إنجيل متى، بدايات الملكوت "1 "

تقديم

إنجيل متّى، شأنه شأن سائر الأناجيل، يورد حياة يسوع وتعليمه. ولكنه يوضح بطريقته الخاصّة الكروستولوجيا الأولى، النظرة الأولى إلى شخص يسوع المسيح. فعمانوئيل الذي أوحي به ليوسف، الله الذي هو معنا، سيبقى حاضراً لدى المؤمنين حتى نهاية الأزمنة. سيبقى ذلك المعلّم الذي كان مع الجموع وتلاميذه على الأرض، وسيبقى كذلك بواسطة تلاميذه، بواسطة كنيسته التي تواصل عمله.
ويسوع هذا قد رذله اليهود، كما قالت الكتب المقدّسة، فانطلقت البشارة إلى العالم الوثني، بحيث تبدأ مع الشعب اليهودي، ولا سيّما الخراف الضالة فيه، فتصل إلى الأمم جميعاً: وهكذا يكون تلاميذ جدد يقبلون المعمودية، ويتعلّمون ويعملون بكل ما أوصاهم به يسوع.
هذا هو إنجيل متّى الذي بدأنا تفسيره في ثلاثة أجزاء. الجزء الأول سيمتد حتى الفصل التاسع ويكون عنوانه: "بدايات الملكوت". وهو يتوزّع، بعد المقدّمات، على أربع مراحل: سرّ يسوع، من العهد القديم إلى العهد الجديد، عظة الجبل، عشر معجزات. أما الأسلوب فهو ذاك الذي عرفناه في أناجيل يوحنا ولوقا ومرقس. بعد نظرة شاملة إلى كل مرحلة من المراحل، نتوقّف عند المقطوعة فندرسها على المستوى التأويلي ولا ننسى الناحية الروحيّة والرعاويّة. فكلام الله ليس فقط موضوع دراسة نقدية وتفسيريّة علميّة، وإن وجب الانطلاق من هذا المستوى في كل عمل كتابيّ. كلام الله يجب أن يصل في النهاية إلى المؤمن لكي يغذي حياته، وإلى الجماعة لكي ينعش رسالتها. فإن لبثنا على مستوى اللغة وتحليل المبنى، صار الكتاب المقدس لنا حرفاً يقتل، لا روحاً يحيي.
فإلى رفقة مع القديس متّى ندعو قرّاءنا كما ندعو ذاتنا. فنتعرّف إلى يسوع المسيح الذي هو موسى الجديد، وابن الله، وابن الإنسان، والمسيح ابن داود، وخادم الله الذي يحمل عاهاتنا، والرب الحاضر في وسط الجماعة. كما نتعرّف إلى كنيسة محدّدة من شرقنا كتب إليها الإنجيلي الأول، فنرى في كلامه نداء إلى كنائسنا لتسمع كلام يسوع كما سمعه التلاميذ الأولون وكنائس المسيح في أورشليم وبلا وأنطاكية وغيرها. فالمسيح يقودنا إلى الكنيسة، والكنيسة إلى السماء. فلا يبقى لنا إلاّ أن نغوص في هذا الإنجيل الذي تمتّع باهتمام مميّز في الكنيسة على مدى أربعة أجيال. فيا ليته ينفتح أمامنا فيصبح كل منا ذاك الكاتب الحكيم الذي يكتشف الجديد في القديم، ويوضح القديم بنور الجديد. ويصبح كل منّا ذلك القارىء الذي يقرأ نصوص الانجيل في كنيسته وجماعته، كما يتأمّل في حياة كنيسته برفقة ذلك المعلّم الذي ما زال يعلّمنا بسلطان فيدعونا إلى الدهشة. بل إلى الإيمان.
الفصل الأول
مدخل إلى إنجيل متّى

إنجيل متّى هو أول أسفار العهد الجديد، وأول إنجيل يُذكر في اللائحة القانونيّة، وقد سمّي الإنجيلي الكنسي في درجة أولى. نصوصه ترد أكثر ممّا ترد نصوص سائر الأناجيل، بل سائر أسفار العهد الجديد، في بدايات الكنيسة. منذ اكلمنضوس الأول أسقف رومة، إلى برنابا واغناطيوس الأنطاكي، إلى الديداكيه وتعليم الرسل. وفسّره الآباء من أوريجانس، إلى يوحنا الذهبيّ الفم، إلى هيلاريوس أسقف بواتييه في فرنسا، إلى ديونيسيوس الصليبي وإيشوعداد المروزي في العالم السريانيّ.
هذا هو الإنجيل الأول الذي نحاول أن نتعرّف إليه. فنتوقّف عند كاتب الكتاب، عند زمان ومكان تدوين الكتاب، عند المحيط الذي وُلد فيه.

1- كاتب إنجيل متّى
لم يوقّع الإنجيل الأول، شأنه شان سائر الأناجيل. وقد نُسب في القرن الثاني إلى الرسول متّى. مثل هذه النسبة لا تجد ما يسندها داخل نصّ الإنجيل؛ لهذا سنعود إلى ما يسمّى النقد الخارجيّ والشهادات التي تركها الآباء، قبل أن نتعرّف إلى الرسول متّى.
أ- شهادة بابياس
بعد أن تحدّث بابياس عن مرقس، قال: "إذن، هذا ما ورد في بابياس عن متّى. إذن، حول متّى قيل هذا: إذن رتب متّى الأقوال (لوغيا) في اللغة العبريّة، وكل فسرّها كما استطاع".
يرى النقّاد أن بابياس يتحدّث عن الأناجيل اليونانية التي عُرفت في أيامه (125- 130)، يتحدّث عن مت ومر. ويبدو مهتماً بـ "الترتيب" الإنجيلي. بدا إنجيل مرقس "عديم الترتيب". وشدّد بابياس على الترتيب في إنجيل متّى. بالإضافة إلى ذلك، ذكّرنا بابياس بوجود مؤلّف لمتّى في العبريّة (يعني: الآراميّة كما في يو 19: 13، 17: 20: 15 حيث الكلمات الواردة في العبريّة، قد وردت في الحقيقة في الأراميّة). قال بعضهم إن مت كتب بحسب الطريقة العبريّة، أي بحسب أسفار التوراة ولا سيما التاريخيّة منها. ولكنهم اختلفوا حول معنى لفظتَي "أقوال" (لوغيا)، "فسَّر". كما اختلفوا على السبب الذي دفع بابياس ليذكر عمل الرسول متّى بمناسبة حديثه عن الإنجيل الحاليّ.
أولاً: الأقوال- لوغيا
إن لفظة "لوغيا" تعني القول الإلهىّ، القول المأثور. أما النسخة السريانية لأوسابيوس القيصريّ (الذي نقل شهادة بابياس) فترجمت اللفظة: إنجيل. واستند بعض الشرّاح إلى هذا التفسير الأخير، فذكروا معنى هذه الكلمة في بعض نصوص العهد القديم كما تدلّ القرائن على ذلك. أما في الحاشية عن مرقس، فالكلمة ترادف "الخطب والأعمال"، لأنها تجمل هاتين اللفظتين بعد ذلك بقليل. إذن، "لوغيا" تعني "إنجيل". وهكذا يؤكّد بابياس وجود إنجيل أراميّ ألّفه الرسول متّى.
وهناك شرّاح آخرون يفضّلون أن يحتفظوا بالمعنى الأول: أقوال إلهية، أقوال مأثورة عن يسوع. ولكن إذا أردنا أن نماهي "لوغيا" (في مت) مع "أقوال وأفعال" (في الحاشية عن مر)، يجب أن ترجع العبارتان إلى كاتب واحد. ولكن الواقع هو أن "لوغيا" تنتمي إلى تفسير كتبه بابياس عن تقليد يوحنا حول "أقوال الرب وأعماله". هذا ما من جهة. ومن جهة ثانية، هناك شبه تأكيد أن الحاشية عن متّى تأتي من بابياس. كما نعرف أيضاً أن بابياس اهتمّ بشكل خاص بأقوال الرب (كتب خمسة كتب تفسير لأقوال الربّ). ينتج عن كل هذا، أن بابياس يشير لا إلى الأناجيل، بل إلى "الأقوال" كما جمعها متّى.
إذن، دلّ بابياس على وجود "مجموعة أقوال" ألّفها متّى فجاءت كالحجر الأول في إنجيله. رفض بعض الشرّاح هذا الرأي. إن بابياس يفكّر فقط في قسم من مؤلّف متّى الذي فسّره. كما أنه لا يؤكّد أن متّى انطلق من أقوال الربّ فأعطانا عملاً مرتَّباً (عكس مرقس).
ثانياً: كل فسّرها كما استطاع
الكلمة اليونانيّة هي "هرمينا"، التي تدلّ على "الترجمة" بالمعنى الحصريّ للكلمة، على نقل مكتوب لهذا المعنى يكون مقبولاً. إذا كانت "لوغيا" تدلّ على "الإنجيل، فهذا يصعب قبوله إذا كانت لوغيا تعني أقوال. وقد يعني الفعل أيضاً في المعنى الواسع: الترجوم الشفهيّ.
ويرى آخرون في فعل "هرمينا" تفسيراً وشرحاً. ويبدو هذا المعنى معقولاً في فم بابياس: فهو يصف هكذا محاولاته الخاصّة عندما يعلن أنه لم يتردّد أن يزيد على "تفاسيره" (هرمينايا) ما عرفه وحفظه من الشيوخ. قال هذا في مقطع قريب من المقطع الذي درسنا، وحيث الموضوع هو الأناجيل أيضاً.
ثالثاً: وذكر بابياس عمل الرسول
إذا كان التفسير السابق صحيحاً نستطيع أن نحدّد السبب الذي دفع بابياس ليتكلّم عن متّى. أراد بابياس أن يسند عمله إلى عمل متّى، وقابله مع المحاولات السابقة. وهكذا نستطيع أن نقرأ كلامه كما يلي: "رتّبت الأقوال بيد متّى في اللغة العبرية، وفسرّها (أي: شرحها) كل واحد كما استطاع". ويتواصل فكره: "أما أنا بابياس فسوف أشرحها مجموعة في خمسة كتب بحسب النموذج الذي أخذه متّى لكي يجمعها".
بعد هذا، نستطيع أن نستنتج أن متّى جمع أقوال الربّ في اللغة الآراميّة، أو حسب الطريقة العبريّة. ويرى بابياس أن مؤلّف الرسول يسند بسلطته الإنجيل اليوناني الذي عُرف في أيامه: هذا ما يفترضه تأكيده حول تجميع الأقوال وحول محاولات التفسير التي تلت تدوين هذه الأقوال.
ب- شهادات أخرى
ايريناوس. يبدو مرتبطاً بشهادة بابياس. وهو يوردها.
اوريجانس. يرى أن متّى العشّار الذي صار رسول يسوع المسيح، كان أوَّل من كتب. وقد كتب لليهود الذين ارتدّوا إلى الإيمان.
ترتليانس. جعل متّى ويوحنا على ذات الدرجة الرسوليّة، عكس مرقس ولوقا.
وهكذا انضمّ تقليد آسية الصغرى إلى تقليد مصر وأفريقيا، فقدّم لنا امتداداً كافياً لئلا نحسب أن شهادة بابياس قد كُتبت على سبيل الدفاع فقط، كما قال بعض النقّاد. أجل، التقليد الخارجيّ يحدّثنا عن متّى الرسول ككاتب الإنجيل الأول.
ج- معطيات النقد الداخليّ
أولاً: ما يقوله التقليد
يتيح لنا التفحّص النقديّ للإنجيل الأول بأن نحدّد موقع ما قاله التقليد. نترك جانباً بعض البراهين "الرديئة" المأخوذة من طبيعة مت. هل يستطيع شاهد عيان أن يدوّن مؤلّفاً لا يعكس إلا قليلاً "الصور" التي رأيناها عند مر؟ نجيب على هذا التساؤل بأن الأناجيل هي في الوقت عينه نتاج جماعة ونتاج "شاهد" من الشهود. أما أن يُقال بأن الرسول رفض أن يرتبط بمرقس لأنه لم يكن "شاهداً"، فهذا يعني أننا نفترض أن المسألة الإزائيّة قد حلّت. ولكن الأمر ليس كذلك.
ثانياً: اسم متّى
كل لوائح الرسل تحمل اسم "متّى". مت 10: 3: "فيلبس وبرتلماوس. توما ومتّى العشّار". رج مر: 3: 18 (الترتيب عينه)؛ لو 6: 15؛ في أع 1: 13 نجد ترتيباً مختلفاً: "فيلبس وتوما. برتلماوس ومتّى". وما يلفت النظر هو أن الانجيل الأول يتفرّد بالتفصيل الذي يصف متّى بالعشّار.
حين يذكر الإنجيل الأول صفة العشّار، فهو يعود بنا بلا شك إلى خبر دعوة العشّار في 9: 9: "وفيما يسوع منصرف من هناك، أبصر إنساناً جالساً على مائدة الجباية اسمه متّى. فقالت له: اتبعني. فقام وتبعه". غير أن هذا العشّار يسمّى لاوي في مر 2: 14= لو 5: 27= مت 9: 9. هل نحن أمام شخص واحد؟ هنا يرد اعتراض يقول بأن اليهودي لا يحمل اسمين ساميّين. فهناك أشخاص حملوا اسماً ساميّاً وآخر لاتينياً أو يونانياً. مثلاً: يوسف يوستوس (أع 1: 23). يوحنا مرقس (أع 12: 12، 25). شاول بولس (أع 13: 9). وقد يكون الاسم الثاني أرامياً. مثلاً، سمعان الذي يُقال له كيفا (أي صخرة). يوسف الذي يقال له برنابا (أع 4: 36). يوسف الذي يُدعى قيافا (المؤرخ يوسيفوس في القديميّات اليهوديّة 18/ 2: 7).
إذا قلنا إنه كان لمتّى تقليد خاص به ومختلف عن نصّ مر حول دعوة العشّار، نستطيع أن نفترض أن العشار سمّي "لاوي". وحين دعاه يسوع، لقّبه "متّى" (= متاي. شكل مقتضب لاسم إلهي يجني عطيّة الله: متتيا)، كما لقّب سعان كيفا أو بطرس. ويبدو أن مت يتصرف كذلك في 8: 14 حين يتفرّد فيلقّب سمعان باسم بطرس. ثم إن الانجيليّ قد يكون منح الكرامة الرسوليّة للاوي. وبما أنه يهتمّ اهتماماً خاصاً بالخلفيّة اليهوديّة لخبره، فقد سرّ بأن يعلن أن أحد الرسل انتمى إلى فئة العشّارين الذين كانوا مبغوضين.
ثالثاً: لغة الانجيل
كانت صعوبة أولى في نسبة الإنجيل الأول إلى الرسول متّى: التفاصيل التي نجدها عنه هو العشار الذي تبع يسوع. والصعوبة الثانية هي لغة الإنجيل. هناك من يقول إن النص الحاليّ هو "نقل" دقيق لأصل أرامي (هدف دفاعيّ). لا شك في أن التقليد يقول بوجود مؤلّف أراميّ. لم نستطع أن نتعرف إليه حتى في الإنجيل العبرانيّ. ماذا نقول في كل هذا؟ لقد وُجد في أساس إنجيل متّى الحالي مراجع أراميّة نسب بعضها إلى متّى الرسول. وإذا أردنا أن نحدّد النصوص التي أخذت من متّى الأرامي هذا، كما فعل البعض، ندخل في متاهات لا نستطيع الخروج منها.
في الواقع، إن إنجيل متّى الذي بين أيدينا مطبوع بطابع مؤلّف يونانيّ بألفاظه (كلمات مسيحيّة مثل "باروسيا" المجيء، "بالنغاناسيا" التجديد، 19: 28)، بأسلوبه اليونانيّ المنمّق. كل هذا يدلّ على أن الانجيل الذي بين أيدينا قد دوّن في اليونانيّة مستفيداً ربما من متّى الأرامي ومن مراجع أخرى لاسيّما إنجيل مرقس.

2- محيط الإنجيل الأول
نطرح هنا سؤالين. الأول: المحيط الذي وُلد فيه مت. الثاني: أين دوّن ومتى دوّن.
أ- أصول الانجيل الأول
ظنّ التقليد أن الإنجيل الأول توجّه حسب تعبير أوريجانس "إلى مؤمنين جاؤوا من العالم اليهوديّ" (ايريناوس، ايرونيموس، اوسابيوس، يوحنا الذهبيّ الفمّ). وأثبت النقد الداخليّ هذا الظنّ: فمت هو في الدرجة الأولى الإنجيل الفلسطيني، شرط أن نفهم هذه الكلمة في المعنى الواسع فنضم سورية وفلسطين والبقاع اللبنانيّ في إضمامة واحدة. فهو يتفوّق على مر ولو حين يصوّر المحيط الذي عاش فيه يسوع. بل إن الطريقة التي بها يكتب تدلّ على المحيط الذي دوّن فيه. وهذا ما تدلّ عليه دراسة الألفاظ، والعادات، والاتجاهات اللاهوتيّة.
أولاً: دراسة الألفاظ
إن الألفاظ التي استعملها مت هي ساميّة في نماذجها. فعنده وحده نجد عبارات مثل "حل وربط" (16: 19؛ 18: 18) للدلالة على الحرم "الكنسي" أو على قرار على مستوى تعليميّ وقانونيّ (كما في وثائق قمران)، ومثل "النير الذي يحمله الإنسان" أو "ملكوت السموات" (لا ملكوت لله)، أو "المدينة المقدّسة" (أي أورشليم) (رج 4: 5 في لو 4: 9 أ نقرأ: اورشليم؛ رج 27: 53: دخلوا المدينة المقدّسة)، أو "حكم جهنم" (23: 33)، أو "البرّ" للدلالة ربّما على الصدقة، أو "رقا" (5: 22: رأس فارغ) أو "ماموناس" (المال: 6: 24؛ رج 16: 9؛ 11: 13).
وهناك طرق تأليف خاصة بهذا العالم "الاراميّ". "بهاتين الوصيّتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء" (22: 29). "اللحم والدم (أي الضعف البشري) لم يكشفا لك ذلك" (16: 17). "أنا بريء من دم هذا الصدّيق" (27: 24. هذا ما قاله بيلاطس)؛ "انقضاء الدهر" (24: 3)؛ "الظلمة البرانيّة"؛ "البكاء وصريف الأسنان". ونجد تلاعباً على الكلمات بين بعل زبول وصاحب البيت في 10: 25.
بالإضافة إلى ذلك لا يرى مت إلا ضرورة نادرة بأن يشرح عبارات فلسطينيّة كما فعل مر. ترجم مت فقط: عمانوئيل أي الهنا معنا (1: 23). الجلجثة أي موضوع الجمجمة (27: 33). إيلي إيلي لمّا شبقتاني أي إلهي إلهي. لماذا تركتني (مز 22: 1). أما مر 3: 17 فشرح لقب ابني زبدى: بوانرجس أي ابني الرعد. و5: 41 فسرّ العبارة التي قالها يسوع للصبية المائتة. طليتا قومي، أي صبيّة لك أقول قومي. و7: 11، 34 فسرّ معنى "قربان" (كتقدمة مقدّسة) و"افتح" أي انفتح. رج 9: 34؛ 10: 46؛ 14: 36.
ب- عادات البلاد
وترد عادات فلسطين مراراً وأغلب الأحيان بدون شرح لها. تكلّم مت مع مر ولو عن هدُب الرداء وفيها ما فيها من ارتباط بعالم الطقوس (9: 20= لو 8: 44؛ مت 14: 36= مر 6: 56؛ مت 21: 5). وعن طريقة الحلف (15: 4- 6 وز؛ رج 5: 34- 35؛ 23: 16- 22). وعن الغسل قبل الطعام (15: 2= مر 7: 2- 5: شرح مر العادة ولم يشرحها مت 15: 11، 18 الذي احتفظ بلفظة غريبة، كوينوو، جعله عادياً وبالتالي نجساً)، وعن الكتبة الذي يحبّون التحيّات في الساحات العامة، والمراكز الأولى في الاحتفالات (23: 6- 7= مر 12: 38- 39= لو 20: 46+ 11: 43).
ويتفرّد مت فيورد العادات التالية: حمل التقدمة إلى المذبح (5: 23). عادات الكهنة يوم السبت (12: 5: ينقضون السبت)، تقوى ظاهرة لدى عدد كبير منهم (6: 1- 6، 16- 18: يحبّون الصلاة قياماً في المجامع، ينكرون وجوههم ليظهروا للناس صائمين)، وضع الهدب والعصائب (23: 5)، دفع العشور (23: 23، مع إهمال أثقل ما في الشريعة)، محاولة اجتذاب المرتدين الجدد (23: 15: دخيلاً). وتكلّم مت عن القبور المكلّسة (23: 27)، "والأشياء المقدّسة" أو الأقداس (7: 6، 11)، والتمييز بين وصايا صغيرة ووصايا كبيرة (5: 19)، "وكل علّة طلاق" كما في الجدال بين شمعي وهلال (19: 3).
على قارىء مت أن يعرف جغرافية سورية المذكورة في 4: 24 (مر 3: 8 يوضح)، خاصيّات اللهجات الفلسطينية. قال الحاضرون خلال محاكمة يسوع لبطرس: "في الحقيقة أنت أيضاً منهم، فإن لهجتك تشهد عليك" (26: 73؛ رج مر 14: 70 الذي اكتفى بالقول: لأنك جليليّ). وعليه أن يعرف ما هو اليوم الأول من الفطير. قال مت 26: 17: "وفي اليوم الأول من الفطير، دنا التلاميذ إلى يسوع". ولكن ما هو هذا اليوم الأول؟ هذا ما سيشرحه مر 14: 12: "الذي فيه يُذبح الفصح". هو يوم 15 نيزان، اليوم الأول بين سبعة أيام يؤكل فيها الخبز الفطير.
ثالثاً: الاتجاهات اللاهوتية
وهناك حواشٍ عديدة تحدّد موقع دراما يسوع في إطار الاهتمامات اللاهوتيّة لعصره. حسب مت، لم يُرسل يسوع إلى إسرائيل. قال في وصاياه لرسله: "لا تسلكوا طريقاً إلى الوثنيين ولا تدخلوا مدينة للسامريين. بل انطلقوا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل" (10: 5- 6). فالسامريون كالوثنيين محتقرون من اليهود. إذن، لا يذهب اليهوديّ إليهم. ونحن نعرف كيف جادل أبناء كنيسة أورشليم بطرس لأنه أكل مع كورنيلوس الوثني أنه من خائفي الله (أع 11: 2- 3). في 15: 24 قال يسوع للمرأة الكنعانيّة عبارة تدل حقاً على لغة اليهود مع الوثنيين: "لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل". وزاد: "لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويلقى لصغار الكلاب" (آ: 26). الكلاب هم من الخارج فلا يحق لهم أن يعيشوا مع البنين الذين هم في داخل البيت. وسيقول يسوع أيضاً: "الحق أقول لكم إنكم لن تتمّوا مدن اسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان" (10: 23). هذا ما يدل على نشاط الرسل في إسرائيل، أو على هربهم من مدينة إلى مدينة داخل إسرائيل، وقبل الانتقال إلى العالم الوثني، على ما سيفعل بولس حين يبشّر في آسية الصغرى أو بلاد اليونان.
ودلّ يسوع في مت على أنّه مهتمّ بممارسهّ الشريعة اليهوديّة. ولغة الانجيل في هذا المجال مميّزة. أولاً: نطيع الشريعة بلا تحفّظ. "لا تظنّوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل... كل من يتعدّى واحدة من هذه الوصايا..." (5: 17- 19؛ رج 12: 5 وشريعة السبت). ثانياً: يسمّي فاعلي الأثم أهل "انوميا"، أي الذين يعارضون الناموس (نوموس في اليونانيّة): 7: 23 (أبعدوا عني يا فاعلي الأثم)؛ 13: 41 (كل المعاثر وفاعلي الأثم)؛ 24: 12 (لكثرة الاثم)؛ رج 23: 28. ثالثاً: يتكلّم عن "ابناء الملكوت" (8: 12: يلقون في الظلمة البرانيّة، يدلّ بهم على اليهود)، عن الكتبة الذين "تتلمذوا لملكوت السماوات" (13: 52، كما يتتلمذ الواحد لرابي)، عن الهرب في يوم سبت (24: 20: لا يقطع المؤمن أكثر من كلم واحد)، عن "الوليمة مع إبراهيم" (8: 11).
قيل ألّف انجيل متّى من مقطوعات ليتورجيّة ضُمّت بعضها إلى بعض. لا شك في أن الاجتماعات الليتورجيّة كانت المناسبة للتأمّل في حياة الرب وأعماله وأقواله. ولكن لا ننسى أن الكاتب قام أيضاً بعمل أصيل. وقيل إن مت هو فقاهة حول السلوك المسيحيّ، وقد ألّفه رابي واحد أو أكثر، لأنه يورد الأسفار المقدّسة كما يفعل صاحب "تفسير حبقوق" الذي وُجد في مغاور قمران. لا شك في أن هناك تشابهات. ولكن هناك اختلافات عديدة، والخلاف الأهم: في تفسير حبقوق نحن أمام نصّ من الكتاب نفسّره في حياتنا. أما في الانجيل فحياة يسوع هي التي تفسّر الكتب وتعطيها معناها الأخير. الإنجيل بعيد كل البعد عن كتاب مدرسيّ. هو حياة قبل أن يكون حرفاً وكلاماً مكتوباً. لهذا نقول إنه كان للإنجيل الأول اهتمامات فقاهية وكنسيّة. ويبقى أن هذا الإنجيل هو ابن كنيسة متّى.
ب- أين دوّن الانجيل الأول ومتى
إذا أردنا أن نأخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات السابقة، نظنّ أن مت دوّن في سورية. وربّما في أنطاكية حيث العنصر اليهوديّ كان كبيراً مع حضارتين أراميّة ويونانيّة. عرف اغناطيولس الأنطاكي (+ 107) هذا الانجيل الأول (ذكره في الرسالة إلى أفسس 17: 1 وإزمير 1: 1؛ 6: 1)، وهذا يعني أنه دوّن قبل سنة 100.
ولكن هل نستطيع أن نحدّد أكثر حين نفسّر النصوص؟ نعم، لأن عظة الجبل تعكس ردّاً من الكنيسة المسيحية على اليهود الذين رصّوا صفوفهم بعد دمار أورشليم والتأموا في مجمع يمنية بين سنة 70 وسنة 80. مثلاً، هناك تلميحات إلى الأسطورة التي تقول إن جثمان يسوع قد سُرق (27: 64). وإلى الافتراءات حول مولد يسوع كما نقرأها في التلمود. وإلى الإشارة إلى الرابي... وهكذا يجعل النقاد زمان تدوين مت بين سنة 80 وسنة 90.
هذا ما يفسّر الطريقة التي بها أعاد متّى تفسير مثَل الوليمة على ضوء سقوط أورشليم. نقرأ في 22: 6- 7: "والآخرون قبضوا على الغلمان فشتموهم وأماتوهم (هكذا اضطهد العالم اليهوديّ المسيحيّة الناشئة). فتميّز الملك (يسوع) غيظاً وأنفذ جيوشه (كما كانت جيوش كورش في يد الله كذلك كانت الجيوش الرومانيّة في يد يسوع الممجّد) فأهلك أولئك القتلة وأحرق مدينتهم". إن النص الموازي في لو 14: 16- 24 لا يورد هذه الحاشية، وإن كان لوقا يشير إلى سقوط أورشليم في مواضع أخرى. ثم إن مت 24: 15 (= مر 13: 14) يشير إلى هذا الدمار في الخطبة الأسكاتولوجية كما وردت "في فم يسوع". "فإذا رأيتم رجاسة الخراب (الجيوش الوثنية) التي تكلّم عنها دانيال قائمة في المكان المقدس -ليفهم القارىء- (وإن سقطت أورشليم فهذا لا يعني أن نهاية العالم حلّت. نحن هنا أمام نظرة إيمانيّة) فعندئذٍ الذين في اليهوديّة فليهربوا إلى الجبال" (آ 16). وهكذا إذ نتأكد أن مت دوّن بعد سنة 70 ودمار أورشليم، وقبل سنة 100 واسقفيّة أغناطيوس الأنطاكي، وإذ نفهم ارتباط الهجوم على اليهود في إطار مجمع يمنية، نقول إن إنجيل متّى قد يكون عاصر إنجيل لوقا فدوّن تقريباً سنة 85 في أنطاكية ووجّه إلى الجماعات المسيحية المشتتة في سورية وفلسطين وشرقي لبنان.

3- المحيط الذي وُلد فيه الإنجيل الأول
كتب إنجيل متّى في جماعة من الجماعات ومن أجل جماعة محدَّدة. وهكذا نرى يسوع لا في فلسطين وحسب، بل في جماعة مثل أنطاكية أو إحدى كنائس العالم الآرامي اليوناني. هو يعظ ويعلّم ويشفي. هو حاضر وسط شعبه ومتنبّه للرسالة التي أنيطت به. فمن هي هذه الجماعة؟ هي كنيسة يهوديّة من أصل مسيحي. هي كنيسة تعارض العالم اليهوديّ الرسمي. هي كنيسة تنفتح على العالم الوثني.
أ- كنيسة مسيحيّة من أصل يهوديّ
كنيسة متّى جماعة ينطبع تصرفها بالتقاليد اليهوديّة ولا سيّما الليتورجيّة منها. وصاحب الإنجيل، على ما يبدو، هو يهوديّ المولد والتربية والثقافة. وهو ينجح نجاحاً باهراً حين يضع في إطار يهوديّ الأخبار والمواد والوثائق التي جمعها عن حياة يسوع كما صيغت وفُسرّت في الكنائس المسيحيّة.
هذه الجماعة هي كنيسة مسيحيّة، أسّسها "يسوع المسيح ابن الله الحيّ" (16: 16). أعضاؤها هم "تلاميذ" جاؤوا إلى مدرسة المعلّم (11: 39؛ 23: 8). هم يلتئمون ليتقبلوا من معلّميهم (5: 19) التعليم في خطب مدروسة. غير أنهم يبحثون قبل كل شيء عن "فهم" الكلمة (13: 23).
هذا التعليم هو تعليم أخلاقي وعملّي. فصاحب الإنجيل يرى أن الشريعة ما زالت حيّة (5: 18) ولكنه ينظر إليها بعينين جديدتين. هي بلا شكّ الدستور القديم الذي أعلنه موسى في الماضي. ولكن المسيح قد قادها إلى ملئها وكمالها (5: 17)، قد أعادها إلى مبادئها الحيّة ونقّاها من عالم الفتاوى الذي غرقت فيه. وهكذا بدا يسوع كمفّسر للشريعة، وقد أسّس براهينه على الكتب المقدّسة دون أن يتجاوز الحقوق التي يسمح بها اليهود لمعلّميهم.
والشريعة كما سُمعت ومُورست، هي "كلمات" المسيح التي ما زالت تتوجّه إلى المؤمنين (7: 24- 26). وهذه الأقوال تستطيع وحدها أن تقودهم إلى "البر" الحقيقيّ (5: 20) وتوجّههم في سلوك أخلاقي، في طريق الكمال (5: 48؛ 19: 21).
وحين يأتي المسيحيون إلى مدرسة المسيح، يدلّون على أمانتهم للتقاليد القديمة على مستوى الصلاة، بعد أن يجدّدوها: صلاة لا تظاهر فيها ولا كلام كثير (6: 5، 7). والصلاة الربيّة (صلاة الأبانا) هي نموذجها. صلاة نقيّة يرافقها غفران حقيقيّ للذنوب (6: 14- 15). وفي المحنة والتجربة يتَّحد المؤمنون اتحاداً حميماً بصلاة المسيح (26: 40- 41) وهم واثقون بأن المسيح حاضر في قلب جماعاتهم (18: 20) كما كان الله حاضراً في هيكله في العهد القديم.
هؤلاء المسيحيون يحتفلون في الإيمان بالإفخارستيا (26: 19). ولكن تبقى شعائر العبادة خاضعة للمحبّة، فتعبرّ عن المغفرة والرحمة. "إبدأ أولاً وصالح أخاك" (5: 23- 24؛ 9: 13). وبقي السبت معمولاً به. ولكنه لم يعُد يعني شيئاً بعد أن دُمِّرَ الهيكل وصارت أفخارستيا يوم الأحد التي هي وليمة القائم من الموت، تجمع الكنيسة في اجتماع حقيقيّ. هم يفكّرون في تبديل ممارسة السبت فيصل إلى كماله في ممارسة المحبّة الأخويّة كما تقول الكتب المقدّسة (12: 1- 8).
والأعمال الصالحة التقليديّة في العالم اليهوديّ كالصوم والصدقة، تمارَس ممارسة عاديّة في الجماعة ولكن "في الخفية" (6: 2- 4، 16- 18)، شأنها شأن الصلاة (6: 6).
وتنظّمت أسرار الكنيسة. فالمعمودية حاضرة (28: 19) وهي ترتبط بمعموديّة يسوع (3: 13- 17) التي فُهمت فهماً أفضل على ضوء موت يسوع وقيامته. وممارسة غفران الخطايا ثابتة (18: 18)، حيث يشارك الناس في سلطة ابن الانسان (9: 6- 8). وهكذا تقوّت الجماعة بحضور المسيح فيها "كل الأيام وحتى انقضاء الدهر" (28: 20). تلك الجماعة التي وُلد فيها إنجيل متّى بين سنة 80 وسنة 90.
هذا الإنجيل هو تعبير عن إيمان حيّ في الجماعة. وهو أيضاً قد كُتب في ظرف معيَّن فواجه الواقع الجديد.
كان المسيحيّون في أورشليم قد تركوا المدينة المقدّسة قبل سنة 70. فأقام بعضهم في بلاّ، شرقيّ الأردن؛ وتوزّعت جماعات مسحيّة أخرى في سورية (4: 24) أو انضمت إلى كنيسة أنطاكية. فالجماعات الهلنستية استقبلت في سورية وبدون صعوبة، مسيحيين من أصل يهوديّ.
كانت صعوبات على مستوى الاندماج. وأخرى على مستوى الحلافات الداخليّة. وازداد على ذلك محن ما زالت آثارها في الإنجيل الأول. فالجماعات التي تركبّت في بدايتها من عناصر مختلفة، امتزجت شيئاً فشيئاً، فكان فيها المسيحيّون الطيّبون والمسيحيّون الرديئون (13: 36- 43، 47- 50). وبرزت تجربة جديدة: لقد صار يسوع بعيداً في الماضي. وقد أعلنت شريعته منذ خمسين سنة تقريباً. لم يعد من وجود للشهود الأولين والتلاميذ. وضعُف الحماس الأول في الكنيسة. وتدنّى مثال الكمال (5: 48؛ 19: 21). وطلب المؤمنون الله والمال معاً (6: 24). واطمأنوا إلى عالما العجائب (7: 21- 23). وبردت المحبّة لدى الكثيرين (24: 12).
في كنيسة حيث الجميع إخوة (23: 8) فهمَ المؤمنون أن "أعداء الإنسان هم أهل بيته" (10: 36). فهل تكون المسألة الحقيقية أن نعرف من هو الأعظم (20: 22)؟ فروح الخدمة والمحبة تجاه الصغار والضعفاء، تجاه الخطأة، وإصلاح العيوب والنصح الأخوي، كل هذا يحتاج إلى إنعاش. لا بدّ من التنديد بالرياء وبالإثم الذي هو عصيان لإرادة الآب الذي في السماوات، وقد يقود إلى الهلاك. فالباب ضيّق والطريق حرجة.
وجاء توبيخ متواتر: يا قليلي الإيمان (6: 30؛ 8: 26، 14: 31؛ 16: 8؛ 17: 20). وهو يتوجّه إلى مسيحيين تتقاذفهم العاصفة (8: 23- 27) وهم مستعدّون أن يتبعوا الأنبياء الكذبة (24: 11).
قال يسوع: اتبعني (8: 22؛ 9: 9). فتبعوه. هذا هو الدواء الوحيد الذي به يواجه يسوع نقص الإيمان عند تلاميذه. هو يطلب منهم فعل إيمان. يطلب منهم موقفاً. والذين يقبلون بأن يتبعوه، يفهمون فهماً حقيقياً أن أعماله هي أعمال قدرة.
في الحقيقة، الخلاص هو حاضر الآن، وحاضر دائماً. والمسيح الممجَّد هو منذ الآن حاضر في كنيسته (1: 23؛ 28: 5 2). غير أن المعلّم الذي وعد أنه يعود، قد تأخّر (24: 48- 49؛ 25: 5، 19). وهذا التأخّر يولّد الملل. فيجب أن نعيش في السراب. نحن لا نعرف متى تكون نهاية العالم (24: 36). لهذا يجب أن نسهر ولا نخاف الانتظار الطويل (24: 42؛ 25: 13؛ 26: 38). لهذا يبدو من الملحّ أن نجعل في الكنيسة الظروف القويّة التي تتيح لها أن تتابع مسيرتها في الزمن "إلى أن يأتي". ليس المهمّ أن نعطي الكنيسة سلطة فيها التراتبيّة مع مختلف البنى، بل قاعدة حياة للأجيال المتعاقبة.
ب- كنيسة تعارض العالم اليهوديّ الرسميّ
إن قاعدة حياة من أجل هؤلاء المسيحيين الذين لم يلامسهم تعليم بولس، ستكون شريعة تمارَس وتفرض نفسها مثل شريعة موسى في العالم اليهوديّ: أما هي تعبير حقيقيّ وشامل عن إرادة الله؟ هذا ما يعتقده كاتب الإنجيل الأوّل. وهذه الشريعة مهما كانت متجدّدة هي في امتداد الأولى. فيسوع هو رابي مشهور. وقد عبّر عن فكره حسب الأقوال التقليديّة مع احتمال عظيم بالصدق تجاه الماضي في نقائه. إذن، يجب أن يؤول تعليمه إلى تشريع دقيق يعطينا طمأنينة كاملة. ولكن هذه تجربة للمتعلّقين بالشريعة الجديدة، رفضها الإنجيل بعنف وشدّة؛ إن مشيئة الله حرّة ولا شيء يقيّدها. "كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماء كامل هو" (5: 48). "اغفر حتى سبعين مرّة سبع مرّات" (18: 22).
وردّة الفعل هذه على الشريعانيّة (تعلّق مفرط بالشريعة)، هل تدلُّ على قطع كل صلة بالجماعات اليهوديّة في ذلك العصر؟ كيف بدت اليهوديّة التي طُردت من مدينتها وهيكلها وعرفت الموت والعبوديّة على يد الرومان الذين احتلوا البلاد وأحرقوا أورشليم؟ قبل سقوط أورشليم بقليل، استطاع بعض الفريسيين أن يهربوا من المدينة فأسّسوا مدرسة في يمنية (أو: يبنة) على الشاطىء الجنوبي ليافا. وقد صارت هذه المدرسة بعد سنة 70 ملجأ للفريسيين الذين نجوا من الموت. وهناك استعاد العالم اليهوديّ الفلسطينيّ حياته.
كان الهمّ الأول رصّ الصفوف. فترتّبت الخلافات بين المدارس المتزاحمة. وتثبت كلندار مشترك للأعياد، وتنظمت الليتورجيا في المجامع. وحُدّد القانون اليهوديّ للكتب المقدّسة، أي اللائحة الرسميّة للتوراة. وأعطيت أهمية كبرى للرابانيين، كما بدأوا يدوّنون تقليد الشريعة اليهوديّة. ووحدة هذا العالم اليهوديّ الذي وُلد من جديد، تقوّت بعد أن ضغط عليها الخارج: الوثنية، الغنوصيّة، وخصوصاً المسيحيّة الفتيّة.
وهكذا لم يبق من العالم اليهوديّ الذي كان متنوّعاً جداً في زمن المسيح سوى الحركات العماديّة، والفريسية والمسيحيّة. وسيكون صراع بين هاتين الفئتين الأخيرتين وسيكون قاسياً. دافع العالم اليهوديّ عن نفسه، فرفض السبعينية أو ترجمة الكتب المقدّسة إلى اليونانيّة، وأدخل صلوات وطقوساً لا يستطيع المسيحيّ أن يمارسها، فكان التباعد تاماً بين اليهود والمسيحيّين.
عرف المسيحيّون هذا التشيّع الذي وُلد في يمنية، فبدا العالم الفرّيسي شراً وطمعاً واستبداداً. واتهم "المعلّمين" في زمن المسيح الذين أعلنوا قبل جميع المؤمنين الحدثين الرئيسيين في حياة يسوع: ولادته لهيرودس (2: 5) وقيامته لبيلاطس (27: 63). إذن، لا عُذر لهم. وعبر الرؤساء اتهّم الشعب كله: "سيؤخذ منكم ملكوت الله" (21: 43). إن أبناء الملكوت يُطرحون خارجاً في الظلمة البرانيّة (8: 12). لقد قبل هذا الشعب أن يقوده رؤساؤه، فحمل بإرادته مسؤوليّة موت يسوع. "دمه علينا وعلى أولادنا" (27: 23- 25).
وكان دمار أورشليم أول فصل في هذا العقاب. "سيُترك لكم بيتكم خراباً" (إر 22: 5). والربّ ترك مسكنه (شكينه في العبرية). والفصل الثاني يتحدّد موقعه في المجيء وساعة الدينونة حين يكون حظّ سدوم وعمورة أفضل من حظ هؤلاء اليهود الذين لا يؤمنون (10: 15؛ 11: 22- 24).
إن موقف الإنجيل من العالم اليهوديّ كما تنظّم في يمنية، لم يكن فقط دفاعاً عن المسيحيّة، بل هو توخّى تربية الجماعة المسيحيّة، وتوجيهها في حياتها الداخليّة. هذا الانجيل يقرّع المسيحيين الأردياء كما يقرّع اليهود (7: 5؛ 24: 51)، ويهدّدهم بالعقاب نفسه (7: 19- 23؛ 18: 23- 25؛ 25: 14- 30). نحن لا نكتشف في الإنجيل لا روح الانتقام ولا حضاً على العنف. فالإنجيل يعظ بمحبّة الأعداء، والأعداء هم اليهود (5: 44- 47؛ 5: 12= 23: 34- 35).
وإن الانجيل قد حافظ على قول قديم: "فمهما قالوا لكم فاعملوا به واحفظوه" (23: 2). وهذا ما يدلّ على أنّ صاحب الانجيل الأوّل ما زال يراعي العالم اليهوديّ. فقد بقيت علاقات بين الفئتين، والقطيعة ليست بتامة. إن الانجيل لا ينغلق على العالم اليهوديّ. هو لا يقوم باستمالتهم إلى المسيحيّة، ولكنه يترك الباب مفتوحاً. "تجدون الراحة لنفوسكم" (11: 28- 30) إن أخذتم نير المسيح.
ج- كنيسة تنفتح على الوثنيين
بدت هذه الجماعة حتى الآن مهتمة بذاتها، بنظمها، بأسرارها، بقوّتها الأدبيّة، بمجابهتها للقوى المعادية. ولن ننتظر الكلمات الأخيرة للمسيح القائم من الموت كي نسمع نداءه إلى الوثنيين (28: 19). فالجماعة كلها تهتمّ بهم، وتستقبلهم بين أعضائها، وهذا ما يدلّ عليه الانجيل: فأول من عبد يسوع هم المجوس (2: 1- 12). ودُعي إلى الوليمة "كل الذين تجدونهم" (22: 9). "كل الأمم في الكون كله" (24: 14؛ 26: 13). وسيأتي منهم "كثيرون من المشرق والمغرب" (8: 11) ليتّكئوا مع أبناء الملكوت. هي "الجموع الكثيرة" (يذكرها متّى 40 مرة) التي تتبع يسوع فتعلن مسبقاً دخول الجماعات الوثنية إلى الكنيسة (4: 25). وهم الأفراد مثل قائد المئة (8: 5- 13) أو الكنعانيّة (15: 21- 28)، الذين يعلنون إيمانهم. وهو قائد المئة والذين معه يحرسون يسوع عند الصليب (27: 54). كلهم يرون في يسوع (وهذا ما يتفرّد مت بقوله في 12: 18- 21) "خادم جميع الأمم" (رج أش 42: 1- 4).
اعتبرت جماعة متّى أنها "نور العالم" (5: 13- 16). وهي كذلك لأنها تستنير بنور يسوع. لهذا، اقتنعت كل الاقتناع بسلطة يسوع الذي هو ملك العالم وديّانه (25: 11 ي)، فتذكّرت أمره الأخير: "تلمذوا جميع الأمم" (28: 19). كانت الجماعة مستعدة لهذه المهمّة بعد أن كوّن يسوع من تلاميذه "رسلاً" أي "مرسلين". (10: 2، 5). بعث بهم نحو الخراف الضالة في بيت اسرائيل (10: 6؛ 15: 24). كانت تلك المرحلة الأولى في رسالة تشمل الأمم الوثنية كلها، بمساعدة المسيح الذي سيكون معها "حتى انقضاء الدهر".

خاتمة
هكذا حاولنا أن ندخل إلى الانجيل بحسب متّى. توقفّنا عند الكاتب، عند الزمان الذي كُتب فيه والمكان. وتعرّفنا إلى الجماعة التي عاش فيها متّى وكتب لها. جماعة آتية من العالم اليهوديّ. وقد تكون أقامت في أنطاكية يوم دوّن متّى إنجيله. ذاك كان الفصل الأول وستتبعه فصول ثلاثة تورد تصميم الانجيل الأول والتأليف الأدبي فيه قبل أن تدرس المعاني اللاهوتيّة التي لولاها لظلّ الانجيل سيرة حياة لا كتاب تعليم من أجل كنيسة محدّدة، بل من أجل كنائس العالم كلها وحتى انقضاء العالم.
الفصل الثاني
تصميم إنجيل متّى

حين دوّن متّى إنجيله، أراد أن يكون صدى أميناً لما تأمّلت فيه الكنيسة في اجتماعاتها. وإذ أراد أن يقدّم قبل كل شيء تعليماً يركّز في قلب كل مؤمن تعاليم المعلّم، لم يحاول أن يقدّم تصميماً يراعي التأليف المنطقيّ الذي نعرفه خصوصاً من خلال" مؤلفات علميّة حديثة. ومع ذلك، سنحاول في هذا الفصل أن نعرض لمسألة تصميم. هناك تصاميم عديدة طُرحت. سنتوقّف في ثلاث وجهات. تصاميم على أساس جغرافي. تصميم تتوزّعه الخطب الخمس. تصميم دراماتيكي ينطلق من المستوى الجغرافي.
هناك شرّاح عديدون يبنون تصميم مت على أساس جغرافي. والنمط الكلاسيكي هو كما يلي: المطلع (1: 1- 2: 23). الاستعداد لرسالة يسوع (3: 1- 4: 11). رسالة يسوع في الجليل (4: 12- 13: 58). تجوالات يسوع حول الجليل إلى أورشليم (14: 1- 20: 34). يسوع في أورشليم (21: 1- 28: 20). وقد اخترنا تصميماً مفضلاً قدّمه اميل اوستي في ترجمته للبيبليا. وهذا التصميم يتوزّع على سبع محطّات.

1- تصميم على أساس جغرافي
أ- مولد يسوع وحياته الخفية (1: 1- 2: 23):
نسب يسوع ابن داود ابن ابراهيم (1: 1- 17)
الحبل البتوليّ بيسوع (1: 18- 25)
زيارة المجوس (2: 1- 12)
الهرب إلى مصر (2: 13- 15)
مقتل الاطفال في بيت لحم (2: 16- 18)
العودة إلى مصر والإقامة في الناصرة (2: 19- 23).

ب- تهيئة رسالة يسوع (3: 1- 4: 11)
مهمة السابق يوحنا المعمدان ورسالته (3: 1- 12)
عماد يسوع (3: 13- 17)
تجربة يسوع في البرية (4: 1- 11).

ج- رسالة يسوع في الجليل وفي المناطق المجاورة (4: 12- 18: 35)
(أ) من البداية حتى اعتراف بطرس بيسوع (4: 12- 16: 20).
(1) بداية الرسالة (4: 12- 25)
أقام يسوع في كفرناحوم ودشّن كرازته (4: 12- 17)
نداء التلاميذ الأربعة الأولين (4: 18- 22)
يسوع يطوف في الجليل. تأثيره على الجموع (4: 23- 25).
(2) ظهر يسوع كمعلم ومشترع، كصانع عجائب وراعٍ (5: 1- 11: 1).
* يسوع المعلّم والمشترع: العظة على الجبل (5: 1- 7: 29).
+ الاطار (5: 1- 2)
+ مدخل الخطبة (5: 3- 16)
التطويبات (5: 3- 12)
التلاميذ هم ملح الأرض ونور العالم (5: 13- 16).
جسم الخطبة (5: 17- 7: 20)
- الشريعة القديمة والشريعة الجديدة (5: 17- 48)
- بعض ممارسات البر (16: 1- 18)
تنبيه عام (6: 1)
الصدقة (6: 2- 4)
الصلاة (6: 5- 15)
الصوم (6: 16- 18).
- استعدادات التلميذ (6: 19- 7: 20)
ثلاثة استعدادت في صيغة سلبيّة (6: 19- 7: 6)
لا تكنزوا كنوزاً (6: 19- 34)
لا تدينوا لئلاّ تدانوا (7: 1- 5)
لا تنجّسوا الاقداس (7: 6)
ثلاثة استعدادات في صيغة إيجابيّة (7: 7- 20)
أطلبوا بالحاح (7: 7- 12)
ادخلوا في الباب الضيّق (7: 13- 14)
إحذروا الأنبياء الكذبة (7: 15- 20)
+ خاتمة الخطبة (7: 21- 27)
ضرورة ممارسة الشريعة (7: 21- 25)
موازاة بين الذي يعمل والذي لا يعمل (7: 24- 27)
+ بعد الخطبة (7: 28- 29).
* يسوع صانع العجائب (8: 1- 9: 34) (عشر معجزات)
1- شفاء أبرص (8: 1- 4)
2- شفاء عبد الضابط الرومانيّ في كفرناحوم (8: 5- 13)
3- شفاء حماة بطرس (8: 14- 15)
أشفية مختلفة عند المساء (8: 16- 17)
متطلّبات يسوع على مستوى الدعوة الرسوليّة (8: 18- 22)
4- تسكين العاصفة (8: 23- 27)
5- مجنونا بلاد الجدريين وما حصل للشياطين (8: 28- 34)
الخلافات الأولى مع الفريسيين (9: 1- 17)
6- شفاء مخلّع كفرناحوم وجدال على سلطان غفران الخطايا (9: 1- 8)
نداء متّى وجدال حول معاشرة الفريسيّين والخطأة (9: 9- 13)
جدال حول الصوم (9: 14- 17)
7- 8- شفاء النازفة وإقامة ابنة "رئيس" (9: 18- 26)
9- شفاء اعميين (9: 27- 31)
10- شفاء أخرس فيه شيطان (9: 32- 34)
* يسوع الراعي (9: 35- 11: 1)
وتحنّن يسوع على الجموع (9: 35- 38)
لائحة الاثني عشر (10: 1- 4)
إرسال الاثني عشر، توصيات يسوع (10: 5- 42)
من أجل الزمن الحاضر (10: 5- 15)
من أجل المستقبل (10: 16- 23)
توصيات مختلفة (10: 24- 42)
يسوع يواصل تعليمه (11: 1).
(3) مواقف مختلفة تجاه يسوع: سلسلة من الدبتيكات في درفتين (11: 2- 12: 50)
+ الدبتيكا الأولى (11: 2- 19)
تعليم يوحنا المعمدان والشهادة التي أدّاها ليسوع (11: 2- 15)
حكم يسوع على هذا الجيل (11: 16- 19)
+ الدبتيكا الثانية (11: 20- 30)
توبيخ يسوع للمدن التي على شاطىء البحيرة (11: 20- 24)
وحي محفوظ للصغار: الآب والابن (11: 25- 28)
نداء يسوع (11: 28- 30)
+ الدبتيكا الثالثة (12: 1- 21)
عداء الفريسيين يتزايد (12: 1- 14)
قطف السنابل وحفظ السبت (12: 1- 8)
شفاء الرجل اليابس اليد وحفظ السبت (12: 9- 14)
بساطة يسوع ووداعته كما انبأ بهما أشعيا (12: 15- 21)
+ الدبتيكا الرابعة (12: 22- 50)
يسوع وبعل زبول (12: 22- 45)
اتهم الفريسيون يسوع بأنه يطرد الشياطين ببعل زبول (12: 22- 29)
يسوع لا يساوم (12: 30)
التجديف على الروح المقدس (12: 31- 32)
أقواله تدلّ على استعدادت القلب (12: 33- 37)
آية يونان (12: 38- 42)
عودة الروح النجس المنتصر (12: 43- 45)
قرابة يسوع الحقيقيّة (12: 46- 50).
(4) التعليم بالأمثال (13: 1- 52)
المناسبة (13: 1- 3 أ) (سبعة أمثال)
1- الزارع (13: 3 ب- 23)
2- الحنطة والزؤان (13: 24- 30)
3- حبّة الخردل (13: 31- 32)
4- الخمير في العجين (13: 33)
هدف آخر للأمثال (13: 34- 35)
تفسير مثل الزؤان (13: 36- 43)
5- الكنز المخفيّ في حقل (13: 44)
6- الدرّة الثمينة (13: 45- 46)
7- الشبكة (13: 47- 50)
الخاتمة (13: 51- 52).
(5) بعض معجزات يسوع وأقواله (13: 53- 15: 20)
يسوع في الناصرة (13: 53- 58)
رأي هيرودس في يسوع (14: 1- 2)
مقتل يوحنا المعمدان (14: 3- 12)
عزلة يسوع وأول تكثير للأرغفة (14: 13- 21)
يسوع يمشي على البحر (14: 22- 33)
أشفية في جنسارت والجوار (14: 34- 36)
جدال حول تقليد الشيوخ (15: 1- 20).
(6) يسوع في فينيقية
المرأة السورية الفينقية (15: 21- 28).
(7) يسوع على شاطىء بحر الجليل (15: 29- 16: 12)
أشفية جماعيّة (15: 29- 31)
ثاني تكثير للأرغفة (15: 32- 38)
في منطقة مغدان، طلب الفريسيون آية (15: 39- 16: 4)
خمير ايفريسيين والصادوقيين (16: 5- 12).
(8) في منطقة قيصرية فيلبس
بطرس يعلن إيمانه (16: 13- 20).
(ب) من اعتراف بطرس حتى الصعود إلى أورشليم (16: 21- 18: 35)
الإنباء الأول بالآلام، بطرس يلوم يسوع (16: 21- 23)
الشروط الضرورية لاتباع يسوع (16: 24- 27)
المجيء القريب لابن الإنسان (16: 28)
التجلي (17: 1- 9)
عودة إيليا (17: 10- 13)
شفاء مريض بداء الصرع (17: 14- 21)
الإنباء الثاني بالآلام (17: 22- 23)
دفع ضريبة الدرهمين (17: 24- 27)
تعليمات حول روح الأخوّة بين أعضاء الملكوت (18: 1- 35)
من هو الأعظم (18: 1- 5)
الشكوك (18: 6- 9)
كرامة الصغار ومثَل النعجة الضالة (18، 10- 14)
الاصلاح الأخويّ وحكم الكنيسة (18: 15- 18)
فاعليّة الصلاة المشتركة (18: 19- 20)
غفران لا حدود له، مثَل العبد الذي لا يرحم (18: 21- 35).

د- الصعود إلى أورشليم (19: 1- 20: 34)
في الطريق إلى اليهوديّة (19: 1- 2)
عدم انحلال الزواج (19: 3- 12)
يسوع يبارك الأطفال (19: 13- 15)
سؤال الشاب الغني (19، 16- 22)
خطر الغنى (19: 23- 26)
الجزاء لمن ترك كل شيء (19: 27- 30)
مثل العمّال المرسلين إلى الكرم (20: 1- 16)
الإنباء الثالث بالآلام (20: 17- 19)
طلب أم ابني زبدى (20: 20- 28)
الأعميان عند الخروج من أريحا (20: 29- 34).

هـ- في أورشليم (21: 1- 25: 46)
استقبال الانتصار ليسوع "ابن داود" على أبواب أورشليم: (21: 1- 11)
طرد الباعة من الهيكل (21: 12- 13)
يسوع يوافق على هتافات الأطفال (21: 14- 17)
التينة الملعونة التي يبست حالاً (21: 18- 19)
حوار حول التينة اليابسة (21: 20- 22)
أقوال هجومية من يسوع (21: 23- 22: 46)
رسالة يسوع ومعموديّة يوحنا (21: 23- 27)
مثل الولدين (21: 28- 32)
مثل الكرّامين القتلة (21: 33- 46)
مثل الأعراس الملكيّة (22: 1- 14)
دفع الجزية (22: 15- 22)
المرأة صاحبة الأزواج السبعة والقيامة (22: 23- 33)
الوصية العظمى (22: 34- 40)
المسيح ابن داود وربّه (22: 41- 46)
خطبة ضد الكتبة والفريسيّين (23: 1- 36)
نداء إلى أورشليم (23: 37- 39)
خطبة حول دمار الهيكل ومجيء ابن الإنسان (ف 24- 25)
إعلان دمار الهيكل وسؤال التلاميذ (24: 1- 3)
دمار الهيكل (24: 4- 20)
العلامات السابقة (24: 4- 14)
العلامة القريبة وما فيها من هول (14: 15- 20)
الضيق العظيم (24: 21- 28)
الكوارث الكونية ومجيء ابن الإنسان في المجد (24: 29- 31)
مثل التينة (24: 32- 36)
تحريض على السهر (24: 37- 25: 13)
مثل الطوفان (24: 37- 42)
السارق في الليل (24: 43- 44)
الخادم الأمين الحكيم (24: 45- 51)
العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات (25: 1- 13)
تحريض على النشاط والعمل (25: 14- 30)
الدينونة الأخيرة (25: 31- 46).

و- الحاش والآلام (26: 1- 27: 65)
(أ) حتى جتسيماني (26: 1- 35)
المؤامرة على يسوع (26: 1- 5)
الدهن بالطيب في بيت عنيا (26: 6- 13)
خيانة يهوذا (26: 14- 16)
الاستعداد للعشاء الفصحيّ (26: 17- 19)
العشاء الفصحيّ (26: 20- 29)
اعلان خيانة يهوذا (26: 20- 25)
تأسيس الافخارستيا (26: 26- 29)
على طريق جتسيماني، أنبأ يسوع بأن تلاميذه سيتركونه وبطرس سينكره (26: 20- 35)
(ب) في جتسيماني وبعد جتسيماني
في جتسيماني (26: 36- 56)
النزاع والصلاة (26: 36- 46)
توقيف يسوع (26: 47- 56)
المثول أمام عظيم الكهنة (26: 57- 66)
الاهانات الأولى (26: 67- 68)
نكران بطرس (26: 69- 75)
حفلة السنهدرين، وتسليم يسوع إلى بيلاطس (27: 1- 2)
يأس يهوذا وانتحاره (27: 3- 10)
يسوع أمام بيلاطس (27: 11- 26)
إهانات جديدة وإكليل الشوك (27: 27- 31 أ)
على طريق الجلجلة (27: 31 ب- 34)
الصلب (27: 35- 38)
يسوع يعيَّر على الصليب (27: 39- 44)
آخر ساعات يسوع وموته (37: 45- 50)
بعد موت يسوع (27: 51- 56)
دفن يسوع (27: 57- 61)
الحرّاس عند قبر يسوع (27: 62- 66).

ز- بعد القيامة (28: 1- 20)
القبر الفارغ وبلاغ الملاك (28: 1- 8)
ظهور يسوع للنسوة (28: 9- 10)
تلقّى الحرّاس الرشوة ليشهدوا زوراً (28: 11- 15)
الظهور للأحد عشر وإرسالهم في العالم (28: 16- 20).

هذا التصميم يرتبط بعض الشيء بتصميم مر، ولهذا، فهو لا يستطيع أن يقدّم لنا كل غنى الإنجيل الأول. ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار اللحمات المتّاوية، حينئذٍ ننتقل من التصميم الجغرافي إلى التصميم الديناميكي والدراماتيكي.

2- تصميم على أساس الخطب الخمس
وهناك من انطلق من الخطب الخمس ليقدّم تصميماً. فهذه الخطب تكوّن خمسة عواميد يستند إليها الإنجيل الأول. وكان بحث عن العلاقات بين الخطب، عن علاقات بين الخطب والأخبار. فالأخبار تبيّن بالمثل تحقيق هذه الأقوال في الواقع، وإليك هذا التصميم
المدخل: سرّ يسوع
كيانه ورسالته على ضوء سرّ القيامة وحياة الكنيسة. هذا ما سمّي: أخبار الطفولة (ف 1- 2).

القسم الأول: يسوع يعلن ملكوت الله ويُهيِّىء الكنيسة (ف 2- 16)
الحدث الفاصل: من العهد القديم إلى العهد الجديد (ف 3- 4)
حين تعمّد يسوع على يد يوحنا، دلّ عليه الآب أنه ابنه. وحين جُرّب يسوع، وجّه من جديد تاريخ شعبه نحو الملكوت. حينئذٍ أعلن مجيء هذا الملكوت واختار له تلاميذ.
أ- ملكوت الله قريب (ف 5- 9)
دلّ عليه يسوع بأقواله وأعماله بما فيها من قدرة
العظة على الجبل (ف 5- 7)
عشر معجزات (ف 8- 9).
ب- يسوع يرسل تلاميذه للكرازة ويذهب بنفسه لكي يبشّر (ف 10- 12).
خطبة إرسال التلاميذ (ف 10)
انطلاقة يسوع في الرسالة (ف 11- 12).
ج- الخيار الحاسم أمام بشارة الملكوت (13: 1- 16: 12)
خطبة في سبعة أمثاله (13: 1- 52)
نحو اعتراف بيسوع في قيصرية فيلبس (13: 53- 16: 12).

القسم الثاني: الجماعة في ملكوت الله (ف 17- 28)
الحدث الفاصل: الجماعة تعترف بربّها (16: 13- 17: 27)
كشف الآب عن ابنه بفم الجماعة. غير أن هذه الجماعة (بواسطة بطرس) "هي شيطان" يجرّب يسوع.
د- ملكوت الله ينتقل من الشعب اليهوديّ إلى الكنيسة (ف 18- 23)
خطبة حول الحياة في الجماعة (ف 18)
من الجليل إلى أورشليم (ف 19- 23). قطع يسوع كل علاقة مع رؤساء اليهود، وتكرّس لتعليم تلاميذه. وكانت مجادلات كبرى في أورشليم، ومثل الكرّامين القتلة الذي رأى فيه الفريسيون تعرّضاً لهم.
هـ- تدشين ملكوت الله في السرّ الفصحيّ (ف 24- 28)
اعلان المجيء النهائي للملكوت في يسوع (ف 24- 25)
السر الفصحيّ (سرّ موت يسوع وقيامته) يدشّن الملكوت (ف 26- 28)
إن الزلزال الذي أعلنه يسوع كعلامة لنهاية الأزمنة، يفتح القبور ساعة موته، يفتح قبره هو، وها هو الرب يستعدّ لإرسال جماعته إلى العالم لكي تكون علامة عن هذا الملكوت.
نحن إذن أمام كتيّبات خمسة تتواصل، وقد تألّف كل كتيّب من خطبة تهيّئها أحداث مختارة. وإذا ضممنا هذه الكتيّبات إلى أخبار الطفولة، وأخباز الآلام والقيامة، كانت لنا مجموعة متناسقة من سبعة أقسام. وهكذا يبدو مت دراما في سبعة فصول حول مجيء ملكوت السموات. (1) الاستعدادات في شخص المسيح الطفل (ف 1- 2). (2) إعلان البرنامج أمام التلاميذ والجموع في عظة الجبل (ف 3- 7). (3) كرازة بواسطة مرسلين أعلنت معجزاتهم الآيات التي تدلّ على صدق رسالتهم، وذلك بحسب توصيات خطبة الرسالة (ف 8- 10). (4) العوائق التي لاقاها يسوع من قبل البشر، حسب تدبير وضيع وخفيّ أراده الله ودلّت عليه خطبة الأمثال (11: 1- 13: 52). (5) البدايات في مجموعة التلاميذ مع بطرس رئيسهم، هي باكورة الكنيسة التي رسمت خطبةُ الرسالة قواعدَ حياتها (13: 53- 18: 35). (6) الأزمة التي تهيّىء مجيئه النهائي كما حرّكتها معارضة متنامية من قبل رؤساء اليهود، وكما أعلنتها الخطبة الاسكاتولوجية (ف 19- 23). (7) وأخيراً هذا الحدث نفسه في الألم والنصر في حاش المسيح وقيامته (ف 26- 28).
وهكذا يكون تصميم بيبليا أورشليم كما يلي:
1- مولد يسوع وطفولته
2- إعلان ملكوت السماوات
القسم الإخباري (ف 3- 4)
الخطبة الإنجيلية (ف 5- 7)
3- إعلان ملكوت السماوات
القسم الإخباري: عشر معجزات (ف 8- 9)
الخطبة الرسولية (ف 10)
4- سرّ ملكوت السماوات
القسم الإخباري (ف 11- 12)
الخطبة الأمثالية (ف 13)
5- الكنيسة باكورة ملكوت السماوات
القسم الإخباري (13: 53- 17: 27)
الخطبة الكنسيّة (ف 18)
6- المجيء القريب لملكوت السماوات
القسم الإخباري (ف 19- 23)
الخطبة الاسكاتولوجية (ف 24- 25)
7- الآلام والقيامة (ف 26- 28).
نجد في هذا المجالس خطّين. الأول يعتبر الخطبة بداية القسم والأخبار نهايته. وهكذا تصبح ف 1- 4 مقدّمة طويلة للإنجيل الأول. وتدخل الفصول حول موت يسوع وقيامته في البنية المتكاملة من الخطبة والأخبار. في ف 5- 7 بدا يسوع ذا سلطان في كلامه، وسيكون ذا سلطان في معجزاته. في ف 10، تحدّث يسوع عن الرسالة وذهب هو يبشِّر (ف 11- 12) بانتظار أن يرسل تلاميذه بشكل نهائي بعد القيامة. في ف 13 نقرأ عن سرّ الملكوت في سفر الأمثال، وهذا السرّ ينكشف شيئاً فشيئاً في رسالة يسوع. في ف 18، نقرأ عظة من أجل أعضاء الكنيسة، تليها تعليمات حوله حياة الجماعة (ف 19- 23). وبعد خطبة نهاية الأزمنة (ف 24- 25) يكون موت يسوع وقيامته أول تحقيق للنهاية ساعة "تزلزلت الأرض، وتشقّقت الصخور، وتفتّحت القبور وقام كثيرون من القديسين الراقدين" (27: 51- 52).
أما بيبليا أورشليم فقلبت النظرة وجعلت الأخبار تسبق الخطب الخمس. هكذا دخل ف 1- 4 في القسم الأول فارتبط بعظة الجبل (ف 5- 7)... ولكن ظلّ خبر الآلام والقيامة خاتمة للانجيل كله. ولكن التقابل بين الأخبار والخطب لا يبدو واضحاً إلا في ف 11- 12 (الأخبار) وف 13 (خطبة الأمثال). أما بالنسبة إلى الكتيّب الأول (ف 3- 4 و5- 7)، فالأمر لا يبدو واضحاً. وبالنسبة إلى الكتيّب الرابع (ف 14- 17 وف 18) تُلقي الأخبار ضوءاً خفراً على الخطبة. وفي الكتيّب الخامس، لا يبدو تجمّع الأحداث ممنهجاً من أجل الاسكاتولوجيا. ولا النهاية نتساءل: هل يعتبر ف 11- 12 شعبة إخبارية أم خطبة تزاد على خطبة؟ فهذان الفصلان هما في الواقع مجموعة من الخطب غير محدّدة في الزمان والمكان: كلام في يوحنا المعمدان (11: 7- 15). حكم في بني جيل يسوع (11: 16- 19). توبيخ لمدن البحيرة (آ 20- 24). وحي الله للبسطاء (أ 25- 28).
هذه النظرة تتوقّف عند الشكل في ما يخصّ الخطب، وعند المضمون في ما يتعلّق بالأخبار. وهذا ليس بمنطقيّ. ثم هي تخفي الطابع الدراماتيكيّ للانجيل فتجعله تعليماً يتوضّح من خلال أمثال من الحياة، لا حياة إنسان إله وأقواله وأعماله مع بعدها التعليميّ.

3- تصميم دراماتيكيّ على أساس الجغرافيا
إنطلق أصحاب هذه النظرة من اعتبارات أدبيّة كاللحمات والوصلات، كتجميع الأخبار وتقديم الاجمالات.
قد تأتي إجمالة فتبدأ شعبة من الشُعب (4: 17؛ 4: 23- 25؛ 9: 35؛ 11: 1). أو تفسّر مجموعة أخبار فتعمّم الأحداث على عدد كبير من الناس (8: 16؛ 11: 20؛ 12: 15- 21؛ 14: 34- 36؛ 15: 29- 31). تارة تُجمع الأقوال (لوغيا). تارة تُجمع المعجزات، وتارة تسيطر الإشارات الجغرافيّة (8: 1- 9: 34؛ 14: 1- 16: 20؛ 20: 29- 28: 20). وقد يأتي وقت يمّحى كل أثر للجغرافيا (11: 1- 12: 50؛ 16: 21- 20: 28). كما يأتي وقت يتبدّل السامعون: الجموع (8: 1- 9: 34). الخصوم (11: 1- 12: 50). الجموع والتلاميذ (ف 13). التلاميذ بشكل خاصّ (14: 1- 20: 34؛ 24: 1- 25: 46).
وهناك عنصر هام في تحديد تصميم الانجيل الأول. هو دور يوحنا السابق: ذُكر في رأس الأقسام الكبرى التي يعلنها بكرازته (3: 1- 17) وموته (14: 1- 12)، وفسِّر في 11: 2- 19 وفي 17: 12، وأُبرز في 21: 23- 27.
ونزيد الاستعادات والانباءات والتسلسلات. هكذا يجب أن نربط بين 12: 15- 21 و3: 13- 17؛ بين 11: 1- 12: 50 و8: 1- 9: 34؛ ونربط المرات الثلاث التي فيها اعتزل يسوع الجموع (14: 13؛ 15: 21؛ 16: 4) مع 12: 15- 21. وهكذا نستطيع أن نقترح تصميماً قدّمه كزافييه ليون دوفور.

أ- المطلع (ف 1- 2)
تقديم يسوع، عمانوئيل، مخلّص اسرائيل: نسبُه، كيف تقبّله يوسف في سلالته كما تقبّل أيضاً مريم العذراء أمه (1: 1- 25).
إن يسوع الذي سجد له المجوس قد رذله اليهود: فهيرودوس أجبره على الهرب إلى مصر، وقتل أطفال بيت لحم وجوارها. بعد موت الملك، عاد يسوع إلى فلسطين وأقام في الناصرة (2: 1- 23).

ب- الشعب اليهوديّ يرفض أن يؤمن بيسوع (ف 3- 13)
مقدّمة (3: 1- 4: 11)
نجد متتالية في ثلاث درفات: يوحنا المعمدان يكرز. يسوع يعتمد فتمجّده السماء. يسوع ينتصر على الشيطان
(1) يسوع قدير في أعماله وأقواله (4: 12- 9: 34)
(أ) المدخل (4: 12- 25)
اعتُقل يوحنا، فاعتزل يسوع في الجليل ثم ترك الناصرة متوجّهاً إلى كفرناحوم حيث دشّن كرازته وجمع حوله أربعة تلاميذ. وتأتي إجمالة، فتدلّ على النجاح الذي لاقاه يسوع، وتفتتح الفصول التالية. وستعود هذه الاجمالة في بداية كل شُعبة.
(ب)- العظة على الجبل (ف 5- 7)
بعد مقدّمة تتضمّن التطويبات وبعض التحريضات، نجد ثلاثة أقسام: الكمال الجديد، متطلّبات الملكوت السامية، تنبيهات وتحريضات. السامعون هم التلاميذ، ثم الجموع.
(ج) انطلاقة ناجحة (ف 8- 9)
يتوقّف الانتباه عند الأمكنة والجموع. أما المعارضة ليسوع فما زالت خفيّة.
* مجموعة أولى من المعجزات (8: 1- 17)
تعني الكاهن اليهوديّ، والوثني، والتلاميذ، والجميع. وتجد هذه المجموعة تفسيرها بواسطة أشعيا الذي يشير إلى الخلاص كما حقّقه يسوع.
* مجموعة ثانية من المعجزات (8: 18- 9: 17)
يحيط بها كما بإطار نداءان ليسوع (8: 18- 22؛ 9: 9): أمر يسوع البحر، وطرد الشياطين وغفر الخطايا. كل هذا يحرّك ردّات فعل متنوّعة لدى التلاميذ والشياطين والكتبة. وفي النهاية، شدّد العريس على جديد تعليمه الخلاصّي من أجل الخطأة.
* مجموعة لاحقة من المعجزات (9: 18- 34)
هذا ما يهيِّىء عن بُعد جواب يسوع لموفدي يوحنا (11: 2- 5). تورد هذه المتتالية شفاء النازفة، وإقامة الصبية، وشفاء الأعمى والأخرس. انقسم الحاضرون فجعلنا النصّ نستعد لما في ف 12.
(2) المعلّم يرسل تلاميذه (9: 35- 10: 42)
بعد إجمالة تذكّرنا بالشعبة السابقة ومقدّمة تحدّد موقع الخطبة، أعطى يسوع سلطاناً للتلاميذ الاثني عشر. والتوصيات بحصر المعنى، تسبقها لائحة بالرسل الاثني عشر، وتتبعها تعليمات عن علاقة التلاميذ بمعلّمهم في وقت الاضطهادات.
(3) الخيار الحاسم: مع يسوع أو ضد يسوع (11: 1- 13: 52)
تأتي إجمالة (11: 1) فتربط هذه الشعبة بالشعبتين السابقتين، وتدلّ على عمل يسوع المتواصل في التعليم والكرازة (4: 23- 25؛ 9: 35).
(أ) أعمال يسوع تساعد على التمييز (ف 11- 12)
يشكّل هذان الفصلان وحدة تامة (11: 24 و12: 38- 42؛ 11: 25- 30 و12: 46- 50).
* حكم على الأحداث السابقة (11: 2- 30)
خطبتان متّحدتان ومشروحتان بواسطة انتقالة تعبرّ عن هدف الانجيليّ (11: 20): فيسوع، رغم معجزاته، لم يستطع أن يردّ اسرائيل. حينئذ دلّ يسوع على قصد الله الذي اختفى وراء هذه الاحداث وكشف سرّ الإيمان.
* حكم على الاستعدادات الداخلية (12: 1- 50)
نقرأ حدثين (السبت، طرد الشيطان مع جدال حول بعل زبول) مع استراحة نرى فيها يسوع يعتزل "المعركة" مثل عبد الله المتألم. وفي الخاتمة يدلّ يسوع على البقيّة الباقية، على عائلته.
(ب) التعليم بالأمثال يساعد على التمييز (13: 1- 52)
لم يعد هنا من خصوم، بل الجموع والتلاميذ. ويأتي وراء هذا التمييز تعليمان. هناك مجموعتان رئيسيّتان تتضمّن كل منهما مثلاً واحداً (أو: أمثالاً عديدة) مع طلب شرحه وشرحه. وبعد بضعة أمثال لاحقة، أعلن يسوع أن تلاميذه صاروا من الداخل، مرّوا في "سرّ" التنشئة.
الخاتمة: في بداية القسم الأول (4: 12) ترك يسوع الناصرة. وفي نهايته عاد إلى الناصرة. وهي محاولة ستصل إلى شكّ الناس وارتيابهم برسالته (13: 53- 58).

ج- الآلام والمجد (ف 14- 28)
(1) إلى أورشليم: الآلام والمجد (ف 14- 20)
(أ) يسوع يعود أدراجه ويؤسِّس الكنيسة (14: 1- 16: 20)
يتوقّف الاهتمام على الأمكنة وعلى التلاميذ وحدهم.
* أول حركة تراجع وأول تكثير للأرغفة (14: 1- 36)
لقد دفع هيرودس يسوع إلى الذهاب. فقطعُ رأس يوحنا يعلن مصير يسوع. ونجد معجزتين، ثم إجمالة عن المعجزات، وكل هذا يتوخّى تثبيت التلاميذ في إيمانهم.
* ثاني حركة تراجع وثاني تكثير للأرغفة (15: 1- 39)
بعد جدال مع الفريسيين، استفاد يسوع من المناسبة ليعلّم تلاميذه قبل أن يمضي. ونجد هنا معجزة ثم إجمالة عن المعجزات ثم تكثير الأرغفة. كل هذا يحصل خارج اسرائيل.
* ثالث حركة تراجع ودرس حول "الخبز" (16: 1- 12)
ترك يسوع خصومه الذين تحدّوه، ومضى. ثم استعاد أمام تلاميذه معنى الأحداث.
* الخاتمة: اعتراف بطرس وإعلان الكنيسة (16: 13- 20)
بعد هذا الاعتزال بدت الكنيسة انقلاعاً عن اسرائيل وعبوراً إلى الأمم.
(ب) يسوع يصعد إلى أورشليم ويعلّم كنيسته (16: 21- 20: 28)
يتركّز الانتباه أيضاً على التلاميذ، ولا يعود يتركّز على الأمكنة: إن تحرّك يسوع هو تحرّك تعليميّ.
* متتالية أولى من التعليم (16: 21- 17: 21)
إن الإنباء الأوّل بالآلام والقيامة جعل بطرس لا يفهم، واجتذب تعليماً أول حول "التعاطف" مع يسوع في آلامه لكي نشاركه في مجده. والتجلّي المجيد وإعلان مصير ابن الإنسان الذي يشبه مصير يوحنا المعمدان، يؤكّدان هذه التعاليم. وشفاء المريض بداء الصرع يدلّنا على الإيمان الذي نحتاج إليه.
* متتالية ثانية من التعليم (17: 22- 20: 16)
إن الإنباء الثاني بالآلام والقيامة يتبعه فاصل مع بطرس حول ضريبة الهيكل، وتعليم ثانٍ حول واجب الخدمة، وتوصيات من أجل الكنيسة، وخطبة حول انقلاب القيم من أجل التلاميذ وحدهم: الزواج والبتوليّة، الأطفال، التجرّد عن الغنى، النعمة التي تهبنا كل شيء.
* متتالية ثالثة من التعليم (20: 17- 28)
بعد الإنباء الثالث بالآلام والقيامة (الذي جاء كثر تفصيلاً) يأتي حدث لافهم ابني زبدى ثم تعليم أخير حول الخدمة والتضحية.
خاتمة وانتقالة
ونصل إلى حدث يجعلنا في مكان محدّد. عُرف يسوع أنه ابن داود في فم أعميين رأيا رغم عماهما فتبعا يسوع (20: 29- 34).
(2) في أورشليم: الآلام والمجد (ف 21- 28)
بعد الآن، يتركّز الانتباه على الأمكنة وعلى التلاميذ.
مقدّمة (21: 1- 22)
دخل ابن داود إلى مدينته ووضع يده على الهيكل. ثم كانت فعلة رمزيّة مع التينة التي يبست، وكل هذا لتثبيت التلاميذ في إيمانهم.
(أ) يسوع يواجه خصومه (21: 23- 23: 39)
تحصل هذه الأحداث في يوم واحد وفي مكان واحد، هو الهيكل. طالب الرؤساء يسوع بأن يبرّر الأحداث السابقة، فعاد إلى يوحنا، ثم انتقل إلى الهجوم على ثلاث دفعات: مع الهيرودسيين، مع الصادوقيين، فأفحم الجميع. وتوّج يسوع حربه مندّداً برياء الكتبة والفريسيين، ومطلقاً نداءً أخيراً إلى المدينة التي سيتركها حتى نهاية الأزمنة.
(ب) الدينونة (24: 1- 27: 66)
* الخطبة الاسكاتولوجيّة (24: 1- 25: 46)
في هذه الخطبة يدين يسوع العالم.
بعد نبوءة دمار الهيكل، جاءت الخطبة بحصر الكلمة؛ ثم كانت تعليمات حول السهر في ثلاثة أمثال مع صورة عن الدينونة الأخيرة.
* الآلام (ف 26- 27)
البشر يدينون يسوع.
* المقدمة: المؤامرة. الدهن بالطيب في بيت عنيا، يُبرز خيانة يهوذا وما فيها من وجهة دراماتيكيّة (26: 1- 16)
* في الخفاء: إعداد أسراريّ للذبيحة. الصلاة في جتسيماني (26: 17- 46)
* في العلن: أوقف يسوع، وحُكم عليه كمسيح في فم اليهود، وكملك اليهود في فم بيلاطس. صُلب فمات وقُبر (26: 47- 27: 66).
* النهاية 28: 1- 25
دينونة الله أو القيامة. ظهر يسوع في الجليل وسلّم تلاميذه رسالة من أجل العالم كله.
كل هذا يدلّ على أنه بالإمكان أن نكتشف في مت تدبيراً عن الوحي. فالانجيل يورد دراما: لقد طلب يسوع من شعبه تعلقاً بدون تحفظ بشخصه، وأعلن قبول الوثنيين في ملكوت السماوات. كان على هذا اللقاء أن يكمّل شعب الله. ولكن رفض شعبُ اسرائيل النداء، فصار هذا اللقاء انفصالاً واقتلاعاً. وبحسب قصد الله، الكنيسة هي الآن شعب الله الحقيقيّ واسرائيل الجديد.
تصاميم ثلاثة قدّمناها لانجيل متّى، ولم نأخذ موقفاً. فالقارىء يختار التصميم الذي يساعده بشكل أعمق على التعرّف إلى كلمة الله. أما نحن فنقسم الانجيل إلى مراحل تساعدنا على إعطاء فكرة عامة عن المتتاليات المتتابعة. في المرحلة الأولى التي هي مطلع الانجيل، نتعرّف إلى التاريخ كما تمّ في يسوع المسيح (ف 1- 2). في المرحلة الثانية نعلن قرب إعلان الملكوت: فيسوع هو المسيح والابن الوحيد (ف 3- 4). في المرحلة الثالثة نرى يسوع يعلّم بسلطان (ف 5- 7). وفي المرحلة الرابعة هو يعمل بقدرة الله (ف 8- 9). هذا ما يكون عليه الجزء الأول من تفسير متّى، ويليه جزءان آخران مع مت مراحل أخرى: يسوع يرسل التلاميذ، وهو موضوع عثار في شعبه. سرّ الملكوت ونموّ الملكوت. جماعة الصغار التي تقبّلها الله وغفر لها والطريق إلى أورشليم. وأخيراً مجيء ابن الإنسان وفصح الملكوت، وينتهي كل هذا بإرسال التلاميذ إلى العالم كله.
الفصل الثالث
التأليف الأدبي أو ترتيب الإنجيل

حين نقرأ مت بعد أن نقرأ مر، نحسّ أننا ننتقل من عالم الطبيعة لندخل إلى الكنيسة. علّمنا مر أن نجد الحيويّة في أخباره، فجاءت في بدايتها قريبة جداً من الواقع. أما مت فنقلنا إلى داخل الجماعة المسيحيّة وهناك بدأ يقدّم لنا تعليم يسوع لأبناء عصره، سنة 80 تقريباً، ولنا نحن العائشين في نهاية الألف الثاني.
نتوقّف هنا عند ترتيب الإنجيل فندرس المفاصل واللحمات. ثم أسلوب الكتابة، وأخيراً البنية الموضوعيّة.
1- المفاصل واللحمات
نحن في عملية الترتيب كما في عملية خياطة تربط العناصر بعضها ببعض، أو عملية تلحيم هذه العناصر لتصبح تأليفاً واحداً. ونذكر هنا اللحمات الكرونولوجية واللحمات الطوبوغرافية، والانتقالات التفسيريّة.
أ- اللحمات الكرونولوجيّة
هي التي تدلّ على التسلسل الزمني وعلى ارتباط الأحداث بعضها ببعض في إطار تاريخي محدّد. فهل من بُعد للحمات الكرونولوجيّة في إنجيل متّى؟ يبدو أن الجواب هو كلاّ. فإذا جعلنا جانباً خبر الحاش والآلام، نلاحظ فقط ثلاث عبارات تتكرّر في الإنجيل. الأولى: "ولما جاء المساء". نقرأ في 8: 16: "ولما كان المساء، قدّموا إليه كثيرين بهم شياطين". وفي 14: 15: "ولما جاء المساء، تقدّم إليه التلاميذ...". وكانت معجزة تكثير الأرغفة الأولى التي توجّهت إلى اليهود. وفي آ 23: "وعند المساء كان يسوع وحده". وقضى ليلته في الصلاة قبل أن يمشي على الماء ذاهباً إلى التلاميذ.
والعبارة الثانية: "بعد ستة أيام". نقرأها قبل حدث التجلّي. "وبعد ستة أيام، أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا". ما زال الشعب يعيّد عيد المظال. فلم يصل إلى اليوم السابع، إلى ملء العيد، ولا إلى اليوم الثامن كما قال لوقا، وكأننا أمام بداية جديدة. والعبارة الثالثة: "في الصباح". نقرأها في خبر التينة الملعونة. وفيما هو (يسوع) راجع إلى المدينة في الصباح، جاع. فرأى شجرة تين على الطريق.
وترد لفظة "حينئذٍ" 92 مرة في مت (ترد في مر 6 مرات وفي لو 15 مرة). وهناك عبارة: "في ذلك الوقت". أو: "في ذلك اليوم". فدخول السابق على مسرح الأحداث، قد ارتبط بإنجيل الطفولة مع عبارة: "في تلك الأيام". نقرأ في 3: 1: "في تلك الأيام ظهر يوحنا المعمدان يعظ في بريّة اليهوديّة". نحن هنا في الواقع أمام حدث جديد. وإن ارتبط بما سبق ارتباطاً كرونولوجياً، إلاّ أن هذا الارتباط ليس بالمتين.
ونقرأ عبارات أخرى لا تدلّ كثيراً على الزمن. مثلاً: "وإذ كان يكلّمهم" (9: 18). لسنا أمام رباط كرونولوجيّ، بل رباط إخباريّ. هكذا اجتمعت معجزة إلى أخرى لتكوّن مجموعة المعجزات العشر التي ستدلّ على أن يسوع قدير في العمل كما بدا قديراً في الكلام. كما نقرأ: "وما إن خرجا (الأعميان) حتى أحضروا إليه (إلى يسوع) أخرس".
وقد نجد عبارات تتوزّع المقاطع توزيعاً كرونولوجياً. فإن خدمة يوحنا المعمدان (3: 1) وتدخّل هيرودس (14: 1: في ذلك الزمان سمع هيرودس التتراخس بخبر يسوع)، يدلاّن على منعطفين في حياة يسوع. الأول: دلّ على بداية رسالته التي تتبع رسالة المعمدان. والثاني: دلّ على موت المعمدان الذي هو نذير بموت يسوع شهيداً من أجل كلمة الله. بالإضافة إلى ذلك نقرأ مرتين: "ومنذ ذلك الوقت". مرة أولى في 4: 17: "ومنذ ذلك الوقت طفق يسوع يعظ". ومرة ثانية في 16: 21: "ومنذ ذلك الوقت شرع يسوع يبيّن لتلاميذه أنه ينبغي له أن يمضي إلى أورشليم". في المرة الأولى نفهم أن يسوع يدشّن "الآن" بشكل احتفالي خدمة كرازته. كرازة بالقول (ف 5- 7). كرازة بالعمل (ف 8- 9). وفي المرة الثانية (16: 21) نفهم أن يسوع بدأ بشكل احتفالي يكشف سرّ ابن الإنسان المتألّم والممجّد. وهكذا يتوزّع الصعود إلى أورشليم ثلاثة انباءات بالآلام والقيامة (16: 21؛ 17: 22؛ 20: 17- 19)، فنكون أمام مرحلتين رئيسيتين في تعليم يسوع.
ب- اللحمات الطوبوغرافيّة
هي التي تدلّ على الأمكنة التي ذهب إليها يسوع. نتوقّف عند قيمتها في شكلها العمومي، وحين لا تتضارب مع معطيات سائر الأناجيل. الناصرة هي تلك القرية الصغيرة التي لا يذكرها العهد القديم، والتي تركها يسوع (بعد أن أقام فيها خلال صباه 20: 23) ليبدأ حياته العلنيّة (4: 13). والتي ما زال ينتمي إليها فقيل فيه خلال الدخول إلى أورشليم: "هذا هو النبي يسوع الذي من ناصرة الجليل" (21: 11).
وتُذكر كفرناحوم التي بدأ يسوع فيها بشارته بعد أن ترك الناصرة. هي مدينة من الجليل تقع على الشاطىء الشمالي الغربيّ لبحيرة طبريّة. كان فيها مركز للجمارك، ومركز من الجنود الرومان بإمرة قائد المئة (4: 13؛ 8: 15؛ 11: 23؛ 17: 24). يبدو أن يسوع أقام فيها خلال رسالته العلنيّة وبالتحديد في بيت بطرس. وهناك دفعَ ضريبة الدرهمين. هل كان ليسوع بيت في كفرناحوم؟ الأمر ممكن، وإن قال بأن ليس له موضع يسند إليه رأسه ليدلّ على أنه في رواح ومجيء دائم من أجل رسالته.
وذُكرت المدن الوثنيّة. صور وصيدا في فينيقية. فإلى مناطق هاتين المدينتين توغلّ يسوع، وهناك شفى ابنة المرأة الكنعانيّة. نشير هنا إلى أن لصور وصيدا معنى لاهوتياً: إنهما تدلاّن على العالم الوثني: لو كرز فيهما يسوع، لو عمل فيهما معجزات كما عمل في كورزين وبيت صيدا، لتابتا شأنهما شأن نينوى (11: 21). ومن المدن الوثنية "جراسة" أو أرض الجراسيين. هي مركز هلنستي يعود إلى أيام السلوقيين، وقد ضُمّت إلى المدن العشر بعد أن استولى بومبيوس الرومانيّ على البلاد. ونذكر أيضاً قيصريّة فيلبس (نميّزها عن قيصريّة البحريّة جنوبي الكرمل والتي سمّيت "برج سترابون") التي تقع قرب منابع الأردن (سمّيت "بانيون" نسبة إلى الإله "بان"، إله الرعاة والقطعان. ثم "نيرونياس" نسبة إلى الإمبراطور الرومانيّ نيرون). في هذه المنطقة جعل الإنجيليّ الأول اعتراف بطرس بيسوع: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ" (16: 13- 16).
ونقرأ في إنجيل متّى اسم "مغدان" التي هي منطقة مجهولة، وإليها ذهب يسوع بعد المعجزة الثانية لتكثير الأرغفة (15: 39). كما نقرأ اسم أريحا الواقعة في وادي الأردن والتي تبعد بعض الشيء عن البحر الميت. في أريحا شفى يسوع أعميين (20: 29- 30). أما مر 10: 46 فيتحدّث عن أعمى واحد واسمه برطيما، ابن طيما. ونذكر بشكل خاص أورشليم، عاصمة الشعب العبرانيّ، والموضع الذي فيه بُني الهيكل، موضع حضور الله. إليها صعد يسوع وفيها سيُصلب بعد أن بكى عليها: "يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين إليها" (23: 27).
ويتحدّث مت عن الجليل الذي يشكّل القسم الشمالي من فلسطين، فيقع بين لبنان وسهل يزرعيل. في الجليل نجد طبريّة، الناصرة، كفرناحوم... كان الجليل منطقة خصبة، ولهذا كثُر عدد سكّانه. إتخذ الجليل معنى روحياً في الأناجيل، فصار موضع الانفتاح على البشارة تجاه أورشليم المدينة التي انغلقت على تعليم يسوع بانتظار أن تقتله. كان الجليل مزيجاً من السكان اليهود والسكان الوثنيين. لهذا بدأ فيه يسوع بشارته ليصل إلى اليهود والوثنيين كما سيفعل الرسل وخصوصاً بولس بعده. في الجليل توجّه يسوع إلى شعب يهدّده ليل العالمي الوثني كما كانت تهدّده الحرب الأشورية خلال القرن الثامن ق. م. اعتاد "المصلحون" أن يهربوا من الجليل وفيه ما فيه من مزيج من السكان. هكذا فعل الفريسيون فاحتقروا أهل الجليل وما فكّروا يوماً أن يسوع يمكن أن يظهر من الجليل. وهكذا فعل الإسيانيّون، فانعزلوا عن الناس في بريّة يهوذا. أما يسوع فاختار جليل الأمم. وفيه أقام خلال طفولته وصباه (2: 22). من الجليل انطلق لكي يعتمد على يد يوحنا (3: 13)، وعند بحيرة الجليل اختار تلاميذه الأولين (4: 23- 25). وسيظلّ مدة طويلة يتنقّل في أرجاء الجليل قبل أن يصعد إلى أورشليم (20: 17- 18: "وفيما كان يسوع صاعداً إلى أورشليم... قال: ها نحن صاعدون إلى أورشليم").
ومن الأماكن المذكورة في مت "بيريه" أو عبر الأردن (4: 25). هي منطقة تمتد من بلا في شرقي الأردن، إلى مكاور (حيث توجد قُلعة سُجن فيها يوحنا المعمدان). وسورية التي فيها عاش متّى ولا شك، وفيها كتب إنجيله. ونحن نفهم "سورية" في المعنى الرومانيّ فتمتدّ إلى فلسطين وسهل البقاع دون أن تصل إلى حلب. وتذكر المدن العشر أو دكابوليس: بلا، جدارة، ديون، هيبوس، فيلدلفية أو عمّان الحالية، سيتوبوليس أو بيت شان، جراثة، كناثة، دمشق، ابيله. منها جاء سامعو يسوع كما جاؤوا من بيريه، من سورية ومن اليهوديّة.
تجمّعت هذه الأماكن المذكورة في مت، في ثلاث شُعب كبيرة. 8: 1- 9: 34: بيت لحم، الناصرة، برّية اليهوديّة، المدينة المقدّسة، بحر الجليل، كفرناحوم، أنحاء الجليل. والشعبة الثانية، 14: 1- 16: 20: العالم الوثني، برّ جنيسارت، صور وصيدا، قيصريّة فيلبس. والشعبة الثالثة (21: 1- 27: 66): أورشليم وما يحيط بها: اريحا، بيت فاجي، جبل الزيتون، الهيكل، ساحة الهيكل، بيت عنيا... هل نستطيع أن ننطلق من هذه المواضع لكي نبني مسيرة مفصّلة سار فيها يسوع؟ كلا. فهذه المواضع تبدو إشارات غامضة لم تكتب من أجل معلومات جغرافيّة بل من أجل معلومات لاهوتيّة. ونعطي مثلاً واحداً. نقرأ في 28: 16 ي: ذهب التلاميذ إلى الجليل... ولكن الجليل منطقة واسعة... إلى الجبل. أي جبل، والجليل كله منطقة جبليّة... حيث أمرهم يسوع، حيث تواعد معهم يسوع. ولكن أين كان موضع اللقاء؟ هذا ما لا يقوله النصّ. قد نكون هنا بشكل رمزيّ على "جبل التجارب" أو على "جبل التجليّ". هناك بدا المسيح إنساناً وإلهاً. وهكذا تكون الكنيسة التي أسّسها يسوع إلهية وإنسانية. وهي تنطلق من جليل الأمم، كما انطلق يسوع في رسالته من الجليل، فتُتابع العمل الذي بدأه معلّمها.
وهناك إشارات محدودة، قد تعكس ذكريات حقيقيّة ولكنها أمّحت مع الزمن كما أمّّت الأماكن التي حصل فيها هذا الحدث أو ذاك. غير أنها تساعد على تحديد موقع الخبر الذي يلي. "على شاطىء بحر الجليل"، "صعد ونزل من الجبل"، "في الطريق" "في البيت" أو خارج البيت، "في السفينة". كل هذا لا يستطيع أن يسند بناء طوبوغرافياً تتطلّبه كتابة سيرة انسان في المعنى الحديث.
لم يكن للمسيحيّين الأولين هذا الاهتمام. بل كان توجّههم توجّهاً آخر، وهو أن يحدّدوا في الزمان والمكان، وإن مع بعض الغموض، أصغر الأخبار بشكل واقعيّ. وهكذا نرى يسوع يجلس "على الجبل". نقرأ في 5: 1: "صعد إلى الجبل وجلس" كما يجلس معلّم أمام تلاميذه. وفي 15: 29: "وجلس هناك، فأقبل عليه جموع غفيرة". حينئذٍ كسر لهم الخبز وأطعمهم. وفي بداية الأمثال، نقرأ في 13: 1: "وجلس عند شاطىء البحر، فاحتشدت لديه جموع كثيرة". وفي آ 2: "صعد إلى سفينة وجلس وكان الجمع كله واقفاً على الشاطىء". هو يعلّم كما على منبر. وهو فوق البحر عالم الشر. هو كالملك الجالس وحوله عبيده. ونتحدّث أخيراً عن جلوس يسوع في خطبة "نهاية العالم". "وفيما هو جالس على جبل الزيتون" (24: 3). هكذا وقف الرب على الجبل قبل دمار أورشليم سنة 587 ق. م. على يد البابليين. وجلوس يسوع على جبل الزيتون ينذر بنهاية المدينة المقدّسة التي ستسقط في يد الرومان سنة 70 ب. م.
ويُقال عن يسوع أيضاً أنه يرى، ونظرته ليست نظرة غامضة وكأنها لا تعني شيئاً. نظرته تدلّ على حبّه واهتمامه وكأنه يريد أن يضمّ إليه كل الذين يقعون أمام ناظريه. قبل عظة الجبل، "رأى يسوع الجموع" (5: 1)، وكأني بهم يريد أن يكلّمهم واحداً واحداً. وهو ما زال يرانا ويوجّه إلينا عظته اليوم. وقبل الانطلاق إلى العالم الوثني، "رأى يسوع الجموع تكتنفه" (8: 18) وكأنها تريد أن تتمسّك به قبل أن يذهب إلى العالم الوثنيّ. هذه النظرة ترافق النازفة التي "سلبت" منه الشفاء (9: 22)، وتنظر إلى الباكين حول جثة ابنة يائيرس (آ 23)، وتتوجّه إلى الجموع متحنّنة مشفقة (آ 36). ويقول لنا مت إن يسوع "رأى شجرة تين على الطريق" (21: 19). تلك نظرة الدينونة والقضاء. "يبست التينة من ساعتها" (آ 20).
ونرى يسوع "خارجاً" و"ذاهباً من هناك". "وفي ذلك اليوم خرج يسوع من البيت" (13: 1). "ولما خرج من السفينة" (14: 14). "وخرج يسوع من هناك" (15: 21). "وخرج يسوع من الهيكل ومضى". هذا الخروج هو أكثر من انتقال من موضع إلى آخر. تلك هي عبارة أولى. والعبارة الثانية: "مضى من هناك فرأى أخوين آخرين" (4: 21). "وفيما هو منصرف من هناك، أبصر انساناً" (9: 9؛ رج آ 27؛ 11: 1؛ 12: 9، 15؛ 13: 52؛ 14: 13؛ 15: 21- 29، 19: 15). تتوخّى كل هذه الاشارات التي قد تبدو "تافهة" للقارىء الحديث، أن تجعل القارىء بحضور شخص ملموس رأوه بعيونهم وسمعوه بآذانهم ولمسوه بأيديهم. لا، لسنا أمام مجموعة من اللوحات، أو تكديساً من الأمثلة التي تصوّر تعليماً من التعاليم. نحن أمام حياة حقيقية، هي حياة يسوع الناصريّ.
ج- الانتقالات التفسيريّة
تبدو الانتقالات التفسيريّة عادة خاضعة لاهتمام تعليميّ. ولكنها تعكس أيضاً علاقة بين العلّة والنتيجة، وإن لم تكن هذه العلاقة واضحة دائماً. مثلاً، هناك رباط بين "اعتزالات" يسوع والتهديدات التي أرخت بثقلها عليه بمناسبة توقيف يوحنا أو هجمات الفريسيين. نقرأ في 4: 12: "وسمع يسوع باعتقال يوحنا، فرجع (اعتزل، تراجع) إلى الجليل". "أوقف يوحنا" وُضع في السجن (رج لو 3: 20). هذا ما سوف يحدث ليسوع (17: 22: 26: 2؛ 27: 2، 18، 26). اللفظة اليونانيّة هي في المجهول "أسِلم". إذا كان البشر هم الفاعلون في هذه المأساة، فالله يقود كل شيء بحسب قصده. نقول في لغة اليوم: الله سمح بذلك.
وفي 14: 13 وبعد مقتل يوحنا المعمدان، نقرأ: "فلما سمع يسوع (بهذا الخبر، آ 6- 12)، مضى من هناك في سفينة إلى مكان منفرد". أجل، كما اعتزل حين وُضع المعمدان في السجن، هكذا سيعتزل حين يُقتل يوحنا. فمقتل المعمدان هو مقدّمة لموت يسوع، كما كان مولده مقدّمة لمولد يسوع، بل حياته كلها، وهو السابق، مقدّمة لحياة يسوع. أجل لم يأتِ الوقت بعد لكي يواجه يسوع الآلام والموت.
ونقرأ في 15: 21: "ومضى يسوع من هناك، فاعتزل في نواحي صور وصيدا". أجل كان الجدال قاسياً مع الفريسيين، وقد يريدون به شراً، وهم يعرفون كيف يجعلون الحاكم من جهتهم. لهذا ذهب يسوع إلى "مقاطعة" لا تقع تحت سلطة ملك الجليل. ذاك كان السبب الخارجيّ: الخوف من الملاحقة. وهناك السبب اللاهوتي: صور وصيدا هما بوّابة العالم الوثني. وإذ ذهب يسوع إليهما، بدا وكأنه يفتح الدرب أمام الرسل ليحملوا الانجيل خارج العالم اليهودي ويصلوا به إلى أقاصي الأرض.
وسيكون جدال آخر أشدّ قساوة، لا مع الفريسيين وحسب، بل مع الصادوقيين أيضاً. سمّاهم "الجيل الشرير الفاسق" الذي لا يعرف أن يقرأ علامة الأزمنة، ورفض أن يعطيهم آية تدلى على شخصه. إنهم يشبهون الشيطان الذي يطلب آية من يسوع تدلّ على أنه ابن الله. ويشبهون هيرودس الذي كان "يرجو أن يشهد آية تتمّ على يده" (لو 23: 8). وسيطلبون منه آية هامّة: أن ينزل عن الصليب لكي يؤمنوا به (27: 42- 43). جيل شرير فاسق! لا شكّ في أنهم غضبوا عليه بعد هذا الكلام القاسي الذي ينعتهم بالكفر واللاإيمان. أحسّ يسوع بالخطر "فتركهم ومضى" (16: 4). لا يقول النص إلى أين مضى. ولكن سوف نراه في قيصريّة فيلبس، على حدود العالم الوثني. أجل، لم تأتِ ساعته بعد، وقد يحاول الفريسيون وأتباعه أن يرموه من على "حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه" (لو 4: 29). أو يسعون إلى رجمه على ما قال يو 8: 59: "فأخذوا حجارة ليرجموه، فاختفى عنهم وخرج من الهيكل" (رج 10: 31- 33؛ 11: 8). قد يكون يسوع هرب لأن ساعته ما جاءت بعد. وفي هذا الهرب إلى قيصريّة فيلبس، كانت عزلة مع تلاميذه وصلت به إلى كشف شخصه بفم بطرس: أنت المسيح ابن الله الحيّ (16: 16).
وهناك انتقالات أخرى قد تدلّ على معانٍ عديدة. فقرائن النصّ ومقابلته مع نصوص مر ولو، تساعدنا على تقدير هذه الانتقالات. مثلاً، قرأنا في 5: 1 أن يسوع "رأى الجموع". هو في الواقع يريد أن يبتعد عن هذه الجموع ليعتزل بتلاميذه ويقدّم لهم تعليمه. غير أن هذه الجموع سمعت تعليمه، على ما يبدو. فنحن نعرف من 7: 28 أنها "بُهتت من تعليمه". وفي 8: 18، تبدو عبارة "ولما رأى يسوع الجموع" كمقدّمة لطلب يسوع مكاناً منعزلاً يكون فيه وحده أو مع تلاميذه فقط. أما في 9: 36، فعبارة "رأى الجموع" تدلّ على أنه يريد أن يذهب إلى الناس "لأنهم كانوا منهوكين، منطرحين، مثل غنم لا راعي لها"


2- أسلوب الكتابة
نتحدّث هنا عن الوسائل التي نستعملها للحصول على نتيجة ما. والنتيجة هنا هي من النوع الأدبي. وهي تدلّ على نهج أخذ به مت، وأسلوب نعرفه في عالمنا الشرقيّ مثل الكلمات الشابكة، والرموز العدديّة، والتضمينات الأدبية، والتوازيات، وتكرار العبارة الواحدة.
أ- الكلمات الشابكة
هي كلمات تربط مقطعاً بآخر وعبارة بأخرى. إنها تساعد الذاكرة على حفظ سلسلة من الأقوال لا يجمع بينها المضمون الواحد ولا المحتوى الواحد. مثلاً في 18: 4 نفهم أنه يجب أن نتّضع مثل "هذا الطفل". وفي 18: 5 أنه يجب أن نتقبّل "طفلاً مثل هذا". وفي 18: 6 أن نتجنّب أن نشكّك "واحداً من هؤلاء الصغار". "فمن وضع نفسه مثل هذا الطفل، فذاك هو الأعظم في ملكوت السماوات. ومن قبل ولداً كهذا، علماً أنه لي، فإياي يقبل. وأما الذي يعثّر أحد هؤلاء الصغار، فحريّ به أن يعلّق بعنقه رحى الحمار ويُزجّ في أعماق البحر" (18: 4- 6). ونستطيع أن نزيد آ 3: "إن لم ترجعوا فتصيروا كالأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السماوات". بعد أن حرّض يسوع تلاميذه على أن يجعلوا نفوسهم صغاراً مثل الأطفال، مثل الأولاد الصغار الذين يرتبطون بأهلهم وينتظرون منهم كل شيء، ها هو يطلب منهم أن يتقبّلوا هؤلاء الأطفال كما يتقبلونه هو. هنا نلتقي بما في مت 25: 40: "كل ما فعلتموه مع أحد إخوتي هؤلاء الصغار، فمعي فعلتموه".
وهكذا وحّدت كلمة "طفل، ولد صغير" أقوالاً كانت في الأصل مبعثرة. أما الكلمة الشابكة فقد تكون هي هي في اليونانيّة كما في 18: 3، 4، 5 (بايديون). وقد تتبدّل في آ 6: "مكروس". حينئذ قد تكون الخلفيّة الأراميّة لفظة واحدة. وقد يكون هناك تقارب لا على مستوى المبنى والألفاظ، بل على مستوى المعنى. في 5: 14 نفهم أن على التلاميذ أن يكونوا نور العالم. ولفظة نور تجرّ وراءها لفظة قريبة: "السراج". هذا مع العلم أن الفكرة انتقلت من مكانها وراحت في اتجاه آخر. في 5: 14 كان موضوعُ الكلام الكرازة (لا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة ليضيء لجميع من في البيت) فصار يدلّ في 5: 15 على السلوك الخلقيّ: "هكذا فليضىء نوركم أمام الناس ليروا أعمالكم الصالحة...".
ب- الرموز العدديّة
تتوافر الأرقام في مت من أجل عمل الذاكرة، كما من أجل بُعدها الرمزيّ.
أحصى مت ثلاث سلاسل من 14 أب ليسوع (1: 17). وهكذا نكون أمام 2 × 7. وأحصى 7 طلبات في الصلاة الربيّة، وكأنه يقول لنا إنها ملء الصلاة ومنها تستقي كل صلواتنا. وهناك 7 أمثال. ولا ننسى أن العدد 7 هو عدد الكمال. و7 ويلات تصيب الفريسيين (الويل لكم، ف 23). فماذا يبقى لهم أن يصنعوا إلاّ أن يتوبوا. ويذكر 12: 45= لو 11: 26 سبعة شياطين. وإن 15: 34، 36، 37؛ 16: 10= مر 8: 5، 6، 8، 20 يذكر سبعة أرغفة وسبع سلال. ويحدّثنا يسوع عن غفران لا يصل بنا إلى 7 مرات فقط، بل إلى 70 (7 × 10) مرة 7 مرات (18: 22).
إن وجود أرقام مماثلة في مر ولو، يجعلنا ندرك أن التقليد المشترك (وليس مت وحده) احتفظ بهذه الأرقام التي قد تكون وصلت إليه من الكنيسة الأولى، أو ربّما من المسيح نفسه. مثلاً، المرأة التي اتخذت سبعة أزواج (22: 25- 28 وز).
وهناك الرقم 3 الذي يبدو مميّزاً عند مت. فالتجارب ثلاث. وأعمال التقوى ثلاثة: الصدقة، الصلاة، الصوم. والأعشاب التي تعشّر ثلاث: النعنع، الشبث، الكمّون. ويتحدّث النصّ عن العدل والرحمة والأمانة (23: 23). وصلوات يسوع في جتسيماني ثلاث. "تقدّم قليلاً وسقط على وجهه، وصلّى قائلاً (26: 44). صلاة تذكر ثلاث مرات، وهذا ما يدلّ على أنها كانت حارة وشديدة.
وأخيراً، اهتم متّى بشكل خاص بالرقم 2، وهو عالم بأهمية وجود الشاهدين كي تصحّ شهادة من الشهادات (تث 19: 15). تحدّث مر عن مجنون واحد في بلاد الجراسيين، لا يستطيع أحد أن يقربه. أمّا مت فذكر مجنونين غير عابىء بالمنطق البشريّ. فعليهما أن يشهدا لقدرة يسوع في العالم الوثنيّ. وذكر مت أيضاً أعميين، (لا أعمى واحد) شفاهما يسوع وقالت لهما: "ليكن لكما كإيمانكما". وتوقّف في 8: 18 ي، حول دعوتين: تقدّم إليه كاتب... قال له واحد من تلاميذه. وخلال محاكمة يسوع نجد شاهدين كاذبين. نقرأ في 26: 60: "أخيراً تقدّم شاهدا زور وقالا...". ولا ننسى في النهاية صيغة الجمع ليدلّ بها على فئة من الفئات. مثلاً في 4: 3: "هذه الحجارة" (قل لهذه الحجارة أن تصير أرغفة). وفي 7: 11: "أشياء صالحة، عطايا صالحة" (دوماتا): "تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأولادكم".
ج- التضمينات الأدبيّة
في التضمين يستعيد الكاتب في نهاية خبر أو مقولة، لفظة أو كلمة خاصّة تذكرنا بالبداية، وبالتالي "تتضمّن" (أو تحتوي. من هنا أيضاً يُقال: احتواء) الخبر كله في وحدة متينة. مثلاً، نجد في 6: 19 لفظة "كنز" (تيساوروس)، كما نجدها في 6: 21. وهكذا نكون أمام تضمين واحتواء: "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث الصدأ... فإنه حيث يكون كنزك، هناك يكون قبلك". ونقول الشيء عينه عن عبارة "من ثمارهم تعرفونهم". هي ترد في 7: 16 و7: 20. "من ثمارهم تعرفونهم. أيُجنى من الشوك عنب... فمن ثمارهم إذن تعرفونهم". وهكذا دخل في هذا التضمين توسّعٌ حول الشجرة الصالحة والشجرة الرديئة.
وقد يستعمل مت التضمين بشكل إطار يحيط بالحدث (هو أسلوب لا يحبّه لو، ويتحاشاه مر. هذا ما يدلّ على الإطار الشرقيّ للإنجيل الأول). في 16: 6 قال يسوع: "إحذروا خمير الفريسيين والصادوقيين". وفي 16: 12 أنهى كلامه: "حينئذ فهموا أنه يحذّرهم لا من خمير الخبز، بل من تعليم الفريسيين والصادوقيين". إذا عدنا إلى ما يقابل هذا النصّ في مر 8: 15- 21، نجد الحذر في البداية. أما في آ 21 فنقرأ: "فقال لهم: أفلا تفهمون بعد"!
وجعل مت 18: 1- 4 موضوع "الصغير في ملكوت السماوات" داخل إطار يحتويه. نقرأ في آ 1: "في تلك الساعة تقدّم التلاميذ إلى يسوع قائلين: فمن هو الأعظم في ملكوت السماوات"؟ وفي 41: "من وضع نفسه مثل هذا الولد فهو العظيم في ملكوت السماوات" (مايزون: الأعظم). في مر 9: 33- 37 الذي يوازي نص مت، نجد الأعظم في البداية. وفي النهاية (آ 36): "فأخذ ولداً وأقامه في وسطهم وقال لهم: من قبل واحداً من مثل هؤلاء" (آ 37). وكذا نقول عن لو 9: 46- 48 الذي وازى مر موازاة شبه تامّة.
ونجد الشيء عينه في 12: 39 (جيل شرير)، 45 (أمر هذا الجيل الشرير). وفي 15: 2 (لا يغسلون أيديهم)، 20 (وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة)؛ وفي 18: 10 (أبي الذي في السماوات)، 14 (أبوكم الذي في السماوات). رج 19: 13، 15، و19: 30 و20: 16. رج أيضاً 9: 14، 15 وز؛ 12: 2، 8 وز؛ 19: 23 وز؛ 21: 23، 27. في هذه النصوص الأخيرة يلتقي مت مع مر في أسلوب التضمين والاحتواء.
د- التوازيات المترادفة أو المتعارضة
نجد مثل هذه التوازيات في 7: 24- 27: "فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها، يشبّه برجل حكيم... وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها، يشبَّه برجل جاهل". أما لو 6: 47- 49 (الموازي لما في مت) فقد ألغى هذا التوازي الذي تمجّه أُذن يونانيّة، وحاول أن ينوّع أسلوبه. "كل من يأتي إليّ ويسمع أقوالي ويعمل بها، أريكم من يشبه. يشبه إنساناً بنى بيته... وأما الذي يسمع ولا يعمل...".
وقد يُبنى التوازي بشكل معاكس: أ ب ب أ. "من أراد أن يخلّص نفسه" (أ) يهلكها (ب). ومن يهلك نفسه من أجلي (ب ب) يجدها (أ أ) (16: 25 وز). وقد نجد ترتيباً أكثر تشعبّاً كما في 13: 53- 58. فالآية الأولى والآية الأخيرة تحيطان بالخبر كما بإطار. وجاءت العناصر في الداخل كما يلي: أ ب ج/ د/ ج ج ب ب أ أ: "ولما جاء إلى وطنه (أ). قالوا: من أين لهذا" (ب)؟ أليس هذا ابن النجار (ج)؟ أليست أمه تدعى مريم (د)؟ أليست أخواته جميعهنّ عندنا (ج ج)؟ فمن أين له هذا كله (ب ب)؟ قال: ليس نبيّ بلا كرامة إلا في وطنه".
* تكرار العبارة الواحدة
نجد في الانجيل الثاني ثلاث حالات فقط، تتكرّر فيها العبارة نفسها. في مر 4: 2: "وجعل يعلّمهم أشياء كثيرة بأمثال وقال لهم في تعليمه". هذا ما نجده أيضاً في 12: 38: "ثمّ قال أيضاً في تعليمه". في 6: 20 نقرأ ما نجده في 12: 37: "وكان يُصغي إليه بارتياح". والمثل الثالث: 9: 6 و14: 40: "ولم يكن يدري ما يقول لما استحوذ عليهم من الرعب". "فلم يدروا بماذا يجيبونه". ونجد الظاهرة عينها بشكل أكيد في موضعين من إنجيل لوقا. الأول في 2: 14 (المجد لله في العلى) و19: 38 (السلام في السماء والمجد في العلى). الثاني في 16: 8 (أبناء هذا الدهر) و20: 34. غزير أننا نجد تكرارات العبارة الواحدة حوالي 15 مرة في مت ولا نجدها في النصوص الموازية من مر ولو.
"إذا أبرص تقدّم وسجد له" (8: 2)، "إذا بأحد الرؤساء يدنو إليه ويسجد له" (9: 18، يائيرس). نقرأ مرتين عبارة "فعلم يسوع أفكارهم". مرة أولى في شفاء مخلّع كفرناحوم (9: 4). ومرة ثانية حين اتّهم الفريسيون يسوع ببعل زبول (12: 25). رج أيضاً 4: 12- 14: 13 (ولما سمع يسوع)؛ 4: 17= 16: 21 (منذئذ شرع يسوع)؛ 7: 28= 22: 33 (بُهت الجمع من تعليمه)؛ 14: 21= 15: 38 (وكان الآكلون أربعة آلاف أو خمسة ألاف ما خلا النساء والأطفال).
وتعود العبارة ذاتها في فم يسوع مرّات عديدة. مثلاً، الظلمة البرانيّة. رج 8: 12: "أبناء الملكوت (أي اليهود) يلقون في الظلمة البرانية". أيّ يكونون خارج الملكوت لا داخله. يكونون في الظلمة لا في النور؛ 22: 13: "إطرحوه في الظلمة البرانيّة". ذاك ما قيل عن الذي لم يكن عليه لباس العرس؛ 25: 30: "أما العبد البطّال (الذي لم يتاجر بالوزنة)، فألقوه في الظلمة البرانيّة".
وعبارة أخرى هي: "هناك يكون البكاء وصريف الأسنان". هي عبارة بيبلية تدلّ على الغيظ والغضب أمام سعادة الأبرار. هكذا سيبكي أبناء الملكوت ويصرفون بأسنانهم غضباً حين يرون الوثنيين يأتون من المشرق والمغرب ويتَّكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب (8: 11- 12). وهذا ما يكون عليه خطّ فاعلي الاثم الذين هم كالزؤان في هذا العالم (13: 42). وحين يفصل الأبرار عن الأشرار، يُلقى هؤلاء في أتون النار حيث البكاء وصريف الأسنان (13: 50؛ رج 22: 13؛ 24: 51: بالنسبة إلى العبد الشرير؛ 25: 30).
نجد بعض العبارات في مقاطع مشتركة بين الازائيين الثلاثة، أو بين مت ولو. مثلاً، عبارة "الناموس والأنبياء" في 5: 17؛ 7: 12؛ 22: 40: رج 7: 21؛ 11: 13. مثلاً العمل بإرادة الآب في 7: 21؛ 12: 50؛ رج 5: 17= 10: 34؛ 10: 6= 15: 24؛ 10: 17= 23: 34...
وقد نقرأ العبارة عينها في أفواه مختلفة. مثلاً، يوحنا المعمدان ويسوع قد أعلنا أن "ملكوت السماوات قريب" (3: 2؛ 4: 17). وكلاهما سمّى اليهود الرافضين لنداء التوبة: "يا نسل الأفاعي" (3: 7؛ 12: 34= 23: 33). ويرتبط بهذا التصرف الأدبي وجود مقطعين يتكرّران. نقرأ في 5: 29- 30: "إذا عثرتك عينك اليمنى فاقلعها...". إنها آية نقرأها أيضاً في 18: 8- 9. ونقرأ في 10: 38- 39 ما نجده في 16: 24- 25 (من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه)؛ وكذلك نقول عن 17: 20 و21: 21 (لو كان لكم إيمان مثل حبّة الخردل).
ونستطيع أن نزيد على كل هذا، الايقاعَ في الجمل والتناغم بين عبارة وأخرى. وهذا واضح بشكل خاص في التطويبات التي تبدو كقطعة شعريّة تتكرّر فيها لفظة "طوبى"، ويتوازن القسم الثاني من العبارة كجواب على سؤال يدعونا إلى أن نتخذ موقفاً ممّا يقوله يسوع. كما نستطيع أن نتتبع هذا التوازن في المقطع الذي فيه يتهم الفريسيون يسوع بأنه يعمل باسم بعل زبول (12: 22- 32). "فإن كان الشيطان... وإن كنت أنا... وأما إن كنت أنا.. من ليس معي فهو ضدي، ومن لا يجمع معي فهو يفرّق... من تكلّم على ابن البشر يغفر له. وأما من يتكلم على الروح القدس...".

3- البنية الموضوعيّة والفن الأدبي
أ- البنية الموضوعية
يميل مت مراراً إلى تجميع الأقوال حسب تشابه المواضيع التي يقدّمها. هو لم يكتفِ بأن يورد المقاطع إيراداً متراخياً، بل ألّف كتابه بطريقة أدبيّة تدلّ على دوره الهامّ ككاتب أعطى مؤلّفه ترتيباً أصيلاً. نتوقف هنا عند الخطب الكبرى، عند الأخبار، عند التجميع والتقميش.
أولاً: الخطب الكبرى
تتوزّع الخطب الكبرى في انجيل متى وتنتهي كلها مع عبارة واحدة. "فلما كمل يسوع هذه الأقوال، بُهتت الجموع من تعليمه" (7: 28). وبعد الخطبة الثانية: "ولما أكمل يسوع وصاياه لتلاميذه الاثني عشر انصرف من هناك". وبعد خطبة الأمثال: "ولما أكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك" (13: 53). وفي نهاية الخطبة الكنسيّة: "ولما أكمل يسوع هذا الكلام، انتقل من الجليل" (19: 1). وفي الخطبة الخامسة والأخيرة التي تدلّ على نهاية العالم وواجب السهر، نقرأ في ختامها: "ولما أكمل يسوع هذه الأقوال كلها" (16: 1). مع لفظة كلها نفهم أننا أمام خطب خمس على مثال أسفار الشريعة الخمسة. فيسوع هو موسى الجديد، ولهذا جاءت خطبه خمساً. بهذه العبارة (ولما أكمل) أبرز مت العمُد الخمسة التي يرتكز عليها تعليم المعلّم من عظة الجبل، إلى توصيات من أجل الرسالة، إلى سرّ الملكوت كما يبدو في الأمثال، إلى "دروس" حول حياة الجماعة، إلى الخطبة الاسكاتولوجيّة.
وداخل كل من هذه الخطب، يبدو ترتيب المواضيع واضحاً جداً. مثلاً، في الخطبة الأولى، نجد النقائض التي تميّز البرّ الجديد (سمعتم أنه قيل... أما أنا فأقوله لكم)، والتي تلتصق بها أقوال أخرى تشبه الموضوع المعالج. فالنقيضة حول القتل تنتهي في 5: 24 وربّما في آ 22 أ. والقول على المصالحة مع القريب الذي كان له، على ما يبدو، مدلول اسكاتولوجيّ (احتفظ به لو 12: 58- 59: قبل الدينونة. في مت: واجب المحبّة الأخويّة)، جاء يكمّل التعليم حول موقف المؤمن من القريب. والنقيضة حول الزنى هي كاملة في 5: 28 (كل من نظر إلى امرأة حتى يشتهيها فقد زنى بها في قلبه). ولكن لفظة "نظر" اجتذبت موضوع الشكوك (إن شككتك، عثّرتك عينك اليمنى) الذي أوصلنا إلى عمق التعليم الذي تقدّمه هذه النقيضة. وإن النقيضة التالية (5: 31- 32: ولقد قيل)، وإن اختلفت عن سائر النقائض، فقد زيدت هنا لاقتراب موضوعها من موضوع النقيضة حول الزنى.
ونقول الشيء عينه عن 10: 17- 42 (احذروا من الناس...) الذي قد زيد، على ما يبدو، على طبقة أولى تألّفت من 10: 5- 16 ورافقتها مقدّمة قصيرة (10: 1- 4). والاعتبارات ذاتها يمكن أن تساق في ما يتعلّق بالكلام عن بعل زبول الذي زيد عليه 12: 33- 37 وربّما 12: 38- 45. والفصل حول الأمثال يحمل خاتمتين. الأولى (13: 43): "من له أذنان فليسمع". والثانية في آ 53: "ولما فرغ يسوع من هذه الأمثال".
وأقوال يسوع حول الأعظم في ملكوت السماوات (18: 1- 4) سوف تتوسّع لكي تصبح "دروساً" حقيقيّة حول الحياة في الجماعة (18: 1- 35). والكلام القاسي ضدّ الفريسيين والكتبة يتضمن أقوالاً تعود إلى أصول مختلفة، وهذا واضح حين نقابل ف 23 مع ما يوازيه في سائر الأناجيل. ويُزاد على الخطبة الاسكاتولوجيّة بحصر المعنى (ف 24) أمثال حول السهر نقرأها في ف 25.
هذا التدوين الرائع يجعل من انجيل متّى الانجيل التعليمي في أسمى معاني الكلمة، ويبرّر أقله جزئياً أن تكون الأجيال الأولى قد فضّلته على سائر الأناجيل.
ثانياً: الأخبار
وتعكس الأخبار نهج التأليف عينه. ففي ينبوع 8: 1- 9: 34، كانت هناك نواة أولى (8: 1- 16: شفاءان وإجمالة حول الأشفية) زيدت عليها سلسلتان من المعجزات. الأولى، 8: 23- 9: 8: تسكين العاصفة، مجنونا الجدريين، مخلّع كفرناحوم. والثانية، 9: 18- 34: إحياء ابنة يائيرس، شفاء الأعميين، شفاء مجنون أخرس. وهكذا كان لنا في النهاية عشر معجزات.
والانباءات عن مصير ابن الانسان، هي ثلاثة. "ومنذئذ شرع يسوع يبتن لتلاميذه أنه ينبغي له أن يمضي إلى أورشليم" (16: 21). "وفيما كانوا يطوفون في الجبل، قال لهم يسوع: إن ابن الانسان سيُسلم إلى أيدي الناس" (17: 22- 23). "وفيما كان يسوع صاعداً إلى أورشليم، أخذ الاثني عشر على انفراد وقال لهم في الطريق: ها نحن صاعدون إلى أورشليم" (20: 17- 19).
والملاحظ أن هذه الانباءات الثلاثة يتبعها في كل مرة حدث ثم تعليم للتلاميذ. بعد الانباء الأول، نجد تدخّل بطرس لكي يمنع يسوع من الذهاب إلى الآلام والموت (16: 22- 23). وبعد هذا، تعليم يسوع لتلاميذه: "من أراد أن يتبعني" (آ 24- 28). وبعد الانباء الثاني، يدفع يسوع الضريبة (17: 24- 27) ثم يعلّم تلاميذه عن الأعظم في ملكوت السماوات (18: 1- 4). وبعد الانباء الثالث، نسمع طلب أم ابنَي زبدى (20: 20- 23)، ثم تعليماً عن السيادة التي هي خدمة. "من أراد أن يكون الأول، يكون لكم خادماً" (آ 27).
ويلفت نظرنا ما نقرأ بعد الانباء الثاني. تتضمّن المتتالية توسيعين لا توسيعاً واحداً: الخطبة الكنسيّة (18: 5- 35)، ثم عظة أخرى شبيهة بعظة الجبل، موجّهة إلى التلاميذ ومركّبة من أخبار مختلفة (19: 1- 20: 16): الزواج المسيحي والبتوليّة، يسوع والأطفال، الشاب الغنيّ ومكافأة التجرّد، مثل العملة المرسلين إلى الكرم.
ثالثاً: تقميش وتجميع
لم يكتفِ مت بأن يضع الأقوال والأخبار بعضها قرب البعض الآخر. بل ربطها ربطاً محكماً. ففي خبر شفاء عبد الضابط الرومانيّ (8: 5- 13)، أدرج قولاً حول الوليمة في ملكوت السماوات، وهو قول لم يورده لو في 7: 1- 10 (النص الموازي لمتى)، بل في مكان آخر، في 13: 28- 29. يبدو هذا القول بالنظر إلى ترتيب الانجيل، أنه قد جاء قبل أوانه بسبب تقارب في الموضوع. بفضل هذا القول صار الحدث خبراً نموذجياً يتحدّث عن الوثنيين الذين جاؤوا إلى يسوع.
لا يجب أن نستنتج أن إدراج هذا القول هو من عمل مت. فقد يكون وُجد في مجموعة سابقة تبدأ في 8: 1 (ولما انحدر إلى الجبل، تبعته جموع كثيرة) وتنتهي في 8: 17 (ليتم ما قيل بأشعيا النبي: لقد أخذ عاهاتنا). ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن 12: 1- 8 و12: 9- 14. فبعد الاعتراف العلنيّ بابن الانسان، يأتي الكلام على الروح القدس الذي نجدّف عليه حين نرفض أن نعترف بابن الانسان، فننسب ما عمله من أجل الناس إلى بعل زبول، روح الشّر، لا إلى روح الله.
ب- الفنّ الأدبيّ في الأخبار
تتميّز الأخبار في مت بثلاث سمات: هي قصيرة موجزة. أسلوبها أسلوب المهابة حتى النشاف. وفيها بحث عن الوضوح والصفاء.
أولاً: أخبار قصيرة وموجزة
يرى معظم الشرّاح أن الخطب في مت تمثّل في معظمها قطعاً ألّفها متّى منطلقاً من أساس أولاني. أما الأخبار فقد فسّرت تفاسير عديدة. بعضهم اعتبرها ملخصاً لأخبار طويلة أوردها مر. وبعضهم رأى فيها تأليفاً متاوياً جرّدها الانجيليّ من كل "تلوين" ليجعلنا في مهابة ليتورجيّة تمنعنا من التشتّت والتبعثر. ومهما يكن من أمر، فهي قصيرة موجزة.
قد نستطيع أن نعدّ الكلمات في الخبر الواحد كما يرد عند مت ومر ولو. مثلاً، خبر شفاء المقعد يرد في 126 كلمة في مت، 196 في مر، 212 في لو. وخبر مجنون جدرة يقع في 136 كلمة في مت، 325 في مر، 293 في لو. ونستطيع أن نلاحظ عند مت غياب أسماء العلم. تحدَّث لو ومر عن يائيرس. أماهما فقال: "إذا بأحد الرؤساء يدنو إليه" (9: 18). وغابت حواشٍ مثيرة تلفت الانتباه. قال مر 4: 38 عن يسوع: "كان في مؤخر السفينة نائماً على وسادة". وهذا ما لا نجده في مت. كما تحدّث عن النازفة التي "أنفقت كل ما لها على غير جدوى، بل صارت إلى أسوأ" (مر 5: 26). أما مت 9: 20 فقال فقط: "وإذا امرأة بها نزف دم منذ اثنتي عشرة سنة دنت من ورائه ولمست هدب ردائه". أشار مر في 6: 39 إلى العشب الأخضر (رج مز 23) في حادث تكثير الأرغفة. وهذا ما أغفله مت.
وحين قدّم مت المعجزات لم يحتج إلى وسيط. إذا عدنا إلى شفاء حماة بطرس، نقرأ في مر 1: 30: "وللوقت أخبروه عنها". وفي لو 4: 38: "فسألوه من أجلها". أما مت 8: 14- 15 فاكتفى بالقول: "لمس يدها فتركتها الحمّى". ونقول الشيء عينه عن خادم ضابط كفرناحوم. ماذا نقرأ في لو 11: 3- 4؟ "فلما سمع عن يسوع أرسل إليه شيوخ اليهود يسأله حتى يأتي ويشفي عبده. فلما جاؤوا إلى يسوع طلبوا إليه باجتهاد". أما في مت 8: 5 فنقرأ: "لما دخل يسوع إلى كفرناحوم، جاء إليه قائد مئة يطلب إليه ويقول".
أخيراً، لا يهتم مت بتقديم بعض الملاحظات التي تفسّر عملاً من الأعمال. نقرأ في مت 9: 2: "ولما رأى يسوع إيمانهم". من هم هؤلاء الأربعة؟ وماذا فعلوا لكي يظهر إيمانهم؟ أما مر 2: 1 ي، فقد أرانا كيف كشفوا السقف ودلّوا الفراش حيث كان المفلوج مضطجعاً.
ثانياً: أسلوب اهتيابي
هذا الاسلوب هو الذي نراه في الليتورجيا، حيث نجرّد أعمالنا من كل ما يشتّت النظر. نحن في حضرة الملك تأخذنا المهابة والرعدة فلا تبقى إلا عينانا وعيناه. فإذا أردنا أن نفهم أسلوب مت ولا نحسب أخباره متفرّعة من أخبار مرقس، نقرأها في ذاتها لنكتشف عمقها اللاهوتيّ. ولنأخذ مثلاً خبر شفاء حماة بطرس (8: 14- 15= مر 1: 29- 31= لو 4: 38- 39). جرّد مت الحدث من كل ما هو ثانويّ ويثير الفضول، فصار النصّ مهيباً كما في احتفال ليتورجيّ حيث الحركات كلها مدروسة وهادئة. نحن أمام بطرس، رئيس الكنيسة (وليس فقط أمام سمعان). ولا يُذكر رفيقاه اندراوس ويعقوب. كما لا يشير مت إلى طلب التلاميذ من أجل المريضة. يسوع هو وحده وجهاً لوجه مع تلك المنطرحة على الفراش والتي تبدو كالميتة. أخذ بيدها فاختفت الحمّى، فقامت (كما من الموت) وكانت تخدم يسوع وحده.
حين قرأت الكنيسة هذا الحدث، رأت فيه استباقاً رمزياً لقيامة المسيحي الذي يخدم المسيح. ومهما يكن من أصل هذه الطريقة الأدبيّة، يبدو أن هذا النوع من الأخبار يعود إلى "أسلوب شفهيّ"، لا إلى نشاط أدبيّ طويل. فكأني بمتّى اختفى وراء الخبر وما أراد أن يظهر، ليترك القارىء وحده وجهاً لوجه مع يسوع.
ثالثاً: وضوح وشفافيّة
وهناك وجهة أخرى نجدها في تأليف مت هو الوضوح في التأليف وترتيب الأحداث. وحين نقابله مع مر ولو، نفهم أصالته. هي جمل قصيرة لا تصدمنا، كما لا نجد فيها كثيراً من التركيبات الساميّة. هذا ما يدلّ على أن الانجيل الأوّل، وإن دوّن لعالم يهودي، إلا أنه دوّن في اليونانيّة فجاءت لغته مثلاً أفضل من لغة مر الذي دوّن لأهل رومة. إذا قرأنا مثلاً مر 11: 29 نجد أن حرف العطف (كاي) يتكرّر مرتين. أما مت 21: 24 فاستغنى عن أدوات العطف وقال: "إن قلتم لي أقول لكم".
حين قدّم مر السابق، بدأ بجملة معترضة: "كما هو مكتوب في أشعيا النبيّ" (1: 2). أما مت 3: 1 فبدأ خبره بشكل احتفالي: "وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برّية اليهوديّة". في نداء التلاميذ الأولين يُذكر زبدى بشكل طبيعيّ في بداية الخبر (مع زبدى أبيهما، 4: 21). أما في مر 1: 20، فنقرأ: فللوقت دعاهما فتركا أباهما".
ولكن هناك نصوصاً يبدو مر أكثر وضوحاً من مت. مثلاً، في جواب يسوع على الفريسيين المحتجّين على التلاميذ لأنهم أكلوا طعاماً دون أن يغسلوا أيديهم. قال مت 15: 5- 6: "وأما أنتم فتقولون: من قال لأبيه أو لأمه إن ما تنتفع به مني هو قربان... لم يعد بعد ملزماً بأن يكرم أباه وأمه". أما مر 7: 11- 12 فأوضح الكلمة "تقدمة مقدسة". وزاد: "لا تدَعونه يفعل شيئاً لأجل أبيه وأمه". ثم إن مر 6: 30 (واجتمع الرسل إلى يسوع وأطلعوه على جمع ما عملوا) يبزر وحده وجود التلاميذ مع يسوع خلال تكثير الأرغفة.

خاتمة
هذا هو الوجه الأدبي للانجيل الأول، انجيل متّى. توقّفنا عند المفاصل واللحمات، كما عند اسلوب الكتابة والبنية الموضوعيّة والفن الأدبي في الأخبار، فحاولنا أن نكتشف هذا الكتاب من ناحية المبنى وتركيب الصور وضبط التأليف. يبقى علينا بعد أن درسنا التصميم أن نتوقّف عند المعاني اللاهوتيّة في إنجيل وجّهه كاتبه قبل كل شيء من أجل تعليم أبناء الكنيسة.
الفصل الرابع
المعاني اللاهوتية
في انجيل متى

كل كاتب يعبرّ عن هدفه في بداية كتابه أو نهايته. فالانجيل الثاني أعطانا تصميمه منذ الآية الأولى: "انجيل يسوع المسيح وابن الله". هذا ما أراد أن يبيّنه لنا. والانجيل الثالث شرح في مقدّمة على مثال ما في الكتّاب الأقدمين، لماذا دوّن انجيله الذي هو في النهاية انجيل حنان الله. أما يوحنا فأعطانا في الخاتمة السبب الذي لأجله كتب انجيله: "لكي تؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، وإذا آمنتم نلتم باسمه الحياة". أما متّى فيدلّنا على هدفه بوضوح حين يسمعنا آخر كلمات القائم من الموت للأحد عشر (28: 16- 20). في هذا "البيان" نميّز الموضوع الرئيسيّ الذي هو المسيح. ثم الموضوع الآخر الذي هو الكنيسة، اسرائيل الحقيقيّ (21: 43). فكل الأمم مدعوّة لتكون تلاميذ يسوغ بالمعمودية وبالارتباط بتعاليم يسوع الناصريّ. ولكن قبل ذلك، نرسم النظرة المتاويّة إلى تاريخ البشر، إلى تاريخ ملكوت السماوات.

1- ملكوت السماوات
لقد دشّن مت مقولة لاهوتية هي "الملكوت". ففي معنى مطلق وصلت به الأمور إلى أن يتكلّم عن "كلمة الملكوت" أو عن "أسرار الملكوت". بعد هذا ستعود اللفظة في انجيله إحدى وخمسين مرة (14 في مر، 34 في لو). واحتفظ بعبارة "ملكوت السماوات" التي قد تعود إلى يسوع نفسه، ولكنها زالت سريعاً من اللغة المسيحيّة. الحديث هو عن ملكوت الله. والله الذي يُقيم في السماوات يسود على الأرض.
إن عبارة "ملكوت السماوات" قد حلّ محلّها الكنيسة، الحياة الأبديّة، السماء. لهذا لا نستطيع بسهولة أن نحيط بمعناها. فلفظة ملكوت (في الأراميّة: ملكوتا) تدلّ على سلطة يمارسها الملك. وتدلّ على سلطانه كما يعترفون ويقبلون به. وتدلّ على مدّة ملكه. والملكوت هو أيضاً المنطقة التي عليها يمارس سلطانه. فحول هذين القطبين، الزماني والمكانيّ، يدور مدلول ملكوت السماوات. أما التفاسير فتحاول أن توازن بطرق مختلفة بين هذين العنصرين.
أ- الملكوت واقع مقبل وواقع حاضر
يرى عدد من الشرّاح أن لاهوت العهد القديم وتعليم الرابانيين، هما المحيط الذي فيه وُلدت عبارة "ملكوت السماوات". وهي تضمّ واقعين يميزهما اليهود تمييزاً تاماً: الحياة المقبلة أو ملكوت الله، والوقع الحاضر الذي دشّنه المسيح (الملك المسيحاني).
إن ملكوت الآب (13: 43: يضيء الصديقون كالشمس في ملكوت أبيهم؛ 25: 34: رثوا الملك؛ 26: 29: اشربه معكم جديداً في ملكوت أبي)، والسياق الاسكاتولوجي لبعض الأقوال الإنجيليّة (7: 21: من يعمل إرادة أبي يدخل ملكوت السماوات)، والعلاقة الوثيقة مع ماضي اسرائيل (8: 11- 12: يأتون من المشرق ويتكئون في ملكوت السماوات مع ابراهيم واسحق ويعقوب)، كل هذا يدعونا إلى أن نتحدّث عن ملكوت السماوات على أنه الملكوت المقبل، ونبقى في هذا المعنى حتى حين يرافق الفعل العبارة فيجعلنا في تحرك مكانيّ.
نقرأ مثلاً 5: 3، 10، 19: "طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات... طوبى للمضطهدين من أجل البرّ فإن لهم ملكوت السماوات... من يعلم ويعلّم يدعى عظيماً في ملكوت السماوات". الملكوت هو ملكوت الله، وهو يُعطى لنا. في 8: 11- 12، يبدو الملكوت مكاناً يتّكىء فيه المدعوّون إلى الوليمة السماويّة. وهكذا نكون في إطار يهوديّ حيث يجتمع المختارون حول الآباء ابراهيم واسحق ويعقوب. أما الآخرون فيُستبعدون.
ونقرأ في 5: 20 عبارة "ملكوت السماوات" مع فعل "دخل". "إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السماوات". أجل، ما يطلب منّا هو أمانة جديدة لنكون على مستوى هذا الملكوت الذي هو واقع يرتبط بالآخرة. وفي 7: 21، نعرف أن الذي يعمل إرادة الآب "يدخل ملكوت السماوات"، وكأنه ملك يرثه. وفي 18: 3 نعرف أنه يجب أن نصير مثل الأطفال، أن نقبل أن نرتبط بالله ارتباطاً حميماً كالطفل بوالديه، لكي ندخل ملكوت السماوات. وفي 19: 23- 24 نفهم أن الدخول إلى ملكوت السماوات صعب على الأغنياء.
تلك هي النصوص التي فيها يسير الانسان إلى الملكوت كما إلى وليمة يشارك فيها، أو ميراث يرثه كما يرث "الأرض" (5: 4)، أو عطيّة "يضع يده" عليها فتصبح ملكاً له أو هي تمتلكه. وهناك نصوص تتحدّث عن الملكوت الذي يأتي إلينا. هذا ما سميناه "ملك الله المسيحاني". أجل، هذا المُلك يأتي إلينا في يسوع.
هناك ثلاث مراحل لهذا الملكوت. الأولى، الملكوت الذي جاء إلينا بواسطة يسوع المسيح. "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات". لقد تدشّن في شخص يسوع ونشاطه، وسوف يظهر قريباً في عظمته. المرحلة الثانية، الملكوت يمتدّ على الأرض بواسطة الكنيسة، وذلك بعد القيامة. وفي المرحلة الثالثة، نكون أمام الملكوت الاسكاتولوجيّ. لهذا نرفض قول القائلين إن يسوع لم يتكلّم إلا عن الملكوت المقبل أو الملكوت الاسكاتولوجيّ. كما نرفض الذين يقولون بأن يسوع تكلّم فقط عن الملكوت الحاضر، عن الملكوت كما تحقّق في الكنيسة وفي العالم. يجب أن نقول إن الملكوت قد جاء (في الماضي) وها هو يأتي الآن (في الحاضر). جاء في الماضي في المسيح. ويأتي في الكنيسة. ولكنه لا يصل إلى كماله إلاّ في المستقبل، في نهاية الأزمنة. ولهذا، فنحن الذين نلناه، ما زلنا ننتظره.
قد نميّز بين الحاضر والمستقبل، ولكن هذا التمييز لا يحيط كل الإحاطة بالمعطيات المتاويّة. لا شكّ في أن الملكوت يتسجّل في خط الزمن، ويعرف القَبل والبَعد. ولكن يجب أن نعلم أن طبيعة هذا التاريخ لا تحدّده مسيرته الأرضيّة، بقدر ما تُحدده بدايته ونهايته اللتان هما من السماء. فيسوع جاء من الآب إلى العالم، وهو يترك العالم لكي يعود إلى الآب. هذه هي حال الملكوت في أصله وهدفه الأخير. من أجل هذا، حين نتحدّث عن الملكوت نميّز بين السماء والأرض. فالملكوت السماويّ يتجسّد على الأرض على مثال ابن الله، ولا يجد كماله إلا في السماوات.
ب- الملكوت واقع سماويّ وواقع أرضّي
أبرز بعضُ الشرّاح الوسطَ الجليانيّ الذي به ترتبط عبارة "ملكوت السماوات". وهذا الوسط يمثّله دانيال والأسفار المنحولة وكتابات العالم اليهوديّ المعاصر للمسيح. فالطابع الحاضر والمقبل للملكوت يبقى حاضراً، غير أن أصله السماويّ (ملكوت السماوات هو ملكوت إله السماوات) يحدّد طبيعته: إنه موجود في السماء ويتحقّق على الأرض في الصورة وبشكل استباق، ثم يتمّ في السماء.. وهذا التاريخ لعلاقة الله مع البشريّة يجد بلا شك انطلاقته في شعب الله، ولكنه يتمّ في يسوع المسيح حسب نبوءة أشعيا الثاني.
وإليك كيف يبدو هذا التاريخ عند مت: ملكوت السماوات هو قريب جداً. هو على وشك الوصول، إنه هنا. حاضر هنا. قال يوحنا المعمدان: "توبوا، فإن ملكوت السماوات قريب" (3: 2). ومثله قال يسوع المسيح (4: 17). وعلى خطاه سيعلن التلاميذ أن "ملكوت الله قريب" (10: 7). وفي الواقع، طردُ الشياطين هو علامة على أن ملك الله قد جاء الآن. هذا ما قاله يسوع للفريسيّين الذين سمّوه بعل زبول، رئيس الشياطين. "وأما إن كنت بروح الله أخرج الشياطين، فذلك أن ملكوت الله قد بلغ إليكم" (12: 28، حرفياً: جاء إليكم على غفلة). انتهى حكم الشيطان وابتدأ حكم يسوع، كما ينتصر قائد حربيّ فجأة فيبدّل كل المقاييس.
إذن، يجب أن نتَّخذ قرارنا حين نسمع يسوع يعلن بشرى الملكوت. هكذا بدأ يسوع حياته العلنيّة بعد تجاربه: "كان يعلّم في مجامعهم (مجامع اليهود) ويبشّر بانجيل الملكوت" (4: 23: عبارة خاصة بمتّى وهي تدلّ على أن هذا الملكوت قد وصل. أو على أن الانجيل قد وصل). وردت هذه العبارة قبل عظة الجبل، وجاءت بعد المعجزات العشر (9: 35)، فضمّت أقوال يسوع إلى أعماله ودلّت على سلطانه في هذا الملكوت الجديد الذي جاء يعلنه (رج 10: 7: الملكوت يمتدّ مع الرسل حين يبشرون بالانجيل).
من يستطيع أن يدخل إلى هذا الملكوت؟ هناك أناس لا يحتاجون إلى مجهود كبير: المساكين. لهم الملكوت. المضطهدون من أجل البرّ. لهم الملكوت (5: 3، 10). وعلى الجميع أن يكونوا مثل أطفال (18: 1، 3، 4؛ 19: 14) ليدخلوا إلى الملكوت. أن يمارسوا وصايا الناموس (5: 19: من يتعدّى واحدة من هذه الوصايا،... يُدعى الأصغر في الملكوت) حتى أصغرها. أن يزيد برّهم على برّ الكتبة والفريسيين (7: 21). أن يعملوا بحزم وعزم لأن ملكوت الله يُغتصب اغتصاباً، والمغتصبون يأخذونه عنوة (11: 12). هذا يعني الدخول في الباب الضيّق والطريق الصاعدة. هذا يعني عنف الأبرار الذين يضحّون بكل شيء ويتغلّبون على نفوسهم من أجل الملكوت. كما يحاربون كل ما يمنعهم من الوصول إلى هذا الملكوت مستعملين بشكل خاص سلاح الروح. قد يكون الخصومُ الغيورين الذين يريدون أن يفرضوا الملكوت بقوّة السلاح. وقد يكونون القوى الشيطانيّة التي تحاول أن تحتفظ بسلطانها على العالم وعلى الأبرار أنفسهم. لهذا نحتاج إلى الحزم، بل إلى العنف ولو كلّفنا ذلك حياتنا.
ملكوت الله يَفرض علينا أيضاً إن نكون كالخصيان (19: 12)، أن نصون أنفسنا. أن نمتنع حتّى عن الزواج وإيلاد البنين، لكي نعيش السماء على الأرض، ونرمز في حياتنا اليوميّة إلى ملكوت السماوات. ويفرض علينا الملكوت تجرّداً تاماً من ممتلكاتنا، لا من ذاتنا فقط. فالغنيّ الذي تعلّق بأمواله، يعسر عليه أن يدخل إلى ملكوت السماوات. "إنه لأسهل أن يدخل جمل في ثقب الابرة من أن يدخل غنيّ في ملكوت السماوات" (19: 23- 24). بُهت التلاميذ من هذا الكلام الذي يتعارض وعقليّتهم ونظرتهم إلى الأمور. ولكن يسوع أحالنا إلى قدرة الله، وكل شيء ممكن لها (آ 25- 26).
فما هو هذا الواقع الذي أعلنه يسوع بهذا الشكل؟ قرّر الله أن يدعو جميع البشر إلى كرمه (20: 1): فالعشارون والزناة يسبقون الفريسيين إلى الملكوت الذي أعلنه يوحنا المعمدان (21: 31). إذن، هذا الملكوت (أو جماعة المؤمنين العائدين إلى الله بتوبة صادقة) يحقّق ملك الله. والذين يغلقون ملكوت السماوات أمام الذين يريدون أن يدخلوا (23: 13)، يُنزع منهم هذا الملكوت الذي انتظروه بحرارة (21: 43). والذين يعتبرون أنهم حتماً أبناء الملكوت، سيُطردون منه (8: 12). أما تلاميذ يسوع فهم الأبناء الحقيقيّون في هذا الملكوت (13: 38: هم الزرع الجيّد الذي زرعه يسوع).
فلهم أعطيت، كُشفت أسرار ملكوت السماوات (13: 11). وهذا الملكوت هو ينبوع فرح لمن اكتشفه صدفة مخفياً في حقل، أو بعد بحث طويل (13: 44، 45). إنه وضيع مثل حبّة الخردل التي تصير شجرة كبيرة (13: 31- 33). فيه يمتزج القمح والزؤان (13: 24- 30، 36- 43)، الأشرار والأخيار (22: 41) حين يتمّ كل شيء (16: 27؛ 24: 34؛ 25: 31). حينئذ يصبغ ملكوت الابن ملكوت الآب (25: 34؛ 26: 29؛ رج 13: 43).
وهذا الملكوت ليس أرضياً وحسب (18: 1- 4؛ 25: 21). غير أنه يتّخذ شكلاً على الأرض. وفيه يلعب الرسل دوراً هاماً فيعلنون انجيل الملكوت، لا في حدود اسرائيل فقط (10: 23) بل في العالم كله مع أممه جميعها (24: 14؛ 26: 13؛ 28: 19). وحين يجلس ابن الانسان على عرشه منذ مجيئه الأول (16: 28)، يجلس معه تلاميذه ويدينون الأسباط الاثني عشر في اسرائيل الجديد (19: 28). ويكون بطرس ماسكاً المفاتيح، يربط فلا يحلّ أحد، ويحلّ فلا يربط أحد (16: 19).
إذن، يدلّ ملكوت السماوات على واقع ديناميكي. هو ينزل من السماء وينكشف على هذه الأرض للتلاميذ، ويتجسّد شيئاً فشيئاً في واقع أرضّي هو اسرائيل الجديد، هو الكنيسة. غير أن هذه الكنيسة لا تتمّ هذا الملك قبل نهاية الأزمنة. لهذا فهي تطلب ولا تتوانى: "ليأتِ ملكوتك" (6: 10) يا ربّ.

2- الواقع الكنسيّ
حين تحدثنا عن الملكوت أشرنا مراراً إلى الكنيسة التي فيها يتحقّق الملكوت بشكل جزئي بانتظار أن يجد كماله في نهاية الأزمنة. هذه الكنيسة هي حاضرة في مت حضوراً لا نجده في سائر الأناجيل.
يذكر متّى الكنيسة مرتين (16: 18؛ 18: 17). لقد كرّسها دم العهد الجديد. ولكنها ليست بعدُ ملكوت الآب في كماله. إنها تضمّ أولئك الذين وُعدوا بالخلاص، وإن لم يتحقّق بعد هذا الخلاص بالنسبة إليهم (25: 34). أولئك الذين يمارس ابن الإنسان سيادته عليهم. أولئك الذين يحملون ثمار ملكوت الله (21: 43)، وينتظرون من الملك أن يجازيهم بحسب أعمالهم (25: 31- 32).
وإذا عدنا إلى الخطب الخمس نفهم أنها تصوّر الحياة في الكنيسة التي جمعها المسيح (10: 1) وأسّسها (16: 18) وأرسلها (28: 19- 20). في الخطبة الأولى نتعرّف إلى روح الجماعة، إلى ما سمّي دستور الحياة المسيحيّة الذي فيه جمعت الكنيسة الرسوليّة كلامَ يسوع بما فيه من تعبير وبلاغة.
وقبل الخطبة الثانية يختار يسوع اثني عشر رسولاً وينقل إليهم سلطانه على الأرواح النجسة وعلى الأمراض. كما يعطيهم توصياته التي هي قاعدة العمل للمرسل المسيحيّ. لا شك في أن الكنيسة لم تصبح بعد رسوليّة وجامعة كما ستُصبح في ما بعد. هي ستتوجّه فقط إلى الشعب اليهوديّ وتتحاشى السامريين والوثنيين. كان عليها أن تبدأ مع الخراف الضالّة في إسرائيل، ولكنها ستفهم بعد القيامة أنها مرسلة إلى جميع الأمم (28: 19). أجل، هو الرب القائم من الموت والحاضر في جماعته يرسل تلاميذه، وما زال يرسلهم ولن يزال حتى انقضاء الدهر.
ويعطينا متّى في خطبة الامثال صورة عن هذه الكنيسة التي تسمع كلمة يسوع، فتبدو كالأرض التي تتقبل حبّة القمح فتعطي ثلاثين وستين ومئة. في هذه الكنيسة، وُجد القمح والزؤان معاً، الأبرار والأشرار. هذه الكنيسة هي حقل الرب، والشبكة التي تجمع من كل جنس. أما الخطبة الرابعة (ف 18) فتتوجّه إلى الجماعة المسيحيّة، إلى الكنيسة، فتعلّمها الاهتمام بالصغار والبحث عن النعجة الضالة، والصلاة المشتركة. والمغفرة التي نمارسها 70 مرة سبع مرات. هكذا تبدو الخدمة الرعاويّة في كنيسة يسوع: كلهم مدعوّون إليها. كلهم خطأة، وكلهم نالوا نعمة الغفران. كلهم سينعمون برحمة الله. وكلّهم مسؤولون عن هؤلاء "الصغار" الذين يجب أن لا نشككهم وإلا استحقّقنا أن يوضع في عنقنا رحى الحمار ويُلقى بنا في البحر.
مسيرة الكنيسة في إنجيل متّى مسيرة طويلة. بدأت مع ابراهيم (1: 1). وها هو يسوع يحقّق الوعد الذي وُعد به ابراهيم. في الكتاب المقدّس وعد الله شعبه بان يرافقه هو بنفسه أو يرافقه الانبياء. بعد اليوم، صارت قدرته في متناول الجميع وامتدت إلى كل أزمنة التاريخ البشري حتى انقضاء العالم. فالمسيح الذي أتمه لم يعد خاضعاً للزمان والمكان: أما الذين هم له فقد أرسلوا في هذا الزمان وفي هذا المكان.
إن الكنيسة في نظر متّى تُبنى حين تحيا من يسوع وتعلن يسوع. حين تجمع كل أمم العالم وتغطّسهم بالمعمودية في موته وقيامته، لتجعلهم يشاركون في حياة الآب والروح. الكنيسة حاضرة بحضور المسيح ربّها في وسطها. وهي ستظلّ تعمل وتصلّي حتى تكتشف وجه معلّمها البشريّ والإلهيّ. وهي تمتدّ في انشداد حيث ينمو فيها الرجاء بأن تجتمع إليه في ملكوت الآب الذي تقدّم عنه الأفخارستيا صورة مسبقة.
بعد هذا تبدو الكنيسة كجماعة "التلاميذ" حيث تتمّ الشهادة لحضور يسوع الحاليّ في العالم. هي تضمّ الزمان والمكان لأنها تربط الأرض بالسماء في هذا المكان وفي هذا الآن من التاريخ البشريّ. إذن، ليست هي إسرائيل الحقيقيّ إلا بقدر ما تمّحى أمام شخص يسوع الذي يحرّكها، بقدر ما تشهد بأمانة أن إسرائيل قد بلغ كماله لا في جماعة أرضيّة، بل في يسوع المسيح والربّ. الكنيسة هي حضور الملكوت المتناميّ بشكل متواصل وفي العالم كله.
كانت مهمّة إسرائيل أن تدلّ على مجيء المسيح، ابن داود، وأن تفتح الطريق لتجسّد الابن في يسوع الناصريّ. وهذه المهمة تتواصل في الكنيسة، ما دام هذا المجيء وهذا التجسّد لما يدركا ملء اتساعهما في التاريخ (10: 23). ستتواصل حتى انقضاء الدهر (28: 20). أجل، تلك هي دعوة الكنيسة، ومخطّط الخلاص واحد منذ آدم حتى آخر انسان على الأرض، مع قمّة في شخص يسوع الذي تجسّد في ملء الزمن (غل 4: 4).
وبما أن ملكوت السموات الذي أعطي لنا في المسيح ما زال ينمو في جسد البشريّة، فعلى الكنيسة أن تمزج يوماً بعد يوم خمير القائم من الموت بالعجين البشري إلى أن يختمر كله (13: 33). وهكذا يتحقَّق الملكوت الذي تدلّ عليه، في كل إنسان، نعمةُ الآب السماويّ، كما تمّ في يسوع الناصريّ.
لا يجعل متّى من الكنيسة، من الجماعة المسيحيّة، مثالاً من القداسة. هو يعرف أن فيها الخطأة والأبرار. لهذا يدعو متّى قرّاءه للارتداد معاً إلى الربّ الحيّ، ليصيروا مثل الأطفال (18: 3- 4)، لكي يدخلوا ملكوت السموات الذي ما زال فيه يقترب إليهم. ويقودهم لكي يكشتفوا من جديد تواضع كنيسة قلّ إيمانها فتتقبّل في وجه عالم يعارضها التأكيد بأن يسوع هو معها كما وعد تلاميذه على الجبل بعد القيامة: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (28: 20).

3- شخص المسيح
أ- يسوع في الجماعة
الإنجيل الأول يعكس حياة الجماعة المسيحيّة. فنكتشف فيه اهتمامات الكنيسة. ونحن في هذه الكنيسة، كنيسة متّى وكنيستنا، سوف نتعرّف إلى وجه المسيح. فالكنيسة في نظر متّى هي جماعة تلاميذ يسوع حيث القائم من الموت حاضر يعطيها سلطانه على العالم أجمع. وتأكيد يسوع في 26: 64: "بعد الآن سترون ابن الإنسان جالساً عن يمين القدرة (الله القدير) وآتياً على سحاب السماء"، يُدشّن زمن مجيء الربّ الممجّد وسط البشر.
فخطب المعلم وأعماله وهو الذي أرسل تلاميذه في مهمّة شبيهة بمهمّته، تتجذّر في حياته الأرضيّة (26: 32؛ 28: 7). غير أن متّى يُخفف بعض الوجهات البشرية لدى يسوع، لكي يبرز قدرته وسموّ سلطانه (4: 23؛ 8: 24؛ 15: 30). فالربّ بحضوره الناشط وسط أحبّائه، يحقّق أول نبوءة أوردها الإنجيل. "يسمّى عمانوئيل الذي تفسيره إلهنا معنا" (1: 23).
وحين أعلن بطرس إيمانه أكّد: "أنت المسيح ابن الله الحيّ". (16: 16). حينئذٍ تقبّل يسوع هذا الإعلان على أنه وحي قدّمه الآب لتلميذه (16: 17). واللقبان اللذان أعطيا ليسوع في هذا الإعلان الإيماني، يوافقان ما طلبه يسوع نفسه في 16: 13: إن رسالته كابن الإنسان تقوم بتأسيس الجماعة المسيحيّة.
ب- يسوع والكتب المقدّسة
عندما نقرأ مت نتوقّف مراراً عند كلام الكاتب: هكذا تمّ القول النبويّ. وهكذا يبدأ أيراد واضح من الكتاب المقدّس. هذه الحواشي التي ترتبط بالنصّ، ليست أراء شخصية من الكاتب، ولا محطّات عمّا حدث (رج 11: 20). بل هي بالأحرى إدراج أحداث الزمن الماضي في مخطّط الله. هي الكنيسة الحيّة تفكرّ، كما يقول سفر الأعمال، على ضوء الوحي الذي وصل إلى الآباء. هذا التوقّف عن السرد في الخبر يتوخّى تبرير الأحداث الواردة، على المستوى الدفاعيّ وضد الآراء اليهوديّة الجارية.
يسوع نفسه قد مارس هذا الأسلوب، فأورد بشكل صريح كلام الكتاب عن يوحنا السابق. "هاءنذا أرسل ملاكي أمام وجهك، فهو يهيّىء لك الطريق قدّامك" (11: 10= لو 7: 27). واستعاد مر 1: 2 هذا الاستشهاد عينه بينما اكتفى مت ولو بأن يذكرا في بداية الإنجيل أش 40 (3: 3 وز: صوت صارخ في البريّة). وأورد يسوع أيضاً نصّ أشعيا ضدّ الوجه الفرّيسي لليهود. "حسناً تنبَّأ أشعيا عنكم، إذ قال: هذا الشعب يكرّمني بشفتيه وأما قلوبهم فبعيدة عني جداً..." (15: 7- 9= مر 7: 6- 7). ويعود مثل الزارع إلى أش 6: 8- 10 ليذكر عمى اليهود. في هذا المقطع الأخير، تفرّد مت فأورد النصَّ بوضوح. ونقول الشيء عينه عن النصوص التالية التي تدلّ على هدف صريح من قبله.
فيسوع وُلد من عذراء (1: 22- 23: ها إن العذراء تحبل وتلد). ووُلد في بيت لحم (2: 5- 6) كما قال ميخا. هرب إلى مصر (2: 15)، وفي هذه المناسبة قُتل أطفال بيت لحم (2: 17- 18). وعاش في الناصرة (2: 23) ليتمّ الكتاب. فالكتاب المقدّس يبرّر هذه الطفولة العجيبة، كما يبرّر تصرّف يسوع.
لماذا أقام يسوع في كفرناحوم ولم يُقم في أورشليم؟ هذا ما يقول الكتاب: "ليتمّ ما قيل بأشعيا النبي القائل: أرض زبولون وأرض نفتالي على طريق البحر..." (4: 14- 16). لماذا شفى يسوع المرضى واهتمّ بأصحاب العلل؟ ليتمّ فيه ما قال أشعيا النبيّ: "إنه أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا" (8: 17). وهكذا صار يسوعُ عبدَ الله المتألم كما أشار إليه أش 53: 4. لا، ليس يسوع ذلك الديّان القاسي الذي يضع الفأس على أصل الشجرة، ويحرق التبن بنار لا تطفأ (3: 10- 12)، كما قال يوحنا المعمدان. إنه ذلك الذي "لا يسمع أحد صوته في الساحات العامة. لا يكسر القصبة المرضوضة ولا يطفىء الفتيلة المدخّنة" (أش 42: 1- 4؛ مت 12: 17- 21). لماذا قدّم يسوع تعليمه بأمثال؟ نجد الجواب في أش 6: 8- 10: "سماعاً تسمعون ولا تفهمون" (مت 13: 35).
لقد دخل يسوع إلى أورشليم دخولاً وديعاً متواضعاً (21: 4- 5). "وكان هذا ليتمّ ما قيل بالنبيّ القائل: قولوا لابنة صهيون: هوذا ملكك يأتيك وديعاً، راكباً على جحش، على جحش ابن اتان" (زك 9: 9). وأوقف في بستان الزيتون كلصّ (26: 54). قال يسوع: "فكيف إذن تتمّ الكتب"؟ لماذا المقاومة إذا كانت هذه مشيئة الله كما تعبّر عنها الكتب المقدّسة؟ وقال متّى في نهاية كلامه: "وإنما كان هذا كله لتتمّ كتب الأنبياء. عندئذٍ تركه التلاميذ كلهم وهربوا" (آ 56). وتألم المسيحيّون الأولون أن يُباع ربّهم بثلاثين من الفضة (27: 9- 10). فجاء الجواب: "فتمّ عندئذٍ قول إرميا النبيّ القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة، ثمن المثمّن الذي ثمّنه بنو إسرائيل ودفعوها عن حقل الفخاريّ، على نحو ما أمرني الرب" (إر 32: 7- 9؛ زك 11: 12- 13). امتزج في هذا القول نصوص عديدة (إر 18: 2- 3؛ 19: 1- 2). المهمّ هو ما تقوله الكتب بشكل إجماليّ بعد أن قرأ فيها يسوع مشيئة الآب. فهو حين يخضع للكتب إنما يخضع للربّ الذي أوحى بهذه الكتب ودوّن فيها مخطّطه.
بما أن يسوع هو المسيح الذي أنبأت به الكتب المقدّسة، فقد ضلّ معاصروه حين رفضوا تعليمه. لقد كان ضلالهم كبيراً حول الشخصيّة الحقيقيّة للمسيح المنتظر. وهكذا استضاءت حياة يسوع بالإيمان بالكتب المقدّسة. فلم تعد واقعاً غطس في الماضي وظلّ فيه فما عاد يقول لنا شيئاً. مسيرة يسوع هي اليوم لقارىء مت ذروة تاريخ قصد الله. وهي ما زالت تنادينا.
ج- ألقاب يسوع
اهتمّ مت اهتماماً خاصاً بلقبين أعطيا ليسوع مع مدلولهما التام الكامل. هو يسوع المسيح. هو ابن داود.
فيسوع المسيح هذا قد أورد مت نسبَه في بداية الانجيل: "كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم" (1: 1). كما ذكره في أول تعليم عن مصير ابن الانسان على يسوع الذي يُدعى المسيح.
ويسوع هو أيضاً ابن داود. احتفظ مر ولو مرتين بهذا اللقب بمناسبة الحديث عن أعمى أريحا (مت 20: 30- 31 وز) والجدال حول ابن داود (مر 12: 35= لو 20: 41؛ رج مت 22: 42). أما مت فرأى في يسوع ابنَ داود (1: 1) الذي استقبله يوسف وتبنّاه (1: 20). مثل أعمى أريحا، فعل أعميا كفرناحوم (9: 27)، وفعلت الكنعانية (15: 32). توسّلوا إلى ابن داود يطلبون الرحمة. وفي 12: 23 تساءلت الجموع: "أفلا يكون هذا ابن داود"؟ والجواب سيكون نعم بلا شكّ. وهذه الجموع ستهتف له ساعة دخوله إلى أورشليم (21: 9- 15): "هوشعنا لابن داود".
وهناك ألقاب أخرى قد نعود إليها في ما بعد. يسوع هو ربّ الجماعة وإلهها. أمامه يسجد طالبو النعم. يسوع هو معلّم الجماعة. إنه يُعلن بشرى ملكوت السماوات لا في الماضي وحسب، بل ما زال يعلنها في جماعة متّى وفي جماعاتنا. يسوع هو ابن الله كما أعلنه الآب في العماد، ودلّ هو بنفسه على هويته في تلك المناجاة مع أبيه: لا يعرف أحد الآب إلا الابن.
ومن خلال الأحداث عن ألقاب يسوع المسيح وابن داود، وجّه الانجيل الأول بإيمانه الحيّ تقديم الأحداث. لا شك في أننا نجد في مت كما في سائر الأناجيل أن يسوع يدهش الناس، يسحرهم، يجتذبهم إليه. أو يتركهم لا مبالين، أو يشكّكهم بتصرّفاته. غير أن الانجيل الأول يتأمّل في شخص يسوع لا بعيون معاصريه وحسب، بل بعيون الإيمان. بدا مر متحفّظاً حول تسمية يسوع "ابن الله". أما مت فسمّاه كذلك مرات عديدة. في العماد (هذا هو ابني الحبيب، 3: 17). في فم المجنونين اللذين صاحا ما لنا ولك يا ابن الله (8: 29)، في حدث التجلّي (17: 5)، خلال المحاكمة في فم رئيس الكهنة: "أستحلفك أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله" (26: 63). وعلى الصليب على شفتَي قائد المئة: "في الحقيقة كان هذا ابن الله" (مت 27: 54؛ في لو 23: 47: كان هذا الرجل باراً). في كل هذا بدا مت موازياً لمرقس.
ونجد لقب ابن الله في النصوص التالية التي لا نجدها في مر. بعد العودة من مصر. نقرأ في 2: 15: "ليتمّ ما قال الرب بالنبي القائل: من مصر دعوت ابني". في مشهد التجربة: "إن كنت ابن الله" (4: 3، 6= لو 4: 3، 9). وبعد أن مشى يسوع على المياه فدلّ على قدرته على عناصر الطبيعة كما على قوى الشّر، "سجد له الذين كانوا في السفينة قائلين: أنت حقاً ابن الله" (14: 33). في قيصرية فيلبس قال مر 8: 30: "أنت المسيح". أما مت 16: 16 فأورد فعل اعتراف كامل في فم بطرس: "أنت المسيح ابن الله الحيّ". وجعل مت عبارة "ابن الله" في فم المجدّفين على يسوع على الصليب: "إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب" (27: 40). وقالوا: "إنه قد قال: أنا ابن الله! فلينقذه الله إن كان راضياً عنه (27: 43). غير أننا نلاحظ أن مت لا يبقي على تسمية ابن الله في فم الشياطين. نقرأ في مر 3: 11: "والأرواح النجسة حينما نظروه خرّوا له وصرخوا قائلين: إنك أنت ابن الله" (ق لو 4: 41. ولكن لا شيء من ذلك في مت). وفي مر 5: 7 صرخ "لجيون" بصوت عالٍ: "ما لي ولك يا يسوع ابن الله العليّ". هنا يقول مت 8: 29 "يا ابن الله" ولو 8: 28: "يا ابن الله العليّ".
د- وجه يسوع
ركّز مت اهتمامه على الاعتراف المسيحيّ بيسوع على أنه "ابن الله". لهذا سنجد بعض الإشارات السيكولوجيّة غائبة من نصّه بسبب أسلوبه الاهتيابي الذي يبدو مثل ليتورجيا يهاب فيها الانسان أن ينظر وجه الله.
نتوقّف هنا عند عواطف يسوع، عند كرامته ومهابته.
أولاً: عواطف يسوع
أورد مت مراراً تذكّرات عن شفقة يسوع وحنانه. بعد أن جال جولته الرسوليّة في المدن والقرى... "رأى الجموع فتحنّن عليهم لأنهم كانوا منهوكين، منطرحين مثل غنم لا راعي لها" (9: 36). وفي 14: 14 رأى الجموع التي تبعته جائعة إلى الخبز، بل إلى أكثر من الخبز: "تحنّن عليهم وشفى مرضاهم". وبعد ذلك أطعمهم حتى شبعوا (آ 20). وحين كثّر الأرغفة السبعة، فعل ما فعل بدافع الشفقة. قال لتلاميذه: "إني مشفق على هذا الجمع، فإنهم معي منذ ثلاثة أيام وليس لهم ما يأكلون" (15: 32). ونرى حنان يسوع تجاه الأعميين اللذين طلبا أن تنفتح أعينهما (20: 34).
ومع الحنان نجد القوّة مع بعض العنف لا سيّما أمام الفريسيين والكتبة المرائين (23: 1 ي). سيكون قاسياً جداً معهم فيسقيهم "القادة العميان" ويشبّههم بـ "القبور المكلّسة". هنا لا نجد في مت ولا شك ما نجده عند مر من مظاهر "الغضب" (مر 1: 41) أو الاحتداد (آ 43) أو العاطفة التي دفعته إلى احتضان الأطفال (9: 36) وإظهار المحبة للشاب الغني (10: 21). ونرى يسوع في مت يطرح أسئلة عاديّة تظهره في الخارج وكأنه "لا يعرف". قال في حدث تسكين العاصفة: "لمَ أنتم خائفون، يا قليلي الإيمان" (8: 26)؟ وقال لبطرس الخائف من الغرق: "لمَ ارتبت" (31:14)؟
ثانياً: كرامة يسوع ومهابته
حين نقرأ مت نجد أن يسوع يتمتّع بمهابة عميقة بحيث لا يتجاسر الناس أن يقتربوا منه. إنه ابن الله. وباسم هذه المهابة، نرى الانجيل يخفّف بعض المرات من القساوة التي نجدها عند مر. لما جاء يسوع إلى الناصرة قال مر 6: 5: لم يستطع أن يفعل معجزة واحدة. أما مت 13: 58 فقال: لم يصنع معجزات كثيرة. في مر، قال الشاب ليسوع: أيها المعلّم الصالح... فأجابه يسوع: "لم تدعوني صالحاً" ليس من صالح إلا الله وحده" (10: 17- 18). أما مت 19: 17 فقال: "لم تسألني عمّا هو صالح. إنما الصالح واحد".
ونستطيع أن نتوقّف عند ما قاله مت 13: 55 ومر 6: 3 عن أقارب يسوع، وما قاله مت 15: 33 ومر 8: 4 قبل تكثير الأرغفة... كل هذا يدلّ على أن متّى يقف في خطّ الأسفار التاريخيّة في التوراة، فيقدّم لنا صورة بهيجة عن وجه يسوع. فيه الكثير من عالم البشر وفيه الأكثر من مهابة السماء.

خاتمة
تلك هي بعض المعاني اللاهوتيّة في انجيل متى: ملكوت الله، الكنيسة، يسوع المسيح. أشرنا إليها بطريقة عاجلة وأوردنا النصوص التي تسندها، ولكننا لا نكتفي بهذا القدر. فسيكون لنا رجوع في ما بعد إلى هذه المواضيع نتوسّع فيها كي نكتشف الغنى الذي يزخر به الانجيل الأول. على كل حال، سيكون تفسير النصوص مناسبة لكي نتعمّق في ما ترك لنا متّى من تعاليم، وهكذا يستطيع كل واحد بدوره أن يكوّن لنفسه نظرة لاهوتيّة شاملة عن كلام يسوع وحياته أعماله. ولكن هل نكتفي بأن نعرف ونتعلم؟ كلا. بل نحاول أن نعمل وإلاّ كنا "صغاراً" في ملكوت السماوات.
المَرحَلَة الأولى
سِرُّ يَسُوع

أخبار الطفولة هي في الواقع خطبة عن "سرّ يسوع"، عن شخصيته كإله وإنسان، عن رسالته كالمسيح المخلّص. هكذا يبدأ إنجيل متّى. وهذه الأخبار هي قبل كل شيء تفكير لاهوتيّ في من هو ابن الله منذ ولادته.
أما فصول هذه المرحلة فتبدو كما يلي:
1- كمال التاريخ في يسوع المسيح، ف 1- 2
2- نسب يسوع، 1: 1- 17
3- تسمية يسوع، 1: 18- 25
4- المجوس والنجم العجيب، 2: 1- 12
5- الهرب إلى مصر والعودة إلى الجليل، 2: 13- 23.
الفصل الخامس
كمال التاريخ في يسوع المسيح
ف 1- 2

1- موقع هذين الفصلين
دُوّن إنجيل متّى، شأنه شأن سائر أسفار العهد الجديد، بعد حدث الخلاص الذي يشكّل قلب التاريخ البشري. عنيت به موت يسوع المسيح وقيامته. وهذا الحدث الرئيسي يشرف على الكرازة المسيحية الأولى كما نقرأها في خطب سفر الأعمال (2: 22- 36؛ 3: 11- 21...). كان المؤمنون يحتفلون بهذا الحدث في "الجماعات الإفخارستية" (أع 2: 42- 46؛ رج 20: 7- 11) حيث يتجسّد إيمان تلاميذ المسيح، ويستنير بنور الروح القدس بواسطة الفقاهة، بواسطة تعليم حول أقوال المسيح وأعماله.
وهكذا تكوّنت شيئاً فشيئاً تقاليدُ شفهية ومجموعات ستصير الإنجيل، البشرى والخبر الطيّب. وعادت هذه التقاليد تدريجياً إلى أصول يسوع البشريّة والإلهيّة. ابتعدت الجماعة عن أورشليم وزاد ابتعادها، فوجب عليها أن تتكلم وتكتب لأشخاص لم يعرفوا يسوع الناصري.
إذن، حين روى مت تاريخ بداية يسوع المسيح، ولادته وطفولته، في ف 1- 2، وضع نصب عينيه الحدث المركزي الذي يُعطي الأحداث المذكورة معناها. لهذا يجب علينا أن نكتشف في النصّ الذي يقدّمه لنا، الهدف اللاهوتي الذي يعطي التاريخ معناه التام الشامل. وساعة تثبّتَ التدوين المتاوي، بعد عشر سنوات على تدمير أورشليم بيد تيطس، الامبراطور الروماني، احتاجت الجماعات المسيحيّة المتهوّدة (الآتية من العالم اليهوديّ) إلى أن تؤكد على إيمانها صراحة تجاه العالم اليهودي المتصلّب. أعادت قراءة التاريخ المقدّس كله، فأقرّت أن ابن داود المنتظر وموضوع الوعد المعطى لابراهيم هما يسوع الناصري ابن مريم ويوسف.
كان على الكتب المقدّسة أن تقود اليهود ليروا في يسوع تتمّة المواعيد، والمسيح الذي تحدّثت عنه الأنبياء. ولكن هؤلاء اليهود رذلوا يسوع واضطهدوا جماعته بسببه، ودخل الوثنيون إلى الكنيسة. فكان لا بدّ من إلقاء الضوء على هذه المفارقة التي توسّعَ فيها بولس الرسول في روم 9- 11 فدلّ على أن هذا الرفض يدخل في قصد الله.
ذاك كان هدف متّى اللاهوتي حين دوّن انجيل الطفولة هذا: هو مقدمة إنجيله. هو جزء لا يتجزّأ من إنجيله. إنه كالبذار الذي يحمل الشجرة بورقها وأزهارها وأثمارها. وهنا يتميّز مشروع متّى عن مشروع لوقا. فالإنجيل الثالث تحدّث عن طفولة يسوع ليدلّ قرَّاءه الآتين من العالم الوثني اليوناني، على أن يسوع هو حقاً ابن الله، وعلى أن العالم اليهودي الذي منه خرج يكشف للبشر معنى التاريخ.
2- البنية الإجمالية
نكتشف البعد اللاهوتي لهذا الخبر بفضل إيرادات العهد القديم وتذكّراته، بفضل الردّات والتكرارات... كل هذا يدلّ على البنية الأدبية والهدف العميق للنصّ الإنجيلي.
أ- البداية (ف 1)
يقدّم لنا مت 1 وحدتين محدودتين تحديداً واضحاً: بداية المسيح ابن داود، إبن ابراهيم. هذا ما نسميه نسب يسوع أو سلسلة أجداده (1: 1- 17). وفي الوحدة الثانية نتعرّف إلى رسالة يوسف في نهاية هذه الأجيال العديدة التي هيّأت الطريق لمجيء يسوع (1: 18- 25). أبرزت الوحدة الأولى البداية التاريخيّة لشخص انتظره الشعب اليهوديّ. ودلّت الوحدة الثانية على الوجود الخاص لهذا الشخص الالهيّ الذي دخل في تاريخ البشر. دلّت على يسوع الذي سيعطيه يوسف اسماً ويدخله في مسيرة الأجيال فيكون خاتمتها وذروتها.
ضمّ مت إلى اسم يسوع لقب المسيح. ولجأ إلى التضمين والاحتواء، فكان "المسيح" في بداية الوحدة الأولى وفي نهايتها (آ 1، 16). وإذ توسّع في تاريخ المواعيد المسيحانية أكّد أن يسوع دخل في سلالة داود الملكية، وتسلّم الوعد الذي أعطي لابراهيم (آ 2). هذا الوعد الذي تجدّد مع الملك داود (آ 6)، وظل حياً بعد محنة المنفى في بابل (آ 11- 12)، تحقّق أخيراً في المسيح وبالمسيح (آ 16).
وتختتم آ 17 توسّع الأجيال وتفسّره. هي فكرة تدوينية استنتجها الكاتب: أشار إلى مراحل ثلاث من أربعة عشر جيلاً لكل مرحلة: من ابراهيم إلى داود. من داود إلى سبي بابل. من سبي بابل إلى المسيح. وكان لهذا التقسيم هدفه.
أما آ 18- 25 فتتحدّث عن رسالة يوسف. نحن ما زلنا في الكلام عن بداية يسوع، عن ولادة يسوع. هنا نجد ألفاظاً عديدة تتحدّث عن هذه الولادة (آ 18، ولادة؛ آ 20، ما وُلد منها؛ آ 21، تلد؛ آ 23، تلد؛ آ 25، إلى أن ولدت ابناً). ما يبرز في هذا المقطع هو اسم يسوع. يظهر في البداية (آ 18: ميلاد يسوع) وفي النهاية (آ 25: سماه يسوع). وتبرز أهمية دور يوسف (يُذكر اسمه خمس مرات: آ 18، 19، 20، 24، 25: أهمية الرقم خمسة) في أن الرب طلب منه أن يُدخل ابنه في سلسلة الآباء.
ب- من بيت لحم إلى الناصرة (ف 2)
ويأتي مت 2 فينقلنا من بيت لحم إلى الناصرة. هناك لوحتان متوازيتان بعض الشيء. تصوّر الأولى طريقتين في استقبال الطفل يسوع (آ 1- 12): المجوس من جهة، هيرودس ورؤساء اليهود من جهة ثانية. واللوحة الثانية ترسم لنا مسيرة يسوع بشكل خروج جديد (آ 13- 23): "من مصر دعوت ابني".
في آ 1- 12، يسوع هو داود الجديد (آ 2، 6) الذي يتمّ نبوءة عمانوئيل الواردة في آ 23 (أش 7: 14؛ 1 صم 7: 5- 16). عليه يشرق كالنور (رج أش 9: 1) النجم (الكوكب) المسيحاني (24: 17) فيكون راعي اسرائيل الموحّد (ي 5: 1؛ 2 صم 5: 2). ويسوع هو أيضاً "سليمان الجديد" (آ 11) الذي تجتذب حكمته حكماء الشرق (1 مل 10: 1- 13؛ مز 72؛ أش 9: 5؛ 11: 1- 5).
في آ 13- 23، يبدو يسوع "يعقوب (إسرائيل) الجديد" (آ 13- 18) الذي نزل إلى مصر، ثم عاد منها بعد أن صار شعباً كبيراً جداً (تك 46: 1- 4؛ 50: 24). وهو "موسى الجديد" (آ 13- 23) الذي أفلت من الموت، ودُعي من مصر ليُعبر شعبه إلى أرض الموعد عبر خروج نهائي (خز 1: 22؛ 2: 1 ي؛ 3: 1 ي؛ 4: 19؛ هو 11: 1؛ عد 23: 22؛ إر 31: 15).
وهكذا نرى أن يسوع هو تتمّة التاريخ البشري. إنه يجمع من جهة مسيرة إسرائيل كما دوّنت في الأسفار المقدّسة. كما يجعل المسيرة الوثنية تصل إلى غايتها في شخص هؤلاء المجوس الذين أتوا من المشرق. إن هذه التتمة النهائية تتضمّن في الوقت عينه قطعاً وانفصالاً، كما تتضمّن تواصلاً واستمرارية. ولكن لا ننسى أننا أمام جديد ينكشف للبشر بشكل جذريّ. هو مبادرة الله المطلقة والبعد الشامل لملكوت السماوت.

3- تحليل النصوص
أ- تتمة التاريخ بواسطة المسيح عمانوئيل (ف 1)
أولاً: المسيح ابن داود، ابن إبراهيم (1: 1- 17)
للآية الأولى معناها العميق: كتاب نسب يسوع (الذي هو) المسيح (الذي هو) ابن داود (إذن، ملك)، وابن ابراهيم (مواعيد الله في الإيمان). إنها تقدّم لنا سلسلة موجزة ومتصاعدة من يسوع إلى ابراهيم عبر الحلقات الجوهرية: تاريخ الوعد الذي أعطي لإبراهيم (تك 22: 16- 18؛ رج سي 44: 19- 21). و"أبو الجماعة الكثيرة" (تك 17: 5) يمرّ عبر ملكيّة داود (2 صم 5: 2؛ 7: 8- 16؛ سي 47: 11) وعهد الله مع إسرائيل (مز 89: 4- 5، 20- 38؛ 132: 1- 12). إن اليهودي يعبرّ عن التاريخ بلفظة "ولادة" (في العبرانية: تولدوت، بداية، تكوين، جناسيس). إذا عدنا إلى بداية التوراة، نقرأ "بداية السماء والأرض" (تك 2: 4). "بداية آدم" (تك 5: 1). وهكذا يعود نسب يسوع إلى بداية الخلق والتاريخ البشريّ.
في الواقع، إنّ مت، بل إنجيل متّى كله، سوف يتوسّع مطوّلاً في هذه البداية التي تبدو كعنوان للكتاب. ليس هناك إلا تاريخ واحد هو تاريخ وعد أعطي في الماضي لإبراهيم، أبي المؤمنين (أش 51: 1- 2)، وامتدّ إلى داود (أش 9: 6؛ 11: 1- 9)، وتمّ في يسوع (غل 3: 28- 29). إن ربط لقب "يسوع" مع لقب المسيح الذي يرد خمس مرات في الإنجيل المتّاوي (1: 1، 16، 18؛ 16: 20؛ 27: 17)، يدلّ على أهمية هذه الآية الأولى التي تبدو كاعتراف إيمان بمسيحانيّة يسوع المرتبطة ارتباطاً تاريخياً بالبنوّة الداودية حسب نبوءة ناتان، وبوعد الله لابراهيم (تك 12: 2- 7). وبما أن يسوع هو المسيح، أي غاية تاريخ طويل من الوعد، فهو الكلمة الأخيرة في هذا الوعد. في هذا المعنى، يكون مجيء يسوع المسيح إلى العالم الحدث الوحيد الذي تتخذ كل الأحداث التاريخية، ولا سيما أحداث العهد القديم، معناها الأخير والتام بالنسبة إليه.
لهذا، فالخط النازل في آ 2- 16 يبدو عند مت برهاناً عن هذا الإعلان الإيماني الذي قرأناه في آ 1. واكتشاف يسوع كغاية تاريخ إسرائيل كان حياً وجوهرياً بالنسبة إلى الجماعات المسيحية الأولى، بحيث إن مدوّن الإنجيل أعاد قراءة المراجع التوراتيّة، ولا سيما كتاب الأخبار وسفر راعوت، في خط إيمانه. ونلاحظ ثلاثة تصحيحات لها معناها.
* في آ 6، زاد مت على اسم داود لقب ملك الذي لا يرد في مراجعه (را 4: 22؛ 1 أخ 2: 15؛ 3: 1). إذن، بدا هذا الطابع الملوكي مهماً للكاتب: فهو يتيح له أن يشير إلى اثنين: إلى انتماء يسوع الحقيقي إلى سلالة داود الملكية. وإلى التجاوز الذي يشكّله "ملكوت السماوات" بالنسبة إلى النظرات الضيّقة التي عرفتها هذه السلالة. ملكوت السماوات يتجاوز بلا حدود مملكة داود الأرضية.
* يرد اسم خمس نساء في هذه السلسلة:
الأولى: تامار (آ 3): تجعلها التقاليد اليهوديّة نموذج الأمانة بعد أن أمَّنت استمرارية نسل يهوذا، جدّ المسيح (تك 38: 1 ي؛ 49: 8- 12؛ را 4: 12؛ 1 أخ 2: 4).
الثانية: راحاب (آ 5): هي الغريبة وزانية اريحا التي استقبلت الجاسوسين ساعة الدخول إلى أرض الموعد. امتُدحت كمرتدَّة بعد أن أعلنت إيمانها بالربّ. يقول التقليد المدراشّي إن الروح حلّ عليها (يش 2: 1- 21؛ 6: 17؛ 22: 23؛ عب 11: 31؛ يع 2: 25). اعتبرها مت زوجة يشوع فذكرها كأم بوعز، وشدّد بذلك على البُعد المسيحاني لتدخّلها في تاريخ إسرائيل.
الثالثة: راعوت (آ 5): هي الموآبية التي تزوّجت بوعز، فخضعت، وإن غريبة، لشريعة السِلفية (المرأة تأخذ سلفها أي شقيق زوجها ليكون لزوجها بأخيه نسل). لقد هيّأت الطريق لداود بالنظر إلى أمانتها لقرابتها اليهوديّة (را 1- 4؛ أخ 2: 5). وفي بيت لحم، مدينة داود، سوف تلد ولداً (را 4: 11؛ 1 صم 16: 1).
الرابعة: امرأة أوريا (آ 6): تُذكر بالنسبة إلى زوجها، ولا يذكر اسمها الذي هو بتشابع (2 صم 11- 12). ساعدت ناتان فصار ابنها سليمان ملكاً على شعبه.
الخامسة: مريم (آ 16). قد ولدت المسيح خاتمة الأجيال.
تدخّلت هذه النسوة في سلالة مت بالنسبة إلى دعوتهن الأمومية. إنهن في خدمة الحياة. وهكذا يؤمَّن تواصلُ التاريخ وبالتالي قصد الله. لا شك في أن أمومة النسوة الأربعة، تمرّ في وضع شاذ. ولكنّ هذا الشواذ يدل على ما في مخطّط الله من أمور لا نتوقّعها. أطعْنَ نداء الحياة، فخضعنَ طوعاً لعمل الروح النبوي، كما تقول عدّة نصوص من العالم اليهودي. وهكذا صوّرت دعوتهن مسبقاً دعوة مريم، آخر امرأة ذكرت في هذه السلسلة: هي "التي منها وُلد يسوع الذي يُدعى المسيح" (آ 16). نحن هنا أيضاً أمام أمر شاذ، لا يسير حسب القاعدة، ولكنه شواذ، من نوع آخر. لقد أخذت مريم محلّ يوسف، محل الأب الذي ينجب. هذا ما تفسّره آ 18- 25.
يدلّ وجود هذه النسوة في سلالة يسوع، على أن طريق المسيح يمرّ عبر السلالة الداودية الصحيحة، لا في سلالة أخركما. كانت النسوة الأولى غريبات ولكن لم يكنّ عابدات أوثان. آمنّ بالله، وخضعن لمخطّطه عبر دعوتهن إلى الأمومة فشاركن في تواصل بيت دود حتى كماله في يسوع. وإيمانهن في الأوضاع الحرجة، هو الذي جعل الناس يدعوهنَّ "بارات"، ونسلهن يمتدحهن، وجميع الأجيال تعلن سعادتهن (تك 38: 26؛ را 3: 10؛ 4: 12؛ مز 127: 1 ي؛ لو 1: 48؛ 11: 27؛ عب 31:11؛ يع 2: 25).
* حذف مت ثلاثة أسماء ملوك هم: أحزيا، يوآش، أمصيا. وُجدوا، لو دخلوا في اللائحة، بين يورام وعزيا (آ 8) (رج 2 مل 8- 14؛ 2 أخ 22- 25). استبعد الكاتب هذه الأسماء ليكون له مجموع أربعة عشر جليلاً. وخصوصاً لأنهم ماتوا بعد أن "ضربهم" الله (2 أخ 22: 9؛ 24: 25؛ 25: 27)، فتركوا وراءهم اثراً سيّئاً. إن ملوك يهوذا هؤلاء قد ارتبطوا بعثليا، زوجة يورام، الملكة الكافرة التي انتظرنا أن نجد اسمها في لائحة أجداد المسيح (2 مل 11؛ 2 أخ 22- 23). فهي قد سعت إلى إفناء السلالة الملكية في بيت يهوذا (جد داود) وبالتالي إفشال تحقيق الوعد المسيحاني الذي جدّد لداود ونسله. استُبعدت من اللائحة مع ابنها احزيا، وحفيدها يوآش، وابن حفيدها أمصيا، فأصابتها اللعنة التي اعلنتها الوصايا العشر (خر 20: 5؛ تث 5: 9) ضد عبدة الأوثان "حتى الجيل الثالث والرابع" (خر 34: 7).
حين نقرأ في التوراة خبر هؤلاء الرجال والنساء، خبر هؤلاء الملوك الخطأة، مع ما فيه من عبادة أوثان وطلب للثأر وسلوك رديء وخيانة، ندهش حين نرى كيف أن هذه السلسلة في مت تعبّر بشكل ملموس عن وحدة حياة ومصير أخذها يسوع وأتمّها بشكل نهائي. فيسوع يعني: الله يخلّص، وهو الذي "يخلّص شعبه من خطاياهم" (1: 21) حسب مخطّط الله الأزلي.
وتشكّل آ 17 خاتمة وانتقالة. كما تدلّ على اهتمام لاهوتي واضح. أخذ رقم دواد (في العبرية: دود= 4 + 6 + 4= 14) وأورده ثلاث مرات. وهكذا شدّد مت على داود وتواصل سلالته. وهناك من عاد إلى دا 9: 1- 27 والحسابات الجليانيّة التي تقسم التاريخ إلى عشرة أسابيع من السنين. ولكن مت يستعمل الرقم 14 لا الرقم 7. ثم، إذا حسبنا الأسماء التي نقرأها في اللائحة لا نجد 42 (14 × 3) بل 40 اسماً. ولكن تعداد 14 × 3 يبقى صحيحاً. فاسم يكنيا لا يحسب في آ 11. فسبي بابل هو الذي يحتلّ بين المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة، الموضع الذي احتله داود بين المرحلة الأولى والمرحلة الثانية. وهكذا يحسب يكنيا في المرحلة الثالثة التي اختتمها "يسوع الذي يُدعى المسيح" (آ 16). فكما انتهت الأولى مع داود، انتهت الثانية مع سبي بابل.
ثانياً: مهمة يوسف، يسوع عمانوئيل (1: 18- 25)
"وهذه هي بداية يسوع" (آ 18). استعادت هذه الآية كلمات آ 1 وذكّرتنا بما في آ 16 التي سوف تشرحها. لقد تحقّق نسبُ يسوع بشكل ملموس في إطار عائلي من العلاقات بين يوسف ومريم. بعد الآن سنتحدّث عن ولادة الإنسان الذي اسمه يسوع.
في "السلسلة" (آ 1- 17) أعطى مت رؤيته اللاهوتية حول توالي الأجيال. وها هو الآن يتابع نظرته. هو لا يتوخّى تحليل المسائل السيكولوجية المتعلّقة بيوسف ومريم، بل يحاول أن يكتشف دور يوسف ورسالته في مخطّط الله. وهناك إشارات عديدة تجعلنا في هذا الخط.
* الفن الأدبي
عوّدتنا التوراة على الفن الأدبي الذي يروي "البشارة بولادةِ" طفلٍ عجيب. مولد اسحق (تك 18: 9- 15). مولد شمشون (1 صم 9- 18). وفي كل مرة نجد العناصر التالية مرتّبة تارة بشكل، وطوراً بشكل آخر.
- تدخلُ الله. يدلّ عليه مراراً الملاك (آ 20).
- تسمية الشخص الذي يُزار ولقبه: يوسف "ابن داود" (آ 20).
- عائق لا بدّ من تجاوزه. عادة عقم المرأة. هنا، على يوسف أن يأخذ مريم (آ 18، 20) وهي عذراء حبلى من الروح القدس.
- علامة تُعطى كدلالة على تتمة البشارة (الولد العجيب، آ 21).
- توضيحات حول اسم الولد ومستقبله. اسمه يسوع. لأنه يخلِّص شعبه (آ 21).
أما الظهور النموذجي فيكون: ظهور، اضطراب، بلاغ (البشارة، اسم الولد، معنى الاسم، مستقبل الولد، النظام الذي يسري عليه الإنسان)، سؤال، علامة.
نلاحظ أولاً في وضع مت أن الحبل بالولد بفعل الروح القدس هو معطية عرفناها منذ آ 18. وهذا ما قد يشير إلى أن يوسف عرف هذه المعطية. وهذا الحبل يقع في خط الأمومات التي ذكرتها السلسلة السابقة. كل أمومة قد دلّت على خضوع لروح الله، وعلى مشاركة نبويّة في قصده الخلاصي بالنسبة إلى البشريّة.
لا نتوقّف عند موضوع حبل امرأة بفعل إله كما في العالم المصري واليوناني والفينيقي. ولكن إسرائيل، روح الله يُشرف على الخليقة (تك 1: 2). هو الذي يلد من جديد شعب إسرائيل الذي صيّره المنفى عظاماً يابسة (حز 37: 1- 14). كما أنه يحرّك قوة حياة جديدة كل الجدّة (أش 44: 3- 4). ومع ملكوت الله الذي ظهر في شخص المسيح، ظهرت هذه القوة الخلاّقة في ملئها. وفي هذا العمق يتّخذ التاريخ البشري معناه الحقيقي.
* دور يوسف
ويُطرح سؤال: ما هو دور يوسف؟ تعلمنا آ 19 أنه كان رجلاً "باراً". قلقَ لا من "سلوك" مريم (لم يظن فيها شراً)، بل من علاقته الخاصة بهذا الطفل، وبالمهمة الملقاة على عاتقه في هذا الإطار. دُعي "باراً" في مستوى أول بالنظر إلى الموقف الذي اتخذه تجاه مريم، موقف الحكمة وضبط النفس. وفي مستوى ثانٍ، هو مستوى الجماعات المسيحية الأولى، كان باراً لأنه جمع في شخصه موقف الأبرار في العهد القديم. كان على مثال نوح الذي "سلك مع الله" (تك 6: 9). وعلى مثال ابراهيم "الذي أمن بالرب فحسب له إيمانه براً" (تك 15: 4- 6).
إذن، لسنا أمام هذا "البر" بحسب الشريعة، الذي يتيح له أن يطلّق امرأته. لا سيما وأنه ليس من شريعة تفرض على الزوج أن يطلق امرأته حين يظنّها "زانية". فما في تث 22: 13- 21 و22: 23- 27، لا ينطبق على ما نقرأ في مت. فالطلاق في تث يعني الزواج الذي قد تمّ (تث 24: 1) بانتقال المرأة إلى بيت الرجل الذي تزوّجته، أما الموضوع هنا فهو "البر" الديني الذي يطلب من يوسف أن يحترم عمل الله وروحه، ويمنعه أن ينسب إلى نفسه استحقاق عمل الله. فيوسف يظن أنه يستطيع بسلطانه الخاص أن يأخذ إلى بيته شخصاً وضع الله يده عليه، أراده مكرّساً له. لا شكّ في أن للزوج سلطة على زوجته. ولكن يوسف امَّحى أمام الله، فتخلّى عن أن يكون زوج مريم ووالد الصبيّ. لهذا عزم على أن يترك امرأته بدون ضجة وبدون علم الناس. خطبة وانتهت. إن يوسف هو بارّ بـ "برارة"، يجب أن نكتشفها شيئاً فشيئاً في انجيل متى، ولا سيّما في العظة على الجبل: هذا العيش بحسب مخطّط الله وقصده.
في هذا الوقت من الخبر (آ 20)، تراءى "ملاك الرب" (يدل على الله نفسه كما في 28: 2؛ رج تك 16: 7، 13؛ خر 3: 2). الملاك هو رسول الله، والتعبير عن علاقة الانسان مع الله عبر الوساطات المخلوقة. تراءى الملاك ليوسف في الحلم. لا ننسى هنا أن يوسفي بن يعقوب، قد حدّثه الله في الأحلام (تك 17: 5- 9، 19). لقد دلّ الله يوسف على أنه بحاجة إليه. "يا يوسف، ابن داود، لا تخف من أن تأخذ إلى بيتك مريم امرأتك. ففي الحقيقة ما وُلد منها هو عمل الروح القدس، ولكنها ستلد ابناً تسميه يسوع، فهو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم" (آ 20- 21).
وهكذا مُنح يوسف سلطة إعطاء "الاسم"، وإدخال الطفل إدخالاً شرعياً في سلالة داود. لهذا سمي "ابن داود" (يا يوسف ابن داود، رج 1: 1). ولكن "للاسم" في العالم اليهودي بعداً هاماً جداً: فهو يدلّ على واقع الشخص بالذات. إذن، ها هو يوسف الذي يدلّ اسمه على النموّ، نموّ شعب الله عبر تاريخه. ها هو يعطي يسوع "اسمه" الخاص، أي وجوده الملموس كإنسان في المجتمع (آ 21- 25). وسيرى فيه الناس عمانوئيل أي إلهنا معنا (أش 7: 14). أعاد مت صياغة هذا الاستشهاد من أشعيا، لأن صيغة الجمع "يدعونه" (يُدعى) لا توجد في النصّ العبري ولا في النص اليونانيّ. فهذا الطفل الذي يتّخذ "قامته" البشريّة، سينكشف على أنه المخلّص الحاضر في شعبه. وهكذا يعيدنا الكاتب إلى تضمين كبير في نهاية إنجيله. هذا العمانوئيل يقول لتلاميذه: "ها أنا معكم كل الأجيال حتى انقضاء الدهر" (28: 20).
في ف 1، هو ملاك الرب يورد النصّ النبويّ ويعطيه معناه. ولكن بواسطة صيغة الجمع (معنا) والفعل في الجمع (يسمّونه). كل الشعوب معنيّة بالوعد الذي أعطي لابراهيم: "بك تتبارك جميع أمم الأرض" (تك 12: 3). ثم إن الاسم الذي أعطاه يوسف لابن مريم هو يسوع، لا عمانوئيل.
* ومريم
أين موقع مريم في خبر مت؟ استعاد الكاتب أش 7: 14 كما في السبعينية، فتحدّث عنها كـ "العذراء" (بارتانوس). هذه اللفظة التي تعود إلى العبريّة ع ل م ه (مؤنث غلام في العربية) تعني "المرأة الصبية". غير أن هناك مفهوماً خاصاً تشير إليه آ 16- 18، 25. هنا نستطيع أن نقابل مع أخبار الولادات العجيبة في العالم القديم ولا سيّما في التوراة والتقليد اليهودي. هكذا ندرك الطابع الفريد، والجديد كل الجدّة، لحبل يسوع البتولي. عاد الإنجيلي إلى عبارة من العالم الوثني وصفّاها عبر التقليد التوراتي قبل أن يستعملها ويحمّلها المعنى الجديد الذي هو ميلاد يسوع من مريم العذراء.
لا يقف مت على المستوى الفيزيولوجي ولا على المستوى الطبي، بل على مستوى الواقع الأعمق والأكمل الذي لا يصل إليه العلم، بل يتحدّد موقعه في مناخ الإيمان. إن مت يتكلّم عن بتولية مريم على أنها الظهور الفريد والساطع لقدرة حبّ الله في قلب الواقع البشري، في عمق اللحم والدم. والبتوليّة في الإنسان، هي مسيرة طويلة، مسيرة ابن الله المتجسّد الذي بالروح صنع كل شيء جديداً، الذي معه اقترب ملكوت الله؛ 3: 2: 14: 17).
فبدل أن ننطلق من خبرتنا البشرية في الحبل والولادة لكي نفسّر ظاهرة "الولادة البتولية"، علينا بالأحرى أن نعيد قراءة خبرة الولادة عندنا على ضوء ولادة يسوع الذي حُبل من الروح القدس. فالبنوّة الإلهية التي عبرّت عن ملئها ولادةُ يسوع، تكشف عن المعنى العميق لكل ولادة بشرية، وتجعلنا ندرك ما تعنيه الولادة الروحية.
إذن، دخول يسوع إلى العالم هو دخول فريد، ولا يفسّره إلا تدخّل الروح القدس، هذا الروح عينه يستطيع وحده أن يعطي المعنى الأخير لحدث "يسوع" في ملئه: إنه حقاً ابن الله، إنه حقاً ابن البشر.
ب- حضور يسوع في العالم اليهودي والعالم الوثني (ف 2)
وُلد يسوع في بيت لحم. إنه هنا في قلب البشرية. ماذا يعني حضوره؟ وكيف نحدّد موقعنا بالنسبة إليه؟ ما هو تأثير مجيئه في تاريخ إسرائيل وفي الأمم؟ هذه الأسئلة تجمل مقال متّى في فصله الثاني.
أولاً: استقبال الطفل يسوع (2: 1- 12)
كان الوثنيون أول المهتمين بولادة "ملك اليهود"، فذهبوا يبحثون عنه، وقادهم بحثُهم بشكل طبيعي إلى أورشليم (أش 60: 3- 6). سأل المجوس: "أين هو ملك اليهود" (آ 2)؟ هكذا سمّاه بيلاطس أيضاً. وبهذه التسمية هزىء به الجنود في الحاش (27: 11، 26، 27). وحين نقل هيرودس السؤال إلى عظماء الكهنة والكتبة، ترجم الكلام الوثني إلى لغة يهوديّة: "أين يولد المسيح" (آ 4)؟
كان المجوس في طريق تنطلق من المشرق، فترافق الشمس. التقوا اليهود وسألوهم عمّا في تاريخهم المقدّس، فاعترف هؤلاء من عظماء كهنة وكتبة وهيرودس وكل أورشليم، أن الكتب المقدّسة أنبأت بالمسيح. ولكنهم لا يعرفوا ظهوره في بيت لحم. نحن هنا في نظر مت أمام قراءة للكتاب المقدّس لم تصل بعد إلى كمالها.
وسار في هذا الخبر تحرّكان متعارضان: واحد يشير إلى رفض اليهود ليسوع. وأخر يشير إلى استقبال الوثنيّين له. وسنجد هذا التعارض عينه في كل الإنجيل الأول حتى الحاش (27: 39- 44، 54) والقيامة (28: 11- 15 و16- 20). في هذه الآيات (آ 1- 12) سيقف هيرودس تجاه اليهود، وهكذا نجد المواجهة الجغرافية بين أورشليم وبيت لحم. ولكن سينتهي الصراع بوحي عن المسيح، ملك اليهود، يصل إلى الوثنيين عبر علامة النجم (آ 9- 10) ثم بواسطة حلم (آ 12). إن تعرّفَ الوثنيين إلى يسوع قد أشار إليه أش 49: 23؛ 60: 3- 6؛ مز 72: 10- 15. وقد دلّ مت على تحقيق هذه النبوءات في ارتداد الوثنيين كما تقول التقاليد اليهودية.
إن موضوع خلاص الوثنيين هو موضوع حاضر في العهد القديم والتقليد اليهودي (تك 12: 3؛ أش 2: 2- 5؛ 19: 16- 25؛ 45: 14- 17، 20- 25؛ 66: 18- 21؛ مز 47: 1 ي). إن إسرائيل اكتشف الله عبر تاريخه، أما الأمم فعادت إلى جمالات الكون (تث 4: 15- 20). فالكواكب تنشد مجد الله الواحد (مز 19: 2- 7) وتكشف عن قدرة الخالق (هك 13: 1- 9). هنا نحسّ وكأننا في بداية الخليقة مع النور الذي ظهر في البداية (تك 1: 1- 3). هذا النور يدلّ من خلال النجم على عالم جديد يبدأ مع يسوع المسيح.
إن علم الفلك رغم التباسه وانحرافاته الوثنيّة، قد قاد الأمم إلى النور الكامل، قاد المجوس إلى يسوع المسيح. ولنا صورة عن ذلك في عد 22- 24 الذي يتوسّع فيه مت على مثال ما في الترجوم الفلسطيني. أراد الملك بالاق أن يلعن شعب الله (عد 22: 11؛ 23: 7). وأراد هيرودس أن يقتل ملك اليهود (مت 2: 8). رفض بلعام أن يلعن بل بارك الشعب (عد 22: 18؛ 23: 8- 9). وسجد المجوس للطفل الالهي (مت 2: 11). تحدّث بلعام عن كوكب يخرج من يعقوب (عد 24: 27) ورأى المجوس النجم (الكوكب) العجيب (مت 2: 2). وعاد بلعام (عد 24: 25) كما عاد المجوس (مت 2: 12) إلى بلادهم بأمان.
أراد مت بهذا المدارش (درس وتأمل) الجديد أن يشرك الوثنيين منذ بداية حياة يسوع، في إقامة ملكوت الله الشامل. لهذا، لا نحصر النصّ الإنجيلي في ظاهرة طبيعية هي ظاهرة نجم في السماء. فيسوع هو النور المسيحاني الذي ينير الشعوب (أش 9: 1- 5؛ 60: 1- 6). إنه اسد يهوذا الحقيقي كما قال يعقوب حين بارك ابناءه (تك 49: 9- 10). إنه الحكمة التي تتجاوز منذ ظهورها حكمة سليمان، فتجتذب إليها كل ملوك الأرض (1 مل 10: 1- 13؛ رج 4: 14).
وجاء مي 5: 1 أيضاً يثبت هذا التفسير. في الواقع حوّله مت بعد أن دمجه مع 2 صم 5: 2 (توارد ألفاظ). ذكر تكريس داود في حبرون، وأشار إلى بيت لحم، مهد الملك داود. فدلّ على يسوع كالمسيح الداودي المنتظر، وراعي إسرائيل الحقيقيّ (حز 34: 32؛ 37: 24). وحين تأمّلت الجماعات المسيحية الأولى في هذا النصّ، وعت أنها تقرأ تاريخ كنيستها: إكتشف الوثنيون في يسوع النورَ النهائي، والخلاص الذي بحثوا عنه طويلاً. أما اليهود فوُضعوا على المحك بواسطة هذا الرجل الذي قلب نظرتهم رأساً على عقب، فما اكتشفوا فيه تتمة الكتب المقدّسة، وصاروا مضطهدين لاخوتهم.
فرح الاولون (آ 10: فرحوا فرحاً عظيماً جداً) ودخلوا إلى "البيت" الذي صار الكنيسة (آ 11). وقدّموا كنوزهم (1 مل 10: 2- 10؛ أش 60: 6؛ مز 72: 10- 11، 15). أما اليهود فخافوا، وتحوّل خوفهم إلى عنف قاتل (آ 13، 16، 22). وفي النهاية كان بكاء لا عزاء فيه (آ 18). كان البكاء وصرير الأسنان (8: 12).
ثانياً: خروج جديد للطفل يسوع (2: 13- 23)
* نظرة عامة
تتوالى ثلاث مقطوعات في هذه المجموعة الأخيرة من المطلع المتاوي. بُنيت الأولى (آ 13- 15) والثالثة (آ 19- 23) حسب البناء عينه، فأحاطت بالمقطع المركزي الذي هو "مقتل الأطفال" (آ 18- 25). بُنيتا حسب المقطع المتعلّق بمهمّة يوسف (1: 18- 25). وهكذا ترد قصة يوسف في ثلاث مقطوعات متوازية كردّات في نشيد نكتشفه في ف 1- 2: "يدعى اسمه يسوع" (1: 23). "من مصر دعوت ابني" (2: 15). إنه "يدعى ناصرياً" (2: 23).
عبر النصوص التوراتية الواردة هنا أو الملمّح إليها، يبدو يسوع على أنه يعقوب الجديد النازل إلى مصر. وموسى الجديد التارك أرض مصر والمتوجّه إلى أرض الموعد. لن يدخل موسى أرض الموعد، بل يشوع. أما يسوع فسيدخل أرض الميعاد. وهكذا نكون أمام خروج طويل ينطلق من بيت لحم إلى مصر، ومن مصر إلى الناصرة.
* هيرودس وفرعون
إن وجه هيرودس يُشرف على المشهد كله (آ 13، 15، 16، 19، 22): فهو يملأ اليهوديّة حتى في شخص ابنه ارخيلاوس (آ 22). فهذا الملك (آ 1) الظالم أمر بقتل أطفال أبرياء من أجل أمن الدولة. إنه يذكّرنا بفرعون ملك مصر، الذي أمر بقتل جميع الذكور المولودين للعبرانيين (خر 1: 25- 22). وكما نجا موسى من الموت بطريقة سرّية (خر 2: 1- 10) ولجأ إلى الخارج ليهرب من فرعون (خر 2: 11- 15)، وكما واجهه فيما بعد حين ملأه الله بروح النبوءة (خر 3: 1- 12)، هكذا أفلت يسوع من الموت وهرب من الطاغية (آ 13- 15) ثم اعتزل في الناصرة (آ 23) ليظهر من جديد ويكرز في العلن بعد اعلانه مسيحاً في العماد (ف 3- 4).
وأعطانا مت المفتاح لفهم هذا التوازي: أورد في آ 20 عبارة من خر 4: 19: "لقد مات الذين يريدون قتلك". هكذا دُعي موسى ويسوع في العبارة عينها للعودة من المنفى من أجل خلاص شعب الله. وصيغة الجمع "ماتوا" تضمّ الآن كل المضطهدين منذ فرعون حتى نهاية العالم. ورأى مت في يسوع، ذاك الذي يعيش معنا (عمانوئيل) الخروجَ النهائي، فينتصر على الموت والخطيئة بآلامه وقيامته، ويعطينا الشريعة الجديدة التي تُتمّ شريعةَ موسى. أما السلطات اليهوديّة فقد حقّقت مسبقاً رفضَها ليسوع. الآن، قُتل الأطفال الأبرياء، وفيما بعد سيُقتل يسوع البار الذي لم يقترف ذنباً ولا وُجد في فمه غشّ.
* يسوع ويعقوب أبو الآباء
شُبّه يسوع بموسى. ويُشبّه أيضاً بيعقوب (تك 46: 2- 5). كما نزل يعقوب من مصر، وصعد منها بعد أن صار شعباً كبيراً، هكذا فعل يسوع، فدلّ في عمله على نزوله إلى العالم قبل عودته إلى الآب. وعبارة هو 11: 1 التي استعادها مت في آ 15 تماهي بين يسوع والشعب كله. تورد التقاليد اليهوديّة أن يعقوب هرب من معاملات لابان السيّئة، فالتجأ إلى مصر وصار هناك شعباً كبيراً. وانتظر هناك ظهور نجم الخلاص. أما راحيل زوجته فاندفنت في كنعان (تك 35: 19) وبكت حتى عودة أبنائها (إر 31: 15).
في يسوع تجسّدت وتمت دعوة النبي إلى راحيل: "توقفّي عن البكاء، إمسحي دموعك... سيعودون من أرض الأعداء. هناك أمل من أجل نسلك: سيعود أبناؤك إلى أرضهم" (إر 31: 16- 17). إن هرب المسيح إلى مصر، وهو يعقوب الجديد، وعودته إلى إسرائيل على رأس الجموع التي تتبعه (مت 4: 25) والتي تدل على باكورة شعب جديد لا يُحصى، يمثّلان منذ الآن ما يحقّقه السر الفصحي (موت يسوع وقيامته) بشكل نهائي.
وأخيراً، إن إيراد "الأنبياء" (آ 23) الذي نجده في الأسفار المقدّسة يدعونا إلى التفكير أننا ننصدم بواقع غير منتظر: وجود يسوع في الناصرة. هذه القرية الصغيرة في الجليل لم تذكرها التوراة. ومع ذلك، فهناك انتهى "خروج" يسوع بعد عودته من المنفى. الجليل مهمّ في إنجيل متّى الذي يورد أش 8: 32- 9: 1: "أرض زبولون وأرض نفتالي، طريق البحر، عبر الأردن، جليل الأمم" (مت 4: 15). الجليل هو "جليل الأمم". فهو يمثّل باكورة الشعوب العائدة إلى الله.
كان جدال حول معنى "ناصرياً" (مع الصاد أو الزين: نازارانوس). وجدال حول لفظة "الأنبياء". لهذا نقول: في خطّ الأنبياء مع حياة خفيّة. هناك عنصران يلتقيان: من جهة، إيمان بشخص يسوع كذاك الذي يتمّ الكتب. ومن جهة ثانية، واقع الناصرة التاريخي. فدينامية الأحداث التاريخية ندركها كأحداث إيمان، وهي تفرض قراءة العهد القديم في هذا الخطّ. في هذا المعنى، لا تبرهن الكتب عن يسوع. بل العكس هو الذي يحصل: فالكتب تجد آنيّتها وحضورها الحالي في يسوع الذي يكمّلها.
أن يعيش يسوع في الناصرة: هذا ما لم تنبىء به الكتب. ولكن الواقع تاريخي. ويسوع هو الذي يتمّ الكتب، لهذا يجب أن يكون العهد القديم حاضراً. حياةُ يسوع كتبت جملة جديدة فتعدّت أسفار التوراة. كل هذا يتيح لنا أن نوضح النمط التاريخي الذي يتوسّع فيه مت في إنجيل الطفولة فندرك المحطات اللاهوتيّة عبر البنية المزدوجة التي اكتشفناها في النصوص.

3- اللاهوت المتاوي في إنجيل الطفولة
إن البناء المدارشي للمجموعة قد يجعلنا نظنّ أننا أمام تقديم أدبي يودّ أن يجعل أمامنا تعليماً لاهوتياً وفقاهة. حينئذٍ نسقط في تجربة رفض هذه الصياغة على أنها عارية من كل أساس تاريخي. في الواقع، إن مت يقدّم لنا قراءة حقيقيّة للتاريخ كما حدث في أيام يعقوب وموسى، في أيام يسوع، في أيامنا. لسنا أمام قراءة ظاهرية للتاريخ على مستوى الأحداث التفصيليّة كما في "تقرير صحافي". بل أمام قراءة حقيقيّة تأخذ بعين الاعتبار كل أبعاد التاريخ.
حين بدأ الإنجيلي كتابه بلائحة الأجيال الطويلة، إستعاد مسيرة تاريخيّة ملموسة، هي مسيرة التاريخ البشريّ. لا كما يفعل كاتبُ تاريخ حديث، بل كما يفعل مؤمن مقتنع أن التاريخ الحقيقيّ بدأ مع ابراهيم: تحوّل هذا الرجل فصار شخصاً مميّزاً ودخل في إطار من المسؤولية. تحرّك تحرّكاً لا رجوع عنه. ولكن صار هذا الانسان كائناً يسير في طريق. طُرح إلى الأمام في "خروج" متواصل حتى كمال هو المسيح.
وتثبّت هذا التاريخ في أرض البشر. مرّ في قلب الشعوب فأخذ معه ولاداتهم وأعمالهم، حبّهم وألمهم وموتهم. جعل من الإنسان مَلك الخليقة. اختار داود، راعي إسرائيل، وامتحنه في صمت المنفى، ثم أعاده إلى أرضه لكي يتابع مسيرته. وفي النهاية جاء المسيح الذي هو غاية التاريخ وانفتاحه على أبعاد الله. إنه عمانوئيل، "الله معنا". ذاك الذي له اسم أرضي هو يسوع. اسم قد تسلّمه من ابيه يوسف ابن داود.
أما علّة وجود يوسف فتجذير هذا المسيح في أرض السلالات البشرية، وتحديد موقعه في المجتمع بإعطائه اسماً وبمساعدته على النموّ. ودعوة مريم امرأته، هي أن تعطي جسداً للروح القدس فيكوّن هذا البشر الضعيف الذي صار فيه ملكوت السموات قريباً. لهذا لا نستطيع أن نرى في يوسف ومريم زوجين عاديّين كسائر الأزواج. فمغامرتهما فريدة لأنهما يمثّلان جماعة البشر التي تحوّلت إلى خليقة جديدة علامتها المحسوسة هي البتوليّة التي تعبرّ عن علاقات بشرية تجلّت بحضور الله.
إن ملكوت السموات يجد نفسه منذ ظهوره على الأرض في حالة خروج وعبور: فالروح لا يمكن أن يغرق في الطين. بل هو يحوّل الطين ويحييه. ويسوع الإنسان الذي أخذ على عاتقه كل واقع التاريخ البشري لأنه "الله معنا"، يحرّكه نداء يأتيه من الآب عبر البشر. وتتّخذ دعوتُه جسماً بالأسماء التي أعطيت له: يسوع، عمانوئيل، الابن الذي دُعي من مصر. الناصري الذي يقيم في جماعة معروفة. هذا هو واقع المسيح ابن البشر وابن الله.
وحين أراد مت لهذا الواقع الذي يعطي ثباتاً لتاريخ البشر (هم أيضاً يحملون اسماً بشرياً واسما إلهياً، ودُعوا إلى دعوة شاملة) أن لا يصبح تجريداً مطلقاً، جعلَنا مع يسوع في قلب التاريخ والجغرافيا كما في أيام يسوع. بيت لحم، أورشليم، اليهوديّة، أرض إسرائيل، الجليل، الناصرة. هذا ما نجده على الخريطة. وما نجده في تاريخ الشعوب هو هيرودس الكبير (37- 4 ق م)، أرخيلاوس (4 ق. م- 6 ب م). وتصرّف هيرودس الطاغية العنيف، الذي قتل عدداً من نسائه وأولاده. الذي خاف دوماً على عرشه فلجأ إلى المنجّمين ودعاهم إلى قصره. كل هذا قد أخبرنا به المؤرّخون ولا سيّما فلافيوس يوسيفوس.
استعمل مت كل هذه العناصر ولكنه لم يجعلها جوهر تاريخه. قرأ الحدث يسوع في حقيقته العميقة لا في واقعه الخارجي اليومي. فروت الوقائعُ الواردة ولادة يسوع، وأبرزت بُعدها من أجل العالم على بُعد النور الحاسم، نور الموت والقيامة. هذا ما يدلّ عليه بشكل خاص الايرادات الكتابية في إنجيل متّى.
لا شكّ في أننا نودّ أن نطرح اسئلة لنرضي فضولنا وحشريتنا. كيف عاش يوسف ومريم حياتهما على المستوى السيكولوجي أو على مستوى الواقع اليومي؟ كيف كان مجيء المجوس إلى اليهوديّة؟ هل هرب يوسف حقا إلى مصر مع امرأته وابنه؟ هل قتل هيرودس حقاً أطفال بيت لحم الأبرياء؟ ولكن فضولنا لن يجد جواباً رغم أبحاثنا التي قد تكون محقّة. فالحقيقة الأخيرة للتاريخ لا تكون على هذا المستوى.
ففي نظر مت، كما في نظرنا، كان لهذه الأحداث موضع، بمعنى أن يسوع يجمل التاريخ فيصبح قلبه وغايته. إنه يجمع الأمم. وبعد اليوم، يتحدّد موقع كل انسان بالنسبة إليه، سواء كان يهودياً أم وثنياً. إنه الحدث الذي يحرّك الإيمان. والإيمان بدوره يفسّر الحدث التفسير الحقيقي. والإيمان نعيشه في الزمان والمكان، في محيط معيّن، ونعبّر عنه في فنون أدبية خاصّة. فكل نقد أدبي يلغي واقع المسيح الحيّ، ويعتبر نفسه في روحانية لا ترتبط بيسوع الناصريّ، لا يصل إلى هدفه، لأنه فقد الموضوعية وصار متحيّزاً لفكر مسبق. نحن لا نستطيع أن نقرأ التاريخ، ولا سيّما التاريخ المقدّس، بدون يسوع أو خارجاً عن يسوع.

الخاتمة
إن طفولة يسوع هي مدخل إلى إنجيل متّى كله. إنها في الوقت عينه المحطة الأولى، وهي تتضمّن سائر المحطات، كالطفل الذي حمل في ذاته حياة الإنسان كلها. إن مت 1- 2 هما قراءة جديدة للعهد القديم على ضوء تاريخ طفل صغير. وهكذا تُعلن الكتب في عيش نبويّ. والروح الذي عمل منذ الآن سيتجلّى في عماد المسيح. لقد تمّ تاريخ الخلاص في الجماعة المسيحيّة الأولى. ولكن على هذا التاريخ أن يجد في ذاته حضور ابن الله الحبيب. منذ الآن تجتمع جماعة المعمّدين في موت يسوع وقيامته.
في الواقع، مت 1- 2 هما خطبة نبويّة عن يسوع المسيح الذي جاء يتمّ المواعيد الحاضرة في تاريخ إسرائيل. إنهما يلعبان بالنسبة إلى الخبر، الدور الذي تلعبه الخطب الخمس في إنجيل متّى (5- 7؛ 10؛ 13؛ 18؛ 24- 25). وعبر الإيرادات الكتابية الخمسة، هي كلمة الله تعبرّ عن نفسها باسم الولد الذي لا يستطيع بعد أن يتكلّم. تعبرّ عن نفسها فتقول إن يسوع الذي هو "ابني" (2: 15) هو منذ البداية المسيح الذي يتركّز عليه مجيء الروح والصوت الآتي من السماء خلال عماده. هذا ما سوف نقرأه في مت 3- 4.
الفصل السادس
نسب يسوع
1: 1- 17

تبدأ حياة يسوع العلنيّة بمقدّمة سابقة في متّى (4: 17: عندئذ طفق يسوع يعظ) وفي لوقا (3: 23 لما باشر يسوع رسالته). روى لوقا الأحداث السابقة: الحبل، الولادة والطفولة. وفعل متّى مثل يو 1: 1- 18 ولكن بشكل إخباري، فجعل قبل خبر الحياة العلنيّة مطلعاً لاهوتياً يعرض الموضوع الأساسيّ وهو: رذل الشعبُ المسيح، واستقبله عدد قليل من الناس. هذا السرّ قد صوّره متّى في درفتين مركبتين تركيباً "علمياً": يسوع ابن داود قد استقبله الأبرار (1: 1- 25). ولكنه سيُضطهد من قبل اليهود. وذاك الذي سيجتذب إليه الوثنيّون، أجبر على الذهاب إلى المنفى في مجيئه الأول (2: 1- 23).
ونتوقّف هنا عند بداية متّى، عند نسب يسوع، تاركين إلى فصل لاحق البشارة إلى يوسف البار الذي دخل في مخطّط الله وقبِل أن يكون زوج مريم دون أن يعرفها، وأباً للصبيّ الذي حُبل به من الروح القدس.

1- الفن الأدبيّ في الأنساب
أ- بداية احتفاليّة
"كتاب نسب يسوع المسيح". لقد اعتدنا أن نعتبر أن تجسّد ابن الله يعني أنه أخذ جسداً بشرياً. وتُنسب هذه النظرة اللاهوتيّة إلى يو 1: 14: "والكلمة صار بشراً". نحن هنا أمام تعبير يونانيّ عن العقيدة المسيحيّة، يهتمّ بشكل خاصّ بالشخص البشري في بُعده "الروحي" ثم في بعده "التجسّديّ"، قبل أن يهتمّ بارتباطه بالجماعة. أما نحن الساميّون، فننظر إلى الشخص على أنه "كلٌّ واحد"، على أنه موجود. ولكننا لا نستطيع أن نتخيّله فرداً منعزلاً. فدخوله في قلب شعب هو أمر أوليّ. لهذا تحدّث بولس الرسول عن يسوع "الذي وُلد من امرأة" وعاش في حكم الشريعة (غل 4: 4). هو في الوقت عينه "ابن داود" و"ابن الله" (روم 1: 3- 4).
لم يصوّر المسيحيّون الأوّلون مجيء يسوع على الأرض على أنه "تجسُّد" كائن روحيّ لبس جسداً. إنهم يرون يسوع داخلاً في تاريخ البشر، في تاريخ شعب الله. ومتّى يحدّثنا هنا عن تجذّر يسوع في شعبه. وهدفه واضح من خلال النظرة العامة كما نكتشفها في انجيله. عاد إلى التقليد الأقدم الذي رأى في يسوع من هو ابن داود، فبيّن أن المسيح الذي عبدته الجماعة ينتمي إلى الشعب المختار (اختاره الربّ من أجل رسالة). ويسوع، هذا الذي صار رباً بالقيامة، هو المسيح المنتظر، وابن داود الحقيقيّ، ووارث المواعيد المعطاة لابراهيم.
هذا الإيمان الكرستولوجيّ قد نشرته النصوص الأولى في مدائح يسوع المسيح. "هو القائم في صورة الله... أخذ صورة عبد وصار شبيهاً بالبشر" (فل 2: 6- 7). "هو صورة الله غير المنظور، المولود قبل كل خلق، الذي هو رأس الكنيسة" (كو 1: 15- 18). وأسند بولس هذا الإيمان إلى تفكير ينطلق من تاريخ شعبه، فدلّ على أن بركة ابراهيم انتقلت إلى المسيحيّين عبر يسوع وبعد أن تجاوزت شريعة موسى (غل 3: 6- 29). وحين كتب متّى انجيله، أراد أن يقدّم لنا تاريخ يسوع.
غير أن هناك طرائق عديدة لكتابة التاريخ. نستطيع أن نرويه بدقّة الشاهد العيان. ونستطيع أن نكتفي بجوهر الأمور حسب نظرة محدّدة. نستطيع أن نتأمّل في الحبل البتوليّ من وجهة مريم، كما فعل لوقا، أو من وجهة يوسف كما فعل متّى. ويستطيع الانجيليّ أيضاً أن يقدّم الوضع المدنيّ (الولادة...) ليسوع على مثال أصحاب الأرشيف. هذا ما فعله لوقا ومتّى حين أوردا نسب (تولدوت أي مواليد... الولادات التي سبقت يسوع) يسوع أو بالأحرى نسب يوسف والد يسوع بحسب الشريعة.
ب- تعداد مملّ
حين نبدأ قراءة مت، نتردّد في قراءة لائحة الآباء الذين سبقوا المسيح. نودّ أن نصل حالاً إلى ولادة مخلّص العالم ولادة بتوليّة، دون أن نقول: ابراهيم ولد اسحق، اسحق ولد يعقوب...
ولكن حين نقابل هذه اللائحة مع المراجع البيبلية تطالعنا أكثر من دهشة. نستعدّ أن نقبل هذا التقطيع المصطنع للتاريخ في ثلاث قطعات من أربعة عشر جيلاً، فنسمع متّى يستنتج: "فجميع الأجيال إذن: من ابراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً، ومن داود إلى جلاء بابل أربعة عشر جيلاً، ومن جلاء بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً".
في الواقع، تعدّد السلسلة الثانية 14 اسماً. فإذا أردنا أن نجد 14 في اللائحة الأولى يجب أن نعدّ ابراهيم بين نسل ابراهيم. وأخيراً لا تذكر اللائحة الثالثة إلا 13 اسماً. لأن الأخير قد ذُكر في اللائحة السابقة.
تلك دهشة أولى. وهناك دهشة ثانية. إذا قابلنا لائحة متّى مع لائحة لوقا (3: 23- 38) نجد الاختلافات العديدة. لا نجد توافقاً إلا في السلسلة الأولى، من ابراهيم إلى داود. في اللائحتين التاليتين لا توافق إلا مع شألتئيل وزربابل. نجد في نصّ لوقا 77 اسماً وفي نصّ متّى 41 اسماً. والد شالتئيل ووالد يوسف لا يحملان ذات الاسم.
مثل هذه الاختلافات أحدثت بلبلة، فحاول المدافعون التوفيق بين الأسماء. مثلاً، رأوا في مت نسب يسوع من يوسف، وفي لو نسبه من مريم التي لا يُذكر اسمها. وعاد بعضهم إلى فرضيّات لا يمكن التحقّق منها مثل زواجين... أما يجب بالأحرى أن نعود إلى العهد القديم حيث نجد سلسلتين لشخص واحد.. مثلاً يهوذا (1 أخ 2: 3- 3: 4. ثم 4: 1- 23). وبنيامين (7: 6- 12. ثم 8: 1- 40). والتقليد المسيحي احتفظ أيضاً بسلسلتين مختلفتين: واحدة استرعى انتباهها أسماء شهيرة، أولئك الذين تعاقبوا على العرش (مت) والثانية قد تكون أقرب إلى الواقع.
وتبقى صعوبة بالنسبة إلى متّى. كيف ألغى ثلاثة ملوك بين يورام وعزيا، وجعل من آسا الملك آساف مرتل المزامير ومن أمون النبي عاموس؟ هل يكفي أن نتحدّث عن وثائق من الأرشيف؟ ما هو بالضبط الفنّ الأدبي الذي مارسه متّى؟
ج- سلسلة الأنساب
عرف الشرق وما زال يحبّ سلسلة الأنساب، أو ما يسقى اليوم شجرة العائلة. والكتاب المقدّس يذكر عدداً كبيراً منها في سفر التكوين وكتاب الأخبار وبعض الكتب التاريخيّة. مثلاً، المغنّون الذين أقامهم داود يُذكرون مع جدودهم: "هيمان المغنّي ابن يوئيل بن شموئيل (أو صموئيل) بن ألقانة... بن لاوي بن اسرائيل، وأخوه آساف الواقف عن يمينه... بن لاوي" (1 أخ 6: 18- 32).
ففي نظر اليهوديّ العائد من المنفى، كان من الضروري تبيان أصله ولا سيّما إذا كان من اللاويّين. وهكذا أورد نحميا سجلّ الأنساب (7: 5). ولكن البعض "لم يقدروا أن يبرهنوا على أن عشائرهم ينتسبون إلى بني اسرائيل" (نح 7: 61؛ عز 2: 59). "وآخرون بحثوا عن سجلّ أنسابهم فلم يجدوه، فحُرموا من الكهنوت" (نح 7: 64؛ عز 2: 62). ورأى الأشخاص الرئيسيّون أن أصحاب الحوليات أوردوا أسماء آبائهم: "عزرا بن سرايا بن عزريا... بن العازار بن هارون رئيس الكهنة" (عز 7: 1- 5؛ 8: 2). ولوقا الانجيليّ قدّم بعض التفاصيل حول النساء القديسات: انتمت أليصابات إلى بنات هارون (1: 5). وكانت حنة ابنة فنوئيل (2: 36).
وإذا حلّلنا الأنساب البيبلية وجدنا أنماطاً ثلاثة. النمط المعروف (كلاسيكي) بشكل لوائح بسيطة. "بنو لاوي: جرشوم وقهات ومراري. وبنو قهات: عمرام ويصهار وحبرون وعزيئيل. وبنو عمرام: هارون وموسى ومريم. وبنو هارون: ناداب وأبيهو وألعازار وايتامار (1 أخ 5: 27- 29).
يرتبط بهذا النمط لوائح تُدرج فعل "ولد" (را 4: 18- 22: فارص ولد حصرون، وحصرون ولد رام)، كمالا سلسلة نسب متّى والسلاسل التي تفصّل أحد الفروع، لا سيّما في سلسلة التقليد الكهنوتي كما نجده في تك 5 و11.
الخط الثاني هو السلاسل المتفرّعة. لا نجد سلسلة متواصلة، بل نسلاً يتفرّع في كل الجهات. مثلاً، نسل نوح (تك 10) لم يلد فقط ثلاثة أبناء، بل استطاع بهم أن يملأ الأرض كلها (تك 9: 19). وهكذا نشهد انتشار بذار الحياة. وفعل "ولد" (أنجب) لا يعني فقط الأبوّة بحسب الجسد، بل تكوين جماعة تألّبت حول شخص عظيم. وهكذا ولد الرجالُ الشعوبَ. والشعوب لا يجدون أصلهم في الولادات فقط بل في الهجرات والزواجات والعهود والاحتلالات. والنسل يستطيع أن يتوسّع أيضاً على الصعيد الروحيّ. ففي نسل ابراهيم انضمّ المرتدون إلى العشيرة المميّزة. ونسب متّى لا يرتبط بهذا النمط الذي نجده في "لائحة الشعوب". ولكننا نفهمه مع معنى واسع لفعل "ولد". وُلد فلان، أي نقل إليه البركة الإلهيّة: بواسطة اللحم والدم (سلسلة خطوطيّة)، أو بالتبني (سلسلة متفرّعة).
الخط الثالث: السلسلة التي هي عنوان خبر. ونجد أخيراً "توليدوت" أو المواليد التي تبدأ الأخبار. لم نعد أمام لائحة من الأسماء تتدافع أمامنا، بل أمام حدث رئيسيّ يدلّ على شخصية من الشخصيّات. مثلاً، نوح ذاك الانسان (تك 6: 9) الذي لم يمت بالطوفان، فحافظ على الحياة على الأرض. وهكذا يصبح النسب "خبراً". يروي خبر إنسان يعيش في أبنائه: تارح يعيش في ابراهيم (تك 11: 27، 31- 32). اسحق المائت يعيش في يعقوب (تك 25: 19- 35: 29). ويعقوب هو الذي أسّس الأسباط الاثني عشر (تك 37: 2- 49: 33). سنعود في ما بعد إلى تك 5: 1 (كتاب مواليد آدم) وإلى 2: 4 (مولد السماء والأرض) حين نتحدّث عن عنوان مت 1: "كتاب مواليد (تكوين) يسوع المسيح".
إذا عدنا إلى مت، لا نجد عنده ما يوازي النمط الثاني. ولكننا نجد ما بقابل النمطين الآخرين اللذين يساعداننا على تفسير النصّ الانجيلّي. فحين يعلن متّى أن يسوع هو ابن داود ابن ابراهيم (1: 1) فهو يذهب صعداً في سلسلة الأنساب كما في النمط الثالث. وحين يعدّد نسل ابراهيم (1: 2- 17) فهو يستعيد النمط الأول. ينزل في سلسلة النسب فيبيّن أن يسوع هو نهاية التاريخ المقدّس، بل هو هدف التاريخ كلّه.

2- تاريخ مقدّس
إذا أردنا أن نكتشف المعنى الذي أراد متّى أن يعطيه لنسب يسوع، نستطيع أن نرى كيف لجأ إلى النمط الأول (الكلاسيكي المعروف) وابتعد عنه في بعض النقاط.
أ- الولادات
من الواضح أن المعنى الأول لفعل "ولد" (أنجب) عند متّى هو معنى بيبليّ تدلّ عليه السلاسل المتفرّعة. فهو لا ينحصر في ولادة بحسب الجسد. فإذا كانت عطيّة الحياة تؤسس الأبوّة، فهي لا تستنفد معناها، لأن البركة لا تنتقل فقط برباطات الدم. بعد هذا لن تعود الشواذات التي لاحظناها صعبة. فيقال مثلاً إن ملكاً "ولد" ابن حفيده لأنه نقل إليه البركة الإلهيّة.
ما استعاد متّى فقط لفظة "ولد"، بل كيّف سلسلته مع النمط الخطوطيّ الذي نجده في سفر راعوت، في تك 5 و11، وفي كتاب الأخبار. هذا ما يتيح لنا أن نفهم معنى "ولادة" (إنجاب). نجد في تك عبارة مقولبة تحيط بخبر كل شخص فتعطي: الزمن الذي جرى قبل أن يلد بكره. مدّة حياته التي كان له فيها بنون وبنات. مجمل السنوات التي عاشها. مثلاً: عاش شيت 105 سنين، وولد أنوش. وعاش شيت بعد ما ولد أنوش 807 سنين، ولد فيها بنين وبنات. فكانت كل أيام شيت 912 سنة ومات (تك 5: 6- 8).
وإذا جعلنا جانباً بعض الدقائق حول آدم واخنوخ ونوح، تكون العبارة هي هي. إنها مواليد تتوزّع التاريخ. أو بالأحرى هناك حدث يُذكر: ولادة البكر الذي يستطيع بدوره أن ينقل إلى أبنائه الحياة، ومع الحياة البركة الإلهية التي ترافق الوصيّة: "إنموا واكثروا". أجل، التاريخ في المعنى البيبلّي تتوزّعه "ولادات" طُلب منها أن تنقل عطيّة الحياة الأولى والكرامة الإلهيّة في صورة الله وشبهه.
ب- أربعة عشر جيلاً، أربعة عشر جيلاً...
استعاد متّى الفن الأدبي الخاص بالسلاسل الانسانيّة، ولكنه بدا أصيلاً أقلّه في نقطتين اثنتين: قسم اللحمة العامة إلى ثلاثة أجزاء، وجعل كل جزء في 14 جيلاً. ثم، أدخل في هذه اللائحة الرسميّة اسم أربع نساء.
لماذا هذا الرقم 14؟ هنا نعود إلى علم الأعداد كما تدلّ عليه الحروف الأبجديّة (جامتريا). فالرقم 14 يساوي عدد الحروف التي منها يتألّف اسم داود (د= 4، و= 6، د= 4. المجموع: 14). هذا شرح لا بأس به، ولكنه يعطي الأهميّة لاسم داود وينسى اسم ابراهيم.
14 يساوي 2 × 7، والرقم 7 هو رقم الكمال. وهكذا يكون مجمل الشعوب (من اليهود والوثنيين) قد دخلوا في سلالة المسيح. وقد يكون متّى فكر بمدّة أسبوعين (2 × 7). هنا نتذكّر قيمة الأسبوع في الحسابات الجليانيّة التي تتقاسم حقبات التاريخ البشري (دا 9: 1- 27). فإذا عدنا إلى سفر اخنوخ (كتاب منحول من القرن الثاني ق م) نجد أن تاريخ العالم قُسم إلى عشرة أسابيع من السنين موزّعة كما يلي: ثلاثة قبل اسرائيل. اثنان من اسحاق إلى سليمان، اثنان من سليمان إلى المنفى. اثنان من المنفى إلى زمن يسمّيه الكاتب "زمن السيف". وفي بداية الاسبوع العاشر للعالم، وهو الأسبوع السابع لاسرائيل، يظهر المسيح. حسب متّى، يأتي يسوع في نهاية الاسبوع السادس (3 × 14= 6 × 7)، يأتي في هذا التاريخ المقدّس الذي يبدأ مع نداء ابراهيم، مفتتحاً الاسبوع الكامل، اسبوع المسيح. أما لوقا الذي يورد 77 اسبوعاً، فهو يتبع رسمة حقبات العالم الاثنتي عشرة. بدأ يسوع الحقبة الثانية عشرة بعد 11 × 7 من الحقبات الاسبوعيّة.
في اخنوخ، الاسبوع السابع هو أسبوع المسيح. أما في متّى، فالمسيح هو آخر الاسبوع السادس. وهو الذي سيكمّله. الله هو الذي يقود التاريخ. وفي نهاية هذا التاريخ، "في ملء الأزمنة" (غل 4: 4) يأتي يسوع. وهكذا نكتشف عبرة من خلال هذا التعداد الناشف: المسيح هو حقاً الابن المنتظر، ذاك الذي جعل ابراهيم يبتهج في يوم مولده.
هل تبع متّى هذه "الروزنامة الجليانيّة"؟ ربما. ولكن يبدو أنه نظر إلى الأمور ببساطة. استعاد حرفياً را 4: 18- 22، استعاد سلسلة داود كما هي في 1 أخ 2: 10- 13: من فارص إلى داود. ولكنه زاد راحاب وراعوت. وتوافق مع لوقا في كل الأسماء. مع عدا في واحد (لو 3: 31- 34). وهذا المقطع هو الوحيد الذي فيه يتوافق متّى مع المعطيات البيبليّة العامّة.
فإذا عدّدنا الأسماء في هذه السلسلة التي نجدها في را، نجد عشرة أسماء: خمسة للإقامة في مصر. وخمسة حتى داود. وإذا زدنا اسم يهوذا والد فارص، وأسماء الآباء ابراهيم واسحق ويعقوب، نصل إلى الرقم 14. إذن، يتضمّن الجزء الأول 14 اسماً. انطلق متى من هذه الرسمة الأولى، فقسم التاريخ المقدّس إلى ثلاث حقبات. والرقم 3 مهمّ جداً لأنه رقم الألوهة. أجل، بعد الحقبة الثالثة، نزل الإله على الأرض في شخص يسوع الذي يُدعى المسيح.
ج- نساء أربع
إذا كان يسوع حقاً ابن داود ووارث ابراهيم، فهو كذلك في مخطّط الله. والزيادات التي أضافها الانجيلي على إطار السلسلة لها معناها. قال: "يعقوب ولد يهوذا واخوته" (آ 2). لم يكن يهوذا البكر، بل الرابع بين اخوته. فوجب ذكرُ أولئك الذين لم يكن لهم شرف ولادة الملك داود (تك 49: 3- 8؛ 1 أخ 2: 1). ليست اهتمامات متّى اهتمامات المؤرّخ، بل اهتمامات اللاهوتي: فالله كليّ الحرية وهو السيّد حين يختار. لا يُفرض عليه البكرُ ولا غيره. أما هكذا اختار داود الذي كان آخر اخوته؟
ونقرأ في آ 11: "يكنيا واخوته". هناك من يصحّح "يوياكيم". قد يكون هذا التصحيح معقولاً، حينئذ تتألّف اللائحة الثالثة من 14 اسماً.
وزاد متى أسماء أربع نساء. اعتدنا أن نتوقّف عند شخص مريم العذراء أم يسوع الممتلئة نعمة، فلا نتوقّف عند أسماء نساء تتوزّع نسب المخلّص. فما الذي دفع متّى إلى اختيار هذه الأسماء؟ فهناك نساء شهيرات في التوراة: سارة، رفقة، راحيل، دبّورة... لقد أراد متّى أن يبيِّن أن المسيح لم يرث عظمة اسرائيل، بل ورث الحياة المرتبطة بالبركة لا باستحقاق اللحم والدم.
أربعة أسماء: تامار، راحاب، راعوت، امرأة أوريا (آ 3- 6). نلاحظ أن هذه النسوة عشن في منعطفات هامة من تاريخ الشعب المختار. ونندهش أمام حدثين لهما معناهما العميق.
أخذ متّى اسم تامار من التقليد البيبليّ. يذكر را 4: 12 و1 أخ 2: 4 زواجاً خرج عن القاعدة بين يهوذا وكنّته. ما لفت انتباه الانجيليّ (وقبله العهد القديم) ليس زنى الأقارب، بل بطولة هذه المرأة التي أرادت أن تشارك في البركة الإلهيّة التي حُرمت منها. ولقد كرّمها التقليد الراباني كبطلة حقيقيّة.
غير أن متّى أبرز ثلاثة أسماء نساء غريبات عن شعب اسرائيل: راحاب. كانت كنعانيّة ولكنها كانت مثال الإيمان (يش 2: 11:؛ عب 11: 31). راعوت: كانت موآبيّة ولكنها آمنت (را 1: 16- 17؛ 2: 12). بتشابع التي كانت مثل زوجها حثيّة وقد جاءت من آسية الصغرى (تركيا الحاليّة). وهكذا عمّ الخلاصُ المسكونة. فلماذا نحصر بركة الله في نسل واحد، في شعب واحد؟
وهناك خاصيّة أخرى تميّز حياة هذه النساء الأربع. ولدت تامار وراعوت في ظروف تخرج عن القاعدة. وكانت حياة راحاب وبتشابع حياة النساء الخاطئات. كانت راحاب "زانية" تستقبل كل من يأتي إليها. وسمّيت بتشابع باسم يدلّ على ماضيها: "كانت امرأة أوريّا". هذا ما تفعله نعمة الله الذي يبقى أميناً رغم ضعف البشر وخياناتهم.
لقد وجد يسوعُ، زهرة شعب اسرائيل، في لائحة أجداده، أناساً لم يكونوا يهوداً وآخرين خطأة. إنه يتضامن مع جميع البشر، هذا مع العلم أن المرأة تمثّل الشعب والمدينة. وهكذا دخل في سلالة يسوع الكنعانيون بواسطة تامار، والحثيون بواسطة بتشابع، والموآبيون بواسطة راعوت، وجميع الخطأة (وكانا خطأة) في شخص راحاب الزانية. أما هكذا دخل في نسل ابراهيم أبناء سارة (اسحق) وهاجر (اسماعيل) وقطورة (مديان، تك 25: 1 ي)؟
وحين نقرأ 1: 18- 25 سنكتشف وجهاً آخر يتقابل مع هذا الوجه الأول من الخطيئة و"الفوضى". هو وجه الطهارة والبرارة. فيوسف هو البار الذي دخل في مخطّط الله. ومريم هي الممتلئة نعمة. ثم إننا نجد تجاه هذا النسل الجسديّ (على مستوى اللحم والدم) النسل الإلهي. فالعذراء لم تحبل بفعل اللحم والدم كما تفعل سائر النساء، بل حبلت من الروح القدس.
ماذا نستنتج من كل هذا؟ إن تاريخ يسوع لا ينفصل عن تاريخ شعبه ولا عن تاريخ سائر الشعوب. ونحن نقرأ التاريخ البيبلي على أنه استعداد للمسيح، وارث البركات التي وُعد بها ابراهيم. وهذه البركة ليست كرامة وحسب. إنها تنقل الحياة التي هي أثمن خير في الدنيا. وتنتشر الحياة لتعمّ الأرض كلها. انطلقت من آدم الأول فوصلت إلى آدم الثاني لتنتشر منه من جديد حياة إلهيّة لكل إنسان في هذا العالم.
وجاء يسوع في النهاية كآخر ثمرة في نبتة الحياة هذه، ووارث الأجيال السابقة. إليه يتوجّه الماضي وفيه يتكثّف التاريخ وهو سيعطيه كامل معناه. لا التاريخ المقدس وحسب، بل كل تاريخ البشر.

3- التاريخ البشريّ
طرح متى السؤال منذ البداية على المؤمنين الذين جاؤوا من العالم اليهودي فاعتمدوا وصاروا أعضاء في الكنيسة: "من هو هذا الرجل"؟ وقدّم الجواب: يسوع المسيح هو ابن داود. ابن ابراهيم.
حين بدأ متّى انجيله بهذه الآية (كتاب ميلاد يسوع المسيح) عاد إلى النمط الثالث في دراسة سلسلة الأنساب: المواليد التي هي عنوان خبر. فهو لا يتوخّى فقط أن يذكر أهم أجداد يسوع، داود، ابراهيم... بل أن يبيِّن أن يسوع هو آدم الجديد.
فعبارة "بيبلوس غاناسيوس" (كتاب ميلاد، مواليد) لا توجد في كل التوراة إلا في تك 2: 4 (مولد السماء والأرض) وفي 5: 1 (هكذا كانت مواليد آدم). إن تك 5 هو تكرار للخلق. فإذا كان الله قد خلق الإنسان على صورته، فها هو آدم يلد إنساناً على صورته ومثاله (تك 5: 3؛ رج 1: 26). مع الولادة (والإنجاب)، تتواصل الخليقة انطلاقاً من الدفع الأوّل. فمن ولد ولداً نقل إليه الكرامة الإنسانية. التاريخ كتاب مفتوح وفيه تتسجّل لائحة طويلة تتضمّن أسماء البشر. واللائحة ما انتهت بعد. ستنتهي في نهاية العالم.
وكما فتح آدم كتاب مواليد البشر، كذلك فتح يسوع المسيح كتاب المواليد الجدد. أخذ مكان آدم. دلّ لوقا على أن يسوع هو إنسان حقيقيّ فعاد به إلى آدم (3: 38). وقال متّى الشيء عينه ولكن بطريقته: لم يسمِّ بشكل واضح الإنسان الأول، ولكنّه بيّن أن يسوع، آدم الجديد، هو رأس أبناء الله. هذا ما نستنتجه حين نقابل العنوان في إنجيل متّى (كتاب مواليد يسوع المسيح) مع عناوين في التوراة تبدأ خبراً من الأخبار.
إن خبر نوح واسحق ويعقوب لا يتوقف عند الشخص المذكور، بل عند ابنه. فسلسلة آدم هي لائحة نسله، وسلسلة المسيح هي لائحة نسله. في العهد القديم، يتمّ تاريخ الإنسان في نسله وكل التاريخ يتوجّه إلى المستقبل حيث يتمّ الوعد. والرغبة بنسل تعبرّ بطريقتها عن غريزة الخلود. هذا الخلود يصل إليه الإنسان بأعماله، ولكن بأهم عمل من أعماله وهو إعطاء الحياة التي هي عربون بركة الله.
ولكن يسوع لا يتطلّع إلى كائن (ابن) سيأتي بعده. فالحركة قد انعكست. هي لا تصل إلى نسل المسيح، بل تصعد من المسيح لتصل إلى أجداده. فيسوع له نسل بحسب الجسد، بل له آباء وأجداد. إنه ذاك الذي انتظره البشر، وجاء المستقبل في ذلك الذي جاء في ملء الزمن. فيه وجد الماضي معناه، لأنه ليس فقط في نهاية التاريخ، بل هو نهاية التاريخ وهدفه.
والموازاة بين آدم ويسوع تستنير بنور الانجيل كلّه. كان لآدم نسك. ولكن لا نسل للمسيح. فهو "بتول" بحسب الجسد. ولكن، على مستوى آخر كانت بتوليّة خصبة. ما جاء ليلغي، بل ليكمّل. لقد أتمّ نقل بركة الله على الأرض. ومنذ الآن، بعد أن وجدت الولادة معناها وهدفها في يسوع، فقد صارت كلها روحيّة. كان شعب اسرائيل ينمو بولادة أبناء جدد من لحم ودم. أما جسد المسيح فينمو بولادة أبناء الله ولادة روحيّة.
نسند هذه الاعتبارات بمقطع تك 2: 4 حسب السبعينيّة "كتاب البداية، التكوين، الولادة". هنا تذكر "مواليد السماء والأرض". هل هذا العنوان هو خاتمة نشيد الخلق (1: 1- 2: 4) أم بداية خبر الخلق (2: 4 ي)؟ إنه بالأحرى جسر بين الاثنين. في الأول علّمنا الكاتب الملهم كيف خُلقت السماء والأرض. وبيَّن لنا الخبر الثاني العلاقة بين الإنسان والأرض: أخذ الإنسان (آدم) من الأرض (آدمه). وهكذا يأتي آدم بعد "السماء والأرض".
وكما أن الإنسان لا يجد ملء معناه إلا في نسله، كذلك لم تخلق السماء والأرض إلاّ من أجل الإنسان. وهكذا ترتبط الطبيعة بالتاريخ ارتباطاً عضوياً. فمن الأرض ينبت الإنسان. وتاريخ الشعوب هو قطع من أجيال وأجيال. إن نشيد الخلق (1: 1 ي) هو المقدّمة الضروريّة لهذه المواليد، من آدم حتى آخر إنسان في البشريّة.
وإذا كان الكاتب الملهم قد ربط مواليد (تولدوت) السماء والأرض بمواليد البشر، فلأنه أراد أن يبرز أصل البشرية بوجهيها: هي إلهيّة وهي أيضاً أرضيّة، لأن الله خلق مرّة واحدة. وهذا العمل الأولاني لا يسمح بأن يصوّر مطوّلاً، بل هو ينتهي منذ الآية الأولى في الكتاب حيث "يُسجن" كل شيء. وما سيأتي بعده هو محاولة "صبيانيّة" لكي نعبرّ عن حقيقة لا يعبرَّ عنها.
أُدرج مت 1 في تاريخ بدأ مع آدم فذكّرنا بأصل يسوع الأرضّي. ولكن الحياة الأرضيّة التي تسير عبر الأجيال تتوقّف فجأة فيه. فإن 1: 16 ب يقطع سلسلة الأنساب، وتبدو الحياة وكأنها نضبت وتوقّفت. في الواقع، هي ارتفعت إلى مستوى آخر بعد أن صارت على مستوى قامة الله.
تدشّن كتاب المواليد مع آدم الجديد، فصار بعد اليوم كتاباً مفتوحاً. اختتم تطوّر الخليقة على مستوى الجسد، أو بالأحرى استعادها ورفعها إلى مستوى آخر. لقد بدأ الخلق الجديد بفعل الروح. وهذه الولادة من الروح يوردها مشهد الظهور ليوسف الذي يبدأ هو أيضاً: "هذه مواليد يسوع المسيح". إن لائحة الأنساب ربطت يسوع بالأرض وبالإنسان الأوّل وجذّرته في شعب ابراهيم. وإذ ذكّرنا الخبر بأصله السماويّ كشف لنا كيف دخل ابن الله في سلالة داود.
كان يسوع آدم الجديد لأن لا أب له إلا الله، فدلّ على أن انتقال الحياة البشّرية لا يجد ملء معناه إلا بانتقال كرامة أبناء الله إلى البشر. ولكن هذه الكرامة هي من مستوى آخر، والله وحده يرفعنا إلى هذا المستوى. فعلى كل كائن أن يتوجّه إلى هذا الحدث الماضي الذي يُشرف على الأجيال، أن يتطلّع إلى ذلك اليوم الذي فيه دخل الله نفسه في الزمن حين أخذ جسداً من مريم العذراء.
الفصل السابع
تسمية يسوع
1: 18- 25

يتضمّن مت 1 وحدتين متميزيتن. الأولى: بداية المسيح ابن داود، ابن ابراهيم (آ 1- 16). الثانية (آ 18- 25): رسالة يوسف، مهمّته في هذا المخطط الجديد. وبين الوحدتين، آية تختتم وحدة وتبدأ أخرى. أبرزت الوحدة الأولى بداية يسوع التاريخيّة كشخص ينتظره الشعب اليهودي، كالمسيح الآتي. ودلّت الثانية كيف أن لهذا الشخص وجوداً خاصاً ملموساً. هو يسوع الذي تسلّم يوسف مهمة إعطائه اسماً وبالتالي إدخاله في مسيرة التاريخ.
في الوحدة الأولى أعطى مت نظرته اللاهوتيّة إلى تسلسل الأجيال. وهو في هذه الوحدة التي ندرس الآن (آ 18- 25) يتابع هذه النظرة. لن يحلّل المسائل السيكولوجية لدى يوسف ومريم. بل يكتشف دور يوسف ورسالته، لا من الوجهة البشريّة، بل من وجهة الله.

1- نظرة عامة
يرى أعضاء الجماعة المسيحية الأولى أن يسوع الناصري، ومصلوب يوم الجمعة العظيمة، وذاك الذي تراءى حياً بعد موته بثلاثة أيام، يرون أنه حقاً النبي، ومختار الله، وابن داود، وذلك الآتي. ففي نظر هؤلاء المسيحيين الجدد، كل ملء الحياة والبركة الذي ينعمون به الآن، قد تضمّنه مسبقاً ودلّ عليه اسم يسوع أي الله يخلّص. يسوع التي أمرت مريم (لو 1: 31) ويوسف (مت 1: 21) بأن يعطياه هذا الاسم عند ولادته.
والطفل الذي نتحدّث عنه لا يأتي إلى العالم استجابة لإرادة بشرية، أو إرضاء لرغبة زوجة أو زوج. إنه يأتي نتيجة مبادرة سميا هي إرادة الله.
حين توجّه بولس الرسول إلى الجماعات اليهوديّة في الشتات، ولا سيما إلى جماعة رومة، قدّم نفسه على أنه "عبد المسيح يسوع، ابن الله، الذي خرج من نسل داود بحسب الجسد (بحسب اللحم والدم) وأقيم ابن الله بقدرة حسب روح القداسة بقيامته من بين الأموات" (روم 1: 3- 5). لا شك في أدن روم سابقة لتدوين الفصول الأولى في مت. ولكن بولس عرف الشيء الكثير عن الحبل البتولي بيسوع. وهو يتوقّف عند المعطى البيبلي التقليدي كما عرفه قرّاؤه انطلاقاً من أسفار صموئيل والملوك والمزامير.
ولا ننسى نظرة بولس إلى أن حرية الله المتسامية ومبادرته التي لا جدال فيها، هما بعيدان جداً عن مقولاتنا. كما أن طرقه بعيدة عن طرقنا. قال يوحنا المعمدان في هذا الخطّ: "لا تقولوا في قلوبكم: إنّ أبانا هو ابراهيم. فأنا أقول لكم: إن الله يستطيع أن يخرج من هذه الحجارة أبناء لابراهيم" (لو 3: 6).
لا شك في أن الشعب العبراني عرف على مدّ تاريخه الطويل ولادات كان قد يئِس الأهلُ من حدوثها. عرف أحداث حبل عجيب. ولكن الرب لم يعمل لشعبه معجزة كتلك النعمة. لم يمنح شعبه نعمة شبيهة بتلك المعجزة التي بها أدخل ابنه الحبيب في سلالة بشريّة هي سلالة داود. وقيامة العظام اليابسة في حزقيال، أو خلق نسل ابراهيمي من حجارة البرية، يبقيان شيئاً بسيطاً بالنسبة إلى هذه المعجزة العظيمة: ولادة يسوع بالجسد في ملء الزمان.
إن الرب قد ألزم نفسه بقسَم. حلف لداود قال: "من ثمرة أحشائك أعطيك نسلاً أبدياً" (مز 132: 11). لماذا لا يعود إلى ملوك يهوذا ورجولتهم المثمرة؟ هل استُبعدوا بشكل نهائي وزال اعتبارهم بعد أن عبد الكثير منهم الأوثان؟ ولماذا أدخل الله ابنه في ميراث داود وذرّيته دون أن يستعمل زرع الملك النبي؟
هذا ما أقرّه الله. بفضل التجرّد والطاعة والقبول الإرادي لدى ابن داود الحقيقي (مت 1: 21- 25)، صار ابنه الوحيد ابن البشر لأنه ابن امرأة (غل 4: 4). كل هذه الاعتبارات تساعدنا على فهم النصّ فلا نحمّله أكثر مما يحمل، بل نكتشف فيه فكر الانجيلي وهدفه من هذه المقطوعة التي تشكل جزءاً من انجيل الطفولة.

2- لا تخف أن تأخذ امرأتك
إن نصّ مت يتضمّن جملة تشكّل مفتاح النصّ كله. "يا يوسف ابن داود. إذن، لا تخف من أن تأخذ زوجتك (امرأتك) إلى بيتك. فلا شك (غار في اليونانيّة) في أن المولود منها هو عمل الروح القدس. غير أنها (دي في اليونانية) ستلد ابناً وأنت تسمّيه يسوع".
إن الأداتين "لا شك"، و"غير أن" تقدّمان تعارضاً حقيقياً بين شقَّي الجملة اللذين يكوّنان بلاغ الملاك. من جهة (لا شك في أن) مريم حبلت من الروح القدس. ومن جهة ثمانية، يعود الحق إلى يوسف أن يعطي الطفل اسماً. غير أن التعارض بين شقَّي الجملة لا يعني أننا نجد بلاغين مختلفين: من جهة، إعلان الحبل البتولي. ومن جهة ثانية، الكشف ليوسف عن الدور الذي يبقى دوره، ثم الطابع العجيب واللاعادي في الحبل المشار إليه. نحن هنا أمام بلاغ واحد: إن ابن داود (يوسف) سيأخذ إلى بيته أم المخلّص، لا بسبب الحبل البتولي، بل رغم هذا الحبل.
وتكون ذروة المقطع لا في الكشف ليوسف عن الحبل البتولي، بل عن استمرارية ممارسة حق الأبوّة الشرعيّة التي عليه أن يمارسها رغم تحفّظه وصراحته ولطفه. هذا التفسير معقول جداً من الوجهة الغراماطيقية.


3- مهمّة يوسف
حبلت مريم من الروح القدس. هذا ما قاله مت في آ 18، والإشارة إلى الحديث تميل بالكاتب الملهم إلى أن يستخرج منه كل ما يستطيع الآن بحيث لا يعود إليه. ثم إن هذه الإشارة تعني عند مت أن القارىء يعرف ما يعرفه أشخاص الخبر. وهكذا، حين يجعل الملاك يتكلَّم، فهو ينبّهنا مسبقاً إلى أن مريم قد حبلت من الروح القدس. ولكن المسيح لا يمكن أن يكون إلا "ابن داود". فبين جميع الألقاب المسيحانية، توقّف اسرائيل مطوّلاً عند هذا اللقب: لا شكّ في أن هناك ظروفاً سياسية (يحمل الخلاص المادي إلى شعبه). ولكن هناك أيضاً تعلّقاً عميقاً ومثالياً بهذا المسيح لدى شعب صغير ومضطهد. فيسوع نفسه فضّل لقباً سرياً وايحائياً هو لقب ابن الإنسان. ولكن حين أراد مت أن يضع عنوان نسب يسوع في رأس انجيله، احتفظ بهذا اللقب المعتبر، لقب "ابن داود". فيبقى له أن يعلّمنا كيف وعى يوسف الدور الذي به احتفظت العناية له، ليواصل حتى النهاية سلالة المسيح الداودية.
في نظر لو، ذروة الوضع قبل ولادة يسوع، هي الحبل البتولي الذي تنعم به هذه الأم. ولكننا نربط به ربطاً وثيقاً حدث الزيارة. فمريم آمنت. وتحقّق كل شيء كما آمنت. فالعذراء، ابنة صهيون، سيولد منها الملك المسيحاني المقبل. أنه داود المثالي، الذي تنبّأ عنه النبي أشعيا (ف 9، 11).
أما في نظر مت، فالذروة هي قبول يوسف لهذا الوضع: إنه النقطة الأخيرة في نسب يسوع ابن داود، ابن ابراهيم.
في الحالتين تعود المبادرة إلى الله وحده. ولكن بما أن يوسف لم يكن له دور في النعمة التي حصلت عليها مريم، فلا يحقّ له أن يُدخل بطريقة شرعيّة في ميراث داود وسلالته طفلاً ليس له هو يوسف، حقّ عليه. ولكن بعد تدخّل الملاك، لن يكون له فقط تدخّل خاص بالنسبة إلى يسوع كما يفعل كل أب حقيقي. بل إن قبوله هو الذي يعطي المواعيد كامل معناها.

4- تفسير الآباء
ليس من خبر يتحدّث عن ظنّ شعر به يوسف تجاه خطيبته التي قد تكون "خانته" (لا سمح الله). ولا من خبر يتحدّث عن تنبيه صريح أوصلته مريم بعد البشارة إلى ذلك الذي يجب أن يكون عارفاً بالأمور قبل أي إنسان آخر. أيكون ذهاب مريم المفاجىء إلى نسيبتها قد دفع الشرّاح إلى التحدّث عن إهمال خطير لمسؤوليتها تجاه يوسف؟ هناك ولا شك ضياع على مستوى التفسير حين نتحدّث عن ظنّ يوسف بنقاوة مريم. لهذا جاء إليه الملاك!!
ولكن، إذا كان من الواجب أن نترك "الظنّ بالزنى"، فلا يجب أن نتوقّف عند الأمور السيكولوجية في مجمل من الظروف ترتبط بوضع العائلة في ذلك العالم الشرقي القديم. مهما يكن من أمر، نستطيع القول بتنبيه "خفي" من قبل مريم إلى خطيبها، وإن كان هذا التنبيه لا يدخل في نظرة مت. فالقرار الواضح الذي اتخذه يوسف بأن يترك عروسه حرّة قد يجد جذوره في مبادرة مريم. من يعلم؟ فالإيمان يمكن أن يكون جريئاً بقدر لا يتصوّره عقل إنسان.

5- نبوءة أشعيا
إن كل هذا الخبر عن البشارة ليوسف ينغمس في مناخ نبويّ يستلهم أشعيا (ف 7، 9، 11) وإرميا (23) وميخا (ف 4، 5).
كانت مريم أول من اندهش حين سمعت الملاك يعلن لها كما في أش 9: 5- 6: "إن الطفل الذي وُعدت به هو ذلك الذي نال السلطان على كتفيه. وسيُدعى ابن الله العلي، المشير العجيب، الله القوي، الأب الأزلي، أمير السلام. يمتدّ سلامه في سلطان أبدي من أجل عرش داود، ومملكته في الحق والعدل من الآن وإلى الأبد". استعلمت مريم.
كيف يبدو سؤال مريم؟ إذا كان يجب عليّ أن أعتبر نفسي منذ الآن (في معنى نبوي، في ملء النبوءة) كتلك التي أعلنها أشعيا لآحاز (أش 7: 4)، كيف يمكن أن يكون كل هذا؟ كيف يتأمّن نسل المسيح الداودي بحسب الجسد؟ لا شك في أني مخطوبة لرجل من نسل داود، ولكني عزمت على أن أبقى بتولاً وعذراء.
تساءل الشرّاح: هل عرف لو خبر مت، وهل تأثّر به؟ لا شكّ في أن مختلف الجماعات المسيحيّة التي قرأت النصّين دمجت في تقليد واحد وجهتين تتعلّقان بذات الحدث الواحد. وإن إيراد أش 7: 14 كما نجده في مت يعطي كلمات مريم وجهة واضحة تثبت مشروعها بعيش البتوليّة في الزواج. فكأني بها قد وعت منذ البشارة أنه يطلب منها أن تكون معاً الأم والبتول. في هذا الخطّ سار قسم من التقليد الكنسي ولا سيّما اللاتيني منه. وهكذا أعطيت الأولوية لمريم على يوسف.

6- برارة يوسف
لا يعارض التقليد أن يكون يوسف، الفاعل الوحيد في هذا الخبر، قد عرف بالحبل البتولي. هذا ما تشير إليه آ 18 على ما يبدو. "وُجدت حبلى من الروح القدس". وقد أعلن ايرونيموس أن مريم فتحت قلبها لخطيبها في كل ما يتعلّق بعلاقتهما في المستقبل.
وكان يوسف باراً. لا لأنه مارس الشريعة المتعلّقة بالطلاق في حال الزنى. لو أراد أن يمارسها لكان طالب برجم خطيبته. ولم يكن باراً لأنه دلّ على تساهل (ولمَ التساهل؟)، ولا لأنه كان عادلاً بالنسبة إلى فتاة بريئة. كان باراً حين رفض أن يحسب نفسه والد الولد الإلهي. تراجع يوسف، لأنه لا يستحقّ الاقتراب من الله، لا يستحقّ أن يحمل سر الله. وبالنسبة إلى مريم، تراجع لأنه لم يرد أن يكشف السرّ المتعلّق بها. ترجع برارته إلى اهتمامه بأن يكون حسب إرادة الله ومخطّطه. ولما سمع الصوت السماوي، لم يعد يجادل. وما إن نهض من نومه حتى فعل كما أمره ملاك الرب.
لا شكّ في أن بعض الآباء مثل يوستينوس وامبروسيوس واوغسطينس ويوحنا فم الذهب قد فسّروا "شكّ يوسف" على أنه ظنّ خطير بنقاوة مريم. وسوف يعزّي يوحنا فم الذهب، الأزواج الذين خانتهم نساؤهم، فيعطيهم مثل يوسف الذي دلّ على خضوعه وطاعته رغم الصعوبة التي مرّ فيها. هنا نفهم كلام الآباء على ضوء الهجوم اليهودي العنيف على مريم العذراء. لهذا أراد الآباء أن يدافعوا أولاً عن نقاوة مريم. ولكن يجب أن لا ننسى التشديد على برارة يوسف، أي على حياته بحسب إرادة الله، على خوفه بأن يكون والد الطفل الإلهي. تصرّف يوسف كما تصرّف سمعان بطرس بعد الصيد العجيب. أحسّ بخطيئته فأعلن ليسوع: "إبتعد عني يا رب، فإني رجل خاطىء" (لو 5: 8). هذا هو موقف يوسف قرب يسوع ومريم. هو لا يستحقّ، ولهذا "عزم على تخليتها سراً".

7- تقارب مع محنة ابراهيم
وكان تقارب بين محنة يوسف وتجربة ابراهيم. في تاريخ الشعب العبراني، حين يدعو الله شخصاً إلى دعوة فريدة، فهو لا يبقى في صمته، بل يكلّمه. هذا ما حدث لموسى وجدعون وشمشون وصموئيل وشاول وداود وأشعيا وإرميا. وُضع البرنامج، أملي إملاء مع علامات تدلّ على مسيرته رغم مقاومات البشر.
هنا يجب أن نقرأ النصّ الكتابي بطريقة "معاكسة". لا نقل إن الله جرّب ابراهيم، بل إن تجربة ابراهيم نبعت من نظرته الناقصة إلى عظمة الله. قد يكون ابراهيم قال لله: أرى أن هدد وبعل يطلبان ذبائح بشرية. أما تشبههما أنت؟ أما أستطيع أن أكرمك كما يكرّم الوثنيّون آلهتهم؟ ولكن الله لا يرضَ عن تصرّف ابراهيم. أمسك يده، وفي الوقت عينه هنأه على أن مخافة الله هي في قلبه.
ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن يوسف. توجّه إلى الرب وقال له: هل حقاً مريم حبلى من الروح القدس وبدون أية مشاركة من رجل؟ إذن، كيف تتحقّق مواعيدك؟ أما حلفت لداود بأن ولداً يولد من أحشائه؟ هل يكون هذا الولد ابن داود مثلي أنا؟
وجاء جواب الله فوضع الأمور في نصابها بالنسبة إلى ابراهيم كما بالنسبة إلى يوسف: هو الإله الحقيقي. هو الإله الأمين لمواعيده. ولكنه يحقّقها بطريقة لا يتصوّرها العقل البشري.

خاتمة
عرف يوسف أن يحترم مقاصد الله الخفيّة. هو لما يفهم في الحال. ولكنه وضع يده بيد الله وسار في ظلام السرّ العجيب الذي يكتشف بداية تحقيق مواعيد الله. سار مسيرة الإيمان، شأنه شأن الآباء الذين تتكلم عنهم الرسالة إلى العبرانيين. سار مسيرة الإيمان مثل مريم التي هنأتها أليصابات على إيمانها. قالت مريم: ها أنا خادمة الرب، فليكن لي كقولك. وسارت إلى نسيبتها أليصابات بحسب البلاغ الإلهي. وسمع يوسف ونفّذ أوامر الله. أخذ امرأته. وعاش معها دون أن يعرفها. عاش في حياة من البتولية. دون علاقات زوجية. ولما ولدت الطفل الإلهي سمّاه يسوع. وهكذا قبِل أن يتسلّم هذه المسؤولية الخطيرة التي تجعله مربيّ ابن الله.
الفصل الثامن
المجوس والنجم العجيب
2: 1- 12

إذا وضعنا جانباً "نسب يسوع" (1: 1- 17) الذي يبدو بشكل مقدّمة، فإن إنجيل الطفولة يتضمّن في مت خمسة أحداث ترتبط بخمسة نصوص من العهد القديم: الحبل البتولي بالمسيح (أش 7: 14). سجود المجوس للطفل الألهي (مي 5: 1- 3). الهرب إلى مصر (هو 11: 1). مقتل أطفال بيت لحم (إر 31: 15). العودة إلى الناصرة (إيراد ملغز ينسب إلى الأنبياء: "يُدعى ناصرياً").
وفعلَ مت هنا كما فعل في أماكن أخرى: جمع أقوال يسوع في خمس خطب كبيرة تنتهي كلها بالخاتمة عينها: "وحصل أنه لما أتمّ يسوع هذه الخطب". واعتبر بعض الشرّاح أن الإنجيلي الأول أراد أن يقتدي بموسى فقدّم خمس خطب على مثال أسفار موسى الخمسة.
بل اعتبر البعض أنهم اكتشفوا تشابهات عديدة بين طفولة يسوع كما يرويها مت، وطفولة موسى في سفر الخروج والأدب المدراشي. فولادة "المخلّصَين" قد أعلن عنها في حلم ونبوءة. وإعلان هذه الولادة ملأت قلب هيرودس وبلاطه بالخوف، كما ملأت قلب فرعون وشعبه. وكما أن هيرودس استشار الكتبة، استشار فرعونُ المنجّمين، وكلا الطاغيتان أصدرا قرراً بقتل الأطفال. وفي كلا الخبرين أفلت الطفلان بصورة عجائبية وقد أراد الملكان أن يقتلاهما عند ولادتهما.
وفي الحالين، نبّهت السماء المحرّر المقبل، بعد أن هرب من بلاده، أن عليه أن يعود إلى أخصّائه، لأن أولئك الذين كانوا يطنبون الطفل قد ماتوا. في هذا السياق الأدبي بما فيه من اصطناع، وبما فيه أيضاً من عمق لاهوتيّ، نحدّد موقع سجود المجوس كما يرد في مت 2: 1- 12.

1- في بيت لحم اليهودية
تردّدُ أناجيل الطفولة مراراً (مت 1- 2/ لو 1- 2) أن المسيح هو من نسل داود، وأنه وُلد في بيت لحم.
أ- من نسل داود
مهما يكن من أمر نسب يسوع كما نقرأه في لو 3: 23- 28، فمدلوله واضح ولا سيما حين نقابله مع مت 1: 1 الذي يقول: "نسب يسوع المسيح، ابن داود، ابن ابراهيم". ولكن يجب أن نضيف الشهادات الواضحة. يقدَّم لنا يوسف على أنه "من بيت داود" (لو 1: 38). على أنه من "بيت داود وعائلته" (لو 2: 4). وعظّم زكريا، والد يوحنا المعمدان، قدرة الخلاص التي أقامها الربّ "في بيت داود" (لو 1: 69). وأخيراً، أعلن الملاك لمريم أن الرب يعطي الابن الذي يلد منها "عرش داود أبيه" (لو 1: 32).
وإن المسيح، خلال حياته العلنيّة قد دعي ابن داود. هكذا دعاه أعميا اريحا (20: 30؛ لو 18: 35). وهكذا نادته الكنعانية (15: 22). وهتفت له بهذا الاسم الجموعُ، يوم دخوله إلى أورشليم دخول الظافرين (21: 9، 15؛ مر 11: 10). وحين شفى يسوع الأخرس الذي فيه شيطان تساءلت الجموع: "أفلا يكون هذا ابن داود" (12: 23؛ رج أع 13: 23؛ روم 1: 3؛ 2 صم 2: 8؛ عب 7: 13 ي)؟
ب- الولادة في بيت لحم
إن واقع الولادة في بيت لحم يرتبط ارتباطاً حميماً بقرابة المسيح إلى داود. هكذا يفسّر لو 2 سفَر يوسف ومريم إلى بيت لحم من أجل الاحصاء في مدينتهما الأصلية. وإعلان الولادة للرعاة بفم الملائكة، يُبرز بعبارة واضحة أن المخلّص وُلد "في مدينة داود" (لو 2: 11). أما مت فاكتفى بأن يؤكّد على واقع يقوله إن عظماء الكهنة وكتبة الشعب عرفوا أن هذا ما أعلنه النبي ميخا (آ 5، 6).
ومع أننا لن نعود نجد في العهد الجديد تأكيداً آخر يتعلّق بولادة المسيح في بيت لحم، فلا نشكّ اطلاقاً باعتقاد الجماعة المسيحيّة الأولى في هذا المجال. والإنجيل الرابع يلخّص نتيجة كرازة يسوع في عيد المظال بهذه الكلمات. "وإذ سمع بعض الجمع هذا الكلام، قالوا: لا جرم أن هذا هو النبيّ. وقال آخرون: بل هو المسيح، وقال آخرون: أمِنَ الجليل يأتي المسيح؟ أفلم يقل الكتاب: إنه من نسل داود، ومن بيت لحم بلدة داود، يأتي المسيح" (يو 7: 40- 42)؟
فليس من المعقول أن يورد يوحنا دون أي تدقيق، هذه التأويلات التي تبدو متجاهلة أن المسيح هو حقاً من بيت داود، وأنه وُلد في بيت لحم. فهو ما كان ليوردها، لو أن هناك تردداً بسيطاً في هذا المجال بين المسيحيّين.

2- نبوءة ميخا
ويتبع حدثُ سجود المجوس الفنَّ الأدبي الخاص بإنجيل الطفولة. فيبدو كله مرتباً حول نبوءة مي 5: 1. إن النبي الذي عاصر أشعيا، قد صوّر في 4: 11- 13 مخطّطات الأمم (هنا أشورية) الباطلة ضدّ صهيون. وفي 4: 14- 5: 23 أنشد النبي المجد المقبل لسلالة داود. وعارض بين عظمة حصن صهيون (بيت جادر 4: 14) وحقارة أفراتة الظاهرة التي منها يخرج داود الجديد. "وأنت يا بيت لحم افراتة، أصغر عشائر يهوذا، منك يُولد ذاك الذي يملك على إسرائيل. مخارجه تعود إلى الأزمنة الماضية والأيام الغابرة. لهذا يتركهم الرب إلى اليوم الذي فيه تلد الوالدة. حينئذٍ يعود باقي اخوته إلى أبناء إسرائيل. وينتصب ويرعى قطيعه بقدرة الرب وبمهابة اسم إلهه. يقيمون هناك، لأنه يمدّ سلطانه إلى أقاصي الأرض" (مي 5: 1- 3).
إن ذكر "الوالدة التي تلد" والتقارب الواضح مع نبوءة عمانوئيل (أش 7: 14)، يحدّدان موقع نبوءة ميخا هذه في منظار واضح من الاسكاتولوجيا المسيحانية. فتجاه التهديد الأشوري، يعزّي النبي شعبه، ويدعوه إلى رجاء بمحرّر مقبل، بنسل داود، ويصوّر ملكه وما يحمل من سلام وقوة، ملكه الذي يعمّ الكون.
نسب مت التفسير المسيحاني والجغرافي في نص ميخا، إلى عظماء الكهنة والكتبة: إستشارهم هيرودس فدلّوا على المدينة. فالترجوم يعني بوضوح المسيح وبيت لحم. نقرأ: "منك، يا بيت لحم أفراته، التي هي أصغر من أن تعدّ بين مدن الألف ساكن في يهوذا، يخرج المسيح ليمارس سلطانه على إسرائيل. هو الذي عيّن اسمه منذ البدء وقبل الأيام الدهرية".
وفي بيت لحم يهوذا تقوله الأخبار الرابانية (تلمود أورشليم)، سيُولد المسيح. أدخل مت اختلافات مهمة في نصّ ميخا (آ 6). افراته (بيت لحم افراته) صارت يهوذا (بيت لحم أرض يهوذا). لقد دلّ هذا القول دلالة فضلى على المدينة، وميّزها من بيت لحم الجليل في قبيلة زبولون. وترك الإنجيلي عمداً لفظة "صغيرة". وهكذا تضمّن ايرادُ مت حاشية تفسّر ميخا حيث لا يبدو تشابه النصّين تاماً.
كان ميخا قد قال إن بيت لحم كانت "أصغر من أن تعدّ بين مدن الألف ساكن". غير أنه أضاف: منها يخرج المسيح. فسّر مت تفسيراً دقيقاً هذا المعنى النبوي، فقال: "لست أبداً أصغر عشائر يهوذا. فمنك يخرج". ثم شدّدت نهاية الإيراد (الذي يكون راعي شعبي إسرائيل) المأخوذ من 2 صم 7: 5- 12، على طابع داود الثاني الذي يوافق كل الموافقة ما يكون عليه المسيح المنتظر.

3- في أيام هيرودس الملك
إن زمن ميلاد يسوع الذي لا نستطيع أن نحدّده بدقّة على أساس ما نقرأ في لو 2: 1، بحسب التردّد المتعلّق باحصاء كيرينيوس، يمكن أن نعيّنه على ضوء الإشارات التي نجدها في مت.
نعرف من خلال يوسيفودس معرفة اليقين الذي نرغب فيه، أن هيرودس توفيّ حوالي عيد الفصح، سنة 750 على تأسيس مدينة رومة (أي سنة 4 ق. م.). وفي هذه السنة، وقع الفصح في 12 نيسان. إذن، كانت ولادة يسوع قبل هذا التاريخ، قبل سنة 4 ق. م. هل نستطيع أن نحدّد هذا "القَبل"؟
هذا يرتبط بالمدى الذي امتدّ بين ميلاد يسوع ووصول المجوس من جهة، وبين وصولهم وموت الملك من جهة ثانية.
أصيب هيرودس بمرض خطير، وترك أورشليم (ولم يعد إليها). وذهب إلى أريحا في أيلول أو تشرين الأول سنة 749. وكما أن هيرودس لم يكن مريضاً، على ما يبدو، ساعة وصل المجوس إلى أورشليم حيث كان يقيم، يجب أن نقول إن المجوس جاؤوا إلى المدينة المقدّسة قبل تشرين الأول سنة 749. هذا كل ما نستطيع أن نحدّده.
بالإضافة إلى ذلك، لا نستطيع أن نجعل بين ميلاد يسوع ومجيء المجوس فسحة من الزمن تتعدّى السنتين (2: 16) ولا تكون أقلّ من 40 يوماً. فبعد أربعين يوماً، تقدّمت مريم والطفل إلى الهيكل من أجل تطهيرهما (لو 2: 22؛ لا 12: 2- 8). فلم يكن من الفطنة في شيء أن تذهب إلى أورشليم (هذا إذا استطاعت) من أجل هذا التطهير بعد الأمر الذي تلقّاه يوسف بالهرب إلى مصر. ثم، لا نستطيع أن نجعل التطهير يتمّ بعد العودة من مصر، لأنه مرّت ستة أو سبعة أشهر بين موت هيرودس وبداية حكم ارخيلاوس.
إذن، وُلد الرب على أبعد تقدير في آب 749، أو قبل ذلك الوقت بقليل. في التاريخ المسيحي الذي أدخله ديونيسيوس الصغير الذي جعل سنة 754 هي السنة الأولى في المسيحية، هناك خطأ يمتد على 4 أو 5 سنوات. أما عيد الميلاد في 25 كانون الأول، فقد تأسّس في رومة ليحلّ محلّ عيد الشمس. في بداية انقلاب الشمس الشتائي. ووصل العيد إلى الشرق في نهاية القرن الرابع، بعد أن عيّد الشرق والغرب لميلاد يسوع في 6 كانون الثاني.

4- مجوس جاؤوا من المشرق
هذه الإشارة الموجزة التي اعتبرها متّى كافية لقرّائه، فتحت الطريق واسعة أمام التقليد المسيحي اللاحق. فقد تحدّثت الشهادات القديمة عن عدد المجوس. قالوا: اثنان (رسمة في مدفن بطرس ومرسلينوس). ثم: ثلاثة (في ناووس محفوظ في متحف اللتران). أو: أربعة (مقبرة القديسة دوميتيلة في رومة). أو: ثمانية (على إناء في متحف كرشارينافو). وعدّت التقاليد السريانيّة والأرمنية حتى 12 مجوساً. ولكن العدد "ثلاثة" سيطر وذلك بالنظر إلى عدد الهدايا المقدّمة: الذهب واللبان والمرّ. أو بالنظر إلى ممثّلي أمم الأرض الثلاثة: سام، حام، يافث. ولا ننسَ اهتمام متّى بالرقم ثلاثة.
وأعطي هؤلاء المجوس أسماء في التقليد الغربي. وقد وصلت هذه الاسماء إلى الشرق: ملكيور، غسبار، بلشصر. نجد هذه الأسماء للمرة الأولى في مخطوط إيطالي مغفّل يعود إلى القرن التاسع، وفي مخطوط باريسي يعود إلى القرن السابع مع أسماء: بتيساريا، مليكيور، نموتسفة. وكانت أسماء مختلفة في أماكن مختلفة من العالم.
وقالوا عنهم إنهم كانوا "ملوكاً". هذا ما لا نجده في النصّ. ولا أساس تاريخياً له. قد نكون هنا أمام تفسير حرفيّ للمزمور 72: 10: "ملوك ترشيش والجزائر يؤدّون له الجزية، ملوك سبأ وشبأ يقدّمون له الهدايا". يبدو أن هذا التقليد يعود إلى ترتليانس الذي قال عنهم إنهم "كانوا مثل الملوك". وإن الفنّ المسيحي القديم لا يصوّرهم أبداً في اللباس الملوكي، بل في قبعة على مثال وجهاء بلاد فارس.
وتتنوّع الشهادات عن موضع ولادتهم. بعضهم جاء بهم من فارس وآخرون من بابلونية، من الجزيرة العربية، من مصر، من الحبشة. ولكن هناك إشارة اركيولوجية ثمينة تعود إلى زمن قسطنطين وتعتبر أن المجوس جاؤوا من فارس. وتورد رسالة سينودسية من مجمع أورشليم سنة 836، أنه لما دمّر جنود كسرى الثاني الفارسي كل معابد فلسطين سنة 614، عفوا عن بازليك بيت لحم التي بناها قسطنطين: حين رأوا رسمة الفسيفساء التي تمثل سجود المجوس، ظنوا أنهم من بلادهم، وذلك بسبب ثيابهم.
وما هو وضع المجوس الاجتماعي؟ لسنا أمام سحرة مصر (كما في سفر الخروج)، ولا أمام منجّمي بابل (كما في دانيال). ففي الكتب المقدّسة في المزدوية، "ماغوان" و"ماغو" هما: المشاركان في الهدية. هذا ما يدلّ على أشخاص يتبعون تعليم زراتسترا. يقول هيرودوتس المؤرخ اليوناني، إنهم كانوا يقيمون في ماداي قبل أي يصبحوا فرقة كهنوتية منغلقة على ذاتها ومحافظة على نقاوة عبادة مزدا. لم يكن المجوس كلهم كهنة. ولكن جميع الكهنة كانوا من هذه القبيلة. إذن، نحن أمام فرقة من الحكماء أثّروا تأثيراً كبيراً على الأشوريين والكلدانيين والمادايين. وبين الضباط الذي رافقوا نبوكد نصر حين احتلّ أورشليم سنة 587 ق. م. نجد شراصر الذي هو "رب مج" أي رئيس المجوس (إر 39: 3، 13).
دلّت ديانة زراتسترا على نقاط اتصال مع المعتقدات الموسوية ولا سيما الرجاء المسيحاني كما نجده في العهد القديم. كان قد علّم زراتسترا بوجود مبدأين ازليين، مبدأ الخير ومبدأ الشّر. وكانت بينهما حرب متواصلة من أجل السيطرة على العالم. وهذه الحرب تنتهي أخيراً بانتصار الخير على الشر. ويعود هذا الانتصار إلى معاونة حليف هو "الحقيقة المجسّدة" والذي يلد من عذراء، لم يقرب إليها رجل.
إن فكرة "الحليف" التي جاءت بعد زراتسترا الذي عاش في القرن السادس ق. م.، هي نتيجة الآمال والأفكار الدينية التي حملها الشعب اليهودي في منفاه...

5- ملك اليهود
"أين هو ملك اليهود الذي وُلد منذ زمن قريب" (آ 2)؟ هذا السؤال الذي طرحه مجوس الشرق في شوارع أورشليم الضيّقة، رنّ في آذان اليهود الذين اعتبروه تهكّماً وسخرية. ولكن هيرودس الذي يرتاب في جميع الناس، رأى في هذا الكلام سبباً للقلق والاضطراب.
ومع ذلك فما أعلنوه يقع في قلب رجاء الشعب العبراني الذي توزّع خارج حدود فلسطين الجغرافية. فالأسفار المقدّسة التي ترجمت إلى الآرامية واليونانية، نشرت في العالم كله الرجاء بملك يأتي من اليهوديّة. وقد أشار المؤرّخون الرومان إلى أن السبب الرئيسي للتعصّب اليهودي لدى المقاتلين، هو إيمانهم الأعمى بهذه النبوءات. لقد أمن الرومان أنفسهم بهذه النبوءات، ولكنهم اعتبروا أنها تمت على يد وسباسيانس وتيطس.
كتب تاقيتوس في تاريخه (5: 13): "تيقّن عدد كبير من الناس ممّا قيل في كتب الكهنة القديمة. وهو أنه في هذا الوقت، سيمارس الشرق سلطانه. وأن أناساً جاؤوا من اليهوديّة لكي يسودوا العالم. هذه الأقوال دلّت على وسباسيانس وتيطس. ولكن الشعب تبع كعادته رغبته البشرية، ففسّر هذه السعادة الموعود بها في صالحه، ولم يقتنع بالحقيقة، لم يقتنع ببرهان قدّمه خصومه".
وقال سواتانيوس من جهته: "إنتشر في الشرق كله معتقد قديم، بحسبه يأتي أناس من المشرق، يسودون على العالم. فسّر اليهود في صالحهم هذا القول النبويّ الذي يعود بالأحرى إلى الامبراطور الروماني (وسباسيانس) وثاروا" (انتهت ثورتهم سنة 70 بدمار أورشليم مع هيكلها).
إن سؤال المجوس يقف في خطّ هذ الاعتقاد الذي انتشر في الشرق كله.

6- النجم العجيب
هذا هو عنصر المعجزة في الخبر. تحرّك المجوس وانطلقوا في الطريق لأنه "رأوا نجمه يشرق". "لأنهم رأوا نجمه في المشرق" (آ 2).
يجب أن لا نماهي بين هذا النجم (أو: الكوكب)، وأية ظاهرة طبيعيّة. قال أحدهم: التقاء جوبتر وزحل. وقال آخر: ظهور نيزك. هذا ما لا يتوافق مع خبر متّى. هي نجمة رأوها في المشرق. لم تعد تظهر حتى أورشليم. هي نجمة تحرّكت أمامهم من أورشليم إلى بيت لحم. وفي النهاية توقّفت فوق الموضع الذي كان فيه الصبي (آ 9). إذا أخذنا بتاريخيّة دقيقة لهذا النص المتاوي مع تفاصيله، نكون على مستوى يتجاوز الطبيعة كما نعرفها.
ولكن إن اعتبرنا أننا أمام عنصر مدراشي (خبر تقوي ينطلق من أمور تاريخية، فيقدّم درساً دينياً) مع هدف تعليمي، وجب علينا أن نعرف هدف الكاتب لندرك التفسير اللاهوتي للنصّ. وفي أي حال، تبقى دراسة هذا العنصر من الخبر مهمّة جداً.
يجب أن نقول أولاً إن لا علاقة بين نجم المجوس والصورة الأدبية، صورة النور الذي يشّع في بيتٍ وُلد فيه أحدُ الأبطال. إذن، لسنا أمام ذات الظاهرة التي رافقت ولادة موسى، كما تقول التقاليد الرابانية. ولا نقرّب هذا الواقع من ثمانٍ وأربعين زيادة ضوئية لاحظها التلمود يوم وُلد اسحق. ولسنا أمام ظواهر نورانية ترافق عادة الظهورات الملائكية والتيوفانيات. وأخيراً، لا نستطيع أن نفكّر هنا في البشائر الفلكيّة التي كانت اساساً في قرارات قاسية ضد أبناء رومة، كما يقول المؤرخ سواتانيوس.
وقد قابل بعضهم نجم المجوس مع النور المسيحاني الذي أعلنه أشعيا: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، وعلى سكان بلاد الظلمة شعّ نور... لأنه وُلد لنا ولد. أعطي لنا ابن ونال السلطان على كتفيه" (أش 9: 1- 5؛ رج 60: 1- 6).
من الواضح في هذا النصّ أننا أمام حديث استعاري عن النور. فالموضوع المسيحاني عن النور يملأ التوراة والأدب اللابيبلي. ويلعب دوراً هاماً في الأخبار الإنجيلية في طفولة يسوع. وهذا النور يتماهى دوماً مع المسيح.
وفي عبارة أخرى، إن نجم (كوكب) يعقوب الذي أنبأ به بلعام يبدو دوماً وكأنه شخص حيّ. ليس أبداً ظاهرة جوّية وحسب كما هو الوضع في خبر المجوس. إن رابي عقيبة طبّق نص عد 24: 17 على ابن الكوكب (بركوخبا). ورأت "وصيّات الآباء الاثني عشر"، على دفعتين، في هذا النجم، شخص المسيح نفسه. نقرأ في وصيّة لاوي (18: 3): "حين يقيم الله الكاهنَ الجديد، يشرق نجمه في السماء كالملك، فيضيء نور المعرفة في شمس الله ويتعظّم في الأرض المأهولة...". وفي وصية يهوذا: "وبعد هذا يشرق لنا نجم من يعقوب في السلام، ويقوم رجل من زرعه كشمس البرّ السائر مع أبناء البشر في الوداعة. حينئذٍ يشّع صولجان ملكه". أما بالنسبة إلى قمران، فمعلّم البرّ هو الذي يُتمّ نبوءة بلعام. نقرأ في وثيقة دمشق ما يلي: "إن النجم الذي يدرس الشريعة الآتية من دمشق حسب ما كتب: يخرج من يعقوب نجم، يقوم صولجان من إسرائيل، فالصولجان هو مبدأ كل الجماعة. وفي ساعة ظهوره يحطّم كل أبناء الدمار". يتميّز النجم عن الصولجان. ويبدو أن الصولجان هو مسيح إسرائيل. أما في وصيّات الآباء فالنجم سيصبح شمساً.
هكذا نكون أمام علاقة بين نجم المجوس ونبوءة بلعام. فالنبوءات التي اشتهر بها هذا العرّاف الآتي من الشرق، والذي دعاه ملك موآب ليلعن اسرائيل (عد 22: 1- 24: 25)، لا يمكن أن تُفهم إلا إن أخذنا بعين الاعتبار الفن الأدبي الخاص بهذه الأقوال: هناك تصوّر الأحداث المقبلة في ألفاظ فلكيّة مأخوذة من عالم الأبراج. والقرابة واضحة بينها وبين بركات يعقوب (تك 49) التي تنتمي هي أيضاً إلى أدب العرافة المرتبط بعالم الأفلاك.
إن اللعنة التي وجّهها يعقوب إلى رأوبين تبدأ بألفاظ تدلّ على "برميل" ماء تخرج منه نافورتان: "تكون بكر وثمرة رجولتي، قمّة كرامتي وقوتي. تغلي كالماء" (تك 49: 3- 4). ومباركة يوسف مع تلميحاتها إلى الثور، إلى القوس والسهام وسلطان راعي إسرائيل، تجعلنا نفكّر في ابراج الئور والثريا وأوريون. وهناك خصوصاً مباركة يهوذا. في قسمها الأول، تذكّرنا ببرج الأسد: "يهوذا أسد صغير، خرجت يا ابني من الفريسة. اقتعد، نام مثل الأسد، مثل اللبوءة: فمن يجعله يقوم. لا يبتعد الصولجان عن يهوذا ولا عصا القيادة من بين رجليه حتى يأتي ذلك الذي هو له، وله تخضع الشعوب" (تك 49: 9- 10).
لا شكّ في أن هذه الأقوال تعِدُ نسل يهوذا بالكرامة الملكيّة. ولكنها صوّرت في شكل برج الأسد. عرف علم الأبراج الأشوري هذا البرج: الأسد، وبجانبه أسد صغير. والوضع الذي يظهر فيه الحيوان قد ألهم العبارة: جلست كالأسد أو اللبوءة. ثم: يهوذا، صغير الأسد، تفلت من الشباك يا ابني. وكان على صدر الأسد نجم سمّي الملك. وهذا ما يلمّح إليه عصا الملك الذي جعله يهوذا بين رجليه.
نجد في نبوءات بلعام الانباءات الثلاثة التي تفوّه بها يعقوب لرأوبين ويوسف ويهوذا، مع ما يقابلها في عالم الفلك: الملك، الصولجان، الثور، الأسد، براميل الماء، السهام. "الرب إلهه معه. عنده يدوّي الهتاف الملكي. أخرجه الرب من مصر. وهو له كقرون الثور. ها شعب يقوم كاللبوءة، ينتصب كالأسد، لا ينام قبل أن يلتهم فريسته ويشرب دم الذين قتلهم" (عد 23: 21- 24). "قعد، نظام، مثل أسند، مثل لبوءة، من يجعله يقوم" (عد 24: 9). "أراه، ولكن ليس الآن. أبصره ولكن لا عن قريب. يخرج كوكب من يعقوب ويصير رئيساً. يقوم صولجان من إسرائيل، يضرب صدغَي موآب" (عد 24: 17).
ينتج من كل ما قيل أن مباركات يعقوب وتنبؤات بلعام تنتمي إلى ذات الفنّ الأدبي الذي في الفكر الفلكي الشرقي. يترافق الملك مع النجم في برج الأسد، وخصوصاً النجم الذي يضيء على صدر الأسد. هذا ما يفسرّ لنا أن المجوس (قد يكونون عرفوا انباءات يعقوب وبلعام) تكلّموا عن نجم ملك اليهود وكأنه أمر طبيعي.
إن حدث المجوس يقدّم لنا برهاناً على تنازل عناية الله الذي يتكيّف والاستعدادات الخاصة بالذين جاء يخلّصهم. فإلى الرعاة البسطاء أرسل ملائكة يعلنون لهم ميلاد يسوع. ودعا الرابانيين في أورشليم، وهم المتعلّقون بحرف الشريعة، إلى أن يتمعّنوا في نبوءات تتحدّث عن مجيئه، وذلك بمناسبة سؤال طرحه هؤلاء المجوس. وحرّك وجدان هيرودس الذي لا يهتمّ بالأمور الدينيّة. بل يتأثر بما يهدّد عرشه، فيسمعه خبراً يقلقه عن ولادة ملك اليهود خارج قصره. وأخيراً، قدّم للمجوس هذه الظاهرة الغريبة التي يبحث العلماء عن طبيعتها بدون جدوى. هؤلاء المجوس انتظروا مجيء مسيح حليف ارتبطت حياته في فكرهم بمسيرة نجم. ليس هذا النجم وليد نواميس الأفلاك. إنه يرتبط بشريعة الله وحبه الذي يتنازل نحو البشر.

7- الذهب، اللبان، المرّ
وانتهى حدث المجوس بإكرام أدّوه للطفل: "رأوا الطفل مع مريم أمه" (آ 11). إن نصوص الكتب المقدّسة (تك 3: 15؛ اش 7:؛ مي 5) المتعلّقة بميلاد المسيح تتوقّف عند أمّ الطفل، لا عند أبيه. هل نستطيع أن نتحدّث عن ولادة بحسب البتولية؟ يبقى الأمر صعباً. ولكن العالم اليهودي ما استطاع أن يسمّي "أب" المسيح. لهذا جعله في ظلّ أمه التي يبدو نسبها أقلّ أهميّة.
"فخرّوا وسجدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا من الذهب واللبان والمرّ" (آ 11).
هنا نتذكّر زيارة ملكة سبأ للملك سليمان، كما نتذكّر فخامة هداياها. "حملت إلى أورشليم غنى كثيراً جداً: الجمال المحملة بالأطياب والذهب والحجارة الكريمة.... أعطت الملك 120 وزنة من الذهب وكميّة كبيرة من الأطياب والحجارة الكريمة. أجل، حملت ملك سبأ إلى الملك سليمان كثيراً من الأطياب لم ينل مثله" (1 مل 10: 2، 10؛ 2 أخ 9: 1- 9).
إن هذه العظمة السابقة قد بدت بشيراً للعهد المسيحاني. فأورشليم المسيحانية سوف تتفوّق على أورشليم سليمان فيفيض فيها غنى الأمم ولا سيما بلاد سبأ: "كل الذين من سبأ يأتون. يحملون الذهب والبخور ويعلنون أمجاد الرب" (أش 60: 6). تتوجّه هذه الثروات إلى أورشليم كإكرام للملك المسيحاني، الذي هو سليمان الجديد، والذي يتجاوز بشكل لا محدود مجد سلفه. "ملوك ترشيش والجزائر يقدّمون له الهدايا. ملوك سبأ وشبأ يحملون إليه العطايا. كل الملوك يسجدون أمامه، وجميع الأمم تخدمه... يحيا ويُعطى ذهب سبأ" (مز 72: 10- 11، 15).
لا شكّ في أن متّى رأى مع لاهوته التلميحي، في تقدمة المجوس، تتمّة النبوءات المسيحانية. من هذا القبيل يبدو بُعد التقادم أهم بكثير من تفاصيلها. تحدّث كتاب الملوك عن الأطياب والذهب والحجارة الكريمة. وأشعيا عن الذهب والبخور (أو: اللبان). ومت عن الذهب والبخور والمرّ. هذا المرّ يذكّرنا بذاك الذي استعمله نيقوديمس ليحنّط جسد يسوع (يو 19: 39). من هنا جاء التفسير التقليدي الرمزي الذي نجده عند ايريناوس: اللبان (البخور) والذهب والمرّ للملك والإنسان والإله.
نحن ورثة هؤلاء الوثنيين الأولين، نُدعى لأن نعبد المسيح الذي وُلد جديداً. لا نكتفي بأن نعلنه مسيحاً. بل يرافق سجودنا تقدمة ذواتنا بسخاء ما بعده سخاء.
الفصل التاسع
الهرب إلى مصر والعودة إلى الجليل
2: 13- 23

بنيت المقطوعتان آ 13- 15 وآ 19- 23 حسب النموذج الأدبي الواحد، وأحاطتا بمقتل الأطفال في بيت لحم (آ 16- 18). نكتشف في آ 19- 23 عناصر جديدة لا نجدها في آ 13- 15، فتشكل بداية أدبيّة ولاهوتيّة في انجيل الطفولة أمام انجيل متّى كلّه.

1- الدينامية الكرستولوجية
نتوقف أولاً عند الدينامية الكرستولوجية في المسيرة التدوينية. واللوحة التالية تلقي ضوءاً أول على المقطوعتين اللتين ندرسهما.
مت 2: 13- 15 مت 2: 19- 23
1- الوضع 1- الرضع
بعد انصرافهم ولما مات هيرودس
2- الملاك ليوسف 2- الملاك ليوسف
ها إن ملاك الرب ها إن ملاك الرب
تراءى ليوسف تراءى ليوسف
في الحلم وقال له: في الحلم وقال له:
أ- قم أ- قم
ب- خذ الصبي وأمه ب- خذ الصبي وأمه
ج- واهرب إلى مصر ج- وامضِ إلى أرض اسرائيل
د- وأقم هناك
حتى أقول لك
فإن هيرودس موشك فلقد مات
أن يطلب الصبي طالبو نفس الصبي.
ليهلكه
3- التنفيذ 3- التنفيذ
وإذ بلغه أن ارخيلاوس
يملك على اليهودية
مكان هيرودس أبيه
خاف أن يذهب إلى هناك
وأوعز إليه في الحلم
أ- فنهض يوسف
ب- وأخذ الصبي وأمه
ج- وانصرف إلى مصر وانصرف إلى نواحي الجليل
د- وأقام هناك وجاء وسكن في مدينة
إلى وفاة هيرودس تسمّى الناصرة.
4- إيراد من العهد القديم 4- إيراد من العهد القديم
ليتم ما قال الرب ليتم
بالنبي القائل: ما قيل بالأنبياء:
من مصر إنه يدعى
دعوت ابني ناصرياً
نستطيع أن نبيّن إن هذه الدبتيكا تتدرجّ بشكل عجيب في تربتيكا (مثلّث) تكون الدرفة الأولى فيها 1: 18- 25 (ظهور ليوسف). وها نحن نقدّم لوحة تحدّد دور المقطوعات الثلاث في مجمل مت 1- 2.
الإعلان ليوسف الهرب إلى مصر العودة إلي الجليل
وها إن ملاك ها إن ملاك ها إن ملاك
الرب تراءى الرب تراءى الرب تراءى
له في الحلم ليوسف في الحلم ليوسف في الحلم
دعاه من مصر دعوت يدعى
باسم يسوع ابني ناصرياً
إن التشابه بين هذه النصوص الثلاثة لافت للنظر. ففعل "دعا" يوحّد بينها توحيداً عميقاً: يبدأ مع مفعول به، فيدلّ بالتسميات الثلاث (يسوع، ابن، ناصري) على المضمون الكرستولوجي الغنيّ.
أما بالنسبة إلى الوحدة الأدبية واللاهوتية في هذه التربتيكا (المثلّث، ثلاثة مقاطع) التي تشكّل "النسبة" (1: 1- 17) مقدّمة ساطعة لها، فتدلّ المقطوعتان (2: 1- 12، 2: 16- 18) على اختلافات عميقة (مثلاً غياب يوسف، غياب ملاك الرب). ولكن هناك تقاربات واضحة تجعل الواحدة مكمّلة للأخرى. إن آ 16 تشكّل بوضوح ولي آ 12، وتتجاوب آ 7 مع آ 16. إن مقتل الأطفال هو امتداد لزيارة المجوس. في حركة مت التدوينية كان العنصران موحّدين لا الأصل ثم فُصلا وترتّبا قبل الهرب إلى مصر وبعده.
قد يكون الانجيلي كوّن كتلة هذين الفصلين (مت 1- 2) انطلاقاً من وحدتين أدبيتين تكوّنتا في مدرسته: من جهة مقطوعة المجوس مع ما يتبعها (مقتل الأطفال)، ومن جهة ثانية التربتيكا التي تفحّصناها مع مقدّمتها الاحتفالية التي هي "نسبة" يسوع. كان هدف 1: 1- 17 أن يثبت هويّة يسوع الشرعيّة: "يسوع المسيح هو ابن داود، وابن ابراهيم" (1: 1). ويوسف هو رجل مريم، التي منها وُلد يسوع الذي يدعى المسيح (1: 16).
حينئذ لا تكون المقطوعات الثلاث (1: 18- 25؛ 2: 13- 15؛ 2: 19- 23) إلا توضيحاً ساطعاً لآخر كلمات "النسبة": "يسوع الذي يُدعى المسيح". وجب على الانجيلي أن يحدّد من هو في الحقيقة يسوع هذا الذي يعترف به المسيحيون على أنه المسيح، أي ذاك الذي كانت مهمّته بأن يتمّ الكتب المقدسة. إنه حقاً مخلّص جميع البشر. (يسوع عمانوئيل، الله معنا، 1: 23، 25. يتمّ تك 12: 3؛ 22: 18). وهو أيضاً الابن (ابن داود الذي وُلد في بيت لحم، وابن الله، 2: 15. يتمّ 2 صم 7: 12- 16). ولكن يبقى أنه يسوع الناصري (2: 23)، هذا الإنسان الذي خرج من قرية مجهولة في الكتاب المقدّس.

2- من مصر دعوت ابني (2: 13- 15)
إن خبر الهرب إلى مصر هو أولاً مدى بعيد وحقيقي لتجوالات الآباء: تجوال ابراهيم (تك 12). تجوال يعقوب الذي يشبه خبره (كما في تك 46: 2- 5) خبر مت. "قال الله لاسرائيل لا رؤية ليليّة: يعقوب، يعقوب! لا تخف من أن تنزل إلى مصر، لأني أجعل منك هناك شعباً عظيماً. فأنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك من هناك".
ويبدو الإيراد الكتابي "من مصر دعوت ابني" كالذروة في هذه المقطوعة. ففيه يكمن مفتاح التفسير. من اللافت أن يكون مت قد تخلىّ عن الترجمة السبعينية (الأولاد) وتوقف عند النصّ العبري (ابني). نفهم في دينامية خاصّة به ما يُشرف على اختيار الانجيلي لهذه اللفظة. إختار هو 11: 1 الذي قدّم له لفظة "ابن"، كما احتفظت بها مختلف المجموعات في الكنيسة الأولى على أنها مسيحانيّة. فيسوع ليس فقط "ابن داود" (كما في النسبة). بل هو أيضاً "ابن الله" (كما في البشارة ليوسف).
عندئذ تمّت نبوءة ناتان في ملء معناها: "أبقي بعدك ذرّية تخرج من صلبك وأثبّت ملكه. أكون له أباً ويكون لي ابناً... ويُحفظ بيتك وملكك إلى الأبد أمامي، ويكون عرشك ثابتاً إلى الأبد" (2 صم 7: 12- 16). إن الاختيار الأخير (من مصر دعوت ابني، مت 2: 15) يدلّ على ارتباط بين ملك يهوه (خر 15: 18) الذي بدا ملموساً باختيار ابنه اسرائيل (خر 4: 22)، وملك المسيح ابن داود الذي يمثّل اسرائيل الجديد كما جاء يكوّنه.
ونزيد على ذلك فنقول: كانت مصر في وعي اسرائيل الديني أرض العبودية التي منها أخرج الله شعبه (ابنه). كانت كذلك قبل كل شيء وبشكل خاص. وعلى مثال موسى في الماضي، يسوع هو اليوم أداة تحرّر تعود فيه المبادرة كلها إلى الله. وقد أشار مت في موضع آخر إلى الرسالة الموسوية، كما يدلّ عليه التوازي التالي:

خر 4: 19- 20
وقال الرب
لموسى في مديان:
انطلق، عُد
إلى مصر
فقد مات أولئك
الذين هددوا حياتك
إذن، أخذ موسى
زوجته وابنه
ووضعهما على حمار
وعاد أدراجه إلى
أرض مصر. مت 2: 19- 21
وتراءى ملاك الرب
ليوسف في الحلم وقال له
قم وعد
إلى أرض اسرائيل
فقد مات أولئك
الذين هدّدوا حياة الصبي
قام يوسف وأخذ
الصبي وأمه

وعاد إلى
أرض اسرائيل.

نلاحظ التشابه بين هذين المقطعين. إن مت 2: 19 ب (فقد مات الذين) يورد خر 4: 19 ب. نحن هنا أمام تذكّر عاديّ لدى كاتب اقتنع اقتناعاً عميقاً بأن المسيح هو موسى الجديد. وصيغة الجمع (ماتوا، هلكوا) تدهشنا. فالعدوّ هو هيرودس، وهو في صيغة المفرد. كل هذا يجعلنا نفكّر أن مت 2: 13- 15 و2: 19- 23 قد ألّفا بشكل تزامن. يجب أن نضع نصاً فوق الآخر كما في عمليّة الورق الشفّاف لنفهمهما معاً.
ويجب أن نعود أيضاً إلى التقوى اليهوديّة الشعبيّة، وإلى جميع التقاليد الحيّة التي يحافظ عليها أتقياء اسرائيل في زمن يسوع والانجيليين، حول شخصيّة موسى. فنصل عبر الترجوم والمدراش، إلى معطيات تمثّل "إضافة" حقيقيّة بالنسبة إلى ما نقرأ في الفصول الأولى من سفر الخروج. هذه "الإضافة" ترافق قراءتنا للعهد القديم إذا أردنا أن نفهم إلى من توجّه يسوع وكيف فهم شخصَه ورسالته أولئك الذين عرفوه خلال حياته على الأرض.
ها نحن نقدّم هنا مقطعاً من "القديميات اليهودية" (للمؤرخ فلافيوس يوسيفوس) الذي عاصر تقريباً تدوين الأناجيل. إنه يقدّم لنا عيّنة هامة عن التعبير عن هذه التقوى الشعبيّة في العالم اليهودي.
"وهناك حدث آخر دفع المصريين بشكل خاصّ إلى إفناء جنسنا. فقد أعلن أحد الكتبة المكرّسين (برع هؤلاء الناس في الانباء بدقّة بالمستقبل) للملك أنه قد وُلد في ذلك الزمن لبني اسرائيل واحد يخفض من تفوّق المصريين ويرفع بني اسرائيل. وحين يبلغ عمر الشباب، يتجاوز جميع البشر في الفضيلة وينال شهرة أزليّة. خاف الملك من مقال هذا الشخص، فأمر بأن يُقتل كل الذكور الذين يولدون لبني اسرائيل: يرمونهم في النهر. إذن، كانوا غارقين في هذا الضيق. ولكن لا يستطيع أحد أن يتغلّب على إرادة الله مهما كانت الحيل التي يلجأ إليها. فهذا الولد الذي أنبأ الكاتب المكرّس بولادته، قد نجا من ملاحقة الملك، وتربّى، ودلّت أعماله على الانباء الذي يعنيه".
نلاحظ في هذا النصّ أن مقتل أطفال العبرانيين لا يقرّره فرعون لكي يوقف نموّ بيت اسرائيل (خر 1: 18- 20). بل يسبّبه إنباء بولادة طفل سيقلب الموضع في مصر. وفي الطريقة التي فيها أفلت يسوع بطريقة عجائبيّة من الملك هيرودس الذي "طلب الصبي ليقتله" (آ 13)، نقرأ قرار فرعون باستئصال جميع الأطفال. وهكذا نجد في خلفيّة خبر متّى، هذا النصّ وسائر النصوص البيبلية واللابيبلية التي تحدّثنا عن موسى الذي نجا من الموت.
لقد دلّتنا البنية الأدبية في مت 2: 13- 15 على المرمى الحقيقي لهذه المقطوعة. فكما في زيارة المجوس، احتفظ هذا الخبر بتذكّر السنوات الأخيرة في عهد هيرودوس وما كان فيها من سفك دماء. وتأثر النصّ تأثّراً قوياً بتذكّر مولد موسى، فوجد قمته في هذه الكلمات "دعوت ابني". وارتبطت هذه الكلمات بالخبر بواسطة "من مصر". وهكذا أغلقت دائرة النعمة بين يهوه وشعبه: فالخروج من مصر يندرج اندراجاً أبدياً في حركة دائرية حيث تجد كل انحرافات التاريخ وجهتها الصحيحة وهدفها.

3- يدعى ناصرياً
قدّم مت العودة من مصر في ثلاث محطات. أولاً، "أرض اسرائيل" (آ 21). أي مجمل أرض فلسطين التي تُعتبر أرضاً مقدسة، أرض الموعد. ثم "ناحية الجليل" (آ 22). وأخيراً، "مدينة الناصرة" (آ 23). إن الناصرة، وإن كانت موضعاً مجهولاً في الكتب المقدّسة، كانت مع ذلك جزءاً من أرض اسرائيل التي اختارها الله. وهكذا يحيط الكاتب تدريجياً بالموضع الذي فيه نجد أصول يسوع.
وسيبيّن لنا تفحّص هذه المحطّات الثلاث كيف أن هذه المقاربة الجغرافيّة لموطن يسوع الحقيقي، ترافقها مقاربة لاهوتية.
أ- العودة إلى أرض اسرائيل
جاءت الأنوار من عالم الخروج ومن عالم موسى على أخبار مت 2، فدلّت المتتالية المتاوية في 2: 19- 23 على نهاية الخروج والدخول إلى أرض اسرائيل في فلسطين. ولكننا نجد أكثر من ذلك في النصوص. فنحن أمام "عودة"، لا أمام دخول بسيط (أو موقت). نحن أمام عودة ذي طابع نهائي. فالعبارة "دخل إلى أرض اسرائيل" (مت 2: 21) نجدها في حز 20: 36- 38 في معرض الحديث عن عودة المنفيّين. "وكما حكمتُ على آبائكم في أرض مصر، هكذا أحكم عليكم، يقول الربّ الإله. فإني أجيزكم (أجعلكم تعبرون) تحت العصا، وأعيدكم في عدد قليل. أفصل عنكم المتمرّدين، أولئك الذين ثاروا عليّ. أخرجهم من الأرض التي يقيمون فيها. ولكنهم لا يدخلون إلى أرض اسرائيل، فتعرفون أني أنا الربّ".
نلاحظ في نصّ حزقيال هذا أن العودة من المنفى تتوازى مع سفر الخروج والإقامة في البرية بعد الخروج من مصر. كما نحسّ بأن هذا النصّ حاضر في التدوين المسيحي للدبتيكا التي نحلّلها. ففي هذا الاسرائيل الجديد الذي يريد متّى أن يقدّمه لنا كالاسرائيل الحقيقي، يبدو الانجيلي الأول وارث روحانية وجدت أخيراً تتمتها وكمالها. فولادة يسوع وطفولته (وكذلك كل مراحل حياته) تجدان إطارهما في نصوص تتحدّث عن "نؤمن اسرائيل". هذه النصوص هي نتيجة لغة وأسلوب سيستفيد منهما الكاتب الانجيلي ليكتب "حياة" يسوع.
نجد في هذه النصوص الموضوع الاشتراعي المرتبط بأشعيا والمتحدّث عن خروج جديد. هذا الموضوع يجد صدى عميقاً عند مسيحيّي الكنيسة الأولى. لم يعد يسوع ذاك "الموسى" الذي مات في البرية قبل أن يصل إلى أرض كنعان. بل هو ذلك الذي يجمع كل المنفيّين من أجل عودة نهائيّة إلى أرض الموعد. عندئذ نستطيع القول حسب هذه الشميلة الانجيليّة الرائعة، إن المسيح يسوع الذي هو غاية الخليقة الجديدة، يعيش أيضاً منذ ولادته كلاً من هاتين المحطتين الحاسمتين في خلاص اسرائيل وهما: الخروج ونهاية العبودية. العودة من المنفى والخروج الجديد.
أجل، إن الرؤية المتاوية هي بداية الخلاص النهائي الذي حمله يسوع الناصري بشكل العودة (الرجوع) الأخيرة. فيسوع وحده ولا شخصٌ آخر، هو الذي جاء يتمّ هذا العمل الاسكاتولوجي (في نهية الزمن) الذي صوّرته مسبقاً المحطتان المميّزتان في تاريخ الشعب المختار وهما: الخروج والعودة من بابل.
ب- ناحية الجليل
إن "ناحية الجليل" هي الأرض التي فيها ظهر يسوع على الجموع وأعلن لهم اقتراب ملكوت السماوات (4: 17). هناك كرز وعلّم واجترح معجزات دلّت على الحدث الذي يُبلغه إلينا. ولكن في نظر اليهودي المعاصر ليسوع، كان للجليل اتساع وأهمية يتجاوزان تصوّراتنا الجغرافية. كان يصل في الشمال إلى لبنان والسلسلة الشرقية مع جبل حرمون. وكان يصل في الشمال الشرقي إلى دمشق. وفي الشرق إلى دكابوليس أو المدن العشر. وفي الغرب كان يصل إلى صور وصيدا. وأفضل شاهد على أبعاد الجليل هو المؤرّخ فلافيوس يوسيفوس الذي يسقط خارطته الخاصّة (أي خارطة عصره) على المناطق التي توزّعت على قبائل الشمال في زمن يشوع بن نون (يش 19).
"نال رجال زبولون الأرض التي تمتدّ إلى بحيرة جنسارت، وتصل إلى ضواحي الكرمل والبحر والمنطقة الواقعة وراء الكرمل والتي تسمّى "الوادي" بسبب موقعها. أعطيت كلها لرجاله أشير. وكانت تجاه صيدون. والأراضي التي من جهة الشرق حتى مدينة دمشق والجليل الأعلى، فقد أقام فيها رجال نفتالي حتى جبل لبنان ومنابع الأردن" (القديميات اليهودية 5/ 1: 22).
ونزيد أنه في زمن يسوع وربما حتى القرون الوسطى، اعتبر الجليل (ولا سيّما شماله) في نظر اليهود أرضاً مسيحانية وموضع تجمّع المنفيّين حول السابق (إيليا) في انتظار المسيح الذي سيظهر في ذاك المكان. وتأويل زك 9: 1 (دمشق مسكنه) ليس بغريب عن هذه النظرة.
في زمن العهد الجديد، وُجد رباط بين الخروج الجديد (أو عودة المنفيّين) وأرض الجليل (أو دمشق). وهذا ما يدلّ عليه أدب قمران. فحسب وثيقة دمشق التي عُرفت أيضاً في اكتشافات مخبأ القاهرة سنة 1896، يبدو أن أهل قمران أرادوا أن يعيشوا خبرة البرية. مارسوا روحانية العهد الجديد، واهتموا بتتميم نبوءة عا 5: 26- 27 في انتظارهم للمسيح (7: 15؛ 20: 11- 15).
في هذه المنطقة المميّزة في فلسطين، بدأ يسوع رسالته وتابعها كـ "نعم" يتجاوب مع الانتظار الذي تجسّد في الناس شيئاً فشيئاً. وأبرز مت بشكل خاص الوجهة "الجليلية" في جواب يسوع هذا. فلقد تفرّد في ذكر أش 8: 23- 9: 1 (في مت 4: 15- 16) الذي نجد فيه تحقّقاً لانباءات "الظهور في الجليل" (28: 16- 20). لهذا، افترض أن عودة المنفيين قد تحقّقت كلياً في هذا الظهور للمخلّص في الجليل: نحن أمام الترائي الأخير (ابيفانيا) للربّ القائم من الموت: ولد كـ "عمانوئيل" (1: 23). وهو مع تلاميذه (28: 20) في كل مكان أي في جليل صار اليوم متجلياً وانفتحت حدوده حتى أقاصي الأرض.
ج- مدينة تدعى الناصرة
إن يسوع جعل قرية الناصرة مدينة مشهورة. لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت، ولكنها سمّيت "موطنه" (مر 6: 1؛ لو 4: 16). وهذا الموضع الذي تجذّر فيه يسوع جعل العهد الجديد يسمّيه "الناصري" (2: 23).
ترتبط الصعوبة الكبيرة في هذا المقطع بالكلمات الأخيرة: "إنه يدعى ناصرياً". لا نجد مثل هذا القول في الكتاب المقدّس. ثم إن صيغة الجمع "الأنبياء" تدعونا ألاّ نبحث عن إيراد محدّد، بل أن نعتبر أن القول موجود بشكل ضمنيّ في مجمل الأسفار. بحثَ الشرّاح عن مراجع هذه العبارة وقدّموا الفرضيات المختلفة. وها نحن نقدّم أهمها.
يرى بعضهم أن "الناصرة" يعود إلى العبرية "ن ص ر" في أش 11: 1 (جذع يخرج من فم يسّى). ويرى بعضهم أن الأصل هو في قض 13: 3- 7 (إنباء بمولد شمشون) ولا سيّما في لفظة "نزير" (في السبعينية: نزارايوس) المطبَّقة على الولد. ولكن يجب أن نتذكر أن الانجيلي لا يورد أبداً الكتاب بمعزل عن حركة تفسير تعطيه كامل معناه. وتجاه هذا، إن الحريّة التي يتخذها بالنسبة إلى النصّ تتيح له بأن يكون أميناً له. حين يعرض مت عبارة أعاد تصحيحها (أش 7: 14 في مت 1: 23) على أنها قول نبوي، أو حين يجمع عدة عناصر كتابيّة في وحدة تامة، فهو يريد أن يقدّم لنا في شكل من الأشكال ملخّصاً عن تاريخ الخلاص. وهكذا يُدخل الماضي كله في حدث التجدد لكي يعطيه معناه النهائي.
عندئذ، لن تكون هناك صعوبة أن نقول بأن مت 2: 23 ج ليس إيراداً كتابياً، بل عبارة كوّنها الانجيلي وسمّاها "قول الأنبياء". فمدينة الناصرة هي موضع تتمة مجمل المواعيد، لا موعدٍ واحد. فما يهمّ مت هو تتمة الكتاب المقدّس كله. وانطلاقاً من ناصرة الجليل، سيتراءى يسوع مع ملء قدرته المسيحانيّة. حينئذ تدخل المواعيد إلى حيّز العمل، تدخل في التاريخ.

خاتمة
إن ما يسمّى خبر الطفولة عند مت ولو ليس معترضة نستطيع أن نستغني عنها. فنحن نجد فيه المركّبات اللاهوتيّة والأهداف التعليميّة التي حاول كل انجيلي أن يجعلها في كتابه. وإذ أراد الانجيلي أن يحدّثنا عن مولد يسوع وطفولته، استعمل لغة تعبرّ في نظر معاصريه عن الطابع الفريد لهذا الواقع. يبقى على المفسّر أن يتعرّف إلى هذه الصفة لكي يكتشف التعاليم التي تصدر عن هذا الخبر. كان انجيل الطفولة آخر ما كتب في الانجيل (كالمقدمة في كتاب)، فطبع بطابعه العميق والديناميكي الخبرة المسيحيّة الأولى. فالانجيل لا يستخرج أخباره من "تقارير" ماضية ومرتبة. بل يعيد صياغتها، فيخرجها من مناخ مسيحي وكنسي تسلّم بذارها، وأنماها، وغذاها بتعليم لاهوتي نجده في الانجيل كله. بدلاً من أن نبحث حرفياً عمّا حدث بالفعل في أخبار الطفولة، ننطلق من هذا الواقع البسيط الذي عاشه يسوع في دنيا البشر، ونكتشف التعليم العميق الذي نجده في انجيليَ متّى ولوقا.
المَرحَلَة الثانيَة
مِنَ العَهْد القديم إلى العَهْد الجَديد

نجد هنا خاتمة مطلع الإنجيل (ف 1- 2) وبداية الكرازة عن ملكوت الله. في المرحلة الأولى لعب يوسف "البار" دوراً هاماً في تهيئة الطريق ليسوع، فأدخله في تاريخ الشعب، وأعطاه اسماً، واقتاده إلى مصر ليعيش كما عاش شعبه مرحلة الخروج. وفي المرحلة الثانية، أتمّ يوحنا كل "برّ" فاتاح ليسوع حين عمّده، أن يدلّ على رسالته في وسط شعبه.
وفصول هذه المرحلة تبدو كما يلي:
1- اقترب الملكوت في يسوع المسيح الابن الحبيب، ف 3- 4
2- شخص يوحنا المعمدان، 3: 1- 6
3- كرازة يوحنا المعمدان، 3: 7- 12
4- عماد المسيح، 3: 13- 17
5- تجارب يسوع، 4: 1- 11
6- كرازة يسوع الأولى في الجليل، 4: 12- 25.
الفصل العاشر
اقتراب الملكوت
في يسوع المسيح، الابن الحبيب
ف 3- 4

1- موقع ف 3- 4
بيّننا في خطبة نبويّة مأخوذة من العهد القديم، كيف أعطت كلمة الله لـ "بداية يسوع المسيح، ابن داود، ابن ابراهيم"، كامل معناها (1: 1- 17). وكيف تحقّقت هذه الكلمة عبر تاريخ البشر (1: 18- 2: 23). والآن يرينا مت يسوع وقد صار شاباً. أخذ على عاتقه مسؤولية رسالته أمام الآب الذي أرسله. وما قالته الأسفار المقدّسة عنه، سوف يُتمّه بوعي وحرّية. لا كما نطيع شكلياً برنامجاً حدّد مسبقاً، بل كما نقوم بمهمة علويّة متّحدين بذلك الذي يسلّمنا إياها. فالكتب المقدّسة تحمل كلمة الله وبالتالي إرادة الله. وحين يتمّها يسوع فهو يتمّ إرادة الله. أما قال في يو 4: 34: "طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله"؟
إمتلأ يسوع من روح الله، فدلّ عليه الآب كالمسيح الحقيقي الذي يلبّي انتظار شعبه، لأنه يرضي أباه ويسرّه. وننتقل من الجليل إلى برية يهوذا. هنا تنتصب أمامنا صورتان متوازيتان ومتعارضتان: يوحنا المعمدان (3: 1- 12) الذي يمثّل الآمال المسيحانية في إسرائيل. ثم يسوع (3: 13- 4: 25) الذي جاء يكمّل هذا الآمال، يحقّقها في شخصه. إنه المسيح ابن داود وابن ابراهيم.
إن قراءة هذه المجموعة المتّاوية ستطرح علينا عدداً من الأسئلة حول المواجهة بين هذين الشخصين. سيدلّ الكاتب على ما يقرّب يوحنا من يسوع. فاللفظة "جاء، أقبل" (باراغينوماي) التي استعملت للحديث عن المجوس (2: 1)، تستعمل أيضاً للحديث عن يوحنا المعمدان (3: 1) وعن يسوع (3: 13). ثم إن ما يعلنه يوحنا من تعليم (3: 2: توبوا، فقد اقترب ملكوت السموات) هو ما يعلنه يسوع أيضاً (4: 17). غير أن الطريقة التي بها تقدّم يسوع إلى العماد مع المتقدّمين، وموقفه من التجربة، ووضعه في بداية رسالته في الجليل، كل هذا يجعله بعيداً عن صورة الديّان الاسكاتولوجي الذي أعلنه يوحنا: "ها إن الفأس موضوعة على أصول الشجر... كل شجرة لا تثمر تُقطع وتُرمى في النار... يأخذ مذراته بيده وينقّي بيدره" (3: 10- 12).

2- البنة الإجمالية
ينقسم ف 3- 4 إلى قسمين. يحدّد القسم الأول التضمين الذي يكوّنه تكرار الإعلان القاطع: "توبوا فقد اقترب ملكوت السموات" (3: 2؛ 4: 17). هذا التضمين يجعل موازاة بين إعلان يوحنا (3: 1- 4) الذي يورد أش 40: 3، وإعلان يسوع (4: 12- 17) مع إشارة إلى أش 8: 32- 9: 1.
أ- القسم الأول
تنتظم عناصر القسم الأول حول نصّ مركزيّ: خبر عماد يسوع أو بالأحرى توليته المسيحانيّة. وتشدّد على هذه المقطوعة المركزية، إشارة تدوينيّة هي تكرار لفظة "وإذا" (كاي ايدو، وها إن، آ 16، 17) وهي ستعود كصدى في نهاية خبر التجربة (4: 11: وإذا، وها ان). هذه اللفظة تقدّم حاشية احتفالية مع سلسلة من "وها إن السموات فُتحت" (3: 16). "وها إن صوتاً آتياً من السموات" (3: 17). "وها إن الملائكة جاؤوا إليه" (4: 11).
هذه المقطوعة تقدّم لنا المفتاح اللاهوتي لهذا القسم: إن المسيح الحقيقيّ هو ابن الآب السماوي. وقبل هذه المقطوعة وبعدها، تتجاوب وحدتان (أو بيتان) تقدّمان نمطين من المسيحانية سيناقشهما يسوع. الأولى: لقاء يسوع مع يوحنا (3: 2- 15). يتواجه يسوع مع نظرة المعمدان الاسكاتولوجية، ويعارض يوحنا اكتفاء "الفريسيين والصادوقيين". الثانية: مواجهة يسوع مع إبليس (4: 1- 11) في ثلاث تجربات حول مسيحانيّة أرضيّة: الحجارة، الهيكل، ممالك الدنيا.
ب- القسم الثاني
إن القسم الثاني يلعب وظيفة الخاتمة الانتقالية. ويتضمّن عنصرين: دعوة "الاخوين" سمعان واندراوس. ثم الأخوين يعقوب ويوحنا (4: 18- 22). والعنصر الثاني: إجمالة تصوّر نشاط يسوع (4: 23- 25). ويقدّم هذا النشاط من زاويتين رئيسيتين، سيتوسّع فيهما النصّ فيما بعد. "يعلّم في المجامع ويعلن إنجيل الملكوت" (ف 5- 7). ثم: "يشفي كل مرض وداء" (ف 8- 9). وهكذا أخذت الجموع تتبعه.
إن التكرار المثلّث لفعل "تبعه" (في اليونانية في الجمع، أما في العربية فتتبدّل الصيغة) في 4: 20، 22، 25، فيدلّ على أن ملكوت السماوات ليس واقعاً جامداً. فهو منذ البداية، يحرّك الأشخاص والجموع لكي يسيروا على خطى يسوع، لكي يتبعوه.

3- تحليل النصوص
أ- اعلان يوحنا المعمدان (3: 1- 4)
"وفي تلك الأيام". إن أولى كلمات ف 3 تدعو إلى التأمل بسبب الغموض الذي يكتنفها. فالعهد القديم عوّدنا على هذه العبارة، ولكن في صيغة المفرد: "في ذلك اليوم". إنها تدلّ على "اليوم الأخير" في التاريخ البشريّ، على "يوم الرب" (عا 5: 18- 20؛ هو 6: 1- 3؛ 9: 7- 9؛ مي 4: 6- 7؛ إر 4: 9- 12). أي على اليوم الذي فيه يظهر الله من جديد ليدشّن ملكه في العالم (مي 4: 1- 4؛ مز 94: 2؛ 96: 13؛ 97: 1؛ 98: 2- 4؛ 99: 1). وذلك حين يقيم إسرائيل ويدين الأمم (صف 3: 11- 18؛ ملا 3: 1- 5؛ زك 13: 1- 2؛ أش 13: 4- 13؛ حز 30: 2- 5؛ حب 3: 8- 10).
إذن، لهذه العبارة في المفرد طعم اسكاتولوجي، يستعملها مت أيضاً في هذا المعنى (7: 22؛ 24: 36؛ رج 10: 15، 11: 22، 24؛ 12: 36). كما يستعملها في صيغة الجمع (24: 19، 29). في العهد القديم تظهر العبارة في وضع قلق حيث يعرف تاريخ إسرائيل التردّد (تك 38: 1؛ خر 2: 11؛ قض 18: 1؛ دا 10: 3). وكذلك "أيام" ظهور يسوع تدلّ على واقع ملموس، على مستوى الحدث الذي هو محطة في تاريخ اسرائيل في قلب التاريخ البشري، ونقطة في مسيرة الجماعات المسيحية التي خرجت من العالم اليهودي، ولحظة فيها يوجّه متّى إلى قارىء إنجيله السؤال الحاسم والأخير حول حياته، فيقدّم له يسوع كما هو حيّ الآن.
فكل نصّ إنجيلي يُقرأ على ثلاثة مستويات. ونستطيع أن نقول ثلاث طبقات تدوينيّة. أما هدف المدوّن الأخير فنستشفّه في الترتيب النهائي للمواد. وهذا ما نكتشفه بفضل تحليل البنية الأدبية. غير أن النص "يصوّر" أيضاً حياة الجماعات الكنسيّة الأولى وردّات فعلها على الأحداث. إن هذه الجماعات تفسّر خبرتها الخاصة على ضوء حياة يسوع: وهكذا يدلّ المقطع الذي ندرس على الطريقة التي بها فهم المسيحيون الأولون نشاط المعمدان وتعلميه. وأخيراً، إن الأحداث نفسها تُدرك في الإطار الجغرافي والتاريخي وذلك بفضل المعطيات الإنجيلية، وسائر المراجع التاريخية مثل كتب فلافويس يوسيفوس وغيره. فهذه المراجع تعلمنا الكثير عن الحركات العماديّة وما فيها من تجدّد روحي، التي كان مسرحها برّية الأردن في بداية القرن الأول المسيحي. تدوين، تقليد، تاريخ. تلك هي الطبقات الثلاث التي نميّزها دون أن نفصلها، وسنحاول أن نرى ارتباطها حين نقرأ نصّ مت كما تسلّمناه من الكنيسة.
إذا أردنا أن نفهم دخوله يوحنا المعمدان على مسرح الأحداث، نتذكّر أنه في ذلك الوقت، كان اليهود يعيشون تحت الاحتلال الروماني ومضايقات هيرودس. فبحثوا عن الخلاص بطرق متعدّدة. ففي قلب العالم اليهودي، وخصوصاً في أورشليم، تنظّمت "أحزاب" أو "شيع". هناك الفريسيون أو "المنفصلون" الذين ولدوا في زمن المكابيين (1 مك 2: 42)، والذين عدّوا 6000 عضو حسب ما يقول فلافيوس يوسيفوس. جمعوا بعض الكهنة وعدداً كثيراً من العوام (أو: العلمانيين) اختاروهم من وسط الكتبة أو علماء الشريعة. كانوا أمناء للشريعة والتقليد الشفهي كما تسلّموه من القدماء، فصاروا في أيام يسوع المحرّكين الروحيّين في الشعب. لهذا كان تأثيرهم مهماً على المستوى الديني والأخلاقي. أما على المستوى السياسي فدافعوا عن استقلالية الشعب اليهودي، وظلّوا متحفّظين في علاقاتهم مع الرومان.
وهناك الصادوقيون: ينتمون إلى الكاهن صادوق، الذي جُعل رئيس كهنة في أيام سليمان (1 مل 2: 35). شكّلوا حزب الكهنة، فضمّوا أغنى العائلات الكهنوتية. أخذوا بالعادات اليونانية، وتكيّفوا مع السلطة الرومانية. أما على المستوى الديني، فتبعوا "التوراة" بحصر المعنى، أي البنتاتوكس (أسفار موسى الخمسة)، ورفضوا التقليد الشفهي. لم يؤمنوا بالقيامة ولا بوجود الملائكة ولا بالعناية الإلهية.
وكانت هناك اتجاهات متطرّفة. أولهم الغيورون. شكَّلوا حزباً متعصّباً ذا طابع سياسي وديني. أسَّسهم يهوذا الجليلي سنة 6 ب. م.، فحلموا بدولة تيوقراطية (حكم الله بواسطة الكهنة)، واعتبروا أن الله وحده يستطيع أن يكون ملك اسرائيل، ووضعوا نصب عيونهم إلغاء النير الروماني بالعنف. رفضوا أن يدفعوا الجزية، فوجدوا نفوسهم في البرية يستعدّون للحرب المقدّسة. وهذه الحرب اندلعت في الواقع سنة 66 ب. م. وخلال "الثورة اليهودية" التي انتهت بدمار أورشليم والهيكل سنة 70. وقابلهم الاسيانيون الذين انعزلوا هم أيضاً في البرية وهيّأوا في الوحدة جماعة العهد المسيحاني.
كان يوحنا المعمدان يكرز ويعمّد على ضفاف الأردن، على بعد عشرات الكيلومترات إلى الشمال من خربة قمران، حيث أقام سنة 130 ق. م.، في قلب الصحراء وبالقرب من البحر الميت، جماعة من الصادوقيين المعارضين. عاشوا في انتظار "اليوم الأخير" وانصبّوا على دراسة الشريعة وتنقية القلب بقيادة الروح القدس. فعاشوا حياة من النسك مركّزة على المشاركة في الخيرات، على العزوبية، على الخضوع لقاعدة الجماعة ومعلّمها. مارسوا طقوساً اغتسالية واحتفلوا بوليمة عهد تدلّ بواسطة مباركة الخبز والخمر، على الوليمة المسيحانية.
يبدو أن مهمة يوحنا تسجّلت في هذا التيّار، وإن دلّت على ميزات خاصة به. ولكنها كانت موجّهة إلى الأمام، إلى يسوع. لهذا قارب مت بين يوحنا ويسوع. واتخذت رسالة المعمدان النبوية قيمتها كمقدّمة لرسالة يسوع.
قدّم مت هذين الشخصين بشكل متوازٍ (3: 1 و3: 13) كما قابل بين كلمات اعلانيهما (3: 2؛ 4: 17). قاد يوحنا إلى ضفاف الأردن جموع أورشليم واليهودية (3: 5). أما يسوع فاجتذب إليه لا "الاخوة" (سمعان واندراوس، يعقوب ويوحنا) وحسب، بل "الجموع الكثيرة" أيضاً. هذه الجموع أتت أيضاً من أورشليم واليهوديّة. كما أتت من الجليل ودكابوليس (المدن العشر) وشرقي الأردن (4: 25). هذا يعني أن الحواجز المناطقية بدأت تزول مع يسوع. أخيراً، ارتبطت رسالة يوحنا بإيراد كتابي من أشعيا (40: 3= مت 3: 3)، وكذلك رسالة يسوع (أش 8: 32- 9: 1= مت 4: 14- 18).
هذان الاستشهادان الكتابيان يبيّنان كيف قرأ مت (الجماعات المسيحية الأولى) العهد القديم على ضوء ذاك الذي جاء يتمّه. هذا البُعد بدا لنا جلياً في ف 1- 2، وسوف نراه في توالي الإنجيل الأول. طريقة عرفها العالم اليهودي المعاصر، الذي يسند آماله المسيحانيّة إلى نصوص نبويّة. فجماعة الاسيانيين في قمران، طبّقت على نفسها نص أش 40: 3 (هيّئوا طريق الرب). في هذا المجال نقرأ في قاعدة الجماعة: "حين يكون هذا في إسرائيل، ينفصلون من وسط مسكن الناس الأشرار ويذهبون إلى البرية، ليهيّئوا فيها طريق ذلك الذي كُتب عنه: في الصحراء، هيّئوا طريقاً ليهوه (في النص، توضع 4 نقاط فتدل على الاسم الإلهي المربّع الحروف ي هـ وهـ)، ارسموا في الفيافي سبيلاً مستقيما لإلهنا". هكذا هو طلب الشريعة التي فرضها الله بواسطة موسى، لنعمل بحسب ما أوصي لنا جيلاً بعد جيل وحسب ما كشفه الأنبياء بروح قدسه.
ولكن، وعى أهل قمران أنهم يشكّلون جماعة العهد الحقيقيّة، المرتبطة بالملائكة، والعائشة منذ الآن من الحضور الإلهي بانتظار المسيح. أما الكنيسة الأولى فرأت في يسوع ذاك الذي يتمّ هذا الانتظار الذي بدا شخصاً حياً في فم المعمدان. بدأ يوحنا فـ "كرز" (كاريساين). ومثله فعل يسوع (4: 17، 23؛ 9: 35؛ 11: 1). وعلى خطاه سيسير التلاميذ (10: 7، 27؛ 24: 14؛ 26: 31).
نجد تذكّراً لنصّ أش 41: 15- 16 في 3: 12. أما عبارة الكرازة لدى يوحنا ويسوع فهي تلك التي استعملها أشعيا الثاني ليتحدّث عن البرّ أو الخلاص الاسكاتولوجي في خطّ أنبياء المنفى والنصوص الاسكاتولوجية. فلباس يوحنا يذكرنا بلباس إيليا (2 مل 1: 8). أما طعامه فطعام البدو العائشين في الصحراء.
وما معنى هذا الإعلان النبوي؟ إنه يعبّر في نظر يوحنا عن يقين يعلن أن انتظار الشعب قد تمّ: إنه يؤمن، شأنه شأن معاصريه، أن هذا لن يكون إلا بالحدث الحاسم، بمجيء المسيح الذي يبيّنه كديّان نهاية الأزمنة (3: 10- 12). فبين كرازة يوحنا و"نهاية العالم"، لم يعد من مكان إلا لحدث واحد هو مجيء ذاك الذي معه تأتي نهاية العالم. يوحنا هو أعظم من نبيّ (11: 9). أنه يجمل في شخصه جميع الأنبياء. هو لا يعلن حدثاً من أحداث التاريخ، بل يعلن الحدث الذي يضع حدّاً للتاريخ.
ب- يوحنا ويسوع (3: 5- 15)
أولاً: البنية الأدبيّة
بلغت كرازة يوحنا إلى أورشليم واليهوديّة والمناطق المحيطة بنهر الأردن: فهناك عاشت التيارات المؤثّرة في العالم اليهودي. ودخل الفريسيون والصادوقيون على المسرح (3: 7). على المستوى التاريخي، كان تباعد بين اتجاه هذين "الحزبين". ولكن مت جمعهما في إطار واحد (16: 1، 11، 12)، ووجَّه إليهما معاً أقوال يوحنا القاسية التي وجّهها لو 3: 7- 9 إلى الجموع الآتية لتعتمد. فمتّى يهاجم بشكل مباشر رؤساء الشعب، ويبرز عندهم موقفاً من الازدواجية والاكتفاء بالذات. ساعة دوّن متّى إنجيله، خسر الصادوقيّون كل أهمية، لا سيّما بعد دمار أورشليم وهيكلها. ولكن التناقض بين الجماعات اليهوديّة والجماعات المسيحية زاد اتساعاً. في هذا السياق، دلّت عبارة "الفريسيين والصادوقيين" على السلطات اليهوديّة اجمالاً، على الكهنة وعلى فئات الشعب.
يتوزع هذا المقطع ثلاث مرات "عندئذٍ" (توتي، 3: 5، 13، 15)، فنكتشف ثلاث وحدات صغيرة. في الأولى نرى الزحف اليهوداوي إلى يوحنا لقبول العماد. وهدا ما يتيح له أن يوضح اعلانه الأولاني: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات" (3: 2). وأمام "الفريسيين والصادوقيين" الحاضرين بين سامعيه، شرح معنى التوبة الحقّة (3: 7- 10). ثم توسّع في نظرته إلى ملكوت السماوات، وإلى مجيء الديّان الاسكاتولوجي في الغضب وفي النار (م: 11- 12). الوحدة الثانية تصوّر لقاء يوحنا ويسوع. اعتمد يسوع رغم اعتراض السابق (3: 13- 15 ب)، ولكنه رفض تصوّره للمسيح الآتي (الديّان). وكانت الوحدة الثالثة قصيرة جداً (آ 15 ب): روت خضوع يوحنا الذي ترك الأمور تسير ووافق على تعميد يسوع.
ثانياً: الوحدة الأولى: رياء وتمييز
ونتوسّع في المواضيع الرئيسية في هذه الوحدات الثلاث. أما الأولى فتذكر موضوع الرياء وموضوع التمييز.
* موضوع الرياء
عمل يوحنا كالأنبياء الذين سبقوه، فندّد برياء مسعى ديني خارجي كله (عا 5: 21- 27؛ أش 1: 10- 20؛ 29: 13- 14؛ إر 7: 1- 8: 3). ومثلهم واجه "الشريعانية" (تعلّق مفرط بالشريعة) التي تجعل جوهر الديانة في ممارسة رسوم فرضتها الشريعة، وتوسّع فيها التقليدُ توسّعا دقيقاً. وتظهر هذه الشريعانية في الخارج مراراً، عبر موقف من الاكتفاء الذاتي، وثقة بالنفس تجعلنا على المستوى الشخصي نحتقر الآخرين، وعلى المستوى السياسي نتعصّب لروح وطنيّة تعرف العنف تجاه "الغرباء" والتساهل مع "أهل البيت". "إن ابانا هو ابراهيم" (3: 9).
فالايمان الذي نتقبّله من الله، قد يصبح طمأنينة كاذبة تتيح لنا أن نبرّر ذواتنا في كل آن. لهذا ذكّرهم المعمدان أن الارتداد هو في ذاته عمل إلهي. فإذا كان الله يقدر أن "يخرج من هذه الحجارة أبناء لابراهيم" (3: 9)، فهذا يعني أن الإيمان ليس خيراً خاصاً بعائلة أو قبيلة. ليس وديعة تقليديّة يكفي أن نحتفظ بها وكأنها إرث وطني. الإيمان هو التزام حقيقي وتساؤل دائم يجعل الإنسان تجاه الله وملكوته. والاقامة الكسولة في الاختيار هو فخّ دائم لإسرائيل. أما الارتداد الحقيقي فيدلّ على أمانة الشعب للعهد، ويظهر عبر علامات لا تخطىء، هي الثمار. هنا نجد موضوع الشجرة التي تُعرف من ثمرها، وهو موضوع سيعود فيما بعد (3: 10؛ رج 7: 17- 19؛ 12: 33).
* موضوع التمييز
على الإنسان أن يتخذ موقفاً تجاه ملكوت السماوات: لقد دقّت ساعة التمييز، فها إن "الفأس موضوعة على أصل الشجرة" (3: 10). فإن كانت عقيمة قُطعت. هنا نتذكّر صورة البطمة التي تُقطع (أش 6: 13) أو الأرزة الباسقة (رمز إسرائيل) التي يدمّرها المجتاح (حز 31: 10- 13). أو الصورة التي يستغلّها دانيال ليتمثل نموّ المملكة البابلية وسقوطها (دا 4: 7- 12). تفهمنا هذه التذكّرات البيبلية لماذا صوّر يوحنا مجيء المسيح كالوحي الحاسم لانتظارات البشر. فـ "يوم الرب"، يوم افتقاد الرب وزيارته، هو يوم غضب (صف 1: 15- 2: 3) لا يفلت منه أحد. فعلى المؤمن أن يقرّ بخطاياه وينال التنقية على مثال أشعيا ساعة دعاه الرب (6: 5- 7). فمن الواضح للمعمدان أن المسيح قريب وأن ساعة الغضب قد أتت. وهذا ما اعتقدته أيضاً جماعة قمران الاسكاتولوجية، التي عاشت في البرية في انتظار تجدّد كل شيء، الخروجَ الذي يجعل من إسرائيل شعب العهد.
وتنديدات يوحنا المعمدان بالفريسيين والصادوقيين، تشبه شبهاً غريباً بعض مقاطع من "قاعدة الجماعة" (في قمران) التي تهاجم بعنف "رجل حزب بليعال". أما صورة الشجرة التي تحرقها النار فنجدها في إحدى مدائح قمران حيث يشبّه أعضاء الجماعة "بشجر الحياة" وسط "شجر المياه" أي الأشرار الذين يحتقرون الأولين ولكنهم في النهاية يحرقون في النار.
نشير هنا إلى أن المؤمن القمراني، حين يدخل في الجماعة، يعترف بخطاياه، ويلعن الذين تبعوا روح الشر. وكانت لعنةٌ محفوظة للذي يدخل في الجماعة دون أن يرتدّ بكل قبله. "ملعون في رجس قلبه المائل إلى التعدّي، من يدخل في هذا العهد مع أنه يتعلّق بخطى الضلال. فإن حصل وسمع أقوال هذا العهد، فهنَّأ نفسه قائلاً: السلام لي حتى وإن سلكت في عناد قلبي، فالعطش يدمّر روحه بدون مغفرة، رغم وفرة الماء. وغضب الله وعنف دينونته يشتعلان ضده من أجل هلاك أبدي".
وهكذا تندرج خطبة يوحنا كما يعبّر عنها مت (آ 7- 12) في خطّ جماعة قمران. فهو مثلها يعارض اليهوديّة الرسميّة التي تشرف عليها سلطات أورشليم، كما يعارض ميولها الشريعانيّة ومساوماتها، لأنه يؤمن بأن المسيح الديان آتٍ قريباً. والدينونة التي يعلنها تقوم في حكم على الشريعانيّة ومساوماتها، لأنه يؤمن بأن المسيح الديّان آتٍ قريباً. والدينونة التي يعلنها تقوم في حكم على الشريعة ينزع عنها القناع، وفي تطهير جذري للضمائر: هذا ما ترمز إليه تنقية البيدر وتدمير التبن بالنار (آ 12).
هذه التشبيهات التي نجد ما يقابلها في قمران، قد أُخذت من عالم الأنبياء. فهم يصوّرون مجيء الله النهائي كرجل يغربل القمح بعد الحصاد ليجعله في اهرائه، وينقّي بيدره من القشّ (هو 9: 1- 2؛ مي 4: 11- 13؛ إر 4: 11). فالنار التي تحرق وتنقّي، تعبرّ عن حدة تصرّف الله حين يعاقب الأشرار (عا 1: 4- 2: 5؛ حز 22: 18- 22؛ صف 1: 18؛ ملا 3: 2- 19؛ أش 66: 15- 16) وحين يمنح أنبياءه اندفاع حبّه (إر 20: 9؛ 23: 29؛ زك 2: 9). حين أعلن يوحنا أن الذي يأتي بعده "يعمّد في الروح القدس والنار" (آ 11)، فهو يعارض بين عماده الخاص الذي هو عماد تهيئة، وعماد نهائي يتحوّل فيه الإنسان، كما في بوتقة، تحوّلاً داخلياً بروح الله.
ثالثاً: الوحدة الثانية
تبدأ الوحدة الثانية. بلفظة "عندئذ" (توتي)، فتدلّ على يسوع الذي أقبل إلى ضفاف الأردن فبيّن أن نظرته تختلف عن نظرة المعمدان إلى ملكوت السماوات ومجيء المسيح (آ 13- 15). فيسوع لا يأتي من اليهوديّة ولا من أورشليم، بل من الجليل. "جاء" مثل السابق (باراغيناتاي) (آ 13، رج آ 1)، ولكن لينضمّ إلى صفّ الراغبين في العماد.
فُسّر مسعى يسوع في طلب العماد بطرق مختلفة لدى الشرّاح. لا شكّ في أن الخبر يحمل (في نظرة مت) تلميحاً إلى الحاش (الآلام) عبر تماهي يسوع مع عبد يهوه (أش 42: 1 كما في مت 3: 17) الذي حمل عاهاتنا (أش 53: 4 كما في مت 8: 17). وإن موت يسوع (27: 45- 56) سيكون عند مت "رؤية" للمعمودية. ومهما يكن من أمر، تدلّ هذه الفعلة على إرادة يسوع بأن يتضامن مع الخطأة (هنا تبدو نظرة المعمدان ناقصة: يسوع ليس ضد الخطأة، بل معهم).
وسيوضح وليْ الانجيل هذا الدخول المحيرّ للمسيح على مسرح الأحداث. تضامن مع الخطأة، حمل خطاياهم منذ الآن. ولكنه سيحسّ بثقل الخطيئة بشكل خاصّ على الصليب. أما الآن، فينضمّ إلى الخطأة حيث ينتظرهم الله ليردّهم إليه، ويشاركهم إيمانهم ورجاءهم.
ولكن بما أن يوحنا رأى في يسوع المسيح الديّان الذي أنبأ به، لم يوافقه على الخضوع لفعلة التنقية هذه. أجابه يسوع بألفاظ سرّية: "أترك الأمر الآن وافعل. هكذا يجب علينا أن نتمّ كل برّ" (آ 15). هذا الجواب الذي لا يستطيع يوحنا أن يفهمه يدلّ على خضوع أراده يسوعُ بملء حريته، لقصد الله الذي يتجاوز المعمدان.
رابعاً: الوحدة الثالثة
تبدأ الوحدة الثالثة في آ 15 ج مع "عندئذ" (توتي)، فتحدّثنا عن يوحنا الذي وافق على طلب يسوع، وهكذا اكتشف فجأة التوجيه الأساسيّ لملكوت السماوات. إمّحى ولكن إمحّاءه سيتخذ كل عمقه فيما بعد. وهو لن يصل إلى كامل معناه إلا حين يكشف المسيحُ بُعده.
إن الكلمة الأولى التي تلفّظ بها يسوع في مت تشدّد على لفظتين متّاويتين: "البرّ" (ديكايوسيني)، "التتمة" (بلارون). لقد جاء يسوع لكي "يتمّ"، لكي "يكمّل". فهو الذي يقود نهاية تاريخ شعبه إلى ملئه، كما يتمّ الكتاب المقدّس الذي يحمل هذا التاريخ. ولفظة "برّ" التي تعود مراراً في مت، ولا سيّما في العظة على الجبل (5: 6، 10، 20؛ 6: 1- 33؛ 21: 32)، تدلّ (كما في التوراة) على توافق تصرّف الإنسان مع إرادة الله. توافق بين استقامة الإنسان في حياته وأعماله مع رحمة الله.
هنا يدعو يسوع المعمدان إلى أن يخضع معه لمسرّة الآب التي دلّ عليها الصوتُ السماوي (آ 17). أما الآن، فيجب أن يظهر تضامناً عميقاً مع شعبه الخاطىء فيمرّ عبر مياه المعمودية، كما عبر اسرائيل في الماضي، بحر القصب ثم نهر الأردن، قبل أن يدخل إلى أرض الميعاد.
ج- يسوع هو المسيح وابن الله الحبيب (3: 16- 17)
أولاً: الحدث التيوفاني
إن الأخبار الانجيليّة عن عماد يسوع تبدو موجزة جداً. ومتّى يبدو أكثر ايجازاً فيكتفي بأن يورد الحدث بواسطة اسم مفعول "معمَّد" (عُمِّد). ثم انتقل حالاً إلى حدث الظهور، الحدث التيوفاني، الذي يشكّل قلب هذا القسم. غير أنه لا يحدّد الجهة التي إليها يتوجّه الصوت الآتي من السماء. "هذا هو ابني الحبيب، عنه رضيت" (آ 17). قد تدلّ صيغة الغائب (هذا) على أن الصوت يتوجّه إلى أناس تجمّعوا حول المعمدان، وعبرهم إلى جميع البشر، وبالتالي إلى قرّاء الانجيل.
جعل مر 1: 11 ولو 3: 22 الصوت في صيغة المخاطب: "أنت هو ابني الحبيب عنك رضيت". وأورد يو 1: 34 شهادة السابق، فبدّل القول الاعلاني: "رأيت وشهدت أنه هو مختار الله".
تجذّر نصّ متّى تجذّراً عميقاً في التقليد الإزائيّ الذي يدلّ كله على الأهميّة التي تعلّقها الجماعات (التي تعكس إيمانها بهذا التقليد) على تولية يسوع المسيحانيّة ساعة عماده على يد يوحنا. وتُصوَّر السماء التي "تنفتح" والروح الذي "ينزل" على يسوع ساعة "يصعد" من الماء، وذكر "الصوت" الآتي من السماء، وعبارة "مثل حمامة"، يصوّر كل هذا على أنه جزء لا يتجزّأ من هذا التقليد الذي نجد صداه في يو 1: 31- 32. كما نجد فيه إشارة تدلّ على أن الكنيسة الأولى أنارت مدلول هذا الحدث بأول أناشيد عبد الله سفر أشعيا. "ها عبدي الذي أسانده، ومختاري الذي رضيت عنه. جعلت روحي عليه" (أش 42: 1). كما أنارته بنصّ مز 2: 7: "قال لي الرب: أنت ابني. أنا اليوم ولدتك" (مز 2: 7). وهكذا تلتقي النظرة إلى المسيح الملوكي مع النظرة إلى عبد الله المتألمّ.
ثانياً: بنية النصّ
إن بنية النصّ المتاوي تُبرز نقطتين يشدّد عليهما تكرار لفظة "وإذا" (كاي إيدو): انفتاح السماوات مع نزول الروح. الصوت الآتي من السماء.
كان متّى قد شدّد في كلامه على أن الحبَل بيسوع هو من عمل الروح القدس (1: 18- 20). وها هو يبيِّن الآن أن أصل رسالته ووسط البشر هو الروح القدس. وهكذا نزل الروح عليه بشكل جديد: "مثل حمامة".
إن العلاقة الرمزيّة بين الروح والحمامة قد تجد أساساً في المقاطع التي تشبّه روح الله بالطائر. وبحثَ شرّاح عن علاقة بين الحمامة وشعب اسرائيل (هو 7: 11؛ 11: 11؛ أش 59: 11؛ 60: 8). فالروح الذي حلّ على يسوع هو الذي يتجسّد في الجماعة التي ترمز إليها الحمامة.
وقد عُرض تفسير آخر عن الحمامة. في العالم اليهوديّ، لم تكن الحمامة يوماً صورة عن الروح. ولكن بعض النصوص الرابانيّة تقابل تحرّك روح الله مع تحرّك حمامة "تحوم فوق صغارها عن قرب دون أن تلمسها". هذا ما فعله الروح حين "رفرف" على المياه الأولى (تك 1: 2). هذه المقابلة تشدّد على وداعة روح الله وعمله القريب مع أنه الآخر الآخر. ويتحدّث نصّ مت، شأنه شأن نصّ مر، لا عن المظهر (هذا ما فعله لوقا لأنه يتحدّث إلى حضارة أخرى)، بل عن الطريقة التي بها حلّ الروح وفعل في يسوع. وعبارة "بعض الشيء مثل حمامة" (هوساي) تحوّل فعل "نزل" (آ 16) لا لفظة الروح.
أما إعلان الصوت الآتي من السماء، فقد عبرّ عنه مت في صيغة الغائب كما فعل أشعيا حين تحدّث عن عبدالله (42: 1)، لا في صيغة المخاطب كما فعل مز 2: 7. ولفظة "الحبيب" تعود إلى تك 22: 2، 16 حيث يتوجّه الله إلى ابراهيم فيسمّي ابنه اسحق الحبيب. وقد يكون هناك تلميح إلى عنوان مزمور 45 (حسب السبعينية، 44: 1): "نشيد الحبيب". هذا المزمور الذي يتحدّث عن زواج الملك، يليق بالمقام ساعة يخطب المسيح كنيسته ليلدها من ماء المعمودية. وقد نعود إلى تث، لأن هذا السفر يشير مراراً إلى صوت الربّ يحدّث شعبه. مثلاً، 4: 36: "من السماء أسمعكم صوته". وهذا السفر يقابل وضعَ اسرائيل بوضع الابن كما في 8: 5: "كما يؤدِّب الإنسان ابنه قد أدّبك الرب إلهك".
وأخيراً، تقدّم بداية حز تشبيهاً مع هذا المقطع عن عماد يسوع. نقرأ في 1: 1: "إذ كنت بين المسبيّين على شاطىء نهر كبار، انفتحت السماوات فرأيت رؤى الله" (1: 1). ويبدأ خبر هذه الرؤى بأداة "فإذا" (كاي ايدو، حز 1: 4) التي يتفرّد متّى باستعمالها.
ثالثاً: الفن الأدبي
ونطرح السؤال: إلى أي فنّ أدبي ينتمي خبر هذه الرؤية التدشينيّة التي لا تصوّر مشهداً لاحظناه بعيوننا الماديّة، ولا تفتحنا أمام خبرة سيكولوجيّة، ولا تقدّم لنا وحياً داخلياً عن يسوع. فالموضوع هو قبل كل شيء موضوع لاهوتيّ: إنه يدلّ على اهتمامات الجماعات المسيحيّة الأولى بأن تعبرّ عن إيمانها بيسوع على أنه ذاك الذي جاء يُتمّ الانتظار المسيحاني، وأن تبرّر مسعى يسوع الذي لا يُفهم حين تقدّم لكي يعتمد على يد يوحنا.
تضمّن هذا الخبر عناصر قريبة من "التيوفانيات"، من ظهورات الله (رج أش 63: 9)، من "الابيفانيات"، أي إعلانات عن ظهور الله المخلّص، من أخبار "الدعوات النبويّة" التي نجدها مراراً في العهد القديم. لن نتوقّف عند المقابلات مع الأخبار السطريّة والشروح العباديّة، بل نقول إنه يرتبط بالفن الجلياني فنسمّيه: "رؤية تفسيريّة" نجد مثلها في التراجيم المتعلّقة بابراهيم واسحق ويعقوب، وهي تلقي ضوءاً ع خبر عماد يسوع.
إرتدى هذا النصّ أهميّة رئيسية بالنسبة إلى الكنيسة الأولى. وهذا ما شدّد عليه مت حين لاحظ أن الروح نزل للقاء يسوع. فيه بدت السماء وكأنها تنضمّ إلى الأرض لأن "ملكوت السماوات قد اقترب" (3: 2). بعد الآن، كل شيء يتوجّه إلى يسوع. وكل إنسان مدعو لكي يسمع الصوت الذي يأتي من السماء فيعطي معنى ما يحصل على الأرض. وسيكون يسوع بحياته وأقواله وأعماله صوت الآب بالنسبة إلى البشر. بعد ذلك، لا فائدة من تصوّر "ما حصل" على مستوى الواقع الماديّ ساعة عماد يسوع. فحياته وموته وقيامته تنير هذا الحدث: وعى يسوع دعوته المسيحانيّة ووعت الجماعة المسيحيّة هذه الدعوة بعد القيامة، فاكتشفت أن العماد المسيحيّ يجعلها في خطى المسيح أمام الابن والروح. هذا ما يكشفه لنا خبرُ الابن.
د- لا لمسيح زمنيّ (4: 1- 11)
إن خبر تجربة يسوع من الشيطان عند مت كما عند مر، يلي مباشرة خبر العماد. أما لوقا فيُدرج بين الاثنين سلسلة نسب يسوع الذي يعود به إلى آدم "ابن الله" (لو 3: 23- 28). يبدو توسّع مت تفسيراً لاهوتياً وليتورجياً لآيتين كرّسهما مرقس للتجربة (مر 1: 12- 13). وبدا نصّ مت قريباً جداً من نصّ لو. ولكن صارت التجربة الثانية التجربة الثالثة. ثم إن إيراد تث 8: 3 هو أطول عند لوقا منه عند متّى. ولكنه يطيل الكلام عندما يتحدّث عن رؤية ممالك العالم.
أولاً: بنية النصّ
ترد لفظة "حينئذ" (توتي) أربع مرات فتتوزّع النصّ كما فعلت في مشهد العماد. حينئذ اقتاد (آ 1). حينئذ أخذه إبليس (آ 5). حينئذ قال له يسوع (آ 10). حينئذ تركه ابليس (آ 11). والمرة الرابعة تقدّم خاتمة تذكّرنا بنهاية الحوار بين يوحنا ويسوع (3: 15). وتأتي لفظة "وإذا" في 3: 16، 17 بشكل صدى في هذا المشهد: "وإذا ملائكة أقبلت وأخذت تخدمه" (آ 11).
واجه يسوع في هذه التجارب، لا مسيحانيّة اسكاتولوجيّة في خطّ جماعة قمران، بل مسيحانيّة أرضيّة وطنيّة، مسيحانيّة تدافع عنها جماعةُ الغيورين. فالرباط واضح بين العماد والتجربة: فالروح الذي نزل على يسوع هو الذي قاده إلى البريّة، لا كما يقول الاسيانيون، ليبحث في الشريعة ويكتشف من جديد روح العهد، ولا كما يقول الغيورون، لكي يهيّىء هناك المقاومة المسلّحة، بل لكي يجرّبه الشيطان. لا بدّ لمسيحانيّة يسوع من أن تمرّ في المحنة: حين "يتمّ كل برّ". (3: 15) يخضع للآب الذي تعبرّ الأسفار المقدّسة عن إرادته (هذا ما اكتشفناه في ف 1- 2). إن ملكوت السماوات يأتي في اللاعنف وفي تواضع عبدالله المتألّم.
ولكن لماذا نجد "تجربة الغيورين" هنا في فم ابليس؟ حين تقدّم يسوع إلى عماد يوحنا الذي ندّد بشريعانيّة (تعلّق مفرط بالشريعة) السلطات وريائها، جعل نفسه في خطّ انتظار اسرائيل الاسكاتولوجي الذي نادى يوحنا به. غير أن يسوع لم يأخذ بنظرة السابق كلها. ففيه، وهو المسيح، تأخذ الاسكاتولوجيا وجهاً جديداً. لم تعد نهاية أزمنة رهيبة نجدها في أفق التاريخ. بل صارت حاضرة لدى البشر في شخص الابن الحبيب الذي بدّل تبديلاً تاماً ما أعلنه يوحنا من دينونة رهيبة.
ولكن إن تحقّقت الاسكاتولوجيا في حاضر يسوع التاريخيّ، نفهم أن تكون التجربة الحقيقيّة هي تجربة المسيحانيّة الأرضيّة حسب نظرة الغيورين. نحن نتقبّل واقع التاريخ كله من الآب، أما الانسان فيحاول أن يضع يده عليه، أن يمتلكه، أن يوجّهه. هذه التجربة عاشها المعمدان حين "أخذ يعثر" بسبب يسوع، حين صار يسوع له "مناسبة تجربة" (11: 2- 6).
ثانياً: النصوص الكتابيّة
قدّم الإنجيل "خبر" التجارب في نسيج من الايرادات الكتابيّة تجعلنا أمام استعمال فقاهي (كما في التعليم المسيحي) وليتورجيّ. واختيار النصوص يدلّ على أن الجماعات المسيحيّة الأولى فسّرت هذا الحدث من حياة يسوع المسيح على ضوء نمطيّة سفر الخروج. ساعة كتب متّى، كانت الجماعات قد فهمت أن يسوع هو حقاً المسيح الموعود به. وبما أنه يتمّ انتظار شعبه، فهو يأخذ على عاتقه كل أبعاد تاريخه: الإقامة في مصر (2: 13- 15)، عبور الاردن (3: 13- 17)، المحنة في البريّة (4: 1؛ 11). وبما أنه يتمّ كل برّ ويحقّق مسّرة الآب، فهو ينتصر على التجارب التي سقط فيها الشعب العبرانيّ في الماضي، وهكذا يدلّ على أنه هو وحده الشعب الأمين، إسرائيل الحقيقيّ، ابن الله.
قدّم تث قراءة لاهوتيّة جديدة للمسيرة في البريّة، لوَحْي سيناء، لمتطلّبات العهد. ولكن متّى أورد الأحداث في ترتيب معاكس لما في تث. حدث المن، معجزة الماء، الدخول إلى كنعان. هذ يعني أن مت احتفظ بالنصّ الاولاني للتجارب، وأن لوقا حوّره لكي ينهي خبر التجارب في أورشليم.
وهناك تفسير آخر يتوافق توافقاً تاماً مع نفسيّة متّى الرابي: فهو يرى في التجارب الثلاث توسعاً في الفريضة الأولى من الصلاة: "اسمع يا إسرائيل: تحبّ الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك" (تث 6: 5). يعتبر العالم اليهودي هذ الموقف المثلّث مثل عواميد ثلاثة يرتكز عليها العالم: الحقّ، السلام، العدالة. هكذا أحب بكل نفسه فرفض الانتصار السهل لكي يحمل السلام إلى البشر، وأحبّ بكل قدرته فتعلّق بالعدالة التي تعطي كل إنسان ما يحقّ له.
لن نتوسّع في شرح النصّ، ولكن نقول إنه من النافل أن نتساءل أين حدثت هذه التجارب ومتى. من الناحية السيكولوجيّة، نتصوّرها في بداية حياة يسوع الرسوليّة. في الواقع، التكرار المثلّث يدلّ على تواصل التجربة. فكل حياة يسوع (وحياتنا أيضاً) هي محنة. لهذا نحن نقرأ هذه الصفحة ككلام لاهوتيّ يعلّمنا الطريقة التي بها واجه يسوع دوره كابن الله في العالم.
هـ- التلاميذ والجموع (4: 12- 25)
نجد هنا ثلاثة مقاطع صغيرة: عودة يسوع إلى الجليل، التلاميذ الأولون، الجموع حول يسوع.
أولاً: عودة يسوع إلى الجليل (آ 12- 17)
تنطبع هذه المقطوعة انطباعاً خاصاً بأسلوب متّى. وقد جاءت آ 13 تهيّىء الطريق لإيراد أشعيا الذي يذكر قبيلتين إسرائيليتين قديمتين أقامتا في الجليل: زبولون ونفتالي، ضمّتهما أشورية سنة 734. طُبعتا بالطابع الهليني في زمن السلوقيين، وغرقتا الآن وسط عالم وثنيّ. كان النبي قد اعلن خلاصهما. ومتّى يرى تحقيق هذا الخلاص في عمل يسوع الرسولي.
إن عبارة "جليل الأمم" تشكّل قلب إيراد أشعيا. وحين يتكلّم متّى عن الشعب "الجالس في الظلمة"، فهو يلمّح إلى الحالة الروحيّة لليهود في زمنه، في المناطق الجليلية التي يختلط فيها العنصر اليهوديّ والعنصر الوثنيّ. وهكذا يبرز إرادة يسوع بأن يتضامن مع شعبه: لقد أرسل أولاً إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل (10: 6؛ 15: 24). ولكنه أرسل أيضاً إلى الوثنيين.
"الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً" (آ 16). كان أشعيا قد أعلن عن ولادة حزقيا الملك العتيد باسم رمزيّ هو "عمانوئيل" (الله معنا، أش 7: 14). لقد كان ذاك الطفل علامة حسيّة عن البركة التي يمنحها الله لسلالة داود. أما عند متّى، فـ "النور" الذي ظهر في الجليل وكُشف للتلاميذ في التجلّي (17: 2)، يدلّ على قيامة المسيح، ولكنه لا يُشرق إلا للذين يواجهون الموت مع يسوع. وهكذا نفهم أن يسوع هو نفسه ملكوت السماوات الذي صار قريباً من البشر.
ثانياً: التلاميذ الأولون (آ 18- 22)
ما كان صدى إعلان يسوع الأول: "توبوا، فإن ملكوت السموات قريب"؟ سار متّى مع مرقس فأعلن أن يسوع ضمّ إليه في بداية رسالته أخوين هما سمعان واندراوس، ثم أخوين هما يعقوب ويوحنا. لم يسمّوا بعد تلاميذ. ولكنهم يُدعون منذ الآن لكي يتبعوه كما تبع أليشاع إيليا.
منذ البداية ضمّ يسوع هؤلاء الأربعة إلى رسالته، دون أن نعرف الطريق الطويلة التي بدأها معهم. وخطبة الارسال في ف 10، ومثل الشبكة التي ألقيت في البحر (13: 47- 50)، وما فعله يسوع حين انتشل بطرس الذي كاد يغرق (14: 31)، كل هذا سيكشف لنا شيئاً فشيئاً معنى كلمة ما زالت خفيّة. حين دعا مشاركيه الأولين، فانتزعهم من محيطهم العائلي والمهني، دلّهم على البُعد الرمزي لرسالتهم. كانوا صيّادي سمك فصاروا صيّادي بشر. رسالتهم هي امتداد لرسالته. فيها انقطعوا عن العالم لكي يتبعوا المسيح، ولكنهم ظلّوا في العالم لأنهم من أجل العالم أرسلوا.
ثالثاً: الجموع حول يسوع (آ 23- 25)
لقد بدأ يسوع نشاطه الرسولي بعد أن حدّد موقع رسالته وهو الجليل بشعبه الوثني واليهوديّ، بعد أن اختار له تلامذة اربعة يرمزون إلى العالم بأقطاره الأربعة. هذ العالم الذي إليه يُرسلون. وصوّرت آ 23 وجهتين من نشاط يسوع الرسوليّ: التعليم والشفاء. ونحن نجد هذا المقطع بشكل حرفيّ في 9: 35، وذلك بعد وحدة كبيرة من وحدات الإنجيل وقبل خطبة الرسالة. نحن هنا منذ الآن أمام عظة الجبل (ف 5- 7) التي تتوسّع في تعليم يسوع وتبشيره، وأمام النشاط الشفائي (ف 8- 9) الذي يوضح بالعمل قدرة يسوع.
حقلُ رسالة يسوع، كما يقول متّى ومرقس، هو الجليل كله. لا يكتفي يسوع بأن يجمع حوله بعض التلاميذ كما يفعل الرابانيّون. ولا ينفرد في البرّية على مثال الأسيانيين حول معلّم الجماعة. يجب أن يصل تعليمه إلى الشعب كله، يجب أن ينتشر في البلاد كلها. وإذ قال مت إن شهرته وصلت إلى "سورية كلها"، دلّ على الجماعة التي يكتب إليها. أجل، في أيام متّى، أي سنة 80- 85، كانت البشارة الإنجيلية قد عمّت سورية كلها.
واستعادت آ 25 لائحة المناطق التي منها جاء سامعو يسوع (3: 2). ولكن متّى زاد "الجليل"، جليل الأمم. وزاد "المدن العشر"، وهي منطقة وثنيّة حقاً. فالذين تبعوا يسوع خلقوا تياراً عظيماً. والجموع التي تبعت يسوع سوف تتبع تلاميذه بعد موته. والرسالة ما زالت تتوسّع حتى تصل إلى العالم كله.

4- التعليم اللاهوتيّ
يعكس ف 3 و4 بشكل من الأشكال، حياة الجماعة البَعد فصحيّة مع التوتّرات التي تظهر فيها. فالتوبيخ الذي يوجّهه يوحنا إلى رؤساء الشعب المكتفين بذواتهم وبامتيازاتهم التي ورثوها من الماضي، يعني أيضاً الرؤساء في الجماعة المتّاوية، وفي كل جماعة مسيحيّة لا تهتمّ بحمل "ثمر صالح"، ثمر جيّد (3: 10). بهذه الطريقة وبها وحدها نتميّز الأنبياء الكذبة. "من ثمارهم تعرفونهم" (7: 16).
وخبر عماد يسوع يرتبط بخبرة العماد المسيحيّ الذي سيذكره متّى في نهاية إنجيله (28: 19: عمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس). "يصعد" المعمّد من مياه الموت، فيتقبّل الروح، ويكشف بدوره أنه ابن الآب الحبيب. بعد هذا، يُقاد مع يسوع إلى بريّة العالم لكي يمرّ في المحنة ويقوم برسالته.
تدلّ البنية الأدبيّة اللاهوتيّة في هذين الفصلين على أنه يجب أن نبحث عن التعليم الأساسيّ في 3: 16- 17: نزل الروح على يسوع فكرّسه كالنبي وخادم الله. كرّسه كذاك الذي يجسّم في شخصه ملكوت السماوات، لأنه المسيح الذي فيه يجد انتظار إسرائيل كماله.
وإذ يؤكد متّى مسيحانيّة يسوع وبنوّته بواسطة الروح والصوت الآتي من السماء، فهو يقدّم هذه المسيحانيّة على أنها تتمة هذا الانتظار المسيحاني الذي كان يوحنا آخر شاهد له. فلباس المعمدان يدلّ على وجه موسى الذي سيظهر من جديد "قبل أن يأتي يوم الربّ" (ملا 3: 23). وحين وبّخ يوحنا الفريسيين والصادوقيّين على تكبّرهم، فقد فعل ما سوف يفعله يسوع في ف 23. وهكذا ارتبط يوحنا مع يسوع في وظيفتهما داخل تاريخ الخلاص، وفي معارضتهما لشعب إسرائيل المتحجّر. هذا مع المحافظة على كرامة يسوع الفريدة، واخضاع يوحنا له.
ويبقى التعارض واضحاً بين صورة يقدّمها عالم الاسيانيين عن الديّان الرهيب الذي يأتي لينقّي بيدره، وتصرّف يسوع المتواضع. غير أن هذا التعارض ليس تناقضاً بالمعنى الكامل للكلمة. ففي نظر يوحنا كما في نظر الأنبياء الأقدمين، إن الديّان الاسكاتولوجيّ هو في النهاية ذلك الذي يمنح الخلاص بعد أن يعاقب شعبه وينقّيه. ومن الوجهة اللاهوتيّة التي تعبّر عن الواقع العميق للأمور، ليس الله ديّاناً عادلاً إلا لأنّه الحيّ الموجود. إنه العدالة بالذات، وهو يعاقب ويوبّخ ويؤدّب. إنه نار محرقة. ويسوع نفسه الذي يصنع الخلاص هو ذلك الذي يتمّ كل برّ، يعيش بحسب إرادة الله.
وحين يمرّ يسوع في الطاعة والتنازل، يعلن نفسه النبيّ والمسيح. يعلن أنّه الديّان الاسكاتولوجيّ كما تحدّثت عنه كرازة المعمدان الرافضة لتطمينات الفريسيّين والصادوقيّين. إن يسوع يتضامن مع الخطأة حين يتقبّل المعموديّة. وتواضعه كابن يرسله الآب، هو الذي جعل منه ذاك الديّان الاسكاتولوجي، فرأى فيه المعمدان الابنَ الذي يهمّه قصد الآب.
وسوف يجرّب يسوع لأنه انسان، وهكذا يدلّ على أنه الابن الحبيب. وسيختبر في بشريته معنى العيش كابن الله. ونتساءل: كيف يمتحن الله الصالحُ ابنه الخاص؟ في الواقع، تبدو التجربة في العهد القديم كمواجهة بين الله والإنسان: الله يجرّب الإنسان. والإنسان يجرّب الله. الله يجرّب الإنسان لا بعمل اعتباطي خارج عنه، بل لأنه الله، ولأنه يدعو الإنسان لكي يتجاوز نفسه. هكذا ينال الإنسان من الله العطيّة التي يريدها الله له. في هذا المعنى نستطيع القول إن نداء يسوع إلى الأخوين سمعان واندراوس والأخوين يعقوب ويوحنا، هو "تجربة" لأنه يحرّكهم داخل حرّيتهم فيفتح أمامهم مهمّة جديدة ما كانوا يتوقّعونها. "أجعل منكم صيّاديّ بشر" (4: 19).
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، الإنسان يجرّب الله حين يطلب منه أن يدلّ حقاً على أنه الله. "إن كنت ابن الله" (4: 3- 5). هذا المسعى قد ارتبط بالشيطان الذي لبس لباس الغيورين، أو لباس كاتب خبير في التعامل مع الكتب المقدّسة.
والشيطان الذي سيلتقي به يسوع أيضاً في شخص بطرس (16: 23)، سيحاول أن يبعد يسوع عن الطاعة البنويّة للآب. ولكن يسوع امّحى أمام الآب كما امّحى أمام المعمدان، كما سيمّحى كل حياته وحتى في موته، فيرفض "الاختيار الإلهي" الذي رأى فيه الفريسيون والصادوقيين امتيازاً خاصاً بهم. قال بولس في فل 2 إن يسوع لم يعتبر صورة الله "غنيمة" يجب التمسّك بها، بل لاشى ذاته وصار طائعاً حتى الموت والموت على الصليب.
وتدلّ نهاية ف 4 على عزم يسوع بأن ينطلق إلى الأمم الوثنيّة، أن يترك البريّة حيث تكوّن شعب إسرائيل، ليذهب إلى شاطىء البحيرة، إلى "جليل الأمم" حيث أقام اليهود واليونانيّون. إنهم رمز إلى الكون كله، وهم يعيشون في أرض الموعد التي تنكشف ليسوع (الذي هو إسرائيل الحقيقيّ) بعد عبوره الأردن.
وتبع يسوعَ تلاميذُ اختارهم، وتبعته أيضاً جموع كثيرة. لم يأتوا إلى يسوع بكنوزهم كما فعل المجوس (2: 11)، بل قدّموا المرضى والمعذّبين (4: 24). حيث يكون يسوع هناك تُولد جماعة مسكونيّة، ويصبح ملكوت الله قريباً. إليه جاءت الجموع من الجليل والمدن العشر (العالم الوثني) كما من اليهوديّة وعبر الأردن. جاؤوا ليسمعوا، فجلس على الجبل وبدأ يعلّمهم.
الفصل الحادي عشر
شخص يوحنا المعمدان
3: 1- 6

إن الأناجيل الأزائية الثلاثة (3: 1- 6= مر 1: 1- 6= لو 3: 1- 6) تلتقي مع يو 1: 6- 8، فتبدأ خبر رسالة يسوع بصورة مطوّلة عن رسالة يوحنا المعمدان (3: 1- 17= مر 1: 1- 11= لو 3: 1- 22). والطريقة التي يتّخذون تدلّ على أنهم لا يريدون أن يعلمونا عن المحيط والظروف التي فيها ظهر يسوع. فالاسلوب الاحتفالي، والاستشهاد المباشر بالعهد القديم، واستعمال ألفاظ مميّزة تشرف على كل الخبر الإنجيلي، دون أي انتقال، ودون محاولة تحديد الألفاظ المستعملة، كل هذا يبيّن (كما يقول مر 1: 1) أن إنجيل يسوع المسيح يبدأ مع ظهور يوحنا المعمدان. وهذا الأمر صحيح بنوع خاص في إنجيل متّى.
إن العلاقة بين عمل يوحنا المعمدان وعمل يسوع أمر مهتم في الإنجيل الرابع (1: 19- 51؛ 3: 22- 4: 3). ولكن الازائيين عامة، ومتّى بشكل خاص، يهتمّون بأن يعطوا المعمدان مكانته في مخطّط الله (3: 13 ي؛ 11: 7- 19؛ 14: 1- 2؛ 17: 9- 13). فالعلاقة بين الكنيسة الأولى وتبّاع يوحنا ظلّت مسألة ملحّة، وهذا ما نعرفه من أع 19: 1- 8.
تحدّث يوسيفوس المؤرخ عن نشاط يوحنا في القديميّات اليهوديّة (18/ 5: 2). وما قاله يتوافق مع المعلومات التي وصلت إلينا في الأناجيل. سمّي المعمّد والمعمدان، أعطى تعليماً حوله المعمودئة، وطلب من تلاميذه أن يمارسوا حياة أخلاقيّة. حكم عليه بالموت هيرودس انتيباس، لأنه خاف من أن تقود هذه الحركة إلى التمرّد والثورة بسبب طابعها المسيحانيّ.
هل انتمى المعمدان إلى جماعة قمران (أو: الاسيانيين)؟ ذاك سؤال ما زال موضع جدال: فالمجموعتان كانتا تمارسان العماد. وعماد قمران يرتبط بحركة توبة، بدخول إلى عهد جديد، استعداداً لدينونة الله القريبة. ولكنهم كانوا يكرّرون العماد كعمل طقسيّ. أما عماد يوحنا (شأنه شأن العماد المسيحيّ) فكان عملاً فريداً لا يتكرّر، ولم يكن له مدلول طقسيّ في العهد الجديد، بل مدلول أخلاقيّ وحسب.

1- في تلك الأيام (3: 1)
إن عبارة في تلك الأيام تجعلنا حالاً في منظار متّاوي. عبارة جدّ غامضة من الوجهة الكرونولوجيّة، وهي لا تحيلنا إلى أي زمن محدّد. كما أنها لا تلمّح إلى نهاية ف 2، ولا إلى أحداث معاصرة كما نجد في لو 3: 1- 2. هذا من جهة. ومن جهة ثانية إن ذكر الأيام يجعلنا ننتظر لا تعليماً فلسفياً أو باطنياً، بل خبراً ووقائع.
إن هذه العبارة تعني: هذا ما حدث في الأيام التي فيها بدأ يتمّ مع يوحنا المعمدان ما أعلن بواسطة الأنبياء. كان التاريخ المقدّس قد "توقّف" وها هو ينطلق انطلاقة جديدة. نجد هذه العبارة في العهد القديم كما عرفها سامعو متّى. فما تغرّبوا عن تراثهم الكتابيّ. نقرأ في بداية خبر زواج يهوذا من تامار: "وفي ذلك الزمان..." (تك 38: 1). وفي بداية تدخّل موسى من أجل أبناء شعبه: "وحدث في تلك الأيام لما كبر موسى" (خر 2: 11؛ رج دا 10: 2... مت 24: 19، 38؛ مر 1: 9؛ 8: 1؛ 13: 17، 24...).
وعبارة "يوحنا المعمدان" أو "المعمّد" معروفة في الأناجيل (3: 1؛ 11: 11..) وعند يوسيفوس المؤرخ. وهكذا يستعمل الإنجيليّ ألفاظاً جاءت بعد الأحداث. ساعة ظهر يوحنا على شاطىء الأردن (آ 6)، كان فقط "ابن زكريا" (لو 3: 2). اختلف مت عن مر، فأشار أولاً إلى كرازة المعمدان، ثم إلى مضمون هذه الكرازة (آ 2) بعد أن أوضحها الإيرادُ الكتابي (آ 3). وفي آ 6، سيُذكر العماد نفسه. إن متّى رتّب خبره هنا كما في سائر المواضيع من إنجيله، وهذا الترتيب يستلهم الممارسة الكنسيّة في أيامه.
وفعل "وعظ، كرز، أعلن" هو ذاك الذي يُستعمل ليدلّ على نشاط يسوع التعليميّ. نقرأ في 4: 17: "طفق يسوع يعظ". وكذلك في آ 23؛ رج 9: 35. وبهذا الفعل أيضاً يدلّ الكتاب على نشاط الرسل (10: 7، 27؛ 24: 14؛ 26: 13؛ أع 10: 37). فكلمة المعمّد جزء لا يتجزّأ من الكرازة (كارغما)، من الإنجيل. وهذا الفعل "كاريسو" يدلّ على إعلان علنيّ لأحداث هامّة بالنسبة إلى البشر.
حين يأتي واعظ أو منادٍ (كاركس) لا يُطرح السؤال حول ذكائه أو حالته. بل: ما الذي حصل؟ ما الذي سيحصل؟ هذا ما قاله لوقا قبل أن يجعل في فم زكريا كلام النبوءة عن يوحنا المعمدان: "ما عساه يكون هذا الصبي" (1: 66)؟
لما ذكر مت "البرية"، زاد وحده "يهودا أو اليهوديّة"، فقال: "برية اليهوديّة"، فجاء في خطّ قض 1: 16 (صعدوا من مدينة النخل في برية يهوذا) ومز 63: 1 (مزمور لداود لما كان في برية يهوذا). فالبرية تدلّ على كل منطقة منعزلة. ولكنها ليست فرضاً رمليّة أو بعيدة عن الأماكن الآهلة، ليهرب "المصفون" من معاشرة الناس. لقد امتدّت "برية يهوذا" إلى الشرق من خطّ يربط أورشليم بحبرون. إذن، كانت منطقة واسعة جداً وغير محدّدة.
أعطى مت عبارة "برية اليهوديّة" المعنى البيبليّ والروحيّ، أكثر منه المعنى الجغرافيّ. هذا ما نفهمه حين نقرأ 4: 1: "اقتاد الروحُ يسوع إلى البرية". أي إلى عزلة روحيّة من الصلاة (رج 11: 7؛ 14: 13). إن الله يدعو شعبه إلى البرية لكي يكلّمه ويمتحنه. وبرية يهوذا هذه صارت معروفة اليوم بسبب المخطوطات التي اكتشفت فيها قرب البحر الميت.
كرز يوحنا في برية يهودا وقد يكون عرف الاسيانيين (أو: جماعة قمران) الذين أقاموا هناك وقد تحدّث عنهم بلينوس الأصغر بعد أن أعجب بهم (التاريخ الطبيعيّ 5/ 7: 4): "خلال آلاف الأجيال، يدوم شعب لا يُولد فيه أحد (بسبب البتوليّة). فتوبة الآخرين عن حياتهم الماضية تجعل هذا الشعب خصباً" (تجعل الشعب يأتي إلى البريّة).

2- توبوا (3: 2)
كان يوحنا يقول في كرازته: "توبوا، فإن ملكوت السماوات قريب". إختلف متّى عن مرقس ولوقا، فبدا ذاك المربيّ الذي بدأ فاجمل في بضع كلمات كرازة المعدان؛ فيوحنا لا يعلن معمودية التوبة كما قال لو 3: 3 (يكرز بعمودية التوبة لمغفرة الخطايا) ومر 1: 4 (يعمّد في البرية ويكرز). بل هو يكرز بالتوبة. أما المعمودية فتظهر في آ 6: "يعتمدون على يده".
يظهر موضوع التوبة أو الارتداد خمس مرّات فقط في مت بالنسبة إلى الفعل (ميتانويو) (3: 2؛ 4: 17؛ 11: 20، 21؛ 12: 41)، ومرتين بالنسبة إلى الاسم (ميتانويا) (3: 8، 11). والعدد هو نفسه تقريباً عند مرقس ولوقا. وهو لا يظهر أبداً عند يوحنا. ولكن هذه الكلمة (توبوا) ترتدي أهميّة رئيسية في بنية الإنجيل، فتصف كرازة المعمدان، ثم كرازة يسوع (4: 17).
في العهد القديم ارتبط فعل "ش وب" (ثاب، تاب في العربيّة) ارتباطاً حميماً بالعهد، فدلّ على عودة إسرائيل إلى الربّ. دلّ على العهد الذي أقيم بين الله وشعبه. فلا رجوع ممكناً إلا لأن هناك عهداً وميثاقاً، لأن هناك التزاماً سامياً وأولياً من قِبل الله تجاه شعبه. هي عودة على أساس اتفاق أوّل بين الله والإنسان، وهو اتفاق تعدّى عليه الإنسان وانتهكه. ثم إن هذه العودة (والتوبة) لا "تعود" بالإنسان إلى ذاته ولا إلى خطاياه، بل إلى شخص هو الله بالذات. وهذه العودة تختلف كل الاختلاف عن التأسّف والندم. هي أبعد منهما وإن كان من الممكن أن تبدأ معهما. العودة هي في أصل الخلاص. نشير هنا إلى أن التوبة هي موقف ضروريّ للاستعداد للزمن المسيحاني في العالم اليهوديّ.
"ملكوت السماوات". عبارة متّاوية تدلّ على "ملكوت الله". وهذا يحصل حين تقوم سلطة الله السامية على الأرض، لا في السماوات. هو ملكوت السماء (ملك الله) على الأرض. لا شكّ في أن الله يملك على الكون كله، غير أن هذا الملك ليس ملك شخص بعيد لا يبالي بالعالم. هذا الملك "يأتي" إلى "أرضه" بعد أن تذمّرت عليه. وجاءت تدخّلاته فكوّنت لحمة التاريخ. وقد أعلن يوحنا المعمدان التدخّل الحاسم الذي يُجمل كل التدخلات السابقة ويكمّلها.
تحدّث الإنجيليّ الأول عن إعلان الملكوت بفم يوحنا المعمدان ويسوع (ف 3- 4)، عن سّز الملكوت أو أمثال الملكوت (ف 13)، عن طريقة حياة أبناء الملكوت (ف 16- 18)، عن عبور من ملكوت خفيّ بدأ مع يسوع إلى ملكوت ظاهر في نهاية الأزمنة أو السهر من أجل الملكوت (ف 24- 25).
ما معنى هذا الكلام عن "اقتراب" ملكوت السموات؟ الملكوت قريب يعني: قد وصل. في السريانيّة نجد "ق رب" الذي يعني اقترب. لامس، وصل إلى الهدف. إذن، ليس الملكوت فقط واقعاً روحياً، لا زمنياً ولا متطوراً. وليس كارثة كونيّة قريبة. إنه حاضر في شخص يسوع ونشاطه، كما تدلّ عليه أعمال قدرة يسوع المنظورة، وإن عارضها الناس ولم تظهر بعد للكون كله. يكفي أن يكون يسوع هنا ليكون الملك قد اقترب، بل قد حلّ في العالم.
في أيام يسوع لم يكن مفهوم الملكوت روحانياً وباطنياً لدى الرابانيين. لم يكن واقعاً داخلياً. فالمباركات اليهوديّة تتحدّث عن مجد ملك الله "من ابراهيم وإلى الأبد" (حول سفر الخروج 13: 1). "مبارك اسم مجد ملكه من الأبد إلى الأبد" (حول سفر اللاويّين 16: 6). وينال الإنسان الملكوت حين يتلو صلاة "شماع" (اسمع يا إسرائيل): "حين تراه يضع يده على وجهه، فحينئذٍ ينال نير ملكوت السماء" (البركات 4 أ).
إن عبارة اقترب ملكوت السماوات التي ظهرت هنا، ستظهر أيضاً في 4: 17 على شفتَيْ يسوع (ملكوت السماوات قريب)، وفي 10: 7 حيث يتحدّث يسوع عن كرازة الرسل (بشِّروا قائلين: ملكوت السماوات قريب). ويرد هذا الفعل أيضاً في أماكن أخرى من الإنجيل الأول. "ولما قربوا من أورشليم" (21: 1؛ رج آ 34؛ 26: 45- 46؛ رج مر 1: 15؛ لو 7: 12؛ 10: 9؛ 21: 8؛ أع 7: 7). الفعل هو "اغيكان": صار في متناول اليد.
ما يرادف هذا الفعل هو ما نقرأه في 12: 28: "ملكوت الله قد انتهى إليكم"، أدرككم (رج لو 11: 20). من أجل هذا نفهم هذه الكلمات في معنى يقول: لقد اقترب ملكوت الله بحيث أدرككم ووصل إليكم، فوضعكم أمام إمكانيّة التوبة، بل أمام ضرورة التوبة، فلا مهرب لكم.

3- من هو يوحنا (3: 3- 6)
ويتوقّف الإنجيلي متّى عند شخص يوحنا في أربع آيات: ما يقول عنه أشعيا. ما يراه الناس ويسمعونه عن هذا النبيّ. وكيف يأتون إليه لكي يعتمدوا.
أوردت الأناجيل الإزائيّة الثلاثة وفي الألفاظ ذاتها نصّ أش 40: 3 كما في السبعينيّة اليونانيّة. وأحلّت الضمير محلّ لفظة "إلهنا". قالوا: "طرقه"، بدل "طرق إلهنا". هكذا تبسّط النص التوراتي من أجل حاجات تربويّة أو لاجتناب التكرار. أما يوستينوس (الحوار 5: 3) فقد عاد إلى النصّ الأصلي كما قرأه في السبعينيّة. يؤكّد هذا التحويل في النصّ أن ذلك الذي يُعلن ليس الله بل المسيح. فالرب (كيريوس) لم يعد يهوه، بل يسوع.
ويرد هذا النصّ في قاعدة قمران (8: 14) ولكن في معنى مختلف كل الاختلاف. فالطريق الذي يُفتح في البرّية هو "دراسة الشريعة... لكي نفعل بحسب ما كُشف وقتاً بعد وقت". كان قدّيسو قمران يعودون إلى الشريعة ليهيّئوا الوحي النهائي لله. أما القدّيسون المسيحيون فيستشهدون بأشعيا ليعلنوا أن هذا الوحي قد جاء في يسوع المسيح. ثم إن الاسيانيين استعملوا هذا النصّ ليدعوا الشعب اليهوديّ إلى البرية (قاعدة 9: 19؛ 20) في المعنى الحرفيّ للكلمة. يدعونهم لكي يتركوا أورشليم ويذهبوا إلى برية قمران. أما المعمدان فيتحدّث عن رب يقيم وقتاً قصيراً في البرية، ثم يجول في مدن وقرى فلسطين ليبشّر الجميع بملكوت الله.
وتحدّث متّى (آ 4) في لباس المعمدان. فاستعاد سمات وجه إيليا التقليديّ (2 مل 1: 8: متنطّق بمنطقة من جلد على حقويه) كما استلهمها يوحنا. فإيليا كان النبيّ الذي ينتظرون ظهوره "قبل أن يأتي يوم الربّ" (ملا 3: 23). إن العلاقة بين يوحنا وإيليا يلمّح عنها الآن تلميحاً. وفي 17: 10- 13 ستكون مقابلة تنتهي بالقول إن إيليا الجديد هو يوحنا المعمدان. فلا حاجة للبحث عن عودة إنسان قد مات منذ مئات السنين (رج مر 9: 11- 13). نشير هنا إلى أن سي 48: 10- 11 يتحدّث عن إيليا بهذه الكلمات: "جاء في الكتب المقدّسة أنك تأتي في الوقت المحدّد لتهدّىء غضب الرب قبل حدّته، وترّد عطف الأب إلى الإبن وتصلح أسباط بني يعقوب".
كان طعام يوحنا الجراد وعسل البرّ. فالاسيانيون كلوا الجراد المشوي. فهو يُطبخ مع الماء والملح مثل القريدس في أيامنا. أو كان يُجفّف في الشمس ويُمزج مع العسل أو الخلّ. أو كان يُسحق ويُدقّ ويُمزج بالطحين بشكل كعكة أو طلميّة. نذكر هنا أن العسل قد يكون من نتاج النحل أو من نتاج الخروب والعنب. تحدّث الابيونيون عن "كعكة" لا عن الجراد، لأنهم من النباتيين. وتحدّث تاتيانس السوري عن "الحليب" (أو: اللبن) ليتحاشى الكلام عن اللحم.
"كانت أورشيلم... يأتون إليه" (آ 5). شخّص الكاتب هذه المناطق، فكأنها شخص حيّ يأتي إلى يوحنا ليسمع تعليمه. واتفق مت، مر، لو، على القول بنجاح كرازة المعمدان. هذه الكرازة تتوجّه إلى الشعب كله، لا إلى "جماعة مقدّسة" تعيش في البرية مثل جماعة قمران، ولا إلى حزب صغير، إلى شيعة تكوّنت بعد موت يوحنا وعاشت طويلاً مع المسيحيّة. ذكر مت أورشليم، اليهوديّة، بقعة الأردن. ولكنه لم يذكر الجليل. فكرازة يوحنا المعمدان، شأنها شأن الكرازة القمرانيّة، انحصرت في أورشليم واستلهمت عالم الكهنة. لقد كانت أورشليمية في أصولها وفي المواضع التي انتشرت فيها.
يبدو الاختلاف واضحاً بين يوحنا والاسيانيين. سبق وتحدّثنا عن العماد عند الاثنين. لا يتكرّر العماد عند يوحنا، ولكنه يتكرّر عند الاسيانيين. بدا يوحنا مرسلاً من الله إلى جميع آل إسرائيل بمن فيهم العشارون والخطأة. ولكن هذا يتعارض كل المعارضة مع الطابع المغلق لجماعة الكهنة الأتقياء. كانوا لا يتقرّبون من الخطأة، شأنهم شأن الفريسيين. بل تجاوزوا الفريسيّين في هذا المضمار. مع يوحنا تبدأ حقبة أخيرة وحاسمة حيث المسيح قد وصل. أما جماعة قمران فما زالت تنتظر المسيح الذي سيكون ملكاً وكاهناً معاً.
"يعتمدون... معترفين بخطاياهم". هناك جدال حول طبيعة وأصول عماد يوحنا. قد نقرّبه من عماد المرتدّين الذي لا نعرفه جيّداً. ولكن يبقى أنه إذا كان هذا العماد يدلّ على طقس الدخول في الشعب المختار، فعماد يوحنا ليست كذلك. وقد نقرّبه من الغسل الطقسي لدى اللاويّيين أو الاسيانيين. غير أن هذا الاغتسال اختلف كل الاختلاف عن العماد الواحد الوحيد، عن هذا العماد الاسكاتولوجيّ لغفران الخطايا حسب مر 1: 4 ولو 3: 3. وقد نقرّبه من مواضيع نبويّة قديمة حول التطهير الذي وُعد به شعب إسرائيل في أزمنة الخلاص الأخيرة.
هنا نقرأ أش 1: 16: "اغتسلوا وتطهّروا وأزيلوا شّر أعمالكم من أمام عينيّ وكفّوا عن الإساءة". و4: 4: "حين يغسل الرب قذارة بنت صهيون، يمحو الدماء من أورشليم". وحز 36: 25: "وأرشّ عليكم ماء طاهراً فأطهّركم من جميع أصناكم وما به تنجّستم". هذه النصوص النبويّة تشكّل الجذور التاريخيّة واللاهوتيّة لعماد يوحنا. احتفظ الغسل اللاوي والاسيانيّ بالطقس الخارجيّ. أما المعمدان فأعاد إلى هذه النصوص قوّتها الاسكاتولوجية فربطها بمجيء المسيح.
"معترفين". نحن هنا أمام اسم الفاعل (اكسومولوغومانوي) الذي عبّر عن عمل يرافق عمل المعموديّة. لا يُقال إن كان هذا الاعتراف هو شرط ضروريّ للمعموديّة. ولا إن كان نتيجة العماد. وشكل الفعل يعني أن اليهود حين كانوا يعتمدون، كانوا في اعتمادهم يقرّون بخطاياهم. ليس هناك من إقرار صحيح. ولكن فعل قبول العماد يدلّ على أن الإنسان هو خاطىء. هو بعماده يدلّ على خطيئته ويدخل في عداد الخاطئين. ويسوع لما اعتمد تضامن مع الخاطئين.
وهذا الاعتراف بالخطايا لم يكن فردياً وخاصاً بكل إنسان، بل جماعياً وعاماً. كانت هناك عبارات مقولبة نجدها بشكل خاص في المزامير وفي رتب التوبة كما في عز 9، نح 9. أما الفعل فهو "ي د ه" (رج في السريانية اودي) الذي يعني اعترف (بالله، بالخطيئة)، أقرّ. يستعمل نادراً في الحديث عن الاعتراف بالخطايا (دا 9: 20). هنا نتوقف عند الاقرر بالخطايا في العالم اليهوديّ القريب من المسيح. في يوم التكفير العظيم (يوم هاكببوريم) يذهب عظيم الكهنة إلى الثور بين الرواق والمذبح، ويجعل رأسه إلى الجنوب ووجهه إلى الغرب ساعة يقف الكاهن إلى الشرق ووجهه إلى الغرب. يضع يديه عليه ويقول في شكل اعتراف: "أيها الاسم، لقد كنت شريراً، تجاوزت، خطئت إليك أنا وبيتي. أيها الاسم (الالهي، أي: يا الله) اغفر الخطايا والتعدّيات والذنوب التي اقترفتها حين خطئت إليك وخنتك أنا وبيتي، بحسب ما كُتب في شريعة موسى خادمك: في هذا اليوم يُغفر له، ويأتي الجواب بعده: مبارك. اسم مجد ملكوته إلى الدهر وإلى الأبد".

خاتمة
"في تلك الأيام"، لسنا فقط أمام عبارة تافهة تنقلنا من مقطع إلى مقطع. بل إن هذه العبارة تقابل من جهة زمن تتمّة الكتب المقدّسة. ومن جهة ثانية مجيء ملكوت السماوات. وهكذا يكون زمن يوحنا المعمدان عند وصلة تربط النهاية بالبداية. فالنهاية هي نهاية نبوءة أشعيا التي تعلن مع العودة من سبي بابل، خروجاً جديداً، بل خليقة جديدة. لقد انتهى زمن الانتظار لأن هذه الخليقة قد تحقّقت في هذه البداية مع يوحنا المعمدان. البداية هي بدية المرحلة الأخيرة نحو ملكوت السماوات.
حين تحدّث لوقا المؤرخ عن زمن يوحنا المعمدان، عاد إلى تواريخ تتعلّق بالمدن كما تتعلّق بالامبراطورية. وعاد إلى تواريخ يهوديّة دينيّة وكهنوتيّة (3: 1- 2). غير أننا لا نجد شيئاً من كل هذا عند متّى. فالنقطة الوحيدة التي رجع إليها هي التاريخ المقدّس الذي وصل "في مثل تلك الأيام" إلى عتبة تكملته. وهذه الإشارة إلى البداية نجدها في عبارة مرقس المقابلة (بدء الإنجيل، مر 1: 1) لما في متّى والمنعزلة عن النهاية.
بين "هذه الأيام" والحدث الاسكاتولوجي للملكوت، توخّى النص دوماً أن يوجز الزمن إيجازاً كبيراً، وهكذا يصل الحديث حالاً عن إعلان احتفالي للنداء إلى التوبة في نهاية الزمن، كما اهمله مرقس، وصحّحه لوقا (3: 10- 14) الذي زاد الإشارة إلى الارتداد اليومي في الحياة الاجتماعيّة، والعائلية، والوظيفيّة. وما يجعل كل هذا خطيراً هو اقتراب الدينونة الأخيرة وحضور الديّان. بهذه الطريقة يبيّن لنا متّى أن ملكوت الله قريب، أنه على الباب، فلا يبقى علينا ألا أن نستعدّ له بالتوبة. هذا على مستوى الزمان.
وعلى مستوى المكان، نجد في صدر هذه الرسمة الأولى البرّية التي تحمل واقعين اثنين. هي برّية يهودا، برّية اليهوديّة التي ذكرتها آ 1، وهي برّية أشعيا (آ 3) بقدر ما يرى فيها الكاتب تأويناً آخر لما استشفّه النبيّ. فبالنسبة إلى النبيّ، ارتبطت البرّية ارتباطاً حميماً بإعلان الإنجيل والخبر الطيّب الذي هو التحرّر من بابل، والخروج الجديد. وهكذا يكون لبرّية يوحنا التي تماهت مع برية اليهوديّة، بُعد اسكاتولوجي يتيح لنا أن نقابله مع البيدر الذي سيتحدّث عنه النصّ في ما بعد. فمن الوجهة الكرونولوجيّة لا ينفصل البيدر عن البرّية إلا بحقبة قصيرة من الزمن. في البرّية نجد انطلاق المرحلة الأولى إلى الملكوت. وعلى البيدر نجد الوصول. وهكذا نستعدّ للفصل التالي مع كرازة يوحنا المعمدان.
الفصل الثاني عشر
كرازة يوحنا المعمدان
3: 7- 12

تبدأ كرازة يوحنا بالتنديد بالفريسيّين والصادوقيين (لو 3: 7- 9). التقى متّى ولوقا في إيراد هذه الكلمات القاسية. أما مرقس فتجاهلها. في مت، وجّهها يوحنا إلى الفريسيين والصادوقيين، في لو إلى الجموع التي تزاحمت لتتقبّل معموديّته. ونلاحظ هذا الاختلاف في أماكن أخرى مشتركة بين مت ولو. في مت انتهت القطعتان (آ 7- 10، آ 11- 12) بتهديد بنار الدينونة. مثل هذه التكرارات أو هذه التوازنات تجعلنا نكتشف الأسلوب التربويّ في الفقاهة الأولى. فبنية التنديد المتاوي تحيرّنا: هجوم مباشر على رؤساء الشعب. تساؤل حول صدقهم. نزع القناع عن اكتفائهم الدينيّ. كل هذا نقرأه في بداية الانجيل، ومتّى قد تألّم كثيراً في كنيسته من هؤلاء اليهود. كان بالإمكان أن نقرأ ما كتب هنا في نهاية الانجيل، كنتيجة لمقاومة اليهود لنداءات يسوع نفسه.

1- يا نسل الأفاعي (3: 7- 10)
ترد كلمات يوحنا في مت كما في لو: هناك "نسل الأفاعي" (غاناماتا). فالأفاعي لا تعطي إلا الموت. فالمقابلة تشير بدون شكّ إلى خطيئة محاوري يوحنا بعد أن تأصّلت فيهم وعشّشت (12: 34؛ 23: 33). الأفعى هي اسم عام يدلّ على الحية السامّة. والفريسيون والصادوقيون الذين يختلفون في نقاط رئيسيّة، يلتقون مع ذلك في هذا العماد الذي يقدّمه يوحنا. هذا أمر خاص بالشريعانيّة الدينيّة التي ترتجف أمام دينونة الله، فتحاول أن تكدّس الأعمال الأخلاقيّة والدينيّة، تحاول أن تَجمع الممارسات لكي تؤمّن خلاصها. لقد نسيت أن الخلاص عطيّة مجانيّة نجيب عليها. الخلاص يُقدّم لنا قبل أن تبدر منا أية عاطفة. فلماذا لا نسلّم أمرنا إلى الله في الإيمان؟
"من أرشدكم إلى الهرب"؟ تساؤل بلاغيّ يتوجّه إلى الفريسيين والصادوقين، ويستطيع أن يتوجّه إلينا. فيوحنا المعمدان لا يلمّح إلى شخص محدّد أرسله إليه الفريسيّون والصادوقيّون. هو يدعو أصحاب الشريعة والعاملين بالوصايا لكي يكونوا صادقين مع نفوسهم ومع الربّ.
"الغضب الآتي". هذا الغضب هو غضب الدينونة الأخيرة. نقرأ مثلاً في روم 5: 9: "قد برّرنا الآن بدمه (بدم المسيح) فنخلص به من الغضب". وفي أف 1: 10: "تنتظرون من السماوات ابنه الذي أنهضه من بين الأموات، يسوع الذي ينقذنا من الغضب الآتي" (رج 2: 16؛ 5: 9؛ رؤ 6: 16). لقد صارت الدينونة قريبة جداً بمجيء المسيح. ففي كرازة المعمدان، قد افتتح المسيح يسوع زمن الدينونة.
"أثمروا ثمراً" (آ 8). يتحدّث متّى عن الثمرة في صيغة المفرد (أما لوقا فعن الثمر في صيغة الجمع) فيدلّ على تصرّف الإنسان كله، على أنه نتيجة إرادة مرتدّة وقلب تائب. لا يطلب يوحنا من هؤلاء المتقدّمين إلى العماد أعمالاً صالحة، بل اتجاه حياة جديداً يجعل من عمادهم أمراً جدياً. فإن فُقدت هذه الجدية، صار عمادهم احتراساً دينياً يذكّرنا بمظاهر التوبة الكاذبة التي ندّد بها الأنبياء مراراً في العهد القديم.
نجد هنا فعل "بويايو": صنع، عمل، أنتج، أثمر. هذا الفعل يلعب دوراً كبيراً في مت. نقرأه في 5: 19: "من يعمل ويعلّم فهذا يُدعى عظيماً في ملكوت السماوات". وفي 5: 46: "إن أحببتم من يحبّكم، أليس العشّارون يفعلون ذلك"؟ وفي 7: 12، 24: "ما تريدون أن يفعل الناس لكم... كل من يسمع أقوالي ويعمل بها" (رج 12: 33). فيوحنا لا يطلب عواطف داخليّة، كما لا يطلب "ممارسات" خارجيّة، بل أعمالاً ملموسة تجنّد الإنسان كله قلباً ويداً وعاطفة وجسداً. يجتمع الإنسان في ثمرة تميّز كل تصرّفه المنظور والباطنيّ (7: 15: ثياب الحملان، وفي الباطن ذئاب خاطفة).
إذن، ليست هذه الثمرة نتيجة سيكولوجيّة لاستعداد حميم، بل إرادة نعبرّ عنها في أعمال منظورة، في الطاعة لوصايا الله. "ألا أثمروا". هذا الأمر يصوّر التصرّف الجديد الذي صار ملحّاً وممكناً بعد أن جاء العهد المسيحانيّ بقوّة.
"إن أبانا ابراهيم". كانت استحقاقات ابراهيم محسوبة لاسرائيل حسب التعليم اليهوديّ الجاري. قال الشرح عن خر 14: 5: "باستحقاق ابراهيم أبيهم شقّ لهم البحر". وفي شرح 14: 31: "نال ابراهيم امتلاك هذا العالم والعالم الآتي فقط باستحقاق الإيمان". فالبرهان على أن السامعين لم يتوبوا حقاً، هو أنهم ما زالوا يستندون إلى امتيازاتهم الدينيّة. فالإنسان التائب يسلّم نفسه إلى الله بدون أي سند.
من الخطأ أن نفهم هذه الامتيازات في معنى العرقيّة الدينيّة. فأبناء ابراهيم ينالون هذه الامتيازات بانتمائهم إلى الشعب المختار، وهو انتماء يدلّ عليه الختان. فالمرتدّون ينتمون مراراً إلى عرق آخر، ومع ذلك فهم يتمتّعون بهذه الامتيازات، شأنهم شأن المتحدّرين من أم يهوديّة.
نقرأ "يقيم من" (اغايراي إك) الذي يعني: "ولّد، أعطى نسلاً". يعود هذا الفعل إلى أش 51: 1- 2: كما أن الله أقام بشكل عجائبيّ أولاداً لابراهيم، فهو يستطيع اليوم أن يقيم أولاداً يكونون أعضاء حقيقيّين في الشعب المختار. فالله لا يرتبط بامتيازات نسل ابراهيم بحسب الجسد. وكلمة "حجارة" لا تعني فقط شيئاً لا قيمة له. بل هناك إشارة إلى أبراهيم الصخرة التي منها خرج شعب اسرائيل بقدرة الله الخلاّقة. "أنظروا إلى الصخر الذي نحتُّم منه، وإلى المقلع الذي منه اقتلعتم! أنظروا إلى ابراهيم أبيكم وإلى سارة التي ولدتكم".
"كل شجرة لا تثمر ثمراً جيّداً" (آ 10). إن صورة الشجرة الجيّدة أو الرديئة هي معروفة في العالم القديم. نقرأ في 7: 16 ي: "كل شجرة جيدة تثمر ثمراً جيداً، وكل شجرة رديئة تثمر ثمراً رديئاً. لا تستطيع شجرة جيدة أن تثمر ثمراً رديئاً...". وفي 15: 13 قال يسوع: "كل غرسة لم يغرسها أبي السماويّ تُقلع". وتدلّ النار والفأس على الدينونة الأخيرة، على حكم لا استئناف فيه. ويشدّد النصّ على لفظة "إدي" منذ الآن. "منذ الآن الفأس على أصلِ الشجرة". مع يوحنا المعمدان ومجيء المسيح القريب، تتمّ الدينونة "منذ الآن" ضد أبناء اسرائيل. وهنا أيضاً لا يمثّل الثمر الجيّد ممارسات خاصّة يرضى عنها الله، بل تصرّفاً إجمالياً لدى الإنسان الذي عاد إلى ربّه تائباً توبة لا غشّ فيها.

2- أنا أعمّدكم بالماء (3: 11- 12)
هذا هو القسم الثاني من كرازة يوحنا المعمدان (رج مر 1: 7- 8؛ لو 3: 15- 18؛ يو 1: 24- 28). فيه نجد تدرّجاً واضحاً من مر إلى مت، ثم إلى لو ويو، في طريقة التمييز بين عماد يوحنا وعماد يسوع. في مر أعلن المعمدان المسيح وعماد الروح القدس. أما مت فشدّد بشكل بارز على خضوع يوحنا ليسوع. وطرح لو السؤال بشكل واضح: أما يكون يوحنا المسيح (آ 15)؟ وراح الانجيل الرابع أبعد من لو، فأطال الكلام على هذا التمييز. وإذ تحدّثت الأناجيل الثلاثة عن المسيح على أنه ذاك الذي "يأتي" (ارخوماي)، قال يوحنا: "يقف في وسطكم" (1: 24- 28).
إن هذا التطوّر في النصوص هو ولا شكّ صدى لجدالات حصلت بين التفسير المسيحيّ لخدمة يوحنا والتفسير المسيحاني في فم المتشيّعين للمعمدان. ففي بنية مت، يجب أن نفهم هذه المقطوعة كتصحيح جدالي لما قيل في المقطوعات السابقة: أعلن يوحنا الملكوت وعمّد، ولكنه لم يكن المسيح. ويبقى العبور من آ 7- 10 إلى آ 11 غير واضح. إن يوحنا يعمّد الآن أولئك الذين بدوا من قبل وكأنهم يرفضون العماد. من يعمد يوحنا؟
"أعمّدكم بالماء للتوبة" (آ 11). تبدو آ 11- 12 مطبوعتين بطابع نشيد شعري. ونحن نستطيع أن نكتبهما في بيتين، وكل بيت يتضمّن أربعة أشعار يشتمل كل منها توازياً نقائضياً. "إغو من" (أنا فأعمّدكم)... "هو دي" (أما ذاك الذي يأتي بعدي) (آ 11). "كاي (وينقّي بيدره)... "كاي" (ويجمع قمحه) (آ 12). هل نحن أمام نشيد مسيحيّ قديم؟ بل نحن أمام نهج تعليميّ عرفه التقليد الشفهيّ.
نقرأ "هيماس" (أنتم- أنا أعمّدكم أنتم) في بداية آ 11، فنرى أنه لا يتوافق مع آ 7- 10، حيث بدا يوحنا يرفض العماد للفريسيّين والصادوقيّين. لا شكّ في أن هذا الضمير يدلّ على حلقة أوسع من هاتين الفئتين. يدلّ على معمّدين لا نعرف هويّتهم. فإن مت ما توخّى أن يعدّد عدد المعمّدين على يد يوحنا، ولا نوعيّتهم، بل أن يحدّد على مستوى التعليم موقع هذا العماد بالنسبة إلى يسوع.
لا نعود إلى ما قلناه في الفصل السابق عن عماد يوحنا وارتباطاته بالمؤثّرات التي حوله (3: 1- 6). ولكننا نفهم أن مت يذكر بوضوح الماء والروح بواسطة حرف الجرّ "إن" (في). يعمّدكم في الروح وبالروح (الذي يصبح أداة). يعمّدكم في الماء فتُغسلون بالماء التي تغرقكم في الموت لتقوموا بعدها إلى الحياة. ويحدّد الإشارة إلى الماء بذكر التوبة أو الارتداد (ميتانويا). عماده هو عماد استعدادي، وهو يفرغ الإنسان من كل اعتداد دينيّ (نحسب نفوسنا أهلاً لهذه الهبة. ولكنها مجانيّة). وهكذا تصبح موهبة الروح ممكنة. ليست التوبة هدف العماد. فالعماد يشكّل الختم، وبالتالي البرهان على التوبة.
إن عبارة "يأتي بعدي" معروفة في العهد القديمة والعالم اليهوديّ: فهي لا تشير فقط إلى تسلسل كرونولوجيّ (واحد قبل الآخر)، بل تتحدّث عن تبعيّة وخضوع كما في الوفود الرسميّة (هناك أول وثانٍ). الذي يأتي (ارخومانوس) ليس فقط شخصاً وُعدّ به الناس. إنه آتٍ. قد بدأ مسيرته إلينا. ارتدت هذه اللفظة رنّة مسيحانيّة (11: 3: أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر، آ 14: المزمع أن يأتي). ونحن نجدها أيضاً في الهرماسية والمندعيّة في حديثهما عن المخلّص المنتظر. وفي العهد الجديد، المسيح هو ذلك الذي يأتي، الذي أتى (يو 10: 10: أنا أتيت لتكون لهم الحياة).
إذن، تتضمّن هذه الآية مفارقة واضحة. فعكس ما اعتاد الناس أن يروا، ذلك الذي يأتي بعد يوحنا هو أقوى من يوحنا. ويوحنا هو المنادي، هو السابق فقط. نجد كلمة "اسخيروتيروس" (أقوى، أفعل التفضيل) في الأناجيل الإزائية الثلاثة (رج 12: 29؛ اكور 1: 25)، كما نجدها مراراً في السبعينيّة. تطبّق على الألوهيّة وترتدي معنى "مهيب، رهيب"، "ما يقرّر مصير الإنسان". هذا ما نقرأه بشكل خاصّ في عبارة "الله عظيم رهيب" (دا 9: 4؛ إر 32: 18). وفي مزامير سليمان (ف 17) تطبّق هذا اللفظة بشكل دائم على الملك الداوديّ المنتظر: "أنظر أيها الربّ، وأقم لهم ملكهم، ابن داود، في الزمن الذي تعرفه أنت يا الله ليملك على اسرائيل عبدك، ومنطقه بالقوّة (اسخيس) ليحطّم الأمراء الظالمين... يكون نقياً من الخطيئة ليحكم الشعوب الكثيرة، ويوبّخ الرؤساء ويدمّر الخطأة بقوّة كلمته... بقوّة وعدالة".
امتلك ابن داود كما تحدّثت عنه مزامير سليمان، القوّة. أما مسيح الأناجيل فامتلك السلطان: "لست أهلاً". تأتي الصفة "هيكانوس" (أهل، كاف، مستحقّ) دوماً مع النفي في العهد الجديد (8: 8: لست بأهل؛ 1 كور 15: 9؛ لست أهلاً لأن أدعى رسولاً؛ 2 كور 2: 16؛ 3: 5). عبرّت هذه الصفة في العهد القديم عن مخافة الإنسان أمام الله الذي يكشف عن ذاته (أش 40: 16). وهكذا، يصبح يوحنا بالنسبة إلى المسيح، لا ذاك السابق المستقلّ، ولا رفيق العمل، بل الخادم الذي يرتبط بسيده ارتباطاً حميماً، لأنه يفتتح زمن التوبة والغفران الذي هو زمن المسيح (11: 11- 12).
إن العبد يحلّ سيور حذاء سيّده (مر، لو)، عمل نعلَي سيّده (مت)، بل يأخذهما بعد أن يخلعهما السيّد (كما يقول يوسيفوس). عُرفت العبارة والصورة في العالم القديم فدلّت على علاقة السيّد بالعبد. ولكن العبد هنا يشارك في عمل سيّده.
يوحنا يعمّد ويسوع يعمّد. كلاهما ينتميان إلى ذات الزمن الحاسم في تاريخ الخلاص. ولكننا لا نجد المعنى الواحد في عماد كل منهما. نلاحظ أن مت لم يعطِ يوحنا العماد لمغفرة الخطايا كما فعل مر 1: 4 ولو 3: 3 ب. فعماد النار والروح هذا ليس عماد الغطس الذي يرافقه الروح والنار، بل العماد الذي هو موهبة الروح. أما هذه النار فرأى فيها الشرّاح تلميحاً إلى نهر النار (دا 7: 10) الذي فيه ألقي "الحيوان". بل نحن بالأحرى أمام النار المنقّية التي تحدّث عنها الأنبياء. قال ملا 3: 2: "من ترى يحتمل يوم مجيئه، ومن يثبت عند ظهوره؟ فهو مثل نار الممحّص وكصابون القصّار". وقال زك 13: 9: "أدخل هذا الثلث في النار، واصهره صهر الفضّة، وامتحنه امتحان الذهب". إذن، نعطي حرف العطف (الواو) المعنى التفسيريّ، لا المعنى العاطف. فنقول: بالروح أي النار. ولا نقول: بالروح ثم بالنار، فالروح هو نار محرقة.
"بيده المذرى" (آ 12). نجد هذه الآية في مت ولو، ولا نجدها في مر. فموضوع التنقية والدينونة يتوضّح ويتوسّع، فلا يترك مجالاً لطمأنينة أو تعزية. فبعد الفأس في آ 10، تأتي المذرى. وهناك "المسبّق" "ديا" (دياكاتاريزو)، الذي يفهمنا أن العمل سيعمل حتى النهاية. وأن ما على البيدر سيذرّى كله، ويفصل القمح كله عن التبن. يُرمى القمح في الهواء، يُجمع الحبّ في الأهراء، ويُحرق التبن حالاً.
تعود بنا النار التي لا تنطفىء (اسبستوس) إلى أش 34: 10 (لا تنطفىء ليلاً ولا نهاراً، ودخانها يصعد مدى الأيام) وإر 7: 20 (ينصبّ غضبي... فيتقد ولا ينطفىء). هي النار الأبديّة كما نقرأ مثلاً في مت 25: 41 (إذهبوا يا ملاعين إلى النار الأبديّة). هذه النار هي نار جهنّم، لا النار المنقيّة التي تصهر الفضة والذهب. وقد لا يكون لها دور المنقّي في العالم الآخر من أجل خلاص يشمل جميع البشر في مجيء المسيح الثاني.
حين نقابل هذه التهديدات المظلمة مع تلك التي نجدها في نصوص الاسيانيين، نلاحظ أولاً أنها تتوجّه إلى الجميع. أما في قمران فتتوجّه فقط إلى أعداء شيعة قمران. فالجماعة المقدّسة هي بمنأى عن الدينونة. ونلاحظ ثانياً أن المعمدان لا يجمع حوله فرقة صغيرة من المخلّصين. بل هو يرسل تلاميذه إلى المسيح. نلاحظ ثالثاً أن المعمدان يتحدّث عن نار منقيّة، لا عن نار تهلك الخطأة كما في قمران.
3- قراءة إجمالية للنصّ الانجيليّ
نتوقّف هنا عند التنظيم الأدبي، عند العمل الأساسيّ، عند الوجهة التاريخيّة.
أ- التنظيم الأدبي
الوضع الأساسيّ للمعمدان ووضع الديّان الآتي يختلفان اختلافاً جذرياً: فالأول لا يستحقّ أن يكون عبد الآخر. والثاني هو أقوى من الأول. ومع ذلك، فيوحنا المعمدان ليس نبياً وحسب بنوع الحياة التي يعيشها (اللباس، الطعام). بل هو أيضاً النبيّ الذي دلّ عليه أشعيا ليعلن الحقبة النهائيّة، حقبة التحرير والخروج والخلق. وهو أخيراًَ قريب جداً من إيليا الذي ينتظر الناس عودته من أجل تدشين ملكوت السماوات. والكاتب يماهي بين يوحنا المعمدان وإيليا الذي سوف يأتي (11: 14).
وهذا التدرّج في الألقاب النبويّة الذي يحمل كل الانتظار الاسكاتولوجي للعهد القديم، يجعل من شخص "رجل البرية" حامل كل هذا الانتظار، بحيث لم يخرج في تاريخ الخلاص من هو أعظم منه بين أبناء النساء (11: 11). ولكنه هو لا يرى نفسه أهلاً بما فيه الكفاية لكي يكون عبداً لذلك الآتي. هل هذا إعلان تواضع؟ مثل هذه الفضيلة ليست غريبة عند مثل هذا الرجل. ولكن يجب أن نرى في هذا الكلام إعلاناً من النوع اللاهوتيّ الذي يشدّد عليه الانجيلي، بانتظار أن يكتب في ما بعد: الصغير في ملكوت الله أعظم من يوحنا المعمدان (11: 11).
الديّان الذي يأتي هو أقوى، هو الأقوى، لأنه الله. وتنفيذ الدينونة الأخيرة يعود إلى الله وحده. نحن هنا في خطّ النصوص النبويّة التي ترسم خلفيّة غنيّة للخبر الانجيلي. إن مجيء هذا الديّان الذي يمتلك قدرة إلهيّة يترافق مع مجيء ملكوت السماوات، ومع مجيء الغضب أو الدينونة في بعدها السلبيّ. هو يأتي إلى بيدره الذي يخصّه، كما جاء يوحنا إلى برية يهوذا التي لا تخصه. كل شيء يخصّ الديّان: هذه الحجارة والطريق والروح القدس والنار، أبناء ابراهيم والقمح.
مهما عظمت ألقاب يوحنا المعمدان، فهو يبقى إنساناً. أما قدرة ذلك الذي يأتي فتدفعنا إلى أن نرى فيه لا شخصاً اسكاتولوجياً وحسب، بل كائناً إلهياً أيضاً. وهذا الديّان هو يسوع المسيح.
بدا وضعُ يوحنا مختلفاً عن وضع يسوع، ولكن الوضعين لا يتعارضان. أما التعارض التام فهو مع الفريسيين والصادوقيين. هاتان الفئتان اللتان انفصلتا الواحدة عن الأخرى، في الحياة اليوميّة والسياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة، قد صارتا في نظر يوحنا مجموعة واحدة مميّزة عن الجموع: فالجموع تتقبّل بشكل خاص النبيّ ونشاطه في الدعوة إلى التوبة، تتقبّل كلامه والطقس الذي يمارسه فتدلّ على أنها تائبة. أما الفريسيون والصادوقيون فلا يدلّون في موقفها على قبول للمعمدان ولا لكرازته: هم لا يأتون إليه بل إلى معموديّته (وكأنها حرز يقيهم من الشّر). تأثّروا بتعليم آخر يدعوهم إلى التهرّب من الدينونة لأنهم أبناء الشعب المختار، أبناء ابراهيم. فما وصلوا إلى مرحلة التوبة.
لا شكّ في أن الفريسيين والصادوقيين هم أبناء أب هو ابراهيم. ولكنهم أبناؤه بصورة جسديّة: لهذا يسمّون نسل الأفاعي أي الكفّار الجاحدين (مز 140: 48). فأبناء إبراهيم الحقيقيون ليسوا أولئك الذين أعطوا له بالجسد، بل أولئك الذين أعطاهم الله له. وأبوّة ابراهيم ليست عنصراً مطلقاً يستقلّ كل الاستقلال عن الله. هي أبوّة نالها من الآب السماويّ. والفريسيون والصادوقيون، مهما كان تفكيرهم، لا ينتمون إلى هذه البنوّة التي يتقبّلها المؤمن من الله. بل هم تحت تأثير أب آخر هو إبليس كما يقول يو 8: 37- 44.
إذا كان هناك أبناء وأبناء لابراهيم، فهناك شجرة وشجرة. فكلها لا تثمر ثمراً جيداً. وكل شجرة عقيمة تصيبها اللعنة مثل تلك التينة على طريق أورشليم (21: 18- 19). وهذه الأوضاع المغايرة تجد صورة عنها في الحنطة والتبن اللذين لا يجتمعان أبداً معاً.
نحن ننتقل من التبن الذي يُحرق في النار، إلى الشجرة التي لا تحمل ثمراً فتُقطع وتُلقى في النار. وننتقل كذلك من حبّة الحنطة إلى ثمرة صالحة في الشجرة. وننتقل من ثمرة التوبة إلى الجموع التي تعترف بخطاياها لأنها تشكل الأبناء الذين أعطاهم الله لابراهيم. وقد نستطيع أن نقرّب بين الشجرة التي تقطع وتُحرق ومجموعة الفريسيين والصادوقيين. فوضعهم الأخلاقيّ الحاليّ الذي يرفض الاعتراف بالخطايا، يهيّئهم ليكونوا مثل هذه الشجرة الرديئة، بعد أن صار انتماؤهم إلى ابراهيم موضوع تساؤل.
ب- العمل الأساسيّ
ما قلناه حتى الآن يساعدنا على إدراك العمل الأساسيّ في هذا المقطع. كما يُبرز دور يوحنا المعمدان الذي يحاول أن يداوي عدم التوبة فيلتقي بمعارض سّري، بشخص يعمل في الخفاء. هذا "الشخص" يبعد الناس كما يبعد الفريسيين والصادوقيّين عن الاقرار بالخطايا لكي ينجوا من الغضب الآتي، من دينونة النار والهلاك. "من أرشدكم، من علمكم" لكي تهربوا؟
إن عمل يوحنا المعمدان يجد ما يعارضه، لا في مواجهة مكشوفة، بل بشكل خفيّ وغير مباشر في القلوب. هو يدعو الناس لكي يرفضوا التوبة ساعة وصلت الفأس إلى أصل الشجرة. هنا نتذكر أول مأساة في البشريّة: دلّت الحية حوّاء أن لا خوف عليها إن هي أكلت من الثمرة المحرّمة. فالذين تبعوا مشورتها صاروا من "نسل الحيّة" (تك 3: 15)، صاروا "نسل الأفاعي". وجاءت وسيلة أخرى تعارض التوبة: بنوّة ابراهيم كضمانة مطلقة للتهرّب من الغضب. هذه الطريقة في تفسير نعمة الاختيار، تشبه طريقة إبليس حين استعمل الكتب المقدّسة ليوقع يسوع في التجربة (4: 1- 11).
تجاه هذا التعارض، ما الذي يسند عمل يوحنا المعمدان؟ أولاً، ختمُ الله لرسالته ووعيه لهذه الرسالة. ثانياً، قوة شهادة حياته، قدرته النبويّة ليقرأ في القلوب، ولا سيّما في قلوب الفريسيّين والصادوقيّين. ثالثاً، قدرته في أن يقرأ "في تلك الأيام" الاستعدادات الإلهيّة بالنسبة إلى نهاية الأزمنة، إلى "أسرار" الملكوت، إلى مجيء "الأقوى" الذي يعمّد بالروح القدس والنار. رابعاً، البرية التي هي الموضع الأخير لتجمّع يقود المؤمنين إلى انطلاق في خروج نهائيّ نحو مياه الأردن من أجل معموديّة التوبة. حين استند عمل المعمدان إلى كل هذا، قاد الجموع للاعتراف بخطاياها، وأدخلها في تهيئة طريق الربّ الذي يأتي مع ملكوته، وساعدها على أن تثمر ثمراً جيداً، هو الحنطة التي تدخل في أهراء ربّ البيت.
ج- الوجهة التاريخيّة
إذا تطلّعنا إلى الأمور من الوجهة التاريخيّة، فالإعلان عن العماد المسيحيّ بالروح القدس في فم المعمدان، يبدو سابقاً لأوانه. ولكن حين ذكره الانجيلي، فهو لم يخلق شيئاً جديداً لأنه وجده في تقليد الإزائيين والتقليد اليوحناوي. إن التقليد العمادي ينتمي ولا شك إلى ما قبل الإزائيين. ومهما يكن من أمر، فنحن هنا أمام تضمين. بدأت رسالة يسوع في الحديث عن العماد وانتهت بنداء القائم من الموت: "عمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (28: 19).
نجد صفة "القدس" التي تُعطى للروح (آ 11) الذي هو الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس. يرى الشرّاح أن هذه الصفة لم تكن موجودة في التقليد القبل إزائي. وهناك مخطوطات عديدة تغفلها. في الأصل نحن أمام معمودية "في الروح والنار". والروح يدلّ على النسمة أيضاً. وهكذا فالعماد في الروح والنار. لم يكن يلمّح في البداية إلى العماد المسيحيّ، بل إلى عمل الديّان الاسكاتولوجيّ الذي يخضع اللاتائبين لهاتين المحنتين (كما في العهد القديم).
محنة الروح معروفة ونحن نجدها في أش 11: 4: "يميت الأشرار بنفخة (بروح) من شفتيه". ويقابله مز 33: 6: "بكلمته صُنعت السماوات، وبنسمة من فمه كل أفلاكها". ونقرأ كلام بولس في 2 تس 2: 8: "ينكشف رجل المعصية فيقضي عليه الربّ بنَفَس من فمه ويبيده بضياء مجيئه". أما هنا في مت فنسمة العقاب الاسكاتولوجيّ تفصل بين التبن الذي يذهب إلى البعيد والحنطة التي تبقى على أرض البيدر.
ومحنة النار معروفة مثل محنة الروح. لمّح مت إليها مراراً في 13: 40 (يُجمع الزؤان ويحرق بالنار)، 42 (يلقونهم في أتون النار)، 50 (يلقونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصريف الأسنان)؛ 25: 41 (إذهبوا يا ملاعين إلى النار الأبديّة). أما هنا، فالنار الاسكاتولوجيّة تحرق الشجرة التي لا تعطي ثمراً جيداً (ثمر التوبة) والتبن الذي لا نفع منه تجاه الحنطة.
نلاحظ أن يوحنا المعمدان لا يعلن إلا للفريسيين والصادوقيّين هذا العماد المحفوظ لهم: "هو يعمّدكم بالروح القدس والنار". فالنار تُحفظ فقط للاتائبين. والتماهي بين اللاتائبين والفريسيين والصادوقيين (في مت) يطرح سؤالاً على مستوى النقد التاريخيّ. ففي نظر الانجيلي، تمثّل هاتان الفئتان الرؤساء الدينيّين في اسرائيل وخصوم يسوع وخصوم كنيسته الأولى (16: 1، 6، 11، 12؛ 22: 34). هذان المعطيان يجدان أساساً قوياً في التقليد الانجيلي، ولذلك لم يستنبطهما الانجيلي بل قرأ بداية الانجيل على ضوء حياة يسوع وخصوصاً مع هؤلاء الخصوم، كما على ضوء حياة كنيسته التي تألّمت كثيراً منهم فكانت لها هذه الصرخة المؤلمة: "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون"!
منذ بداية الحقبة الاسكاتولوجيّة، رفض اسرائيل القديم في شخص رؤسائه، الفرصة الأخيرة للتوبة التي قدّمت لهم في عماد يوحنا. فعماد الماء هذا اختلف عن عماد اليهود وعماد جماعة قمران، فدلّ على النداء الأخير إلى التوبة قبل إقامة ملكوت الله الذي اعتبر قريباً. فمن رفض هذا العماد، رفض أن يقرّ بخطاياه، فنال عقاب الروح والنار.
في هذا المنظار، لا مكان لزمن الكنيسة الذي هو ملكوت الابن والتدبير المسيحي للخلاص. وشكُّ يوحنا حول هويّة يسوع المسيحانيّة والاسكاتولوجيّة (11: 3). صار مفهوماً في نظرته هو. والكنيسة الأولى ستحوّل هذا الاتجاه فتجعل من الروح النسمة، الروح القدس. وهكذا يأتي الأقوى فينقّي (ولا يعاقب) الإنسان تنقية جذرية في ديناميّة سرّ المعمودية الذي هو أول أسرار الكنيسة.

خاتمة
ماذا نقول عن وضعنا المسيحي؟ هو يختلف من الخارج عن وضع سامعي يوحنا المعمدان. فالأقوى، يسوع، قد أتى، مات وقام، وهو معنا كل الأيام، وقد عمّدنا في الروح القدس. ولهذا، فأصغر واحد منا أعظم من السابق.
وإذا عدنا إلى الداخل، نجد أن وضعنا قريب من وضع الناس الذاهبين إلى البريّة في موقف تائب. نعترف بخطايانا لا في عماد الماء، كما في أيام يوحنا، بل في امتداد عماد الروح الذي يرافقنا كل أيام حياتنا وحتى ساعة موتنا.
وإذا بدت الدينونة الأخيرة بعيدة عنا، فنحن نعرف أن يومنا، أن حياتنا اليوميّة وعملنا اليوم، كل هذا يدخلنا في عالم الدينونة: إن اعترفنا بخطيئتنا أم لم نعترف. إن كنا أبناء حقيقيّين لابراهيم أم لا. إن أثمرنا ثمراً أو كنا عقيمين. إن كنا حنطة جيّدة أو تبناً خفيفاً تذرّيه الروح في كل مكان. كل هذا يهيّئنا كل يوم للدينونة الآتية، لملكوت الله الذي بدأ مع يسوع وسوف يمتدّ ليجمع في شخص يسوع كل ما في السماء وما على الأرض.
الفصل الثالث عشر
عماد المسيح
3: 13- 17

يورد هذا النصّ عماد المسيح، ويَسبقه إعلانٌ ليوحنا المعمدان يشير إلى المسيح الذي جاء يعمّد في الروح. سندرس النصوص الإزائية الثلاثة (3: 13- 17؛ مر 1: 6- 11؛ لو 3: 15- 21)، فنبدأ بالإشارات الجامعة ثم نعود إلى كلّ إنجيل بمفرده مشدّدين على إنجيل متّى.

1- التقليد السابق للتدوين الإزائي
أ- إعلان يوحنا المعمدان
كان يوحنا المعمدان يكرز ويعمّد. يقول "المعين" القديم الذي استعمله مت ولو، إنه أعلن اقتراب الدينونة الاسكاتولوجيّة: "الغضب الآتي سيصيب الخطأة". هذه الدينونة هي محطّة سابقة لإقامة الملكوت من أجل الأبرار. لهذا دعا يوحنا سامعيه إلى الارتداد والتوبة. والجواب الملموس على هذا التعليم يكون في تقبّل العماد: غطسٌ في مياه الأردن بحضور يوحنا، بشكل يشبه بعض الشيء ما كان يفعله العالم اليهودي من أجل تطهيره. وهذا الغطس الخارجي كان يدلّ "أمام الناس" على إرادة تطهير داخلي بانتظار مجيء الرب.
في هذا السياق يرد إعلان مر ولو، وفيه يجعلنا السابق نستشفّ المسيح الآتي وكرامته السامية ونشاطه "العمادي" الخاص.
"إنه يأتي". هو مرسل الله الأخير، هو أقوى من المعمدان بشكل لا محدود. هو "يتصرّف" بالروح القدس. يعني (حسب العقلية البيبلية المعروفة) قدرة الله بالذات. نجد هنا لفظة "اسخيروتيروس": الأقوى. أفعل التفضيل (اسخيروس). اللفظة المستعملة هنا غير التي نجدها في معرض حديثنا عن المعجزات (ديناميس)، حيث أعمال يسوع تدلّ على قوّة الله. نجد لفظة "اسخيروس" في 12: 29 وز، لتدلّ على حرب يسوع وانتصاره على إبليس وملكه. يسوع هو الأقوى. إنه يطرد الشياطين بروح الله: هذه هي علامة مجيء ملكوت الله.
وعماد يسوع يتجاوز عماد يوحنا، مثل ما يتجاوز عمل الله نشاط البشر، مثلما يتجاوز الروح القدس عنصراً مادياً هو الماء.
وكرامة هذا الشخص السامية، وسمّوه المطلق، يرسمهما الإنجيلي في صورة شعبيّة: فالسابق لا يشعر تجاهه أنه يستحقّ أن يقوم بعمل عبد وضيع، أن ينحني عند قدَمي سيده ليحلّ له سيور نعليه.
"هو يعمّد". لا تستعمل هذه اللفظة هنا (كما في مت ولو، مع سياق اكساتولوجي أولاني) إلا عن طريق الاستعارة: فالذي يأتي يمارس نشاطاً يشبه نوعاً ما نشاط السابق. فكما أن العماد الغسلي يطهّر الأجساد ويلغي الأوساخ المادية، كذلك يأتي المسيح فيطهّر شعب الله ويزيل منه الأوساخ الأدبية. وبشكل لعملي، هو يهلك الخطأة. وهكذا يحقّق الدينونة الاسكاتولوجية التي يشير إليها السياق كله.
إنه يعمل "بالروح القدس"، بالقوة المقدّسة التي في يده. هكذا يكون فاعلاً أكثر من السابق مع طقسه الرمزي (أنا أعمدكم بالماء).
"وبالنار". غابت هذه اللفظة عن مر، فانتمت بشكل أكيد إلى المضمون الأول لإعلان المعمدان. إن الإشارة إلى النار ستعود أيضاً مرتين في السياق المباشر (في مت ولو): نار تحرق التبن على البيدر (3: 12؛ لو 3: 17). نار تحرق كل شجرة لا تعطي ثمراً صالحاً (3: 10؛ لو 3: 9). صورٌ متقابلة ذات أصل نبويّ، تدلّ على العقاب التام الذي يفني الخطأة الذين يرفضون أن يتوبوا. "معمودية الروح والنار". تعني في هذا السياق القديم: دينونة قدرة الله وعقابه.
إذن، لا يعلن المعمدان عماد المسيح (ولا العماد المسيحي إلا في قراءة ثانية). ما يعلنه في الدرجة الأولى هو طقس ماديّ محض، طقس رمزيّ، هو عماده. وتقابله دينونة هائلة سيمارسها المسيح الآتي بكل قدرته الإلهيّة.
إن التعارض بين "عماد الماء" و"عماد الروح" الذي نقرأه هنا (مت، لو) في سياق مسيحيّ أصليّ، يعلن موضوعاً تقليدياً جداً. نجده في عدة مقاطع من العهد الجديد، وفي قرائن مختلفة مع تطبيقات متنوّعة: مت 3: 11؛ مر 1: 8؛ لو 3: 16؛ يو 1: 26، 33؛ أع 1: 5؛ 11: 16. في الأناجيل، تَصدر العبارة عن يوحنا المعمدن. في أع، يلتفّظ بها يسوع. عند مت ولو، يشير عماد الروح إلى الدينونة الاسكاتولوجية. أما في مر ويو، فهو يعني الطقس الاسراري للعماد المسيحي. وفي أع، نحن أمام فيض الروح القدس (فيض مباشر لا أسراري) إما في حدث العنصرة (2: 5)، وإما في ارتداد كورنيليوس، الضابط الروماني (11: 16). إذن، استُعمل الموضوع بحرّية تامة. وفي قمران أيضاً، انتظر الناس "معمودية" اسكاتولوجية، معمودية روح النقاوة والحقيقة والقداسة، مقابل الاغتسال الطقسي اليومي على مستوى الشيعة.
ب- عماد المسيح
في الأصل، صوّر الخبر المشهد بشكل بسيط جداً، وفي مرحلتين. الأولى: مسعى يسوع الذي جاء إلى السابق واقتبل صنه الطقس العمادي. الثانية: التيوفانيا أو ظهور الله. وهو يتضمّن حلول الروح على يسوع. أقوال وجّهها الآب لابنه. ويبدو أن مر احتفظ بالمضمون الأولاني للمعطى التقليدي أفضل من مت ولو.
أولاً: مسعى يسوع
يقول الإزائيون الثلاثة إن كرازة يوحنا المعمدان اجتذبت عدداً كبيراً من السامعين. فاليهود الذين جاؤوا يقتبلون عماده كانوا كثيرين. ويسوع نفسه جاء يتقبّل هذا الطقس الذي أعلن الحقبة الاسكاتولوجية. وسنرى يسوع مرات عديدة مهتماً بأن يدلّ على أن رسالته تواصل رسالة السابق (4: 12- وز؛ 11: 11 ي وز؛ 17: 12- 13 وز؛ 21: 25 ي وز).
بعد هذا، سوف ترى التقوى المسيحية في فعلة المخلّص الآتي إلى "عماد التوبة" كما يمنحه يوحنا، عملاً يدلّ على تضامن يسوع مع الخاطئين. لا شكّ في أن النصوص التي بين أيدينا لا تصل إلى هذه الدرجة. هي لا توضح نيّة المسيح في ذلك الوقت. إنها تورد مسعى يسوع في بضع كلمات. وهذا المسعى يُذكر فقط بالنسبة إلى التيوفانيا التي ستعطي هذا المسعى بُعداً مختلفاً كلّ الاختلاف، ومعنى جديداً بالنسبة إلى كل عماد آخر تقبّله الناس حتى ذلك الوقت.
ثانياً: التيوفانيا
تمت التيوفانيا ساعةَ صعد يسوع من الماء (مت، مر). قد تستلهم هذه الكلمات يش 4: 19: "صعد الشعب من الاردن" ساعة الدخول إلى أرض الموعد (وهو حدث يوازي عبور البحر الأحمر، يش 4: 23). جاء المسيح إلى الأردن (مت، مر) فنال الروح القدس، وأعلن ابن الله. وهكذا بدا كممثّل لشعب الله الحقيقي. بعد هذا الحدث، تأتي تجربة يسوع التي تُروى على خلفيّة تجربة الشعب في البرية. والعلاقة التي توحي بها نصوصنا بين عماد يسوع والعماد المسيحي تتضمّن أيضاً هذه النظرة إلى المسيح الذي يُمثّل شعب الله.
إن النصوص التي تتحدّث عن المعموديّة، تحتفظ بسمات تميّز الاسلوب الجلياني، بسمات قد تعود إلى الخبر الأولاني للحدث: انفتاح السماوات، حلول الروح القدس بشكل ملموس. "رؤية" (أي: ما رآه يسوع) يسوع، عودة إلى إنشاء محفوظ للاتصالات السماويّة. في الواقع، إذا عدنا إلى المضمون، ترتبط التيوفانيا بهذا النوع من مشاهد "الوحي" (أو: الكشف) التي تكشف بشكل احتفالي مخطّط الله السري حول تحقيق الخلاص في نهاية الأزمنة. ويتضمّن هذا الفن الأدبي بشكل عادي أموراً مدهشة، وصوراً مصطنعة تمثّل بشكل ملموس وجهة متعالية من تدخّل الله.
وإذ رجعنا إلى التفاصيل، توقفنا عند "الرؤية" برنتها الجليانية (دا 7: 1- 2؛ 8: 1- 2؛ لو 1: 11، 22؛ أع 7: 55؛ 11: 5؛ 26: 13- 16؛ رؤ 1: 12، 17، 19). ثم عند انفتاح السماء "والرؤية" (حز 1: 1؛ يو 1: 51؛ أع 7: 56؛ 10: 11؛ رؤ 4: 11؛ 19: 11. هذا عدا عن النصوص المنحولة). وهناك نزول الله أو نزول كائن سماويّ في نصوص ذات لون جلياني (عد 11: 25؛ ودا 4: 10: 20 حسب تيودوسيون؛ مت 28: 2؛ 1 تس 4: 16؛ رؤ 3: 12؛ 10: 1؛ 18: 1؛ 20: 1؛ 21: 2، 10). وهناك "صوت" من السماء في حز 1: 28؛ دا 4: 28؛ مت 17: 5 وز؛ يو 12: 28؛ أع 11: 9؛ رؤ 10: 4، 8؛ 14: 13. وأخيراً "رضى" الله في إطار "وحي". مت 11: 26 وز؛ غل 1: 15؛ رج دا 9: 23؛ 10: 11، 19؛ مت 13: 11؛ 16: 17؛ لو 1: 28، 30؛ 2: 14؛ 12: 32. و"ابن الله" هو موضوع وحي (مت 16: 16- 17؛ غل 1: 15؛ رج مت 11: 25 ي وز؛ 17: 5 وز؛ 1 تس 1: 10).
في الشكل الأصلي للخبر، توجّه هذا الوحيُ إلى يسوع شخصياً: فهو الذي رأى السماء تنفتح والروح ينزل عليه (مت، مر)، وهو الذي يناديه صوت الآب (انت ابني، مت ولو).
* مجيء الروح
يعني الروحُ لأناس تغذوا من التوراة، حضورَ الله نفسه يجتاح بشكل خارق أحد المختارين فيملأه بالقوة والحكمة وكمال العطايا السامية من أجل رسالة خارقة ومهمّة. وفي خط أش 42: 1 (في خلفيّة النصّ الذي ندرس)؛ 61: 1 (يرد في لو 4: 18 مع عودة إلى المعمودية على ما يبدو)، يرى يسوع قبضة الله وعونه القدير يحلاّن عليه ويرسلانه الآن ليعلن البشارة وينشر علامات الخلاص. إنه ينال رسالته بشكل احتفالي، ينال تولية مسيحانيّة.
* القول السماوي
يتضمّن القول الآتي من السماء اختلافات بين إنجيل وأخر. استعمل مر ولو صيغة المخاطب المفرد (أنت). أما مت فلجأ إلى صيغة الغائب المفرد (هذا هو). جاء نصّ مت ومر قريباً بعض القرب من أش 42: 1. أما لو (حسب أفضل الشهود) فأورد مز 2: 7: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك". ثم إن هذا القول نفسه يُستعمل في حدث التجليّ بشكل مقولب تقريباً. كل هذه الإشارات تجعلنا نعتقد بأن هذا القول لا يستعيد حرفياً كلمات الله كما وصلت إلى أذن الحاضرين، بل هو تعبير أعيدت صياغته فجاء مرتبطاً بأول تفكير مسيحي (مع عودة منظّمة إلى الكتاب المقدّس)، وهكذا عبّر عن المدلول الذي اكتشفته الكنيسة الأولى في تدخل الله ساعة دخل يسوع على مسرح الأحداث، ساعة بدأ حياته العلنيّة.
إذا عدنا إلى شكل القول الأساسي المعقول (أنت هو ابني الحبيب، عنك رضيت، مر) نرى أنه يدمج ثلاثة نصوص من العهد القديم. يرتبط مع أش 42: 1 الذي هو أول اناشيد عبد الله المتألم. في هذا المقطع الاشعيائي، يدلّ الرب على "عبده" (عابده، المتعبّد له، خادمه): لقد اختاره بمحبّة. وجد فيه مسرّته. منحه روحه ليحمل إلى جميع البشر "إنجيل" الخلاص. وفي المقطوعة الإنجيلية التي ندرس، يشير هذا الاستشهاد الكتابي في بداية حياة يسوع العلنيّة إلى برنامج مسيحانيّ خاصّ سيفرض نفسه عليه حسب مخطّط الله كما أوصت به الكتب المقدّسة: إن يسوع سيكون المسيح، ولكن بشكل عبد الله المتألم. الآن، بدأ الاعلان عن هذا البرنامج. والالحاح على رضى الله ومحبته يدلّ على أن الله هو كافل عبده حتى يسلّمه رسالته.
وهناك نص ثانٍ يذكرنا بهذا القول: أنت ابني الحبيب. إنه المزمور الثاني الذي هو مزمور ملكيّ فسرّه العالم اليهودي تفسيراً مسيحانياً. وإن آ 7 من هذا المزمور تعلن عبارة معروفة عن التبني: في اليوم الذي يولي فيه الله الملكَ وظيفتَه ويجعله ممثّلاً له، فهو يعلنه ابناً خاصاً له (أنت ابني: أنا اليوم ولدتك). وإذ يمسحه بالزيت يعبّر له عن حبّه وعن العون الذي يكفله له والحماية الخاصة التي يؤمّنها له. وفي تطبيق هذه الآية على عماد يسوع، تختفي العلامة الملكية. ولكننا ما زلنا أمام تفويض (تكريس لمهمة سامية، انتداب إلهي) وتفويض مسيحاني (في معنى عام: مهمة خلاص). امتزج هذا النصّ مع أش 42: 1، فأنتقلت الجملة إلى صيغة المخاطب المفرد، وصارت اللهجة حميمة. وحل لقب ابن الله محل لقب عبد الله. لا يُوضح معنى هذا اللقب، ولكنه يُجعل هنا بشكل بارز في إطار احتفالي في ساعة مهمة جداً. وهكذا نستشفّ أن اللقب يشمل سراً. منذ الآن، هو يعبّر عن علاقة حميمة بين يسوع والله ابيه، عن علاقة انتماء يسوع إلى الله الآب.
وهناك نص يترك بصماته على القول الإلهي: تك 22: 2، 12، 16 (حسب السبعينية): إن الصوت الالهي يعلن على ثلاث دفعات تسمية "الابن الحبيب". قد تبدو العبارة طبيعية جداً. فهي تعود في إر 38 (31): 20، كما نجدها في الأدب اليوناني الكلاسيكي. ولكننا لا نشك في أن الإنجيل عاد إلى نص تك 22. فالله طلب من ابراهيم أن يضحيّ له بابنه. وإذا أراد النصّ أن يدلّ على عمق التضحية التي طلبها الله وقبل بها ابراهيم، شدّد على محبة ابراهيم وحنانه تجاه ابن عزيز على قلبه، تجاه ابن وحيد. وفي عماد يسوع ظلّت ذبيحة يسوع في الظل. وكما في المرجعين السابقين، دلّ الالحاح على تعلّق الآب بابنه الحبيب وعلى محبته له، وسيتخذ هذا الالحاح كل قيمته في تفكير أكثر توسعاً. فالله اسلم ابنه عن الخاطئين. هذا هو الوضع في مثل الكرّامين القتلة (مر 12: 6؛ لو 20: 13؛ رج روم 8: 32؛ يو 3: 16؛ 1 يو 4: 9- 10).
إذن، يبدو على المستوى السابق للتدوين الإزائي، أنه يجب أن نفهم الحدث كمشهد تفويض أو تكريس مسيحاني (مع توجيه خاص نحو المسيحانية الاشعيائية). مشهد تفويض مع تشديد على حضور (حميم وقوي) الله على يسوع في رسالته. وامتلأ يسوع من الروح. وهو ابن الله بشكل مميّز. وفي عمل الخلاص الذي بدأ يقوم به، فد طُبع برباط وثيق يوحّده بالله (بالروح، بالآب). إنه ينتمي إلى نظام متسامٍ.
المسيح، ابن الله، صاحب الروح: مثل هذه النظرة إلى يسوع تستبق ولا شك المعرفة التي بها نعرفه بعد أحداث القيامة والعنصرة. ولا نستطيع أن نستبعد كلياً أن هذه المعرفة اللاحقة قد أثّرت على إعادة تفسير حدث المعمودية في الكنيسة الأولى (اختيار العناصر وترتيبها).
ومشهد التجلّي الذي رُوي ولا شك على ضوء الفصح والقيامة، يتّصل اتصالاً واضحاً بمشهد العماد. هو مشهد وحي أيضاً. أعطي هذه المّرة لشهود مميّزين. وتدخّل فيه الآب بكلمات تشبه كلمات العماد فدلّ على يسوع الذي هو المسيح وعبد الله الذي هو النبي وابن الله الحبيب. وذلك في منعطف هام من رسالة يسوع، وهو وقت بدأ الانتباه فيه يتّجه نحو الحاش والآلام.
2- نصّ متّى (3: 13- 17)
عرض مت على التوالي (1) مسعى يسوع الذاهب إلى السابق لينال منه العماد. (2) حواراً بين يوحنا المعمدان والمسيح. (3) التيوفانيا العمادية. إن النقطة الأولى والنقطة الثالثة قد درسناهما وهما تقليديتان. أما الحوار فقد أضيف فيما بعد وهو من تدوين الإنجيلي.
أ- مجيء يسوع
"حينئذٍ ظهر يسوع: أقبل من الجليل إلى الأردن، إلى يوحنا ليعتمد منه" (آ 13).
جاء يسوع من الجليل حيث عاش في الخفاء حتى الآن. والآن "ظهر" (باراغيناتاي، جاء فجأة، أقبل، دخل على المسرح). كان الإنجيلي قد استعمل الفعل عينه في آ 1: "في تلك الأيام ظهر يوحنا المعمدان". هذا الاسلوب يحاكي اسلوب العهد القديم: إن العهد القديم يستعيد مسيرته. والخلاص سوف يتمّ.
"ليعتمد". شدّد مت على نيّة يسوع. فهي ستحرِّك احتجاج السابق، ثم جواب المسيح. هي ستحرّك الحوار في آ 14- 15.
ب- الحوار
"فأخذ يوحنا يمانعه قائلاً: أنا المحتاج أن اعتمد منك... وأنت تأتي إلّى. فأجابه يسوع وقال: دعني الآن أفعل: هكذا يليق بنا أن نكمّل كل برّ (ما ينطوي عليه التصميم الألهي). حينئذٍ تركه" (آ 14- 15).
لا نقرأ هذا الحوار إلا في قط. ونلاحظ بسهولة أنه أضيف على النصّ الاولاني. ونستطيع أن نلغيه دون أن يكون هناك فجوة في النصّ. بل هو يقطع مسيرة الخبر. ونجد في هذا الحوار اللغة الخاصة بمتّى مع فعل "أتمّ"، واسم "برّ". كل هذا يعكس اهتمامات تعليمية خاصة بالإنجيل الأول.
حين أدرج متّى هذا الحوار توخّى هدفين: أولاً: أراد أن يحمي قرّاءه من بعض المآخذ الصادرة عن تلاميذ يوحنا المعمدان: حين. طلب يسوع العماد (عماد التوبة لغفران الخطايا، مر 1: 4؛ لو 3: 3؛ رج مت 3: 6، 11)، أما دلّ وهو من يعتبر مسيحاً، على أنه خاطىء؟ أما برهن أنه أدنى من المعمدان؟ أجاب متّى: كلا، فالسابق أعلن أن يسوع بريء من كل خطيئة فلا يحتاج إلى مثل هذا العماد. كما أعلن أن يسوع هو أقوى منه.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، أدخل الإنجيلي منذ هذا المقطع إعلاناً (خفياً) عن العماد المسيحي، كما تحدّث عن "تتمة" القيم الروحية اليهوديّة بواسطة المسيح: هذا موضوع يميّز الإنجيل الأول.
أراد يوحنا أن يبعد يسوع عن هذه الممارسة. أراد أن يمنعه. تدلّ اللفظة على تأثير العماد المسيحي حيث اتخذت هذه اللفظة قيمة خاصة فدّلت على مانع قانوني، على اعتراض يقود إلى منع العماد عمّن يطلبه (أع 8: 36؛ 10: 47؛ 11: 17).
"أنا الذي يجب أن اعتمد منك". تشدّد الجملة على الاشخاص: أنا... أنت. إن طلبَ يسوع قلبَ الوضع رأساً على عقب. ولهذا تهرّب السابق واحتج لأنه أدنى، لأنه لا يستحق. إن كلمات يوحنا المعمدان لا تتضمّن بالضرورة أنه رأى في يسوع ذاك الذي هو المسيح. ذاك الذي يجب أن يعمّد في الروح (11: 3 وز؛ يو 1: 31، 33).
"دع الأمور، إفعل". إن جواب يسوع يقبل بأساس ردّة فعل يوحنا. وهو يشير إلى الطابع اللاعادي والموقت في انقلاب الوضع. في هذه المرة، لا تعارض، إفعل.
"يليق بنا". عبارة احتفالية. هي لا تدلّ على لباقة بشرية، بل على توافق مع مخطّط الله. فهذا المخطّط يعني السابق كما يعني المسيح. "يليق بنا" كلينا.
"أن نتمّ كل برّ". عبارة متاوية. يدلّ فعل "أتمّ" في الإنجيل الأول على المحافظة (احتفظ، استعاد) وعلى التكملة (أوصل إلى كمال جديد، إلى نجاز سامٍ). فكرة فيها التواصل والتجاوز. إذن، تتمة الكتب التي يتحدّث عنها مت مراراً، تعني تحقيقها على مستوى أسمى. فالإنجيلي يرى أنه يجب أن نشدّد على هذه اللفظة في الجملة التي ندرس.
"البرّ". يدلّ البرّ في اللغة المتاوية (5: 6، 10، 20؛ 6: 1، 33) وبشكل أساسي، على توافق مع قاعدة أخلاقية من الكمال (تعبير عن إرادة الله). حين يمارس الإنسان مثل هذه القاعدة يُسمّى "باراً". وجواب المسيح الآن يرى في عماد يوحنا، مثل هذه القاعدة العمليّة من القداسة. طقس تطهّر نادى به آخر الانبياء وأعظمهم. ولكن هذا الطقس اليوحناوي يجب أن يستعيده يسوع ويرفعه. يجب أن يصبح عماد الماء في الوقت عينه عماد الروح ونقطة انطلاق للعماد المسيحاوي.
إن اتساع جواب يسوع يتجاوز هذه الحالة الخاصّة: "هكذا (بطريقة العمل هذه، وبما يشببها) يليق بنا أن نتمّ كل برّ". إذا أردنا أن ندرك كل ما مثّله "البرّ" في نظر الإنجيلي الأول، نعود إلى النص الرئيسي في 5: 17، 20، في خطبة الجبل. أدخل المعلم هنا سلسلة من التكملات على فرائضه الديانة اليهوديّة. وهكذا أراد أن "يكمّل" الشريعة والأنبياء (آ 17). وهكذ يتفوّق "برّ" (آ 20) المسيحيين على برّ الكتبة والفريسيين. من زاوية البرّ، تطلّع مت هنا إلى مجمل التدبير الديني (اليهودي أو المسيحي) المؤسَّس على ممارسة الشريعة (القديمة أو الجديدة). وحين ألّف إنجيله، أراد أن يدشّن تعليم الربّ ببرنامج واسع من الكمال المسيحي، من برّ الملكوت (5- 7). وعلى عتبة حياة يسوع العلنيّة (كما في النصّ الذي ندرس)، أدرج هذه العبارة البرنامج التي فيها يعلن يسوع انطلاقاً من وضع نموذجي، الهدف الأوّلي لرسالته: إقامة تدبير الخلاص حيث تؤخذ القيم القديمة وتتجلّى بنور العهد الجديد.
"حينئذٍ تركه يفعل". إحتجَّ المعمدان على عدم أهليّته. ولكنه حين عمّد يسوع، خضع لأمره. "تركه يفعل". أي فعل له كما أراد.
وهكذا نرى أن الحوار الذي أدرجه مت في المعطى الأولاني وضمّخه بنظرته اللاهوتيّة، أدرك في الواقع هدفين اثنين: شدّد على سموّ يسوع، وأبرز معنى عمله مستبقاً ما سوف نقرأه في الإنجيل.
ج- التيوفانيا
"فلما اعتمد يسوع، خرج على الفور من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت. رأى روح الله ينزل بشكل حمامة ويحلّ عليه. وإذا صوت من السماء يقول: هذا هو ابني الحبيب، الذي به سررت" (آ 16- 17).
مع أن مت يعتبر يسوع موضوع الرؤية (رأى) والناعم بمجيء الروح، فهو يقدّم القول السماوي في صيغة الغائب المفرد (هذا هو ابني). قد يكون أراد أن يقترب من حرفيّة نصّ أش 42: 1. ولكن في هذه الحالة لا يتوجّه صوت الآب إلى المسيح، بل يدلّ على الشهود. حينئذٍ يغتني المشهد إلى حدّ ما في خطّ إعلان علني وظهور إلهي (يوازي ما في التجلّي). تدخّل الله ليدل البشر منذ الآن على يسوع الذي يحمل الروح، على يسوع المسيح وعبد يهوه، على ابن الآب الحبيب. والوحي على إيجازه يتوجّه إلى شهود الحدث، ومن خلالهم إلى السامعين المقبلين للكرازة الرسولية، وإلى قرّاء الإنجيل. يتوجّه لكي يحرّك انتباههم ويوقظهم إلى كل ما يلقي ضوءاً على المعنى الحقيقي لمسيحانيّة المسيح وبنوّته الإلهية.
نحسّ في تصوير الحدث والتصوير "الملموس" للواقع السماوي الذي يرتبط بالأرض، نحس بإعجاب الراوي (وها إن... وها إن... إذ.. إذ..): انفتحت السموات. نزل الروح منها. فالراوي هو لاهوتيّ أيضاً: فمع عطيّة الروح ودخول ابن الله على مسرح العالم، صار ملكوت السماوات حاضراً على الأرض.

خاتمة
في نهاية الإنجيل يأتي. أمر يسوع بتعويد جميع الأمم مقابلاً لهذا المشهد الأول، مشهد عماد يسوع. وقد يدعو هذا الترتيب القارىء المسيحي ليعود إلى عماد يسوع لكي يفهم على ضوئه العماد "باسم الآب والابن والروح القدس". نحن هنا أمام عبارة قد صيغت بشكل ليتورجي فعكست ممارسة العماد المسيحي مع عودة لاهوتيّة إلى عماد الربّ.
وهكذا، حين أورد مت عماد المسيح، احتفظ بجوهر الحدث الاولاني. ولكنه جعل منه ظهوراً إلهياً على البشر وأرانا فيه أساس العماد المسيحي.
الفصل الرابع عشر
تجارب يسوع
4: 1- 11

يرتبط خبر العماد بخبر التجارب ارتباطاً وثيقاً. من جهة، هو الروح الذي نزل من السماء، بشكل حمامة، يقتاد يسوع إلى البريّة، إلى المحنة التي تدخل في مخطّط الله. ومن جهة ثانية، بدأت التجربتان الأوليان بهذه الكلمات: "إن كنت ابن الله"، فتجاوبت مع صوت الآب من السماء: "أنت ابني الحبيب" (3: 17). وهكذا تظهر قدرة الابن الإلهي واضحة هنا كما في العماد.
رُفع يسوع، أصعد. نحن قريبون من عالم الخيال. أما الصراع بين يسوع وإبليس فيبدو بالأحرى جدالاً بين اختصاصيّين في الكتب المقدّسة. وهكذا يصبح كلام الله العنصر الأساسيّ في هذا الحدث. ثم إن القرّاء الأولين للانجيل عرفوا أسفار الرؤى اليهوديّة المليئة بالانخطافات والأسفار عبر محطات السماء، لهذا لم يُدهشوا حين قرأوا في مت كيف أصعد الشيطان يسوع إلى جبل عالٍ، فأراه ممالك الكون...
المشهد رمزيّ. هذا ما لا شكّ فيه، ولكنه ليس وليد المخيّلة. فأمر يسوع: "إليك عني، يا شيطان" يقابل ما قاله يسوع لبطرس:، إذهب خلفي، يا شيطان" (16: 23). فالرسول الذي دعا يسوع لكي ينجو من "الاستشهاد، صار بدوره مجرّباً و"سبب عثار". فأصدقاء يسوع وخصومه سيحاولون مراراً أن يدفعوا يسوع ليستفيد لنفسه من القوّة الإلهيّة التي تقيم فيه. ولكن حدث البرّية يبدو في بداية رسالة يسوع انتصاراً حاسماً على كل ما يمكن أن نسمّيه "تجربة أو "دفعاً إلى الشّر".
أي معنى نعطيه لهذه التجارب؟ رفضُ مسيحانيّة أرضية. تجارب نموذجيّة في حياة المسيحيّ. انتصار يسوع على تجارب سقط فيها اسرائيل. على تجربة سقط فيها آدم. كل هذا يجتمع في عبارة مكثّفة: "هذه تجربة ابن الله". يسوع هو الخاضع للآب. وهو الذي يقتدي بالآب. وهو المسيح الملكيّ. ووراء جبل التجربة الأخيرة، نرى جبل اللقاء بعد الفصح وسلطان يسوع على الكون كله بواسطة تلاميذه. ففي محنة ابن الله نرى الطريق الذي فيه تسير كنيسة الابن التي خرجت من المعموديّة في خروج جديد، فتذكّرت التجارب التي مرّ فيها يسوع وانتصر عليها، وعرفت أن لا تستند إلى أي سلطان إلا سلطان الله. وإلا وقعت في تجربة عبادة الأوثان.
بعد نظرة عامة إلى نصّ التجارب، نتوقّف عند ثلاث نقاط: إطار التجربة (4: 1- 2). الهجمتان الأوليان (4: 3- 7). الهجمة الأخيرة (4: 8- 11) التي تدلّ على الهدف الأخير للتجربة وهو فصل يسوع عن الآب وربطه بإبليس. وهكذا ينتقل من طاعة إلى طاعة، ومن عبادة الله إلى "عبادة للشيطان". لا سمح الله بذلك!

1- نظرة عامّة
الشيطان "يجرّب" يسوع (رج مر 1: 12- 13؛ لو 4: 1- 13). في مر وفي مت، جاء هذا الخبر حالاً بعد عماد يسوع. "حينئذ اقتاد الروح يسوع إلى البرّية" (آ 1). أما لو فقد أدرج بين عماد يسوع وخبر التجارب سلسلة نسب يسوع (3: 23- 28: ولما باشر يسوع رسالته... يظن أنه ابن يوسف...). إن بنية لوقا هذه تعني أن ذلك الذي سوف يجرّب هو ابن آدم (3: 38). ولكنه اختلف عن آدم الأول، فلم يسقط في التجربة.
حين نقابل نصّ مت مع اللمحة القصيرة في مر 1: 12- 13، نلاحظ حالاً أمراً هاماً. وهو أن آ 1- 2 من مت تقدّمان لنا كل مضمون نص مر (ما عدا ذكر الملائكة الذي جعله مت في نهاية الخبر) بحيث نستطيع القول إن نصّ مرقس كان ملخصاً لخبر مت. أما آ 3- 11 فجاءت توسيعاً لما في هاتين الآيتين. إذن، نحن في مت 4: 3- 11 أمام تفسير للآيتين 1- 2 اللتين أخذتا من مر. ويُطرح السؤال: هل نستطيع القول إن 31- 11 هي توسّع لاهوتي أمين لما في مر 1: 1- 2؟ ربّما.
أما نصّ لو، فيتضمّن إجمالاً ما في مت مع اختلافات ملحوظة على مستوى البنية والتفاصيل. فالتجربة الثانية في مت هي الثالثة في لو. وفي جواب يسوع على التجربة الأولى، يبدو الاستشهاد بسفر التثنية كاملاً في مت لا في لو (تث 8: 3). وفي الجواب على التجربة الثانية، جاء الاستشهاد المأخوذ من مز 91: 11- 12 أكثر موافقة للنصّ الأصلي عند لوقا. وتوسّع مت أكثر من لو في خبر التجربة الأخيرة.
ويمكن أن نرتّب التفاسير الرئيسية لهذا الخبر في خمس مجموعات. الأولى: تفسير مقاوم للسحر. توخّى الخبر محاربة اتهامات بالسحر رفعها اليهود ضد يسوع في نهاية القرن الأول. الثانية: تفسير هجوميّ على اليهود. أراد الخبر أن يبيِّن أن للمسيحيين رباً تغلّب على تجربة البرّية التي سقط فيها الشعب اليهوديّ. الثالثة: التفسير الآدمي والمعارض للمسيحانيّة. أراد الخبر أن يبيِّن قبل كل شيء كيف رفض يسوع الكرامة المسيحانيّة، وفضّل عليها صورة آدم الثاني أو ابن الإنسان في خط فل 2: 5- 11 (رج مت 16: 23). الرابعة: التفسير "البنويّ" المركّز على فكرة تقول إن الابن انتصر على الشيطان وخضع لأبيه، بل هو انتصر في طاعته وبواسطة طاعته. الخامسة: التفسير المسيحاني المجرّد. يشدّد على سمات "أيام المسيح" كما نجدها في هذا الخبر.
هذه الاتجاهات المختلفة لا تتنافى بعضها مع بعض. وتبدو المجموعات الثلاث الأخيرة أقرب إلى المعقول. ولكن العنصر الرئيسيّ في الخبر (خصوصاً في مت) هو النصوص التوراتيّة الثلاثة التي بها يجيب يسوع إبليس. لم تعتبر نصوصاً مسيحانيّة في العالم اليهوديّ المعاصر للمسيح. بل هي تُصوّر وضعَ الإنسان العائش في طاعة الله. إذن، أراد الخبر أن يبيّن لنا قبل جمل شيء إنساناً من الناس، ويهودياً أميناً لإله الآباء. أن يكون هذا اليهوديّ ابن الله، أو المسيح أو ابن الإنسان، أو آدم الثاني، فهذا لا ينفي أنه قبل كل شيء إنسان استقى قوّته فقط في خدمة إله الكتب المقدّسة.
أمام هذا الخبر الغريب، قد يطرح القارىء اليوم عدداً من الأسئلة. أولاً، متّى وكيف وُلد هذا الخبر؟ ثانياً، هل يتوافق مع واقع واحد من حياة يسوع أو هل يصوّر أمراً ثابتاً حدث له أكثر من مرة؟ إن مجمل الكرستولوجيا المتاويّة تدفعنا في هذا الاتجاه الثاني. ثالثاً كيف استطاع الانجيليّ أن يصوّر وبشكل جدّي "تجربة" ذلك الذي قدّمه إلينا في كمال البنوّة الإلهيّة، في كل صفحة من صفحات انجيله؟ رابعاً، أما تنفي هذه "الطبيعة" الإلهيّة فكرة تجربة لا تكون "تمثيلاً" و"تظاهراً"؟ في هذا المجال نستطيع أن نوجز فكرة الانجيليّ في عبارة محيرّة تقول: إن كمال الطبيعة الإلهيّة في يسوع، لا يُطرح بشكل مجرّد، لا يُطرح خارج وجودها التاريخيّ. إن بنوّته الإلهيّة بدت حقاً في طاعته البشريّة المطلقة للكتب المقدّسة. لقد جاء يسوع يعمل مشيئة الآب. وهذه المشيئة قد وجدها في الكتب المقدّسة. وهكذا بدا مشهد التجارب صورة مصغّرة عمّا سيعيشه يسوع كل حياته على الأرض وهو يقول: "طعامي أن أعمل مشيئة الآب الذي أرسلني".

2- اقتاد الروح يسوع ليجرّب (4: 1- 2)
لاحظ الشرّاح وبحقّ ارتباط هذا الخبر مع خبر اعتماد يسوع في الأردن. سوف نرى معنى هذه البنوّة الإلهيّة ليسوع التي أعلنت في عماده (3: 17: هذا ابني الحبيب). إذن نعطي للأداة "توتي" القيمة التي أعطيت لها في 3: 13: هي تربويّة وفقاهيّة أكثر منها كرونولوجيّة. وهذه اللفظة تميّز أسلوب متّى فترد عنده 90 مرة. حين ترتبط (كما هو الأمر هنا)، بواقع سوف يُروى، تخسر قيمتها الكلاسيكيّة (2: 16؛ 3: 13؛ 4: 5؛ 8: 26...). لا يستعمل مت إلا هنا فعل "أناغاين" (قاد، اقتاد، ق لو 4: 5 في المعنى عينه) الذي يرد مراراً في العهد الجديد: يصوّر سلوكاً يخضع له يسوع بحريّة.
والإشارة إلى الروح تربط هذا المقطع مع خبر المعموديّة. لقد "أتى" الروح (حلّ) على يسوع (3: 16)، لا كقوّة لا شخصيّة تكرهه على عمل ما، ولا ليمتزج به فيذوب فيه. أتى الروح يقوده طوال حياته على الأرض. فالذين ينظرون إلى الروح كأنه "شيء خارجيّ" يرون في 3: 16 و4: 1 تعارضاً مع 1: 18، 20 (رج 12: 18، 28؛ أش 42: 1- 4). إن لفظة "روح" في المعنى المطلق تبدو هنا معارضة للاستعمال اليهوديّ الجاريّ. نحن هنا على مستوى الاستعمال المسيحي في القرن الأول. نحن أمام روح الله. والنصّ الموازي في لو 4: 1 يعبرّ عن فكرة تختلف بعض الشيء عن العلاقة بين الروح وشخص يسوع.
إذن، لا يعتزل يسوع في البرية مع أشخاص آخرين، كما فعل الأسيانيّون، لكي يتأمّل في الشريعة ويجمع هناك شعب الله الحقيقيّ. فعبوره إلى البريّة يكون محدوداً جداً، ولا يكون له أيُّ مدلول إلا بالنظر إلى نشاطه العلنيّ. ثم إن ما "يقوده" إلى التجربة ليس الوجهة البشريّة لشخصه لكي ينال في ما بعد الروح كختم لانتصاره الشخصيّ. ما يقوده إلى البريّة هو الروح القدس.
إن العلاقة بين الروح والمسيح وشخص يسوع قد أوضحت لدى بعض الشرّاح فقالوا: لا يبدو أن خبر التجربة ارتبط ارتباطاً مباشراً بالتقليد المسيحانيّ الذي نجده في أش 11 أو مز 2. وقد يكون مدلول المسيح، آدم الثاني، قد ارتبط بصورة الفردوس في الأزمنة المسيحانيّة كما نقرأها في أش 11: 6- 9. وتكون آثاره في التفصيل عن الوحوش في مر 1: 13.
في الأصل فُسرّت عطيّة الروح للمسيح في خبر العماد على أنها تتمّة لما في أش 11: 2. لقد أقام في المسيح ملء روح الله. ولكن برز تطوّران في وقت مبكر. من جهة، إن المسيح لا يدين فقط بنفخة فمه وبالنار. إنه يعمّد بالروح القدس. من جهة ثانية، ترك الشرّاح الروح المسيحانيّ حسب أش 11 لكي يقرّوا خدمة يسوع حسب الروح حسب 42: 1. وهذا الضمّ بين الروح وعبدالله أو الابن الطائع، يُشرف بشكل ضمنيّ على خبر التجارب الذي نقرأ، وسوف يتوضّح في 17: 5؛ 12: 18- 21؛ 11: 2- 6.
إن البرية التي فيها يحدّد مت موقع كرازة المعمدان (3: 1؛ رج 11: 7)، ليست موضعاً منعزلاً وبعيداً عن الأماكن الآهلة كما في 14: 13. وليست البريةَ التي يُنتظر أن يظهر فيها المسيح (24: 26)، بل هي برية يهوذا (3: 1) حيث أقام الاسيانيون وزرعوا أشجار النخيل. إذن، هناك يمكن العيش في عزلة نسبيّة بعيداً عن أعين الفضوليّين.
ومزج مت مع هذه المعطيات المعروفة في عصره، موضوعاً توراتياً هو موضوع شعب الله الذي جُرّب وسقط، ولكن الله أعانه لكي يعبر هذه البرية. وقد تفرّد مت (لم يفعل مثله مر، لو)، فقال بوضوح إن الروح اقتاد يسوع إلى البرية ليجرّب (بايرستاناي، المجهول مع هدف. المجهول الالهيّ. كأن الله أراد أن يجرّبه. أو هو سمح). وهناك من أوضح: "ليجرّبه إبليس". فيسوع سيلتقي شخص المجرّب. ولم يكن هدف ابليس أن يمتحن يسوع لكي يقوّيه في الجهاد، بل لكي يوقعه، يجعله يسقط، فينكر دعوته كابن طائع.
استُعمل موضوع التجربة عند مت في أطر رئيسية: الأول، صوّر الفخاخ التي يجعلها خصوم يسوع تحت قدميه. "وتقدّم إليه الفريسيون والصادوقيون وسألوه ليجرّبوه" (16: 1). "ودنا إليه فريسيون ليجرّبوه" (19: 1). "أدرك يسوع خبثهم، فقال: لم تجرّبوني، أيها المراؤون" (22: 18)؟ "وسأله واحد من علماء الناموس ليجرّبه". الثاني، صوّر المحن والتجارب التي تصيب التلاميذ: "ولا تدخلنا في تجربة" (6: 13). "إسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة" (26: 41). الثالث نجده هنا، وهو يصوّر تجربة يسوع بيد إبليس (4: 1، 3).
في السلسلة الأولى، واجه يسوع دوماً خصومه وانتصر عليهم. وشدّدت السلسلة الثانية على سرعة العطب والضعف عند التلاميذ أمام التجربة. وفي تجارب يسوع (4: 1- 11)، نجد مقابلة مع التجربة الأولى (تك 3: 1 ي). يهاجم الشيطان الإنسان الذي يستطيع أن يردّه في حرّية خيار مطلق، لأن الانسان ليس "جزءاً" من هذا العالم الذي يملك عليه الشيطان (آ 9).
"وبعد أن صام" (آ 2). لا العالم البيبلي، يرتدي الصوم قيمة الاستعداد قبل النسك. هذا ما نقرأه في 6: 16- 18 (لا تكونوا معبّثين كالمرائين)؛ 9: 14- 17 (لا يستطيع بنو العرس أن "يصوموا" والعريس معهم)؛ 17: 21 (هذا الجنس من الشياطين لا يخرج إلا بالصوم والصلاة). فيسوع لا يصوم لكي يستطيع مواجهة إبليس. والجوع الذي أحسّ به لا يدلّ على أنه كان وشيكاً أن يسقط في تجربة خيرات هذا العالم. بل، هو ينتظرها السهر ما سوف يكشف الله له. هذا هو معنى الرقم 40. زمن المحنة قبل اللقاء بالربّ.
قال التقليد الراباني إن موسى صام في البريّة أربعين يوماً وكان الله يقدّم له غذاء عجائبياً. ونصّ مت يشير إلى خر 34: 28 (رج 1 مل 19: 8). إن الإشارة إلى صوم يسوع وجوعه تشدّد على ناسوته. ولا ننسى أننا نتكلّم عن ناسوت الابن الوحيد. هو بشر مثلنا، وبالتالي هو يجوع ويعطش. وهكذا جمع مت بين البنوّة الإلهيّة والجوع. فألوهيّة يسوع تبقى مقيمة في حدود تواضع طائع يتسلّم كل شيء من الله (6: 11).

3- فدنا إليه المجرّب (4: 3- 7)
في هجمات المجرّب الثلاث، سيكون الدور الأول للكلمة. لا نعرف بأي شكل اقترب إبليس (رج 1 تس 3: 5: خشية أن يكون المجرّب قد جرّبكم) الذي يسمّيه النصّ "المجرّب" (بايرازون). هل كانت تجربة خارجيّة أم داخليّة؟ هذا ما لا نعرفه. كيف اقترب؟ هذا ما لا نعرفه. ولكن، ما نعرفه بدقّة كبيرة هو ما قاله الثلاّب وما أجابه يسوع.
الكلمة هي في العالم البيبليّ الموضع الذي فيه يستطيع الإنسان (ويُطلب منه) أن يخاطر بحرّيته. حين نقابل هذا الخبر مع أخبار امتحان أخرى، نجده متميّزاً بوضوحه: تواجهَ ابليس والابن مواجهة مكشوفة (كشف كل منهما أوراقه بدون مواربة). أو بالأحرى جاءت كلماتهم كاملة الوضوح. لا التباس بينهما ولا سوء تفاهم.
"إن (إي) كنت". قد تعني كلمة المجرّب الأولى أن الشيطان ينكر بنوّة يسوع الإلهيّة (ليس ابن الله)، أو أنه يشكّ فيها، أو أنه يريد أن يدفع يسوع لكي يشكّك فيها (أين الله لا يساعده في جوعه؟). وقد يكون الشيطان يؤكّد هذه البنوّة في الخارج وينكرها في الداخل لكي يخدع يسوع حول نواياه الخفيّة. وقد يكون مؤمناً بهذه البنوّة فيعلنها ليواجه يسوع مواجهة مكشوفة. يبدو أن الافتراض الأخير هو اعثر معقوليّة. لهذا نستطيع أن نترجم "إي": بما أنك ابن الله. مثل هذا المعنى نجده مراراً في العهد الجديد.
إذن، أخذ إبليس بالإعلان الذي ورد في 3: 17 (هذا ابني الحبيب). ورأى في يسوع مرسل الله في نهاية الأزمنة، من أجل خلاص العالم، وعرف أن روح القدرة الذي يحلّ على البشر بل على جميع الخلائق، قد حل عليه. لم يتوخَّ من كلماته أن يبعد يسوع عن الصوم، وهذا ليس شراً في ذاته. ولا أن يلهم يسوع اجتراح معجزة لا يمنحه الله إياها لكي يجعله يشكّ في مسيحانيّته. وكلمات الثلاّب لا تعني أن الشيطان جعل نفسه في خدمة يسوع ليجترح له معجزة، وهكذا يصبح يسوع "تحت أمره"، في خدمته.
لقد حاول الشيطان أن يميل بيسوع عن دعوته كابن طائع لأبيه، فدعاه إلى استعمال سلطته كابن من أجل حسابه الخاص. وبصورة أدقّ، دعا يسوعَ لكي يؤمّن حاجاته بنفسه دون العودة إلى الله. وهكذا ينسى الصلاة التي علمنا إياها: "أعطنا خبزنا كفاف يومنا" (6: 11).
نلاحظ (كما سبق وقلنا) واقعين رئيسيّين في جواب يسوع. من جهة، لا يقدّم جواباً يدلّ على استقلاليّة عن كل سلطة، بل هو يورد الكتب المقدّسة التي تدلّه على إرادة الآب. ومن جهة ثانية، لا يعود هذا الإيراد الكتابي إلى نصّ مسيحاني يصوّر سلطة الماسيا المنتظر، بل إلى نص انتروبولوجيّ فيه يدلّ يسوع على أنه إنسان وإنسان خاضع لكل ما في الإنسان من ضعف ما عدا الخطيئة.
إن نصّ تث 8: 3 (يعلّمك أن الانسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكل ما يخرج من فم الربّ) يرد في مت ولو بحسب السبعينية التي تقول: "أتعبك وجوّعك وفتّت في فمك المنّ الذي لم يعرفه آباؤك، ليعلن لك أن الإنسان لا يحيا فقط بالخبز، بل إن الإنسان يحيا من كل كلمة تخرج من فم الله". لسنا هنا أمام ترجمة للنص الماسوريّ، بل ترجوم، أي ترجمة حرّة تحاول أن تعطي معنى جديداً. فالمسيح في مت سمع هذه الكلمات في إطار تثنية الاشتراع الذي يتحدّث عن محنة شعب الله في البرية. جاع يسوع كما جاع هذا الشعب، ولكنه أراد أن يحفظ وصايا أبيه. فالإيراد الكتابيّ لا يلمّح إلى وجهتين من الحياة: الخبز للجسد وكلمة الله للنفس أو للقلب. بل إلى حياة الإنسان الملموسة التي لا يمكنها ككل أن تكتفي بالخبز فقط.
"حينئذ أخذه إبليس إلى المدينة المقدّسة" (آ 5). إن الهجمة الشيطانيّة الثانية (والهجمة الثالثة) تجعلنا نظنّ أن يسوع "انتقل" (بارالمبانو) من مكان إلى آخر. نحن لسنا أمام انتقال بالجسد، بل بالمخيّلة. هكذا أفهمنا الانجيليّ جدّية المحنة "الداخليّة". ومهما يكن من أمر، فالخبر لا يشدّد على سلطان ابليس بأن يختطف محاوريه من مكان إلى آخر. يكفي أن يستفيد من حضور يسوع في أحد أعياد السنة وسط الجموع الغفيرة، ليجعله يحلم باقتياد هؤلاء الناس إلى الله بأسهل الطرق وأسرعها. هل يا ترى يقبل يسوع بما يقدّمه إليه إبليس من وسائل؟
"المدينة المقدّسة". هي المدينة التي تخصّ الله حصراً. هي مكرّسة له بشكل كامل بسبب الهيكل الموجود فيها. المدينة المقدّسة هي أورشليم كما قال أش 27: 13: "يسجدون للربّ في جبل القدس، في أورشليم" (رج 48: 2؛ 52: 1). ففي نظر يسوع، كما في نظر التلاميذ الأولين، ظلّت أورشليم المدينة المقدّسة، سواء دوّن هذا المقطع قبل دمار أورشليم سنة 70 ب م أو بعد هذا الدمار. جعل الشيطان يسوع أمام هذا البناء العظيم الذي يُحيط بالمعبد. و"القمة" قد تكون إحدى البوابات الكبيرة التي تنفتح على ساحة الهيكل.
بدا الشيطان هنا أقوى مما كان عليه في الهجمة الأولى، لأنه وقف مع محاوره على مستوى الإيمان. إستند إلى الكتب المقدّسة (مكتوب: يوصي ملائكته) وأورد نصّ المزمور (91: 11- 12) حسب السبعينيّة في مدلوله العام. هنا نقدّم ذات الملاحظة التي سبق لنا وقدّمناها خلال الحديث عن الهجمة الأولى: أنشد هذا المزمور عناية الربّ الخاصّة جداً بشعبه وأتقيائه. إنه ملجأ وحصن لجميع الذين يثقون به. أنشد يهوه كالمدافع عن المسيح الموعود به.
اختار إبليس استشهاده أفضل اختيار، لأن يسوع أرسل إلى هذا الشعب الصغير من المؤمنين الذين عبرّت هذه المزامير عن ثقتهم بالله في الضيق. وذكرُ الملائكة في روح المزمور وإنجيل متّى، يجعل حضور الله وعونه أمراً محسوساً. فموضوع الملائكة الحرّاس كان قد توسّع كثيراً في العالم اليهوديّ في زمن يسوع.
ما قيمة الأداة "بالين" (أيضاً، من جديد) التي أغفلها لوقا؟ بعضهم أعطاها المعنى الاعتراضيّ (عارض يسوع تث 6: 6 مز 91). وآخرون المعنى التعارضيّ (زاد يسوع تث 6 على مز 91). وآخرون أيضاً اعتبروها تفسيراً لما قبْل (قبل يسوع بإيراد مز 91، ولكنه فسّره على ضوء موضوع بيبليّ أساسيّ). يبدو أن المعنى الأخير هو الأفضل، ونحن نجده مراراً في عظة الجبل.
قرأ إبليس مز 91 قراءة حرفيّة. فأجابه يسوع بأسلوب نستطيع أن نسقيه اليوم تفسيراً لاهوتياً: الثقة بالله أمر صالح، ولكن يجب أن لا تخفي هذه الثقةُ نيّة خفيّة (أو لاواعية) بأن يستخدم الإنسانُ قدرةَ الله من أجل طموحاته الدينيّة. هل عرض الشيطان على يسوع أن يجترح معجزة أمام جموع الهيكل لكي يدلّ على نفسه أنه المسيح المنتصر؟ ربما. ومن خلال ذلك، هو يحاول أن يبعد يسوع عن الطاعة البنويّة للآب، ويدفعه إلى أن يستقلّ في سلطته كابن عن سلطة الآب. في تث 6، جاء موضوع تجربة الربّ من قبل الشعب في مدلول يختلف بعض الشيء: نعصى الله لنرى إلى أين يصل صبره وطول أناته. وما يعاكس هذا الامتحان لله نقرأه في 6: 17: "بل احفظوا وصايا الرب إلهكم". في نصّ مت، لا يطلب الشيطان من يسوع عملاً سيئاً في حدّ ذاته. بل عملاً يسخّره من أجل مسيحانيّة تستقل عن الله وتتعدَّى على حقّه.

4- فأخذه إبليس إلى جبل عال (4: 8- 11)
وتركت الهجمة الشيطانيّة الثالثة المجال الكتابي لتكشف الهدف الأخير الذي توخّاه الشيطان من امتحان يسوع: يجعله يبتعد عن خدمة الله الواحد، خدمة الآب وحده، من أجل عبادة الشيطان. وترد أيضاً الأداة "بالين" (كما في آ 7. ولكن معناها غير معنى آ 7). نحن هنا فقط أمام تكرار: قام الشيطان بمحاولة جديدة تبدأ بفعل قرأناه في آ 5 (أخذه).
لا نعطِ لفظة "جبل عالٍ" معنى خاصاً (رج 5: 1). هو عالٍ لكي يستطيع يسوع أن يتأمّل منه كل مجد ممالك الأرض. إن لفظة مجد (ك ب و د) قد أخذت في المعنى التوراتي: قدرة بها يؤثّر شخص على الناس بالغنى والجيش والسياسة. ويفترض النصّ أن "كل ذلك، كله" هو تحت سلطة الشيطان "رئيس هذا العالم" (يو 12: 31). هذا لا يعني أن كل هذا شيطانيّ في جوهره. ولكن الشيطان أقام فيه مملكته بشكل موقَّت. غير أنّ هذا الملك هو موضوع تساؤل الآن بمجيء ملكوت الله الذي تدشّن بالمسيح.
يرى بعض الشرّاح أن هذه النظرة إلى ملك الشيطان على العالم، لا تعود إلى العالم الهلنستي ولا إلى العالم الغنوصيّ. فالعالم صالح لأن الله خلقه. وقدرة الإنسان ومجده ليسا موضوع غضب وكره. غير أن الشيطان يمسك بهما الآن في يده ويتصرّف بهما. يعطيهما لمن يشاء (دوسو: أعطى في المضارع).
توسّع لوقا توسّعاً كبيراً في هذا الموضوع. ولكن عمق الفكرة هو هو. وأداة "إيان" (إلا إذا، شرط) في هذا الإطار تتّخذ معنى قوياً. فالشيطان لا يتوقّف فقط عند فرضيّة نظريّة وخياليّة. فدعوته تتّسم بالجدّية. وقد وُضع يسوع أمام خيار جذريّ: السلطة والاستقلالية، أم خدمة الابن لأبيه. على هذا الأساس المشترك تفترق التفاسير. فالسلطة المقدمة ليسوع تُعتبر سلطة يستعملها يسوع لكي يتمّ رسالته. أو هي تجعل المسيح عميلاً للشيطان، فيخسر فيها يسوع حتى هوّيته كابن.
هذان المعنيان لا يتنافيان بشكل مطلق. ففي الأول وفي الثاني يعصي يسوع الآب. فرسالته تقوم في خدمة الله والبشر في التواضع والألم (هذا هو معنى عماده). أما نحن فنختار الفرضيّة الأولى. فالسؤال المطروح على يسوع هو التالي: هل يُتمّ رسالته في الخضوع البنويّ أم في المجد المسيحانيّ في معنى سياسيّ قال به الغيورون كما في مز 17 من مزامير سليمان؟
لو سقط يسوع على قدمَي الشيطان (لا سمح الله)، وخضع له في فعل عبادة، يبقى الابن ولكنه ابن أضاع طرقه. أيستطيع مت أن يفكّر في هذه الفرضيّة؟ حاشا وكلا. فالسجود هنا لا يدلّ فقط على الاحترام، بل على العبادة. يعني يصبح الشيطان هو الله، ويصبح الله أقلّ من الشيطان وفي أفضل الظروف مساوياً له. لقد دلّت آ 10 أن على يسوع أن يختار بين عبادة الله وعبادة ابليس.
وللمرة الثالثة، رفض يسوع الشيطان مستنداً إلى نصّ من الكتاب المقدّس، ليرَسم لا صورة المسيح، ولو كان المسيح الخادم، بل وضْع كل إنسان أمام الله. هذا ما يثبت التفسير الآدميّ الذي أعطيناه لهذا النصّ. يسوع هو حقاً ابن آدم. وإذ سمّى يسوع الشيطان باسمه، فهذا لا يعني أنّه يقرّ به الآن. فالخبر كله، كما رأينا، يصوّر مواجهة مكشوفة. إن يسوع يلتقي بالشيطان في "وضوح" لا نراه داخل عالم الخطيئة حيث يسيطر الضباب وسوء التفاهم والالتباس. وإذ قال يسوع "يا شيطان"، دلّ على أنه يبعده عنه باندفاع قويّ. بل يمارس عليه عمل قدرته. أمره أن يذهب فذهب. هكذا سيفعل خلال حياته الرسوليّة حين يطرد الشياطين.
في تث 6: 13 وفي أماكن أخرى في العهد القديم، يوضح فعل سجد فعل خدم (صار عبداً، عبد) والعكس بالعكس. فخدمة الله لا تقوم إلا في التواضع والسجود. ولا سجود حقيقياً إن لم نعبرّ عنه في خدمة ملموسة، في تعبّد (وعبادة) يصل بنا إلى أن نرى في القريب صورة الله، وفي خدمة القريب خدمة الله. وكما عبد شعب اسرائيل الله وحده وما أشركوا معه أحداً، كذلك لا يستطيع يسوع أن يعبد الله والشيطان معاً.
"حينئذ تركه إبليس" (آ 10). قال مت بشكل ضمنيّ ما قاله لو 4: 13 بصريح العبارة: ترك الشيطان يسوعَ موقتاً. وقد نستطيع أن نفسِّر مت كما يلي: رذل يسوع على عتبة خدمته التجربة التي رافقته كل حياته فرفض لنفسه القوّة البشريّة والسلطة السياسيّة. أجل، تخلّى يسوع عن إرادته الخاصة لكي يكون الخادم وعبد الله الذي سيموت طاعة لأبيه (لو 22: 28)؛ عب 4: 15؛ 5: 7، 8؛ مر 10: 45؛ 14: 38). حين أطاع يسوع، جاءت الملائكة وأخذت تخدمه (خدمة المائدة). يدلّ الملائكة على حضور الله. وهكذا نال يسوع من الله ما رفض أن يأخذه بقواه الخاصة أو بمسايرته وخضوعه للشيطان.

الخاتمة
تجارب يسوع هي تجارب كل إنسان. فالإنسان يريد أن يسود على المادة، يريد أن يمتلك خيرات هذه الدنيا ويوجّهها من أجل راحته وسعادته. أما يحقّ للمسيح أن يتمتّع بهذا السلطان؟ أيجب عليه أن يخضع لقساوة نواميس الحياة البشريّة مع حاجاتها ومحدوديّتها؟ فالصوت الذي دعا يسوع ليحوّل حجارة البرية إلى خبز، هو صوت الغريزة، صوت اللحم والدم في الإنسان، الصوت الذي يحاول أن يخنق صوت الله. ولكن يسوع أعاد القيم إلى النظام الذي وضعه الله لها: "لا يحيا الانسان فقط بالخبز، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". الله وحده يستطيع أن يشبع الإنسان، وجوع بطنه هو صورة عن جوع آخر. لقد خُلق الإنسان على صورة الله، ولكن يسوع رفض التجربة التي تدعوه لكي يجعل الله على صورة الإنسان!
وجمع المجرّب الصور، وجعل يسوع في إطار مهيب: على قمّة الهيكل من حيث يرى الجموع المحتشدة في عيد من الأعياد. "إن كنت ابن الله، ارمِ بنفسك". وهكذا يلعب يسوع دور المسيح المنتصر وسط أخصّائه بقدرة نالها من الله. ولكنه يتصرّف بها على هواه لا بحسب مشيئة الله. عليه أن يلعب دوراً، أن "يمثّل" كما يفعل أبطال السينما. ولكن رسالة يسوع هي واقع وحقيقة وليست خيالاً وسراباً. هو لا "يمثّل" (كأبطال السينما. لا يتظاهر) فيدلّ على أنه ابن الله. إنه حقاً ابن الله. وهو لا يأخذ مجده من البشر. مجده هو أن يكون الله وابن الله، وهذا يغنيه عن كل المفاخر البشريّة التي تدغدغ الإنسان ولا تملأ فراغ قلبه.
وما اكتفى الشيطان بالمدينة المقدّسة، بالمدينة المسيحانيّة. بل وسّع ساحته وسع العالم. عاد إلى رؤية موسى الذي أراه الربّ أرض كنعان من أعلى جبل نبو (تث 34: 1- 4). وعرض على يسوع "صفقة". أعطيك كل هذا إن سجدت أمامي. ولكن هل يخدع بمثل هذا المشهد من فيه اقترب ملكوت السماء من الأرض؟ كلا. وعاد يسوع إلى الوصيّة الأولى من وصايا العهد: "لله وحده تسجد، وإياه وحده تعبد". لقد ظلّ يسوع أميناً لرسالته. لم يتخلّ عن ملكوت السماء من أجل ملكوت الأرض. لم يترك إرادة الآب ليخضع لإرادة إبليس. هو لا يسجد إلا لله، ومنه يقبل حياته، كما يقبل موته وقيامته. لهذا، فهو يرضى منذ البداية أن يكون إنساناً بكل ما في الإنسان من ضعف ومحدودية. يرضى أن يمرّ في الجوع والعطش. في الحرّ والتعب، في الألم والموت. هكذا يكون إنساناً حقيقياً فيرفع الإنسان، كل إنسان، إلى مستوى الألوهة. تلك كانت تجارب يسوع التي لم تمتدّ بضع دقائق. وتلك تكون تجاربنا. حين يكون الله هو الأول في حياتنا، حين نستنير بكلمة الله، نعرف النصر الذي عرفه يسوع وهو الذي دعانا ألاّ نخاف لأنه غلب العالم.
الفصل الخامس عشر
كرازة يسوع الأولى في الجليل
4: 12- 25

إن اختفاء يوحنا المعمدان يدلّ في نظر متّى على نهاية حقبة، هي حقبة "الشريعة والأنبياء" التي تأتي بعدها رسالةُ ابن الله. وهكذا يحدّثنا الإنجيل الأول عن عمل يسوع في الجليل، وحول كفرناحوم. بدأ يسوع فاعتزل، أي ذهب إلى مكان آخر بعيد عن الأردن، هو الجليل. واعتزل أي تراجع أمام عداوة هيرودس انتيباس المسؤول عن موت المعمدان.
أما السبب العميق لهذا التحوّل، فهو مخطّط الله كما نقرأه في سفر أشعيا. هذا المخطّط يتحدّث عن النور الذي يشرق على الضائعين كما أشرق على المجوس الذين تعرّفوا إلى عمانوئيل في تواضع "بيت لحم". وهكذا اختار يسوع منطقة "الجليل" لأنها ترمز إلى العالم الوثنيّ. "زبولون ونفتالي" يدلاّن على المنفى والتشتّت والضياع. وبالتالي يلوح الأمل بتجمّع شعب الله كله على جبل في الجليل (28: 16). هناك يتعلّمون ويتتلمذون ويتعمّدون.
بعد الحديث عن كرازة يسوع الأولى (4: 12- 17) نقرأ عن نداء التلاميذ الأوّلين (4: 18- 22). ثم نجد اجمالة حول كرازة يسوع وأشفية اجترحها (آ 23- 24)، فاجتذب إليه الجموع (آ 25). وبعد هذا التدرّج الذي يقودنا إلى جبل التطويبات حيث نسمع عظة الجبل، نستعيد المواضيع نفسها في شكل معاكس. الجماهير (7: 28- 8: 1)، أخبار الأشفية (8: 12- 17). ونداءان يقابلان نداء التلاميذ الأربعة الذين تجاوبوا مع الكرازة بملكوت الله، فتركوا كل شيء وتبعوه.

1- عودة يسوع إلى الجليل (4: 12- 17)
تشكّل هذه الآيات (رج مر 1: 14- 15؛ لو 4: 14- 15) أول خبر لرسالة يسوع في المعنى الحصري للكلمة. لقد بدأت هنا الحقبة الجليليّة في حياة يسوع (ف 3- 18= مر 1- 9= لو 3: 1- 9: 50). نحن نعرف اليوم أنه يجب أن تُستعمل هذه التسمية ببعض الفطنة. وحالاً تتزاحم الاسئلة في فكرنا: لماذا الجليل، أية علاقات دقيقة نتخيّل بين يسوع والمعمدان؟ لماذا ترك يسوع الناصرة وذهب إلى كفرناحوم؟ لماذا لا يذكر لوقا القبض على يوحنا المعدان؟ ما هو بُعد الإيراد الكتابة الذي أخذه مت من أش 9: 1- 2؟ وهناك سؤال مهمّ: هل فهم يسوع كرازته بالتوبة والملكوت مثل يوحنا، أو هل أعطاها معنى آخر؟ ولماذا أعطانا لوقا صورة مختلفة كل الاختلاف عن نشاط يسوع الأوّل؟
لا نستطيع أن نقدّم أجوبة على هذه الأسئلة على مستوى سيرة يسوع. بل نحن سنحاول أن نتفحّص فكر متّى في هذا الشأن. فإن كانت هذه الآيات تعالج موضوعاً آخر يختلف عن المقطوعة السابقة، إلا أن أصالة مت بالنسبة إلى مر هي هي: إكتفى مرقس بأن يشير إشارة سريعة إلى واقعين رئيسيين. ذهب يسوع إلى الجليل، وبدأ يبشّر. استعاد متّى هذين العنصرين وحسّن اللغة اليونانية وأوضحها. ثم ألقى ضوءاً على معنى ما روح بواسطة إيراد كتابيّ طويل. لقد توخّت التحديدات الجغرافية في آ 13- 14 أن تكون مدخلاً إلى الاستشهاد بالعهد القديم.
منذ هذا الخبر الأول، نحن أمام أساليب أدبيّة وتربويّة يستعملها متّى في إنجيله. وإذ شدّد متّى ومرقس، كل بطريقته، على المضمون الرئيسي لكرازة يسوع، أشار لوقا فقط إلى أن يسوع علّم في المجامع فمجّده الجميع (لو 4: 15). أجل، يهتمّ لوقا منذ البداية بشخص يسوع وتأثيره، كما يهتمّ بالسلطة الاسكاتولوجيّة التي يعلنها. هكذا نفهم أن لا يكون الإنجيل الثالث قد أشار أية إشارة إلى الملكوت حين بدأ خبر رسالة يسوع العلنيّة.
"ولما سمع أن يوحنا" (آ 12). في 3: 13 كان متّى قد أشار إشارة سريعة إلى وصول يسوع ساعة كان يوحنا يعمّد. "حينئذٍ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا لكي يعمّد على يده". هذه الكلمات لا تكفي لتحدّد تسلسل الأحداث بالنسبة إلى إقامة يسوع في الأردن وفي "البرية" (آ 1). وذكرُ الاربعين يوماً يبدو لاهوتياً أكثر منه كرونولوجياً. من الواضح أن متّى لا يهتمّ بتحديدات تتطلّبها عقولنا. وفي المعنى عينه لا يتوخّى ذكر توقيف يوحنا أن يحدّد الزمن الذي فيه بدأت رسالة يسوع، ولا أن يفسّر تفسيراً سيكولوجياً صعوده إلى الجليل، على أنه كان بدافع الخوف. توقّف متّى، كما يقول فعل "باراديدومي" (أسلم، قبُض على، رج 10: 4؛ 26: 15 ي)، عند ما يوحّد رسالتي السابق والمسيح في مخطّط الله: إن يسوع يبدأ نشاطه العلني ساعة وضع الرب حداً لنشاط يوحنا (سيعود مت في ما بعد إلى سجن يوحنا، 14: 3 ي؛ رج مر 6: 17، 29).
وفعل عاد، انطلق (اناخوراين) الذي يميّز السرد المتّاوي (9: 24؛ 12: 15؛ 15: 2...) نفهمه بمعنى ابتعد، اعتزل وربّما لجأ كما في 2: 14، 22؛ 12: 15. ولكنه يعني أيضاً أن يسوع عاد إلى منطقته كما في 2: 12. المهمّ هو الرباط مع يوحنا المعمدان. ولفظة "جليل" تدلّ على أية مقاطعة في البلاد. ثم انطبقت بشكل خاص على القسم الشمالي من فلسطين (يش 20: 7؛ 21: 32).
في أيام يسوع كان سكان الجليل مزيجاً من الشعوب. والمنطقة مقاطعة في مملكة يوحنا حركانس (العاصمة: صفورية). ثم في مملكة هيرودس. وشكّلت مع بيريه تترارخية (ربع مملكة) هيرودس انتيباس (4 ق. م.- 27 ب. م.). ثم ضمّت إلى مملكة هيرودس أغريبا الأول (39- 44). وفي النهاية حكمَها والٍ روماني يقيم في قيصريّة. لا شكّ في أنه كان للجليل تأثير على يسوع وعلى تكوين تلاميذه الأولين. ولكن نلاحظ أن الإزائيين بسّطوا الأمور فحصروا يسوع في الجليل في القسم الأول من بشارته، ثم نقلوه إلى أورشليم لكي يموت هناك. ولكن إذا قرأنا يو 2: 12؛ 4: 1، 3، 43، نرى أن الأمور متشعّبة وأن نشاط يسوع توزّع في فلسطين كلها، حتى في السامرة. وأنه ذهب أكثر ما ذهب إلى أورشليم في الأعياد حيث تكون الجموع كثيرة.
"ثم ترك الناصرة" (آ 13). هنا يبدأ المضمون الخاص بمتّى في هذه المقطوعة. وسوف يمتد حتى آ 16. توخّت آ 13 أن تهيّىء الطريق لاستشهاد أش 8: 23- 9: 1. يفترض النصّ، ولا يقول بصريح العبارة، أن يسوع ذهب أولاً إلى الناصرة (نازارا كما في لو 4: 16؛ رج مت 2: 23؛ 21: 11؛ يو 1: 45، 46) حيث أقام يوسف ومريم حسب 2: 23.
في أيام يسوع، لم تكن الناصرة سوى قرية جليليّة صغيرة. وهذا ما يفسّر لماذا تركها يسوع (كاتاليبو، رج 16: 4؛ 21: 17) ليبدأ (اركساتو، آ 17) رسالته في مناطق كثيرة السكان. غير أن يسوع دُعي -على ما يبدو- "نبيّ الناصرة" (21: 11؛ أع 10: 38).
أما كفرناحوم، المدينة الحدوديّة، الواقعة على الشاطىء الشماليّ الغربي لبحيرة جنسارت، بين مملكة فيلبس ومملكة هيرودس انتيباس (9: 9)، فقد كان فيها حامية رومانيّة (8: 5- 13؛ لو 7: 1- 10). سمّيت مدينة يسوع، "مدينته"، في 9: 1. ويبدو أن نتيجة نشاط يسوع فيها كانت مخيّبة للآمال (11: 23 وز).
حين ذكر مت "تخوم" (هوريويس) زبولون ونفتالي، عاد إلى ماضٍ له معناه العميق في تاريخ الشعب اليهوديّ: قبيلتان في مملكة إسرائيل (مملكة الشمال بعاصمتها السامرة) قد ضمّتهما أشورية سنة 734. فأعلن لهما النبيّ الخلاص. ولكن هذا الخلاص تحقّق في رسالة يسوع. لم يتحدّث أشعيا فقط عن خلاص عسكريّ وسياسيّ. بل عن "الظلمة" و"الضيق" اللذين حلاّ بهذه المنطقة بعد أن دخلت عليها شعوب وثنيّة آتية من البعيد فطبعتها بطابعها. يرى مت أنه من الأهمّية بمكان أن يبدأ يسوع رسالته في هذه المناطق من سورية ولبنان وفلسطين حيث دُوّن الإنجيل الأوّل.
"الشعب الجالس في الظلمة" (آ 14). هنا يبدأ الايراد الأشعيائي. لا ينسخ مت النصّ الماسوريّ ولا نصّ السبعينية. ماذا يقول النصّ الماسوريّ؟ "كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالي، يكرم الأخير طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً. الجالسون في أرض ظلال الموت (أو: الظلمات) أشرق عليهم نور". هناك مقابلة بين وضعين. الأول، يوم الاحتلال الأشوري لهذه المنطقة. حلّت الظلمة مكان النور بسبب الموت والدمار الذي حلّ بالبلاد. الثاني، يوم الخلاص الذي يراه الربّ منيراً.
ويبدو النصّ اليوناني مختلفاً عن النصّ الماسوريّ. "وينظرون إلى الأرض السفلى، فإذا الضيق والظلمة والحزن والقلق والظلام بحيث لا يستطيع أحد أن يرى شيئاً. وتلك التي كانت في الضيق لن تُضايق بعدُ إلى زمن بعيد. اشربي أولاً. تصرّفي بسرعة، يا أرض زبولون وأرض نفتالي وسائر سكان ساحل البحر وأرض عبر الأردن. جليل الأمم". نلاحظ أن مت حوّل النصّ تحويلاً كبيراً. فدلّ على أن نور المسيح وصل إلى كل هذه المناطق بعد أن سيطرت عليها ظلمة الوثنيّة. هو لم يحتقرها كما فعل اليهود. هو لم يهرب منها كما فعل الاسيانيون حين انعزلوا في البرية. هو لم يحصر نشاطه في أورشليم، بل ذهب إلى جليل الأمم الذي سيحتل مركزاً هاماً في إنجيل متّى (2: 22؛ 3: 13؛ 4: 23، 25؛ 28: 16). هنا نشير إلى أن البحر لا يعني البحر المتوسط كما في أش. بل بحر الجليل. وأن موضوع النور يرتبط بالرجاء المسيحاني (أش 58: 8). وأن الظلمات جُمعت مع ظلال الموت في لو 1: 78.
أدخل مت في هذا النص الأشعيائي "الجالس في الظلمة" فتذكّر الاشوريين وما فعلوا بالبلاد. ولكنه ترك الإطار السياسيّ والعسكريّ. وتطلّع إلى وضع اليهود الروحيّ في أيام يسوع وفي أيام متّى. إن رسالة يسوع تتوجّه إلى الخراف الضالّة في آل إسرائيل (10: 6؛ 15: 24). هلاّ عرف اليهود أنهم خطأة وأنهم بحاجة إلى الخلاص مثل الوثنيّين؟ هنا نلتقي بما قاله بولس في الرسالة إلى أهل رومة. وإذ رأى يسوع حالة شعبه التعيسة، لم ينسَ حالة الوثنيين. والجليل هو الموضع المميّز للقاء اليهوديّة والوثنية بعد أن امتزجت هاتان الفئتان امتزاجاً كبيراً على المستوى الاجتماعيّ والاقتصاديّ.
"ومنذئذٍ طفق يسوع يقول" (آ 17). نجد لفظة "منذئذٍ" (ابو توتي) في 16: 21، وهي تدلّ على أن يسوع بدأ رسالته بالكرازة والتبشير كما بالعمل. الملكوت قريب وقريب جداً. الملكوت حاضر وقد تدشّن في شخص يسوع ونشاطه، وهو سيتجلّى قريباً. وما يطلبه منا هو التوبة.

2- التلاميذ الاولون (4: 18- 22)
ودعا يسوع تلاميذه الأوّلين (مر 1: 16- 20؛ لو 5: 1- 11؛ يو 1: 35- 42). نقصتنا المعلومات الكرونولوجيّة. لهذا لا نعرف حقبة الزمن التي مرّت بين بداية نشاط يسوع ونداء التلاميذ الأوّلين. غير أننا إذا تفحّصنا بنية مت ومر، نجد أن هذين الخبرين يتلاصقان. ما إن بدأ يسوع رسالته حتى أحاط نفسه بمشاركين في العمل: الأخوان سمعان وانداروس. الأخوان يعقوب ويوحنا. أما لوقا البعيد عن فلسطين فلم يقدّم لنا شيئا من هذا وإن أورد كلمة يسوع كما نقرأها في مت 4: 19 ب (إتبعاني فاجعلكما صيادي بشر) في 5: 10 مع ألفاظ مختلفة (لا تخف، إنك منذ الآن صيّاد للناس).
وهناك نقطة أخرى لا بدّ من الإشارة إليها. بدأ يسوع فأحاط نفسه لا بتلاميذ متنبّهين وسامعين فقط مثل معلّم البرّ في قمران، لا بتلاميذ يشبهون تلاميذ الرابانيين، بل بأناس يشاركونه في الرسالة، بصيّادي بشر. نشير هنا إلى أن "لفظة" تلميذ غير موجودة في النصّ. ولكننا سنعود إليها كما نعود إلى عبارة "صيّادي بشر".
سنجد بطرس واندراوس، يعقوب ويوحنا في بداية ف 10، حيث سيُدعون "تلاميذ" (آ 1) ثم "رسلاً" (آ 2). هذا الخبر هو نتيجة تفكير طويل في إطار تربويّ وتعليمي. وهو ينطلق من حياة يسوع فيبدو لنا "وثيقة" أساسيّة للتعرّف إلى بدايات الإنجيل. هذا لا يعني أنه لم يُكتب على ضوء القيامة، وعلى ضوء حياة كنيسة متّى سنة 85. هذا الخبر يشدّد على المعلم الذي يدعو، لا على موقف المدعوّ. هو يشدّد على كلمة يسوع التي تجاوبَ معها التلاميذ الأوّلون تجاوباً تاماً.
كان ماشياً على شاطىء بحر الجليل" (آ 18). بحر الجليل أو بحيرة جنسارت (13: 47). سمعان بن يونا (16: 17) أو يوحنا (يو 1: 42؛ 21: 15). هو أخو اندراوس (10: 2)، وقد كان صيّاد سمك مثل أخيه (4: 18؛ مر 1: 16). وُلد في بيت صيدا (1: 44) وسكن كفرناحوم حين التقاه يسوع (مر 1: 29؛ لو 4: 38)، مع حماته (مر 1: 30 ي). إن لو 5: 1- 11 يجعلنا نفكّر أنه لم يترك مهنته كصيّاد حالاً بعد أن دعاه يسوع. "بطرس" هو اسم مذكّر في اليونانيّة، يقابل "كيفا" في الاراميّة. وكان اندراوس أيضاً من بيت صيدا (يو 1: 14)، وقد أقام في كفرناحوم (مر 1: 29). كان على ما يبدو تلميذ يوحنا المعمدان (يو 1: 40).
"فقال لهما: اتبعاني" (9 آ). قدّم مت ومر الكلمة الأساسيّة ليسوع في عبارة واحدة (رج لو 5: 10). لا نفهم فعل "غينوماي" (صار) عند مرقس في معنى دوامي، أي بدأ يصير وما زال. هذا غريب عن مرقس. ولهذا حذف كما هذا الفعل كما وجده في نصّ مرقس. هذا لا يعني أن متّ يشدّد على العنصر اللحظي (يدوم لحظة) ومر على العنصر الدواميّ. كلا، فالإنجيليان يتحدّثان عن دعوة التلاميذ الأربع الأوائل في اللغة ذاتها.
ارتبط يسوع بهؤلاء الرجال، وأراد (الآن وفي المستقبل) أن يجعل منهم صيّادي بشر. والعلاقة بين عنصَريْ الآية (قال لهما اتبعاني- فأجعلكما صيادي بشر) قد فُهمت في معانٍ مختلفة بسبب وجود حرف العطف "كاي" (الواو). قد نجد عملين متعاقبين (تبع التلاميذ يسوع، وهو سيجعل منهم صيادي بشر). وقد نكون أمام نتيجة لسبب سابق (إذا تبعتماني سأجعل منكما صيادي بشر). وهناك المعنى التفسيريّ (اتبعاني، وهذا يعني لكما بأنكما ستصبحان صياديّ بشر). كل تفسير لا ينفي الآخر، وإن كنا نفضّل التفسير الأول. فالنداء إلى اتباع يسوع لا يرافقه دوماً مشاركة من قبل "التابع" الذي يقف بجانب المعلّم. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إن عبارة "صيّاديّ بشر" على ما يبدو، تلمّح إلى واقع وهو أن هؤلاء الرسل الأربعة سيكونون قريباً من رسل المسيح. ويُطلب منهم بصريح العبارة أن يبشروا بالملكوت ويشفوا المرضى (10: 1- 2). لا يكون جميع التلاميذ صيّادي بشر، أما هم فيكونون.
ولكن إذا كانت عبارة "صياديّ بشر" تعني المبشرين وشهود الملكوت الذي دشّنه يسوع، على أي عنصر من هذه الدعوة تشدّد صورة الشبكة التي ألقيت في البحر ثم استُعيدت؟ أعطى بعض الشرّاح لهذه الشبكة المعنى الذي لها في 13: 47 (شبكة كبيرة ألقيت في البحر فجمعت سمكاً من كل صنف)، فرأوا هنا تلميحاً إلى الدينونة الأخيرة. فحسب قرائن 13: 47، يكون المعنى حينذاك أن التلاميذ (الذين صاروا رسلاً) سيجمعون البشر الذين سيدينهم "الملائكة" في ما بعد. ولكننا في الواقع أمام شبكة من نوع آخر في 13: 47. ورأى البعض الآخر في الشبكة صورة عن سرعة كلمة يسوع وسلطانها، سرعة كلمة الرسل التي ستجمع البشر من أجل الملكوت.
أما مرمى الحدث فهو: ستكونون بارعين وفاعلين في صيد البشر كما كنتم في صيد السمك. وهناك إمكانية أخرى: تشدّد الصورة على واقع يقول بأن السمك الذي يؤخذ يموت. فنشاط الرسل يُميت البشر موت التوبة (موت مع المسيح كما في روم 8). أو موت الدينونة المباشرة التي تمارسها كلمتهم لدى الناس. وما يُسند هذا التفسير الأخير هو أن التوراة والعالم اليهوديّ يستعملان هذه الصورة في بمعنى سلبيّ ومنتقص. نقرأ مثلاً في إر 16: 16: "ها أنا أرسل صيّادين كثيرين فيصطادونهم، وبعد ذلك أرسل قنّاصين كثيرين فيقنصونهم عن كل جبل وعن كل تلّ ومن نخاريب الصخر". هذا ما سيفعله الرب بالخطأة فلا يفلتون. ونقرأ في حب 1: 14- 17: "تعامل البشر كسمك البحر، كدبّابات لا قائد لها. إنه يصعدهم جميعاً بشصّه، ويصطادهم. بشركه، ويجمعهم في شبكته، فلذلك يفرح ويبتهج...". هذا ما يفعله الأشوريّ المنتصر بشعب الله.
إن السياق المباشر (آ 12- 17) والعودة إلى مت 10: 1 ي، يدفعاننا إلى الأخذ بالفرضيّة الثانية: سأجعل منكم شهوداً فاعلين في الملكوت. وتبع هؤلاء الرجال يسوع بدون تردّد. فسلطة يسوع تفعل قبل كل شيء فعلها في أولئك الذين دعاهم وطلب منهم أن يمارسوا السلطة التي مارسها هو.
"وجاء من هناك فرأى اخوين آخرين" (آ 21). إن آ 21- 22 لا تتوازيان توازياً تاماً مع آ 19- 20. فالنصّ يشدّد على نداء يسوع السامي، دون التلميح إلى وظيفة مبشّر أو رسول. فما فعله يعقوب ويوحنا على مستوى الوظيفة؟ أما يعقوب فقد مات شهيداً على أيام هيرودس أغريبا الأول (أع 12: 2). كان يوحنا ابن زبدى وسالومه (27: 56). وُلد مثل أخيه في بيت صيدا، ومثله كان صيّاد سمك (4: 21 وز؛ يو 21: 1- 14).

3- الجموع حول يسوع (4: 23- 25)
هنا نرى بداية نشاط يسوع في الجليل وردّة فعل الجموع على هذا النشاط (مر 1: 39؛ 3: 7- 10؛ لو 4: 44؛ 6: 17- 19). قدّمت لنا المقطوعة السابقة (4: 18- 22) وجهة شخصيّة عن نشاط يسوع، عن نداء التلاميذ الأولين بأسمائهم. وهذه المقطوعة تحدّثنا عن هذا النشاط على مستوى الجموع، بل على مستوى مناطق عديدة هي "الجليل والمدن العشر وأورشليم واليهوديّة وعبر الأردن".
بنية هذه الآيات واضحة: تصوّر آ 23 العناصر الثلاثة التي تكوّن رسالة يسوع في الجليل. يعلّم (ديدسكو)، يبشّر، يكرز (كاريسو)، يشفي (تيرابيوو)، وتورد آ 24- 25 نتيجة هذه الخدمة (ما سمعه الناس، اكوو) في كل المناطق المجاورة، وأول بلد يُذكر هو سورية. وهو لم يُذكر من قبيل الصدف. فسورية الطبيعية، هي على ما يبدو موطن الإنجيل الأوّل.
نجد مضمون آ 23 بشكل شبه حرفيّ، في 9: 35، أي في نهاية القسم الأول من الإنجيل. في ف 5- 7 نجد أولى خطب يسوع الخمس. وبعد تعليم يسوع نقرأ الأخبار (ف 8- 9) التي تدلّ على نشاط يسوع الشفائي. إذن، يجب أن نفهم هذه المقطوعة (آ 23- 25) كإجمالة عن نشاط يسوع قبل عظة الجبل (ف 5- 7) وخبر الأشفية (ف 8- 9). لقد جمع مت حواشي فرّقها مر ولو، فجعلها في بداية نشاط يسوع كلّه. ونلاحظ في النصوص المقابلة لمتى في مر، أن نشاطَيْ يسوع (الكرازة والشفاء) يُذكران، ولكن لا يُذكر النشاط التعليميّ العزيز على قلب متّى (8: 19؛ 22: 36؛ 23: 8). غير أن مرقس يعرف جيداً نشاط يسوع التعليمي (1: 22؛ 6: 2؛ 14: 49). إلاّ أنه لا يشير إليه إلا في إجمالاته. ونستطيع أن نسوق الملاحظة نفسها بالنسبة إلى عناصر لوقا الموازية لهذا النصّ.
"وكان يطوف في الجليل" (آ 23). شدّد مت ومر على القول بأن نشاط يسوع جعله يجول (باريأغاين؛ 9: 35؛ 23: 15) في كل أنحاء الجليل. ومسيرة يسوع هذه توافق وجهة هامّة من رسالته. هو لا يتوخّى أن يمشي بضع خطوات مع مجموعة من التلاميذ، كما يفعل الرابانيون. ولا أن يجمع أناساً أنقياء في البرية، كما يفعل الاسيانيون، بل يريد أن يوجّه كلامه إلى كل الشعب في كل بلد، في الجليل، في المدن العشر.
نُدهش بعض المرات حين نرى مت يتحدّث هنا عن تعليم (ديدسكو) يسوع، قبل أن يتحدّث عن كرازته (كاريسو، البشارة الأولى، الإعلان الأول). فالتعليم، كما نعرف، يتوجّه إلى أولئك الذين جمعتهم الكرازة (رج مت 28: 16 ي: تلمذوا، عمّدوا، علّموا). تلك هي القاعدة العامة (8: 19؛ 22: 36؛ 23: 8). ولكن التعليم هنا يعني كرازة يسوع في المجامع، ومضمونها نجده في ما يعلنه يسوع من أقوال على الجموع (لو 4: 16 ي). ثم قد نرى مت يستبق "التاريخ" والواقع، فيرى من خلال نشاط يسوع نشاط كنيسته التي تعلّم المؤمنين مقتفية خطى معلّمها.
لماذا يذهب يسوع إلى المجامع؟ هناك سبب عمليّ. ففي السبت يجتمع اليهود فيسمعون كلام الله ويصلّون معاً. إذن، هي مناسبة لإيصال التعليم. هذا ما فعله الرسل سواء في فلسطين أم في كل المدن التي حوت مجامع. وقد ذهب يسوع أيضاً إلى المجامع ليقرأ مع شعبه الكتب المقدسة ويفسّرها. سيتساءل الناس في ما بعد عن تعاليم يسوع، عن المدرسة التي درس فيها. لقد تعلّم التوراة، شأنه شأن اترابه، في المجامع.
غير أن يسوع لم يحصر نشاطه في المجامع. فإعلان الكلمة يتوجّه إلى الفئات التي لا تجيء إلى اجتماعات الجماعة. لهذا وجب أن يذهب إليهم، أن يذهب في طلبهم كالراعي وراء الخراف الضالة. وسيتبع الرسل يسوع في هذا المجال، فيتوجّهون إلى الوثنيين حيث يكونون: في الساحة العامة في اثينة (أع 17: 22). على شاطىء النهر في فيلبي (أع 16: 13). في مدرسة تيرانولس في أفسس (أع 19: 19). بل في سجن قيصرية ورومة وأفسس.
"يبشّر بإنجيل الملكوت". إنجيل الملكوت عبارة خاصة بكنيسة متّى. هو الكرازة التي موضوعها ملكوت الله كما كشفه المسيح ودشّنه (4: 17). وهو لا يُلمّح إلى إنجيل آخر. نحن نجد هذه العبارة في 9: 35 (يكرز بإنجيل الملكوت)؛ 24: 14 (سيبشّر بإنجيل الملكوت). ورد ما يقابلها في لو 4: 43 (أبشّر المدن الأخرى بملكوت الله) و8: 1 (يعظ ويبشر بملكوت الله). أما مر فتحدّث بالأحرى عن إنجيل يسوع المسيح، عن إنجيل الله، عن الإنجيل (1: 1، 14، 15؛ 8: 35؛ 10: 29؛ 13: 10). إن العبارة المتّاوية (إنجيل الملكوت) توافق كل الموافقة مجمل هذا الإنجيل الذي هو مبنيّ كله حول فكرة الملكوت.
والكلام عن يسوع كالشافي يأتي في الدرجة الثالثة. هذا أمر مهمّ في إجمالة تتحدّث عن نشاط يسوع في نظرة شاملة. فالأشفية تأتي بعد الكرازة والتعليم. وإن أشفية يسوع تدلّ حقاً على سلطانه في إعلان ملكوت السماوات وتدشينه (9: 6؛ 11: 2- 6؛ 21: 23؛ لو 11: 20).
ويوضح النصّ هنا أنه يشفي كلّ المرضى (رج 12: 25، شفاهم جميعاً). لا نأخذ هذا التفصيل بالمعنى الدقيق، لأن مجمل الخبر الإنجيلي يدل على أن يسوع لم يشفِ جميع المرضى، ولا هو أخرج جميع الشياطين. يتحدّث مرقس في النص الموازي عن يسوع الذي يشفي المرضى، أي بعض المرضى. وهكذا يدلّ على ملكوته وسلطته الخاصة في هذا الملكوت.
يتحدّث مت عن الشعب، أي شعب إسرائيل. فموضوع الشعب عزيز على قلب الإنجيليّ الأول. وقد ذكره في 1: 21 (يخلّص شعبه من خطاياهم)؛ 2: 6 (زعيم يرعى شعبي)؛ 4: 16 (الشعب الجالس في الظلمة). هذا ما عدا النصوص العديدة. أما هنا فيبدو المعنى كما يلي: حين شفى يسوع مرضى هذا الشعب، فكأني به شفى كل هذا الشعب، وحمل إليه الخلاص "من خطاياه" (1: 21).
"وذاع خبره في سورية كلها" (آ 24). نجد لفظة "اكوي" (خبر، شهرة) في العهد الجديد مع ثلاثة معانٍ رئيسية: ما نسمعه بالأذن (13: 14؛ لو 7: 1). الكرازة (10: 16- 17؛ غل 3: 2). الشهرة، والسمعة، الصيت (14: 1؛ 24: 6 وهنا). لا يريد النصّ أن يقول إن الجماعة بدأت تستمع إلى كرازة يسوع، بل إنها تأثرت بالأشفية التي يجترحها.
في العهد الجديد دلّت "سورية" بشكل عام على مقاطعة سورية الرومانيّة (لو 2: 2؛ أع 15: 23، 41؛ 18: 18؛ غل 1: 21). قد يكون هذا المعنى ممكناً إذا جعلنا متّى يفكّر بالمكان الذي تقيم فيه الكنائس التي يكتب إليها. وفي معنى أدقّ، تدلّ "سورية" على البلاد القريبة من الجليل، وذلك بحسب الإستعمال اليهوديّ. في مر 7: 26، السورية الفنيقيّة هي فينيقيّة من مقاطعة سورية الرومانيّة. كان بومبيوس قد احتلّ سنة 65 ق. م. سورية التي صارت حينئذاك مقاطعة رومانيّة (رج لو 2: 2).
وترد أسماء الأمراض. نحن هنا في إطار بلاغيّ وتربويّ. فيسوع لا يقف أمامه مرض ولا سقم. والعبارة التي نقرأها في مر هي أكثر إيجازاً (14: 35) ولكن لها المعنى عينه. والمرض كما يقول الرابانيون يكفّر عن الخطيئة. إذن، هي علامة عن الخطيئة وعقاب فرديّ لما اقترفه الإنسان في حياته. وغفران الخطايا كان يرافق الشفاء من الأمراض. مز 103: 3: "هو الذي يغفر جميع آثامك، ويشفي جميع أمراضك". "من خطىء أمام صانعه، فليقع في يدي الطبيب" (سي 38: 15، أي ليمرض). لهذا كان يتشكّك خصوم يسوع حين يرونه يشفي المرضى. يكفي أن يشفي بعضهم ليدلّ على قرب ملكوت الله، ليدلّ على عمل الله في العالم. وإن شفاهم كلّهم، كما قال مت، فهذا يعني أنه الله الذي جاء يحمل إلينا غفران جميع خطايانا والشفاء من جميع أمراضنا. ولكن هذا أمر غير معقول في يسوع الذي بدا أمامهم إنساناً وحسب.
"فتبعته جموع كثيرة" (آ 25). تشكّل هذه الآية وحدها "إجمالة" بحصر المعنى. وهي تقابل مضمون مر 3: 7- 8 ولو 6: 17، ولكنها ليست في محلّها هنا. إنها تقدّم صورة عامّة عن نشاط يسوع، وقد زادها الإنجيليّ بعد آ 24. سنجد بعض عناصرها في 12: 15: "فعلم يسوع، فانصرّف من هناك، وتبعه كثيرون فشفاهم جميعاً".
ذكرَ الجليل والمدن العشر وأورشليم واليهوديّة وعبر الأردن. هذا يعني أنهم كانوا يأتون إلى يسوع من كل مكان. وسمّى مر صور وصيدا، ولكن مت ألغاهما لأنه ذكر سورية في آ 24. وقال لو 6: 17 في بعض غموض: "المنطقة الساحليّة. منطقة صور وصيدا". المدن العشر (دكابوليس) كانت تقع في عبر الأردن. شرقيّ الاردن. كانت مجموعة من المدن الهلنستيّة (ثقافة يونانيّة، عوائد يونانية) التي ضمّها اسكندر يناي إلى يهوذا أو اليهوديّة، ثم جعلها بومبيوس في مقاطعة سورية الرومانيّة. أما أهم هذه المدن فهي: بلا، فيلدلفية (عمّان اليوم) سيتوبوليس (أو: بيت شان)، جراسة (أو: جداره). يركما اليهود أن هذه المدن هي أرض غريبة، وقد أقام فيها أهل اليونان وأهل سورية، كما أقام فيها عدد كبير من اليهود.
لقد أراد الكاتب الإنجيليّ أن يشدّد على تمازج الناس الذين يتبعون يسوع. إليهم تتوجّه تعاليم ف 5- 7. وسوف نراهم من جديد في 7: 28: "ولما فرغ يسوع من كلامه، بُهتت الجموع من تعليمه".

خاتمة
وهكذا نجد القرار الذي اتخذه يسوع بأن ينطلق إلى الأمم الوثنيّة. ترك البرية حيث تكوّن شعب إسرائيل، وتوجّه إلى شاطىء البحيرة، إلى "جليل الأمم". هذا الجليل الذي يعيش فيه اليهود والوثنيّون. بل ذهب إلى المدن العشر حيث وُجدت أقليّة يهوديّة مع السوريّين واليونانيّين. وهكذا بدأ يسوع يبني إسرائيل الجديد، يبني ملكوت السماوات من جميع الشعوب، لا من شعب واحد. وهكذا لم تعد أرض الموعد محصورة في فلسطين أو في قسم صغير في فلسطين، بل صارت سورية كلها بل العالم الروماني والعالم كله بعد أن أرسل إليه يسوع تلاميذه وأوصاهم أن يصلوا إلى أقاصي الأرض.
المَرحَلَة الثالِثَة
الخطبَة الأولى
العِظَة عَلى الجَبَل

نبدأ هنا الكتيّب الأول الذي يضمّ مرحلتين. الأولى: يسوع يعلّم بسلطان (ف 5- 7). والثانية: سلطة الملكوت، يسوع يشفي المرضى (ف 8- 9). يبدأ هذا الكتيّب في 4: 23: وكان يسوع يطوف في الجليل كله. وينتهي في 9: 35: وكان يسوع يجول في جميع المدن والقرى. نتوقّف هنا عند المرحلة الثالثة التي تقدّم لنا الخطبة الأولى بين الخطب الخمس والتي سمّيت عظة الجبل.
وإليك فصول هذه المرحلة:
1- يسوع يعلّم بسلطان، ف 5- 7
2- التطويبات، 5: 1- 12
3- ملح الأرض ونور العالم، 5: 13- 16
4- الشريعة الجديدة، 5: 17- 37
5- من الانتقام إلى محبّة الاعداء، 5: 38- 48
6- الصدقة والصلاة والصوم، 6: 1- 8، 16- 18
7- الصلاة الربيّة، 6: 9- 15
8- الكنز الحقيقيّ، 6: 19- 24
9- الخيار المسيحيّ، 6:- 15- 34
15- شروط المحبّة الحقة، 7: 1- 12
11- الباب والطريق. الشجرة والثمار، 7: 13- 20
12- المسيحي الحقيقيّ، 7: 21- 29.
الفصل السادس عشر
يسوع يعلّم بسلطان
ف 5- 7

1- موقع العظة على الجبل
إن يسوع الذي دُعي المسيح، الذي سمّي عمانوئيل، أي الله معنا، قد وُلد في بيت لحم. من هناك مرَّ إلى الناصرة، وجاء إلى الأردن لكي ينال المعموديّة كالابن الحبيب الذي دلّ عليه الصوت الآتي من السماء. ثم عاد إلى الجليل فجعل من كفرناحوم مركز نشاطه التعليميّ. إنه يحمل كلمة سيعلنها على الجميع، يحمل الإنجيل أي الخبر الطيّب.
وتوجّه إلى الجموع التي جاءت إليه فأظهر سلطة مدهشة. كشف لهم بقوّة متطلّبات حياة يعيشها الأبناء مع الله، والأخوة بعضهم مع بعض. وهكذا قاد الشريعة اليهوديّة إلى ملئها وكمالها. هذا هو البرنامج التي تتوسّع فيه الخطبة الشهيرة التي تسمّى "عظة الجبل". والتي قد نسمّيها: "أقوال يسوع الإنجيليّة".
هذه الخطبة المتّاويّة الأولى هي من تأليف الإنجيليّ. كانت هناك مواد تتردّد في الجماعة فجمعها متّى بطريقته. فإذا ألقينا نظرة إلى الإزائية نكتشف أن النصوص الموازية في لوقا وفي مرقس، وإن كانت أقلّ مما في مت ولو، ترد في أماكن أخرى، وفي أطر مختلفة. فتنظيم هذه الخطبة وموقعها في بداية حياة يسوع العلنيّة يتجاوبان مع اهتمامات خاصّة بمتّى.
تحدّث لوقا ومرقس أيضاً عن "الجبل". ولكنهما ربطاه بنداء الاثني عشر. فعند لوقا، يذهب يسوع إلى الجبل، وبعد أن يقضي ليلته في الصلاة إلى الله، يختار لنفسه اثني عشر رسولاً. ثم نزل معهم وتوقّف في "السهل". وإذ رفع عينيه إلى التلاميذ ألقى خطبة تبدأ بأربع "تطويبات" تتبعها أربع "تويّلات" (لو 6: 12- 26). وتحدّث مرقس أيضاً عن الاثني عشر الذين دعاهم يسوع على الجبل (مر 3: 13- 19). ولكننا لا نجد أثراً لخطبة ولا لتعليم يُلقى على الجمع.
هذه التوازيات تُبرز أصالة المتتالية المتّاوية. أورد متّى نداء الأخوين الأولين ثم الأخوين الآخرين على شاطىء البحر (4: 18- 22). ووصول الجموع الكثيرة (4: 25) التي تبعته كما تبعه التلاميذ. وها هو يزيد الآن: "فلما رأى الجموع، صعد إلى الجبل". لم يقل هذا لكي يجعلنا نشهد صلاة يسوع أو اختيار الاثني عشر، بل ليجعلنا نسمع التعليم الذي يُلقيه على الجميع. "ولما جلس دنا إليه تلاميذه، ففتح فاه وجعل يعلّمهم قائلاً" (5: 1- 2).
نلاحظ أن متّى يذكر هنا وللمرة الأولى ذكراً واضحاً "التلاميذ" دون أن يكون قبل ذلك قد حدّد هويّتهم. يقول لنا النصّ فقط إنهم يشكّلون مجموعة قريبة من يسوع ومتميّزة عن الجموع. وإذ حدّد مت خطبة يسوع على الجبل (لا في السهل، كما قال لو)، فقد أراد أن يذكّر القرّاء بعطيّة الشريعة على جبل سيناء. يقول التقليد اليهودي إن موسى صعد إلى الجبل برفقة هارون وناداب وابيهو وسبعين من شيوخ إسرائيل (خر 24: 9). أما الشعب فظلّ في أسفل الجبل (خر 24: 1- 2).
جلس يسوع حين كان يعلّم، وجلوسه يذكّرنا بما يفعله الرابي حين يفسرّ الكتب المقدّسة (كان الخطيب اليونانيّ يقف حين يعلّم). نستشفّ هنا صورة عن الجماعات الأولى التي تضمّ التلاميذ إلى الجموع التي لم تصر بعد مسيحية. كلهم يجتمعون لكي يسمعوا إعلان الكلمة بفم رئيس الجماعة وإمامها.
ذكر مت الجموع في البداية (5: 1)، وسيذكرها في النهاية (7: 28)، فيبرز بشكل خفر البُعد الشامل لتعليم يسوع الذي كان يشفي "كل مرض وكل سقم في الشعب" (4: 23). نجد الكون كله في عظة الجبل: الأرض (5: 4، 13، 18، 35؛ 6: 10، 19)، والسماء (5: 18، 34؛ 6: 10، 20، 26)، والعالم (5: 14)، والنور (5: 14، 16؛ 6: 23)، والظلمة (6: 23)، والشمس والمطر (5: 45). وهكذا نلتقي بإطار جغرافي اكتشفناه في ف 3 و4، فنفهم البعد الشامل لكلام يسوع. غير أن التلميح إلى جبل سيناء يدلّ على أن هذه الشموليّة تنطلق من وضع محدّد هو ماضي شعب إسرائيل. فكلام متّى يتوجّه أول ما يتوجّه إلى هؤلاء المسيحيين الآتين من العالم اليهوديّ. فلا بدّ من ربط الإنجيل بالعهد القديم، ويسوع بموسى، وهكذا يفهمون أنهم حين ينتقلون من العالم اليهوديّ إلى العالم المسيحيّ، لا يتنكّرون لماضيهم، بل يرفعون هذا الماضي إلى مستوى الحاضر، والقديم إلى مستوى الجديد، وموسى إلى المسيح. إن ديانتهم تجد كمالها في المسيح كما النهر يصبّ في البحر مع غيره من الأنهار فيصل إلى الهدف الذي لأجله خُلق.

2- بنية العظة على الجبل
إن غنى المواضيع التي تتلاقى في هذه العظة، لا تتيح لنا بأن نرى تصميماً إجمالياً يوافق التناسق والمنطق معاً. لهذا، لن نعجب حين لا نرى الاجماع حول التصميم الذي يقدّمه هذا الشارح أو ذاك. لن نتوقّف عند تنوّع هذه التصاميم، بل نلاحظ ثلاث مراحل كبيرة في هذا النصّ كما حمله إلينا التقليد، ونتجنّب تفتيت النصّ إلى مقاطع وجمل صغيرة كما يفعل أصحاب التاريخ التكويني (يدرس كيف تكوّنت النصوص على مدّ السنين).
أ- المرحلة الأولى: مقدّمة الخطبة (5: 3- 16)
تقدّم التطويبات على أنها كمال الشريعة. في هذه المجموعة نرى الأفعال تنتقل من صيغة الغائب (طوبى لهم لأنهم يعزّون، هم) إلى صيغة المخاطب (أنتم ملح الأرض). وهذا ما يساعدنا على اكتشاف وحدتين اثنتين:
- الوحدة لأولى: التطويبات. ترد في صيغة الغائب. ضمّت بعضها إلى بعض داخل تضمين يبدأ في آ 3 وينتهي في آ 10: "طوبى للمساكين... فإن لهم ملكوت السموات... طوبى للمضطهدين من أجل البرّ، فإن لهم ملكوت السموات" (5: 3- 10).
- الوحدة الثانية: التطويبة التاسعة التي ترد في صيغة المخاطب (طوبى لكم أنتم)، ويتبعها تحريضان يدعوان التلاميذ والجموع لكي يكونوا ملح الأرض ونور العالم (5: 11- 16).
ب- المرحلة الثانية: جسم الخطبة (5: 17- 7: 12)
نحن هنا أمام توسّع طويل حول "برّ" ملكوت السموات، الذي كُشف لنا في شخص يسوع. إنه يُتمّ كل برّ، ويحدّد موقع الإنسان حقاً أمام الآب وأمام اخوته، ويدلّ على متطلّبات الالتزام الذي يدعونا إليه. تتحدّد هذه المجموعة بتضمين كبير يبدأ في 5: 17 (لا تظنّوا أني جئت لأنقض الناموس أو الانبياء) وينتهي في 7: 12 (ذلك هو الناموس والأنبياء) مع موضوع الشريعة الانبياء، وهو يشمل مقدمة وثلاثة توسّعات:
- المقدّمة (5: 17- 20). فيها يحتلّ يسوع المكانة الأولى (تصبح الأفعال في صيغة المتكلّم المفرد: لا تظنّوا أني جئت أنا لأكمّل أنا). فهو الذي "يكمّل الشريعة". وفي الوقت عينه، هو يعلن الشرط الضروريّ للدخول إلى "ملكوت السماوات": برّ "فيّاض" يتجاوز برّ الكتبة والفريسيين.
- التوسّع الأول (5: 21- 48). يوضح الطريقة التي بها يجب أن تتمّ الشريعة عبر مختلف العلاقات التي توحّد جماعات البشر وتبنيها: العلاقات بين الإخوة (القتل، الغضب، الكلام القاسي). موقف الرجل تجاه امرأته (الزنى، النظرة الرديئة... وما يُقال عن الرجل يُقال عن المرأة). الحقيقة وعدم الكذب في كل حوار بشريّ، الموقف الذي نتّخذه تجاه "الاشرار". تصرّفنا تجاه الأعداء. ويتوزّع هذا التوسّع تكرارُ عبارة "سمعتم أنه قيل". ويقابلها إعلان يسوع: "أما أنا فأقول لكم" (في صيغة المتكلّم المفرد. أنا). وينتهي هذا المقطع الكبير بنداء إلى الكمال على مثال الآب السماويّ. "كونوا كاملين كما أن اباكم السماوي كامل هو".
- التوسّع الثاني (6: 1- 18). انتهينا في التوسّع الأول مع النداء إلى الكمال. وها نحن نتعرّف إلى ما يتضمّنه هذا الكمال في حياة المؤمن اليوميّة مع ثلاث ممارسات من التقوى في العالم اليهوديّ: الصدقة، الصلاة، الصوم. يجب أن نكون في الحقّ، فنرذل كل خبث ورياء. فالمهم هو نظرة الله في الخفية، لا نظرة البشر في الساحة العامة. هنا نفهم لماذا احتلت "الصلاة الربّية (أبانا الذي في السموات) قلب هذ التوسّع، بل قلب عظة الجبل كلها.
- التوسّع الثالث (6: 19- 7: 12). يدلّ على الأبعاد الملموسة للبرّ. كيف نمارسه، في واقع حياتنا اليوميّة؟ يجب أن يكون التزام التلاميذ في خدمة الله، تاماً كاملاً ومحصوراً في الله. هذا يعني أنه يُشرف على السلوك الذي نسلكه تجاه الإخوة على أساس من التفاهم والاحترام والثقة. وهكذا تمتدّ أبعاد البرّ المسيحيّ فتصل بنا إلى ما يسمّى "القاعدة الذهبيّة" (كل ما تريدون أن يفعله الناس لكم، فافعلوه أنتم أيضاً لهم) التي تستضيء في بساطتها بمجمل العظة على الجبل.
ج- المرحلة الثالثة: ختام العظة (7: 13- 27)
نستطيع أن نعنون هذا المقطع: من القول إلى الفعل. نحن هنا أمام نداء ملحّ لكي نتّخذ قراراً يتجسّد في حياتنا، فتظهر حقيقته في ثمر نثمره وفي أساس متين يسند "بيتنا"، كنيستنا وحياتنا.
د- كلمات تكرار
* إذن
حين نقرأ العظة الأولى من عظات يسوع كما أوردها متّى، نلاحظ أهمّية الأداة "إذن" (اون). إنها ترد ثلاث عشرة مرّة. في 5: 19 وبعد الحديث عن مكانة الناموس نقرأ: "إذن، كل من يتعدّى واحدة من هذه الوصايا". وفي 5: 23 وبعد الحديث عن القتل والغضب: "إذن، إن قدّمت قربانك على المذبح". وفي نهاية التوسّع الثاني حول البرّ الذي يُطلب من المؤمنين تأتي النتيجة طبيعيّة: "إذن، كونوا كاملين كم أن اباكم السماوي هو كامل" (5: 48. وتعود "إذن" في 6: 2، 8- 9، 22، 23، 31، 34؛ 7: 11، 12، 24).
إن استعمال هذه الاداة له معناه في إظهار البنية. فهو يشرف على منطق الخطبة. كما يدلّ على جدّية الالتزام الذي يطلبه يسوع. وهذا ما نراه بوضوح في الآيات التي تختتم المقاطع. في 5: 48: "إذن، كونوا كاملين..." في 6: 34: "إذن، لا تهتمّوا للغد". في 7: 12: "إذن، كل ما تريدون أن يفعله الناس لكم". في 7: 24: "إذن، كل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها". هذا دون أن ننسى النصّ الذي يتصدّر خطبة الجبل. "إذن، أنتم صلّوا هكذا" (6: 9 وجاءت الصلاة الربّية).
* الآب
في قلب عظة الجبل قال يسوع باسمنا: "أبانا الذي في السماوات". فلفظة "آب" تدلّ على الله، تدلّ على أبي يسوع وتدلّ على أبي البشر. يقول يسوع: أبي، أبي السماويّ. ويقول مراراً: أبوك، أبوكم. "أبوك الذي يرى في الخفية يجازيك علانية" (6: 4). "كونوا كاملين كما أن أباكم" (5: 48). "أبوكم يعلم بما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه" (6: 8). "إن غفرتم للناس، يغفر لكم أبوكم السماويّ" (آ 14). وهكذا ترد لفظة "آب" 17 مرة في عظة الجبل، فتدلّ على الرباط الجديد بين المؤمن وربّه. لم نعد عبيداً وخدماً، بل صرنا أبناء الآب السماوي مع الابن الوحيد.
* ملكوت السموات
تتكرّر هذه العبارة ثماني مرات في عظة الجبل، فتدلّ على أن ذلك الذي يقيم في السماء يملك على الأرض. على أن ملكوت السماء حلّ على الأرض كما نقول في الصلاة الربّية. لا يقول متّى "ملكوت الله" هنا (رج 12: 28؛ 19: 24؛ 21: 31- 43)، بل ملكوت السماوات، لأن اليهود كانوا يتحاشون التلفّظ باسم الله.
تبدأ أول تطويبة مع "ملكوت السماوات" (5: 3) وتنتهي مع "ملكوت السماوات" (5: 10). وحين يتحدّث يسوع عن الوصايا يقول إن من يتعدّاها "يُدعى الاصغر في ملكوت السماوات" (5: 19). ويتابع في آ 20 مميزاً بين برّ الشخص المسيحيّ الذي يعيش حقاً كتلميذ المسيح، وبين الكتبة والفريسيين. "إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات".
هـ- رسمة سريعة
(1) المدخل: تطويبات ملكوت السماوات (5: 3- 16)
(أ) تطويبات الملكوت (5: 3- 10)
(ب) التطويبة التاسعة، الملح والنور (5: 11- 16).
(2) برّ ملكوت السماوات (5: 17- 7: 12).
مقدمة: يسوع كمالا الشريعة والأنبياء (5: 17- 20)
(أ) تتمّ الشريعة ببرّ فيّاض (5: 21- 48)
- العلاقات بين الاخوة (آ 21- 26)
- وضع الرجل والمرأة (آ 27- 32).
- الصدق في كلامنا (آ 33- 37)
- موقفنا من "الشرير" (آ 38- 42)
- تصرّفنا تجاه الأعداء (آ 43- 47)
خاتمة: كونوا كاملين (آ 48)
(ب) نعيش البرّ في الخفية أمام الآب (6: 1- 18)
مقدمة: الآب أم الناس (آ 1)
- الصدقة في الخفية (آ 2- 4)
- الصلاة في الخفية (آ 5- 8)
- الصلاة الربية (آ 9- 15)
- الصوم في الخفية (آ 16- 18).
(ج) الالتزام الذي يفرضه برّ الملكوت (6: 19- 7: 11)
- التزام التلميذ في خدمة الله.
القرار الضروري: كنزان (آ 19- 21)
طريقتان (آ 22- 23)
خدمتان (آ 24)
طلب الجوهريّ دون قلق ولا همّ:
الملكوت وبرّ الآب (آ 25- 34).
- السلوك مع الاخوة:
لا تدينوا لئلا تدانوا (القشة والخشبة) (7: 1- 5)
لكل انسان مسيرته (الجواهر والخنازير) (آ 6)
نطلب بثقة عن الآخرين (آ 7- 11)
خاتمة: القاعدة الذهبيّة هي خلاصة الشريعة والأنبياء (آ 12)
(3) الخاتمة: ننتقل من الكلام إلى العمل (7: 13- 27)
(أ) الخيار الضروري (7: 13- 23)
- طريقان (132- 14)
- نوعان من الأنبياء (آ 15- 20)
- نوعان من التلاميذ (آ 21- 23)
(ب) نتائج الخيار الذي نتخذه: البيتان (آ 24- 27).

3- تحليل النصّ
أ- المدخل: تطويبات ملكوت السماوات (5: 3- 16)
اسمع المعمدانُ (3: 2) ثم يسوع (4: 17) اعلانهما في ذات الكلمات: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات". هذا ما يدلّ على نظرة فريدة إلى مخطّط الله الخلاصّي عبر تواصل الحركة النبويّة حتى تتمّتها في شخص يسوع بشكل ننتظره ولكنه يحيرّنا.
وهنا، علّم يسوع على الجبل أن ملكوت الله قد اقترب، قد صار حاضراً في التطويبة الأولى والتطويبة الثامنة. كما علّم أن هذا الملكوت قد وُعد به المؤمنون في الأيام المقبلة، وذلك في التطويبات الست الباقية. وهذا الانشداد الذي يظهر منذ البداية في قلب هذه التتمة، يدلّ على الطابع المطلق والتاريخيّ معاً لهذا الملكوت. استعاد متّى العبارة من العالم اليهوديّ، وأعلن أنه "من السماوات" مع أنه ينتشر على الأرض في شخص يسوع. إن هذا الانشداد يبيّن الطابع الاسكاتولوجي لملكوت الله: إنه في نهية الزمن.
تتردّد لفظة "طوبى" (هنيئاً) تسع مرات. فنحن أمام سعادة في المعنى الدينيّ. وهي سعادة تحدّد موقع الانسان في علاقته الحقيقيّة مع الله، وبالتالي مع الواقع الذي يعيشه. وهذه السعادة ترتبط بحقيقة ملكوت السماوات.
أولاً: ثماني تطويبات (5: 3- 10)
"التطويبة" فن أدبي عرفه العهد القديم. نجد هذه اللفظة 48 مرة في التوراة العبرية، 26 مرة في سفر المزامير: "طوبى للرجل الذي لا يسير في طريق الأشرار" (مز 1: 1). ونجد هذه "الطوبى" 60 مرة في التوراة اليونانيّة السبعينيّة. أما ما نقرأه هنا في متّى، فنجده قريباً مما توسّع فيه مز 41: 2: "طوبى لمن يراعي المساكين". ثم إن ما نجده في مز 1؛ 119 يرتبط بالشريعة وممارستها، وهذا ما يقرّبنا من مواضيع متّاوية.
نستطيع أن ندرس التطويبات فنتوقّف عند التي تربطنا بالله، والتي تعني القريب، أو تتعلّق بالإنسان في فقره، أو تدلّ على موقف إيجابي عنده. وهناك من حاول أن يجد التعبير الأول للتطويبات انطلاقاً من مقابلة بين نصّ متّى ونصّ لوقا. وهناك من يسترعي انتباهه التضمينُ فيرى في هذه التطويبات الثماني واقعاً واحداً وحيداً.
نلاحظ أولاً التعليل "لأن". "طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات". في آ 3، 10، نجد الفعل في صيغة الحاضر: المساكين هم سعداء. وأساس سعادتهم مجيء ملكوت السماوات أي حضور المسيح. بعد ذلك، سيكون الفعل في صيغة المضارع فيدلّ على المستقبل: سوف يعزّون، سوف يُشبعون، سوف يُدعون أبناء الله. فسعادة الإنسان "التعيس" لا تكشف عن أساسها إلا في ضوء التتمة التي يحملها مجيء المسيح.
إذن، كل شيء أُعطي منذ الآن في يسوع المسيح. وإن كان الملكوت قد أعطي الآن في يسوع، فهو لم يصل بعدُ إلى كماله فينا. وتأتي التطويبة الثامنة في صيغة الحاضر أيضاً، شأنها شأن التطويبة الأولى. وهي ترتبط بالبرّ "للمضطهدين من أجل البرّ". أي: الذين عاشوا بحسب إرادة الله. الذين حاولوا أن يدخلو في مشروع الله وبناء ملكوته على الأرض. هؤلاء لن يقبلهم الناس.
ثانياً: التطويبة التاسعة والملح والنور (5: 11- 16)
تبدو التطويبة التاسعة تكراراً للثامنة. ولكن متّى يؤوّنها بالنسبة إلى كنيسته. فالمؤمنون يُضطهدون الآن. وفي هذا الوقت بالذات يكتشف التلاميذ حقاً أنهم تلاميذ. كما يكتشفون سعادتهم حين يُضطهدون على مثال الرسل الذين أوسعوا ضرباً من قبل رؤساء المجلس (أع 5: 41).
"إفرحوا وابتهجوا". فعلان يستعملهما العهد القديم ليحتفل بخيرات الله المخلّص (حب 3: 8) في أواخر الأزمنة. فعلان يعودان أيضاً في 1 بط 1: 8؛ 4: 13- 14، ليدلاّ على فرح المسيحيّين المضطهدين. فحين يحس المؤمن بالفرح يوم يشارك في آلام يسوع مشاركة حميمة، يدرك أن ملكوت الله قد جاء حقاً. لهذا، سيكون أجره عظيماً في السماء.
ويأتي الكلام عن الملح والنور. هما عنصر أساسي في حياة الإنسان. بدونهما لا طعم للعيش ولا لون. الملح يطهّر ويحفظ، والنور هو ما يعطي الحياة معناها. الجماعة هي ملح الأرض، لأنها تعطي البشريّة قيمتها الحقيقيّة. والملكوت هو نور العالم بواسطة كل واحد منا.
ب- برّ ملكوت السماوات (5: 17- 7: 12)
يسوع هو كمال الشريعة والأنبياء. إذن، لا بدّ من المرور به لندخل إلى ملكوت السماوات، لأن فيه تأخذ أصغر الوصايا كل معناها. يسوع هو المقياس. فالواحد منا يكون كبيراً أو صغيراً بقدر ما "يمسك" به من هو كمال الشريعة والانبياء. والشريعة والبرّ والانبياء، كل هذا يأخذ بُعده الحقيقيّ من يسوع. في العهد القديم كان انفصال بين هذه الثلاثة: دلّت الشريعة على إرادة الله كمبدىء العهد وسيّد التاريخ البشريّ. وكان البرّ طريق المجهود البشري لكي يطيع الإنسان هذه الإرادة كما تسجّلت في الشريعة. وكمال النبوءات عبّر في التاريخ البشريّ عن أمانة الله التي أعلنها الأنبياء حين فسّروا الشريعة.
والآن، تكلّم يسوع بسلطان مطلق. "الحق أقول لكم". ترد هذه العبارة 30 مرة في مت، 14 في مر، 7 في لو. وقابلها في يوحنا "آمين أقول لكم" 25 مرة. لا شيء يقابلها في العهد القديم. لهذا اعتبر الشرّاح أنها خاصة بيسوع. نقرأ في 5: 18: "الحق أقول لكم: إنه إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول من الناموس ياء واحدة". ونقرأ في آ 20: "إني أقول لكم: إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيّين". إن يسوع يكمّل الشريعة، ويكفل كل برّ. وإذ يكمّل الكتب معطياً إيّاها تفسيراً جديداً، فهو يحقّق ما كتبت عنه.
أولاً: تتمّ الشريعة حين يزيد برّنا (5: 21- 48)
إن يسوع يُتمّ الشريعة على المستوى التعليميّ حين يفسّرها لا كما يفسّرها الكتبة، بل يعطي رأيه الشخصيّ. بل إن تفسيره هو من مستوى آخر. فهو يجعل فيها حياته وموته. هو لا يُحلّ فرائض جديدة محلّ الفرائض القديمة، ولا يجعل شريعة جديدة مكان شريعة قديمة. هو ما جاء يلغي الشريعة التي أعطيت للآباء، منذ أيام البرية، بل جاء يعيد للشريعة مكانها في وضعها الأصيل والجذريّ معاً.
كمال الشريعة على مستوى الأخوّة لا يتوقّف عند القتل، بل يذهب أبعد من ذلك. وعلى مستوى الزواج والطلاق. سيجعل السامعين يستصعبون مثل هذا الكلام ويقولون: "إن كانت تلك حالة الرجل مع امرأته فافضل له أن لا يتزوّج" (19: 10). والمثل الثالث يمنع كل قسَم... وفي النهاية يدعونا يسوع إلى محبّة الأعداء لكي نتشبّه بالآب السماوي.
وينتهي كلام يسوع: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماويّ هو كامل". كونوا كاملين بالكمال الذي يميّز الآب السماويّ. ولكن تبقى العبارة محيرّة لأن الكتاب لا يقول إن الله كامل. بل إن أعماله كاملة (تث 32: 4). طرقه كاملة (2 صم 22: 31). شريعته كاملة (مز 19: 8). في هذه الخلفيّة البيبليّة نفهم كمال الله حباً مجانياً شاملاً يمنح خيراته للجميع. وعمل الله هو كامل حين يصل إلى هدفه.
ثانياً: نكون أبراراً في الخفية، أمام الله (6: 1- 18)
نجد هنا مثلّئاً يسبقه مبدأ عام: من أراد أن يلاحظه الناس، خسر كل "جزاء" لدى الآب الذي في السماء. إن هذه اللفظة (مستوس) قد استعملها مت 5: 12 متحدّثاً عن الفرح الذي يشعر به التلميذ في قلب الاضطهاد. لسنا أمام أجر لمجهود قمنا به، بل وحي يدلّ التلميذ على ما أتمّه يسوع في حياته.
أراد يسوع أن يشدّد على بطلان عمل بشريّ لا يتعدّى العلاقات الطبيعيّة (5: 46). وهو الآن يأمرنا بأن لا نصوم ونصليّ لكي يرانا الناس، كما يفعل المراؤون. فعلى المستوى الذي يقفون، قد نالوا أجرهم وهو رضى الناس. الرياء يقوم بأن نحوّل العمل عن وجهته الأخيرة. نعمله إكراماً لله فيصبح إكراماً للناس. فليعطنا الناس أجر ما عملناه لأجلهم.
ما الذي يجب أن نعمله بشكل إيجابي؟ تكون الصدقة في الخفية، حيث يلج نظر الآب. والعمل في الخفية لا يعني العمل الخفيّ. فالعمل العلنيّ قد يكون عملاً في الخفية: يجب أن يجعلنا في الحقيقة أمام الآب. فالذي يتّخذ موقفاً نبوياً أمام الله وسط الجموع الغفيرة، يكتشف أن أجره يقوم في هذه العلاقة الصريحة مع الآب. وهكذا لن يكون تعارض بين "عمل في الخفية" و"ليضيء نوركم أمام الناس".
ويُدرج متّى في قلب هذا المثلّث الصلاة الربّية. طلبات ثلاث تعني اسم الله وملكوته وإرادته. وهي تبدو بشكل تمنٍ والتزام. فالابن الذي يصليّ إلى أبيه يتوجّه إلى "اسمه" أي كائنه الحميم، وإلى قداسته، ويدرك حضوره كقوّة لا حدود لانتشارها. ويبدو له "ملكوته" ككمال يحمله يسوع، وارادته كحركة عميقة من حبّه (من روحه) يُدعى إلى أن يرتبط بها في عمق كيانه. تلك هي الأبعاد الأولى للصلاة المسيحيّة: إقرار بقداسة الآب، دخول في حركة ارتداد دشّنها يسوع بكلامه، إدراك أنيّ وفاعل لـ "سرّ" الله. وإذ تخضع السماء في طبيعتها للخالق، يُعطى للإنسان أن يدخل بملء حريته في إرادة الآب.
مع الطلبة الرابعة ندخل في الحياة الماديّة الملموسة، ونطلب من الرب أن يغفر لأننا نحن غفرنا. فمن لا يغفر لا يستطيع أن يتمتّع بغفران الله له. وتأتي الطلبتان الأخيرتان منذ الآن على الواقعيّة التي يعيش فيها المسيحيّ: إن الشّر حاضر في العالم، وكل منا يدركه في أعماق قلبه كما في أعماله اليوميّة.
ثالثاً: الالتزام الذي يفرضه برّ الملكوت (6: 19- 7: 11)
هنا يبدأ توسّع ثالث يتعمّق في أبعاد البرّ المسيحيّ الذي يجعلنا متّى نكتشفه في عدد من أقوال يسوع تبدو للوهلة الأولى مبعثرة. أما هدفه فهو إبراز جذريّة الالتزام من أجل الملكوت. فعمق العلاقة البنويّة يحوّل العلاقات الأخويّة، وصحّة هذه العلاقة تقاس بالأعمال وليس فقط بالأقول والنيّات.
تتكرّس المجموعة الأولى (6: 19- 34) لدعوة التلاميذ لالتزام حصريّ في خدمة الله. وتنقسم إلى وحدتين: الأولى توضح القرار الذي هو في أساس هذا الالتزام. والثانية تتوسّع في هذا الموقف الذي يميّز طلبنا لما هو ضروريّ: نبعد عنا كل همّ.
هناك خيار حاسم لا بدّ منه، وهو يقف على ثلاثة مستويات: نتخلىّ أولاً عن كنوز سرابيّة ونتعلّق بالكنز الحقيقيّ. ثم نختار النور لا الظلمة، فتكون عيننا سليمة صحيحة لا عليلة. وأخيراً يُطلب من المؤمن أن يخدم (يتعبّد) المعلّم الحقيقيّ، السيّد الحقيقيّ، فلا يبحث عن طمأنينة كاذبة، ولا يعتبر أنه يستطيع أن يستند إلى "مامون"، إلى ماله وغناه. هو لا يستطيع أن يعبد الله والمال.
وحين يطلب الإنسان ما هو جوهريّ، أي ملكوت الله وبرّه، لن يبقى عليه أن يترك هموم الأرض تسيطر عليه. ويستعيد مت ستّ مرات فعل "مارمنان" (اهتمّ) (آ 25، 27، 28، 31، 34 مرتين). هو نداء أن نترك كل قلق عميق، لأننا أمام نظر الآب الذي يعرف ما نحتاج إليه (6: 8؛ 6: 32).
وتحدّد مجموعة ثانية (7: 1- 11) السلوك الواجب اتخاذه تجاه الاخوة. في هذا لمقطع المبنيّ بشكل مثلّث، يحذّر يسوع سامعيه من بعض تفسيرات خاطئة للشريعة. الأول: "لا تدينوا". هذا لا يمنعنا من أن نعطي رأينا، ولكنه يمنعنا من احتقار القريب والحكم عليه. فالله وحده هو الذي يدين في النهاية. التحذير الثاني: "لا تعطوا الأشياء المقدّسة للكلاب". الكلاب هم اعدء البار (مز 22: 17). ونحن حين ننقل التعليم، نحترم مسيرة كل إنسان، ولا نستبق "تدخل" الله. فمن أسرع في عرض الإنجيل، عرّضه لأن لا يُفهم ويُعادى.
والقول الثالث: "أطلبوا يُعطى لكم". فالطلب يجعلنا في علاقة بنويّة مع الآب. وحين ننفتح على صلاحه، نبدأ بتقبّل خيراته، نتركه يأتي إلينا. وتأتي خاتمة هذه المجموعة في القاعدة الذهبيّة. هذه القاعدة التي عرفها العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ، قد استعادها الإنجيل بشكل نداء نتجاوز فيه ذواتنا يوماً بعد يوم. لم نعد أمام حسابات مذمومة: تعطيني فأعطيك. بل أمام نداء حبّ الله الذي يفرض علينا أن نكون اخوة للجميع.
ج- ليس من يقول: يا رب، بل من يعمل (7: 13- 27)
تتركّز نهاية الخطبة على فعل "بوياين" عمل، صنع. هو يرد 11 مرة من آ 12 إلى آ 26. وقد جمع متّى هنا ثلاثة أقوال ليسوع. وكل قول يتضمّن نقيضة تدعونا إلى أن نتخذ قرارنا بالنسبة إلى الملكوت. هناك الباب الواسع والباب الضيّق، الطريق الرحبة والطريق الحرجة (آ 13- 14). والنقيضة الثانية: الانبياء الكذبة والانبياء الصادقون، الشجرة الجيّدة والشجرة الرديئة، الثمر الجيّد والثمر الرديء (آ 15- 20). والنقيضة الثالثة: من يقول ومن يعمل. الأولى لا يعرفه الله. والثاني وحده يدخل إلى الملكوت (آ 21- 23). وتنتهي كل هذه المجموعة بمثَل البيتين والنداء إلى العمل لا الاكتفاء بالسماع. فكلمة الله ليست فقط خطاباً نسمعه ونفسّره. إنها شخص نجعله حياة في حياتنا وعملاً في عالمنا. الحكيم الحكيم هو من يسمع كلام المعلّم ويعمل به. أما الجاهل فهو وإن سمع يتصرّف وكأن الله غير موجود، وكأن وصاياه لا قيمة لها. هو يشبه صاحب المزامير (53: 2) الذي قال: "ليس إله". الله غير موجود.
ويختم متّى هذه الخطبة (عظة الجبل) باعتبار حول تأثير كلمة يسوع في قلوب سامعيه، في كل زمان ومكان. كشف لنا يسوع كيف يفعل فينا حبّ الآب. وحين نعيش تحت نظره، تتبدّل نفوسنا، وتتحوّل علاقاتنا مع اخوتنا، كما يتجلّى نظرنا إلى الأمور المادية من مال وخيرات وأعمال. بعد هذا نفهم أن يسوع استطاع أن يعطينا تعليماً "بسلطان" عن الشريعة، وفرض علينا التزاماً لا مساومة فيه في خدمة هذا الآب، "الذي في السماوات". كما فرض علينا أسلوباً جذرياً تجاه الاخوة، فلا نعاملهم كما يعاملوننا وحسب، بل نحبّهم كما يحبّ الآب الأخيار والاشرار معاً. هذه السلطة أدهشت الجموع كما ادهشت التلاميذ، لأن تعليم يسوع كان أبعد ما يكوّن عن تعليم الكتبة والفريسيّين. دُهش الجميع، فما بقي لهم إلا أن ينزلوا من الجبل على خطى يسوع ويتبعوه، فيكتشفوا فيه أكثر من شخص يشفيهم من كل مرض وعلّة. أن يكتشفوا فيه ذاك الذي يدعوهم إلى الايمان به على أنه المسيح ابن الله الحيّ.

4- التعليم اللاهوتي في عظة الجبل
قرأ الشرّاح التطويبات وحاولوا أن يكتشفوا ما جاء قبلها، أن يكتشفوا الوثيقة الأولى التي ألهمتها، ليحدّدوا مرمى كل إنجيليّ (متّى، لوقا) بالنظر إلى هدفه والمحيط الكنسي الذي إليه يتوجّه. وهكذا اكتشف بعضهم في هذا الينبوع المشترك، مدلولاً مسيحانياً للتطويبات: الفقراء والجائعون والحزانى والمضطهدون هم المميّزون الذين حمل إليهم المسيح البشارة مدشّناً العهد المسيحانيّ.
أوضح لوقا هذ المرجع الأولاني فطبّقه على مسيحيّة متطوّرة وعُرضة للصراع الاجتماعيّ. حينئذٍ يصبح الفقراء الأعضاء المتألمّين في الجماعة، الذين يسحقهم الأغنياء، ولكنهم وُعدوا بالخلاص بقدر ما يختارون يسوع من دون قيد ولا شرط.
وحدّد متّى بدوره النداء الحاسم في تعليم اسكاتولوجيّ في منظار عمليّ وحسيّ. نحن أمام برنامج عن البرّ المسيحي والحياة بحسب وصايا الله. نحن أمام موقف دينيّ نعبر عنه بالأعمال. نحن أمام أخلاقيّة للملكوت صاغها متّى انطلاقاً من كلام المسيح من أجل جماعته.
ويُطرح السؤال: على ماذا يشدّد متّى في النهاية؟ هل يقدّم توجّهاً كرستولوجيا أم تعليماً أخلاقياً؛ لا نستطيع أن نفصل بين الإثنين. لأن البشارة التي حملها يسوع تطرح متطلّبة قاسية وتحرّك التزاماً لا مساومة فيه. فالكرستولوجيا ليست غريبة عن الأخلاقيّة. والأخلاقيّة هي امتداد الكرستولوجيا. وما دمنا لا ندرك أن الشريعة قد تمّت في الإنجيل الذي هو يسوع، فهي تبقى حملاً لا يُطاق، وتظلّ خارجة عنا.
ولكن الله وحده هو الذي يجعلنا سعداء. والإنسان يحتاج إلى عطيّة الله لكي يقبل بنفسه فقيراً وسعيداً. وفي الوقت عينه، وبفضل الملكوت الذي اقترب، يأتي الله فيملأ فراغاً في قلب الإنسان، ويلبّي استعداداً لقبول متطلّبات الله. فحين يكتشف الإنسان أنه ابن الآب السماويّ، يستطيع أن يتجاوب ونداء المسيح الذي يحرّك فيه التزاماً خلقياً جذرياً وحراً. هذا هو السبب الذي من أجله انتقل مات من إعلان التطويبات (5: 3- 16) إلى التأمّل في يسوع الذي يكمّل الشريعة والأنبياء (5: 17) إكمالاً يصبح حقيقياً في كل أبعاد حياة التلميذ (5: 18- 7: 27).
أعلنت التطويبات منذ ألفَي سنة، ولكن العالم لم يتبدّل. أما يدهشنا هذا الأمر ويجعل بعض اليهود يرون في ذلك برهاناً أن ملكوت السماوات لم يأتِ بعد؟ أتكون هذه التطويبات نوعاً من السراب أو أفيوناً للشعب؟ كلا ثم كلا. فيسوع هو الذي يكمِّلها، وهو الواقع الأخير الذي ينيرها. فإن كان لم يضع حداً للتاريخ البشريّ، فقد اختبر نهاية هذا التاريخ ساعة يجمع ملكوتُ السماوات كل أبناء الآب. وحين ندرك أن يسوع هو التتمّة، ندخل حقاً في أرض الميعاد ونرثها، نناله التعزية والشبع والرحمة، نُدعى أبناء الله ولو كلّفنا ذلك اضطهاد وآلام بها نقاسم يسوع حياته.
منذ ألفَي سنة لم يتغيّر شيء. هذا صحيح إن نظرنا إلى الأمور من الخارج. لأن الله ليس بساحر. غير أن البرّ الذي تمّ بواسطة يسوع قد حمل إلى العالم سعادة كبيرة، فقدّم له رجاء يتجاوزه ويتجسّد حقاً في تصرّفات البشر. فالعنف قد يحلّ محلّه قبول الآخر. والحوار المستحيل يجد له موضع لقاء مع الله... وهكذا يتحدّد موقع الاخلاقيّة المسيحيّة: هي كمال الله السائر في تاريخ البشر. يبقى علينا أن نكتشفه بنظرة جديدة تبعث فينا السعادة.
هذه النظرة الجديدة تكوّن الأجر الحقيقيّ لتلميذ الملكوت، حين يُتمّ "في الخفية" أعماله التقويّة: يراعي أولئك العائشين على هامش المجتمع. يقبل في صلاته صمت الله في العالم فيدرك عمل قدرته الذي لا نراه دوماً. يكون صومه وحرمانه من الطعام فعل إيمان ومشاركة، لا ممارسة خارجيّة وحسب... وهذه الصلاة التي تتواصل عبر أعماله البشر تصبح التزام الحياة كلها وتصبح لقاء مع الله والموضع الذي فيه تتجلّى نعمته.
يبقى في نهاية هذه العظة أن الأعمال هي التي تدلّ على المؤمن. فهناك مسيحيون سمعوا أقوال المسيح ولكنهم لم يعملوا بموجبها. وهناك "وثنيّنون" أدركوا هذه الكلمات في حياتهم دون أن يسمعوها. فالبشريّة كلها مجتمعة على الجبل، تلاميذ وجموعاً. والله هو الذي يدين البشر. هو الذي يعرف الشجرة الصالحة والشجرة الرديئة، هو الذي يعرف بيتاً بُني على الصخر أو على الرمل. الله هو الذي يعرف خاصته، وهو لا يحابي الوجوه. هنيئاً لنا إن عرفنا الباب الضيّق، هنيئاً لنا أن كنا تلك الشجرة الصالحة، هنيئاً لنا إن عشنا التطويبات في حياتنا اليوميّة، فملكوت الله يُعطى لنا، الله يعطى لنا.
الفصل السابع عشر
التطويبات
5: 1- 12

في بنية الانجيل الأولى هنا تبدأ الخطبة الأولى بين الخطب الخمس التي تكوّن اللحمة الأساسيّة في إنجيل متّى. هذه الفصول الثلاثة (5- 7) تنتهي بعبارة (7: 28) تشبه ما في نهاية الخطب المتاوية (ولما فرغ يسوع من كلامه... رج 11: 1؛ 13: 53؛ 19: 1؛ 26: 1)، وترتبط بما نقرأه في العهد القديم حسب السبعينيّة (يش 11: 4؛ قض 3: 18؛ 1 صم 13: 10). إذن، لا نجعل من هذه الفصول الثلاثة ملخّصاً لانجيل متّى، إنها بالأحرى جزء منه.
وفعلَ يسوع مثل الرابانيّين في عصره. ابتعد عن المدن والقرى. ابتعد عن المجامع وأماكن التعليم المختلفة، ليحدّث تلاميذه في هدوء الطبيعة. ولم يحصر يسوع تعليمه في تلاميذه، بل وسّع حلقة "المتعلّمين" فوصل إلى كل الذين يريدون أن يسمعوا كلامه. إلى جموع جاءت من الجليل واليهوديّة... إلى جموع جاءت إلى الكنيسة في أيام متّى. إلينا نحن اليوم.

1- طوبى، طوبى
دشّن يسوع ملكوت الله بالأشفية والتعليم في المجامع. وتبعه بعض التلاميذ. وهكذا لم تكن عظة الجبل بداية مطلقة: فيسوع يتوجّه إلى أناس أدركتهم نعمة الابن وسحرهم مجيء الملكوت فقبلوا متطلباته. وهذه العظة ليست تنظيماً بسيطاً للحياة اليهوديّة، ولا مثالاً لا يتحقّق، ولا نظاما شاذاً يتوجّه إلى البعض أو بمناسبة اقتراب الدينونة. هذه العظة هي خطبة تتوجّه إلى التلاميذ، وبالتالي إلى جميع المسيحيّين. تتوجّه إلى مسيحيّين جاؤوا بأكثريتهم من العالم اليهوديّ فعرفوا شريعة موسى والممارسات الكبرى من صدقة وصلاة وصوم.
نبدأ دراستنا لهذه العظة التي تعكس زمن يسوع وزمن متّى، بالتطويبات، بسعادة التلاميذ الذين تبعوا يسوع وأخذوا بمتطلّباته.
أ- مقدّمة عظة الجبل (5: 1- 2)
إن آ 1 تدلّ على إطار الخطبة: الجبل في المعنى الأول هو جبل قريب من كفرناحوم، قد يكون المسيحيّون اعتادوا أن يحجّوا إليه. لهذا ورد مع أل التعريف (تو اوروس. رج لو 6: 12 ومر 3: 13 الذي هو أساس النصّ المتاوي). وفي المعنى الثاني يلمّح مت إلى الجبل الذي عليه تقبّل موسى الشريعة من أجل شعبه (خر 19- 24). فيسوع هو موسى الجديد. هو النبيّ والمشترع الذي يعلن البشارة ويقدّم شرعة الملكوت التي تستعيد الشريعة القديمة لكي تصل بها إلى كمالها. هنا يحارب متّى على جبهتين. الأولى، هناك بعض المسيحيّين اليهود يظنّون أن الإيمان بالمسيح يلغي الشريعة ومتطلّباتها كما عُرفت في العهد القديم. الثانية: هناك آخرون يعتبرون الكنيسة كالوارثة والحافظة لكل الممارسات المدوّنة في الشريعة (حتى ما نجده في سفر اللاويين حول الذبائح والأطعمة الطاهرة! حينئذ تصبح الكنيسة شيعة يهوديّة).
غير أن حرب الانجيليّ هي أكثر تشعّباً: فإذا كان "المحافظون" يرون في الكنيسة اليهوديّة الحقّة، فقد يضمّون إليهم الحلقات اليهوديّة التي عرفت انطلاقة جديدة بعد دمار أورشليم (70 ب م)، أو يستبعدون الوثنيين الذين يجتذبهم المسيح لا العالم اليهوديّ. لهذا كان مت قاسياً على "الكتبة والفريسيين". مقابل هذا هناك تيّار يودّ التخلّص من الشريعة فيشوّه وجه يسوع، مسيح اسرائيل الحقيقيّ، ويغلق الباب على اليهوديّ الحقيقيّ، ويجعل اليهوديّ الذي صار مسيحياً يشكّ في تجذّر الكنيسة في الكتاب المقدّس. هنا يُفهمنا مت الأمانة للعهد القديم فهماً يتجاوز العالم اليهوديّ.
ويتجاوز مت هذه التوتّرات دون مساومة. بل يتجاوزها فيقول: لا يُلغى شيء من الشريعة. ولكن الشريعة كلها قد خضعت للتفسير الذي يعطيه يسوع في تعميق لأخلاقيّة العهد القديم. ففي هذه السلطة المعترف بها ليسوع، يكمن الخيار الحاسم لتلميذ الملكوت، وليس في خلاف بين اليهوديّ والمسيحيّ على نوعيّة التعليم الأخلاقيّ.
تميّز التلاميذ عن الجموع فاقتربوا من يسوع وكوّنوا حول المعلّم حلقة حميمة. كان مت حتّى الآن قد تحدّث فقط عن اختيار الأربعة الأولين. أما تسمية الاثني عشر فستكون في ف 10. هنا نفهم ما هو التلميذ في نظر متّى: سامع خاضع لكلمة يسوع. مستعدّ لأن يتبعه ويوافق حياته مع تعليمه. وهؤلاء التلاميذ سيعملون في ما بعد لكي يتلمذوا جميع الأمم.
إن آ 2 التي تبدو "حشواً ولغواً" للوهلة الأولى (فتح فاه، علّم، قال) هي في الواقع تعبير بيبليّ (دا 10: 16: فتحت فمي، وتكلّمت، وقلت؛ أي 3: 1؛ أع 8: 35) مع تشديد على أهميّة الخطبة التي سوف نقرأ. "جعل يعلّمهم" (مبدأياًّ: التلاميذ). والتعليم وجهة أساسيّة من خدمة يسوع بحسب مت (كرازة، تعليم، شفاء، 4: 23). وهي تنعم بالسلطان الإلهي، شأنها شأن الوجهتين الأخريين (7: 29: يعلّمهم كمن له سلطان؛ 8: 19: يا معلّم، أتبعك إلى حيث تذهب).
ب- وحي التطويبات
التطويبات أو الطوباويات الانجيلية (ما أسعد، ما أهنأ، هنيئاً) ترتبط بفنّ أدبي قديم. ففي اليونانيّة الكلاسيكيّة، تُحفظ الصفة "ماكاريوس" (سعيد) بشكل عام للآلهة لأنهم يمتلكون الخلود. وقد تدلّ على سعادات بشريّة كرّستها الحكمة الشعبيّة: سعادة الزوج بزوجته. سعادة العازب الذي يحبّ العيش وحده. سعادة الوالدين بأبناء عديدين. سعادة الحكيم. وبعد ذلك، سعادة المتدرّج الذي يدخل في "أسرار" ديانته. "ماكاريوس" تعبرّ عن سعادة الذي يعرف ارتياحاً في المجتمع وفي العالم.
كانت هذه السعادة قد دخلت دخولاً عميقاً إلى العالم اليهوديّ في زمن يسوع فامتزجت بمواضيع توراتيّة. "طوبى لمن تزوّج امرأة عاقلة. طوبى لمن وجد الحكمة. ولكن لا أحد يتفوّق على من يخاف الربّ" (سي 25: 7- 11). أما سعادة صاحب المزامير فتختلف عن سعادة الحكيم اليونانيّ. هي ثقة شخصيّة بالله يسخر منها المترفّعون. هي تعلّق بوصاياه.
لا نجد "ماكاريوس" عند مر. أما مت ولو فقد أوردا اللفظة بعض الشيء. وبفضل السياق الذي وردت فيه، نستطيع أن نكتشف السمات الكبرى للتطويبات الانجيليّة. مت 11: 6= لو 7: 23. "طوبى لمن لا يشكّ فيّ". طوبى لمن لا يتعثّر (يسقط) بسببي. ما هو الموقف الذي يتّخذه من يسوع؟ مت 13: 16: "طوبى لعيونكم لأنها تُبصر، ولآذانكم لأنها تسمع" (رج لو 10: 23: طوبى للعيون التي تنظر ما أنتم تنتطرون). أجل، أنتم سعداء. هنيئاً لكم. مت 16: 17: "طوبى لك يا سمعان بار يونا"؛ 24: 46: "طوبى لذلك العبد الذي، إذا جاء سيّده، وجده يفعل هكذا"؛ رج لو 12: 37 (العبيد الساهرون)، 38، 43؛ رج أيضاً 1: 45 (كلام اليصابات لمريم: طوبى لتلك التي آمنت)؛ 11: 27- 28 (طوبى للبطن الذي حملك... بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها)؛ 14: 14، 15 (طوبى لمن له نصيب في ملكوت الله).
نلاحظ توجّهات أساسيّة أربعة في هذه الطوباويات. الأول: يتصوّر سعادة تجد ينبوعها في حضور يسوع ونشاطه. وهو يتركّز على المسيح. الثاني: هذه السعادة هي اسكاتولوجيّة، أي ترتبط بنهاية الأزمنة، ولكنها تبدأ منذ اليوم. قالت التقوى اليهوديّة: "طوبى لمن له نصيب في وليمة ملكوت الله" (قريباً جداً). فتحدّث يسوع عن سعادة حاضرة، ولكنها ما زالت خفيّة، وستسطع في كل جمالها في الملكوت الآتي: "طوبى لأعينكم لأنها ترى (الآن) ما ترون".
التوجّه الثالث: ليست هذه السعادة معطية ملموسة من معطيات الخبرة، ولا انصياعاً هادئاً لنصيب أعطي لكل مائت (لا يستطيع أن يفعل شيئاً فيتقبل حظّه وكأنه القدر!). هذه السعادة قد أعلنها يسوع، وعد بها، وأعطاها للذين يسمعون كلمته ويعملون بها بإيمان وسط الواقع القاسي والظروف الصعبة. هي سعادة تبدو بشكل مفارقة: فرح مع الألم والفقر. التوجه الرابع: إن لهذه السعادة طابعاً كونياً. ما يحدث في العالم، ما تراه العيون وتسمعه الآذان، يُفرح قلب تلاميذ يسوع. لسنا فقط على مستوى الفكر والعواطف. هي الخليقة تُسعد المؤمن، ولكن الخليقة بعد أن أصلحها المسيح وأعادها إلى وجهتها الأولى.
ج- تعليم خلاص ومثال حياة
أولاً: نظرة عامة
تتضمّن هذه المقطوعة التي ندرس (5: 1- 12) تسع تطويبات. تسير الثماني الأولى بشكل منتظم: هي قصيرة ومتوازية، وتؤلّف مجموعة متراصّة. كل منها تتضمّن عنصرين اثنين: من تتوجّه إليه، والوعد. "طوبى للفقراء... لأن لهم". إن التطويبة الأولى تُشرف على السبع الباقيات فتقدّم لنا المناخ الروحيّ الذي فيه نقرأ كل التطويبات. وفي بداية السلسلة وفي نهايتها يلفت أنظارنا الوعدُ بملكوت السماوات. وهذا الوعد سوف نسمعه على مدّ التطويبات. والمستفيدون من هذه "السعادة" يرتبطون بـ "الفقراء"، بـ "المساكين" من قريب أو بعيد.
وتأتي التطويبة التاسعة مختلفة كل الاختلاف. تبدو في صيغة المتكلّم الجمع (أنتم، تتوجّه إلى المسيحيّين المضطهدين). هي تتوجّه إلى سامعين وتطلب منهم موقفاً. ترد في جملة واسعة فتبدو قريبة من التطويبة الثامنة. إنها تعني المضطهدين وتعدهم بأجر في السماء. وهكذا تتوافق كل الموافقة مع مجمل التطويبات بعد أن ترتبط بها بواسطة التطويبة الثامنة.
ثانياً: تعليم خلاص
التطويبات هي قبل كل شيء إعلان الانجيل، إعلان البشارة. فبسبب حضور المسيح "اقترب ملكوت السماوات". هذا هو الخبر الطيّب والسعيد. ويكرّر المعمدان ويسوع والتلاميذ العبارة ذاتها في ألفاظ مماثلة (3: 2؛ 4: 17؛ 10: 7: ملكوت السماوات قريب). سوف يتحقّق موضوع مواعيد الله. الخلاص هو قريب. بل هو هنا.
وحدّدت التطويبات في مدخل العظة على الجبل منذ الآن من هم أولئك الذين ينعمون بالموهبة الإلهية التي يحملها يسوع. الملكوت هو هنا بالنسبة إلى الفقراء والحزانى والجياع والمضطهدين. وهكذا يحدّد يسوع على عتبة تعليمه طبيعة مسيحانيّته. أي مسيح هو؟ مسيح الأقوياء والعظماء والأغنياء كما قالت شريحة واسعة من العالم اليهوديّ. أم مسيح يعرف الضعف والألم ويتوجّه إلى الفئات المهمّشة في المجتمع؟ هذه الناحية الثانية قد نساها الفكر المسيحانيّ الذي نجد جذوره في التوراة.
هنا نسمع ما قاله أشعيا عن زمن الخلاص وعمل عبد يهوه (عبد الله) وسط شعبه، بل وسط الشعوب. "وفي ذلك اليوم يسمع الصمّ أقوال الكتاب، وتُبصر عيون العمي بعد انغلاق على السواد والظلام. يزداد المساكين فرحاً بالرب ويبتهج البؤساء بقدّوس اسرائيل" (29: 18- 19). وحدّث الرب عبده وعابده فقالت له: "أجعلك نوراً للأمم وخلاصاً يصل إلى أقاصي الأرض... فتقول للأسرى: اخرجوا. وللذين في الظلام: إظهروا (تعالوا إلى النور بعد أن اختبأتم)... لا يجوعون ولا يعطشون... لأن الربّ يعزّي شعبه ويرحم البائسين" (49: 6- 13). ونقرأ في 61: 1- 3: "روح السيّد الربّ عليّ، لأن الربّ مسحني. أرسلني لأحمل البشارة (بشّر، أنجل أي حمل الانجيل والخبر الطيّب) إلى المساكين، لأنادي للمسبّيين بالحرية... لأعزّي جميع النائحين".
ارتبط يسوع بهذه النبوءات الكبيرة، فأعلن أنها تمّت الآن. ودلّ على نفسه أنه المسيح الذي يدشّن أزمنة الخلاص التي وُعد بها المساكين والحزانى. وسيعود يسوع أيضاً إلى أقوال أشعيا في جوابه إلى مرسلي يوحنا الذين سألوه: "أأنت هو الآتي"؟ قال: "العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون، وطوبى لمن لا يشكّ فيّ".
يتضمّن الاتجاه الخاص بالنظرة المسيحانيّة وحياً رئيسياً سيشدّد عليه يسوع بطرق مختلفة. جاء إليه الأولاد، فقال كما قال عن المساكين: "ملكوت السماوات هو لهم". توسّل المرضى إلى حنانه فشفاهم. عاشر الخطأة ودلّهم على رحمة الله. ففي المسيح قدّم الله خلاصه لكل الذين لا يملكون شيئا فلا يستطيعون إلا أن يفتحوا أيديهم. الله هو الربّ المتسامي ولا يستطيع إلا أن يُعطي. وتقول لنا التطويبات بكلمات بسيطة وأخّاذة سخاء حبّ الله ومجانيّته.
ثالثاً: مثال حياة
إذا عدنا إلى المضمون الأولاني للتطويبات، فهمنا أنها تعني المساكين والحزانى والجياع والمضطهدين. ويسوع يتطلّع إلى كل هؤلاء في خطّ التقوى اليهوديّة: فمع استعداداتهم الحميمة، موقفهم هو موقف فقراء أمام الله. فالوضع الماديّ يدفعهم إلى أن يتوجّهوا إلى الله كمخلّصهم الوحيد. والله لا يطلب إلا هذه العاطفة منهم لكي يغمرهم بعطاياه. فموقفهم من التقبّل والتواضع يوافق كل الموافقة مبادرته المطلقة من أجل "المساكين" وعظمة عطاياه من أجل "المحتاجين" من كل نوع.
هنا نأخذ بموقف الأب "دوبون" الذي يرى في أساس مت 5: 1- 12 ولو 6: 20- 23، وثيقة سابقة موجزة يمكن أن نعيد تكوينها كما يلي: "طوبى للمساكين (للفقراء) لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى لأنهم يُعزَّون. طوبى للجياع (والعطاش) فإنهم سيُشبعون. طوبى لكم إذا أبغضوكم وطردوكم وأهانوكم وعيرّوكم بسبب ابن الإنسان: افرحوا وابتهجوا لأن أجركم عظيم في السماوات. فهكذا اضطهدوا الأنبياء الذين كانوا قبلكم". فهذا "المصدر" الذي حمله التقليد الشفهيّ وحياة الكنيسة، يستطيع وحده أن يفسّر التشابهات والاختلافات بين مت ولو. أبرز لوقا الظروف الملموسة (الفقر الحقيقيّ) التي فيها يتجذّر الاستعداد الروحيّ. وأوضح متّى المواقف الداخليّة (الفقر الروحيّ) التي تؤمّنها مثل هذه الأوضاع.
كما أن المعجزات تُمنح للمرضى بالنظر إلى استعداد إيمانهم، كذلك يُعطى الملكوت للذين تجعلهم استعدادات قلبهم كالأطفال والصغار (18: 1- 4؛ 19: 4). لقد جاء يسوع من أجل الخطأة المستعدين للتوبة، وللارتداد الذي يفتح الملكوت.
فبفضل الاستعدادات الدينيّة والخلقيّة، يمثل هؤلاء المساكين الذين يريد الله أن يغمرهم بخيراته، مثالاً يجب أن يقتدي به كلُّ الذين يريدون أن ينعموا برضى الله وخلاصه. فالتطويبات التي عبرِّ عنها بشكل شامل، تتضمّن نداء يُسمعه يسوع إلى كل الذين يريدون أن يكونوا تلاميذه على هذا الشكل.
وهذا النداء الذي انتقل عبر حلقة السامعين الأولين، قد أعيدت كتابته في مت مع تشديد على الاستعدادات الروحيّة. لا يتكلّم الانجيل الأول فقط عن الفقراء أو الجياع، بل عن الفقراء بالروح أو عن الجياع إلى البرّ والعيش حسب مشيئة الله. وزاد النداء إلى الوداعة والرحمة ونقاوة القلب وعمل السلام. وهكذا صرنا على المستوى الأخلاقيّ. صرنا أمام لائحة من الفضائل، أمام برنامج كمال.
غير أن هذا البرنامج يبقى خاضعاً لوعد الملكوت، لإعلان الخلاص (يدلّ على شروط لبلوغه هي في متناول كل إنسان). ويتجاوب مع نيّة المعلّم الذي وجّه تعليمه إلى كل الأمم. كما يستعيد تعاليم ليسوع جاءت من قرائن أخرى أو قيلت في ظروف مختلفة، فدوّنها على ضوء الممارسة التي عرفتها الكنيسة في نهاية القرن الأول المسيحيّ.

2- من المساكين وإلى الجياع والعطاش (5: 3- 6)
أ- طوبى للمساكين بالروح (آ 3)
إن لفظة "مسكين" (أو: فقير) تدلّ في نظر سامعي يسوع على حالة حقيقيّة من البؤس، وعلى استعداد نفسيّ خاص. فالمساكين (ع ن و، ع ن و ي م) في العهد القديم هم المحرومون من خيرات الأرض، هم الذين لا يملكون إلا القليل من أجل "عيالهم" فيتألّمون من هذا الوضع. هم "الوضعاء" في المعنى الاجتماعيّ للكلمة. ففقرهم يجعلهم في المستوى الأدنى فيحتقرهم الآخرون ويضايقونهم.
وقد هاجم الأنبياء بقوّة ضيق الفقراء على يد الأغنياء، كما أعلنوا بقوة أن الله يفضّل الفقراء والوضعاء. قال الربّ لشيوخ الشعب وحكامه: "ما بالكم تسحقون شعبي وتدوسون كرامة البائسين" (أش 3: 15). وقال أيضاً: "أنا أنظر إلى المسكين والمنسحق الروح والذي يخاف كلمتي" (أش 66: 2). وفي سفر المزامير نسمع صراخ المساكين في ضيقهم، ونداء به يعبّرون عن ثقتهم بالله الذي يخلّصهم. "إسمع آهات المساكين، وقوِّ قلوبهم يا رب" (10: 17). "تخلّص القوم المساكين وتُخفض عيون المتكبرّين" (18: 28).
مساكين ووضعاء أمام الله. وهكذا سيطرت النفحة الدينيّة على معنى الكلمة. و"مساكين الرب" يتميّزون خصوصاً بوعيهم لضعفهم، وبانفتاح تامّ على الله وحده، وباشتياقهم إلى خلاصه، وبثقة كبيرة بحبّه. ونرى التوراة تماهي بين المساكين والصدّيقين أو الأتقياء (يخافون الله، يرجونه)، وتجعلهم تجاه الأغنياء بما فيهم من كبرياء بالخلاص المسيحاني (صف 3: 11- 12؛ أش 26: 6؛ 41: 17).
هؤلاء هم مساكين التطويبة الأولى. وحين يوضح متى فيقول "المساكين بالروح"، فهو يستخلص بالنسبة إلى الذين يتوجّه إليهم اليوم التعليم الانجيليّ، المضمون الجوهريّ للكلمة حسب التوراة وفكر يسوع. وهكذا يعير الانتباه إلى هذا الاستعداد النفسيّ الأساسيّ الذي يحدّد موقع الفقر أمام الله، والذي نسمّيه الفقر الروحيّ أو التواضع. هذا ما يفترض الفقر المادّي، كما يفترض التجرّد من الخيرات الزمنيّة (رج 6: 19- 33).
المعنى الحقيقيّ للفقر هو هذا التعلّق بالله وحده، هذا التسليم المطلق للربّ. لقد طلب يسوع من الشاب الغني، كما طلب من التلاميذ، أن يترك كل شيء. ولكنه مضى حزيناً، لأن غناه أسر قلبه فمال به عن الله. والتجرّد المطلوب ليس إلا شرطاً يستند إليه الموقف الداخليّ. أتخلّى عن ذاتي وعن وسائلي الخاصة، وأستعدّ لأن أنتظر كل شيء من الله وحده.
كل الذين يريدون أن يسمعوا هذا النداء إلى الفقر في الروح، نالوا وعداً بخيرات الملكوت. والملكوت هو خلاصة الخيرات المسيحانيّة. هو الغنى الحقيقيّ، واللؤلؤة الفائقة الثمن، والكنز المخفيّ الذي لا يقابله شيء (13: 44- 46). وهو يسمو على جميع قيم هذا العالم، لأنه يرتبط بنظام آخر. وحين نعمّق الخبرة المسيحيّة، نفهم أن الملكوت (والحياة الأبديّة، والخلاص) هو أن "نمتلك" الله نفسه الذي يعطي ذاته لنا في المسيح.
ب- طوبى للودعاء (آ 4)
هذه التطويبة خاصّة بمتّى. في الواقع هي تستعيد بألفاظ أخرى، تطويبة المساكين. والتعبير عنها يستلهم مز 37: 11: "المساكين يرثون الأرض". فالمزمور كلّه يحدّثنا عن موقف يفرض نفسه على مساكين الربّ تجاه غنى الأشرار: الصبر والهدوء، الاستسلام المتواضع لله والاتكال على حبّه. أما الخلاص فيأتي في أوانه. ويعود الوعد بامتلاك الأرض أربع أو خمس مرات. "لا تغر من أهل السوء... سلّم إلى الربّ أمرك واتّكل عليه وهو يدبّر... انتظر الربّ واصبر أمامه... فالودعاء يرثون الأرض وينعمون بسلام عميم... الصديقون يسندهم الربّ" (مز 37).
حين ترجمت السبعينيّة "عناويم" (الفقراء، الوضعاء) بلفظة "براوس" (ودعاء) أبرزت هذا الموقف المليء بالسلام والأمان أمام الله. وفي الانجيل، ترتبط هذه التطويبة بتطويبة الرحماء ومحبّي السلام، فتدلّ على موقف دينيّ من الوداعة واللطف والدماثة والحنان تجاه الآخرين، كما ترفض القساوة والعنف والتمرّد.
اهتمّ مت بشكل خاصّ بهذه الفضيلة. فعظة الجبل تطلب منّا أن لا نقاوم الشرير، أن لا ننتقم وإن صُفعنا (5: 39 ي). ولقد قدّم يسوع نفسه علي أنه مثال الوداعة فقال: "تعالوا إليّ أيها المتعبون والثقيلو الأحمال... تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (11: 28- 29). ويوم دخل يسوع إلى أورشليم دخولاً احتفالياً، تفرَّد مت فأورد كلام زك 9: 9 عن المسيح الذي يأتي في الوداعة لا في العنف الذي تشير إليه الفرس وعجلة الحرب. "ها ملكك يأتي إليك. إنه وديع ويركب حماراً، على جحش ابن آتان. يزيل من افرائيم عجلات الحرب ومن أورشليم الجياد. تزول قوس الحرب. هو يعلن السلام للأمم" (رج مت 21: 5).
"الودعاء يرثون الأرض". يمتلكون الأرض حقاً كميراث لهم، ولا يأخذها أحد منهم. إن عبارة "ورث الأرض" تعود إلى مواعيد الله للآباء (تك 15: 7) بأن يعطيهم نسلاً، ومع النسل أرضاً لأبنائهم: أرضاً تدرّ لبناً وعسلاً، أرضاً فيها كل خير. وفي هذه الأرض الموعودة، تكون لكل قبيلة حصّة خاصّة بها. بعد القرن الثامن ق م وخصوصاً بعد المنفى، انتقلت فلسطين إلى الوثنيين، فتجدّدت المواعيد الإلهيّة في منظار اسكاتولوجيّ. حُفظ ميراث الأرض للأبرار وحدهم، لبقيّة المخلّصين (أش 57: 13؛ 60: 21؛ 65: 9). وصارت العبارة تدلّ على وفرة الخيرات المسيحانية، على عظمة السعادة التي يتمتّع بها الشعب في نهاية الأزمنة.
وفي العهد الجديد تطوّر الموضوع. فموضوع الميراث هو الملكوت (25: 34؛ 1 كور 6: 9- 10؛ 15: 50؛ غل 5: 21؛ أف 5: 5)، الحياة الأبديّة (19: 29؛ مر 10: 17؛ لو 10: 25، 18: 18؛ تي 3: 7)، الموطن السماوي (عب 11: 8- 16). وهو يُعطى للمسيحيّين الذين صاروا وارثين لأنهم أبناء الله في المسيح (غل 4: 7؛ روم 8: 17). وعربون هذا الميراث يُعطى لنا في موهبة الروح القدس (أف 1: 14). والوعد بالميراث في هذه التطويبة يوازي الوعد بالملكوت ويبدو قريباً جداً من الوعد بأننا أبناء الله.
ج- طوبى للحزانى (آ 5)
هذه التطويبة تجد ما يقابلها في لو 6: 21. يبدو تعبير مت أقدم من تعبير لو. لا نجد هنا انتقالاً من مستوى ماديّ إلى مستوى روحيّ. ولسنا أمام فضيلة نقتدي بها كما في الفقر الروحيّ والوداعة. بل نحن أمام وضع صعب وحالة من الامتحان نمرّ فيها. ولا شيء يعبرّ عن البعد الدينيّ إلا إطار التطويبات واستلهامها نبوءة أشعيا ودورها في الوحي الذي يحمله المسيح.
مع هذه التطويبة، ما زلنا في عالم فقراء يهوه، وكل الذين يتطلّعون في ضيقهم إلى الربّ، ويستسلمون إلى حبّه. إنهم ينضمّون إلى شعب الله في أعظم محنة عرفها تاريخه، وهي محنة دلّت على ساعة عودته الأخيرة إلى الله. حينئذ أسمعه الله صوته، صوت الحنان والأمومة. "عزّوا، عزّوا شعبي" (أش 40: 1). "الربّ عزّى شعبه، ورحمه مشفقاً على بؤسه. قالت صهيون: تركني الربّ! تركني ونسيَ السيّد! فأجاب الربّ: أتنسى المرأة رضيعها؟ ألا تعود ترحم ثمرة بطنها؟ لكن ولو أنها نسيت، فأنا لا أنساك يا أورشليم. ها على كفّي رسمتك" (49: 13- 16). "وكما تعزّي أم ابنها أنا أيضاً أعزّيكم" (66: 13).
إن العودة بعد المنفى كانت مخيّبة للآمال. وظلّ الناس دوماً يرجون العزاء الحقيقيّ، والخلاص الاسكاتولوجيّ الذي يحمله عبد الرب للحزانى (أش 61: 2: أعزي جميع النائحين في صهيون). وعلى عتبة العهد الجديد، انتظر الأتقياء مثل سمعان الشيخ عزاء اسرائيل. انتظروا مسيح الربّ.
وقد أخذ يسوع على عاتقه مهمّة عبد الربّ: بكرازته للوضعاء، بندائه للمتعبين، بمعجزاته من أجل البؤساء، بذبيحته من أجل جميع البشر. وساعة انطلاقه سيعد تلاميذه بمعزٍّ آخر، الروح القدس، روح الحق الذي لا يستطيع العالم قبوله. وهذا الروح سيبقى معهم إلى الأبد (يو 14: 16- 17).
د- طوبى للجياع والعطاش (آ 6)
حين دوّن متّى هذه التطويبة، طبعها بطابعه الخاص. "فالجوع" الذي تحدّث عنه يسوع (لو 6: 20) انتقل إلى مستوى روحيّ محض، إلى المستوى الباطنيّ. وهكذا دلّ الجوع على تشوّق النفس إلى "البرّ" الذي هو موضوع اهتمام الانجيليّ الأول.
عنى تعليم يسوع في انطلاقه الأول، الجياع، المساكين الذين لا خبز لهم يأكلونه. والجوع هو وجهة تدلّ على فقرهم. ونتذكر ويتذكرون أيضاً ما نقرأه في التوراة: الطعام عطيّة من الله. فالله أطعم شعبه وسقاه في البرّية. وحين نتلو الصلاة الربيّة نطلب من الآب السماوي خبزنا كفاف يومنا (6: 11). فكل خير هو عطيّة من الآب الذي به يرتبط الإنسان في حياته كلها. والجائعون هم "مطوَّبون"، لا لأنهم جائعون، بل لأنهم مدفوعون، أكثر من سواهم، لكي يتطلّعوا إلى الربّ صاحب كل عطيّة.
إذا عدنا إلى الكتب المقدّسة، نرى أن الجوع والعطش (وكل طعام) هما صورة تدلّنا على شيء آخر: جوع وعطش إلى كلمة الله (تث 8: 3). جوع وعطش إلى الله نفسه. وتتواصل هذه الصورة في العهد الجديد: فيسوع كسرّ الأرغفة للجائعين، ووزّع كلمته، وجعلنا نستشفّ خبز الله الحقيقيّ (يو 6: 1 ي)، ووعدنا بالماء الحيّ الذي هو الروح القدس (يو 7: 37- 39؛ رج 4: 10- 14).
وصوّرت الكتبُ السعادةَ الاسكاتولوجيّة بشكل وليمة غنيّة (أش 25: 6؛ 55: 1؛ 56: 13). وليمة تدلّ على الوفرة والارتياح، حيث تشبع كل رغبة. وليمة وُعد به الفقراء بصريح العبارة (مز 23: 1 ي؛ أش 55: 1). وارتبطت صورة الوليمة المسيحانيّة (في الانجيل) بموضوع الملكوت والعيد مع المسيح. "كثيرون يأتون من المشرق والمغرب ويتّكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات" (8: 11). وقال يسوع: "وأنا أعدّ لكم الملكوت كما أعدّه لي أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي" (لو 22: 29- 30). ونقرأ في رؤ 3: 20: "ها أنا ذا على الباب وأقرع، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه فأتعشّى معه وهو معي".
هذا هو اتجاه تعليم يسوع. لقد وعد المساكين بالغنى الحقيقيّ. ووعد الجياع والنفوس الراغبة بسعادة حقيقيّة يعطيها الله نفسه خلال الوليمة المسيحانيّة وضمّ الانجيلي إلى هذا القول الأولاني، تعليماً وصل إليه من المسيح فأثّر فيه تأثيراً كبيراً. في عظة الجبل، احتفظ متّى وحده بقول من أقوال يسوع يقول: "إن لم يزد برّكم على ما للكتبة والفريسيّين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (5: 20). ويفسَّر هذا المبدأ في سلسلة طويلة من الكمالات جاء بها يسوع إلى الشريعة وفصّل مضمون البرّ المسيحيّ (5: 21- 48). واحتفظ مت أيضاً وحده بهذه الفريضة: "احترزوا من أن تصنعوا برّكم قدام الناس" (6: 1). وسيحدّد الانجيل الأول هذه العاطفة في ممارسة الصدقة والصلاة والصوم في الخفية، أمام الله وحده (6: 2- 18).
ونجد في العظة نفسها: "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه" (6: 33). أجل، نطلب الملكوت في الفقر. والباقي يأتي زيادة. قبل كل شيء نتوافق مع متطلّبات البرّ أي القداسة، أيّ مثال الكمال الذي تقدّمه عظة الجبل. والوعد: الله سيشبعنا نحن الذين طلبنا منه. الله يعزّينا نحن الذين نبكي. الله يشركنا في وليمة الملكوت في السعادة المسيحانيّة شرط أن نكون من هذه النفوس المغرمة بالمسيح وبالمثال الذي تركه لنا.

3- من الرحماء إلى المضطهدين (5: 7- 12)
أ- طوبى للرحماء، (آ 7)
هذه التطويبة الخاصة بمتّى، تُترجم تعليماً ليسوع يرد مراراً في الأناجيل وفي تعابير قريبة من هذه الآية: واجب الرحمة على مثال الله نفسه، لكي ننال الرحمة في اليوم الأخير.
نفهم هذه التطويبة في ارتباطها بالتطويبات السابقة. فالوضعاء في اختبارهم للفقر والجوع والألم، في وعيهم لضعفهم، هم مهيّأون أكثر من غيرهم وفي وجوه عديدة لأن يتطلّعوا إلى الله، ويفتحوا قلبهم لآب المراحم، كما هم مهيّأون ليشاركوا إخوتهم في شقائهم ويعينوهم على قدر إمكاناتهم. وما يشجبه العهد القديم والعهد الجديد عند الأغنياء، ليس فقط تكبرّهم ورضاهم عن ذاتهم أمام الله، بل وأيضاً قساوة قلوبهم تجاه الفقراء وغياب كل رحمة تجاه الوضعاء.
والكتاب المقدس يُنشد من أقصاه إلى أقصاه الحنان العظيم الذي يحرّك قلب الله، وأمانة حيّه الأزليّة، وغفرانه الذي لا يتعب، ورحمته التي لا حدود لها. فالله يحبّ كما الأب يحبّ. وما يريد أن يراه عند أبنائه أكثر من التقوى والذبيحة، هو الرحمة (هو 6: 6). ولقد ردّد يسوع نصّ هوشع هذا مرتين كما يقول متّى. مرة أولى حين لامه الفرّيسيون لأنه يعاشر الخطاة وجباة الضرائب (9: 13). ومرة ثانية حين اتّهم تلاميذه الذين اقتلعوا سنبلاً يوم السبت وأكلوا (12: 7). فالمسيح يكشف في شخصه عن رحمة الآب. وهو يتأثّر أمام الجموع التي تتبعه كخراف لا راعي لها، ويهتمّ بتعليمها. ومن طلب منه الرحمة، منحه عطاياه بلا حساب.
ونعبرّ نحن عن الرحمة في غفران الإساءات، في اللطف مع الضعفاء، في خدمة الوضعاء، في الصدقة تجاه المحتاجين. ونجدنا لو مثل السامريّ الصالح الذي تحنّن على رجل غريب، على عدوّ، في ضيقه. واستعادت عظة الجبل بعض فرائض الشريعة القديمة، بل طلبت محبّة الأعداء... لنكون كاملين كما أن أبانا في السماء كامل هو (5: 48). من يغفر يغفر له الآب (مت 6: 12). من يرحم يرحمه الآب. وعلى تلميذ يسوع أن يغفر سبعين مرّة سبع مرّات (مت 18: 22). والمثل الذي يتحدّث عن هذه "الوصيّة" يبيِّن كيف أن الديون التي نعفو عنها لا تساوي شيئاً بالنسبة إلى تلك التي يعفو عنها الآب في رأفته (18: 23- 25).
وفي يوم الدينونة، سينال الرحماء الرحمة. يباركهم الآب فينالون ميراث الملكوت لأنهم أعانوا الجياع والمرضى والبؤساء وكل المتألمين (25: 34- 36). لقد رأوا في أصغر الصغار وجه الرب نفسه، فكيف لا يتعرّف الربّ إليهم في يوم الدين!
ب- أنقياء القلوب (آ 8)
هذه التطويبة الخاصة بمتّى، تستلهم مز 24: 4- 6 الذي يقول: "النقيّ اليدين، الطاهر القلب، الذي لا يميل إلى السوء، ولا يحلف يميناً كاذبة... هكذا يكون من يطلب الربّ"
النقاوة في التوراة هي غياب النجاسة والقذارة، والمناعة المطلوبة لكي نلمس الأشياء المقدّسة ونقترب من الله في هيكله ونشارك في أعمال العبادة. هذه النقاوة (أو: الطهارة) التي نحصل عليها بواسطة الامتناعات وطقوس الاغتسال، ظلّت مدلولاً قانونياً وخارجياً وصل بالمؤمنين إلى التوقّف عند الشكليّات ونسيان ديانة القلب.
وقد وقف الأنبياء بقوّة ضدّ هذا الخطر. ما يطلبه الربّ من ذاك الذي يقترب منه في شعائر العبادة، هو استقامة عميقة للإرادة، عطاء صادق للقلب، والعبادة الباطنيّة. ففي القلب نجد النقاوة (لانجاسة) لتي تجعل العمل بلا عيب، والأيدي بريئة، ويتيح للمؤمن أن يحضر أمام الله في معبده. أنقياء القلوب (تك 20: 15) هم أصحاب القلوب المستقيمة والنوايا الطاهرة الذين لا التباس في مواقفهم، والذين يتوجّهون بملء إرادتهم إلى الله.
ويتعمّق موضوع الطهارة أيضاً عند الأنبياء وصاحب المزامير الذين يدلّون على أن ما ينجّس القلب هو الخطيئة ومقاومة مشيئة الله. ولهذا، فتطهير القلب لا يأتي إلا من الله، من غفرانه، من روحه القدوس (مز 51: 12- 13). ويستعيد يسوع تعليم الأنبياء هذا ليحارب الديانة الشكليّة لدى الفريسيّين (15: 18- 20؛ 23: 25- 26).
الله لم يره أحد قط، ولا يستطيع أحد أن يراه. هذا ما قاله العهد القديم وردّده العهد الجديد (يو 1: 18؛ 1 تم 6: 16؛ 1 يو 4: 12). وإذا حدّثتنا اللغة العباديّة عن رؤية الله في معبده، فهي تريد أن تصوّر مجيء المؤمنين إلى الهيكل. ومع ذلك فعبارة "رأى الله" تترجم لدى الكثيرين رغبة عميقة في اللقاء بالله في أعماق قلوبهم. "كما يشتاق الأيّل إلى مجاري المياه، كذلك تشتاق نفسي إليك يا الله. ظمئت نفسي إلى الله، إلى الإله الحيّ، متى آتي وأرى وجه الله" (مز 42: 2- 3). "إلهي، أنت إلهي، وإليك آتي سحراً. نفس ظمأى إليك. أريد أن أشاهدك في معبدك لأرى قدرتك ومجدك" (مز 63: 2).
وتتحدّث النصوص أيضاً عن مشاهدة وجه الربّ، فتعني التنعّم برضاه (مز 27: 8). هي صورة شبيهة بالصورة السابقة. غير أن هناك نصوصاً من العهد الجديد تقول لنا بأن ذاك الحلم المستحيل قد تحقّق. "طوبى لأنقياء القلوب، فإنهم يعاينون الله"، يرونه بعيونهم. وقالت عب 12: 14: "سالموا جميع الناس وعيشوا حياة القداسة التي بغيرها لن يرى أحد الربّ". ونقرأ في رؤ 22: 4: "يشاهدون وجهه ويكون اسمه على جباههم". حينئذ ندرك بوضوح واقعيّة هذه العطيّة التي لا تصدّق كما ندرك تساميها. فرؤية الله (وجهاً لوجه) التي تأتي بعد الإيمان وتتوّج المحبّة، تعني أن الله يجعلنا شبيهين به. إنه يؤلّهنا في ابنه ويفيض روحه في قلوبنا لكي "نعرفه" حقاً في عطاء شخصّي وحيّ، في عطاء متبادل.
قال بولس الرسول: "ما نراه اليوم هو صورة باهتة في مرآة. وأما في ذلك اليوم فسنرى وجهاً لوجه. اليوم أعرف بعض المعرفة، وأما في ذلك اليوم فسأعرف كما عُرفت" (تكون معرفتي كاملة لله كمعرفة الله لي) (1 كور 13: 12- 13). وقال يوحنا: "يا أحبائي، نحن الآن أبناء الله، وما انكشف بعد ماذا سنكون. نحن نعرف أن المسيح متى ظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو. ومن كان له هذا الرجاء في المسيح تطهّر كما أن المسيح طاهر" (1 يو 3: 2- 3).
ج- طوبى لفاعلي السلام (آ 9)
وهذه أيضاً تطويبة خاصّة بمتّى. الكلمة اليونانيّة المستعملة هنا (ايرينو بويوس) تدلّ على الذين يعملون من أجل السلام. ونحن لا نجدها إلا هنا في الكتاب المقدّس كله. أما الفعل المقابل فهو "هدّأ، صنع السلام" الذي يقابل في العهد الجديد "صالح" (كو 1: 20؛ أف 2: 15- 16)، أعاد التفاهم بين الشعوب والأفراد. لا نتكلّم هنا عن السلام في المعنى الواسع، عن السعادة المسيحانيّة التي هي خلاصة كل الخيرات. السلام هو ما يعارض الحرب وكل نزاع. يجب أن يملك هذا السلام بين البشر. وإذا كان هذا السلام فقط عنصراً من عناصر السلام التام الاسكاتولوجيّ، فمع ذلك هو ينبثق من الله وحده بواسطة المسيح.
صانعو السلام هم الذين امتلكوا سلام الله في قلوبهم، فنشروه حولهم. نحن ننطلق دوماً كما في تطويبة الودعاء والرحماء، من موقف روحيّ لدى مساكين البرّ، لنصل إلى وجهة تدل على إشعاع هذا الموقف. فالوضعاء والودعاء والمسالمون يعملون بكل سلوكهم على إقامة الوئام بين البشر. ويسعون لكي يجعلوا الحبّ الأخوي يتملّك فيهم ويوجّههم إلى الله.
لقد رأى أش 9: 5 المسيح كأمير السلام. وأعطى يسوع حياته من أجل عمل التهدئة هذا وإحلال السلام. "فالمسيح هو سلامنا، جعل اليهود وغير اليهود شعباً واحداً وهدم الحاجز الذي يفصل بينهما، أي العداوة... ليخلق في شخصه من هاتين الجماعتين، بعد أن أحلّ السلام بينهما، إنساناً واحداً جديداً ويصلح بينهما وبين الله بصليبه، فقضى على العداوة وجعلهما جسداً واحداً" (أف 2: 14- 16).
طلب يسوع من تلاميذه في عظة الجبل محبّة شاملة تجعلهم يتصرّفون كأبناء للآب السماويّ (5: 45). ويبيّن لنا مجمل العهد الجديد كيف استلهم المسيحيون دوماً هذا المثال: فسعوا لكي "يكونوا في سلام"، لكي "يعيشوا في سلام". لكي "يطلبوا السلام مع الجميع" (روم 12: 18؛ 14: 19؛ 2 كور 13: 11؛ 2 تم 2: 22؛ عب 12: 4). وهم يحاولون، شأنهم شأن الرسل، بكلامهم ومثلهم وعملهم، أن يحملوا إلى الذين حولهم حتما الله الذي ينعشهم، وسلام المسيح الذي يقيم في قلوبهم.
ويصبح المسالمون حقاً أبناء الله (1 يو 3: 1)، ويعرفهم الله كذلك في يوم الدينونة. نجد في العهد القديم إشارات حول أبوّة الله والبنوّة الإلهيّة. ولكننا نبقى على مستوى الاستعارة، فتدلّ العبارات على امتياز من يتصرّف الله معه كأب، ويحبّه ويحميه كالأب مع ابنه: الشعب المختار هو ابن الله. وكذلك المسيح، والبار الذي هو عضو حقيقيّ في شعب الله.
في العهد الجديد كشف يسوع عن نفسه أنه ابن الله. وستكتشف الخبرة المسيحيّة الطبيعة الحقيقيّة لبنوّة الله التي وُعد بها المسالمون وجميع المسيحيين. والحضور الحميم للروح القدس يشركنا في حياة المسيح ابن الله. نحن نستبق المجيء فننعم منذ الآن بامتياز ابن الله: أعطي لنا أن يكون موقف يسوع أمام الآب هو موقفنا، فنشارك من الداخل في خبرته البنويّة (غل 4: 6- 7؛ روم 8: 15؛ مر 14: 36).
د- المضطهدون من أجل البر (آ 10)
توجّهت هذه التطويبة إلى المضطهدين. وزاد مت "من أجل البر". أي يكونون في عملهم موافقين لمشيئة الله. إن الضيق حلّ بمساكين الربّ، كما حلّ بهم الاضطهاد: إيليا، إرميا... والذين اضطهدوا في أيام أنطيوخس ابيفانيوس. أرادوا أن يكونوا أمناء لله ولشريعته، فذاقوا الاضطهاد وربّما الموت. غير أن إرميا عرف أن الله معه لكي ينجّيه (1: 8، 19). والمساكين الذين تذكرهم المزامير يعبرّون دوماً عن رجائهم (7: 2؛ 31: 6؛ 9: 15). في عهد المكابيّين أعلن دا 7: 25- 27 أن أمانة الشهداء هذه تستدير الدينونة ومجيء الملكوت.
إن البرّ الذي تتكلّم عنه هذه التطويبة هو ذاك الذي أشارت إليه التطويبة الرابعة. فالمسيحيون سيكونون عرضة للاضطهاد بسبب تعلّقهم بالمسيح، وبالمثال الذي جعله المسيح أمامهم. وهذه المحنة الأخيرة تعلن قرب تدخّل الله الحاسم من أجلها. فملكوت الله هو هنا من أجلهم. وهكذا نعود إلى وعد التطويبة الاولى، وهو يتضمّن ما تعد به سائرُ التطويبات.
هـ- المضطهدون من أجل المسيح (آ 11- 12)
إختلفت هذه التطويبة عن الثماني الأولى التي تكوّنُ وحدة متماسكة، ولكنها جاءت قريبة بموضوعها. نحن معها ننتقل من المضطهدين من أجل البرّ إلى المضطهدين من أجل المسيح. وتبدو هذه التطويبة قريبة ممّا نقرأ في لو 6: 22- 23.
التعيير، الاضطهاد، الافتراء. لكل كلمة رنّتها في العالم المسيحيّ الأوّل. ولكن الكاتب كدّسها ليدلّ على اتساع الاضطهاد. وزاد لوقا على هذه اللائحة بعض الأمور وهو الذي كتب "تاريخ" الكنيسة الأولى في سفر الأعمال ورأى يعقوب واسطفانس يموتان، وبطرس يُسجن، والرسل يُجلدون... أما نهاية النصّ فسوف تتحدّث فقط عن الاضطهاد: "هكذا اضطهدوا الأنبياء قبلكم" (آ 12).
"من أجلي". هذه هي العبارة المهمّة، هذه هي الذروة التعليميّة التي ترفعنا إليها هذه التطويبة الأخيرة. فموضوع الاضطهاد من أجل المسيح يرد مراراً في العهد الجديد وبألفاظ قريبة جداً مما نجد هنا. فإنباء يسوع نفسه يرد في خطبة الرسالة (10: 17- 25)، وخصوصاً في الخطبة الجليانيّة (24: 9- 13)، وفي الحوار بعد العشاء السرّي في يو 15: 18- 21. إذا كانوا قد اضطهدوا المعلّم فسوف يضطهدون تلاميذه. وهذا ما تحقّق منذ الأيام الأولى للكنيسة. امتلأ الرسل من الروح القدس ففرحوا لأنهم أهينوا من أجل الاسم، اسم يسوع (أع 5: 41). وقالت بولس: "إني أسرّ بالأوهان والإهانات والضيقات والاضطهادات والشدائد من أجل المسيح، لأني متى ضعفت فحينئذ أنا قويّ" (2 كور 12: 10). وعلى كل المسيحيّين (2 تم 3: 12) أن يعرفوا هذا الاضطهاد من أجل المسيح، كما يعرفون فرح الروح الذي يستبق تطويبة الملكوت القريب. "أيها الأخوة لا تستغربوا الحريق المضطرم في ما بينكم لاختباركم... إفرحوا بمقدار ما تشتركون في آلام المسيح، حتى تفرحوا أيضاً وتبتهجوا في تجلّي مجده. إذا ما أهنتم من أجل اسم يسوع فطوبى لكم، لأن روح المجد الذي هو روح الله يستقرّ عليكم" (1 بط 4: 12- 14؛ رج عب 10: 32- 38).
هذا الرجاء يملأ سفر الرؤيا كله. فتاريخ الخلاص قد وصل إلى النهاية. ويسوع هو الذي يضطهدونه في تلاميذ يسوع كما في الأنبياء قبلهم (أع 9: 4- 5، 1 تس 2: 15- 16). فالاضطهاد يجعلنا شبيهين بالمسيح في سرّ موته وقيامته، في سرّ مجده في السماوات قرب الآب. فرح وبهجة على أمل أن ننضمّ قريباً إلى الربّ. والرجاء لا يخيب. ففي قلب الضيقات يُعطى لنا عربون المجد بالروح القدس الذي يفيض في قلوبنا حبّ الله (5؛ 2- 5). وهذا الحبّ ليس من اضطهاد يستطيع أن يفصلنا عنه (8: 35- 36). بل إن يد الله تقوى فتؤمّن لنا الغلبة. وكما أن حضور روح الله لا يزول، وكما أن المحبة لا تعبر، ففرح المسيحيّين ينتمي إلى عالم آخر، وهو يستبق التطويبة حول الأبديّة.

خاتمة
التطويبات التي هي إعلان خلاص ونداء إلى القداسة، قد وصل صداها إلينا عبر السامعين الأولين. فالجماعة المسيحيّة التي التأمت بكلمة المعلّم وانتعشت بروحه، قد اختبرت جذريّة متطلّبات يسوع وعظمة مواعيده. عبر كرازة الكنيسة وحياتها، توضّح المعطى الأولاني توضيحاً تدريجياً. فشدّدت نسخة مت على ظروف الخلاص كما فرضتها فقاهة أخلاقيّة. وعبرّت كذلك عن الوعد في فكر لاهوتيّ بدأ يتكوّن. وبلغت متطلّبة التجرّد والمحبّة حتى استعدادات القلب الحميمة. وأرادت نفوساً متجرّدة، بسيطة، مشعّة. كما طلبت عطاء الذات بدون تحفّط، لأن الوعد لا يقاس بأفراح الأرض، ولأن الله يريد شخصياً أن يعطي ذاته لنا.
"إقترب ملكوت السماوات". هو حاضر منذ الآن وقد بدأ مسيرته مثل بذار في الأرض. إن كلمة يسوع، بذار الملكوت، قد أفرخت وما زالت تنمو وتثمر في قلب تلاميذ خرجوا من جميع الأمم. هؤلاء يشكّلون اليوم كنيسة الأرض والسماء التي هي أمينة للنداء، مالكة للوعد، ومنتظرة كمال الملكوت حيث يكون الله في كل شيء وفي كل إنسان.
الفصل الثامن عشر
ملح الأرض ونور العالم
5: 13- 16

إن هذه القطعة التي تؤلّف مع التطويبات مدخلاً إلى العظة على الجبل، تكمّل ما سبق على سبيل التعارض. فقد رسم الإنجيل للمؤمنين برنامج التصرّف المتواضع والوديع. وذكّرهم أيضاً أن الانتماء إلى المسيح يعني احتمال العار والاضطهاد والألم من أجله. بعد هذا، لم يبقَ إلا أن ندلّ على كرامة المؤمن التي لا تضاهى: إنه ملح الأرض، ونور العالم. غير أن مت لا ينسى هدفه الأول، فيدعو القارىء الذي صار ما صار إليه بنعمة الله، لكي يتصرّف حسب هويّته الجديدة.

1- "ملح الأرض" (5: 13)
أ- في التقليد الإنجيليّ
قدّم مر 9: 5 أ ولو 14: 34 نسختين مستقلتين عن القول على الملح. استقى لو من الينبوع الذي استقى منه مت، معارضاً مر، وعبرّا عن الملح الذي يخسر طعمه بفعل "موراينستاي". وزادا توسيعاً قصيراً عن مصير الملح الفاسد (مت 5: 13 ج؛ لو 14: 35). وهكذا خفّفا من التباس عبارة صارت قولاً مأثوراً.
وهيّأت فقاهة الكنيسة الأولى لهاتين النسختين سياقين مختلفين، وهذا ما جعل بُعد النسخة الأولى يختلف عن بُعد النسخة الثانية. وإذا أردنا أن نحصر ذواتنا في مت، نكتشف مبادرته الشخصيّة في البداية: "أنتم كونوا ملح الأرض". هذا ما يحلّ محلّ عبارة قديمة يقدّمها مر ولو بطريقة مستقلّة: "الملح جيّد"، الملح شيء صالح. رأى مت في هذا "الصالح" تلاميذ يسوع. وهكذا انتقل من الصورة إلى الواقع. ولكنه انتقل فقط جزئياً، لأنه يجب علينا أن ننقل في كلمات خاصة، الاستعارةَ التي تحدّد دور المسيحيين.
ب- رمزيّة الملح
يجب قبل كل شيء أن نجمع مختلف استعمالات الملح ومدلولاتها الرمزية في عالمنا الشرقي، ثم نختار المعنى الرمزي الذي نحتفظ به هنا. ولكن تتعقّد الأمور حين تتداخل العلاقات داخل الاستعارة الواحدة. فعبارة "عهد الملح" (لا 2: 13؛ عد 18: 19؛ 2 أخ 13: 5) قد ترتبط بأهميّة هذا العنصر في الطعام وبما يتضمّنه هذا العمل من خطورة (رج عز 4: 14؛ أي 6: 6؛ سي 39: 6). وقد ترتبط بقوة الحفظ التي يمتكلها الملح، وهذا ما يدلّ على التزام لا تراجع عنه. وقد يدلّ على طقس تملّح فيه القرابين (لا 2: 13). وقد يدلّ على الدور المعقّم (قاتل الحياة) الذي يلعبه الملح في إلقاء الحرم على المدن المحتلة: قض 9: 45؛ رج تث 29: 22؛ إر 17: 6؛ صف 2: 9؛ مز 107: 34؛ أي 39: 6. نجد عبارة "اللعن" الممزوج بالكره ضد مدينة متمرّدة هي وتوابعها: "ليزرع فيها هدد (إله الآراميين) الملح... فلا يتحدّث عنها أحد".
هناك شرّاح يحتفظون بالنسبة إلى المقطع الذي ندرس، بهذه الوجهة الأخيرة. ويرون في الملح صورة عن روح التضحية التي يتحلى بها تلاميذ المسيح حسب التطويبتين الأخيرتين (اضطهدوكم). أو يفكّرون بالذبيحة التي يجب أن تقدّمها الجماعة لتهدىء غضب الله على العالم الخاطىء: حينئذٍ تمارس أقسى الوصايا.
غير أن سياق مت لا يقدّم السند الذي يطلبه هؤلاء الشرّاح، فلا نجد أي تلميح إلى الدور التكفيري في الطاعة لإرادة المسيح. ثم، إن التوازي الذي يضمّ هنا "ملح الأرض" إلى "نور العالم" يفرض علينا أن نرى في الصور الأولى واقعاً لا يكتفي التلاميذ بأن يجسّدوه في ذواتهم، بل يوصلونه إلى الآخرين، وهذا واجب عليهم.
نحن نعلم أن الملح استُعمل كسماد عند الأقدمين. إذن، نتوقّف عند هذه الوظيفة بالنسبة إلى "ملح الأرض". وخصوصاً إذا عدنا إلى النصّ العتيق في لو 14: 35: "لا يصلح للأرض ولا للمزبلة". زالت "المزبلة" من مت فضعف ارتباط الصورة بعالم الزراعة وهكذا تصل الاستعارة إلى الواقع، وتصبح "الأرض" موازية لـ "العالم" (آ 14). لا نعود نتكلّم عن "أرض نزرعها" بل "عن البشرية في الكون".
ج- الحكمة البشرية: نعمة وواجب
ولكن كيف نتصوّر هذه الأرض التي تخصب، كيف نتصوّر أرض التلاميذ؟ قد نعود إلى مقال يهودي متأخّر (سوفريم 15: 8) يقابل الشريعة بالملح الذي يتيح للعالم بأن يثبت فلا يزول. وهكذا نكون أمام عمل مماثل يقوم به تلاميذ يسوع. وإذا أردنا أن ندرك هذا المعنى، نعود إلى ولي النصّ: إذا خسر الملح طعمه (فسد)، فبماذا "يملّح"؟ هي صيغة المجهول. كل إنسان. عكس مر 9: 48؛ لو 14: 34: الحديث هو عن إمكانيات الملح، أي عمل التلاميذ الذين وإن امتلكوا مواهب المسيح لا ينفعون في شيء إذا كانوا مسيحيّين بالإسم فقط.
كتب مر في 9: 50 أ: يصبح بلا طعم (أنالوس). وجعل مت ولو الفعل: فسد (صار سمجاً، تافهاً، موروس). نجد موروس في اليونانية وهي تقابل "تفل" في العبريّة وتدلّ على المبتذل والمجنون. قد نكون هنا في أساس استعارة. فما يجعل من التلاميذ "ملح الأرض" هو حكمة زمن التتمة (تمّ الزمان واقترب ملكوت الله). ثم إن التقارب بين الملح ونور الوحي (آ 14) يثبت هذا التفسير. وبولس نفسه يسير في هذا الاتجاه حين يقول في كو 4: 6: "ليكن كلامكم لطيفاً على الدوام، مصلحاً بملح".
إذن، ليبقَ المسيحيون على ما هم، وهم الذين نالوا معرفة مشيئة الله في المسيح، بحياة تتوافق مع ما نالوا. وإلاّ "فبماذا نملّحهم"؟ هي مسألة ذات بُعد سلبي: فالمسيحي الذي خسر عزمه لا يستطيع أن يمارس الوظيفة الموكلة إليه بالنظر إلى العالم. إنه مثل "عضو الشرف" في مجتمع ينتمي إليه: هو لا يستطيع أن يفعل في العالم. لا يستطيع أن يحوّل العالم.
فلا يبقى له إلاّ أن "يُطرح خارجاً". هناك عبارة أخرى: "يدوسه الناس". يُداس بأرجل البشر. هذا جزء من المثل، ولا نستطيع أن نطبّق كل ما فيه على المصير النهائي للتلميذ الخائن. ومع ذلك فعبارة "يُطرح خارجاً" تعني شيئين: نجدها كما هي هنا في مت 13: 48 (السمك الرديء طرحوه خارجاً). ونجدها في شكل قريب في مقاطع أخرى (من مت) تدلّ على الهلاك الأبدي بالنسبة إلى الأشرار. في 8: 12، تدلّ على اليهود. وفي ما عدا ذلك تشير إلى البشرية الخاطئة بشكل عام (13: 42) أو إلى المسيحيين الذين لا يستحقّون هذا الاسم (7: 19؛ 13: 48، 50؛ 18: 8، 9؛ 22: 13). هنا يحذّر المسيح تلاميذه، ويدعوهم ألا يخونوا دعوتهم في توجيه العالم، وإلا طُرحوا خارجاً، وقاسوا العقاب القاسي.
د- على شفتي يسوع
إذا جعلنا هذا القول المأثور خارج السياق الإنجيلي، فهو يدلّ على استحالة مطلقة لشيء من الأشياء. هنا نعود إلى التلمود الذي يجعل أمامنا بغلاً صغيراً. سمع فلاسفة رومة الوثنية فرأوا أن هذا معقول وطرحوا السؤال: إذا خسر الملح طعمه. فبماذا يملّح؟ أجاب الراوي: بمشيمة بغلة. فهل يستطيع الملح أن يخسر طعمه؟ فيبدو أن الملح لا يخسر طعمه على مستوى علم الكيمياء. وذلك، كان القدماء، يرمونه بعد أن استعمل في الأفران وإن مُزج مع أجسام أخرى، خسر طعم الملح فيه.
إن استعماله هذا القول يوافق كل الموافقة طريقة تعليم يسوع. ولكن أي معنى أعطاه؟ نلاحظ أولاً أن القول على الملح يبدو قريباً جداً من مقابلة العين والنور التي نقرأها في مت 6: 22- 23 ولو 11: 34- 35. فللقطعتين بنية مماثلة، وإن اختلفتا في الطول: فبعد تأكيد (سراج الجسد العين. الملح جيّد)، تأتي فرضية مزدوجة في مت 6: 22 ب- 23 أ وز، وبسيطة في مت 5: 13 وز، يليها تأكيد مقابل. في الجهتين نستطيع أن نستشف نداء لكي نجعل غنانا الديني يثمر: ملح فاسد، عين بدون نور: هذا هو المؤمن الذي لا يعيش حسب متطلّبات الله. هذا هو التلميذ الذي يتبع يسوع دون أن يرتبط حقاً بتعليمه. إنه بعيد عن الخلاص.

2- نور العالم (5: 14- 16)
أ- مثل السراج (القنديل)
تمتلك الدرفة الثانية من هذه الدبتيكا عنصراً تقليدياً هو أولاً مثل السراج الذي يورده مر 4: 21، والذي نجده أيضاً في المعين الذي استعمله لو ومت. نجده مرتين عند لوقا (8: 16: ما من أحد يوقد سراجاً؛ 11: 33)، وفي كل مرة يعود إلى نسخة من النسختين. أما مت فيبدو أنه يرتبط اساساً بالنسخة الثانية.
هذه الحاشية الصغيرة التي جعلها مر 4: 12 في "خطبة الأمثال" تصوّر موضوع الوحي المسيحاني الذي كان خفياً في البداية، ثم أعلن فيما بعد على الملأ. أبقى لو 8: 16 القطعة في السياق عينه، وجعلها في مقدّمة تحريض إلى المسيحيين حوله ضرورة التنبّه إلى التعليم الإلهي. في 11: 33، قد يكون السراج المخلّص نفسه وهو الذي تحدّث عنه النص السابق بشكل خفي، أما النور فيرمز إلى حقيقة الإنجيل.
ولكن، ماذا كان الأمر في البداية؟ هناك من حدّد موقع المثل بين التعليمات الإنجيلية إلى العالم الاسياني: عارض يسوع الاسيانيين الذين شكّلوا جماعة مغلقة. واتخذوا لقب "أبناء النور". ولكن هذه الفرضيّة لا تفرض نفسها. ورأى آخرون جواب يسوع إلى الذين ينصحونه بالفطنة: لا نستطيع أن نخفي النور ساعة يشعّ. هذه الفرضيّة تلتقي ويقين يسوع الحميم بالنظر إلى رسالته. يسند هذا اليقين مجملُ الإنجيل، وخصوصاً يو 9: 4 (ما دام النهار، ينبغي أن نعمل أعمال من أرسلني) الذي يتوسّع في الموضوع عينه.
ب- في إنجيل متّى
في مت، لا تدلّ الاستعارة على يسوع. ولكن يسوع يستعلمها ليدلّ على الوظيفة التي يسلّمها إلى تلاميذه. هذا التطبيق الجديد ينبع من مجموعة يبدو فيها المثل بين أقواله أخرى يوردها مت وحده. لا نستطيع القول بأن يسوع أخذ قولاً دنيوياً وحمَّله معنى روحياً (كما قالت بعضهم). نشير إلى أن القول وُجد في "لوغيا (أقوال) بهلنسة" (1: 7) كما في الإنجيل حسب توما (القول 32). ولكن هذا لا يعني أن مت استنبطه، بل هو أخذه من التقليد المرتبط بالمسيح. وقد تكون مجموعة "اللوغيا" وإنجيل توما عادا إليه.
هناك تقليد مستقل عن "مدينة قائمة على جبل". وإعلان البداية (آ 14 أ) يلتقي مع إعلان آ 13، فترتبطان بالهمّ التعليميّ الذي يدفع الإنجيلي إلى توضيح بُعد النصّ الذي ينقله، وذلك بواسطة تطبيق استعاري. ورغم بعض التردّد، قد يكون هذا وضع آ 16 التي ترتبط في النهاية بكاتب الإنجيل الأول. إن عبارة "قدام الناس" و"أبوكم الذي في السماوات" هي عبارات متّاوية وإن وردتا في 1 بط 2: 12.
ج- النور والمدينة الشاملة
حين أكد المسيح أن التلاميذ هم "نور العالم"، كرّمهم أعظم تكريم. أما هكذا كان يسمّي الرابانيون شريعةَ موسى وهيكل أورشليم؟ في خبر من تلمود بابل، سأل هيرودس الكبير الذي أخطأ حين أباد المعلّمين اليهود، سأل واحداً منهم: "أي عون لي بعد الآن"؟ فأجيب: "أطفأت نور العالم لأن الوصية سراج والشريعة نور (أم 6: 23). فاذهب واهتمّ بنور العالم (الهيكل الذي جمّله هيرودس) الذي كُتب عنه (أش 2: 2؛ مي 4: 1): إليه تتوجّه جميع الأمم". ثم إن إسرائيل اعتبر نفسه "نور العالم". فأقوال أشعيا الثاني النبوية (42: 6؛ 49: 6؛ 6: 3) قد كوّنت هذا اليقين عند اليهود. وقد قال بولس فيهم: بما أنه يمتلك الشريعة، اعتبر أنه "قائد العميان ونوراً للذين يسيرون في الظلمة" (روم 2: 19). وقال الرابانيون في هذا المعنى: "كما أن الزيت يحمل النور إلى العالم، هكذا إسرائيل هو نور الأمم" (مدراش نش 3: 1).
حسب مت، أُخذ هذا الدور من اليهود، وسُلّم اليوم إلى المسيحيين. "أنتم (يبدأ الضمير في البداية ليبرز الفكرة) تكونون نور العالم". "العالم" (مثل "الأرض" في آ 13) يدلّ على البشرية التي تقيم في الكون (13: 28؛ 18: 7؛ روم 3: 19؛ 1 كور 4: 13). ولكن حسب المدراش، أورشليم هي أيضاً نور العالم، بحيث نفكّر فيها حين نتحدّث عن "مدينة قائمة على جبل". هذا الموضوع يرجع إلى نبوءة تتأمل في صهيون، في نهاية الأزمنة، صهيون "التي تقوم على قمة الجبال" (أش 2: 2؛ ي 4: 1) وتجتذب الأمم إلى ضيائها (أش 60: 1- 3؛ طو 13: 1؛ اخنوخ، اليوبيلات، عزرا الرابع). ولكن متّى لا يهتمّ بأورشليم التي كانت مدمّرة ساعة كتب إنجيله: فهذا الدور المجيد يعود منذ الآن إلى جماعة المسيحيين.
د- "ليضيء نوركم"
ليس للمسيحيين أي سبب للافتخار (روم 2: 19). فالنور الذي به يضيئون العالم هو الوعي المسيحاني. هو نعمة مجانيّة لا يحقّ للإنسان أن "يفتخر بها" (روم 3: 27). قال كيرلس الاسكندراني: "لستم انتم الذين تحيون، بل النور يحيا فيكم، المسيح الذي يستطيع بكلمته أن ينير العالم كله". ثم (وهذا هو التعليم الرئيسي) إن هذه النعمة يرافقها واجب تعبّر عنه صورتان متوازيتان نجدهما هنا: المدينة القائمة في العلاء تراها الأنظار من بعيد. والنار التي فوق المكيال لا يمكن أن تختفي.
ولكن السراج الذي تحت المكيال لا يمكنه أن يواصل اشتعاله. مثل هذا الوضع يطفئه. من هنا، حين استعمل مت هذه المواد، لم يخلق توازناً تاماً بين الصورتين: بين صورة المدينة التي لا يمكن أن نخفيها. وصورة النار التي قد نطفئها. ولكن إذا استندنا إلى المعطيات الاركيولوجية، نستطيع أن نعتبر المكيال لا إناء به نطفىء السراج، بل طاولة صغيرة. إن عبارة "تحت سرير" (مر 4: 21؛ لو 8: 16) توجّه نظرتنا إلى الوضع عينه.
مهما يكن من أمر، يتوخّى هذان التشبيهان أن يعبرّا عن وضع شاذ يصوّر سلبياً واجباً اخلاقياً: لا يحقّ للتلاميذ أن يمنعوا الوحي الالهي من أن يدرك البشر. بل عليهم أن يكونوا مثل مدينة تُرى من البعيد، مثل أورشليم المضيئة كما صوّرها الأنبياء. مثل سراج يوضع على مكيال "فيضيء لجميع من في البيت".
هذه العبارة تجعلنا في جوّ بيت فلسطيني مع قاعة واحدة. إفترض لو 11: 33 (رج 8: 16) أننا أمام بيت روماني أو يوناني يتضمن الرواق والقاعة. فحين يضيء السراج، فهو يضيء "للذين يدخلون إلى البيت". وقد أضاف مت لفظة "جميع" فدلّ على هذا النور الذي يعمّ الكون كما في 28: 19: على التلاميذ أن يحملوا الإنجيل "إلى جميع الأمم".
هـ- لمجد الآب السماوي
ولكن الإنجيلي لا يفكر الآن بالكرازة الرسولية، بل بنوع آخر من الاشعاع: "هكذا فليضىء نوركم قدّام الناس ليروا أعمالكم الصالحة، ليروا ما تعملون من الخير" (آ 16). تعود عبارة "الأعمال الصالحة إلى اللغة الدينية في العالم اليهودي. هي تتميّز عن فرائض الشريعة (كان عددها 613 فريضة) فتضمّ الصدقة وسائر أعمال المحبّة: الإحسان إلى الفقراء، الضيافة، الاهتمابم بالايتام، افتداء السجناء، حضور حفلات الزواج والجناز، العناية بالموتى. كل هذا ينال جزاء عظيماً، لا في هذا العالم وحسب، بل في الآخر أيضاً. ولم يكن هذا الوعد حرفاً ميتاً. فالكاتب المسيحي ارستيدس يقرّ بحق أن اليهود "يقتدون بالله بالمحبة التي يكنّونها للبشر: يمارسون الرحمة تجاه الفقراء، يفتدن السجناء، يدفنون الموتى، ويقومون بأعمال مماثلة يرضى عنها الله ويقدّرها البشر".
ولكن حين يسمّي كما "الأعمال الصالحة" التي تُفرض على التلاميذ، فهو يوسّع المدلول اليهودي: إنه يدلّ على السلوك المسيحي كله، على ما تقول خطبة الجبل. ثم إن "الأعمال الصالحة" تخسر هنا طابعها الاختياري (نقوم بها أو لا نقوم، بل هي مفروضة على التلميذ) والجزاء الذي ننتظره يرجع إلى المقام الثاني. فما يهمّ بالدرجة الأولى هو مجد الله.
هذا المجد يبرز بشكل غير مباشر بواسطة البشر الذين أمامهم تتمّ هذه الأعمال. هذا لا يعني أننا نعمل "لكي يرانا الناس" (لكي نُرى من الناس، 6: 1، 16، 18؛ 23: 5، 28).: فتلميذ المسيح يتحفّظ من كل تظاهر وتباهٍ. يكفيه أن يكون أميناً. فالجملة تبدو في قراءة حرفيّة: "حتى، إذا رأوا أعمالكم الصالحة، مجّدوا...). نحن نعمل ببساطة ونترك الله "يهتمّ" بمجده الخاص.
هذه الفكرة تلتقي والتقليد البيبلي: ننتظر إعجاب الوثنيين ومديحهم، حيث يرون العظائم التي يحقّقها الله في شعبه. يقولون: "الله هو عندك وحدك، وليس أحد سواه. لا آلهة غيره! حقاً الله يختفي عندك، إله إسرائيل المخلّص" (أش 45: 14- 15؛ رج تث 4: 6- 7؛ يش 2: 10- 11؛ أش 42: 11- 12؛ 49: 7؛ 60: 6. وهناك العكس: خطايا إسرائيل تجعل الوثنيين يجدّفون على اسم الله: مز 79: 10؛ أش 52: 5؛ حز 36: 20؛ روم 2: 24). وتنقل الخلفيّة اليهوديّة الموضوع إلى مجال الطاعة للوصايا: "إذا فعلتم ما هو صالح، يا أبنائي، بارككم البشر والملائكة وتمجّد الله وسط الأمم (الوثنية) بسببكم" (وصية نفتالي، 8: 4). ويقول مدراش مز 67: 6: "الأمم يمدحونك، لماذا؟ لأن القدوس، تبارك اسمه، يُبرز برّ بني إسرائيل".
والهمّ ذاته يحزك كتّاب العهد الجديد (1 تس 4: 12؛ كو 4: 5). غير أن فكرة مديح الله التي "يسبّبها" سلوك المسيحيين الصالح، لا تظهر إلا هنا وفي 1 بط 3: 12 الذي يقدّم مقطعاً مماثلاً لما في مت. "لأن عيني الرب إلى الصديقين". يزيد الرسول نظرة اسكاتولوجية (أش 10: 3؛ إر 6: 15؛ 10: 15؛ رسالة اكلمنضوس الأولى) لا نجدها في مت الذي يجعل الجزاء محصوراً في الزمن الحاضر.
إن ارتداد الوثنيين الذي هو الهدف الجوهري في المسيحيّة الرسوليّة، يبدو هنا كمحطة متوسّطة. لا شك في أنه وُجد بشكل خفيّ في هذا التعليم، ولكنه اختفى شيئاً فشيئاً ليترك المكان لمجد الله. وهذا ما يؤدّي إلى استنتاجات عمليّة: يقوم هدف خدمتنا بأن نُذكّر الناس بالله، بأن نجعل صلاح الله منظوراً، بأن ندعوهم إلى امتداح نعمة الله امتداحاً يرافقه عرفان الجميل. فإن طلبنا "مجدنا" الخاص، نكون قد أضعنا خدمتنا. فالنجاح الحقيقي الوحيد يقوم بأن ينتج عن عملنا مجدُ الله.
الفصل التاسع عشر
الشريعة الجديدة
5: 17- 37

1- مقدّمة (5: 17- 20)
إن الأقوال الأربعة في آ 17، 18، 19، 20 تفتتح الخطبة حوله البرّ الفائض الذي يعلنه يسوع في 5: 21- 48 (إن لم يزد برّكم). مارس مت عمل الفقاهة فأعطانا قواعد عامة تتيح للقرّاء أن يفهموا فهماً أعمق ما يلي من الخطبة.
مهما كان تجميع هذه الآيات ناجحاً، فهو لا يبدو أولانياً (يعني سبقه تجميع آخر). نجد آ 18 في لو 16: 17 وقد أدخلها مت لا خطبته هذه. والقول حول الياء (يوتا في اليونانية أصغر حروف الأبجديّة) أو نقطة واحدة من الناموس، يوازي الآية المتحدّثة عن أصغر الوصايا في آ 19. مقابل هذا، فهو لا يتناسق مع آ 20: من الواضح أن الفكر لا يتدرّج في الخط عينه، بل يتّخذ وجهة جديدة. أما "زيادة" البرّ (آ 20) فتذكّرنا بإكمال الشريعة (آ 17). إذن نظن أن المقدّمة الأولانية للآيات 21- 48 تضمّنت فقط آ 17 و20. وأن آ 18- 19 أضيفت فيما بعد على مستوى آخر من التدوين.
أ- لا أنقض، بل أكمّل (آ 17)
من أكمل الشريعة جعلها تُدرك الملء الذي أراده الله لها. وهذا الملء هو المحبّة. فالمحبة التي هي "كمال الشريعة" (روم 13: 10) هي قمّة جميع الشرائع. وهي تجملها كلها وترتّبها بالنسبة إلى ديناميّتها، وتجعلها ترتقي من صغير إلى كبير، وتجعلها على كثرتها، تدرك هذا الهدف الأسمى. حين نعطي المحبة هذه الأولويّة المطلقة، نكون قد وصلنا إلى جوهر تعليم المسيح حول الشريعة. وإلى ما يجب أن تصل إليه الكنيسة في تشريعها.
تشير هذه الجذرية (أي: تعليم خلقيّ يصل إلى الجذور ولا يتوقّف عند القشور) من جهة إلى المؤمن نفسه. فلا يحكم عليه بما في يديه، بل لما في قلبه: ففي قلب الإنسان يتحدّد مركز النشاط الخلقيّ. وهو الذي يجب أن نوجّهه إلى الانجيل. وتشير من جهة ثانية إلى الشريعة نفسها. فالشريعة الأولى التي تختتم هذا القسم، هي الاقتداء بالآب: "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل هو" (5: 48). ونقلها لو 6: 36: "كونوا رحماء كما أن أباكم السماوي رحيم هو".
هكذا يحقّق الانجيل "كمال الشريعة" التي هي المحبة (روم 13: 10).
قدّمت آ 17 أول هذه الأقوال مع تأكيد يسوع الاحتفالي: "جئت". فنحن نجد في أقوال الربّ سلسلة من التأكيدات التي تبدأ مع "جئت (أي: من قبل الله). لهذا سمّيت "أقوال مجيء المسيح". فهي تؤكّد أن المسيح جاء (1) ليكمّل الشريعة لا لينقضها (آ 17). (2) ليدعو الخطأة لا الأبرار (9: 13؛ مر 2: 17؛ لو 5: 32). (3) ليحمل على الأرض السيف والانقسام لا السلام (10: 34- 35؛ رج لو 12: 49). (4) ليخدم ويبذل حياته فدية، لا ليُخدم (20: 28؛ مر 10: 45). (5) ليطلب ويخلّص ما قد هلك (لو 19:10). إن هذه التأكيدات تذكّرنا أن الجماعة الأولى رأت في يسوع "ذاك الذي يأتي باسم الربّ" (حسب مز 118: 26 كما يرد في مت 21: 9؛ مر 11: 9؛ لو 19: 38؛ رج مت 23: 39؛ لو 13: 35).
إذن، حين أكّد يسوع بشكل احتفالي جداً أن مجيئه يكمّل الناموس والأنبياء، جعل علاقة مباشرة بين رسالته الفدائيّة وكلام الله. فما هي هذه العلاقة؟
تُعتبر الشريعة والأنبياء دستور الحياة الدينيّة، وهذا ما يمثّل إرادة الله. ومجيء يسوع المسيحاني لا يشكّل انقلاباً لهذا النظام. بل نحن بالأحرى أمام تكيد أقوى على المتطلّبات الأساسيّة لإرادة الله (آ 21- 48)، على "زيادة" في البرّ فيتجاوز برّ الكتبة والفريسيين. وبمختصر الكلام، كانت الشريعة ناقصة، لا لأنها لا تعبرّ عن إرادة الله، بل لأنها تعبّر عنها بطريقة ناقصة. كانت "المربيّ الذي يقود إلى المسيح" (غل 3: 24). وفي المسيح التقت بربهّا وأنهت عملها كمربّية.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، الشريعة وكتب الأنبياء هي مجموعة النبوءات المسيحانية التي جاء يسوع يكمّلها. نحن هنا أمام موضوع عزيز على قلب متّى.
ب- لا ياء ولا نقطة (آ 18)
إن الياء (يوتا) اليونانية تقابل ما في العربية والعبرية. هي أصغر حرف في اللغة (في العربية إذا وجدت داخل الكلمة). "كارايا" (حرفياً: القرن) تدلّ على خطّ صغير في حرف، على نقطة. والعبارة "لا ياء ولا نقطة من الناموس"، عُرفت في التعليم الراباني.
إن قول يسوع في مت يؤكّد بقوة على استمراريّة الشريعة. فبحسب با 4: 1 الشريعة "موجودة إلى الدهور". وتحدث حك 8: 4 عن "نورها الذي لا يفسد". وزاد العالم الراباني على هذا القول فتحدّث عن الشريعة الأبدية، بل عن وجودها قبل العالم (إذن، هي أزلية). وتصوّروا الفردوس أكاديمية سماوية فيها يفسّر الله لعلماء الشريعة العطاش، آخر لطائف الشريعة.
وتأكيد مت 5: 18 هو تأكيد يهودي جداً في الانجيل. هذا لا يعني أن الانجيلي ضخّم نبرته. فإن لو 16: 17 أعطى تعبيراً أكثر قساوة مما في مت: "زوال السماء والأرض (أي الكون كله) أسهل من أن يسقط خطّ واحد من الناموس". نستطيع أن نفترض أن يسوع تلفّظ بهذا القول في مناخ هجومي، فلتلقّفته المحيطات المسيحية المتهوّدة في صراعها مع المؤمنين الآتين من العالم الوثني. مثل هذا القول يدخل بصعوبة في هذا السياق الانجيلي، حيث سيبدّل يسوع لا "ياء" فقط، بل أموراً مهمّة من التشريع القديم (آ 31- 32). فمهما كان هذا القول قوياً، فهو لا يتجاوز آ 17. وقد أكمله مت بشكل عجيب بقول آخر ليسوع: "السماء والأرض تزولان، أما كلامي فلا يزول" (24: 35). كلام المسيح هو كلام الله الحقيقي وله طعم الأبدية. تُهدم السماء والأرض، وكلام الرب يبقى إلى الأبد.
ج- الكبير والصغير في الملكوت (آ 19)
أن يدخل تلاميذ يسوع إلى الملكوت، كان أمراً مفروغاً منه. لهذا اعتبروا أنهم يمارسون الوصايا الكبرى. إذن، تبقى مسألة الأولوية: من يكون الأكبر في الملكوت، ومن يكون الأصغر؟ مثل هذا السؤال شغل الأفكار. وما يثبت ذلك محاولة ام ابني زبدى واستياء المجموعة الرسولية مما طلبته لولديها (20: 20- 23).
أخذ يسوع كعادته أسلوب المفارقة والطريقة الخفية، فأعطى جوابه: يكون كبيراً ذاك الذي يمارس ويعلّم أصغر هذه الوصايا. ومقابل هذا، يكون صغيراً ذاك الذي يهملها ويعلّم البشر أن يتعدّاها. إن الطموح إلى العظمة المسيحية يفرض علينا أن نمارس حتى أصغر الوصايا. حتى الياء والنقطة في الشريعة (آ 18).
نلاحظ عبر هذا القول هجوماً جديداً على الفريسيين: فالتلاميذ يمارسون أصغر الوصايا. أما الفريسيون "فيهملون النقاط الخطيرة في الشريعة" (23: 23). التلاميذ يمارسون ويعلّمون، أما الفريسيون "فيقولون ولكنهم لا يفعلون" (23: 3).
د- فيض البرّ (آ 20)
ويتحدّد الدخول إلى الملكوت (الحجّ إلى أرض يسوع المسيح) بممارسة برّ فائض، برّ يتجاوز برّ الكتبة والفريسيين.
يشكّل تأكيد يسوع انتقاداً آخر عنيفاً على ماذا الممارسة الفريسية من شكليّات. كان الفريسيون يكدّسون الممارسات النافلة فيربكون الشريعة بتقاليد البشر ويثقّلون عليها. وهكذا توصّلوا إلى تجاهل الشريعة كتعبير عن إرادة الله. ساعة دوّن متّى انجيله، كانت الجماعة المسيحية عرضة لاضطهاد المتهوّدين. وكان الصراع مفتوحاً بين ممارسة بحسب روح يسوع، وممارسة بحسب الروح الفريسيّة. كان لا بدّ من معرفة شيء هام: هل الشريعة القديمة تصل بنا إلى حريّة الانجيل أو التلمود المتحجّر؟ أجاب متّى: "إنّ الفريسيّين يهملون أخطر ما في الشريعة" (23: 23). أما المسيحيون فيمارسون البرّ ويزيدون (5: 20).
لاحظنا تواتر الجدالات المعادية للفريسيين. ولكن لا نستنتج بسرعة: "نحن لسنا فريسيين. إذن، هذا الكلام لا يعنينا". ولكننا ننسى أن الروح الفريسية موجودة ضمناً في كل واحد منا. حين دوّن متّى انجيله، توجّه قبل كل شيء إلى المسيحيّين. إلينا نحن، لينبّهنا من الخطر الذي يتهدّدنا جميعاً.

2- قيل لكم وأنا أقول لكم (5: 21- 37)
إن آ 21- 48 تبدو احتفالية جداً في مت. ففي ست نقائض، "أكمل" يسوع الشريعة القديمة. وقد بدأت كل من هذه النقائض بعبارة: "سمعتم أنه قيل... أما أنا فأقول لكم" (أو ما يقابل هذه العبارة).
نقرأ هنا تأكيداً قوياً لم يسمع به أحد. قيل لكم (صيغة يستعملونها ليتجنّبوا التلفّظ باسم الله). حرفياً: قال الله لكم (رج روم 9: 12= روم 25: 23؛ 9: 25= هو 2: 25). "سمعتم" يعني: سمعتم قراءة الشريعة قراءة احتفاليّة في المجامع. ولا ننسى الصلاة التي يتلوها اليهودي كل يوم فيدلّ على أنه سامع لكلام الله. "اسمع يا اسرائيل، الربّ إلهنا هو واحد" (تتألف صلاة "شماع" من تث 6: 4- 9؛ 11: 13- 21؛ عد 15: 37- 41).
تجاه هذه الشريعة المقدسة والتي لا تمسّ، وقد أحاطتها هالة مجد سيناء ومعجزات الخروج. تجاه هذه الشريعة، وضعَ يسوع إعلانه الخاص: "أما أنا فأقول لكم". فكأنه يقول: كلامي أهمّ مما تقوله الشريعة.
كان الرابانيون يستعملون هذه العبارة (أما أنا فأقوله) ليحدّدوا موقفهم بالنسبة إلى تعليم رابانيين آخرين، لا بالنسبة إلى تعليم الشريعة. فلو عارضوا الشريعة، لجدّفوا وانتهكوا القدسيات. ولم يتجاسر نبيّ واحد أن يتحدّث هكذا باسمه. فمهمّته تقوم فقط في أنه ينقل تعليم الله (هذا ما يقول الربّ). فلو زاد شيئاً من عنده لكان "تاجر بكلمة الله" كما تقول 2 كور 2: 17. ولكن ما كان تجديفاً عند الآخرين صار بالنسبة إلى يسوع إعلاناً نبوياً لرسالته.
وهناك أكثر من ذلك. إن كانت بعض التأكيدات قد "أكملت" الشريعة وصارت امتداداً لها، فهناك (عكس ذلك) تأكيدات أخرى مثل الشريعة على الطلاق (آ 31- 32) قد أعلنت أن الشريعة قد بطلت (سقطت، عفّى عليها الزمن)، فأحلّت نظاماً جديداً هو معيار النعمة أو الخطيئة. ولكن الله وحده يستطيع أن يشّرع مثل هذا التشريع. إذن في فكر متّى، تعلن العبارة (أما أنا فأقول) في شكل من الأشكال، ألوهيّة المسيح الذي يدين البشر حسب الشريعة: هو يدعوهم إلى الحياة أو يحكم عليهم بالموت باسم هذه الشريعة.
أ- القتل والغضب (آ 21- 26)
أولاً: لا تقتل (آ 21)
عبارة "لا تقتل" هي إيراد حرفيّ لما في خر 20: 15 وتث 5: 18. والعقاب هو: "من يقتل يستوجب المحاكمة". يستند هذا العقاب إلى خر 21: 12؛ لا 24: 17؛ عد 35: 16- 021 أما القول كله فيستعيد قاعدة عرفها علم الفتاوي أو جاءت تلبّي الحاجات القضائية. كان القاتل يعاقب بالقتل. هذا هو معنى: يستوجب المحاكمة. أي: يستوجب القتل.
ثانياً: أما أنا فأقول لكم (آ 22)
"الأخ" يدلّ على المؤمن الذي يقاسمنا المعتقد الواحد، وبالتالي أبوه السماوي هو أبونا. لا يستعمل مر أبداً لفظة "أخ" في معنى استعاري. أما لوقا فنادراً ما يستعملها (6: 41- 42؛ 17: 3؛ 22: 32). ولكن التسمية متواترة عند مت (5: 22، 24، 47؛ 7: 3، 5؛ 18: 15، 21، 35؛ 23: 8؛ 25: 40؛ 28: 10). إن كنيسة متّى شكّلت جماعة إخوة يلتئمون حول أب واحد هو الآب السماوي، ويعلّمهم معلّم واحد هو المسيح يسوع (23: 8- 10). ويعلّمنا أع أن أعضاء الجماعة الأولى اعتادوا أن ينادوا بعضهم بهذا الاسم (1: 15- 16؛ 9: 30؛ 10: 23؛ 11: 1، 12، 29؛ 12: 17؛ 14: 2؛ 15: 1، 3، 22، 32، 33، 36، 40؛ 16: 2، 40؛ 17: 6، 10، 14؛ 18: 27؛ 21: 7، 17؛ 28: 14- 15).
"راقا": رأس فارغ، غبيّ، أبله. هذا هو المعنى إذا عدنا إلى الجذر العبري. وإذا عدنا إلى اليونانية: مدّع، متبجّح. هكذا نجرح أخانا بالكلام.
وكلمة "موروس" (بلا عقل، أبله) لا تدلّ في اللغة البيبلية فقط على الأبله الذي لا عقل له، بل على الكافر أيضاً. على الذي يقاوم شريعة الله (تث 32: 6؛ أش 32: 6؛ سي 50: 26) فيقول في قلبه: ليس إله. الله غير موجود (مز 14: 1). من هذا القبيل، تقابل اللفظة "راقا" (رأس فارغ)، وهذا ما يذكّرنا بما في يع 2: 2: الانسان الباطل الرأي (الفارغ). إن مت يستعمل دوماً "موروس" في المعنى الأخلاقي: فالجاهل (المجنون) هو الذي يبني بيته على الرمل، أي يسمع كلام يسوع ولا يعمل به (7: 26). وتصف اللفظة أيضاً العذارى الجاهلات اللواتي نسين أن يأخذن زيتاً مع مصابيحهن (25: 2). وتصف بشكل خاص الفريسيين "الجهّال والعميان" (23: 17).
"جهنم" (جاإنا). تدلّ في الأصل على وادي بن- هنوم الواقع جنوبي أورشليم. هناك كانت تُحرق الذبائح البشرية إكراماً لمولك (الإله) في زمن أحاز ومنسّى (2 مل 16: 3؛ 21: 6؛ إر 7: 31؛ 19: 5 ي؛ 32: 35). وإذ أراد يوشيا أن يجعل استعمال هذا الطقس الكنعاني مستحيلاً، جعل الموضع مكروهاً (2 مل 23: 10) فصار مكبّ قمامة المدينة وجيَف الحيوان. وبسبب اللعنات التي صبّها إرميا عليه (7: 32؛ 19: 6) صار الموضع رمزاً إلى جهنم (رج مت 5: 29- 30؛ 10: 28؛ 18: 9؛ 23: 15، 33).
حين تحدّث يسوع عن شريعة القتل، "أكملها" كما يلي فقال: كان العهد القديم يعاقب القاتل بالقتل. كان القاتل يستوجب المحاكمة أو يُحكم عليه بالموت. أما الشريعة الجديدة فتجعل الغضب البسيط مثل القتل. فالذي يغضب على أخيه يستوجب المحاكمة. يعني: الله يحاكمه ويعاقبه. هذا لا يعني أن الله لا يميّز بين القتل والغضب. ولكنه يدين الإنسان بحسب نوايا قلبه. لا شكّ في أن العهد القديم (جا 7: 9؛ أم 15: 1؛ سي 10: 6؛ 28: 7) والتعليم الراباني كانا يندّدان بالغضب. وقد جعلته وصية دانيال (3: 12؛ كتاب منحول) بين "أرواح بليعال". غير أن الشريعة لم تهاجم يوماً القتل حيث تقيم جذوره. أي في الغضب الذي يخرج من قلب الإنسان ويدلّ على فراغه من المحبّة.
نلاحظ أن هذه الأقوال الثلاثة في آ 22، لا تمثّل تدرّجاً في الفكر. بل قد وُضع القول تجاه الآخر. وإذا كان من تدرّج بين حكم السنهدرين البشري ودينونة الله في جهنّم، فالتدرّج لا يظهر من "راقا" إلى "معتوه" (أبله). ثم إن الحكم الأول يعبرّ عن أقسى عقاب: ما يعاقب به الله الغضب. فمن استوجب حكم المجلس أو جهنم النار، استحق الدينونة أمام منبر الله.
من الممكن أن يمثل القول الثاني (حكم المجلس) والثالث (حكم جهنّم) توسّعين أقحمهما متّى في اللحمة الأولى للخطبة ليكون له ثلاثة أقوال متوازية. فالمعروف عن الانجيلي الأول محبّته للأعداد.
ثالثاً: إن قدّمت قربانك (آ 23)
إن مت 5: 23 يجد ما يوازيه في مر 11: 25. ولكن القول في كلا الانجيلين، ليس في سياقه الأوّلاني. ففكّر الشرّاح في كلمة ليسوع أعيدت صياغتها فيما بعد من أجل الجماعة الأولى. أما القاعدة فهي التالية: المصالحة شرط لاستجابة الله لنا (مر 11: 25). وهكذا يكون التسلسل متراخياً مع القول على القتل والغضب.
وتأتي عبارة غامضة (تضع فيها ما تحسّ به في قلبك): "إذا كان لأخيك عليك شيء". اختار مت كلامه عمداً. لا يهتم لطبيعة الإساءة ولا حتى لخطورتها. يكفي أن لا يكون مقدّم الذبيحة في سلام تام (غير متفق) مع أخيه، لكي لا يستطيع. أن يعتبر نفسه في سلام مع الله. فمحبّة القريب والعطف عليه شرط لمحبة الله لنا وعطفه علينا. ما هو ملحّ هو أن يتصالح الإنسان مع أخيه قبل أن يقدّم قربانه على المذبح.
رابعاً: إتفق مع خصمك (آ 25- 26)
كان هذا القول في الأصل مثلاً (رج لو 12: 58- 59). ذهب متخاصمان إلى القاضي ليفضّا خلافهما. يقول لهما يسوع: اتفقا بسرعة في الطريق، ما دام الوقت لم يحن بعد. أي قبل أن يصلا إلى المحكمة. فبعد المحكمة يكون قد فات الأوان. تُجبران على دفع آخر فلس يتوجّب عليكما.
تعود هذه النصيحة، للوهلة الأولى، إلى الحكمة البشرية. فالاتفاق بالتراضي لا يكلّف مثل المرافعة في المحكمة. ولكن من الواضح في مجمل الخطبة على الجبل أن يسوع مهتمّ بأن يعطي قواعد حياة لأبناء الملكوت، لا نصائح لاثنين يتخاصمان.
والعبارة الاحتفالية "الحق أقول لكم" تبدأ عادة تعاليم اسكاتولوجيّة. ففي هذا السياق الاسكاتولوجي عينه نجد قول لو 12: 58- 59. لا نريد أن نرى تطبيقاً على المؤمن في كل تفصيل. غير أننا نستطيع القول إن الخصمين يقابلان المؤمنين الذين لم يتصالحوا. أما القاضي فهو الله نفسه (5: 22). فأسرعوا إذن وتصالحوا. تدبّروا أموركم حبّياً. ففي نهاية الطريق تجدون محكمة الله.
ب- الزنى والشهوات الرديئة (آ 27- 30)
أولاً: لا تزنِ (آ 27- 28)
كانت الشريعة الموسوية، شأنها شأن شرائع عالم الشرق القديم، تمنع الزنى (حز 20: 14) الذي يُعتبر بشكل رئيسّي تعديّاً على حقّ الملك. إن خر 20: 17 يعتبر المرأة ملكاً من أملاك الرجل مع بيته وعبده وأمته وثوره وحماره. فلا نشتهيها. هذا ما يفهمنا لماذا تعتبر المرأة زانية مهما كانت صفة الرجل الذي تتعامل معه. أما الرجل فلم يكن زانياً إلا مع امرأة متزوّجة. ثم إن الرابانيين حصروا الزنى في حال تجامع الرجل مع امرأة قريبه (أي: من شعب اسرائيل. أما مع المرأة الغريبة، فلا بأس!!).
رفضت الشريعة الجديدة كل هذه التمييزات، وشجبت الزنى حتى في قلب الإنسان. فهناك يولد (رج 15: 19). كان العهد القديم قد طلب من المؤمن أن يحرس عينيه (أي 31: 1؛ سي 9: 5). أما يسوع فأعلن أن زنى القلب خطير خطر الزنى الفعلي. ففي الأزمنة المسيحانيّة، سيدين الله الإنسان في قلبه.
ثانياً: إن عثّرتك عينك (آ 29- 30)
وأدرج مت هنا قولاً على العثار، على الشكوك، وكل ما يدفع الانسان إلى الخطيئة (18: 8- 9؛ رج مر 9: 43- 47). قول ذو بعد عام، وهو يعود إلى آ 28 التي تتحدّث عن النظر الزاني. وهكذا انتقل الحديث إلى العين التي تسبّب السقوط للإنسان.
يبدو القول بشكل مفارقة على طريقة يسوع ليحضر كلامه في ذاكرة سامعيه. يكفي أن نسمع هذه الكلمات مرة واحدة لكي لا ننساها أبداً. ولكن يجب أن نميّز بين التعليم نفسه والتعبير عنه. إن طبّق التلاميذ التوصية تطبيقاً حرفياً، امتلأ ملكوت الله بالعور (أصحاب عين واحدة، أعور) والقطعان (أصحاب يد واحدة، أقطع). ثم إن التضحية بالعين اليمنى لا تمنع العين اليسرى من أن تكون هي أيضاً سبب عثار. وكذلك نقول إن قطعنا اليد اليمنى. معنى التعليم واضح: يفرض يسوع أن نقطع من الجذور كل الظروف التي تقودنا إلى الخطيئة.
ج- الطلاق وعدم انحلال الزواج (آ 31- 32)
أولاً: السياق
يعود هذا الفول إلى مت 19: 9. أدخل هنا على مستوى تدويني لاحق. والمقدمة نفسها لم تأتِ متناسقة مع نصوص 5: 21، 27، 33، 38، 43. ولكن ما هو معنى هذا القول في السياق الحالي؟ إن أساس تفسير هذا القول يرتبط بالقاطعة الصغيرة: إلا في حالة الزنى. أو: في حالة سلوك سيّىء. يبدو أن النصّ المتاوي مفتوح على اتجاهين: تفسير قاسٍ. لا يقبل بالطلاق أبداً. لا شواذ. فالزواج لا ينحلّ أبداً. وتفسير رحيم يسمح بالطلاق في حالة الزنى.
ثانياً: التفسير القاسي
إن تحرّك الأنبياء (ملا 2: 16: أنا كره الطلاق، يقول الربّ)، وممارسة بعض الجماعات اليهوديّة (وثيقة دمشق 4: 20- 21، لدى الأسيانيين)، والعادة في الجماعة المسيحية الأولى كما تحدّثنا عنها 1 كور 7: 10- 11، والنصين الموازيين في مر 10: 11- 12 ولو 16: 18 (يقولان الوصيّة بشكل مطلق)، كل هذا يطالب بالتفسير القاسي: لا يسمح أبداً بأن يطلّق الرجل امرأته ليتزوّج غيرها.
في إطار التفسير تتحمّل العبارة "إلا في حالة الزنى" مدلولين اثنين:
المدلول الأول: إن لفظة "بورنايا" (الفسق، سوء السيرة) تدلّ على رباط غير شرعيّ، على زواج باطل (كاذب، أثيم)، على حياة مشتركة من دون زواج. يشهد على هذا المعنى عدة مقاطع من العهد الجديد (أع 15: 20، 21: 25؛ 1 كور 5: 1؛ عب 12: 16)، ومن الآداب الرابانية. إذن، يكون المعنى كما يلي: لا يحقّ للرجل أن يطلّق امرأته، إلا في حالة وضع شاذّ: ساعة يعيش مع امرأة ليست زوجته الشرعيّة (في هذه الحالة، لا بدّ من الانفصال عنها!).
المدلول الثاني: يشير إلى سوء سلوك الزوجة الشرعيّة. إن أخطأت يسمح "بطلاقها" (بهجرها). ولكن لا يسمح للرجل بأن يعقد زواجاً آخر. وبعبارة أخرى، يعرف العهد الجديد زوجين "منفصلين" لا زوجين "مطلّقين" يستطيعان أن يعقدا زواجاً جديداً. هذا هو التفسير "التقليدي". ولكن لا ننسَ أن فعل "أبوليوو" يعني طلّق.
هذا التفسير يجد نفسه في سياق مت 5: 17- 48: جاء يسوع يكفل الشريعة. وقد أراد أن يزيد برّ التلاميذ على برّ الفريسيين. فالشريعة الانجيلية لا يمكن أن تكون مجرّد تثبيت لإمكانيّة الطلاق التي منحها العهد القديم في الماضي بسبب "قساوة القلوب" (19: 8).
ثالثاً: التفسير الرحيم
"إلا في حالة الزنى". تدلّ هذه العبارة على شواذ حقيقي. وفي هذه الحالة يُسمح بالطلاق. هذا التفسير يوافق أيضاً كل الموافقة سياق مت 5: 17 حيث يؤكّد يسوع أنه جاء ليكمّل الشريعة لا لينقضها. وبعبارة أخرى، ما أراد مت أن يلغي لكنيسة فلسطين التي يكتب لها هذا التدبير الرحيم الذي وُهب للضعف البشري والذي يسمح بالطلاق في حال الزنى. فالشريعة الانجيلية التي لم تلغَ، قد أكملت مع ذلك، لأن المثال المعروض ظلّ الزواج الأحادي (امرأة واحدة، رجل واحد) كما جعله الله "في البدء" (مت 19: 4). إذن، هناك مثال إنجيلي قدّمه يسوع للجميع، وممارسة بشريّة تسري في كنيسة فلسطين، وهي تستند إلى رحمة الله.
هذا التفسير يستند إلى اعتبار يقول بأن 5: 17- 48 يقدّم مثالاً انجيلياً، لا فرائض شريعانية. وهذا واضح حين نتطلّع إلى سائر التكملات في هذا المقطع. طلب يسوع أن لا يُقسم الإنسان في أي حال من الأحوال (5: 34): المنع واضح، قاطع، ولا يتحمل الشواذ. ولكن الكنيسة لم تمنع يوماً القسم (الحلف). بل تفرضه في بعض الظروف، وهذا ما يتعارض مع روح خطبة الجبل وحرفيّتها.
د- الحلف (آ 33- 37)
أولاً: لا تحنث (آ 33)
لا يورد مت النصّ حرفياً. ولكنه يقدّم بشكل شرائع منع الحلف (خر 20: 7؛ لا 19: 12) وضرورة إيفاء ما حلفنا أن نقوم به (عد 30: 3؛ تث 23: 32؛ مز 50: 14).
اهتمّ العهد القديم اهتماماً كبيراً بالحلف. فالحلف باسم الرب كان عملاً من أعمال التقوى على مثال مخافة الله والتعبّد له (تث 6: 13؛ 10: 20). فلا يتمّ القسم إلا قدّام الله. إذن، هو يقابل بشكل عمليّ الإعلان الاحتفالي بالمونوتاوية (الله الواحد) والاعتراف بسلطة يهوه على الكون (أش 19: 18؛ إر 12: 16). أما من حلف بآلهة أخرى، فقد دلّ على أنه عابد أوثان (أش 5: 7؛ عا 8: 14). وقد أوصت الشريعة أيضاً بممارسة النذور (تث 12: 11)، فبدا هذا العمل أهلاّ للمديح في التقوى اليهوديّة (مز 22: 26؛ 56: 13؛ 65: 2؛ 76: 12؛ 116: 14).
ثانياً: لا تحلفوا البتة (آ 34- 35)
إن الاعتبارات التي أحاطت بأقوال الحلف والنذور، صارت سبباً لتكاثرها، بل فتحت الطريق أمام ديانة شكلانية حيث دلّ العدد الكبير من الطقوس والعبارات على فراغ داخليّ (مت 6: 7- 8). كانوا يحلفون بكل شيء ويحلفون بلا شيء. وإذ لم يريدوا أن يتلفّظوا باسم الله الذي لا يدرك، صاروا يحلفون بالمجيد، بالسماء، بالهيكل، بخدمة الهيكل، بالمذبح، بالتوراة، بموسى، بحياة فلان، بتعزية أورشليم...
وكانت هذه العبارات من الحلف والنذور مناسبة لتمييزات أحبّها علم الفتاوي لدى الفريسيين: من يحلف بالهيكل لا يُجبر على شيء. أما من يحلف بذهب الهيكل فعليه أن يفي (مت 23: 16). وكذلك، من حلف بالمذبح، لا بأس. أما من حلف بالتقدمة التي على المذبح، فعليه أن يفي (23: 18). لهذا جاءت ردّة فعل يسوع عنيفة تجاه هذا الوضع. "أما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتّة. لا بالسماء، لأنها عرش الله (أش 66: 1). ولا بالأرض، لأنها مواطىء قدميه (أش 66: 1). ولا بأورشليم، لأنها مدينة الملك العظيم" (مز 48: 2؛ طو 13: 15).
دلّ هذا التنسيق المثلّث على قلم متّى الذي اختار أمثلة تدلّ على سلطة الله وسيادته. فالعهد القديم (سي 23: 9) والعالم اليهودي (وثيقة دمشق) طلب إجراءات ضد تكاثر الحلف. وانطبعت ردّة فعل يسوع بجذريّة خاصة بالشريعة الجديدة. لم نعد فقط أمام امتناع عن الحلف باسم الله بالباطل، بل عن الحلف بشكل مطلق. فكل كلمة تلفظ في الواقع أمام الله. أما الحلف فيخالف روح الشريعة الانجيلية.
ثالثاً: لا تحلف برأسك (آ 36)
كرّر مت كلمة "حلف". وانتقل من المخاطب الجمع إلى المخاطب المفرد. هذا ما يدلّ على أن هذه الآية وُجدت في الأصل في سياق آخر. ولقد شدّد مت على ضعف ما في هذا الحلف: حين نحلف بالسماء، بالأرض، بأورشليم، كنا نعود إلى الله بشكل ضمنيّ. ولكن حين نحلف برأسنا نعود إلى نفوسنا، مع أننا لا نستطيع أن نجعل شعرة واحدة من شعرنا سوداء أو بيضاء.
رابعاً: نعم، نعم: لا، لا (آ 37)
الصدق والصراحة مطلوبان في مملكة المسيح. والشفافيّة أيضاً. نعم يعني نعم. ولا يعني لا. وكل ما تبقّى يأتي من الشرير، من الشيطان (رج يو 17: 15؛ 1 يو 3: 12؛ 5: 18) سلطان الكاذبين (يو 8: 44). ويقدّم لنا يع 5: 12 نصاً موازياً لما نقرأ هنا: "لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر. بل فليكن النعم عندكم نعم، واللا، لا، لكي لا تقعوا تحت الدينونة". قد يكون هذا النص أقدم من نصّ مت، وإن كانت صياغته الأدبية أفضل.

خاتمة
نحن هنا أمام الشريعة الجديدة التي لا نجدها فقط في نصّ مت، بل في شخص يسوع نفسه، في سرّه العميق. فإن الرب قد جعل بين الشريعة القديمة والمؤمنين هذا الجديد الكلي الذي ينير تصرّف البشر: صليب يسوع وقيامته، عطيّة روحه القدوس. فهناك طريقة جديدة كل الجدة، طريقة انجيلية في ممارسة الوصايا. هي أن نعيشها كأبناء في الابن الوحيد، ونترك حبّ الله يحرقنا وهو المفاض في قلوبنا بالروح القدس (روم 8: 5). هذه هي الشريعة الجديدة.
سألت يوماً ايريناوس: ماذا حمل لنا الرب في مجيئه؟ وأجاب: إعلموا أنه حمل إلينا كل جديد. حمل إلينا ذاته.

الفصل العشرون
من الانتقام إلى محبّة الأعداء
5: 38- 48

في 5: 17- 48، قدّم مت داخل خطبة الجبل، الشريعة الجديدة التي "تكمّل" القديمة، وقدّم لهذه المقطوعة بأربعة أقوال ترى في 5: 17- 20. كان متّى سيّد الفقاهة، فأعطى مسبقاً المفتاح الذي يتيح لنا أن نفهم النصّ فهماً أفضل. قال لنا متّى إن يسوع لم يأتِ ليلغي الشريعة (وتعاليم) الأنبياء، بل جاء ليكمّل.
ويبدو 5: 21- 48 بشكل احتفالي جداً. في ست نقائض "أكمل" يسوع الشريعة القديمة. وطالت التكملة النقاط التالية: القتل والغضب (آ 21- 26). الزنى والشهوات الرديئة (آ 27- 30). الطلاق وعدم انحلال الزواج (آ 3- 32). الحلف (آ 33- 37). شريعة المثل أو الأخذ بالثأر (آ 38- 42). محبّة الأعداء (آ 43- 47).
شرحنا في فصل سابق النقاط الأربع الأولى (آ 21- 37). وها نحن نتوقّف عند شريعة المثل ومحبّة لأعداء. ونعرف أن ما قدّمه مت هنا هو بعض أمثلة، وقد يكون هناك غيرها الكثير الكثير. فالمهمّ هو المبدأ المسيحاوي الذي يتيح لنا أن ننتقل من الشريعة القديمة إلى الإنجيل. فالمسألة المطروحة هي مسألة الجديد في الإنجيل وموقف يسوع بالنسبة إلى العهد القديم.

1- شريعة المثل (5: 38- 42)
أ- قيل، أما أنا فأقول لكم
تبدأ هذه النقائض الست بعبارة واحدة: "سمعتم أنه قيل لكم، أما أنا فأقول. تأكيد قويّ جداً. لم يُسمع به من قبل. وصيغة المجهول (تتجنّب التلفظ باسم الله. المجهول اللاهوتي) تدلّ على أن الله هو الذي قال. ولفظة "سمعتم" تدلّ على قراءة الشريعة في احتفال المجمع، كما تدلّ على صلاة "شماع" التي يتلوها اليهودي التقيّ كل يوم، فيعدّ قلبه لسماع كلمة الله.
هذه الشريعة المقدّسة التي يحيط بها مجدُ سيناء، كما بهالة من النور، ها هو يسوع يعارضها بقوله: "أما أنا فأقول لكم". استعمل الرابانيون العبارة لا ليعارضوا كلام الله، بل تفسير أحد الرابانيين الذين سبقوهم. هم ظلّوا على المستوى البشريّ. أما يسوع فوقف على المستوى الإلهيّ ودلّ على أنه مساوٍ لله في إعطائه شريعة جديدة تقابل الشريعة القديمة التي وصلت إلى الشعب بواسطة موسى.
إن موقف يسوع هذا دلّ على دعوته المسيحانيّة. فالآب قد مسحه وأرسله. انتظرت جماعة متّى الفلسطينية موسى جديداً حسب نبوءة تث 18: 15: "الرب الهك يقيم لك من وسطك بين اخوتك نبياً مثلي، فله تسمعون". لقد تحقّقت النبوءة في يسوع. بل هو تجاوزها. فإن كانت بعض التأكيدات "تكمّل" الشريعة وتقف في امتدادها، فهناك أقواله تدلّ على نظام جديد يجعل شريعة موسى باطلة.
نلاحظ أن عبارة "قيل لكم أما أنا فأقوله لكم" غير موجودة في نص لو الموازي 5: 38- 42= لو 6: 29- 30؛ 5: 43- 48= لو 6: 27- 36. قد يكون لو ألغاها، لأنه لم يعتبر تقديم يسوع كمسيح الشريعة اليهوديّة، مُهماً من أجل قرّائه. وقد نستطيع أن نفترض أن مت انطلق من عبارة أولانيّة تعود إلى يسوع نفسه، وقد قيلت في جوّ "هجوميّ". فصاغ هذه النقائض بين الشريعة القديمة والشريعة الجديدة، وأدخل العبارة حيث لم تكن موجودة. هذا يوافق كل الموافقة عبقريّته ككاتب، كما يوافق أسلوبه في كتابة الانجيل. ويدلّ هذا العمل التدويني على أن متّى جعل نفسه في خدمة الجماعة مشدّداً بكل قواه على الجديد الذي يتضمّنه الإنجيل.
ب- عين بعين، سن بسن (آ 38)
أعلنت العادات في الشرق القديم أن عقاب المخطىء يجب أن يوازي خطيئته. هذا ما يسمّى شريعة المثل التي نجدها في قانون حمورابي ثم في دستور العهد (خر 21: 24- 25؛ رج لا 24: 20؛ مت 16: 31). "نفس بنفس، عين بعين، سنّ بسن، يد بيد، رجل برجل، حرق بحرق، خدش بخدش، جرح بجرح".
لا نتأثّر بمثل هذه الطريقة، منطلقين من الإنجيل. فتصرّفاتنا اليومية لم تبتعد كثيراً عن هذا القول. وقد أرادها المشترع لكي يحدّ من ردّة الفعل والانتقام. فقد كانت القبيلتان تتقاتلان حتى تفني الواحدة الأخرى. وقد أورد تك 4: 24 شريعة "الوحوش." التي انشدها لامك: يُنتقم لقايين سبع مرات، وللامك سبعين مرة سبع مرات.
الحركة الأولى لدى الذي يُهان هي أن "ينتقم"، أن "يستردّ" ما حسبه حقّه. ولكن شريعة المثل وضعت حداً لتبادل الضرر. هناك خطايا قد تكون أرادية أو عن غير عمد. لهذا تكوّنت مدن الملجأ التي يهرب إليها القاتل الذي لم يفعل ما فعل عمداً (خر 21: 12- 13؛ عد 35: 9- 29؛ تث 4: 41- 42؛ 19: 1- 3).
من الصعب أن نقول إن هذه الشريعة (المثل) كانت مطبّقة في زمن المسيح في كل قساوتها. فإذا جعلنا جانباً حالة الشهادة بالزور (حيث يقاسي الكاذب العقاب الذي تجرّه شهادتُه)، يبدو أن الإنسان الذي نالت الاساءة ينال تعويضاً مالياً إذا شاء. وإلا تطبّق شريعة المثل.
ج- لا تقاموا الشرير (آ 39 أ)
طلب يسوع في الشريعة الجديدة أن نتخلّى عن كل حقّ بالانتقام، أن لا نقاوم الشرير. هو لا يعلن مبدأ قضاء رسمي يؤمّن للمعتدي تهرّباً من العقاب: إن فعل كذلك كافأ خير مكافأة العنف والإجرام. إنه يشّرع فقط من أجل ملكوته الذي هو ملكوت الغفران والمحبّة. في الواقع، سيقود الشريعة القديمة إلى كمالها النهائي في الخطبة الكنسيّة، فيحدّد أن على المؤمن أن يغفر 70 مرة سبع مرات (مت 18: 22). إن مقياس الانتقام عند لامك، صار مقياس الغفران في الشريعة الجديدة، وهكذا نجد التدرّج التالي:
- نشيد لامك: الانتقام 70 مرة سبع مرات.
- شريعة المثل: الانتقام مرة واحدة.
- العظة على الجبل: لا تقاوم الشرير.
- الخطبة الكنسيّة: الغفران 70 مرة سبع مرات.
ونجد صورة عن مبدأ "لا تقاوم الشرير" في ثلاثة تطبيقات ملموسة (5: 39 ب، 40، 41) تتبعها توصية إيجابيّة (آ 42). قدّم لو في 6: 29- 30 نصاً موازياً للمثلين الأولين، وقد بدا تعبيره أقدم من تعبير مت.
إن مت يحبّ التجمّعات العدديّة، وخاصة التجمّع المثلّث. وهكذا يعدّد ثلاثة أمثلة من العشور: النعنع، الشبث، الكمون، التي لا يجب أن تنسينا العدل والرحمة والأمانة (23: 23). وقدّم أيضاً ثلاثة أقوال عن الشجرة وثمرها (7: 17- 19). وثلاثة أقوال ترتبط "باسمك" (7: 22). وثلاثة أقوال تبدأ مع "من حلف" (23: 20- 22). ونتذكّر أن سلسلة نسب يسوع تضمّنت ثلاثة أقسام، وكل قسم من 14 جيلاً (1: 1- 14). وفي عظة الجبل، تحدّث عن ثلاثة أعمال تقوية: الصدقة، الصلاة، الصوم (16: 1- 6، 16- 18).
إذن، يعود التجمّع في ثلاثة أمثلة (آ 39- 41) إلى مت. هو لم يستنفد كل شيء. وقد كان بإمكانه أي يقدّم أمثلة أخرى. المهمّ أن يبرز الروح التي كُتبت فيها، روح تلميذ المسيح.
د- قدّم له الوجه الآخر (آ 39 ب)
هذا هو المثل الأول. من فهم أنه يجب عليه حقاً أن يقدّم الوجه الآخر لمن لطمه، يدلّ على أنه لا يعرف أن يقرأ الكتاب المقدّس. فقد اختار يسوع هذا المثل عمداً. نحن هنا أمام مفارقة كما في قول العين التي يجب أن نقلعها واليد التي يجب أن نقطعها. مثل هذا الفعل لا ينفع في الممارسة اليوميّة. فالعين المقلوعة واليد المقطوعة لا تحميان المؤمن من أن يعثر بالعين الأخرى واليد الأخرى. واللطمة الثانية لا تحمينا من لطمة ثالثة ورابعة وخامسة. وعدم المقاومة لا يقود الشرير إلى عواطف خيرّة.
وقد أعطى يسوع نفسه أفضل تفسير لهذا القول: لم يقدّم الوجه الآخر لعبد رئيس الكهنة الذي لطمه، بل لامه بقساوة: إن كنت تكلّمت بسوء، فبيّن أين هو السوء. وإن بصواب فلم تضربني (يو 18: 23)؟
غير أننا نزيد أن الأناجيل الإزائية لم تحتفظ بهذه الحاشية في خبر الحاش. وقد استطاع المؤمنون أن يروا هنا صورة عن عبد الله المتألم الذي لم يقاوم هو أيضاً أولئك الذين أهانوه. "لم أقاوم. لم أرجع إلى الوراء. مددت ظهري للذين يضربونني وخدي للذين ينتفون شعر لحيتي. لم أبعد وجهي عن التعيير والبصاق" (أش 50: 5- 6).
إن صورة عبد الله المتألم تشرف على خبر الحاش، وقد أشار مت 26: 27 إلى هذا المشهد وما فيه من هزء. وهي تشرف أيضاً على المثل الوارد هنا: فعلى التلاميذ أن يقتدوا بتصرّف يسوع في ألامه وموته.
هـ- خلّ له الرداء (آ 40)
هذا هو المثل الثاني. إنه يقدّم لنا الشرير الذي يشتكي على المؤمن ويجرّده من ثوبه (خيتون، الثوب التحتي، "القميص") كما يقول مت أو من معطفه كما يقوله لو 6: 29 ب. إن تعبير مت هو أقدم من تعبير لو. نحسّ في مت أن الشرير يريد قميص المسكين. فيطلب منه يسوع أن يزيد فيعطيه الرداء. رأى لو الصعوبة بأن نجرّد الانسان من قميصه قبل أن نجرّده من معطفه، فصحّح النصّ من أجل القارىء: "من أراد أن يأخذ لك معطفك، لا ترفض له قميصك".
يتجذّر هذا المثل، شأنه شأن سابقه، في الكتاب المقدّس. وهو يشدّد على فعلة الشرير وما يميّزها من عنف. فمعطف المسكين خير لا يمكن أن يؤخذ منه لأي سبب كان. نقرأ في خر 22: 25- 26: "إذ ارتهنت معطف قريبك، تردّه إليه قبل غياب الشمس، لأنه غطاؤه الوحيد والرداء لجلده، فكيف ينام؟ إن صرخ إليّ سمعته، لأني أنا رحيم" (يعني: أنت لم تعامله بالرحمة، رج تث 24: 13).
إذا أخذت معطف الفقير، فالبرد سيلسعه خلال الليل. حينئذٍ يقف الله بجانب الفقير (مز 109: 31). هو يترك تدبير الكون وتحرّك النجوم وهتافات "أبناء" الله (أي 38: 7)، ويأتي إلى معونة البائس، لأنه رحيم. عرف مؤمنو مت أنهم حين تركوا الآخر يأخذ معطفهم كانوا من الرابحين، لأن رحمة الرب تكسوهم.
و- امشِ معه ميلين (آ 41)
هذا هو المثل الثالث. إنه خاص بمتّى. يقدّم لنا الإنجيليّ وضع تسخير طوله ميلاً واحداً (تقريباً 1480 متراً، أو 8 غلوات). وهنا أيضاً لا يقاوم المؤمنُ الشرير. طلب منه ميلاً، فليقدّم له ميلين.
"اغاراوو". يعود إلى "اغاروس" الذي يدلّ على السعاة في بلاد فارس (يحملون البريد). كان يسمح لهم بأن يأخذوا سخرة كل وسائل النقل. ثم عنى الاسم كل "سخرة". يستعمل متّى (خارج هذه المقطوعة) الفعل مرة أخرى في إنجيله، حين يتحدّث عن الجنود الذين سخّروا سمعان القيريني لكي يحمل صليب يسوع (27: 32). في الجماعة المسيحية الأولى، رمز سمعان إلى التلميذ الذي يحمل صليبه ويسير وراء يسوع (10: 38 وز؛ 16: 24 وز).
ز- من سألك فاعطه (آ 42)
تبدو التوصية في هذه الآية بشكل جملتين متوازيتين وشبه مترادفتين، لأن الاقتراض يقابل الصدقة. قال سي 29: 1: "من أقرض المسكين مارس الرحمة معه". وداخل الشعب الاسرائيلي لا يرافق الاقتراض فائدة تُدفع (خر 22: 24؛ لا 25: 35- 37؛ تث 15: 7- 11؛ 23: 20- 21). وكانت السنة السبتيّة تفرض (أقله نظرياً) الاعفاء من كل الديون ومن كل القروض (تث 15: 1 ي). لقد أراد بنو إسرائيل أن يظلّوا شعب إخوة.
غير أن يسوع وسّمع هذه الشريعة. لم يُرد أن يشجّع الاستعطاء. بل هو يصل بالمبدأ (لا تقاوم الشرير) حتى آخر متطلّباته. عند ذاك نقابل الشرير بعطف يسبق المحبة. وهكذا نغلب الشّر بالخير كما يقول بولس الرسول (روم 12: 21).
إن هذه الآية تختتم المقطوعة عن شريعة المثل. وقد بدا الرباط مع البداية متراخياً. قد يكون هذا القول انتمى في الأصل إلى سياق آخر. ولكن لو 6: 29- 30 يقدّم السلسة عينها. إذن، وُجد هذا التسلسل في المرجع المشترك القديم قبل أن يأخذه مت ولو.
إن هذه الاخلاقيّة التي يكرز بها يسوع لا تجعل المؤمن على مستوى العبيد الذين لا حرّية لهم ولا إرادة. ولا على مستوى الذين يبحثون عن الألم. بل ترفعه إلى مستوى أبناء الملكوت. فيقتدي بعبد الله المتألم الذي تمجّد بعد أن أذلّ. وهو يترك معطفه لمن يريد أن يجرّده منه، لأنه الرب يكسوه برحمته. وحين يمشي مع أخيه، دهان كان شريراً، فهو يعرف أنه يحمل صليباً يجعل منه تلميذ يسوع.

2- محبّة الأعداء (5: 43- 48)
إن الكلمة السادسة والأخيرة للشريعة القديمة، تتحدّث عن محبّة الاعداء (5: 43- 48؛ لو 6: 27، 28، 32- 36).
أ- أحبب قريبك وأبغض عدوك (آ 43)
أولاً: أحبب قريبك
إن القسم الأول من الوصيّة يستعيد لا 19: 18: "أحبب قريبك كنفسك". في منظار العهد القديم، كان مدلول القريب ضيّقاً: فالقريب هو الإسرائيلي. أما الآخرون فيرُذلون من جماعة "أبناء الشعب" (لا 19: 18).
أراد لا 19: 34 أن يوسّع مدلول القريب، فأوصى بمحبّة القريب الذي يقيم وسط إسرائيل، والذي تبنّته الجماعة تبنياً. والعلة المعطاة سامية جداً: "الغريب الذي يقيم معكم يكون لكم مثل ابن البلد، وتحبّه كما تحبّ نفسك، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" (رج تث 10: 19). إذن، الحبّ الذي انتزع في الماضي إسرائيل من القيود المصريّة، الذي حرّره من أسمال العبودية وألبسه معطف الحرية، يتطلّع هو أيضاً إلى "الآخرين". ولكننا لا نستطيع القول إن هذا النصّ فتح قلب اسرائيل ليقبل الغريب في بيته.
وفي زمن المسيح ربطوا مدلول القريب بالذين قبلوا عماد المرتدين والختان. بل إن الغريب الذي أقام 12 سنة في وسط إسرائيل، ولم يتبنّ الديانة اليهوديّة، كان يعتبر دوماً كالوثني الذي لا يجب أن نحبّه. وهذا ما يعارض معارضة واضحة لا 19: 18؛ تث 10: 19. ولقد قال بعض المعلّمين: إن الوثنيين يستحقّون الموت. وتساءلوا بقلب ناشف: هل يمدّون يد العون لوثنيّ في خطر الموت؟ وكان الجواب: كلا. أما الجاحدون فنجلبهم إلى الفخاخ ونأخذهم فيها.
مثل هذه الأمور عرفها سامعو يسوع، وبشكل خاص سامعو متّى الذين توجّه إليهم الإنجيل الأول. كانت هناك شواذات، ترتبط بحبّ أعمى للشريعة يفسّرونها تفسيراً ضيّقاً. وكانت شواذات على مستوى الاتساع.
ثانياً: أبغض عدوّك
لا نجد عبارة "أبغض عدوك" حرفياً في العهد القديم. قد نكون أمام قول شعبي استعمله الناس في زمن المسيح. ونجد ما يقابله في لفيفة القاعدة. إن التلميذ الذي يتجنّد في جماعة قمران يعد "بأن يحبّ كل أبناء النور، كلاً حسب مقامه في مجلس الله، وأن يبغض كل أبناء الظلمة" (قاعدة الجماعة 1: 10)
ويفسّر "بغض" الاعداء هذا بتاريخ الشعب المختار، ولا سيّما في حقبة قاسية هي حقبة الإقامة في كنعان. إسرائيل هو شعب الله. والحروب التي يقوم بها هي حروب الله. والانتصارات التي يحرزها هي انتصارات الرب نفسه. لهذا فرضت عليه محبّة الله الواحد بغض الأوثان. وبالتالي بغض الوثنيين الذي يتعبّدون لها. لهذا يبرّر تث استئصال الأمم التي تقيم في أرض كنعان، ويعتبر أن هذا العمل يُتمّ فريضة إلهيّة وعمل تقوى تجاه الربّ (تث 7: 1- 6؛ رج 20: 13- 18؛ 25: 19). أرادوا أن يحافظوا على المونوتاوية (عبادة الله الواحد) من كل نجاسة غريبة. فاتخذوا الوسائل الجذرية وحرّموها، أي اعتبروا قتلها حلالاً. مثل هذا الاسلوب كان فيه بعض الربح والكثير من الخسارة. لم يعد إسرائيل نور الأمم بل جلاّدها.
وكان الخطر في أن تطبّق هذه المبادىء الحربيّة (الحرب المقدسة) على المستوى الفردي، أي أن نخلط بين قضيّتنا وقضيّة الله، وأن نحسب أن أعداءنا هم أعداء الله. وكان هذا الخطر واقعياً. فهناك مزامير (35؛ 54؛ 58؛ 69) تشتمل على الكره واللعنة والانتقام والبغض، فتبدو بعيدة كل البعد عن نور الإنجيل. ومزامير سليمان التي تتضمّن نداءات إلى البغض، تدّلنا على أن هذه الملاحظات تنطبق أيضاً على الناس في زمن المسيح.
والمسيحية عرفت حقبات سيطر فيها البغض على قلوب المسيحيين، فنسوا نور الإنجيل. إذن، تتوجّه كلمات المسيح لا إلى سامعيه وحسب، بل إلى جميع المؤمنين وإلينا نحن أيضاً. إن يسوع هو معاصر لكل واحد منا، بكلامه يبقى حياً في عصرنا وفي كل العصور.
إذا توقفنا فقط عند آ 43، نجد أن العبارة "أبغض عدوك" هي حاشية على هامش "أحبب قريبك". فحسب عادة المدارس، كان الشرح يتبع الايراد الكتابي، فلا يتميّز عنه في شيء. ثم إن لفظة "أبغض" في العبرية تعني "أحب أقلّ" (10: 37؛ ق لو 14: 26). وقد يكون المعنى: تحبّ عدوّك أقلّ ممّا تحب قريبك. ولكن التوازي النقائضي في آ 43- 44، يفرض المعنى القوي لفعل "أبغض". ويبدو أيضاً أن يسوع يندّد بالتعليم التقليديّ الذي ينصح المؤمن بأن يبغض بغضاً خاصاً أولئك الذين يجهلون الشريعة أو يتهاملون في ممارستها.
ب- أقول لكم: أحبوا أعداءكم (آ 44، 46، 47)
واجه يسوع المحبة التي تفصل القريب عن "العدو" وتحتفظ بالخير "لأبناء الشعب"، بالمحبة الشاملة التي تزيل حواجز الأعراق وحدود العشائر وتتجاوز المحاجر الدينية. حتى الآن، كانوا يصلّون "ضدّ" أعوانهم، يتمنّون لهم الشّر (مز 17: 13؛ 28: 4؛ 69: 23- 29). بعد الآن يجب أن نصلّي "من أجل" أعدائنا. حتى الآن كانوا يحصرون أعمال المحبة بالصالحين والابرار، بالذين يحبّونهم. بعد الآن، تمتد المحبّة إلى الأعداء والمضطهدين، إلى الأشرار والكفار، إلى العشّارين والخطأة.
وشدّد مت بشكل خاص على الصلاة من أجل المضطهدين. فموضوع الاضطهاد يرد مراراً في إنجيله. استعمله في التطويبات (5: 10- 11). في الخطبة الرسولية (10: 23) وفي 23: 34 (= لو 11: 49). يشير الموضوع إلى الحالة المؤلمة التي تعيشها كنيسة فلسطين بوجه المتهوّدين الذين يضطهدونها ساعة كان متّى يدوّن إنجيله. ويكشف لنا أع حماس هؤلاء المتشيّعين للشريعة، الذين اتهموا يسوع بأنه جاء ينقض لا يكمل... وقد لاحقوا بولس خلال رحلاته الرسوليّة. حين تحدّث مت مراراً عن هذه الاضطهادات، فسّر لقرّائه أن لا يخافوا من هذا الأذى الدموي. فقد سبق يسوع وأعلن عنها. وحين يطلب منهم مت أن يصلّوا من أجل مضطهديهم، فقد أراد من قلوب المؤمنين (الذين يمارسون الشريعة ممارسة تامة) أن تبقى منفتحة على اليهود الذين يرفضون الانجيل. أما هذا الذي فعله يسوع في آلامه (لو 23: 34) فتبعه اسطفانس في استشهاده (أع 7: 60).
إن النصّ الموازي في لو 6: 27- 35 مطبوع بطابع الإنجيلي الثالث. فالألفاظ "خاريس" (نعمة، فضل، عرفان جميل) (6: 32، 33، 34) و"خراستوس" (منعم، آ 35)، و"اخارستوس" (غير الشاكرين، لا عرفان جميل عندهم) (آ 35) و"هيبسستوس" (العلي، آ 35)، تدلّ على أنه أعاد صياغة نصّه. وبدّل مت 5: 47 ب (أوليس الوثنيون أنفسهم يفعلون ذلك؟) إلى: "الخطأة أنفسهم يفعلون ذلك" (آ 33 ب). لم يقل لو "الوثنيين". فهو إليهم يكتب، بل قال: الخطأة. هكذا لا يستاء أحد. فالخطأة موجودون في جميع الفئات. ثم قلب الجملة من استفهامية إلى تأكيدية. فقد تضمّ الاستفهامية تفسيراً خاطئاً. أما التأكيدية فتقدم الجواب القاطع.
وشدّد لو في آ 34- 35 (ليس ما يوازيها في مت) على ضرورة الإقراض والعطاء دون أن ننتظر شيئاً، أن نتأمل شيئاً (آ 35). فلوقا يطالب المسيحيّ بأن يهتم بأخيه الذي هو في حاجة. "أعطوا تعطوا" (آ 38). أعطوا والله يعطيكم في يوم عودته (ولماذا ليس الآن). نحن في اتجاه اسكاتولوجي (رج مت 25: 31- 46 ومثل الدينونة الأخيرة). وقال لو في خطبته ضد الفريسيين في 11: 41. "تصدّقوا بالحري، بما في وسعكم. وكل شيء يكون لكم طاهراً". لا علاقة بالطاهر والنجس على مستوى الفريسيين. ولكن الطهارة الحقيقيّة، كما قال الأنبياء، تعني أيضاً الاحسان إلى الفقراء.
قال مت 6: 19: "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض" (طريقة سلبية). فقال لو 12: 33 بشكل إيجابي: "بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة". ودعانا لو 14: 13- 14 إلى أن نُدخل بيتنا "الفقراء، والعرج، والجدع، والعميان" لأنهم لا يستطيعون أن يكافئونا. وبدا زكا نموذج المؤمن: أعطى نصف أمواله للفقراء.
نجد في كل هذه النصوص صدى للممارسة في الجماعة الأولى كما صوّرها لنا لوقا في أع 2: 44- 45؛ 9: 36؛ 10: 31. فجماعة لوقا المسيحاوية هي جماعة تجاوزت مستوى الغفران للاعداء في أبسط مظاهره. فانفتحت على الاخوة التي تنعقد حول المسيح يسوع. أجل، يجب أن تقود محبة الاعداء إلى مقاسمة الخيرات. هذا هو رمز إلى اتحاد قلوب تتقاسم الأفراخ والأتراح.
ج- لتكونوا أبناء أبيكم (آ 45)
ما هو الأساس الذي يرتكز عليه حبّ الأعداء هذا؟ في الماضي، ارتكز حبّ القريب على رباط اللحم والدم (القرابة). أما الآن، فقد أسّسه يسوع على اقتداء المؤمنين بالآب. هكذا تكونون أبناء أبيكم الذي في السماوات. فإنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، ويسكب غيثه على الأبرار والاثمة" (آ 45). فحبّ المؤمن للمسيح هو حب يقتدي بحبّ الآب ويدلّ عليه. والحال أن الله هو حنان شامل وحبّ لا حدود له. أنت تشفق علينا. تغلق عينيك عن خطايا البشر لكي يتوبوا. تحبّ جميع الخلائق. هكذا ينقلب بغض الأعداء إلى حبّ بين الأخوة، لأن جميع البشر هم في عهد رحمة الآب وهم في بيت هذه الرحمة يلتقون جميعاً كإخوة.
د- مثل أبيكم (آ 48)
يختتم مت 5: 48 لا هذه المقطوعة عن حبّ الاعداء وحسب، بل القسم كله المتحدّث عن الشريعة الجديدة (5: 17- 48). يستلهم هذا القول لا 19: 2: "كونوا قديسين لأني أنا قدوس". وتث 18: 13: "تكون كاملاً أمام الرب إلهك".
إن المثال الذي عرضه الرب هو كمال الله بالذات. ونحن نعرف أهمية لغة الكمال في نصوص قمران (ترد اللفظة أكثر من 20 مرة في قاعدة الجماعة) وفي التعليم الرسمي. تجاه هذا التأكيد البورجوازي الراضي عن نفسه (كل هذا حفظته منذ صباي، مر 10: 10؛ رج مت 19: 20) يقدّم يسوع مثالاً عن كمال لا حدود له، لأنه يصل إلى كمال الله غير المحدود. تفرّد مت فاستعمل كلمة "كامل" (تالايوس). وقد ارتبطت بلفظة "البرّ": فالكامل هو الذي يتمّ ملء الشريعة الجديدة كما يحدّده يسوع (في 19: 21 ترد لفظة كامل في سياق مماثل).
واحتفظ لو بتعبير مختلف، "كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم". أية العبارتين أقدم؟ هذا ما لا نستطيع أن نقوله. إن عبارة لو تليق بالسياق المباشر الذي يتحدّث عن حبّ لله لجميع البشر، وتليق بالإنجيل الثالث كله (نشير إلى أن ر ح م تعني المحبة والرحمة). وعبارة مت تليق بالسياق العام الذي يتحدّث عن الشريعة الجديدة، وتليق بالإنجيل الأول. على كل حال، كمال الله هو كمال حبّه. وفي خر 34: 6 يحدّد الله نفسه: إله المراحم. وتصرّف المؤمنين هذا يكشف طبيعة الآب الحميمة: الله هو محبّة.

3- الشريعة الجديدة والشريعة القديمة
إن نص 5: 17- 48 يطرح بشكل ملحّ سؤالاً حول قيمة العهد القديم بالنسبة إلى العهد الجديد. نجد اليوم في الإنجيل شريعة يسوع المسيح. فلماذا الاحتفاظ بشريعة موسى؟ حين يُشرق نور المسيح على العالم، فهل من الضروريّ بعدُ أن نشعل سراج الأنبياء؟ حين يكلّمنا الله مباشرة بابنه (عب 1: 3) هل نستعيد كلمات حواره في الماضي مع الآباء. وحين تلتقي الجماعة المسيحية عريسها يسوع المسيح (رج مر 2: 19)، وترتدي لباس العرس، هل من الضروري أن تحتفظ بـ "وزرة" التلميذ في مدرسة المجمع (الشريعة هي المؤدّب)؟
بمختصر القول، هناك نصوص من العهد القديم لم تعد لها قيمة لمن يسمع الإنجيل. هذا هو وضع الفرائض الدقيقة في سفر اللاويين (الذبائح وغيرها). ولوائح ضبّاط داود. كل هذا يدلّ على تاريخ مضى فعفّى عليه الزمان.
ليس السؤال جديداً. فتفكير مرقيون (سماه أفرام: السمّ: رفض العهد القديم. إنفصل عن الجماعة المسيحية سنة 144) ما زال حاضراً في قلوب المؤمنين عندنا. وهو يقدم لهم طريقاً قصيراً به يصلون بسرعة إلى المسيح، فلماذا التيهان في برية العهد القديم وفيافيه، إذا كان الإنجيل يكفي؟
ها نحن نقدم بعض العناصر التي تساعدنا على التفكير، وقد تقدّم لنا الجواب.
أ- جديد الإنجيل
من الخطأ أن نقول إن نور العهد الجديد كسف نور العهد القديم. يقول فاتيكان الثاني: "إن أسفار العهد القديم تنير وتفسرّ العهد الجديد". لا شكّ في أن هناك عناصر بطلت وزالت. ولكن أموراً أخرى وصلت إلى بعض الكمال، بقدر ما تستطيع كلمة بشريّة أن تحدّثنا عن الله. ونأخذ من أجل ذلك مثلين:
الأول: اسم الله
كيف نكشف عن اسم الله في ذاته، الحب الإزلي؟ نقرأ خر 34: 6- 7 الذي يميّز كل تاريخ إسرائل: إله الحنان والرحمة. طويل الأناة غنيّ بالمراحم والأمانة. يحفظ رحمته وأمانته لأجيال وأجيال. ونجد هذا التعبير عينه في هو 2: 21- 22؛ أش 49: 14- 16؛ مز 145: 8- 9. هذا الوحي الذي يتجاوز كل ما عند البشر، سيأتيه نور حاسم وفريد وهو يشرف على كل التوراة: انكشف حب الله وحنانه ورحمته في يسوع المسيح. إنه حبّ الله للبشر كما قالت الأسفار القديمة.
ثانياً: التصرّف المسيحيّ
حين طرحوا على الربّ سؤالاً حول الوصية الأولى، تلا صلاة "شماع" كما يتلوها اليهودي المؤمن ثلاث مرات في النهار. وقد أخذت من تث 6: 4- 5: "إسمع يا إسرئيل: الرب إلهنا هو الرب الواحد. تحبّ الرب إلهك من كل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك" (رج مر 12: 29- 30). وسيقول العهد الجديد إن نموذج هذا الحبّ الساميّ نجده في يسوع المسيح الذي فيه نحبّ الآب الآن.
إذن، الجديد الذي يحمله الإنجيل إلى العهد القديم هو المسيح نفسه. سماه اوريجانس: "الملكوت بالذات". نحوه تتجّه كل خطوط العهد القديم. إنه تيوفانية الآب. إنه كلمة الآب وفيه يصبح كل كلام في العهد القديم كلمة ترتقي إلى كرامة الإنجيل.
إذا أردنا أن ندرك تجلّي الكتب بالمسيح، نعود إلى السنوات التي تفصل قيامة الرب عن أول تدوينات العهد الجديد (هذا مع العلم أن الإنجيل كان قد أعلن في الجماعات المسيحيّة، أقلّه بطريقة شفهيّة). فالإنجيل الذي أعلنه بطرس في خطبه، والمبشِّر فيلبّس أمام وزير ملكة الحبشة، وبولس في المجامع، كان العهد القديم كما تجلّى بحضور الربّ فيه. في الظهور لتلميذي عماوس، كتب لو 24: 27: "وإذ بدأ (يسوع) بموسى وجميع الأنبياء، فسّر لهم ما يعنيه". وفي خبر الظهور على الرسل في أورشليم، قال يسوع نفسه لأخصائه: "كان يجب أن يتمّ كل ما قيل عني في شريعة موسى والأنبياء، والمزامير" (لو 24: 44). إذن، قرأت الجماعة الأولى تاريخ يسوع في كل سفر من أسفار العهد القديم.
هذا الاعتبار مهمّ على المستوى الرعائي. قال ايرونيموس: "من جهل الكتب المقدّسة جهل المسيح". فالكتب هي الطريق المفروضة لفهم سرّ المسيح.
ب- لا أبطل بل أكمّل
تحدّثنا عن حضور المسيح في العهد القديم. ومقابل هذا نقول بحضور العهد القديم في سرّ المسيح. والنصّ الذي يعبّر أفضل تعبير عن هذا السرّ هو مت 5: 17: "لا تظنّوا أني جئت لأبطل الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأبطل بل لأكمّل".
إن قصة هذا النصّ الذي يعود إلى سياق هجومي، متشعبة جداً. كيف نفسّره؟ نستطيع أن نعتبر الكتب المقدسة إما مجموعة النبوءات التي جاء المسيح يكملها، وإما مجموعة الشرائع التي تعبرّ عن إرادة الله، وقد وصل بها يسوع إلى كمالها النهائي.
أولاً: تكملة النبوءات
نقرأ في أحد أقدم الاعلانات الايمانية، وقد يعود إلى سنة 35- 40، ما يلي: "المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. ودُفن وقام في اليوم الثالث حسب الكتب" (1 كور 15: 3- 5).
يتجذّر هذا اليقين القائل بأن يسوع يكمّل الكتب، في عمق الوجدان المسيحي. إنه يشكّل إيمان الجماعة الأولى وهو في قلب فهمها للكلمة. وبفضل هذه التكملة تحدّد الكنيسة موقعها في نهاية حركة التاريخ كما يقوده الله. ويدلّ المسيح على أنه في قلب الكتب وهو الذي يؤمّن لها وحدتها. هو ذاك الذي تكلّمت عنه "شريعة موسى والأنبياء" (يو 1: 45). فمن آمن بالكتب آمن بالمسيح. "فموسى كتب عني" (يو 5: 45).
ولقد بدت بعض صفحات الإنجيل قراءة "تاريخيّة" للنبوءات (على ضوء تاريخ المسيح). ووُجدت في الجماعة الأولى مجموعة الشهادات الرابية التي تساعد الكارز بالكلمة على الحديث عن المسيح انطلاقاً من الكتب. وهكذا لا نستطيع أن نقرأ خبر الحاش (الآلام) دون أن نعرف أش 53 (عبد الله المتألم)، مز 22؛ 69. ولا نستطيع أن نقرأ أناجيل الطفولة (ولا سيما لو) دودن أن نعرف الخلفيّة البيبلية التي تكوّن لحمة هذه الأخبار. ونقول الشيء عينه عن حدث دخول يسوع إلى أورشليم في يوم الشعانين (21: 1- 9؛ مر 11: 1- 10؛ لو 19: 28- 40؛ يو 12: 12- 19). وصل يسوع إلى بيت فاجي، فأرسل اثنين من تلاميذه يأتيانه بجحش يركب عليه. أهتم مر 11: 4 بالتفصيل، فلاحظ أن الجحش كان مربوطاً قرب الباب، في الخارج، على الطريق. حلاّه، وجاءا به إلى يسوع، وجعل الناس عليه ثيابهم. جلس يسوع على الحمار ودخل إلى أورشليم في هذا الشكل المتواضع. فالجماعة الأولى (21: 5؛ يو 12: 15) رأت في هذا الحدث تحقيق نبوءة زك 9: 9 التي يوردها مت على الشكل التالي: "قولوا لابنة صهيون. ها هو ملكك يأتي إليك وديعاً يركب اتاناً وجحشا ابن اتان".
ولكن إذ تحدّث مر ولو عن جحش واحد، تحدّث مت 21: 2 عن أتان وجحش. وشدّد في 21: 7 على أن يسوع ركب عليهما (كيف؟). في الواقع تكلّم نصّ زك عن حمار وجحش، ولكن كان هذا اسهاباً في الحديث عن حيوان واحد. وقد أراد الحدث في مت بأن يلتصق التصاقاً مادياً بالنبوءة. ماذا يعني هذ؟ هل كتب مت التاريخ انطلاقاً من النبوءة أم من الحدث؟ في النهاية، أن يكون هناك حيوان أو حيوانان، فهذا أمر ثانوي. فمتّى يكتب إنجيلاً أي خبراً سعيداً. وهذا الخبر الطيّب الذي يحمل السعادة إلى البشر هو: يسوع هو هذا الملك الوديع المتواضع، الذي يأتي إلى شعبه.
إذن، إن كانت الجماعة المسيحية تائقة إلى التعرّف إلى وجه المسيح يسوع في النبوءات، فليس توقها اهتماماً ابولوجياً. ليس لأنها رأت فيه مسيح النبوءة اليهوديّة (هذا هو مستوى الله)، بل لأنها حاولت أن تلج سرّ شخصه كما تكشفه الكتب المقدّسة. إذن، لن نترك العهد القديم من أجل الجديد. بل بقدر ما نعرف العهد القديم نستطيع أن نفهم العهد الجديد. فإذا كان بالإمكان أن نقرأ العهد القديم وحده (كما يفعل اليهود اليوم)، فلا يمكن أن نفهم الجديد من دون العهد القديم.
ثانياً: تكملة الشريعة
ونستطيع أن نعتبر الكتب أيضاً كمجموعة شرائع تدلّ على إرادة الله. وهي شرائع أوصلها يسوع إلى كمالها. هذا هو معنى مت 5: 38- 48 كما فسّرناه: فيسوع "يكمّل" هنا الشريعة إذ يوصلها إلى كمالها الإنجيلي.
هل نؤكّد أنه يعطي شريعة جديدة، هي شريعة إنجيله؟ هذا ما يؤكده الشرّاح. ولكن ماذا نفهم بالشريعة الجديدة؟ إن المسيح قد قاد الشريعة إلى كمالها النهائي بمسيرة طبيعيّة جداً. إنها مسيرة الزهرة إلى الثمرة، المسيرة التي تقود الطفل إلى حالة النضوج والبلوغ. نستطيع القول إن الثمرة شيء جديد بالنسبة إلى الزهرة. ونستطيع القول أيضاً إنها تقف في خط تطوّرها.
إن بطلان بعض الشرائع الخاصة بالعهد القديم لا يأتي من ضعفها الخاص وعجزها، بل من الكمال السامي الذي يحمله يسوع المسيح. لم نعد نحتفل بذبائح العهد القديم، لأن ذبيحة المسيح الفريدة قد تجاوزتها وحلّت مكانها. لا نعيد بناء هيكل أورشليم، لأن حضور الله الذي يقيم في كل مؤمن وفي كل جماعة (إذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي)، لم يعد مرتبطاً ببناء من حجر. وكذلك لن نتوقف عند شريعة المِثل، لأن المسيح طلب منا أن نذهب أبعد من ذلك، حتى محبّة الأعداء بحبّ يشبه حبّ الآب لجميع البشر.
نستطيع أن نؤكد أن هذه الشريعة هي جديدة، بمعنى أنها وصلت مع المسيح إلى عتبة لا تستطيع أن تتجاوزها بقدرتها الخاصة. فأرضُ العهد القديم لا تستطيع أن تعطي ثمار العهد الجديد إلا بالمسيح يسوع. فمملكة نسل داود "ابن" الله لا تستطيع وحدها أن تدرك كرامة أبن الله (يسوع المسيح) المتسامية: ففي يسوع المسيح وحده يدرك نسل داود شواطىء أبديّة الله. وكذا نقول عن كهنوت لاوي الذي حلّ محلّه كهنوت العهد الجديد. ففي يسوع صار العهد السينائي العهد الجديد الأبدي. هناك عتبة لا يمكن عبورها إلا بواسطة المسيح.
وفي النهاية، إن سر الكتب المقدّسة هو سرّ المسيح نفسه. فيسوع يبدو في خاتمة التاريخ كابن ابرهيم وداود، كزهرة في غصن يسّى، وثمرة أجيال عديدة تربطه بأصول البشرية. وكل هذه الأجيال هيّأت ميلاده بحسب الجسد، ولكنها لم تكن تقدر أن تحقّق سّره الخاص الذي هو حضور ابن الله في حشا امرأة.
وبدا يسوع أيضاً في نهاية الأزمنة. غير أن جميع القرون والسنين لم تكن تستطيع أن تحمل إلينا حضور الأزل في زمننا، واللامتبدّل في الصيرورة البشرية. يسوع هو حقاً ابن الوعد. ولكن الحقيقة تتجاوز هنا الوعد. نحن أمام جديد. نحن أمام واقع يتجاوز كل ما يتصوّره البشر.
الله وحده يستطيع أن يرتّب مسيرة الأجيال التي تبدأ مع آدم لتصل إلى المسيح. وحده يستطيع أن يجعل العهد القديم يتجاوز العقبة التي توصله إلى العهد الجديد. حينئذٍ يصبح العهد القديم إنجيلاً، ويتمزّق الستار على قدس الأقداس، على حضور يسوع المسيح في عالم البشر.
الفصل الحادي والعشرون
الصدقة والصلاة والصوم
6: 1- 8، 16- 18

نصل في عظة الجبل إلى العواميد الثلاثة التي تشكّل بنية التقوى اليهوديّة، والتي قد يكون يسوع مارسها، شأنه شأن كل يهودكما: الصدقة (آ 1- 4)، الصلاة (آ 5- 8)، الصوم (آ 16- 18). ثلاثة تنبيهات تبدو بشكل نقائض، وهي تعود إلى التقليد كما احتفظت به جماعة متّى.
سمّيت الصدقة عمل "برّ" لدى الحكماء (سي 3: 3)، فكانت نظاماً يهودياً هاماً فحلّت محلّ "الضمان الاجتماعي اليوم، وترجمت الأخوّة التي يفرضها العهد: إن مساعدة الفقير تمحو الخطايا (طو 12: 9) وتساوي ذبيحة (سي 35: 2). ومن أغلق قلبه على المحتاجين، رأى صلاته غير مستجابة (سي 4: 6؛ 7: 10). لم يتنكّر يسوع لهذه الممارسة وما فيها من روحانيّة، بل ندّد بالمظاهر التي ترافق هذا العمل النبيل.
ويأتي التعليم عن الصلاة في ثلاثة أقسام: رفض لصلاة فيها المظاهر الخارجيّة والكلام الكثير. صلاة الأبانا. تفسير الطلبة الأخيرة في الأبانا. نتوقّف هنا عند القسم الأول، ونترك القسمين الآخرين إلى فصل لاحق. وبعد أن يُورد الكاتب صلاة الأبانا، بشكل معترضة كبيرة تقطع التناسق، يصل إلى العمود الثالث في التقوى اليهوديّة وهو الصوم. أخذه المسيحيّون عن اليهود، فلم يعارضه يسوع، ولكنه رفض "العلامات الخارجيّة" التي بها نبني لنا سمعة حسنة بدلاً من أن نطلب رضى الله.

1- فقاهة الكنيسة الأولى
الفقاهة هي ما يسمّى التعليم المسيحيّ الذي به نحاول أن نفهم إيماننا. والفقاهة التي نحن بصددها تدور حول "البرّ" في ملكوت الله. والنصّ الذي نقرأ، لا نجده إلا في مت، وهو جزء من أقوال (لوغيا) الربّ التي سمّيت تقليدياً عظة الجبل. تعليم بدأ مع المعلّم، فقبله التلميذ في الإيمان، وجعله في حياته حين بدأ يتبع يسوع. بعد هذا صار تذكّراً في الجماعات وكتاباً. وقد جعل مت الهدف الرعائي في هذه المسائل الدينيّة والأخلاقيّة داخل هذه الجماعات المطبوعة بالفكر اليهوديّ، هذه الجماعات المتهوّدة. إعتبر أن القارىء (أو التلميذ) قد اقتنع بالسلطة المطلقة والإلهيّة لأقوال يسوع، فطلب منه أن يتجاوب مع هذه الأقوال بسرعة فيجعلها تثمر أعمالاً صالحة يرى فيها الناس انعكاس مجد الآب (5: 16).
وما يُشرف على عظة الجبل هو صيغة "الأمر". يكرّر النصّ ويكثر من المتطلّبات، غير أن هناك "أمراً واحداً أساسياً: توبوا (4: 17). أما ما يشكّل العمود الفقريّ في هذه الخطبة فهو مفهوم البرّ. يجتذب يسوع التلميذ، الذي يعتبر نفسه سعيداً إن اضطهد من أجل البرّ (5: 6، 10). يقول لنا الانجيل كيف يتصرّف التلميذ المتعطّش إلى هذا البرّ، وكيف يحدّد نفسه بالنسبة إلى ملكوت السماوات (5: 3- 18)، إلى العالم (5: 13- 16)، إلى الشريعة (5: 17- 19). ويطرح مت متطلّبة أولى عن هذا البرّ: بما أنه يلج حتى أعماق القلب، فهو يطلب سخاء أكبر من البرّ الذي يشيد به "الكتبة والفريسيّون" (5: 30). وتأتي متتالية مؤلّفة من مجموعتين في ثلاثة بيوت (5: 21- 47). بدت وكأنها تورد عظة قيلت في المجمع. فيها يستعرض يسوع حالات تطبّق في مختلف المجالات الخلقيّة العمليّة، وينهيها بالنداء إلى الكمال على مثال الآب السماوي (5: 48).
وتأتي متطلّبة البرّ الثانية التي تنعش أعمال الحياة الدينيّة. هي لا تطلب رضى الناس، بل تشهد على صدق الإنسان العامل تحت نظر الله. وبعد أن وضع يسوع المبدأ العام (6: 1)، تفحّص ثلاث ممارسات تقوية معروفة في العالم اليهودي. هذا النص هو الذي سندرسه (6: 1- 8، 16- 18). وأخيراً، إذ يُعتبر البرّ في تساميه (6: 33)، يتضمّن متطلّبة ثالثة. البرّ يشرف على كل القيم وعلى كل المعايير وعلى أية خدمة وعلى أي اهتمام دنيويّ. على ضوئه ننظر إلى الباقي.
وإذا توقّفنا عند النصّ الذي ندرس، نرى المبدأ العام (آ 1) ثم ثلاث حالات ملموسة. وقد بُنيت كل حالة من هذه الحالات على أساس من التعارض، بشكل مماثل جداً. هناك الوجهة السلبيّة: لا تقتدوا بالمرائين (أي الفريسيين). ينتقد يسوع عملَهم مع بعض السخرية. ليس الله في الوسط بل الإنسان. وأجرُهم هو بعض المجد البشريّ العابر. وهناك الوجهة الإيجابيّة: يبدأ بتحريض في صيغة المخاطب (أنت) مع استعادة لمركزيّة الإنسان تتعلّق بمركزيّة الله. وهكذا نستحق الجزاء.

2- ممارسة البرّ أمام نظر الآب
أ- مثل أبناء الله
أبرز مت الوجهة الديناميكيّة والفاعلة والعمليّة للممارسة الانجيليّة. فنحن نترجم البرّ في أعمال. نحن نمارس البرّ. هنا لا ننسى أن هذه الأعمال هي ثمرة نعمة الله وانعكاس مجده، قبل أن تكون نتيجة مجهود الانسان. ولكن ما هو البرّ؟ هو المطابقة بين إرادة الإنسان الخاضعة لإرادة الله المتجسّدة في شريعته. هذه هي نظرة العهد القديم والعالم الرابانيّ. وستزيد المسيحيّة الوجهة الباطنية والسامية، فيفرض البرّ على الإنسان أن يرتفع عمّا يراه بعينيه ويسمعه بأذنيه. في هذا المجال قال مت إن يوسف كان باراً، لأنه حاول أن يرتفع إلى مستوى قصد الله فأخذ مريم كامرأته وتبنى هذا الولد الذي هو عمانوئيل أو إلهنا معنا.
إن البرّ يفترض الإيمان والأمانة للرب. وهو لا يستطيع أن يبقى مركزاً على الأنا بشكل مزيّة فلسفيّة. ليس في ذاته استقامة تمتدّ على المستوى البشريّ لكي تصل إلى سائر الناس، بل هو موقف يتركّز على الله ويوجّه الحياة البشريّة في وجهة عموديّة. وهذا البرّ هو على مثال برّ الله. ينزل من السماء ويفيض على الإخوة أعماله صلاح وخير كالشمس والمطر اللذين يمنحهما الله لنا (5: 44 ي).
إن مفهوم البرّ يتلاقى مع مفهوم الكمال والتمام والحكمة العمليّة والتقوى. وقد يُوجّه الحنان والرحمة. ففي أيام متّى، البارّ هو القديس كما يفهمه المسيحيّ اليوم. وحين يوصي الانجيل بممارسة البرّ، فهو يدعونا إلى القيام بأعماله القداسة. وألقى مت على هذا المفهوم التوراتي نور مثال خاص بيسوع، يجعلنا نعمل إرادة الآب. الله هو أبو الأبرار (13: 43 أ).
وإرادة الله يمكن أن تتمّ فرضاً أو خضوعاً أو إكراهاً. ولكن تتمة هذه الإرادة، إرادة الآب، يجب أن تكون ثمرة موقف بنويّ نستطيع أن نسمّيه: حبّ الطاعة أو طاعة الحبّ.
قلنا إن مفهوم البرّ هو العمود الفقريّ في عظة الجبل. ولكن مفهوم الله الآب يلقي عليه نوراً يسطع في كل الجهات، فيحوّل كل هذه "التعليمات" لتصبح "مسيحيّة، أي مرتبطة بالمسيح، ولتعلّم في أسلوب من له سلطان، لا في أسلوب قديم مثل أسلوب الكتبة والفريسيين. وهكذا، فالأعمال الصالحة مثل الصدقة والصلاة والصوم، لا تصبح عمل برّ مسيحي في حياة التلميذ إلا بقدر ما تمارسها يد إنسان هو ابن الله وقلب إنسان هو ابن الله.
ب- تحت نظر الآب
الأمثولة الرئيسية في هذا المقطع من عظة الجبل هو أن نتمّ "أعمال البرّ" بنيّة موجّهة حصراً إلى الله، تحت نظر الآب. هذا ما يتكرّر أربع مرات في شكل سلبيّ (لا لكي ينظر إليكم البشر، آ 1، 2، 5، 16) وثلاث مرات في شكل إيجابيّ (أبوك الذي يرى في الخفية، آ 4، 6، 18). ونجد ثلاث صور فيها بعض المبالغة: لا تعرف شمالك ما تفعله يمينك (آ 3). صلاة في الخفية (آ 6 أ). صوم ترافقه مظاهر العيد (آ 17).
تجاه هذا، يقدّم النصّ ثلاث لمحات حول ممارسة المرائين: يقومون بالدعاية الساطعة لكرمهم وعطاياهم (آ 2). يلعبون (يمثّلون) دور "الرجل القدّيس" الذي يصلّي تظاهراً أمام أناس معجبين به (آ 5). يعرّفون الناس بنسكهم المثاليّ حين يبدون عابسين في صيامهم (آ 16). وتتكرّر سبع مرات كلمة "أجر". الله يمنح الأجر (آ 4 ب، 6 ب، 18 ب) لأنه يرى في الخفية. والله يعتبر أن لا أجر لنا عنده (آ 1 ب، 2 ب، 5 ب، 16 ب) إن نحن عملنا أعمال برّ لكي ينظر إلينا الناس.
إن توجيه العمل والعاطفة نحو الله، يشكّل جوهر عظة الجبل. فمن أراد أن يغامر نحو اللامحدود، لا تجتذبه إلاّ مشيئةُ الله التي صارت شريعة قلبه. فالله اللامحدود هو المطلق أيضاً، لا ذلك النسبيّ الذي نضعه مع شيء آخر أو شخص آخر. لا نضع مع الله إلاّ ما يرضي الله. كل ما نحتاج إليه هو نظرة رضى من أب يعرفه أبناؤه ويحبّونه بكل موارد حبّهم البنويّ التي لا تنضب.
تلك هي رغبة المؤمن من الكتاب المقدّس. رغبة ابراهيم الذي قال الله له: "سرّ أمامي (بحضرتي) وكن كاملاً" (تك 17: 1). وزكريا الكاهن يقول عَنه لو 1: 6 كما يقول عن زوجته اليصابات: "كانا كلاهما بارين أمام الله (أمام نظر الله)، سالكين بغير ملامة في جميع وصايا الربّ ورسومه". وقد أنشد زكريا مثال حياته عندما أنشد ابنه يوحنا: "نعبده بلا خوف بالقداسة والبرّ أمام وجهه" (لو 1: 74). فالبار (والقدّيس) هو الذي يكون صادقاً مع ضميره، واعياً لحضور الله، وسائراً تحت نظره "بقلب مستقيم وبسيط" (لو 8: 15). في هذا الخطّ الذي رسمه مثال قديم من "الكمال"، دعانا يسوع إلى الارتفاع فوق الذات في ضوء جديد هو اسم الله الآب.
تحدّثنا عن بعض العبارات وما فيها من مبالغة. فنحن لا نقرأها على حرفيّتها، بل نفسّرها في المعنى الروحيّ وفي تركيزها على حضور الله في حياتنا حضوراً تاماً ومطلقاً. ويبقى أن المطلوب هو قلب صادق. فإذا توصّل سامع خطبة الجبل إلى المحافظة على "نظره" الداخليّ محدّقاً بالله وحده، دون أن يحتاج كلام المديح من البشر الذين يحيطون به، لا شيء يمكن أن يؤثّر على حياته. فالأعمال الحسنة التي يمرض عليه أن يتمّها تحت نظر البشر (5: 16) تصبح مناسبة لتمجيد الله الذي في السماء.

3- جزاء المرائي وجزاء المؤمن
أ- المراؤون
إن الأساس السلبيّ الذي قد يرافق صدقاً مركّزاً على الله، هو هذا القناع من الروح الدينيّة السطحيّة الذي يسمّيه العهد الجديد عامّة ومتّى خاصة: الرياء. يرسم لنا هذا القسم من عظة الجبل لوحة معبرّة عن "المرائين" حين يقومون بأعمال البرّ: الصدقة، الصلاة، الصوم. وقد قال طو 12: 8: "الصلاة مع الصوم، والصدقة مع البرّ، خير من الغنى مع الإثم".
إن الرياء الديني يعاكس الروح الانجيليّة معاكسة تامة، كما يعاكس الكذبُ الحقيقةَ، والتزييفُ الواقع. الرياء كذب يظهر من خلال أعمالنا. وهو يقوم في تنافر بين طريقة نظهر فيها أمام الناس وطريقة نكون فيها أمام الله. أما أساس هذا التعارض، فهو أن "المرائي" ركّز في الطريقة الأولى مجمل أعماله وأقواله ونواياه، وما اهتمّ بالله أبداً، أو هو اهتمّ به كما اهتمّ بالبشر. فهل يرضى الله أن يكون له شريك في قلوبنا؟
وهكذا نلاحظ التناقض بين ظاهر "التقوى (تقوانا الظاهرة التي تغشّ الآخرين) وباطن "الكفر" وعدم التقوى (23: 25- 38). نحن أمام مهزلة لأعمال مصطلحة لا تعبرّ عن موقف عميق. أمام وقاحة معلّم يعلم الكمال، وفي الوقت عينه يعارض بسلوكه هذا الكمال بعين وقحة. الرياء هو جرثومة الأعمال الصالحة وكل أعمال البرّ، وهو يفسّر كل ما فينا من خير وكمال.
وما يميّز الرياء هو لا وعي لنقائصنا. هو أننا نؤخذ في كذبنا، وفي النهاية نعتقد أننا "أبرار". وهكذا لا يعود يتجلّى مجد الله في حياتنا التي تكشف عن شقائنا وعُجبنا الباطل بنفوسنا.
ب- الجزاء
في هذه الفقاهة التي تتوجّه إلى مسيحيّين متهوّدين، طُرحت الرغبة في الجزاء. فالذين يخدمون الرب "بحكم وظيفتهم" ولا يطمحون من خلال ممارستهم الأعمال الصالحة إلا أن يؤمّنوا لنفوسهم مجداً بشرياً باطلاً، لم يكونوا ينتظرون شيئاً بعد ذلك. فقد نالوا أجرهم وحصلوا على "إيصال" بذلك من البشر. لقد كان جزاؤهم تصفيقاً من قبل المعجبين بهم على مسرح هذا العالم.
ولكن الله نفسه يجازي (آ 4، 6، 18) أولئك الذين مارسوا أعمال البرّ من أجله وحده. فـ "البار" بحسب التوراة، ليس كائناً مطلقاً (لا يرتبط بأحد وكأنه إله في أعلى. سمائه) يعمل الخير بالنظر إلى صلاح يتعلّق بعمله الصالح. مثل هذه الميزة تخصّ اللامحدود وحده. وإن اعتبرها إنسان خاصّةً بها، سقط في تكبرّ جنونّي ومارس الروح الفريسيّة. فـ "البار" هو الذي يجد نفسه في خدمة الربّ ومنه ينتظر كل شيء: لا بسبب "عقد عمل" (كما بين العامل وربّ العمل) من النمط التجاريّ، بل على أساس من الثقة يلهمها إيمان بالله الذي هو إله وليس إنسان كما يقول الكتاب.
إن الإنجيل يحوّل أشكال الجزاء، فيعود بها بشكل نهائيّ إلى "السماوات" (5: 12؛ 13: 43؛ 25: 34، 46). بل يرفع العلاقة من مستوى "السيّد-العبد" إلى مستوى "الأب-الابن". فالتلميذ في عظة الجبل يخدم الآب السماوي خدمة الأبناء من أجل جزاء هو الله بالذات. فالجزاء الذي نناله في التطويبات مثلاً هو أن نكون أبناء الله، أن نرى الآب وجهاً لوجه، أن نناله المراحم، أن نجد العزاء في الحزن والشبع لرغباتنا في جوع وعطش إلى البرّ.

4- من العالم اليهوديّ إلى العالم المسيحيّ
"احترزوا" (بروساخاين). معنى الفعل معنى هجوميّ وسلبيّ: نحتفظ، نقطع كل علاقة، نترك عادة أو طريقة عمل. هذا ما يميّز المسيحيّة الناشئة التي وجب عليها أن تبتعد عن أشكال دينيّة تحيط بها. ونجد هذا الفعل أيضاً في الرسائل الرعائية التي تطلب من المؤمنين الاحتراز من الهرطقات الناشئة (1 تم 1: 4؛ 4: 1). وتأتي عبارة "أمام الناس" لتدلّ على أن عظمة الإنسان تُعرف بموقعه أمام الله، أمام دينونة الله. الإنسان ينظر إلى العينين، أما الله فينظر إلى القلب.
كانت الصدقة واجباً مقدّساً في اسرائيل، وقد قال تث 15: 11: "فالأرض لا تخلو من محتاج، ولذلك آمركم اليوم أن تفتحوا أيديكم لإخوتكم المساكين المحتاجين الذين في أرضكم". وفي زمن يسوع، كان التشريع اليهوديّ تجاه الفقراء واسعاً جداً. كانوا يجمعون في الهيكل المال للمحتاجين، وكان صوت البوق يعلن بداية هذه "اللّمة". ولكن جاءت الأقوال الرابانيّة تفرض الصمت. على العاطي: "خير لك أن تعطيّ شيئاً من أن تفرض على بائس أن يحمرّ خجلاً من عطاء يناله منك". وفي يوم من الأيام أحسن إليعازر بن يعقوب إلى أعمى، فقال له الأعمى: "أحسنت إلى شخص يراه الناس ولكنه لا يراهم. فالذي يرى الناس دون يروه يرحمك وينعم عليك".
تحدّث مت عن نوعين من المرائين: الذين يتظاهرون بالتقوى وما هم أتقياء (5: 7؛ 22: 18). والذين يقعون في لعبتهم، فلا يعودون واعين لعبادتهم الدينيّة الباطلة. طلبوا مجداً من الناس فنالوا هذا المجد. ولهذا قال لو 6: 26: "ويل لكم إذا ما الناس جميعاً قالوا فيكم حسناً". فلو طلبوا مجد الله، لعملوا ما عملوا في الخفية. لما اهتموا إلا لرضى الله.
أما في موضوع الصلاة، فنشير إلى ثلاثة أنواع من الصلاة لدى اليهود: صلوات في الهيكل، صلوات في المجامع وسائر الأماكن العامّة، صلوات في البيت مع العائلة أو بمفردنا. نلاحظ في هذه الصلوات طابعين أساسيين يبدوان متعارضين. الطابع الأول: تتغذّى الصلاة اليهوديّة من وعي عميق لرحمة الله. إذن، ستكون في جوهرها "مباركة". ستكون شكراً لله ومديحاً. قال رابى أليعازر وهو على فراش الموت لتلاميذه: "حين تصلّون فكّروا بالذي تقفون أمامه. هكذا تنالون الحياة الأبديّة. والطابع الثاني لهذه الصلاة هو اقترابها من الحياة اليوميّة الملموسة. فليس من ساعة في حياة اليهودي التقيّ إلا وترافقها صلاة "مباركة" ترفع القلب إلى الله.
"وفي الصلاة لا تكثروا الكلام" (آ 7). هنا ننتقل من عالم المرائين إلى العالم الوثني مع تكرارات كلماته. ولكن هذا التكرار نجده في العالم اليهوديّ كما في العالم المسيحيّ. وشرّه هو أن المصليّ يريد أن يمارس ضغطاً على الله ليحصل على ما يطلب. لا نطلب حينذاك أن تتمّ مشيئة الله فينا كما في السماء، بل أن تتمّ مشيئتنا، وهذا منتهى الكفر.
لا تكونوا معبّسين. هم لا يتظاهرون بأنهم حزانى بل هم حزانى حقاً، وحزنهم يدلّ على توبتهم. ولكنهم يستفيدون من هذا الوضع ليلفتوا الانتباه. إنهم ضحيّة تقواهم الفاسدة. وفعل "افانيزاين" يعني دور، خرّب ما كان مصنوعاً. سيرد أيضاً في آ 19 في معناه القويّ (رج أع 13: 41؛ يع 4: 14). لسنا فقط أمام حركات تدلّ على الحزن، بل أمام أساليب تقليديّة مثل رشّ الرماد على الوجه، عدم حلق اللحى. عدم الاغتسال... المهم أن يرانا الناس ويمتدحونا من أجل صيامنا. وهكذا يمجّدوننا بدلاً من أن يمجّدوا الله. ما يطلبه يسوع من الصائم هو أن يبدو طبيعياً، فلا يبدّل شيئاً من هندامه العاديّ. فالله يهتمّ بالصوم، لا بالصوم الخارجيّ. ما يهمّه مع الصوم هو موقف باطنيّ صريح يدلّ على أننا نصوم أمام الله لا أمام الناس.

خاتمة
ماذا يطلب يسوع من المؤمن؟ أن تكون صدقته في الخفية، حيث يصل نظر الآب. والصلاة كالصوم تتوجّه إلى الآب الذي في الخفية. وتأتي الردّة عينها: "وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك". والعمل في الخفية لا يعني "عملاً خفياً". بل يدلّ على كل عمل رآه الناس أو لم يروه، نعمله في الحقيقة أمام الآب وإكراماً للآب وحده. المهمّ هو النيّة العميقة، لأن الأجر يتحدّد موقعُه على هذا المستوى. فالذي يقف موقف الأبناء أمام الله، حتى لو كان في الساحة العامّة، يكتشف أن أجره هو في الواقع علاقة صريحة مع الآب. وهكذا لا يكون تعارض بين عمل في الخفية ووصيّة يسوع التي تقول: "ليضىء نوركم أمام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في السماء". فالآب وحده هو مرجع التلاميذ سواء كان العمل في ظلمة غرفتنا أو على الطريق. وهكذا تكون علاقتنا حميمة مع الآب. قد يريد الإنسان أن يكون محور العالم. أما يسوع فدلّ على أن محور عالمه هو ملكوت السماوات حيث نجد الآب السماويّ. تلك هي عاطفة يسوع، وتلك تكون عاطفة التلميذ وإلاّ شابه المرائين والوثنيّين.
الفصل الثاني والعشرون
الصلاة الربّية
6: 9- 15

الصلاة الربّية هي صلاة تلاميذ يسوع. تبدو في مضمونها وشكلها الخارجيّ قريبة من الصلوات اليهوديّة التي تعلّمها يسوع وهو فتى وشاب. ولكنها تختلف عن هذه الصلوات ببساطتها الكبيرة، والحرّية التي فيها يتوجّه يسوع إلى الآب المساويّ. وترتيب الطلبات يبدو أصيلاً وهو يميّز تعليم يسوع. في البداية طلبة مثلّثة هي نداء إلى الله ليعمل من أجل مجيء ملكوته. واستبعد يسوع كل اهتمام بانتصار سياسيّ أو دينيّ. وبعد ذلك تأتي الطلبات التي تعبّر عن حاجات التلاميذ. بدأت الصلاة في صيغة المتكلّم الجمع (أبانا، نحن)، وانتهت كذلك (اعطنا نحن)، فجمعت المؤمنين من كل العالم في صلاة الجماعة. لقد صار جميع البشر كنيسة واحدة تتلو الصلاة الواحدة أمام الآب الواحد فتعبرّ عن الإيمان الواحد.
صلاة تتوجّه إلى آب واحد (23: 9) هو سيّد السماء والأرض. وهو قريب جداً من البشر. صلاة تتوجّه إلى اسم الله القدوس والداعي المؤمنين إلى القداسة. صلاة إلى صاحب الملكوت الذي تدشّن مع يسوع، وسيظهر في النهاية في مجد عظيم. صلاة هي نداء إلى الله لتتمّ فينا مشيئته. صلاة فيها الطلبات المتعلّقة بالله. وتلك المتعلّقة بحاجاتنا اليوميّة، من خبز نحتاج إليه، من مغفرة الخطايا، ومن نجاة من التجربة. وينهي مت هذه الصلاة بتعليم يرتبط بالغفران: "إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم. ولكن، إن لم تغفروا للناس زلاّتهم، فأبوكم أيضاً لا يغفر لكم زلاّتكم" (آ 14- 15).
بعد دراسة سريعة لنصيّ مت ولو ولإطار الصلاة التي علّمنا إياها يسوع، نتوقّف عند الطلبات الأولى المتعلّقة باسم الله وملكوته ومشيئته، ثم نعود إلى الطلبات الأخرى المتعلّقة بحاجات الإنسان في حياته اليوميّة على مستوى الجسد والروح. ونبدأ بسياق الصلاة الربّية في الإنجيل.

1- نظرة عامة
صلاتنا هي صلاة المسيح المقيم فينا بروحه. ويسوع نفسه، حسب شهادة مت ولو، قد أراد أن يقدّم لنا عبارة صلاة هي قاعدة لكل صلواتنا. وأعطانا بشكل خاص روحه الذي يُدخلنا بالصلاة إلى موقف حميم هو موقف ابن الله أمام أبيه. تلك هي الصلاة الربّية، أبانا الذي في السموات.
نحن نفهم الصلاة الربّية أولاً في إطار تعليم يسوع المركّز على الملكوت الآتي. إذن، توجيهها في البداية توجيه اسكاتولوجي، يتطلّع إلى الآخرة، إلى نهاية العالم ومجيء الملكوت. فكل الطلبات تعني بشكل من الأشكال مجيء الملكوت القريب. ونحن ندرك تدريجياً بُعدها العميق في الخبرة المسيحية كما يقودها الروح: هو الموقف البنويّ الذي يتضمّنه هذ الانفتاح على عمل الآب، يحمل في ذاته قيمته الأخيرة.
نقرأ الصلاة الربّية في مت ولو، ولكن في شكلين مختلفين. بدا لو أقصر من مت. قال فقط: أيها الآب. ولم يقل مثل مت: أبانا الذي في السماوات. لم يذكر الطلبة الثلاثة التي هي "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". كما لم يذكر أيضاً نهاية الطلبة الأخيرة: "لكن نجّنا من الشرير". وأخيراً، نجد في الطلبتين الرابعة والخامسة بعض الاختلافات سنشير إليها في أوانها.
نقل إلينا مت ولو الصلاة الربّية كما كانت تُتلى في كنيسة كل منهما: كنيسة فلسطين وما يجاورها من عالم يهوديّ (مت). كنيسة أنطاكية وما يجاورها من عالم وثنيّ (لو). في أي ظرف علّم يسوع هذه الصلاة؟ كل انجيلي جعلها في إطار يهمّه بشكل خاصّ: أدرجها مت في عظة الجبل وسط تعليم حول الصدقة والصلاة والصوم، فجاءت بشكل "زيادة" في بنية مبنيّةّ بناء متوازياً. وحدّد لو موقعها خلال صعود يسوع إلى أورشليم، فلم ترتبط ارتباطاً حقيقياً بالسياق (لو 11: 1: وكان ذات يوم يصلّي في موضع ما). ثم زاد لو بعض التوصيات الآتية من مراجع متنوّعة، عن الصلاة. ولكن يبقى أن الظروف التاريخيّة المحدّدة لا تهمّنا بقدر ما يهمّنا مضمون الصلاة الربّية. نقول هنا إن هذا التعليم (بحسب لو) قد أعطي جواباً على طلب ملحّ مني التلاميذ الذين أشاروا إلى ما فعله يوحنا المعمدان: "يا رب، علّمنا أن نصلّي كما علّم يوحنا تلاميذه" (لو 11: 1).
أي صيغة هي أقرب إلى ما تفوّه به يسوع؟ صيغة مت. فبنيتها المتوازنة، وعباراتها الأمينة للغة المعاصرة ليسوع، تجعلنا قريبين من أقوال الرب. ثم إن نصّ مت هو الذي دخل في الاستعمال الليتورجيّ.
نلاحظ أولاً بناء هذه الصلاة. في البداية، نداء إلى الآب السماويّ، ثم ثلاث طلبات تتوجّه إلى الله: اسمك، ملكوتك، مشيئتك. ويتوسّع الكلام في الطلبة الثالثة (على الأرض كما في السماء) قبل أن تتوقّف الحركة. بعد هذا، نجد ثلاث طلبات مع صيغة المتكلّم الجمع (نحن): أعطنا، أغفر لنا، نجنا. وهناك توازٍ داخل كل جملة: اليوم واليوميّ. اغفر لنا ونحن نغفر. التجربة والشرّير. ويتوسّع النص شيئاً فشيئاً حتى يقترب من النهاية. وكل هذا في أسلوب شفهيّ يسهل حفظه في الذاكرة. أما عبارة هذه الصلاة فتستعيد مواضيع جوهريّة من الوحي. انطلقت من العهد القديم وحُفظت في تعابير من التقوى اليهوديّة التي وجدت كمالها في التدبير الجديد مع يسوع المسيح والكنيسة.
هنا نشير إلى اعتراض يقول إن الصلاة تبدأ وجيزة مقتضبة ثم تتوسّع شيئاً فشيئاً مع الاستعمال الليتورجيّ. أيكون لو هو الأول ومت هو الثاني؟ ولكن نصّ مت يبدو متوازناً جداً بحيث لا يمكن أن يكون نتيجة زيادات على نصّ لو الذي هو جافّ ومتقطّع. ونجد اعتراضاً آخر يقول إن لوقا هو انجيليّ الصلاة، فكيف لا يذكر صلاة الربّ كلّها؟ وإذا كان هذا الكلام هو كلام الربّ يسوع كما تفوّه به، فكيف يتجاسر أن يقتطع منه؟ لهذا نقول إن لوقا تبع التقليد الذي وصل إليه، وكذلك فعل متّى بالنسبة إلى كنيسة فلسطين التي عاش فيها. ونقدّم اقتراحاً يقول: قد لا تكون هذه الطلبات جاءت بطريقة متواصلة ومرّة واحدة. فقد يكون يسوع قال مرّة هذه الطلبة ومرّة أخرى تلك الطلبة، وجاءت الكنيسة وجمعت هذه الطلبات في صلاة واحدة كوّن إطارها كل من متّى ولوقا.

2- الطلبات الأولى (6: 9- 10)
يتضمّن القسم الأول (آ 9- 10) ثلاثة تمنّيات، ثلاث طلبات تلتقي في رغبتنا بأن نشاهد ملكوت الله. ويحيط بهذا القسم لفظة "السماوات"، "السماء". ولكن آ 10 تذكر أيضاً "الأرض" فتبدو كصلةَ وصل مع القسم الثاني وحاجاتنا الأرضيّة.
أ- أبانا الذي في السماوات (آ 9 ب)
حين ندعو الله أبانا نقول له إيماننا وحبّنا، نقول له إننا نؤمن بحبّه. لقد بدأ الله فكشف عن ذاته أنه أب بقدرته الخلاصيّة في شعبه: حرّره من عبوديّة مصر وسمّاه "ابنه البكر" (خر 4: 22؛ رج سي 36: 10)، وجعله شعبه الخاص حين أقام عهداً معه (تث 32: 6). وبواسطة الأنبياء، أعلن حنانه الذي لا ينفد (إر 31: 20؛ 11: 3). ما استطاع الربّ أن يتخلّى عن ابنه (شعبه) المتمرّد، فعزم على خلاصه مهما كان الثمن. فدعاه بدون كلل ليعود إلى العهد في حرارة حبّه الأوّل (إر 3: 14 ي). وفي أيام المنفى المظلمة، أثبت اللقب في صلاة تطلب إعادة بناء الشعب (أش 63: 8 ي: هم شعبي حقاً، ينون لا يغدرون، فصار لهم مخلّصاً). وعند اقتراب الحقبة المسيحيّة، وساعة صارت الديانة ديانة شخصيّة، أخذنا نستشفّ هذه البنوّة لدى الصدّيقين الذي يعيشون في حياة حميمة مع الله. "يعدّون من أبناء الله وحظّهم بين القدّيسين" (حك 5: 5؛ رج 2: 16: يتباهون بأنهم أبناء الله؛ 3: 9).
وجاء العالم اليهوديّ الفلسطيني، فضمّ إلى لفظة "الآب" عبارة "الذي في السماوات". وهكذا دلّوا على تسامي الله وتعاليمه، كما دلّوا على ثقة المؤمن بقدرة الله التي تعمل وحدها من أجل إنهاض الشعب "عن التراب". نشير هنا إلى أن عبارة "الآب الذي في السماوات" تدلّ على الله لكي تسمّيه. ولكنها لا تُستعمل في الصلاة الشخصيّة كما في الصلاة الربّية.
واستعاد يسوع كل هذه الأقوال وصبَّها في إطار جديد. فالله يتوق في حنانه العظيم، اليوم وكل يوم، أن يستعيد أولاده الذين ابتعدوا عنه. هو يريد أن يكون أباً لجميع البشر، لا أباً لشعب اسرائيل فقط. وهو يوجّه نداءه إلى الجميع ويفتح لهم ملكوته. كل ما يطلبه منهم هو أن يؤمنوا برحمته، بمحبته، وأن يعيشوا حنانه مع جميع البشر.
إن هذا الجديد في التدبير المسيحيّ قد بدأ مع يسوع خلال حياته على الأرض. فعلى مدّ تعليمه وعمله، جعلنا يسوع نستشفّ أنه ابن الله في معنى سّري وسامٍ جداً. كان يكلّم الله في صلاته كما يكلّم الابن أباه. "أحمدك يا أبتِ، رب السماء والأرض..." (11: 25= لو 10: 21). "يا أبتاه، إن أمكن فلتجزِ عني هذه الكأس" (مت 26: 39 وز)! "يا أبتاه في يديك أستودع روحي" (لو 23: 46؛ رج مر 15: 34؛ مت 27: 46).
صلّى يسوع إلى الآب ببساطة الابن الحبيب، ببساطة الطفل، ولكنه لم يتحدّث بشكل واضح عن بنوّتنا الإلهيّة وعلاقتها ببنوّته. في لغته العادية ميّز بين "أبي" و"أبيكم". قال في يو 20: 17: "أنا صاعد إلى أبي أبيكم". فالذي هو أبي هو أبوكم. فقد نكون أمام تمييز وأمام تقارب أيضاً.
كيف يدعو يسوع الله؟ "الآب". أو: "أبي". ومرة واحدة: "الآب القدوس". مرة واحدة: "الآب العادل". ومرة واحدة: "إلهي لما حسب نصّ المزمور (27: 46= مر 15: 34). وهناك لفظة "أبا" (مر 14: 36) التي تعود إلى الأراميّة، فتدلّ على أن يسوع هو من داخل العائلة. لهذا، يستعمل صيغة التحبّب هذه التي يستعملها الطفل مع أبيه. ونلاحظ أيضاً أن يسوع لا يقول "أبانا" بل الآب، أبي، أبوكم. وقد تكون لفظة "أيها الآب" ما يقابل "أبا" مع تبسيط للفظة وتعميقها بفعل الروح القدس الذي يهتف فينا "أبَّا، أيها الآب".
بعد القيامة مارس يسوع في المؤمنين عملاً جديداً جداً: ضمّهم إلى حياته كالقائم من الموت، إلى وضعه كابن الله العائش قرب الآب. وأفاض عليهم روحه المحيي. والروح من جهته جعل منا أعضاء جسد المسيح، كنيسته وشعب الله الجديد. كوّننا كأبناء الله. كلنا متضامنون في المسيح. والكنيسة الأولى (كما يقول بولس ويوحنا) أدركت عن اختبار العمق الجديد لبنوّتنا الإلهيّة وعلاقتها ببنوّة يسوع التي هي ثمرة مجيء الروح. فالروح يحرّرنا من العبوديّة القديمة ويجعلنا نرسم في المحبة موقف المسيح البنويّ: يحرّك صلاتنا فيوصل إلينا نداء الآب الذي يستعيد نداء المسيح بالذات: "أبّا، أيها الآب" (روم 8: 15؛ غل 4: 6؛ رج مر 14: 36). يحضر في قلوبنا فيفيض فيها حباً للبشر وهو حبّ الله كما كُشف لنا في المسيح (روم 5: 5).
واتخذت الأبوّة الإلهيّة بالنسبة إلينا معنى انتقال حياة. فالله أبو يسوع المسيح وأبونا يحبّنا في ابنه، ويضمّنا إلى هذه البنوّة بعطيّة روحه. ويسير حبّ الله إلى هذا الفعل المؤلّه التي يتمّ جميع المواعيد والآمال ويتجاوزها. إن حالتنا الحاضرة تسبق وضعنا في السماء.
وحين علّم يسوع تلاميذه أن يقولوا "أبانا"، عرف ملء المعنى الذي ستأخذه هذه التسمية. فرمى أساس خبرة بنويّة وأخويّة ينيرها الروح ويقودها. وحين نقول الآن "أبانا" يجب أن نفكّر قبل كل شيء في وحدة الحياة التي لنا مع الله في المسيح بالروح: تلك هي موهبة حبّه العظمى.
ب- ليتقدّس اسمك (آ 9 ج)
الاسم هو الشخص حسب الطريقة الساميّة. ليتقدّس اسم الآب أي ليتقدّس الآب بالذات. وهذه القداسة تأتي معاً من الله ومنّا. وقد عرفت التوراة الموضوعين: فالله يتقدّس أو يقدّس اسمه حين يدلّ على قداسته. "أظهر لهم قداسته فيما بينهم" (عد 20: 13)، حين أظهر لهم رفضه للخطيئة وطول باله تجاه تمرّدهم (رج حز 28: 22، 25: أظهر قداستي على عيون جميع الأمم حين أجمع شعبي؛ 38: 16، 23؛ 39: 27). والإنسان يقدّس (أو: يمجّد) الله حين يقرّ بقداسته في شعائر العبادة، في عمل المديح والسجود، في الطاعة لوصاياه، في الأمانة لمتطلّبات كمال الله. "تمرّدتما عليّ... ولم تظهرا قداستي" (عد 27: 14) يا موسى وهارون. "خالفتماني فيما بين بني اسرائيل... ولم تظهرا قداستي فيما بينهم" (تث 32: 51؛ رج أش 8: 13: قدّس الربّ القدير وليكن هو خوفك؛ 29: 23: يقدّسون اسمي كما قدّسه يعقوب). ما نطلبه هو أن يظهر الله ويُعرف كما هو: القدوس، المتعالي، الذي يعود إليه كل مجد وإكرام وسجود.
وعن طريق المفارقة يدلّ الله على قداسته حين ينقلها إلينا، حين يشركنا فيها، حين يرفع البشر إلى "مستواه". مخلوقات اختارها وميّزها (كان الإله يبتعد عن البشر لئلا يتنجّس إذا لمسوه). وأعطى الله الشعب الذي أحبّه تكريساً يدلّ على انتمائه إليه. فالله الذي هو الآخر الآخر، الآخر البعيد، هو حقاً إله لشعبه وهو يحميه. مقابل هذا، يلتزم اسرائيل أن يقرّ بقداسة الرب سائراً بحسب شريعته التي هي قاعدة تصرّف سامٍ على مستوى الدين والأخلاق. "كونوا قدّيسن. لأني أنا قدوس" (لا 11: 44). "فاحفظوا وصاياي واعملوا بها. أنا الربّ (أقول وآمركم). ولا تدنّسوا اسمي القدوس فأتقدّس (بمعنى: أبقى مقدّساً، مكرماً) فيما بين بني اسرائيل، أنا الرب الذي قدّسكم" (كرّسكم، خصّصكم لخدمته) (لا 22: 31- 32).
في الواقع، تعدّى اسرائيل على هذا التكريس، على هذا الالتزام. ومرات عديدة "نجّس" اسم الربّ على عيون الأمم. حينئذ وجّه الأنبياء هذا الموضوع نحو البناء المسيحاني للشعب. فقال حز 36: 23- 28: "أقدّس اسمي (أظهر قداسة) اسمي العظيم الذي دنّستموه في الأمم، فتعرف الأمم أني أنا الربّ حين أظهر قداستي فيكم على عيونهم. وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم من كل البلدان وأجيء بكم إلى أرضكم. وأرشّ عليكم ماء طاهراً، فأطهّركم من جميع أصنامكم وما به تنجّستم، وأعطيكم قلباً جديداً. أجعل في أحشائكم روحاً جدياً وانزع من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلباً من لحم. وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها. وتسكنون في الأرض التي أعطيتها لآبائكم، وتكونون لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (رج 20: 41؛ 28: 22- 26؛ 38: 23؛ 39: 29؛ أش 29: 23).
فتقديس الاسم الإلهي يتماهى بطريقة ملموسة مع مجيء الملكوت، وذلك بفضل اتجاهه المسيحانيّ.
يعبرّ الاسم الإلهي عمّا هو الله بالنسبة إلينا. في العهد القديم اسم يهوه هو رمز. وحين أعلن الله: أنا يهوه، أنا هو الذي هو، لم يكشف عمّا هو في ذاته، بل أشار إلى سرّ كيانه الذي لا يُدرك. وبيَّن ما يريد أن يكون من أجل شعبه: لقد كشف عن نفسه بحضوره الفاعل والخلاصّي، وعرّف عن ذاته عبر قدرته وحبّه. "فتعرفون أني أنا الربّ". في العهد الجديد، كشف الله عن ذاته كما هو في ذاته، في سرّ حياته الحميمة التي يريد أن يوحّدنا بها. هو أب وهو يجعلنا أبناءه الأخصّاء. وهكذا يصبح عمله الخلاصي عمل تقديس وعمل تأليه.
"ليتقدّس اسمك". نجد تعبيراً عن هذه الطلبة في صلاة التقوى اليهوديّة. نذكر هنا الصلاة التي تُتلى كل يوم "قديش" (أي قدوس): "ليتقدّس اسمك العظيم في العالم الذي خلقته، ليجعل ملكك يملك فينبت الفداء، ليقترب مسيحك ليفتدي شعبك". أما العهد الجديد فلا يتكلّم في مكان آخر وبألفاظ خاصّة عن تقديس الاسم الإلهي. بل يبيِّن كيف يتحقّق فيض القداسة الإلهية وتمجيدها في الكنيسة، بوساطة المسيح وحضور الروح الذي يحوّلنا.
ويسوع، قدّوس الله (كرّسه الآب ليتمّ قصده)، ضحّى بذاته لكي يقدّس الكنيسة (يو 17: 19؛ أف 5: 26؛ عب 9: 13؛ 10: 10، 14، 29؛ 13: 12). وإذ أتمّ الروح القدس عمله، أقام فينا بواسطة حضور يكرّسنا كهيكل لله، ويقودنا إلى ثمار القداسة التي بها يتمجّد الآب (5: 16؛ 15: 8). هكذا تُبنى الكنيسة، شعب الله الجديد، والنسل المقدّس (1 بط 2: 5)، ومملكة الكهنة (رؤ 5: 10) التي تنضمّ عبادتها الروحيّة إلى ليتورجيّة المسيح والكنيسة في السماء، فتعلن بلا انقطاع قداسة الله (رؤ 4: 8).
ج- ليأتِ ملكوتك (آ 10 أ)
تقابل الطلبةُ الثانية الموضوعَ الجوهريّ لتعليم يسوع وعمله. فلفظة "باسيلايا" (ملكوتا في الأراميّة) لها مدلول خاص بالنسبة إلى معاصري يسوع. تعود الفكرة إلى النظام التيوقراطيّ الذي أقامه العهد: يعترف اسرائيل بالربّ سيداً، ويُقسم أنه يخدمه وحده. والربّ يحمي شعبه ويغدق عليه عطاياه. ودخلت الألفاظ الملكية حين أقيمت المملكة الزمنيّة. فتذكّر المؤمنون أن الربّ وحده هو الملك الحقيقيّ. أما داود (وغيره) فهو يقوم مقامه. هو يمثّله. وجاءت السقطات المتتالية وغياب الملكيّة البشريّة، فجعلت الشعب ينقل إلى المستقبل رجاءه بمملكة تيوقراطيّة (يكون الحكم فيها لله) مثاليّة يكون فيها الله معروفاً كالملك في العالم كله، فيؤمّن لمؤمنيه حياة مليئة بكل الخيرات. وفي العالم اليهوديّ اللابيبليّ، تكوّنت عبارة "ملكوت الله" مع المعنى الذي نعرفه في الانجيل. أما الأوساط الجليانيّة (مثل سفر الرؤيا) فتمثّلت هذا الملكوت وكأنه موجود قبل العالم، وأنه أعدّ في السماء بخيراته وواقعه الخلاصّي التي ستنزل من السماء على الأرض. في هذا الخط يقع ابن الإنسان كما يحدّثنا عنه سفر دانيال.
في زمن يسوع تضمّنت لفظة "ملكوت" امتداد ملك الله فيعرفه البشر جميعاً. كما تضمّنت كل خيرات الملكوت، ووفرة السعادة، وملء الخيرات المنتظرة في الزمن المسيحانيّ (هناك أفعال مثل ورث، امتلك، أعطى، قبل، طلب، اغتصب). في هذا الإطار نفهم الإعلان الأول في الانجيل: "تمّ الزمان واقترب ملكوت الله" (مر 1: 15). ملكوت الله هو هنا بحضور المسيح نفسه. والمعجزات هي علامة تدلّ على هذا المجيء. إذن، انهار ملكوت الشيطان.
وحاولت الأمثال (مت 13: 1 ي وز) أن تكشف لمن يريد أن يفهم، سرّ الملكوت: الملكوت الاسكاتولوجي، ملكوت الأزمنة الأخيرة، هو حاضر هنا. وقد أعطي منذ الآن واقعُه الديني كما في آخر الأزمنة. ولكنه أعطي كنبتة، كبذار متواضع، ينمو على مهل وبشكل تدريجيّ إلى أن يصبح شجرة كبيرة. أو هو مثل خمير وضعته امرأة في العجين فطلع العجين كله. فالملكوت الذي أعطي منذ الآن في المسيح، ينتظر وقت كماله النهائي حين يأتي المسيح في المجد. إلى هذا المجيء الأخير توجّه الصلاةُ الربّية أنظارَنا. ونحن نصليّ من أجل هذا الملكوت، وكل ما يهيّئه ويحقّقه منذ الآن بطريقة أوليّة.
فإذا كان الملكوت في جوهره عطيّة الله، وموهبة مجانية تمنحها إرادته للمساكين والوضعاء والصغار، فهو يتطلّب مع ذلك مشاركة الإنسان الذي يتقبّل في الإيمان البذار الذي زرعه المسيح ويجعله يثمر أعمالاً توافق إرادة الآب (13: 2، 43). فمجيء الملكوت، شأنه شأن تقديس الاسم، هو عمل الله وعمل الإنسان معاً. هو عطيّة الله عبر مطابقة الإنسان له.
وهكذا استعاد المسيحيّون صلاة الرجاء اليهوديّ ولكن في منظار غير متوقّع: فالملكوت الذي تماهى مع "الخلاص" و"الحياة الأبديّة" (19: 16، 23- 25) قد بدأ يُعطى لنا. ونحن ننتظر ظهوره التامّ الذي بتهيّأ في الإيمان والتوافق مع عطيّة الله في المسيح عبر حياتنا وأقوالنا وأفعالنا.
د- لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض (آ 10 ب)
يجب أن نفهم الطلبة الثالثة حسب ذات الحركة الفكرية التي رافقت الطلبتين السابقتين. نحن ننتظر من الله ومن الإنسان أن تكمل المشيئة الإلهيّة. والموضوعان يتوزّعان الكتب المقدّسة كلها. هذا ما نجده في فعل "غانيتيتو" الذي يترجم: لتعمل، لتتحقّق. وهكذا لا يتوضّح "الشخص" الذي يُتمّ مشيئة الله.
الله يفعل ما يشاء، يتصرّف حسب إرادته، حسب مرضاته. كل ما يريده يصنعه في السماء وعلى الأرض (مز 115: 3؛ 135: 6؛ أي 23: 13... 1 كور 12: 11؛ عب 2: 4). هو يرفع من يشاء ويحطّ من يشاء (طو 4: 19). ويعطي الملك لمن يريد (دا 4: 14، 23، 29). وهكذا لا يستطيع أحد أن يقاوم إرادته أو يطلب منه حساباً عمّا فعل (روم 9: 18- 20). عند ذاك يُطرح السؤال: لماذا نطلب من الله أن يصنع مشيئته؟ لأن موضوع هذه المشيئة هو خلاصنا، والله يريد أن يرتبط خلاصنا هذه بصلاتنا وتعلّقنا بالربّ.
الله يفعل ما يشاء بقدرة مطلقة واستقلاليّة متعالية. والموضوع الأساسيّ لمشيئة الله كما كشفه العهد الجديد بشكل نهائيّ، يتضمّن بنوّتنا الإلهيّة وقداستنا وعطيّة الملكوت أو الحياة الأبديّة (يو 6: 39- 40؛ رج مت 18: 14). فنحن معاً أمام مشيئة محبّة، وأمام رضى بموجبه يقدّم الآب الملكوت للقطيع الصغير (11: 25- 26 وز؛ لو 12: 32). هنا نقرأ عن سرّ إرادة الله كما تنشده أف 1: 3- 10: "تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي غمرنا من علياء سمائه بكل بركة روحيّة في المسيح. اختارنا من قبل إنشاء العالم... على حسب مرضاة مشيئته... فيه نلنا الفداء... وقد أراد أن يعرّفنا إلى سرّ مشيئته، هذا القصد الذي سبق فقصده في نفسه ليحقّقه عند تمام الإزمنة أي أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كل ما في السماوات وعلى الأرض".
وننظر إلى موضوع مشيئة الله حيث تحقّق بشكل نهائيّ. وهذه التتّمة الأخيرة والكاملة نسألها في الطلبة الثالثة ونحن عالمون أن قصد الله بدأ يتمّ منذ الآن. غير أن الله يريد أن يحقّق قصده عبر جوابنا المحبّ، وطاعتنا البنويّة، وارتباط حرّيتنا. يريدنا قدّيسين (1 تس 4: 3)، وأعضاء في ملكوته. ومثل هذا القصد الذي ترسله النعمة هو نداء متطلّب. وهو يوصينا بأن نتوافق مع هدف الله بالنسبة إلينا، كما نكتشفه من خلال وصيّة الآب أو من خلال الظروف.
وكما أن الله يتقدّس إذا نحن انفتحنا على فيض قداسته. وكما أن الملكوت يتحقّق بقدر ما نتقبّله فعلاً في قلوبنا، هكذا تتمّ مشيئةُ الله الخلاصيّة إذا صارت هذه المشيئة مشيئتنا في التعلّق بالله والطاعة له. ولا يدخل إلى الملكوت إلا الذين يعملون مشيئة الله (7: 21؛ 21: 31). هذا لا يعني أن الملكوت يصل إلينا كجزاء خارج عنا. بل إن الملكوت ينمو في قلوبنا في الأمانة لمشيئة الله المقدّسة والطاعة البنويّة له. وهذه الطاعة المُحبّة هي أيضاً عطيّة من الله ونعمة نطلبها لكل واحد منا ولنا جميعاً: فالله هو الذي يحرّك فينا التوافق مع إرادته (فل 12: 13؛ عب 13: 21).
وبمختصر الكلام، يطلب المسيحيّ أن تتمّ مشيئةُ الآب الخلاصيّة، وهو يحاول أن يتوافق مع هذه المشيئة في الصلاة والطاعة. أما المثال الأسمى عن هذه الصلاة فنجده لا يسوع ابن الله، عبد الربّ، والطائع الكامل (يو 4: 34؛ 5: 30؛ 8: 29؛ فل 2: 7- 8). ففي الجسمانيّة، وليلة آلامه التي كانت الساعة الحاسمة لتاريخ الخلاص، تلا يسوع صلاة (26: 42 وز) جعلت إرادته توافق إرادة أبيه الذي طلب منه الطاعة حتى الموت والموت على الصليب. ونحن نتقدّس بطاعة يسوع وإرادته الموافقة لإرادة الآب (عب 9: 9- 10)، إذا جعلنا بدورنا إرادة الله إرادتنا في الصلاة أولاً، وإذا دخلنا بمحبّة في طاعة ابن الله يسوع المسيح.
وهكذا نجد وحدة الطلبات الثلاث الأولى في الصلاة الربّية: تعبير واحد. حركة فكر واحدة (عطيّة الله وجواب البشر). موضوع واحد هو الخلاص في تحقيقه النهائي والكامل كما تدشّن منذ الآن وما زال يتدرّج يوماً بعد يوم. وأحاطت الطلبة الأولى والطلبة الثالثة بالطلبة الثانية، فاستعادتا موضوعاً رئيسياً في الانجيل: الملكوت هو قبل كل شيء عطيّة الأب. الملكوت هو المسيح نفسه الذي فيه صرنا أبناء (اوريجانس). الملكوت يأتي إلى قلوبنا فيجعل قداسة الله تجتاح قلوبنا وتكرّس كياننا وعملنا. والملكوت هو أيضاً تجسّد ملموس لمشيئة الأب التي تحرّك مشيئتنا.
وتأتي عبارة "كما في السماء كذلك على الأرض". فقد ترتبط بالطلبة الثالثة وحدها. وقد ترتبط بالطلبات الثلاث: نتمنى مجيء الملكوت على الأرض كما في السماء حيث الله ملك مع قديسيه الذين يتمّون إرادته كاملة. هنا نقرأ مز 103: 19- 21: "عرش الربّ ثابت في السماء، وملكوته يسود على الجميع. باركوا الربّ يا ملائكته أيها المقتدرون المطيعون أمره عند سماع صوت كلامه. باركوا الربّ يا جميع جنوده، يا خدّامه العاملين ما يرضيه".
هذه العبارة تنهي القسم الأول من الصلاة الربّية. فتكون تضميناً مع العبارة الأولى (أبانا الذي في السماوات). وهكذا تتركّز الصلاة على الملكوت ومجيئه في قلوبنا، في حياتنا، في العالم.

3- الطلبات الأخيرة (6: 11- 15)
عرف يسوع الصلاة اليهوديّة، ولكنه دشّن هنا صلاة جديدة دلّت على رغبته الحارة في أن يرى مجيء الملكوت. وهكذا حين نتلو الصلاة الربّية نقاسم يسوع إيمانه بمجيء الملكوت، ونسير في أثره فنسلّم ذواتنا إلى سلطة الله المتعالية في يوم يتمّ فيه كل شيء. وهكذا ينتعش رجاؤنا فنطلب ببساطةٍ الضروريَّ الذي نحتاج إليه: الخبز الكافي، غفران الخطايا، التحرّر من كل شرّ. هذه المواضيع الثلاثة تكوّن موضوع القسم الثاني من الصلاة الربّية (آ 11- 13). وتستعيد آ 14- 15 طلبة الغفران بشكل شرطيّ: إن غفرتم، إن لم تغفروا.
أ- أعطنا خبزنا كفافنا اليوم (آ 11)
إن كلمة اليوم تقابل في اليونانيّة "ابيوسيوس". هذه اللفظة هي نادرة وصعبة. ترجم البعض: "الخبز الضروريّ لكفافنا". أو: الخبز الجوهريّ. أو الخبز للغد، الخبز لليوم الحاضر: إذا أخذنا بالجوّ الاسكاتولوجيّ نفهم عبارة الخبز الآتي، الخبز الذي للغد. ولكن، هل نسينا ما قاله يسوع بعد هذا بقليل عن الاهتمام بالغد؟ أما لو فقالت: أعطنا كل يوم، يوماً بعد يوم.
نتعجّب أمام هذه الطلبة التي تبدو ذا طابع دنيويّ، زمني، إذا نحن قابلناها بسائر الطلبات. هذا يدلّ على أننا لم نعد ندرك الرنّة الدينيّة لمثل هذه الصلاة في فم المسيحيّين الأولين. فخبز كل يوم مثَل يصوّر خيرات الله. وهو عطيّة إلهيّة، ظاهرة ونموذجيّة، خلال الخروج (المن)، نراها في تكثير الأرغفة بيد يسوع. الخبز هو رمز متواضع ومعبرّ معاً لخيرات سامية يجعلنا الآب نرجوها.
الخبز، وبشكل عام الطعام، يجُمل في شكل من الأشكال، خيرات الأرض الضروريّة لحياتنا. غير أن التوراة ترى هنا عطيّة من السماء، وكرماً من الله يتوّج عملنا. وحين نطلبه بلا ملل في الصلاة، نتعلّم أن نقف بين يدي الله في الصلاة مثل أطفال ينتظرون كل شيء من أبيهم (7: 9 وز). وحين تقتصر رغبتنا يوماً بعد يوم على حصّتنا اليومية وحاجتنا، فنحن نجعل نفوسنا في موقف المساكين الذين يطلبون أولاً ملكوت الله ولا يهتمّون للغد، لأنهم يؤمنون إيماناً مطلقاً بعناية الآب بهم (6: 25- 34).
لقد بيّن لنا يسوع مرّات عديدة هذا الاهتمام وهذه العناية، فكثّر الأرغفة ساعة كانت الجموع تستمع إلى كلام الله. وحين نعبرّ عن هذه الطلبة من أجلنا جميعاً، نؤكّد استعداداتنا الأخويّة نحو القريب. فالخبز يُعطى لنا لكي نتقاسمه مع الآخرين. والتوراة تعتبره علامة الاتحاد ووسيلته، علامة المشاركة والحياة الحميمة والأخوّة. وإن كنا أبناء الله حقاً، لا نستطيع أن ننسى الإخوة العديدين في أنحاء الكون الذين يبدو الخبز اليومي بالنسبة إليهم قلقاً متواصلاً: فهم لا يستطيعون أن يحصلوا عليه إلا بمشقّة كبيرة.
وفي الإطار الاسكاتولوجيّ للصلاة الربّية، نستطيع أن نفكّر في حقبة الخروج النموذجيّة: هي زمن نعمة كان الله يمنح فيها يوماً بعد يوم، الطعام اليومي لشعبه السائر نحو ملكوت المواعيد (خر 16: 4؛ نح 9: 15؛ مز 78: 24- 25؛ 105: 40؛ حك 16: 20). فذكرى خروج الشعب كانت تملأ فكر المسيحيين الأولين الذين وعوا أنهم شعب الله الحقيقيّ والجماعة المسيحية في أواخر الأزمنة، أنهم يستعدون للدخول إلى الملكوت القريب.
وحين كثّر يسوع الأرغفة في البريّة، رفع فكر الناس إلى ذاك الخبز السماويّ الذي منحه الله في الماضي لابنه البكر، لشعبه. ولكن معجزة الأرغفة ترتدي في نيّة المخلّص بُعداً نبوياً ذا اتساع كبير. فهي تقودنا إلى شيء أسمى، إلى خبز السماء الحقيقيّ الذي يهيّئه الربّ للمؤمنين طعاماً للحياة الأبديّة. هو المسيح نفسه الذي يُعطى لنا من الآن في كلمته وفي سّره العظيم (يو 6) استباقاً لليوم القريب الذي "يأتي" فيه ليدعونا إلى مائدته في ملكوته (8: 11؛ 26: 29؛ لو 22: 29- 30؛ رؤ 3: 20).
وبانتظار المجيء، يبقى وضعنا الحاضر وضعَ مسافرين في طريقهم نحو الموعد. ولهم هذا الخبز الضروريّ الذي نالوه من الآب، والذي لا يمكن أن يكون إلا عربون هذه العطايا السامية التي يحتفظ بها الله للذين يحبّونه.
ب- اغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر لمن أساء إلينا (آ 12)
إن طلبة الاستغفار عن الخطايا تستقي لغتها من العالم اليهوديّ الذي يتحدّث بالأحرى عن الوجهة القانونيّة للخطيئة التي هي دين لا نستطيع إيفاءه بسهولة. هذا لا يعني أنهم نسوا وجهة الإساءة الشخصيّة لله، وهي وجهة يشدّد عليها العهد القديم تشديداً خاصاً، ويبرزها يسوع أيضاً إبرازاً. فعصيان إرادة الله، لا يسيء فقط إلى سلطان الله وحقوقه، بل هو يجرح حبّه كأب لأبنائه وعريس لعروسه (إر 2: 2- 3؛ 3: 7 ي؛ حز 16: 1 ي؛ 23: 1 ي).
إن الله يتألّم حين يرى الإنسان يرفض حبّه أو يعاند هذا الحبّ من أجل هلاكه. لهذا، فهو دوماً يدعونا إلى التوبة، ويعدنا بغفرانه (أش 55: 7- 9؛ إر 3: 12- 14؛ 25: 3- 6؛ حز 18: 31- 32؛ 33: 11؛ هو 2: 1؛ 14: 2- 9؛ زك 13: 1).
وأعلن تعليمُ يسوع أيضاً رغبة المغفرة التي تحرّك قلب الآب، وإرادته بأن يخلّص ما قد هلك، وفرحه بعودة الابن الضالّ (18: 11- 14؛ لو 15: 1 ي). ودلّ المخلّص في كل تصرّفه على محبّة الله للخطأة بعد أن عرف شقاءهم واستعدادهم للتوبة وانفتاحهم على حنان الله (9: 10- 13 وز؛ 11: 19 وز؛ لو 7: 36- 50، 19: 1- 10؛ يو 8: 11). وعلى الصليب، طلب يسوع الغفران لجلاّديه (لو 23: 34). وإذا كنا نرجو نحن غفران خطايانا، فلأن المسيح سفك دمه، دم العهد، من أجل الكثيرين لغفران الخطايا (مت 26: 28). لقد كشف لنا الصليب بشكل يذهلنا، عظمة محبّة الله التي تفوق بما لا يحدّ كثرة خطايانا. فإن ارتفعت خطايانا حتى الجبال، فرحمة الربّ أرفع من الجبال.
وغفران الله يعمل على تحويل قلوبنا، فيفيض فيها هذه المحبّة التي ظهرت في ذبيحة المسيح. والغفران لا يصل إلينا فعلاً إلا بقدر ما نترك رحمة الله الآتية من العلاء تجتاحنا، إلا بقدر ما نغفر بدورنا للآخرين ديونهم وإساءاتهم. علينا أن نحبّ الجميع، أن نغفر بدون حساب (18: 21- 22) لنكون حقاً أبناء الآب الذي في السماء (مت 5: 43 ي وز). ومثَل العبد الذي لا شفقة في قلبه (18: 23- 25) هذا المثل الذي يستعمل اللغة القانونيّة ليتحدّث عن ذنوبنا تجاه الله وديون القريب نحونا، يبيِّن لنا أن إساءات البشر تجاهنا ليست بشيء تجاه خطورة خطايانا ضد الله. كما يبيِّن لنا أن علينا أن نغفر لإخوتنا من كل قلبنا إذا أردنا أن يواصل الله فينا عمل رحمته.
في عبارة "كما نغفر" تبدو الأداة "كما" غامضة بعض الشيء (تقابل كدي في الأرامية التي فسّرها لوقا: لأننا غفرنا): لا نستطيع أن نعطي مثالا الغفران لله. والتفسير الذي يلي (آ 14) يبيِّن أن غفراننا هو شرط لغفران الله لنا: إذا غفرتم... إن لم تغفروا. والمثل الموسّع الذي نقرأه في 18: 23- 35 وأشرنا إليه أعلاه، يبيِّن أيضاً معنى الأداة "كما": لله كل مبادرة. ولكن إن أراد أن يبقى عاملاً فينا حتى النهاية، فهو يفرض كشرط ضروريّ استعدادنا لكي نغفر. وينتهي المثل بهذا التنبيه: "أما كان يجب عليك أن ترحم كما رحمت؟ هكذا يعاملكم أبي السماويّ إن لم يغفر كل واحد منكم".
وبشكل عام، نجد العبارتين في نصوص العهد الجديد، وقد نجدهما معاً: يجب أن نكون رحماء مثل الآب، أن نغفر بعضنا لبعض كما غفر الله لنا في المسيح (لو 6: 36؛ أف 4: 32؛ كو 3: 13). والله يغفر أيضاً كما نغفر نحن. فهو يرتّب غفرانه على غفراننا (5: 7؛ 6: 14- 15؛ 25: 31- 46؛ مر 11: 25؛ لو 7: 47). وتلتقي النظرتان في مثل الدائن الذي لا يرحم في مت 18، وفي لو 6: 36- 37: "كونوا رحماء كما أن أباكم السماوي رحيم... اغفروا يغفر لكم".
ونستطيع القول حول ارتباط غفران الله بغفراننا كما يلي: إذا كنا لا نعرف أن نغفر للقريب، فهذا يعني أننا قساة القلوب، وبالتالي لا يستطيع غفران الله أن يخرق قلبنا. فمن كان رحيماً استطاع أن يعرف رحمة الله، ومن كان محبّاً عرف محبّة الله. وكذلك من كان غفوراً.
أشارت الصلاة الربّية هنا بشكل خاص إلى الغفران الذي يُعطى لنا ساعة الدينونة الاسكاتولوجيّة، كما قالت المواعيد القديمة. ويحذّرنا يسوع بمناسبة الحديث عن هذه الدينونة الأخيرة: سوف ندان حسب رحمتنا تجاه القريب (25: 31 ي؛ رج 7: 1- 2). وقالت الكرازة الرسوليّة: سنُدان كما ندين القريب (روم 14: 10؛ يع 2: 13). ولا تشكّل مغفرة الخطايا في شكل من الأشكال سوى الوجهة السلبيّة للخلاص والتقديس، أو المرحلة السابقة لإقامة الملكوت (3: 2؛ 4: 17؛ أع 2: 38). وبما أن الملكوت يتدشّن منذ الآن، يتدشّن كل يوم، نحن نواجه دينونة الله، فنخلص أو يُحكم علينا حسب استقبالنا للمسيح عبر حياة المحبّة أو عدم استقبالنا له. تلك هي بشكل خاص نظرة يوحنا في إنجيله.
سيُغفر لنا حقاً، سنخلص، سنكون أبناء الله في المسيح، إذا وسّعنا قلوبنا وسع محبّة الله حتى نشارك إخوتنا مشاركة صادقة لا تعرف الكلل لنطلب مغفرة الله لنا، وبعضنا لبعض، ولنغفر من كل قلوبنا لجميع الذين يحبّهم الآب كأبنائه.
ج- لا تدخلنا في تجربة، بل نجنا من الشرير (آ 13)
التجربة هي "بايرسموس". تعني أولاً المحنة والامتحان. الاختبار. التجربة هي شكل خاصّ من أشكال المحنة. نرى في عدد من النصوص البيبليّة أن الله "يمتحن" مختاريه: امتحن ابراهيم (تك 22: 1)، وبني اسرائيل في البريّة (خر 15: 25؛ 16: 4؛ 20: 20؛ تث 8: 2، 16)، والأبرار (حك 3: 5؛ رج تث 13: 4؛ قض 2: 22؛ 3: 1، 4؛ 2 أخ 32: 31؛ يه 8: 25 ي). وقد يكون لنا أن نعبر أوقاتاً من الضيق والألم ومختلف الصعوبات، حيث تبدو قوّة الله وكأنها تبتعد عنا. حينئذ تجتذبنا قوى متعارضة: من جهة نداء الله في نقاوته. ومن جهة ثانية: اجتذاب الشّر وسرابه.
فكما ينقّي الناسُ الذهب في البوتقة (حك 3: 6؛ رج مز 66: 10)، كذلك يفعل الله بهذه الظروف التي فيها يتثبّت إيماننا فيه وحده، ويتقوّى تعلّقنا بالله بالذات لا بعطاياه وتعزياته. وحين يكون الحديث عن خطر الوقوع في الخطيئة، تعني "بايرسموس" التجربة. وتُنسب إلى الشيطان (أو إلى الشهوة التي في داخلنا)؛ نال الشيطان أذناً بأن يجرّب أيوب. واقتاد الروح يسوع إلى البرية حيث جرّبه الشيطان. والتجربة لا تأتي من الله أبدا (يع 1: 13؛ رج سي 15: 11- 12).
أما في النصّ الذي ندرس، فاللفظة تعني التجربة (أي الوضع الذي فيه نجرّب من قبل الشيطان). وصاحبها هو الشرير. "لا تدخلنا". أي لا تسمح بأن ندخل، بأن نقع ونسقط. لا نستطيع أن نطلب من الله أن نُعفى من المحنة أو التجربة. فالكتاب كله يقول بضرورة المحنة ودورها المنقّي. ويسوع نفسه خضع لها في البرية بعد العماد (4: 1 ي وز)، وفي جتسيماني خلال نزاعه (26: 36 ي وز؛ 27: 46 وز)، وفي ظروف أخرى أيضاً (16: 22- 23 وز): جرّب لكي يتخلّى عن رسالته كعبد الله المتألّم. جرّب لكي يميل إلى نظرة مسيحانيّة زمنيّة. ويبقى أن طلبة الصلاة الربّية هذه تعني بشكل خاص المحنة العظيمة في نهاية الأزمنة.
إن التيارات الجليانيّة في التوراة وفي العالم اليهوديّ تتطلّع، في الأيام الأخيرة وقبل تدخّل الله الأخير، إلى اجتياح قوى الجحيم وازدياد الشر: انقلابات على مستوى الكون، اضطهاد. الشّر يتفاقم. رجاسة الخراب وفيها يريد الشيطان أن يحلّ محلّ الله بواسطة الأنبياء الكذبة والمسحاء الكذبة. برودة المحبّة وجحود عدد كبير من الناس. هي تجربة غير عادية (24: 4 ي وز)، وقد تفصلنا عن ملكوت الآب إلى الأبد، وقد تستبعدنا عن السعادة معه. من مثل هذه التجربة نطلب النجاة لئلا نغرق في خضمّها.
إن محننا وتجاربنا الحاضرة هي إعلان ورسم عن هذه المحنة الأخيرة. فإن لم تكن لها قوّتها، فهي ترسم السمات التي تميّزها كما تتضمّن النهاية الحاسمة. وفي الوقت عينه هي تعود إلى المحن والتجارب التي قاساها المسيح من أجلنا لأنه رئيسنا (عب 2: 18 ي؛ 4: 14 ي). وفي الساعة الرئيسيّة لعمل يسوع الفدائيّ، فالمسيح الذي جاء يقلب مملكة الشيطان، قد عاش أول فصل في هذه الدراما الاسكاتولوجيّة: هي ساعة سلطان الظلمة (لو 22: 53)، بل هي الساعة التي فيها يُلقى سلطان هذا العالم إلى الأرض (يو 12: 31).
فيسوع غلب العالم وسلطان هذا العالم (يو 16: 33) بأمانته المطلقة لمشيئة الآب، في موته وقيامته. والزمن الذي يمتدّ الآن بين ذهاب المخلّص ومجيئه هو الوقت الذي فيه ينضمّ المسيحيّون إلى يسوع في حربه وانتصاره على الشيطان (1 بط 4: 12؛ رؤ 12: 9 ي). وأمام التجربة يوصي يسوع أحبّاءه بالسهر والصلاة (26: 41 وز؛ 1 بط 5: 8). وهذا السهر يجعلنا دوماً مستعدّين بانتظار مجيء الربّ (24: 42- 43؛ 25: 13؛ مر 13: 34- 37؛ لو 12: 37؛ 1 تس 5: 6؛ رؤ 3: 3؛ 16: 15). وتكون تجاربنا الخاصّة علامات سابقة للمجد الأخير. فالذين ظلّوا معه في محنه، قد وعدهم يسوع بصريح العبارة أنهم سيقاسمونه ملكوت الآب (لو 22: 28؛ رج يع 1: 12؛ رؤ 2: 10؛ 3: 21).
ويتضمّن الفعل الأخير بعض العنف: "ريساي": اقتلع. ففي الطلبة رنّة مأساوية ومصيرنا الأخير يرتبط بها. لقد استعمل بولس الفعل عينه في كو 1: 13: "اقتلعنا (انتزعنا) الآب من مملكة الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابنه الحبيب". رج 1 تس 1: 10؛ 2 تم 4: 17- 18؛ 2 بط 2: 9. وفي أماكن أخرى، يتحدّث النص عن خطر الموت الذي نُنتزع منه (27: 43؛ روم 7: 24؛ 2 كور 1: 10). وقد ننتزع من أعداء الله أو من عمله (لو 1: 74؛ روم 15: 31؛ 2 تس 3: 2؛ 2 تم 3: 11).
وفي تعارض تام مع الدعاء الأولى للآب، تنتهي الصلاة فتذكر ذاك الذي نطلب أن ننجو منه: الشّرير أو الشّر. لقد سمّاه يسوع مراراً الشيطان، الخصم الأكبر لله ولمخطّط حبه، ذاك الذي يحاول أن ينتزع من قلوبنا بذار الملكوت (3: 19)، أو يخرج الزؤان مع القمح (13: 38). وليلة العشاء السرّي، طلب المخلّص من الآب أن يحفظ المؤمنين من الشرير ما داموا في العالم (يو 17: 15). وتلتقي صلاتنا مع صلاة يسوع من أجل كنيسته ومن أجل كل واحد منا.
في الواقع، إن الله لا يسمح، أمانة لحبّه، أن نجرَّب فوق طاقتنا، بل يوازي بين عونه وصعوباتنا (1 كور 10: 13؛ 2 تس 3: 3). في هذه الظروف الصعبة، يمنحنا نعمة ابنه الذي قاسمنا تجاربنا ليقودنا إلى المشاركة في بنوّته (عب 2: 10- 18). بعد هذا، فانتصار يسوع ينتهي في انتصار الكنيسة. ومنذ الآن صار هذا النصر حاضراً بالنسبة إلى كل واحد منا في إيماننا، في محبّتنا، في مشاركة حياة ذاك الذي هو مولود الآب. "كل من وُلد من الله لا يخطأ. لأن المولود من الله يصونه فلا يمسّه الشّرير" (1 يو 5: 18).
د- إن غفرتم للناس (آ 14- 15)
يبدو أن هاتين الآيتين لم تنتميا إلى السياق الانجيليّ. وقد جعلهما مت هنا ليبرز خطوة آ 12 ب (كما نغفر نحن). فمكانهما الأساسيّ هو في سياق آخر حسب مر 11: 25- 26: "وإذا قمتم للصلاة فاغفروا، إن كان لكم على أحد شيء، لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي زلاتكم. فإن لم تغفروا فأبوكم الذي في السماوات لا يغفر لكم أيضاً زلاتكم". غابت هاتان الآيتان (آ 14- 15) من لو، وكررهما مت 18: 35. إنهما تدلاّن على فكرة هامة في مت، ويجب أن تُفهما في خط مثَل العبد الذي لم يرحم رفيقه (18: 23- 35).
وتبقى المجدلة في آ 13 ج: "لأن لك المجد والقدرة...". لا نجدها في أقدم المخطوطات، ولا تظهر في التقليد المسيحيّ إلا في منتصف القرن الثاني، في صلاة الديداكيه. نرى في هذه المجدلة كل عناصر المجدلات اليهوديّة، وهي لهذا تشهد على تأثير عبادة المجمع على الصلاة المسيحيّة. لهذا، يجب أن نفهم هذه المجدلة كاعتراف إيمان، وتحدّ لخصوم الكنيسة، وفعل سجود أمام قدرة الله كما في سفر الرؤيا.

خاتمة
إن صلاة الرب تطلب الملكوت وما يوضحه وما يخضع له. وهي تشكّل ملخّصاً لتعليم يسوع بعد أن استنار بخبرة عاشتها الجماعة المسيحيّة الفتيّة. فالواقع العميق للملكوت يقوم في ارتباطنا بالمسيح. والخلاص المسيحاني الذي ترجّاه المؤمنون في الماضي وطلبه اليهود من أجل الأزمنة الأخيرة في صلاتهم، قد كُشف على أنه تأليهنا في ابن الله كما تدشّن منذ الآن. وهذا العمل يجد ذروته في الصلاة. والطلبات الأخيرة (الخبز، المغفرة، المعونة) تخلق فينا في النهاية وأمام الآب قلب طفل.
في هذا المنظار تبدو الصلاة الربّية صلاة المسيحيّين الجدد ساعة دخولهم إلى الملكوت بالمعموديّة. وساعة يكرّسون كأبناء الله ينعمون بقصد نعمته ويلبسون قوّة من العلاء لكي يتّحدوا مع المسيح في طاعته وانتصاره في حربه على الشّر والشّرير. ولكن على المعمّد كل يوم أن يقول هذه الصلاة خلال الاحتفال بالافخارستيا ساعة يضمّ المسيح صلاتنا المتواضعة إلى تقدمته، فيصبح غذاء حياتنا، ويختم جماعتنا كإخوة في المحبّة، إلى أن يأتي في نهاية تاريخ الخلاص فيضمنا إضمامة نهائية مع مديحه البنويّ في السماوات إلى أبد الآبدين.
الفصل الثالث والعشرون
الكنز الحقيقي
6: 19- 24

هذا القسم الأخير من خطبة الجبل يجمع تقاليد عديدة نجدها هنا وهناك في لو، فيعيد مت صياغتها ويكمّلها. وهكذا ترتسم خمس موجات متلاحقة نتعرّف إليها مع فعل الأمر الذي يدلّ على بدايتها ويقدّم معناها. لا تكنزوا لكم كنوزاً يأكلها الصدأ... لا تقلقوا قائلين: ماذا نأكل... لا تدينوا لئلا تُدانوا... لا تعطوا القدس للكلاب... لا تطرحوا جواهركم قدّام الخنازير...
أما نحن فنتوقّف عند القطعة الأولى (6: 19- 24) وفيها موضوع الكنز (آ 19- 21) والتعليمات حول سراج الجسد (آ 22- 23)، وأخيراً النداء لكي نعبد الله ولا نعبد غيره 247). فعلى التلميذ أن يختار. والعين التي تساعدنا على التوجّه في الخطّ المطلوب، تدلّ على هذا التمييز الذي يمنعنا من السير في الظلام. ويُطرح السؤال: لماذا نختار بين كنزين؟ أما يمكن أن نساوم؟ يقول لنا يسوع: هذا مستحيل. حينئذ تكونون في وضع العبد الذي يخدم سيّدين. سينال العقاب مت هذا وذاك.

1- كنوز وكنوز (6: 19- 21)
قد تكون هذه المقطوعات الثلاث (آ 19- 21، آ 22- 23، آ 24) كوّنت وحدة تامّة وجاءت في خدمة فكرة واحدة: اتخاذ القرار الضروريّ. قرار الالتزام بلا تردّد ولا تحفّظ. وننظر إليها ثالثاً من زاوية الله وحده وقد نتخيّل متّى ذاك المعلّم الذي يجمع هذه المقطوعات في مجموعة كما فعل في حالات أخرى. أما لو فقد حدّد موقع هذه المقطوعات في أماكن أخرى من إنجيله، ولم يرَ أنه من المناسب أن يجمعها.
تشكل آ 19- 21 وحدة ذات بنية أصيلة. ونجد في آ 19- 20 توازياً تاماً بين العبارات. فالألفاظ عينها تظهر في كل جزء ما عدا التعارض "على الأرض"-"في السماء". لما نكن نتوقّع آ 21. أما معناها فهو كما يلي: من الأهميّة بمكان أن نجعل كنزنا في السماء، لا سيّما وأن الانسان (قلبه) يتعلّق بكنزه. وقد أخبرنا الرابانيون عن ملك ارتدّ إلى الديانة اليهوديّة في القرن الأولى المسيحيّ، فأعطى كل أمواله للفقراء، وإذ لامه بعضهم بسبب هذا التبذير أجاب: "جمع أبائي لأخرين وأنا جمعتُ لنفسي. آبائي جمعوا من أجل هذا الدهر وأنا جمعت للدهر الآتي. هذا لا يعني أن المحبّة تنجّي من الموت، بل انها تمنحنا أن لا نموت في الدهر المقبل".
فالفكرة القائلة بأن الأعمال الصالحة تشكل كنزاً (ا و ص ر في العبريّة) أمام الله، كانت فكرة معروفة في العالم اليهوديّ القريب من المسيح. بل كانوا يحدّدون أن الفوائد تعود إلى المؤمنين بشكل سعادة منذ هذه الحياة. أما الرأسمال فيُحتفظ به للدينونة الأخيرة. "قذر صدقتك على قدر غناك. إن كان لديك الكثير فتصدّق منه بالكثير. وان كان لديك القليل فلا تخجل أن تتصدّق بالقليل. بهذا تدخّر لك كنزاً إلى زمن الضيق، لأن الصدقة تنجّي من الموت، وتمنع من الذهاب إلى الظلمة (في الشيول) قبل الأوان" (طو 4: 8- 10؛ مزامير سليمان 9: 9).
ظهر موضوع الكنز في العهد القديم، كما ظهر في نصوص العهد الجديد. هناك مثل الرجل الغنيّ الذي قال له يسوع: "إذهب وبع كل ما تملكه ووزّع ثمنه على الفقراء، فيكون لك كنز في السماء. وتعال اتبعني" (مر 10: 21). وحدّثنا بولس الرسول عن "المسيح الذي تكمن فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة" (1 كو 2: 3). وإذ تحدّث بولس عن خدمة العهد الجديد قال: "ما نحن إلاّ آنية من خزف تحمل هذا الكنز، ليظهر أن تلك القدرة الفائقة هي من الله لا منا" (2 كور 4: 7). وتحدّث صاحب الرسالة إلى العبرانيين (11: 26) عن "عار المسيح" الذي هو "أغنى من كنوز مصر". سوف يشدّد العالم الغنوصيّ بشكل عام على هذا الكنز الذي يرتبط بعالم السماء والنور حيث تقيم النفوس.
"لا تكنزوا لكم كنوزاً" (آ 19). توسّع مت في الفكرة اليهوديّة التقليديّة. أما لو 12: 33- 34، فقد حوّلها تحويلاً عميقاً وجعل منها حضّاً خاصاً على الصدقة. وقد نستطيع أن نربط نصّ مت بالمقطوعات التي تسبقه بشكل مباشر. حينئذ يكون المعنى: جمعُ الكنوز على الأرض يوازي القيام بأعمال حسنة أمام الناس لكي يمدحونا (6: 1- 8، 16- 18). جمع الكنوز في السماء يوازي إتمام الأعمال الحسنة أمام الله، في الخفية، لكي ننال جزاءنا منه وحده. في هذه الحالة، يصبح العثُّ والصدأ واللصوص صوراً تدلّ لا على الطابع الزائل للخيرات الماديّة، بل على ضعف وبطلان تقديراتنا البشريّة على المستوى الدينيّ. إن لفظة "بروسيس" تعني بشكل عام الطعام (يو 4: 32؛ 6: 27، 55؛ روم 14: 17) وبشكل أدقّ "فعْل الأكل". في ملا 3: 11 (حسب السبعينيّة) هو يدلّ على دودة قاضمة أو غيرها من القواضم.
"اكنزوا لكم كنوزاً في السماء" (آ 20). إذا قبلنا بالفرضيّة التي قدّمناها في آ 19، حينئذ توافق عبارة "في السماء" الفكرة التي نجدها في المقطوعات السابقة: لا أن نجمع الاستحقاقات كما، في "مصرف" سماويّ، بل أن نعمل أعمالاً ولا نهتمّ إلا بمجد الله.
"حيث يكون كنزك" (آ 21). لقد سبق وتحدّثنا عن ارتباط هذه الآية بالآيتين اللتين سبقتهما. ولفظة "غار" (لأن) مهمّة جداً. لسنا فقط في رأي مت أمام كلمة منفصلة عن سياقها وصلت إلينا من يسوع، ولا أمام خاتمة مقطوعة نستخلص منها العبرة، بل أمام إعلان عامّ وأساسيّ من الانتروبولوجيا البيبليّة، وهو يبرز آ 19 و20. فإن "التصق" قلب الإنسان بكنزه، فمن الضروريّ أن يكون هذا الكنز موضوعاً في المكان الأصلح وفعل "استاي" (يكون) لا يتضمّن أي لوم: من الطبيعيّ أن يتعلّق القلب (يعني الانسان كله) بكنز اختاره اختياراً حراً. فما يميّز الانسان البيبلي هو ما إليه يتوق. ما عنه يبحث، ما إياه يطلب. ولا جدال في أن لكل قلب كنزه. المهم أن لا يكون لنا إلا كنز واحد. وهكذا يكون معنى هذه الآية شبيهاً بمعنى آ 24: لا يستطيع الانسان أن يكون مقسوماً بين كنوز عديدة، كما لا يستطيع أن يعبد سيّدين.

2- سراج الجسد العين (6: 22- 23)
هذه المقطوعة تبقى غامضة بعض الشيء بالنسبة إلينا. سبق لنا وجعلناها في سياقها وفسرّناها في خطوطها الكبرى. هي مثل سابقتها ولاحقتها، نداء إلى التزام دون تحفّظ في خدمة الله. في آ 21، كان تعلّق القلب بكنوز حقيقيّة أو مزيّفة يجتذب الشخص كله إلى الموت أو إلى الحياة. وهنا تلعب العين الدور ذاته بالنسبة إلى الجسد، بالنسبة إلى الانسان في حياته اليوميّة. في الحالتين، نحن أمام انتروبولوجيا توراتيّة: فالقلب والعين ليسا صالحين بحدّ ذاتهما. إنهما مهمّان للشخص بالخيار الذي يسمحان به ويشرفان عليه.
لسنا هنا أمام مثل، بل أمام استعارة. فالايتان اللتان تكوّنان هذه المقطوعة (آ 23- 24) تجدان نواتهما المركزيّة في آ 23 أ: إن كانت عينك عليلة. إن كانت عينك شرّيرة، فالانسان كله يغرق في الظلمة. ولقد عرفت الأناجيل عدداً من أقوال يسوع بذات الخط الأدبيّ. مثلا 5: 13: "أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح". مر 3: 24: "إذا انشقّت مملكة على نفسها، فتلك المملكة لا يمكن أن تثبت" (رج 4، 21؛ لو 11: 33). أما آ 23 ب (وإذا كان النور الذي فيك ظلاماً) فلا نحاول أن "نضغطها". فمعناها يرتبط بما سبق. أما لو 11: 35 فقال: "فتبصّر إذن، لئلاّ يكون النور الذي فيك ظلاماً".
"السراج" (القنديل، المصباح، الضوء) في اليونانية: "لخنوس" كما في 5: 15 (لا يوقد سراج)؛ لو 8: 16 (ما من أحد يوقد سراجاً)؛ 12: 35؛ 15: 8؛ يو 5: 35 (كان يوحنا سراجاً)؛ رؤ 18: 23 (لن ينير فيك من بعد مصباح). ليس السراج نوراً داخلياً و"جذوة" إلهية في قلب الإنسان. بل هو المصباح الذي يتيح للإنسان أن يتوجّه في الحياة، في ظلمات هذا