيمان الآباء وعن الهيكل، وتجاه العشّارين الذين
يجمعون الضرائب ويؤدّونها للحاكم الأجنبي؟
إذا أردنا أن نتجنّب فهمًا خاطئًا للانجيل، نتذكّر أنّ يسوع لم يأت ليحلّ محل
الشريعة، ولا ليبدّل وصايا قديمة بفرائض جديدة. قال: "ما جئت لأحلّ، لألغي، بل
لأكمّل" (مت 5: 17). هو يكمّل، لا حين يزيد بنودًا جديدة، ولكن حين يذهب إلى نهاية
ما تطلبه مشيئة الله، حين يعطي الوصايا كل أبعادها. وفيما يخصّ الغريب، لا يقدّم
الانجيل أوامر جديدة. فالأوامر القديمة واسعة بما فيه الكفاية وواضحة لترسم خطًا
يسير عليه شعب الله الجديد.
هنا تبدو العودة إلى العهد القديم ضرورية للمسيحي. فالانجيل المركَّز على يسوع
المسيح لا يعطينا الأجوبة على مختلف الحالات التي يعرفها البشر. فالعهد القديم
يساعدنا على اكتشاف البشريّة في وضعها المتعدّد، ويذكرنا ما ينتظره الله منها ومنا.
فالمسيحيون الذين تُسوِّل لهم نفوسهم بأن ينسوا من هو الغريب، تذكرهم التوراة
بابراهيم ويوسف، بطوبيا ودانيال. ويذكّرنا الانجيل بهرب يوسف إلى مصر وهو يحمل
مسؤولية مريم ويسوع.
ب- أما يوجد إلاّ هذا الغريب
إذا كان يسوع لم يزد شيئًا على تعاليم الشريعة عن الغرباء، إذا كان يسوع لم يتجاوز
حدود اسرائيل ليبشّر بالانجيل، إلاّ أن الغرباء جاؤوا إليه أكثر من مرّة.
فالعشّارون الذين يستقبلهم بكل محبّته هم يهود أخذوا بالروح الوثنيّة فبانوا
وكأنّهم غرباء وسط شعبهم. وجاء إليه السامريون، أو بالأحرى، هو دخل قرية للسامريين
الذين تمنّوا أن يبقى عندهم (لو 9: 52-53). كما التقى تلك السامرية عند بئر يعقوب
وأعلن لها عن اسمه. تحدّثت عن المسيح، فقال لها يسوع: "أنا هو، أنا الذي يكلمك" (يو
4: 25-6).
سيسمع له السامريون ويقولون: "علمنا أنه مخلّص العالم حقًا" (يو 4: 42). السامري هو
أفضل من الكاهن واللاوي اللذين رأيا الجريح على الطريق ومضيا دون أن يمدّا له يد
المساعدة (لو 10: 25-37). وحين يشفي يسوع البرص العشرة لن يجد إلاّ السامري الذي
عاد يمجّد الله ويشكر ليسوع فعله (لو 17: 11-19).
ويتابع يسوع كلامه: "أما كان فيهم (البرص العشرة) من يرجع ويمجّد الله سوى هذا
الغريب" (لو 17: 18)؟ مديح لسامري، بل لشخص غريب! ولن يكون المديح الوحيد للوثنيين،
للغرباء عن شعب الله.
سيتعجّب يسوع من إيمان الضابط الروماني فيعلن للذين يتبعونه: "الحق أقول لكم. لم
أجد مثل هذا الايمان في أحد من اسرائيل. أقول لكم: سوف يأتي كثيرون من الشرق
والغرب، فيجالسون ابراهيم واسحاق ويعقوب على المائدة في ملكوت السماوات، وأما بنو
الملكوت فيلقون في الظلمة البرانيّة" (مت 8: 10-12). لقد انقلب الوضع. من حسب نفسه
ابن البيت صار في الخارج، ومن حُسب غريبًا صار قريبًا. ونقول الشيء عينه عن المرأة
الفينيقيّة. أعلن لها يسوع: "ما أعظم إيمانك أيّتها المرأة! فليكن لك ما تريدين"
(مت 28:15). أجل، إن هذه الغريبة فرضت نفسها فلم تعد غريبة. أجل، ذاك السامري
الغريب، ذاك الضابط الروماني، وتلك المرأة التي شفيت ابنتها، صاروا من أهل البيت،
ولهم مكانهم في وليمة الملكوت "مع ابراهيم واسحاق ويعقوب" (مت 8: 11). ولا ننسى
الابن الأصغر في مثَل الابن الشاطر: كان الغريبَ فصار له مكان الصدارة وذُبح له
العجل المسمّن.
لا نستطيع أن نتكلّم هنا عن معاملة خاصّة يحظى بها هؤلاء، ولا عن سخاء إلهي يجازي
موقفًا غير عادي. فإيمان الضابط هو بالضبط ما ينتظره يسوع من معاصريه، وهو ما
ينتظره من شعبه. ولكن الوثنيين صاروا من أهل البيت بعد أن أعطاهم الايمان حقًا
مكتسبًا.
في هذا الشعب حيث أتمّ الله أخيرًا مخطّطًا يلاحقه منذ خلق العالم، لم يعد موضوع
الغريب يطرح: "لا يهودي ولا يوناني، لا عبد ولا حر، لا رجل ولا امرأة، لأنّكم واحد
في يسوع المسيح" (غل 28:3). "كنتم فيما مضى غرباء وأعداء بأفكاركم وأعمالكم
السيّئة" (كو 1: 21). أما اليوم "فلم تعودوا غرباء... أنتم من بيت الله" (أف 2:
19). "الآن قد أزال المسيح بجسده العداوة. جعل من الشعبين واحدًا، ودمّر الحاجز
الذي يفصل بينهما" (أف 2: 14).
هذا الشعب ليس واقعًا مثاليًا وحلمًا من نتاج المخيلة. إن له وجودًا ملموسًا. إنه
الكنيسة. ولكن بشرط أن نعطيها كل أبعادها، أبعاد شعب الله: ولد مع دعوة ابراهيم
الذي فيه يكون كل المؤمنين إخوة. فما دام هذا العالم قائمًا فشعب الله لا يتطابق
بعدُ مطابقة تامة مع تجمّع كل البشر، وستظل الشعوب المختلفة قائمة إذ يحتفظ كل واحد
منّا بشخصيته وحدودها. إذن، سيبقى هناك غرباء. سيبقى أشخاص مختلفون يتكلّمون لغات
أخرى ويتغذّون بحضارات غير حضاراتنا. وسيكون دومًا للكنيسة وصايا تحفظها هي التي
أعطاها الله لشعبه في القديم.
ج- كنت غريبًا
إن مثَل "الدينونة الأخيرة" الذي هو آخر تعاليم يسوع في انجيل متّى (25: 31-46)
يفترض حتى نهاية الأزمنة حدودًا بين الشعوب. هذه الحدود هي في الوقت عينه فُرص
نتمسّك بها وحواجز نتجاوزها. إنها كالاختلافات بين الأغنياء والفقراء، بين أناس في
السجن وأناس يتمتّعون بحريّتهم. ولكن الانجيل يذهب هنا أبعد من الشريعة. إنه لا
يفرض أكثر من الشريعة لأنه لا يفرض وصايا جديدة. ولكن ما يكشفه سيبدّل نظرة المؤمن
ويدعوه إلى أن يحيا بحسب الانجيل.
قال يسوع: "كنت غريبًا فآويتموني، وعريانًا فكسوتموني... كلما صنعتم شيئًا من ذلك
لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار فلي صنعتموه". فالمسيح حاضر هنا في الغريب كما في
البائس والسجين والجائع والعطشان. هو الذي يتألّم، هو الذي ينتظر. هو الذي يتوسّل.
حين كان العبراني يقف أمام الغريب، كان عليه أن يتذكّر أيام الشقاء فيفتح قلبه على
الحنان والشفقة. فكان بذلك يتجاوز الحدود ويولد اختبارًا مشتركًا وعاطفة واحدة.
ولكن، إذا كان ذاك البائس هو يسوع، حينئذ يصبح كل ما نعطيه له موهبة سبق ونلناها
منه. حينئذ لن يعود الغريب مجهولاً (ونكرة) تربطنا به الأخوّة في مصير مشترك (كل
غريب للقريب نسيب). الغريب هو حضور يقدَّم إلينا. إنه سر ينفتح أمامنا. إنه شعب
يولد، شعب الله وكنيسة يسوع المسيح.
الفصل الخامس والعشرون
موسى، من مولده إلى الخروج من مصر
موسى هو أهمّ شخص في العهد القديم. وقد نسب إليه التقليد اللاحق تأليف البنتاتوكس
الذي سمّي لذلك: أسفار موسى الخمسة. ثم إنه ارتبط بما يشكّل قلب الايمان البيبليّ:
فإله اسرائيل هو إله محرّر، إله مخلّص. وقد لعب موسى الدور الأول في مسيرة الخلاص
هذه، فقاد "جماعة من الاوباش" إلى صحراء سيناء، وجعلهم الشعب، شعب الله السائر في
طواف للقاء بالربّ.
نقسم مقالنا قسمين. في قسم أول نتوقّف عند مولد موسى وشبابه ودعوته. ونحاول أن نقرأ
كل هذا قراءة إيمانيّة. ونكتشف علاقته بيسوع. كان الله قد وعد ابراهيم بأن يعطيه
نسلاً كبيرًا، وبأنه يعطي هذا النسل أرض الموعد. حقّق يعقوب الوعد الأوّل. وسيحقّق
موسى الوعد الثاني. بعد ذلك، نتعرّف إلى "القتال" المحرّر الذي يتجسّد عبر صعوبات
كثيرة، في الخروج من مصر، عبور بحر القصب، والذهاب إلى سيناء.
1- مولد موسى وشبابه ودعوته
بدأ سفر الخروج يرى تحقيق وعد الله الأول: نسل كبير. وهو يورد أسماء القبائل
الاثنتي عشرة التي ارتبطت بيعقوب واسرائيل. ويذكّرنا بإيجاز بخبر يوسف أحد الاثني
عشر الذي باعه أخوته فصار مخلّص عائلته كلها. حين كان وزير الفرعون الأكبر، أتاح
لأخصّائه أن يقيموا في أرض مصر، وأن يزدهروا ويتكاثروا. ولكن العبرانيين صاروا في
النهاية عبيدًا للمصريين. إذن، كان الوضع صعبًا جدًا. وفي مثل هذا الوضع وُلد موسى.
أ- الولادة
نحنا هنا أمام ولادة "أسطوريّة"، ولادة عجيبة مدهشة (خر 2: 1-10). فحين يروي
المؤرّخ القديم ولادة شخص عظيم يروي أولاً الظواهر الفائقة التي تحيط بهذه الولادة.
مثلاً، حين ولد سرجون (الأوّل) الذي سيصبح ملك بلاد الرافدين، وضعته أمّه في سلّة
طلتها بالقار وجعلتها على الفرات. هو خبر أسطوري. أما سرجون فكان ملكًا حقيقيًا وقد
أسّس سلالة أكاد في القرن 23 ق م.
استعمل الكاتب البيبليّ النهج عينه حين روى ولادة موسى. فخبر المرضع الذي وُضع في
سلّة من البرديّ على النيل، توخّى تنبيه القارئ إلى أهميّة هذا الشخص وإلى أنه
موضوع عناية الله منذ ولادته. كان اسم الطفل اسمًا مصريًا (خادم رع، رع موسى):
خلّصته ابنة فرعون وسمّته "موسى" أي الناجي من الماء حسب المعنى البيبليّ. نحن هنا
أمام رمز: فالذي سيخرج شعبه من عبوديّة مصر عابرًا مياه البحر، أخرج هو نفسه من
مياه النيل. هو المخلَّص قبل أن يصير "المخلِّص".
ب- حامل العقاب
بعد أحداث المولد المدهشة، ندخل حالاً في قلب الدراما (2: 11-22). ضرب موسى مصريًا
كان يسيء معاملة رجل عبرانيّ. ترك الراوي تربية موسى في مصر، في بلاد الفرعون،
ليدلّ حالاً على تضامن موسى مع شعبه المقهور.
قد يستاء القارئ أمام مثل هذا العنف. اقتصّ موسى لنفسه ولم يترك العدالة تأخذ
مجراها. وهناك من يحذف هذا الخبر من التوراة، أو يجعل خبرًا آخر مكانه ليجعل "سيرة"
موسى مقبولة لدى القارئ. وقد يكون هناك قصّة حبّ بين المصري، مراقب العمّال، وامرأة
العبراني. اكتشف موسى الأمر بوحي إلهي، فطبّق على الزاني العقاب الذي نقرأ عنه في
الشريعة، وهو القتل. هكذا يقولون.
ولكن لا حاجة إلى تجميل هذا النصّ ولا إلى إلغائه. بل، نوسّع نظرنا على المجموعة
حيث يتجاوب خبرٌ مع آخر. قام موسى بعمل فرديّ من أجل فائدة فرد من الأفراد. وما سأل
أحدًا. ولم يكلّفه أحد. عمل شيئًا بدون عون العبرانيين الذين لم يطلبوا منه شيئًا،
وذلك من أجل عبراني. وفوق كل هذا، تصرّف بعيدًا عن إرادة الله. وكانت النتيجة
الملموسة لعمله، واجب يدفعه إلى الهرب إلى الخارج.
وهناك دلّ أيضًا على حسّ العدالة الكامن في قلبه، من أجل بنات كاهن مديان. وانتهى
كل شيء بزواج وولادة ابن اسمه جرشوم الذي يعني "هذا الغريب". قد تستطيع الرواية أن
تتوقّف هنا. ولكنها لم تبدأ بعد. فالبطل الرئيسيّ والمحرّر الحقيقيّ لم يدخل بعد
على المسرح.
ج- صوت في العلّيقة
إن دعوة موسى (خر 3: 1-12) تشكّل واحدًا من أشهر النصوص في التوراة. لا نحاول أن
نبحث عن خارطة موقع حوريب. ولا نحاول أيضًا أن نشرح سرّ العلّيقة التي اشتعلت دون
أن تحترق. فاهتمام الكاتب ليس هنا. فهو حين يروي هذا الخبر لا يتكلّم عن حدث "غريب"
نحدّده في الزمان والمكان. بل يكلّمنا في الواقع عمّا يكوّن قلب الايمان في شعب
اسرائيل.
هناك أولاً مبادرة من الله: "موسى، موسى، لا تقترب من هنا. أنا إله أبيك... نظرتُ
شقاء شعبي، سمعته يصرخ، وجئت لكي أنقذه". ذاك هو قانون إيمان اسرائيل: إلهنا هو
العليّ، ذاك الذي لا نستطيع أن ننظر إليه وجهًا لوجه، والذي أمامه نركع، ونسجد. ليس
إله أرض خاصة ولا إله موضع محدّد. إنه إله الآباء. ليس كالأصنام التي لها عيون ولا
ترى، وآذان ولا تسمع. هو إله يهتمّ بشعبه ويأتي إلى لقائه لكي يحرّره.
أمام مثل هذا الاكتشاف، انتظرنا أن يتصرّف موسى بحماس. ولكن لا. فقد فعل عكس ذلك.
أخذ يجادل الله: "من أنا حتى أذهب إلى فرعون؟ ما هو اسمك؟ لن يصدّقوني. أنا لا أجيد
الكلام. اختر من تشاء غيري". فتقبّلُ كلمة الله لا يتمّ في حماس كبير واندفاع. كما
لا نجد نبرة الانتصار في هذا الخبر، خبر الدعوة. بل إن الله سوف "يغضب". وفي
النهاية، طلب من موسى أن يصطحب أخاه معه.
د- اسم سريّ
وسأله موسى الله: "إن قالوا لي: ما اسمه، فماذا أقول لهم"؟ فأجاب الله: "أنا يهوه.
الإله الذي هو" (3: 13-15). جواب مليء بالألغاز. فكيف نفسّره؟
"أنا من أنا". نحسّ هنا أن الله يرفض أن يعطي اسمه. فكأنه عند ذاك يسلّم شيئًا من
ذاته ويتيح للانسان أن "يضع يده" عليه (كأنه صنم). فلا شخص ولا مجموعة ولا ديانة
تستطيع أن "تضع يدها" على الله. فالله هو الآخر الآخر الذي لا يحصره تحديد من
التحديدات. ولكن هذا التفسير يبتعد بعض الشيء عن النصّ. فالله يواصل خطابه لموسى
فيقول له: "هكذا تكلّم بني اسرائيل: يهوه أرسلني إليكم. هذا هو اسمي إلى الأبد.
هكذا يدعونني من جيل إلى جيل" (15:3). أجل، سلّم الله إلى الانسان شيئًا من ذاته،
والاسم يدلّ على الشخص. وحين التزم في تاريخ البشر، مزج مصيره بمصيرهم. وكان المزج
الأرفع حين أرسل لنا ابنه.
"أنا الذي هو". حسب هذا التفسير، أراد الله أن يقول إنه وحده الإله الحقيقيّ. أما
سائر الآلهة فأشياء من خشب أو حجر أو معدن، وهي لا تخلّص. وسيقول أشعيا في هذا
المجال: "إرجعوا إليّ واخلصوا، يا أقاصي الأرض. لأني أنا الله وليس إله غيري" (45:
22). ساعة عاش العبرانيون بين المصريين، عبدوا آلهة عديدة. وها هو موسى يدعوهم
لعبادة الاله الواحد الحقّ.
"أنا الذي سيكون". حسب هذا التفسير، لا يرفض الله أن يعطي اسمه. بل يرفض أن يعطيه
بشكل "عقيدة جامدة". يرفض أن يحصره في عبارة تحدّه. "سوف ترون من أنا، ولن تنتظروا
طويلاً". وهكذا كشف الله عن نفسه كشفًا تدريجيًا في التاريخ. حضوره حضور ناشط، ولا
نستطيع أن نتوقّعه أبدًا. قال النشيد: "شاهدنا في الكون آثار مجدك، ورأينا مآثرك
التي تنير التاريخ".
2- حرب من أجل الحريّة
رافقنا موسى من مياه النيل إلى الجبل الذي عليه كشف الله اسمه. والآن، نرافق شعب
اسرائيل من مياه البحر حتى جبل سيناء. أجل، سيخلّص موسى شعبه من قبضة المصريين،
بمعونة الله. ورغم كل الصعوبات سيعبّره البحر الأحمر ويقوده إلى سيناء. أما الحرب
التي سنشهدها فهي بين جبارين: الرب نفسه وفرعون. وقد نستطيع أن نعنون هذا القسم بما
قاله النبيّ حزقيال (29: 3): "هذا ما قال الرب: أنا خصمك يا فرعون، ملك مصر، أيها
التمساح العظيم الرابض في وسط روافد النيل".
أ- الاستعداد للحرب
قبل البدء بالقتال (خر 5) لابدّ من تهيئة السلاح وجمع الشعب الضائع. فالنداء في وسط
العليقة، لم يشهده أحدٌ سوى موسى. "هم لا يصدّقونني". عند ذاك كشف الله له كيف
يتغلّب على مصر. سيقف على مستوى خصومه، ويبدأ حربه في حلبة السحرة. تحوّلت العصا
إلى حيّة، وظهر البرص على اليد وزال، وتحوّلت مياه النيل إلى دم، فدلّت على أن الله
"سيضرب" الأشياء والأشخاص، يضرب الطبيعة كلها.
* موسى، العائق الأول
ولكن العائق الأول الذي يجب على الله أن يتغلّب عليه، هو موسى نفسه، وقلّة الحماس
عنده. "أنا لا أجيد الكلام... أرسل شخصًا غيري". "غضب" الله، وأمر هارون أن يكون
المتكلّم باسم موسى. وهكذا اجتمع الرئيس السياسي (موسى) مع الرئيس الديني (هارون)
من أجل قيادة الشعب. وستكون المشاركة مثمرة. وقد بدأت بنجاح أول حين توجّها إلى بني
اسرائيل: "آمن الشعب. وفهم أن الله تدخّل من أجل شعبه بعد أن رأى شقاءه، فركعوا له
وسجدوا" (4: 31).
* المحاولة الأولى والفشل الأول
صوِّر اللقاء الأول مع فرعون بشكل موجز (5: 1-7: 7). فموسى وهارون لا يُحسبان
شيئًا. كان الفشل تامًا. وأكثر من ذلك، فعلى أثر هذا التدخّل، ستفسد ظروفُ العمل
لدى الشعب بشكل ظاهر. فانتقد موسى وهارونَ أولئك الذين جاؤوا لكي يحرّروهم. فتوجّه
موسى في صلاة إلى الله و"لامه" لأنه لم يفعل.
نحتفظ بأمرين في تدخّل الله هذا. أولاً، هناك صورة "يد الله". إن التوراة تستعمل
لغة الجسد. فالله له أذنان يسمع بهما صراخ شعبه في الضيق. وله فم به يكلّم موسى.
وله رجلان تنقلانه إلى مقدّمة "الجيش". وله ذراع تقاتل. هذه اللغة الرمزيّة تتفوّق
على العبارات الدوغماتيّة المجرّدة والناشفة، فتدلّ دلالة أفضل على عمل الله
وعلاقته مع البشر: الله سيحرّر شعبه بقدرة يده.
والفكرة الثانية تقول إن عمل الله يتمّ في التاريخ. أقحم الكاتب في خبره سلسلة
أنساب تربط موسى وهارون بالآباء الأقدمين. فالتاريخ المقدّس الواحد الذي بدأ مع
ابراهيم واسحاق ويعقوب، ما زال يتواصل والله قد ذكر وعده.
* المناوشة الأولى
وذهب موسى وهارون إلى فرعون (7: 8-7، 13)، وتمّت الآيات التي أعلنت سابقًا. "تحوّلت
عصا هارون إلى حيّة أو بالأحرى إلى تنين". وفعل سحرة مصر الشيء عينه. ولكن عصا
هارون ابتلعت عصيَّهم.
لا نرى للوهلة الأولى فائدة من هذا المشهد الذي يشبه إلى حدّ ما مباراة في أعمال
سحريّة. ولكنه بالنسبة إلى أناس ذلك الزمان، يشير إلى ميتولوجيّة شعوب الشرق
الأوسط، الذين تصوّروا خلق الكون بشكل حرب الاله ضدّ الوحش الاولاني، وحش الفوضى.
وقدر رمز الكاتب إلى مصر في موضع آخر بواسطة التمساح الذي هو وحش النيل.
كان هذا المشهد الأول مقدّمة لما سوف يتمّ فيما بعد. فالله يقاتل من جهة قوى الفوضى
قبل أن يبدأ خلقًا جديدًا، هو خلق شعبه. ومن جهة ثانية، فهو سيتغلّب على وحش النيل.
وهكذا نستعدّ نحن قرّاء هذا الخبر، أن ندخل في هذه المسيرة متأكّدين أن الله سوف
ينتصر في النهاية.
ب- "ضربات" مصر
إن الحدث المشهور حول "ضربات" مصر (7: 14- 10: 29)، معروف جدًا. فالضربتان الأولى
والثانية تصيبان المياه التي تتحوّل إلى دم، ثم تخرج الضفادع. والضربتان الثالثة
والرابعة ترويان الخراب الذي تمّ بواسطة الحشرات من بعوض وذباب. والخامسة والسادسة
تضربان البهائم بالوباء والقروح. والسابعة والثامنة تضربان النبات بالبرد والجراد.
وتتمّ الضربتان الأخيرتان في الظلام حيث يُقتل أبكار المصريين.
نستطيع أن نفسّر هذه الضربات فنلاحظ أنها ليست معجزات بالمعنى الحصري للكلمة، بل
ظواهر طبيعيّة معروفة في مصر: تفسير مياه النيل بواسطة الرمل الأحمر أو الحشائش. ثم
الجراد والضفادع والذباب، وكسوف الشمس أو ريح الصحراء التي تجعل السماء مظلمة (رياح
الخمسين)، والمرض الذي يميت الأطفال العديدين ومنهم بكر الفرعون... ولكن كل هذا لا
يتيح لنا أن نفهم النصّ.
لهذا، فبدلاً من أن نتساءل عمّا حدث حقًا، يجب أن نطرح على نفوسنا السؤالين
التاليين: "لماذا روى لنا الكاتب هذه القصّة"؟ و"كيف رواها لنا"؟
ما نلاحظه أولاً هو تصاعد في الضربات التي تصيب مصر. كانت الضربة الأولى خفيفة. أما
الأخيرة فهائلة. ويتوافق تصاعد قوّة الضربات مع مقاومة الفرعون وعناده. وهكذا
يتخبّط سيّد مصر ضد عدوّ يجعله ينحني شيئًا فشيئًا.
والله المحرّر الذي يعمل الآن، يذكّرنا بالله الخالق: فما فعله الخالق في تك 1، ها
هو "يدمّره" الآن على حساب مصر. فما عاد الانسان يسود على الحيوان، بل قد اجتاحه كل
ما يدبّ على الأرض، وما يتكاثر كالضفادع. المياه العليا تدمّر المصريين بحجارة من
البَرَد. والظلمة لم تعد مفصولة عن النور. وهكذا عادت البلاد إلى الخواء والخلاء
كما في البدء. ونلاحظ بشكل غابر أن هذه الظواهر لا تحدث حيث يقيم بنو اسرائيل: فإله
الكون يلقي بكل ثقله ضد التنين الكبير القائم على شاطئ النيل، من أجل شعبه الذي يقف
بعيدًا عن المعركة.
وأخيرًا، نجد قولاً يدهشنا: "ولكن الرب قسّى قلب فرعون، فما سمع لموسى وهارون، كما
قال الله لموسى" (خر 9: 12). أكّد كاتب النصّ شيئين. من جهة، أبرز عمل الله الذي
يراعي حرّية فرعون، ويكيّف ضرباته ليجعله يبدّل موقفه. ومن جهة ثانية، أعلن أن لا
شيء يحصل من دون إرادة الله: إن كانت ردّة الفعل لدى الفرعون هكذا، فهي تدخل أيضًا
في تصميم الله السرّي. وهكذا أبرز الكاتب الملهم بطريقته هذا الواقع السرّي: الله
حاضر في كل شيء، وهو "يقسّي قلب فرعون" الذي يبقى رغم كل شيء مسؤولاً عن خياراته.
ج- عبوران لله
نتحدّث أولاً عن المحنة الحاسمة وعبور الله في الضربة العاشرة. ثم عن عبور البحر.
* عبور الله العظيم
أعلنت الضربة العاشرة على مصر على أثر سائر الضربات، ولكنها سوف تتحقّق فيما بعد.
أمسك الراوي أنفاسه ليقول لنا إن تلك الضربة ستكون هائلة. ولكنه رواها بإيجاز كبير،
في آية واحدة: "في نصف الليل ضرب الرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الذي سيجلس
على العرش حتى بكر السجين في السجن وبكر البهائم" (12: 29).
هذه المرّة، لم نعد أمام شيء طبيعيّ، بل أمام ظهور الله الحاسم. وقد جعل الراوي عمل
الله هذا في إطار مقدّس، هو إطار عيد الفصح، ليشدّد فيما بعد على طابعه الخاص جدًا:
جاءت إشارات ليتورجيّة طويلة تسبق الحديث عن عمل الله وتتبعه.
وأخيرًا، أمام هذه الكارثة المأساويّة، تراجع الفرعون وأطلق الشعب (17:13)
* عبور البحر الأحمر
بعد عبور الله على مصر، ها هو عبوره على البحر (17:13-14: 4). إن كانت مصر تمثّل
الشرّ وهي تتماهى مع رهب، فالبحر يمثّل أيضًا قوّة الموت والشرّ. نجد في هذه
المتتالية ثلاثة أقسام متميّزة: خبر في لغة نثريّة، ونشيدان شعريان، نشيد موسى
ونشيد مريم.
حين نقرأ النصّ نرى أننا أمام فنّ أدبيّ خاص، هو الفنّ الملحميّ. كل شيء كبير مدهش
وجليل. لهذا، لا نقرأ الخبر كما نقرأ تقريرًا صحافيًا. إن فعلنا كذلك نخطئ خطأ
فادحًا.
بدأ الراوي فسمّى الأشخاص الأربعة في الحدث. هناك أوّلاً فرعون. قاوم مدة طويلة.
وقد انتهت المقاومة عنده الآن، فتراجع وأطلق الشعب. وهناك ثانيًا الله الذي يقود.
وهناك ثالثًا الشعب المنظّم مثل جيش مؤلّف من 600000 رجل أمروا بالسير، ما عدا
النساء والأطفال والشيوخ. وهناك أخيرًا موسى في دوره المتواضع، وهو يحمل عظام يوسف.
إن هذه المقدّمة تعرض الوضع عرضًا واضحًا. بدأ الشخصان الاولان (الفرعون والله)
القتال من أجل الثالث الذي هو الشعب. ودور موسى في امّحائه يدلّ على أنه ليس الشخص
الرئيسيّ. هذا التاريخ ليس تاريخًا بشريًا محضًا. فهو يسير مساره بمبادرة الله
وقيادته. غير أن موسى يربط بحركة يده الخروج من مصر بوعد الله للآباء.
الراوي يعرف كل شيء، وهو يدخلنا حتى إلى أفكار الله الذي حاك ستراتجيّته. فالطريق
التي تصل توًا إلى كنعان تحمل الخطر الكبير. تحرسها الحصون المصريّة. وقد يقنط
الشعب أمام الحروب التي تنتظره. لهذا، اختار الله طريقًا أخرى باتّجاه بحر القصب،
وأخذ دفّة القيادة بشكل عمود من غمام في النهار، وعمود من نار في الليل. صورة
معبّرة تشير إلى الشمس أو إلى البرق. هكذا أشار الكاتب إلى العليّ وقدرته. وأفهمنا
أن الله هو ذاك الذي يختفي ويكشف في الوقت ذاته عن نفسه، في خليقته وفي قدرة خلاصه.
وأعلن إيمانه بإله يقودنا في النور والظلام، في السعادة والشقاء. هو حاضر في كل
ظروف حياتنا.
* الولادة الجديدة
ولكن أطلّ العدو على طريق النجاة (14: 5- 31): بدّل الفرعون رأيه. وكما قال الله،
يئس الشعب وتطلّع إلى مصر: "خير لنا أن نخدم المصريين ولا نموت في الصحراء" (14:
2). عند ذاك تدخّل موسى، لا كذلك القائد الذي يشحذ همّة جيشه قبل المواجهة، بل
كالنبيّ الذي يتكلّم باسم الله ويقول للشعب ما يجب عليه أن يعمله. ونداؤه إلى
الثبات لا يعني نداء إلى المقاومة، بل ثقة بالله الذي هو المخلّص وحده: "الرب يحارب
عنكم. وأنتم تبقون ساكتين".
وما سيحدث الآن هو المعركة الحاسمة التي يقودها الله ضدّ مصر. هي المعركة المؤسّسة
(للشعب) التي تذكّرنا بالصفحة الأولى في التوراة حيث يرفرف روح الله على المياه،
ويفصل الأرض عن المياه لكي تطلّ الحياة. فالمياه العظيمة هي رمز الشرّ وهي تدلّ على
الوحش البحريّ، على الخواء الأوّلاني. وحين لا يمسك الله كل هذا كما برسن، فهو
يغطّي الأرض ويغرق سكّانها كما فعل في الطوفان. فالمياه تخفي في حضنها وحوش البحر
التي تُغرق السفن.
الرب يسيطر على المياه، فيجندلها ويقطعها إلى اثنين (كما يفعل الفارس مع آخر
يبارزه). بهذا العمل، جعل الشعب يلد ولادة جديدة. لقد وصل الآن الشعب إلى الضفّة
الأخرى، وهو مدعوّ ليسير بقيادة الله وموسى. نحن هنا أمام ولادة جديدة، أمام
معموديّة يوافق عليها الشعب: "خاف الربَّ، جعل ثقته في الربّ وفي موسى عبده" (14:
31). وكانت مصر هي أيضًا في موضعها، في البحر. هي تمثّل عالم الشرّ، وقد عادت إليه.
لقد قطع الله (بسيفه) وحش الغمر (المياه الكثيرة)، وطعن (بحربته) تنين مصر، ليفتح
طريقًا لشعبه.
* نشيد موسى
جعل الكاتب في فم موسى واحدًا من أجمل الأناشيد التي نقرأها في التوراة (15: 1-18).
فالحدث الذي أسّس شعب اسرائيل هو موضوع احتفال شعريّ. ونحن نجد توازيًا بين الجزء
الأولى الذي يعظّم قتال الله وانتصاره على قوى الفرعون، وبين الجزء الثاني الذي
يصوّر عبور الشعب للبحر كما على اليابسة. من جهة، كان دمار الشرّ. ومن جهة ثانية،
كان الخلاص.
غير أن هناك تفاصيل تلفت نظرنا. تحدّث موسى عن الفلسطيين الذين ارتعبوا حين مرّ
الشعب. ولكن الفلسطيين ليسوا هنا في زمن الخروج. سيصلون بعد ذلك الوقت بقرن أو
قرنين من الزمن. ويتكلّم أيضًا عن الموضع الذي فيه يقيم الربّ، عن معبد أورشليم.
ولكن هذا المعبد سيُبنى بعد ثلاثة قرون على الخروج من مصر، أي في القرن العاشر. هذا
يعني أن النشيد دوّن بعد موسى بحوالي 300 سنة. عاد الكاتب إلى الماضي، وتذكّر
الخروج من مصر، والعبور في البريّة، كما تذكّر المنفى سنة 587 ق م وعبورًا جديدًا
للصحراء السوريّ للعودة إلى أورشليم وبناء الهيكل فيها. فالماضي ليس شيئًا ميتًا.
يُذكر لكي يضيء على الحاضر. ووُضع هذا النشيد في فم موسى، فبدا تأمّلاً جماعيًا
يقوم به شعب اسرائيل كله حول تاريخه وحول عمل الله الخلاصيّ من أجله.
* نشيد مريم
بدا نشيد مريم (15: 25- 21) صغيرًا جدًا، بحيث نكاد ننساه، لأنه استعادة لبداية
نشيد موسى. ولكن يبدو أن نشيد مريم أقدم من نشيد موسى، وقد يكون أقدم أناشيد
التوراة، والمنطلق لنشيد موسى. "أنشدوا للرب جلّ جلاله! الخيل وفرسانها رماهم في
البحر" (15: 21).
لا يذكر هذا النشيد مآثر الله وحروبه. ولا يتحدّث عن جيوش كبيرة دحرها الله. كل ما
تقوله النبيّة: "سقط الحصان وفارسه". ثم جاء نشيد موسى فضخمّ الأمور إلى أقصى حدود
التضخيم. إذا كانت هذه الفرضيّة صحيحة، نستطيع القول إن بني اسرائيل خرجوا جماعة من
مصر. قد نكون أمام مبارزة، أو سقوط الفارس وحصانه في البحر. فرأى الشعب في هذا
الحدث ظهورًا للرب إلههم: لقد جاء الله من أجل خلاص شعبه. فأخذت مريم دفًا وبدأت
ترقص مع رفيقاتها. وهكذا كان أول احتفال عباديّ، وأول نشيد أنشد إكرامًا لله
المخلّص.
ما احتلّت مريم مكانًا واسعًا في الخبر. هذا لا يعني أنها لم تلعب دورًا مهمًا.
فالنبيّ ميخا سوف يضمّها إلى أخويها في قيادة الشعب فيقول: "ماذا فعلتُ بك يا شعبي؟
هل كنت عالة عليكم؟ أجيبوا. أصعدتكم من أرض مصر. من دار العبوديّة افتديتكم. أرسلت
أمامكم موسى وهارون ومريم" (6: 3- 4).
خاتمة
تلك كانت محطة أولى بدرفتين في تقديم "سيرة موسى". في الدرفة الأولى، ولادته وشبابه
ودعوته. وفي الثانية، الخروج من مصر وتحرير الشعب. ودور موسى كبير جدًا، وهو يحمل
إلى الشعب كلام الرب وأوامره. لاشكّ في أن الله هو الفاعل الأول في هذه المسيرة
الخلاصيّة. ولكنّه يفعل بيد موسى، بعصا موسى. يتكلّم بفم موسى. يتحرّك بواسطة موسى.
وفي هذا العمل الخلاصيّ، سيكون موسى صورة مسبقة عن يسوع الذي سيعيش مغامرة شعبه من
ذهاب إلى مصر وعودة من هناك، بانتظار انتقاله إلى الآب في عمل خلاصيّ شامل يُتمّه
على الصليب.
الفصل السادس والعشرون
موسى، الحياة في البريّة
والاقامة في سيناء
بعد أن نجا شعب الله من المياه، وجد نفسه حرًا. بعد أن تحرّر من العبوديّة، أحسّ
أنه وحده في هذه الصحراء، وليس له حماية ماديّة. وبدأ العبور عبر الصحراء، عبورًا
طويلاً مؤلمًا. مليئًا بالفخاخ والمآسي. وهكذا كانت مرحلة أولى من هذه الحياة
الصعبة. بانتظار الوصول إلى سيناء وتقبّل وصايا العهد من الله. عرف الشعب الجوع
والعطش. عرف الحروب. ولكنه بلغ مبتغاه، بلغ إلى الجبل الذي عليه ظهر الله بشكل
مهيب. وقُطع العهد. ولكن الشعب خطئ حين عبد العجل الذهبيّ. فعاد الرب وجدّد العهد.
وهكذا يتوزّع هذا الفصل في درفتين: المراحل الأولى في البريّة، الاقامة في سيناء.
1- المراحل الأولى في الصحراء
ترك بنو اسرائيل أخطار مصر والبحر. وها هم يجابهون أخطارًا أخرى لا تقلّ هولاً عن
سابقتها: لا طعام ولا شراب. وعدوّ يتربّص بهم. ثم اليأس وعدم التنظيم. سيقدّم لنا
الراوي في خمسة أحداث لها معناها، هذه الصعوبات، ويبرز دور موسى المهمّ، وهو الوسيط
الحقيقيّ بين الله وشعبه.
أ- نقص في المياه
لا حياة ممكنة في الصحراء بدون مياه. وإن توقّف هذا الحدث الأول عند هذه المسألة
الحياتيّة (15: 22-27)، شدّد على المعنى الذي يقدّمه للقارئ. ففي مارة المياة مرّة.
نصح الله موسى، فنقّاها بعود من حطب وضعه فيها. لم تكن المياه صالحة للشرب، فصارت
محيية. إن المياه علامة ملتبسة. فهي بشكل "بحر" تمثّل الشرّ وخطر الموت. قهرها
الله، وشقّها خلال الخروج من مصر. وهي أيضًا عنصر حياة لئلاّ يموت الشعب في
البريّة. في مارّة قلب موسى معنى الرمز: فالمياه المرّة التي لا تشرب، التي تشبه
مياه البحر، صارت ينبوعًا يروي العطاش.
ورأى آباء الكنيسة في هذا النصّ استعارة. شبّه أوريجانس عود الحطب الذي ألقاه موسى
في الماء، بصليب المسيح الذي صار شجرة الحياة الجديدة. ونتذكّر أيضًا حوار يسوع مع
السامريّة: "من يشرب من الماء الذي أنا أعطيه، لن يعطش أبدًا. فالماء الذي أعطيه
يصبح فيه ينبوعًا يجري حياة أبديّة" (يو 14:4).
ونلاحظ هنا عنصرين. الأول، موقف الشعب الذي يتذمّر على موسى، كما سبق له ففعل حين
وصل جيش مصر، وكما سيفعل بعد ذلك. الثاني، عدد العيون والنخلات في واحة إيليم: 12
عينًا، على عدد أسباط اسرائيل، ثم عدد الرسل. 70 نخلة على عدد سلالة يعقوب، الذين
جاؤوا يقيمون في مصر، وعدد تلاميذ يسوع الذين أطلقهم من أجل الرسالة (لو 10: 1).
ب- خبز الحياة
يبدأ هذا الحدث، شأنه شأن الحدث السابق، بتذمّر الشعب الذي يتأسّف على قدور اللحم
وخبز مصر (خر 16). فأطعمه الله المنّ والسلوى. لا معجزة في هاتين الظاهرتين اللتين
نجدهما أيضًا في أيامنا. ففي أوقات من السنة، تعبر سحابة من السلوى بريّة سيناء.
وحين تصل الطيور إلى الأرض، فهي منهكة بسبب المسافة الطويلة التي قطعتها، بحيث
يستطيع الانسان أن يمسكها بسهولة. "والمن" هو عطيّة الله، وهو "صمغ" تحدثه حشرة حين
تقيم على شجيرة وتنقف الغصن. عند ذاك تسقط ماويّة الشجيرة على الأرض بشكل نقاط
صغيرة تتجمّد بسرعة ويكون طعمها طعم السكّر.
إن ظللنا على مستوى هذين التفسيرين، لا ندخل في قلب النصّ. فالاهتمام يكمن في إيمان
الكاتب الذي حوّل هذين الحدثين من الحياة في البريّة، إلى خبر مثاليّ وعجيب. إن
الكاتب يدعونا لكي نقرأ عن عناية الله التي سقت الشعب ماء، ثم أعطته اللحم والخبز،
وهذا جلّ ما يصبو إليه البدو الذين قلّما يأكلون لحمًا، بل يكتفون بالالبان
والاجبان.
قرأت الجماعة اليهوديّة هذا النصّ وأعادت قراءته. ومثلها فعلت الجماعة المسيحيّة.
فهذا الخبر يحمل في ذاته خواص تفوق الطبيعة. إنه خبز الملائكة. نقرأ في حك 16: 20-
21 ما يلي: "وزّعت على شعبك خبز الملائكة، منحته من السماء طعامًا معدًا للأكل. لم
يتعبوا فيه، يستطيبه الجميع على اختلاف أذواقهم. فأقمت الدليل على أنك حنون على
أبنائك، وإلاّ لما كان ذلك الطعام يُشبع شهوة كل من تناوله، ويتحوّل طعمه ليلائم
مختلف الأذواق".
وبالنسبة إلى المسيحيين، هذا الطعام هو صورة الافخارستيا. فالمسيح هو الخبز
الحقيقيّ النازل من السماء والذي يعطي الحياة. قال يسوع: "أنا خبز الحياة. آباؤكم
أكلوا المنّ في البريّة وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء. فمن يأكل منه لا
يموت. أنا الخبز الحيّ النازل من السماء. من يأكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد.
والخبز الذي أعطيه هو جسدي (لحمي، ساركس، بسر في العبريّة) المعطى ليحيا العالم...
هذا هو الخبز النازل من السماء، وهو غير الخبز الذي أكله آباؤكم وماتوا. أما من
يأكل من هذا الخبز فيحيا إلى الأبد" (يو 48:6-58).
ج- صخرة العطش
مع مياه مسّة ومريبة (17: 1-7)، أنهى الراوي هذه السلسلة من الأحداث التي تدور حول
ذات الموضوع: تذمّرُ الشعب واهتمام الله بشعبه. تصاعدت اللهجة ضدّ موسى فخاف: "عمّا
قليل سوف يرجمونني". خاف من أجل نفسه. وخاف من أجل الشعب الذي يمتحن الرب ويقول: هل
الرب بيننا أم لا؟ هو سؤال أساسيّ. ليس سؤالاً نظريًا يشير إلى طبيعة الله. بل هو
سؤال حول امكانيّة الله بأن يخلّص شعبه، وهل يريد هذا الخلاص. لقد طرح شعب اسرائيل
هذا السؤال في كل الأوقات الصعبة من وجوده. حين دمّر الهيكل مرّة أولى (587 ق م)
ومرّة ثانيّة، حين التهجير والمنفى. هذا السؤال هو سؤال أيوب في وجه الألم الذي
يجتاحه. وهو صراخ المرتّل الذي قال: "إلهي إلهي لماذا تركتني وامتنعت عن نجدتي
وسماع أنيني؟ إلهي، في النهار أدعو فلا تجيب، وفي الليل فلا تحرّك ساكنًا" (مز 22:
2-3).
ولكن الرب هو هو ولم يتبدّل. وهو يقرّر على الدوام أن يتدخّل. ويفعل هنا بواسطة عصا
موسى. هذه العصا التي تدخّلت أمام فرعون وساعة عبور البحر، تمثّلُ قدرة يمارسها
الله بواسطة ممثّله. أما الصخر فيرمز إلى الصلابة والقوّة. وسيتوسّع تقليد اسرائيل
فيقول إن هذا الصخر تبع الشعب في تنقلاته عبر البريّة، وكأنه خزان ماء يسير معهم.
في هذا المجال كتب بولس إلى الكورنثيين: "فلا أريد أن تجهلوا، أيها الإخوة، أن
آباءنا كانوا كلهم تحت الغمام، وكلّهم عبروا البحر، وكلّهم تعمّدوا لموسى في الغمام
وفي البحر. وكلّهم أكلوا طعامًا روحيًا واحدًا، وكلّهم كانوا يشربون شرابًا روحيًا
واحدًا من صخرة روحيّة ترافقهم، وهذه الصخرة هي المسيح" (1 كور 10: 1- 4).
د- حرب مع بني عماليق
ما يربط هذا الحدث (8:17-16) بسابقه هو موسى الذي يرفع العصا على رأس الجبل. ما
دامت يداه مرفوعتين، ينتصر يشوع في السهل. وحين نزلت اليدان من التعب، تراجع يشوع.
حارب الشعب بقيادة يشوع، ولكن الربّ هو الذي يسير على رأس جيوش اسرائيل، الذين
يربحون ما زالت يدا موسى مرفوعتين. نحن هنا أمام صورة عن أمانة الله لشعبه، وعن
قوّة الصلاة. فحين يضع الشعب ثقته في الله، يعطيه الله القوّة لكي يتغلّب على
الشرّ.
بعد ذلك، سوف يرى حكماء اسرائيل في عماليق، العدوّ الذي يأتي جيلاً بعد جيل. إنه
يرمز إلى القوى الشيطانيّة.
هـ- بداية تنظيم الشعب
سار موسى برفقة جمع كبير، فوصل إلى الموضع الذي منه انطلق. جاء إلى يترو المدياني
حيث وجد امرأته وولديه.
لماذا رُوي هذا الحدث؟ بسبب النصائح الصائبة التي أعطاها يترو لموسى. وستبدأ
الليتورجيا الكبيرة على سيناء مع عطيّة الشريعة. وسيلعب موسى دورًا كبيرًا جدًا
كمحاور مميّز مع الله. فإذا أراد أن يقوم بمهمّته الجوهريّة خير قيام، يجب أن لا
يغرق في مختلف هموم الادارة اليوميّة المرتبطة بالحياة في المخيّم. فعلّمه يترو كيف
يفوّض أشخاصًا يثق بهم من أجل أعمال دنيا.
2- الإقامة في سيناء والعهد
ونصل الآن إلى القسم المركزيّ في حياة موسى. كان قد رأى في حوريب، في عزلة البريّة
"الخربة"، نار العلّيقة. وكان قد سمع صوت الله فسجد. وسيتجدّد الشيء عينه على سيناء
ولكن بشكل ضخم جدًا.
بعد مقدّمة تعطي المناخ والمعنى اللاهوتي لهذه المتتالية (19: 1- 34: 35)، يروي
النصّ خبر الاحتفال بالعهد، ثم نقض العهد وتجديده. بعد هذا جاء قسم كبير يصوّر
النظم العباديّة. وهكذا تتداخل الأخبار التاريخيّة والنصوص القانونيّة والتفاصيل
الليتورجيّة تداخلاً حميمًا.
أ- الاحتفال بالعهد
أشار النصّ في بضعة سطور (19: 1-9) إلى جوهر العهد. استلهم عهودًا أقامها الملوك
بين بعضهم بعضًا، بين ملك كبير وملك صغير. فالمتعاقدان ليسا متساويين. فالمبادرة
كلها لله وحده. وهو يذكّر شعبه بما فعل له: حرّره وجاء به إليه. وها هو يعرض عليه
أن يكون شعبه المختار من بين سائر الشعوب، وأن يظلّ أمينًا لهذا العهد. قبلَ الشعب
ووافقَ. تلك هي الرسمة التي نقرأها هنا.
* ظهور الله
استعدّ الشعب كما يستعدّ كل انسان لحفلة مهمّة. استعدّ لتقبّل ظهور الرب والبنود
الرئيسيّة في العهد (19: 20- 20: 21). وسوف نرى مفاهيم دينيّة قديمة لم تتخلّص كل
التخلّص من "عالم السحر". لهذا يجب أن نحدّد ما هو طاهر وما ليس بطاهر. انفصل الجبل
كله عن سائر الأرض بحاجز رمزيّ. إنه الموضع الذي فيه سيكشف الله عن ذاته. والثياب
أيضًا تكون نظيفة والأشخاص.
وإذ أراد الكاتب أن يصوّر ظهور الله، عاد إلى ظواهر الطبيعة الخارقة: عاصفة على جبل
أو اشتعال بركان. فالله ذاته لا يُرى. وهو يتحدّث بصوته مع موسى. يُروى المشهد
وكأننا في معبد أورشليم حيث يبقى الشعب بعيدًا ساعة يدخل عظيم الكهنة وحده إلى
المعبد وسط البخور المتصاعد.
* الأقوال العشرة
يورد هذا النصّ (20: 1-17) الذي هو من أشهر نصوص التوراة، الكلمات العشر، "الوصايا
العشر". هناك عبارة في المقدّمة تعطي الباقي معناه: "أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك
من أرض مصر، من بيت العبوديّة". قدّم نفسه لشعبه من أجل عهد معه، وبدأ يذكّره
بحسناته. ثم أعلن البند الرئيسيّ في هذا التعاهد. تلك هي الأصالة الكبرى في إيمان
اسرائيل. فالرب يطلب حبًا محصورًا فيه. فلا يريد عددًا من الآلهة "تصوَّر" بجانبه
في المعبد. قال: "أنا الرب إلهك. إله غيور". والاصالة الثانية: لا يريد الرب أن
يصوّر في صورة ولا أن يُنحت في تمثال. الله هو الآخر الآخر. ذاك الذي لا يُدرك. ذاك
الذي يفاجئنا دائمًا. ذاك الذي لا نستطيع الولوج في سرّه. ذاك الذي يكشف عن نفسه
فقط بكلمته. ليس صنمًا نركع أمامه. فالصورة الوحيدة التي "تستطيع" أن تشير إليه، هي
الانسان الذي جعله الله في قلب خليقته (تك 1: 26). وهي بشكل خاص آدم الجديد، يسوع
المسيح وكلمة الله.
وقدّمت سائر الأقوال (أو: الوصايا) القواعد الأولى من أجل الحياة المشتركة. نلاحظ
تشديدًا على تكريم السبت، كما في نشيد الخلق (تك 1: 1- 4:2): "أذكر يوم السبت
وكرّسه لي. في ستة أيام تعمل وتنجز جميع أعمالك. واليوم السابع سبت للرب إلهك. لا
تَقُم فيه بعمل ما، أنت وابنك وابنتك وعبدك وجاريتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل
أبوابك (أبواب مدينتك أو بيتك)، لأن الرب الاله في ستّة أيام خلق السماوات والأرض
والبحر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح. ولذلك بارك الرب يوم السبت وكرّسه
(وقدّسه، جعله مقدّسًا) له" (20: 8- 11).
وبعد عطيّة الوصايا العشر (أو: الكلمات العشر) استعاد الراوي الصور التي وردت فيما
قبل: النار، الصوت، البوق. فارتجف الشعب. هو لا يريد أن يرى الله. بل لا يريد حتّى
أن يسمعه. فجلالته عظيمة جدًا. ودخل موسى وحده في "الليل الدامس حيث يقيم الله".
* البنود اللاحقة
بعد بنود رئيسيّة يعبّر عنها بعبارات عامّة، تتضمّن المعاهدةُ بين ملكين اثنين
(وهنا بين الله وشعبه) بنودًا لاحقة تتطرّق إلى أمور تفصيليّة. تلك هي الرسمة التي
نجدها هنا (20: 22-23: 33).
هناك مجموعة تشريعيّة صغيرة تسمّى "شرعة العهد"، وهي تحدّد ما يجب عمله في حالات
خاصّة. نلاحظ بشكل خاص متطلّبات البساطة في شعائر العبادة (20: 24-25)، واحترام
الغرباء والفقراء (22: 20-26). قلّما يقرأ المسيحيون هذه النصوص التي تبدو لهم
مملّة بسبب المناخ القانونيّ الذي يسيطر عليها. ولكننا هنا أمام أولى المحاولات
لتطبيق المبدأ المركزي في الشريعة على واقع الحياة اليوميّة. وهذا المبدأ هو: "تحبّ
الرب إلهك من كل قلبك وكل نفسك وكل فكرك. هذه هي الوصيّة العظمى والأولى. والثانية
مهمّة مثلها: تحبّ قريبك كنفسك" (مت 22: 37-38).
* "التوقيع" على العهد
نجد هنا (24: 1- 11) خبرين متداخلين يتحدّثان عن "قطع العهد"، عن "التوقيع" على
العهد: طقس أول على رأس الجبل. وطقس ثان عند أسفله. في الأول التزم الشعب بأن يضع
موضع العمل كلمات الرب. فدوّن موسى أقوال الرب، ثم بنى مذبحًا يحيط به 12 حجرًا
منصوبًا (نصبًا) تمثِّل الاسباط الاثني عشر. وذبح الشبّانُ الثيران، فرُشَّ نصف
دمها على المذبح والنصف الآخر على الشعب الذين سمعوا قراءة كتاب العهد ووافقوا مرّة
أخرى على العهد. لا يجري الاحتفال في هيكل، وليس هناك أشخاص مخصّصون لشعائر
العبادة. فموسى هو الكاهن، والشعب يحيط به.
هنا نتذكّر عيد الفصح الذي احتفل به يسوع مع الاثني عشر الذين اجتمعوا حوله.
ونتذكّر الخبز والخمر اللذين يشيران إلى الجسد المبذول والدم المراق لأجلنا. ففي
العشاء الأخير، جدّد يسوع العهد الذي عقده الله مع شعبه. وسلّم نفسه ذبيحة. ثم أخذ
خبزًا وشكر وكسر وأعطاهم قائلاً: "هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. إصنعوا هذا لذكري".
وصنع كذلك على الكأس بعد العشاء قائلاً: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي المراق
عنكم" (لو 22: 19- 20).
في الطقس الثاني، صعد موسى إلى قمّة الجبل مع هارون وابنيه وسبعين شيخًا من شيوخ
بني اسرائيل. يذكّرنا هذا المشهد بصعود جبل والوصول إلى قمّة تغمرها الغيوم
والضباب. أكلوا وشربوا أمام الله. هي مأدبة السلام والاتحاد مع "توقيع عهد" مع
الله. هذه المجموعة المنظّمة التي نجد فيها هارون وابنيه والسبعين (صاروا القسس في
اليونانية أو الكهنة، برسبيتاروس)، تعلن تكوين جسم يتوسّط الله والبشر: هم الكهنة.
ب- تعليمات من أجل شعائر العبادة
* تعليمات الرب
يبدأ هذا القسم (24: 12- 31: 18) بصعود جديد لموسى الذي أقام على الجبل أربعين
يومًا. ونجد هنا أيضًا صورًا تعوّدنا عليها: الغمام، النار. والخطبة الطويلة التي
يجعلها الكاتب في فم الله تتوخّى أن تجعل الشعب يشارك في ليتورجيّة الهيكل. يجب أن
تُجمع أولاً المواد الضروريّة لصنع المعبد المتنقّل.
لا نبحث هنا عن "الحقيقة التاريخيّة" لمثل هذه الخطبة. فحتّى لو قبلنا بالواقع الذي
قال إن بني اسرائيل سلبوا المصريين حين الخروج، يصعب علينا أن نتصوّر أنهم وجدوا
الذهب والفضة وخشب الاكاسيا وزيت الزيتون... لكي "يبنوا" هذا المعبد ويقوموا فيه
بشعائر العبادة.
ما هو واضح، هو أن الراوي يتطلّع إلى الهيكل. أو هو ينطلق من الهيكل ويعود إلى
الوراء لكي يتحدّث عن المسكن الالهي الذي رافق الشعب في الصحراء. أطال الكاتب
الحديث، وقدّم التفاصيل. وبعد حدث العجل الذهبي، سيروي بواسطة الألفاظ عينها تحقيق
هذا الهيكل. قال الرب لموسى: إصنع. فصنع موسى. دوّن هذا النص كاتب انتمى إلى جماعة
كهنة أورشليم، فبيّن لنا أن الهيكل قد أراده الله منذ البداية.
* تنظيم شعائر العبادة
بعد نزول موسى الأخير من جبل سيناء، يتركّز النصّ على صنع مسكن لله (خر 40:35؛ سفر
اللاويين؛ عد 1-9). كل ما أعلن في خر 25- 31، قد نُفِّذ هنا. بعد هذا، لابدّ من
وجود أشخاص مخصّصين (الكهنة واللاويين) من أجل خدمة هذا الهيكل. وهكذا يضع الكاتب
هنا كل التشريع المتعلّق بشعائر العبادة.
هذا القسم الذي يبدأ بالخروج فيمرّ باللاويين وينتهي في سفر العدد، لا يقرأه
المسيحيون، لأن قراءته مملّة. ولكنه يفهمنا كيف كان يتمّ العمل في الهيكل، كما
يقدّم لنا الخلفيّة لعدد من الجدالات بين يسوع واليهود الاتقياء.
نتوقّف بشكل خاص عند المقطع الأخير (على 9: 15-23) حيث نجد صورتين تعودان إلى بداية
سفر الخروج: النار والغمام. فالغمام الذي يغطّي المسكن يذكّرنا بذلك الذي ملأ هيكل
سليمان. إن هذه الصورة تدلّ على أن الله يأتي ليضع يده على هيكل يخصّه. وهكذا نفهم
الاهتمام الزائد بهذه الفرائض التفصيليّة: هي طريقة تدلّ على مراعاة قداسة الله.
عارض الأنبياء مثل هذا التشديد المفرط على الطقوس، ربّما على حساب الحياة
الاخلاقيّة، بحيث اعتبر بعضهم أن الأنبياء كانوا معارضين للعبادات الليتورجيّة.
ولكنهم كانوا بالأحرى ضد الرياء في عبادة لا تصل بنا إلى ممارسة المحبّة في الحياة
اليوميّة. مثلاً، قال أشعيا: "ما فائدتي من كثرة ذبائحكم؟ شبعتُ من محرقات الكباش
وشحم المسمّنات... صارت ثقلاً عليّ... إذا بسطتم أيديكم للصلاة أحجب عينيّ عنكم،
وإن أكثرتم من الدعاء، لا استمع لكم، لأن أيديكم مملوءة من الدماء. تعلّموا
الاحسان، أطلبوا العدل" (1: 11-17).
وسار يسوع في هذا الخطّ عينه فقال في مت 23:5-24: "إذا كنت تقدّم قربانك إلى
المذبح، وتذكّرت هناك أن لأخيك شيئًا عليك، فاترك قربانك عند المذبح هناك، واذهب
أولاً وصالح أخاك. ثم تعال وقدّم قربانك". هكذا تكون العبادة الحقيقيّة مرتبطة
بالمحبّة الاخوية، فتصبح مقبولة لدى الله.
ج- من عهد نُقض إلى عهد تجدّد
قطع الشعب العهد مع الله، ولكنه سوف ينقضه. هل يعاقب الله كما يفعل الملك الكبير مع
الملك الصغير؟ بل هو يغفر وينطلق من جديد.
* العجل الذهبي
صنع الشعب العجل الذهبيّ فنقضوا العهد. هذا ما نقرأه في خر 32. ولكن حين نقرأ النصّ
نحسّ أننا أمام خبرين. في الأول، تأخّر موسى من النزول عن الجبل حيث أقام أربعين
يومًا. سنجد هذا الرقم مرارًا فيما بعد: 40 سنة لعبور الصحراء. 40 يومًا يجرّب فيها
يسوع. 40 يومًا بين القيامة والصعود. يدلّ هذا العدد على مدى الانتظار والمحنة. إن
الشعب يريد قائدًا يسير أمامه. لم يعد يرى عمود الغمام، وموسى غائب منذ بعض الوقت.
حلّ هارون محلّ موسى وصنع تمثال عجل من الذهب. عند ذاك غضب الرب، وأعلم موسى بما
حصل. وأعلن أنه يُفني الشعب كله، ويبدأ من جديد كما فعل في الماضي مع ابراهيم. ولكن
كما دافع ابراهيم عن سدوم وعمورة، هكذا سيفعل موسى من أجل خلاص الشعب، وسيربح
الدعوى.
في الخبر الثاني، نزل موسى عن الجبل برفقة يشوع، وما كان يعرف ما حصل. وحين رأى
المشهد، غضب وحطّم لوحَيْ الوصايا. كما أحرق العجل الذهبيّ، وصيّره رمادًا مزجه
بمياه سقى منها الشعب. وأعطى أوامره لبني لاوي فهجموا على المخيّم وقتلوا ثلاثة
آلاف. ثم صعد موسى من جديد إلى الجبل ليكلّم الربّ.
أسئلة عديدة تُطرح علينا هنا: كيف استطاع هارون أن يصنع عجلاً من مجوهرات ذهبيّة؟
كيف استطاع موسى أن يسحق تمثالاً من ذهب، ويجعله رمادًا في الماء ويسقي منه الشعب؟
ما هو معنى تدخّل اللاويين الذين قتلوا ثلاثة آلاف؟ لن نجد الأجوبة التي ترضينا.
لهذا نبحث عن التعليم الذي يريد الراوي أن يوصله إلينا.
عرض الرب عهدًا، فقبل به الشعب، ولكنه ما استطاع أن يعيش بحسبه في مدى طويل من
الزمن. هي خطيئة كبيرة جدًا، لأنها تمسّ وصيّة رئيسية: منعُ كل صورة لله. ودلّ الله
على "غيرته" حين "غضب" على شعبه. ولعب موسى مرّة أخرى دور الوسيط والمتشفّع. وقد
نجد هنا أيضًا نقدًا لطريقة ممارسة الكهنوت: هذا ما يحصل حين نمارس شعائر عبادة ولا
نسمع كلام الله.
وقد يكون الكاتب أيضًا أورد تقاليد قديمة لكي يصوّر وضعًا يعرفه عصره. ونقرأ على
سبيل المثال ما يقول لنا كتاب الملوك عمّا حدث بعد موت الملك سليمان، ساعة الانفصال
بين مملكة الشمال (اسرائيل بعاصمتها الأخيرة السامرة) ومملكة الجنوب (يهوذا
بعاصمتها أورشليم). استلهم كاتب سفرَي الملوك هذا المقطع من سفر الخروج فكتب: "صنع
الملك يربعام عجلين ذهبيين وقال للشعب: صعدتم كثيرًا إلى أورشليم. ها هي آلهتك يا
اسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر". وجعل عجلاً في بيت إيل، والآخر في دان (على حدود
المملكة من الجنوب والشمال). تلك كانت خطيئة عظيمة. وسار الشعب في تطواف وراء العجل
حتى دان. وبنى يربعام بيوتًا (أو: معابد) على التلال المشرفة، و"رسم" كهنة، أخذهم
من الشعب لا من قبيلة لاوي (1 مل 12: 18- 31).
نجد ذات العبارات في نص خر وفي نص 1 مل. فالكاتب البيبليّ يروي دومًا أخبارًا من
الماضي لكي يلقي ضوءًا على الحاضر. وحين رُوي خبر العجل الذهبي في أيام يربعام،
توخّى شجب عجلَيْ بيت إيل ودان (في الواقع كانا ثورين يستعملان كموطئ قدم للاله)،
وشجب الكهنة الذين يخدمون في هذه المعابد. قال: أخطأ آباؤنا. فلا نسير في ضلالهم
لئلاّ يغضب الله كما فعل في الماضي. في سفر الخروج توسّل موسى، واليوم من يرفع
الدعاء لأجلنا؟
* تجديد العهد
بعد حدث العجل الذهبيّ، يرينا الراوي قلق موسى واضطرابه (ف 33- 34). أما يضجر الله
من شعب قاسي الرقاب؟ هل سيظلّ يسير في رأس موكبنا؟ هل سيقيم بعدُ في وسطنا؟ هل
نستطيع العيش مع إله لا نستطيع أن نجعله في صورة أو تمثال. قال موسى: "أرني مجدك".
أجاب الرب: "هذا مستحيل". فالانسان لا يستطيع أن يرى الله وجهًا لوجه ويبقى على قيد
الحياة. هو لا يستطيع أن يرى وجه الله، بل قفاه. صورة جميلة. نحن لا نستطيع أن نرى
الله إلاّ بعد مروره: نكتشف آثار عمله في الخليقة وفي التاريخ. ثم صنع موسى لوحين
جديدين من حجر، وصعد إلى الجبل، فدوّن مرّة ثانية كلمات الله العشر. لم يكن ظهور
الله "لامعًا" كما في المرّة الأولى. ولم تعد الوصايا كما كانت من قبل. كان للوصايا
العشر بُعدٌ مسكوني يتجاوز إطار اسرائيل الضيّق، فيصل إلى جميع البشر. أما الوصايا
التي أعطيت الآن فهي تتعلّق بشعائر العبادة، وهي لا تهمّنا اليوم كثيرًا.
خاتمة
تلك محطة ثانية في التعرّف إلى وجه موسى من خلال سفر الخروج. فمسيرة الشعب هي مسيرة
موسى. وما يحدث للشعب يحسّ به موسى، الذي بدا وسيطًا بين الله والشعب، ومتشفِّعًا
أمام الله من أجل الشعب. وقد يعاقب إذا لزم الأمر فيعمل "عمل الله" الذي يؤدّب
البنين الذين يرضى عنهم. فما يدفعه إلى العمل هو "وجه" الله القدوس الذي ظهر له
وحده في العليقة الملتهبة، وظهر للشعب على الجبل من خلال البروق والرعود. هذا الوجه
يدفعه إلى أن يكون مع الله إذا استحقّ الشعب عقابًا ولاسيّما في عبادة الأوثان.
سواء مع هارون أو الملك بريعام. وأن يكون مع الشعب من أجل الصلاة والتشفّع. وسيأتي
يوم يتضامن فيه موسى كليًا مع شعبه فيرفض عرض الله بأن يبدأ مع "شعب جديد". بل هو
يستعدّ أن يموت مع شعبه. وسيكون نصيبه نصيب شعب البريّة، فيموت دون أن يحظى برؤية
أرض الميعاد.
الفصل السابع والعشرون
إلى أبواب أرض الميعاد
نترك جبل سيناء، ونتوجّه إلى واحة قادش. مسيرة بسيطة ويوميّة، لا تحمل شيئًا من
آيات الانتصار. وموسى نفسه قد تعب أمام تذمّرات الشعب وإرادته السيّئة. هم لا
يريدون أن يتابعوا المسيرة. وسيقول الربّ يومًا لموسى وهارون: "إلى متى أحتمل هؤلاء
القوم الاشرار الذين يلقون اللوم عليّ" (عد 14: 26-27)؟ هم ما زالوا يحتجّون
ويعارضون رغم حسنات الله المتواصلة من أجلهم. ولكن المسيرة تتتابع.
نتوقّف هنا عند ثلاث نقاط: السير في الصحراء إلى قادش. من قادش إلى أبواب أرض
الميعاد. موت موسى.
1- مسيرة قادش
لقد بدأ الشعب مسيرته الآن نحو قادش. تعب الشعب، وتعب قوّاده. بل الله نفسه تعب.
أراد الربّ أن يفني هذا الشعب ويؤسّس شعبًا جديدًا، ولكن موسى لم يرضَ. غير أنه لا
بدّ من تنقية هذا الشعب من كل أثر لعبادة الاصنام، وتهيئته تهيئة كاملة لعبادة الله
الواحد.
أ- الانطلاق والأزمات الأولى
ارتفع الغمام عن المعبد المحمول، فكان ارتفاعه إشارة للانطلاق (عد 10: 12). ولكن
المناخ لم يعد ذاك الذي سيطر على الشعب ساعة الخروج من مصر. فهم قد بدأوا سريعًا
بالتشكّي والبكاء. هم يريدون أن يرجعوا. عند ذاك "غضب" الرب (وغضبه من غضب موسى)
وأشعل قسمًا من المخيّم (في الواقع، دبّت النار في المخيّم فاعتبر الكاتب ذلك
قصاصًا وبحث عن السبب في الله لا في الاسباب الثانويّة). صلّى موسى، فتوقّفت النار.
ولكن أحسّ الجميع منذ هذه البداية أن المسيرة لن تكون نزهة في أمراج من الزهور.
وسيفهمنا الحدث التالي فهمًا أفضل كيف أن الله بدأ يتبرّم من شعبه. فهم يحنّون
حنينًا إلى الأكل والشرب. يتطلّعون إلى السمك والخيار، إلى بطيخ مصر وبصلها. لقد
ضجروا من هذا المن الذي لا يتبدّل طعمه ولا يتغيّر يومًا بعد يوم. بل إن موسى نفسه
يئس، وهو لا يعرف كيف يجد لهم لحمًا. قال الله: أنتم ترتابون بقدرتي؟! تريدون
لحمًا؟ إذًا ستنالون منه ما يصل إلى أنوفكم. وأرسل الرب السلوى. فهجم بعضهم وأكلوا
وأكلوا حتى تخموا وسقطوا أمواتًا.
ويمتزج بهذا الخبر خبرٌ آخر: تأسيس مجموعة السبعين شيخًا الذين ينالون من الروح
الذي حلّ على موسى، فيبدأون يتنبّأون. ولقد تمنّى موسى نفسه أن ينال الشعبُ كله روح
النبوءة هذا. ولكن هذا سوف يتمّ فيما بعد، مع يسوع، في عيد العنصرة: هنا تتحقّق
كلمة النبيّ يوئيل: "في تلك الأيام، يقول الله، أفيض من روحي على كل بشر، فيتنبَّأ
بنوكم وبناتكم ويرى شبّانكم رؤى وشيوخكم أحلامًا. على عبيدي وجواريّ أفيض من روحي
في تلك الأيام فيتنبّأون" (أع 2: 16-18).
وتنتهي هذه المتتالية كما بدأت بتدخّل ظاهر لله، أصاب على أثره البرصُ مريم التي
انتقدت موسى. والجديد هنا هو أن الله لا يسمع صراخ موسى، بل يبقي العقاب سبعة أيام.
وسوف ينتظر الشعب أن تمرّ هذه الأيام السبعة قبل أن يتابع مسيرته، وهكذا يدلّ على
تعلّقه بالنبيّة التي لعبت دورًا كبيرًا بعد عبور البحر الأحمر.
ماذا نستنتج من هذه النصوص الغريبة التي فيها يتصرّف الله كالوالد الذي يتعامل مع
ابنه الرافض ويحاول أن يؤدّبه. لاشكّ في أننا أمام صور تشبيهيّة، انتروبومورفيّة
(تشبّه الله بالانسان، تجعل في الله عواطف انسان). هذا يعني أننا نجعل الله يتصرّف
كما يتصرّف انسان من الناس. لهذا، يجب أن لا نقرأ النصوص على حرفيّتها، بل نحاول أن
نكتشف فيها أمانة الله في التزامه قضيّة شعبه. "يصارع" الله لكي يصل هذا الشعب إلى
الحريّة، وإن طلب منه مجهودًا كبيرًا. ويجبر الله على معاقبة بني اسرائيل لئلاّ
يتراخوا ويعودوا إلى أرض العبودية. فإله الحبّ له متطلّباته. هو كالعريس الغيور
الذي لا يرضى بالخيانة.
ب- الأزمة الكبرى
في هذا الحدث (ف 13-14) وصل سوء التفاهم بين الله وشعبه إلى أزمة خطيرة في قادش،
تبعها قرار لا رجوع عنه اتّخذه الرب هناك. لقد انتهى الآن العبور في الصحراء. فأرسل
موسى رجالاً يجسّون أرض كنعان ويتعرّفون إلى القوى الموجودة في البلاد. عادوا وهم
يحملون عنقودًا من العنب كبيرًا جدًا كرمز لغنى البلاد، غير أنهم قالوا إن أهل
الأرض هم جبابرة.
بين غنى الأرض وسحرها من جهة، وخطر الاحتلال من جهة ثانية، اتّخذ الشعب موقفه. فرغم
تدخّل الجاسوسين يشوع وكالب، رفضوا أن يسيروا إلى أرض الميعاد وفضّلوا أن يموتوا في
البريّة. بل تطلّعوا إلى قائد آخر يعود بهم إلى مصر. وأرادوا أن يرجموا موسى
وهارون. نحن هنا الآن أمام ثورة مفتوحة. وصل الشعب على عتبة الأرض المقدّسة، ولكنه
يرفض عطيّة الله هذه.
كان الله قد وعد ابراهيم قال: "أعطيك أرضًا، وأعطيك نسلاً كبيرًا مثل الكواكب في
السماء". فالنسل العديد هو هنا. والأرض أيضًا. ولكن النسل رفض أن يمتلك الأرض.
فأمام هذا الرفض والعناد، لم يعد من معنى للعهد، فهدّد الرب بأن يبدأ كل شيء من
البداية وكأن شيئًا لم يكن. فدافع موسى مرّة أخرى عن قضيّة شعبه. ولكنه ما نال هذه
المرّة إلاّ نصف ما طلب. قال الرب: "بما أنكم تفضّلون أن تموتوا في البريّة، فليكن
لكم ما تريدون. ستكون البريّة مقبرة لكم، ولن يدخل منكم أحد إلى كنعان سوى يشوع
وكالب".
في الغد فهم الشعب خطأه. فهجم على العدو، مع أن موسى لم يتحرّك ولم يدع تابوت العهد
يشارك في القتال، فدلّ على أنه لا يريد هذا الهجوم. وبما أن الرب لم يكن معه، تحطّم
بنو اسرائيل بيد الأعداء.
لقد استندت هذا الأخبار إلى وقائع تاريخيّة. فعشيرة كالب احتلت أرض يهوذا انطلاقًا
من قادش. أما سائر القبائل التي خرجت من مصر، فأخذت طريقًا أخرى عبر الصحراء. وقد
فسّر الكاتب هذا التيهان الطويل بعقاب إلهي أصاب أولئك الذين استهانوا بعطيّة الأرض
التي منحها الربّ.
هذا الحدث يشكّل أول فشل حقيقيّ لموسى. ما تبعه الشعبُ، بل أرادوا أن يقتلوه. أما
الله فلا يزال يثق به. غير أن متاعب موسى ما انتهت بعد. فسوف تتبعها متاعبُ أخرى.
ج- اعتراض على موسى وهارون
مزج الراوي هنا (عد 16-19) خبرين اثنين. ونحن نحاول أن نفصل خبرًا عن خبر. رفض
داتان وأبيرام أن يتبعا موسى. لاماه لأنه جعلهم يتركون أرضًا تدرّ لبنًا وعسلاً لكي
يميتهم في البريّة. فالأرض التي يريدون العيش فيها، ليست أمامهم بل وراءهم. هي مصر.
كانت الحال هناك أفضل من هنا. لقد جاء الله بنا إلى هنا لكي يميتنا. وهكذا طفح
الكيل! ما عاد موسى يتشفّع من أجل المتمردين، بل طلب معاقبتهم. ونبّه الشعب:
"ابتعدوا. فالله سيضرب ضربة". وفي الواقع، انفتحت الأرض وابتلعت الثائرَين
وعيالهما.
والخبر الثاني الذي يمتزج بالأول هو خبر قورح الذي من نسل لاوي، والذي جرّ وراءه
250 مسؤولاً في اسرائيل لكي يعارضوا كهنوت هارون والمكانة المميّزة التي يحتّلها
موسى أمام الرب. قالوا: كفى. جميع أعضاء الجماعة مقدّسون والرب هو في وسطهم. بأي
حقّ ترتفعان على جماعة الرب؟ فطلب موسى حكم الرب، ولكنه تشفّع في الوقت عينه على ما
فعل ابراهيم لئلاّ يكون العقاب جماعيًا. فالتهمت نار الرب الـ 250 المخطئين ساعة
قاموا بعمل ليتورجيّ محفوظ لعائلة هارون.
وأضيف خبر ثالث على الخبرين الأولين مع تمرّد الشعب كله على موسى وهارون. لم يدافع
موسى بنفسه هذه المرّة لكي يُبعد غضب الله، بل طلب من أخيه هارون أن يمارس كهنوته،
فأسرع هارون عبر المخيّم مع مبخرته لكي يبعد ضربة الله عن الشعب.
تدلّ هذه الأخبار على فضل الكهنة، بني هارون، على اللاويين. كما تشدّد على قداسة
الله التي تَبرز أكثر ما تبرز في احترام دقيق للطقوس. كانت تلك مرّة أولى، حلّ
هارون الكاهن محل موسى الرئيس، في عمل التشفّع من أجل الشعب. وهكذا صارت وظيفة
الليتورجيا حمْل الخلاص إلى الشعب.
2- من قادش إلى أرض الموعد
تقودنا هذه المرحلة عبر الاردن حتى ضفّة الاردن الشرقيّة. وقد انطبعت بموت مريم
وهارون، كما تميّزت بإقصاء الرئيسين موسى وهارون بعد أن أظهرا عدم أهليّة في قيادة
الشعب.
أ- موت مريم وهارون
بدأ الحدث بالكلام عن موت مريم، وانتهى بالكلام عن موت هارون (20: 1، 22-29). كان
موت مريم موتًا طبيعيًا وقد حصل في قادش. أما موت هارون فكان "شاذًا". أعلن الرب
أسباب موت أخي موسى، وأختار المكان، ونظّم الخلافة. مات هارون على قمّة جبل في عزلة
تامّة، يحيط به ابنه وموسى. وقبل أن يموت جرِّد من ثيابه لئلا تلامس نجاسة طقسيّة.
ونقل موسى الثياب من الأب إلى الابن، فأسَّس كهنوتًا وراثيًا.
نحن أمام تعارض مؤثّر بين موت النبيّة في السهل وسط أخصّائها، وبين موت عظيم الكهنة
وحده بين الأرض والسماء. فالنبيّ لا يتميّز عن سائر الرجال (وإذا كانت نبيّة عن
سائر النساء) إلاّ بكلمة يقولها. أما الكاهن فيتميّز عن الآخرين بما هو، بوظيفته
التي تفرزه من أجل خدمة الاقداس.
ب- عقاب موسى وهارون
بين ميتتين حقيقيّتين، هناك موت رمزيّ يعيشه موسى كقائد للشعب. لقد رذله الله كما
رذل أخاه هارون. وكان العقاب قاسيًا جدًا بحيث لم نعرف بما عصى موسى أمر الله.
نقطة الانطلاق هي هي: خاصم الشعب الأخوين بسبب نقص في المياه: "لماذا جئتما بنا إلى
هذا الموضع التعيس"؟ في هذه المرّة، توافق الله مع الشعب، وطلب من موسى أن يؤمّن
لهم الماء. ضرب موسى الصخر مرتين فجرى الماء. هذا ما سبق وفعله في مسّة ومريبة (خر
17). فلماذا يعاقب الله موسى؟ وما هي خطيئة "رجل الله"؟
نقرأ عد 7:20- 11: "قال الرب لموسى: خذ العصا واجمع الجماعة، أنت وهارون أخوك،
وكلِّما الصخرة على مشهد منّي فتعطي مياهها، فيشربون هم وبهائمهم. فأخذ موسى العصا
من أمام خيمة الربّ كما أمره الرب. وجمع موسى وهارون الجماعة أمام الصخرة وقال لهم
موسى: اسمعوا أيها المتمرّدون، أنُخرج لكم من هذه الصخرة ماء؟ ورفع موسى يده وضرب
الصخرة بعصاه مرّتين فخرج ماء كثير، فشربت منه الجماعة وبهائمهم".
طلب الله من موسى أن يكلّم الصخرة، وأن يعطي الجماعة ماء لتشرب: زاد موسى على ما
طلبه الله، فضرب الصخر مرّتين وكلّم الشعب. إذن، هو لم ينفّذ بدقّة المهمّة التي
تلقّاها، بل فعل ما لم يطلب منه الله أن يفعل. بل راح أبعد ذلك، فنسب كل شيء إلى
نفسه لا إلى الله. من جهة، سمّى الشعب "المتمرّدين". ولكن هذا التمرّد لم يكن
موجّهًا ضدّ الله بل ضدّ موسى الذي جعل جماعة الرب تقيم في موضع تعيس، في قادش.
وهكذا بدا الرب وكأنه يوافق على انتقادات الشعب. فمشروعه لا يقوم بأن تبقى جماعته
في هذه الواحة. فقد هيّأ لها أرضًا أخرى. ومن جهة ثانية، اجتذب موسى الانتباه إلى
نفسه وإلى قدرته في صنع العجائب، وما دعا الجماعة للتطلّع إلى الله.
في كل هذا العمل، شارك هارون أخاه. فالقائد السياسيّ والقائد الديني ما تصرّفا
كوسيطين لله. لهذا جاء العقاب سريعًا ونهائيًا: "بما أنكما لم تؤمنا بي إيمانًا
يظهر قداستي على مرأى بني اسرائيل، لذلك لا تُدخلان أنتما هذه الجماعة إلى الأرض
التي أعطيتها لهم" (عد 20: 12).
أمام هذا المشهد، ندرك الصعوبة في قراءة النصوص البيبليّة. فإذا عالجناها في نظرتنا
الحديثة التي تهتمّ بمصير الفرد ونفسيّته، نشعر أن العقاب لم يكن متناسبًا مع
الخطيئة. وقد نفهم عقاب هارون وهو الذي كان السبب في قضيّة العجل الذهبيّ. ولكن أن
نتّهم موسى لقلّة إيمانه، مع أنه أطاع الرب دومًا وفي كل شيء، فهذا ما لا نفهمه.
أما يستطيع الله أن يغفر ضعفًا صغيرًا، هو الذي ما فتئ يغفر منذ البداية ذنوبًا
كبيرة؟ حين نقرأ النصّ من هذه الزاوية، لا بدّ من أن نتشكّك.
غير أن الكاتب البيبليّ لا ينظر إلى الأمور من زاويتنا. هو لا يجعل من موسى
(وهارون) "نجمًا" يروي حياته ويرفعه على رؤوس الملأ. هو لم يقل إن الله اختاره بسبب
صفاته (هنا نتذكّر دعوة موسى وتهرّبه وخوفه). كما لا يشدّد على استحقاقاته. بل شدّد
على أخطائه. فالكاتب يريد أن يبيّن أن كل سلطان سواء كان سياسيًا أم دينيًا،
نتسلّمه من الله من أجل خير الشعب. لقي موسى وهارون المعارضة من الجماعة فلم يسمعا
للرب (على مثال شاول فيما بعد). ما فهما أن الوضع قد تبدّل. فطبّقا وصْفات قديمة
لكي يثبّتا أقدامهما. وما اعتبرا أنهما قد يكونان مخطئين.
وجاءت بسرعة نتيجة عقاب الله ضدّ موسى. اصطدم موسى بملك أدوم الذي منعه أن يعبر في
أرضه. وبما أنه لا يستطيع أن "يزيل الحاجز"، وجب عليه أن يدور حول أرض أدوم. وقال
النصّ إن ذراع أدوم القوية انتصبت في وجهه. استعملت هذه العبارة عادة لكي تدلّ على
قدرة الله التي لا تقاوم (ذراع قويّة). ولكن الرب أرخى يديه وترك الخصم يتغلّب على
موسى (خر 20: 14- 21).
ج- إزالة الاعداء
لم تجر المسيرة كما كان متوقَّعًا لها. ولكن شرّ الشرور لم يأت بعد. فالكتاب يعطينا
نظرة مسبقة إلى ما تكونه حرب "الاحتلال" التي يرويها سفر يشوع. ستكون حربًا تامّة،
تقوم لا في أن نقهر جيوش الاعداء وحسب، بل في إزالتهم من الوجود. لا مساومة في هذا
الأمر: يقتلون كلهم بحدّ السيف، الرجال والنساء والاولاد والحيوان. هذا ما يسمّى
الحرم (يحرّم على المقاتلين الاستفادة من أسرى الحرب ومالهم لأن كل هذا مكرّس للرب،
لهذا يُذبح كما تُذبح الذبيحة) والابسال (أي تسليم كل شيء للهلاك) (عد 3:21). إذا
نسي بنو اسرائيل أن يقوموا بهذا العمل، ينبهّهم الرب إلى ذلك أو يعاقبهم (1 صم 15:
10- 15).
هذا العنف القاسي من قبل الله، يحيّرنا ويشكّكنا. لماذا مثل هذا التوحّش؟ هنا لا
نمزج بين ما حدث حقًا وما يرويه الكاتب البيبليّ الذي لا يعمل عمل المؤرخ، بل يحاول
أن يقدّم تعليمًا. يعرف المؤرّخون أن قبائل بني اسرائيل التي صعدت من مصر تغلغلت
بدون حرب في فلسطين. ومعركتا أريحا والعي لم تكونا دمويّتين كما يروي ذلك سفر يشوع.
ولم تُهدم أسوار أريحا على أصوات البوق، لأن الأسوار كانت قد هُدمت قبل وصول بني
اسرائيل بمايتي سنة على الأقّل. أما الكاتب البيبلي فيسعى إلى ابراز سموّ الله.
فيدلّ كيف كانت تُقسم الأسلاب. كان الرئيس يقرّر الحصّة التي تعود له. ويُعطى سائر
المحاربين حصصًا. ولكن حين يقدّم اسرائيل كل الاسلاب لله، فهو يؤكّد أنه وحده
الرئيس وأن النصر هو نصره وحده. لهذا، لا يحتفظ بشيء لنفسه فيقدّم كل شيء لله
ويحرقه كدلالة على تجرّده. هي نظرة روحيّة، عبّر عنها الكاتب بلغة حربيّة تقزّ
آذاننا لدى سماعها. لهذا، نتجاوز اللغة، ونصل إلى الفكرة اللاهوتيّة التي تعيد كل
شيء إلى الله.
د- نحو أرض الميعاد
وتابع شعب اسرائيل مسيرته نحو أرض الميعاد (عد 21: 4-35). ولكنه ما بدّل شيئًا في
عوائده. بل ظلَّ يعارض الله الذي "أرسل" حيّات تحرق بعضّتها (عد 4:21-9). فقام موسى
بعمل غريب: بناء على أمر الرب صنع حيّة نحاسيّة علّقها على سارية: فمن نظر إلى
الحيّة نجا من الموت. كيف نفهم هذا العمل؟ كيف نوفّقه مع الوصايا العشر وتحريم
الصور؟ فالحيّة المعلّقة على سارية ترمز إلى آلهة الشفاء عند الوثنيين (اسكولابيوس.
وفي كل صيدليّة من صيدلياتنا). استعاد موسى هذا الرمز الوثني من أجل خدمة الله الذي
هو السبب الحقيقيّ لكل شفاء. هو لم يصنع مثل هذا التمثال ليربح ودّ الاله الوئني،
بل ليطيع الرب. إذن، تعود المبادرة إلى الله. وحين يرفع بنو اسرائيل عيونهم إلى
الحيّة، فهم يرفعون في الوقت نفسه عيونهم إلى السماء، حيث صورة الحيّة الميتة. هنا
نفكّر في الانجيل: "كما رفع موسى الحيّة في البريّة، هكذا يجب أن يرتفع ابن الانسان
لكي ينال الحياة الأبديّة كلُّ من يؤمن به" (يو 3: 14- 15). فعلى الصليب، قُهر
الشرّ في شخص يسوع، وكشف الله عن عمل خلاصه.
لا نتوقّف عند خبر بلعام وأتانه التي تتكلّم على مثال الحيّة في سفر التكوين (عد
22-24). فموسى لا يلعب أي دور في هذه المتتالية. بل نتوقّف عند الأحداث التي حصلت
في بعل فغور (عد 25). لقد وصل التمرّد على الرب إلى الذروة. لقد استسلم الشعب إلى
الزنى مع بنات موآب وسجدوا لآلهتهنّ. قتل موسى كل الذين جعلوا نفوسهم تحت نير بعل.
وأرسل الرب وباء حصد 24000 شخصًا. وانتهى كل شيء بحربة أطلقها الكاهن فنحاس، ابن
هارون، فقتل الاسرائيليّ (الزاني) والمرأة المديانيّة. نجد هنا مرّة أخرى ما حدث
بعد عبادة العجل الذهبيّ. إن جيل الشعب الذي خرج من مصر، هو جيل جدير بالشفقة. خرج
من مصر لكي يموت في البريّة.
وتهتمّ نهاية سفر العدد (ف 26-36) باحتلال الأرض العتيد. أعطى الرب تعليماته لموسى
في هذا المجال. وأمره أيضًا بأن يختار يشوع خلفًا له. وضع عليه موسى يده فنقل إليه
سلطته. فما بقي له سوى أن يودّع أخصّاءه وداعًا نقرأه في سفر التثنية.
3- نهاية موسى
عاقب الله هارون وموسى، فمنعهما من الدخول إلى أرض الميعاد. مات هارون على الجبل
(ولم يعرف أحد موضع دفنه). وسيموت موسى بعده. ولكن قبل ذلك، استخلص موسى العبرة من
حياته وأعطى نصائح حكمة لشعبه. ذاك هو موضوع سفر التثنية الذي هو وصيّة موسى قبل
موته، والذي هو أفضل تفسير للشريعة التي سلّمها الرب لشعبه على جبل سيناء.
أ- سفر التثنية
من ألّف سفر التثنية؟ لاويون من مملكة الشمال هربوا من هناك حين سقطت السامرة سنة
722- 721 على يد ملك الأشوريّين. وصلوا إلى أورشليم وعرضوا ثمرة تأمّلهم الذي كيّف
الشريعة القديمة التي أعطاها موسى مع الوضع الجديد. شدّدوا، شأنهم شأن النبيّ هوشع،
على موضوع العهد واختيار اسرائيل. وجعل المدوّن النهائي هذا النصّ في فم موسى ليدلّ
على التواصل في إيمان اسرائيل منذ موسى حتى اليوم.
لا نستطيع أن نلخّص سفر التثنية. فيجب أن نقرأه بعد أن ألهم عددًا من الصفحات في
العهد الجديد. لهذا نكتفي بأن نورد هذا المقطع الذي يتلوه اليهوديّ التقيّ صلاة
صباحيّة في كل يوم: "إسمع يا اسرائيل. الرب إلهنا هو الرب الواحد. فأحبّ الربّ إلهك
بكل قلبك وكل كيانك وكل قوتك. وكلمات الوصايا التي أعطيك اليوم، تكون حاضرة في
قلبك. تقولها لأبنائك، تقولها حين تكون في البيت وحين تسير في الطريق، حين تنام
وحين تقوم" (تث 5:6-7).
ب- موت موسى
ومات موسى على قمّة جبل نبو (تث 24). شاهد أرض الموعد ولكنه لم يدخل إليها. قال له
الرب: "هذه هي الأرض التي أقسمت لابراهيم واسحاق ويعقوب أن لنسلكم أعطيها. أريتك
إياها بعينيك، لكنك إلى هناك لا تعبر" (آ 4). هذا هو عقاب موسى في البريّة. أيكون
الله جائرًا؟ أيكون قد نسي فضل موسى؟ كلا. لأن سفر التثنية يقول أيضًا: "فمات هناك
موسى عبد الرب في أرض موآب بأمر الربّ. دفنه في الوادي، في أرض موآب تجاه بيت فغور،
ولا يعرف أحد قبره إلى يومنا هذا. وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات. لم يكلّ
بصره ولم تذهب نضرته" (آ 5-7).
الرب دفن موسى. تصرّف معه كما يتصرّف القريب مع قريبه. ففعلة الرب الفريدة في العهد
القديم، تدلّ على محبّته لمحرّر شعبه ومشترع اسرائيل. ولا يعرف إلاّ الله قبرَ
موسى. وسيقول اليهود إن الله أخذه. هذا الموت يدلّ مسبقًا على موت النبي إيليا الذي
أخذه الله أيضًا، وموت يسوع الذي اختطف في يوم صعوده. وسوف نجد هؤلاء الأشخاص
الثلاثة على جبل التجلّي في النور والغمام.
يسوع هو موسى الجديد، ومشترع الأزمنة الجديدة، ونبيّ الله، وكلمة الله. فهو يمشي
أيضًا على رأس جماعته نحو أرض الميعاد. جاء يمدّ عهد سيناء أبعد من الشعب العبراني،
لكي لا ينحصر في شعب من الشعوب، بل ليصل إلى جميع الشعوب. "هذا هو العهد الجديد
بدمي".
خاتمة
وهكذا تنتهي مسيرتنا مع موسى في ثلاثة فصول: من مولده إلى الخروج من مصر. الحياة في
البريّة والاقامة في سيناء. إلى أبواب أرض الميعاد. تعرّفنا إلى موسى من خلال
الأسفار الخمسة التي حملت اسمه. فاكتشفنا اهتمام الله بالبشر، بجميع البشر، لا بفئة
دون فئة. واكتشفنا صبره الطويل وحبَّه المتطلّب. وأصغينا إلى مؤمنين عاشوا في
القديم، فكلّموا الرب في صلاتهم. وتكلّموا عن الرب ومثّلوه في "صورة" بشريّة. هذا
الرب يحبّ، يوبّخ، يغضب، يعاقب ويغفر. قد "يضرب" الاعداء ليخلّص شعبه. وقد يعاقب
شعبه إذا خطئ. مثل هذه الصور تحيّرنا. ولكنها تفهمنا أن هذا الاله ليس فكرة مجرّدة،
بل هو شخص حيّ، حمل الخلاص لشعب من الشعوب. بانتظار أن يحمله إلى جميع الشعوب
بواسطة ابنه يسوع الذي ما أرسله ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم.
الفصل الثامن والعشرون
أيوب والمحن التي مرّ فيها
كان في أرض عوص رجل اسمه أيوب، رجل نزيه، مستقيم، لا عيب فيه. يخاف الله ويحيد عن
الشرّ. وُلد له سبعة بنين وثلاث بنات. وكانت قنيته سبعة آلاف من الغنم، ثلاثة آلاف
جمل، خمس مئة أتان، وعددًا كبيرًا من الخدم. كان ذلك الرجل أعظم أبناء الشرق
جميعًا.
شخص قد يكون وُجد في أرض حوران في سورية، أو في بلاد أدوم. في الاردن الحالي. ولكن
الكاتب جعلنا في إطار من الصور والخيال وهمّه أن يقدّم لنا تعليمًا. نتوقّف هنا في
هذا الفصل عن أيوب عند ثلاثة أقسام. الأول: أيوب مثال البرّ والتقوى، وقد جرّبه
الشيطان. أيوب والألم الذي عرفه. أيوب وامرأته.
1- أيوب مثال البرّ والتقوى
نحن هنا أمام كتاب جريء كل الجرأة، بل هو يتفوّق في هذا المجال على كل أسفار العهد
القديم. فهو سيدافع عن قضيّة الانسان "في وجه الله"، وسيقبل الله بهذا "التحدّي"
حين يقول في النهاية إن أيوب تكلّم عنه كما يجب (7:42). لقد طرح هذا الكتاب مسألة
الألم في كل أبعادها. خسران المال والاولاد، خسران الصحّة وراحة الجسد. خسران
المرأة التي يجب أن تكون بجانب الرجل. خسران الاصدقاء. وفي النهاية، يحسّ أيوب أنه
خسر الله نفسه، فما عاد يعرف أن يكلّمه.
أ- رجل في أرض عوص
ظهر أيوب فجأة على المسرح. لا أب له ولا جدّ، لا نسب له على ما تعوّدنا أن نقرأ في
الكتاب المقدّس. ولكن هذا "المقتلَع" من صخر، استفاد من وضعه لكي يتصرّف بحريّة
تجاه اللاهوت التقليدي في أرض اسرائيل. رفض القول بأن البار يرى السعادة على هذه
الأرض، مع الخيرات الوفيرة والابناء العديدين، والصحّة التامة التي تقود الانسان
إلى حياة طويلة الأمد.
أولاً: رجل غريب عن أرض فلسطين
ثم إن هذا الرجل لا يسكن في أرض اسرائيل، بل على حدود فلسطين. هو من هذا الشرق
الواسع الذي رفد التوراة بعدد من الأخبار والصور. هو غريب عن أرض فلسطين، ومع ذلك
هو مثال البرّ والتقوى. يشبه ملك جرار الذي عرف مخافة الله وسار بحسب "وصايا الله"
وإن لم يكن يعرفها على ما يقول الكتاب (تك 20: 11). هذه الوصايا محفورة في قلبه،
وقد عرف أن يسمع صوت الله من خلال ضميره، فما اقترب من سارة امرأة ابراهيم. هنا
نسمع درسًا حول شموليّة الحياة بحسب "شريعة الله" لدى اليهوديّ وغير اليهوديّ، لأنّ
الله هو إله الجميع.
وحين نقرأ بداية الخبر في أيوب، نحسّ أننا أمام صورة معمّمة مع بعض التضخيم: كان
هذا الرجل أعظم أبناء المشرق. هكذا رفعه الكاتب إلى أعلى المراتب، ليعدّنا حتى نراه
في قعر الذلّ والألم. أما الأرقام التي يجعلها أمام عيوننا فهي مصطلحة: سبعة،
ثلاثة، ألف... تلك هي طريقة رمزيّة لكي يقول لنا الكاتب كم كان هذا الرجل "غنيًا"
بالبنين (الرقم سبعة هو رقم الكمال) والبنات (7+3= 10). أما مواشيه فلا تعدّ،
ولاسيّما غنمه التي هي 7×1000 (الذي هو مكعّب 10 أي 10×10×10)، وبالتالي كمال
الكمال وملء الملء. وهكذا نفهم أن أيوب كان سعيدًا فما كان ينقصه شيء ممّا يتمنّاه
الانسان على الأرض. فلماذا لا يكون متعبّدًا لله، كما قال "الشيطان" الذي سوف
يجرّبه. إن لم تكن عبادته مخافة الحبيب الذي يخاف أن يغيظ حبيبه، فقد تكون مخافة
العبد من سيّده، أو خوف الغنيّ الذي يتجنّب غضب إله قاس يجعله يخسر كل شيء إن لم
يكن راضيًا عنه.
انسان صاحب سمات مثاليّة. وهو يتكلّم باسم الناس، باسم كل انسان. هو يستطيع أن
يدافع عن الانسان لأنه "نزيه، مستقيم" (1: 1). والله نفسه أقرّ أنه بارّ. أنه يشبه
ابراهيم الذي آمن فكان إيمانه الفاعل في الحياة اليوميّة مبرّرًا له (تك 15: 6).
هذا ما كان عليه أيوب. بل كان بالإضافة إلى حياته، يراقب حياة أبنائه فيقدّم ذبيحة
أسبوعيّة عنهم، لعلّهم أخطأوا (1: 5). ولكننا سننسى أمور الذبائح في متن الكتاب (ف
3-42)، ولا نعود إليها إلاّ في النهاية حين يطلب الله من أصدقاء أيّوب أن يحملوا
إلى أيوب ذبائح يقدّمها عنهم (42: 8) وكأنه صار "كاهن" الله العليّ على مثال
ملكيصادق الذي تلقّى العشور من ابراهيم.
ووجّه الله كلامه إلى الخصم، إلى الشيطان. نحن هنا كما في "مسرحيّة": يبدو الله
بشكل ملك يحيط به "رجاله"، يحيط به الملائكة. وتغلغل الشيطان بينهم. وأشاد الله
بفضيلة أيوب ودلَّ على رضاه عنه: "هل لاحظت عبدي أيوب؟ لا مثيل له على الأرض" (1:
8). ويعود النصّ إلى قرار سمعناه: "رجل نزيه، مستقيم، يخاف الله، ويحيد عن الشرّ".
هذا هو حكم الله. أما أصدقاؤه فسوف يقولون: ليس من انسان نزيه، بارّ أمام الله.
وهكذا بدا أيوب مؤمنًا كبيرًا. وهو حين يعارض "اللاهوت التقليديّ" سيكون لكلامه وقع
كبير في الكتاب المقدّس. فهو إن قال ما قال، ينطلق من عميق إيمانه ليرفض "السجن"
الذي سجنَه فيه فكرٌ متحجّر. لهذا، سوف نرى أنه لن يرضى بجواب البشر، ويتطلّع إلى
جواب من عند الله. وهذا ما سيكون له فيقول: سمعت عنكم سماعًا. أما الآن فرأتني
عيناك.
ثانيًا: توالت المحن عليه
وحلّت المحن بهذه الرجل النزيه، مع أن هذا الوضع يعرفه "اللاهوت التقليديّ". جاءت
موجتان من المحن، والموجة الثانية أقسى من الأولى: السلب والنهب، الحريق،
العواصف... وهكذا خسر أيوب كل ماله حتى أولاده الذين كانوا مجتمعين في بيت أخيهم
الاكبر (1: 13). غير أن أيوب ظلّ ثابتًا في إيمانه.
عند ذاك قام أيوب وشقّ ثوبه وجزّ شعر رأسه. تلك هي علامات الحزن والأسى. ثم ارتمى
على الأرض وسجد لله قائلاً: "عريانًا خرجت من بطن أمي، وعريانًا أعود إلى هناك" (1:
20- 21). فالأرض هي أمّه أيضًا وإليها سيعود بعد موته، بعد أن خرج من حشا أمّه.
وتابع أيوب كلامه: "الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركًا" (آ 21). أجل،
الرب هو علّة كل شيء. ما يصيبنا من شر وما نحصل عليه من خير. أما الأسباب الثانويّة
فلا تُذكر. لا يهتمّ الكاتب "بالامور الاقتصاديّة" وغيرها، بل بعلاقة الانسان
بالله، لأن الكتاب المقدّس هو كتاب مسيرة الانسان إلى الله، ومسيرة الله إلى
الانسان. ويتابع النصّ فيقول: "في كل هذا لم يخطأ أيوب، ولم يقل في الله كلمة" (آ
22). لم يجدّف على الرب كما وعد الشيطان نفسه فقال: "سترى كيف يجدّف عليك في وجهك"
(1: 11).
ولكن محن أيوب لم تنته بعد. سوف يهاجمه "الشيطان" في جسده. وفي لغتنا، سوف يصيبه
مرض قريب من البرص، منذ "باطن قدمه إلى قمّة رأسه" (7:2). وهكذا صار نجسًا، وأجبر
على الابتعاد عن الناس والعيش خارج المدينة على ما يطلب لا 46:13 (ما دامت البلوى
به، يكون نجسًا وليكن خارج المحلّة). "حينئذ أخذ شقفة من الخزف ليحكّ جسده بها وهو
جالس على الرماد" (2: 8).
نحن هنا بلا شكّ في خبر تسيطر عليه المخيّلة والصور. وقد كُتب لكي يجعل الرواية
دراماتيكية إلى أقصى الحدود. لم يبقَ من هذه المأساة سوى ثلاثة خدم يحملون إلى أيوب
الأخبار السيّئة. ويشهدون ألمه. وقد يكونون حملوا الخبر إلى أصدقاء أيوب الذين
جاؤوا إليه معزّين (1: 14، 17، 18).
تكدّست المصائب من أجل التعليم الذي يريد الكاتب أن يقدّمه. ولكن أترى الحياة غريبة
عن مثل هذه الحالة: عيال تهلك بفعل العنف والتهجير. زلزال يطمر آلاف السكّان في
الأرض، حروب، ذبح أطفال ونساء وشيوخ بعد أن هرب الرجال. لا، لسنا أمام خدعة أدبيّة،
بل أمام واقع نعرفه كل يوم بحيث إن ما حصل لأيوب، هو شيء قليل ممّا يعرفه عالمنا.
ب- أيوب والشيطان
كان الكتاب يقول إن الله هو الذي يجرّب الانسان. هكذا جرّب داود فجعله يحصي الشعب
ويقع في الخطيئة، لأنه حسب أن الشعب ملك له (2 صم 24: 2: قال له الرب: "عدَّ شعب
اسرائيل ويهوذا). الله هو الذي يحيي. وهذا معروف. ولكنه هو الذي يميت. ولاسيّما
الشاب الذي يكون خاطئًا. تلك كانت طريقة تفكير ناقصة. وأراد الكاتب أن يحسّنها،
فنسب الخير إلى الله والشرّ والخطيئة إلى الشيطان. وما نسبه سفر صموئيل الثاني إلى
الله حين تحدّث عن خطيئة داود، نسبه سفر أخبار الأيام الأول (21: 1-6) إلى الشيطان:
"نوى الشيطان الشرّ لاسرائيل، فحضَّ داود على إحصاء شعبه" (آ 1).
هذا الشيطان سيذكره سفر أيوب. هو الخصم، وأيوب لا يعرفه. ولكن نتساءل نحن: من هو
هذا الخصم الذي يستطيع الدخول إلى "مجلس الله"؟ ومن هو لكي يسمح له الله بأن يمتحن
أيوب كما يشاء؟ في أي حال، لا نستطيع أن نفهم كيف يقبل الربّ بهذا الرهان القاسي
الذي سيدفع ثمنه أيّوب. في الواقع، حين تصيبنا مصيبة، سواء كانت فشلاً أو مرضًا أو
موتًا أو خسارة ما، قد ننسبها إلى الله، وننسبها إلى الشيطان. ونظرتنا إليها لا
تسبق حصولها، بل تتبع حصولها. حين نحسّ بثقلها نطرح السؤال ونشبه ذلك "الفيلسوف"
الآتي من بلاد الرافدين المتسائل عمّا فعل الله من شرّ لكي يحصل له ما حصل.
ظهر هذا الخصم المخيف بشكل متخفٍّ. ومرّ سريعًا في الفصلين الأولين من سفر أيوب.
ولا يعود يُذكر فيما بعد. وفي أي حال، باءت محاولته بالفشل (1: 6-12؛ 2: 1-7).
"كدَّس" المحن على أيوب، ولكن أيوب "لم يخطأ بشفتيه" (2: 10). لم يجدّف على الله.
ومع ذلك، فحضوره يزرع في قلب الانسان الشكّ والارتياب. أتراه يختفي وراء المرض
والألم؟ أو هل "يختبئ الله" وراء العدوّ ليمتحن الناس بواسطة الألم؟
أدخل الكاتب شخص الخصم، شخص إبليس، فدلّ على مدى الكلام حول الألم في جماعة
المؤمنين. إنه شرح من عدّة شروح قدّمت في التاريخ، وقد توخّى أن يجعل كرامة الله
بمنأى عن كل انتقاد. فلا نغشّ نفوسنا: نحن نجد الخصم هنا مرتبطًا كل الارتباط
بالله. هو جزء من الحاشية، يسمع لله ويسمع الله له. بل هو الله يبادر ويوجّه إليه
الكلام. ويلفت انتباهه إلى أيوب. وفي النهاية يقبل الله بما عرضه الخصم في شأن
أيوب.
غير أن أيوب يحدّد موقعه في كل المحن التي تخيّلها الشيطان، بالنسبة إلى الله. فبعد
خسارة خيراته وموت أبنائه وخدمه، بارك اسم الرب، وما نسب إلى الله عملاً لا يليق به
(1: 22). وحين ابتُلي بالمرض في جسده ظلّ هادئًا كل الهدوء، رغم كلام امرأته. لم
يخطأ بشفتيه (2: 10). ولكنه لم يقل كلمة عن إبليس. فهو يجهله كل الجهل. ففي المصائب
التي تؤلمه، لا يرى إلاّ يد الله. أما الشيطان، فسيكون دوره سريعًا. وهكذا يُبعد
الكاتب الحلّ السهل الذي ينسب الخير إلى الله والشرّ إلى الشيطان. وكأننا أمام إله
الخير وإله الشرّ! فلا إله إلا الإله الوحيد. ولا قدير سواه. ومنه ينتظر أيوب
جوابًا. والصراع لن يكون بين أيوب وإبليس، بل بين أيوب والله، الذي هو وحده المحاور
مع الانسان منذ بداية الكون، ساعة كان يتمشّى في الجنّة عند برودة المساء برفقة آدم
(تك 3: 8).
2- أيوب والألم
هناك ألم وألم. ولكن كل ألم يطرح علينا سؤالاً، بل يجعلنا أمام مشكلة. لا شكّ في أن
الكاتب "اخترع" شخص أيوب كما نراه في المقدّمة (ف 1-2) وفي الخاتمة (7:42-16)، فجعل
كل شيء ينتهي على أحسن حال. "صبر" أيوب، فنال في النهاية ضعف ما كان له في البداية.
هنا نحن بعيدون جدًا عن الواقع، ولكن الكاتب أراد هذا "الاطار" للكتاب لكي يجعل
مروره مقبولاً في تقاليد الايمان بسبب الانتقاد القاسي الذي قدّمه، وموقف الرفض
الذي اتّخذه.
في أي حال، لا يهمّ أن نعرف من هو أيوب. فأيوب هو أنا، هو أنت، هو كل واحد منا يمرّ
في الألم فلا يعود يعرف كيف يتصرّف مع الله، مع نفسه، مع الآخرين. وهو حين يتكلّم
عن ألمه، لا يعود شخصًا من الخيال، بل من الواقع والواقع الفريد. وقد جمع فيه
الكاتب كل أنواع الآلام فجعله نموذجًا لكل متألّم. ذكر القلق وعدم النوم، والاحلام
المزعجة، والهذيان والمرارة، والاحساس بأن الجميع رذلوه. وفي النهاية، تعب من
الحياة. لم تغب ناحية من نواحي الألم. وحين نقرأ سفر أيوب، نحسّ أن كلماته قريبة من
كلماتنا. وحاله تشبه حالنا.
جاءت "الضربة" على أيوب، فتركته "بلا حراك". كان كمن سقط على الأرض، ولكن حرارة
الجسم لم تجعله يحسّ بما أصابه حقًا. ما استطاع أن يجد الكلمات لكي يعبّر بها عن
عذابه وألمه. ولكن مع الفصل الثالث، سنسمع تأوّهاته: "فتح أيوب فمه ولعن يومه وقال:
لا كان نهار وُلدت فيه، ولا ليل قال: حُبل برجل" (3: 1-3). وتدخّل أيوب أكثر من
مرّة في "حواره" مع أصدقائه، فبدا كل تدخّل له قاطعًا وواقعيًا. وانحدر واجتذبنا
معه في انحداره إلى عمق الألم وما فيه من رعب وفظاعة.
وبحث أيوب عن الكلمات لكي يحدّثنا عن ألمه. فتكلّم عن انحطاط على مستوى الجسد،
"لحمي كساه الدود والقروح. وجلدي تشقّق قيحًا وسال" (7: 5). وفي ف 3 نقرأ صورة
كاملة عن هذه الوضع الذي فيه يصير الانسان نفاية: "روحي تفيض مني وأيام البؤس تُطبق
عليّ. في الليل تنتخر عظامي ويقضّ الألم مضجعي"، أو "أعصابي لا ترتاح". ويتابع
النصّ: "بشدّة قوّته يأخذني بثيابي، ويضيّق عليّ خناقي. طرحني الله في الوحل، فمثل
التراب أنا والرماد" (آ 16-19). ونقرأ في آ 27- 30: "أحشائي تغلي ولا تهدأ، وأيام
البؤس تلاقيني... تحوّل جلدي إلى سواد واحترقت عظامي من الحرارة".
في الفصل السابع، عرّفنا أيوب، وكل مريض منا، على الأرق والسهاد، على الليالي التي
تحمل إليه القلق والإرهاق. ما إن أنام حتى أقول: متى أقوم؟ متى الفجر؟ وأقوم فأقول:
ما أبطأ المساء (آ 3-4). "إن قلت: فراشي يعزّيني ومضجعي يخفّف شكواي، روّعتَني
بفظائع الأحلام وباغتّني برهيب الرؤى فأرى الخنق أفضل شيء لي والموت خيرًا من
عذابي" (آ 13- 15).
ويتحدّث أيوب عن الحسرة والمرارة. "لو أن بؤسي ومصائبي جميعًا، تقدَّر وتُوزن في
ميزان، لكانت أثقل من رمال البحر. وكيف لا يكون كلامي لغوًا وأهوال الله تمحقني،
وسهامه تغرز بي، وسمومه تمتصّ روحي" (6: 2- 4). ونقرأ في ف 16: "والآن إن تكلّمت لا
تزول كآبتي، أو تمنَّعت لا تزول عني. لأن الله هدّ عزيمتي ودمّر كل جماعتي" (آ
6-7). "احمرّ وجهي من البكاء، وعلا جفني ظلالُ الموت" (آ 16).
تعب أيوب من الحياة، وما أراد أن تطول وهي على ما هي. فصرخ: "لماذا لم أمت من الرحم
أو فاضت روحي عندما خرجت؟ لماذا قبلتني الركبتان أو الثديان حتى أرضع؟ إذًا كنت
الآن أرقد بسلام غارقًا في سبات مريح" (3: 11-13). أجل، تمنّى لو لم يولد. وبما أنه
وُلد تمنّى لو أنه مات ساعة خرج إلى النور. لهذا قال: "الانسان لاجئ على الأرض،
وكأيام الأجير أيامه! كالعبد المشتاق إلى الظلّ، والأجير الذي ينتظر أجرته. شهور من
البؤس نصيبي، وليال من الشقاء قُدّرت لي" (7: 1-3). وقد يتمنّى أن يخنق (7: 15).
فيقول: "سئمت حياتي فسأبدي شكواي ولو تكلّمت بمرارة نفس" (1:10).
وفي النهاية أحسّ بنفسه مرذولاً. رذله الأصدقاء، بل سحقوه بأقوالهم. تركه الذين
بقربه. يدعوهم فلا يجيبون. يشتكي وليس من يريد أن يسمع (19: 1-7). قال: "إخواني
ابتعدوا عنّي، وازدرى بي معارفي. أقاربي وأصدقائي خذلوني، وأهل بيتي تناسوا ذكري.
إمائي حسبنني أجنبيًا وغريبًا ما رأينه من قبل. إن ناديت خادمي فلا يجيب ولو تضرّعت
إليه بفمي. لهاثي صار كريهًا عند زوجتي، وجسمي نتنًا لبني أمّي. حتى الصغار
اشمأزّوا منّي، وفي غيابي يتكلّمون عليّ. رجالي كلهم يمقتونني، والذين أحببتهم
انقلبوا عليّ" (آ 13-19).
3- أيوب وامرأته
تحدّث "الروائيون" مرارًا عن امرأة أيوب واعتبروا أن القارئ الكتابي لم يعرها
الاهتمام الكافي. لا اسم لها. هي هنا. ساعة ترك أيوبَ أصدقاؤه، نجدها بقربه، تحاول
أن تتكلّم، أن تقول رأيها في ما حدث لأيوب المتمسّك "ببرارته" كأني به يرفض الضعف
البشري.
أصابت الضربة أيوب. وأصابت امرأته أيضًا في ما أصاب بيتها وعيالها من مصاب. أطال
الكاتب الحديث عن ألم أيوب واعتراضه. ولكنه لم يقل كلمة عن عذابها هي. فهو ينسب
إليها عبارة ستنال على أثرها توبيخًا من زوجها: "كلامك هذا كلام امرأة جاهلة" (2:
10). ففي عالم آباء شعب الله الذي أنجب سفر أيوب، اختفى صوت النساء اللواتي وقفن في
ظلّ أزواجهن أو لبثن داخل الخيمة يهيِّئن الطعام للضيوف كما فعلت سارة زوجة ابراهيم
لمّا جاءه أولئك الضيوف الثلاثة (تك 6:18-9). أما لفظة جهالة فتدلّ على من نسي الرب
على ما في المزمور. "قال الجاهل في قلبه ليس إله".
ولماذا وبّخ أيوب امرأته؟ لأنها قالت له: "جدّف على الله ومت" (2: 9). أو أن الله
يقتله. أو أن الناس يعرفون به فيرجمونه. وهكذا يرتاح من هذه الحياة التعيسة. ولكن
أما نستطيع أن ندافع عن موقف هذه المرأة؟ يبدو أن الجواب هو بالإيجاب، رغم ظاهر
كلامها. فأيوب كما في الحوارات الشعريّة سيدلّ على أن امرأته كانت على حقّ، فأخذ
لهجة التشكّي، بل لعن اليوم الذي وُلد فيه (أي 3: 1ي)، بل بدا عنيفًا حين رفع شكواه
إلى الله، بل على الله. لقد اشتكى أيوب إلى الله عن الله. فاعتبره "بدون حكمة" حين
يسمح بالشرّ. واعتبر أنه لا يعتني بالانسان، فقال: "ما الانسان لتحسبه عظيمًا أو
لتشغل به قلبك؟ تراقبه صباحًا بعد صباح، وفي كل لحظة تمتحنه؟ إلى متى تنصرف عنّي
فتمهلني لأبلع ريقي؟ خطئت فماذا أعمل لك، أنت يا رقيب البشر؟ لماذا جعلتني هدفًا لك
وحملاً ثقيلاً عليك؟ لماذا لا تتحمّل معصيتي ولا تغضّ النظر عن إثمي" (17:7- 21)؟
قال المزمور الثامن إن الله جعل الانسان عظيمًا. رفعه إلى مستوى الالوهة. جعل كل
شيء تحت قدميه. أما أيوب، فأظهر أن الانسان ليس بعظيم. هو كلا شيء. وتحدّث مز 139
عن حضور الله في كل مكان، عن معرفته التي تحيط بالانسان أينما ذهب لكي تحميه،
فاعتبر أيوب أن الله يراقب لكي يضرب، لا لكي يعمل من أجل البشر. وهكذا التقى مع
امرأته "الجاهلة" بجهل يتفوّق على جهلها. فكأني به يُنكر وجود الله، أو هو يتعامل
معه وكأنه ليس الإله القدير الذي عرفه الكتاب المقدّس كخالق للسماء والأرض.
تألّم أيوب. هذا ما لا شكّ فيه. ولكن يجب أن لا ننسى ألم الصديق والرفيق. ولماذا
ننسى في هذا المجال ألم امرأته التي لم يكن لها المركز الاجتماعيّ الذي كان لزوجها،
التي لم يعطَ لها أن تعبّر عن حالتها النفسيّة كما عبّر هو. ومع ذلك، فهي تتألّم
لألم زوجها وإن ظلّ ألمها خفيًا. فألمها امتداد بل استباق لألم زوجها.
هنا نعود إلى التقليد اليهوديّ القديم الذي حاول أدن يعيد التوزان إلى النصّ فأعطى
لامرأة أيوب مدى أرحب. وها نحن نتوقّف عن نصّين يشيران إلى العواطف التي أحسّت بها
امرأة أيوب.
الأول يعود إلى الترجمة السبعينيّة اليونانيّة (حوالي سنة 250 ق م) التي توسّعت في
الكلمة التي تلفّظت بها امرأة أيوب. فجعلتنا ندرك الألم الذي شعرت به. ووضعت هذه
الترجمة في فمها الكلمات التالية: "إلى متى سوف تصبر قائلاً: ها أنا سأثبت أيضًا
بعض الوقت، منتظرًا رجاء خلاصي؟ فها إن ذكرك قد تلاشى من الأرض: زال بنوك وبناتك،
ألم ومشقة أحشائي، الذين لأجلهم استنفدت قواي عبثًا وتعبت. أما أنت فجالس على فساد
الدود تقضي لياليك في الهواء الطلق. وأنا تائهة خادمة، أدور من مكان إلى مكان، ومن
بيت إلى بيت، انتظر غروب الشمس لكي أرتاح من أتعابي وآلامي التي تضايقني الآن كل
المضايقة" (2: 9).
والثاني هو "وصيّة أيوب"، منحول يهوديّ (أي ليس من الأسفار القانونيّة) يعود، على
ما يبدو، إلى القرن الأول ق م. قد أعطى لامرأة أيوب مكانًا أوسع فأشار إلى تدخّلات
كثيرة من قبلها، وصوّر وضعها وما فيه من شقاء وهي التي يجب عليها أن تتسوّل لتحمل
الطعام إلى زوجها. وإليك بعض ما وضع في فمها من كلام:
أيوب، أيوب، إلى متى أنت تستمرّ جالسًا على الزبل والرماد خارج المدينة، فتقول:
"بعد وقت قليل". أنت تنتظر رجاء خلاصك، وأنا تائهة، خادمة لقاء أجر، أجول من مكان
إلى مكان... أنا بائسة، أعمل النهار وأتألّم الليل لأجلب الخبز وأحمله إليك. من لم
يدهش قائلاً: "هل هذه سيتيس امرأة أيوب التي تقايض شعرها الآن ببعض الخبزات؟ أيوب،
أيوب، بعد كل الذي قيل، أقول لك بإيجاز: سُحقت عظامي بضعف قلبي. قم. خذ هذه الخبزات
لتقتات. ثم قل كلمة للرب ومت، فانجو من الحزن الذي يسبّبه لي ألم جسدك" (وصّة أيوب
24- 15).
هنا نستطيع أن نقابل امرأة أيوب مع امرأة طوبيت (طو 18:5-23؛ 10: 1-7). ذهبت إلى
العمل لتعيل زوجها. ولما جاءت بجدي حسبه أنه سرقة فطلب منها أن تعيده إلى أصحابه.
وإن ألمها على ابنها الغائب يقابل ألم امرأة أيوب التي قد تكون فقدت أولادها في
زلزال سقط على البيت الذي كانوا فيه.
خاتمة
تلك هي إطلالة أولى على سفر أيوب من خلال المحن التي مرّ فيها. فهذا الرجل البار،
النزيه والمستقيم، قد أصابته المحنة. أو كما نقول: سمح الله للشيطان بأن يمتحنه.
ظلّ رجلَ الايمان، ولكنه التقى بأشخاص عديدين في الآداب العالمية، يونانيّة،
لاتينيّة، فرنسيّة، روسيّة... حيث "يثور" الابطال على الاله أو على الآلهة التي
يرون فيها قدرًا يسيطر عليهم ولا يترك لهم نفسًا. ولكن أيوب لم يستسلم للقدر، فهو
الذي ينتظر أن يرى الله، أن تعود إليه هذه الأعضاء "المريضة". ولكن أيوب ليس ذلك
"الرواقي" الذي يتألّم وكأنه صخر جامد. بل هو انسان يبكي. أيوب "بطل" جريء، مثل
سائر الأبطال (أوديب، بروميتاوس) ولكن قلبه مليء بالايمان. ومن هذا الايمان يستقي
لكي يقول في خطبته الاخيرة: "حيّ الله الذي أنكر حقي، القدير الذي ملأني مرارة: ما
دام بي نسمة من حياة، ونفخة من الله في أنفي، لن تنطق بالسوء شفتاي. ولا يتلفّظ
لساني بالمكر" (27: 2-4). راهن "الشيطان" وقال للرب: سيجدّف عليك في وجهك. ولكن
الشيطان خسر الرهان. وما خرج من قلب أيوب كتعبير عن الألم اعتبره الله الكلام
الصحيح. والموقف الذي وقفه أيوب، هو موقف المؤمن الذي يشبه موقف يسوع في بستان
الزيتون. بكى وتألّم، وفي النهاية استسلم بين يدي الله قائلاً: "لا مشيئتي، بل
مشيئتك".
الفصل التاسع والعشرون
أيوب وأصدقاؤه
قبل أن نتابع حديثنا عن "روحانيّة" سفر أيوب، نودّ أن نقدّم تصميمًا سريعًا لهذا
الكتاب. في المقدّمة (ف 1-2) نرى أيوب البار (1: 1- 5) والرهان في السماء (6:1-12)
مع السلسلة الأولى من المحن (13:1-19). ثم ردّة فعل أيوب (1: 2- 22)، وعودة إلى
الرهان (2: 1-6) مع محنة جديدة (2: 7) وردة فعل أيوب (2: 8-18). هذا هو القسم
النثري. مع الفصل الثالث نسمع نجوى أيوب وبكاءه، ثم الحوار الشعري بين أيوب
وأصدقائه الثلاثة في ثلاث مجموعات من الكلام والردّ على الكلام.
في المجموعة الأولى تكلّم أليفاز (ف 5) فردّ أيوب (ف 6-7). ثم بلدد (ف 8) فردّ أيوب
(ف 9-10). وأخيرًا صوفر (ف 11) فردّ أيوب (ف 12- 14). في المجموعة الثانية، نسمع
كلام الاصدقاء (15، 18، 20) وردّ أيوب على كل منهم (16-17؛ 19؛ 21). وفي المجموعة
الثالثة، تكلّم أليفاز (ف 22) فردّ أيوب (ف 23-24). وبلدد (ف 25) فردّ أيوب (ف
26-27). وضاعت كلمة صوفر الثالثة أو هو النصّ دُمج فحاول الشرّاح أن يكتشفوها.
وبعد قصيدة عن الحكمة (ف 28)، نقرأ دفاع أيوب الاخير (ف 29- 31)، قبل أن يسكت: "قلت
كل شيء، ليت القدير يسمعني" (35:31). وما إن "تمّت أقوال أيوب" (31: 41)، حتى وصل
شخص رابع هو أليهو فألقى "عظة" (ف 32-37) هيّأ فيها أيوب لسماع خطبة الله (38: 1-
42: 6). وأعادتنا الخاتمة إلى أيوب البار (7:42-9)، وإلى السعادة المستعادة (42:
10-17).
في هذا الاطار، نتعرّف إلى الاصدقاء وعظاتهم، لأن ما قالوه لم يكن بداية حوار مع
أيوب، بل "عزف" منفرد. ثم نعود إلى أيوب الذي ظلّ متمسّكًا بالرجاء رغم ضياع كل
رجاء.
1- كلام الاصدقاء
أ- دفاع عن الله
لم يكن أيوب وحده في مصابه. ظلّت امرأته بقربه رغم كل شيء. وجاءه أصدقاء ثلاثة
سمعوا "بكل ما حلّ به من مصاب، فأقبل كل واحد من مكانه". (2: 11). "جاؤوا ليرثوا
لحاله، ويعزّوه". ولكنهم بعد ذلك سوف يقدّمون براهين تزيد ألم أيوب ألمًا وعذابه
عذابًا. يا ليتهم ظلّوا صامتين. يا ليتهم صلّوا مع أيوب. اعتبروا أنهم يعرفون كل
شيء عن الله، فما أحسّوا بحاجة إلى الصلاة والسماع لكلمة الله. فجاءت كلماتهم كلمات
بشر، لا كلمات نابعة من قلب الله.
لاشكّ في أن نواياهم أهل للمديح. لاشكّ في أنهم كانوا صادقين. أحسّوا بالرعشة
والشفقة حين رأوا صديقهم في حالة "مشوّهة"، وشاركوه بألمه في صمت دام طويلاً. دام
"سبعة أيام وسبع ليال" (13:2). "لم يكلّمه أحد بكلمة، لأنهم رأوا كم كانت كآبته
شديدة".
إذن، استطاعوا في البداية أن يدلّوا على عواطف انسانيّة. أن يقفوا برهبة أمام هذا
الألم الذي يعتصر قلب أيوب. استطاعوا أن يقبلوا بمرض أيوب إلى حدّ ما. ولكن ما لم
يقبلوه هو ثورة أيوب حين تجرّأ وقال حريّة فكره. وهكذا، لم يعد الألم هو المشكلة،
بل الخطبة عن الألم أو الكلام من قلب الألم.
لأيوب براهينه. ولهم هم أيضًا براهينهم! راح أيوب عميقًا في اكتشاف الألم. أما
الأصدقاء، فعرضوا النظريات المختلفة حول الألم. هنا لا نحكم عليهم في أشخاصهم. فهم
يتحدّثون باسم "الكاتب الفيلسوف". ويجسّدون مدارس مختلفة من اللاهوت تعتبر أنها
تستطيع أن تعود إلى أصول الألم وتفسّر معناه الحاضر والماضي، وتقول أسبابه.
هل كانت براهينهم خاطئة؟ كلا. ولكن تلميحاتهم أصابت أيوب في الصميم. جاؤوا يعزّونه
كأصدقاء مع صديق، فإذا هم قضاة وجلاّدون يبحثون عن ذنوب أيوب وأخطائه ليتّهموه
ويحكموا عليه. بحثوا عن الخطيئة، عن "ثقب" يدخلون فيه لكي يفسّروا سبب الألم. فرضوا
على أيوب الخطب والمواعظ التي ما استطاع أن يتحمّلها. وأخذ هو يتكلّم منطلقًا من
ذاته ومن المحنة التي يعيشها. أرادوا أن يدافعوا عن الله مهما كان الثمن. ونسوا
صديقهم الذي هو بقربهم. فكأني بالتعلّق بالله ينسينا الاخوة والاصدقاء. ولكن الكتاب
يقول: من رأى في أخيه حاجة وتغاضى عنها، كيف تثبت فيه محبّة الله. فمحبّة الله
تدفعنا دفعًا إلى محبّة القريب.
ب- أربع خطب
أجل، كان كلام الاصدقاء دفاعًا عن الله. لهذا، لم يفتحوا حوارًا مع أيوب. تكلّم كل
واحد من ذاته، فلم يستمع إلى أيوب، ولا إلى الآخر. ولم يستمع خصوصًا إلى الآخر
الآخر الذي هو الله. لهذا، حين تحدّى أليهو أيوب أن يقدّم جوابًا، رفض أيوب أن
يتكلّم بعد أن "استنفد" كلام البشر وانتظر كلام الله. كل واحد من هؤلاء الاصدقاء،
اعتبر نفسه ملهمًا من السماء، فعاد إلى فكرة خاصّة به عن الله ورثها من "دروس"
الديانة التي تلقّاها في شبابه.
أولاً: أليفاز
وأول المتكلّمين كان أليفاز. اعتبر أنه سمع صوتًا جاءه خلال الليل فدلّه على ضعف
الانسان. إنه سريع العطب، ونحن لا نستطيع أن نستند إليه. والله نفسه لا يستطيع أن
يثق به بسبب خطاياه. قال: "تلقّيت مرّة كلامًا خفيًا تسلَّل همسًا إلى أذني في
هواجس أحلام الليل عند وقوع سبات على الناس. فأصابني خوف ورعدة (أحسّ أنه بحضرة
الله) منهما رجفت عظامي. ومرّت ريح على وجهي فاقشعرَّ الشعر في جسدي. رأيته واقفًا
هناك (أي: الله) ولكن ما تبيَّنت وجهه كأنه خيال أمام عينيّ. وبعد سكوت سمعت صوتًا
(يقول): هل الانسان برىء أمام الله؟ أم المخلوق طاهر أمام خالقه؟ نرى الله لا يأتمن
عباده وإلى ملائكته ينسب الحماقة، فكيف السالكون بيوتًا من طين، الذين أساسهم في
التراب" (4: 12- 19).
الانسان خاطئ فكيف يعلن برارته أمام الله؟ كيف يتجاسر على القول إنه بريء؟ الانسان
ضعيف، فكيف يجاهر بقوّته. فعباد الله وملائكته لا يجسرون، فكيف يجسر هو؟ الانسان من
تراب ويعود إلى التراب، وكل ما يحيط به طين وتراب، فكيف تقف "الجبلة" أمام جابلها؟
ويتابع أليفاز قوله: البشر "يُسحقون كما يُسحق العثّ، وبين ليلة وضحاها يحطّمون
ويبيدون بلا أثر إلى الأبد. أوتادُ خيامهم تقتلع منهم ويموتون ولا رجعة لهم، يموتون
وهم لا يعرفون" (آ 19- 21). فكيف يقفون تجاه الله الكليّ المعرفة؟
ثانيًا: بلدد
وبعد أليفاز تكلّم بلدد. فبدأ خطبته الأولى وأنهاها بيقين كبير حول سلوك الله مع
البشر. "أيحوّل الله مجرى العدل، أم يشوّه وجه الحقّ؟ إن كان بنوك خطئوا إليه، فإلى
يد معصيتهم أسلمهم. وأنت إذا بكّرت إلى الله وطلبت رحمة القدير، وكنت نقيًا
ومستقيمًا، ففي الحالة يغار (الله) عليك، ويلبّي صدق نواياك... أينمو الخيزران بلا
مستنقع أم ينبت القصب من غير ماء؟ تقطعه ولو في نضارته، فييبس قبل كل النبات. هكذا
يكون من نسي الله؟ ويخيب رجاء كل كافر به. تنقطع أمانيه مثل الخيط، ومأمنه كبيت
العنكبوت" (8: 3-4).
تذكّر أولاً خطيئة أولاد أيوب. لهذا ماتوا في عزّ الشباب. ثم عاد إلى المبدأ
العامّ، فدلّ على أن الانسان ذاهب حتمًا إلى الموت. هو أضعف من قصبة تحرّكها
الريح... وينهي تلك الخطبة فيقول دون أن يكون استمع إلى مقال أيوب في ف 6-7: "الله
لا يرفض النزيه ولا يأخذ بأيدي أهل السوء". فإن كنت بارًا "سيمتلئ فمك بالضحك
وشفتاك بهتاف الفرح، ويلبس العار جميع من يبغضونك وخيام الاشرار تزول" (آ 20-22).
ثالثًا: صوفر
وبعد جواب أيوب الذي أعلن أن الله هو الأقوى، عاد صوفر، الصديق الثالث، إلى العلاقة
بين البرّ ومكافأة الله لأحبّائه على هذه الأرض، وبين الشرّ ومعاقبة الاشرار. قدّم
كلامه بشكل تساؤل، ولكنه كان أيضًا لاذعًا قاطعًا. لم يهتمّ بأيوب الذي أمامه، بل
بالدفاع عن "قداسة" الله، وكأن هذه القداسة تعارض حياة الانسان اليوميّة.
قال: "أتدرك عمق أعماق الله، أم يحيط فهمك بكمال القدير؟ هو أعلى من السماء، فماذا
تفعل؟ وأعمق من الموت، فماذا تعرف؟ أطول من الأرض مداه، وأعرض من البحر وسعه. يمرّ
متى شاء، فمن يوقفه؟ ويُجري أحكامه، فمن يردّه (11: 7- 10)؟ هذا الكلام هو استباق
لما سيسمعه أيوب من "فم" الله نفسه في ف 38-42. ويدعو صوفر أيوب كما دعاه صاحباه
قبله: "لو وجّهت قلبك إلى الله، وبسطت إليه كفّيك، ولو أبعدت يدك عن الاثم، ومنعت
الجور أن يسكن خيامك، لرفعت وجهًا لا عيب فيه ولكنتَ ثابتًا ولا تخاف" (آ 13- 15).
رابعًا: أليهو
ثلاثة أصدقاء جاؤوا من خارج فلسطين، من القبائل العربيّة. أما أليهو فاسمه عبراني،
ومعناه "إلهي هو". أتراه ظنّ أنه هو الله؟ أنه يحلّ محلّ الله، وبالتالي لا يحتاج
أيوب إلى أن يسمع سوى صوته الآتي من عند الله؟ جاءت خطبه الأربع لا تقبل أي جواب من
أيوب، لا تسمح له بأن يردّ، وإن دعاه المرّة تلو الأخرى: "إن كان عندك كلام فأجبني"
(33: 32). جاءت كلماته حالاً قبل تدخّل الله، فاعتبرت أنها الالهام الالهي الأسمى.
فإن كان أليهو شابًا، إلاّ أنه يعرف أن يتكلّم، شأنه شأن الشيوخ: "عندي الكثير ممّا
أقوله، وخواطري تزدحم في داخلي. كخمر محقونة في جوفي تكاد تشقّه كزقاق جديد. لاشيء
يريحني غير الكلام، فسأفتح شفتيّ وأعطي جوابي" (32: 18-20). هو يتحدّث عن روح الله
الذي في داخله، وهو يدفعه دفعًا إلى الكلام. هذا ما يقوله في 33: 4: "روح الله هو
الذي صنعني، ونسمة القدير هي التي أحيتني".
كل أسرار الله صارت عند أليهو، لهذا أخذ لهجة "الواعظ" الذي يتّهم أيوب، وفي
النهاية يحكم عليه: "أجيبُ أنك غير محقّ. هو الله أعظم من الانسان. لماذا أنت
تخاصمه" (33: 12-13). تقول إن الله يراقبك ويعاملك كعدوّ. فأنت على خطأ مبين.
"فالله أعظم من الانسان". ويوسّع أليهو خطبته متوجّهًا إلى الناس على مثال
الانبياء: "اسمعوا أقوالي أيها الحكماء، وأصغوا لي يا أهل المعرفة!... الله حقًا لا
يفعل الشرّ ولا يعوّج طريق العدل" (34: 1، 12). ليس الله بشرّير، وليس القدير
بمخادع. فهو يجازي كل واحد بحسب أعماله، ويعامله بحسب سلوكه. أجل، سيعلّم أليهو
أيوب أشياء كثيرة عن الله (36: 2). سيريه نبل الله وعظمته (آ 5). "هو الله يتعالى
بقدرته، فمن يماثله بين الفهماء؟ من أملى على الله طريقه أو قال له: فعلت شرًا؟
فتذكّر أن تعظّم عمله، وهو الذي يتغنّى به البشر. تبصره عين كل انسان أو تحدّق إليه
من بعيد. عظيم هو الله فوق إدراكنا" (36: 22-26).
هؤلاء الأصدقاء الأربعة رفعوا الصوت وحاولوا أن يقنعوا أيوب برأيهم. أنظر. اسمع. كل
شيء واضح بالنسبة إليهم. وكلامهم لاهوت كله: في فمهم اسم الله يتردّد وعنه يدافعون
بوجه ما يقوله أيوب. إن "الحوار" يحدّد موقعه على هذا المستوى اللاهوتي. وأيوب
متّفق معهم في هذا المجال، ولكنه مع ذلك يسمّي أقوالهم "الجور" و"البهتان". إنها
تشبه الرماد. هل يتكلّمون من أجل الله أم من أجل أنفسهمِ بعد أن جعلوا نفوسهم مكان
الله ونسوا خطيئتهم. "ألأجل الله تتكلّمون جورًا، وفي سبيله تنطقون بالبهتان، أم
أنتم تحابون الله (كما في القضاء) وعن دعواه تدافعون؟ إذا فحصكم، أيكون لخيركم، أم
تسخرون به وكأنه انسان، بل أشدّ التوبيخ يوبّخكم (7:13- 10). "أما ترهبون جلال
الله؟ أما تخافون اسمه؟ اذن فأعلموا أن أقوالكم أمثال من رماد، وأجوبتكم أجوبة من
طين".
إن هذا الحوار اللاهوتي يقدّم مواقف لا يمكنها أن تتوافق. ولكن كل واحد يقدّم موقف
إحدى المدارس اللاهوتيّة التي وُجدت في أرض اسرائيل، بل في الشرق كله. كل يقدّم
نظرته ويطلب من الآخر أن يسمع له. دروس لا بأس بها. ولكن أين الحوار. كل يطلب من
الآخر أن يسمع، فهل يسمع هو نداء الآخرين وألمهم. وإن هو سمع، فلا يُدخل في قلب
أيوب أكثر من تعاطف معه وشفقة. قال بلدد: "إلى متى تتكلّم هذا الكلام، فأقوال فمك
مثل ريح عاصفة" (8: 2). إذن، أسكت. ولم يكن صوفر أقلّ قساوة من بلدد: "أما للكلام
من ردّ، أم يكون الحقّ للرجل المفوّه. بيانك هذا أيسكت الناس: أم تتهكّم ولا من
يجاوبك" (11: 2-3)؟ وأيوب أيضًا ما أراد أن يسمع. كلامهم ترّهات. "ما تعرفون أعرفه
مثلكم، ولا أقصِّر عنكم في شيء... أنتم تلفّقون الكلام، وتطبِّبون وطبّكم باطل.
ليتكم تلزمون الصمت، فتبرهنوا بذلك عن حكمة" (2:13- 5). بمثل هذا الكلام، لا تفاهم
ولا حوار. وهكذا فشل أصدقاء أيوب ببراهينهم التي تعلّقت بالنظريات ونسيت الانسان
المتألّم الذي نجده أمامنا.
ب- براهين تقليديّة
من خلال هذه الايرادات من سفر أيوب، نستطيع أن نكتشف في النهاية ثلاثة براهين:
مجازاة دقيقة للأشرار والابرار. وضع الانسان الخاطئ. القيمة التربويّة للألم.
أولاً: المجازاة
مبدأ واضح كل الوضوح: البار ينال خيرًا على هذه الأرض، والشرّير شرًا. ولكننا لا
نستطيع أن نعرف "قلب" الانسان. لهذا ننطلق من النتائج. إذا كان هذا الرجل قد مرض أو
خسر أولاده، فهو شرّير. وإذا كان الخير قد ملأ بيته فهو خيّر، ويُرضي الله. صار
الله في هذا المضمار تاجرًا يدفع أجرًا عن كل عمل، أو سيّدًا يحكم بالعدل وينسى
الرحمة. يطبّق القوانين وينسى الانسان الذي أمامه! مثل هذا البرهان الذي يشوّه وجه
الله، قد قدّمه كل من الأصدقاء الثلاثة في السلسلة الأولى من الخطب.
قال أليفاز: "أتذكُر واحدًا بريئًا هلك، أو رجلاً مستقيمًا أبيد" (4: 7)؟ من يزرع
الشرّ يحصد الشرّ. ومن يزرع الخير يحصده. وقال بلدد: كما ينمو الخيزران في
المستنقعات والقصب في الماء، كذلك الانسان الذي ينسى الله، كذلك يكون رجاء الكافر
مخيّبًا له (8: 11-13). ويقول صوفر: "أما عيون الأشرار فتكلّ، وكل ملجأ لهم يبيد،
ولا يبقى لهم رجاء، غير أن يُسلموا الروح" (11: 20).
من الواضح أن الحقّ هو بجانب أيوب، لا بجانب هؤلاء الأصدقاء. فنظريّة المجازاة
القديمة، التي تعود إلى عالم الشرق وصراعات آلهته، يُناقضها الواقع يومًا بعد يوم.
وإذ يتكلّم أيوب فهو يعرف ما يقول: أصيب بكل هذا الشرّ رغم براءته التي شدّد عليها
الكاتب. أما الذين حوله، فلا يعرفون الله، ولا يراعون وصاياه، فلا يجري عليهم
العقاب. قال: "لماذا يحيا الاشرار ويشيخون، ومع الأيام يزدادون اقتدارًا؟ أولادهم
يكونون أمامهم، وذرّيتهم تتكاثر من بعدهم. بيوتهم آمنة من الفزع، وعصا الله لا
تُرفع عليهم. ثورهم يُلقح ولا يُخطئ، وبقرتهم تلد ولا تسقط. أطفالهم يسرحون كالغنم،
وأولادهم يرقصون كالغزلان" (21: 7- 11). أما أيوب، فهو عكس ذلك.
ولكن هل نجعل كل موقف أيوب في الحقّ؟ أما نراه ينغلق على ذاته في نظرة ضيّقة، فيسمح
لنفسه بأن يطالب بالسعادة لأنه بار، شأنه شأن الفرّيسيّ. جدال طويل، ونحن نعيشه
اليوم وكل يوم.
ثانيًا: وضع الانسان الخاطئ
فهم أصدقاء أيوب أن هجومهم على "برارة" أيوب الشخصيّة بدا ضعيفًا، وما أصاب الهدف.
فأعلنوا أن لا فائدة من الاعتراض على أحكام الله، لأننا كلّنا أبناء بشريّة خاطئة.
لا نقيّ أمام الله، ولا طاهر. فعلى أيوب أن ينحني خاضعًا ويقرّ بخطيئته وجهله. هذا
ما سيفعله في النهاية، وبعد أن يكون شاهد الله. أما الآن، فعليه أن يعرف أن خطيئته
هي سبب شقائه. والشعور بالذنب يجب أن يرافق وضعه المؤلم. وهكذا برّروا الله.
"أيكون المائت أكثر برًا من الله؟ أيكون الانسان أكثر طهارة من خالقه" (4: 17)؟
عباده، ملائكته، لا يجسرون أن ينظروا إليه. فماذا يكون وضع الانسان الترابي؟ "كيف
يتبرّر أحد عنده، ويكون مولود المرأة طاهرًا؟ القمر نفسه يعوزه النور، والكواكب غير
صافية في عينيه، فكيف الانسان وهو هذه الحشرة! وابن آدم وهو تلك الدودة" (25: 4-6)!
مثل هذه النظرة إلى الانسان، إن ظلّت هنا ولم ترتفع إلى مستوى الخلاص، تكون قاتلة:
هو خاطئ وسيبقى كذلك إلى النهاية! كلاّ ثم كلاّ. فإن كان الانسان خاطئًا فلا يجب أن
يركع أمام الشقاء. وإن أصاب أيوب ما أصابه لأنه خاطئ، فلماذا لا يصيب أصدقاءه وهم
خطأة مثله، لأنهم كلهم من الجنس البشريّ الواحد؟ ثم إن أيوب لا يعتبر يومًا نفسه
كاملاً، بل عرف أن يقرّ بوضعه كخاطئ أمام الله، فقال: "أعرف هذا الأمر حقّ المعرفة،
ولكن كيف يتبرّر الانسان عند الله" (9: 2)؟ وأضاف: "حتى وإن كنت بارًا، فإن فمي
يحكم عليّ. وإن كنت بريئًا، فهو يعلن ذنبي. أنزيه أنا؟ لا أعرف" (9: 20- 21).
ليست المسألة في أن نعرف إن كان أيوب بارًا أو خاطئًا. بل، هل هناك خطيئة تبرّر
الشقاء الذي أصابه الآن؟ هل "يدفع" ثمنًا عن خطيئة سابقة وخفيّة؟ هل يتألّم لأنه
جزء من هذه البشريّة الخاطئة؟ ويبقى الحوار مفتوحًا وقد لا يجد جوابًا على مستوى
العقل، بل على مستوى الحياة.
ثالثًا: الألم يربّي الانسان
لا، ليس الألم عقابًا. هو جزء من الطريقة التي بها يربّي الرب شعبه وكل مؤمن من
مؤمنيه. فالله يؤدّب الانسان، ويكلّمه، وينقّيه، ويحمله إلى القمم العالية. قال
أليفاز: "هنيئًا لمن يؤدّبه الله، ومن لا يرفض مشورة القدير. يجرح، ولكنه يضمِّد.
يضرب ويداه تشفيان. ينجّيك ستّ مرّات من الضيق، وفي السابعة لا يمسّك سوء"
(17:5-19). وقال أليهو في ذات المعنى: لا يتخلّى الله عن البريء... وإن وجده في
القيود، فلكي يريه أعماله كلها، ومعاصيه بعد أن تكبّر. "تمتم الله في آذانهم
منذرًا، وحثّهم أن يرجعوا عن الشرّ. فإن سمعوا وأطاعوا، قضوا أيامهم في هناء، وسنيّ
حياتهم في نعيم، وإلاّ هلكوا بحدّ السيف وماتوا على حين غفلة" (36: 6-12).
برهان سام جدًا. ولكن كيف يتقبّله الابرار الذين تصيبهم الشدّة؟ عرفوا أن الألم
يساعد الانسان على النموّ، ويخلق النفس "خلقًا جديدًا". ولكن هل يحقّ أن نفرض الألم
باسم هذا المبدأ، أن نفرضه على الآخرين؟ أما يستطيع الحبّ أن يكتشف طريقة أخرى بها
يربّي الأب أبناءه؟
2- أيوب والرجاء الذي فيه
نتوقّف هنا عند خمس محطّات، ونبدأ مع دفاع أيوب الأخير. ثم نعود إلى صلاته ورجائه
الثابت الذي جعله في الله وفي الله وحده.
أ- دفاع أيوب الأخير
ما رضي أيوب بهذه المجادلات الطويلة التي ظلّت مجرّدة وبعيدة عن الواقع الذي يعيشه.
وكانت النتيجة: "باطلاً تعزّونني، وما أقوالكم إلاّ خداع" (21: 34). لهذا فضّل
العودة إلى أرض صلبة، إلى خبرة يعيشها بما فيها من ألم وعذاب، ومن حنين إلى "الأيام
السالفة".
هنا نعود إلى ف 29- 31 التي هي آخر أقوال أيوب. حيث يتوزّع كلامه في "موسيقى" داخل
ثلاث حركات.
"الحركة الأولى. عاد أيوب إلى الماضي فتحدّث عن "الشهور السالفة"، ساعة كان الله
حارسه، يضيء بسراجه فوق رأسه. عن "عزّ حياته" و"رضا الله على مسكنه". "أولادي
يحيطون كلهم بي. أغسل باللبن قدميّ، والصخر يفيض أنهار زيت. أخرج إلى باب المدينة،
واتّخذ في الساحة مجلسي" (2:29-7). ونستطيع متابعة القراءة فنجد صورة شعريّة عن
سعادة تخيّلها العهد القديم من أجل البار. ولكن كل هذا ظلّ في إطار الماضي والذكرى
والحنين.
الحركة الثانية. بعد الماضي، يأتي الحاضر. "والآن". تعود هذه الأداة مرارًا. "أما
الآن فيضحك عليّ من يصغرونني في الأيام" (30: 1). "والآن صرت لهم أهجية" (آ 9).
"والآن روحي تفيض مني" (آ 16). وقد تطول السلسلة فتدلّ على أن الأمور تبدّلت
تبدّلاً كليًا: "الرعب ينقضّ عليّ، وكرامتي تذهب هباء منثورًا، فتضحك كالسحاب
سعادتي" (آ 15). لقد انسحق قلب أيوب، وتبدّدت آماله: "توقّعت الخير فجاء الشرّ،
وانتظرت النور فحلّ الظلام" (آ 26). فهذا الرجل الذي عرف أن يؤاسي الجميع ويتعاطف
معهم، الذي كان الجميِع يحترمونه، صار موضوع هزء من الشيوخ والشبان. "صرت لهم
أهجية، ومثلاً شائعًا للسخرية. يكرهونني ويبتعدون عني، ولا يتورّعون أن يبصقوا في
وجهي" (آ 9- 10).
الحركة الثالثة. هي تقودنا إلى المستقبل. لقد تأمّل أيوب بأن يُسمَع، بأن يصغي إليه
الله. قال: "قلت كل شيء. يا ليت القدير يسمعني" (31: 35). لم يعتبر نفسه أنه قُهر،
بل هو يتابع دفاعه حتى الرمق الأخير، فيؤكّد أنه بريء بشكل يتجاوز كل ما قاله فيما
مضى. "ليت خصمي (قد يكون الله) يردّ على دعواي، فأحمل ردّه على كتفي" (آ 35).
عاد أيوب يتفحّص الماضي، ولكنه يدافع الآن عن الذكر الذي يتركه بين البشر. لهذا
أسبقَ كل شيء بأداة الشرط: "إن". "إن حادت خطاي عن الطريق، إن مشى قلبي وراء عينيّ،
إن تلطّخت يداي بعيب، (اذن) فليأكل غيري ما زرعتُه، ولتُقتلع فروع أشجاري" (31:
7-8). ويتابع: "إن هام قلبي بامرأة، إن نظرت من فتحة باب جاري... إن كنت استهنت
بحقّ عبدي...". وهكذا أعلن أيوب براءته علّه يحرّك قلب الله، فيقبل هذا الاله في
النهاية بأن يقطع صمته ويفتح له بابًا نحو المستقبل. أتراه نسي أن الرب هو إله
الرحمات، وهو يحنو على الخاطئين وينتظر عودتهم.
بعد هذا، يستطيع رجل الأوجاع أدن يرفع رأسه، وهو يرجو اللقاء الحاسم الذي يحمل إليه
الخلاص. كتبَ خصمي اتهامَه، وأنا سأحمله على كتفي، وأجعله تاجًا على رأسي. سأؤدي له
الحساب عن خطواتي واستقبله استقبال الملوك (31: 35). ترك أيوب التشكّي المليء
بالحزن والقلق، وأعلن كرامته وبراءته بعزّة وافتخار.
ب- صلاة أيوب في بلواه
أيوب إنسان يعارض، يناقش، ويجادل. ومع ذلك فهو الشخص الوحيد في هذا الكتاب، الذي
يتوجّه إلى الله في الصلاة توجّهًا مباشرًا. وتتنوّع صلاته بتنوع الحالات: تقدمة
الصباح. المباركة، المديح والحمد، التشكّي والتوسّل. فرغم كل ما قاله هذا المتألّم،
لم يقطع يومًا الاتصال بالله.
ولكن إن جعلنا جانبًا صلاة المباركة في البداية (ليكن اسم الرب مباركًا)، فصلاة
أيوب هي صلاة انسان مضطرب، انسان معذّب، موجع. هو يستعيد أقوال المزامير، ولكنه
يعطيها رنّة غريبة. بل هو "قلب معناها" بالنظر إلى نفسيّته في الساعة الحاضرة.
ونأخذ بعض الامثلة من ف 7. في آ 17، سأل أيوب الله: "ما هو المائت لكي تهتمّ به"؟
سؤال طرحه صاحب المزامير (مز 5:8؛ 3:144). ولكن نصل إلى نتيجة تعاكس كل المعاكسة
النتيجة التي وصل إليها أيوب. رأى المرتّل عظمة الانسان، وأيوبُ شقاءه. وصرخة
الاعجاب الواثق، صارت نظرة إلى الله الذي يراقب الانسان ليجد فيه علّة فيضربه.
في 19:7، توسّل أيوب إلى الله لكي يميل بنظره عنه: إلى متى تنصرف عني؟ هل تظلّ
تراقبني؟ أما صاحب المزامير فيطلب من الله دومًا أن يلقي نظره عليه، أن لا يميل عنه
نظره (مز 13: 4؛ 74: 20؛ 8:38). إن نظر الله ينبوع حياة للمؤمنين، كما تقول
المزامير. ولكنه لا يطاق في نظر أيوب الذي يطلب أن ينجو منه، على مثال قايين: أجل،
صلاة أيوب صلاة غريبة.
ويعيش أيوب صلاته تمزّقًا غريبًا. فيودّ أن "يقاتل "الله، لا أن يعاقبه فقط: إن كنت
قد أخطأت، فماذا فعلت لك يا رقيب البشر" (7: 20)، يا جاسوسًا على البشر؟. قال مز
121: 4: "حارس اسرائيل لا ينعس ولا ينام". هذا ما لا يستطيع أيوب أن يقوله.
لاشكّ في أن أيوب يصلّي، ولكن الكلمات تتقارع في قلبه فتدلّ على حيرته وضياعه. وحتى
ساعة يشوّه عبارات المزمور وكلماته، فهو يدلّ على شجاعته وعزمه في أن لا تتوقّف
صلاته. هو لا يتخلّى أبدًا عن الحوار مع الله، مع إلهه. وهكذا ظلّ أمينًا لا لحرف
المزامير بل لروحها. ففي الشدة والضيق.، يحقّ للانسان أن يصرخ، أن يدلّ على حضوره
وألمه. هذا الصراخ هو حقّ من حقوقه، يعترف به الرب نفسه حين يقول في النهاية إن
أيوب أصاب حين تكلّم عن الله أمام أصدقائه (42: 7). فالصلاة وإن كانت كير كاملة،
وإن نقصها الصبر، وإن تطرّفت في تعابيرها، فهي تتفوّق على كل الخطب التي تعتبر أنها
تبرّر ألم الانسان أو صمت الله.
ج- عناد في الرجاء
كان أيوب في جوابه الأول "يائسًا"، فتوجّهت كلماته في الهواء. قال: "أتحسبون كلامي
يستحقّ اللوم، وهو كلام يائس يذهب في الريح" (6: 26)؟ مرّ في مراحل الشك والارتياب،
القلق والضيق، الخوف والضياع. ومع ذلك، فقد ظلّ أكبر شاهد على الرجاء في الكتاب
المقدّس. رجاؤه قويّ وشجاع. أخذه بالعنف وبعد حرب متواصلة. ورجاؤه حقيقيّ يعرف حقّ
المعرفة ما هو اليأس.
اختلف أيوب عن أصدقائه الذين يميلون إلى ترتيب الأمور انطلاقًا من معرفتهم. وبما
أنهم يعرفون كل شيء، فهم لا يجدون شيئًا جديدًا. ولا ينتظرون من الله تعليمًا. إنهم
يشبهون نيقوديمس الذي اعتبر أنه يعرف (يو 3: 2)، فأفهمه يسوع أنه لا يعرف (3: 10)
وإن كان معلّمًا في اسرائيل. أما أيوب فيحرّك الأسئلة، مع أن عددًا من الطرقات
مقطوعة. ويرسل النداء تلو النداء إلى المساعدة. هو لا يقبل إطلاقًا أن يستمرّ الله
في صمته. لا، لم ينته كلّ شيء بالنسبة إليه. فالله، ذاك الاله الذي يؤمن به، لا
يمكن أن يبقى "جامدًا" أمام مصير البشر. تحرّكه العاطفة، وأحشاؤه أحشاء أم. "اسكتوا
واتركوني. أريد أن أتكلّم أنا مهما صار. شوكي أقلعه بيدي، أو آخذ لحمي بأسناني
وأحطّ روحي على كفيّ (أي: أخاطر بكل شيء). لو قتلني الله لما قاومته (أو: ظللت
أرجوه كما قرأ النسّاخ اليهود)، بل لناقشت سلوكي لديه. هو حقًا مخلّصي الوحيد،
بينما الكافر لا يثبت أمامه" (13:13-16).
حين واجه أيوب الله المواجهة الأخيرة (ف 38-42) جاءته سلسلة من الأسئلة بدت كسيل
جامح. ولكن سبق أيوب وأرسل هو أيضًا إلى الله العدد الكبير من الأسئلة وكأنها سهام
"قاتلة": "سئمت حياتي. سأبدي شواكي، ولو تكلّمت بمرارة نفس، فأقول لله: لا تحكم
عليّ. لماذا تخاصمني؟ أخبرني. أيطيب لك أن تظلم، أن ترفض ما صنعت يداك وترضى عن
مشورة الاشرار؟ ألك عينان من لحم ودم، وتنظر كما ينظر الانسان" (10: 2-4)؟ نتذكّر
هنا كلام الرب في النبيّ: أنا إله، لا انسان. ولكن أيوب جعل الله "انسانًا" فيه
عواطف "الانتقام" التي في الانسان.
هي أسئلة يصعب علينا سماعها وتقبّلها. غير أنها تعبّر في الوقت عينه عمّا يكون
إيمان أيوب ورجاؤه. إن هو رفض هذه الصورة عن الله، فلأنه آمن إيمانًا ثابتًا أن
الله لا يمكنه أن يكون ذاك الذي "يلتذّ بأن يجعل عليه حملاً ثقيلاً". وإلهه ليس
أيضًا إلهًا ينظر كما ينظر البشر، إلى الهيئة والشكل الخارجي. هو ينظر إلى القلب (1
صم 16: 7). وهكذا كان هذا "المعذّب" على حقّ، لأنه من عمق ليله وآلامه، جعل رجاءه
كلَّه في الله. فمنذ البداية هتف: "من لي بأن تلبّى طلبتي (المجهول الالهي، الله
يلبّيها)، وليت الله يعطيني ما أرجو" (6: 8).
هنا نقرأ 25:19-27 الذي هو قمة سفر أيوب، حيث يعلن أن الله هو رجاؤه الوحيد. "في
لحمي ودمي، أشاهد الله. أنا أشاهده، أنا ستراه عيناي، هو، ولا يكون غريبًا. قلبي
يشتعل في داخلي". عرف أيوب أن عنده من يدافع عنه، لا على الأرض وحسب، بل في السماء.
هذا الذي يدافع عنه، ويتولّى أمره هو الله. وهو ينتظر أن يشاهده، أن يراه بعين
"الجسد"، على هذه الأرض. سيكون له أن يراه بعد الظهور في العاصفة فيهتف في النهاية:
سمعت عنك في الماضي، أمّا الآن فقد رأتك عيناي. وعلى هذه المشاهدة ينتهي الكتاب.
الفصل الثلاثون
تدخّل الله في حياة أيوب
كان الجدال طويلاً، وحاميًا جدًا. وطلب أيوب حكَمًا يقف بينه وبين خصمه، واعتبر أن
هذا الحكم لا يمكن أن يكون الله، لأن الله هو الخصم فكيف يكون الحكم؟ والآن، سوف
نفهم أن الحكَم هو الله. فأصدقاء أيوب أخطأوا حين تحدّثوا عن الله بهذه الصورة. أما
أيوب، فكان على صواب. وقد صار النبيّ، الذي يتشفّع من أجل أصدقائه الثلاثة على مثال
ما فعل ابراهيم. هذا، مع أن أيوب هاجم الله، وأصدقاؤه حاولوا أن يدافعوا عن هذا
"الاله" مهما كان الثمن. ولكن الله لم يقل بعد كلمته. وهو الآن سيفعل.
بعد أن نطرح السؤال حول ألم الله، نتوقّف عند براهينه. وفي النهاية، نذهب مع أيوب
أبعد من الكتاب المقدس، ونقدّم الطريقة للتعرّف إلى هذا السفر الفريد الذي يربط ألم
الانسان بألم الله.
1- الرب إله يتألم
طرح أحد الكتّاب سؤالاً مزدوجًا: هل الله يتألّم؟ هل نستطيع أن نتصوّر إلهًا لا
يتألّم. واعتبر بعضهم هذا الكلام هرطقة: لا نقص في الله. إذن، لا ألم فيه. هو في
الاعالي، والناس على الأرض. ورأى آخرون أننا أمام مسألة فضوليّة لا علاقة لها
بحياتنا اليوميّة. غير أن السؤال يحيلنا إلى أعمق أعماق سرّ الله. كيف نؤمن أن الله
محبّة، ساعة نظنّ أن الألم لا يلامسه في كائنه الأزلي؟ عندما أبكي، عندما أتشوّه،
أترى الله يبقى باردًا كالرخام؟
حين نقرأ سفر أيوب، ونسمع صراخ هذا الموجع، نفهم في النهاية أن الله يقف بجانب
المتألّمين. هو لم يقل إن الاصدقاء كانوا على حقّ، بل أيوب. وهذا الذي نكتشفه في
سفر أيوب، نستطيع أن نقرأه في عدد من أسفار التوراة. أجل، إن ألم البشر يجد صداه في
قلب الله. وها نحن نورد بعض النصوص.
- "قال الرب: "رأيت مذلّة شعبي في مصر، وسمعت صراخه حين يضربه رؤساء المسخّرين.
عرفت (استوعبت) آلامه، ونزلت لكي أخلّصه" (خر 3: 7- 8). رأى الله. سمع. عرف، فدخلت
آلام شعبه في قلبه. كم هو بعيد عن الآلهة التي لها عيون ولا ترى، لها آذان ولا
تسمع.
- "صرخنا إلى الرب، إله آبائنا، فسمع الرب أصواتنا: رأى أننا مساكين، معذَّبين،
بؤساء" (تث 26: 7). "دعا البائس، فسمعه الرب، وخلّصه من كل ضيقاته" (مز 34: 7).
"كانوا جياعًا، عطاشًا، تخور نفوسهم فيهم، فصرخوا إلى الرب في ضيقهم، فأنقذهم من
سوء حالهم وهداهم طريقًا مستقيمة" (مز 5:107-7).
- "حزني لا شفاء له، فقلبي في صدري عليل. صوت استغاثة شعبي يُسمع من أرض بعيدة: ألا
يُقيم الربّ في صهيون؟ إلا يوجد ملكها (أي الله) فيها... على سحق شعبي انسحقتُ،
حزنتُ واستولى عليّ الذهول. أما من لجسم في جلعاد؟ أما من طيب هناك يضمّد جراح
شعبي؟ ليت رأسي ملؤه ماء، وعينيّ ينبوع دموع، فأبكي نهارًا وليلاً على قتلى أبناء
شعبي" (إر 8: 18-23). من يتكلّم هنا، النبي أم الله؟ النبيّ والله معًا، لأن النبي
تسلّم كلمات الله (إر 1: 6، 9، 17) وهو يوصلها إلى الشعب، فيكشف وجه الله. وسوف
يقول الله لنبيّه في إر 14: 17: "تقول لهم هذا الكلام: تسيل عيناي بالدموع ليلاً
ونهارًا بغير انقطاع، لأن العذراء (رمز إلى الأمّة) بنت شعبي أصيبت بجرح بليغ،
بضربة لا شفاء فيها". أجل، دُمّرت أورشليم، أحرق الهيكل، ذهب الملك إلى السبي ومعه
نخبة الشعب. بكى الناس، أترى الله لا يبكي؟
2- تدخّل الله وبراهينه
رأى الله شقاء أيوب. وسمع كلماته كما سمع كلمات أصدقائه اليفاز وبلدد وصوفر، ثم
أليهو. وهو يأتي الآن ليُسمع صوته أيضًا ويُسند ذاك المتألّم الذي يحتاج إلى من
يكون بجانبه في ألمه.
أ- تدخّل الله
جاء الله من العاصفة، مركز حضوره منذ جبل لسيناء، وقدّم جوابه في خطبتين طويلتين
تدلاّن على سموّ في التفكير. ونطرح السؤال على نفوسنا: هل موضوع كلام الرب، هو
موضوع كلام أيوب وأصدقائه؟ أما نكون أمام موضوع آخر؟ وهنا نشير إلى ثلاث ملاحظات:
- الاولى: لا يدافع الله عن نفسه، بل هو يهاجم. ما رأى في سؤال أيّوب أيّ فخّ على
مثال فخاخ الفريسيين مع يسوع. لهذا بادر إلى "الحرب"، وصار ذاك الذي يطرح الاسئلة
الكثيرة (50 تقريبًا) والصعبة: "من هذا الذي يغلّف مشورتي بأقوال تخلو من كل معرفة"
(2:38)؟ "أين كنتَ حين أسّستُ الأرض" (آ 4)؟ "من مدّ عليها الخيط فقاسها؟ على أي
شيء رست قواعدها؟ من الذي أرسى حجر زوايتها" (آ 5، 6)؟ وهكذا أطلق الله الجدال نحو
آفاق جديدة، وترك ضيق موقع أيوب الذي يريد جوابًا على سؤال، كما ترك ضيق الفكر
اللاهوتي عند الأصدقاء الثلاثة.
- الثانية: ما أشار الله في خطبته إلى الألم أو الشقاء، كما انتظر أيوب. أتراه ما
فهم الجدال السابق؟ أتراه لم يسمع نداءات أيوب المتكرّرة؟ هل يشكّل الألم سؤالاً
بالنسبة إلى الله؟ إذا كان الجواب بالايجاب، فلماذا لا يتكلّم عنه الآن، وقد سنحت
له الفرصة ليعرب عن "رأيه"؟ أما كان يجب عليه أن يقول لماذا حلّت كل هذه المصائب
بأيوب؟ ولكن الله ظلّ صامتًا في ما يخصّ هذا الموضوع. فكأني به لا يحبّ الكلام عن
الألم. أو ليس له ما يقوله في هذا الموضوع؟ لاشكّ في أنه أراد أن يُخرج أيوب من
ذاته، والاصدقاء من نظرة ضيّقة تقصّر عن الاحاطة بالواقع.
- الثالثة: تكلّم الله أقلّ ما تكلّم هنا، عن الانسان، وكأن الانسان ليس موضوع
اهتماماته. ففضّل أن ينشر معارفه حول الخلق وتنوّعه. كما تحدّث عن المخلوقات
الغريبة، بل المعادية للانسان. أترى لا براهين في يد الله؟ بل هو أراد بالأحرى أن
يطرح سؤالاً على الانسان الذي سيقدّم الجواب، لا في موقف عقليّ وبلاغيّ، بل في موقف
حياتي ينطلق من الواقع. أجل، سيفهم الانسان أن الله كليّ الحكمة في كل ما صنع. وأنه
إن اعتنى بأصغر المخلوقات وأكبرها، فهو لا ينسى الانسان الذي رفعه إلى مستوى الله
كما يقول المزمور الثامن.
ب- براهين الله
طرح أيوب عددًا من الأسئلة على الله فـ "هزّته"، لأنه يتأثّر لدى تساؤل أبنائه. وها
هو يقدّم الأجوبة بشكل مرصوص. "شدّ حقويك، وكن رجلاً (ستكون المسافة طويلة): أنا
أسألك وأنت تخبرني" (38: 3). ودلّ الله سريعًا على الستراتيجيّة التي سيأخذ بها: هو
ما أراد أن يبرّر نفسه في كل النقاط التي آثارها أيوب، ولا أن يقدّم الأجوبة على
أسئلته. فقد أعطى الجدال وجهًا جديدًا. هو سيسأل. وعلى أيوب أن يجيب إن أراد، أو إن
ظنّ أنه يستطيع. أما الهدف الأخير، فهو دفع أيوب لكي يعرف من هو، لكي يدرك مدى
معرفته وامكانيّاته.
* هويّة أيوب
في حركة أولى دعا الله أيوب لكي يفكّر في هوّيته. هل تعرف من أنت؟ "من هذا الذي
هاجم العناية الالهية بأقوال تخلو من المعرفة" (38: 2)؟ أجل، ما كان أيوب قد قاله،
بدا فقيرًا وأعجز من أن يعبّر عن المعنى والنظام اللذين نجدهما في الخليقة. هذا لا
يعني أن الله يريد أن يسحق أيوب أو يجعله يحسّ بجسامة خطيئته. أن الله يريد أن
يجعله في الخزي. بل إن الله يدعو أيوب بحزم، ولكن بدون غضب إلى أن يجعل نفسه في
الحقيقة، أن يعرف حدوده، وأن يقبل بأن لا يكون الله. منذ البداية أراد آدم أن يصير
كالله يعرف الخير والشر. وبناة برج بابل أرادوا أن يتحدّوا الله. وصاحب سفر الجامعة
عُرف بمشاريعه المفرطة التي أوقعته في العدم، فهتف: باطل الأباطيل وكل شيء باطل.
* معرفة أيوب
في حركة ثانية، طرح الله عددًا من الاسئلة حول مدى معرفة أيوب: "أين كنتَ حين
أسّستُ الأرض؟ بما أنك عالم، فقل لي. هل تعرف من مدّ قياساتها" (38: 4- 5). أو: "هل
أدركت مدى سعة الأرض؟ أخبر إن كنت تعرف هذا كله" (18:38). لاشكّ في أننا نجد هنا
"لمسة سخرية" بسيطة تكفي لكي يعرف أيوب حدود معرفته. لا عار في ذلك. فالمعرفة
الحقيقيّة تكمن في امكانية معرفة ما لا نعرف.
* قدرة أيوب وامكانياته
وفي حركة ثالثة، طُرحت أيضًا جملة من الاسئلة عن مدى قدرة أيوب. "هل أنت في أيامك
أمرت الصبح، وأرسلت الفجر إلى موضعه؟ هل وصلت إلى ينابيع البحر أم تمشّيت في أعماق
الهاوية؟ هل انفتحت لك أبواب الموت أو عاينت أبواب الظلمات؟ ها اخترقت إلى خزائن
الثلج، أو أبصرت أين خزائن البَرَد؟ أتربط أنت عقدَ الثريا، أم تحلّ حبال الجوزاء؟
أتطلع نجوم الصبح في أوقاتها وتهدي النعش وبناته في السماء" (38: 12-32)؟
حتى الآن، لم يقدّم الله برهانًا. بل دعا أيوب إلى الفطنة والتواضع. دعاه لكي يكون
في الحقيقة، لا في الوهم والسراب الذي يوصل الانسان إلى عري شبيه بعري آدم في
الجنّة. وقد نكون أمام "برهان" يدلّ على حدود المعرفة البشريّة، ويفسّر تشعّب
الخليقة وغناها. أجل، يتوجّه الله في هذا المنحى. ولا يتحدّث إلاّ عن الخليقة التي
يقدّمها برهانًا يقنع به أيوب.
ولكن ما هي الخلائق التي يذكرها؟ تلك التي لا تخضع للانسان: الحمار الوحشيّ، النسر،
النعامة... فكأني بالله يسرّ في وصف تنوّع الخليقة، لكي يفرض على أيوب أن يخرج من
تقوقعه. لاشكّ في أن أيوب يتألّم. وهو لم "يستحقّ" ذلك. ولكن لماذا ينغلق على ذاته،
ويرفض أن ينظر إلى الآخرين؟ أنظر عظمة الخليقة وجمالها. ولا تقل إن الفوضى تسود في
الخلائق. إن قلت هذا الكلام، لم تكن عادلاً تجاه الله، ودللت على احتقار لعظمة
الكون.
هذا في الخطبة الاولى. وفي الخطبة الثانية، سيصوّر الله بشكل ملحمي وحشين كبيرين،
لاويتان الذي ظهر بشكل تمساح (هو الملتوي)، وبهيموت (أي البهيمة في المطلق) الذي
ظهر بشكل وحيد القرن. وحشان يخافهما الانسان. ولكنهما صارا لعبة بين يَدي الله الذي
تخضع له الخليقة كلها. إذن، ليس هناك من مؤامرة على الانسان. فالله سيّد لاويتان
وسيّد بهيموت، كما هو سيّد أصغر المخلوقات. فلماذا ينسب الانسان إلى "الوحوش"
المعادية للانسان، الألم الذي هو جزء لا يتجزأ من الانسان؟
ج- توبة أيوب وعودة إلى البداية
سمع أيوب "كلام الرب" فأجاب مرة أولى: "كنت سخيفًا فماذا أجيبك؟ يدي أضعها على فمي.
تكلّمت مرّة فلا أعود، ومرّتين فلا أزيد" (40: 4- 5). وفي المرّة الثانية: "عرفتك
قادرًا على كل شيء فلا يتعذّر عليك أمر. أخفيتَ مشورتك ولم تبح بها، فتكلّمت بكلام
باطل على معجزات لا أدرك مغزاها، وعجائب فوق متناول فهمي... سمعت عنك سمع الأذن،
والآن رأتك عيناي. لذلك أستردّ كلامي وأندم وأنا هكذا في التراب والرماد" (42:
2-6).
وهكذا نبقى على جوعنا. طلب أيوب جوابًا، فكان الجواب صمتًا وخضوعًا. كان باستطاعته
أن يسكت منذ البداية، أقلّه سكوت من يكظم أسئلة في قلبه. ولكنه لم يفعل. أما بعد
هذه المسيرة فصار لسكوته معنى آخر.
وبعد هذه المغامرة الطويلة، نعود إلى البداية. نقرأ في 42: 10: "وردّ الربُّ أيوب
إلى ما كان عليه من جاه". ثم: "وزاد الله أيوب ضعف ما كان له قبل". وروت آ 12-13 ما
ناله أيوب بعد محنته. "وبارك الرب أيوب في آخر أيامه أكثر من أوّلها". لماذا مثل
هذه الخاتمة؟ لأن الله يجازي كل انسان حسب أعماله. وبما أن أيوب لم يصل إلى
القيامة، ولا إلى مجازاة في الآخرة، جعل الكاتب مجازاته في هذه الدنيا. لهذا عاد
إلى الحلّ التقليديّ حول السعادة التي تعرفها هذه الأرض.
3- أبعد من الكتاب
كل شيء في سفر أيوب يثير فينا الأسئلة: تمرّدُ "البطل". دعوة أصدقائه للعودة إلى
العقل. تشعّب الخطب البشريّة وخفَر خطبة الله. لهذا، حاول الكتّاب فيما بعد أن
يخفّفوا من حدّة التساؤلات، أن يوافقوا بين الاضداد. وهكذا، فالجدال الذي بدأه أيوب
لم ينته بعد حتى أيامنا. وها نحن نقدّم ثلاث محاولات.
أ- السبعينيّة
نذكر هنا أن السبعينية هي الترجمة اليونانيّة التي تمّت في القرن الثالث ق. م.
حافظت على اعتراض أيوب، ولكنها تخلّت عن كل ما اعتُبر إساءة لاسمه القدوس، وذلك
باسم اهتمامات لاهوتيّة. وهناك مقاطع اتخذت بعدًا روحانيًا، كما أعيد تفسيرها في
إطار رجاء اسكاتولوجيّ لا نجده في الاصل العبريّ. نكتفي بذكر القراءة الجديدة لما
في 19: 25-27، حيث صار حديث عن "الفادي" الذي سيكون يسوع المسيح فعبّر المترجمون
فيه عن إيمانهم. لا ننسى خاتمة طويلة لسفر أيوب لا نجدها في النصّ العبري. ولا ننسى
ما أشرنا إليه من زيادة بالنسبة إلى امرأة أيوب.
ب- وصيّة أيوب
دُوّنت وصيّة أيوب في القرن الأول ق م، وربما الأول ب م، فجاءت بشكل رواية لاهوتيّة
أقصر من السفر البيبليّ. بدا أيوب ذاك الذي يحتمل كل شيء، فلا يخرج عن صبره أبدًا.
لا نجد كلام التشكّي ولا أقوال التمرّد. وهو يعظ الصبر في كل المناسبات. "والآن، يا
أبنائي، برهنوا عن الصبر، أنتم أيضًا، في كل ما يحصل لكم، لأن الصبر ينتصر على كل
شيء" (7:37). ونرى أيضًا الشيطان "كما بعيوننا". وعى أيوب منذ البداية، أن عليه أن
يصارع الشيطان وصنم معبده (3-4). وعليه أن يفضح فخاخه. وفي النهاية، سيقرّ الشيطان
بهزيمته: "أنت يا أيوب، كنت تحت، وفي الشقاء، ولكنك انتصرت في الحرب التي أصليتها
عليك" (27: 5).
هكذا اختلف صراع أيوب اختلافًا جذريًا: في سفر أيوب هاجم أيوبُ الله. وفي وصيّة
أيوب، هاجم الشيطان. هو لا يدعو الله إلى "المحكمة"، كما في سفر أيوب، كما أن الله
لا يحتاج إلى أن يبرّر نفسه، ولا أن يعاتب صديقه: ذُكر اللقاء بين الله وأيوب بشكل
خفر فاحتلّ فقط بضع آيات: "حين انتهى أليهو من كلامه الفضفاض، ظهر الربّ لي عبر
عاصفة وسحاب وكلّمني؟ شجب أليهو وبيّن لي أن الذي تكلّم فيه لم يكن انسانًا، بل
وحشًا. وإذ كان الرب يكلّمني عبر الغمام، سمع الملوك الأربعة أيضًا صوت المتكلّم.
وحين أنهى الرب كلامه إليّ، قال لأليفاز: أخطأت أنت وصديقاك. فما قلتم الحقيقة حين
تكلّمتم على خادمي أيوب" (42: 1- 5).
وفي "وصيّة أيوب" هذه، لا نجد جدالاً بين أيوب وأصدقائه، بل تساؤل الأصدقاء حول
هويّة أيوب: "هل أنت يوباب الذي كان ملكًا مثلنا" (31: 5)؟ كما لا نجد عندهم أي لوم
لأيّوب. أما أيوب فيبدو هادئًا في كل جواباته لأنه متأكّد كل التأكيد بأنه سينال
المجازاة الابديّة التي تنتظره: "سأريكم عرشي ومجده وبهاءه. عرشي هو في العالم
العلوي، ومجده وبهاؤه هما عن يمين الآب" (33: 2-3). ولم يعد أيوب رجل الجدالات
والبحث القلق، بل رجل اليقين الأكيد. وهكذا يستطيع أن يموت بسلام على صوت انشاد
المدائح والمباركات في فم بناته، ساعة يأتي "ذاك الجالس على المركبة الكبيرة" ليأخذ
نفسه إليه (52: 1-12).
وهكذا تكون وصيّة أيوب على نقيض من سفر أيوب: فآلامه لا تطرح سؤالاً. والخطبة تحمل
التعزية دومًا. والنظرة إلى الحياة الابديّة تسهّل الأمور أيّما تسهيل.
ج- رسالة يعقوب
دوّنت هذه الرسالة في الربع الاخير من القرن الأول، فقدّمت قراءة مسيحيّة لسفر
أيوب. أجبر على الصمت فجُعل مثال الصبر. وهكذا تكرّسُ رسالة يعقوب بالنسبة إلى
التقليد المسيحيّ، نظرة إلى أيوب كالانسان الصابر الخاضع الذي يسلّم أمره إلى الرب.
"لا يتذمّر بعضكم على بعض، يا إخوتي، لئلا يدينكم الله. الدّيان واقف على الباب.
إقتدوا أيها الاخوة بالأنبياء الذين تكلّموا باسم الرب فتعذّبوا وصبروا. وهنيئًا
للذين صبروا. سمعتم بصبر أيوب، وعرفتم كيف كافأه الرب. فهو رؤوف رحيم" (يع 5: 9-
11).
لم يعد أيوب ذاك المعارض الرافض كما وجدناه في ف 3- 31، بل ذلك الرفيع الذي عرف أن
يحتمل الالم ويقبله بروح المسيح.
خاتمة
في نهاية هذه الفصول الثلاثة حول سفر أيوب، نودّ أن نقدّم أسلوبًا يساعدنا على
قراءة هذا السفر الذي هو قمّة من قمم الشعر العالمي. نلاحظ أولاً تطوّر شخصيّة أيوب
عبر خطبه (ف 3، الجدالات مع الاصدقاء، الدفاع الأخير، والجواب إلى الله). ونلاحظ
أصدقاء أيوب الثلاثة: كيف نظروا إلى مسألة الألم؟ كيف نظروا إلى سرّ الله؟ كيف كان
موقفهم بالنسبة إلى انسان يتألّم؟ أي رجاء يحرّك موقفهم هذا؟ ونتوقّف عند خطبة
أليهو: ما هو الجديد بالنسبة إلى كلام الاصدقاء الثلاثة؟ ونفهم أخيرًا أن الله
يوجّه الجدال منذ البداية حول التناسق والتماسك في الخليقة. ذاك كان مطلب أيوب، وقد
وصل إليه بعد أن "رأى" الله و "سمع" صوته.
القسْمُ الثّالِث
مَواضِيعٌ وَنصُوص مِن الكِتَاب
ثلات محطات تستوقفنا في هذا القسم الثالث والاخير من الجزء الاول من رباعيّة ربما
خماسيّة سميناها "في رحاب الكتاب"، من "العهد الاول": الخطيئة، الرحمة، الخبز
والخمر. هكذا نتعرّف إلى بعض غنى العهد القديم. وننهي بنصوص وبنظرة شاملة إلى قراءة
الكتاب المقدس.
وتتوزّع المواضيع في هذا القسم كما يلي:
1- مفهوم الخطيئة في الحقبة القديمة
2- مفهوم الخطيئة في عالم الأنبياء
3- العالم اليهوديِّ وانتظاره بالنسبة إلى الخطيئة
4- الاعتراف بالخطايا في العهد القديم
5- الخطيئة الأصليّة
6- رحمة الله في اللغة والنصوص
7- حنان الرب ورأفته
8- رحمة الله تجاه الصغار
9- رحمة الله تجاه الخطأة
10- شريعة المعاملة بالمثل. سن بسن، عين بعين
11- الخبز في الحياة اليوميّة
12- الخبز والطعام في شعائر العبادة
13- الخمر والعنب في الكتاب المقدس
14- تكلّم يا رب، فإن عبدك يسمع
15- ما بالك ههنا يا إيليا
16- إيليا النبيّ، من جبل الكرمل إلى جبل الصعود
17- النبوءات: من التفسير الاصولي إلى التفسير الروحي.
الفصل الحادي والثلاثون
الخطيئة في الحقبة القديمة
نستطيع أن نقسم العهد القديم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الاولى، المرحلة القديمة
والسابقة لأنبياء القرن الثامن. هي وضعت الأسس التعليميّة وعرفت امتدادات متأخّرة
لاسيّما في الأدب الكهنوتيّ. والثانية، المرحلة النبويّة التي تمتدّ من القرن
الثامن إلى القرن الخامس. هي تتوسّع في التعليم القديم، وتضمّ مجموعات أدبيّة لا
نبويّة مثل الأدب الاشتراعي. والثالثة، مرحلة العالم اليهودي في ما بعد المنفى. هي
تنبثق شيئًا فشيئًا من المرحلة السابقة وتستغلّ معطياتها.
مثل هذا الجمع للنصوص، وإن وافق إجمالاً المراحل الجوهريّة والخبرة التاريخيّة
والروحيّة في اسرائيل، إلاّ أنه يتضمّن في التفصيل بعض الأمور الاعتباطيّة. ولكن في
هذا العرض السريع، لا نستطيع أن نتوقّف عند كل سفر من الأسفار المقدّسة. بل نفتح
الطرق الواسعة لنظرة شاملة قد تنكشف في نهاية هذا المقال.
ونبدأ بالحقبة القديمة
قبل حقبة الأنبياء، نجد النصوص العديدة من قوانين قديمة، من أخبار نقرأها في
البنتاتوكس (أي أسفار موسى الخمسة) ولاسيّما في التقليد اليهوهي والالوهيميّ، من
أسفار التاريخ الاشتراعي (يش، قض، 1- 2 صم، 1- 2 مل)، من مواد جمعها التقليد
الكهنوتيّ. ونزيد على كل هذا المزامير القديمة. ونقابل هذه النصوص مع ما في الآداب
الدينيّة في الشرق القديم، فنكتشف السمات الخاصّة بالخطيئة في عالم التوراة.
1- فكرة الخطيئة في ديانات الشرق القديم
لم تكن فكرة الخطيئة مجهولة في ديانات الشرق القديم. ففي مصر نقرأ عددًا من
الاعتراضات التي تدلّ على براءة شخص من الأشخاص، في "كتاب الموتى". حين يجب على
الميت أن يمثل أمام محكمة أوزيريس حيث تُوزن النفوس، عليه أن يتلفّظ بعبارة طقوسيّة
تشهد أنه لم يقترف خطيئة من الخطايا التي تغيظ الآلهة. أمّا اللوائح التي نجدها
ففيها الامور المختلفة: المحرّمات (تابو) الدينيّة، واجبات أساسيّة في الحياة
الاجتماعيّة كما يعلّمها الحكماء. فآلهة مصر يكرهون ما يشجبه ضمير الانسان (السرقة،
الزنى، الظلم، الشرّ...). ونلاحظ أن الخطيئة تكمن بالأحرى في ماديّة العمل الذي
يقوم به الانسان، لا في نيّته حين قام بهذا العمل. والاعلان بالبراءة يقتني فاعليّة
سحريّة تؤمّن الطهارة الدينيّة للميت وتتيح له الدخول إلى فردوس أوزيريس. ولائحة
الخطايا التي يجب على المرء أن يتجنّبها، قد وُضعت بالنظر إلى المصلحة العامّ،
وشعائر العبادة، لا بالنظر إلى مثال روحيّ حقيقيّ، أو شريعة إيجابيّة أوحي بها.
فالمخافة الموسوسة من الخطيئة تبدو بعيدة عن مخافة الله في الحياة العمليّة كما في
العهد القديم.
في الديانة الرافدينيّة (أي بلاد ما بين النهرين)، لا نجد نظرة إلى الدينونة بعد
الموت. لهذا يجب أن نبحث عن تعليم عن الخطيئة في صلوات التوبة والتوسّل. أما الظرف
فخبرة الشقاء البشريّ يعيشونه في هزيمة عسكريّة، في آفة تضرب البلاد، في المرض.
ويستنتج المصلّي في هذه الظروف بأنه أغضب إلهًا من الآلهة، فنال انتقامه. لهذا،
نراه يقرّ بخطيئته ويطلب السماح. ولقد ظلّت فكرة الخطيئة ماديّة جدًا. فما إن
يتجاوز الانسان، وإن سهوًا، مشيئة إله من الآلهة، حتى يجد نفسه في حالة الخطيئة. أم
الذنوب المذكورة فتّتصل بشعائر العبادة (طقوس نقوم بها، محرّمات نحفظ نفوسنا منها)،
لا بالأمور الأخلاقيّة، كما تشدّد على ما يتعلّق بمصلحة المدينة. وحين يريد الانسان
أن يتنقّى من خطاياه، يتّكل على طقوس التكفير التي ترافقها صلوات التوبة، فينسب لها
فاعليّة شبه سحريّة. فالقدرة الالهيّة التي أغضبت، تشبه أقلّ ما تشبه الاله الشخصيّ
الذي تعرفه التوراة. وهكذا وُجدت عبارات صلاة تتوجّه إلى إله من الآلهة، عرفه
المؤمن أم جهله، ولكنّه قد يكون أغضبه. وفي النهاية، المطلوب هو منفعة الانسان، لا
الارتداد الداخليّ.
2- نظرة عامة إلى المفهوم البيبليّ للخطيئة
لا نجد في أي مكان من النصوص البيبليّة عرضًا منهجيًا عن لاهوت الخطيئة. لهذا، نعود
إلى تلميحات مختلفة نأخذها من النصوص التشريعيّة والعباديّة، من الأخبار التي تروي
لنا خطيئة اقترفت في الشعب. ابتعدت التوراة عن الفلسفة اليونانيّة التي رأت في
الخطيئة ضلال العقل الذي يقود الانسان بعيدًا عن القاعدة الاخلاقيّة، دون عودة
ضروريّة إلى مشيئة الله. فكانت نظرتها إلى الخطيئة روحيّة في جوهرها. وخطورة
الخطيئة لا تكمن أولاً في الحكم بل في العمل.
فالخطيئة (يقابلها البرّ أو الحياة بحسب وصايا الله ومشيئته) هي فعل يقوم به
الانسان، بل هي موقف يقفه الانسان أمام الله. وإذا أردنا أن نصف هذا الموقف، لا
نعود إلى طبيعة الانسان أو إلى معطيات تترجم متطلّبات الضمير، بل إلى إرادة الله
الوضعيّة كما تعرضها الشريعة.
إن لهذه الطريقة في فهم الامور خلفيّة بيبليّة خاصّة لا مثيل لها في سائر الديانات:
التعليم حول العهد. لقد دخل الله، بمبادرة خاصّة منه، في علاقة دينيّة مع البشر.
وحدّد لهم بنفسه الشروط التي يجب أن ينفّذوها: كلمات الشريعة هي بنود عهده (خر
3:24-8 وشعائر طقس العهد) كما أوحيت للشعب مع مخطّط الله. فمن رفضها خطئ. لاشكّ في
أن هذا المدلول للخطيئة يعني بالدرجة الأولى شعب اسرائيل الذي نعمَ بالعهد
والشريعة. ولكن يبقى أن القاعدة الوضعيّة للسلوك البشريّ، التي تحدّدها مشيئة
الخالق الذي وحده يعرف الخير والشرّ، الذي وحده يسود الخير والشرّ، أن هذه القاعدة
تعني جميع البشر كما يقول تك 1-3 وأقوال الأنبياء على الأمم مثل عا 1-2.
إذن، كل عمل بشريّ يعارض شريعة الله هو خطيئة. والألفاظ العبريّة التي تُستعمل
لتدلّ على هذا العمل تتحمّل فوارق تنبع بشكل ملموس من نشاط الانسان الخاطئ ووضعه.
فالجذر "ح ط ا" (في العربية: خطئ) الذي يستعمل أيضًا لكي يصف العلاقات بين البشر،
يرى في الخطيئة ذنبًا وإهمالاً وخيانة بالنسبة إلى الله وإلى القاعدة السلوكيّة
التي وضعها. ولفظة "ع و ن" ترينا في الخطيئة ضلالاً به يميل الانسان عن الطريق
القويم. وكلمة "ف ش ع" تشير إلى الانسان الذي يترفّع ضدّ الله، ويخونه كما يفعل
العبد تجاه سيّده. ونجد الموقف عينه في جذور أخرى تعني الثورة والتمرّد واللاإيمان.
أما الخاطئ فهو مُذنب، مُجرم وكافر. اقترف الشرّ والاثم والسوء. كل هذا يفترض علاقة
شخصيّة بين الانسان والله، موقفا يتّخذه الانسان تجاه الله، عملاً يعارض ما ينتظره
الله من الانسان خليقته مقابل العهد الذي قطعه معه والخيرات التي غمره بها. إذن،
ليست العلاقة بين الخطيئة والشريعة على المستوى القانونيّ وحسب. فالشريعة لا معنى
لها إلاّ بالنظر إلى التدبير الديني الذي فيه يجد الانسان نفسه باسم مشيئة الله.
3- الجديد في هذه النظرة إلى الخطيئة
إذا قابلنا هذه النظرة التي صوّرناها بإيجاز، مع النظرة التي اكتشفناها في ديانات
البلدان المجاورة للأرض المقدّمة، نرى الجديد في نقطتين أساسيّتين ومهمّتين من أجل
لاهوت الخطيئة الذي يميِّز في العمل الشرير "مادة" العمل و"النيّة" التي دفعتنا
للقيام بهذا العمل.
أولاً: إن مادة الخطيئة التي ترتبط هنا كما في الشرق القديم كله، بمشيئة الله، لا
تحدّدها متطلّبات أخلاقيّة المدينة وشعائر العبادة التقليديّة. بل هي موضوع تحديد
إيجابي يصل إلى الانسان عبر قناة الوحي، في إطار العهد بين الله وشعبه. وهكذا
تتضمّن الشريعة وجهة دينيّة ووجهة أخلاقية ترتبط الواحدة بالأخرى ارتباطًا وثيقًا.
وهذا ما نلاحظه في الدكالوغ، في الوصايا العشر، الذي يوجز جوهر الشريعة.
لاشكّ في أن هذه الوصايا الأخلاقيّة والدينيّة تتوزّع في تشريع خاص يتضمّن فرائض
قانونيّة وعباديّة (كما في البنتاتوكس). ونجد في هذه المجموعات أخلاقيّة المدينة
ومحرَّمات عباديّة قريبة كل القرب من عالم الحقوق الشرقيّ وعبادات الديانة المجاورة
لشعب اسرائيل. وهكذا بقي في شريعة اسرائيل، على سبيل المثال، وبشكل عابر، عناصر
عتيقة لم تعد تعنينا اليوم، ولكنّ تجاوزها كان يشكّل خطيئة في العهد القديم. ولكن
يبقى أن هذه العناصر قد دخلت في إطار حقوق وضعيّة في مجموعة تجاوزتها لأنها وجدت
معناها في اختتام العهد وفي كلمة من أرسلهم الله. وفي أي حال، تكوّنَ قلبُ التوراة
في المعنى الحصريّ، من الوصايا الدينيّة والاخلاقيّة التي أخذت على عاتقها الوصايا
الأخلاقيّة والديانة الطبيعيّة (أي المرتبطة بطبيعة كل انسان) التي يصل إليها
مبدئيًا كل ضمير بشري. ولكنها قُدّمت كوحي وارتبطت بسلطة الله. منذ ذلك الوقت،
تحدّدت الخطيئة في ماديتها بالنسبة إلى هذه السلطة.
ثانيًا: شدّدت النصوص على نيّة ومسؤوليّة الانسان الذي يخطأ. لا شكّ في أنه يبقى
هنا أيضًا بعض النظرات الشرقيّة القديمة. ففي عدد من الحالات، يُعتبر العمل
الخارجيّ أكثر من نيّته الباطنيّة. نستطيع أن نخطأ عن جهل أو ضلال ومن دون وعي، على
مثال يوناتان بن شاول الذي تجاوز دون أن يعلم محرّمًا دينيًا فرضه والده (1 صم 14:
24-25). غير أن ذنبًا من هذا النوع، ليس في الواقع من ذات طبيعة الخطيئة الاراديّة
التي يقترفها الانسان بوعي تام (عد 30:15- 31).
والبرهان على ذلك، هو أنه في الحالة الأولى يكفي تكفير طقسيّ ليصبح الانسان نقيًا
من خطيئته (لا 13:4 ي). وهكذا "افتدت" الجماعة يوناتان. فأفلت من اللعنة التي تلفّظ
بها شاول (1 صم 14: 15). أما في الحالة الثانية، فطقوس التكفير، كان ضروريّة، لا
تكفي لتمحو الخطيئة. لابدّ من ارتداد القلب. والطقوس هي التعبير الخارجيّ عن هذا
الارتداد الذي قد يدفعنا إلى تعويض حقيقيّ. فداود بعد زناه، لم يكتف بأن يقدّم
ذبيحة مطهّرة. دعاه النبيّ ناتان فوجب عليه أن يقرّ بذنبه: "خطئت إلى الرب" (2 صم
12: 13).
وهناك أخبار تدلّ على نظرة مشابهة، ولاسيّما في تاريخ بني اسرائيل في البريّة، حيث
تتوالى الخطيئة والعقاب والتوبة. وهكذا نكون بعيدين جدًا عن طقوس التوبة التي
تمارسها بلاد الرافدين. فالخطيئة هي الآن درامة روحيّة يتواجه فيها الانسان والإله
الحيّ.
4- درامة الخطيئة في التاريخ
هذا الوعي لخطيئة الانسان في خطورتها الجوهريّة، أتاحت للكاتب الملهم أن يطرح بشكل
أصيل جدًا، درامة الخطيئة في التاريخ.
هو يعرف أولاً أن الخطيئة ليست حدثًا يقع مصادفة، وكأن الانسان الذي هو صالح
بطبيعته وموجَّه بشرائع مجتمع صالح، ضلّ من دون علم منه. في الواقع، تُولد الخطيئة
من "قلبه الشرّير": فالفرعون الذي قاوم الله "قسّى قلبه" لئلا يخضع لما طلبه موسى
(خر 13:7). واسرائيل في البريّة دلّ على أنه "شعب قاسي الرقاب" (خر 9:32). وخبر
الطوفان الذي هو خبر الخطيئة النموذجيّ، جعل الراوي يؤكّد أن "مقاصد قلب الانسان هي
شرّيرة منذ طفولته" (تك 21:8؛ رج 5:6).
هي نظرة واقعيّة إلى الطبيعة البشريّة، تفترض أن الشرّ الأدبيّ حاضر في التاريخ
كله، ومتعلّق بكل مجتمع بشريّ وفي كل فرد من أفراد المجتمع. لاشكّ في أن هناك
أبرارًا يتميّزون عن سائر البشر مثل أخنوخ ونوح وابراهيم وموسى. ولكن إذا تمعنّا في
الامور، رأينا أن برّهم هو اتجاه، لا حالة لا يستطيعون أن يَسقطوا منها. والبرهان
على ذلك هو أن بعضهم خطئ في مناسبة أو أخرى. هذا ما حدث لموسى (عب 20: 12) وداود...
مثل هذه الوقائع تضعنا أمام سرّ خطيئة الانسان. وبالنظر إلى هذا الشرّ، صار وجود
الشرّ على الأرض أمرًا معقولاً. واتخذ الألم والموت قيمة تكفيريّة. صارا بشكل عقاب.
لا بالنسبة إلى المسؤوليّة الفرديّة وحسب، بل في منظار التضامن البشريّ الذي يربط
أعضاء المجموعة بعضهم ببعض. كما يربط الاجيال عبر الأزمنة من جيل إلى جيل.
فالاعمال الاراديّة التي يصنعها الانسان ضدّ مشيئة الله الواضحة تصبح ثقلاً على
الذين اقترفوها وعلى الذين يرتبطون بهم بشكل أو بآخر. وهذا يكون لا بسبب حتميّة
مأساويّة تشبه ما نجد عند الكتّاب الدراماتيكيّين في العالم اليونانيّ، بل في إطار
شريعة عميقة تختفي وراء التاريخ، وهي تقول بأن كل انسان يقرّر مصيره حين يتّخذ
موقفًا تجاه الله وشريعته. ذاك هو كل معنى الحريّة.
ويجد هذا التعليم أسطع عبارة له في تك 3. من جهة، نحن هنا أمام الخطيئة النموذجيّة
(مثلها تكون خطايانا): أعطي الانسان حرّية القرار فحاول أن يسيطر على الخير والشرّ
(هذا هو المعنى الرمزيّ لشجرة المعرفة)، ليصير مثل الآلهة. وهكذا يتعدّى على امتياز
إلهي ويتجاوز فريضة أساسيّة فرضها الله عليه. ومن جهة ثانية، دلّ موقع الخبر أن
الخطيئة قد دخلت في التاريخ على أثر قرار حرّ اتَّخذه الانسان، وذلك منذ البداية.
لهذا السبب، حملت كل الأجيال البشريّة علامات غضب الله: فالنتائج الطبيعية للخطيئة
(الألم، الموت، التعب) تُلقي بثقلها على الجنس البشريّ كلّه. ونحن نختبر هذا الواقع
بشكل مأساوي. ويرينا التاريخُ المقدّس الله يتعامل مع هذه البشريّة الخاطئة التي
يعاقبها مرارًا، ويرغب في أن يخلّصها من الخطيئة ونتائجها. في هذا المجالس. لا
تستطيع الديانات الوثنيّة القديمة أن تقدِّم لنا أكثر من تعابير خارجيّة لكي نتحدّث
عن عالم الخطيئة.
الفصل الثاني والثلاثون
مفهوم الخطيئة في عالم الأنبياء
بعد قراءة أولى للخطيئة في الشرق القديم بما فيه التوراة، نعود إلى الأنبياء الذين
حاولوا أن يعيدوا قراءة الأسفار الأولى على ضوء الواقع الجديد، فدعوا المؤمنين
للعودة إلى الله، لا على مستوى الطقوس فحسب، بل على مستوى الحياة الاخلاقيّة كلها.
نذكر هنا المجموعات النبويّة والأدب الاشتراعيّ (تث 1-10، 32؛ التاريخ المقدّس في
يش، قض، 1-2 صم، 1-2 مل). فمن خلال التاريخ الملكيّ الذي ينتهي بكارثة سنة 587-586،
والذهاب إلى المنفى، نجد خبرة روحيّة للخطيئة في اسرائيل. فهناك الخطايا الفرديّة
التي تصوّرُها الكرازة النبويّة في لوحة لا التباس فيها. وخطايا الملوك التي جرّت
الأمّة كلها في طرق الشرّ. وخطايا المجموعات في شعب العهد الذي تجاوز قسمَ الآباء
وتمرّد على شريعة الله.
أدب واسع جدًا. نكتفي بأن نبرز السمات الظاهرة التي توضح النظرة البيبليّة إلى
الخطيئة. في الواقع، لا نجد تجديدًا تعليميًا جوهريًا: فالكتاب الملهم أبرز السمات
الخاصّة التي اكتشفناها في الحقبة السابقة. ولكن هناك نقطة أساسيّة في تعليمهم
توسّع فيها هؤلاء الكتّاب، حين أعلنوا انتصار الله على خطيئة الانسان في نهاية
الزمن.
1- خطيئة الانسان تجاه الشريعة والعهد
إن موضوع عدد من الخطب النبويّة هو شجب خطايا اسرائيل. وهي تعود بشكل واضح إلى
الشريعة (هو 8: 12)، فتختلف عن الخطب الكهنوتيّة التي تتوخّى تحريض الشعب على
ممارسة الشريعة. غير أن تعداد خطايا اسرائيل التي تجاوزت شريعة الله، افترض أن هذه
الشريعة كانت معروفة، وذكر وصاياها الرئيسيّة.
انطبع حزقيال بالمحيط الكهنوتيّ الذي انتمى إليه، فجعل الخطايا الاخلاقيّة
الاجتماعيّة (مثل الظلم والقتل) على مستوى تجاوز الفرائض الدينيّة الاساسيّة (مثل
عبادة الأوثان وعدم حفظ السبت)، ومستوى التعدّي على الحقّ الايجابي (موانع الزواج)
والمحرَّمات الدينيّة التقليديّة (علاقة مع المرأة الطامث) (حز 18: 1-20؛ 7:2-12).
وهكذا بدت تراتبية القيم غامضة في هذه الاخلاقيّة التي ما زالت تحمل عناصر عتيقة.
غير أن النبيّ أبرز بشكل عام المتطلّبات الدينيّة والأخلاقيّة السامية ولاسيّما
متطلّبات الوصايا العشر (هو 4: 2)، وقدّم تلك التي تتوخّى بناء العدالة والتضامن في
المجتمع (أش 1: 16-17؛ عا 5: 7- 12؛ إر 9: 1-8؛ أش 58: 6-7)، وتُخضع الأفراد
للفضائل الضروريّة مثل الأمانة والرحمة...
وفي امتداد النصوص القانونيّة القديمة، شدّد الأنبياء على الضمير الدقيق، وعلى ما
ينتظره الله من البشر، وعلى فهم لما هو "مادة ثقيلة" في الخطيئة. مثل هذا التعمّق
لم يُغفل أهميّة الفرائض العباديّة، بل دخل في عالم اللاهوت الخلقيّ فهاجم بشكل
مباشر الطقسانيّة السطحيّة التي شكّلت في المحيط الكنعانيّ والرافدينيّ جوهر
متطلّبات الآلهة (أش 1: 11-17؛ 58: 1-8؛ عا 21:5-24).
وبموازاة هذه النظرة إلى الشريعة، شدّد الأنبياء على مسؤوليّة الخاطئ. لهذا، شدّدوا
من جهة على العقاب الذي ينتظر الخطأة، وبالتالي شعب اسرائيل. ومن جهة أخرى دعوا
المؤمنين إلى ارتداد داخليّ، إلى توبة القلب. "إغتسلوا وتطهّروا... كفّوا عن الشرّ
وتعلّموا أن تصنعوا الخير" (أش 1: 16- 17).
نحن هنا أمام ارتداد خلقيّ، لأن الخطايا المقترفة هي على مستوى الاخلاق. ولكن أعمق
من هذا، نحن أمام ارتداد دينيّ لأنّ الخطايا الأخلاقيّة نفسها هي خيانة لله وتمرّد
عليه. ونحن نجد في خلفيّة هذا الفهم للخطيئة، موضوع العهد. فحين يخطئ اسرائيل فهو
يُخلف بقسَمه، مهما كانت طبيعة الخطيئة المقترفة. وبأولى حجّة إذا كانت تلك الخطيئة
هي الشرك وعبادة الاوثان، تلك التجربة التي رافقت شعب الله خلال اتّصاله بالأمم
الوثنيّة. من هذا القبيل، يشبَّه العهدُ بالعلاقات بين البشر، بعلاقة الأب بابنه،
والزوج بزوجته. وهذا ما يُبرز الطبيعة العميقة للخطيئة وشرِّها: هي تمرّد الأبناء
العقوقين الذين يثورون على أبيهم (هو 11: 1-6؛ أش 1: 2-4). هي خيانة الزوجة الزانية
التي تحتقر حبّ زوجها لها (هو 2؛ إر 2: 2-25؛ 3: 20؛ حز 16: 15-24). فالخطيئة
كخيانة (لا أمانة) للإله الواحد، ولاسيّما الشرك، هي زنى وفجور. وهكذا يتحدّد موقع
الخطيئة على المستوى الروحيّ، فيُدخلنا في مأساة العلاقة بين الله والبشر.
2- سرّ الخطيئة
لا يلعب خبرُ خطيئة البدايات أيَّ دور في الكرازة النبويّة (فقد يكون كُتب في زمن
متأخّر). وهذا ما يدهشنا. فقد اهتمّ الأنبياء بواقع الخطيئة الحالي أكثر من
اهتمامهم بأصلها. من هذه الوجهة تعمّقوا في العقيدة القديمة التي رأت في الخطيئة
أكثر من عمل عابر يقترفه البشر. تعمّقوا في سرّ الشرّ الحاضر في أعماق قلبهم.
فالعالم الذي يبدو أمام أنظار الأنبياء يحمل صورة فساد الكون: "لا صدق، لا حبّ، لا
معرفة لله في الأرض" (هو 4: 2). "تجوّلوا في شوارع أورشليم... إن اكتشفتم انسانًا
واحدًا يمارس الانصاف ويطلب الحقّ، فأنا أغفر لهذه المدينة" (إر 5: 1؛ رج 9: 1-8؛
أش 59: 1- 8).
وخبر سدوم القديم، خبر هذه المدينة الفاسدة التي لم يكن فيها عشرة أبرار (تك 18:
22-23)، يتجدّد بالنسبة إلى شعب الله نفسه. اختاره الربّ ليجعل منه شعبًا خاصًا،
شعبًا مقدّسًا (خر 19: 6؛ تث 7: 6). ولكن الحضور الناشط للشرّ كان الأقوى. رغم جميع
عطايا الله (العهد، الشريعة، الأرض...)، استسلم اسرائيل بإرادته إلى الشرّ فكان
قلبًا قاسيًا ومتمرّدًا (حز 2: 7). ما أراد أن يسمع للربّ الذي يتكلّم بواسطة
أنبيائه. ونفسية القلب هذه في الخطيئة، هي بلا شكّ العنصر الأكثر مأساويّة في علاقة
الله مع شعبه. لهذا، ما استطاعت النداءات إلى التوبة أن تفعل شيئًا. "هل يغيّر
الكوشي (أو الحبشي الأسود) جلده، والنمر رقطه؟ حينئذ تقدرون أنتم أن تصنعوا الخير
وأنتم معتادون على الشرّ" (إر 13: 23).
إن تعليم الأنبياء يبدو بشكل مفارقة. من جهة، هو يدلّ على مسؤوليّة الخطأة الذين
يدعوهم الله إلى التوبة فيعودون إليه بملء إرادتهم. ومن جهة ثانية، فهو يعلن أن
التوبة مستحيلة بسبب قساوة قلب الانسان الذي لا تشفيه القوى البشريّة وحدها. فكيف
تنتهي المأساة التي فتحها حضور الخطيئة في العالم؟ على المستوى البشري، لا شيء
يُنهيها. فلا بدّ من معجزة تجترحها نعمة الله.
3- اختصار الله على الخطيئة في نهاية الأزمنة
هنا تجد الاسكاتولوجيا النبويّة معناها. فنحن لا نحتفظ منها مرارًا سوى بمواعيد
السعادة التي وُعد بها شعب الله في الأزمنة الأخيرة. وكانت سطرة الفردوس المستعاد
تشكّل جوهر الاسكاتولوجيا. في الواقع، لا تُفهم هذه الوجهة الاسكاتولوجية إلا في
إطار أوسع هو درامة خطيئة الانسان. فكما تشدّد التذكّرات البيبليّة للتاريخ المقدّس
على الوجهات المأساويّة في الوضع البشريّ فتدلّ على نتائج الخطيئة فيه، كذلك تصوّرُ
تذكّرات النهايات (نهاية التاريخ المقدّس) تحوّل الوضع البشريّ، تصوّر انتصار الله
على الخطيئة. وهذا الانتصار هو الشرط الأساسيّ لكل ما تبقّى.
لسنا هنا أمام انتصار أخلاقيّ للانسان المتروك لنفسه مع ميول طبيعته الشّريرة.
فالأنبياء يقولون إن الله هو الذي يعطي الانسان كنعمة ما لا يستطيع الانسان أن
يحقّقه بقواه الخاصّة وحدها. وتصوَّر نعمةُ الفداء هذه بطرق مختلفة. هنا نذكر هو 2:
16-22؛ إر 31: 31-34؛ حز 25:36-28. ففي هذه النصوص الثلاثة، السياق هو سياق عهد
جديد، يقيم بين الله والبشر علاقة دينيّة عجز عهد سيناء عن تأمينها بشكل ثابت. في
هذا العهد، ظلّت الشريعة الالهيّة خارج الانسان، فتسجّلت فقط على لوحين من حجر.
لهذا تجاوزها الانسان فصارت وكأنها لم تُوجد. وهكذا دلّ بوضوح على الفساد العميق في
كيانه (هو 2: 1-10؛ إر 31: 32؛ حز 16:36). ولكن الله سوف يعطي البشر في العهد
الجديد، البرّ والمحبّة والأمانة التي يطلبها منهم (هو 2: 21-22).
سيَكتب الشريعة في قلوبهم (إر 33:31). سيطهّر القلوب ويضع فيها روحه بحيث تحفظ
فرائضه (حز 25:36-27): "حينئذ يكونون شعبه وهو يكون إلههم" (إر 31: 33؛ حز 36: 28).
هذا يفترض غفران الخطايا المقترفة (إر 31: 34)، وتوبة حقيقيّة يعيشها الخاطئون (هو
9:2 ب). ويتضمّن بشكل خاص تحوّلاً عميقًا لا يستطيع أن يقوم به إلاّ الله.
إن هذا اللاهوت الذي يستبق الفداء الذي قدّمه يسوع المسيح، يُسقط على سرّ الخطيئة
البشريّة نورًا يكشف أبعادها الحقيقيّة. في الحقيقة، يستحيل على الانسان أن يُفلت
من قبضة الشرّ، فقلبه سجين الشرّ. ولكن لا يستحيل على الله أن يخلّصه منه بشكل
مجاني، برحمة واسعة من لدنه. تلك هي عطيّة الخلاص الاسكاتولوجيّة. وهكذا حين يتحرّر
الانسان من قيوده الروحيّة، يستطيع أن ينعم بالسعادة التي يحفظها الله له منذ
الابتداء.
ويحدّد أحد النصوص الشروط التي بها يُعطى هذا الخلاص في أناشيد عبد يهوه (عابد
الله): نرى شخصًا سريًا يبدو كصانع الخلاص وكوسيط عهد جديد (أش 42: 6-7). عليه أن
يحمل، رغم براءته وبرارته، نتائج خطايا البشر. شارك في الوضع البشري، شارك في الألم
والموت، فأتمّ التكفير الذي يطهّر البشر من ذنوبهم (أش 53: 10- 11). ففيه وهو البار
الوحيد، يتّخذ الوضع البشريّ اتجاهًا جديدًا. انطبع حتى الآن بآثار الخطيئة. فصار
اليوم وسيلة فداء. وهكذا يتقابل لاهوت الخطيئة ولاهوت الخلاص. وهكذا يتوسّعان معًا.
الفصل الثالث والثلاثون
العالم اليهوديّ وانتظاره
بالنسبة إلى الخطيئة
في مرحلة أولى، توقّفنا عند الخطيئة في الحقبة القديمة. وفي مرحلة ثانية، ترافقنا
مع الأنبياء. وها نحن نصل إلى مرحلة تمتدّ من المنفى حتى مجيء المسيح.
ورث العالم اليهودي بعد المنفى هاتين المرحلتين السابقتين، فعاش ممّا وصلتا إليه.
لهذا، لا نعجب إن نحن وجدنا آثار اللاهوت العتيق، من خلال ممارسة لطقوس التكفير عن
الخطيئة التي اقتُرفت عن جهل. ولكن بدلاً من أن نتوقّف عند هذه الوجهات البدائيّة
في العقيدة، نفضّل أن نتفحّص النصوص التي فيها تظهر روحانيّة سامية، ولاسيّما في
الأسفار الحكميّة، في المزامير، وفي نصوص لابيبليّة (أو منحولة) تعرّفنا معرفة أفضل
إلى الوسط الذي فيه وُلد العهد الجديد.
1- التعليم عن الخطيئة في النصوص الملهمة
نلاحظ أول ما نلاحظ أن الحكماء وأصحاب المزامير في حقبة ما بعد المنفى، كانوا
امتدادًا للأنبياء، فتوسّعوا في فكرهم وأبرزوا الوجهات الدينيّة والاخلاقيّة في
خطيئة الانسان. فغابت العناصر القانونيّة والعباديّة التي وجدناها في أسفار موسى.
فالشريعة التي يُنشدونها ويسعون إلى ممارستها بكل قلوبهم (مز 119) تتركّز على
الأمانة الدينيّة، على الوصايا العشر، على النتائج الاجتماعيّة لتصرّفات الانسان
(مز 15؛ 24: 3-4؛ 5). وهكذا دلّوا على نوع الخطايا التي يجب على الانسان أن
يتجنّبها قبل كل شيء ليكون بارًا ويُرضي الله.
ورغم هذا النداء إلى إرادة الانسان لتتوافق مع أهداف الله، وعى هؤلاء الكتّاب وعيًا
عميقًا النجاسة الباطنيّة التي تؤثّر على قلب كل انسان. فالفساد ظاهرة عامّة جدًا
(مز 12: 1-5؛ 14: 1-4؛ 140: 2-6)، والأتقياء أنفسهم يشاركون فيه رغم إرادتهم. وهذا
ما يذكره سفر أيّوب ويشدّد عليه: "أيكون المائت بارًا أمام الله؟ أيكون الانسان
نقيًا أمام صانعه؟ ها إنه لا يأتمن عبيده، وإلى ملائكته ينسب نقيصة. فماذا نقول عن
الذين يأوون بيوتًا من طين تأسّست في التراب" (أي 14: 17-19؛ رج 14: 4؛ 15: 14-16؛
24: 4-6)؟ ويقرّ المرتّل بخطأه، ولا يتردّد في أن يعلن أنه خاطئ منذ ولادته (مز 51:
4-7). فإن لم نجد هنا تعليمًا واضحًا عن الخطيئة الاصليّة كما يفهمها اللاهوت
المسيحيّ، فهناك أقلّه وعي عميق لشرّ خلقيّ تجذّر في قلب الانسان: فالقرارات
الشرِّيرة في القلب البشريّ تتجسّد في عمق أعماق الانسان.
تجاه سرّ الخطيئة هذا الذي يُثقل حرِّيتنا، فنشارك فيه بدورنا، نكتشف موقفين
متكاملين وضروريين. من جهة، هناك مكان للتوبة (سي 17: 25- 32)، لأن الحريّة
البشريّة أمر واقعيّ (سي 16: 11-20). فالانسان يحدّد مصيره الشخصيّ بقرارات قلبه.
ومن جهة ثانية، هذا الارتداد هو عمل النعمة. لهذا يستند مز 51 إلى المواعيد
النبويّة (رج حز 36) فيطلب من الله الطهارة الباطنيّة (3:51-4، 9)، يطلب تبدّل
القلب، وعطيّة روح الله (51: 12- 13). وهذا ما يمنحه فرحَ الخلاصة (51: 14-17).
لسنا فقط أمام غفران ناله الخاطئ التائب (مز 32: 2-5؛ 130)، بل أمام خلق جديد يجعل
الانسان أمينًا للرب (51: 12). وهكذا تستبق النعمة المطلوبة عطايا ارتبطت في أمكنة
أخرى بالتدبير الاسكاتولوجيّ.
2- التعليم عن الخطيئة في العالم اليهوديّ المتأخّر
وإذا انتقلنا إلى النصوص الرابينيّة (المنحولة) نلاحظ أن هذا اللاهوت الرفيع يبقى
هنا في كل نقاوته. لاشكّ في أن بعض النصوص القمرانيّة تدلّ على حسّ دقيق لفساد
الانسان وللنعمة المنقِّية. ويتيح لنا التعليم عن الروحين أن نعرف كيف تنقسم
البشريّة اليوم قسمين: أرواح الامانة والشرّ التي تتصارع في قلب الانسان. والنداء
إلى التوبة والالتزام الذي اتّخذه أعضاء الجماعة يفترضان افتراضًا واضحًا أن
الانسان حرّ في الدخول إلى حزب الخير. وهناك دلالة واضحة على النظرة الاسكاتولوجيّة
إلى هذا الارتداد. ولكننا نجد أيضًا أن الانتماء إلى الجماعة والحفاظ على فرائضها
يكفيان ليؤمّنا الخلاص. ومثل هذا الموقف فيه الكثير من الالتباس.
لهذا لا ندهش حين نرى التقوى الفريسيّة تعطي مكانة واسعة لصلوات التوبة، فتصل بها
الأمور إلى انحرافات ملموسة: شريعانيّة سطحيّة تحدّد الخطيئة بمادّتها (فريضة
نحفظها أولاً حفاظًا خارجيًا)، لا بنيّة الانسان الذي يقوم بعمل من الأعمال. عودة
إلى طقوس التكفير في روح طقسانيّة تضرّ بالبحث عن ارتداد باطنيّ. ثقة بسلطة الارادة
البشريّة وكأن هذه الارادة تستطيع أن تبرّر الانسان الذي يحفظ الشريعة.
مثل هذا النقص يقابل تجربة مستمرّة في وجدان الانسان. فوحي العهد القديم فتح لنفسه
طريقًا وسط هذه التجارب. ولكن المسيحيين قد يقيمون فيها، فيتشبّهون بالفريسيّين.
ومهما يكن من أمر، سيُبنى التعليمُ الانجيليّ على هذه الخلفيّة، ولكنه سوف
يتجاوزها. هذا لا يعني أنه يريد أن يعارض العهد القديم، بل أن يكمّله، أن يقوده إلى
كماله مبعدًا كل لافهم عند المعلّمين اليهود.
خاتمة
وجاء العهد الجديد فأكمل الوحي حول خطيئة الانسان، وحول الفداء الذي يحمله يسوع
المسيح. في وجهة نظريّة نميّز في هذا الوحي مرحلتين: مرحلة يسوع المسيح ومرحلة
الكنيسة الرسوليّة. غير أن المرحلة الأولى لا توجد في مضمونها الخام حتّى في
الاناجيل: فأقوال يسوع وأعماله تصل إلينا عبر شهادة تتضمّن تفكيرًا لاهوتيًا توسّع
قليلاً أو كثيرًا. والأمر واضح جدًا في انجيل يوحنا كما في الأناجيل الازائيّة
(متّى، مرقس، لوقا): اختار الانجيليّون التذكّرات، وقدّموا أقوال يسوع وأعماله في
إطار أدبيّ، وبالنظر إلى فكرة توجّه هؤلاء الكتّاب الذين شدّدوا على هذا العنصر أو
ذاك. أما جوهر الأمور، فهو أن هذا الفكر يمثّل تمثيلاً فكر يسوع نفسه وقد فُهم على
ضوء سرّ الصليب والقيامة.
الفصل الرابع والثلاثون
الاعتراف بالخطايا في العهد القديم
يعلن إرميا النبيّ في قمّة من قمم كتابه العلاقة بين العهد وتجديد القلوب. إذ ينشد
شعب الشمال (افرائيم) ذل المنفى ويعلن امتلاء قلبه بالرجاء "أدّبتني فتأدّبت كالعجل
غير المروّض. أعدني فأعود إليك، لأنك أنت الرب إلهي. حين أبدأ بالعودة يمتلئ قلبي
ندامة، حين أنظر إلى نفسي على حقيقتها، أقرع صدري". إذ ينشد هذا يجيب الرب:
"افرائيم ابن عزيز لي، وولد يلذّ لي. كل مرّة أتكلّم عنه أتذكّر اسمه فتتحرّك
أحشائي له (كأم نحو ابنها). أنا أحبّه، نعم أحبّه" أو أرحمه رحمة عظيمة كما يحب
الأب ابنه الراجع إليه (إر 31: 18- 20).
ويتابع الرب متحدّثًا عن ذلك العهد الذي سيقيمه مع شعبه بعد أن يغفر له: "ها إنها
تأتي أيام أقطع فيها مع آل اسرائيل (مملكة الشمال، بعاصمتها السامرة) وآل يهوذا
(مملكة الجنوب، بعاصمتها أورشليم) عهدًا جديدًا: أجعل شريعتي في ضمائرهم، وأكتبها
على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا... سأغفر آثامهم، ولن أذكر خطاياهم
من بعد" (إر 31: 31-33).
هذا الكلام يُدخلنا إلى ارتباط اعتراف الخطايا بخطبة العهد... نكون أمناء للرب
فنكون أمناء للعهد. نخون الرب ونهمل وصاياه، فنعود إليه مُقرّين بخطايانا.
1- الاقرار بالخطايا
يحسّ المؤمن اليوم بانزعاج أمام الاقرار بخطاياه والاعتراف بها. فقد عوّدناه في
تعليمنا على اعتبار فحص الضمير العنصر الأهم في مسيرة التوبة والرجوع إلى الله.
حينئذ ركّز انتباهه كله على هذا "الفحص"، فبحث بحثًا
دقيقًا عن عدد خطاياه وفتّش عن الظروف التي رافقتها، فظلَّ عائشًا مع خطيئته ونسي
الله الذي يدعونا إلى حوار معه من خلال خطايانا، بل بالرغم من خطايانا.
أما انسان العهد القديم، فهو حين يتكلّم عن خطاياه، يجعلها في إطار علاقة تربطه
بالله، أو انتفاء هذه العلاقة. هو يجعلها في إطار العهد نقطعه مع الله أو ننقضه
وكأنه لم يكن.
فالله والانسان اللذان يلتقيان، لا يقفان على مستوى تفصيلي ومجزّأ، على مستوى واقع
صغير ومحدّد. هناك العلاقة الواسعة والشاملة، هناك البُعد الذي يربط حياة المؤمن
البسيطة بالبعد التاريخيّ الذي تتجذَّر فيه. هل ننسى مثلاً أن مز 51 الذي عبرّ عن
توبة خاطئ فرد، إرتبط بحاجة الشعب إلى مدينة تحميه في أسوارها، وإلى هيكل يقدّم فيه
ذبائحه.
أجل، حين أراد الرب أن يدخل شعبه في عهده، فهو لم يحدّد له حالاً واجباته بعبارة
"أخدمني أو تعبّد لي". بل تصرّف كملوك الشرق العظام الذين يتعاملون مع تابعيهم:
وجّه إلى شعبه خطبة طويلة ومُحكمة البناء، فذكّره بتاريخ علاقته معه، وبعد هذا ألقى
عليه أوامره.
فإذا أخذنا الاحتفال بالعهد في يش 24: 2-15، نجد أولاً قسمًا تاريخيًا (آ 2-23)،
يذكر فيه الله ما يحمله لشعبه، وبعد هذا يأتي الأمر: "فاتّقوا (خافوا) الرب واعبدوه
بكمال واخلاص. إنزعوا الآلهة التي عبدها آباؤكم في عبر النهر وفي مصر، واعبدوا
الرب" (آ 14). يلتزم الشعب (وكل فرد من أفراد الشعب) بوصيّة الله المبنيّة على
مخافته وعبادته. ولكن هذا الالتزام يتأسّس على تذكير تاريخي يعود إلى إبراهيم
واسحاق ويعقوب: "أخذت ابراهيم أباكم من عبر النهر... وكثّرت نسله، ورزقت اسحاق
يعقوب، وأرسلت موسى وهارون... ثم جئت بكم إلى أرض الاموريين... واعطيتكم أرضًا لم
تتعبوا فيها، ومدنًا لم تبنوها، وكرومًا وزيتونًا لم تغرسوها" (آ 3- 13).
هكذا يذكّر الكهنة (باسم الرب، وكأن الرب يتكلّم بفمهم) الشعب بوصايا الله،
فيحمّلونها بعدًا قانونيًا (علاقة الشعب بربه) وبعدًا لاهوتيًا (يؤسّسونها على
مبادرة الله في عطاياه).
وحين ينسى الشعب العهد، لا يكتفي الله (بفم الكهنة اللاويين)، بأن يحكم عليهم
بعبارات جافّة: "سوف تموتون". "سوف تذهبون إلى المنفى". ولكنه يلقي خطبة طويلة يدلّ
فيها على خيانة من أحبه وصنع له ما صنع. يعود الله إلى التاريخ فيذكر كيف مارس
الشعب علاقته معه، ويُنهي بالحكم القاطع.
في تث 32 يعاتب الله شعبه بفم موسى: "أبهذا تكافئ الرب، أيها الشعب الأحمق الذي لا
حكمة له؟ أما هو الله الذي وهبك الحياة... أذكر الأيام القديمة... سل أباك ينبئك
وشيوخك فيحدثونك..." (آ 6-7). كان الله أمينًا، ولكنّ الشعب كان خائنًا: "ترك الاله
الذي صنعه واستهان بخالقه ومخلصه. الخالق (مصوّرك) الذي ولدك تركته، والاله الذي
أنشأك نسيته" (آ 15-18). حينئذ جاء الحكم: "فرأى الرب واغتاظ: أغضبه بنوه وبناته".
فقال: "أحجب وجهي عنهم، وأرى ماذا تكون آخرتهم: هم جيل متقلّب، هم بنون لا أمانة
لهم" (لا تقدر أن تثق بهم) (آ 19- 20).
لولا التذكير التاريخي، لما وجد الحكم ما يستند إليه. وحين يعود الشعب إلى ذاته وهو
في أرض المنفى، حين يعي خطيئته، لن يكتفي بأن يطلب الصفح بعبارة بسيطة وقصيرة مثل
هذه: "اغفر لي، يا رب" أو "جدّد عهدك معي". فالذي يصلّي، أكان شعبًا أو فردًا، يحسّ
بالحاجة إلى أن يوجّه إلى الله خطبة عهد حقيقية: يعترف (يقر) بأمانة الله
واحساناته، قبل أن يعترف بخطيئته وخيانته. يتذكّر ما كانت عليه العلاقة بينه وبين
ربه قبل أن يطلب الصفح والغفران.
2- كيف نعترف بخطايانا
أ- الاعتراف بالربّ
إذا أردنا أن نفهم العمق اللاهوتي للعبارة التوراتية "الاعتراف بالخطايا"، يجب أن
نتأمل في العبارة التي تقابلها وهي "الاعتراف بالرب". نحن نقرأ هاتين العبارتين في
حادثة عاكان. يروي سفر يشوع أن عاكان اقترف خطيئة كبيرة فتعدّى على ما حرّمه الله
(أو بالأحرى قانون الحرب المقدسة). بدأ يشوع وقال له: "يا بني، أقم كرامة (مجدًا)
للرب إله اسرائيل، وقدّم له اعترافك. أخبرني بما فعلت ولا تكتمني" (يش 7: 19). وفي
آ 20 يبدأ عاكان اقراره بخطاياه: "خطئت إلى الربّ، إله اسرائيل، وهذا ما فعلت".
ونقرأ في عز 10: 11 نداء إلى الشعب: "إعترفوا للرب إله آبائكم وأعملوا مرضاته". هذه
العبارة هي امتداد لما فعله رئيس الجماعة، فأعدَّ المنفيين للدخول في العهد بعد
الاعتراف بقداسة الله والاقرار بشرّهم. قال عزرا باسم الجماعة: "اللهمّ إني استحي
خجلاً من أن أرفع وجهي إليك، يا إلهي، لأن ذنوبنا قد تكاثرت على رؤوسنا، وتفاقم
إثمنا إلى السماوات... ماذا نقول بعد هذا؟ فإنّا أهملنا وصاياك التي أمرت بها على
ألسنة عبيدك الأنبياء... نحن أمامك بآثامنا، ولا يحقّ لنا الوقوف بين يديك" (عز 9:
6- 15).
نحن هنا على نقيض مع ما حصل في حدث عاكان: إنتهى الاعتراف بموت الخاطئ (يش 7: 25)،
لأن شريعة البشر حلّت محلّ شريعة الله الذي "لا يريد موت الخاطئ، بل أن يتوب عن
طريقه فيحيا" (حز 23:18). فإذا عدنا إلى لاهوت العهد، نرى أن الاعتراف بالخطايا لا
يغفل بصورة نهائية دورة الخلاص، بل هو يفتح الخاطئ على الله ويحرّك الغفران
باتجاهه. وهنا ننتقل من الخطيئة إلى النعمة. وقد نعود إلى الخطيئة، فنكتشف الارادة
الخلاصية عند إله أمين لا يتراجع أبدًا عن إظهار رحمته وحنانه.
نحن نعترف بخطيئتنا، ومن منا بلا خطيئة، كما يقول القديس يوحنا في رسالته الاولى
(1: 8)؟ ونحن نعترف بالله ربًّا، ونعلن تساميه، ونُشيد بإرادته الخلاصية التي لا
رجوع عنها.
يشدّد الكتاب من جهة على عظمة الله ويعلن أمانته المطلقة. ومن جهة ثانية يبيّن ضعف
الانسان وعجزه حين يعي خطيئته. إنه لا يهدف إلى سحق الخاطئ وتمريغه في التراب، بل
إلى التأكيد أن كل عظمة الرب هي من أجل الانسان. فالاقرار بخطايانا هو اقرار
بحاجتنا إلى خلاص لا يحمله إلاّ يسوع المسيح (أع 12:4).
ب- نوجّه إلى الله كلمات البشر
إن الاقرار بالخطايا، شأنه شأن كل صلاة، هو خطبة يوجّهها البشر إلى الله. هناك خبر
وهناك طلب. ففي الخبر، تروي الجماعة المصليّة بفم رئيسها وفي إطار العبادة، تاريخ
علاقتها بالله: أمانة الله وخيانتنا. تاريخ نعمة الله وتاريخ خطيئتنا. الجماعة
المصلّية تحتفل بالله، تعترف به، وتمدحه متذكّرة علاقتها معه في الماضي.
بعد الخبر، تنتقل الجماعة إلى الطلب. تذكّرت الجماعة أمانة الله من خلال خيانتها،
فسألت الرب أن يتدخّل بطريقة ملموسة في حياة من ربطت حياتها بحياته. هنا يأتي
الدعاء (أبيكلاسيس) بصيغة الأمر: "إصفح عن ذنب هؤلاء الشعب بحسب كثرة رحمتك" (عد
19:14).
أما هكذا يجب أن يكون اقترابنا من سر التوبة؟ نبدأ فنشهد لمراحم الله وعطاياه
واحساناته، نبدأ فنشكره على ما غمرنا به من النعم، نتذكّر تاريخ بركاته في حياتنا.
وبعد هذا نحاسب نفوسنا: هل قابلنا محبّة الله بالمحبّة؟ لاشكّ في أن الله أحبّنا
أولاً (1 يو 4: 10)، ولكن لا ننسى أنه علينا أن نحبَّه ونبرهن عن حبنا له بحفظنا
وصاياه (يو 14: 15).
وها نحن نعود إلى نموذج عن صلاة تائبة نقرأها في نح 9: 1-37. يصوّر لنا الكاتب
الاطار المباشر في آ 1- 5. أشارت آ 1 إلى الامور الخارجية التي تميّز طقس التوبة:
التجمّع (نحن في توبة جماعية)، الصوم (إذا كانت الخطيئة بحث عن لذة، فالصوم
يعارضها)، المسح (يعارض الغنى والاتكال المفرط على الذات). الرماد (بدل حياة الرخاء
والتنعّم).
وتعلن آ 2: "ووقفوا (كما أمام الله، وقفة صلاة) واعترفوا بخطاياهم وآثام آبائهم".
وقسّمت آ 3 الزمن المكرّس للصلاة إلى قسمين. الأول: وقرأوا في سفر شريعة الرب إلههم
(أي أسفار موسى الخمسة). الثاني: وقاموا بفعل اعتراف (وحمد) وسجدوا للرب إلههم.
وبعد الاعتراف بالرب والاقرار بعظمته وقداسته وأمانته، أطلقت آ 5 الدعوة إلى الصلاة
والتوبة. وها نحن نورد بعض تعابير هذه الصلاة فندرك الحركة اللاهوتية التي تسير
بجماعة شعب الله إلى طلب الصفح والغفران:
"أنت يا رب وحدك. أنت صنعت السماوات... أنت الرب الاله الذي اختار أبرام (أي
ابراهيم) وأقام عهدًا معه... نظرتَ إلى مذلّة آبائنا وسمعت صراخهم... فتحت البحر
أمامهم وأرشدتهم بعمود السحاب، نزلت على جبل سيناء وعرّفتهم سبتك المقدّس...
ورزقتهم خبزًا من السماء في جوعهم... (آ 6-15).
"ولكن آباءنا تكبّروا ورفضوا أن يطيعوا أوامرك... ولكنك إله حنون رحيم، طويل البال
وكثير الرحمة، فلم تهملهم... وتمرّدوا فأسلمتهم إلى يد مضايقيهم، وفي وقت شدَّتهم
صرخوا إليك فسمعتَ أنت من السماء... كم مرّة خلّصتهم بمراحمك، ولكنّهم تكبّروا ولم
يسمعوا. كنت طويل البال معهم سنين طويلة. لكثرة رحمتك لم تسأصلهم، ولم تهملهم لأنك
إله حنون رحيم" (آ 16-31).
وبعد الخبر الذي يتذكّر أعمال الله من أجل شعبه وجواب الشعب إلى نداء ربه، نصل إلى
الطلب الذي يبدأ عادة بأداة "والآن":
"فالآن يا إلهنا العظيم الحافظ العهد... لا يصغر أمامك كل هذا الضيق الذي حلّ بنا
وبآبائنا" (آ 22).
تبدأ هذه الصلاة بتذكّر الوحدة الأزلية في الله الذي يتدخّل في زمن الخلق ثم ساعة
اختيار ابراهيم. ثم ينطلق المصلّي منذ ضيق الآباء في مصر حتى عطيّة المن: الفاعل
هنا هو الرب الذي يرى ويسمع ويفعل من أجل المؤمنين. صورة مشرقة ستتبعها صورة مظلمة
مع الآباء الذين تكبّروا ورفضوا الخضوع لله ولوصاياه (آ 16- 21). الفاعل الرئيسي
هنا هو اسرائيل وهو يلعب دورًا رديئًا. أما الله فيكتفي بأن يغفر، بأن لا يُهمل
شعبه، بأن يهتمّ بالذين ربطوا حياتهم بحياته.
مع آ 21-25، يعلن التائب أمانة الله الذي يستلم من جديد الدور الأول. يتدخّل شخصيًا
ليعطي الأرض. أما الأبناء فيكتفون بأن يدخلوا إليها ويمتلكوها ويأكلوا من ثمارها.
إن المتتالية "أكل، شبع، سمن" (آ 25) تدلّ على أن الله أتمّ وعده، ولكنها البداية
لتمرد الشعب وخيانته (رج تث 32: 15). وفي آ 26- 31، نجد فريقًا أول يتمرّد، يتكبّر،
لا يسمع. وبعد الضيق يصرخ (هو الشعب). وفريقًا ثانيًا (هو الله) يعاقب، يحرّر،
يصبر، يمتنع عن اغلاق الباب أمام العهد ودورة الخلاص.
وعلى أساس الاعلان المقدّس لهذين الخبرين المتشابكين (خبر الله وخبر شعبه) يُبنى
الدعاء (آ 32-37): "فالآن، يا إلهنا". طلب بسيط في الظاهر: أن يحسب الله حساب
المحنة (منفى سنة 587 ق م) التي حلّت بشعبه. ولكن إن نظرنا إلى هذا الطلب على ضوء
دينامية العهد، نرى فيه صراخ المؤمن الذي يطلب من الرب أن يتدخّل في هذا الضيق
الحاضر، أن يعيد العلاقة إلى سابق عهدها، أن يُرجع شعبه إلى أرضه. فالأرض التي يقيم
فيها الآن ليست أرض خدمة الله وعبادته. إنها أرض عبودية تنتج ثمارًا للغرباء لا
للأبناء.
إن صلاة التوبة هذه (نح 9) تكشف عن مسيرة الارتداد اللاهوتية. فضيق الزمن الحاضر (آ
36-37) يفرض على الشعب التائب أن يتوجّه إلى الله في صلاة بصيغة المتكلم الجمع
(نحن) فيشارك آباءه في محنتهم. هذه المحنة تكشف الخطيئة، والخطيئة تساعد المؤمن على
التعرّف إلى المسافة التي تفصله عن الله. لهذا يحتاج أن يحدّثه بلغة المخاطب المفرد
(أنت) محاولاً أن يستعيد العلاقة التي عرفها آباؤه يوم كان الله الفاعل الأول، وكان
الشعب يتجاوب مع عطايا ربه. نحن هنا أمام عطايا مادية، ولكنها عربون عطايا روحية.
فالعطيّة هي عطيّة الله. فإن اقتبلناها بشكر قادتنا إلى الله.
ج- نوجّه إلى الله كلمات البشر وكلمات الله
دينامية بسيطة في هذه الصلاة التائبة في نح 9 وهي في جزئين: الخبر والطلب، تذكّر
عطايا الله، وطلبُ مراحمه اليوم. وهناك دينامية أخرى نكتشفها في اعتراف عد 14:
13-19. هي صلاة (بشكل خطبة) يوجّهها موسى إلى الله الذي عزم على استئصال شعبه
وتكوين شعب جديد إنطلاقًا من موسى.
"عرف المصريون أنك أخرجت هذا الشعب من بينهم بقدرتك، فأخبروا به أهل هذه البلاد.
عرفوا أنك أنت يا رب وسط هذا الشعب تراءيت لهم وجهًا لوجه. أقام سحابك فوقهم. أنت
تسير أمامهم في النهار بعمود سحاب (لتمنع عنهم الشمس المحرقة) وفي الليل بعمود
النور (يضيء لهم الطريق).
"فإذا قتلت هذا الشعب كرجل واحد، تقول الأمم الذين سمعوا بأخبارك: إن الرب لم يستطع
أن يُدخل هذا الشعب إلى الأرض التي وعده بها، فقتله في البريّة (آ 13- 16).
"والآن لتعظم قدرة الرب كما قلت: الرب طويل البال وكثير الرحمة (غني بالرحمة
والأمانة). يتسامح مع الذنب والإثم ولكنه يعاقب. يفتقد ذنوب الآباء في البنين إلى
الجيل الثالث والرابع.
"إصفح عن ذنب هذا الشعب بحسب كثرة رحمتك (أمانتك)، وعامله كما عاملته خلال طريقه من
مصر إلى هنا" (آ 17-19).
تشكّل آ 13-16 الخبر في هذه الصلاة. أما آ 17-19 فتشكّل الدعاء: لتظهر قدرة الرب (آ
17)... إغفر بحسب رحمتك (آ 19). وبين آ 17 وآ 19 تأتي آ 18 كنبتة غريبة فتطعِّم
الشجرة. ترجع آ 18 إلى خر 6:34-7 فتتضمّن وحيًا أورده عن الله فذكر صفاته الخاصّة.
جاءت هذه النبتة الغريبة فحملت دفقًا جديدًا من الحياة، وجاءت عبارة آ 18 فأعطت
الصلاة بعدًا لاهوتيًا خاصًا. فحين طعّم المصلّي دعاءه بكلمات الله، جعل صوته في
خدمة الله ليذكِّره بكلمة وعد تلفّظ بها في الماضي في وقت خطر كمثل الذي يحسّ به
الآن. ما إن ذكّر موسى الله بكلام الله (طول أناته وكثرة رحمته وأمانته) حتى وجّه
إليه نداء يشدّد على أمانة الله ورحمته كما يفعل المحامي من أجل قضية يدافع عنها.
هنا نعود إلى آ 16: إنطلق موسى من فكرة استئصال الشعب، فاستبق الأمور: ملاحظة
يردّدها الأعداء فيقولون: لم يقدر الله أن يحقّق وعده. هذا الموقف السلبي حرّك نظرة
إيجابية إلى وعد الله الذي سيتمّ لا محالة.
فإذا قابلنا دينامية نح 9 مع عد 14، نجد في هذا النص الأخير قسمَي الاعتراف
بالخطايا، ونجد أيضًا أساسًا لاهوتيًا لاحقًا، نجد عنصرًا جديدًا هو كلمة الله الذي
يعلن اتمام وعده.
بحث المصلّي عن عماد لاهوتي يؤسّس طلبه فبحث في "أرشيف" الله، في الكتاب المقدّس،
بحث عن القول الخلاصي الذي يتجاوب والوضع الذي يعيشه. وحين وجده أقحمه في صلاته.
وهكذا، حين يسمع الرب كلمات غفرانه في فم الجماعة المصلّية، تتحرّك أحشاؤه (رحمه،
كما عند أم) فيتأثّر ويمنح غفرانه.
3- صلاتنا وإيماننا
لسنا فقط أمام تعبير أدبي، بل أمام واقع عبادي وهو يحمل تعليمًا لاهوتيًا وإيمانًا.
نحن نعلم أن المؤمن في العهد القديم أحسّ بحدود نظرياته، فقدّم اللاهوت في صلاته.
إنه يؤمن بالطريقة التي بها يصلّي. وها نحن نقدّم اعتبارين حول نظرة التوراة إلى
الخطيئة، كما نكتشفها من خلاله الصلاة.
أ- الاعتراف بالخطايا هو انفتاح على الله
هنا نعود إلى ما نجده في العالم العبري من غنى في كلمة "يده" و "توده": اعترف،
قرّب، شكر، مدح، مجّد، سبّح. ونجد الغنى نفسه في العالم السرياني مع "يدا"، "أودي":
شكر، حمد، أقرّ، اعترف. ومن هنا ترد كلمة يد (ايدا) التي ترمز إلى القوّة والسلطة
والمعونة والفضل والجدود. ونجد الشيء عينه في اللغة العربية حيث تدل اليد على
النعمة والاحسان والجاه والقدر والقدرة والسلطان.
كل هذا يدلّنا على الوسع اللاهوتي للاعتراف بالخطايا. حين نعرف أننا خطأة، حين نقرّ
بخياناتنا، نقرّ في الوقت عينه بتسامي الله الأمين الذي لا يقدر أن يخون نفسه (2 تم
2: 12).
فموقف الانسان الذي "يعترف" ليس تأملاً مرَضيًا بخطيئته، ولا تطلّعًا إلى قداسة
الله يرتبط بعالم المطلق. الاعتراف هو إعلان في وجودنا يرتبط بتسامي الآخر الذي هو
الله. وهذا التسامي يبرز حين نواجه بشريّتنا المتشرّبة بالخيانة والخطيئة، مع ما في
هذه المواجهة من فرح (بلقاء الرب) وعناء (انسلاخ عن ذاتنا).
وحين قبلَ الشعب أن يقرّ بخطاياه، عرف أن الهدف الأخير لاعترافه ليس خطيئته "هو"،
بل هذا الرب الذي يقدر وحده أدى يعيد العلاقة بيننا وبينه، ويُدخلنا في عهد يتجدّد
يومًا بعد يوم. قال مز 51: 12: "قلبًا نقيًا أخلق فيّ يا الله". فشدّد بفعل "خلق"
على أن شيئًا جديدًا سيُوجد من العدم. شدّد على أن الله يعيد شعبه وكل واحد منا،
شرط أن لا نعود إلى الحماقة (مز 85: 9).
وانطلاقًا من صلاة المؤمن هذه، نفهم أن الخطيئة تكشف لنا عن الله، تكشف لنا عن
علاقتها به. نفهم أنها عهد ونعمة. يتأكّد المصلّي أن الله قد منحه غفرانه، فيذكّره
في ذروة صلاته بوعده أنه الاله الغفور، وأن لا شيء يقف بوجه إرادته الخلاصية. كل
هذا يملأه ثقة بذلك الذي سمّى نفسه ذاك الذي لم يأت ليدين العالم بل ليخلّص العالم
(يو 3: 17).
ب- الاعتراف بالخطايا هو انفتاح على التاريخ
إذا عدنا إلى صلوات التوبة في الكتاب المقدّس، نلاحظ أن المصلّي يذكر خطيئته
الخاصّة، ولكنه يعجّل فيربطها بخيانات الآباء في الماضي، وبالتالي بتدخّلات الله
الخلاصيّة في تاريخ آبائه. هذا الرجوع الدائم من الحاضر إلى التاريخ، هو من ثوابت
التعليم التوراتي حول الخطيئة والنعمة.
نستطيع القول إن إيمان المصلّي في العهد القديم ينقلنا دومًا من نظرة أخلاقية محضة
إلى الخطيئة، من نظرة يحاول فيها الفرد (أو الجماعة) عبر تقييم موضوعي وهادئ، يحاول
أن يروز خطاياه (في صيغة الجمع) حسب قيمة كل انخراط في الشر، إلى نظرة لاهوتية عن
الخطيئة، نظرة يدرك فيها الفرد (أو الجماعة) الخطيئة (في صيغة المفرد) اجمالاً.
لاشكّ في أن الوقت اللازم لتقييم الخطيئة تقييمًا أخلاقيًا هو ضروري، لأنه يفرض
علينا أن نحدّد اتجاه حياتنا، ولأنه يمنحنا ضميرًا دقيقًا في تصرفاتنا المقبلة.
ولكن إن طال هذا الوقت، فهو يسجننا في أفق شعورنا بالذنب، ويكوّن فينا حالة من
القلق والوسواس.
مقابل هذا، لا يرتبط أي عائق بزمن التقييم اللاهوتي للخطيئة. فهو حين يطول يفتحنا
على الله وعلى ظهوراته الدائمة في التاريخ التي تكوّن علاقته معنا.
وننهي كلامنا فنذكر هذا الانفتاح (الذي يبدو بشكل مفارقة) الذي اكتشفناه في خطبة
التوبة في عد 14. إنغلق الرب على تقييم دقيق وأخلاقي ضيّق لخطيئة شعبه. أما موسى
فتخلّق بأخلاق الله وتدخّل مقدمًا برهانًا يتوجّه إلى مشاعر الله، فدفعه إلى أن
ينفتح على أحداث الخلاص التاريخية، التي تمت بين مصر والبريّة (عد 19:14). ما
يدهشنا في هذا النص هو إن الله ينفتح عبر وعي متدرجِّ لهذا الواقع السري الذي هو
الخطيئة، وأن هذا الانفتاح يتمّ في الانسان وفي التاريخ.
الفصل الخامس والثلاثون
الخطيئة الأصلية
يعود هذا المقال إلى التعليم المسيحي في الكنيسة الكاثوليكية ليوضح نظرة اللاهوت
إلى الخطيئة الأصلية. هي خطيئة البدايات. هي خطايا البشر على مرّ التاريخ. وهي تصبح
ميلاً فينا يجعلنا نفعل الشرّ الذي لا نريد ولا نفعل الخير الذي نريد. وكانت نقطة
الانطلاق روم 5: 12- 21: "بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت،
وهكذا عمّ الموت جميع الناس لأنهم كلهم خطئوا".
إن امتداد الخطيئة في العالم منذ الاعمال الفردية حتى بنى المجتمع كلّه، كان منذ
القديم موضوع تعليم الخطيئة الأصلية. تحدّث "اللاهوتيون" عن خطيئة نرثها من أبينا
الأول آدم، عن خطيئة متأصّلة في قلب البشريّة، عن خطيئة ترتبط بالانسان بما أنه
إنسان. إن آدم الانسان الأول عصى وصيّة الله فخسر القداسة والبرارة التامّة اللتين
فيهما خُلق، فخضع لعبودية الشر وسلطان الموت، ولم يسىء آدم فقط إلى ذاته، بل إلى كل
نسله. لهذا، يولد جميع البشر، وهم يتحدّرون من الانسان الأول، خاطئين. والله وحده
يستطيع أن ينتزعهم من حالة الخطيئة هذه بموهبة الفداء في يسوع المسيح. وتحدّث بعض
الشّراح خطأ عن العمل الجنسي الذي به نولد فيجعلنا خطأة. وقال آخرون: الانسان، بما
هو إنسان، موصوم بوصمة الخطيئة، مطبوع بميل إلى الشرّ يجعله يعمل الشرّ الذي لا
يريده، ويتحاشى الخير الذي يريده.
نبدأ فنطرح الموضوع ثم نقرأ روم 5: 12- 21 في قسمين متكاملين: سلطان الخطيئة والموت
(5: 12-14). الموازاة بين آدم الأول وآدم الثاني (15:5-21).
1- موضوع الخطيئة الأصلية
إن تعليم الكنيسة الكاثوليكية (رقم 385- 421) يجعل القارئ فورًا أمام واقع سرّي
وعميق: وجود الشّر في العالم. هناك الشّر الطبيعي: الألم والعذاب والموت. هناك
الشّر الأدبي أو الروحي: فوضى الرغبات والخطيئة التي تولّدها هذه الرغبات. منذ متى
كان الأمر هكذا؟ منذ وُجد الانسان على الأرض. ومن العبث أن نتخيّل بشريّة أفلتت من
سلطان الخطيئة والموت. منذ بولس صار الموت والخطيئة وكأنهما شخصان حيّان، وهكذا قد
نستطيع أن نفهم الوضع البشري الذي نعرفه معرفة اختبارية. نحن أمام حدث سّري هو
"خطيئة البدايات" الذي هو نقطة إنطلاق وضعنا الحاليّ. وهذا الواقع السّري تسميه
الكنيسة اللاتينية (واللاهوت الذي عرفناه في هذا الخط) منذ القديس أوغسطينس:
الخطيئة الأصلية. نحن أمام خطيئة البدايات التي هي اجتياح الشّر في التاريخ بسبب
ضعف الحرّية البشريّة: دُعيت هذه الحرية للاتحاد بالله، فمالت عنه وانغلقت على
ذاتها. ونحن أمام الخطيئة الأصلية كحالة نولد فيها، كحالة متأصّلة فينا. فنحن بها
نميل إلى الشرّ الأدبي، نخضع للشّر الطبيعي، للألم والموت، نخضع لنير الخطيئة ونير
الموت... ولكنّا من الهالكين لولا النعمة التي تقدّسنا وتوحّدنا بالله.
وإذ أراد تعليم الكنيسة الكاثوليكية أن يوضح وجهتَي هذا الوضع، دعانا إلى قراءة
نصين رئيسيين في الكتاب المقدّس. الأول، خبر البدايات في تك 3. إذ أراد الكاتب
الملهم أن يصوّر هذا الحدث الاساسي القديم، استعمل لغة مصوّرة، لغة الامثال، التي
تُسقط على إنطلاقة التاريخ البشري ما يشكّل جوهر التجربة والخطيئة. لم ينطلق الكاتب
من الماضي إلى الحاضر، وكيف له أن يعرف الماضي معرفة علميّة وتاريخيّة. بل انطلق من
الحاضر، من عمق الانسان، من الشر المتأصّل فيه، وحاول على ضوء الوحي أن يصل إلى عمق
الشر والخطيئة. نحن في الأساس أمام رفض الله، ورغبة في أن يصير الانسان مثل الله
يعرف الخير والشر، يقرّر الخير والشّر (وكم نقرّره باسم أنانيتنا ومصلحتنا). أراد
الانسان أن يكون "حكيمًا" كالله، فإذا هو عريان كالحيّة الكاذبة، مغلوب على أمره في
الشّر الذي اقترفه، وخاضع لسلطة الخطيئة التي قادته إلى الموت. يوم تأكل من شجرة
معرفة الخير والشر تموت موتًا. تلك كانت الوصيّة التي وُجّهت إلى آدم، إلى الإنسان
الأوّل، إلى الانسان الذي عرفه الكاتب الملهم ساعة كتب، إلى الانسان الذي هو أنت
وأنا في ضعفنا أمام الخطيئة وتخاذلنا في حفظ وصيّة الله وعيش المحبّة.
لن نتوقّف مطوّلاً عند تك 3 الذي قد يكون ينبوع إلهام لبولس الرسول حين يكلّمنا عن
آدم الأول وآدم الثاني. آدم الأول (وما فيه من عتيق) قاد البشر جميعًا إلى الهلاك.
وآدم الثاني (وما فيه من جديد، من نظام جديد) برّر البشر كلّهم فنالوا الحياة (روم
18:5). أجل، لم يترك الله الانسان في عهدة آدم الأول، لم يتركه في يد الموت. بل
جعله في عهدة آدم المحيي (1 كور 15: 45). وحدّثنا بولس الرسول في هذا المجال عن حدث
البدايات وعمل المسيح الفادي. وهكذا دعانا إلى التأمل في ما يميّز مخطّط الله: حيث
كثرت الخطيئة هناك فاضت النعمة وتغلّبت عليها.
من أجل هذا سوف نحلّل روم 5: 12- 21 الذي توخّى أن يبرز فيض النعمة هذا. نقوم
بتحليل أدبي فنبيّن التوازي بين "الآدمين"، ونبيّن أن الهدف الأساسي لهذا التوازي
هو بأن ينشد عمل المسيح الفدائي ويبيّن عظمته. وإن هو أشار إلى الخطيئة، فلكي يبرز
النعمة في شكل تعارض. ولكن يبقى همه الأساسي إظهار الفداء. وهذا ما نفهمه بالعودة
إلى السياق السابق: إنطلق من واقع تبريرنا الذي يجعلنا في سلام مع الله (روم 5: 21؛
رج 9:5) فلمّح تلميحات واضحة إلى النعمة (آ 2)، ورجاء المشاركة في مجد الله (آ 2،
9)، ومحبة الله التي سُكبت في قلوبنا فتقبّلناها (آ 5، 8)، والمصالحة مع الله (5:
10- 11): "إذا كان الله صالحنا بموت ابنه ونحن أعداؤه، فكم بالأولى أن نخلص بحياته
ونحن متصالحون، بل نحن أيضًا نفتخر بالله، والفضل لربنا يسوع المسيح الذي به نلنا
الآن المصالحة".
والمقطع الذي يبدأ مع آ 12 يختتم كل ما قيل حتى الآن، كما تدلّ عليه الأداة "لذلك".
أو "بسبب ذلك". بعد هذا تتركّب الجمل حسب تواز دقيق تبدو قوته من خلال تكرار كلمات
تتقابل وتترابط. سنقوم بهذه القراءة مميّزين في هذا المقطع شقّين متكاملين: الأول
يصور سلطان الخطيئة والموت على البشرية (5: 12-14). والثاني (آ 15- 21) يدلّ على
العبور إلى وضع الخلاص الذي حصلنا عليه بالنعمة.
2- سلطان الخطيئة والموت (5: 12- 14)
تتضمّن آ 12 صعوبتين لا بدّ من أخذ موقف تجاههما. "كما بإنسان واحد دخلت الخطيئة
إلى العالم، وبالخطيئة الموت، أجل أيضًا، في جميع الناس سرى الموت، بما أن الجميع
خطئوا".
يقدّم النصّ تعارضًا. من جهة، إنسان واحد هو آدم. ومن جهة أخرى، جميع الناس. ومقابل
ذلك، سلطان شامل للخطيئة والموت المشخَّصين كقوتين للشر، وهذا السلطان يسود على
الجميع. فالشريعة لا تتدخّل في آ 13 (نتذكرها فيما بعد مع موسى) إلاّ لتبرز شمولية
الموت في الدرجة الأولى، وشموليّة الخطيئة في الدرجة الثانية، حتى حيثما لم تتخذا
شكل تعدٍّ على الشريعة كما في وضع آدم.
هنا نعود إلى تفصيلين. تُرجمت آ 12 كما يلي: "كما أن... الخطيئة دخلت في العالم
وبالخطيئة الموت، وهكذا سرى الموت". لم تنته الجملة، وظلت آ 14 غير مرتبطة بأن شيء
(ظلّت معلّقة)، والمقابلة لم تجد ما يقابلها. لهذا طُرح حلاّن ممكنان. أو نلغي حرف
العطف فنقول: كما الخطيئة... هكذا سرى الموت". أو نقول: أجل أيضًا سرى الموت. وهكذا
ينتظم عنصرا المقابلة بطريقة منطقيّة تبدو مبنيّة حسب النموذج التالي:
أ- كما بإنسان واحد
ب- دخلت الخطيئة إلى العالم
ج-وبالخطيئة الموت.
أأ- أجل، أيضًا، في جميع الناس
ب ب- سرى الموت
ج ج- بما أن الجميع خطئوا.
والتفصيل الثاني يتعلّق بعبارة "لأنهم كلهم خطئوا". أو: "بما أن الجميع قد خطئوا".
قد يعود اسم الموصول إلى "إنسان واحد". لهذا قالت الترجمة اللاتينية التي تبعها
أوغسطينس وقسم كبير من اللاهوتيين: "إنسان واحد فيه جميعهم خطئوا". ولكن قد نفهمها
أيضًا: لأنهم جميعهم خطئوا. بحيث إنهم جميعًا خطئوا. أجل، كلهم خطئوا. هذا واقع
نلاحظه. وهكذا تكون نقطة الانطلاق (آ 12 أ): إنسان واحد، الخطيئة، الموت. والنتيجة
(آ 12 ب: كذلك): جميع الناس، الموت، عاقبة الخطيئة.
وهنا تبرز صعوبة. إذا كانت الخطيئة المشخَّصة قد دخلت إلى العالم (= في كل الجنس
البشري) بإنسان واحد (= آدم)، فما الذي عمله هذا الانسان الذي نجعله "وحده" تجاه
"الجميع"؟ لا تستطيع الخطيئة أن تكون إلاّ تجاوزًا لأمر الله، لشريعة الله. من هنا
يرد شرح آ 13 (فقبل الشريعة كان في العالم خطيئة) التي تبدأ فتطرح الاعتراض: لا
يعتبر الله شيئًا ما "خطيئة" إلاّ إذا وُجدت شريعة تمنع. والحال أن الشريعة التي
بها تأتي "معرفة الخطيئة" (3: 20 ب) لم تعطَ تاريخيًا إلاّ بموسى. إذن، ما الذي حصل
لكي يسود الموت (الذي هو نتيجة الخطيئة وعقابها) على العالم منذ آدم إلى موسى؟
الجواب: في ذلك الوقت "كان في العالم خطيئة" (آ 13 أ): بما أن الخطيئة المشخَّصة
"دخلت إلى العالم" (آ 12)، يتبع ذلك أن "الجميع خطئوا" (آ 12 ب). ولذلك "ساد الموت
من آدم إلى موسى" (آ 13 ب) كعلامة على سيادة الخطيئة على العالم، وعلى شموليّة
الخطيئة في الجنس البشري كله. إذن، نحن أمام وضع لا مخرج منه إن لم يتدخّل الله
ويحوّل مسيرة الأشياء. هذا هو معنى مجيء المسيح على الأرض: سيعيد بناء ما هدمه آدم.
فالفداء هو خلق جديد للبشريّة التي سُلمت إلى سلطان الخطيئة والموت، هذين العدوين
اللذين سادا عليها منذ البدايات.
3- الموازاة بين آدم الأوّل وآدم الثاني (5: 15- 21)
أ- نظرة شاملة
يقدّم بولس عمل المسيح في تعارض موسّع يقابل فيه نتائج "خطيئة إنسان واحد" ونعمة
الخلاص التي حملها المسيح إلى "جميع البشر". إن هذه النعمة تتجاوز بوفرة نتائج
الخطيئة في العالم أي تسلّط الخطيئة والموت المشخَّصين على الجنس البشري كله. إذن،
"الموازاة بين الآدمين" لا تفي كليًا بالمراد: فالتشديد هو على المسيح وحده.
والعبارات المستعملة تشدّد على هذا الوضع بقوّة. وهذا ما تدلّ عليه بدايتا آ 15 وآ
16. "وليس كما الزلة هكذا أيضًا عطيّة النعمة" (ليست الزلة بمقدار الموهبة). لسنا
أمام تكافؤ بين الاثنتين. ولا تُذكر الزلة، إلاّ لكي تُبرز سمّو الموهبة (عطيّة
النعمة). إن موضوع تعليم بولس هو المسيح، لا آدم. لا شكّ في أننا أمام موازاة بسيطة
مع أدوات التشبيه (كما... كذلك). ولكن الاختلاف بين نتائج عمل آدم وعمل المسيح (كما
في آ 15، 16) تبرزه جمل تتبع هذا الاختلاف: فكم بالأحرى قد ازدادت نعمة الله (آ
15). كم بالأحرى الذين يتلقّون كثرة النعمة (آ 17).
إن جملة المقابلة تعود إلى شروح أعطيت في آ 12-14 لتفسّر دخول الخطيئة إلى العالم
وتكاثر الخطايا (الذي تلا) عند جميع البشر. لم يعرف الانسان هذين الواقعين إلاّ
إنطلاقًا من خبرته الآنيّة. أمّا نقطة إنطلاقهما فتختفي في ضباب الزمن وتطرح سؤالاً
صعبًا تدفعنا إليه معرفتنا بأن البشريّة هي خليقة الله، وأن الله لا يمكنه أن يكون
مسؤولاً عن الخطيئة والموت في الشكل الذي نختبرهما: فلا الخطيئة (تبدو كشخص حي) ولا
الموت جاءا من الله. ولهذا فالعودة إلى "خطيئة البدايات" تقدّم في الايمان شرحًا
يبقى "الكيف" فيه سرّيًا (أي: كيف صار ذلك؟). فإن تك 3 هو تصوّر أمثالي (أي تعليم
في مثل). غير أن الله لا يتخلّى عن البشر والعالم ليسلّمهم لمصير شّرير: فإن المسيح
قد صنع خلاصًا يتجاوز الشّر بكل أشكاله.
ب- تحليل النصّ
أولاً: عودة إلى آ 12- 14
نجد في هذه الايات العناصر المتعارضة: "إنسان واحد" و"جميع الناس". "العالم"
و"الجميع". كل هذا يرتبط "بشخصين" دخلا على المسرح: الخطيئة والموت. في آ 12 أ،
دخلا إلى العالم. وفي آ 12 ب صارا في العالم وسَريا في جميع البشر. في آ 13-14
تدخّلت الشريعة كشخص ثالث، ولكنها ظلّت في خلفيّة المشهد منذ البداية، لأن آدم
"وحده" ارتكب "التجاوز". ففي قلب عالم مطبوع بسلطان الخطيئة والموت، لم تظهر
الشريعة إلاّ بواسطة موسى: ومنذ ذلك الوقت أخذت الخطيئة بعين الاعتبار. فحسب ما قيل
في آ 13 ب ج كان عقاب الانسان الموت الذي هو علامة سيادة قوّة الموت (هو شخص حي)
على العالم. ولكن الموت كان سائدًا على البشر (منذ آدم إلى موسى) الذين جهلوا
الشريعة فما استطاعوا أن يتجاوزوها كما تجاوزها آدم. والسبب واضح: في العالم خطيئة
(أي: كميّة من الخطيئة) (بدون أل التعريف أو الخطيئة كشخص حيّ). فما وراء خطيئة آدم
(خطيئة البدايات)، هناك بدايات "خطيئة العالم" التي تبدو ثقيلة على إنسان وتدلّ على
كلّ سيادة الخطيئة (المشخَّصة) على العالم. ينتج عن هذا خطايا فرديّة لا نستطيع أن
نسمّيها "تجاوزات" إلاّ حيث عُرفت شريعة موسى. وهذه الخطايا، وإن لم نحسب لها
حسابًا بالنظر إلى الشريعة، فهي ترتبط، شأنها شأن "خطيئة العالم"، بسيادة الخطيئة
المشخَّصة ونتيجتها التي هي: سيادة الموت الذي هو عقاب الخطيئة في كل أشكالها.
إن خطيئة آدم التي أدخلت إلى العالم الخطيئةَ والموت، هي خطيئة البدايات. ونحن لا
نستطيع أن نتصوّرها إلاّ مع الخبر الامثالي كما ورد في تك 3 وتجاه الفردوس الذي
يرافق خلق الانسان. فالفردوس يصوّر في الوقت عينه نوايا الخالق الأساسيّة، والحلم
الأخير الذي يغذّيه كل إنسان في أعماق وجدانه. ولكن خرج من خطيئة البدايات وخطيئة
العالم وضعٌ يميّز علاقتنا مع الله حين نولد في قلب البشريّة الخاطئة. هذا الوضع هو
قوّة مظلمة تُلقي بثقلها على البشر وتستجلب نتائج سيكولوجية نسمّيها الانجذاب إلى
الشرّ. وإذ أراد أوغسطينس أن يتحدّث عن هذا الوضع اخترع عبارة "الخطيئة الأصلية".
أما روم 5: 12-14 فيهتم بخطيئة البدايات أكثر منه بالخطيئة الأصلية. وينتج من
السياق أن جميع الناس خطئوا حتى قبل أن يتسلّم موسى وحي الشريعة، وذلك بسبب سيادة
الخطيئة المشخَّصة على البشر. ولكن كيف حقّق الله قصده الرحيم تجاه البشر رغم تجمّع
عناصر مغايرة له هي: خطيئة البدايات، خطيئة العالم، الخطايا الشخصية؟ هذا ما ستشرحه
آ 15- 21 راسمة الموازاة بين آدمين، وواضعة بداية سيادة الخطيئة على العالم تجاه
بداية نعمة الفداء التي حصلنا عليها بواسطة يسوع المسيح وحده. هذه الموازاة تمتدّ
في ثلاث موجات متعاقبة (آ 15، آ 16-17، آ 18-20) وخاتمة تربط السيادة النهائية
للنعمة مع سيادة الخطيئة وتجعلها تتجاوزها وتعوّض عن شّرها تعويضًا لا يتصوّره عقل
إنسان.
ثانيًا: بنية آ 15
أرادت آ 15 أن تبرز التعارض بين خطيئة البدايات ونتائجها، فبدأت بالاداة "ولكن" (بل
عكس ذلك). وهكذا تتقابل "الزلة" (خطيئة البدايات) مع "الموهبة" (التي جاءت في
النهاية). ثم عبارة "خاطئ واحد" (آ 16 أ) مع "الموهبة". كل من المبدأين العامين
اللذين يبدأان آ 15 و16، يتبعه توسّع واحد ثم توسّعان يبرزان السمّو المطلق لعمل
المسيح مخلّص البشر. والتلميح إلى آدم (سمّي مرَّتين فقط في آ 14) يبرز هذا التأكيد
الذي يؤسّس الايمان المسيحي، ويشرح نتائج "الموهبة" ثم "عطيّة النعمة" (كارسمة).
واستعاد النصّ هنا المقابلة بين "واحد" و"جميع" فذكّرنا بعبارة نقرأها في أش 53: 12
ودا 12: 2 (الكثيرون).
ولكن الموازاة بين "آدم" وحده و"يسوع المسيح" وحده تبدو غير متكافئة. هذا ما
تبيِّنه عبارة "كم بالأحرى". في البدايات كانت نتيجة "خطيئة واحد" الموت للكثيرين.
وأما الآن فنحتاج إلى عدد من الألفاظ لنبرز "الوفرة الزائدة" لـ"عطيّة الله" التي
بدت كـ "عطيّة نعمة" مُنحت للكثيرين بواسطة "الانسان الواحد يسوع المسيح". فالتلميح
إلى "خطيئة البدايات" التي انطلقنا منها، وُجد هنا لكي يبرز الواقع الحاضر الذي
يحمله الخلاص لجميع البشر، ويدلّ على الانسان يسوع الذي نعترف به كمسيح أنبأت به
الكتب المقدسة. كل هذا يدلّ على دوره كوسيط من أجل جميع البشر.
ثالثًا: وليست خطيئة الخاطئ (آ 16-17)
ويستعيد النصّ الموازاة عينها، وتكاد "الكثرة" تُذكر تجاه آدم الوحيد ثم يسوع
المسيح الوحيد. ويشدّد على النتائج: نتائج الخطيئة من جهة، ونتائج النعمة من جهة
أخرى. لا تذكر آ 16 "خطيئة البدايات" ذكرًا واضحًا، ولكنها تلاحظ أن "الدينونة" تصل
إلى "الحكم" (آ 16 أ ب): العودة الضمنية إلى آ 15 أ ب تفهمنا أن الموت هو عقوبة هذا
الحكم، ولكنها لا تحدّد. أما في آ 16، فتبرز عطيّة النعمة لتقابل "الدينونة". جاءت
هذه الدينونة كنتيجة للشريعة. ولكن الله كشف عن نفسه الآن أنه ليس الديّان: هو لا
يحكم بل يرأف ويغفر. والذين يرحمهم تبعوا مثال أبيهم الأول: إقترفوا "زلاّت عديدة".
غير أن الله لا يكتفي بأن يغفر، بل هو "يبرّر". و"التبرير" يدلّ على عمل به يعلنهم
الله أبرارًا في حكمه، يل يجعل من الخاطئين أبرارًا لأنّ برّ نعمته يبرّر. ففي
المسيح "أظهر الله برّه في الوقت الحاضر لكي يكون بارًا ويبرّر من هو على الايمان
بيسوع" (روم 3: 26).
إن نظرية البرّ المتّهم الذي "يستر" الخطايا دون أن يمحوها في الحقيقة، هي على نقيض
من النص الحاضر. في الماضي لجأ اللاهوتيون إلى نظرة "برّ" إلهي مأخوذ من الحق
الروماني: برّ القاضي الذي يكافئ بالخير أو يعاقب. ولكن منذ أش 53: 3، 8 ب، برُّ
الله هذا كان برًا يخلّص. وهذا هو الوضع في آ 16-17 حيث تنطبق الكلمة على أشخاص
نالوا الرأفة و"تبرّروا"، عكس الشجب الذي ستحدّد الاية التالية مضمونه بشكل عقاب.
ولكن لا نخلط في ما يتعلّق بالله، ما يقال عن "البرّ" وما يقال عن "الحكم". في
القسم الأول من آ 16، وصلت الدينونة إلى الحكم. ولكن البرّ الذي يخلّص واهبًا عطيّة
النعمة يصل إلى التبرير. هذا هو الدور الحقيقي للمسيح في مخطّط الله. ونفهم أن النص
(كما في آ 15) يلجأ إلى التعجّب: كم بالأحرى! فآدم الجديد يتجاوز آدم الأول باتّساع
عمله الفدائي تجاوزًا لا حدود له.
وتعود آ 17 إلى الموضوع الاجمالي الذي عرضته آ 12-14: "بزلة واحد، ساد الموت" أي:
في العالم. في الكثيرين. كان "الحكم" بعد الدينونة كما قالت آ 16 على خطى آ 14.
فانقلب الوضع، وجاءت الكلمات تعظّم الخلاص الذي منحه "يسوع المسيح وحده". هي أوّلاً
"وفرة النعمة" للناس المخلّصين. ثم "موهبة البر" التي تدلّ على التبرير الحقيقيّ.
على أثر خطيئة البدايات "ساد الموت عليهم (آ 17 أ). ولكنهم منذ الآن نالوا وعدًا
بأن "يملكوا" هم أنفسهم (آ 17 ب) بمشاركة في ملك المسيح. ولا يُفهم الأمر إلاّ إذا
كان نتيجة "بر"، حقيقيّ داخليّ يعطينا الله إياه فنتسلّمه من نعمته. وهناك تفصيل
يتعارض مع وضع الناس الذين ساد عليهم الموت منذ البدايات: تبرّروا بنعمة المسيح،
فهم "يملكون في الحياة". إذن، بالنسبة إليهم هناك عبور من الموت إلى الحياة، من
ميراث آدم إلى عطيّة النعمة التي منحها المسيح يسوع. وهكذا ينتهي التوسّع المزدوج
في آ 15-17. يبقى علينا أن نستخرج النتائج محلّلين البنية التعارضية في الجمل، حتى
نهاية التوسّع.
رابعًا: بنية آ 18- 19
نحن أمام خاتمة. هذا ما تدلّ عليه الأداة "إذن". والمبدأ العام الذي وُضع في آ 16،
قد استعيد هنا مع تحوّلات جوهرية. فالتعارض بين "واحد" و"كثير" يبدو مع إختلافات
لها معناها. في البدايات لم يذكر النصّ "واحدًا" (إنسانًا)، بل "زلة واحدة" مقابل
شمولية نتائجها. ويشدّد النصّ على مفهوم الزلة التي ترينا الانسان "ساقطًا" في حالة
الخطيئة. ويتكوّن تعارض بين "زلة" و"فعل برّ" يقوم به المسيح الذي لا يُذكر (برّ
واحد) هنا. وكانت نتيجة خطيئة البدايات للخاطئ ولنسله، "الحكم" والشجب. ومقابل هذا
كانت نتيجة برّ المسيح لجميع البشر "تبرير الحياة". وهكذا نجد عطيّة البرّ المذكورة
في آ 17. ويكون التوازي المتعارض كاملاً. هو لا يقول إن دينونة الله جرّت وراءها
الحكم "بالموت" (آ 12، 14، 15، 17). لا فائدة من التكرار لأن ذكر "الحياة (آ 18)
كنتيجة يلمّح إليه بشكل متضمن.
في آ 18 نتج "الحكم بالموت" و"تبرير الحياة" من "الزلة" و"البرّ". في آ 19، نصعد
درجة لنفهم التسلسل بين "الخطيئة" و"الموت". نحن لا نعالج هذه المسألة على مستوى
"إنسان واحد" (آدم والمسيح)، بل على مستوى "الكثرة" المذكورة ضمنيًا في آ 12-14، ثم
بوضوح في آ 15-16 (الكثيرون). هنا نتوقّف عند نتائج عمل "واحد" (آدم والمسيح). يرسم
بولس العمل مستعينًا بتناقضة محدّدة: من جهة آدم كان "العصيان" (عدم الطاعة). أما
من جهة المسيح، فـ "الطاعة". ولكن بما يرتبط هذا العصيان (بالنسبة إلى أي شيء) وهذه
الطاعة (من نطيع)؟ العصيان هو "رفض سماع". هو رفض سماع الشريعة. ولكن وراء الشريعة
نجد المشترع: فالشريعة هي كلام الله. أمّا المسيح فبدا طائعًا لله. ولقد قال فل 2:
8 إنه "كان طائعًا حتى الموت والموت على الصليب". وفي روم، تنطبق الطاعة على
المؤمنين بواسطة الايمان (1: 5: تخضع للايمان جميعُ الأمم؛ 16: 16: ليخضعوا
للايمان) أو بالنسبة إلى الله وحده (6: 6 ب). ولكن عب 5: 8 تعيد هذا الموقف إلى
المسيح نفسه فتقول: "وعلى كونه ابنًا، تعلّم الطاعة ممَّا تألّم". وهذا ما نقول
أيضًا في آ 19 ب: "بطاعة واحد"، أي بطاعة المسيح.
ولكن يبدو من الصعب أن نحدّد الطريقة التي فيها تظهر نتائج طاعة يسوع وعصيان آدم.
في أي معنى نستطيع أن نقول إن "الكثيرين جُعلوا خطأة"؟ هل نحن أمام تلميح إلى
الخطايا الشخصيّة التي جاءت على أثر خطيئة آدم؟ هكذا نعود إلى آ 12: "الجميع
خطئوا". ولكن أن يُحسب الجميعُ خطأة بفعل "واحد"، فقد يعني ذلك أيضًا حالة خطيئة
تمتد على البشريّة كلها بمعزل عن الخطايا الشخصية. حينئذ نلتقي مع نظرة أوغسطينس
إلى "الخطيئة الأصلية". ولكننا لن نتوقّف عندها إلى ما لا نهاية، لأننا نجد ما
يقابلها من جهة عمل المسيح، "بطاعة واحدة يُجعل الكثيرون أبرارًا". وبما أن هذه
النعمة تتجاوز من كل جانب نتائج "خطيئة البدايات"، تنفتح أمامنا طريق الرجاء.
فالرسالة إلى رومة ليست أولاً شجبًا لخطيئة البشر: هي أولاً إعلان الخلاص بنعمة
المسيح. فلا نستنتج من آ 19 أن "الخطيئة الأصلية" ألغيت بصورة آلية بفضل هذه
النعمة. حين يقول بولس "جعل الكثيرون خطأة" على أثر خطيئة البدايات، فالمبدأ ينطبق
على مجمل الجنس البشري. ولكن حين يزيد أن "الكثيرين جعلوا أبرارًا" بطاعة المسيح،
فهذا لا يلغي ضرورة جواب قدّمه كل واحد منا بحرّيته لنعمة الخلاص. إن لفظة
"الكثيرين" تعارض لفظة "واحد"، والتعارض بين الاثنين يعطي معنى لهما معًا.
في وضع المسيح، تدل لفظة "واحد" على شخص يسوع. ولكن في وضع آدم، لا نستطيع أن نثبت
نظرية المونوجينية (وحدة السلالة والأصل) من هذه اللفظة في روم 5: 12، 17، 18.
فوحدة أصل الجنس البشري قضيّة عقائديّة، ولكن طريقة تحقيقها لا يعود إلى اللاهوت بل
إلى العلم. وكذلك لا نستطيع أن ننظر إلى ثمرة طاعة المسيح وكأنها امتدت بذات الفعل
إلى الجنس البشري كله من دون تعلّق شخصي وحرّ بالمسيح الذي يخلّصنا. من هذا القبيل،
هناك اختلاف بين الاشارة إلى "جميع الناس" بالنسبة إلى "الموت" (آ 12) و"الحكم"
(أي: الحكم بالموت) (آ 18)، والاشارة إلى "الكثيرين" التي نفهمها فقط في إطار تعارض
بين العلّة والنتائج. إن "كثرة النعمة وعطيّة البرّ" (آ 17) و"تبرير الحياة" (آ 18)
لا تعطى للبشر إلاّ إذا ارتبطوا بالمسيح بالايمان.
ويعود النصّ في آ 20 إلى شخص آخر في الدراما، ذُكر مرتين في آ 13: هو الشريعة. إنها
تقابل النعمة تقابلاً تعارضيًا. حدّدت آ 13 القاعدة: "لا حساب لخطيئة إن لم تكن
شريعة". هنا تستعيد آ 20 بشكل ضمني المبدأ الذي طرح في 3: 20: "لن يبرّر لحم ودم
(إنسان، بشر) أمامه بأعمال الشريعة، لأن الشريعة معرفة الخطيئة". يستعيد النص
المبدأ بحيث تهدف عطيّة الشريعة إلى الاكثار من الخطايا التي لا تغفر. فإذا راعينا
تفاصيل النصّ نستطيع أن نترجم: "إذا كانت الشريعة تدخّلت، فلكي تتكاثر الخطيئة".
ولكن ما يلي يصحّح الشعور الذي تركته فينا هذه الجملة: "ولكن حيث كثرت الخطيئة طفحت
النعمة" (آ 20). إن التوازي الأدبي يقلب ترتيب الألفاظ ليبرز بشكل أفضل هذه
الخاتمة. وهي تحمل في زخمها الملاحظة السابقة عن تكاثر الخطايا على الأرض. وفي
النهاية، ولأجل ذلك، كل شيء نعمة. وهنا يختتم تعليم الكنيسة الكاثوليكية عرضه عن
الخطيئة الأصلية فيورد كلام القديس توما: "لا شيء يمنع أن تكون الطبيعة البشريّة قد
رُفعت إلى درجة أسمى بَعْدَ الخطيئة. فالله يسمح بالشرّ لكي يستخرج منه خيرًا أعظم.
كما يقول القديس بولس: حيث فاضت الخطيئة طفحت النعمة. ونحن ننشد في مباركة شمعة
الفصح: طوبى لخطيئة حصلت لنا على مثل هذا الفداء".
خامسًا: الخاتمة (آ 21)
ونصل إلى خاتمة عامة مع أداة تدلّ على غائيّة قصد الله "حتى". إن مضمون هذه الخاتمة
يوجز مجمل المواضيع المعالجة في آ 12-20. في آ 21 أ، استعيدت آ 12- 14 مع "الشخصين"
المتزاوجين: "الخطيئة" و"الموت". غير أن موضوع المُلك (أو: السيادة) الذي طبّق في
الماضي على الموت (آ 17) قد انتقل الآن إلى "الخطيئة": "كما أن الخطيئة ملكت
بالموت" (الموت كخبرة بشريّة، لا الموت كشخص حي وقوّة الشّر). واستعاد القسم الثاني
من المقابلة عبارة وجدناها في آ 18-19: "كذلك أيضًا". ولكن في هذه المرة انتقل فعل
"ملك" الذي طبّق في السابق على الموت والخطيئة اللذين يمارسان سلطانهما على
البشريّة، بنت آدم، انتقل إلى المواهب الجوهرية التي يحملها المسيح لكي يخلّصها:
"كذلك تملك النعمة بالبرّ للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا". غابت أل التعريف أمام
لفظتَيْ "برّ" و"حياة". ولكننا نستطيع أن نعتبرهما معروفين. إنهما يبدوان في هذه
الخاتمة كشخصين حيَّين على مثال الخطيئة والموت.
4- ملاحظات لاهوتيّة
لم يكن هدفنا حين قرأنا روم 5: 12- 21 أن نعرض تفكيرًا لاهوتيًا عن الفداء، ولا أن
نطرح كل المسائل التي تدور حول الخطيئة الأصلية (متأصلة فينا) وخطيئة البدايات (في
بداية تاريخ البشرية). إنما حاولنا أن نقرأ النصّ فوجدنا فيه قسمين واضحين. القسم
الأول (آ 12-14) لا يكشف واقع خطيئة البدايات. بل يعود إليه كما إلى حدث لكي يفسّر
وجهتين رئيسيتين في الخبرة البشرية، في زمننا وفي كل الأزمنة: شمولية الخطيئة في
الجنس البشري، وحضور الموت كما نحسّ به حين نموت، وحين يموت أشخاص أعزَّاء علينا.
وفي خلفيّة كل الخطايا الشخصية، فينا ميل إلى الشّر يدلّ على ثقل قوّة معادية على
ضمائرنا المشدودة بين الخير والشّر: إنها الاشارة إلى تسلّط الخطيئة المشخَّصة على
كل الجنس البشري في كل عصور تاريخه. ولكن هذه الاشارة التي نلاحظها كلنا، هي علامة
عن وضع يُفلت من خبرتنا الحسيّة: فسيادة الخطيئة على البشر هي سابقة لأي خيار أدبي
من قبلهم، وقد سمّاها أوغسطينس: "الخطيئة الأصلية". إنه لمن الأهمية بمكان أن لا
نمزج المسائل متفحّصين العلاقات بين الخطيئة الأصلية وخطيئة البدايات. فخطيئة آدم
تتضمّن شعورًا بالخطيئة نستشفّه فقط عبر تك 3. ولكن في ينبوع الخطيئة الأصلية
بالنسبة إلى الأفراد، هناك خطيئة العالم التي تحدّث عنها بولس.
مهما يكن من أمر، ليس الموضوع الجوهري في تعليم بولس في روم 5: 12- 21، الخطيئة
الأصلية ولا خطيئة البدايات. بل الفداء الذي أتمَّه يسوع المسيح. فالنصّ الذي
حلّلناه يحيط به ذكر مزدوج لشخص المسيح. نقرأ في 5: 11: "بربنا يسوع المسيح". وفي
5: 21: "لحياة أبدية بيسوع المسيح ربنا". والاشارة إلى آدم، بداية عالم خطيئة وموت،
قد وُضعت هنا لكي تبُرز بالتعارض ضرورة "المصالحة" مع الله التي حقّقها المسيح (5:
11). الله هو صاحب هذه المصالحة: ذُكر مرّة واحدة بمناسبة الحديث عن النعمة (آ 15).
ولكنه ذُكر ست مرات في تقديم المسيرة التي وصلت بنا إلى المصالحة معه (5: 1، 2، 5،
8، 10، 11). إن الفداء هو نتيجة حبّ من المسيح الذي تضامن مع حالتنا حتى القبول
بالموت. هكذا صالحنا الله معه بوساطة المسيح، كما قال بولس في 2 كور 5: 19: "فهو
الذي في المسيح قد صالح العالم مع نفسه".
وفي النهاية، ماذا نقول في الخطيئة الأصلية من أجل حياتنا؟
لا يتوخّى التعليم عن الخطيئة الأصلية أن يعطينا معلومات عن بداية تاريخ البشرية،
لا يستطيع العلم أن يعطينا إياها. فكما أن خبر الخلق في تك 1-2 لا يعطينا جوابًا
على مسائل في العلوم الطبيعية، كذلك لا يعطينا التعليم في الخطيئة الأصلية أي حلّ
يتعلّق ببداية البشرية.
لا يعطينا التعليم في الخطيئة الأصلية جوابًا مريحًا حول مسألة أصل الشّر في
العالم. فمن أراد، بفضل هذا التعليم، أن يجد أعذارًا لخطاياه الشخصية، سيسمع عكس
ذلك حين يقرأ النصوص الكتابية: لا نستطيع أن نريح نفوسنا من مسؤولية الخطيئة لكي
نضعها على غيرنا. لا على البشر ولا على قوى فوق البشر.
لا نص بيبليًا ولا نص حاسمًا في الكنيسة يتحدّث عن الخطيئة الأصلية في حدّ ذاتها.
بل هناك حديث عن الخطيئة الأصلية في علاقتها مع الخلاص وعمل الفداء في يسوع المسيح.
إن قلب التعليم عن الخطيئة الأصليّة يعلن أن المسيح هو فادي جميع البشر، لأن جميع
البشر يحتاجون إلى فداء الله.
الفصل السادس والثلاثون
رحمة الله
في اللغة وفي النصوص
"الرحمة هي الكلمة الأساسيّة في الليتورجيا اليهوديّة، بل في الحياة اليهوديّة
كلّها. قد تُسمّى رحمة ومراحم، المحبّة والحنان. فلا تقارب متبادل بين الله
والانسان إلاّ بالرحمة".
هذا الكلام لأندره ناهر، الأستاذ في جامعة ستراسبورج، يفتتح كلامنا عن مفهوم الرحمة
في العهد القديم، وهو امتداد لما قرأناه منذ البداية في سفر الخروج: الربّ يصنع
رحمة إلى ألوف من محبّيه وحافظي وصاياه، وما نقرأه في نهاية مسيرة التوراة
وانطلاقها إلى العالم الوثني مع سفر يونان. قال النبي مخاطبًا رافضًا: "علمت أنَّك
إله حنون رحيم، طويل الأناة وكثير الرأفة، ونادم على الشّر".
في هذا المقال ننطلق من النصوص الكتابيّة فنتعرّف في قسم أوَّل إلى الألفاظ التي
تشير إلى رحمة الله وحنانه. وفي قسم ثان نتعرّف إلى رحمة الله تجاه الضعفاء
والمساكين. وفي قسم ثالث نتعرّف إلى هذه الرحمة تجاه الخطأة، سواء كانوا من اليهود
أم من الوثنيّين.
ونبدأ بدراسة الألفاظ تاركين القسمين الثاني والثالث إلى فصلين لاحقين. هناك ردّة
تتكرّر مرارًا في التوراة، وهي تذكر الألفاظ المتعلّقة برحمة الله: فهو الرحيم، وهو
الحنون، وهو المحبّ، وهو الرؤوف، وهو الطويل الأناة. فالله يتأخّر ولا يغضب سريعًا.
هو يعود عن قراره بأن يعاقب، أن يُعامل المؤمنين "بالشّر"، أي بالضربات التي
تصيبهم.
بعد أن حطّم موسى لوحَي الوصايا، طلب منه الربّ أن ينحت "لوحَي حجر كالأوَّلين"
ويحملهما أمام الربّ. حينذاك هبط الربّ في الغمام وقال: "الربّ الربّ إله رحيم
وحنون، طويل الأناة، كثير الرأفة والأمانة". هكذا دلّ على أنّه غفر لشعبه بعد
الخطيئة التي اقترفها حين عبد العجل الذهبيّ فاستحقّ أن يفنى عن بكرة أبيه. وتتكرّر
لفظة الرحمة في المزامير مرارًا. نقرأ في مز 86: 15: "وأنت أيُّها السيّد رحيم،
حنون، طويل الأناة، وافر الرأفة والأمانة". وفي مز 103: 8: "الربّ حنون، رحيم، طويل
الأناة، كثير الرأفة" (رج 4:111؛ 8:145)
نتوقّف عند الصفة "رحيم"، عند الاسم "رحمة" وعند الفعل بجذره "ر ح م" الذي يعني
أحبّ، رحم، شأنه شأن سائر معاني هذا الجذر في اللغات الساميّة.
1- رحيم
ترد هذه الكلمة في العبريّة بشكل "رح و م"، وتظهر أربع عشرة مرة في أسفار الخروج
(34: 6) والتثنية (4: 31) ويوئيل (2: 13) ويونان (4: 2) والمزامير ونحميا (9: 17؛
9: 31) والأخبار الثاني (30: 9). في أية مناسبة ترد هذه اللفظة؟ بمناسبة خطيئة
الشعب. هذا ما اكتشفناه بالنسبة إلى خر 34: 6، أو بمناسبة الضيق الذي يُحسّ به
الشعب، ولاسيّما في زمن المنفى.
نقرأ في تث 4: 30- 31: "وإذا ضيّق عليك، وأصابتك هذه الأمور كلّها، في آخر الأيام،
ترجع إلى الربّ إلهك وتسمع لصوته، لأن الربّ إلهك إله رحوم لا يخذلك ولا يبيدك ولا
ينسى عهد آبائك الذي أقسم به لهم". خطئ الشعب فنال العقاب حياة في المنفى. وإن عاد،
وجد تجاهه إلهًا يرحم. ويرتبط بإله الرحمة هذا ثلاثةُ أفعال في صيغة النفي: لا
يخذلك، لا يتخلّى عنك، لا يتصرّف وكأنه نسيك فلم يَعُد يهتمّ بك. نحن هنا في موقف
سلبيّ، ولكن النتيجة تبدو مرعبة للمؤمن الذي ينتظر من الربّ الخلاص والصحّة
والحياة. والفعل الثاني يدلّ على موقف إيجابيّ، ونتيجته أخطر من نتيجة الفعل
الأوَّل: أباد، دمّر، أفنى. فالربّ هو سيّد الحياة والموت، وهو يستطيع كلّ شيء.
ولكنّه لا يفعل. والفعل الثالث يرتبط بالميثاق (بالعهد) الذي قطعه الله مع الآباء.
يرى سفر التثنية أنّ الربّ هو إله الآباء ابراهيم واسحاق ويعقوب (تث 1: 21). حلف
لهم أن يعطي الشعب أرض كنعان. أحبّهم فاختارهم. ارتبط بهم وعقد معهم عهدًا يصل إلى
أبنائهم. خسر الشعب هذه الأرض يوم خطئوا، ولكن الربّ ظلّ أمينًا لعهده لأنَّه الإله
الذي يرحم.
أمّا في المزامير فترد هذه الصفة عندما "يشتعل" غضب الله. هنا نتذكّر أنّ الله لا
يغضب كما يغضب البشر. فغضبه رفض للشرّ الذي فينا. غير أنّ العهد القديم لم يكن
يميّز بين الشرّ والأشرار. ولكن الله "لا يريد هلاك أحد" (مز 78: 38). في وقت الشّر
والاضطهاد، أطلق المؤمن صوته، قال: "وأنت يا رب رحيم حنون، طويل الأناة، كثير
الرأفة والأمانة" (مز 86: 15). قال المرتّل في آ 14: "المتكبّرون قاموا عليّ وزمرة
الطغاة يطلبون حياتي". في قوله هذا، ما أراد أن يصوّر وضعًا ملموسًا لكي ينال من
الله تدخّلاً وعدالة. بل أراد أن يعارض بين عداء وحقد وبغض يحيطه بها البشر، ورحمة
إله العهد ومحبّته تجاه تقيّه.
في ساعة الضيق يتعرّف المؤمن إلى الربّ. وفي وقت الشّر أيضًا. حسناته عظيمة: غفران
الخطايا، الشفاء من المرض، الطعام في الجوع، والشباب المتجدّد يومًا بعد يوم. يحسّ
بالظلم فيرى الربّ العادل. يحسّ بالذنب فيرى ذاك الذي يرحم كما يرحم الأب أبناءه
(مز 103: 1-13). ومن خلال صورة إله الرحمة، يُطلب من الانسان أن يتصرّف مثل الله،
فيدوم ذكره إلى الأبد. وهكذا يمتدّ البعد العمودي، بُعد علاقة الله مع المؤمن، إلى
البُعد الأفقي، بُعد علاقة جميع أبناء الله بعضهم ببعض.
ويحدّثنا النبي يوئيل عن يوم الربّ الرهيب، عن هذا الجيش الذي لا يُقابَل. ظهر الله
وهو يضع يده على الكون كلّه، فماذا يكون موقف الانسان "الخاطئ"؟ عودة إلى الربّ،
صوت بكاء ونحيب، مباركة الله وتقريب الذبائح له. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، حياة
أخلاقيّة تفرض علينا أن نمزّق قلوبنا لا ثيابنا. ولكن لماذا هذا الموقف؟ لأن الاله
الذي نتطلّع إليه هو حنون، رحوم، ويعيد إلى شعبه البركة.
2- رحمَ
بعد الصفة، نعود إلى الفعل الذي يرد مرّة واحدة في المجرد و42 مرة في المزيد. يرد
في الوزن الثالث (ف عّ ل) 12 مرة في أشعيا، 10 مرات في إرميا 4 مرات في كلّ من
المزامير وهوشع. وفي الوزن الرابع (فُ عّ ل) يرد ثلاث مرَّات في هوشع ومرَّة واحدة
في أم 28: 13: "من أخفى ذنوبه لا ينجح، ومن أقرَّ بها وتركها يُرحَم". نحن هنا أمام
المجهول اللاهوتي، حيث لا نذكر اسم الله، بل نعتبره معلومًا لدى القارئ. من يقرّ
بخطيئته يرحمه الله. هناك الاقرار والوعد بالتخلّي عن الخطايا لكي نتقبّل رحمة
الله. أمّا المرّة الوحيدة التي تورد فعل ر ح م في صيغة المجرد، فنقرأها في مز 18:
2: "أحبّك يا رب، يا قوتي".
ويدخل في هذا الاطار الاسم الذي أعطاه هوشع لابنته: لا ر (و) ح م ة أي اللامرحومة،
اللامحبوبة (1: 6، 8). هذا الاسم يرمز إلى وضع بني اسرائيل الذين خانوا عهد الربّ،
فما عادوا يستحقّون رحمته ولا محبّته. ولكن ستتحسّن الأمور فيقول الربّ بلسان
نبيّه: "وأرحم غير المرحومة". يبدو أنّ جذر "ر ح م" يعبّر عن حبّ الآلهة في الديانة
الكنعانيّة. وقد صار في أرض اسرائيل مكونا للغة الميثاق بين الله وشعبه (خر 34: 6).
في هذا المجال نقرأ تث 13: 18 الذي يقول إن الله "يهب لك المراحم ويرحمك ويكثرك كما
أقسم لآبائك". ولكن شرط أن تسمع لصوته، وتحفظ وصاياه ولاسيّما في الأمور المحرّمة.
إنّ رحمة الله هي عاطفة الأمومة عنده تجاه شعبه، وهي في أساس العهد. فإن هي زالت
صار العهد موضع تساؤل.
إنّ المزيد "رحَّ م" يدلىّ على المحبّة والعطف والشفقة إن تبعه المفعول به. قال
الربّ: "أصفح عمّن أصفح، وأرحم من أرحم" (خر 33: 19). وقال موسى: "يردّك الرب
ويرحمك" (تث 30: 3). إن رافقه حرف الجرّ "ع ل" (في العربية على)، دلّ على محبّة
الوالدين لأولادهم وعلى رحمة الله للبشر. "أتنسى المرأة مرضعها فلا ترحم ابن بطنها"
(أش 49: 15)؟ "كرحمة أب بالأبناء، رحم الربّ الذين يخافونه".
الكبير يرحم الصغير، والقويّ الضعيف، والغنيّ الفقير. يرحم الوالدان أولادهما،
والله شعبه. وهكذا لا تنطلق مسيرة الرحمة من الانسان إلى الله، بل من الله إلى
الانسان الذي يطلب الرحمة والحنان. إذا عدنا إلى مز 103، وجدنا الأسباب التي تستدعي
رحمة الله: هناك الآثام والخطايا. ورحمته تتجاوزها تجاوز السماء للأرض. وهناك الضعف
البشريّ الذي يعبّر عنه المرتّل في صورَتين تعودان إلى الكتاب المقدَّس. الأولى
نقرأها في تك 2: 7: "إنّ الربّ الإله جبل الإنسان ترابًا من الأرض". هذا يدلّ على
الضعف والحقارة، وأنّه يحتاج كما في البدء إلى نسمة من روحه، وإلاّ ذهب إلى الموت.
والصورة الثانية نجدها في أش 40: 6-7: "كل بشر عشب وكزهر الحقل بقاؤه. ييبس ويذوي
مثلهما بنسمة تهبّ من الربّ". هكذا نفهم أنّ الانسان يسير إلى الزوال، فيحتاج إلى
رحمة الله "الذي يبقى إلى الأبد".
وأخيرًا، يعود المرتّل إلى خبرته البشريّة ليطلب الرحمة من ربّه. الأب يرحم أبناءه
ويهتمّ بهم (مزم 103: 13). هكذا يفعل الربّ. ونقول الشيء عينه عن الأم التي لا يمكن
أن تنسى ثمرة حشاها. وإن نسيت، فالربّ لا ينسى (أش 49: 15). ويكفي أن يرحم الله
شعبه، فتحلّ الرحمة في قلب أعدائه فيرحمون بدورهم (1 مل 8: 50).
3- المراحم والرحم
الرحمة هي في العبرية "ر ح م ي م"، وترد دومًا في صيغة الجمع. تدلّ في معنى أوّل
على الامعاء التي هي مركز الشعور في الانسان. وفي المعنى المجازي على الأحشاء. نقرأ
في أم 12: 10: "أحشاء الأشرار قاسية، متوحّشة". وننطلق من هذا المعنى فنفهم "ر ح م
ي م" كالحبّ والعطف الطبيعيّ والمودّة العذبة والرقيقة تجاه الأهل والأقارب. تلك هي
عاطفة يوسف نحو أخيه بنيامين: احترقت (تحرّكت) أحشاؤه (تك 43: 30). وفي معنى ثان،
تعني اللفظة العبرية: الشفقة، الرأفة، العطف، الحبّ، الرحمة. هو الكبير يصنع رحمة
أو لا يصنع رحمة للصغير. ذاك كان تصرّف بابل تجاه شعب الله (أش 47: 6). وتتحدّث
المزامير عن مراحم الله: "يا ربّ، اذكر مراحمك ورأفتك، فإنها منذ الأزل" (مز 25:
6). "وأنت يا رب، لا تغلق مراحمك (أحشاءك) عني" (12:40). نجد عبارات مثل "أعطى
مراحم ل" في تث 13: 18، (يعطيك رحمة ويكثّرك). و"س و م. ر ح م ي م. ل": سام بالرحمة
(أش 47: 6). وهناك عبارة للحصول على الرحمة من أجل آخر كما في مز 106: 46: "أعطاهم
حظوة (مراحم) قدّام الذين سبوهم"
ترد لفظة "ر ح م ي م" 38 مرّة في الكتاب المقدَّس وهي ترافق مرَّات عديدة لفظة
سنعود إليها هي "ح س د" التي تعني الرأفة والنعمة والمحبّة. أمّا لفظة "ر ح م" التي
تعني حشا المرأة، فترد 32 مرة. يبارك يعقوبُ يوسفَ بركات الثديَين والرحم (تك 49:
25)، أي يطلب له أمهات يلدن ويُرضعن البنين. ويتحدّث أشعيا إلى بقيّة آل اسرائيل
"الذين أقلّوا من البطن وحُملوا من الرحم" (3:46). أي اهتمّ بكم الربّ منذ كنتم في
أحشاء أمّهاتكم، وحملكم ورفعكم وأنتم بعد في الرحم. منذ ولادتكم حتى شيخوختكم، أنا
أتدخّل من أجلكم. أنا أحملكم، وأنا أفديكم (آ 4). هذا ما يقوله الربّ.
الحديث عن الرحم يذكرنا بالمرأة وبعواطف الأمومة تجاه أبنائها. أشرنا فيما سبق
إشارة سريعة إلى الله الذي هو أب، وها نحن نتوسّع في فكرة أمومة الله، بسبب ارتباط
الرحمة والمراحم بالرحم عند المرأة.
أجل، الله أمّ لشعبه، وهو يعامل شعبه بعاطفة الحنان فتتحرّك أحشاؤه ساعة يكون
أبناؤه في الضيق. أما الفكرة الأساسيّة فنجدها في عد 11: 11- 15 حيث يكلّم موسى
الله ويدعوه إلى الاهتمام بشعبه. قال: "هل أنا حبلت بهم؟ هل أنا ولدتهم فتقول لي:
إحملهم على صدرك كما تحمل الحاضن الرضيع"؟ المرأة هي التي تحبل (تحمل في حشاها)
وتلد. المرأة هي التي تحتضن وتُرضع. وها هو موسى يدعو الربّ ليتابع دور الأم الذي
بدأ يلعبه منذ بداية تاريخ شعبه.
ونقرأ في هذا المجال تث 32: 1-43: "صوّر الكائنات وعمله كامل". قال موسى عنه: "هو
أبوك الذي خلقك، الذي أبدعك وكوّنك". ويتتابع نشيد موسى في صورة النسر الذي يعامل
فراخه كالأم والأب بعطف ومحبّة. "ربّاهم وعلّمهم. إحتضنهم كحدقة عينه. كالنسر الذي
يغار على عشّه وعلى فراخه يرفّ، فيفرش جناحيه ليأخذهم ويحملهم على ريشه...
أطعمهم... أرضعهم..." (آ 10-13). ويتابع موسى عتابه: "الإله الذي ولدهم نسوه،
وأهملوا الاله الذي أنجبهم".
ويتكلّم أشعيا بلسان الله فيشبِّه نفسه بالأم: "أصيح كالتي تلد، وأنفخ مثلها وأزفر"
(40: 14). وفي 45: 10: "ويل لمن يقول لأب: ماذا تلد؟ ولإمرأة: ماذا تضعين"؟ ويتابع
النصّ فيدلّ على أنّ الله اتخّذ صورة الأب والأم من أجل شعبه. والعبارة المعروفة
نقرأها في 49: 15، وفيها يقابل الله بينه وبين امرأة لا يمكن أن تنسى ابن بطنها، لا
يمكنها إلاّ أن ترحمه وتحنّ عليه. "فأجاب الربّ: أتنسى المرأة رضيعها (طفلها) فلا
ترحم ثمرة بطنها؟ لكن ولو أنَّها نسيت، فأنا لا أنساك يا أورشليم". أجل، إنّ رحمة
الله لا تضاهيها رحمة.
خاتمة
هذا هو موضوع رحمة الله في اللغة والنصوص. في العبريّة وفي الأوغاريتيّة، في
العربيّة وفي السريانيّة مع تطلّع إلى سائر اللغات الساميّة. الله يرحم لأنه أب.
ويرحم بشكل خاص لأن قلبه قلب أم. بعد هذا لن نشدّد على "غضبه" الذي يعاقب، بل ننظر
إليه كالرحيم والحنون والرؤوف الذي لا يريد موت الخاطئ بل حياته. تحدّثنا عن هذا
الاله الرحيم، فيبقى أن نتعرّف في فصل لاحق إلى حنان الربّ ورأفته.
الفصل السابع والثلاثون
حنان الرب ورأفته
توسّعنا طويلاً في جذر "رحم" على مستوى الصفة والفعل والاسم. ولكن هناك لفظتين
قريبَتين من الرحمة وهما ترافقان استعمالها في الكتاب. الأولى تتحدّث عن الحنان،
والثانيّة عن الرأفة وما يشابهها من عواطف.
1- الحنان
يعود الحنان إلى فعل "حنَّ". حنت القوس أيّ مالت وانحنت. تلك هي صورة الوالد الذي
ينحني ليصبح على مستوى طفله. وعلى المستوى الأدبي، الحنان هو العطف والشفقة والرحمة
ورقّة القلب.
يُستعمل الفعل مرارًا كمتعدّ على مفعول واحد أو مفعولَين. نقرأ مثلاً في خر 33: 19:
"أنا أجيز جميع جودتي (أجعل جودتي تعبر) أمامك، وأنادي باسم الربّ قدّامك وأحنّ
(أي: أظهر حناني) على من أحنّ، وأرحم من أرحم". ونسمع دعاء يوجّهه المرتّل إلى
الله: "تحنّن عليّ واسمع صلاتي" (مز 4: 2). "تحنّن، يا ربّ، لأني ضعيف، إشفني يا
رب، لأنّ عظامي ترتجف" (3:6). "تحنّن، يا ربّ، لأني في ضيق. أكلَ الغمُّ عينيّ
وحلقي وبطني" (31: 10). هذا يعني أنّني صرت قريبًا من الموت.
يرد الاسم "ح ن" 67 مرّة في العهد القديم، وهو يعني النعمة واللطف والحظوة. نجده
مرة واحدة مع أل التعريف ومرة واحدة مع الضمير. نجده دومًا في صيغة المفرد، فيدلّ
على استعدادات شخص تجاه شخص آخر. والصفة "ح ن و ن" تعني كما في العربيّة فتدلّ
دومًا على الله. في معظم المرات يترافق "ح ن و ن" مع "ر ح و م". إرتبطت المراحم
برحم المرأة. وارتبط الحنان بعاطفة أموميّة وأبويّة، وهذا واضح في الجذر العربي.
فالربّ هو حنون في عمله كأب. يهتمّ بالضعفاء والمساكين ويدافع عنهم. فنقرأ في خر
22: 26: "إذا صرخ (المسكين) إليّ أسمع له، لأني حنون". وفي مز 145: 8-9 نجد في آية
أولى: حنون، رحوم، طويل الأناة، كثير المراحم.
وفي آية ثانيّة: الربّ صالح (طيّب) للكلّ، ومراحمه على كلّ أعماله (خلائقه).
فالحنان في مع الطيبة والصلاح.
2- الرأفة
هذه الكلمة العربيّة تقابل "ح س د" في العبريّة التي هي لفظة غنيّة جدًا بحيث لا
تستطيع كلمة واحدة أن تحيط بكامل مدلولها. إذا عدنا إلى القاموس نجد: الفضل،
الإحسان، الحب، الرحمة، الرأفة، النعمة... هناك أوّلاً الغيرة والرغبة والحميّة، ثم
اللطف تجاه الآخرين، والشفقة تجاه الآخرين، والشفقة تجاه الذين يعرفون الضيق. ونجد
عبارة "صنع رحمة مع". أيّ تصرّف تجاهه باللطف والرأفة. وهناك حظوة الله ونعمته
وإحسانه تجاه البشر.
منذ البداية دلّت "ح س د" على الموقف الذي يفرض نفسه بين أشخاص يربطهم رباط خاص.
طلب ابراهيم "ح س د" من سارة امرأته. ووعد ابراهيم أبيمالك. وانتظر اليعازر من إله
سيّده ابراهيم. "ح س د" هو موقف يقفه داود من بيت شاول تذكّرًا للصداقة التي ربطته
بيوناثان بن شاول.
إنّ "ح س د" تعبّر عن الأعمال والمواقف التي تستند إليها الحياة الاجتماعيّة. إنّها
المناخ من الثقة والصدق بين البشر. بدونها تصبح الحياة مستحيلة. وموضوع "ح س د" يقف
في أساس سفر راعوت. فنعمي وكنّتاها حافظن على الأمانة لأزواجهنّ. ونعمي سلّمت
كنّتيها إلى "لطف" الله (1: 8) الذي أظهر "محبّته" للأحياء والأموات (2: 20). إن
كان هذا على مستوى البشر، فما يكون على مستوى الله؟
لن نذكر المواضع التي فيها ترد لفظة "ح س د". فهي كثيرة جدًا. أمّا أصلها فما زالت
مجهولاً وإن ورد في الأدب العبريّ والأراميّ والسريانيّ والمندعي. قد يعود إلى
العربيّة مع فعل "حشد" الذي يعني ارتبط في صيغة المفرد، ما عدا 18 مرة في صيغة
الجمع بينها ثلاث مرات في المعنى الدنيوي و13 في المعنى الديني.
إذا أردنا أن نُجمل المعنى الدنيويّ للفظة "ح س د"، نقدّم ثلاث ملاحظات. الأولى،
لسنا فقط أمام موقف، بل أمام فعل ينتج من هذا الموقف من أجل حفظ الحياة وإنمائها.
الثانية، هناك الطابع الاجتماعيّ. واحد يُظهر "ح س د" أو ينتظرها من قريبه أو
صديقه. الثالثة، علاقة "ح س د" مع "ا م ت" أي الأمانة المفروضة داخل العائلة
الصغيرة أو الكبيرة. "لا تدع الرأفة والأمانة تتركانك. تقلّدهما على عنقك، أكتبهما
على لوح قلبك" (أم 3: 3). "الرحمة والأمانة لمن يزرع الخير" (14: 22).
وما قلناه على المستوى الدنيويّ نقوله على المستوى الدينيّ. الله يصنع رحمة. يرسل
رحمة. يذكر رحمة. يحفظ رحمة. فالذين أظهر الله لهم رحمته هم ابراهيم، يعقوب، أهل
يابيش جلعاد، مسيح الربّ، داود، أيوب، راعوت.... وكيف يُظهر الله لطفه ورحمته؟
بالقدرة والعزّة. بالنصر والخلاص، بالحقّ والانصاف، بالعزاء، بالمعجزات.
أمّا ما تعني رأفة الله ورحمته بالنسبة إلى شعبه، فنجده في عبارَتين ليتورجيَّتين.
الأقدم ترد في خر 34: 6 "رح و م. ح ن و ن. رب- حسد" وهي تعود في مز 8:103؛ عد
18:14. لا يتبدّل العنصران الأولان (حنون، رحوم)، فيغتنيان بعناصر عديدة مثل طول
الأناة، والأمانة، والمسامحة، والعودة عن الشرّ. هذا ما يدلّ على أنّنا في التقليد
اليهوهيّ بصوره التي تشبّه الله بالإنسان.
والعبارة الليتورجيّة الثانية نجدها في مز 100: 5: "الربّ صالح. إلى الأبد رحمته
(حسدو). وإلى جيل وجيل أمانته". عبارة جاءت بعد المنفى البابليّ (587 ق م)، وسوف
تلعب دورًا كبيرًا في الهيكل الثاني الذي أعيد بناؤه سنة 518 ق م.
إنّ تاريخ شعب الله في الماضي والحاضر والمستقبل، إنّ تاريخ الأفراد والجماعات، بل
تاريخ العالم، يدلّ على لطف الله ورأفته. وعدَ الله شعبَه بالحياة، بالعناية،
بالنجاة من الضيق، بالحماية. وقد ملأ الأرض كلّها من رأفته. وهذه الرحمة ليست
موقفًا عابرًا، بل تصرّف ثابت ومستمرّ، أعلنه الله بفم أنبيائه، وحقّقه في شعبه وفي
حياة مؤمنيه.
خاتمة
تلك نظرة إلى الألفاظ التي تشير إلى رحمة الله: المراحم، الحنان، الرأفة. ومعها
الأمانة والصدق والثبات. ومعها نسيان الماضي وما فيه من شرّ وتذكّر المؤمنين
العائشين في الضيق. ومعها رفض الغضب وطول البال. هذا الاله "الذي لا يخاصم على
الدوام، ولا يحقد إلى الأبد". "الذي لا يعاملنا حسب خطايانا، ولا يجازينا حسب
ذنوبنا". "ترتفع رحمته على خائفيه كارتفاع السماء على الأرض. يُبعد عنا معاصينا
كبعد المشرق عن المغرب. الربّ يرحم أتقياءه كما يرحم الأب بنيه" (مز 103: 9-13).
وبعد الألفاظ، نتوقّف عند اهتمام الله بالضعفاء والمساكين، باليتامى والأرامل
والغرباء. هو أب يهتمّ بأبنائه على مستوى حاجات الجسد. هو ملك يهتمّ بعبيده، لأنّه
مسؤول عن كلِّ واحد منهم، ولاسيّما صغار القوم فيهم هذا ما ندرسه في الفصلين
التاليين.
الفصل الثامن والثلاثون
رحمة الله تجاه الصغار
بعد أن توقّقنا عند رحمة الله في اللغة والنصوص، عند حنان الرب ورأفته، نتعرّف إلى
رحمة الله تجاه الصغار، صغار القوم. من فقراء وغرباء، من يتامى وأرامل. تجاه كل
الذين يعيشون بشكل أو بآخر على هامش المجتمع.
يُروى عن يسيب، ابن كارت، ملك أوغاريت (رأس شمرا)، أنّه طلب من أبيه أن يستقيل،
لأنّه لا يقوم بواجباته كملك. وما هي هذه الواجبات؟ "لم تقض قضاء الأرملة، لم تُنصف
المسكين، لم تطرد الذين يعرّون المسكين، لم تطعم اليتيم أمامك، لم تكن أخًا للمريض
ورفيقه على سرير الألم".
إذا كان الملك هو "قائم مقام" الله على الأرض، سواء في الشرق القديم بشكل عام وفي
اسرائيل بشكل خاص، فواجبات الله هي ثلاث: يهتمّ بالضيف والغريب. يهتمّ باليتيم
والأرملة. يهتمّ بالضعفاء والمرضى والمساكين. ولماذا؟ لأنّه الله، ولأنَّ قلبه مليء
بالرحمة تجاه خلائقه.
1- الضيف والغريب
كيف نعرف اهتمام الله بالضيف والغريب؟ حين نسمع وصاياه من أجل شعبه. "إذا نزل بكم
غريب وأراد أن يصنع فصحًا للربّ فليُختتن فيصير كالصريح في الأرض" (خر 12: 48).
شريعة واحدة تكون للصريح والدخيل (آ 49). لا تمييز بين ذاك الذي وُلد في الأرض،
وذاك الذين "تهجّر" من أرضه فصار غريبًا في أرضك. والوصيّة واضحة بالنسبة إلى
السبت: ترتاح أنت، ويرتاح "نزيلك الذي يقيم في مدنك" (20: 11). الكلمة العبريّة
المستعملة هي "جر" وهي قريبة من العربيّة "جاور"، أقام قرب مسكنه. والجار هو
المستجير أي الذي يطلب إغاثة لأنّه ضعيف ولا سند له. "ج ر" هو الأجنبيّ والغريب. هو
الشخص الذي يعيش بعيدًا عن أهله وأرضه. وهو يقابل "الصريح"، أي المولود في مكان لم
يُقتلع منه (ازرح في العبريّة).
ويتابع سفر الخروج فيقول: "لا تظلم الغريب ولا تضايقه" (22: 20). ثم يقول: "لا
تضايق الغريب" (9:32). والسبب: "كنتم غرباء في أرض مصر... أنتم تعلمون نفسيّة
الغريب". فكما أنَّ الربّ اهتمّ بشعبه يوم كانوا غرباء في مصر، هكذا يهتمّ المؤمن
بكل غريب يقيم في جواره، فيدلّ على عناية الله بالغرباء.
ولن يكون الاهتمام بالغريب سلبيًا فحسب. لا يكتفي المؤمن بأن لا يسيء إليه، بل
يعامله بالرحمة. فالغريب أساسًا هو فقير. ونحن نقرأ في سفر اللاويين: "إذا حصدتم
حصيد أرضكم، فلا تستقص إلى أطراف حقلك في الحصاد، ونثار حصيدك لا تلقطه. ولا تعد
إلى خصاصة كرمك، ونثار كرمك لا تلقطه، بل اترك ذلك للمسكين والغريب" (19: 9-10).
أنا الربّ آمرك بهذا. وأنا أعطيتك هذه الأرض، وأنا أطلب منك أن تعطي، "فأنتم غرباء
ونزلاء عندي" (25: 23) يقول الربّ. أعاملكم كما تعاملون الغريب.
وسيخطو سفر التثنية خطوة فيدعو إلى محبّة الغريب. "أحبّوا الغريب، فإنّكم كنتم
غرباء في مصر" (19:10). والله يسمّي نفسه "مُحبّ الغريب" الذي "يرزقه طعامًا
وكسوة"، و"قاضي حقّ اليتيم والأرملة" (18:10). نجد هنا كلمة "اهب" أيّ أحبّ. الله
يحبّ، والانسان يحبّ مثله. وهذه المحبّة نعبّر عنها بالمشاركة في خيرات الأرض (24:
19-22)، بالمشاركة في الفرح. "إفرح بجميع الخير الذي أعطاه الرّبّ إلهك لك وبيتك،
أنت واللاوي والغريب" (26: 11).
ويكون صوت الأنبياء امتدادًا لما قرأناه في أسفار موسى الخمسة. ندَّد حزقيال بشعبه
فقال: "يهينون الأب والأمّ، يعاملون الغريب بالظلم، يضطهدون اليتيم والأرملة" (22:
7). وهدّد بالعقاب. وقال الله بلسان زكريا: "لا تظلموا الأرملة واليتيم والغريب
والمسكين، ولا يفكّر واحدكم على الآخر بالشرّ" (7: 10). فكما لا يرضى الله عن شرّ
يتمّ داخل شعبه، هو لا يرضى عن ظلم يسيء إلى هذه الفئات المقهورة في العالم. فهو
الإله الرحوم. وقد ربط معاملة الغريب بمخافة المؤمن له (ملا 3: 5).
2- اليتيم والأرملة
حين نعلم وضع اليتيم والأرملة في مجتمع لا يقدّر المرأة قدرها ويعتبر الولد ملكًا
لوالده، نفهم اهتمام الله بهاتين الفئتين، وذلك في خطّ ما نعرفه في الشرق القديم.
فالالاهة ننشي "تعرف اليتيم والأرملة، تعرف ظلم الانسان للانسان. ننشي هي أم اليتيم
والتي تعتني بالأرملة. تُحقّ حقّ الفقير، وهي الملكة التي تجتذب المهجّر إلى حضنها
وعندها يجد الضعيف ملجأ".
في النصوص القديمة عامّة، وفي التوراة خاصّة، يترافق اليتيم مع الأرملة. يقول
الربُّ في قانون العهد: "لا تسئ إلى أرملة ولا يتيم. فإن أسأت إليهما وصرخا إليّ،
أسمع صراخهما فيشتدّ غضبي" (خر 22: 21-22). غضبُ الله هو رفضه لوضع مؤلم. وكما سمع
صراخ شعبه المعذّب في أرض مصر، هو يسمع اليتيم والأرملة، فيتصرّف كالزوج بالنسبة
إلى امرأته والأب بالنسبة إلى ابنه.
ويتوقّف سفر التثنية مطوّلاً عند حقّ هاتَين الفئَتين المقهورَتين، كما يهتمّ
بالغريب والفقير. فعلى المؤمن أن يعشِّر أمواله، ويكون هذا العشر "للغريب واليتيم
والأرملة الذين في مدنكم، فيأكلون ويشبعون فيبارككم الربّ إلهكم في جميع ما تعملون"
(14-29). وعندما يأتي العيد، ويعمّ الفرح دياركم، فلا تنسوا "الغريب واليتيم
والأرملة" (16: 11، 14).
وترد وصيّة تعود بالمؤمن إلى أيام العبوديّة والضيق في أرض مصر. "لا تحرّف حكم غريب
ولا يتيم، ولا ترتهن ثوب أرملة (أي تأخذ لها آخر ما لها، ثوبها الذي على جسدها).
وأذكر أنّك كنت عبدًا في مصر وفداك الربُّ إلهك من هناك" (17:24-18). ويتابع النصّ
مشدّدًا على إشراك هذه الفئات المسحوقة في خيرات الأرض. "إذا حصدت حصادك في حقلك
فنسيت حزمة في الحقل، فلا ترجع لتأخذها. دعها للغريب واليتيم والأرملة. فيباركك
الربّ إلهك في جميع أعمال يديك. وإذا خبطت زيتونك، فلا تراجع ما بقي في الأغصان،
دعه للغريب واليتيم والأرملة. وإذا قطفت كرمك، فلا ترجع إلى قطفه مرّة بعد مرّة.
دعه للغريب واليتيم والأرملة" (24: 21). وهكذا تصل بركة الله من خلالك إلى الذين
اقتلعوا من أرضهم أو من بين أهلهم. فشأن اليتيم والأرملة كشأن الغريب، والربّ يهتمّ
بهم جميعًا.
ونسمع الأصوات النبويّة. يهتف أشعيا (17:1): "تعلّموا الإحسان واطلبوا العدل.
أغيثوا المظلوم، وأنصفوا اليتيم، وحاموا عن الأرملة". ويتابع مندّدًا بشعبه: "لا
ينصفون اليتيم بشيء، ولا تصل إليهم دعوى الأرملة" (23:1). لهذا، "لا يرحم الله
أيتامهم وأراملهم" (9: 16). هنا نتذكّر كلام الانجيل: "كونوا رحومين كما أنّ أباكم
رحيم". أو: "إن لم تغفروا، فأبوكم السماوي لا يغفر". ويقول إرميا (28:5): "لا
يحكمون بالعدل في دعوى اليتيم، ولا يقضون للمساكين بالحقّ". ويناديهم: "أصلحوا
طرقكم... لا تجوروا على الغريب واليتيم والأرملة، ولا تسفكوا الدم البريء" (7: 6،
رج 22: 3). الجور على اليتيم يساوي سفك الدم البريء. ويرفع هوشع صلاته إلى الربّ في
ضيق شعبه: "فيك أيُّها الربّ يجد اليتيم رحمة" (14: 4).
وترد صلوات المزامير فتحدّثنا عن الله الذي يأتي لمساعدة اليتيم (14:10). نطلب منه
أن "يُنصف اليتيم والمقهور" (آ 18). فالله هو "أبو اليتامى ومعين الأرامل". (68: 6)
مع أنّه الربّ الاله المتعالي فوق البشر. وفي 146: 6-9 يعلن المرنِّم صفات الله:
ينصف المظلومين، يرزق الخبز للجياع، يُطلق الأسرى، يحرس الغرباء، يعين الأيتام
والأرامل.
3- الضعفاء والمساكين
الاهتمام بالمساكين هو صفة من صفات الله. فالربّ وحده هو راعي شعبه، وإنّ رعاه
الملك فباسمه. وبهذه الصفة، هو يدافع عن المساكين ويطلب من المقتدرين أن يتصرّفوا
على مثال الله.
أ- الله يدافع عن المساكين
نقرأ أوّلاً تث 10: 17-18: "الربّ إلهكم هو إله الآلهة وربّ الأرباب، الإله العظيم
الجبّار الذي لا يحابي ولا يرتشي. يحكم لليتيم والأرملة، ويحبّ الغريب". فالله، في
تساميه وتعاليه، يؤمّن العدالة للبشر. هو بعيد عن قاض يُشرى ويُباع. وتدخّله يخدم
ثلاث فئات من الناس: الأرملة، اليتيم، الغريب. أي الضعفاء الذين ليس لهم من يدافع
عنهم. هم لا يستحّقون هذا الاهتمام، ولكنَّ الربّ المحبّ يفعل، والمحبّة هي عطاء.
الله يرى في ممارسته للعدالة، فعلَ محبّة تجاه المحرومين.
وينشد مز 76 الربّ بصفته القاضي الذي "يقضي" للناس، ولاسيّما لمساكين شعبه. ويبارك
مز 103: 6 الربّ الذي يُنصف المسحوقين. ويعلن المرنّم: "أعرف أنَّ الرب يحكم
للمساكين ويُعطي البائسين حقّهم". فالمسكين يعرف أنَّ حماه في الله لأنّه مسكين.
والقضاء الإلهي الذي ينتظره يجعل حقّه يتغلّب على ظالميه.
وفي مز 9، يتحدّث المرنّم عن "خصومه" الذين يطلبون حياته. "الرب يجلس إلى الأبد،
وللقضاء ثبّت عرشه ليقضي للعالم بالعدل ويدين الأمم بالاستقامة. الربّ ملجأ
المقهورين، ملجأهم في يوم الضيق... ينتقم ممَّن يسفك الدماء، ويذكر ولا ينسى صراخ
المساكين... البائسون لا يُنسون أبدًا، ورجاء المساكين لا يخيب" (آ 8-19).
بما أنّ الربّ ملك، فعليه أن يقيم العدل. لهذا، فهو لا يستطيع أن يترك الأقوياء
والأشرار يُرهقون الضعفاء. إنّه يسحق المضايقين، ويُنصف اليتيم والفقير والضعيف
والبائس. لهذا، حين يحسّ المؤمن بضعفه، يرفع صراخه إلى ربّه. "أنصفني يا الله من
قوم لا يرحمون، ومن أهل المكر والجور نجّني" (43: 1). "خلصني باسمك يا الله،
وبجبروتك أحسن إليّ" (3:45). وإذ ينتظر المرتّل تدخّل الله الخلاصيّ، يحتمي وراء
ضعفه ومسكنته. "أنا مسكين وبائس، لكنك يا ربّ تهتمّ بي. نصيري ومنقذي أنت، فلا
تتأخّر يا إلهي" (8:40). وفي 10:35 ينشد: "عظامي جميعها تقول: من مثلك أيّها الربّ
ينقذ المساكين البائسين من سالبيهم الأقوى منهم".
حين يُدشِّن الله ملكه في أورشليم، يهتمّ اهتمامًا خاصًا بالضعفاء والمرضى
والمتعبين، وهكذا يدلّ على أنّه راعي شعبه. "ها هو الربّ إلهكم آت وذراعه قاضية.
يرعى قطعانه كالراعي ويجمع صغارها بذراعه ويحملها حملاً في حضنه ويقود مرضعاتها على
مهل" (أش 40: 9- 11). في هذا المجال نقرأ حز 34: "في مرعى صالح أرعاها... هناك تربض
في حظيرة صالحة، وترعى في مرعى خصيب. أنا أرعى غنمي، وأنا أعيدها إلى حظيرتها،
فأبحث عن المفقودة وأردّ الشاردة وأجبر المكسورة وأقويّ الضعيفة" (آ 14-16). وفي
هذا الخطّ يقول مي 4: 6-7: "ألمّ المشّردين، أجعل العرج يمشون والجياع أمّة عظيمة،
فيملك الربّ في جبل صهيون من الآن إلى الأبد".
إنّ مجيء الربّ يتمّ في نهاية الأزمنة عبر قدرته وسلطانه، وهو ينتصر على "أعدائه"،
على الذين يضايقون شعبه ومساكينه. وسيكون انتصاره دلالة على حنانه ورحمته تجاه
الضعفاء والمرضى. لهذا يهتف النبي أشعيا (35: 1-10): "ستفرح البرّية والبادية،
ويبتهج القفر ويُزهر كالنرجس، يُزهر إزهارًا، ويبتهج ويترنّم طربًا... يرى كلّ بشر
مجد الله وبهاء الربّ إلهنا. شدّوا الأيدي المسترخية وثبّتوا الركب المرتجفة. قولوا
لمن فزعت قلوبهم: تشدّدوا ولا تخافوا! ها إلهكم آت لخلاصكم... عيون العُمي تنفتح
وكذلك آذان الصمّ، ويقفز الأعرج كالغزال ويترنّم لسان الأبكم... يكون هناك طريق
سالكة... يسير فيها المخلّصون والذين فداهم الربّ".
إنَّ ساعة تدخّل الربّ ترى فرح المتألّمين، أولئك الذين طلبوا ماء وما من ماء
(17:41). ويُعلن ف 61 البشرى للمساكين فيقول: "ستمتلكون في الأرض مضاعفًا ويكون
فرحكم مؤبدًا. فأنا الربّ أحبّ العدل وأبغض الاختلاس والظلم... فكما الأرض تخرج
نباتها والحقلة تُنبت زرعها، كذلك الربّ ينبت العدل فيتمجّد أمام جميع الأمم" (آ 7-
11).
ب- الله يطلب منّا الاهتمام بالمساكين
على كلّ مؤمن واجبات تجاه الضعفاء والمساكين، وعليه أن يؤدّي حسابًا أمام ذلك الذي
يعتبر نفسه المدافع عن البؤساء. نقرأ في خر 22: 20-26، تحذيرًا من ظلم الغريب، من
مضايقة اليتيم والأرملة. ويتابع النصّ مقدّمًا أمورًا عمليّة: "إن أقرضت مالاً
لمسكين من شعبي، فلا تعامله كالمرابي ولا تفرض عليه ربى. وإذا استرهنت ثوب قريبك،
فعند مغيب الشمس تردّه إليه، لأنّه كساؤه الوحيد، كساء جسده، ففي أي شيء ينام؟ إن
صرخ إليّ استجبت له لأني حنون".
الغريب والأرملة واليتيم والمسكين يُدفعون دفعًا إلى الاقتراض. ولكنَّ الله يحميهم
ويتدخّل إذا ظلمهم أحد. والسبب ليس صلاحهم. بل لأنّه حنون. وسيشدّد سفر التثنية على
واجب تأمين الضروريّ للمحتاج. فمن لم يلبّ هذه الحاجة، كانت خطيئته عظيمة. ومن
أعطاهم، حلّت عليه بركة الله. فالأرض لا تخلو من محتاج. "لا تقسّوا قلوبكم ولا
تبخلوا على أخوتكم المحتاجين فيما بينكم. بل افتحوا لهم أيديكم وأقرضوهم مقدار ما
يعوزهم... لذلك آمركم اليوم أن تفتحوا أيديكم لإخوتكم المساكين المحتاجين الذين في
أرضكم" (7:15- 11). هنا نتذكّر كلام الربّ في إنجيل القديس لوقا (6: 38): "أعطوا
تُعطوا (أي: يعطيكم الله): كيلاً ملآنًا مكبوسًا مهزوزًا فائضًا تُعطون في أحضانكم،
لأنّه بالكيل الذين تكيلون يكال لكم". بمقدار ما تعطون يعطيكم الله.
وفي تث 24: 14-15 نقرأ عن المسكين الأجير: "لا تهضم أجرة مسكين ولا بائس... بل ادفع
إليه اجرته في يومه قبل أن تغيب الشمس عليها، لأنّه مسكين وبها يعول نفسه، لئلا
يدعو عليك إلى الربّ فتكون عليك خطيئة". وإذا أردتم أن تكونوا قديسين كما أنّ الله
قدوس، لا تظلموا أحدًا، ولا تسلبوه، ولا تحتفظوا بأجرة الأجير عندكم إلى الغد (لا
19: 13). وسيكون كلام القدّيس يعقوب في رسالته امتدادًا لهذه الوصيّة: "والأجور
المستحقّة للعمّال الذين حصدوا حقولكم التي سلبتموها يرتفع صياحها، وصراخ الحصّادين
وصل إلى مسامع ربّ الجنود" (5: 4).
وهذا الواجب المفروض على الجميع تجاه المساكين والضعفاء، مفروض بالأحرى على الملك
وعلى كلّ صاحب سلطان. قال إر 12:21: "يا بيت داود، أحكموا بالعدل كلّ صباح. وأنقذوا
المظلوم من يد الظالم، لئلاّ يتفجّر غضبي كالنار جزاء شرِّ أعمالكم". وفي 22: 3:
"أحكموا بالعدل، وأنقذوا المظلوم من يد الظالم، ولا تضطهدوا الغريب واليتيم
والأرملة، لا تجوروا عليهم". وقال أشعيا (1: 23): "حكّامك قوم متمرّدون وشركاء
لقطّاع الطرق. كلّهم يحب الرشوة ويسعى وراء الربح". وفي 3: 14-15: "الربّ يدعو إلى
المحاكمة شيوخ شعبه ورؤساءهم فيقول: أنتم الذين نهبتم الكروم وسلبتم المساكين
وملأتم بيوتكم. ما بالكم تسحقون شعبي وتطحنون وجوه البائسين"؟
وتجاه توبيخ الأنبياء، نجد صلاة المزامير وفيها يوجّه الله كلامه إلى رؤساء شعبه:
"إلى متى تقضون بالجور وتنحازون إلى الأشرار؟ أحكموا للذليل واليتيم، وأنصفوا
المسكين والفقير. أنقذوا الوضيع والبائس، ونجوّهما من أيدي الأشرار" (82: 3- 4).
خاتمة
ذاك هو اهتمام الله بشعبه، ولاسيّما بالوضعاء والمساكين. هو الذي سمع صراخ الذين
كانوا عبيدًا، ما زال يسمع صراخ المتألّمين في أي وضع وُجدوا. وسبب تدخّله هو في
الدرجة الأولى رحمته، لا برّ هؤلاء الناس ولا أعمالهم الصالحة. فلا غريب لدى الله،
وكلّ إنسان على صورته. ولا يتيم لأنّه هو أبو اليتامى. ولا أرملة ولا فقير، فهو من
يعولهم جميعًا. فليس لهم أن يخافوا. هكذا بدت رحمة الله تجاه حاجات الجسد من طعام
وشراب ولباس وبحث عن راحة وفرح وحريّة. ولكنّ رحمة الله ستكون أسطع ظهورًا تجاه
حاجات النفس، تجاه الخطيئة وما يلحقها من عقاب. إنّه الإله الذي يغفر ويسامح، الاله
الذي يرحم ويتحنّن.
الفصل التاسع والثلاثون
رحمة الله تجاه الخطأة
من العبارات التي تتردّد مرارًا في التوراة، تلك التي تعلن الله ذاك الرحيم الحنون
الذي يغفر الإثم والمعصية والخطيئة. أجل، الله هو الذي يغفر خطايا شعبه، يغفر خطايا
الأمم الوثنيّة، يغفر خطيئة الشعوب كما يغفر خطيئة الأفراد. إنه إله الرحمة.
1- الله وخطيئة شعبه
الخطيئة الكبرى التي عرفها الشعب العبرانيّ في البريّة هي عبادة العجل الذهبيّ.
يروي كاتب سفر الخروج أنَّ موسى أبطأ على الجبل، فاشتاق الشعب إلى آلهة يرونها
بعيونهم، فصنع لهم هارون ذاك العجل، أو بالأحرى هو الثور "أبيس" الذي عرفوه في مصر،
بانتظار أن يعرفوه في كنعان مع الاله بعل. بكّروا في الصباح وأصعدوا محرقات وقدّموا
ذبائح سلامة وجلسوا يأكلون ويشربون، ثمّ قاموا يمرحون (32: 6). هكذا فسد الشعب وترك
إلهه. ومن ترك الوصيّة الأولى اعتُبر وكأنَّه ترك سائر الوصايا.
كانت ردّة الفعل الأولى لدى الربّ الغضب. "دع غضبي يشتدّ عليهم فأفنيهم وأجعلك أنت
أمّة عظيمة. هم شعب قساة الرقاب" (32: 9-10). الله الكليّ القداسة يرفض الخطيئة.
هذا هو معنى الغضب. الله الكليّ الأمانة لا يتحمّل خيانة شعبه الذي يرفض "نير"
الوصايا. فالنير يوجّه الحيوان في خطّ رسمَه له صاحبُه. والوصايا هي طريق العيش
بحسب وصايا الله. ولكنّ الشعب يعاند ويرفض نير الوصايا.
أراد الربّ أن يرذل شعبه ويبدأ مع موسى من جديد مغامرة أخرى: أراد أن يختار له
شعبًا آخر. فتضرّع موسى إلى الربّ وذكّره بالأسباب التي تدعوه إلى عدم التراجع عن
مشروعه. الأول: أنت أخرجتهم وأظهرت قدرتك العظيمة. الثاني: ماذا سوف يقول المصريون
إنّ تراجع الله؟ أخرجهم ليفنيهم! إله خيّر! السبب الثالث: أين وعدُ الله لابراهيم
واسحاق ويعقوب بنسل كبير وأرض جميلة؟ "إرجع عن شدّة غضبك، وعُدْ عن الاساءة إلى
شعبك" (32: 12). فعاد الربّ عن السوء الذي قال إنّه سينزله بشعبه. وكان ظهور آخر
للربّ أعلن فيه أنّه بطيء عن الغضب، يحفظ الرحمة لألوف الأجيال ويغفر الاثم
والمعصية والخطيئة (34: 6-7).
وستتكرّر عبادة العجل الذهبيّ خلال الدخول إلى كنعان، ولاسيّما مع الملك يربعام
الذي فصل الشمال عن الجنوب وصنع لشعبه عجلين، واحدًا في دان وآخر في بيت إيل (1 مل
12: 30). وستكون نهاية مملكته الدمار على يد الأشوريين سنة 721. وسيقول الكاتب إنّ
سبب هذا العقاب هو عبادة الآلهة الأخرى والسلوك في الطرق الرديئة التي رسمها ملوك
اسرائيل (2 مل 17: 7-8). أنذر الربّ شعبه... فلم يسمعوا، بل عاندوا ورفضوا وتركوا
وصايا الربّ... وفي النهاية كان المنفى. فيا ليت مملكة الجنوب تتعلّم (13:17-20)!
وسقطت أورشليم هي أيضًا في يد البابليين (587 ق م) عقابًا لها على خطيئتها. ولكنَّ
الربّ عاد فرحمها. في هذا المجال نقرأ صلاة عزرا الكاهن باسم شعبه: "تجبّروا هم
وآباؤنا وعاندوك ولم يطيعوا أوامرك... ولكنك إله غفور حنون، بطيء الغضب، كثير
الرحمة، فما أهملتهم" (نح 9: 17). ويتابع صلاته: صنعوا عجلاً... "ولكنك بمراحمك
الكثيرة لم تُهملهم في البرّية" (آ 19).
وذكر عزرا حقبة القضاة والملوك، حيث كانت مراحم الله هي التي تخلّص الشعب. "تابوا
وصرخوا إليك، فاستجبت لهم من السماء ونجيّتهم مرارًا لكثرة رحمتك" (آ 28). وفي
النهاية، وبعد الذهاب إلى المنفى الذي اعتُبر العقاب الأخير بالنسبة إلى شعب الله،
قال عزرا: "ولكنّك لكثرة مراحمك لم تقتلهم ولم تهملهم لأنّك إله حنون رجم" (آ 31).
رحمة الله حاضرة دومًا، ولكنها تطلب جوابًا من الانسان في التوبة والعودة عن الشرّ
الذي يفعله الانسان، جوابًا يكون في الاقرار بالخطايا. والخلاص الماديّ الذي يمنحه
الله هو صورة عن خلاص آخر. كما أنَّ العقاب الماديّ هو صورة عن عقاب الله الذي هو
الموت. ولكنَّ الله ليس إله الموت بل إله الحياة، لهذا أعاد خلق شعبه بعد أن كاد
يموت. هذا هو معنى الصورة التي رسمها حزقيال: شعب الله هو مثل العظام اليابسة. "قال
السيّد الربّ لهذه العظام: سأدخل فيك روحًا فتحيين. أجعل عليك عصبًا وأكسيك لحمًا
وأبسط عليك جلدًا وأنفخ فيك روحًا، فتحيين وتعلمين أني أنا هو الربّ" (37: 5-6).
مسيرة الشعب هذه مع الله الذي يبقى الاله الأمين، الذي يغفر ويعود إلى شعبه، نقرأها
بشكل خاصّ في المزامير. ففي مز 78 يبدأ المرنّم فيقابل بين أعمال الله العظيمة
وممارسة الشريعة، ويدعو المؤمنين أن لا يتشبّهوا بآبائهم حين عاندوا الربّ. في
القسم الأول، يشدّد على خبرة الاقامة في البريّة. "عادوا يخطأون إليه، ويتمرّدون
على العليّ في القفر" (آ 17). غضبَ الربّ، ولكنَّ غضبه كان يتحوّل عطاء وبركة:
المياه والمن والسلوى. "هو رحوم يكفّر عن الاثم ولا يريد هلاك أحد. يكثر من ردّ
غضبه ولا يثير كلّ سخطه. يذكر أنّهم بشر، ريح عابرة لا تعود" (آ 38-39). لو أراد
الربّ أن يقسو لفَني شعبه. ولكنَّه يعرف ضعفهم، ولا يترك مجالاً لكلّ غضبه وإن كان
يعاقب ساعة يجب العقاب.
وفي القسم الثاني من مز 78، نسمع مقاومة الشعب بعد أن أقام في أرض كنعان. لقد نسوا
أيضًا أعمال الله العظيمة. نسوا أنّهم امتلكوا الارض بفعل مجّانيّ من قبل الله.
فوجب عليهم أن يردّوا جميله، أن يطيعوه ويخضعوا لوصاياه. فهل تتغلّب خيانتهم على
أمانة الله؟ كلا.
ويعود المرنّم فيتذكّر من جهة، الله الأمين لميثاقه مع ابراهيم. نزل شعبه إلى مصر
فكان معه. وصعد الشعب من مصر فصعد الله معه، وكلّ ما طلبه هو أن يكون أمينًا
لشريعته (مز 105). كما يتذكّر من جهة ثانية خطايا الشعب كردّ على عطايا الربّ. ها
هو تائب وهو يقرّ بخطيئته رغم عناده وعصيانه المتكرّر. لهذا ينتهي مز 106 بما يلي:
"كثيرًا ما أنقذهم فاستمرّوا على عصيانهم وهلكوا في ذنوبهم. لكنَّه رأى ضيقهم عند
سماعه صراخهم. فذكر عهده وندم لكثرة رحمته. أبدى لهم رأفته أمام الذين سبوهم" (آ
43-46). هذا هو الله بالنسبة إلى شعب اسرائيل: إله الرحمة، إله الرأفة. فماذا يكون
بالنسبة إلى الأمم الوثنية؟
2- الله والأمم الوثنيّة
إعتبر الشعب العبراني أن الشعوب الوثنيّة تستحقّ عقاب الله، لا رحمته، لأنّها تعبد
الأصنام. وأعظم مثال على هذا الوضع هو سفر الحكمة الذي أعاد قراءة سفر الخروج وأظهر
أنّ كلّ خير هو للشعب العبراني لأنّه عبدَ الاله الواحد. أمّا المصريون فلا ينالون
إلاّ عقاب الله. "عذّبت يا رب أولئك الكافرين بك والجاحدين معرفتك، بقوّة ذراعك.
فأنزلت عليهم سيولاً وبرَدًا، وأمطارًا لا عهد لهم بها، ونارًا آكلة" (16: 16).
"أمّا شعبك أيُّها الرب، فبدلاً من ذلك أعطيتهم طعام الملائكة" (آ 20).
ولكنَّ الكتاب المقدَّس سوف يبدّل هذه النظرة، فيطلب من العبرانيّ أن يحترم
العمونيّ والموآبيّ بعد أنّ اعتبرهما أولاد زنى. نقرأ في سفر التثنية (23: 8): "لا
تمقتوا الأدوميّين لأنّهم إخوتكم... ومن يُولد من ذرّيتهم يدخل في جماعة الربّ".
هذا ما طلبه الربّ من شعبه، وهو الذي أراد أن يدافع عن أدوم ضدّ مضايقات بني موآب:
"بما أنّهم أحرقوا عظام ملك أدوم حتّى صارت كلسًا، حكمتُ عليهم حكمًا لا رجوع عنه"
(عا 2: 1).
وهناك المصريّ الذي عنده عرف شعب الله العبوديّة، كما عرف تهديدًا بالفناء حين أمر
الفرعون بقتل جميع الذكور المولودين حديثًا (خر 1: 16). قال سفر التثنية: "لا
تكرهوا المصريّين لأنّكم كنتم ضيوفًا في ديارهم" (8:23).
هذا الاله عاقب ولاشكّ المصريين لأنّهم اضطهدوا شعبه. إلاّ أنّه عاقبهم لكي يدعوهم
إلى التوبة. ففي ضربات مصر العشر الشهيرة، كان الربّ يعود مرارًا عن الضربة، علّ
الفرعون يعود عن خطأه ويعرف الربّ. مثلاً، بعد ضربة الضفادع (خر 8: 1-16)، طلب
فرعون من موسى وهارون أن يتشفّعا إلى الله من أجله. وعدَ موسى بذلك "ليعرف أنَّ
الربّ الإله لا نظير له" (آ 6). ولكن ما إن جاء الفرج وتوقّفت الضربة حتى عاد فرعون
"وقسَّى قلبه ولم يسمع لهما" (آ 11). وسيطيل الله روحه مع فرعون حتى الضربة
العاشرة، قبل أن يترك الشعب يذهب إلى البريّة لعبادة الله (خر 12: 31).
وهناك نصّ ثورويّ يبدّل الأمور كليًّا، لا بالنسبة إلى مصر فقط، بل بالنسبة إلى
أشور أيضًا. والمرحلة التي مرّ فيها الشعب العبرانيّ سيمرُّ فيها الشعب المصريّ.
قال أشعيا (19: 16): "في ذلك اليوم يرتعد المصريون ويرتجفون من يد الربّ المرفوعة
عليهم". تلك كانت خبرة شعب الله في سيناء، بحيث قالوا لموسى: "كلّمنا أنت بنفسك
فنسمع، لئلا نموت إذا ظلَّ الله يخاطبنا" (خر 20: 19). على أنّه يكون للمصريّين
مذبح لله. وإذا صرخوا إليه كما صرخ إليه العبرانيون، فإنّه يستجيب لهم (أش 19:
19-23). "الربّ يشفي المصريّيِن حين يرجعون إليه ويستجيب لهم". يكفي أن تظهر
التوبة، لكي تسطع مفاعيل رحمة الله تجاه المصريّين، بل تجاه الأشوريّين الذين
عُرفوا بشرورهم في الشرق. لهذا يقول أش 19: 25 بلسان الله: "مبارك شعبي مصر (مصر هي
شعب الله). أشور صنعة يدي (الله كوّن أشور بيديه بمحبّة كما جبل الانسان في بدء
الخليقة). وبنو اسرائيل ميراثي".
هل استحقّت مصر هذه النعمة، هل استحقّت أشور هذه اللفتة؟ كلا. يكفي أنَّ المصريّين
"صرخوا إلى الربّ في ضيقهم، فأرسل إليهم مخلّصًا ومحاميًا فينقذهم" (أش 19: 20).
كما أنّ الله هو أبو اسرائيل، فهو أيضًا أبو مصر وأشور وسائر الشعوب، وهو يدافع عن
كلّ ضعيف تجاه الأقوياء الظالمين.
غير أنّ التعليم الأعمق نجده في سفر يونان الذي هو قصّة تقويّة دوِّنت ساعة انغلق
العبرانيون على نفوسهم واعتبروا أنَّهم وحدهم الشعب المقدَّس. وحدهم أرسل الله
إليهم أنبياء. فكانت قصّة يونان ذاك النبيّ المتزمّت الذي أرسله الله إلى شعب وثنيّ
وشرّير، فرفض وتوجَّه في الجهة المعاكسة. ذهب إلى أقصى الغرب، إلى ترشيش. ولكنَّ
الربّ أعاده وأرسله إلى الشرق. هو ما أراد أن يذهب، لأنّه علم أنَّ الله يغفر.
فلماذا يُتعب نفسه؟ هذا ما قاله للربّ بعد أن صفح عن نينوى، المدينة الخاطئة. "قلتُ
وأنا بعد في بلادي إنَّك تفعل مثل هذا" (يون 4: 2).
تأكّد يونان أنَّ الله كثير الرحمة ونادم على فعل الشّر. ولكنّه تردّد: ربّما
سيعاقب هذه المدينة التي زرعت الأرض قتلاً ودمارًا! ولكنّ الله لم يتبدَّل: هو
الاله "الحنون والرحوم والطويل البال". هدّد يونان بأن المدينة ستدمَّر، واعتبر أنّ
عليه أن ينتظر فقط أربعين يومًا. ولكن مضت الأربعون يومًا، ولم يحدث شيء لنينوى،
والسبب هو أنّ سكان المدينة تابوا إلى الربّ: نادوا بصوم، ولبسوا مسوحًا، وصرخوا
إلى الله بشدّة. وترجّوا أن يرجع الله ويندم. فرجع الربّ وندم ولم يفعل، لم يدمِّر
المدينة. فيا ليت أورشليم تعلّمت من نينوى وتابت. لو فعلت لما كان لحقها الدمار
الذي لحقها سنة 587 ق م.
الله يرحم شعبه ويرحب الأمم الوثنيّة. خلقَ الأكوان والشعوب، وهو يهتمّ بالجميع
ويهمّه أمر الجميع. ولكن أتراه لا يهتمّ بالأفراد أيضًا؟ بلى. إذا كان قد جبل
الانسان، كلّ إنسان بيديه، فهو يريد حياة كلّ إنسان. وإذا كان يونان تأسّف على موت
يقطينة لم يتعب فيها ولا ربّاها، أترى الله لا يهتمّ بسكان نينوى الكثيرين، أتراه
لا يهتمّ حتى بالبهائم؟ بل هو يهتمّ بكلِّ إنسان ويعامله برحمته وحنانه.
3- رحمة الله تجاه الأفراد
في فصل مهمّ من سفر حزقيال، يشدّد النبيّ على أنّ كلّ واحد مسؤول عن أعماله. البارّ
يستحقّ الحياة، والخاطئ يستحقّ الموت. هنا نشير أنّنا على مستوى الموت الجسديّ، لا
على مستوى الهلاك الأبديّ المحفوظ للخاطئين. ولكن هذه القاعدة تشذّ إذا تاب الانسان
إلى ربِّه وبدَّل حياته: إنَّه يحيا ولا يموت (28:18). وينتهي الفصل بهذا الكلام
المشجّع: "أنبذوا جميع معاصيكم واتَّخذوا قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا. فلماذا
تريدون الموت، يا شعب اسرائيل؟ فأنا لا أسرّ بموت من يموت (بموت الخاطئ حين يموت)،
يقول السيّد الربّ، فارجعوا إليّ واحيوا" (آ 31-32). ويتابع ملاخي (7:3): "إرجعوا
إليَّ فأرجع إليكم".
في الماضي، كان الانسان عضوًا في المجتمع ولا دور خاصًا به. إنّ جاء عقاب (مرضَ،
مات، لم يكن له أولاد، إفتقر) عرف أنّه مذنب أو أنّه يكفّر عن خطيئة أجداده وآبائه.
ولهذا كان القول المأثور: "الآباء أكلوا الحصرم وأسنان البنين ضرست" (حز 18: 1).
ولكن مع إرميا وحزقيال تبدّل الوضع، وعرف الانسان أنّه يستطيع أن يعود إلى الربّ
إذا شاء، وهو يجد لدى الربّ أذنًا حنونةً وقلبًا رحيمًا.
هذا ما وجده داود بعد خطيئته المضاعفة: قتل أوريا الحثّي، أحد ضبّاط جيشه، وأخذ له
امرأته بعد أن زنى بها. جاءه النبي ناتان موبّخًا من خلاله مَثل ضربه له. فقال
الملك: "الرجل الذي صنع هذا يستوجب الموت". قال له ناتان: "أنت هو الرجل". فقال
داود: "خطئت إلى الربّ". فقالت له ناتان: "الربّ غفر خطيئتك" (2 صم 12). وجاء في
خطّ هذا الموقف مزمور شهير يُنسب إلى داود: "تحنّن عليّ يا الله في رأفتك، وبكثرة
مراحمك امحُ معاصيّ. إغسلني كثيرًا من إثمي، ومن خطيئتي طهّرني" (3:51-4). إلتجأ
داود إلى الربّ، فوجد ذاك الذي يخلق فيه قلبًا طاهرًا، ويكوّن فيه روحًا جديدًا.
ذاك الذي يحمل إليه الخلاص فيردّ له السرور (آ 13-14).
فرحمة الربّ تصل إلى الجماعات، وتصل أيضًا إلى الأفراد، لأنَّ كلّ إنسان كريم في
عينَي الرب وهو يهتمّ به اهتمامه بحدقة عينه. وهذا الايمان برحمة الله يجعل المؤمن
يرفع صلاته حين يحسّ بثقل خطيئته. هذا ما نجده بشكل خاصّ في المزامير. "في الضيق
وسّعت لي، فتحنّن واسمع صلاتي" (4: 2). "تحنّن يا رب لأني عليل، إشفني فعظامي تبلى"
(3:6). المرض هو علامة الخطيئة. فالربّ يرحم ويغفر، يشفي من الخطايا ومن أوجاع
الجسد. "تحنّن يا رب، وانظر إلى شقائي على أيدي الذين يبغضونني، أبعدني عن أبواب
الموت" (9: 14). إن مات الانسان (ولاسيّما الشاب)، فهذا يعني أنَّ الله يعاقبه على
خطاياه. ولكنّه يطلب الحياة لأنّه متأكّد من رحمة الله وحنانه. وفي مز 26 يهتف
المرتّل: "رحمتك أمام عينيّ... فافتقدني وتحنّن عليّ".
نستطيع أن نطيل هذه اللائحة من الصلوات التي تتوجّه إلى إله الرحمة. ولكنّنا نتوقّف
عند هذا القدر ونتذكّر بعض الحالات. أوّلها أخاب كان ملك السامرة وعمل الشرّ في
عيني الربّ، ولاسيّما على مستوى عبادة البعل، على مستوى العدالة (قتل نابوت وأخذ له
كرمه). هو لا يستحقّ أن يسمع كلام الله. هكذا يفكّر البشر. ولكنّ أفكار الله غير
أفكار البشر. إنّه ينتظر عودة الخاطئ إليه. لهذا أرسل إليه إيليا يوبّخه وسيقول
لنبيّه: "أرأيت كيف اتَّضع أخاب أمامي، لذلك لا أجلب الشّر على نسله في حياته" (1
مل 29:21). الشّر هو عقاب الخطيئة، وها هو الربّ يتراجع. ما الذي دفعه إلى ذلك؟
قلبه الحنون.
هذا في العالم اليهودي. وفي العالم الوثني، نجد رحمة الله تصل إلى أرملة مسكينة في
صرفت صيدا. هي خاطئة ولا تستحقّ بركة الله في ساعات الجوع العصيبة. هي خاطئة، ولهذا
اعتبرت أنَّ ابنها الصغير مات. فقالت لإيليا: "جئتني لتذكّرني بذنوبي وتُميت ابني"
(1 مل 18:17). ولكنَّ الربّ لا يربط عطاياه بسلوكنا. فهو الذي يعطي دائمًا لمن يعرف
أن يفتح كفَّه. فهو الذي يغفر دائمًا لمن يستعدّ لأن يفتح قلبه. وهكذا بارك هذه
الأرملة ومنحها طعامًا حتى أوان المطر. كما أقام لها ابنًا بواسطة نبيّه إيليا.
ووصلت رحمة الله إلى نعمان السرياني (2 مل 5). هو قائد جيش ملك أرام، وهو وثنيّ.
ومع ذلك نال رحمة الله. مرض بالبرص، وكان البُرص كثيرين في تلك الأيام. فتحنّن عليه
الربّ بعد أن أرسله أليشاع النبيّ يغتسل في الاردن