إنجيل لوقا، ظهور الكلمة
قرأنا انجيل لوقا وقرأنا الدراسات العديدة عنه والشروح المطولة، واخذنا الكثير من
هذا الكاتب او ذاك. فنحن لا نعتبر اننا نقدم شيئا جديدا، بل نبغيٍ ان نقدم للقارئ
العربي زاداً بسيطاً يغنيه عن العودة الى كتب عديدة، خصوصا ان كان لا يعرف الا
العربية. شروح انجيل لوقا عديدة في اللغات الغربية ولا سيما في الانكليزية
والالمانية، اما في العربية...
طريق حلوة برفقة ذلك الذي بشر به الملائكة كالمخلص والمسيح والرب، ذلك الذي حمله
سمعان الشيخ بين ذراعيه ورأى فيه من يكشف خفايا الافكار. طريق حلوة برفقة الرسل
الاثني عشر مؤسسي كنيسة اورشليم، برفقة التلاميذ السبعين الذين اطلقوا الانجيل في
انحاء العالم الوثني، برفقة النساء اللواتي كن قرب يسوع وساعدنه وكن اول الشهود
لقيامته، برفقة الخطأة والعشارين والضعفاء والغرباء والذين يظنهم العالم لا شيء (1
كور 1 :8).
طريق حلوة سرناها مع لوقا على خطى المسيح ونحن ندعو القارئ ليختبر بعض السعادة التي
اختبرناها والتي عبّر عنها تلميذا عمّاوس فقالا بعد ان توارى يسوع عنهما: "كان
قلبنا يحترق في صدرنا حين حدثنا في الطريق وشرح لنا الكتب المقدسة" (24: 32).
الفصل الأول
مدخل إلى انجيل لوقا
ينبّهنا لوقا منذ مَطْلع إنجيله (3:1) أنه "تحقّق بدقّة جميعَ الأشياء، من البدء".
قام ببحث مُثابر وكامل. عمِل عمَلَ المؤرّخ فذهب إلى الينابيع. ففي مدينة أنطاكية
حيث ارتدّ إلى المسيحية، على ما يبدو، التقى مسيحيّين اعتنقوا الإِيمان باكرًا
فكانوا له من أفضل المُخْبرين. قد يكون تحدّث مع "مناين رفيق طفولة هيرودس
التترارخس" (أع 13: 1) الذي أطلعه على مثول يسوع للمحاكمة أمام هذا الأمير (7:23-
12). وأمضى لوقا سنتين في فلسطين (59 - 60) خلال سجن بولس في قيصرية، فقُيِّض له أن
يقوم ببحثه وتفتيشه. إتّصل بفيلبّس أحدِ السبعة (أع 21: 8) ورسولِ السامرة (أع 8:
5- 13)، فأخذ منه ما دوّنه في إنجيله من أحداث ارتبطت بهذه المدينة: يوم كان يسوع
صاعداً إلى أورشليم أرسل قدّامه رسلاً فمضوا ودخلوا قرية للسامريّين (9: 52- 57).
ويوم جاز بين السامرة والجليل، دخل إحدى القرى فاستقبله عشرة رجال بُرص (11:17-19).
وتحدّث لوقا مع تلاميذ يوحنا المعمدان، ربّما مع كليوبّا (18:24)، مع يوحنا الرسول
أو مسيحيّين من محيطه، وهذا ما يفسّر نقاط الاتّصال بين الإِنجيل الثالث والإِنجيل
الرابع. ويبدو أن لوقا عاش مع مجموعة النسوة اللواتي تبعن يسوع (8: 1- 3) فتحدّث
عنهن بين مجموعة الرسل (12:6- 16) ومجموعة التلاميذ السبعين (10: 1 ي). وهنّ: مريم
التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين (سيطر عليها الشيطان سيطرة كاملة)،
يونة إمرأة خوزي قيّم هيرودس، سوسنّة، والخاطئة التي لم يعلن عن هويّتها فطنةً
ولُطفاً (37:7). وهناك نساء أُخَر مثلُ مرتا ومريم (38:10- 40) وبعض "بنات اورشليم"
اللواتي رافقن يسوع على طريق الصليب (27:23- 31). واتّصل لوقا خصوصًا بمريم أمَ
يسوع، فأسري إليه بما حفظته في قلبها من أقوال وأحداث كانت تتأمْل فيها (19:2، 51؛
16:4-30).
وإلى هذه المعلومات التي استقاها لوقا من "شهود عِيان" (2:1)، نزيد المراجع
المدوَّنة التي وصلت إليه. عرف لوقا إنجيل مرقس وتبعه في خطوطه الكبرى على مستوى
الأخبار ومرّات على مستوى التفاصيل. وعرف أيضًا محاولات إنجيليّة أخرى يشير إليها
في 1: 1. لا شك في أنه عرف متّى الآراميّ أو متى اليونانيّ أو على الأقل المَعين
الذي استقى منه متّى لتدوين إنجيله.
1- مقابلة بين لوقا ومرقس
إذا قابلنا لوقا بمرقُس اكتشفنا الطريقة التي بها حوّل الإِنجيليّ الثالث مراجعه
ليقدّم لنا نظرته ونظرة كنيسته إلى شخص يسوع وأعماله وأقواله. فأغفل أمورًا وزاد
غيرها وأشار إلى أمور أخرى قد يكون اكتشفها في مرجع خاصّ به.
أوّلا: أغفل لوقا ما يثقّل على النصّ ولا يفيد الخبر، كما أسقط ما اعتبره تكرارًا
(تكثير الأرغفة يرِد مرّتين عند متى ومرقس ومرّة واحدة عند لوقا). وترك جانبًا ما
لا يهتّم قرَّاءه (مثلاً، الجدال حول تقاليد الشيوخ، مر 7: 1- 23)، أو ما يصدمهم.
فكيف نريده أن يورد كلمة يسوع عن البنين والكلاب وفيها ما فيها من تحقير "يهوديّ"
تجاه هذه الوثنيّة (مر 7: 24- 30)؟
وأغفل لوقا كلّ ما يعارض التصميم الذي وضعه نُصْب عينيه. فالإنجيل الثالث يبدو منذ
9: 51 (وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب، صمّم أن ينطلق إلى أورشليم) بشكل سَفَر يقود
يسوع من الجليل، حيث بدأ كلّ شيء، إلى أورشليم حيث سينتهي كلّ شيء. ولهذا، أغفل
لوقا كلّ ما يحوِّل نظر القارئ عن هذا الإِطار؛ مثلا، أغفل الذهابَ إلى شماليّ
فلسطين (مر 8: 27- 30)، واسمَ قيصرية فيلبس الذي لا يمكن أن يجهله (مر 27:8)،
والموعدَ الذي أعطاه يسوع للرسل بأن يلاقوه في الجليل (مر 28:14).
وأغفل لوقا كلَّ ما فيه قساوة وعنف، فلم يتحدّث عن موت يوحنا المعمدان (مر 6: 17-
29)، ولا عن آلام يسوع بالتفصيل (الصفع، البُصاق، الجلد، التكليل بالشوك). يتوقّف
مرقس عند موضوع عزيز على قلبه هو عدم فهم التلاميذ لأقوال يسوع وتصرّفاته (مر 38:4؛
5: 31؛ 9: 10). أمّا لوقا ففسر موقفهم داخل مخطّط العناية الإلهيّة (9: 45).
ثانيًا: وزاد لوقا على مرقس أمورًا عديدة: تحديداتٍ جغرافيّة (4: 31؛ 5: 1...)،
تفسيرَ كلمات آراميّة (6: 15). تحدّث متى (24: 15) ومرقس (13: 14) عن نجاسة الخراب؛
أمّا لوقا فقال بوضوح: "وإذا ما رأيتم أورشليم قد أحاطت بها الجنود، فاعلموا عندئذٍ
أن خرابها قد اقترب" (21: 20). وسيمول فيما بعد في المعنى ذاته: "وتدوس الأمم
أورشليم إلى أن تتمّ أزمنة الأمم" (21: 24). لم يكن مرقس راضيًا عن الرسل الذين
ناموا ولم يقدروا أن يسهروا مع الربّ ساعة واحدة (مر 37:14). اما لوقا فقال:" كانوا
نائمين من الحزن" (45:22). وقال عن يهوذا: "دنا الى يسوع ليقبّله". فقال له الرب:
"يا يهوذا، أبقبلة تسلّم ابن البشر" (48:22)؟ واذ يتحدّث عن يسوع في بستان الزيتون،
لا يقول: سقط على الأرض من الخوف والكآبة والحزن (مر 14: 32- 35)، بل خرَّ على
ركبتيه وأخذ يُصلي ككلّ مؤمن يدخل في تجربة (22: 41). وعند الصليب ستكون صلاته صلاة
المؤمن قبل الرقاد الذي يتبعه الصباح: "يا أبتاه، في يديك أستودع روحي" (23: 46).
وأهمُّ الزيادات عند لوقا هي التي ترتبط بمواضيعه المفضَّلة: المديح: إنطلق المخلّع
الى بيته وهو يمجِّد الله (6: 25؛ رج مر 2: 12). وإذ أبصر أعمى أريحا، تبع يسوع
مشيدًا بمجد الله (43:18؛ رج مر 52:10). ودخل الرسل مع يسوع إلى أُورشليم "وطفقوا
يسبّحون الله بصوت جهير" (37:19؛ رج مر 11: 7- 9). "ولما رأى قائد المئة ما جرى،
مجّد الله" (47:23؛ رج مر 25: 39).
والموضوع الثاني هو النَظرةُ الشاملة إلى الرسالة. قال مرقس (3:1): "أعِدًّوا طريق
الرب، مهِّدوا سبله"؛ أمّا لوقا فزاد: "فيعاين كل إنسان خلاص الله" (6:3). ويشدّد
لوقا على الصلاة. صلَّى يسوع ساعة اعتمد (3: 21)، وساعة اختار رسله (6: 12)، ووقت
التجلّي على الجبل (28:9- 29). وذكر الانجيل الثالث الروحَ القدس (4: 14؛ 10: 21؛
11: 13) فكان قريبًا من إنجيل يوحنا. وأظهر سروره في الحديث عن الفقر والتجرّد: ترك
الرسل كلّ شيء وتبعوا يسوع (5: 11، 28). وقال يسوع: "إن كان أحد يأتي إليَّ ولا
يبغض أباه وأمّه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل نفسَه أيضًا، فلا يستطيع أن يكون
لي تلميذًا" (14: 26). وقال على أثَر ذهاب الشابّ الغني: كما من أحد ترك بيتًا، أو
امرأة أو إخوةً او والدين او بنين من أجل الملكوت، إلاَّ نال أضعافًا في هذا
الزمان، والحياة الأبديّة في الدهر الآتي" (18: 29- 30).
ثالثًا: وأشار لوقا الى أمور كثيرة دلّت على لطفه وتحفّظه في إنجيله. وها نحن نعطي
بعض الأمثلة: جعل مرقس (35:4) حدَث تهدئة العاصفة مساء اليوم الذي فيه قال يسوع
الأمثال، فقال: "وفي ذلك اليوم، عند المساء". أمّا لوقا فأفهمنا أن هذه المعجزة
التي جعلها متى في إطار اتّباع يسوع (مت 23:8: وركب يسوع القارب وتبعه تلاميذه)، قد
جُعلت في وقت آخر: (وفي ذات يوم ركب القارِب هو وتلاميذه" (22:8). أمّا التجلّي
فحصل في الليل بحسب لوقا. صعد يسوع الى الجبل ليصلّي (28:9- 29)، وقد اعتاد أن
يصلّي خلال الليل (6: 12؛ 39:22- 40). ثم إن الرسل غلب عليهم النعاس فما استطاعوا
السهر إلاَّ بمشقّة النفس (9: 32). وفي النهاية، نزل يسوع وتلاميذه من الجبل في
اليوم التالي، "في الغد" (37:9).
وفي خبر الصعود إلى أورشليم (9: 51- 19: 45)، أشار لوقا إلى انطلاق يسوع (9: 51)،
ثم ذكّرنا مرّتين بهذا السفر: 12:13: "قاصدًا في طريقه إلى أورشليم"، 17: 11:
"وفيما هو شاخص إلى أورشليم . وهذا ما دفع بعض الشُرَّاح إلى أن يقولوا إنّ يسوع
زار أورشليم لا مرّة واحدة قبل موته وآلامه (كما قال متى ومرقس) بل مرّاتٍ عديدة
(كما قال يوحنا).
وفي مثَل التينة (6:13- 9) يتحدث النصّ عن وثلاث سنين. إذًا، امتدّت حياة يسوع
العلنيّة لا سنةً واحدة، كما يُظنّ عند قراءة متى ومرقس، بل ثلاثَ سنوات كما يظهر
عند يوحنا. أجل، لقد اعتنى يسوع بشعبه ثلاث سنوات، وأعطاه مُهلةً كافية: إن لم يثمر
فسوف يُقطَع.
2- تصميم إنجيل لوقا
أعلن لوقا في مطلع إنجيله (3:1) أنه نوى أن يكتب رواية متتابعة للأحداث. ماذا عنى
بكلامه هذا؛ إنطلق من الموادّ التي بين يديه، فدوّنَ إنجيلاً لاهوتيًّا. دلّ
انطلاقًا من كلمة سمعان الشيخ (35:2) أن ظهور يسوع أجبر الناس على اتّخاذ موقف وكشف
أفكار قلوبهم. إن آمنوا نهضوا، وان رفضوا الإِيمان سقطوا.
ووضع لوقا الأحداث في إطارها التاريخيّ، فنظّم الخُطَب والعجائب على حِقبات حياة
يسوع. ولكن همّه الأوّل كان تقديمَ تصميم كرازة يساعد المؤمن على حمل البشارة. ما
أراد لوقا أن يكون مجدِّدًا ولا ثوريًّا، فقدَّم الخبر التقليديّ وجعله في تصميم
خاصّ به.
تصميم لوقا مربّع الأقسام: يوحنا المعمدان، الجليل، الصعود إلى أورشليم، أورشليم.
إكتفى بأن يُسقط ما لا يهمّه (رج مر 6: 45- 8: 26)، وأن يزيد ما اكتشفه بنوع خاصّ.
زاد في البداية الطفولة (ف 1-2)، وخلال الخبر المجموعة الصغيرة (6: 20- 8: 3)
والمجموعة الكبيرة (9: 51- 18: 14)، وفي النهاية "حدث" تلميذَي عمّاوس بصورة خاصّة.
بينّ أنّ كل أحداث حياة الربّ تحملها قوة سرّية إلى أورشليم، مسرَح آلامه وانتصاره.
هذا هو الرباط الحيّ بين أقسام الإِنجيل الثالث: كل شيء يبدأَ في أورشليم وينتهي في
أورشليم. يبدأ ف 1-2 في أورشليم (1: 5- 23) وينتهيان في أورشليم (22:2 ي: التقدمة
في الهيكل، الصعود إلى الهيكل مع الحُجّاج). وفي خبر التجربة، صارت أورشليم مسرح
التجربة الثالثة (لا التجربة الثانية، كما عند متى)، فيكون انتصار يسوع النهائيّ
فيها بصورة رمزية، كما سيكون بصورة عمليّة ونهائيّة خلال آلامه وموته وقيامته. في
17:5، سنرى الفريسيّين ومعلّمي الناموس الذين جاؤوا من أورشليم. وبعد 9: 51 سنرى أن
أورشليم تُشرف على كلّ شيء وتجتذب إليها الأحداث. وبدخلنا لوقا في هذا الصعود
وكأننا في احتفال دينيّ: "وإذ كان زمن ارتفاعه (من هذا العالم) قد اقترب، صمّم أن
ينطلق إلى أورشليم" (9: 51). ثمّ يدلّنا الإِنجيليّ على يسوع السائر إلى المدينة
المقدّسة. وتبقى أورشليم محطَّ أنظار القارئين: تظهر في 18: 31 ("ها نحن صاعدون إلى
أورشليم"). ثم في 19: 11 ("كان قد اقترب من أورشليم"). وفي 19: 41 يقول النصّ: "لما
قرب من المدينة وأبصرها بكى عليها". ووصل إلى أورشليم، بل دخل الهيكل الذي هو قلب
المدينة المقدّسة (19: 45). دخل أورشليم وسيبقى فيها أو في جوارها (جبل الزيتون 21:
37) حتى النهاية. لن يترك الرسل أورشليم بعد القيامة (رج مر 14: 28؛ 16: 7)، بل
سيمكثون فيها "إلى أن يكسبوا قوّة من العُلى"، إلى أن ينالوا الروح القدس (24: 49).
وذهب الرسل إلى بيت عنيا، ثم عادوا إلى أورشليم بفرح عظيم. "وكانوا بلا انقطاع في
الهيكل يباركون الله" (52:24).
لا شكّ في أن لوقا عرف ظهورات الجليل، وسيتحدّث في أع عن حِقبة الأربعين يومًا التي
تفصل الصعود عن القيامة (أع 1: 3). وعرف أيضًا أنّ الرسل، حين عادوا من جبل
الزيتون، أقاموا في العليّة حيث واظبوا على الصلاة (أع 1: 12- 14). ومع ذلك، لم
يدوّن لوقا هذه التفاصيل في إنجيله تاركًا أمامنا لوحة الرسل الذين لا ينقطعون عن
الصلاة في الهيكل. بدأ إنجيل لوقا في الصلاة مع زكريّا (1: 8 ي) وانتهى بالمديح
والمباركة مع الرسل (53:24).
كيف تصرّف لوقا بالنسبة إلى موادّه؟ جمع أقوال يسوع بطريقة منظّمة أو منطقيّة حسب
الموضوع. مثلاً، نجد في 57:9- 62 ثلاثة أخبار دعوات. وفي 11: 1- 13 ضمّ في باقة
واحدة عدّة تعليمات عن الصلاة. تطرّق ف 15 إلى امتياز الخاطئ ومكانته في قلب الله،
وف 16 إلى خطر الغنى وطريقة استعمال المال في الطريق السويّ. ولكنه سيعود في 18: 1-
5 إلى الصلاة، وفي 13:12 - 21، 33- 34 إلى الغنى.
ونلاحظ من جهة ثانية أن لوقا وزّع عَبْرَ إنجيله كلّه أقوالا جمعها متى في عظة
الجبل، أو بالأحرى رآها موزَّعة فلم يضمَّها في إطار واحد. يبدو أنه اهتمّ بوضع
كلمات يسوع، إن لم يكن في إطارها الزمانيّ والمكانيّ، فعلى الأقلّ في الإِطار
السيكولوجيّ. وهذا ما نكتشفه عندما نقرأ المقاطع التالية: "وإذ كان الشعب على
انتظار، والجميع يتساءلون عن يوحنا هل يكون المسيح" (15:3). فهذه الآية تهيّئ الدرب
لتصريح يوحنا عمّا يفعل. إن لم يكن المسيح فكيف يعمّد؟ وفي 43:9 "كانوا متعجّبين من
كلّ ما صنع" فقال يسوع لهم: واجعلوا هذه الكلمات في آذانكم". ونتساءل: ما هي
المناسبة التي فيها علّم يسوع تلاميذه الصلاة الربيّة؟ يجيب لوقا: "كان ذات يوم
يصلّي في موضع ما. فلما فرغ قال له واحد من تلاميذه: يا رب، علّمنا أن نصلّي كما
علّم يوحنا تلاميذه (1:11).
ونتوقّف أخيرًا عند ترتيبين ساعدا لوقا على إظهار التماسك في إنجيله. الأوّل: إنباء
بأحداث آتية؛ والثاني: تدرّج في موقف العِداء الذي يتّخذه خصوم يسوع.
نقرأ في 1: 80 أن يوحنا المعمدان "أقام في القِفار إِلى يوم اعتلانه لإسرائيل".
وهكذا تهيّأت الطريق لما سنقرأه في 3: 2: وكانت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريّا في
القفر". ويقول لوقا في 13:4: "ولمّا أنجز إبليس جميع تجاربه، انصرف عنه إلى الوقت
المعيّن". والوقت المعيّن هو يوم الآلام: "دخل الشيطان في يهوذا الملقّب
بالإسخريوطيّ" (3:22). هو يوم التجربة الأخيرة التي انتصر عليها يسوع في بستان
الزيتون ودعا التلاميذ إلى الصلاة لئلاّ يقعوا في التجربة (46:22).
تحدّث الناس عن يسوع وحسبوه يوحنا المعمدان الناهض من بين الأموات. فقال هيرودس:
"أمّا يوحنا فقد قطعت أنا رأسه. فمن هذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأخبار؟ وكان يطلب
أن يراه" (9:9). ولكنه سيرى يسوع، ويصادق بيلاطس على حساب هذا النبيّ. "أمل أن
يعاين منه آية يصنعها"، فلم ينل شيئًا (8:23- 12). ويحدّثنا لوقا عن عادة يسوع "أن
يخرج في الليل ويبيت في الجبل المدعوّ جبل الزيتون" (37:21)، فيوجّه أنظارنا إلى
تلك الليلة الأخيرة التي فيها "مضى كعادته إلى جبل الزيتون" (22: 39).
وتجنّب لوقا القول من البداية إن الفريسيّين والهيرودسيّين تشاوروا كيف يهلكون
يسوع، كما قال مر 6:3. ولكنه لاحظ التدرّج في العداوة ضدّ يسوع بلقطات سريعة. بعد
شفاء صاحب اليد اليابسة: "استشاطوا غيظًا وائتمروا في ما يقدرون أن يفعلوا بيسوع"
(6: 11). وستشتدّ هذه العدواة بعد كلام يسوع في رئاء الفريسيّين وكبريائهم: "أخذ
الكتبة والفريسيّون يوغرون صدورهم عليه (ازدادت نقمتهم عليه) ويتفنّنون بالأسئلة عن
شتّى الأمور، وهم يكيدون له ليصطادوا من فمه كلمة يتّهمونه بها" (53:11- 54). وبعد
الدخول إلى أورشليم، "كان رؤساء الكهنة والكتبة ووجوه الشعب يطلبون أن يهلكوه. بيد
أنّهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً لأن الشعب كلّه كان يستمع إليه في شغف" (47:19- 48).
وسيحاول الكتبة "أن يلقوا الأيديَ عليه" (20: 19)، بانتظار أن "يلتمسوا وسيلة
ليميتوه" (3:22). وتمّ لهم ذلك في بستان الزيتون: "ألقوا القبض عليه وقادوه" (22:
54).
3- إنجيل لوقا إنجيل الخلاص والرحمة
يسوع هو المخلّص، ومخلّص العالم كلّه. هو آدم الثاني (38:3) الذي يربط البشريّة
بالله. ولقد شدّد لوقا على لطف هذا المخلص وحنانه تجاه الخطأة. فالربّ جاء "ليطلب
ما قد هلك ويخلّصه" (10:19). وهو يفضّل الخطأة على غيرهم، فيهتف: "هكذا يكون في
السماء فرح بخاطئ يتوب، أكثر ممّا يكون بتسعة وتسعين صدّيقًا لا يحتاجون إلى توبة"
(7:15). ويكرّر القول عينه في مثل الدرهم المفقود: "هكذا يكون الفرح عند ملائكة
الله بخاطئ يتوب" (15: 10). وينهي مقطعَيْ مثل الابن الشاطر بردّة تتكرّر: "لنأكل
ونفرح لأن ابني هذا كان مَيْتًا فعاش، وضالا فوجد" (24:15). "لا بدّ أن نتنعّم
ونفرح لأن اخاك هذا كان مَيْتًا وعاش وضالا فوجد" (32:15).
إن يسوع يقبل الخطأة ويأكل معهم، وهذا ما لا يفعله يهوديّ متزمّت. ولهذا تذمّر عليه
الكتبة والفريسيّون (15: 1- 2). أمّا هو فاهتمّ بعودة الخاطئ كما يهتمّ الراعي
بخروفه الضالّ، والأبُ بابنه الشارد. لهذا استقبل الخاطئة وغفر لها فعلّمها طريق
الحبّ. قال لها: "إيمانك خلّصك، فاذهبي بسلام" (7: 50). وقَبِل دعوة زكّا وهو
العشّار المعروف (19: 1- 10): مضى وأقام في بيت رجل خاطئ، فتذمّر الجميع. أمّا زكّا
فرحّب بيسوع واعترف بخطاياه أمام الربّ الذي أعلن: "اليوم قد حصل الخلاص لهذا
البيت، فإنه هو أيضًا ابن لإبراهيم"، هو ابن جدير بأبي المؤمنين بعد أن أظهر كلّ
هذا السخاء في ارتداده إلى الربّ. وغفر يسوع لجلاديه (34:23)، كما غفر للصّ (39:23-
43) ووعده بالملكوت.
ولكن رحمة الله ليست ضعفًا. فان استقبل بترحاب الخطأة المستعدّين لقبول غفرانه، فهو
قاسٍ بالنسبة إلى المتكبّرين المتسلّطين (1: 51- 52)، بالنسبة إلى الأغنياء
المتخمًين بخيرات هذا العالم (24:6- 25)، هو قاس بالنسبة الى الذين لا يشعرون بشقاء
إخوتهم، إلى الذين يتنعّمون تجاه إخوتهم المطروحين على بابهم (16: 19- 25)، بالنسبة
الى أناس يعتبرون نفوسهم صدّيقين: وأنتم توهمون الناس أنكم صدّيقون، لكن الله عالم
بقلوبكم. فإن الرفيع عند الناس رجسٌ عند الله" (16: 15). ويقسو يسوع على الفريسيّ
الذي تَحكُم عليه صلاتُه، لانه ترفّع على الله فمنّنه لِما يقوم به من اصوام وتقديم
عشور، وترفّع على القريب فاحتقره لانه لا يمارس الشريعة (9:18- 14). وقسا يسوع على
الكاهن واللاوي صاحبَي القلب القاسي أمام آلام الناس (10: 31- 33): أبصر الكاهن
الجريح وتجاوزه. ووافى اللاوي المكانَ فأبصر الجريح وتجاوزه.
مقابلَ هذا، ينفتح ملكوت السماء واسعًا أمام الذين احتقرهم اليهود. فُتح باب السماء
أمام زكّا العشّار، وتبرّر العشار في صلاته بعد أن هتف: "اللّهمّ، اكفر لي أنا
الخاطئ" (13:18). وما لم يفعله الكاهن واللاوي فعله ذاك السامريّ: "تحنَّن على
الجريح. فدنا إليه وضمّد جروحه وصبّ عليها زيتًا وخمرًا. ثم حمله على دابّته
الخاصّة وأتى به الفندق واعتنى به" (33:10- 34). إن السامريّ علَّم اليهوديّ كيف
يكون الإنسان قريبًا لأخيه، والغريبُ أعطى الشعب درسًا في الشكر وعرفان الجميل
(18:17: "أوَ لم يوجد من يرجع ليمجّد الله إلاَّ هذا الغريب"؟). والمرأة الخاطئة
علّمت سمعان الفريسيّ كيف تنفتح على حبّ الله فتنال غفرانه (47:7).
تحدّث مرقس عن التينة العقيمة التي استحقّت اللعنة: "لا يأكلَنَّ أحد ثمرة منك إلى
الأبد" (مر 14:11). ولكنّ لوقا عاملَ التينة المغروسة في كَرْم الرب بأناة وصبر.
قال: "دَعْها هذه السنة أيضًا حتى أعزِق حولها وألقي سمادًا... لعلّها تثمر، وإلاّ
فتقطعها" (6:13- 9).
إن موقف الرحمة والغفران هذا هو علامة مخلِّص يطلب الخروف الضائع، ويرغب في أن
يضحّي بنفسه من أجل أحبّائه. حدَّث تلاميذه بالألغاز: "لي معمودية أعتمد بها وما
أشدّ رغبتي بأن تتمّ" (12: 50). أجل يسوع يتطلّع إلى موته المقبل، وكم يودّ أن يصل
إلى نهاية حياته العلنية فيعبّر التعبير الكامل عن رسالته الخلاصيّة (رج 22: 15).
ونرى يسوع يحدِّث تلاميذه بلغة الحنان: "أقول لكم أنتم أصدقائي" (12: 4). "لا تخف
أيّها القطيع الصغير" (12: 32). إنه يهتمّ بهم كما يهتمّ الراعي بخرافه. كلَّم
يهوذا بلطف ورقّة حين سلَّمه. سمّاه باسمه وقال له: "أبقبلة تسلّم ابن البشر"
(48:22). ونظر إلى بطرس بعطف ومحبّة داعيًا إيّاه إلى التوبة. "فمضى إلى الخارج
وبكى بمرارة" (22: 61).
غير أن يسوع لا يغفر للنفوس إلا ليقيمها من عثرتها ويدخلها إلى حياة أسمى. وهذا
الصعود يتطلّب جُهدًا وتضحية. فإن كان إنجيل لوقا إنجيل الرحمة فهو أيضًا إنجيل
المتطلّبات. فيسوع يطلب من الذين يريدون أن يتبعوه تجرّدًا كاملا: "من لم يزهد في
جميع أمواله لا يستطيع أن يكون لي تلميذًا" (33:14). أو: "بيعوا ما تملكُ أيديكم
وتصدّقوا" (12: 33؛ رج 34:6- 35؛ 12: 13- 21؛ 12:14- 14؛ 9:16-13). لا شكّ في أن
لوقا لا يشجب الغنى في حدّ ذاته. فهو يعرف أغنياء أمثال يونة امرأة خوزي (3:8)
وزكّا (19: 2، 8) ويوسف الرامي (23: 50- 51). ولكنه يعرف أن الغنى الذي لا نعرف كيف
نمتلكه يكون "مال الظلم" (16: 11) ويعرّض صاحبه للتكبّر وقساوة القلب. ولن يكتفي
التلميذ بأن يتخلى عمّا يملك، بل يتخلّى حتى عن المرأة والبنين والبنات. إنه كذلك
الخصيّ "الذي صان نفسه من أجل ملكوت السماوات" (مت 12:19). إن التجرّد مع القديس
لوقا يذهب بنا حتى التجرّد عن نفوسنا (14: 26) إذا أردنا أن نكون تلاميذ المسيح.
وحياة التجرّد هذه هي غير ممكنة من دون الصلاة التي سبقنا إليها يسوع خلال حياته
على الأرض. فعلى التلميذ أن يقتدي بمعلّمه، أن يصلي بدون انقطاع (18: 1) متّكلاً
على عمل الروح في حياته.
هذا هو إنجيل لوقا الذي دوَّنه كاتبه إلى مُحبّ الله تاوفيلس، وكتبه إلينا "لنعرف
جيّدًا قوة التعليم الذي وعظنا به" (4:1). أمّا موضوع كتابه فهو أحداث حياة يسوع
وأقواله. من أجل هذا سُمِّي هذا الكتاب إنجيلاَ يدعونا إلى السعادة كما دعا
الفقراءَ والمرضى الخطأة، لأنه يحمل إلينا بُشرى الخلاص التي حملها الملائكة إلى
الرعاة فملأوا قلوبَهم مسرّة: "أبشّركم بفرح عظيم. ولد لكم مخلّص هو المسيح الرب"
(2: 10- 11). إلى هذا المخلّص سنتعرّف في أقوال دوّنها لوقا بترتيب، فكان امتدادًا
لمتّى ومرقس وطريقًا إلى يوحنا الذي حدّثنا عن الحَمل الآتي ليرفع خطيئة العالم.
الفصل الثاني
كاتب أنجيل لوقا
كتب لوقا مؤلَّفًا واحدًا وقسَّمَه مجلَّدين: الإنجيلَ وأعمالَ الرسل. وحين كتب
الإِنجيل، هدفَ من كتابته إلى تقديم "رواية للاحداث" لكي يعرف التلميذُ صحّةَ
التعليم الذي تتلمذ له (1: 1- 4).
يحدّثنا التقليد منذ القرن الثاني عن لوقا ككاتب للإِنجيل. هو ذلك "الطبيبُ الحبيب"
(كو 4: 14) الذي رافقَ القديس بولس خلال رحلاته الرسوليّة، بل حتى رومة. يقول سفر
الأعمال (13:28- 14) "كنا في بوطيول، حيث وجدنا إخوة. فسألونا أن نقيم عندهم سبعة
أيام. وهكذا جئنا إلى رومة". هذا ما يقوله لوقا عن بطرس وبولس، بل عن كلمة الله
التي انطلقت من أورشليم فوصلت إلى رومة. فمن هو لوقا هذا في نظر التقليد، وإلى مَن
كتب إنجيله؟
1- شَهادات التقليد الكنسيّ الأَوّل
أوّلاً: مرقيون في كتابه "ابوستوليكون" (الذي يتضمّن نصّ رسائل بولس الرسول). لم
يحتفظ إلا بإنجيل واحد، هو إنجيل لوقا بعد أن غيَّر مُعطَياته وشوّهه كما يقول
ترتليانس. وبما أنّ إنجيل لوقا هو الإِنجيل الثالث، فهذا يدكّ على أن كاتبه هو
تلميذ القديس بولس، وإلا لما كان أخذ به مرقيون وهو الرافض لكل ما يمُتّ بصلة إلى
العهد القديم.
ثانيًا: قانون موراتوري. هو مخطوط من القرن الثامن يحتوي وثيقة ترجع الى سنة 180
تقريبًا. يقول: "الثالث هو كتاب الإِنجيل بحسب لوقا. ولوقا هو هذا الطبيب الذي أخذه
بولس، بعد صعود المسيح، وجعله رفيق أسفاره. كتب باسمه حسب تعليم بولس. هو لم يشاهد
الربّ بالجسد. لهذا بدأ خبره انطلاقًا من مولد يوحنا، كما استطاع أن يدركه".
هناك مقطع تشوَّه فصار غامضًا. هل نقرأ "رفيق دربه" او "العارف (بطريق الرب)"؟
الأمران ممكنان. ثم إن العلماء قاموا بتصحيحات لهذا النصّ لتَسْهُل قراءته.
ماذا تعلّمنا هذه الوثيقة؟ لوقا هو صاحب الإِنجيل الثالث، وكان طبيبًا. ويلمّح النص
إلى صعود المسيح الذي ينهي الأَنجيل الثالث ويبدأ سفر الأعمال. كان لوقا رفيق بولس،
وقد أفاده بمعلوماته القانونيّة. وإذا أخذنا بشرح العبارة المشوّهة نعرف أن لوقا هو
رفيق أسفار بولس. لم يرَ لوقا المسيح في الجسد، أي لم يرافقه خلال حياته على الأرض،
فتعلّم على يد آخرين، ونقل مادّة إنجيله من أجل الهدف الذي وضعه نصب عينيه، مبتدئًا
بمولد يوحنا المعمدان.
ثالثًا: مَطلَع مناهض لمرقيون
مطلع قديم جدًّا دُوِّن في اللاتينيّة. قال بعض الشُرّاح إنه يعود إلى القرن الثاني
(160- 180). وقال آخرون إنه يعود إلى القرن الرابع. ماذا يقول هذا المطلع؟ "رجلٌ
اسمه لوقا. من انطاكية سورية. تمرَّس بفن الطبّ. وتتلمذ للرسل. بعد ذلك، تبع بولس
حتى استشهاده. خدمَ الربَّ بلا عيب، فما تزوَّج امرأة ولا أنجبَ أولادًا. توفي في
بيوثية (منطقة في اليونان عاصمتها ثيبة) ممتلئًا من الروح القدس، وكان عمره 80 سنة.
كانت قد دُوِّنت أناجيل، متى في اليهودية، مرقس في إيطالية. أما هو فدوّن هذا
الانجيل بإلهام من الروح القدس في مناطق اخائية (في اليونان). أوضح في البداية أن
أناجيل أخرى دُوِّنت قبل إنجيله، وأنه رأى من الضرورة أن يعرض للمؤمنين الذين من
أصل يونانيّ خبرًا كاملاً ومدقَّقًا عن الأحداث...".
رابعًا: القديس إيريناوس. تعود شهادته عن كاتب إنجيل لوقا إلى زمن قانون موراتوري.
قال في القسم الثالث من كتابه ضدّ الهراطقة: "وكذلك لوقا، رفيقُ بولس الذي دوَّن في
كتاب، الانجيل الذي كرزَ به بولس" وقال إيضًا: "كان لوقا ملازمًا لبولس، وشريكَه في
الكرازة بالانجيل. هذا ما يعلمنا به لوقا نفسه، لا ليفتخر بل ليُبرز الحقيقة". "أجل
كان لوقا جديرًا بأن ينقل إلينا الإِنجيل". ويزيد إيريناوس: "لم يكن لوقا فقط رفيقَ
الرسل، بل مُشاركَهم ومشاركَ بولس". وهذا ما يقوله بولس في رسالته: ديماس تركني
وذهب إلى تسالونيكي. لوقا وحدَه معي (2 تم 10:4- 11). هذا يدلّ على أنّ لوقا كان
متحدًا ببولس، ولم ينفصل عنه أبدًا. إذن، يشدّد إيريناوس على ارتباط لوقا بالرسل،
ولا سيما ببولس الرسول.
خامسًا: ترتليانس. هو اكبر خصوم مرقيون. يهاجمه مستعينًا بإنجيل لوقا. يقول إن
لوقا، تلميذ بولس، هو صاحب الإِنجيل الذي أخذه مرقيون فشوّهه وسمّاه "انجيل بولس".
ويقدم ترتليانس دفاعه فيقول: يرتبط لوقا بالرسل، وهذا ما لا يقدر أن يطمح اليه
مرقيون.
سادسًا: إكلمنضوس الإسكندراني (+216). يلمّح في الموشيات إلى أن لوقا كتب سفر
الأعمال. وفي تفسيره لرسالة بطرس الاولى يقابل بين مرقس ولوقا. فكما ارتبط مرقس
ببطرس، كذلك ارتبط لوقا ببولس. ما يهمّ أكلمنضوس ليس شخصيَّة الإِنجيليّ، بل
علاقتُه برسولٍ من الرسل.
سابعًا: أوريجانس. وينقل إلينا أوريجانس معلوماتٍ آتيةً من محيط الإسكندرية ومن
العصر الذي عاش فيه أكلمنضوس. يؤكد لنا أنه يوجد بين الأَناجيل الأربعة التي
تقبّلتها الكنيسة من دون جِدال يوجد إنجيل لوقا الذي امتدحه بولس. لقد ألّفه من أجل
المسيحيّين الذين من أصل وثني". هذا ما رواه أوسابيوس القيصريّ في كتابه التاريخ
الكنسيّ مِمّا سمعه عن أوريجانس.
ثامنًا: أوسابيوس القيصريّ. هو أكبر شاهد على التقليد القديم، وهو يورد لنا
التفاصيل التالية: وُلد لوقا في أنطاكية وكان طبيبًا. رافق بولس واتصل بسائر الرسل
بصورة دائمة. دوَّن كتابين مُلهَمين من الله. اولا: الإِنجيل. إستند الى ما تعلّمه
من الذين كانوا شهودًا للكلمة وخدّامًا لها. ثانيًا: أعمال الرسل. دوّنه بما عرفه
بنفسه من أخبار الكنيسة الأولى. "وقيل إن بولس اعتاد أن يذكر الإِنجيل بحسب لوقا
كلّ مرة كان يكتب، وكأنه يتكلّم عن إنجيل خاصّ به، فيقول: بحسب إنجيلي" (روم 2: 16؛
2 تم 8:2). ويتحدّث أوسابيوس في مكان آخر عن لوقا فيقول: أمّا لوقا فقد دلّ بنفسه
في بداية مؤلفه على الباعث الذي دفعه إلى الكتابة. حاول كثيرون... فرأى من الضروريّ
أن يحرّرنا من افتراضات غير أكيدة قدّمها الآخرون، وأن ينقل إلينا في إنجيله الخاصّ
خبرًا أكيدًا لما سمعه في رفقة بولس وفي أحاديثه مع سائر الرسل.
تاسعًا: إيرونيموس. إهتمّ بصورة خاصّة بالتقاليد الكتابيّة، وكان في أساس الترجمة
اللاتينية المسمّاة الشعبية أو فولغاتا. إنه يشهد في شرحه لأشعيا ومقدّمة شرح متّى،
على أنّ لوقا ألّف الإِنجيل الثالث وأعمال الرسل. وسيردّد التقليد اللاحق كل هذه
الشهادات، وسيزيد بعض الأمور التي لا نستطيع أن نثق بها دائمًا لأنها دُوِّنت
لتُرضي فضول القرّاء. قالوا: إن لوقا هو أحد السبعين الذين أرسلهم يسوع أمامه (10:
1ي)، وإنه أحد التلميذين اللذين رافقا الرب على طريق عمّاوس مع كليوبا. وقالوا: كان
رسَّامًا فاحتفظ لنا بقَسَمات وجه مريم العذراء.
التقليد عامّ وشامل، وهو يصل إلينا من سورية ورومة (موراتوري) وغاليا (أي فرنسا
الحاليّة) وأفريقيا (الشمالية، ترتليانس) والإِسكندرية (أكلمنضوس، أوريجانس). كلّ
هؤلاء يجمعون على القول إنّ لوقا الطبيب ورفيق بولس قد دوَّن الإِنجيل الثالث.
2- القيمة التاريخيّة للتقليد الكنسيّ الأوّلاني
أثارت مُعطَيات التقليد موقفَين متعارضين: الموقف الأول يثقُ كلَّ الثقة بكل
التفاصيل التي ردّدها الأقدمون؛ الموقف الثاني يتّخذ موقفًا معارضًا يستحقّ اللوم
ايضًا، والقائلون به يرفضون أن يثقوا بمجمل التقليد.
لا شكّ في أنه يجب أن نميّز بين المعلومات التي حملتها لنا التقاليد القديمة، لا أن
نرفضها جملة، وتفصيلاً. وهنا نتوقّف عند سِمتَين تميّزان عقليّة الأجيال المسيحيّة
الأولى التي نقلت إلينا التقليد الأوّلاني. ثم نحكم على ضوء هذا الإِطار
السيكولوجيّ على ما قيل من علاقة بين لوقا والإنجيل الثالث.
أوّلاً: نتذكّر بادئَ ذي بَدْء الطريقةَ التي بها كان الكُتّاب المسيحيّون الأوّلون
يوردون نصّ الإِنجيل. فأكلمنضوس الرومانيّ وأغناطيوس الإِنطاكيّ وخلفاؤهما لا
يذكرون عادة اسم الإِنجيليّ. غير أن بابياس ترك لنا في أجزاء كتبه التي وصلت إلينا
اسم متى ومرقس. امّا سائِر الكتاب فيتحدّثون عن إنجيل يسوع، عن أقوال الرب... ونقول
الشيء عينه عن المدافعين الأوّلين وعن أولى الكتب الغنوصية: يشيرون بوضوح إلى
القديس بولس، وحين يصلون إلى الأناجيل، يوردونها على أنها كلمات المسيح وما تذكَّره
الرسلُ من معلّمهم. بعد بابياس، سيأتي إيريناوس وقانون موراتوري فيذكران الأسماء
الأربعة (أي الإِنجيليّين) أسماء الذين رتّبوا أقوال الرب. وبعد فترة من الإِيرادات
الكتابيّة، بدأوا يتساءلون عن أقوال الرب وأعماله، وكان السبب خارجيًّان؛ هناك
تجديد في التعليم يطلقه الهراطقة. كرز الغنوصيّون بإنجيل جديد، فعارضهم المسيحيّون
بإنجيل المسيح الحقيقيّ الذي دوّنه الرسل (متى، يوحنا) أو تلاميذُهم المباشِرون
(مرقس، لوقا). إهتمّ الكتاب بمحاربة الهراطقة فأوردوا أسماء الإنجيليّين الأربعة
التي حفظت في الجماعات الكنسيّة (كما يشهد بابياس)، وحاولوا أن يبرهنوا أن الأصل
الرسوليّ يكفَل هذه الكتيبات الأربعة التي اسمُها إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
ثانيًا: يجب أيضًا أن نشدّد على سِمَةٍ أخرى خاصّة بالمسيحيّة الأولى، ونبينّ أن
التقليد لم يستنبط "الإنجيليّين". نستطيع أن نذكر أهميّة الأمانة للتقليد، وهذا
ظاهر لدى القديس بولس الذي لا يريد أن يسلَّم إلى المؤمنين إلا ما تسلَّمه من الربّ
(1 كور 23:11؛ 3:15). وإذا عُدنا إلى الكتَّاب الأوّلين، وجدنا عند أكلمنضوس
الرومانيّ مثلاً وأغناطيوس الأنطاكيّ هذا التعلّق بالتقليد. وسيعلن بابياس أسقفُ
هيرابوليس حوالي سنة 130، تعلّقه بصوت التقليد الرسوليّ الحيّ والمتواصل الذي
احتفظت به الكنيسة، وأورده تلاميذُ الرسل. ونذكر أيضا حوالي منتصف القرن الثاني
أقوال بوليكربوس التي ردّدها إيريناوس، وأقوالَ إيريناوس وترتليانس. إن كانت هذه
الأسماء خاطئة، فما قيمةُ السلاح الذي به يحاربون مرقيون وولنطينس وغيرَهما من
الهراطقة؟
ثالثًا: ونصل الآن إلى لوقا. فالإطار السيكولوجيّ الذي ذكرناه لا يسمح لنا أن نوافق
على موقف الذين قالوا: كما ارتبط إنجيل مرقس بكرازة بطرس، هكذا جاء من ربطَ إنجيل
لوقا بكرازة بولس. أكّد التقليد الخارجيّ على سلطة إنجيل لوقا، فبحث الأقدمون عن
هذه العلاقة في الرسائل البولسية حيث يُذكَر اسم لوقا (كو 14:4؛ فلم 24؛ 2 تم 4:
11)، وفي طريقة لوقا في تدوين أعمال الرسل في صيغة المتكلم الجمع (مثلاً، 13:20
"أما نحن فركبنا السفينة وأبحرنا إلى أسوس لنصحب منها بولس"). إذا كان اسم لوقا فرض
نفسه، فالأمر عائد الى تقليد أوّليّ احتفظت به بعض الجماعات، واستغلّه الكتّاب
المدافعون فيما بعد ليؤكّدوا السلطة الرسوليّة التي تتحلّى بها الأناجيل الأربعة
كما تسلّمتها الكنيسة.
3- أين كُتب الإِنجيل الثالث ومتى كُتب؟
أوّلاً: أين كتب؟ عُيِّنت أماكنُ عديدة كموضع دُوِّن فيه إنجيل لوقا. وهذه الاشارات
التي نقرأها في عناوين بعض المخطوطات، هي استنتاجات من نصّ العهد الجديد، ولا سيّما
من مقاطع سفر الأعمال الواردة في صيغة المتكلّم الجمع، أو هي تعود إلى معطَيات
التقليد الخاصّ بمرقس ويوحنا. قال إيرونيموس: إن لوقا دوَّن إنجيله في أخائيّة أو
بيوثية وأورد غريغوريوس النازينزي اسم أخائية. وقيل اليونان وبالأخصّ كورنتوس، وقيل
الإسكندريّة وآسية الصغرى ورومة وقيصريّة. وقال المطلع المناهض لمرقيون: في
اليونان.
هذا يعني أنّ التقليد الخاص بموضع تدوين الإِنجيل الثالث ليس متماسكًا. الافتراضات
عديدة ولكن ليس من افتراض مُقنع. هذا على مستوى النقد الخارجيّ. أمّا النقد
الداخليّ فيحدّد فقط أن لوقا كتب إنجيله إلى أُناس وثنيّين يعيشون في خارج فلسطين.
ثانيًا: متى كتب إنجيل لوقا؟
هناك المُعطَيات التقليديّة. ذكرت اللوائحُ القانونيّة لوقا في الدرجة الثالثة، أي
بعد مرقس (قانون موراتوري، أوريجانس، إيرونيموس). قد يعني هذا الوضع إشارةً
كرونولوجيّة. ولكن حين نحاول أن نحدّد زمن كتابته، نجد أمامنا تقليدين متباعدين.
يقول إيريناوس إن لوقا دوّن إنجيله بعد موت بولس الرسول، وقاسمه الرأيَ إيرونيموس
في شرحه لإنجيل متى. ولكن عاد إيرونيموس في كتابه "الرجالُ المشهورون" فاتّبع
أوسابيوس، وأعلن أن لوقا دوَّن إنجيله في رومة يومَ كان بولسُ لا يزال حيًّا.
وهناك معطَياتُ النقد الأدبيّ. ينطلق النقد الأدبيّ من معطيات محدّدة في الزمن.
وإليك ثلاثةَ آراء:
الرأيُ الأوّلُ يقول إن لوقا دوّن إنجيله قبل سنة 70. دافع عن هذا الموقف الشرَّاح
الكاثوليك، على أثر تحذير اللجنة البيبليّة الرومانيّة، واستندوا إلى معطيات
إيريناوس وإيرونيموس التقليدية. لم يَعُد أحدٌ تقريبًا يأخذ اليوم بهذا الرأي، ولا
سيما وإن المسألة لا تؤثّر على الايمان.
الرأي الثاني يؤخّر التدوين إلى ما بعدَ سنة 95. يقول المدافعون عن هذا الرأي إنّ
أع 36:5- 37 يرتبط بيوسيفوس أو بإنجيل يوحنّا. لا شكّ في أنّ هناك تقاربًا بين لوقا
ويوحنا؛ ولكن هذا لا يفترض تبعيّة أدبيّة. قد يكون هناك نقاطُ اتّصال بين تقاليد
جزئيّة أو محيط واحد. أمّا فيما يتعلّق بيوسيفوس، فقد اعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ
خطبة جملائيل (أع 5: 36- 37) تذكر الثورات اليهوديّة ضدّ المحتلّ، وترتبط
"بالقديميّات اليهوديّة" (دوَّنها يوسيفوس سنة 93- 94). ولكن هذا الارتباط لم
يُبرهَن عنه، كما أنّنا نعلم أن الثورات اليهوديّة لم تتوقّف قبل دمار أورشليم (سنة
70) وبعدَه. ومهما يكنْ من أمر، لم يعد من أحد يأخذ بهذا الرأي الثاني.
الرأي الثالث: دوِّن إنجيل لوقا بين سنة 70 وسنة 90. قال لوقا: "إن كثيرًا من الناس
أخذوا يدوّنون رواية الأحداث التي جرت بيننا" (1: 1). هذا برهان أوّل؛ ولكنّه لا
يكفي، لأنّ المحاولات كانت كثيرةً من أجل ترتيب التقاليد المتعلّقة بيسوع المسيح.
والبرهان الثاني: طريقة تصوير دمار أورشليم. يبدو وكأنّ الحدث قد حصل. نقرأ في
43:19- 44 :"سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، وُيطبقون عليك من كل
جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك. ولا يتركون فَيك حَجرًا على حجر، لانك ما
عرفت زمان مجيء الله إليك". يتحدّث مت 15:24 ومر 14:13 عن "نجاسة الخراب" (نحن أمام
وضع حرِج؛ ولكنّنا لا نفهم إلى ماذا يشير النصّ، رج دا 27:9؛ 11: 31؛ 12: 11). أمّا
لو 21: 20 فيحدّد: "فإذا رأيتم أورشليم تحاصرها الجيوش". وفي 24:21 يقال لنا بما
يقوم "الضيق العظيم" (رج مت 24: 21): "يسقطون بحدّ السيف، وُيؤخَذون أسرى في جميع
الأمم، ويدوسُ الوثنيّون أورشليم إلى أن يتمّ زمانُ الأمم" (حرفيُّا: أزمنة الأمم،
أي زمن تبشير الامم، رج 47:24). هذا يعني أن الإِنجيل الثالث دُوِّن بعد سنة 70.
ويُجمِع عدد من النقاد على اعتباره قد دُوِّن حوالي سنة 85، أي قبل أن يتمّ
الانفصال بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ، وقبل أن يصبح الفريسيّون العنصرَ
المسيطر على شعب العهد القديم. وهكذا يكون لوقا قد دوَّن إنجيله قبل يوحنا.
الفصل الثاني
كاتب أنجيل لوقا
كتب لوقا مؤلَّفًا واحدًا وقسَّمَه مجلَّدين: الإنجيلَ وأعمالَ الرسل. وحين كتب
الإِنجيل، هدفَ من كتابته إلى تقديم "رواية للاحداث" لكي يعرف التلميذُ صحّةَ
التعليم الذي تتلمذ له (1: 1- 4).
يحدّثنا التقليد منذ القرن الثاني عن لوقا ككاتب للإِنجيل. هو ذلك "الطبيبُ الحبيب"
(كو 4: 14) الذي رافقَ القديس بولس خلال رحلاته الرسوليّة، بل حتى رومة. يقول سفر
الأعمال (13:28- 14) "كنا في بوطيول، حيث وجدنا إخوة. فسألونا أن نقيم عندهم سبعة
أيام. وهكذا جئنا إلى رومة". هذا ما يقوله لوقا عن بطرس وبولس، بل عن كلمة الله
التي انطلقت من أورشليم فوصلت إلى رومة. فمن هو لوقا هذا في نظر التقليد، وإلى مَن
كتب إنجيله؟
1- شَهادات التقليد الكنسيّ الأَوّل
أوّلاً: مرقيون في كتابه "ابوستوليكون" (الذي يتضمّن نصّ رسائل بولس الرسول). لم
يحتفظ إلا بإنجيل واحد، هو إنجيل لوقا بعد أن غيَّر مُعطَياته وشوّهه كما يقول
ترتليانس. وبما أنّ إنجيل لوقا هو الإِنجيل الثالث، فهذا يدكّ على أن كاتبه هو
تلميذ القديس بولس، وإلا لما كان أخذ به مرقيون وهو الرافض لكل ما يمُتّ بصلة إلى
العهد القديم.
ثانيًا: قانون موراتوري. هو مخطوط من القرن الثامن يحتوي وثيقة ترجع الى سنة 180
تقريبًا. يقول: "الثالث هو كتاب الإِنجيل بحسب لوقا. ولوقا هو هذا الطبيب الذي أخذه
بولس، بعد صعود المسيح، وجعله رفيق أسفاره. كتب باسمه حسب تعليم بولس. هو لم يشاهد
الربّ بالجسد. لهذا بدأ خبره انطلاقًا من مولد يوحنا، كما استطاع أن يدركه".
هناك مقطع تشوَّه فصار غامضًا. هل نقرأ "رفيق دربه" او "العارف (بطريق الرب)"؟
الأمران ممكنان. ثم إن العلماء قاموا بتصحيحات لهذا النصّ لتَسْهُل قراءته.
ماذا تعلّمنا هذه الوثيقة؟ لوقا هو صاحب الإِنجيل الثالث، وكان طبيبًا. ويلمّح النص
إلى صعود المسيح الذي ينهي الأَنجيل الثالث ويبدأ سفر الأعمال. كان لوقا رفيق بولس،
وقد أفاده بمعلوماته القانونيّة. وإذا أخذنا بشرح العبارة المشوّهة نعرف أن لوقا هو
رفيق أسفار بولس. لم يرَ لوقا المسيح في الجسد، أي لم يرافقه خلال حياته على الأرض،
فتعلّم على يد آخرين، ونقل مادّة إنجيله من أجل الهدف الذي وضعه نصب عينيه، مبتدئًا
بمولد يوحنا المعمدان.
ثالثًا: مَطلَع مناهض لمرقيون
مطلع قديم جدًّا دُوِّن في اللاتينيّة. قال بعض الشُرّاح إنه يعود إلى القرن الثاني
(160- 180). وقال آخرون إنه يعود إلى القرن الرابع. ماذا يقول هذا المطلع؟ "رجلٌ
اسمه لوقا. من انطاكية سورية. تمرَّس بفن الطبّ. وتتلمذ للرسل. بعد ذلك، تبع بولس
حتى استشهاده. خدمَ الربَّ بلا عيب، فما تزوَّج امرأة ولا أنجبَ أولادًا. توفي في
بيوثية (منطقة في اليونان عاصمتها ثيبة) ممتلئًا من الروح القدس، وكان عمره 80 سنة.
كانت قد دُوِّنت أناجيل، متى في اليهودية، مرقس في إيطالية. أما هو فدوّن هذا
الانجيل بإلهام من الروح القدس في مناطق اخائية (في اليونان). أوضح في البداية أن
أناجيل أخرى دُوِّنت قبل إنجيله، وأنه رأى من الضرورة أن يعرض للمؤمنين الذين من
أصل يونانيّ خبرًا كاملاً ومدقَّقًا عن الأحداث...".
رابعًا: القديس إيريناوس. تعود شهادته عن كاتب إنجيل لوقا إلى زمن قانون موراتوري.
قال في القسم الثالث من كتابه ضدّ الهراطقة: "وكذلك لوقا، رفيقُ بولس الذي دوَّن في
كتاب، الانجيل الذي كرزَ به بولس" وقال إيضًا: "كان لوقا ملازمًا لبولس، وشريكَه في
الكرازة بالانجيل. هذا ما يعلمنا به لوقا نفسه، لا ليفتخر بل ليُبرز الحقيقة". "أجل
كان لوقا جديرًا بأن ينقل إلينا الإِنجيل". ويزيد إيريناوس: "لم يكن لوقا فقط رفيقَ
الرسل، بل مُشاركَهم ومشاركَ بولس". وهذا ما يقوله بولس في رسالته: ديماس تركني
وذهب إلى تسالونيكي. لوقا وحدَه معي (2 تم 10:4- 11). هذا يدلّ على أنّ لوقا كان
متحدًا ببولس، ولم ينفصل عنه أبدًا. إذن، يشدّد إيريناوس على ارتباط لوقا بالرسل،
ولا سيما ببولس الرسول.
خامسًا: ترتليانس. هو اكبر خصوم مرقيون. يهاجمه مستعينًا بإنجيل لوقا. يقول إن
لوقا، تلميذ بولس، هو صاحب الإِنجيل الذي أخذه مرقيون فشوّهه وسمّاه "انجيل بولس".
ويقدم ترتليانس دفاعه فيقول: يرتبط لوقا بالرسل، وهذا ما لا يقدر أن يطمح اليه
مرقيون.
سادسًا: إكلمنضوس الإسكندراني (+216). يلمّح في الموشيات إلى أن لوقا كتب سفر
الأعمال. وفي تفسيره لرسالة بطرس الاولى يقابل بين مرقس ولوقا. فكما ارتبط مرقس
ببطرس، كذلك ارتبط لوقا ببولس. ما يهمّ أكلمنضوس ليس شخصيَّة الإِنجيليّ، بل
علاقتُه برسولٍ من الرسل.
سابعًا: أوريجانس. وينقل إلينا أوريجانس معلوماتٍ آتيةً من محيط الإسكندرية ومن
العصر الذي عاش فيه أكلمنضوس. يؤكد لنا أنه يوجد بين الأَناجيل الأربعة التي
تقبّلتها الكنيسة من دون جِدال يوجد إنجيل لوقا الذي امتدحه بولس. لقد ألّفه من أجل
المسيحيّين الذين من أصل وثني". هذا ما رواه أوسابيوس القيصريّ في كتابه التاريخ
الكنسيّ مِمّا سمعه عن أوريجانس.
ثامنًا: أوسابيوس القيصريّ. هو أكبر شاهد على التقليد القديم، وهو يورد لنا
التفاصيل التالية: وُلد لوقا في أنطاكية وكان طبيبًا. رافق بولس واتصل بسائر الرسل
بصورة دائمة. دوَّن كتابين مُلهَمين من الله. اولا: الإِنجيل. إستند الى ما تعلّمه
من الذين كانوا شهودًا للكلمة وخدّامًا لها. ثانيًا: أعمال الرسل. دوّنه بما عرفه
بنفسه من أخبار الكنيسة الأولى. "وقيل إن بولس اعتاد أن يذكر الإِنجيل بحسب لوقا
كلّ مرة كان يكتب، وكأنه يتكلّم عن إنجيل خاصّ به، فيقول: بحسب إنجيلي" (روم 2: 16؛
2 تم 8:2). ويتحدّث أوسابيوس في مكان آخر عن لوقا فيقول: أمّا لوقا فقد دلّ بنفسه
في بداية مؤلفه على الباعث الذي دفعه إلى الكتابة. حاول كثيرون... فرأى من الضروريّ
أن يحرّرنا من افتراضات غير أكيدة قدّمها الآخرون، وأن ينقل إلينا في إنجيله الخاصّ
خبرًا أكيدًا لما سمعه في رفقة بولس وفي أحاديثه مع سائر الرسل.
تاسعًا: إيرونيموس. إهتمّ بصورة خاصّة بالتقاليد الكتابيّة، وكان في أساس الترجمة
اللاتينية المسمّاة الشعبية أو فولغاتا. إنه يشهد في شرحه لأشعيا ومقدّمة شرح متّى،
على أنّ لوقا ألّف الإِنجيل الثالث وأعمال الرسل. وسيردّد التقليد اللاحق كل هذه
الشهادات، وسيزيد بعض الأمور التي لا نستطيع أن نثق بها دائمًا لأنها دُوِّنت
لتُرضي فضول القرّاء. قالوا: إن لوقا هو أحد السبعين الذين أرسلهم يسوع أمامه (10:
1ي)، وإنه أحد التلميذين اللذين رافقا الرب على طريق عمّاوس مع كليوبا. وقالوا: كان
رسَّامًا فاحتفظ لنا بقَسَمات وجه مريم العذراء.
التقليد عامّ وشامل، وهو يصل إلينا من سورية ورومة (موراتوري) وغاليا (أي فرنسا
الحاليّة) وأفريقيا (الشمالية، ترتليانس) والإِسكندرية (أكلمنضوس، أوريجانس). كلّ
هؤلاء يجمعون على القول إنّ لوقا الطبيب ورفيق بولس قد دوَّن الإِنجيل الثالث.
2- القيمة التاريخيّة للتقليد الكنسيّ الأوّلاني
أثارت مُعطَيات التقليد موقفَين متعارضين: الموقف الأول يثقُ كلَّ الثقة بكل
التفاصيل التي ردّدها الأقدمون؛ الموقف الثاني يتّخذ موقفًا معارضًا يستحقّ اللوم
ايضًا، والقائلون به يرفضون أن يثقوا بمجمل التقليد.
لا شكّ في أنه يجب أن نميّز بين المعلومات التي حملتها لنا التقاليد القديمة، لا أن
نرفضها جملة، وتفصيلاً. وهنا نتوقّف عند سِمتَين تميّزان عقليّة الأجيال المسيحيّة
الأولى التي نقلت إلينا التقليد الأوّلاني. ثم نحكم على ضوء هذا الإِطار
السيكولوجيّ على ما قيل من علاقة بين لوقا والإنجيل الثالث.
أوّلاً: نتذكّر بادئَ ذي بَدْء الطريقةَ التي بها كان الكُتّاب المسيحيّون الأوّلون
يوردون نصّ الإِنجيل. فأكلمنضوس الرومانيّ وأغناطيوس الإِنطاكيّ وخلفاؤهما لا
يذكرون عادة اسم الإِنجيليّ. غير أن بابياس ترك لنا في أجزاء كتبه التي وصلت إلينا
اسم متى ومرقس. امّا سائِر الكتاب فيتحدّثون عن إنجيل يسوع، عن أقوال الرب... ونقول
الشيء عينه عن المدافعين الأوّلين وعن أولى الكتب الغنوصية: يشيرون بوضوح إلى
القديس بولس، وحين يصلون إلى الأناجيل، يوردونها على أنها كلمات المسيح وما تذكَّره
الرسلُ من معلّمهم. بعد بابياس، سيأتي إيريناوس وقانون موراتوري فيذكران الأسماء
الأربعة (أي الإِنجيليّين) أسماء الذين رتّبوا أقوال الرب. وبعد فترة من الإِيرادات
الكتابيّة، بدأوا يتساءلون عن أقوال الرب وأعماله، وكان السبب خارجيًّان؛ هناك
تجديد في التعليم يطلقه الهراطقة. كرز الغنوصيّون بإنجيل جديد، فعارضهم المسيحيّون
بإنجيل المسيح الحقيقيّ الذي دوّنه الرسل (متى، يوحنا) أو تلاميذُهم المباشِرون
(مرقس، لوقا). إهتمّ الكتاب بمحاربة الهراطقة فأوردوا أسماء الإنجيليّين الأربعة
التي حفظت في الجماعات الكنسيّة (كما يشهد بابياس)، وحاولوا أن يبرهنوا أن الأصل
الرسوليّ يكفَل هذه الكتيبات الأربعة التي اسمُها إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
ثانيًا: يجب أيضًا أن نشدّد على سِمَةٍ أخرى خاصّة بالمسيحيّة الأولى، ونبينّ أن
التقليد لم يستنبط "الإنجيليّين". نستطيع أن نذكر أهميّة الأمانة للتقليد، وهذا
ظاهر لدى القديس بولس الذي لا يريد أن يسلَّم إلى المؤمنين إلا ما تسلَّمه من الربّ
(1 كور 23:11؛ 3:15). وإذا عُدنا إلى الكتَّاب الأوّلين، وجدنا عند أكلمنضوس
الرومانيّ مثلاً وأغناطيوس الأنطاكيّ هذا التعلّق بالتقليد. وسيعلن بابياس أسقفُ
هيرابوليس حوالي سنة 130، تعلّقه بصوت التقليد الرسوليّ الحيّ والمتواصل الذي
احتفظت به الكنيسة، وأورده تلاميذُ الرسل. ونذكر أيضا حوالي منتصف القرن الثاني
أقوال بوليكربوس التي ردّدها إيريناوس، وأقوالَ إيريناوس وترتليانس. إن كانت هذه
الأسماء خاطئة، فما قيمةُ السلاح الذي به يحاربون مرقيون وولنطينس وغيرَهما من
الهراطقة؟
ثالثًا: ونصل الآن إلى لوقا. فالإطار السيكولوجيّ الذي ذكرناه لا يسمح لنا أن نوافق
على موقف الذين قالوا: كما ارتبط إنجيل مرقس بكرازة بطرس، هكذا جاء من ربطَ إنجيل
لوقا بكرازة بولس. أكّد التقليد الخارجيّ على سلطة إنجيل لوقا، فبحث الأقدمون عن
هذه العلاقة في الرسائل البولسية حيث يُذكَر اسم لوقا (كو 14:4؛ فلم 24؛ 2 تم 4:
11)، وفي طريقة لوقا في تدوين أعمال الرسل في صيغة المتكلم الجمع (مثلاً، 13:20
"أما نحن فركبنا السفينة وأبحرنا إلى أسوس لنصحب منها بولس"). إذا كان اسم لوقا فرض
نفسه، فالأمر عائد الى تقليد أوّليّ احتفظت به بعض الجماعات، واستغلّه الكتّاب
المدافعون فيما بعد ليؤكّدوا السلطة الرسوليّة التي تتحلّى بها الأناجيل الأربعة
كما تسلّمتها الكنيسة.
3- أين كُتب الإِنجيل الثالث ومتى كُتب؟
أوّلاً: أين كتب؟ عُيِّنت أماكنُ عديدة كموضع دُوِّن فيه إنجيل لوقا. وهذه الاشارات
التي نقرأها في عناوين بعض المخطوطات، هي استنتاجات من نصّ العهد الجديد، ولا سيّما
من مقاطع سفر الأعمال الواردة في صيغة المتكلّم الجمع، أو هي تعود إلى معطَيات
التقليد الخاصّ بمرقس ويوحنا. قال إيرونيموس: إن لوقا دوَّن إنجيله في أخائيّة أو
بيوثية وأورد غريغوريوس النازينزي اسم أخائية. وقيل اليونان وبالأخصّ كورنتوس، وقيل
الإسكندريّة وآسية الصغرى ورومة وقيصريّة. وقال المطلع المناهض لمرقيون: في
اليونان.
هذا يعني أنّ التقليد الخاص بموضع تدوين الإِنجيل الثالث ليس متماسكًا. الافتراضات
عديدة ولكن ليس من افتراض مُقنع. هذا على مستوى النقد الخارجيّ. أمّا النقد
الداخليّ فيحدّد فقط أن لوقا كتب إنجيله إلى أُناس وثنيّين يعيشون في خارج فلسطين.
ثانيًا: متى كتب إنجيل لوقا؟
هناك المُعطَيات التقليديّة. ذكرت اللوائحُ القانونيّة لوقا في الدرجة الثالثة، أي
بعد مرقس (قانون موراتوري، أوريجانس، إيرونيموس). قد يعني هذا الوضع إشارةً
كرونولوجيّة. ولكن حين نحاول أن نحدّد زمن كتابته، نجد أمامنا تقليدين متباعدين.
يقول إيريناوس إن لوقا دوّن إنجيله بعد موت بولس الرسول، وقاسمه الرأيَ إيرونيموس
في شرحه لإنجيل متى. ولكن عاد إيرونيموس في كتابه "الرجالُ المشهورون" فاتّبع
أوسابيوس، وأعلن أن لوقا دوَّن إنجيله في رومة يومَ كان بولسُ لا يزال حيًّا.
وهناك معطَياتُ النقد الأدبيّ. ينطلق النقد الأدبيّ من معطيات محدّدة في الزمن.
وإليك ثلاثةَ آراء:
الرأيُ الأوّلُ يقول إن لوقا دوّن إنجيله قبل سنة 70. دافع عن هذا الموقف الشرَّاح
الكاثوليك، على أثر تحذير اللجنة البيبليّة الرومانيّة، واستندوا إلى معطيات
إيريناوس وإيرونيموس التقليدية. لم يَعُد أحدٌ تقريبًا يأخذ اليوم بهذا الرأي، ولا
سيما وإن المسألة لا تؤثّر على الايمان.
الرأي الثاني يؤخّر التدوين إلى ما بعدَ سنة 95. يقول المدافعون عن هذا الرأي إنّ
أع 36:5- 37 يرتبط بيوسيفوس أو بإنجيل يوحنّا. لا شكّ في أنّ هناك تقاربًا بين لوقا
ويوحنا؛ ولكن هذا لا يفترض تبعيّة أدبيّة. قد يكون هناك نقاطُ اتّصال بين تقاليد
جزئيّة أو محيط واحد. أمّا فيما يتعلّق بيوسيفوس، فقد اعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ
خطبة جملائيل (أع 5: 36- 37) تذكر الثورات اليهوديّة ضدّ المحتلّ، وترتبط
"بالقديميّات اليهوديّة" (دوَّنها يوسيفوس سنة 93- 94). ولكن هذا الارتباط لم
يُبرهَن عنه، كما أنّنا نعلم أن الثورات اليهوديّة لم تتوقّف قبل دمار أورشليم (سنة
70) وبعدَه. ومهما يكنْ من أمر، لم يعد من أحد يأخذ بهذا الرأي الثاني.
الرأي الثالث: دوِّن إنجيل لوقا بين سنة 70 وسنة 90. قال لوقا: "إن كثيرًا من الناس
أخذوا يدوّنون رواية الأحداث التي جرت بيننا" (1: 1). هذا برهان أوّل؛ ولكنّه لا
يكفي، لأنّ المحاولات كانت كثيرةً من أجل ترتيب التقاليد المتعلّقة بيسوع المسيح.
والبرهان الثاني: طريقة تصوير دمار أورشليم. يبدو وكأنّ الحدث قد حصل. نقرأ في
43:19- 44 :"سيجيء زمان يحيط بك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك، وُيطبقون عليك من كل
جهة، ويهدمونك على أبنائك الذين هم فيك. ولا يتركون فَيك حَجرًا على حجر، لانك ما
عرفت زمان مجيء الله إليك". يتحدّث مت 15:24 ومر 14:13 عن "نجاسة الخراب" (نحن أمام
وضع حرِج؛ ولكنّنا لا نفهم إلى ماذا يشير النصّ، رج دا 27:9؛ 11: 31؛ 12: 11). أمّا
لو 21: 20 فيحدّد: "فإذا رأيتم أورشليم تحاصرها الجيوش". وفي 24:21 يقال لنا بما
يقوم "الضيق العظيم" (رج مت 24: 21): "يسقطون بحدّ السيف، وُيؤخَذون أسرى في جميع
الأمم، ويدوسُ الوثنيّون أورشليم إلى أن يتمّ زمانُ الأمم" (حرفيُّا: أزمنة الأمم،
أي زمن تبشير الامم، رج 47:24). هذا يعني أن الإِنجيل الثالث دُوِّن بعد سنة 70.
ويُجمِع عدد من النقاد على اعتباره قد دُوِّن حوالي سنة 85، أي قبل أن يتمّ
الانفصال بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ، وقبل أن يصبح الفريسيّون العنصرَ
المسيطر على شعب العهد القديم. وهكذا يكون لوقا قد دوَّن إنجيله قبل يوحنا.
الفصل الثالث
بناء الانجيل الثالث
إن مسألة عمل لوقا التدوينيّ قد كانت موضوع درس لدى المسؤولين في معالجة إنجيل لوقا
كما في معالجة المسألة الإِزائيّة. ولكن هذه الدراسات اهتمّت غالبًا بتحديد
"التقليد الأوّلاني" وبإيجاد معطَيات "تاريخ يسوع"، ولم تهتمَّ بالتعرّف إلى لوقا
نفسه. رأوا في هذا الإِنجيل الثالث ما يصلح للبُنيان، فاكتشفوا أسلوبه وطرائقه
الادبيّة ومواضيع فكره، ولكنهم لم يحاولوا أن يجمعوا هذه المُعطيات في إضمامةٍ
لاهوتيّة تُشرف على مؤلَّفه.
وجاء كونزلمان فاهتمّ بلوقا من أجل ذاته، وحدّد أسلوبًا انطلق فيه من بُنْية الكتاب
وتصوّراته الجغرافيّة، فوصل بنا إلى نِظْرة إجماليّة حول مفهوم لوقا لتاريخ الخلاص،
ولتمييز صار اليوم كلاسيكيّا، بين زمن يسوع وزمنِ الكنيسة.
يحاول منهج تاريخ التقليد أن يحدّد فكر الإِنجيليّ منطلقَا من عمله التدوينيّ في
التقليد الإِنجيليّ السابق. ولكن ما هو هذا التقليد؟ يتّفق الشُرّاح على القول إن
لوقا امتلك مراجعَ خاصَّة به. ولكن تختلف الآراء فيما بعد: هل كانت هذه الموادّ
شفهيّة أم خطّيّة؟ هل كانت مدوَّنة في اليونانية أم الآراميّة أم العبريّة؟ ويختلف
المؤوّلون أيضًا حول طبيعة المراجع المشتركة بين لوقا ومتى ومرقس. تكلم كونزلمان عن
"نظريّة المرجعَيْن". وتحدّث آخرون عن نصّ سابق لنصّ لوقا، ودلّت الدراسات الأخيرة
على وجود مراجع خاصَّة استعملها لوقا حين دوّن خبر الآلام. واكتشف بعض الشُرّاح
نقاط اتّصال بين لوقا والتقليد اليوحنّاوي. وهكذا يبدو من الصعب أن نحدّد ما هو
خاصّ بلوقا حين يختلف عن متى ومرقس.
ثم إن منهج تاريخ التدوين لا يقول شيئًا في البداية عن الشخصيّة التاريخيّة لكاتب
الإِنجيل. فبعد أن يُثبت الميزات الادبيّة واللاهوتيّة لهذا الإِنجيل يتساءل: هل
هناك تماثُلٌ بين هذا الكاتب ورفيق بولس الذي يتحدّث بصيغة المتكلْم الجمع في أع،
والذي يسمّيه التقليدُ لوقا؟ هناك من يرفض هذا التماثل، أما نحن فنتحدّث عن لوقا
بالمعنى التقليديّ، ونعتبر أنه دوّن مؤلفًا واحدًا قسمه قسمين: الإِنجيل وأَعمال
الرسل.
يقدّم إنجيل لوقا للوَهلة الأولى بناءً شبيهًا ببناء إنجيلَيْ متى ومرقس. فهو يُورد
على التوالي كرازةَ يوحنّا المعمدان، ثمّ بدايةَ يسوع العلنيّة، ثمّ كرازتَه
الاولى، فصعودَه إلى أورشليم، فآلامَه وقيامته. غير أننا نكتشف من خلال هذه
الموازاة عدّة اختلافات. ونلاحظ سِمَةً لوقاويّة خاصَّة هي تحديد حقَبات متعاقبة
ومحدَّدة في المكان. سندرس هذه الحقَبات: تحديدَها، وطوبوغرافيّتَها، ومحتواها
التعليميّ، ووظيفتَها في مُجْمَل الإِنجيل الثالث.
1- أخبار الطفولة (ف 1- 2)
إن أخبار هذا القسم الأوّل هي خاصّة بإنجيل لوقا، وهي تشكّل حِقْبةً محدّدةً بوضوح،
بموضوعها وزمانها وفنّها الأدبي. يعرف القديس لوقا أن هذه الأخبار لا تنتمي إلى
الكرازة الرسوليّة الأصلية (أع 1: 21-22؛ 10: 37؛ 13: 24- 25). وهو يستعمل هنا
مراجعَ خاصّة به، مراجعَ يناقشُ الشرّاحُ حتى اليوم فنَّها الأدبيّ ومصدَرها واللغة
الأصليّة التي كُتبت فيها. ولكن، مهما يكُنْ من أصل هذه الموادّ، فالقديس لوقا
ينظّمها على طريقته في موازاة دقيقة بين يوحنا المعمدان وشموع: بشارتان متوازيتان،
لقاءُ الطفلَين وهما بعدُ في حَشا أمّهما، وولادتان وختانان، ومهمّتان معلَنتان في
نشيدين نبويين، وتعليقان قصيران عن طفولة كلٍّ منهما. إن هذه الموازاة تبرز
التعارُضَ بين هذين الولدين، وهذا التعارض يظهر حتى في طوبوغرافيا خبرهما: فخبرُ
يوحنّا يبدأ في الهيكل ويتواصل في هضاب اليهوديّة. وخبرِ يسوع يبدأ في الناصرة،
ويلتقي خبرَ يوحنا في هِضاب اليهوديّة، ثم ينتقل الى بيت لحمَ ويجد ذُروتَه في
هيكلِ أورشليم قبل أن يعود إلى الناصرة.
أمّا الفنّ الأدبيّ لهذه الأخبار فهو قريب إلى أخبار طفولة بعض الأبطال، بل إلى
أخبار بيبليّة لبشارة ومولد إسحق وشمشون وصموئيل (تقارب في الفنّ الأدبيّ وفي
التفاصيل). تحدّد هذه الاخبارُ مُهمّةَ يوحنا ومُهمّةَ يسوع: يوحنا المعمدان هو
السابق (1: 15- 17، 76- 77)، يسوع هو ابنُ داود (1: 32، 69)، وابن الله (1: 32،
35)، والمخلّصُ والمسيحُ الربّ (2: 11)، ومسيحُ الربّ (26:2)، ونورُ الامم (32:2).
وقد "جُعل لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل". تنتظره المعارضة والسيف (2: 34- 35)،
وأوّلُ كلمة سيتلفّظ بها في الهيكل وهو ابن اثني عشَرَ عامًا، ستجعله يُبرز تفاوتًا
في الأوّليّة والأهمّيّة بين والديه على الأرض وأبيه السماوي (2: 49).
إن وظيفة هذا القسم الأوّل في مُجْمَل الإِنجيل الثالث واضحة: تحديدُ موقع يوحنا
المعمدان وشموعَ في تاريخ الخلاص، وإخضاع السابق للمسيح، وإعلان سرّ يسوع منذ بداية
الإِنجيل.
2- رسالة يوحنا المعمدان (3: 1- 20)
إن هذه الحِقبة التي نجد أكثر موادِّها عند متّى (3: 1- 12) وعند مرقس (1: 1- 8) هي
محدَّدة تحديدًا واضحًا عند لوقا أكثرَ منه عند متى ومرقس: في بدايتها، بالتزامنُ
التاريخيّ الاحتفاليّ (3: 1- 2)، وفي نهايتها بالإشارة إلى سجن يوحنا المعمدان على
يد هيرودس (19:3- 20). وسنجد عناصر هذا التعليق الأخير بعد ذلك عند متّى (3:14- 4)
وعند مرقس (17:6- 18). سبَّق لوقا علىِ الأحداث، ففصل بوضوح بين زمن يوحنا المعمدان
وزمن يسوع، وشدّد أيضًا على هذا الفصل، فلم يعُد يذكر اسم يوحنّا في عِماد يسوع
(فاختلف عن مت 13:3 ومر 1: 9). هذا الفصل بين الحقَبات المتعاقبة والمتضمِّنة
أخبارًا معاصرة، هو أسلوب خاصٌّ بلوقا. وسنجده في 1: 56 (الذي يأتي ظاهريّا بعد
أحداث 1 :57- 66) وفي أع 10: 1- 11؛ 18:11 (الذي يجب أن نضعه بعد 19:11-21).
ويفصل لوقا أيضًا بين رسالة يوحنا ورسالةِ يسوع بتحديدِهما الطوبوغرافي. جعل عملَ
يوحنا "في مِنطَقة الأردنّ" (3:3؛ رج 4: 1)، حيث لم يكن ليسوع عمل ولا تأثير (هو
يفترق عن مت 15:4، 25؛ 19: 1 وعن مر 1:10).
وإذا عُدنا إلى كرازة المعمدان، نرى أن لوقا يوردُ ذاتَ المعطيات التي نجدها عند
مرقس ومتى: نداء إلى التوبة أمام الدينونة الآتية (7:3- 9)، الكلام عن الأقوى الذي
سيعمَّد بالروح والنار (16:3- 17). غير أن لوقا يشدّد على الطابعَ العمليّ واليوميّ
للتوبة (تحدّث عن الثمار في صيغة الجمع في آ 8. زاد آ 10- 14: سأله العشارون...
سأله الجنود)، كما يشدّد على التأكيد بأنّ يوحنا ليس المسيح (آ 10) كما قال يو 1:
20 و28:3.
إن الفصل الذي جعله لوقا هنا بين زمن المعمدان وزمن يسوع يوافق، على طريقته، القولَ
الذي يرِد في 16: 16 أ (بقيت الشريعة وتعاليم الأنبياء إلى أن جاء يوحنا). ففي
الموازاة مع متى 12:11 أ، ينتمي يوحنا المعمدان إلى زمن الملكوت: "ومن أيام يوحنا
المعمدان حتى الآن، ملكوتُ السماوات يُغتصَب". وهذا ما يتوافق مع مت 2:3 حيث يعلن
يرحنا اقترابَ الملكوت فيختلف عن لو:3:3. ولكن حسب لو 16:16أ : "حتى يوحنا كانت
الشريعةُ والأنبياء. ثم بدأت البشارة بملكوت الله". هل نفهم هنا "حتى يوحنا" بمعنى
مانع أو متضمّن، هل ندخل يوحنا في زمن الملكوت أو نجعلُه خارجَه؟ ولكن بما أنّ لوقا
يميّز بوضوح تامّ بين زمن يوحنا وزمن يسوع في 3: 20، وبما أنه يحتفظ ليسوع ببشارة
الملكوت (43:4 تختلف عن مت 2:3)، فمن المفضّل أن نقول إن يوحنا ينتمي إلى العهد
القديم.
إذن، إن معطَيات لوقا عن يوحنا المعمدان ستكون المرحلَة الأخيرة في الإعداد للعهد
الجديد.
3- بشارة يسوع الأولى (3: 21- 9: 50)
نجد غالبيّةَ موادِّ هذه الحِقبة في النصوص الموازية في مت 13:3- 25:18 ومر 1:9- 9:
50. ولكن لوقا يحدّد بوضوح أكثر هذا القسم بحلقاته الأربع التي ذكرها في البداية
(3: 21- 4: 30) وبمطلع الحِقبة التالية (9: 51): "وإذ كان زمن ارتفاعه قد اقترب،
صمّم أن ينطلق إلى أورشليم".
تتميز هذه الحقبة بطوبوغرافيا مبتكَرة. يتمُّ العمل عند مرقس ومتى أوّلا في الجليل
وقربَ البحيرة. ثم يبدأ يسوع جولاتِه في منطقة صور وصيدا (مت 15: 21؛ مر 7: 24،
31)، والمدنِ العشْر (ديكابوليس، مر 7: 31) ويتوجّه الى قيصريّة فيلبس (مت 16: 13؛
مر 27:8). أمّا لوقا فلا يُورد ايّ خروج من الأرض اليهوديّة، ما عدا المحاولة
القصيرة والفاشلة باتّجاه الضِفّة الشرقية للبحيرة في أرض الجرجسانيّين (لو 8: 26،
37، يتكلّم متى عن الجَدرِيّين، ومرقس عن الجراسيّين رج مت 28:8؛ مر 5: 1). ومهما
يكن من أمر، فنحنُ في أرض وثنيّة. إن نشاط يسوع يقع في نظر لوقا في الجليل (4: 14،
31؛ 26:8؛ رج 23: 5؛ 24: 6؛ أع 10: 37) او في اليهوديّة (4: 44؛ 17:6؛ 17:7). وقد
تدلّ اليهوديّة على كل أرض اليهود بما فيها الجليل. ان جغرافيّة رسالةِ يسوع توافق
بقيّة مؤلَف لوقا. فالكرازة الى الوثنيّين لا تبدأ إلا بعد الفصح (47:24).
يقدِّم بناءُ هذا القاسم عند لوقا عدّةَ سِمات مبتكَرة. هناك زيادتان تُبرزان
أهميّة المشهدَين الأوَّلَين: نسبُ يسوع (3: 23- 38) يربط يسوع بآدم ليسمّيه آدم
الجديد (رج أع 17: 26- 31). وكرازة يسوع في مجمع الناصرة (4: 16- 30) تدشّن رسالة
يسوع. هذا المشهدُ اللوقاويّ الخاص هو تسبيق واضح: فمرقس ومتى يقدّمان نصًّا
موازيًا له ومتأخّرًا (مت 13: 54- 58؛ مر 6: 1- 6). ثم إن هذا المشهد يشير إلى
معجزات يسوع في كفرناحوم (آ 23) التي لم يذهب إليها فيما بعد (آ 31). إذا كان لوذا
قدّم هذا المشهد، فلأنّه يتيح له أن يحدّد رسالة يسوع في إسرائيل مع خطوطها
الجوهريّة. وجعلَ المشهدَ في المجمع فدلَّ على أن تعليمه يتوجّه الآن إلى اليهود،
وهذا ما يتواصل مع العهد القديم الذي يتمّه (آ 21). هذا ما سيكون عليه أسلوب
المرسَلين اللاحقين الذين بدأوا عملَهم في المدن الوثنيّة بكرازة في المجمع (أع 9:
20؛ 5:13، 14، 44؛ 14: 1؛ 17: 1، 10، 17؛ 4:18 - 19؛ 8:19). ويقدِّم يسوعُ نفسَه
هنا عائدًا إلى اش 61: 1-2، كرسول البشارة الى الفقراء. وِرَدَّةُ الفعل لدى أهل
الناصرة، ومحاولتُهم قتلَ يسوع (آ 28- 30) ترسُمان مسبَّقًا رفض إسرائيل له رفضًا
يقود إلى الصليب. أمّا التذكير بالمعجزات التي منحها الربُّ للوثنيّين بواسطة إيليا
وأليشاع (آ 25- 27) فهي تعلن أن التعليم سيتوجّه في النهاية إلى الأمم الوثنيّة،
بعد أن رفضه اليهود (رج أع 13: 40- 49؛ 6:18؛ 18:22- 21؛ 23:28- 28). وهكذا، فكل
هذا المشهد يكشف رسالة يسوع لدى إسرائيل. "وسنة النعمة" (آ 19، السنة المقبولة) في
اش 2:61 هي الزمنُ المعطى لشعب العهد القديم ليعود إلى ربّه بالتوبة.
بعد هذين المشهدين الأوّلين، قام لوقا بنقل بعض النصوص من مواضعها، فأعطى هذا القسم
معنًى خاصًّا. أوّلاً: دعوة التلاميذ الأوّلين الذين ضمّهم إليه بعد الصيد العجيب
(5: 1- 11). جعل مت 18:4- 22 ومر 1: 16- 20 دعوةَ سمعان وأندراوس ويعقوب ويوحنا في
بداية رسالة يسوع وقبل معجزات كفرناحوم. أمّا لوقا فقد وجد هذا المشهد، على ما
يبدو، في مكانه في المرجع الذي عاد إليه، لأنه يورد مجيء يسوع إلى بيت سمعان في
38:4 (دخل بيت سمعان)، وهو لن يقدّمه قبل 2:5- 3 (كانت السفينة لسمعان بطرس). لا
شكّ في أنه أخَّر خبر الدعوة إلى ما بعد المعجزات ليجعل جوابا التلاميذ معقولاً:
بعد أن تعرّفوا إليه، "تركوا كلّ شيء وتبعوه" (5: 11).
ثانيًا: إن خُطبة الأمثال في لوقا 4:8- 18 هي أقصر ممّا نجد في النصوص الموازية في
مت 13: 1- 52 ومر 4: 1- 34. يمكن أن يكون لوقا قد وجد في مَراجعه خُطبةً كبيرة،
لانه يورد السؤال عن هدف الأمثال في آ 9. لا شكَّ في أنه قصّر هذه الخطبة ونقل بعض
عناصرها إلى مكان آخر، ليعطيها مدلولاً أوضح. أمّا المثلان اللذان احتفظ بهما
فأعطاهما معنى يوافق الحِقبة كلّها. فبعد تفسير مثل الزرع حيث تبدو أسرار ملكوت
الله مكشوفةً للتلاميذ ومخفيَّة على الآخرين في "ألغاز" (آ 19)، جاء مثل السِراج (آ
16- 18) يحمل تَكمِلةَ مهمَّة للوقا: جُعِل النورُ لكي يضيء، والسِرًّ لكي يُعرَف.
فبعد الكرازة الغامضة لإسرائيل، سيأتي يومًا ضياء الإعلان الفصحيّ.
ثالثًا: وضع لوقا حدَث أمِّ يسوع وإخوتِه بعد خُطبةِ الأمثال (19:8- 21) بينما
جعلَه مت 46:12- 50 ومر 3: 31-35 قبلَها. لا شكّ في أنّ المرجِع الذي استقى منه
الإزائيّون كان يتبع ترتيب مرقس، لأنه يتواصل حالاً بخبر تسكين العاصفة (22:8- 25).
فنستطيع القولَ إن لوقا نقلَ حدَث إخوة يسوع ليختتم دروسَه وعِبَره عن سماع كلمة
الله (آ 11- 12، 13، 14، 15، 18) بكلمة أخيرة عن الموضوع نفسه (آ 21: "إن أمّي
وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها").
لماذا فصل لوقا هذه الحِقبة الأولى من رسالة يسوع عن غيرها (3: 21- 9: 50)؟ هل
أعطاها معنًى خاصا ووظيفة خاصّة في التاريخ المقدّس؟ إن الإِطار الطوبوغرافي الذي
يرسمه لها يدل على أنّه أراد أن يقدّم رسالة يسوع لدى شعب إسرائيل. ويثبّت هذا
التفسير بمدلول مشهدِ الكرازة في الناصرة، وقد جعله لوقا في البداية، كما بالمعنى
التي تتّخذه عنده خُطبةُ الأمثال. إن المحتوى التعليميّ لهذه الحِقبة يوافق هدفه:
أعلن يسوع بشارة الملكوت (43:4، 8: 1؛ رج 6: 20؛ 7: 28؛ 9: 2، 11). وأسندَ هذا
الإعلانَ بانتصاراته على الشيطان (33:4- 37، 41؛ 6: 18؛ 7: 21؛ 8: 2، 26- 39؛ 9:
38- 43) وبمعجزاته (38:4- 40؛ 5 : 4-7، 12-26؛ 6:6- 11، 18-19؛ 7: 1- 17، 21؛ 2:8،
22- 52، 40، 56؛ 9: 11- 17). استقبل الخاطئين التائبين (5: 20، 29- 32؛ 36:7- 50).
جمع حوله تلاميذ (5: 1- 11، 27؛ 13:6- 16) وأشركهم في رسالته (8: 1- 3؛ 9: 1- 6).
انكشف في هذا النشاط سرُّه: أوّلا، مهمّته كنبيّ (18:4- 19، 24-27؛ 7: 16، 39؛ 8:9،
19)، ثم لقب ابن الانسان في وضعه الحاضر مع سلطانه وفقره (5: 24؛ 6: 22؛ 7: 34) كما
في ألمَه ومجده الآتي (9: 22، 26، 44)، وأخيرًا لقباه كمسيح (اعلنه الآب ليسوع في
22:3 ونادى به الشياطين في 4: 41 واعترف به بطرس في 9: 20) وكابن الله (منحه الاب
ليسوع في 22:3، اقر به ابليس والشياطين في 3:4، 9، 41؛ 28:8، اوحى به الآب الى
التلاميذ في 35:9). وسينمو هذا الوحي حتى نهاية هذه الحِقبة حيث تكون سِمَتُه
الجديدة إعلانَ موت ابن الإنسان (22:9، 31، 44). وهكذا يجعل لوقا من القسم الأول من
رسالة يسوع زمنَ إعلان سرِّ يسوع لإِسرائيل. أمّا الأقسام اللاحقة فستتّجه إلى
إتمام هذا السرّ.
4- صعود يسوع إلى أورشليم (9: 51- 19: 28)
يشكّل هذا الجزء القسمَ الأكثر ابتكارًا في الإِنجيل الثالث بأهمّيته الاستثنائيّة.
لا شكّ في أنّ مت 19- 20 ومر 10 يتحدّثان عن صعود يسوع إلى أورشليم، ولكن هذين
الجزئين هما أقصرُ من فصول لوقا العشرَة، وهما يساويان لو 15:18- 28:19. ثم إنّ
مدلولَهما لا يتّضح كما عند لوقا، مع أنّهما يعبّران عنه في بضعِ آيات (مت 16: 21؛
20: 18- 19؛ مر 10: 33- 34). يستقي لوقا معلوماتِه من مراجعَ مختلفة، ولكننا نكتشف
مِرارًا يدَه في تدوين المقطوعات، في ارتباطها بعضِها ببعض، وفي الاشارات إلى
السفر.
يتحدّد هذا الجزء تحديدًا واضحًا بمضمونه وبالآيتين اللوقاوّيتَين اللتين تشكّلان
بدايته الاحتفاليّة (9: 51) وخاتمته (19: 28).
طوبوغرافيّة هذا السفر مُبهمَةٌ وغامضة. يكرّر لوقا مرارًا أنّ يسوع "ينطلق إلى
أورشليم" (9: 51، 53؛ 13: 22؛ 17: 11؛ 18: 31؛ 19: 11، 28). ولكنه يكتفي بأن يشير
إلى أنّ يسوع يسير في الطريق (57:9؛ 38:10؛ 14: 25؛ 18: 37؛ 19: 1)، ويقدّم عددًا
قليلاً من المعطَيات الجغرافيّة المحدّدة: "قرية سامرية" (9: 52)، "بين السامرة
والجليل" (17: 11)، أريحا (18: 35؛ 19: 1)، "قربَ أورشليم" (19: 11): إنّ تفحّصَ
مُجْمَل الإشارات الطوبوغرافيّة في هذا الجزء يكشفُ عددًا من الأمور الخارجة عن
القياس: فتهديد يسوع لكفرناحوم وبيتَ صيدا وكورَزين يأتي متأخِّرًا في 13:10- 15،
وذلك بعد أن بدأ يسوع مسيرته نحو أورشليم (نستطيع أن نقول الشيءَ عينَه عن تهديد
هيرودس في 13: 31، وهذا التهديد يجعله لوقا في الجليل حسب 3: 1 و6:23 - 7).
والتوجّهُ بكلام قاسٍ إلى أورشليم يأتي متقدّمًا، وذلك قبل وصول يسوع إلى المدينة
المقدّسة (لو حدّدَ لوقا موقعَ حدثِ مرتا ومريم في بيتَ عنيا، لكنّا أمام الواقع
عينِه). إذًا يبدو بناءُ هذا الصعود الى اورشليم مُصطنَعًا. هذا ما لاحظه النقّاد،
وقد أحسّ به لوقا نفسُه خصوصًا في 13 : 34- 35. من الواضح أنه لا يسعى إلى تحديد
مكان الأحداث وأنه يبني مسيرةً محدَّدة. هدفُه الوحيد أن يجمع عدّة عناصر إنجيليّة
في إطارٍ له معناه.
فما هو معنى هذا السفَر في نظره؟ نجد في نصّه إشاراتٍ عديدةٍ تجيب عن هذا السؤال.
الأولى هي المطلعُ الذي جعله في رأس السفَر (9: 51): إنه يدل على سبب ذهاب يسوع إلى
أورشليم، وهذا السبب هو قُرب ارتفاعه (انخطافه) من هذا العالم. فبعد الإِنباءات
القريبة بالآلام (22:9، 31، 44) يبدو من الواضح أنّ هذا السفرَ هو مسيرةٌ إلى
الموت. وما يُثبت هذا التفسير هو المَكانةُ التي تمثلها في هذا الجزء الإِنباءات
بالآلام: فبالاضافة إلى نصوص موازية لنصوص مرقس ومتى (لو 18: 31- 34)، يورد لوقا
اضطراب يسوع أمام المعمودية التي سيعانيها (12: 50)، وإعلان نهايته القريبة في
أورشليم كما يليق بكل نبيّ (13: 32- 33)، وضرورة التألم التي تفرضُ نفسها على ابن
الانسان (25:17). غير أننا نلاحظ أنّ لوقا لا يفصل هذه الآلام عن المجد الذي سيدخل
المسيح فيه (رج 24: 26). يعبّر لوقا عن هذه العلاقة في الاشارة الاولى إلى الصعود
(9: 51)، في إعلان يوم ابن الانسان (17: 22- 24، 30) أو قيامته (18: 33= مت 20: 19؛
مر 10: 34)، في مثَل الأمير الذي يعود ليتولّى الحُكم (19: 11-28).
إن هذه النظرة الإسكاتولوجيّة لا تستنفد كلّ مدلول السفر بالنسبة إلى لوقا. فهذا
السفرُ يتضمّن أيضًا عددًا من العناصر التعليميّة: نداءاتٍ لنتّخذ قرارًا بالنسبة
إلى يسوع وإلى الدينونة الآتية (54:12- 9:13؛ 22:13- 30؛ 14: 15- 24؛ 26:27- 37؛
19: 11- 27)، وتعاليمَ عن حياة التلاميذ اليوميّة. ونجد توجيهاتٍ عن الصلاة (11: 1-
13؛ 18: 1- 8) عن التجرّد (12: 51- 53؛ 14: 26- 27)، عن المال (12: 13- 30؛ 14: 28-
33؛ 16: 1- 31، 18:18- 30؛ 19: 1- 10)، عن الشهادة التي نؤدّيها ليسوع (12: 1- 12)،
عن السهر وانتظار عودة الربّ (12: 35- 48). ويشدّد لوقا خلال صعود يسوع هذا نحو
الصليب على الدروس التي يعطيها الربّ لتلاميذه في منظار صعوده إلى طريق الآلام
والموت والقيامة.
ويربط لوقا سفرَ يسوع بالسامرة، بمرحلة أولى في قرية سامريّة (52:9- 56)، وفي مرحلة
ثانية بعبوره "بين السامرة والجليل" (17: 11). لا شكّ في أنّ أكثر حلقات السفر تتمّ
في المنطقة اليهوديّة، ونحن نلتقي الفريسيّين والكتبة (11: 37- 12: 1، 13؛ 14: 1-6؛
15: 2؛ 16: 14؛ 17: 20) وعلماءَ الناموس (10: 25؛ 45:11-52؛ 3:14)، بل ندخل مع يسوع
إلى أحد المجامع (13: 10). هذا ما أدركه لوقا كما أدركناه نحن. ولكننا نتساءل عن
نيّته حين أشار في بداية هذا القسم وفي نهايته إلى السامرة. ظنّ بعض الشُراح أن
لوقا بيَّن في رسالة يسوع صورة مسبّقة عن رسالة التلاميذ لدى الوثنيّين. إن هذا
التفسير يجد ما يسنده في التعليق على رسالة التلاميذ السبعين (70 هو عدد الأمم
الوثنية، هي 70 بحسب النصّ الماسوري، 72 بحسب النصّ السبعينيّة) التي أوردها لوقا
وحدَه وجعلها في بداية سفره (10: 1، 17). وتَحْمل هذه الرسالة في نظره مدلولَين: هي
تدلّ من جهة على أن الرسالة ليست محصورة بالاثني عشر، وهذا ما يهيّئ أخبار أع عن
كرازة إسطفانس وفيلبّس وبرنابا وبولس وأبلّوس، وعن كرازة لوقا نفسِه. ومن جهة
ثانية، إن عدد 70 (او 72) هو رقم الأمم الوثنيّة. إذن يمكن أن يشير إلى أن رسالة
التلاميذ هي صورة مسبّقة عن الرسالة اللاحقة بين الوثنيّين. ففي هذا الإِنجيل الذي
يهتمّ اهتمامًا كبيرًا بهذه الرسالة، صارت هذه السفرة التي أعلن فيها يسوع مرارًا
مجيء الأمم الوثنية (15:13- 29؛ 16:14- 24)، صارت في نظر لوقا إعلانًا لرسالة
الكنيسة بين الأمم.
4- يسوع في أورشليم (19: 29- 24: 53)
جعل لوقا القسم الثالث من رسالة يسوع في أورشليم، وقسَمه ثلاثةَ أجزاء.
أ- كرازة يسوع في الهيكل (19: 29- 21: 28)
يبدأ لوقا هذا القسمَ بوصول يسوع إلى أورشليم (19: 29- 44) حيث يرى (كما يرى متّى
ومرقس) الإِعلان العامّ لمُلكيَّة يسوع المسيحانية. نجد في خبر لوقا عدّة سِمات
مبتكرة: إن "جمهور التلاميذ" يهتف ليسوع. "يسبحون الله على جميع ما عاينوا من
الآيات" (آ 37). يمنحون يسوع لقب "ملك" (آ 38). نجد تقاربًا بين هذا المشهد ومشهدِ
تتويج سليمان بنِ داود في 1مل 1:38، 40 (رج آ 35، 37، 38).
جعل متى ومرقس هذا القسمَ كلَّه حتى الآلام في الهيكل (مت 12:21- 16، 23؛ مر 11:
11، 15- 18، 27؛ 12: 35، 41) ما عدا الخُطبةَ الاسكاتولوجية التي أُلقيت على جبل
الزيتون (مت 24: 3؛ مر 13: 3)، والليالي التي أمضاها يسوع في بيت عنيا (مت 17:21؛
رج 6:26؛ مر 11: 11-12، 19؛ رج 3:14). ويجعل لوقا الأحداث عينَها في الهيكل (45:19؛
20: 1؛ 21: 1) ويزيد عليها الخُطبة الإسكاتولوجيّة (21: 5)، وتعليقَين عامّين عن
تعليم يسوع في الهيكل في بداية هذا الجزء (19: 47) وفي نهايته (21: 37- 38). وقال
لوقا إن يسوع قضى لياليَه في جبل الزيتون (21: 37؛ رج 22: 35) فدلّ على أنّه لم
يترك أورشليم.
إستخلص كونزلمان من هذه المُعطَيات الطوبوغرافيّة افتراضا مبتكرًا. جعل لوقا كلّ
كرازة يسوع هذه في الهيكل ليعارضه مع أورشليم التي لن يدخلها يسوع إلا من أجل
الآلام (7:22- 14). والعمل الملكيّ الذي به يضع يسوع يدَه على الهيكل هو مشهدُ
الباعة المطرودين من الهيكل. حسب كونزلمان، الهيكل هو مركز اليهود الدينيّ،
وأورشليم مركزهم السياسيّ (حيث يتدخّل هيرودس وبيلاطس).
غير أن الأب أغوسطين جورج يعارض كونزلمان ويعتبر أنه لا يأخذ بعين الاعتبار كلّ
معطيات لوقا.
- لا شكّ في أنّ لوقا رأى في مشهد الباعة المطرودين وضع يد يسوع على الهيكل. فلا
إشارةَ إيجابيّة تدلُّ على وضع اليد هذا. ثم إن يسوع يعلن دمارَ هذا المعبد (6:21؛
رج 35:13).
- لا يفصل لوقا الهيكل عن المدينة (9:4؛ أع 30:21؛ 17:22- 18).
- كان القسم الثاني كلُّّه انشدادًا نحو أورشليم. فكيف نعتبر أن 19: 29- 38:21 هي
وقفةٌ في هذا السير نحو المدينة المقدسة؟
- ثم إن لوقا يًدخل في هذا الجزء مقطوعتين عن أورشليم تشكّلان إسهامًا أصيلاً من
قِبَله: المقطوعة الأولى (19: 41- 44) تَلي مشهدَ الشعانين المسيحانيّ: حين رأى
يسوع أورشليم بكى عليها، ولامَها لأنها "لم تعرف ما لسلامها" (رسالة السلام، طريق
السلام). وفي قولٍ مماثل لأقوال الأنبياء، أعلن حصارَ المدينة، ومقتلَ أبنائها
ودمارَها، لأنها لم تعرف يوم افتقاد الربّ لها، يومَ مجيئه إليها. تدلّ هذه الكلمات
على معنى مجيء يسوع إلى أورشليم. جاء كملك مسيح، ودعا المدينة إلى أن تُقرّ بمُلكه.
أعلن الرفضَ الذي ستواجهه به والدينونةَ التي تعاقب هذا الرفض.
ونصل إلى المقطوعة الثانية (21: 25- 24). ففي الخُطبة الإسكاتولوجيّة، استعاد يسوع
أيضًا إعلان هذه الدينونة (رج. 18:20 مع الخاتمة التهديديّة). يرافق لوقا اللوحة
الجليانيّة عن الضيق الأخير في مت 15:24- 22 ومر 13: 14- 20 فيصوّر بوضوح حصار
المدينة ودمارَها (21: 20- 24). هذا بالنسبة إليه حدثٌ تاريخيّ يتميز كل التميّز عن
الإِسكاتولوجيا (21: 25- 27). نحن نرى في هذه المقطوعة عملاً تدوينيًّا قام به لوقا
انطلاقًا من أحداث سنة 70.
مهما يكُن من الأصل الأدبيّ لهاتين المقطوعتين، فهما تعطيان في لو مدلولاً أصيلاً
لكرازة يسوع في أورشليم. ويشدّد لوقا أيضًا على أهميّة هذه الحِقبة بإشارات عامّة
(47:19، "وكان كلّ يوم"؛ 20: 1، "وإذ كان ذاتَ يوم"؛ 37:21، "وكان في النهار يعلّم
وفي الليل يخرج")، فيجعلها تمتدّ أكثر من ثلاثة أيّام مرقس (مر 12:11، 20) ويومَيْ
متى (مت 18:21). في هذا الإِطار، تتّخذ العناصر الجدليّة التقليديّة التي يستعيدها
لوقا في ف 20 كلّ معناها: إنها تدلّ على القرار بالقتل الذي اتَّخذه رؤساء اليهود
(20: 1- 19)، وعلى عداوة أوساط المعلّمين الذين رفضوا أن يؤمنوا (20: 20- 47).
وتختتم الخُطبة الاسكاتولوجيّة هذه المشادّة المأساويّة بإعلان دمار المدينة وتدشين
زمن الوثنيّين (21: 20- 24). إن كرازة يسوع في أورشليم تشكّل بالنسبة إلى لوقا
التنبيه الأخير إلى المدينة، و"الافتقاد" (أو الزيارة) الذي فيه سيتمِّ مصيرُها
المأساويّ. وقد يكون رأى في هذه الكرازة التي لم ترافقها معجزات، آية يونان التي
أعلنها في 11: 29- 30. فالآية الوحيدة التي قدّمها النبيّ لنينوى كانت إعلان دمارها
(يون 3: 4). ويقدّم يسوع الآية عينَها لأورشليم حتى الآلام، قبل أن يعطيها أخيرًا
آية القيامة.
ب- آلام يسوع (ف 22- 23)
يقدّم لوقا في هذا الجزء تسلسلَ الأحداث الذي نجدُه في مت 26- 27 ومر 14- 15، ولكنه
يبتعد عن أخبارهما أكثر ممّا ابتعد في الأجزاء السابقة. ويزيد عدّة عناصر جديدة.
فاستنتج الشُرَّاح أنه اتّبع مراجع خاصّة. واستنتاجهم معقول. ولكن هذا لا يعني أنه
لم يعرف تقليد مرقس ومتى. وهو حين يبتعد عنه، فهو واعٍ لِما يفعل، وهذا ما يُبرز
بوضوح فكرَه الشخصيّ.
وإليك أهمّ السِماتِ المميّزةَ في بناء لوقا:
- أغفلَ تضميخ يسوع بالطيب. فسّر الشُراح هذا الإِغفال بأن يسوع أورد ما يقابل هذا
الخبر في 36:7- 50، أو: لم يُرد لوقا أن يخرج يسوع من الهيكل. أو: يدلّ هذا العمل
على الطابع البشريّ للحدَث، وشيوع لم يمُتْ بعد... مهما يكُنْ من أمر، فهذا المشهد
قدّم لمتى ومرقس إطار خيانة يهوذا. أمّا لوقا فأدخل تفسيرًا جديدًا لقرار الخائن:
الشيطان الذي ألهمه (22: 3) سيتدخّل أيضًا في الآلام بحسب لوقا (22: 31- 53؛ رج 22:
40، 46).
- يبدو خبر العشاء الأخير عند لوقا بشكل مبتكَر. فخبر تأسيس الإِفخارستيّا (آ 15-
20) القريب جدًّا من التعبير البولسيّ (1 كور 23:11- 25)، قد دُوّن بطريقة موازية
للفصح القديم الذي سيتمّ في الملكوت. ويتبع هذا الخبرَ خطبةٌ طويلةِّ تضمّ عناصر
عديدة نجد أكثرها عند متى (18: 1؛ 25:20- 28؛ 28:19) ومرقس (34:9- 35؛ 10: 42- 45)
في أمكنة مختلفة. بجانب الإنباءات التقليديّة عن الخيانة (آ 21- 23)، والجحود (آ
33- 34)، تشكّل هذه الخُطبة وصيّة يسوع (آ 29) وتمهّد الدربَ لخطَب يو 14- 17. يدعو
يسوع تلاميذَه في هذه الخطبة لكي "يخدموا" على مثاله (آ 24- 27). ووعدَ الاثني عشر
بأن يشركهم في مُلكه (آ 28-30). وحدّد لتلاميذه زمنَ الصِراع الذي افتتحه بآلامه.
كلّ شيء مركّزٌ على زمن الكنيسة الذي سيبدأ.
- دوَّن لوقا "نزاع" جتسيماني (خبر يقوّي الشهيد في محنته) فشدّد أكثر من متى ومرقس
على العبرة التي يستخلصها التلاميذ (22: 40 و 46: صلّوا). وهناك معطية خاصّة هي
ظهور الملاك، تقابل بين مِحنة يسوع ومحنة إيليا (أ 43 ، 45؛ 1مل 7:19 ،8).
- وضع لوقا المُثول أمام السنهدرين في الصباح (22: 66- 70) فاختلف عن مرقس ومتى
وارتبط بمعطية تاريخيّة لا بأس بها. فتدوين آ 67- 70 قد استعمل مرجِعًا آخر مع
تقليد متى (63:26- 65) ومرقس (14: 61-64). ومهما يكن من أمر، فقد ميّز لوقا مدلولَ
المسيح عن مدلول ابن الله كما سبق له وفعل في 1 :32-35.
- وزاد لوقا على الخبر عدّة أمور استقاها منْ تقاليد خاصّة به فأدخل مواضيع عزيزة
على قلبه: حين قدّم يسوع لهيرودس (6:23- 12) قابل بين مُلكيَّة يسوع ومُلكيَّة هذا
التترارخس (رئيس الربع) الصغير. وكلامه إلى بنات أورشليم (27:23- 21) يعلن مرّةً
أخرى دمارَ أورشليم. أمّا صلاة يسوع لأجل قاتليه (23: 34، رج 7: 60) فدلّت على
غفرانه. وأوضح حدثُ اللصّ (23: 40- 43) التعليمَ عن الارتداد وأبرزَ مُلكية يسوع.
- ويبدو أن موضوع مُلكيَّة يسوع يشرف عند لوقا على ترتيب 37:23- 43 (ان آ 37 تقابل
مت 43:27، 40 ومر 15: 32، 30 وآ 38 تقابل مت 37:27 ومر 15: 26).
- إن أقوال يسوع الأخيرة، وهتاف قائد المئة تختلف عند لوقا (23: 46- 47) عمّا
يوازيها عند متى (46:27، 50، 54) ومرقس (15: 34، 37- 39 ). ولكن يبدو أن لوقا يعرف
هذا التقليد الموازي. فهو من جهة فضَّل أن يضع على شفتي يسوع كلام الثقة بالله
والاتّكال عليه (مز 6:31)، لا نداءَ المتألّم (مز 22: 2) الذي لا يفهمه قرّاؤه
اليونانيّون. ومن جهة ثانية، تجنّب أن يضع على شفتي قائد المئة إعلانَ لقب ابن الله
الذي يعتبره لوقا سرّيًّا. وعوّض عن هذا الإغفال حين وضع في بداية صلاة يسوع نداءه
إلى أبيه. وهكذا تجاوبت آخر كلمة قالها يسوع مع أوّل كلمة تلفظ بها (49:2)،
فتُعلَنُ بنوّتهُ الالهيّة.
إذا تفحّصنا السِماتِ الخاصّةِ بلوقا في خبر الآلام، نلاحظ أنها دُوّنت من أجل
تعليمنا. فالآلام هي آخر هجوم للشيطان (23: 3، 31- 35). والعشاء الأخير هو تأسيس
الفصح الجديد (13:22- 20). ودلّت هذه الآلامُ على صلاة يسوع (22: 32، 41- 42، 44؛
23: 34، 46) وغفرانِه (22: 32، 51؛ 23: 34، 40- 43)، دلّت على أنه المعلّم الذي
يرشد تلاميذه (22: 24- 38، 45، 46، 51) والنبيّ (23: 27- 31) وإيليّا الجديد (22:
43، 51) والخادم (22: 27، 37) والملك (23: 3، 6- 12 37- 43) وابنُ الله (22: 29،
42، 70؛ 23: 34، 46). الآلام هي في نظر لوقا وحيُ يسوع والتعليم الأخير الذي يقدّمه
لنا.
ج- قيامة يسوع (ف 24)
بُني ف 24 في ثلاث حلَقات: القبر الفارغ (آ 1- 12، هي المقطوعة الوحيدة التي تجد ما
يوازيها في مرقس ومتى ويوحنا)؛ تلميذا عمّاوس (آ 13- 35)؛ الظهور للأحد عشر (مع
شِقّين: التعرف الى يسوع في آ 36- 43 والتعليم الفصحي في آ 44- 49). كل هذا ينتهي
بخاتمة قصيرة تتكوّن من صعود يسوع (هناك مخطوطات عديدة مثل البازي والروماني العائد
الى سنة 949 تُغفل ذكر الصعود، وكذلك تفعل اللاتينيّة العتيقة والسريانيّة
السينائيّة)، وفعل الشكر الذي رفعه التلاميذ في الهيكل حيث بدأ الانجيل. إن هذه
المجموعة الأدبيّة تؤلّف وحدة على مستوى العمل والمكان والزمان.
جعل لوقا كلّ الظهورات تتمّ في أورشليم، فأخرجَ الأحَدَ عشَر من المدينة المقدسة (آ
48). هذا ما يتعارضُ مع تقليد الظهورات الجليليّة الذي نجده في الأناجيل الثلاثة
الباقية (مت 26: 32؛ 7:28، 16- 20: مر 14: 28؛ 7:16؛ يو 21: 1ي). عرف لوقا هذا
التقليد، ويشهد على معرفته له 6:24 حيث يحول المعطى الذي نقرأه في مت 7:28 ومر 16:
7. ولكنه فضّلَ أن يسكت عنه ليحافظ على بساطة بناء كتابيه: بنى إنجيله بشكل صعود
إلى أورشليم، وأعمال الرسل كانتشار للإِنجيل ابتداءً من أورشليم (أع 1: 8). إن هذه
الرسمةَ لا تترك مكانًا لعودة يسوع إلى الجليل، وهي توافق الحريّة التي تمتّع بها
المؤرّخ في الأزمنة القديمة. أمّا لوقا فاستفاد من كل هذا، فأعطى مؤلفه (اي لو+ أع)
تناسُقًا كاملاً، وشدّد على وحدة حدَثِ الفصح. هذا على مستوى وحدة المكان.
وكان هدفُه هو هو حين أعطى ف 24 وحدةَ الزمان التي هي بارزة وإن اصطناعيّةً. فكلُّ
الأحداث التي يوردها تتسلسل في يوم متواصل. في الواقع، هي لا تدخلُ في إطار 24 ساعة
(عاد تلميذا عمّاوس إلى أورشليم في ساعة متقدّمة، ولا سيما إذا قرأنا في آ 13: 160
لا 60 غلوة). ثم إن لوقا عرف أنّ يسوع احتاج الى 40 يومًا من الظهورات قبل الصعود،
ليعطي الأحدَ عشر "البراهينَ العديدة" عن قيامته، وليُدخلهم في مدلول هذه القيامة
(أع 1: 3). ولكننا أمام منظار لاهوتي لا كرونولوجيّ. فلقد أراد لوقا، شأنُه شأنُ
سائر الإنجيليين في أخبار الظهور للأحد عشر (مت 16:28- 20؛ مر 15:16- 20؛ يو 20:
19- 23)، أن يقدّم في مشهد واحد مُجْملَ الوحيِ الفصحيّ: واقع جسد القائم من الموت
(لا جدال في ذلك)، الكشف عن سيادته (هو السيّد والرب، لهذا جعل الصعود هنا كما فعل
يو 20: 22 بالنسبة إلى الروح فسبّق على العنصرة)، المهمة التي سلّمها إلى التلاميذ
فجعلتهم مجموعةَ الرسل. هذا اليوم هو يوم الفصح، قِمّةُ الإِنجيل ونهاية زمن يسوع.
وهذا اليوم هو أيضًا بداية حِقبة جديدة، وهذا ما يشدّد عليه لوقا بصورة خاصّة. لا
شكَّ في أنّ جميع الإنجيليّين يعرفون أنّ قيامة يسوع هي نقطة انطلاق المهمّةِ
الرسوليّة (مت 28: 19- 20؛ مر 16: 15- 20؛ يو 20: 21- 23) ولكنّ لوقا تفرّد بتخصيص
كتاب كامل لهذه المهمّة. فصَلَ سِفر الأعمال عن الإِنجيل، فشدّد على التمييز بين
زمن يسوع وزمن الكنيسة، وطبعَ هذا التمييزَ حين ذكرَ الصعود مرّتين: أولاً في نهاية
الإِنجيل، فدلّ على ارتفاع يسوع من عن يمين الآب، واختتمِ الوحي به سيِّدًا وربًّا.
ثانيًا، في بداية أع، فدعا الرسل ليقوموا بالمهمة المُوكَلة إليهم.
ولكن حين ميَّز لوقا هاتين الحقبتين من تاريخ الخلاص، شدد على تواصلهما العميق. فكل
خطوط الرسالة التي سيرسمها في أع ترتبط بظهور القائم من الموت على الأحد عشرَ في
نهاية الإِنجيل (24: 44- 49): كرازة موت يسوع وقيامته كما دُوّنتا في الكتب
المقدّسة (آ 46، 44- 45؛ رج أع 23:2- 3:32، 13- 15؛ 4: 10- 11؛ 5: 30- 31؛ 10: 39-
40؛ 28:13- 30؛ 22:26- 23)، الدعوة إلى التوبة لغفران الخطايا (آ 47 أ؛ رج أع 38:2؛
3: 19؛ 15: 31؛ 10: 43؛ 13: 38- 41؛ 26: 18)، حَمْلُ الإِنجيل إلى كل الأمم ابتداءً
من أورشليم (آ 47 ب؛ رج أع 1: 8؛ 39:2؛ 25:3؛ 46:13- 47؛ 17:26، 23؛ 28:28)، وظيفةُ
الشاهد التي أُوكل بها رسُل يسوع (آ 48؛ رج أع 32:2؛ 15:3، 32:5؛ 10: 41؛ 13: 31؛
15:22؛ 26: 16)، مجيءُ الروح الذي سيُتيح لهم أن يحمِلوا شهادتهم (آ 49؛ رج أع 1:
4- 8؛ 4: 8، 31؛ 5: 32: 10: 19).
خاتمة
بعد هذا التحليل لبناء لوقا، نستطيع أن نستخرج بعض الاستنتاجات من هذه التفاصيل
العديدة:
1- إهتمَّ لوقا بأن يًبرز في إنجيله تقسيمات أوضحَ ممّا في متى ومرقس، وظاهريًّا
أوضحَ ممّا في التقليد السابق. والامرُ واضحٌ بصورة خاصّة لحِقبة يوحنا المعمدان
وصعودِ يسوع إلى أورشليم.
2- تفرّدَ لوقا ففصل الإِنجيل عن المُهمّةِ الرسولية، فصوّرها في أع، وأبرز
المراحلَ المتعدّدة في حمل الإِنجيل إلى الأمم الوثنيّة.
3- غالبًا ما تتميّز هذه الأقسام بارتباطها بمكان محدّد: يوحنا المعمدان في مِنطقة
الأردنّ، أوّل مرحلة من رسالة يسوع في أرض يهودية، ثم السفر، ثم الظهورات في
أورشليم.
4- إن هذه الأقسام توافق مراحل الكَشْف عن يسوع، فبدَت هكذا أزمنة في تاريخ الخلاص.
فبعد أخبار الطفولة التي تقدّم سرَّ يسوع كلَّه، انتمى زمنُ يوحنا المعمدان الى
العهد القديم. وقُسمت رسالة يسوع الى ثلاث حِقبات متتابعة يتوزّعهِا الكشفُ عن سرّ
الفصح : أُعلن في الحِقبة الأولى، وهُيّئ في الحِقبة الثانية، وتمَّ خلال الحِقبة
الثالثة. أما أع فهو إعلان هذا السرّ وتكوينُ الكنيسةِ التي وُلدت منه.
الفصل الرابع
الوجهة التعليمية في أنجيل لوقا
توخّى لوقا في مؤلَّفه (لو+ أع) أن يرسم تاريخ مخطَّط الله منذ مجيء يسوع إلى
امتداد الملكوت حتى أقاصي الأرض. بالنسبة إلى الإنجيليَّينْ الأوَّلَين (مت، مر)
بدا وجود يسوع نقطةً مِحْوريّة توحّد وتفصل معًا حِقبتَين رئيسيتين في تاريخ
الخلاص: زمنَ المواعيد، وزمن تكميل المواعيد. أمّا بالنسبة إلى لوقا فالتكميل نفسُه
يتمّ في زمنين: زمنِ يسوع وزمنِ نزول الروح "الذي وعد به الآب" (أع 1: 4) على
الرسل. إذن، لا يتضمَّن التاريخ حقبتين فقط، حقبةَ إسرائيل وحقبة يسوع (مع
الكنيسة)، بل ثلاث حِقبات: زمن إسرائيل، زمن يسوع، زمن الكنيسة.
من هنا تقدّمت بعض الطروح التي قالت إن لوقا انفصل عن التقليد الصريح للإِنجيل،
فأعطى كثافة وتماسكًا لزمن الكنيسة وزمن يسوع. واعتبر هؤلاء الشرّاح (وهم على خطأ)
أن الإِنجيل الحقيقيّ يفترض انتظار المجيء في مُهلة قريبة، بحيث لم يَعُد من مدى
زمنيّ بين الفصح والمجيء (باروسيا). أمّا لوقا الذي وعى "تأخّر المجيء" فاعتبر أن
أمام الكنيسة مستقبلا غير محدود. نال زمنُ الكنيسة تماسكًا خاصًّا، وبالتالي صار
زمنُ يسوع محدودًا، فبدا وكأنه مقدِّمة لزمن الكنيسة.
ولكن لوقا أحلَّ "تاريخ الخلاص" محل الإِسكاتولوجيا، وحافظ على النظرة إلى النهاية
المقبلة. كما أنه دلَّ على حضور الروح القدس الفاعل في ثلاث حِقبات التاريخ هذه. لم
يشدّد على "المؤسّسة"، فكيف يسمّيه بعض الشرّاح "أبَ الكنيسة المنظّمة"؟
حصر مرقس نفسه في سرّ الإنسان الاله. أما متى فسعى إلى شرح كتابيّ. لم يجهل لوقا
هاتين الوجهتين (مثلا، البراهين الكتابية: 17:4؛ 18: 31؛ 17:20؛ 22:21، 37؛ 25:24،
44)، ولكنه وسَّع نظرته فقدَّم عرضًا تاريخيّا لأحداث الخلاص، قدَّم محاولة
تاريخيّة تسعى إلى فهما الوقائع بأسبابها. لم يكن شاهدًا مثل يوحنا، ولكنه عرف مع
الجماعة الأولى أن يسوع قام، فعكس على أحداث مدهشة من حياة يسوع نورَ سرّ آلامه
وقيامته.
لوقا هو إنجيليّ مخطّط الله. قَلبُ هذا المخطط هو سر الفصح. والفاعل هو الروحُ
القدس. والهدف هو جماعة كلّ المؤمنين في العالم.
أ- سرّ الفصح
1- انباءات الآلام والقيامة
تنتمي إنباءات الآلام والقيامة إلى خبر مشترك في التقليد الإِنجيلي: هناك إنباءات
ثلاثةٌ تتوزّع الصعودَ إلى أورشليم (مت 16: 21 وز؛ 17: 22 وز؛ 18:20- 19 وز). أمّا
عند لوقا، فالإنباء الأوّل يسبقه تنبيه كتبه لوقا: "ضعوا انتم هذا الكلام في
آذانكم" (9: 44). ويربط لوقا الإنباء الثالث ببرهان كتابيّ 18: 31): "جميع ما كِتبه
الانبياء". ويزيد: "أمّا هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا، بل كان هذا الكلام مُخفًى
عنهم وأقوالاً لا يُدركونها" (34:18). وهكذا شدّد على ما لاحظه (45:9: "أمّا هم فلم
يفهموا هذا القول وكان مُخفًى عنهم") مرقس بالنسبة إلى الإنباء الثاني. أمّا متّى
فلم يتحدّث عن عدم الفهم هذا إلا في الإنباء الأوّل مع ردّة فعل بطرس. ستُذكَر هذه
الإنباءات فيما بعد للنساء بواسطة الملاك (7:24)، للمسافرين على طريق عمّاوس بواسطة
القائم من الموت (24: 25- 26)، للرسل في العُليّة (45:24- 46).
بالإِضافة إلى هذا يشير لوقا إلى أن يسوع رغب في "معمودية" الآلام (12: 50)، وأعلن
أنّ كل نبيّ يموت في أورشليم (32:13- 34)، وأنّ على ابن الانسان أن يتألم كثيرًا
وُيرذل قبل أن يظهر مثل البرق الذي يضيء في طرف من السماء، ويلمع في الطرف الآخر
(24:17- 25).
2- إشارات أخرى
يرتبط موضوع الصعود إلى أورشليم بنصّ مت 17:20 وز، ولكن لوقا توسع فيه ورتَّبه
ترتيبًا خاصا. كما أنّنا نجد تلميحات خاصّة بلوقا، ولا سيما في خبر الطفولة: يسوع
هو "علامة مخالفة" (34:2). وُجد يسوع في الهيكل بعد أن ضيّعه يوسف ومريم "ثلاثة
أيَّام" (2: 46) . وإذا قرأنا كرازة يسوع في الناصرة (16:4- 30) وقد وضعها لوقا
قصدًا في بداية الحياة العلنيّة، نجد علامة المخالفة: هو موضوع إعجاب (22:4)، ثم
موضوع بغض (4: 29). سيكون لسقوط كثير من الناس وقيام كثير منهم (34:2)، ولكنه يتابع
طريقه (4: 30؛ رج يو 7: 30؛ 8: 20) منتصرًا منذ تلك الساعة على الموت.
3- ألقاب يسوع الربّ
يسوع هو ذلك الذي يعرف الأفكار العميقة في القلوب (مت 9: 4 وز؛ رج مر 33:9؛ لو 8:6؛
47:9)، فيدلّ بذلك على معرفته للآب (10: 21- 22 = مت 25:11- 27: "لا يعرف أحد من هو
الآب إلاَّ الابن"). ويتفرّد لوقا فيسمّيه "كيريوس" (اي السيد أو الربّ) حسب
المفهوم المسيحيّ. "الرب" رأى أرملة نائين (13:7)، و"الربّ" استقبل تلميذَي يوحنا
(9:7) وعيَّن اثنين وسبعين تلميذًا (10: 1). هكذا آمنت به مرتا ومريم (10: 39، 41)
وبطرس (12: 41- 42) وسائر الرسل (17: 5- 6). فلَقب "كيريوس" يساوي لقب المسيح
الممجّد كما تحدّث عنه القديس بولس (1 كور 16: 22؛ فل 2: 11). كان مرقس قد شدّد على
موضوع السرّ المسيحانيّ. تبعه لوقا بعض الشيء (35:4، 41؛ 41؛ 5: 14)، ولكنّه ترك
هذا الموضوع (8: 26) واحتفظ بموضوع الربّ.
ب- ملكوت الله والروح القدس
1- ملكوت الله
الإِنجيل هو ملكوت الله (43:4: لأبشّر بملكوت الله؛ 8: 1) بالمعنى الذي اتّخذه
موضوع الكرازة المسيحيّة (رج 2:9، 60، 62؛ 16:16؛ 29:18؛ رج أع 1: 3؛ 8: 12؛ 8:19؛
20: 25؛ 23:28، 31). لا يعنِي لوقا بهذه العبارة الواقع الإلهيّ الفاعل على الأرض
(كما في متى)، بل الملكوت الإِسكاتولوجي (او السماوي) الذي يشرف على تصرّفنا على
الارض ويتطلّب إيماننا (رج 27:13- 29؛ 14: 15؛ 19: 11؛ 22: 16- 18). وهكذا لا يعني
مثل الزارع (كما في مت ومر) الحضورَ السريّ للملكوت، بل متطلّبة الإِيمان (8: 12،
15). وهنا نستطيع أن نقابل بين مت 16: 28 وز ("إن في القائمين ههنا من لا يذوقون
الموت حتى يَروا ابن البشر آتيًا في ملكوت") التي تتحدّث عن مجيء الملكوت، وبين لو
27:9 ("إن في القائمين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله") التي تتحدّث
عن رؤية الملكوت.
إذا كان الملكوت حاضرًا على الأرض (17: 21: "ملكوت الله في داخلكم") فهو حاضر في
شخص ابن الانسان. وقال للتلاميذ: "ستأتي أيّام فيها تشتهون أن تروا يومًا واحدًا من
أيَّام ابن الانسان ولا ترون" (17: 22). هذا يبين لنا أنه إن كان الملكوت سيأتي
(2:11: "ليأت ملكوتك")، فهو قد جاء: "ملكوت الله صار قريبًا منكم" (9:10، 11، 20).
2- الروح القدس
كان للملكوت عند متى وجهة ديناميكيّة؛ أمّا عند لوقا فهذه الوُجهة تختفي. ولكنّ
الروح القدس، وإن لم يُذكَر مرارًا في لو، فهو الواقع الإلهي الفاعل على الأرض.
فالذي يفعل الآن هو الروح (القوة). هذا ما أشار إليه لوقا بوضوع في أع 1: 7- 8. سأل
الرسل: هل حلّ زمن إقامة الملك بالنسبة إلى إسرائيل؛ فأجابهم يسوع: لا تهتمّوا بمثل
هذا الملك، بل حوّلوا أنظاركم إلى الروح القدس: "ستنالون قوة هي قوة الروح القدس
الذي ينحدر عليكم".
الروح القدس هو العطيَّة الفُضلى. وإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا أبناءكم
الأمور الصالحة، فكم أحرى بالآب السماويِّ أن يعطي الروح القدس (مت 7: 11: "العطايا
الصالحة") لمن يسأله (13:11). ونلاحظ في الإِطار عينه اختلافة (نقرأها عند مرقيون
وغريغوريوس النيصي) في 11: 2 حول "ليأت ملكوتك". نقرأ: "ليأت علينا روحُك القدس
وليطهّرْنا (او: ليطهرنا)".
إن الروح القدس يملأ بحضوره بعض الأشخاص المعدِّين لوظائف مميَّزة: حلّ على يوحنا
المعمدان فكان عظيمًا أمام الربّ (15:1) وعلى العذراء مريم فولدت القدّوس الذي هو
ابن الله (35:1). ويرتبط هذا الحضور عادة بكلمة نبويّة يتلفّظ بها شخص من الأشخاص.
امتلأت اليصابات من الروح القدس فدعت مريم المباركة بين النساء (1: 4- 22). وامتلأ
زكريا من الروح عينه فتنبّأ وأنشد نشيد المباركة (67:1). وكان الروح القدس على
سمعان فبارك الله (2: 25- 28). كان روح الرب رفيق يسوع فنال المَسحة وأُرسل ( 4:
18؛ رج 10: 21)، ورفيق الرسل وسط الاضطهاد فعلمهم ما ينبغي أن يقولوه (12: 12 = مت
10: 20؛ رج مر 13: 11). ويرتبط الروح مرارًا بالقوّة التي بها تتمّ المعجزات (4:
14)، هذه القدرة (ديناميس) التي تُجري الأشفية (5: 17؛ 19:6؛ 9: 1). ولقد قال بطرس
عن يسوع: "مسحه الله بالروح والقوّة" (أع 10: 38).
3- مُناخ المديح والتمجيد
نسمع في هذا الإِنجيل مديح الله وشكره وتمجيده. أنشدت مريم: "تُعظِّم نفسي الرب"
(1: 46) وزكريا: "تبارك الربِّ الاله" (1: 68)، والملائكة في بيت لحم: "المجد لله
في العلى" (14:2). ومجَّد الرعاةُ الله وسبّحوه وعلى جميع ما سمعوا وعاينوا" (2:
20). بارك سمعانُ الله وقال: "عيناي قد شاهدتا خلاصك" (2: 30). وسبّحت حنةُ النبيّة
الربّ وحدّثت عن الصبي "كل من ينتظر فداءً لأورشليم" (2: 38).
شُفي المخلّع فانطلق إلى بيته "وهو يمجّد الله" (25:5)، بل دهش الناس جميعًا
ومجّدوا الله قائلين: "لقد رأينا اليوم عجائب" (26:5). هذا ما فعلوه حين شُفي
المخلّعُ (5: 26)، وحين قام ابنُ أرملة نائين (7: 16)، حين انتصبت المرأة الحدباء
(13: 13) وطَهُر الأبرص (17: 15). أبصر الأعمى فأشاد بمجد الله، وإذ رأى الشعب ذلك،
سبّحوا الله (43:18). ويوم الدخول إلى أورشليم، سبّح التلاميذ بصوت جهير وقالوا:
"مبارك الآتي باسم الربّ" (19: 37- 38). ومجّد قائد المئة الله حين رأى ما جرى
(47:23)، ومثلَه فعلَ التلاميذ بعد الصعود، فكانوا يباركون الله بلا انقطاع في
الهيكل (53:24). وسنسمع صدى هذا النشيد في الجماعة الأولى (أع 2: 47؛ 3: 8 ي؛ 4:
21؛ 11: 18؛ 13: 48؛ 21: 20).
وسيُشيد الجميع بمجد يسوع (15:4)، أو هو يسوعُ يحرك في قلب الناس، عواطف الخوف
والدهشة والرهبة والإعجاب. سكَّن يسوع العاصفة، فاستولى على التلاميذ "الخوفُ
والدهشة" (8: 25). وشفى المجنونَ المليء بالشياطين، فاستحوذ الخوف على جميع سكّان
أرض الجراسيّين (8: 37). "وانتهر الروحَ النجس... فبُهت الجميع من عظمة الله"
(43:9؛ رج أع 7:2، 12؛ 10:3؛ 5:5، 11).
4- مُناخُ الفرح
أُعلنت البُشرى فعمّ الفرحِ والبهجة والسرور والتهليل، وسادت السعادة والسلام. ترد
هذه المفردات مرارَا عند لوقا (أكثر ممّا عند متى ومرقس). ففعل "انجل" (اي حمل
الانجيل والخبر السارّ) الخاصّ بلوقا يتمتّع بدينامية لا نجدها في الاسم "إنجيل"
الذي يستعمله متى ومرقس (يستعمل متى الفعل مرة واحدة، في نصّ أخذه من أشعيا؛ رج مت
11: 5؛ اش 61: 1).
فالفرح الذي يكاد يجهله مرقس (ما عدا مر 16:4= مت 13: 20= لو 13:8: يقبلون الكلمة
بفرح "كارا") ويشير إليه متّى بين الفينة والأخرى، مثلاً في خبر المجوس (مت 2: 10)
ومثل التلميذ الذي اكتشف كنزًا مدفونًا في حقل (مت 44:13)، وخبر النسوة اللواتي
شهدن القيامة (8:28- 9)، ومثل الوزنات الذي تبدو فيه السماء نداءً إلى الفرح (25:
21، 23).
ولكن هذا الفرح يجتاح إنجيل لوقا منذ البداية إلى النهاية، منذ فرح زكريا بالمولود
يوحنا (14:1، 58) حتى فرح التلاميذ بعد الصعود (52:24). بشّر الملاك زكريا ففرح،
وبشّر مريم وقال لها: السلام عليك، ابتهجي يا ممتلئة نعمة (28:1). زارت مريمُ
أليصابات، فارتكض الجنين مِنَ الابتهاج في حشا هذه العجوز (1: 41، 44)، وزار
الملائكة الرعاةَ وبشروهم بفرح عظيم لهم ولجميع الشعب (2: 10). ويومَ عاد التلاميذ
فرحين من الرسالة (17:10)، حدّد لهم يسوع الباعثَ الحقيقيّ على الفرح (10: 20:
"افرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في السماء") وأطلق تهليله في الروح القدس (10: 21).
فرحت الجموع حين رأت هذه المعجزات التي تتمّ أمامها (17:13). وفرح زكّا حين استقبل
يسوع في بيته (6:19)، كما استولى الفرح على جمهور التلاميذ يوم دخول يسوع إلى
أورشليم (19: 37). رافق يسوع القائمُ من الموت التلميذَين على طريق عمّاوس فنفى
عنهما الحزن (17:24) وأشعل قلبَيهما بكلامه (32:24). وظهر للأحد عشر "فظلّوا غير
مصدّقين من شدّة الفرح والدهشة" (24: 21). بل سيحدّثنا لوقا عن فرح الله نفسه، عن
فرح السماء التي ترحّب بالخاطئ التائب (7:15، 10، 23- 24، 32).
وتأتي الطوبى والهناء والسعادة: "طوبى لكم إذا ما الناس أبغضوكم وانتبذوكم وأهانوا
اسمكم... إفرحوا في ذلك اليوم وتهلّلوا لأن أجركم عظيم في السماء" (22:6، 23= مت
12:5؛ رج أع 5: 41). إذن، هنيئًا لمن يسمع البشارةِ. يورد لوقا أربعة تطويبات ومتى
ثمانية (مت 5 :3- 11). طوّب يسوع سمعانَ بنَ يونا (مت 17:16). كما طوَّب ذلك الذي
لا يشكّ فيه (مت 6:11 = لو 23:7)، وطوَّب الأعين التي ترى ما يرى التلاميذ (مت 13:
16= لو 10: 23)، وطوَّب أخيرًا العبدَ الأمين (مت 24: 46= لو 43:12).
ويتحدّث الإِنجيل عن السلام، لا سلامِ هذا العالم (12: 51= مت 10: 34؛ رج يو 14:
37)، بل السلامِ الذي يمنحه يسوع (7: 50؛ 48:8= مر 34:5). هذا السلام منحه الله منذ
مولد يوحنا المعمدان (79:1)، ومولد يسوع (2: 14) وطفولته (29:2). هذا السلام لم
تعرف أورشليم أن تتقبّله (19: 42) مع أنّ الرسل كانوا يهتفون: "مبارك الملك الآتي
باسم الربّ. السلام في السماء والمجد في العلى" (38:19). هذا السلام قد أعطاه
القائم من الموت (36:24؛ رج يو 20: 19، 21، 26)، لأن يسوع جاء يحمل إنجيل السلام
(أع 36:10) ومثلَه سيفعل تلاميذه (لو 10: 5= مت 13:10): "أيَّ بيت دخلتم فقولوا
أوّلاً: السلام لهذا البيت".
5- مُناخ الصلاة
يقول التقليد المشترك إن يسوع صلّى حين تكثير الأرغفة (9: 16 وز)، وليلةَ العشاء
السريّ (22: 17، 19 وز)، وعلى جبل الزيتون (22: 41، 44 وز). لا يشير لوقا إلى صلاة
"الهلل" (مت 26: 30 وز) ولا إلى صلاة يسوع بعد تكثير الأرغفة (مت 23:14 وز). ولكنّه
يتفرّد فيحدّثنا عن صلاة يسوع وقت عماده (3: 21) وخلال حياته العلنيّة (16:5: "فكان
يعتزل في القِفار ويصلّي"؛ رج مر 1: 35)، وقبل اختيار الاثني عشر (6: 12) وقبل
اعتراف بطرس (28:9). صلّى يسوع ساعة التجلّي (28:9- 29) وعند عودة التلاميذ (10:
21) وقبل صلاة الأبانا (11: 1). صلّى يسوع ليثبّت بطرس في الإِيمان (32:22)، كما
صلّى حين صُلب (34:23) وفي ساعة موته (46:23).
ويذكر لوقا صلاة الشعب يوم كان زكريّا يقدّم البخور (1: 10)، كما يذكر صلاة زكريّا
السابقة، ويشير إلى أنّ طلبته قد استجيبت (13:1). ويصوّر لنا حنة النبيّة تلك
المتعبّدة بالأصوام والصلوات (37:2)، كما يحدّثنا عن تلاميذ المعمدان "الذين
يواظبون على الصلاة" (5: 33). ويورد عددًا من الصلوات فضلاً عن الأبانا: نشيد
المباركة (زكريا، 67:1- 79)، نشيد التعظيم (مريم العذراء، 1: 46- 55)، نشيد التمجيد
(الملائكة، 2: 14) ونشيد الاستسلام لله الذي أطلقه سمعان الشيخ: "يا رب، تمّمت الآن
وعدك لي فأَطلق عبدك بسلام. عيناي رأتا خلاصك الذي هيّأته للشعوب كلّها" (2: 29 ي).
والصلاة واجب مُلحّ: "إسألوا تُعطَوا. أُطلبوا تجدوا. إقرعوا يُفتح لكم" (9:11= مت
7:7- 11). وُيسبّق لوقا هذا القول بمَثل الصَديق المزعج (10: 5- 8) ويؤكّده بمَثل
القاضي الظالم (18: 1- 8) والفريسيّ والعشّار (9:18- 14). إن الإِيمان يحصل على كلّ
شيء (6:17؛ رج مت 17: 20؛ 21: 21- 22؛ مر 11: 23- 24). يجب أن نرفع صلاتنا إلى سيد
الحصاد (10: 2= مت 38:9)، أن نصلّي من أجل مضطهدينا (28:6= مت 5: 44)، أن نُرفِقَ
السهرَ بالصلاة (21: 36= مر 33:13)، أن نصلّي لئلاّ ندخل في التجارب (22: 40، 46
وز).
وهناك مقاطعً يرتبط فيها الروح القدس بوضوح بالصلاة. فهو الذي يلهمها (67:1؛ 27:2)
حتى عند يسوع نفسِه (10: 21)، والروح القدس هو الثمرة الفضلى التي يمنحنا الله
إيّاها (3: 21- 22؛ 13:11).
ج- إمتداد الإِنجيل امتداد الكون
لا يقوَّم العمل الذي يلاحقه الروح القدس بهذه النتائج الشخصيّة لحضوره، التي هي
الفرح والصلاة. فهو يريد أيضًا أن يكوّن جماعة شاملة تضمّ جميع المؤمنين وتؤلّف ما
سيسمّيه لوقا في سفر الأعمال: الكنيسة. بين القديسُ متى أن الانقطاع عن الشعب
اليهوديّ كان الشرطَ الضروريّ لانتشار الإِنجيل، فجاء الشمول في النهاية. أمّا لوقا
فرأى هذه الشموليّة في نظرة واحدة في مخطّط الله. ليست الشموليّة نهاية، بل هي واقع
يُلقي ضوءه على البشارة، بل هي البشرى نفسُها.
1- عَرضٌ يشمل جميع البشر
يتوجّه لوقا في مؤلَّفه إلى قارئ غير فلسطينيّ، وهكذا يجعل إنجيله يشعّ بصورة
مباشرة أبعدَ من حدود إسرائيل. وهو يعطينا إيضاحات عديدة في هذا الشأن.
أوّلاً على مستوى الجمل والعبارات
كان فاعل الجملة غامضًا في التقاليد الموازية، فاوضحه لوقا وكمّله. مثلاً، يروي مر
3: 2 أنهم كانوا "يراقبونه". فزاد لو 6: 7 "الكتبة والفريسيّون" (رج 19: 32؛ 20:
10؛ 21: 31). ومرّةً أخرى، مفعول الفعل غير محدّد. مثلاً قال مر 1: 34: الشياطين
"عرفوه". فصارت عند لو 4: 41: "عرفوا أنه المسيح" (رج 8: 5؛ 7:9؛ 52:22). قد يكون
هناك غموض فيوضحه لوقا. قال مر 2: 17: "جئت لأدعو لا الأبرارَ بل الخطأة". فزاد لو
5: 32: "إلى التوبة" (رج 5: 17؛ 6: 18، 19؛ 8: 12، 15، 29 ب، 33، 37، 40؛ 20: 20؛
21: 4؛ 22: 34، 45؛ 23: 26). وأخيرًا هناك تفاصيل تزيل كلّ التباس أو تبرَر تسلسل
الأحداث. قال يسوع: "لا بدّ لي أن أبشّر المدن الأخرى أيضًا بملكوت الله، لأني لهذا
ارسلت" (43:4؛ رج 6: 1؛ 18: 36).
ثانيًا: الإِطار السيكولوجيّ
وتوخّىِ لوقا الهدف عينَه حين أعاد الإِطار السيكولوجيّ للكلمات الواردة. فقدّم
تفصيلاَ ظرفيًا ليجعل الخبر في موقعه. مثلاً: "وإذ كان الشعب يتساءل هل يوحنا هو
المسيح" (15:3). "وكان يسوع يصلّي، فلما انتهى" (11: 1). "وإذ كانوا متعجّبين من كل
ما صنع، قال لتلاميذه" (43:9 ب؛ رج 11: 29؛ 13: 1؛ 17: 20؛ 18: 1، 9؛ 19: 1).
ويميّز لوقا بين السامعين فيساعدنا على فهم الخُطَب، في 11: 38- 39 يتحدّث عن
الفريسيين، وفي 11: 45- 46 يتحدَّث عن علماء الناموس. قال في 12: 1: "احذروا قبل كل
شيء خمير الفريسيّين الذي هو الرياء". ولكنه ترك السؤال يرِد من "واحد من الجمع" في
13:12، وجعل مَثَلَ يسوع يتوجّه "إليهم" (16:12، أي الى الجميع)، وكلامَه يتوجّه
إلى التلاميذ وبصورة خاصة إلى بطرس (12: 41) ليعود إلى الجموع (54:12). رج أيضًا
3:14 ،7، 12 ،15.
ثالثًا: العادات الفلسطينيّة
قارئ إنجيل لوقا غريب عن فلسطين، ولهذا فهو يجهل عاداتها، فيعمل لوقا على توضيح بعض
الأمور أو هو يعمّم أقوال يسوع فلا تلتصق التصاقًا خاصًّا بالمحيط المحلّيّ. عدّد
متّى (23: 23) بعض البقول: النعناع والشبث والكمّون، فزاد لوقا (11: 42): "وسائر
البقول". تحدّث متى (24: 32) عن "التينة" التي تورق فنعرف أن الصيف قريب، فقال
لوقا: "انظروا إلى التينة وسائر الشجر" (21: 29؛ رج مر 28:13؛ رج ايضا لو 22: 1؛
23: 56).
كتب لوقا إلى العالم اليونانيّ فاغفل ما يسمّى "اللون المحليّ" أو الساميّ. هنا
نقابل بين فرائض المحبّة الأخويّة عنده (27:6- 36) وعند متى (5: 39- 48). إذا قرأنا
مثل البيتَين (واحد على الصخر وواحد على الرمل) في لوقا (47:6- 49) ومتى (24:7- 27)
نرى أن متى يزيد تفاصيل لا يعرفها لوقا. ويتحدّث لوقا عن "قرميدات" البيت (19:5؛ رج
مر 4:2) فينسى أنه في فلسطين. وهو يُغفل أيضًا أمورًا عديدة لا يفهمها القارئ، مثلا
قال مر 1: 22 إن يسوع لم يكن يعلَم مثل الكتبة. أمّا لوقا فترك هذه الإِشارة
جانبًا.
2- إختيار التقاليد الإنجيليّة
من الصعب أن نؤكّد أنّ لوقا أغفل بعض التقاليد التي عرفها متى أو مرقس. ولكنّ ما هو
أكيد هو أن لوقا تجاهل معظم العناصر التي يبدو فيها الموقف اليهوديّ ظاهرًا. وإليك
بعضَ الإغفالات التي لاحظها الشُرّاح: ما يتعلّق بشريعة الطهارة فيما يخصّ الأطعمة
(مت 15: 1- 20 وز)، خبر الكنعانيّة وخبز البنين الذي لا يعطى للكلاب (مت 15: 21- 28
وز)، رجوع إيليا (مت 17: 10- 13 وز)، الجدال حول الطلاق بحسب الشريعة (مت 19: 3- 9
وز)، الإنباء بالمسحاء الكذبة (مت 23:24- 25 وز)، أقوال آرامية تلفَّظ بها يسوع أو
عبارات آراميّة احتفظ بها التقليد (مر 5: 41؛ 7: 34؛ 11: 10؛ 14: 36، 45؛ 15: 22،
34؛ رج 9: 5؛ 10: 51)، المعارضة بين الشريعة القديمة والشريعة الجديدة (مت 5)، بين
بِرّ الفريسيّين والبِرّ المسيحيّ (مت 6). وأخيرًا، أغفل لوقا ما قاله مت 10: 5 في
وصاياه للرسل: "لا تسلكوا طريقًا إلى مدن الوثنيّين، ولا تدخلوا مدينة للسامريّين".
ومقابل هذا، يلَذّ للوقا أن يوضح ما في مضمون التقاليد من بُعد شامل. مضى متّى في
نسب يسوع فوصل إلى إبراهيم. أمّا لوقا فربط يسوع بآدم (38:3). وأنشد الملائكة:
السلام للبشر الذين أحبّهم الله وسرّ بهم (2: 14)، لأنّ يسوع هو المخلّص (2: 11).
وإذ يورد لوقا نبوءة المعمدان يشدّد على ما في كلام أشعيا من شمول: "كل جسد (أو
بشر) يرى خلاص الله" (3: 6؛ رج أع 2: 21؛ 28: 28).
وأورد ما نقرأ في نشيد سمعان الشيخ: "نور يضيء للأمم" (32:2؛ رج 28:13- 29= مت 8:
11- 12). وأخيرًا، هو يعطي أمثلة مأخوذة من عند أناس لا ينتمون إلى شعب إسرائيل.
السامريّ هو أفضل من الكاهن واللاّوي في ممارسة وصيّة المحبة الأخويّة والرحمة (10:
35- 37). وكان البُرص عشرة. شفاهم يسوع، فما عاد إليه يشكره إلا السامريُّ فقال
يسوع: "أوَ لم يوجد من يرجع ليمجّد الله إلا هذا الغريب" (17: 11- 19)؟ وكلّنا يعرف
مثل الإِيمان الذي أعطاه الضابط الرومانيّ، فامتدحه يسوع علانية (7: 9= مت 8: 10):
"لم أجد حتى في إسرائيل مثل هذا الإِيمان".
د- إنجيل لوقا إنجيل الحنان
1- لطف الله وحنانه
هذه العبارة مأخوذة من القديس بولس (ف 3: 4) الذي تحدّث عن محبّة (أو صداقة) الله
للبشر (فيلانتروبيّا). أجل، بالنسبة إلى الله، "ليس يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبدٌ
ولا حرّ، ليس رجلٌ ولا امرأة" (غل 28:3). فسِرَّ المسيح الخفيّ قد أُعلن الآن لجميع
البشر (كو 1: 26- 27). هذا هو موقف لوقا الذي تتلمذ على يد بولس فتوقّف بصورة خاصّة
عند الخطأة والنساء والغرباء، تلك الفئاتِ التي لم يكن المجتمع يكُنّ لها كلّ
احترام وإكرام.
أوّلا: الخطأة
لقد وجد الخطأةُ في يسوع صديقًا، فقالوا عنه إنه "يُحبّ العشّارين والخطأة" (7: 34؛
مت 11: 19). فهو لا يخاف أن يعاشرهم، بل يرحّب بهم. دعا الجابي (او العشار الذي
يعتبره اليهود خاطئًا) ليتبعه، وأعلن أنه ما جاء من أجل الأصحّاء، بل من أجل
المرضى. قال: "لم آت لأدعو الصدّيقين إلى التوبة، بل الخطأة" (5: 27، 31 وز).
وترحيبه بالخطأة جعل الفرّيسيّين والكتبة يتذمّرون (15: 1- 2) فأعطاهم أمثالاً
تتحدّث عن رحمة الله للخطأة (الخروف الضالّ، الدرهم المفقود، الابن الشاطر). تحدّث
التقليد المشترك عن محبّة يسوع للخطأة، أمّا لوقا فأبرزه وشدّد عليه خصوصًا يا ما
حدث لزكا العشّار. كان الجمع يزحمه (3:19) ولكن يسوع قَبِل دعوة زكّا دون سواه،
فجعل الناسُ يتذمّرون قائلين: "دخل بيت رجل خاطئ وحلّ لديه ضيفًا" (7:19).
لقد أكّد يسوع أن الخطأة هم حصة الله، شرطَ أن يتوبوا (15: 1- 32). فالربّ هو
الصَبور وطويل الأناة، يعرف أن ينتظر الخاطئ، ولا يعْجَل في اقتلاع التينة التي لم
تثمر (6:13- 9؛ ق مت 18:21- 22 وز). غفر يسوع للمخلّع (5: 20 وز)، وغفر أيضًا
للخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان الفرّيسيّ (36:7 - 50)، بل غفر للمسؤولين عن موته
(34:23). نظر يسوع إلى بطرس، فبكى بطرس (22: 61)، وصُلب مع اللصّ فتاب اللصّ وأعلن:
"اذكرني يا ربّ متى أتيت في ملكوتك" (23: 39- 43). وحين رأته النسوة بدأن يقرعن
الصدور (48:23). جميع الناس يستطيعون أن يصلّوا مثل العشّار الذي حدّثنا عنه يسوع
(18: 10- 14). قرع صدره وقال: "أللهمّ، أغفر لي أنا الخاطئ". فعاد إلى بيته
مبرّرًا، مقبولاً عند الله.
ثانيًا: النساء
كان العالم اليهوديّ يحتقر المرأة فيجعلها مُلكًا من أملاك الرجل (خر 17:20). أما
لوقا فأفرد لها مكانةً مميّزة. هناك مريم العذراء، وأليصابات أمَّ يوحنا المعمدان،
وحنة النبيّة، وأرملة نائين (7: 11- 17). هناك الخاطئة التي لم يذكر لوقا اسمها،
فدلّ على رقّته ولطافته (36:7- 50؛ رج مت 6:26- 13). وهناك النسوة اللواتي تطوّعن
لخدمته (8: 1- 3) وتبعنه حتى الصليب (49:23، 55؛ 24: 10- 11). ويذكر لوقا مرتا
ومريم (38:18- 42) والمرأة التي باركت أمّ يسوع (27:11- 28) والمرأة الحدباء التي
لم تكن تستطيع أن ترفع رأسها فشفاها يسوع. وأخيرًا، نجد في الأمثال عددًا من
النساء: تلك السيدة التي أضاعت درهمها (8:15 ي)؛ وتلك الأرملة التي جاءت تطلب
الإِنصاف من قاضٍ ظالم (18: 1- 8).
ثالثًا: الغرباء
الغرباء هم موضوع اهتمام خاصّ من قِبَل يسوع. هو لا يُنزِل عليهم نارًا من السماء
كما طلب يعقوب ويوحنا ابنا الرعد (54:9- 55). بل هم مثال يُحتذى؛ الضابط الرومانيّ
هو مثال الإِيمان (7: 9 وز)، والسامريّ هو مثال المحبّة (10: 25- 37)، والغريب هو
مثال الشكر وعرفان الجميل (17: 11- 17).
هذا هو القطيع الصغير الذي يستطيع أن يعيش من دون خوف لأن الملكوت يعطى له (32:12).
وهو يتألف من صغار القوم ومن الأطفال، لا من ذَوي الحكمة والدهاء (12: 21- 22).
"لان ابن الإنسان جاء يطلب ما قد هلك ويخلّصه" (19: 10؛ رج 5: 31- 32 وز).
2- لطف يسوع
يتحدث لوقا عن لطف يسوع الذي يبدو غير متكلّف. هو يغفل بعض المرّات عواطف يسوع
العنيفة، ولكنه لا ينسى بعض الكلمات القاسية. يهدّد يسوع "سعداء هذا العالم"
بالتعاسة فيقول لهم: الويل لكم أيها الاغنياء، أيها المُشْبعون، أيها الضاحكون (6:
24- 25). ويحذّر الذين يرفضون التوبة (13: 2 - 5) كما يهدّد التينة العقيمة (9:13).
مصير الغنيّ الذي يتجاهل الفقير مظلم قاتم (16: 19- 21)، وأورشليم تستحقّ النَدْب
والبكاء (19: 41- 44)، ومِثْلها النساءُ اللواتي رافقن يسوع على طريق الآلام. قال
لهنّ مهدّدًا بما سيصيب البلاد من دمار: "إن كانوا قد فعلوا هذا بالعود الرطب،
فماذا يكون بالعود اليابس" (23: 31)؟ ولا ننسى متطلّبات التجرّد والكفر بالذات التي
سنعود إليها.
لطف الله هو رحمة وحنان لا يُسبَر عمقه، وهو يظهر من خلال لمسات خفيفة. تفرّد لوقا
بإيراد أربعة أشفية فطبعها بطابعه. أحيا ابن أرملة نائين (7: 11- 17) والسبب هو انه
تحنّن عليها حين رآها تبكي لفقد وحيدها (رج 8: 42 الذي يتحدّث عن ابنة يائير
"الوحيدة" و 38:9- 42 الذي يشير إلى "وحيد" هذا الاب المعذّب). وتطلّع يسوع إلى
حدباء فدعاها وقال لها: "أنت مطلّقة من دائك" (12:13). وكذا نقول عن المستسقي (14 :
1- 6) والبُرص العشرة (17: 11- 19) الذين رفعوا أصواتهم قائلين: "يا يسوع المعلم
ارحمنا".
ومع ذلك، لا يشير لوقا إلى عاطفة الشفَقة لدى يسوع حين أرسل تلاميذَه (مت 9: 10)،
أو قبل أن يكثّر الأرغفة (مت 14: 14 وز: تحنن عليهم)، أو حين شفى أعمى أريحا (مت
34:20). ولكن لوقا استعمل مرارًا كلمةٍ "فيلوس" (صديق). فهي ترد 13 مرّة عند لوقا
ومرة واحدة عند متى، ولا ترد مرّة واحدة عند مرقس. وقد احتفظ لوقا بعبارة
يوحنّاويّة: "أقول لكم يا أحبّائي" (12: 4؛ رج يو 15: 15).
3- رقّة لوقا ولينه
إن رقّة لوقا تبدو انعكاسًا لهذا اللطف والحنان، كما تبدو نتيجة اهتمام تربويّ تجاه
قرّائه.
أوّلاً: بالنسبة إلى شخص يسوع
قلنا ونكرّر القول إن لوقا لم يذكر عواطف يسوع العنيفة. نحن لا نراه غاضبًا كما عند
مرقس (مر 1: 41: أشفق عليه. وهناك اختلافٌ يقول: كان مغضبًا عليه، 1 :43: انتهره)
ففي لو 5 :13 نقرأ: "فمدّ يسوع يده ولمسه قائًلا: لقد شئت فاطهر". ويقول مر 3: 5 عن
يسوع الذي اغتمَّ لطلب الفريسيين: "أجال فيهم نظره بغيظ". أما لوقا فقال: "اجال
نظره فيهم جميعًا" (6: 10).
يحدّثنا مر 6: 34 عن يسوع المليء بالشفقة والحنان تجاه الجمع الغفير: "تحنّن عليهم
لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها". أما لوقا فاكتفى بالقول: "رحّب بهم وحدّثهم عن
الملكوت" (9: 11). كان يسوع قاسيًا تجاه بطرس (مر 33:8 وز) فسماه "شيطانًا"، ولكن
لا يظهر شيء من كل هذا عند لوقا. ونرى يسوع يطرد الباعة من الهيكل بقساوة عند مرقس
(15:11- 17)، لا عند لوقا (45:19- 48).
نرى يسوع يحتضن الأطفال ويباركهم عند مرقس (36:9) لا عند لوقا (47:9- 48؛ رج مر 10:
16) ونرى لديه عواطف المحبّة تجاه الشابّ الغنيّ (10: 21؛ لو 22:18: "لما سمع يسوع
قال له")، والغيظَ أمام تصرّف الرسل (مر 10: 14)، والخوفَ والاكتئاب في بستان
الزيتون (مر 14: 33- 34= لو 22: 40). غير أن لوقا يتفرّد بالحديث عن "عرقه الذي صار
كقطرات دم نازلة على الأرض" (22: 44).
ثانيًا: بالنسبة إلى التلاميذ
كتب مر 13:4: "أما تفهمون هذا المثل؟ فكيف إذن تفهمون سائر الأمثال"؟ أمّا لوقا
فاكتفى بالقول: "وهذا هو المثل" (8: 11). خاف الرسل من الغرق فقال لهم يسوع: "لم
تخافون؟ أو ليس لكم إيمان بعد" (مر 38:4- 40)؟ ولكن لوقا قال ان المسيح نهض وزجر
الريح وهيجان الماء (8: 24- 25) وقال لهم: "إين إيمانكم"؟
تحدّث مر 8: 32- 33 عن قساوة يسوع على بطرس وعلى التلاميذ الذين لم يستطيعوا أن
يُخرجوا الروح النجس فدعاهم إلى الصلاة (28:9- 29؛ لو 43:9). سار الرسل وراء يسوع
وهم ذاهِلون وخائفون. كذا قال مرقس؛ ؛ (10: 32)؛ أما لو 18: 34 فشدّد على أن
التلاميذ لم يدركوا معنى كلام يسوع حين أنبأهم بآلامه.
وهكذا نرى أن لوقا يُبدي رقّة في حديثه عن يسوع، كما عن تلاميذه. وهذه الرقّة نجدها
أيضًا في بعض المشاهد العنيفة. لا يتحدّث لوقا عن مقتل يوحنّا المعمدان كما فعل مر
17:6- 29، ولم يقل إن يهوذا قبّل يسوع (مر 14: 45)، بل دنا إليه ليقبّله (لو
48:22). وأغفل لوقا مشهد الصفَعات (مر 14: 65؛ ولكن رج 23: 11) والجلد والتكليل
بالشوك.
وقد خفّف لوقا بعضًا من عنف أقوال يسوع. مثلاً، نقرأ في مر 12:4 على لسان يسوع:
"لكي ينظروا نظرًا ولا يبصروا، ويسمعوا سماعًا ولا يفهموا، لئلاّ يتوبوا فيغفر
لهم". فاكتفى لوقا بالقول: "لكي ينظروا ولا يبصروا، ويسمعوا ولا يفهموا" (8: 10).
وأغفل الباقي. وهذا ما نقوله عن مر 43:9- 48 (رج لو 17: 1- 2)، و 14: 21 التي
تتحدّث عن يهوذا فتقول: "كان خيرًا لذلك الرجل أن لا يولد".
ويهمل لوقا بعض العبارات، وفي إهماله لها قصد وغاية. لم يذكر نهاية استشهاد اش 6:
9- 10: "لئلاّ يرتدوا" (مر 4: 12؛ رج لو 8: 12). كما ترك السؤال الحادّ الذي طرح في
مت 48:12 وز: "من هي أمّي؟ من هم إخوتي"؟ كان أشعيا (61: 1) قد تحدّث عن "يوم
انتقام الرب" فترك لوقا (4: 18 ي) هذه العبارة.
خرج الشيطان من الرجل "ولم يؤذِه في شيء" (35:4). وأحبّ شيوخُ اليهود قائدَ المئة
للُطفه وإحسانه (7: 4 ي). هذا هو مناخ اللين الذي يحدّثنا عنه لوقا هنا. وفي مشاهد
المآدب التي يذكرها، نكتشف رموز حياة أخويّة: الوليمة عند لاوي (29:5)، وعند سمعان
الفريسيّ (37:11) وعند مرتا ومريم (10: 38- 42). هذا عدا التلميحات المتعدّدة عن
الطعام (33:5؛ 14: 12- 15؛ 1:15).
هـ- الإِنجيل قاعدة حياة
1- المستوى الاجتماعيّ
جاءت الجموع إلى يوحنا المعمدان، فحدّد لكل فئة واجباتها الاجتماعيّة: جباة
الضرائب، الجنود، بل كلّ إنسان في معاملته للقريب (3: 10- 14). وشدّدت خطبة "السهل"
على هذه النظرة الإِجتماعيّة. "أعطِ (دوما) للذي يسألك" (6: 30، لا مرة واحدة).
"كونوا رحومين" (6: 36. قال مت 48:5: "كونوا كاملين"). وقال لوقا: "اعطوا كيلاً
ملبّدا" (مفصلا بمحبة وليس فقط ليوم الدينونة).
وإليك بعضَ الإشارات السريعة: الضابط الروماني "يجبّ أمّتنا وقد بنى لنا مجمعًا"
(7: 5). إن الكاهن واللاوي رأيا الجريح، فمالا (أو إبتعدا) عنه وتجاوزاه. ويجب أن
ندعو إلى مائدتنا "المساكين والعُرج والعميان" (14: 12- 14). والهوّة التي حفرها
الغنيّ خلال حياته بينه وبين الفقير، لا تزال موجودةً في الآخرة (16: 25- 26).
ونظرة الاحتقار التي تفصل الفريسيّ عن سائر الناس ولا سيّما الخطأة، تفصله أيضًا عن
الله وتبعده عن كل تبرير (18: 10- 14).
2- الأغنياء والفقراء
لاحظ لوقا أن بعض الأغنياء تبعوا يسوع: يوسف الرامي (23: 50) وزكا العشّار (19: 2-
8)، وحنة امرأة كوزى، قيِّم هيرودس (3:8). ولكنّه لا يقول، مثل مر 10: 21، إن يسوع
أحبّ الشابّ الغنيّ. فأصدقاء يسوع هم الفقراء. لم يأتِ المجوس ليسجدوا له (مت 2:
1ي) بل الرعاة (8:2). ولم يحمل أبواِه إلى الهيكل تقدمةَ الأغنياء، بل تقدمة
الوضعاء (2: 24: "زوجَي يمام أو فرخي حمام"). المثال الذي يُحتذى هو لعازر الفقير
(16: 20) والأرملة المسكينة التي أعطت كلّ ما تملك (3:21- 4 وز). ويسوع نفسه لا
يملك "موضعًا يسند إليه رأسه" (9: 58).
الفقراء هم سعداء والأغنياء هم تعساء. ولا يحصر لوقا كلامه في الوُجهة الروحيّة
للفقر، بل هو يحدّد الواقع الملموس الذي يتأمّل فيه: "حطّ الأعزاء... رفع
المتواضعين" (1: 52 ي). ثم إن البشرى تُحمَل الى الفقراء (18:4؛ 7: 22 وز) الذين
يطوّبهم يسوع (6: 20): انهم يدخلون منذ الآن الى ملكوت الله.
والأغنياء هم تعساء لأنهم وجدوا نفوسهم في وضع سيِّئ. "يَكْنزون لنفوسهم ولا يغتنون
في سبيل الله" (12: 21). ينسَون الله ويهتمّون بالراحة والطعام والشراب والتنعّم
(12: 13-20). يتجاهلون إخوتهم الفقراء كذلك الغنيّ (لا يقول الإِنجيل إنه كان
رديئًا خاطئًا) الذي لا يرى المسكين المطروح عند بابه (16: 19- 31). والفرّيسيّون
لا يكتفون فقط بنفوسهم (18: 14). إنهم أيضًا "أصدقاء المال" (16: 14). "ولكن الرفيع
عند الناس هو كريه في نظر الله" (15:16).
إذن، مامون (أي المال الذي يعطينا الأمان) هو ظالم في حدّ ذاته. قد نستطيع أن
نستعمله بمهارة فنوّزعه على فقراء نجعل منهم اصدقاءنا (9:16). ونستطيع أن نستعمله
بأمانة وكأنه خير غريب، وكّلنا به الله (16: 10- 12). ولكنّنا لا نستطيع أن نخدم
"مامون" كما نخدم الله: "لا يمكنكم أن تعبدوا الله والمال" (16: 13).
3- التجرّد ونكران الذات
يتّفق لوقا مع التقليد المشترك فيربط في سرّ الفصح الإِنباءات بالآلام، بالشروط
المفروضة لاتّباع يسوع (مت 16: 21- 26 وز). ولكنه يشدّد بصورة خاصّة على التخلّي عن
كل شيء: يجب أن لا نستند إلى المال (13:12- 21). بل نتكل على الله الذي يهتمّ
بالغِربان والزنابق، الذي يعطي لأنفسنا ما نأكل ولأجسادنا ما تلبس (12: 22- 32).
"إذن، بيعوا ما تملك أيديكم وأعطوه صدقة" (12: 33؛ رج مت 6: 19 ي).
هناك شروط مفروضة على المؤمن ليكون تلميذَ يسوع. ولكنّ لوقا زاد أنه يجب عليه أن
يبغض "امرأته، حتى نفسه" (18: 29). نجد ما يقابل هذا الكلام في الحديث "عن
الخِصيان" الذين امتنعوا عن الزواج من أجل ملكوت الله" (مت 12:19). ثم يحدّد لوقا:
"من لا يتخَلَّ عن كل ما يملك لا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (14: 26- 33). وسيزيد
لوقا في هذا المعنى بعض التفاصيل الدقيقة على التقليد المشترك. فالتلاميذ الذين
تبعوا الربّ تركوا "كلّ شيء". وهكذا فعل لاوي (28:5). وهذا ما طلبه يسوع من الشابّ
الغنيّ: "بع كلّ ما لك ووزّعه على المساكين" (22:218). فلا رجوع إلى الوراء. فمن
تراجع لم يكن أهلاً لملكوت الله (9: 61-62).
لوقا هو الإِنجيليّ الذي حدّثنا عن مخطّط الله. وهو في الوقت عينه ذاك الذي فصّل في
الحياة الملموسة ما يتطلّبه تعليم الإِنجيل. أشار إلى أنه يجب علينا أن نحمل صليبنا
ونحمله "كلّ يوم" (23:9). ولكنه يبينّ لنا كيف أن الروح القدس يعمل دومًا في
الكنيسة، فيُفيض الفرحَ في قلوب المؤمنين. قد يكون هناك ألم واضطهاد، ولكنّ المؤمن
يعرف أنه يسير مثل سمعان القيرينيّ "وراء يسوع" (26:23). هو يحمل صليبه وقد يموت،
ولكنه يعرف أن مجد القيامة آتٍ . حزن التلميذان لموت الربّ ولكنهما فرحا لمّا
عرفاه. هذا هو وضع التلميذ الذي يتخلّى عن كلّ شيء ليكون تلميذ المسيح، ليكون
شاهدًا له "في أورشليم، في جميع اليهوديّة والسامرة وحتى أقاصي الأرض" (أع 1: 8).
الفصل الخامس
زمن يسوع وزمن الكنيسة
ميَّز لوقا بين زمن يسوع وزمن الكنيسة. فلماذا أدخل هذه القِسْمة في التقليد
الإِنجيليّ؟
أوّلاً: هناك سبب أدبيّ: لقد استقى بولس من الكتَّاب اليونانيّين في عصره عددًا من
أساليبهم في الكتابة: مثلاً، المطلع مع العنوان في بدء الكتاب (1: 1- 4؛ أع 1: 1-
2)؛ وربط الخبر بالكرونولوجيا الرسميّة في أيَّامه (3: 1- 3)؛ وتدوين عدّة خطب في
أع. وقد يكون اقتدى بهؤلاء الكتاب فقسم مؤلّفه إلى كتابين وإلى عدة أجزاء، متجاوبًا
مع اهتمام الفكر اليونانيّ بالوضوح والدقة.
ثانيًا: ولكن لوقا ليس مؤرِّخًا زمنيًّا وحسب. فالأحداث التي يوردها هي أعمال
إلهيّة. وهذا ما يقوله بوضوح في مطلع إنجيله حين يتكلّم عن "الأحداث التي جرت في ما
بيننا" (صيغة المجهول في اليونانيّة، وهي تدلّ على يد الله)، وحين يذكر "خدام
الكلمة". وهو يبين هذا الواقع طوال كتابيه (لو + أع) بعودته الواضحة أو الضِمنيّة
إلى الكتب المقدّسة، حيث يجد إعلانًا للأحداث التي يوردها وإشارة إلى مضمونها.
تاريخه هو تاريخ الخلاص. وإن قسَمَه إلى حقبات، فلأنه اكتشف فيه مراحل متعاقبة في
عمل الله في الكون.
1- في الإِنجيل
إن أسباب هذه القِسمة واضحة في الإِنجيل، وهي لا تطرح إلاَّ أسئلة قليلة. إذا كان
لوقا قد ربط زمن يوحنا المعمدان بالعهد القديم، ففصله عن زمن يسوع، فسفر الأعمال
سيقول لنا لماذا قام بهذا الفعل: روى لوقا أن بولس وجد في أفسس معمَّدين جُددًا لا
يعرفون إلاَّ معموديّة يوحنا، ولم يسمعوا كلامًا عن الروح القدس (أع 25:18؛ 19: 2-
3). ولهذا، بينّ أن الخلاص لا يتمّ إلاّ في يسوع المسيح. ولهذا ربط يوحنا بالحِقبة
السابقة.
ولقد قسم لوقا مهمّة يسوع الرسوليّة إلى ثلاث مراحل، وذلك لسببين. الأول: أراد أن
يبيّن أن كلّ وحي يسوع يتركّز على سرّ موت المسيح الذي أعلن (الانباءات الثلاثة)،
وهُيئ، وتمَّ. الثاني: ربَط تتمّة هذا السرّ بأورشليم، مركز الوحي القديم ونقطةِ
انطلاق الوحي الجديد. وهكذا قسم إنجيله ثلاثة أقسام: في "اليهودية"، في الطريق
(الصاعدة إلى أورشليم)، في أورشليم. كل هذه أمور واضحة، ولم تولّد كثيرًا من
الجدال. أمّا القِسمة بين لو وأع فكانت مَثارَ جدلٍ كبير.
2- بين إنجيل لوقا وسفر الأعمال
لماذا فصل لوقا بين الانجيل وأع؟ لماذا ميّز بين زمن يسوع وزمن الكنيسة؟ الأسباب
عديدة والمواقف متنوّعة، وقد أدّت إلى مباحثات هامّة.
أ- كان كونزلمان أول من طرح المسألة بوضوح، فبدا الحلُّ الذي اقترحه نقطة انطلاق في
المجادلات الحاضرة. قال: إن التأخّر في المجيء الثاني (باروسيا، الحضور) قاد لوقا
لكي يميّز بين زمن الكنيسة وزمن يسوع. انتظرت الكنيسة الأولى عودة الربّ بسرعة، فلم
تميّز زمن الفصح من زمن المملكة الاسكاتولوجيّة. وبما أن هذه العودة لم تحصل،
تصوَّر لوقا زمن الكنيسة، وكأنه شكلٌ جديد من حضور يسوع الانتصاريّ بين أخصّائه.
على ماذا أسّس كونزلمان طرحه هذا؛ إنه يُقرّ ولا شكّ بأن لوقا احتفظ بإنباءات
إسكاتولوجيّة تقليديّة. ولكنه يلاحظ أيضًا أن لوقا حرَّر عددًا من هذه الإنباءات من
الطابع الإسكاتولوجيّ. مثلاً، إعلان دمار أورشليم في الخطبة الإسكاتولوجيّة (21:
20- 24)، حيث يُحلّ لوقا محلَّ قول إسكاتولوجيّ، إعلانًا عن حدَث تاريخيّ لاحظ
حدوثه. ونجد أيضًا وضعًا مماثلاً في جواب يسوع الى السنهدرين (22: 69، ولكن من الآن
يكون ابن البشر جالسًا عن يمين قدرة الله) حيث يعلن لوقا تمجيد يسوع الفصحيّ بدل
عودته كالديّان الإسكاتولوجيّ (مت 26: 64؛ مر 62:14). وفسَّر كونزلمان أيضًا بشكل
مماثل التعبير في 27:9 إنّ في القائمين هنا من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت
الله). أمّا ما يوازيه في مر 9: 1 (من لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله آتيًا
في قدرة) فيعلن مجيء يسوع المنظور قبل موت بعض تلاميذه. غير أنّ لوقا. يُحلّ محل
المجيء وعدًا بالملكوت المنظور في الكنيسة بواسطة الإِيمان.
إن هذا التحرّر من الإِسكاتولوجيا أمر متواتر في الإِرشادات المعطاة للتلاميذ،
والتي فيها يطبّق القديس لوقا على حياة المؤمنين اليوميّة أقوالاً ارتبطت في الأصل
بالضيق الإِسكاتولوجيّ (8: 11- 15؛ 23:9؛ 12: 52).
ولكن هل نفسّر هذه الأقوال اللوقاوّية بشكّه أمام تأخّر المجيء الثاني؟ يعتبر
أوغسطين جورج أن هذا التفسير ليس بأكيد، ويقدّم الأسباب التالية:
أوّلاً: إحتفظ لوقا بعدد من الأقوال حول اقتراب الدينونة (8:18 متى جاء ابن البشر،
فهل يجد الإِيمان على الأرض؟ هذا قول خاصّ بلوقا، 32:21 "ان هذا الجيل لا يزول ما
لم يتمّ الكلّ"). إذن، هذه المسألة لا تشكّل بالنسبة إليه حاجزًا لا يمكن تجاوزه.
ومن جهة أخرى، فهو يتمسّك بتعليم يسوع التقليديّ عن الساعة التي لا نعرف متى
ننتظرها (35:12- 40؛ 17: 22- 37؛ 21: 34- 36).
ثانيًا: ظنّ عدد من الشُرّاح (شناكنبورغ) أن تأخّر المجيء الثاني كان مشكلة خطيرة
بالنسبة إلى الكنيسة الأولى؛ ولكنهم قالوا إن هذا الهمّ كان سابقًا للقديس لوقا.
ثالثًا: لم تجد اليوم مسألة الإِسكاتولوجيا الإنجيليّة الحلّ الواضح لها بحيث ننسب
إلى يسوع (وإلى يسوع وحده) إنباءً بعودته القريبة. من المؤكّد أن يسوع تحدّث عن
الدينونة على أنّها قريبة. ولكننا أمام فنّ أدبيّ عرفه سامعوه وفسّروه على ضوء
الأسفار المقدّسة. وبجانب هذه الإنباءات تطلّع يسوع إلى عمله الذي سيبقى بعد موته،
فاختار الاثني عشر، وربَّاهم ليحملوا شهادته ويكونَ عملهم امتدادًا لعمله.
رابعًا: لاحظ عدد من الشُرَّاح (فلكانس) أنّ هناك أمورًا عديدة، غير تأخر المجيء
الثاني، دفعت لوقا لكي يعي الواقع الجديد الذي هو زمن الكنيسة. سنحاول أن ندرك هذه
الأمور في مؤلف لوقا. وهي: عطيّة الروح للتلاميذ، والكرازة الرسوليّة، والاضطهاد
ضدّ تلاميذ يسوع، والرسالة لدى الوثنيين.
ب- عطيّة الروح للتلاميذ
أول جديد في زمن الكنيسة ظهر عند لوقا، هو عطيّة الروح للتلاميذ. لا شكّ لا أنّ
لوقا قدّم لنا في إنجيل الطفولة أناسًا ألهمهم الروح: امتلأ يوحنا المعمدان من
الروح القدس وهو بعد في حشا امّه (15:1، 41). وأُلهمت أليصابات فباركت مريم (1: 41-
45)، وأُلهم زكريا فأنشد نشيد المباركة (67:1 ي: مبارك الرب)، وألهم سمعان فاستقبل
يسوع في الهيكل وقال فيه أقواله النبويّة (2: 25- 35). ولكن لوقا يرى أن كلّ هؤلاء
الأشخاص ينتمون إلى العهد القديم الذي ينتهي مع يوحنا المعمدان (16: 16)، وينالون
الروح كما ناله الأنبياء في القديم (لا يقول لوقا إن مريم أُلهمت لتتلو نشيد
التعظيم. فالروح القدس قد حلّ عليها بصورة خاصّة، فجعلها في العهد الجديد، رج 1:
46).
ويورد لوقا أيضًا علاقات يسوع بالروح. فكما عند متى (18:1، 20) يُحبَل بيسوع من
الروح (35:1). ويبيِّن لوقا يسوع الذي نال ملء الروح في عماده، كما قال متى (16:3؛
4: 1) ومرقس (1: 10، 12). ولكن لوقا يختلف عنهما حين يلاحظ أن يسوع ليس خاضعًا
للروح (الفرق في التدوين بين لو 4: 1 ومت 4: 1 ومر 1: 12). ويشدّد بصورة أعمق على
روح يسوع (4 :14 - 18؛ 21:10)، ويقول وحدَه إن يسوع يرسل الروح (49:24؛ رج أع 2:
33).
إنّ إرسال الروح بيد يسوع على التلاميذ، يشكّل في نظر لوقا أوّل حدَثٍ في حياة
الكنيسة. هذا ما أعلنه يسوع يوم غادرهم (24: 49؛ أع 1: 4- 5). أتمّ وعده يوم
العنصرة، ومنذئذ صار الروح في الكنيسة واقعًا ملموسًا وحضورًا مستمرًّا (يذكره لوقا
55 مرة في أع). أُعطي الروح للاثني عشر ليكرزوا بالكلمة (أع 2: 4، 14؛ 4: 31)،
ليشهدوا ليسوع (أع 4: 8؛ 5: 32). أُعطي الروح لهم فوجَّه نشاطهم (أع 3:5، 9؛ 11:
12؛ 15: 28). وأُعطي "للوعَّاظ " والمرسَلين للمهمّات عينها (أع 6: 10؛ 7: 55؛ 8:
29، 39؛ 13: 4، 9؛ 6:16- 7). وأَلهم الأنبياء والمعلَّمين (أع 11: 28؛ 21: 4، 11).
وأُعطي خصوصًا للمؤمنين ليكونوا الشعب المسيحانيّ الذي أعلن عنه الأنبياء (أع 38:2؛
3:6، 5؛ 8: 15- 17؛ 17:9، 31؛ 10: 44- 47؛ 52:13؛ 6:19). قَبْلَ لوقا، وعَدَ
التقليد الإِنجيليّ بعطية الروح للتلاميذ في إعلانات يوحنا المعمدان (مت 3: 11؛ مر
1: 8؛ لو 16:3) وفي تشجيع يسوع للشاهدين له أمام المحاكم (مت 10: 29؛ مر 13: 11؛ لو
12: 12). ولكن لوقا زاد على هذه المواعيد عددًا من الأقوال في إنجيله: حين جعل من
عطيّة الروح الخير الأسمى الذي يُمنح للصلاة (13:11؛ ق مت 7: 11). حين طبق على
الشهادة الرسوليّة كلمة التجديف على الروح القدس (جعل 12: 10 قبل 12: 11- 12 في
اطار اعتراف). حين جعل من الوعد بالروح آخر كلمة من التعليم الفصحيّ (24: 49).
إن عطيّة الروح للكنيسة هي في نظر لوقا واقعٌ لاحظه وأثّر فيه، فأفرد له هذه
المكانة الكبيرة في أع. رأى في هذه العطيّة علامة تدخّل الله في الكرازة
الإنجيليّة، كما رأى علامة عمل يسوع القائم من الموت في كنيسته (في أع 7:16 نقرأ
"روح يسوع". نجد وحدة العمل بين يسوع والروح في لو 15:21 الذي ينسب إلى يسوع الدور
الذي ينسبه إلى الروح نص مت 10: 20 ومر 13: 11؛ رج لو 12: 11- 12). هذه العلامة
توحّد زمن الكنيسة بزمن يسوع وزمن الأنبياء، وتميِّز ثلاث حقبات، لأنّ عمل الروح
يختلف بين حقبة وأخرى (إلهام الأنبياء، ملء الوحي في يسوع، المواهب). وهكذا نرى في
خبرة لوقا مع الروح إحدى الينابيع المهمّة لتوزيعه تاريخ الخلاص على ثلاث حقبات.
ج- الكرازة الرسوليّة
هناك واقع آخر تبع عطيّة الروح ودفع لوقا لكي يتحدّث عن زمن خاصّ بالكنيسة. هذا
الواقع هو واقع الكرازة الرسوليّة.
خلال حياة يسوع العلنيّة، كان نشاط الاثني عشر محدَّدًا جدًّا. ويتّفق الإنجيليّون
كلّهم في هذا المجال، منطلقين من تقليد لا ينقل إليهم إلاَّ معطَياتٍ ضئيلةٍ عن
مهمّة رسوليّة للاثني عشر في الجليل (مت 10: 1؛ مر 14:3- 15؛ لو 9: 1- 6، 10). ولا
غرابةَ في الأمر، فالتلاميذ يحتاجون إلى زمن كافٍ ليتعرّفوا إلى تعليم السيد،
ويَلِجوا سرَّ شخصه. واحتاجوا أيضًا بصورة خاصّة إلى خبرة الفصح، لأنهم لم يفهموا
الشيء الكثير من إنباءات الآلام (مت 22:16- 23؛ مر 8: 31- 33؛ 9: 32؛ لو 9: 45؛ 18:
33).
ويربط الإنجيليّون كلّهم وعي الرسل لمهمتهم ككارزين للإِنجيل بظهورات القائم من
الموت. في هذا المجال، يتوقّف لوقا عند التقليد المشترك. ولكنه تأثّر بهذه الكرازة
فاهتمّ بها اهتمامًا خاصّا. دوّن التعليم الفصحيّ (24: 44- 48) بألفاظ الكرازة
الرسوليّة. وكرّس أع كلّه ليقدّم هذه الكرازة مع مواضيعها المعروفة التي تفعل في
القلوب. بدأت يوم العنصرة، فكانت النتيجة الأولى لموهبة الروح. وظهرت فاعليّتها
المباشرة في تكوين الجماعة الأولى. وتتبع انتشار هذه الكرازة من أورشليم إلى
السامرة وإلى الوثنيّين بواسطة بطرس وبولس.
وأبرز أسلوبُ لوقا الجديدَ الذي مثّلته له هذه الكرازة الرسوليّة، فسمّاها شهادة
(اكثر من 20 مرة، أع 33:4؛ 22: 18). وفي المقاطع الثلاثة التي يتحدّث فيها
الإِنجيلي عن شهادة التلاميذ، اثنان يُشيران إلى الرسالة المقبلة (21: 13= مر 13:
9؛ مت 10: 18؛ 24: 14؛ لو 24: 48) والثالث هو عبارة شائعة (9: 5= 6: 11). قبل
الفصح، قال لنا لوقا مرّةً إن الاثني عشر "أنجلوا" (أي حملوا الإِنجيل، البُشرى)
خلال المهمّة الجليليّة القصيرة (9: 6). ولكنه يطبّق هذا الفعل 14 مرّة على نشاط
المرسلين في أع (42:5؛ 4:8، 12، 25، 35، 40؛ 11: 20؛ 32:13؛ 14: 7، 15، 21؛ 15: 35؛
16: 10؛ 18:17). ونزيد على هذا آيتين يذكر فيهما "الإِنجيل" (أع 7:15؛ 20: 24)
وآيةً تسمّي فيلبس "الإِنجيليّ" (أو المبشر، أع 8:21). أخيرًا، لا يتكلّم لوقا عن
"تعليم الرسل" وتعليم مشاركيهم إلاَّ بعد العنصرة (أع 42:2؛ 5: 28؛ 13: 12؛ 17:
19). فيصوّرهم وهم يعلّمون (أع 4: 2، 18؛ 5: 21 - 25، 28، 42؛ 11: 26؛ 15: 1، 35،
18، 11، 25؛ 20: 20؛ 21: 21- 28؛ 28: 31) ويسمّيهم "معلّمين" (ديدسكالوس). يختلف
لوقا عن متى ومرقس فلا يطبِّق هذه المفردات أبدًا على التلاميذ (مت 5: 10؛ مر 6:
39).
وإحدى ميزات الكرازة الرسوليّة في أع، هي استعمالها للكتب المقدّسة. أشار لوقا في
أخبار الظهورات الفصحيّة إلى أن القائم من بين الأموات "فتح الكتب" لتلميذي عمّاوس
(24: 25- 27، 32)، "فتح أذهان الاحد عشر ليفهموا الكتب" (44:24- 45). إذا عدنا إلى
التقليد نفهم أن التلاميذ لم يطبّقوا حتى الآن مز 118: 25- 26 ليحتفلوا بدخول الرب
إلى أورشليم (مت 21: 9؛ مر 11: 9؛ لو 38:9). ونحن لم نزل على مستوى التأويل
المسيحانيّ الزمنيّ. ولكنّ يوم العنصرة سيظهر التأويل الذي سينمو في الخطب
الكرازيّة.
تبدو هذه الكرازة الرسوليّة وتأويلها دافعًا جديدًا يميّز الحِقبة التي بدأت يوم
العنصرة. لهذا اهتمّ لوقا بهذا الزمن الخاصّ الذي سمّاه زمن الكنيسة.
د- الاضطهاد ضدّ تلاميذ يسوع
إنتشرت الكرازة الرسوليّة فأدَّت إلى عِداء السلطات للكنيسة واضطهادهم لتلاميذ
يسوع.
كان يسوع قد أعلن بأقوال كثيرة هذه الاضطهادات، فجمع التقليدُ هذه الأقوال. أوّلاً:
صوَّر وضع التلاميذ. قال لوقا (23:9- 26): "من اراد أن يتبعني فلينكر نفسه، وليحمل
صليبه كلّ يوم ويتبعني. فإن من أراد أن يخلّص نفسَه يهلكها. وأما من أهلك نفسه من
أجلي فإنه يخلَّصها. إذ ماذا ينفع الإِنسان ان يربح العالم كلّه ويَهلِك هو نفسه او
يحكَم عليه؟ فإنّ من يستحيي بي وبكلامي، يستحيي به ابن البشر متى جاء في مجده ومجد
الآب مع الملائكة والقديسين" (رج مت 24:16- 27؛ مر 34:8- 38). ولقد جمع مت في 10:
16- 39 عددًا من هذه الأقوال وجَّهها الى المرسلين. أما مرقس ولوقا فقد وجّهاها إلى
كل التلاميذ. ثانيًا: شَجَب المضطهدين اليهودَ، فقال: "ويل لكم لانكم تشيّدون ضرائح
الأنبياء، وآباؤكم قد قتلوهم. فأنتم إذن شهود وتؤيّدون أعمال آبائكم. هم قتلوا
وأنتم تشيّدون الضرِائح. فمن أجل ذلك قالت أيضًا حكمة الله: سأرسل إليهم أنبياء
ورسلاً، فمنهم من يقتلون ومنهم من يضطهدون، لكي يُطلَب من هذا الجيل دمُ جميع
الأنبياء المهدور منذ إنشاء العالم" (11: 47- 50؛ رج مت 29:23- 35). ثالثًا: صوّر
الضيق الذي يحلّ بالكنيسة في آخر الأزمنة: "وقبل هذا كلّه سيلقون الأيدي عليكم
ويضطهدونكم ويسوقونكم إلى المجامع والسجون، ويقودونكم إلى الملوك والولاة، من أجل
إسمي، فيكون لكم ذلك للشهادة..." (21: 12- 19؛ رج مت 23: 29- 35). هذه المجموعات
التي تكوّنت في وقت مبكّر في التقليد، تدلّ على أن الكنيسة الفتيّة عرفت منذ
بدايتها الاضطهاد على مثال معلّمها.
احتفظ لوقا بهذا التقليد، ولكنه وضَّحه بعدّة خطوط جديدة. روى كيف أن نبوءة يسوع
تمَّت منذ أيَّام الكنيسة الأولى: بتدخّل السنهدرين ضدّ بطرس ويوحنا (أع 4: 1- 31)
ثم ضدّ الاثني عشر (أع 7:5- 24)، ثم بموت إسطفانس (6: 9- 7: 60) والهجوم على كنيسة
أورشليم (أع 8: 1- 3؛ 12: 1) ومؤمني دمشق (أع 9: 1- 2). واضطهد بولس (أع 9: 23-
29)، ويعقوب (أع 12: 2) وبطرس (أع 12: 3- 5). قال يسوع لتلاميذه: "لا تهتمّوا
لطريقة الدفاع عن أنفسكم... فإن الروح القدس يعلّمكم في تلك الساعة ما ينبغي أن
تقولوا" (12: 11- 12). فتمَّ هذا القول في شهود يسوع امام المحاكم. امتلأ بطرس من
الروح القدس فحدّث رؤساء الشعب والشيوخ (أع 8:4)، وشهد الرسل (أع 32:5). "وإذ كان
إسطفانس ممتلئًا من الروح القدس... قال: هاأنذا أرى السماوات مفتوحة" (أع 7: 55-
56).
إن هذه الخبرة قادت لوقا إلى أن يميّز في إنجيله بين هذا الاضطهاد والضيق
الإسكاتولوجيّ. هذا ما أشرنا إليه بمناسبة لو 8: 11- 15؛ 23:9؛ 12: 52. والواقع
بارز في الخطبة الإِسكاتولوجيّة التي تميّز زمن النهاية (21: 10- 11، 25 - 27) من
زمن الاضطهاد ودمار أورشليم (21: 12- 24): إن يسوع يدعو أخصّاءه إلى الثبات في
الزمن الحاضر (19:21) وليس فقط إلى النهاية (مت 10: 22؛ 13:24؛ مر 13:10).
فالاضطهاد هو في نظر لوقا سِمَةٌ من سِمات حِقبة الكنيسة التاريخيّة.
وهناك إشارة إلى الطابع التاريخيّ (وليس فقط الإِسكاتولوجيّ) للاضطهاد. عند لوقا.
لا ينظر إليه لوقا كأنّه ضرورة محتّمة نحتملها بصورة انفعاليّة، بل يحاول أن يدافع
عن الكنيسة مكوِّنا ما نسمّيه "أبولوجيا" (أي دفاعًا وتبريرًا). وهذا الدفاع ظاهر
في خبر محاكمة يسوع أمام بيلاطس. جعل لوقا الحاكم يُعلن ثلاث مرّات أنّ المتّهم
بريء (4:23، 14، 22). وهدفه هو هو حين يبرز رضى الحكّام الرومان على الذين يشهدون
ليسوع (أع 13: 7- 12؛ 16: 35؛ 18: 14- 15؛ 25: 14- 21، 25- 16؛ 26: 31).
كل هذه السِمات تبينّ معنى كلمة يسوع التي أوردها لوقا في 35:22-38: إن واقع
الاضطهاد في الكنيسة الأولى قد ساعد لوقا على إدراك جديد للزمن الذي يلي آلام يسوع،
وهكذا كانت مسألة الاضطهاد أكثر أهميّة من تأخّر مجيء المسيح الثاني.
هـ- الرسالة لدى الوثنيين
هناك واقع آخر أتاح للوقا أن يميّز زمن الكنيسة من زمن يسوع هو الرسالة لدى
الوثنيّين.
عرف التقليد الإِنجيليّ منذ البداية إنباءات يسوع عن خلاص الوثنيّين: "عندما تبصرون
إبراهيم وإسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله، وأنتم منبوذون في الخارج،
وسيأتون من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب (يعني يسوع الوثنيّين المدعوين إلى
الملكوت، رج اش 2: 2؛ 25: 6- 8)، ويتّكئون في ملكوت الله" (لو 28:13- 29؛ رج مت 8:
11- 12؛ لو 42:16 ومت 22: 1- 10). يتحدّث متى ومرقس عن نشاط محدود ليسوع لدى
الوثنيّين. وإذ هما يعرفان أن مهمّة الرسل لدى الوثنيّين لم تبدأ قبل الفصح، فقد
جعلا على شفتَيْ يِسوع كلامًا يُنبئ بهذه المهمّة: ستشهدون أمام الوثنيّين (مت
18:10). سيُبشَّر بالإِنجيل في المسكونة كلّها (مت 14:24؛ رج مر 13: 10 ومت 13:26؛
مر 14: 9).
ويهتمّ لوقا اهتمامًا دقيقًا بأن يبّين أن الرسالة لم تبدأ إلا بعد الفصح. لا شكّ
في أف يورد في إنجيله عدّة إنباءات عن خلاص الأمم الوثنيّة. أوردنا نصوصًا موازية
لمتى في لو 28:13- 29 و 14: 16- 24. ونزيد على هذه الآيات قول سمعان في يسوع الذي
هو النور المتجلّي للوثنيّين (2: 32)، واستكمال إيراد اش 40: 3 (مت 3:3؛ مر 1: 3)
حتى آ 5: "ويرى كل بشر (كل جسد) خلاص الله" (لو 6:3). ثم نقرأ الإِنباء بأزمنة
الأمم التي تبدأ بخراب أورشليم (21: 24: "تدوسه الأمم أورشليم إلى أن تتمّ أزمنة
الأمم"). ونزيد على كل هذا الصور النمطيّة المسبّقة التي نجدها في 25:4- 27،
وبالأخصّ الصعود إلى أورشليم عبر السامرة. ولكن كل هذا إنباءات في نظر لوقا الذي
يختلف عن متى ومرقس فلا يورد أيّ نشاط ليسوع في أرض وثنيّة، ولا يقدّم أيّ إنباء
واضح عن رسالة التلاميذ لدى الوثنيّين قبل الفصح. ليس له ما يقابل مت 18:10؛ 24:
14؛ مر 13: 10؛ مت 13:26 ومر 14: 9 (حيثما كرز بالإِنجيل في العالم كله).
إن يسوع سيسلّم بعد قيامته إلى شهوده إعلان الإِنجيل على كلّ الأمم (14: 46- 48).
ويصوّر أع هذه الحقبة الجديدة منذ 1 :8 التي تعلن الموضوع والتصميم. ويرينا لوقا
بأيّ بُطء وأيّة صعوبات وعى الاثنا عشر رسالتَهم الشاملة: ولا غرابة في الأمر،
وتربيتُهم تربيةٌ يهودية، وتحفُّظ يسوعَ في علاقته بالوثيّين كان بارزًا أمامهم.
يجب أن يتدخّل الروح القدس ليعمّد بطرسُ كورنيليوسَ الضابط الرومانيّ (أع 10: 1-
11: 18). ولا بدِّ من مبادرة الهلينيّين وبولس حتى تتنظم الكرازة لدى الوثنيّين
تنظيمًا كاملا.
خاتمة
إذا كان لوقا قد ميّز بين زمن الكنيسة وزمن يسوع، فقد قاده إلى ذلك اختبارُ وقائع
جديدة ميَّزت كنيسةَ عصره: واقع الروح، واقع الكرازة الرسولية، واقع الاضطهاد، واقع
الرسالة لدى الوثنيّين. كل هذه الوقائع التي لم تكن معروفة في زمن المسيح هي
السِماتُ التي حدّدت واقع الكنيسة التي تتنظم وتنمو في الزمن. إن شهود يسوع لم
يعيشوا هذه الاختبارات يوم كان معهم، والمستقبل الذي تطلّعوا إليه لم يتخلّص بسهولة
من المنظار الإسكاتولوجيّ. غير أن لوقا نظر إلى هذا الزمن الجديد كامتداد طبيعيّ
لزمن يسوع. فيسوع هو الذي أعلن كلّ هذه الأمور الجديدة وهيأ لها الدربَ خلال حياته
على الأرض. وكانت قيامته نقطة الانطلاق لها. وقد وجّهها اليوم كالربّ الإِله بقدرة
روحه. أجل، إن الكنيسة في نظر لوقا هي العمل الذي أراده يسوع وخطّط له.
ما نكتشفه في كل هذا هو نموُّ العمل الإلهيّ في وحي سرّ الخلاص وتحقيقه. أنبأ به
العهد القديم حتى يوحنا. وكشفه يسوع وأتمّه في شعب إسرائيل. وأعلنه الرسل حتى أقاصي
الأرض. وهكذا يتحقَق مخطّط الله في التاريخ على مراحل، وهذا العمل المتدرّج يُبرز
مبادرةَ الله السامية وحكمتَه المتنوّعة وقدرتَه التي تنتصر رغم كلّ الصعوبات.
القسم الثاني
ولادة الكلمَة وَظهُورهَا في العالم
يبدأ هذا القسم ببداية انجيل لوقا وينتهي بعد حدث تجارب يسوع. وهو يحاول ان يتأمّل
في النصوص اللوقاويّة التالية:
1: 1- 4: الكنيسة والرسالة
1: 5- 25: البشارة بمولد يوحنا
1: 26- 38: بشارة العذارء
1: 39- 45: زيارة العذراء
1 :46- 55 : نشيد التعظيم
1: 56- 66: ميلاد يوحنا
1: 67- 80: نشيد المباركة
1:2- 20: ميلاد يسوع
2: 21: يسوع مخلص العالم
22:2- 40: تقدمة يسوع
2 : 41-52: وجود يسوع
3: 1- 9: مجيء الرب
3: 10- 18: تعليم المعمدان
3: 15- 22: عماد المسيح
3: 23- 28: نسب يسوع
4: 1-13: تجارب يسوع
الفصل السادس
إنجيل لوقا، إنجيل الكنيسة والرسالة
1: 1-4، 14:4-15
تقرأ الكنيسة في ليتورجيّتها عددًا كبيرًا من نصوص إنجيل لوقا على مدار السنة
الطقسيّة. بعض هذه النصوص أخبار تتعلّق بشخص يسوع وبعمله، والبعض الآخر يتطرّق إلى
تعليمه. لهذا نودّ أن نعطي هنا بعض المعالم التي ستساعدنا على التعرّف إلى
الإِنجيليّ لوقا في إطار كنيسة عصره.
أ- لوقا إنسان مسيحيّ
كان لوقا سوريًّا من أنطاكيّة وكان طبيبًا. تتلمذ للرسل عامّةً (2:1) وبصورة خاصّة
لبولس الذي رافقه حتى استشهاده. هذه هي المعطَيات السيرويّة الرئيسية التي
سنستخلصها من مقدّمة الإِنجيل اللوقاويّ التي كتبت حوالي سنة 160- 180 ضدّ التيّار
المرَقيوني.
كانت أنطاكية عاصمة مقاطعة سورية الرومانيّة. وكانت ثالث مدن الإمبراطوريّة، بعد
رومة والإسكندريّة، وكان يقيم فيها الحاكم العامّ (2: 2). بُنيت على ضفاف نهر
العاصي وابتعدت 550 كلم إلى الشمال من أورشليم، فكانت على مدى ثلاثة أجيال منطلقًا
للتجارة في البحر المتوسط، ومركزًا للحضارة الهلنستيّة. لا شكّ في أنّ المُناخ
الثقافيّ الرفيع والدوليّ الذي سيطر على المدينة، قد أثّر تأثيرًا كبيرًا على لوقا.
حوالي سنة 40، أقامت جماعة مسيحيّة في هذه المدينة، على أثر الاضطرابات التي انفجرت
في أورشليم، فأجبرت المسيحيّين المتهوّدين والمتكلّمين باللغة اليونانيّة، على
التشتّت في اليهوديّة والسامرة (اع 8: 1) والانتقال "إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية"
(أع 11: 19).
ب- لوقا عاش في الكنيسة ومن أجل الكنيسة
كان لوقا مسيحيًّا من الجيل الثاني، فلم يعرف يسوع الناصريّ، ولم يكن شاهدًا
مباشرًا لقيامته. غير أنه انتمى الى كنيسة عاشت حدَثًا هامُّا هو هَجمة الملكوت:
لقد جاء الله يحرّر البشر. هذا هو الخبر الطيّب (البُشرى، الإِنجيل) الذي تعلنه
الكنيسة منذ 40 سنة. فبعد بولس ومرقس ومتى وعدد من الأشخاص الذين تظهر أسماؤهم في
صفحات أسفار العهد الجديد، تسجَّل عملُ لوقا في هذه الحركة الرسوليّة والكنسيّة
الواسعة، حركة الجماعة التي تعترف بربّها. لا بدّ من أن نتذكّر هذا حين نقرأ مؤلفه
(لو+ أع). ولكن، إن نحن فكّرنا أنّ لوقا كتب بعد سنة 70 كتابًا يرسم "كل ما عمله
يسوع وعلّمه" (أع 1: 1)، فقد أراد أيضًا أن يسند كنيسة رسوليّة محدّدة تحتاج إلى
التعرف إلى وجهها واهتماماتها وتساؤلاتها.
1- كنيسة تبحث عن نفسها
لما أخذت الكنيسة تنفتح شيئًا فشيئًا على العالم الوثنيّ، دُفعت بقوّة الأحداث إلى
التجرّد تدريجيًّا عن محيطها الأصليّ الذي هو العالم اليهوديّ. مرّت ثلاثةُ عقود
طُرحت فيها مسألة شرعيّة إعلان الخلاص للوثنيّين. هل نستطيع أن نحمل البشارة إلى
خارج العالم اليهوديّ؟ هل ننظّم الرسالة لدى الوثنيّين وعلى أيّ أُسس؟ هل نستطيع أن
نتحرّر من الشريعة اليهوديّة دون ان نحطّم في الوقت عينه تاريخ الخلاص والوعد
المحفوظ لإسرائيل، شعبِ الله في القديم.
يكفي أن نقرأ أع 11 لنتعرّف إلى هذه الدراما الوجدانيّة التي عاشتها الجماعة
الأولى، ولنفهم الهجوم العنيف الذي لقيه بطرس بعد أن عمّد كورنيليوس وعددًا من
الوثنيّين في محيطه، فأُجبر على أن يؤدّي حسابًا للكنيسة الأمّ في أورشليم.
منذ أعلن المجمع الأوّل في أورشليم (أع 15) حلاًّ مبدئيًّا، لم تعُد القضيّة موضوع
نقاش، بل صارت في ذمّة التاريخ. ولكنها لم تزل حاضرة في العقول وفي الواقع، فتلقي
بثقلها على أفكار المرسلين. فهل نَعجب إن رأيناها تتحرّك من جديد في صراع يبدأ في
بداية الإِنجيل (22:4- 30) ويُختم في نهاية سفر الأعمال، ساعةَ يقول بولس: "تحجَّر
قلب هذا الشعب (المختار) فسدّوا آذانهم وأغمضوا عيونهم... إذن، ليكن معلومًا أنّ
خلاص الله أُرسل الى الوثنيّين وهم سيستمعون إليه" (أع 28: 27- 28).
ليس موقف الرفض لدى اليهود وحده هو الذي يجعل لوقا يعتبر أنّ الرسالة الحاليّة لدى
الوثنيّين هي شرعيّ: فحَمْل الخلاص إلى كلّ بشَر (أع 7:2) جزء لا يتجزّا من المخطّط
الإلهيّ (32:2؛ 6:3، 23- 38) الذي نأخذه بجِدّيّة وعزيمة لا تتراجع.
2- كنيسة تتساءل
وشغَلَ كنيسةَ السنوات 70-90 سؤالٌ آخر هو تأخّر مجيء الربّ (باروسيا). وعى
المسيحيّون الأوّلون أنّهم دخلوا مرحلةَ التاريخ الأخيرة، وأنهم يعيشون منذ الآن
الأيَّام الأخيرة لعالم دشّنته قيامة يسوع. فانتظروا عودته في المجد بعد زمان يسير.
وبولس نفسه أمل في بداية عمله الرسوليّ أن نكون "لابسين لا عُراةً" (2 كور 3:5) أن
نكون من "الأحياء الباقين إلى مجيء الربّ" (1 تس 15:4).
ومرّت السنون وطُرحت أسئلة جديدة فزيدت على إسئلة التسالونيكيّين فيما يتعلق بمصير
موتاهم. أجابهم بولس: "فإن كنّا نؤمن بأنّ يسوع مات ثم قام، فكذلك نؤمن بأنّ الذين
رقدوا في يسوع، سينقلهم الله اليه مع يسوع" (1 تس 14:4).
ولكن ماذا يعني موعد رجوع المسيح القريب بعد أن تأخّر هذا المجيء الثاني؟ أين صار
مجيء ملكوته الأخير؟ كيف نتصوّر وجود المسيحيّ الحاليّ وكيف ننظّم العمل الكنسيّ؟
واجه لوقا هذه التساؤلات فحدّد بألفاظ جديدة وبنظرة خاصّة مراحل تاريخ الخلاص. فنظر
إلى الزمن الحاضر، زمن الكنيسة، وكأنه حقبة جديدة وضروريّة في هذا التاريخ. وأعطى
هذه الحقبةَ ذاتَ المدى غيرَ المحدود، هذه الحقبةَ التي تفصل الفصحَ عن عودة
المسيح، أعطاها كثافةً خاصّة، وربطها بزمن المسيح وبامتداد هذا الزمن.
وهكذا اغتنى تصوّره لتاريخ الخلاص. فبعد زمن الوعد، أي زمن الشريعة وأنبياء العهد
القديم، جاء زمن التتمّة (كما عند متى ومرقس) أي الأزمنةِ الأخيرة التي يدشنها مجيء
يسوع. ولكنّ هذه الأزمنة الأخيرة تمتدّ في مؤلّف لوقا في حقبتين متعاقبتين، تتميّز
الواحدة عن الأخرى وترتبط الواحدةُ بالأخرى: من جهة زمن يسوع التاريخ الذي سيرسُم
الإنجيلُ حياتَه وعمله؛ ومن جهة ثانية، زمنُ الكنيسة التي يورد سفرُ الأعمال
خطواتِها الأولى.
في هذه الأطًر الموسَعة استطاع لوقا، لا ان يؤسّس فقط تأسيسًا لاهوتيًّا معنى
الصيرورة المسيحيّة، بل أن يرتّب الموادّ الإنجيليّة لتحمل مدلولاً مباشرًا للذين
يحيون منها في هذا الوقت عينه. وهذا يتحقّق بصورة خاصّة في الجزء المِحْوَريّ من
إنجيله (9: 51- 14:18) حيث جمع لوقا عَمْدًا سلسلة من التعاليم وجّهها يسوع في
الماضي إلى تلاميذه، جمعها ليعطي غذاء روحيًّا للذين ينتمون اليوم الى المسيح
ويريدون أن يخضعوا له. وهذا يفسّر أيضا ميل الإِنجيليّ الثالث إلى أن يلبس حلّة
تاريخيّة (على مستوى عرض الأمور) لبعض معطيات التعليم الإِنجيليّ. فإذا قابلنا 21:
20- 24 مع مر 13: 14- 23 نلاحظ أن القول الذي يدل عند مرقس على عودة المسيح
القريبة، صار عند لوقا إعلانًا لحدَث تاريخيّ تحقّق الإِنجيليُّ أنه تمّ (دمار
اورشليم سنة 70).
لسنا نرى في أساليب التأليف هذه علامة تبديل في الوحي. نحن بالأحرى أمام مجهود يقوم
به الإِنجيليّ ليساعد مسيحيّين يعيشون في النصف الثاني من القرن الأوّل، على
التكيّف مع الوضع الجديد، وعلى عيش حاضرهم عيشًا مسيحيًّا.
3- كنيسة ساهرة
إن الكنيسة التي انتمى إليها لوقا اهتمّت أيضًا بتثبيت أُناسٍ أتوا من محيط
هلّنستيّ واهتمّوا بتعليم الخلاص المسيحيّ وتلقّنوا العقيدة الإِنجيليّة، اهتمّت
بتثبيتهم في الإِيمان الحقيقيّ.
حين توجّهت الكنيسة الرسوليّة إلى العالم، وجدت نفسها أمام مهمّتين اثنتين. وجب
عليها من جهة أن تلاقي أعمق الرغبات الدينيّة في عصرها، ولا سيما هذه الحاجة إلى
خلاص ظهر عَبْرَ الامبراطوريّة كلّها بشعائر عبادة أُدّيت للإِمبراطور الذي هو
"المخلّص" و"الربّ والإِله". تلاقيها وتقدّم لها عرضًا لتعليمها يتكيّف ونفسيّة
هؤلاء الوثنيّين. ووجب عليها من جهة ثانية أن تكفل استقامة التعليم، وتحتفظ من
التيّارات التلفيقيّة التي يساعدها الإِطار الحضاريّ على الظهور. كانت هذه المهمّة
ملحّة، ولا سيّما وإنّ اتّجاهات منحرفة أخذت بالظهور حتى داخل الكنائس.
ولكي نتيقّن من هذا الأمر، يكفي أن نلاحظ التعليمات الملحّة التي يوجّهها بولس إلى
شيوخ أفسس، إلى تيطس وتيموثاوس. قال: "أعرف أن الذئاب الخاطفة ستدخل بينكم بعد
رحيلي ولا تشفق على الرعيّة" (أع 29:20). وقال لتيطس: "عليك أن تسُدّ أفواههم لأنهم
يخرّبون بيوتًا بكاملها حين يعلّمون ما لا يجوز تعليمه من أجل مَكْسب خسيس" (تي 1:
11). وقد نبّه تيموتاوس إلى "أنّ بعض الناس يرتدّون عن الإِيمان في الأزمنة الأخيرة
ويتّبعون أرواحًا مضلِّلة وتعاليم شيطانيّة" (1 تم 4: 1). وقد لاحظ لوقا نفسه بعض
الوقائع التي تدلّ على مثل هذه الإِنحرافات، مع سمعان الساحر (أع 8: 9- 13، 18- 24)
ومع ذلك الساحر اليهوديّ الذي يدّعي النبوءة وكان اسمه بَرْيشوع (أع 13: 6- 12)،
ومع بعض اليهود المتجوّلين الذين يطردون الأرواح الشريرة مستخدمين اسم الربّ يسوع
(أع 19: 13ي). إنه يعلَمُ خيرَ العِلم أنه "يقوم أناس ينطقون بالأكاذيب ليضلّلوا
التلاميذ فيتبعوهم" (أع 20: 30).
تعرّف لوقا إلى ما يخبئه هذا الوضع بفطنة مدهشة، فقدّم له جوابًا يأخذه بعين
الاعتبار. لقد أراد طوال مؤلَّفه، وهذا ما يذكّرنا به في مطلع إنجيله (1: 1 - 4)،
أراد أن يتّصل "بأصدقاء الله" (تاوفيلس يعني صديق الله) (3:1)، بهؤلاء الوثنيّين
المنفتحين بصدق على الخلاص، ويبينّ لهم أنهم يجدون هدف بحثهم وضالّتهم في يسوع، لا
في قيصر. وقدّم لهم بصورة خاصّة وبشكل يتكيّف وعقليّتهم، يسوعَ على أنه المخلّص،
مخلّصُ الكون كلِّه. هاتان السِمَتان تميّزان إنجيل لوقا وسفر الأعمال.
وسعى أيضًا إلى تقديم الدواء لمُناخ القلق التعليميّ الذي يهدّد الكنيسة في نهاية
العصر الرسوليّ. واعتبر أن أحسن ما يمكنه أن يفعل لكي يكفل صحّة (قوة) التعليم
المسيحيّ (1: 4)، هو أن يعود إلى ينابيع الإِيمان وأساسِه، أن يعود إلى التقليد
الرسوليّ (1: 2).
ج- مطلع الإِنجيل (1: 1- 4)
إن وجود مطلع في بداية مؤلف لوقا يكفي ليبيّن لنا أن كاتبه والقرّاء الذين إليهم
يوجّه عمله، ينتمون إلى محيط حضاريّ هلّنستيّ. فالكتّاب القدماء، سواءٌ كانوا
جغرافيّين أم أطبّاء، أم مؤرّخين، اعتادوا أن يشيروا في مقدّمة كتبهم إلى الأهداف
التي طلبوها، وأن يحدّدوا موقعهم بالنسبة إلى الذين سبقوهم.
ونعطي مثلاً عن هذا، فنذكر الأسطر الأولى لمقالة عن الأعشاب الطبّية منسوبة إلى
ديوسكوريوس، وهو طبيب يونانيّ عاش في القرن الأوّل المسيحيّ: "مع أن كثيرين من
القدماء كما من المحدَثين جمعوا مُعطَيات عن الأدوية، عن مفعولها ونتائجها، سأحاول
أيّها العزيز (فيلتاتي) أريس أن أبينّ لك أنني لم أقم بهذا الدرس باطلاً وعبثًا".
ونجد أيضَا أمثلة عند هيبوكراتس وديموستينس وبوليبس وبلوترخس، وخصوصًا فلافيوس
يوسيفوس.
أخذ لوقا بعادات عصره، فكتب مطلعه في يونانيّة رفيعة وبشكل جملة طويلة ومتوازية،
وحدّد مخطّطه الاجماليّ. لهذا نجد إشارات واضحة إلى الموضوع الذي سيتطرّق له (آ
1ب)، وكلامًا عن الهدف الذي يسعى إليه (آ 4)، عن المراجع التي أفاد منها (آ 1 أ-
2)، عن الاسلوب الذي لجأ إليه ليقوم بعمله (آ 3).
إذا كان لوقا قد تقرّب من مؤرّخي العصور القديمة، فلأنه هدف إلى كتابة تاريخ.
ولكنّنا نتساءل: أيَّ تاريخٍ كتب؟
سؤال يتطلّب جوابًا، لأنّ المؤرّخ القديم كان يحاول الإِحاطة بالأحداث بأكثر ما
يكون من الدقّة، فيضحّي بكل شيء من أجل الحقيقة. ولكن وجب عليه أيضًا أن يلج معنى
الاحداث ويستخرج مدلولها. لهذا قامت مهمّته بأن يجعل التاريخ مفيدًا لقارئه الذي
يكون في وضع مماثل، فيستخرج من واقع قديم عِبرةً من أجل سلوكه الحاضر. مثل هذه
الوظيفة المفروضة على المؤرّخ تدفعه إلى تفسير الحدث التاريخيّ.
ولا بدّ من أن نخطو خُطوةً أخرى مع لوقا لندرك العالم الدينيّ الذي يتحرّك فيه.
إكتسب لوقا ثقافةً من العهد القديم، فعرف تاريخ الشعب اليهوديّ ووَضْعَه الدينيّ
وطريقته في كتابة التاريخ. فالتاريخ لا يُستعمَل للبرهان عن الله، بل للتعرّف إليه
والاعتراف به عبر أحداث يظهر بواسطتها على شعب ليخلّصه. لا شكّ في أن لوقا يتصرّف
كالمؤرّخ، وهذا ما يقول عن نفسه في مَطلعه. ولكنّ التاريخ الذي يدوّنه يتجاوز
تفكيرًا بسيطًا حولَ معنى الأحداث المرويّة ليصبح اعترافا إيمانيّا وشهادة تَحمِل
كلمة الله إلى البشر.
1- الموضوع الذي عالجه
إبتغى لوقا أن يقدّم لمراسله تاوفيلس "روايات الأحداث التي جرت فيما بيننا" (آ 1ب).
إذا كانت العبارة أقلّ وضوحًا من ملخّص الإِنجيل في بداية سفر الأعمال حيث نقرأ:
"دوّنتُ في كتابي الأوّل جميع ما عمل يسوع وعلّم من بدء رسالته" (أع 1: 1)، فهي مع
ذلك تشكّل تحديدًا موجَزًا لكتاب يزخر بالغنى اللاهوتيّ.
ويشدّد الإِنجيليّ على أن مؤلّفه يرتكز على مُعطى وضعيّ: وقائع، أحداث جرت بيننا،
وتعلّقت بحياة يسوع وموته وقيامته.
وهذه الأمور التي تشكّل اليوم موضوع الشهادة الكنسيّة، لا تنحصر بظاهرات خام. إنها
في نظر لوقا تحمل معنى للمؤمن، تحدّثه عن خلاص الله الذي يتمّ وسْطَ البشر (تستعمل
اللغة البيبليّة صيغة المجهول للتحدّث عن عمل الله، فتتجنب تسمية الله بصورة
مباشرة، مر 2: 5؛ مت 4:5؛ 7:6، 9؛ لو 6: 21؛ 22:9). وبكلمة أخرى، ينكشف عمل الله في
حدَث يسوع المسيح ويسطع في وضح النهار، لأنّ مواعيد الكتب المقدّسة قد وصلت إلى
كمالها في شخص يسوع وعمله. من هذا القبيل نلاحظ أننا نجد استعمالَي فعل "أتمّ"
(بليروو: استعمله لوقا وربطه بالكتب المقدّسة) في فم يسوع: في المرّة الأولى في
بداية رسالته العامّة (4: 21: "اليوم تمّت هذه الكلمات")؛ وفي المرّة الثانية في
نهاية رسالته (44:24: "لا بدّ أن يتمّ عنّي كلّ ما جاء"). ما معنى هذا البناء؟ إن
كلّ الأمور التي رواها الإِنجيل تشارك في نظر لوقا، في هذه التتمّة وهي شهادة صارخة
عن قدرة الله العاملة في يسوع.
وهذا الحدث الخلاصيّ الذي يُعلَن في الكنيسة، ما زال يعمل ويتمّ في وسطها. وهكذا
نفهم في أيّ معنى اعتبر لوقا والمسيحيّون أنهم صاروا هم أيضًا شهود مجيء يسوع.
2- السوابق والمراجع المستعملة
لم ينطلق لوقا من لا شيء ليكتب مؤلّفه. هو يُقرّ بأنه عاد إلى مراجع متنوّعة ويبدأ
بالإشارة إلى أن أناسًا سبقوه في هذا المضمار: "لأن كثيرًا من الناس أخذوا يدوّنون
رواية الأحداث" (آ 1 أ). نحن هنا أمام مصطلح أدبيّ نجده مرارًا في المطالع
الهلّنستيّة. مثل هذا القول يتيح لكاتب بأن ينتقد سابقيه، ولكنه يساعد كاتبًا
متجدّدًا على تقديم أوراق اعتماده. هذا الحقّ بالكتابة، يستنتجه لوقا من أن آخرين
سبقوه. فها هو يسير في إثرهم ويتّخذ منهم له مثالاً.
ولكن من هم هؤلاء الذين اقتفى آثارهم؟ لا يسميهم لوقا. وقد يكون "هؤلاء الكثيرون"
بعض أشخاص بينهم مرقس الذي أخذ منه لوقا رسمته الأولى وعددًا من موادّه. لو 3: 1-
6- 19 = مر 1: 1- 3: 19؛ لو 8: 4- 9: 50 = مر 4: 1- 6: 44+ 27:8- 9: 40؛ لو 18: 15-
27:19= مر 10: 13 – 52؛ لو 28:19- 53:24= مر 11: 1- 16: 20. ونتطلّع أيضًا إلى
مقمشين مجهولين تركوا لنا أقوال يسوع التي استقى منها متى أيضًا وسمّيت المَعين،
كما نتطلّع إلى مرجع خاصّ بلوقا غرف منه عددًا من موادّه (هناك إنجيل الطفولة
والقاطعة اللوقاوّية الكبيرة التي تتضمن 9: 51- 18: 14). كلّ هؤلاء سبقوه فحاولوا
أن يرتّبوا الموادّ الإنجيليّة، ويقدّموا بشكل أخبار مدوّنة "الأحداث التي جرت
بيننا".
يعود لوقا إلى سابقيه، ويحدّد أيضًا موقعه بالنسبة إلى أشخاص آخرين، إلى "الذين
كانوا من البدء شهود عيانٍ للكلمة" (آ 2).
عاد لوقا إلى التقليد فجعل نفسه مع عدد من المؤمنين تلقَّوا التعليم ممّن كانوا
شهودًا لأحداث حياة يسوع، ممّن شهدوا له بعد العنصرة وأعلنوا كلمته.
هؤلاء صاروا خدّام الإِنجيل (عاملين من أجل الكلمة). هذا هو معنى "هيباريتيس: خادم
السنهدرين: مر 14: 54 (مت 26: 58)؛ 14: 56؛ يو 7: 32، 45- 46؛ 3:18، 12، 18، 22؛
6:19؛ أع 22:5، 26. وهو يرتدي معنى لاهوتيَّا واضحًا في 1 كور 4: لم حيث يقرب من
مفردة "مرتيس (شاهد) أو يوازيه: خدمة الكلمة، الكرازة، الشهادة هي وظائف اساسيّة
لدى الشاهد. فإذا أردنا أن نترجم "هيباريتيس" في 1: 2 ونحتفظ له بالمعنى القانونيّ
(الذي أعطي أمرًا وطلب منه أن ينفّذه)، ونعطيه المعنى اللاهوتيّ الذي يخصّه، نترجم:
الرسل هم شهود "مرسومين" لكرازة كلمة الربّ.
هؤلاء الشهود يشكّلون فئة واحدة من الأشخاص: نحن أمام الرسل وأمام تلاميذ مثل متيا
وكل الذين كان بإمكانهم ان يُختاروا ليحلّوا محلَّ يهوذا الذي ترك وظيفته ورسالته
(أع 1: 21- 22). ما يجمعهم هو أنهم رافقوا يسوع منذ البدء، أي في نظر لوقا منذ
بداية نشاطه المسيحانيّ... وهذا النشاط الذي خضع لمجيء الروح القدس (18:4؛ ق 21:3
ب)، بدأ في الجليل بعد عِماد كرز به يوحنا، حين دخل يسوع إلى مجمع الناصرة (16:4-
17)، وينتهي مع الصعود. ونظنّ أن لوقا، حين عاد إلى مدلول كلمة "بدء" اللاهوتيّ،
أراد منذ مطلع إنجيله أن يشير إلى العلاقة بين كتابَيه (لو+ أع)، ويشدّد على
التواصل بين بداية رسالة يسوع العامّة وبداية شهادة الرسل. ففي نظر صاحب أع، إنّ
بداية شهادة الرسل خضعت هي أيضًا لمجيء الروح على الرسل: بدأت في أورشليم (أع 2)
فامتدّت إلى أقاصي الأرض.
نجد مفردة البدء "ارخي" في المفاصل المهمّة في مؤلّف لوقا. إنها تعود بنا إلى
مضامين لاهوتيّة محدّدة. رج 1 :2؛ 23:3؛ 23: 5؛ أع 1: 1؛ 1: 22؛ 10: 37. كل هذا
يدلّ على بداية النشاط المسيحانيّ. أمّا لو 47:24 وأع 1: 8؛ 11: 15 فتعود بنا إلى
بداية الإِعلان الرسوليّ.
وإذ عاد لوقا إلى الشهادة الرسوليّة، فقد أراد أن يجعل أساسًا متينًا للتعليم الذي
أراد أن يورده. فالأشخاص والجماعات لا يقدرون أن يتصرّفوا بالإِنجيل على هواهم:
كانوا وحدَهم معاينين لأحداث رسالة يسوع العامّة، فصاروا الأداة الضرورية لنقل هذه
الأحداث إلى الجماعة المسيحيّة. والإشارة إلى هؤلاء الشهود المباشرين تعلن صحّة ما
كتبه لوقا وتكفل حقيقته.
3- أسلوب العمل وترتيب الموادّ
إن الأسلوب الذي أخذ به لوقا هو أسلوب المؤرّخين. بعد أن ذكر مراجع سابقيه أشار إلى
قارئه أنه أراد أن يتحقّق من صحّة التقاليد الشفهيّة والكتابيّة التي وصلت إليه (آ
3).
لم يكن هو شاهد عِيان لعدد كبير من الوقائع التي دوّنها، فوجب عليه أن يبحث عن
معلومات، أن يقوم بأبحاث في كتابات سابقيه وأن يتحقّق من التقاليد الشفهيّة التي
بين يديه.
وهذا البحث تطرّق إلى "كل" شيء، أي إلى مُجْمَل الوثائق التي قدّمها التقليد، فأتاح
للوقا أن يعود "إلى بداية" تاريخ (أو خبر) يسوع. من المعقول أنّ الكاتب أراد أن
يلمّح بهذه الكلفة إلى إنجيل الطفولة، وأن يقول لنا ما زاد عمله على عمل سابقيه.
وما هو أكيد هو أن صفات العمل والالتزام (أع 25:15، 28) الشخصيّة عند لوقا نجدها في
هذا الإِنجيل. فيلفِتُ نظرَنا لا وسعُ وتنوّعُ المراجع المجموعة وحَسْب، بل اهتمامُ
المورّخ (أكثر من متى ومرقس) الذي يقودُنا إلى الأصول البعيدة والسرّية ليسوع
المخلّص (ف 1- 2).
وتميّز عمل لوقا بسِمتَين أُخرَيَين: الدقّة والترتيب. يَلفِت انتباهنا كلمة
"كاثاكسيس" (بترتيب) التي ترِد خمس مرّات عند لوقا (3:1؛ 8: 1؛ أع 24:3؛ 11: 4؛
23:18). هل يعني لوقا أنه يرتّب موادّه حسب نظام كرنولوجيّ دقيق؟ كلا. وقراءة
النصوص تدلّ على أنّ هذا لم يكن هدفه. هل نظر إلى "ترتيب" المجموعات الكبرى التي
تتوالى في الإِنجيل (الطفولة، الجليل، الصعود إلى أورشليم، أورشليم) وفي سفر
الأعمال (أورشَليم، اليهوديّة، السامرة، أقاصي الأرض)؟ هل فكّر بالمقابلات
المتعدّدة التي تربط كتابيه (لو+ أع): لا شك. ولكن هناك أكثر من ذلك. فبقدر ما سعى
المؤرّخ إلى أن يورد الأمور كما هي، بل إلى أن يفسّرها، نظنّ أن الترتيب الذي
يتحدّث عنه لوقا هنا يشير إلى مضمون مؤلَّفه. حين رتّب لوقا الأخبار أبرز معنى
التعليم المُوحى وبُعدَه. وهذا التعليم بأبعاده الخلاصيّة، لا يصل إلى القارئ إلاَّ
عبرَ توجيه فكريّ، وفي النهاية عبرَ شهادة يقدّمها مؤمن إلى أناص يدعوهم إلى
الإِيمان.
4- الهدف المطلوب
تفرّد لوقا عن كتّاب العهد الجديد فأشار بوضوح إلى هدفه من كتابة مؤلَّفه: "رأيت أن
أكتبها لك، يا صاحب العزّة تاوفيلس، حتى تعرف (تقتنع) صحّة التعليم (الكلمات) الذي
تلقَّيته" (آ 3- 4).
هذا الإهداء الذي يوافق رَسْمة معروفة في مطالع الكتب، يهمّنا بصورة خاصّة، لأنه
يعكس الوضع الكنسيّ في الرُبع الأخير من القرن الأوّل، ويحاول أن يتصدّى للأسئلة
التي تُطرح.
ظنّ البعض أن هدف لوقا هدفٌ دفاعيّ (أبولوجيّ)، وكأنه يريد أن يجتذب إلى الحقيقة
المسيحيّة تاوفيلس الذي وصلت إليه معلومات، بل حصل على تعليم دينيّ في إطار التنشئة
العماديّة (كاتاخاتيس في 1: 4؛ رج روم 18:2؛ 1 كور 14: 19؛ غل 6: 6؛ أع 18: 25).
أجل، إن لوقا عرف "الأحداث التي جرت بيننا" (آ 1). ولكن هدف لوقا الأساسيّ هو هدف
لاهوتيّ: أن يبيَّن بوضوح لمراسِله أنّ التعاليم التيٍ تلقّاها هي ثابتة وأكيدة.
يريد أن يثير لدى تاوفيلس وقارئيه ثقة كاملة وتعلّقًا صُلْبًا بالواقع المسيحيّ.
لماذا؟ لأنه في نهاية العصر الرسوليّ هذه، هدّد إيمانَ المسيحيّين عدّةُ تيّارات
فكريّة جاءته من الداخل ومن الخارج. فَهِم لوقا أنه إن أراد أن يواجه الخطر بصورة
إيجابيّة، وجب عليه العودة إلى منابع التقليد الشرعيّة، والانطلاق منها لتقديم
الإِنجيل، والتاريخ المسيحيّ. أدرك أن مهمّته تقوم بأن يثبّت الكنيسة على أساس
التقليد، أن يشدّد على ضرورة بُنْية مرتّبة، ليساعد الجماعات على التغلّب على
المحاولات التلفيقيّة وقوى التفكّك التي تهدّدها.
هل نقول بعد أن طرحنا هذه المسألة التي تهدّد الكنيسة من الداخل، هل نقول إن لوقا
لم يوجّه مؤلّفه إلى قرّاء مسيحيّين؟ كلاّ. فترتيب المؤلّف والتشديد على شموليّة
الخلاص يمنعاننا من اتّخاذ هذا الموقف. ثمّ إن لجوء لوقا إلى الفنّ الأدبيّ، فنِّ
المَطْلع والإهداء الذي يميّز المؤلّفات الدنيويّة في عصره، يبينّ لنا أن المسيحيّة
تمثّل في نظره قيمة روحيّة توازي ما نقرأه في مؤلّفات أخرى. في هذه الحال، لماذا لا
نقول إن تاوفيلس الذي أهدى إليه لوقا كتابيه (لو 1: 3؛ أع 1: 1) شارك في نشر
المؤلّف في الأوساط الوثنيّة؟ فمركزه الاجتماعي الرفيع ووضعه كوثنيّ مرتَدّ جعلاه
يدرك هدف الإِهداء. لم يكن هدف هذا الإِهداء فقط إعطاءَ ثِقلَ واعتبار لمؤلّف من
المؤلّفات، بل دعوة تاوفيلس للتعريف بهذا المؤلّف بسبب مضمونه وقصده.
ليس مؤلَّف لوقا شهادةً كنسيّةً وحسب؛ فللإِنجيل وأعمال الرسل بُعدٌ رسوليٌّ أيضًا.
د- ملحق:14:4-15
إن الإِجمالة القصيرة في 14:4- 15 تفتتح القسم الكبير الأوّل في الإِنجيل: رسالة
يسوع العامّة في الجليل (4: 14- 9: 50)، التي تبدأ بداية فعليّة في الناصرة. دخل
يسوع المجمع محدِّدًا مهمّته المقبلة في خُطبة أعلن فيها برنامجه (4: 16 ي).
تقدّم لنا هاتان الآيتان في إيجاز أدبيّ رائع بعض الإشارات الواضحة إلى الطريقة
التي بها نظر لوقا إلى يسوع وسعى إلى أن يقدّمه لنا.
كان أمينًا للتقليد الإزائيّ الذي يشير إلى رجوع يسوع إلى الجليل، بعد فترة التجارب
التي دامت أَربعين يومًا (مر 1: 14 أ؛ مت 4: 12)، فكتب: "وعاد يسوع بقوة الروح إلى
الجليل" (4: 14 أ). عبارة لها أهمّيتها من زاويتين اثنتين.
أوّلاً: أغفل لوقا عَمْدًا الحديث عن توقيف يوحنا المعمدان (أشار إلى هذا السَجْن
في 3: 19- 20، أي في نهاية الكتيّب الذي خصّصه للمعمدان وكرازته الاجتماعيّة، 3: 1-
20)، فشدّد على المركز الذي يحتلّه يسوع في تاريخ الخلاص. إذا كان يوحنا المعمدان
ينتمي إلى زمن التتمّة (لا زمن المواعيد)، فهو المنادي والسابق فقط. وشموع هو الذي
يؤسِّس هذه الأزمنة الجديدة، وبمجيئه يدشّنها. فيه يتمّ حقّا عملُ الخلاص ويبدأ
الإِنجيل (بخلاف مر 1: 1- 4).
ثانيًا: أشار لوقا إلى حضور الروح القدس الشخصيّ (4: 14 أ) فشدّد على الرباط الوثيق
الذي يجمع بين بداية مهمّة يسوع العلنيّة في الناصرة (4: 16ي) ومجيء الروح على يسوع
في الأردنّ (3: 31 ي. هكذا يرتبط خبر التجارب بالرؤية التي حصلت بعد عماد يسوع). ثم
إنه ذكّر قرّاءه أن خبر يسوع كلّه يسير بقوة الروح هذه (3: 22؛ 23: 46).
إن آ 14- 15 اللتين تصوّران نتائج هذه القوة (ديناميس) الفاعلة في يسوع، تفهماننا
أن يسوع قام بعمل امتدّ زمنًا طويلاً في الجليل قبل أن يعود إلى الناصرة: "فذاع
صيته في جميع تلك الأنحاء، وكان يعلّم في مجامعهم، فيمجّدونه كلّهم". ولكنّ لوقا لا
يقول شيئًا أكثر من ذلك: فإجمالته لا توضح مضمون هذه الكرازة (ق مر 1: 4 1ب، 15؛ مت
4: 17ب) ولا المكانَ الجُغرافيّ المحدّد الذي بدأت فيه هذه الرسالة العامّة
(كفرناحوم بالنسبة إلى مت 13:4 ومر 1: 21). همّه أن يصل سريعًا إلى حدَث الناصرة
الذي يستبق به التقليد الإِزائيّ (مر 6: 1-6؛ مت 53:13-58)، ويتوسّع فيه بصورة
كبيرة.
وبالنظر إلى هذا المشهد الحاسم، يشير لوقا هنا إلى تعليم يسوع في "المجامع" (4: 15
و 4: 16، 20، 28)، وهو موضوع يعود إليه مرارًا في إنجيله (28:4، 44؛ 6: 6؛ 13: 10).
ولكنه يشدّد على التمجيد الذي يناله يسوع (4: 4 أب، 15) بسبب المَنحى المأساويّ
الذي ستتّخذه هذه الأحداث في حياته.
إن لوقا يعرف كلَّ المعرفة أن هذا "التمجيد" (والإِكرام) الذي يحيط بيسوع اليوم،
سيصبح موضوع رفض لدى أبناء وطنه وبلدته (23:4- 30). ويعرف أن هذا الاعتراف الأوّل
لَنْ يدوم طويلاً، وأنّه يجب على يسوع، أن يتألّم "ليدخل في مجده" (26:24). ولكنه
يعرف الطريق الذي يسير فيه، وهو لا يقدر أن يبدأ خبر هذا الرجل "الذي مرّ وهو يصنع
الخير"، دون أن يحدّد الهدف الأخير الذي هو القيامة.
الفصل السابع
البشارة بمولد يوحنا
1: 5- 25
ان زمن الوعد بالخلاص انتهى مع يوحنا المعمدان، وزمن تتمة المواعيد بدأ مع يسوع.
يوحنا هو أعظم مواليد النساء (من ولد من امرأة)، والاصغر في ملكوت الله هو اكبر منه
(28:7). اذن يسوع اعظم من المعمدان.
يبدأ الانجيل ثلاث مرات مع يوحنا، وثلاث مرات يمتد مع يسوع. كل بداية مع يوحنا هي
في خدمة يسوع: الوعد (1: 5- 56)، الولادة والطفولة (57:1- 2: 52)، الحياة العامة
(3: 1- 13:4). تسير الاخبار بطريقة متشابهة، ولكن ما يقال عن يسوع يتجاوز حتى من
الوجهة الخارجية ما يقال عن المعمدان. على يسوع ان يزيد ويوحنا ان ينقص (يو 3: 30).
هيأ المعمدان الدرب ليسوع. والمعمدان هو وارث اكبر شخصيات تاريخ اسرائيل: شمشون،
صموئيل، ايليا. وسيستعمل الانجيليّ كلمات من العهد القديم ليصوّر يوحنا المعمدان
ويسوع. فتاريخ الخلاص لا يدمِّر اليوم ما خلقه بالامس، بل يستعيد الماضي ليتمه،
ليكمله. ويسطع النور شيئًا فشيئًا إلى أن يأتي النهار. ان قدرة عمل الله تظهر كل
يوم بوضوح أكثر. قال الرب بلسان أشعيا (14:29): "ها أنا أعود واصنع لهذا الشعب
اشياء عجيبة، اشياء غريبة لا تفهم. وهكذا تضمحل حكمة حكمائه ويختفي عقل عقلائه.
فالمسيح هو هدف التاريخ وكماله.
وهكذا ندخل في الوعد. مع جبرائيل، رسول الله، نتلقى بشارتين: مولد يوحنا ومولد
يسوع، والولدان سيلتقيان بلقاء امهما. ثلاثة أشخاص سيكونون فِي أساس ثلاث دورات:
زكريّا، أليصابات، يوحنا. يمثل زكريّا الهيكل، وأليصابات الشعب وملكه، ويوحنا النبي
وأرضه. ولكن النصّ يشدّد على الكلمة النبويّة التي تفعل فعلها في أرض إسرائيل،
ستفعل مع زكريِا بانتظار أن تصل إلى مريم فتصبح جسدًا في أحشائها بقوّة الروح
القدس.
1- زرع مقدس (1: 5- 7)
يتمّ خلاص الله داخل تاريخ البشر. يبدأ خبر طفولة يسوع كما يبدأ خبر سفر يهوديت:
"في أيّام ارفكشاد" (يه 1: 1). او كما تبدأ قصّة شمشون: "وكان رجل من صرعة من قبيلة
دان اسمه منوح" (قض 2:13). "كان كاهن من فرقة ابيا اسمه زكريّا" (آ 5).
يعود الخبر الى هيرودس الكبير (39- 4 ق. م) الذي سمي ملك اليهوديّة، مع العلم أن
اليهوديّة تعني في عالم اليونان المنطقة التي يسكن فيها اليهود. اذن، أوسع من منطقة
محدّدة عاصمتها اورشليم. مثلاً نقرأ في 4: 44: مجامع اليهوديّة، وهو يعني مجامع
اليهود في الجليل. ولهذا قرأت شواهد مخطوطة "الجليل" بدل "اليهوديّة". رج 17:6؛ 23:
5؛ أع 10: 27. اذن تعني اليهوديّة فلسطين في معنى عام.
ارتبط مولد يوحنا بزمن هيرودس، ملك اليهوديّة. أمّا مولد يسوع فارتبط بالإمبراطور
اغوسطس الذي يحكم "على الأرض المسكونة كلّها" (2: 1). انحصر يوحنا في عالم
اليهوديّة الضيق، أمّا يسوع فحمل الخلاص الى العالم كله.
زكريا هو كاهن وهو ينتمي إلى الفئة الثامنة من الفئات الأربع والعشرين الكهنوتيّة
التي يتكلّم عنها 1 أخ 7:24- 17 (رج نح 21: 1- 7). وامرأته أليصابات كانت هي أيضًا
من نسل هارون. زكريا أي الربّ تذكر. وأليصابات (أو) اليشبع): الله اقسم، حلف. انهما
باران. انهما ينتميان إلى "القديسين" (أي المكرّسين لله) في البلاد. تزوج الكاهن مع
سليلة الكهنة حسب متطلبات الشريعة الكهنوتيّة. وهكذا انتقل الكهنوت إلى يوحنا، وهو
ينتقل بالوراثة. يوحنا كاهن بكل معنى الكلمة، مقدَّس لله ومكرّس لخدمته. ولكن شتّان
ما سيكون تحقيق هذا "الكهنوت" عنده وعند أبيه.
البشارة بيوحنا تحيط بها أنوار القداسة. إنه يقف على عتبة زمن الخلاص. إنه "فجر"
التقديس الآتي في شخص يسوع. لقد بدأ الله ملكه، بدأ يقدس اسمه (2:11). هذا ما قاله
في حز 20: 41: "حين اخرجكم من بين الشعوب وأجمعكم من البلدان التي شتّتكم فيها،
اتقدَّس فيكم على عيون (امام، بمرأى) الأمم". فكشفُ مجد الله هو أيضًا كشف قداسته.
ولد يوحنا في جوّ من القداسة. إنه نسل مقدّس. والداه بارّان أمام الله، أي حافظان
لكلّ وصايا الشريعة. دعوة تعاش في الطاعة لإِرادة الله، والقداسة هي خضوع لله
ولطريقه في حياتنا.
زكريّا وأليصابات يسيران في كلّ وصايا الله وفرائضه. لا عيب فيهما ولا لوم (آ 6)
غير أنّهما يبدوان كموضوع عقاب إلهيِّ. فأليصابات تشبه حنّة أمّ صموئيل، التي حبس
الربّ رحمها (1 صم 1: 5- 6)، تشبه ميكال ابنة شاول وزوجة داود (2 صم 23:6). إنها
عاقر. ثم إن الزوجين قد طعنا في السنّ. نحس هنا وكأنّنا أمام بداية جديدة لما حصل
لإِبراهيم وسارة. قال تك 11: 30: "وكانت ساراي (أو سارة) عاقرًا ليس لها ولد".
وتشكى ابراهيم إلى الله لأنه لم يرزقه ولدًا وسيكون وريثه قيّم بيته اليعازر
الدمشقي (تك 15: 1- 4؛ رج 18: 10؛ 14). ولكن الربّ سيعيد الأمور الى نصابها بكلمة
ميثاقه، وسيرسل ملاكه.
إن الوجوه الكبرى في تاريخ الخلاص هم أولاد نساء عاقرات. إنهم عطيّة الله ونتيجة
تدخّل إلهيّ في طبيعة ضعيفة وعاجزة. هذا ما كان وضع اسحق (تك 16:17) وشمشون مخلّص
شعبه والقاضي في أموره (قض 2:13) وصموئيل (1 صم 1- 2). وانتمى يوحنا أيضًا إلى هذه
الوجوه العظيمة. كان ابن النعمة، وتكرّس لله بصورة جديدة في البرّ والقداسة.
كانوا ينظرون إلى العقم على أنه عار. تأخّرت راحيل زوجة يعقوب ولم تحمل. ولمّا حملت
وولدت ابنًا قالت: "كشف الله عني العار" (تك 23:30؛ رج 1 صم 1: 10، اش 4: 21). بل
كانوا يحسبونه عقابًا من الله. فالشرّ كلّ الشرّ ان يموت الزوج والزوجة وهما عقيمان
(لا 20: 20- 21). وهذا ما حدث لزوجة داود، ميكال، التي "عاقبها الله" كما ظنّ الناس
فماتت ولا ولد لها يذكرها بعد موتها. ولكن الله يستخرج الخير من "الشر" فيجعل من
بعض "مرسليه" واحبّائه ابناء المعجزة. إنه يتدخّل بصورة خاصة، وهذا ما فعل بالنسبة
إلى يوحنا المعمدان.
2- بشّر به في ساعة مقدّسة (8:1- 12)
يجري المشهد في أورشليم، في الهيكل. "وحصل" (وكان) انه بينما كان يكهن (آ 8). مرّة
أولى قرأنا "وحصل" في آ 5: "وحصل في أيّام هيرودس، ملك اليهوديّة". في آ 5- 7 نحن
في الوضع السابق للحدث. ومع آ 8 نبدأ بداية جديدة. جاء زكريّا إلى الهيكل وبدأت
مسيرة تحوّل من الفراغ (عقم أليصابات) إلى الملء (وحبلت أليصابات) وذلك بكلمة قالها
الملاك باسم الله. وفي آ 23 سنقرأ مرّة أخيرة: "وحصل انه لمّا تمّت أيام خدمته
الليتورجيّة". في آ 11 ظهر الملاك في المعبد، وفي آ 22 ذهب الملاك وخرج زكريا من
المعبد، فكنّا أمام تحوّل آخر ينطلق من كلام الملاك الى صمت زكريّا الذي لم يؤمن
بكلمة الله.
وبدأ زكريا خدمته. كان على كلّ كاهن أن يؤمّن الخدمة الليتورجيّة اسبوعين في السنة،
أمّا مهمات كل يوم بيومه فكانت تتمّ بالقرعة. أمّا الشعيرة الاحتفاليّة الكبرى فهي
تقدمة البخور (رج خر 30: 1- 9) في الصباح قبل المحرقة وبعد الظهر، حوالي الساعة
الثالثة. وما كان للكاهن ان يقوم بها إلاَّ مرّة واحدة في حياته.
إذن يبدأ خبر السابق في معبد الهيكل، في المكان المقدّس (القدس الذي يقابل قدس
الأقداس). كان الكهنة وحدهم يدخلون إلى هذا المكان، أمّا الشعب فيبقى في الخارج
مصليًا. والكاهن نفسه لا يدخل إلاَّ إذا عيّنته القرعة ليقوم بالخدمة المقدّسة في
جوار الله. الله قريب من شعبه في هيكله، ولكن لا يقترب منه الاّ من سمع النداء:
بالقرعة أو بدعوة خاصة كما حدث لزكريّا. الله قدّوس وهو بعيد لا يُدرك، إلاَّ اذا
تنازل بنفسه.
بُشر بيوحنا ساعة تلاوة الصلاة الاحتفاليّة، ساعة ذبيحة البخور الذي هو رمز الصلاة
الصاعدة الى الرب: "لتكن صلاتي بخورًا موضوعًا امامك، ورفع كفي ذبيحة مسائيّة" (مز
2:141). يضع الكاهن على الجمر المتقد على المذبح الذهبي حبّات البخور، ويرتمي على
الأرض مصليًا. ويصلي الشعب من الخارج بدوره: "ليدخل اله الرحمة إلى المعبد وليقبل
راضيًا ذبيحة شعبه". إن المحطات الكبرى في تاريخ الشعب تقع في وقت الصلاة. ونقول
الشيء عينه بالنسبة إلى حياة يسوع: العماد، التجلّي، اختيار التلاميذ...
"وظهر ملاك الربِّ". تبدأ البشارة في السماء ومن هناك تنزل. ظهر الملاك عن يمين
مذبح البخور. الجلوس عن اليمين يدل على ألكرامة والعظمة (مز 110: 1؛ حز 10: 3:
الكروبيم واقفون عن يمين بيت الله). وجهة اليمين تدل على الخلاص، تعد بالخلاص (مت
25: 33).
كان نداء من قلب زكريا وأليصابات، فجاء الملاك جوابًا على صلاة زكريا. إن الله
يتّصل بالانسان عبر ملاكه. وهذا ما نجده أيضًا في دا 9: 20- 21 قال النبي: "بينما
كنت أصلّي واعترف بخطيئتي اذا بجبرائيل قد طار سريعًا ولمسني في وقت تقدمة المساء".
الرؤية هي نقطة يستند اليها الكاتب، هي طريقة يدل بها على ان الاتصال تم بين الله
والانسان. لا يشدّد لوقا على الرؤية بل على "البلاغ" الذي أوصله رسول صادق من عند
الله، رسول "وجيه" أقام في "مقعد الشرف" بين المذبح والمنارة (أو: الشمعدان)
المسبعة الفروع.
أثارت الرؤية في قلب زكريا الاضطراب والخوف، وهذا امر طبيعي حين يكون الانسان أمام
الله. الله هو الآخر، هو الذي لا يُدرَك. قال اش 6: 5: "ويل لي، اني سأموت. فقد
شاهدت الله". إن رسول الله يحيط به شعاع مجد الله وقداسته، وهذا ما يفرض الاحترام
والإِكرام. أما حاول يوحنا مرتين في سفر الرؤيا أن يرتمي على قدميه ويسجد للملاك
(رؤ 19: 10؛ 8:22)؟
تتحدّث التوراة مرارًا عن هذا الاضطراب يحلّ بالمؤمنين لدى ظهور الملاك. هذا ما حدث
لجدعون لما علم أن المترائي له هو ملاك الربّ. فقال: "آه أيّها الربّ الاله! رأيت
ملاك الربّ وجهًا إلى وجه) (هذا يعني أنه سيموت. رج 13: 22؛ خر 6:3، 33: 20- 23؛ تك
32: 31). فقال له الرب: "سلام لك! لا تخف فإنك لن تموت" (قض 22:6-23). نلاحظ هنا أن
النصّ يتكلمّ مرّة عن ملاك الرب ومرّة أخرى عن الربّ. الملاك هو الذي يدلّ على حضور
الربّ، ولكن الربّ هو الذي يتكلّم مع الانسان ولا حاجة له إلى وسيط.
وسيضطرب منوح والد شمشون وزوجتُه (قض 13: 20- 22) كما سيضطرب طوبيط (طو 12: 16)
ودانيال (8: 17- 18؛ 10: 7- 8، 11، 16).
ويتحدّث النصّ عن الخوف الذي هو شعور الإنسان أمام سرّ يحسّ بتساميه. ونجد هذا
الخوف أيضًا في العهد الجديد: حين يكشف الله عن حضوره أمام الرعاة (9:2)، على جبل
التجلّي (34:9) او بعجائبه (1 65؛ 5: 26؛ 7: 16).
3- ولد مقدّس (1: 13- 17)
حين يظهر الله نفسه أو ملاك ويحدّث انسانًا من الناس، يبدأ فيضجعه: لا تخف. هذا ما
قاله الملاك لزكريا. وهذا ما قاله لابراهيم حين تراءى له وعقد معه ميثاقًا: "لا تخف
يا ابرام. انا ترس لك" (تك 15: 1). أي أنا احميك ولا اريد لك الموت. وحين تراءى
الرب لاسحق قال له: "انا اله ابراهيم ابيك. لا تخف. أنا معك. أباركك (والبركة تدلّ
على الحياة، على كل خير) وأكثر نسلك" (تك 26: 24). وشجّع الربّ يعقوب النازل إلى
مصر (تك 3:46) وجدعون (قض 6: 23) وطوبيط (طو 12: 17).
"سُمعت صلاتك، سمعَ الله دعاءك". صلاة بصلاتين. صلاة فرديّة شبيهة بصلاة ابراهيم:
ليس له ولد ولا يمكن أن يكون له ولد بسبب عقم امرأته وكبر سنّه. ولكن رجاءه ثابت.
وصلاة جماعيّة من أجل الشعب الذي ينتظر الخلاص المسيحانيّ: "متى تشقّ السماء وترسل
الصديق"! هذا الخلاص الآتي سيحمل الفرح والبهجة إلى الكثيرين.
لا تخف. جاء الله ليعين البشر لا ليسحقهم، وهو سيستجيب صلاة زكريا فيعطيه نسلاً،
ثمّ يتمّ الوعد المسيحانيّ. أجل منح الله زكريا موضوع صلاته، بل اعطاه أكثر ممّا ما
طلب، وهذه هي طرق الله الدائمة في البشر. فهذا الولد لن يكون كسائر الأولاد،
ورسالته ستعني شعب إسرائيل كلّه. معه يبدأ الفرح المسيحانيّ (آ 14)، معه يبدأ إعلان
البشارة (آ 19).
والله يحدّد اسم الولد. وفي الوقت عينه يمنحه قدرته والمهمّة الملقاة على عاتقه.
اسمه يوحنا أيّ الله يتحنّن، الله يُنعم. إن زمن افتقاد الله صار قريبًا، ويوحنا هو
مَن يعلن زمن الخلاص هذا.
مولد يوحنا يبعث الفرح في نهاية الأيّام والبهجة في الخلاص. لا يفرح والداه وحَسْب،
بل عدد كبير، بل الجماعة المؤمنة. إن دعوة يوحنا مهمّة في تاريخ الخلاص: إنه يضع
حدًّا لزمن الوعد وبعلن الزمن الجديد، زمن الخلاص. في أولى أيّام المسيحيّة كانت
جماعة أورشليم تحتفل بخدمة ربّها الليتورجيّة "بالفرح وبساطة القلب" (أع 2: 46).
مولد يوحنا هو العلامة الأولى لمجيء المسيح، لبدايات تدخّل الله الحنون.
كما بشّر الله ابراهيم، هكذا بشّر زكريا: "ستلد لك سارة ابنًا وتسميه اسحق" (تك 17:
19؛ رج قف 13: 3، 5؛ اش 7: 14).
"سيكون عظيمًا أمام الرب". كان إيليا يقف "أمام الربّ" كالخادم (1 مل 17: 1؛
15:18). وهذا هو وضع يوحنا. غير أن موقع يوحنا في تاريخ الخلاص سيجعله فوق جميع
العظماء في تاريخ الخلاص. كلّهم عاشوا ينتظرون ملكوت الله وخلاصه، أمّا يوحنا فوجد
نفسه على عتبة الملكوت وأعلن مجيئه (7: 28).
كانت حياة البار في تاريخ اسرائيل مكرّسة لله. وهكذا كانت حياة يوحنا. قال الرب عن
الكهنة المكرّسين لله: "لا تشرب خمرًا ولا مسكرًا، لا أنت ولا بنوك، حين تدخلون
خيمة الاجتماع". ونقرأ عن شمشون أن الله طلب من والدته: "لا تشربي خمرًا ولا
مسكرًا، ولا تأكلي شيئًا نجسًا" (قض 13: 4). أمّا الصبي فيكون منذورًا (ناسكًا،
حرفيًا: نذر)، مكرسًا لله من بطن أمّه وهو يبدأ بخلاص إسرائيل (قض 13: 5). إن
التكريس يرتبط برسالة، ولهذا كان يوحنا مكرسًا للربّ لا لرسالة حربيّة بل لرسالة
روحيّة.
"يمتلئ من الروح القدس" (رج 1: 41- 44). اذن، يكون نبيًّا. بعضهم نال المهمة
النبوّية وهو كبير السنّ مثل عاموس، وآخرون دُعوا منذ الدقيقة الأولى من حياتهم، من
بطن أمّهم. هذا ما حدث لشمشون (قض 13: 5؛ 17:16) وارميا (ار 1: 5): "قبل أن أصوّرك
في البطن عرفتك (اي اخترتك، دعوتك)، وقبل ان تخرج من الرحم قدستك (اي كرّستك)
وجعلتك نبيّا (وارسلتك) إلى الأمم". وهناك عبد الله الذي قال عن نفسه في اش 49: 1:
"الرب دعاني منذ كنت في الحشاء، وردّد اسمي (ذكر اسمي) وأنا في بطن أمّي" (رج آ 5).
هذا يعني أن الربّ أعدّ هذا الشخص من أجل رسالة. هذا ما اكتشفه بولس الرسول فيما
بعد: "الله الذي فرزني (جعلني جانبًا) منذ كنت في جوف أمّي ودعاني بنعمته... (غل 1:
16).
يعلن الكتاب عن زمن الخلاص بملء الروح. وهناك تدرّج وتعمّق من شمشون إلى صموئيل إلى
يوحنا. شمشون لا يقصّ شعره. صموئيل لا يشرب خمرًا ولا مسكرًا. سيحتفظ يوحنا بهذه
الممارسة الثانيّة، ولكن حياته ستكون مليئة بالروح القدس.
ويدل الربّ حالاً على حنانه ورضاه حين يرسل ذلك الواعظ بالتوبة ساعة تمّ الزمان.
يردّ يوحنا إلى الربّ كلّ الذين مالوا عن الله من شعب إسرائيل. ويقوم هذا التبدّل
برجوع عن الخطيئة. بتحوّل في العقلية، بموافقة الحياة لإرادة الله. وهكذا يرث يوحنا
رسالة جده "لاوي" كما يصوّرها ملا 2: 6 ("ردّ كثيرين عن الاثم")، بل هو يكون
المنادي أمام الربّ الآتي، ويشبه ايليا (ملا 3: 23) فيقوم بمهمته بروح ايليا وقدرته
على العمل.
ويبدأ ابن زكريا بتجديد الميثاق (العهد). قال ملا 3: 1، 24: "ها أنا أرسل رسولي
(ملاكي) أمامي ليهيّئ لي الطريق. يصالح الآباء مع البنين والبنين فع الآباء، لئلا
يأتي ويلقي اللعنة على الأرض". سيجتمع الناس في شعب واحد، وهذا الشعب الواحد سيتّحد
بالله.
4- أمانة الله القدوس لمواعيده (1: 18- 23).
وفعل زكريا كما فعل قبله آباء العهد القديم. وعد ابراهيم بأن ينال أرض كنعان
ميراثًا له فقال:" يا رب، كيف اعرف أني سأنالها ميراثًا" (تك 7:15 ي)؟ وطلب جدعون
علامة فشهد أن الله يصدق في كلمته، في وعده (قض 36:6 ي). وهذا ما فعله الملك حزقيا
(2 مل 20: 8).
أجل، أجاب زكريا: "كيف أعرف هذا"؟ هي صعوبة جديدة. كيف نوفّق بين بشارة تفتحنا على
المستقبل وواقع حاضر هو عقم أليصابات وكبر سنّ الزوجين. وُيزادُ على كلّ هذا. عدمُ
إيمان زكريّا ("لأنك ما آمنت بكلامي"، آ 20). فزكريّا يطلب علامة أو بالأحرى
"معرفة" فوق تلك التي كُشِفت له، وكأن كلمة الله تحتاج إلى أن تُبرِّر نفسها. عند
ذاك ترافقت عطيّة الله مع المجازاة: إن الكلمة التي تخصب أليصابات ستجد علامتها في
"بكم" زكريا واستحالة النطق عنده. تكلّم الله فصار الانسان أصمّ وأخرس (1: 22، 62).
ولكنّنا لسنا أمام عقاب (رج اش 12:7: لا أسأل الربّ ولا أجرّبه)، بل أمام علامة
دوّنت في لحم زكريا ودمه. فبفضل هذا البكم سيُحفظ سرّ الولادة. وستكون الولادة
المنتظرة عند أليصابات علامة لمريم. وسيعود الموضوع عينه في آ 24: "اختبأت أليصابات
خمسة أشهر". لم تختبئ من العار، فالعار هو بأن تكون عاقرًا. اختبأت لأن مسيرة الخبر
تفرض أن يبقى السرًّ تامًّا ستعرفه مريم وحدها، بوحي من الله بفم الملاك جبرائيل.
إن حبل أليصابات سيكون العلامة التي أعطاها الملاك للمرأة.
كان الاقتراب من قدس الأقداس خطيرًا للكاهن، لأنه يواجه فيه حضور الله (رج لا 10:
1- 2؛ خر 22:19، 24؛ 24 . 11؛ قض 22:6- 23). ولهذا يجب أن لا يتأخّر هناك. وخلال
تقدمة البخور كانت الموسيقى تعزف. وبعد أن تنتهي التقدمة، كان المحتفل يخرج عائدًا
إلى الشعب المصلّي. حينئذ كان الجميع ينحني لينال بركة الكاهن التي احتفظ لنا سفر
العدد بإحدى تعابيرها: "يباركك الربّ ويحفظك. يضيء الربّ بوجهه عليك ويرحمك. يرفع
الربّ وجهه نحوك ويمنحك السلام" (عد 24:6- 26). أمّا الاحتفال فيصوّره ابن سيراخ
حين يتحدّث عن الكاهن الأعظم سمعان (سي 50: 1- 21).
حين يتحدّث لوقا عن الهيكل يستعمل كلمة "ناوس" (المعبد، آ 9، 21، 22) وهو القسم
المخصّص للكهنة. إنه مقام الله. ولن يستعمل هذه الكلمة إلا في 45:23: حين يموت
المسيح يتمزّق حجاب المعبد: فعلى الصليب حيث يسلّم يسوع روحه لأبيه يقدّم الخدمة
الليتورجيّة التي تمارس الآن. بدأ انجيل لوقا في المعبد وانتهى في الهيكل (53:24).
إنه ليتورجيا عظيمة والمحتفل فيها هو يسوع المسيح. وهذه الليتورجيا هي غفران
(34:23) ومباركة (24: 5- 51). على الصليب قال يسوع: "اغفر لهم يا أبي لأنهم لا
يعرفون ما يعملون". وحين ارتفع إلى السماء رفع يديه وبارك جميع تلاميذه، فراحوا
بدورهم إلى الهيكل "يباركون الله على الدوام" (آ 52).
"فلمّا انتهت أيّام خدمته رجع إلى بيته" (آ 22). لم يكن الكهنة يسكنون أورشليم، بل
كان عدد كبير منهم يقيم في مدن فلسطين. وانتهى اسبوع خدمة زكريا فترك المدينة
المقدسة وهو يحمل معه سرًّا عظيمًا، وتتمّة رغباته العميقة والعلامة أنه لم يكن
فريسة الخيال وأن الله سيحقّق وعده. عاد أبكم ولكنّه عاد وقلبه يعمر بالثقة. الله
حنان. حدثت البشارة خلال الليتورجيّا في الهيكل والرب أجاب إلى توسلات شعبه وكهنته.
وبعد أيام قليلة سيعرف الهيكل ذروة بهائه. سيأتي الله بنفسه ويملأه بمجده. هل سيعلن
الكهنة هذه الفرحة على الشعب، أم أنهم سيظلون صامتين لأنهم لم يؤمنوا؟
5- وتمّ الوعد المقدّس (1: 24- 25)
إن أليصابات هي واحدة من تلك النساء العاقرات اللواتي سيحبلن بصورة طبيعيّة بعد
تدخل علوي من عند الله. مثل سارة التي حبلت باسحق (تك 17:17) ومنوح التي صارت أمّ
شمشون (قف 2:13) وحنّة التي صارت أمّ صموئيل (1 صم 1: 22، 5). كان الرحم مغلقَا حتى
الآن (1 صم 1: 5) ففتحه الله (تك 19: 31). أمّا مريم فستحبل بالروح القدس من دون
تدخل رجل. لا تزال أليصابات في العهد القديم، أمّا مع مريم فبدأت "خليقة الله
الجديدة" التي فيها لا يستطيع الانسان شيئًا. بل ينتظر الخلاص ويتقبله في الإِيمان.
ويرتّب الله أحداث التاريخ دون أن ينتزع من البشر حرّيتهم. واختبأت أليصابات خمسة
أشهر. لم يكن أحد يدري بحالها. وفي الشهر السادس عرفت مريم بالأمر بعد أن قال لها
الرسول الإِلهيّ: "هذا الشهر هو السادسة لتلك التي تدعى عاقرًا" (1: 36). وهكذا
صارت أليصابات علامة منحها الله لمريم.
لماذا اختبأت أليصابات؟ فأم ذاك الذي هو مكرّس لله ستعيش كأنّها هي أيضًا مكرّسة
لله. أمّا بالنسبة لأم شمشون فتلك كانت إرادة الله: فجاءني رجل الله. كان وجهه كوجه
ملاك. كان منظره رهيبًا. قال لي: ها أنت تحبلين وتلدين ابنًا. منذ الآن لا تشربي
خمرًا ولا مسكرًا ولا تأكلي شيئًا نجسًا. فهذا الولد يكون مكرّسًا لله منذ بطن أمّه
حتى نهاية حياته" (قض 6:13 ي). مثل هذا النوع من الوحي يتضمّن عزلة واختباء. في تلك
الساعة الحاسمة، عادت أليصابات إلى التذكرات البيبليّة لتعرف إرادة الله.
وامتلأت أيّام الرجاء والانتظار بالصلاة. شكرت أليصابات الله: "هذا ما صنع لي، هذا
ما أعطاني". وكانت تتذكّر دومًا عمل الله فيها: نظر أليّ، ألقى نظره على خادمته.
وتذكّرت حالتها الماضية وما كان فيها من ذلّ: نزع عنّي عار العقم. لقد اختبرت هي
بنفسها ما اختبره شعبها خلال تاريخه: "تذكّرْ كل الطريق التي سيّرك (جعلك تسير)
فيها الربّ إلهك في البريّة هذه الأربعين سنة. سمح أن تعرف الضيق وامتحنك ليختبر
أفكار قلبك... سيُدخلك الربّ إلهك أرضًا صالحة... " (تث 8: 2- 7).
وتبقى بعد هذه البشارة الرسالة التي تنتظر السابق والمرسل الذي يتحدث عن تتمة تاريخ
الميثاق الشامل الذي وعد به ابراهيم وتحقق بيسوع. يشدّد لوقا على الميثاق مع
إبراهيم أكثر ممّا يشدّد على ميثاق سيناء، لأنه يريد أن يدلّ على انفتاح الكون كلّه
على الخلاص.
كان زكريا وأليصابات "بارّين"، وكانا يسيران في كل وصايا الربّ وفرائضه، كانا بلا
عيب (آ 6). غير أن زكريا لم يثق بكلام الملاك (آ 20). فلا بدّ أن تأتي رحمة الله
الفيّاضة فتتحمّل عدم إيمانه وتتجاوزه. ويجب أيضًا أن يتلفت عدد كبير من أبناء
إسرائيل إلى الربّ إلههم. أن تعود قلوب الآباء إلى أبنائهم. أي أن تصبح الأجيال
الأمينة للشريعة شعبًا مستعدًا كلّ الاستعداد ومهيّأ ليكتشف في يسوع ذلك الذي يتمّم
وعد الله (أع 13: 24).
الفصل الثامن
البشارة
1: 26- 38
إن خبر البشارة يقدّم لنا مثالاً رائعًا عن الطريقة التي بها يكلّمنا الانجيل والتي
بحسبها نقرأه. نُخطئ إن نحن بحثنا عن تقرير أمين لمحادثة بين مريم وجبرائيل، أو
جعلنا منه دراسة سيكولوجيّة عن نفسيّة البتول. نحن أمام تعليم لاهوتيّ يقدّمه لنا
لوقا في هذه الصفحة الجميلة بواسطة حوار يورده بين أم يسوع ورسول السماء.
وقبل أن نميّز بين المعطى التقليديّ الذي تسلّمه لوقا، والتقديم الأدبيّ الذي
ارتداه هذا النصّ، لا بدّ من إدراك التعليم الذي يريد أن يلقّننا إيّاه عَبْرَ
تحليل البُنية التي يعطيها لهذه المقطوعة. إعتاد لوقا أن يكيّف المبنى على المعنى،
ونحن نكتشف الواحد، فنلِج الآخر.
بعد مطلع يقدِّم لنا المشهد والأشخاص (آ 26- 27)، نقرأ الحوار الذي يشكّل جوهر
الخبر وينقسم إلى مرحلتين (آ 28- 33 وآ 35- 37) عَبرَ السؤال المركزيّ في آ 34.
وترد خاتمة قصيرة فتنهي المشهد (آ 38).
1- المَطْلع (آ 26- 27)
منذ البداية تقدّم لنا الآيتان الأولَيان ملاحظاتٍ جديرةً باهتمامنا: ملاحظةً حول
الزمان، تربط هذه البداية لطفولة يسوع بما قيل عن طفولة يوحنا المعمدان. حبلت
أليصابات فاعتزلت (اختبأت) في بيتها خمسة أشهر (آ 24). "وفي الشهر السادس" من هذا
الحساب نفسه، سيُحبل بيسوع. وحين ذهبت مريم إلى أليصابات غداةَ البشارة (آ 29) بقيت
عندها "ثلاثة أشهر" (آ 56) حتى ولادة يوحنّا المعمدان.
وهناك معطية المكان. تدلّ ناصرة الجليل على قرية صغيرة غير معروفة، بل محتقرة (يو
1: 46). ولكن التنقيبات الأخيرة دلَّت على وجودها منذ زمن الملوك في شعب إسرائيل.
وبعد هاتين الملاحظتين يقدّم لنا لوقا الأشخاص: مريم. ويشدّد النصّ مرّتين على
وضعها كبتول. ويوسف خِطّيبُها لا زوجها (رج مت 1: 18، 20) هو من بيت داود. لا يقول
النصّ إن مريم انتمت إلى السلالة الداوديّة، ولكنه لا ينكر هذا الانتماء الذي تحدّث
عنه تقليد آباء الكنيسة. فضّل بعض الشرّاح القول إنها من نسل هارون بسبب قرابتها مع
أليصابات (آ 36: نسيبتك اليصابات، آ 5: اليصابات من سلالة هارون). ولكن قد نكون
أمام قرابة بالزواج والتعاهد بين قبيلتين. ونلاحظ أنّ عب 7: 13- 14 تنفي ارتباط
يسوع بكهنوت إسرائيل: "ينتمي يسوع إلى عشيرة ما قام أحد منها بخدمة المذبح. فمن
المعروف أنّ ربّنا طلع من يهوذا".
يبقى أنّ العهد الجديد لا يؤكّد على أصل مريم الداوديّ بطريقة واضحة. وفي أيّ حال،
ليس هذا التأكيد بأمر ضروريّ ليكون يسوعُ حقُّا "ابنَ داود". فأبوّة يوسف الشرعيّة
تكفي لتثبت هذا اللقب (رج مت 1: 1، 6؛ 16: 20- 25). ولكن إن قلنا إن مريم هي ابنة
هارون، جمعنا في شخص يسوع المُلك والكهنوت: هو ملك بأبيه إذ يوسف هو ابن داود؛ وهو
كاهن بأمّه قريبةِ أليصابات.
2- القسم الأولّ من الحوار: يسوع ابن داود (آ 28- 33)
بعد هذا المطلع يَرِد الحوار الذي نقرأه بإنعام نظر. يبدأ بسلام الملاك لمريم (آ
28). في الواقع، لا نستطيع حقًّا أن نتكلم عن "سلام" وتحيّة. إنَّ "خايري" تمثّل
التعبير العاديّ للسلام عند اليونانيّين، وقد استعمله متى (26: 49؛ 28: 9) ولوقا
نفسه (أع 15: 23؛ 23: 26). ولكن لوقا يعرف أيضًا الطريقة اليهوديّة لتقديم التحيّة
التي تتمنّى السلام (لو 10: 5: السلام على هذا البيت؛ 36:24: سلام عليكم) وقد كان
باستطاعته استعمالها في إطار هذين الفعلين اللوقاوّيين (ف 1-2) المطبوعين بالطابع
الساميّ. فإن قال "خايري" رغم كلّ شيء، فلأنه أعطى هذه اللفظة معناها الأوّل:
"ابتهجي". وهذا القول تؤكّده عدة مقاطع في السبعينيّة أثَّرت عليه، مقاطع نجد فيها
هذه اللفظة التي يرافقها نداء إلى الفرح المسيحانيّ.
نقرأ في صف 3: 14: "ترنمّي (ابتهجي) يا ابنة (مدينة) صهيون. إفرحي وتهلّلي بكل
قلبك، يا ابنة اورشليم". ينبع الفرح من الغفران والمحبة. إنتهى الخوف وصار الله
حاضرًا. وهذا الفرح ليس فقط باطنيًّا، بل يعبّرون عنه بالهتاف.
وفي يوء2: 21: "لا تخافي أيتّها الأرض، ابتهجي وافرحي لأنّ الربّ صنع أعمالاً
عظيمة". وفي زك 9: 9: "ابتهجي جدّا يا بنت صهيون، واهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملكك
يأتيك" (رج زك 2: 14؛ اش 12: 6؛ 54: 1: دعوة إلى الفرح في صيغة المفرد؛ اش 44: 23؛
49: 13؛ ار 31: 17، في صيغة الجمع).
إبنة صهيون (وصهيون هي التلّة في أورشليم، حيث يرتفع الهيكل والقصر الملكيّ) هي
أورشليم وهي مدعوّة إلى أن تبتهج بسبب مجيء الله أو حضوره: "الربّ هو ملك في وسطك"
(صف 3: 15). "تعرفون أني أنا الربّ في وسط إسرائيل" (يوء2: 27). "ها ملكُك يأتيك"
(زك 9: 9؛ رج مت 21: 5).
حين نتذكّر أن لوقا يحبّ أن يستلهم السبعينيّة، ولا سيّما في إنجيل الطفولة، وحين
نلاحظ الاطار الذي ورد فيه هذا الفعل في صيغة الأمر (خايري)، لن نشكّ بهذا المعنى.
فمريم مدعّوة إلى الفرح الذي غمر أورشليم. والباعث على هذا الابتهاج هو هو: "الرب
معك". ففي كلتا الحالين، نحن أمام زيارة الله المسيحانيّة التي وِعد بها منذ القديم
وتحقّقت الآن. أو بالأحرى، ما كان لأورشليم مستقبلاً قريبًا، صار لمريم حاضرًا
مباشرًا. فالبُشرى التي أُعلنت للشعب المختار من أجل رسالة، للبقيّة الأمينة للربّ
ولوصاياه، هذه البشرى تركّزت منذ الآن في شخص مريم. فعليها أن تبتهج لأنّ الربّ هو
"معها" ليكون مع شعبها. ستتقبّل الزيارة المسيحانيّة من أجل بني إسرائيل، وفي هذا،
تبدو أنها موضوع نعمة خاصّة. ولهذا قال النصّ: "كاخاريتوميني".
ترجم اللاتين هذا الفعل: ممتلئة نعمة، وكذلك فعلَ السُريان (مليت طيبوتو). وهكذا
صرنا في طريق الاستنتاجات اللاهوتيّة وتركنا بعض الشيء عالم التأويل الكتابيّ. فكر
الشُرّاح بالنعمة المبرّرة، وقدّموا نظريّاتهم حول الملء (والكمال) الذي حصلت عليه
مريم، فصارت أسمى من كلّ خليقة، ولكنّها ظلّت أدنى من المسيح.
مِثلُ هذا التفسير ليس بخاطئ، ولكنه يرتبط لا بالمعنى الحرفيّ، بل بالمعنى الناتج
عن هذا المعنى الحرفيّ. فلفظة "خاريس" التي تشتقّ منها "كاخاريتوميني" لا تدلّ في
العهد الجديد على النعمة المبرِرّة، بقدر ما تدلّ على حنان (جميل، معروف) الله الذي
يقوم بعمل خيّر ومجّانيّ: إنها تدلّ بصورة مباشرة على فعلة مبادرة الله الذي ينحني
على الخليقة مدفوعًا بحبّه فقط. إنه يختارها ويجعلها موضوع رضاه ومسرّته.
وهذا ما نقوله عن مريم حين اختارها الربّ لتتقبّل الزيارة المسيحانيّة. إنها موضوع
نعمة فريدة وامتياز دائم. ولهذا اقترح بعضهم أن نترجم لفظة كاخاريتوميني: مميّزة.
لا شكّ في أنّ لطف الله ومبادرته يغمُران المؤمن. أمّا هذا النصّ فيشدّد على نعمة
الله المجّانيّة لا على النتائج التي تحملها هذه النعمة إلى الخليقة. إنه يشدّد على
امتياز فريد حصلت عليه مريم، لا على الكمال الذي نتج عن هذا الامتياز في نفسها.
ولفظة "كاخاريتوميني" هي في صيغة الماضي التامّ، لأن مريم هي منذ الأزل وتبقى إلى
الأبد موضوعَ حُظوة فريدة تفترضها موهبة الأمومة المسيحانيّة.
"ابتهجي، يا مميّزة، الربّ معك". تلك أفضل ترجمة لكلمة الملاك هذه. لسنا فقط أمام
تحيّة إكرام تلفت النظر إلى استحقاقات مريم، بل أمام نداء الفرح الذي يعلن نعمة
الله الخيّرة، ويجعلنا نستشف زيارته القريبة كما أنبأ بها الأنبياء في الماضي.
مِثلُ هذا الكلام ليس بدايةَ دخول في حديث، وليس تحيّةَ مجاملة. بل هو حضور عميق
ويتضمّن في كثافته الغنيّة بذار ما سيتبع من كلام. إنه صدى لنداء معروف في أُذُنَيْ
المؤمن، وهو يشير إلى عالم من الآمال، عالم من الأسرار. سيأتي يسوع إلى أخصّائه،
سيكون مع شعبه. لقد أنبأت الكتب المقدّسة بمجيء طفل سرّيّ يكون "عمانوئيل" أي الله
معنا (اش 7: 14؛ رج مت 1: 23). فكّر لوقا بكلّ هذا حين أورد كلام الملاك، ودفعنا
إلى التفكير فيه انطلاقًا من موقف مريم.
لن نفهم موقف مريم المعبّر عنه في آ 29، حين لا نرى فيه إلا ردّة فعل سيكولوجيّة.
نقول: اضطربت مريم في تواضعها لأنّ الملاك قدّم لها مديحًا حيّرها. أو نقول:
إستحْيَت بحضور هذا الشابّ الذي دخل إليها. أو: خافت من مشهد الظهور الساطع. حين
نقول هذا، نزيد على النصّ ولا نقوم بعمل تأويليّ صحيح. ثم إن لوقا واضح في نصّه:
اضطربت مريم "لكلامه" وتساءلت: "ما معنى هذه التحيّة"؟ فهمَت أنها أمام سرّ. إن
لهذه الكلمات معنَى خفيّا لا بدّ من ولوجه. هذا ما أدركته مريم، وعلى القارئ أن
يدركه بدوره. ولهذا، فبعد أن أيقظ الملاك انتباه مريم، استعاد كلامه ليقول بوضوح ما
تضمّنته عبارته الأولى من معنى مغلّف.
نلاحظ أنّ آ 30 و 31 تقابلان آ 28 كلمةً كلمة. كان الملاك قد قال: "ابتهجي". وهو
يقول الآن: "لا تخافي". سمّى مريم "المميّزة"، وها هو يدعوها باسمها ("مريم") ويؤكد
حقّها بهذا اللقب: "نِلتِ حظوةً (نعمة، خاريس) عند الله"، أي أنت موضوع امتياز من
قبل الله. وأخيرًا، أعلن لها: "الربّ معك". وها هو يفسّر الآن ما قاله: لأنها ستلد
طفلاً يكون المسيح المنتظر. وقبل أن يصل إلى هذا التحديد الأخير في آ 32- 33، يعلن
هذه الولادة بعبارة مقَوْلبَة نجدها في نصوص عديدة من التوراة.
نقرأ في تك 16: 11 عن إسماعيل: "وقال لها (هاجر) ملاك الربّ: "ها أنتِ حامل،
وستلديِن ابنَا وتسمّينه إسماعيل". ونقرأ عن إسحق: "بل سارةُ امرأتك ستلد لك ابنَا
وتسميّه أسحق" (تك 17: 19). وقال ملاك الربّ لأمّ شمشون: "ستحملين وتلدين ابنًا...
وهو يبدأ بخلاص إسرائيل" (قض 13: 5). ونقرأ خصوصًا في اش 7: 14 عن عمّانوئيل، عن
ابن الملك الذي سيلد فيؤمّن وارثًا للملك: "ها إن العذراء (الصبيّة، علمة في
العبريّة) تحبل وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل".
سيُدعى الطفل يسوع، لأنّ هذا هو اسمه التاريخيّ، ولكن لا شكَّ في أنّ الملاك (ولوقا
معه) يفكّر بعمّانوئيل، بابن بتول. هذا ما سيبيّنه لنا النصّ.
وترِد الألقاب المسيحانيّة للولد الموعود به في آ 32- 33. هناك صفة "عظيم" وقد
طُبّقت على يوحنا المعمدان (آ 15)، فأبقتنا في الغموض حول هويّة هذا الطفل. غير أن
صفة "ابن العليّ" تفتح عيوننا على ما في هذا الطفل من عظمة. لن نكتشف حالاً بنوّة
يسوع الالهيّة في معنى الايمان المسيحيّ. هذا الاكتشاف سيتمّ بعد القيامة. أمّا في
العِهد القديم فعبارة "ابن الله" أو "ابن العلي" استعارة تقال لمن يشارك الله
مشاركةَ خاصّة في حياته الحميمة. فالملاك هو ابن الله (مز 29: 1؛ أي 1: 6)، والشعب
المختار هو ابن الله (حك 18: 13؛ رج هو 11: 1 حيث يقول الله: "من مصر دعوت ابني")،
واليهوديّ التقيّ يسميّ نفسه "ابن الربّ" (حك 2: 13 ). والمسيح الملك اختاره الربّ
ومسَحه، وقال فيه: "أكون له أبًا ويكون لي ابنا" (2 صم 14:7؛ مز 7:2: "انت ابني،
أنا اليومَ ولدتك"؛ 89: 27: "يدعوني أبي وإلهي").
وسيمتدّ هذا الاستعمال في العهد الجديد، فيكتب لوقا نفسه: "أَحبوّا أعداءكم فتكونوا
أبناءَ العليّ لأنه صالح لناكري الجميل والأشرار" (6: 35).
إذا عُدنا إلى سياق خبر لوقا نجد أنّ اللقب مسيحانيّ، وإن هيّأَنا لما نجده فيما
بعد: قدوس وابن الله. فما يلي حتى نهاية آ 33 يدلّ بصورة واضحة على الكرامة
المسيحانيّة لهذا الطفل الذي يولد: يرثُ عرش داود، يملكُ مُلكًا مؤبّدًا على بيت
يعقوب. هذه هي كلمات الوعد بالمسيح الداوديّ كما قالها ناتان لداود (2 صم 7: 12-
13) وردّدها اش 9: 5- 6 بمناسبة حديثه عن عمانوئيل.
وهكذا علّمنا القسمُ الأَوَّل من الحوار أنّ مريم ستنال في شخصها زيارة مسيحانيّة
أعلن عنها الأنبياء، فتصبح أمَّ المسيح المنتظر. حتى الآن، حافظت الفكرة على نفسها
في خطّ المواعيد التي عبّرت عنها التوراة بوضوح. والعنصر الجديد: ما كان انتظارًا
لمستقبل بعيد أو قريب، وجدَ الآن تحقيقه المباشر والملموس. ولكن شكل هذا التحقيق
بحبَل بتوليّ، يمثّل رِفدًا جديدًا يرفع هذه الولادة إلى مستوى آخر، ويقدِّم معنى
آخر للقب "ابن الله" الذي سيُعطى للطفل الذي سيُولد. هذا ما نتعلّمه من القِسم
الثاني من الحوار (آ 34- 38).
3- القسم الثاني من الحوار
أ- سؤال مريم (آ 34)
تبدأ هذه المرحلة الثانية بسؤال في آ 34: "كيف يكون هذا، لأني لا أعرف رجلاً"؟
قبل أن نشرح النصّ، لابدّ من تحديد نقطتين. الأولى: نفهم فعل "عرف" بالمعنى
البيبليّ، وهو يدلّ على علاقات زواجيّة. فان أخذناه في المعنى المعروف وجعلنا مريم
تقول إنها لم تتعرّف إلى أحد، نعتناها بالسذاجة بل بالنفاق، لأنها مخطوبة ليوسف.
النقطة الثانية تتعلّق ببتوليّة مريم. فلفظة "مخطوبة" في آ 27 لا تفي بالمراد. وإذ
أراد لوقا ان يزيل كلّ شكّ، كتب مرّتين في آ 27: "بارتينوس" أي عذراء، فقال: "إلى
عذراء مخطوبةٍ لرجل اسمُه يوسف من بيت داود، واسمُ العذراء مريم". كلمة "عذراء" هي
التي تعطي المعنى الحقيقيّ لسؤال مريم ولجواب الملاك.
منذ القديس أغوسطينس اعتاد التأويل الكاثوليكيّ أن يشرح سؤال مريم بنَذْر نذرَته
مريم بأن تبقى بتولاً، وهذا ما يتعارض مع الولادة التي بشّر بها الملاك. هذا
التفسير ليس بأكيد من الوُجهة الكتابيّة، ولهذا جاء من يعارضه كما جاء من يدافع
عنه.
الذين يعارضون النذر يلاحظون أنّنا لا نجد توافقًا عند الآباء ما عدا غريغوريوس
النيصيّ وأغوسطينس. وان مثل هذا النَذر ظلّ مجهولاً حتى القرن الخامس لدى امبروسيوس
وايرونيموس. كما يبدو لهم أنه لا ينتج طوعًا من حرفيّة النصّ: إن فعل "غينوسكو" لا
يكفي ليقول: "لا أريد أن أعرف رجلاً". أو: "لن أعرف رجلاً". إنه يعبّر بصورة
طبيعيّة عن واقع مريم الحاليّ: لا علاقات زواجيّة في حياتها. فهي مخطوبة (حسب
العادة في أرض إسرائيل، هي تقيم في بيتها) وهي تدهش في هذه الظروف من حَبلٍ قريب.
ومقاومة مريم التي فرَضها التفسير الكلاسيكيّ تدهشنا: ما قيمة نَذرٍ خاصّ ضد مخطَّط
إلهيّ أشار اليه الملاك. ونتساءل أيضًا عن معنى هذه الخُطبة مع يوسف.
ويناقش الشُرّاح خصوصًا مبدأ نَذر البتوليّة الذي نذرته مريم: الزواج يكَّرم في
إسرائيل تكريمًا يجعله وضعًا طبيعيًّا يفرض نفسه على كلّ انسان، لاسيّما على
النساء. تتحدّث النصوص عن أحد الربّانيّين الذي ظلّ عازبًا، فاستحقّ اللوم بسبب
ذلك. أما الأسيانيّون، فقد شكّلت عزوبيّتهم شُذوذًا دفعهم إليها تأثير غريب عن
العالم اليهوديّ، ودفع الرجال دون النساء (تحدّث فيلون عن "بتولات مسنّات" لدى
"الآسيين" العائشين في مصر). ولكن يبقى أنّ اليهوديّة الأرثوذكسيّة في فلسطين لم
تمتدح العزوبيّة.
إن المسيحيّة هي التي رأت في البتوليّة حالةً أسمى من الزواج، وذلك على خُطى تعاليم
يسوع (مت 19: 12: "من لا يتزوّجون من أجل ملكوت الله") ومثال حياته، وعلى خطى مريم
التي اختارها الله أمًا على ان تكون عذراء. ولقد وقع عدد من الناس في مغالطة
تاريخية حين تخيّلوا العذراء مريم مكرّسةً للرب على مثال العذارى المسيحيّات في
القرنين الرابع أو الخامس. فالأسفار المنحولة عوّدتنا على أن نرى مريم المكرّسة لله
والعائشة في الهيكل منذ نعومة اظفارها، وأن نتخيّل يوسف شيخًا اختاره الكهنة ليحمي
بتولية زوجته الصبيّة. هذه صور خاطئة ولا بدّ من محاربتها. فلا سلطة قانونيّة
للأسفار المنحولة التي نجد فيها آثار هرطقة تعففيّة تحتقر سرّ الزواج المقدّس.
إذا وضعنا مريم في المحيط الحياتيّ لعصرها، يبدو من الطبيعيّ أنها فكّرت بالزواج
مثل كل رفيقاتها في أرض فلسطين. لهذا خُطبت ليوسف ونحن لا نخاف من هذا القول الذي
يمكنه، كما يقول البعض، أن يمَسّ نقاوة مريم وقداستها.
إنهم يتجاهلون قداسة الزواج الذي نادت به التوراة مرارًا. سوف نرى كيف أن بتوليّة
مريم ارتبطت بنداء الله لها يوم البشارة: "الروح القدس يحلّ عليك، وقدرة العليّ
تظلّلك".
وقال أيضًا أصحاب الرأي التقليديّ: لا شكّ في أن بتوليّة مريم لم تكن المثال
العاديّ لامرأة تعيش في فلسطين. ولكن وضع مريم هو فريد، وقد هيّأ الله مخطّطه
بالنسبة إليها، فأوحى إليها باكرًا بدعوة عجيبة، وإن كانت قد التزمت بالزواج، فلكي
تحافظ على بتوليّتها. سلّمت نفسها إلى الله وسألته أن يلهم يوسف عواطف توافق
عواطفها.
إن الحوار بين النظريّتين يدلّ على أن الشُرّاح يتوقّفون عند سيكولوجيّة مريم،
وينسَون أنّ لوقا يقدّم لنا لاهوتًا. لعبت آ 34 دور المفصلة في الحوار الذي يورده،
فوصلت الحوار الأوّل بالحوار الثاني. أعلن الملاك ولادة المسيح وعليه أن يعلن الآن
الوجه البتوليّ لهذه الولادة. وسؤال مريم الذي يحرّك سؤال القارئ، يهيّئنا لهذه
المرحلة الجديدة. هل افترض لوقا نذرًا للبتوليّة سابقًا لهذا المشهد؟ هناك جدال.
ولكنّ ما لا شك فيه هو تعليمه الصريح الواضح: كانت مريم عذراء، وأكّدت بتوليّتها
حين دعاها الله لتكون أمّ المسيح. هل نذرت فيما مضى أم لم تنذر؟ كلّ ما نعرفه هو
أنها الآن نذرت نفسها بكلّ تأكيد. وستصير إلى الابد الأمّ البتول، وهذا ما يهمّنا
بالدرجة الأولى. أمّا النداء الالهيّ فكان الحافزَ الذي أثار ردّة فعل بسبب حضور
الله وتدخّله بصورة عجيبة.
ب- جواب الملاك: الحبَل البتوليّ. يسوع ابن الله (آ 35- 37)
حمل جواب الملاك الحلَّ لهذه المسألة التي طرحناها، وشكّلت آ 35 العنصر الجوهريّ في
الحوار كلّه وتتويج العرض اللاهوتيّ الذي قدّمه لوقا. لهذا سنتفحّص بدقّة كل لفظة
من الألفاظ.
يعلن الانجيل تدخّل الروح القدس في جملة يوافق جُزآها لفظةً لفظة. "الروح القدس" و
"قدرة العليّ"، "يحلّ عليك" و "يظلّلك". يبدأ الفعلان بأداة "آبي" على، يحلّ عليك،
يلقي بظلّه عليك.
أن يأتي (يحلّ) الروح القدس على العذراء، تلك عبارة نجدها في التوراة. مسَح صموئيلُ
داود "فحلّ روح الربّ" عليه (1 صم 16: 13). ونقرأ في اش 32: 15: "يُفاض علينا
الروحُ من العلاء فتصير البريّة جنّة". إن الروح يوَلِّد الحياة في كل مكان
ويُنمّيها.
أمّا الفعل الثاني (أبيسكيازو) فهو قليل الاستعمال ويتضمّن معنىً عميقًا. نجده في
مقاطع من التوراة، وهذا ما يساعدنا على إيضاح مفهومه. في خر 40: 35 يقال لنا إن
الغمام (السحاب) حلّ على خيمة الاجتماع، فرمز إلى مجد الله الذي يملأ المسكن (رج عد
9: 18- 22). وفي مز 9: 4؛ 140: 8 نجد صورة أخرى تستعمل اللفظة عينها: صورة الله
الذي يشبَّه بطير، وأجنحته تُخبئ تحت ظلّها كل الذين يحميهم (رج مز 17: 8؛ 36: 8؛
57: 2؛ 63: 8).
يمتزج هذان الموضوعان في خر 25: 20 و1 أخ 28: 18 حيث يظلّل الكروبان تابوت العهد
بأجنحتهما. فالطير الذي يضمّ جناحيه يحاول أن يحمي صغاره فيخفيهم عن عيون الأعداء
ويحجبهم عن ضرباتهم. ولكنه قد يحضن بيضه ليخرج منهِا الحياة، وهذا يشير إلى صورة
الروح الخلاّق في بداية العالم (تك 1: 2): أنه يُشَّبه بطائر يحلُّ على المادّة
التي لا شكل لها، فيولّد الحياة بأشكال ترتبط بكلمة الله.
ونعود إلى سِياق النصّ لنرى الصورة التي تنطبق على ما كتبه لوقا هنا. إن كلام
الملاك يعلن للعذراء أكثر من عون بسيط وحماية. أمّا الصورة التي تتطلّبها القرينة،
فهي صورة الطائر الالهيّ الذي يضمّ جناحيه ليخلق الحياة. فنحن أمام طفل سيُحبَل به
مع أنّ أمه عذراء. وحين يتكلّم الملاك عن الروح القدس على أنه قدرة يغطّي مريم
بظلّه، فهو يشير بوضوح إلى أن هذا الروح سيلعب دور المبدإ الخلاّق، وسيولّد الحياة
في حشا مريم. نحن بعيدون عن التصوّرات الوثنيّة وزواج الآلهة. نحن في خطّ التوراة
الذي يشدّد على وحدانيّة الله وعمله في الكون. فما يعمله الروح (النسمة الخلاقة)
منذ بدايات العالم، يعمله الآن في حشا مريم فينتج فيها الحبَل البتوليّ.
ونودّ أن نخطو خطوة أخرى: هل نجد في هذا النصّ تلميحًا إلى خر 40: 35؟ كما كان
الغمام يغطّي المسكن السماويّ فيملأه من مجد الربّ، هكذا صارت مريم المسكن الجديد
الذي يظلّله الروح القدس، فضمّت في حشاها الحضور الالهيّ للمسيح ابن الله (مريم هي
أيضًا تابوت العهد وذهابها إلى أليصابات في 1: 39- 44 يشبه دخول تابوت العهد إلى
أورشليم، 2 صم 6: 2- 11). هذا الشرح ممكن وإن لم نجد كلمة "مجد" وفعل "ملأ" في نصّ
لوقا ليصبح قريبًا من نصّ الخروج. ولكن يبقى أن كلام الملاك يُعلن تدخّلاً ساميّا
من الروح الذي سيُحدث ولادة ابن الله المقدّسة بشكل بتوليّ.
"لذلك، فالقدّوس الذي سيولَد يدعى ابن الله". أو: يكون المولود قدُّوسًا، أي
مكرّسًا تكرّيسًا كاملاً لله، وقد نترجم: الذي سيولد يدعى قدّوسًا وابن الله.
إن تسمية ابن الله هي أمرٌ جوهريّ في نظر لوقا، وهي تمثّل نهاية فكره اللاهوتيِّ.
كان قد قال في القسم الأوّل من الحوار إن الطفل سُيدعى "ابن العليّ" في معنىَ
مسيحانيّ، وها هو الآن يعلمنا في القسم الثاني أنّ لقب "ابن الله" يَنال معنىً
جديدًا وساميًا بفضل الحبَل البتوليّ. حُبل بيسوع مباشرة بفعل الروح القدس، لا بفعل
أب بشريّ، فصار ابنَ الله بشكل خاصّ وفريد. نحن هنا على خُطى القديس يوحنّا الذي
يتحدثّ عن كلمة الله المتجسّد في طبيعة بشريّة. نحن هنا أمام إعلانٍ لسرّ التجسّد
يوجّهنا إلى يو 1: 14: "والكلمة صار بشرًا وسكن بيننا".
إن تسمية "ابن الله" عند لوقا كما في التوراة تدلّ على المسيح المنتظر (رج 4: 34،
41؛ أع 9: 20، 22). ولكن لوقا يجعل منها أعظم تعبير عن العلاقة السريّة التي توحّد
يسوع بالله. قد ترِد هذه التسمية على لسان البشر، ولكنها ترد خصوصًا في فم الله
نفسِه (3: 22؛ 9: 35). وفي نهاية كلام الملاك جبرائيل، تسنُد تسميةُ "ابن الله"
تسميةَ "ابن العلي" "فتدلّ على الملء الجديد لبنوّة يسوع الالهية (22: 70).
نحن لسنا بعدُ أمام شرح واضح كما سيقوله الايمان المسيحيّ عن ابن الله يوم دوّن
لوقا إنجيله. ولكننا منذ الآن نجد تبريرًا شرعيًا للقب سيلعب الدور الأوّل في
اللاهوت البولسيّ.
ونتساءل: أما قرَّب لوقا هنا وضع المسيح من وضع آدم كما سيفعل بوضوح حين يورد نسب
يسوع في 3: 23، 38؟ لم يكن لآدم أبٌ إلاَّ الله، وكذا نقول عن المسيح. ومهما يكُن
من أمر الاختلاف الجذريّ في الطبيعة، فهناك تشابه ذو بُعد هامّ اهتمّ به لوقا الذي
تتلمذ على يد بولس: آدم الجديد هو مثلُ آدمَ القديم رئيس الجنس البشريّ. معه تتوقّف
سلسلة السُلالات البشريّة لتنطلق انطلاقة جديدة. تكوَّن يسوع بيد الله مباشرة مثل
آدم فاستحقّ مثله أن يُدعى ابنَ الله بمعنى خاصّ جدّا، وهذا لا يمنعه من أن يكونه
لأسباب فائقة الطبيعة لم تُذكر في هذا المكان من الانجيل.
4- النهاية: قَبول مريم (آ 38)
وتأتي نهاية الحوار. أُعطيت علامة لمريم (آ 36- 37) حسب طريقة هذا الفنّ الأدبي في
البشارات السماويّة (قض 7: 36- 4؛ اش 7: 10- 16). ثم إن لوقا هيّأ بهذه الطريقة
مشهد الزيارة، وجعل الحلقات تتماسك. ولا ننس أنه إن لم يكن إيمان مريم بحاجة إلى ما
يثبّته، فإيمان القراء يستفيد من هذه الآية.
قالت مريم: "أنا خادمة الربّ". قد نكون هنا أمام فعل تواضع. ولكننا بالأحرى أمام
فعل إيمان (آ 45) ومحبّة، لأن لقب "خادم الرب" (عبد الله) يحمل مجدًا لصاحبه.
وانتهى المشهد على قبول مريم. لن نقول إن "الله" انتظر هذا القبول بقلق وكأنه لم
يكن منتظرًا، ولن نقلّل من حرية مريم وعظمة جوابها لله. وتبدو عظمتها بصورة خاصّة
حين وعَت السرّ وأدركت كلّ عمقه، فاستسلمت لمتطلّبات عمل الله
5- الخاتمة
يستند هذا الخبر إلى خبرة مريم الدينيّة، إلى خبرة سريّة غنيّة جدًّا، وإلى واقع
تاريخيّ.
ظن بعضهم أن الاعتقاد بالحبل البتوليّ بالمسيح كان استنتاجًا استخرجه المسيحيّون
الأوّلون من نبوءة عمّانوئيل في اش 7: 14. هذا لا يكفي. فالنصّ العبريّ لهذه
النبوءة مع لفظة "علمه" (التي تدلّ على امرأة صبيّة) لا يدلّ على الحبل البتوليّ.
ثم إن لفظة "برتينوس" اليونانيّة دلّت في نظر اليهود على "ابنة صهيون" التي تجسّد
الجماعة المسيحانيّة تجسيدًا سريًّا. فإذا أردنا ان ننتقل من تشخيص شعريّ إلى واقع
شخصيّ وملموس، احتجنا إلى رِفد جديد من وحي يُعطي لقولٍ نبويّ قديم ملء معناه.
والذي نعِمَ بهذا الوحي الجديد هو مريم. فهي أوّل من عرف من الله أنّ النبوءة
القديمة ستتحقَّق في حشاها بطريقة واقعيّة وعجيبة. ومنها قبلت الجماعة الأولى (اي
الكنيسة) هذا السرّ ونقلته إلى المؤمنين (مت 1: 18-25).
إن هذا المقطع الذي تأمّلنا فيه يقدّم لنا خبرة مريم الخفيّة في إطار إلهيّ. فبحوار
مبنيّ بناءً مُحْكمًا، نجد جوهر هذه الخبرة، وقد جعله لوقا في إطار لاهوتيّ وكتابيّ
من أجل تغذية إماننا.
وعلّمنا هذا المقطع أن ابن مريم سيكون ابن داود ووارثَ العرش المسيحانيّ. حُبل به
بشكل بتوليّ فاستحقّ منذ ولادته لقب ابن الله.
إن سر مجيء ابن الله إلى العالم هو تتويج لكل المحاولات التي هيّأت هذا المجيء في
العهد القديم. لقد رفض الله هيكلاً من حجر أراد داود أن يبنيه له (2 صم 7: 1- 16)،
ولكنه وعده بنسل أزليّ سيكون سلالة داود. لقد تمّ الآن هذا الوعد في مريم التي صارت
"تابوت العهد" و "بيت الذهب "، وفيها جاء الابن يقيم وسَط البشر.
نحن هنا أمام وحيٍ للسرّ "الذي بقي مكتومًا منذ الأزل وظهر الآن". فلا يبقى لنا
إلاَّ أن ننادي به (روم 16: 25- 26).
الفصل التاسع
الزيارة
1: 39- 45
أ- الإِِطار: إنجيل الطفولة
يشكّل إنجيل الطفولة مرحلةً هامّةً في نموّ الوحي في العهد الجديد. حتّى ذلك الوقت،
كان التقليد المشترك يجعل إعلان البُشرى (الانجيل) يبدأ مع عِماد يسوع (مر 1: 1؛ أع
1: 22؛36-37؛ لو 23:3؛ 23: 5؛ مر 1:1). فدخول السابق على المسرح يكوّن مفصلة بين
العهدين: من جهة، هو نهاية التدبير القديم مع آخر الأنبياء وأعظمهم، ومن جهة ثانية،
هو الإِعلان الأوّل لمجيء الملكوت. وعلى هامش هذا التقليد المشترك، ركَّزت بعض
الأوساط الخاصّة في الكنيسة الأولى انتباهها على أصول يسوع البشريّة. فمنذ اللحظة
الأولى لمجيء المسيح وسط البشر، انكشفت كرامته السريّة وإشعاع حضوره الخلاصيّ. إن
أحداث الطفولة تنتمي هي أيضا إلى الإِِنجيل، إلى الخبر المفرح لحدث الخلاص.
1- رسمة لأهمّ المواضيع اللوقاويّة.
عرف لوقا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هذه الحلقات الصغيرة التي رافقت مريم أو
شهودًا آخرين فألقت على أحداث الطفولة النور الذي حمله التاريخ اللاحق. جَمَعَ
تقاليد متعددة (قد يكون بعضها كُتب)، وجعلها في رأس كتابه. أخذها ولكنّه صبّها في
رؤيته الخاصِّة لتاريخ الخلاص وعرض لنا بطريقته (وهي تختلف عن طريقة مت 1- 2)
أحداثَا نكتشف فيها تدبير الخلاص كما سنراه في وَلْي إنجيله وفي سفر الأعمال.
إن الفصلين الأوّلين في الإِِنجيل الثالث يُبرزان منذ البداية مراكز اهتمام رئيسيّة
في لاهوت القديس لوقا: تقبّل الخلاص في الإِِيمان، إشراق حضور المخلّص، فيض الروح
القدس، ظهور رحمة الله، امتياز الصغار والوضعاء والنساء، مناخ الفرح والتعجّب
والمديح. نرى كل هذه السِمات التي تميّز أزمنة الخلاص، نراها بصورة ساطعة لا بعد
العنصرة فقط، أو خلال حياة يسوع العلنيّة وحسْب، بل بصورة خفيّة وحميمة مع أحداث
الطفولة ويوم تقبّل مجيءَ المخلص للمرة الأولى أناسٌ تشرّبوا من تقوى العهد القديم.
2- تأليف النصّ
وحين أراد لوقا أن يُدخل هذه الأفكار في ذهن القارئ، اختار بعض الوقائع البارزة
وقدّمها حسب ترتيب منهجيّ. فأخذ مثلاً بموازاة بين البشارة لزكريّا (1: 5 ي)
والبشارة لمريم العذراء (1: 26 ي)، بين ميلاد (مع الختانة والنموّ) السابق (57:1 ي)
وميلاد (مع الختانة والنموّ) يسوع المسيح (2: 1ي). فبهذا البناء التناسقيّ
والمتدرّج الذي تؤكّده تشابهات على مستوى المفردات والأسلوب فتشدِّد بصورة ظاهرة
على شخص يسوع ودوره، بهذا البناء أبرز الخبرُ الإِِنجيليّ التواصل بين تدبيرين
دينيّين كما أبرز خضوع يوحنا (ومعه العهد القديم) الكامل ليسوع.
وفي خبر الزيارة نجد أيضًا هذا الرباط بين السابق وشموع المسيح، مع رباط مماثل بين
أمّ يوحنا وأمّ يسوع: نجد تشابهًا بين نفسي هاتين المرأتين من جهة، ومن جهة ثانية
سموّ مريم على أليصابات سموًّا لا مثيل له. لقد نالت مريم الآن أهميّة لم يقرّ بها
التقليد المشترك (رج مر 3: 31- 35 وز). فالروح يعلّمنا عَبْرَ رِفد لوقا، أن كرامة
مريم الرفيعة هي جزء من الإِِنجيل، من مُعْطَيات الوحي.
وإذا قُمنا بدراسة نقديّة للمراجع نرى أنّ ف 1 يمزج وثيقتين سابقتين ومستقلّتين
الواحدةُ عن الأخرى. وُجِدَ في البداية خبرٌ يتعلّق بيوحنا المعمدانِ (البشارة
لزكريا، ولادة الطفل، 1: 5- 25، 57- 80). خبر يشكّل وَحدةً كاملة مع ميزات أدبيّة
وتعليميّة خاصّة. ويبدو يوحنا في هذه الوثيقة كالسابق المقبل لا للمسيح، بل ليهوه
نفسه، للربّ (كيريوس) كما يقول العهد القديم.
قال ملا 3: 1: "ها أنا أوفد رسولي فيهيّئ الطريق أمامي. وللوقت يأتي إلى هيكله
السيّد (الله الذي يسود الكون) الذي تلتمسونه، وملاك العهد (عملُ الله عملٌ مباشر،
ولكنهم يجعلونه يتمّ عَبْرَ وسيط احترامًا لله). ها هو يأتي، قال ربّ الأكوان". وفي
ملا 23:3 نقرأ: "ها أنا أرسل إليكم إيليا النبيّ، قبل أن يجيء يوم الربّ العظيم
الرهيب". احتلّ شخص إيليا مكانةً هامّة في الأدب اليهوديّ كسابق للمسيح. وسيبينّ
يسوع أن يوحنا المعمدان قام بهذا الدور خير قِيام (مت 17: 9-13 وز).
نحن نتخيّل ما استخرجه من هذه النصوص المتشيّعون للمعمدان الرافضون مسيحانيّة يسوع.
أمّا وثيقة لوقا الثانية في ف 1 فتتعلّق بمريم: البشارة والزيارة (26:1- 56).
أُقحمت الوثيقة الثانية في الوثيقة الأولى فكان لنا هذه الموازاة التضادّيّة التي
وجدناها بين البشارة لزكريا والبشارة لمريم، مع التأكيد على سموّ مقام مريم.
3- البشارة والزيارة
في هذه الوثيقة الثانية (1: 26- 56) ترتبط الزيارة ارتباطًا وثيقًا بالبشارة. إنهما
درفتان متكاملتان لديبتيكا واحدة. تقبّلت مريم الكلام السماويّ المتعلّق بأمومتها
المسيحانيّة، فسألت الملاك عن بتوليّتها. حينئذ حدّد الملاك الطابع العجائبيّ
والبتوليّ للحبل الذي أعلنه ("الروح القدس يحلّ عليك"). وأعطى علامةً عن هذا الوعد،
علامةً قريبة وسابقة: حَبَل أليصابات العجائبيّ، رغم كبر سنّها وعُقْمِها السابق
("ها نسيبتك أليصابات حُبلى بابن في شيخوختها... وهي التي دعاها الناس عاقرًا"، آ
36).
وفي مسيرة الخبر هذه (كلام الملاك، سؤال مريم، جواب الله الذي يؤكّده الوعد
ويحدّده) نكتشف رسمةً إصطلاحيّة في التوراة تتحدّث عن بشارات بمولد عجيب (تك 17:
15- 22؛ 18: 10- 15؛ قض 13: 2- 14). فبحسب هذه السوابق، تضمّنَ الوعد الإِِلهيِّ
الموجَّه نحو خلاص الشعب، إشارةً إلى علامة (قض 36:6- 40؛ اش 7: 10- 16) سيَروي
الكاتب فيما بعد كيف تحقّقت.
ويعرض حدثُ الزيارة أوّلاً تقريرًا عن هذه العلامة: ارتعش يوحنا في حشا أمّه فشهد
أنها حامل، فكان الضمانةَ لحبل العذراء العجيب. هنا ينتهي الخبر الذي بدأ في
البشارة. وكذلك تتضمّن البشارة لزكريا بعد سؤاله للملاك، إشارةً إلى علامة (صمت
الرائي مدّة طويلة: "وها أنتَ تكون صامتًا"، رج قض 37:6؛ 1 صم 10: 1؛ 14: 8؛ 1مل
13: 3؛ 2 مل 20: 9؛ اش 7: 14؛ 30:37؛ 7:38؛ ار 44 :29) ستتحقّق حين يولد الطفل
(نذكر ان خبر الولادة تلا حالاً خبر البشارة).
ونقول الشيء عينَه عن حدَث الرُعاة (8:2- 20). إن إعلان ميلاد المسيح رافق ذكر
العلامة (اكتشاف طفل يرقد في مذود) التي أسرع الرعاة ليتأمّلوها. إن التشابه بين
هذه الأخبار يدلّ على تماثل فنِّها الأدبيّ. وهكذا فمعنى الزيارة نجده بالنسبة إلى
البشارة. والإِشارة إلى العلامة تطلب التحقق منها.
والخبر الثاني (الزيارة) يعرض ظهور العلامة التي وُعد بها في الخبر الأوّل: تدخّلُ
الله بشكل مهمّ وقريب، ودورُه أن يؤكّد الوعد الأساسيّ المعطى في البشارة (أمومة
البتول المسيحانيّة).
وتتوالى المقطوعة حسب حركة معروفة عند لوقا ببعض آيات المديح: مديح أليصابات لمريم
(آ 42- 45)، مديح مريم لله (آ 46- 55، نشيد التعظيم). تتضمّن خطبة أليصابات ثلاث
مراحل، حيث تشكّل المرحلة الثانية تفسيرًا للحدَث الذي حصل الآن. إن هذه الجملة
المِحْوَريّة التي يسيطر عليها لقب "أمّ الربّ"، تقع بين جملتين أُخرَيَين تمتدحان
مريم بلغة المباركة (آ 42: "مباركة أنت في النساء") ولغة التطويبة (آ 45: "طوبى
للتي آمنت").
وهكذا يُغْني لوقا المعنى الأوّل للحدَث (التحقّق من العلامة) بتعاليم أخرى تهمّه
بصورة خاصّة حول الكرامة الفريدة لأمّ الربّ. وأخيرًا يَرِدُ نشيد التعظيم، وهو
نشيد شكر تتفوّه به العذراء. وهكذا تنتهي متتاليةُ البشارةُ والزيارة.
وتتضمّن المقطوعة التي ندرس قسمَين:
أوّلاً: الحدَث: لقاء المرأتين، ارتعاش الطفل في حشا أُمّه. وهكذا ظهرت العلامة
التي وعد بها الملاك في البشارة.
ثانيًا: خطبة أليصابات التي تفسّر الحدَث وتمتدح أمّ الربّ.
ب- ظهور العلامة (آ 39- 42 أ)
1- اللقاء (آ 39- 40)
نلاحظ منذ قراءتنا الأولى للنصّ توافرَ التعابير البيبليّة: قامت وانطلقت، في تلك
الأيَّام... إن التأمّل المسيحيّ انصبَّ في قوالب استعملها الكتاب المقدس. والهدف
هو تَبيان التواصل المسيحيّ بين العهد القديم والعهد الجديد.
... "في تلك الأيّام". هذه الإِشارة الغامضة والمتواترة عند لوقا تَعني هنا (كما في
7:23): "في تلك الأيَّام عينِها". وهي تربط خبر الزيارة بالخبر الذي سبقه. فكلام
الملاك المتعلّق بحبَل أليصابات العجائبيّ يتضمّن دعوةً إلى مريم لكي تذهب وتتأمّل
العلامة العجيبة. وانطلاقة مريم هي جواب على ما أوحى به الملاك.
وانطلقت مريم حالاً في خضوع إيمانها وهي متأكّدة من كلام الله. انطلقت "مسرعة" نحو
أليصابات. وما إن وصلت حتى وقفت على حقيقة العلامة.
إن اللفظة التي تتحدَّث عن سرعة العذراء لا تشير بصورة مباشرة إلى العجلة في
الإِنطلاق والسرعة في السفر. إنها تدلّ بالأحرى على استعداد داخليّ وحالة نفسيّة
تتألّف من الورَع والتقوى، من غيرة لأمور مهمّة. وفي العهد الجديد تدلّ اللفظة
دومًا على مثل هذا الاستعداد الباطنيّ.
وإذا عُدنا إلى سِياق النصّ نرى أن "سرعة" العذراء تحرّكها عواطف ثلاث:
- مخافة دينيّة وشعورٌ رهيب أمام الأحداث العجيبة التي تحصل. نقرأ في آ 29: اضطربت.
وفي آ 30: لا تخافي.
- الفرح: فالملاك يدعوها إلى الفرح (آ 28: ابتهجي)، وأليصابات تحدّثها عن ابتهاج
الجنين في حشاها (آ 44)، ومريم تُنشد بدورها: "تبتهج روحي بالله مخلّصي" (آ 47).
- الإِِيمان: لقد انتهى خبر البشارة في موضوع الإِِيمان (آ 38). وسنتذكّره في نهاية
هذه المقطوعة: "طوبى للتي آمنت" (آ 45).
ونفهم هذه الاستعدادات بطريقة أفضل إن نحن عُدنا إلى سفر دانيال الذي يعبّر عن
عواطف الملك بالطريقة عينها. بعد أن شاهد الملك معجزة الفتيان الثلاثة في الأتّون،
كتب دا 3: 91: "حينئذ دَهِش نبوكد نصّر الملك وقام بسرعة وسأل أصدقاءه". وبعد معجزة
نجاة دانيال من جبّ الأسود، نقرأ: "وفي الغداة، قام الملك عند الفجر وانطلق مسرعًا
إلى جبّ الأسود" (دا 6: 20).
نحن هنا أمام أسلوب جليانيّ، والإِِطار إطار رؤيا ووحي، يصوّر جواب الإِنسان
وتوسّله أمام تدخّل عُلويّ سيحدث دهشةً مقدّسة وإعجابَ الفرح وتعلّق المَؤمن بعمل
الله.
نستطيع أن نفكّر أيضًا بمحبّة مريم التي عجّلت بالذهاب لمساعدة نسيبتها المسنّة
التي ستصبح أمًّا. هذا الباعث هو أمرٌ مسلَّمٌ به في الظرف الحاضر. ولكن الكاتب
الملهم لا يذكره ولا يلمّح إليه.
وانطلقت مريم إلى الجبل، إلى مدينة في يهوِذا، إٍلى بيت زكريّا. تتردّد أداة "ايس"
(إلى) اليونانيّة ثلاث مرّات فتحدّد لنا شيئَا فشيئا المكانَ الذي تتوجّه إليه
مريم. وهذا ما يدلّ على الحركة والاندفاع اللذَين يحملان مريم، على الفرح والحماسة
اللذين يحرّكانها منذ كلام الملاك السعيد ومجيء الله إليها. وهذا الفرح سوف يتفجّر
في نشيد التعظيم.
لا يهتمّ الإِِنجيليّ لظروف السفر، ولا يذكر اسم "مدينة يهوذا" التي انطلقت إليها
مريم. فهي مدينة غيرُ معروفة، على ما يبدو، وغيرُ مهمّة من الناحية اللاهوتيّة.
وحين وصلت مريم إلى نسيبتها أليصابات، بدأت فوجّهت لها التحيّة المعروفة: تمنّت لها
الفرح والسلام والخلاص حسب ما تقول التوراة. لا يفصل لوقا عبارات السلام هذه،
فمضمون كلمات مريم لأليصابات أقَلُّ أهميّةً من حدث اللقاء الذي فيه ستظهر العلامة.
2- وارتكض الجَنينُ من الفرح (آ 41- 42 أ)
إن تحيّة مريم، شأنُها شأنُ تحيّة الملاك، حملت نعمةً وأنبأت بحضور الله. ومنذ
اللحظة الأولى للقاء بين المرأتين ظهرت العلامة: حين دلّت مريم على وصولها، سمعت
أليصابات صوت نسيبتها. ويشدّد الإِِنجيليّ على هذا الواقع في آ 41 (خبر الحدث) وقي
آ 44 (تفسير الحدث بفم أليصابات).
أحسّت أليصابات وهي في شهرها السادس، بحركة الولد الذي تحمله. حينئذ امتلأت من
الروح القدس لتفسّر هذا الحدث.
إن عددًا من العبارات المستعملة هنا تثير فينا الدهشة: الجنين ارتكض، قفز، رقص
(سكيرتاوو، رج مز 114: 4، 6؛ ار 27: 11؛ ملا 3: 20؛ تك 25: 22؛ لو 23:6). وأطلقت
أليصابات صوتًا عظيمًا، صوتًا جهيرًا (زعقت، صاحت). إن مثل هذا الكلام يذكّرنا بقوة
هجومَ الروح القدس في العهد القديم أو في أيّام الكنيسة الأولى. حينئذ كان يحلّ
الروح على أحد المختارين فيعطيه أن يتنبّأ، أي أن يتكلّم باسم الله ويفسّر الأحداث
بحسب المخطّط الإِِلهيّ. والانخطاف المفاجئ الذي يُمسك بالطفل، والصُياحُ الذي
أطلقته أليصابات، دلاَّ على الطابعَ الخارق لقبضة الروح. يرى الإِِنجيلي هنا أكثرَ
من فرحة طبيعيّة لدى امرأة مسنّة ستصير أمًّا، أكثرَ من شعور عميق لدى تلك التي زال
عنها العارُ من بين الناس (آ 35). ما يحدُث لها ينغمر في تيّار إلهيّ، في مُناخ
تدخّل غلوي تظهر قوتُه بصورة غريبة.
لا يقول لوقا هنا بوضوح إن الروح القدس حلّ على يوحنا المعمدان. لقد جاء يملأ
أليصابات فيجعلها تتنبُّأ. كان قد أورد الإِِنجيليّ في آ 15 كلامَ الملاك جبرائيل
لزكريّا: "يمتلئ من الروح القدس". وهذه الآية أثّرت على تدوين آ 41: "امتلأت
أليصابات من الروح القدس".
حين جاءت مريم التي يقيم فيها الحضور الإِلهيّ، ملأ الروح القدس يوحنّا المعمدان
وأمّه. وتكلّمت أليصابات كأمّ السابق. ومنذ الآن ابتهج السابق وشهِد لذلك الذي
تحمله مريم في حشاها. في نظرة لوقا اللاهوتيّة، يدلّ هذا المشهد على استباق للقاء
بين المسيح وسابقه في بداية حياة يسوع العلنيّة.
ج- أليصابات تمتدح مريم (آ 42 ب- 45)
تشكّل الكلمات المنسوبة إلى أليصابات خُطبةً نبويّة: ألهمَها الروح فانصبّت في
أشكال التوراة الغنائيّة (مباركة، تطويبة)، وحملت حماسةً واندفاعًا مقدّسًا. دلّت
على مجيء المسيح الذي هو أساس كرامة أمّه.
في الواقع، تعبّر هذه الكلمات عن تفكير مسيحيّ مبنيٍّ بناءً مُحْكمًا، وهو يعود إلى
الروح القدس.
لا يعتبر لوقا أنه يورد كلمات أليصابات بحرفيّتها. ويبدو من الصعب أن نقبل بأنّ
أليصابات، حتى مع أنوار الروح الخاصّة، استطاعت أن تعرف منذ اللحظة الأولى أنّ مريم
حبلت هي أيضًا وأنها ستصبح أمًّا وأمَّ المسيح، أنها تلقّت رسالة من السماء وتجاوبت
معها في الإِِيمان، وأنّ ابن مريم هو ذلك الذي سيكون يوحنا المعمدان سابقَه... وكيف
تسَتطيع أن تتكلّم أليصابات عن "ثمرة بطنك" وعن "أمّ ربّي" ساعةَ حبِلت العذراء؟
كلّ هذا الكلام فهمته الكنيسة فيما بعد، وجعلته في فم أليصابات. فالثمرة التي قطفها
المؤمنون كانت في البَذْرة التي وضعها الروح القدس يوم كان يوحنا بعد في حشا أمّه.
وتتوزّع خُطبة أليصابات في ثلاث جمل موضوعةٍ الواحدةُ قربَ الأخرى، ومرِتبطةٍ
الواحدةُ بالأخرى بحرف العطف (كاي في اليونانيّة). أجابت أليصابات أوّلاً على تحيّة
مريم مُستعملة المباركة لتنشد نعمة الله الخارقة التي غمرت مريم بسبب ابنها. ثم
فَسَّرت بأسلوب مليء بالاستشهادات الكتابيّة، الحدثَ الذي حصل فيها: إن إرتكاض
الجنين المفاجئ في حشاها يتوافق ووصولَ مريم. هذا ما يجعلها تنشد مجيء أمّ الربّ.
هذا اللقب هو قِمَّة مديح أليصابات لمريم. وأخيرًا، طوَّبت مريم العذراء وتغنَّت
بإِيمانها في منظار تتمّة الوعد الإِلهيّ الذي تأكّد وصار قريبًا. وهكذا تتوحّد
جملُ الخُطبة الثلاثُ في النظرة الى الأمومة المسيحانيّة.
1- مباركة أنتِ (آ 42 ب).
تتضمّن الجملة الأولى جزئين متوازيَين، ولكن لا فعلَ فيها. وإذا نظرنا إلى القرينة
(التي تعلن مريم أمّ الرِبّ) نفهمها أمرًا محقَّقًا لا تمنّيًا: إنّها تعني: أنتِ
مباركة فعلاً، لا: كوني مباركةً. هذا التعبير الدينيّ الصِرف نجدُه متواترًا في
التِوراة. إنّه صرخةُ الإِِعجاب والفرح أمام شخص غفره الله بعطاياه، أمام شخص بانَ
فيه كرمُ الله وحبُّه. ميّز الله أحدَ الأشخاص فاعطاه القدرةَ والغنى والسعادة،
أعطاه البنين بعد العُقم، والخيراتِ بعد الفقر. قال الربّ لإِبراهيم عن سارة:
"أباركها وأعطيك منها ابنًا. أباركها فتُنجب أمَمًا، ويخرج منها ملوك" (تك 16:17).
ونجد أيضًا صيغة التفضيل: مبارك بينِ الجميع، مبارك فوق الجميع. نقرأ في تث 14:7:
"تكون (أيّها الشعب) مباركًا فوق جميع الشعوب". وفي تث 33: 24: "مباركًا يكون أشير
(أحدُ الأسباط الاثني عشر) بين البنين. يكون مميَّزًا بين إخوته". وُينشد سفر
القضاة (24:5) ياعيل التي قتلت عدوّ شعبها: "مباركة بين النساء ياعيل امرأةُ حابر
القينيّ، مباركةٌ بين النساء المقيمات في الخِيام". وأنشد عزّيّا رئيس الشعب يهوديت
فقال لها: "مباركة أنت يا بنيّة من الله العليّ، فوق جميع نساء الأرض" (يه 18:13).
يستعمل لوقا هذه الصيغة من أجل قوّتها التعبيريّة، لا بالعودة إلى أحداث من تاريخ
إسرائيل. تدهَشُ أليصابات من تدخّل الله في مريم. وإذ أرادت أن تنشد عظمة البتول
التي تتفوّق على كل عظمة، والتي جاءتها مباشرة من الرب، لجأت إلى العهد القديم
تستلهم تعابيره.
والجزء الثاني من الجملة (يوِازي الجزء الأوّل) يجمع في مديح واحد مريمَ وابنَها.
إن المديح الثاني حلّ محلّ الباعث على المديح الأوّل. فالتقاربُ بين المديحَين
واضح: تبارَك مريم بسبب ابنها الذي حظيَ برضى الله بطريقة لا مثيلَ لها. لقد طُبّق
التأويل المعاصر على المسيح مز 118: 26 ("مبارك الآتي باسم الرب") فرأى فيه الكائنَ
الذي باركه الله بركةً لم تصل إلى أحد.
"مباركٌ ثمرةُ بطنك". نحن نقرأ عبارةً مماثلةً في تث 28: 4: "إذا أطعت الربّ...
يُبارَك ثمرُ بطنك" (رج تك 30: 2؛ تث 7: 13؛ 28: 18). ولكن شتّان ما بين ثمرٍ وثمر،
بين ثمرِ بطنٍ عاديّ وذلك الذي قالت فيه إحدى النساء مادحةٍ مريم العذراء: "طوبى
للبَطن الذي حملَك، وللثديَين اللذين أرضعاك" (11: 27).
2- أمّ الربّ (آ 43- 44)
إن الجملة المركزيّة في خطبة أليصابات تقدّم لنا لقبَ مريم الرفيع: أمَّ الربَّ.
وقد أقرّت أمُّ السابق بهذا اللقب بعد الخِبرة التي عاشتها في لقائها بالعذراء.
"أمّ الرب". كيف نفهم هذه التسمية في فم أليصابات أو في إنجيل لوقا؟ إن عبارة
"ربيّ" او "سيّدي" ترتبط بالبَلاط الملكيّ. يُسمَّى الملك ربّي أو سيّدي. ثم
استُعملت التسمية للمسيح، لذلك الملك المثاليّ الذي يأتي في آخر الأيّام. ففي مز
110: 1 نقرأ: قال يهوه (الربّ) لسيدي (أدوناي) الملِك (والمسيح هو الملِكَ الذي
اختاره الربّ ومسحه). وهكذا رأت أليصابات في نسيبتها الصبيّة أمَّ المسيح في كرامته
الملوكيّة. إذن، أعلنت مجيء المسيح نفِسه. تنبّأت عن هذا المجيء.
حين دوّنِ لوقا إنجيله (80 سنة بعد الحدَث)، كان واعيًا أنه يستعمل عبارة تحمل
معنًى ساميًا جدًّا. فيسوع هو ربّ المملكة الاسكاتولوجيّة بقيامته وارتفاعه من عن
يمين الآب. هو لا يجهل هذا المعنى المتعالي، ولكنه لا يوضحه فيقدّم مغالطةً
تاريخيّة. إنه يورد اللقب ويتركه مفتوحًا على تعمّق لاهوتيّ لاحق.
ويفسر النصّ كيف عرفت أليصابات مثل هذه الكرامة في مريم: ارتكاض الجنين حين وصولِ
العذراء، يُفسَّر الآن على ضوء الروح الذي ملأ اليصابات، كحركة فرح وابتهاج. إنه
الفرح المسيحانيّ والاسكاتولوجيّ. تحرّك الطفلُ من الابتهاج، وكان سببُ هذا التهليل
مجيءَ المسيح ألربّ.
إن موضوع الفرح هو مع موضوع الروح القدس ومديح الله صت المواضيع المفضّلة لدى لوقا
الذي سمّيَ أيضًا "إنجيليّ الفرح". فإنجيل الطفولة كلّه ملاحظات تصوّر مُناخَ الفرح
الذي أحاط بمجيء المخلِّص (24:1، 28، 41، 42، 44، 47، 55، 58؛ 2: 10، 13- 14).
لا يخترع لوقا ما نجدُه في هذه اللوحة، بل هو ينقل إلينا مُعْطَيات تقليديّة. أعلنت
أليصابات أنها لا تستحقّ أن تستقبل أمَّ الربّ، ولكن حين جاءت مريم، تهلّل يوحنا
ابتهاجًا. مثل هذا الكلام يذكّرنا بما قاله السابق أمام المسيح في بداية حياته
العلنيّة. في مت 3: 14 نرى يوحنا المعمدان يَدْهَش، ويعلن أنه غير أهل لشرف يمنحه
إيّاه يسوع حين يأتي ليعتمد على يده. وفي يِو 3: 29- 30، أعلن المعمدان فرحه الكامل
وتهليله الطافح لسماعه صوتَ العريس. ثم يعلن حالاً: "له هو أن يَزيد، ولي أنا أن
أنقُض". تلك هي سِمات نفس المعمدان: فرحٌ وتواضع، احتفظ التقليد الانجيليّ
بالاتّجاه العامّ، وعبّر عنه كلّ إِنجيلي بطريقته. ولوقا الذي يلقي الآن اهتمامَه
على طفولة المسيح قرأ الحلقة الحاضرة على ضوء التاريخ اللاحق. فمنذ طفولة المخلّص،
بل قبل ولادته، ارتسمت مسبّقا تصرّفات السابق المقبلة وتصرّفاتُ المسيح.
3- طوبى للتي آمنت (آ 45)
وتلجأ جملة أليصابات الأخيرة إلى أسلوب التطويبة (أبسط من أسلوب المباركة) لتُدخل
فضيلة الايمان عَبْرَ مديحها لأمّ الربّ.
نستطيع أن نقرأ الجملة بطريقتين اثنتين:
- طوبى للتي آمنت أنه سيتمّ (مضمون الايمان)
- طوبى للتي آمنت لأنه سيتمّ (أساس التطويبة)
في الترجمة الأولى، تُهنَّأ مريم مباشرةً بسبب إيمانها. وفي الثانية تُهنَّأ لأن
الوعد الالهيّ تمّ فيها بفضل أمومتها المسيحانيّة. هذه التتمّة تتضمن ايمان مريم،
ولكن الترجمة تشدد على تدخل الله. هذه الترجمة الثانية توافق فنّ التطويبة العاديّ
(طوبى للمساكين لأنهم...). إن هذا الاعلان المؤكد يستند إلى علامة سابقة وقد ظهرت
الآن.
يُنشَد إيمانُ مريم أمام إيمان زكريّا. قال له الملاك: "لم تُؤمن (تصدّق) بكلامي"
(آ 20). أمَّا مريم، فهنيئًا لها لأنها آمنت بكلمة الله التي ستتمّ في أوانها.
يُبرز هذا التعارض مرّةً أخرى تفوّق المسيح على السابق، وتفوّق أمّه على زكريا
وأليصابات.
كتب الانجيليّ هذه الكلمة، ففكر ولا شكّ بقبول يسوع النبويّ الذي سيورده في 11: 28.
فإذا أردنا أن ندرك وعد لوقا في هذا المجال، نقابل 11: 28 مع 8: 21 وز، حيث يقابل
يسوع بين أمّه (وإخوته) من جهة، وتلاميذِه (الذين يسمعون كلمة الله) من جهة أخرى.
أن قابلنا لوقا مع متى ومرقس، وجدنا أنه يخفّف من حِدّة التعارض ويتجنب السؤال
الجافّ: "من هي أميّ" (مر 3: 33)؟ اما 11: 28 فهي خاصّة بلوقا، وهي تقدّم بشكل
تطويبة، لا تعارضًا (بين مريم والتلاميذ) بل تدّرجًا من أمومة مريم إلى تعلّق بكلام
الله: "بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها". نُحسّ أنّ الأمومة لا تنفى سماع
كلمة الله. فالقرابة الجسدّية لا تحتقَر بالنسبة إلى التعلّق الايماني، وأمومة مريم
تدخل في منظار سامٍ جدًّا: فأم المسيح هي التي تفوّقت على الجميع في تعلّقها بكلمة
الله. فالايمان جزء لا يتجزّأ من كرامة مريم. وعلى أساس هذا الايمان ستصبح العذراء
أمّ الربّ كما وعدها الملاك في مشهد البشارة.
د- خاتمة
يورد إنجيل الزيارة أولاً تحقيق العلامة التي أشار إليها خبر البشارة: فالحدَث
المَرْويّ (حبل أليصابات العجائبيّ، مولد السابق القريب) يؤكد وعد الله فيما يخصّ
مجيء المخلّص ودعوة مريم إلى الأمومة المسيحانيّة، وكفالة حبلها البتوليّ. فالكلام
الذي سمعته في البشارة وصلَ بها إِلى الايمان، شأنه شأنُ علامة الزيارة. ففي زمن
المجيء تتوجّه إلينا كلمة الله لتشركنا مع مريم العذراء، لتشركنا في انتظارها
للمسيح في الايمان.
وفي القِسم الثاني من المقطوعة، نقَلَ إلينا لوقا بفم أليصابات شهادة إكرام الكنيسة
الأولى لمريم العذراء. إن كرامة أمّ الربّ تنتمي إلى مُعطى الوحي. فمريم مباركة فوق
كل خليقة بسبب ابنها الذي هو مستودع ألبركة الالهية الأولّ للذين يقبلونه بالايمان.
الفصل العاشر
نشيد التعظيم خطبة عن الله
1: 46- 55
1- المقدِمة
يبدو " تعظّم نفسي للرب " للوَهْلة الأولى نشيدًا له رنّات متعدّدة.
أوّلاً: يُعطى على أنه تعبير عن عواطف مريم بعد الكلام الذي نقله إليها الملاك في
مشهد البشارة فاضطربت (1: 26- 38)؛ وجوابٌ مباشِر على مديح وجّهته إليها أليصابات
(1: 42- 04). فالكلمات البسيطة التي بها ترجمت مريم إيمانها حين قبلَت كلام الملاك
"أنا خادمة للربّ، فليكن لي كما قلت " تتقبّل هنا تكبيرا غنائيًا يكشف ما تتضمّنه
من عمق. لقد قابل تانهيل هذا الدور بقسم ينشده مُغَنٍّ فرد في حفلة غنائيّة: تتوقّف
الحركة، ويأتي توسّع شعريّ وموسيقىّ يتعدّى اللغة العاديّة، فيبرز مدلول الحدَثِ
الذي يحصُل. فتعليم الملاك عنى جوهريًّا الطفل الذي سيُولَدْ (آ 32- 33، 35).
ومدائح أليصابات حملت إنتباهنا إلى الأمّ. ولقد أعطيت هذه الأمّ الآن أن تتكلّم،
وهي في وضع يتيح لها أكثر من أيّ شخص أن تفسّر ما حصل.
ثانيًا: ندرك حالاً أنّ النشيد منسوجٌ من أوّله إلى آخره بخيوط مأخوذة من التقليد
البيبليّ: لا تستطيع مريم أن تعبّر عن ذاتها إلا بالعودة إلى خبرة شعبها. فالعواطف
التي تعبّر عنها تميّز أنقى ما في التقوى اليهوديّة، وهي تتكلّم هنا كأفضل ممثلّة
لشعبها، كشاهدة لحبّ الله وأمانته لسُلالة إبراهيمَ خليلِه.
ثالثًا: ولكن من الواضح أنّنا لا نستطيع أن ننسى أن الانجيليّ لوقا وضع هذا النشيد
في انطلاقة تاريخ ينهيه باستشهاد من اش 6: 9- 10 يندّد بصَمَم وعمى "هذا الشعب "
الذي رفض "خلاص الله " (أع 28: 26- 28). إن إقحام نشيد التعظيم في كتاب موجَّه إلى
الكنيسة المسيحيّة يعطيه نغماتٍ خاصّة. فالخلاص الذي تُنشدُه مريم هو ذلك الذي ناله
المسيحيّون من يسوع الذي يحتفل نشيدُ التعظيمٍ بمجيئه إلى العالم في حشا مريم. وما
يَلفِت الانتباه هو أنّ النشيد لا يقول شيئا خاصًّا عن وضع الأمّ: إنه لا يحتفظ من
خبرة مريم إلاَّ ما ترى فيه الجماعة المسيحيّة من خبرة خلاص خاصّة. وهكذا يصبح نشيد
التعظيم نداءً إلى المؤمنين ليَعُوا النعمةَ التي مُنحت لهم، وليشهدوا لرحمة الربّ
ويباركوه.
رابعًا: لا يتوجّه نشيد التعظيم إلى الله فيخاطبه في صيغة المتكلّم المفرد، كما
يفعل نشيد الاستسلام الذي أطلقه سمعان الشيخ (2: 29- 32: "أطلق عبدكَ). إنه يتكلّم
عن الله بصيغة الغائب. وهو لا يتوجّه إلى الآخرين كما في مزامير المديح: "سبّحوا،
أنشدوا، هلّلوا". إنه يكتفي بأن يصوّر الله كما يظهر في عمله. وهكذا يرسمٍ لنا صورة
الله، تلك الصورةَ التي أخذها العهد الجديد من العهد القديم، صورة تشبه إلى حدّ
بعيد تلك التي نستشفّها في التطويبات (6: 20- 26؛ مت 5: 3- 12) أوفي نشيد التهليل
(10: 21؛ مت 11: 25- 26: "أمجّدك يا أبتِ ربَّ السماءِ والأرض ") وفي أمثال عديدة
تفوّه بها يسوع. وقبل أن نسعى إلى تحديد السِمات التي تميّز صورة الله هذه في نشيد
التعظيم، نتوقّف عند ملاحظات أدبيّة لا بدّ منها. نحن أمام قصيدة غنائيّة،
وأسلوبُها غيرُ أسلوب المقالة اللاهوتيّة.
2- ملاحظات أدبيّة
أ- علاقة بالقرائن المباشرة
ننظر إلى هذه العلاقة انطلاقًا من وُجهتين مختلفتين: ننطلق من القرائن، وننطلق من
نشيد مريم.
أوّلا: من وُجهة القرائن
من هذه الوجهة يبدو نشيد التعظيم وكأنه زيادة وإضافة. فالتوازي بين مشهدَي البشارة
لزكريا (1: 5- 20) ولمريم (1: 26- 38) هو من الوضوح بحيث لا يتطلّب تفسيرًا طويلاً.
فبعد أن نال زكريّا بلاغ الملاك، خرج من المعبد وذهب إلى بيته (آ 21- 23). في هذا
الوقت يهتمّ الخبر بأليصابات ويتحدّث عن حبَلها (آ 24)، ثم يورد ما قالته لتعبّر عن
عواطفها: "هذا ما صنعه لي الربّ ساعةَ شاء أن يزيل عنيّ العار من بين الناس، (آ
25). وبعد أن تقبّلت مريم بلاغ الملاك، ذهبت إلى أليصابات (آ 39- 40). وتلقّت من فم
مُضيفتها كلماتِ المديح (آ 42- 45)، هي كلمات تنتهي بتطويبة (آ 45: "طوبى للتي آمنت
") تعارض التوبيخ الذي لقيه زكريّا من الملاك (آ 20). فالتوازي بين 1: 5- 25 وا:
26- 55 لا يترك مكانًا لزيادة هي نشيدُ التعظيم.
وإذا وضعنا جانبًا الموازاةَ بين البشارتين، نجد أَن زيارة مريم لنسيبتها ترتبط
بكلمات الملاك، كما ترتبط زيارة الرُعاة إلى المذود (2: 15- 20) بأعلان مَولد
المخلص (2: 8- 14). حين توجّه الملاك إلى مِريم، بدأ بالتهنئة وأعلنها "محظوظةً عند
الربّ " (آ 28)، ثم قال: " وجدتِ حظوةَ عند الله " (آ 30). حينئذ أعلن لها أنها
ستحبَل (آ 31)، ثم وصل إلى ما يشكّل جوهر بلاغه: إعلان كرامةِ الذي سيولد ليكون
المسيحَ وابنَ الله (آ 32- 33، 35). وأعطيَت علامةً تدلّ على هذا الحبَل الذي ذكر
في آ 31 وعادت إليه مريم في آ 34: إن إمكانيّة هذا الحبل تتأكد بإعلان حبل أليصابات
(آ 36- 37). وينقص أيضًا بعضُ الشيء ليَظهر بوضوح الطابع ألمِحوري للبلاغ
الكرستولوجيّ في آ 32- 35، وهو شيءٌ يوافق كلمتَيْ التهنئة اللتين وجّههما الملاك
في البدء إلى مريم: هذا ما نجده في كلمتَيْ أليصابات التيٍ أعلنت أنّ مريم "مباركة
بين كلّ النساء" (آ 42). ثم وجّهت لها تطويبة: "هنيئا لك، يا من آمنت " (آ 45).
فبالنظر إلى هذا التأليف المتوازِن يبدو نشيد التعظيم وكأنه إضافة.
لنتأملّ الآن في حَدث الزيارة في ذاته. فبين بداية الخبر ونهايته، هناك توافُق
كاملٌ . في البداية: "وفي تلك الأيامِ، قامت مريم وانطلقت مسرعةً" إلى منطقة
جبليّة، إلى مدينة يهوذا ودخلت بيت زكريّا (آ 39- 40). وفي النهاية: "وأقامت مريم
معها (مع أليصابات) نحو ثلاثة أشهر، ثم رجعت إلى بيتها" (آ 56). حين وصلت مريم إلى
أليصابات، بادرتها أليصابات بالكلام، وأنشدت مدائح "أمّ ربّها" (آ 42- 45). والآية
الأخيرة (آ 56) ترتبط ارتباطا تامُّا بهذا المشهد، غيرَ أنها لا تتوافق مع واقع
آخر، وهو أنه خلال ذلك أنشدت مريمُ نشيدها. فبعد آ 46-55 التي تورد كلمات مريم،
نحسّ أنّ آ 56 عادت إلى مريم وسمَّتها باسمها، وأشارت إلى أليصابات بضمير الغائب
المؤنّث (عندها). من هذا القبيل أيضًا يبدو نشيد التعظيم وكأنه قطعة مَزِيدة في
تأليف لم يحسب له حسابًا.
ثانيًا: من وُجهة النشيد
هنا نجد رباطاتٍ مع القرائن. في آ 47، إنّ فعل "ابتهج " (أغالياوو) روحي بالله
مخلّصي هو صدًى لما في آ 44: "قفز الصبيّ من الابتهاج (أغالياسيس) في بطني. ثمّ
الطريقة التي بها سمّت مريم نفسها في آ 48أ: "نظر الى حالة أمته (دولي) الوضيعة"،
تذكّرنا بما قالته للملاك في آ 38: أنا أمة (دولي) الربّ ". وهذا ما يتميّز عمّا
قالته أليصابات: "أمّ ربّي" (آ 43).
إن آ48 ب: "جميع الأجيال ستهنّئنى" (ماكاريزو) تكرّرُ تهنئة أليصابات لمريم:
"هنيئًا (ماكاريا) لكِ يا من آمَنَت " (آ 45). وفي آ 49 أ نقرأ: "القدير (ديناتوس)
صنع لي عظائم ". وهذا ما يقابل ما قاله الملاك: "ليس من شيء لا يقدر عليه
(اديناتوس) الله " (آ 37).
وهكذا نلاحظ أنه إن بدا نشيدُ التعظيم وكأنه زيادة بالنسبة إلى الخبر، إلا أنه
يفترض الخبر فيأخذ بعض سِماته يشدّد عليها ويبرزها. هذا ما ننتظره من المغنّي
المفرد في المغناة: يوقف الحركة والعمل، وُيبرز مدلول ما حصل. نحن هنا أمام إنقطاع
على مستوى الخبر، ولكن وظيفة هذا النشيد هي أن تدلّ على معنى الحدث الذي رويناه.
تدلّ على أن الحبل بيسوع هو تدخّل إلهيّ في التاريخ.
ب- التأليف
أوّلاً: أسلوبُ التوازي
إن الجزئين المتوازيَين في آ 46- 47 يُشرفان على كلّ وَلْي النشيد الذي يتوسّع في
البواعث التي دفعت مريمَ لتنشد عرفانها لله. وهما يتميّزان عمّا يلى، في أنّ مريم
تتكلّم هنا عن نفسها (نفسي، روحي)؛ أمّا في سائر الأفعال (ما عدا آ 48 ب) فالفاعل
هو الله. وإذا قابلنا هذا النشيد مع المزامير رأينا أننا أمام مقدّمة كلاسيكيّة:
قبل أن يبدأ المرنم مديحه، فهو يعبّر عن عواطفه أو يدعو الحاضرين لمشاركته في
صلاته. فمقدّمة نشيد التعظيم تذكّرنا بصورة خاصّة بنشيد حنة، أمِّ صموئيل: "تهلّل
قلبي بالربّ وارتفع رأسي بإلهي، وانفتح فمي واسعًا" (1 صم 1:2).
ويبدأ جسم النشيد بأداة: لأن. قال زكريّا: "تبارك الربّ لأنه افتقد شعبه " (آ 68).
وقال سمعان الشيخ: "أطلِق عبدَك لأن عينيَّ رأتا خلاصك " (2: 29 ي) وقالت مريم:
"تعظم نفسي الرب... لأنه نظر". ويقدّم النشيد الأسباب التي تدفع المرنّم إلى
الاحتفال بربّه، وستردُ الأداة السببّية مرّتين في نشيد التعظيم. في آ 48 (لأنه
نظر)، وفي آ 49 (لأن القدير).
وترِد آ 49 ب- 50 من دون فعل: "اسمه قدوس، رحمته من جيل إلى جيل للذين يخافونه ".
نحن هنا أيضًا أمام تَوازٍ في المعنى لا في المبنى، وطول العبارة الثانية تدعونا
إلى الوقوف قبل الانطلاق في توسيع جديد.
نجد في آ 52- 53 تناقضاتٍ قويّة: "أنزلَ الجبابرةَ عن عروشهم ورفع المتّضعين. أشبع
الجياع من خيراته وصرفَ الأغنياء فارغين ". يبرُز عمل الله تجاه المقتدرين
والمُستضعفَين، تجاه الجائعين والأغنياء.
ثم آ 51: "أظهر شدّة ساعده فبدّد المتكبّرين في قلوبهم ". هناك تعارضٌ بين ذراع
الله وما يفكّر به قلب المتكّبرين (القلب هو مركز التفكير والفهم في العالم
القديم). وهناك تعارض أيضًا بين آ 50 و آ 51. أعلنت آ 50: "ورحمته من جيل إلى جيل
للذين يخافونه ". المقابلة واضحة بين موقف الذين يخافون الله وموقف المتكّبرين، بين
رحمة يظهرها الله للأوّلين وقدرةٍ يستعملها تجاه الآخرين. كما أنّ هناك تعارُضًا
بين آ 51 و آ 54: "أعان إسرائيلَ (بقية إسرائيل التي عادت إلى الربّ) عبدَه (بايس،
فتاه)، فتذكّر رحمته ". إنّه يقرّب إسرائيل من خائفي الله، ويقابلهم مع المتكبّرين
في آ 51: تشتّت المتكبّرون؛ أما إسرائيل فنعِمَ بعون الله. وإذا كان تشتّتُ
المتكبّرين هو عملَ قدرة الله، فالعون الذي منحه لشعبه يدلّ على رحمته.
نحن نرى هنا تدخّل الله في التاريخ (آ 54). والتذكّر يميّز أمانة الله لمواعيده:
"كما قال (وعد) لآبائنا من أجل إبراهيم ونسلِه إلى الابد". "من جيل إلى جيل " (آ
50) تمتدّ رحمة الله، أو "إلى الابد" (آ 55) تدوم. أجل، لا حدود لرحمة الربّ؛ أمّا
قدرته فتفعل فقط في أوقات حاسمة ومحدّدة.
ثانيًا: التكرار
إن أسلوب التكرار يعمل على توحيد هذا النشيد، وينقلنا من قسم إلى آخر. هناك فعل صنع
في آ 49 أو آ 51 أ: "القدير صنعَ لي عظائم ". "صنع (عمل) قدرةً بذراعه". فإن نشْر
"قدرة" الله (آ 51 أ) يقابل ما به نصف الله في آ 51 أ: انه القدير. وانتقلت آ 50 من
فكرة القدرة التي أظهرها الله (آ 49 أ) إلى فكرة الرحمة. وتعود الرحمة (الايوس) في
آ 54: "تذكّر رحمته". وأخيرًا تتجاوب "جميع الأجيال " (آ48 ب) مع عبارة "من جيل إلى
جيل " (آ 50).
في آ 48 أ نتكلّم عن حالة مريم الوضيعة (تاباينوسيس). وهذا ما يقابلها في آ 52 ب:
"رفع الوُضَعاء" (تاباينوس). وتدلّ آ 49 أ على الله "القدير" (ديناتوس) الذي "أنزلَ
المقتدرين (دينستيس) عن عروشهم " (آ 52). ونلاحظ أخيرًا التقارب بين الفعل الأوّل:
تعظّم نفسي أو تعلن عظائم (ميغالينو) الربّ "والاعلان في آ 49 أ: "صنع لي عظائم
(ميغالا).
ثالثًا: تقسيم النشيد
آ 46- 47 المطلع
آ 48- 50: القسم الأوّل مع خاتمة القسم الأوّل في آ 50 والحديث عن الرحمة.
آ 51-: مقدمّة تكرّر آ 49 أ وتعارض آ 50: القدرة
آ 52- 53: القسم الثاني
آ 54-55: خاتمة تنطلق من آ 50 فتلقي ضوءًا على مُجْمل النشيد
هذا تقسيم، وهناك من يقول: إن آ 48- 55 تشكّل القسمَ الاخباريّ، وآ 51- 53 القسمَ
التصويريّ (مونلوبو). واعتبر ريمون براون أن آ 49- 50 تتحدّثان عن صفات الله، وآ
51- 53 تنشد تدخّلاته. أمّا تانهيل فأشار إلى تدخّل الله من جهة الأمّ (في المقطع
الأوّل، آ 48- 50) ثمّ من جهة إسرائيل (في المقطع الثاني، آ 51- 53).
ومهما يكن من أمر، فلا بدّ من الوصول إلى التفسير: إن نشيد التعظيم يتكلّم عن الله،
فماذا يقول عنه؟
3- الله مخلّصي
إذا كان نشيد التعظيم يطرَح المسائل على مستوى التفسير، فهذا عائد إلى تأكيداته
الثوريّة في آ 52- 53: أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتضعين. أشبع الجياع من
خيراته وصرف الأغنياء فارغين (فارغي اليدين). هذه الأقوال تُفرح البعض وتُحزن البعض
الآخر.
نتوقّف أوّلاً عند الاشارات التي تحدّد موقع عمل الله في الزمن، ثم نهتمّ بالذين هم
موضوع هذا التدخّل. بعد هذا، نصل إلى صورة الله التي نكتشفها في ما يقال عن تدخله.
أ- على مستوى الزمن
نلاحظ العودة إلى الزمن في آ 48 ب: "منذ الآن تهنّئني (تعلن سعادتي) جميع الأجيال
". فمنذ الزمن الحاضر (تدخّل الله الذي حصل الآن، آ 48 أ وآ 49 أ) ننظِر إلى وجهةٍ
لا حدود لها ("جميع الأجيال"). والمستقبل الذي لا حدود له يظهر أيضَا في عبارة "من
جيل إلى جيل " (آ 50) و "إلى الأبد" (آ 55). التأكيد عامٌّ في آ 50؛ أمّا في آ 55
فلنا مِنظار على المستقبل انطلاقًا من الحدَث الجديد (آ 54 أ) الذي فيه يتحقّق
الوعد القديم (آ 55 أ، نتحدّث عنه في صيغة الماضي). إن الزمن الحاضر قد ابتلعه ماضٍ
مباشَرٌ هو نقطة انطلاقٍ حقيقيّة لمستقبل جديد.
وفي آ 49 ب- 50، ترتبط قداسة الله ورحمته بحاضر يضمّ في ذاته كلّ الأزمنة. الله
قدوس ورحيم كلَّ يوم، لا في الماضي وحسب. وأعادتنا آ 49 أ إلى الماضي: "إن القدير
صنع لي عظائم ". إن ما فعله الله من أجل مريم والذي نتحدّث عنه في صيغة الماضي،
يوجّهنا نحو المستقبل، "إلى جيل فجيل " (آ 50).
نقرأ في آ 48 ب وآ 49 أ: "لأنه نظر إلى حالة أمته الوضيعة". "لان القدير صنع لي
عظائم ". يبدو أنّ هذين الفعلين يعودان بنا إلى البشارة، إلى هذا الحدَث الذي بسببه
سفَت أليصاباتُ مريمَ "أمَّ ربيّ " (آ 43). وفي آ 55: إن التدخّل الالهي الذي تحتفل
به مريم يُتم ما أعلنه الله لآبائنا. نحن أمام وعدٍ ماض ننظر إليه من زاوية
التكميل: اليوم تمَّ ما وعدَ به الله.
وتأتي سائر الأفعال فتشير إلى العمل الذي به يُتمّ الله وعدَه. هكذا يفعل بطريقة
عاديِّة وصورة ثابتة. وعد الآباء في الماضي، وها هو يحقّق وعده في مريم.
ويسأل سائل: كيف تستطيع مريم أن تقول إنّ المتكبّرين تبدّدوا، والجبابرةَ انحدروا
عن عروشهم، إنّ الوضعاء رُفعوا، والجائعين شبِعوا والأغنياءَ عادوا بأيد فارغة؟ هذا
لم يتمَّ بعد، ولكننا أمام بدايةِ التمام: حين اختار الله أمتَه. الوضيعة بدأ العمل
الذي ننتظر نتائجه في المستقبل، وهي منذ الآن حاضرة.
ب- المخلّصون والآخرون
كيف يسمّي النشيدُ الذين هم موضوع تدخّل الله؟ هناك ثلاثة مَجالات دلاليّة:
الدينيّ، السياسيّ والاجتماعيّ، الاثنيّ.
اولا: المجال الدينيّ
هناك تعارُض بين "الذين يخافونه " (آ 50) و "المتكبّرين بأفكار قلوبهم " (آ 51 ب).
ففي إطار التوراة، يتعارض هذان الموقفان: لا يستطيع الانسان أن يرتفع في نظره إلا
إذا تحرّر من مخافة الله، والانسانُ الدينيّ لا يكون متكبّرًا والعكس بالعكس.
ونكتشف أيضًا لغة دينيّة في ما تقوله مريمِ عن نفسها: إنها "خادمة" الربّ (آ 48 أ)،
وما تقوله عن إسرائيل "عبد" الله (آ 54). إن إسرائيل الذي يعبد الله يعارض الأمم
الوثنيّة التي تعبد آلهة أخرى. إن عبارة آ 54 تستلهم اش 41: 8- 9 حيث نرى الله
يُعين عبدَه ضدَّ أعدائه (آ 11).
ثانيًا: المجال الاجتماعيّ والسياسيّ
ترتبط بهذا المجال آ 52- 53 اللتان تعارضان الجبابرةَ الذين يُحْدرهم الله عن
عروشهم، والوضعاءَ (نحن هنا أمام وضع سوسيولوجيّ، لا أمام استعدادات روحيّة) الذين
يرفعهم؛ تعارضان الجائعين الذين يسكُب عليهم الربّ خيراته، والاغنياءَ الذين
يَصرِفهم فارغين. هو لا يتكلّم عن الأقوياء بل عن المتجبّرين، لا يتكلّم عن
الأغنياء بل عن الذين اغتنَوا فقَسا قلبُهم على إخوتهم. أمّا الوضعاء فهم أشخاص لا
يَحسب لهم المجتمع أيَّ حساب. ويَلفِت النصّ انتباهنا إلى الذين نعِمُوا بتدخّل
الله أكثرَ منه إلى الذين تحمّلوا دينونته.
نظر الله بعطف إلى الصغار والذين ليس لهم شيء (هم الجياع) كما نظر إلى مريم أمَتِه
في حالتها الوضيعة. لا يشبه وضعُ مريم وضعَ هاجرَ المذلولةِ والخادمة التي تعامَل
معاملةً سيّئة (تك 16: 11). كما لا تشبه ليْئة الزوجةَ التي لم يحبَّها زوجُها (تك
29: 32)، ولا حنّةَ المرأةَ العقيمة (1 صم 1: 11)، وإن استُعملت في السبعينيّة
اليونانيّة لفظة "تاباينوس ". فمريم تنتمي الى فئة هؤلاء المساكين الذين يضعون كلّ
رجائهم بالربّ: "طوبى للمساكين بالروح " (مت 5: 3).
ثالثًا: المجال الاثْنيّ
يبدو هذا المجال في الخاتمة التي تذكر "إسرائيل " وتماثله مع "زرع إبراهيم"، وترتبط
"بآبائنا" الذين نالوا الوعد (آ 54- 55). نجد هذا التشديد على الشعب في نشيد زكريّا
حيث يقف "إسرائيل " بوجه "أعدائه " (آ 71، 74). وفي نشيد سمعان يقابل إسرائيلُ
الأممَ الوثنيّة (2: 32) أي غيرَ اليهود. إن الله أرسل ابنَه نورًا إلى شعب إسرائيل
كما إلى الأمم الوثنيّة.
لا نجد المجال الاثنيّ في نشيد مريم، بل في القسم الأوّل من بلاغ ملاك البشارة
لمريم عن ابنها: "يعطيه الربّ الالهُ عرشَ داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى
الأبد" (1: 32- 33). وهكذا يتحدّد "موضع " تدخّل الله.
وإذ أراد نشيد التعظيم أن يحدّد هذا "الموضع "، انطلق من ثلاثة وقائعَ بشريّة
مختلفة، وحاول أن يبرز بُعد حدَث البشارة ومدلوله، فلا يكفي مجالٌ واحد (دينيّ،
سياسيّ واجتماعيّ، إثنيّ) ليفسّر الحدَث (كل مجال له فوائدُه ومحدوديّته)، بل تجتمع
المجالات الثلاثة لتساعدنا على ولوج هذا السرّ العظيم. فالولد الذي تحمله مريم هو
جوابُ الله على التوق الدينيّ لدى الذين يخافونه، على رجاء الضعفاء والمعدَمين، على
آمال الشعب اليهوديّ. ولكن هذا الطفل تجاوز أيضا كلّ هذه المجالات.
- إن أمّ المخلّص قد اختيرت من بنات الشعب اليهوديّ، وانتمت إلى نسل إبراهيم
والآباء، مع العِلم أنّ الخلاص الذي يؤمن به المسيحيّون ليست من لحم ودم (رج يو 1:
13). إن الخلاص الشامل جاء في الشعب اليهوديّ لتتّضح أمانة الله لمواعيده، والتواصل
الذي يجعل من الكنيسة وارثةَ إسرائيل، بل وارثة البقيّة الباقية، لا هؤلاء الذين
رفضوا تعليم الخلاص (أع 28: 26- 28).
- إختيرت أمُّ المخلّص من مجموعة المؤمنين الذين يتّقون (يخافون) الله، ويريدون أن
يكونوا في خدمته (يتعبّدوا له)، مع أنّ الخلاص الذي أعلنه الانجيل لا ينحصر بأُناس
يتميّزون بتقواهم: إن لوقا الانجيليّ سيشدّد أكثر من سواه على حبّ الله للخطأة،
وكلّهم مدعوّون إلى التوبة.
- إختِيرت أمُّ الله في أوضِع طبقة اجتماعيّة، في طبقة الصغار والضعفاء والمساكين
(الفقراء) فصارت أوّل شاهدٍ لخلاص موجّه إلى الفقراء، كما يقول الانجيل (4: 18؛ 6:
20؛ 7: 22). هذا لا يعَني أنّ الخلاص الذي يحمله المسيح إلى العالم ينحصر بطبقة
اجتماعيّة واحدة، بل يدلّ على موقف إلهٍ لا يقبل بالظَلم الذي تتأسس عليه المجتمعات
البشريّة، ولا يقول إن الاقوى هو الأفضل. موقفُ إلهٍ يميّز من يحتقرهم المجتمع
ويرذُلهم. موقفُ إلهٍ يصير أوَّلو هذا العالم الآخرين في ملكوته، والآخرون الأولين.
ج- الاله الرحيم والقدير
يتحدّث نشيد التعظيم عن الله، ويتحدّث عنه خصوصًا بالنسبة إلى التدخّل الذي يدلّ
على صفاته. ونلاحظ حالاً أن التأكيدات المتعلقة بصفاته الالهيّة ترتبط بمجالين
مختلفين: الرحمة والقدرة؛ وهناك أيضًا مجالٌ ثالث يتحدّث عن التسامي.
أوّلا: مجال التسامي
نجده خصوصًا في التَسْميتين اللتين نجدُهما في المقدّمة: بالرب (كيريوس)
(آ 46)، "الله" (ثيوس) (آ 47). هاتان اللفظتان تدلاّن على اسم شخصيّ. وهذا ما
نتأكده حين ننتبه إلى ان اسم "الله " ارتبط بصفة "المخلّص" (اسم فاعل) الذي يحدّد
الوُجهة التي نقف عندها حين نتحدّث عن الله.
ونقرأ تأكيدًا في آ 49 ب: "اسمه قدوس ". فقداسة اسم الله تظهر في تدخلّه. حينئذ
نُقِرّ أن يد الله هي هنا. وهذا اليقين ينتج من قدرة خارقة يفترضها الحدَث. ولكن لا
شيء يمنع أن يرتبط هذا اليقين برحمة الله التي تخدمها قدرته.
ثانيًا: مجال الرحمة
يبرُز هذا المجالُ أيضًا في البداية، وحين يسمّى الله "مخلِّصي،. إذ يتدخّل الله
ليخلّص الذين يهلكون لولا عونُه، فهو يدلّ وعلى رحمته. تُذكَر هذه الرحمة مرّتين.
في آ 50: يمنَح الله رحمتَه لخائفيه. وفي آ 54 ب، يمارسها حين يعين إسرائيلَ عبدَه.
ويصوَّر الشكل الملموس الذي تتّخذه رحمة الله بواسطة فعلين: "نظر بعطف إلى حالة
أمَته الوضيعة " (آ 48). "أعان إسرائيلَ عبدَه " (آ 54 أ)، فتذكّر رحمته. ما يقابل
التذكّر هو النسيان: الله ينسى ما لا يهتمّ به (12: 6: لا ينسى العصفور). ولكن
أمانته لا تسمح بأن ينسى التزامات ارتبط بها حين وعدَ الآباء (آ 55)، بان ينسى
العهدَ الذي قطعه معهم (آ 72). وهذا التذكّر الأمين هو الوجه الملموس لرحمة الله،
كما أنه سبب التدخّل الذي به يدكِّ الله على هذه الرحمة.
ثالثًا: مجال القدرة
في آ 49 أ يسمَّى الله "القدير". نحن لا نجد هذه التسمية إلاَّ في موضع واحد في
السبعينيّة، في صف 3: 17: "تشجعّي يا صهيون، ولا ترتخي يداك. الربّ إلهُك هو فيك،
القديرُ يخلّصك ويجلب لك السعادة ويجدّدك في حبه ". إن الله حين يخلّص يُظهر قدرته.
حين تحدّثت مريم عن القدير أعلنت أنه فعل لها "عظائم " (ميغالا) (آ 49 أ). لا ترِدُ
هذه اللفظة إلا قليلاً، وهي تدلّ على مآثرَ أتمَّها الله ليحرّر شعبه من عبوديّة
المصريين: "هو فخرك وهو إلهك الذي صنع لك تلك العظائم والأمجاد (الامور العظيمة
والمجيدة) التي رأتها عيناك " (تث 10: 21). قد تكون مفارقة في تقريب حدَث البشارة
منٍ حدَث الخروج، ولكن هذا التقريب له مدلولُه: فمجيء المخلص لا يَقِلّ أهمية عن
الخروج من مصر.
وإن تأكيد آ 49 أ ("القدير صنع لي عظائم ") يُعاد بألفاظ أخرى في آ 51 أ: "صنع عملَ
قدرةٍ بذراعه ". إن العبارة تذكّرنا بما قالت التوراة عن التدخّل الذي به أخرج الله
شعبه من مصر "بيد قديرة وذراع ممدودة" (تث 4: 34؛ 5: 15؛ 6: 21؛ 7: 8؛ 26: 8؛ مز
6:135 حسب السبعينية). وهكذا يرتسم تَوازٍ بين التحريرِ الأوّل للشعب المختار، وهذا
التحريرِ الذي يدشّنه سرّ البشارة.
والصورة التي يشير إليها فعل "بدّد" (شتّت) في آ 51 ب هي صورة انتصار عسكريّ يتبدّد
على إثره جيشُ العدوّ: "بدّدْتَ المتكبرين بأفكار قلوبهم". نتذكر هنا مز 88: 11 حسب
السبعينية: "أذلَلْتَ المتعجرف كأنه جريح، وبدَّدتَ أعداءك بذراع قدرتك ". أما
استعملَت حنّةُ أمُّ صموئيل أيضًا صُوَرًا حربيّة لتبارك الله من أجل ولادة ابنها
(1 صم 2: 1- 4)؟
والتأكيدات الأربعة في آ 52- 53 هي صدً ى لنشيد حنة: "أنزل الجبابرةَ عن عروشهم (1
صم 2: 8 ج د) ورفع المتواضعين (1 صم 2: 7 ب). أشبعِ الجياعَ من خيراته (1 صم 2: 5
أب؛ مز 106: 9 حسب السبعينية) وصرف الأََََََغنياء فارغي الأيدي " (1 صم 2: 7 أ ).
يستوحي نصُّ لوقا نَموذجَه بكلّ حريّة ويورد بترتيب تجلّيات قدرة الله: إن النتائج
المؤلمة لتدخّل الله مع المقتدرين والأغنياء تحيط بالنتائج الخيّرة للصغار
والمعدَمين. تحدّث النصّ عن فشل الأوّلين ليُبرز خلاص الآخَرين، ونحن نجد عُربون
هذا الخلاص في اختيار الله لعذراء الناصرة الوضيعة.
قد يظنّ البعض أن القدرةَ تُمارَس ضدَّ المقتدرين، والرحمة مع الوضعاء. لا، فالقدرة
تسير في اتجاه الرحمة: إنها أوّلا قدرة من أجل الوضعاء، ولن تكون "ضدّ" المتكبّرين
إلا بصورة ثانوية. اللهجة واضحة في آ 49 أ: إن القدير صنع لي عظائم. ولن نجد
الأعداء في الخاتمة ووقت الحديث عن الخلاص الذي حمله الله لشعبه.
نحن لا نقلّل من عنف الأقوال المتعلّقة بالمصير الذي يؤُول إليه المتكبّرون (آ 51
ب) والمقتدرون (آ 52 أ) والأغنياء (آ 53 ب). ولكننا نضعُ هذا العنف في موضعه
الصحيح. إنه عند من يريد أن يخلّص المسحوقين فيُجبَر على معاقبة الذين يسحقونهم.
وإذا أستعَدْنا صور أش 11 نقول: لا يمكن أن نُسْكن الذئب مع الحمَل إن لم نفرض على
الذئب أن يغيّر سلوكه، ولن نجعل الأسد يأكل التِبن مثل الثور، وننسى أن الأسد لن
يرضى بهذا الوضع الجديد. في هذا المعنى، لا يقدر الله أن يضع قدرته في خدمة رحمته
من أجل الوضعاء، دون أن تتصارع هذه القدرة مع عظماء هذا العالم.
خاتمة
- إن الاله الذي يحتفل نشيدُ التعظيم بقداسته ورحمته وقدرته السامية، هو الذي
يتعبّد له (يخدمه) الذين يخافونه. ولكنّ وَلْيَ الانجيل سيعلّمنا أنه يهتمّ بصورة
خاصّة بالذين ابتعدوا عنه، فيطلب منهم أن يعودوا إليه ليغفر لهم كلّ خطاياهم.
- إن الاله الذي يحتفل به نشيد التعظيم هو إله إسرائيل، الذي دعا إبراهيم وقدّم
المواعيد لشعبه. ولكن هذا الخلاص لا ينحصر في شعب واحد، بل في كل الشعوب مهما كانت
إثنِيّاتُهم وأَعراقهم.
- إن الخلاص الذي يؤمّنه الله للبشر لا يترك جانبًا الواقعَ الملموس في حياتهم. إنه
يبدّل الوضع الجائر الذي يفرضه المجتمع على الضعفاء والمعدَمين. لا يقف الله فوق
الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ وكأن الأمور لا تهمّه، بل يقف بجانب الفقراء والذين لا
سلطان لهم. إن كرامة اسمه هي على المِحَكّ. وعلى قدرته أن تُظهر رحمته وتتعامل مع
المقتدرين والمتخَمين.
إن نشيد التعظيم لا يقدّم تحديدًا عن الله، بل يتكلّم عنه بالنظر إلى مختلف وُجهات
تدخّله الخلاصيّ الذي بدأ مع البشارة، فكانت مريم الشاهدَ الأوّل له. نشيد التعظيم
يُدخلنا في سرّ الله المخلّص. يبقى علينا أن نكون شهودًا له في عالمنا الحاضر.
الفصل الحادي عشر
ميلاد يوحنا المعمدان
1: 57- 66
بعد لوحتيْ بشارة زكريّا وبشارة مريم العذراء، ها نحن من جديد أمام لوحتين ترسمان
ولادة من بُشّر بهما. في اللوحة الاولى، مولد يوحنا وخبر ختانته. ثم نشيد المباركة
والردّة عن النموِّ: "وكان الطفل ينمو ويتقوى في الروح " (1: 80). وفي اللوحة
الثانية خبر ميلاد يسوع مع نشيد التمجيد يطلقه الملائكة ثم ذِكر الختانة. اما
الردّة عن النموّ فستأتي بعد خبر تقديم يسوع الى الهيكل: "وكان الطفل يسوع ينمو
ويتقوى ويمتلئ بالحكمة، وكانت نعمة الله عليه " (2: 40).
وجاء زمن الولادة بالنسبة الى اليصابات فولدت ابنًا. هكذا يبدأ الخبر المؤلَف من
الولادة والختان ونشيد المباركة، وينتهي بإشارة سريعة إلى حياته في البريّة قبل أن
يظهر لبني إسرائيل (1: 80). ولكننا سنتوقف عند الولادة والختان وتسميّة الولد،
تاركين لفصل آخر نشيد المباركة ألذي يحتفل بعمل الله الخلاصيّ وينشد المهمة التي
سيقوم بها يوحنا، دْلك النبيّ الذي يُهيئ طريق الربّ.
1- الولادة (1: 57- 58)
وحين جاء زمن الولادة. هذه العبارة نقرأها ايضًا في تك 25: 24 عن رفقة أمّ يعقوب
وعيسو. ففرح الجميع لهذه الولادة كما سبق الملاك وأعلن ذلك لأبيه زكريّا: ستفرح انت
به. سيفرح بمولده كثير من الناس (1: 14).
أجل، إن ولادة يوحنا يغمرها الفرح. فرِحت أليصابات، وفرِح جيرانها معها. الفرحة
مثلّثة: وُلد طفل فِي البيت. هذا الولد هو ذَكَرْ. وهذه الولادة تمت لامرأة إنتظرت
طويلاً قبل أن تلد فاعتُبرت عاقرًا. فلا نتخيّل الشيّخوخة في سنٍ السبعين او
التسعين، فهناك بلدان في العالم الثالث يعتبرون الانسان صار شيخا في عمر الخمسين.
ولكن هذه الفرحة تجهل ساعة تاريخ الخلاص. دقّت اليوم فكانت إشارة خفيّة لولادة
ثانية تحمل المجد لله في العلى وللارض السلام. تحمل إلى البشرّ "المسيح الربّ".
ويفيض فرح القلب في نشيد مديح لله: الله عظّم رحمتّه معها، أي أظهر عِظَمَ رحمتَه
تجاهها. نحن هنا أمام بداية نشيد ستطلقه مريم بعد أن نظر الله إلى تواضع أمَتِه:
"تعظم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلصيّ “ (1: 46- 47).
فالشكر وعرفان الجميل لمآثر رحمة الله هما ينبوع فرح، لا لذلك ألذي كان موضوع رحمة
الله وحسْب، بل للذين يكتشفون فِعلات الله أيضا، ويمجدّونه عليها. هذا ما نكتشفه
عند القديس بولس في رسالته إلى أهل فيلبي (2: 7 1- 18): "فلو سفكت دميّ قربانًا على
ذبيحة إيمانكم وخدمته، لفرحت وابتهجت معكم جميعًا. فأفرحوا أنتم أيضًا وإبتهجوا
معي".
2- الختانة (1: 59 أ)
كانت الختانة تمارس ثمانيّة أيام بعد الولادة. تلك كانت فريضة الشريعة. "هذا هو
عهدي (ميثاقي) الذي تحفظونه. يكون بيني وبينكم بيني وبين نَسلِك من بعدك: يختن كلّ
ذكر منكم. تختنون القِلفَة من أبدانكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم. يختن كلّ
ذكر منكم وهو إبن ثمانيّة أيام " (تك 17: 10- 12). وقال لا 12: 3: "وفي اليوم
الثامن تختن قِلفة المولود". وهكذا ينتمي الولد إلى الشعب عبر علامة في بدنه فلا
ينسى انتماءه حتى الموت. ويسوع نفسه خُتِنَ فدخل في شعب من الشعوب بأنتظار أن يخلّص
جميع الشعوب.
نشير هنا إلى أن شعيرة الختانة تطورت في شعب إسرائيل. كان الذكّر يُخْتَن قبل
الزواج، أي في السنة الثالثة عشرة، فكانت ختانته تكريسًا للربّ. هذا ما حدث
لأسماعيل بن إبراهيم (تك 17: 25). ولكن بعد الذهاب إلى المنفى وتضعضع الشعب المؤمن
بالله الواحد بين الشعوب الوثنية، صارت الختانة تمارس في الذَّكر وهو أبن ثمانيّة
أيام. فأهميّة أليوم ألثامن معروفة كأنطلاقة من أجل حياة جديدة. نشير هنا إلى عادة
الكنيسة بأن تعمدّ الأولاد في أليوم الثامن، فتدلّ على إنتمائهم إلى عائلة الله
وإلى جماعة شعب الله الجديد.
3- تسميّة الولد (1: 59 ب- 63)
يُعطى الاسم في إسرائيل عند الولادة. لا شك في أن لوقا تأثر بالعوائد اليونانيّة
حيث يعطى الولد إسمه في أليوم الثامن أو في أليوم التاسع إذا كان المولود ذكرًا.
هناك في الأوساط اليهوديّة طقسان متميّزان: طقس أوّل يعطى فيه الولد إسم، وهو يتمّ
عند الولادة. وطقس ثانٍ يتمّ بعد ثمانيّة أيام فَيُخْتَن الصبيّ وينضمّ إلى جماعة
العهد. أما لوقا فدمج الطقسيّن في طقس واحد.
بالإِضافة إلى ذلك بسِّط الوضع بعض الشيء حين تحدّث عن تسميّة الولدّ. قال: إن
الجيران "أرادوا أن يسموه زكريّا باسم أبيه ". في العوائد الشرعية الأب هو ألذي
يعطي الاسم لأولاده، وقد تتدخَّل الأم بعض المرات. أما الأسم الذي يُعطى فهو إسم
الجدّ لا إسم الأبّ (الا قليلاً نادرًا). ولكن قد يتدّخل الجيران ويشاركون في
إختيار هذا الأسم. هذا ما حدث لعُوبيد والد يسَّى جدّ داود: "قالت الجارات: ولد
لنعمي (بواسطة راعوت كنتها) إبن وسمَيْنَهُ عُوبيد" (را 17:4). ثم إن طوبيا الشاب
سُمّي بإسم أبيه (طو 1: 1، 9). وعلى هذا الأساس تدّخل الجيران واقترحوا إسمًا للولد
كإسم أبيه: زكريّا، أي إن الله تذكّر أليصابات بعد أن حبس رحمها وأعطاها ولدًا.
هناك أمور عديدة يحدّدها التقليد والعوائد: "ما من أحد في عشيرتك تسمى بهذا الاسم
". ولكن السؤال الحاسم يبقى هو هو: ما هي إرادة الله؟ الله لا يختار الطرق المعبدة
والعادات المألوفة. طرقه ليست طرق البشر وأفكاره ليست أفكار البشر (اش 8:55). البشر
يتوقّفون عند منظر الجسم والعينين، أمّا الله "فإنه ينظر إلى القلب " (1 صم 16: 7 -
8). وهو ألذي إختار لهذا الولد إسم يوحنا منذ بشرّ به: "تسمّيه يوحنا" (1: 13).
ولكن كيف السبيل إلى معرفة إرادة الله؟
إختارت أليصابات إسم "يوحنّا" لأنها عرفت إرادة الله بروحها النبوّية. امتلأت من
الروح القدس فتعرفت إلى الصبيّ الذي في احشاء مريم (1: 41) وامتلأت من الروح فعرفت
ارادة الله في ابنها. إنها تشبه إلى حدّ بعيد حنة إبنة فتوئيل في تعرفها إلى الطفل
يسوع (2: 28).
يحكم الوالدون على الأمور بالإِستناد إلى التقليد. أما الآن فقد بدأ زمن جديد.
وادركت أليصابات العلامات السابقة لهذا الزمن الجديد. اعطت حُكمها بصورة جديدة جدًا
وهذا ما بدا غريبًا لدى المتجذرين في الأزمنة القديمة. ان الروح يتخّذ طرقًا جديدة
لا نفهمها بسهولة، ولكنه يدعونا إلى السير فيها. في بداية الكنيسة سيأتي هذا الروح
على الوثنيّيّن. قال لوقا: "فتعجب أهل الختان الذين رافقوا بطرس حين رأوا ان الله
افاض هِبَة الروح القدس على الوثنيّين (غير اليهود) ايضا" (أع 10: 45). إن الروح لا
يقود الناس دومًا حسب مخططات البشر، بل يعارضها اذا دَعَت الحاجة.
وسألوا زكريّا بالاشارة: ماذا يريد أن يسمّي الطفل؟ أجاب: يوحنّا. إتّفق الوالد
والوالدة دون أن يتشاورا على الاسم الذي يُعطي للصبيّ. لا نتخيّل، كما قال بعض
الشرّاح أنهما تفهّما مسبقَا. هذا يتعارض معارضة كلّيّة وهدف لوقا على مستوى الخبر.
فإسم يوحنا في نظره إسم إلهيّ، أي أعطاه الله بنفسه. والحدث كلّه يجري في مناخ
العناية الالهيّة الحاضرة. وأهمّيّة الخبر كلّه تستند جوهريّا إلى هذه التسمية
العجيبة.
لا، لا يمكن أن يكون إسم الولد زكريّا. لا شك في أنه يقال عن امرأة تقدمت في السن
قبل ان تَلِد ولدًا: "لقد تذكّرها الله ". لهذا يجب العبور من زكريّا إلى يوحنّا،
من "الله تذكّر" إلى "الله تحنّن وأنعم ". نحن في مرحلة جديدة في تدبير الخلاص. لقد
حصلنا على ملء النعمة، تعرفنا إلى إله الرحمة الذي جاء ليخلص العالم، لا ليدينه
ويحكم عليه.
أصل إسم يوحنّا اصل إلهي (1: 13). وحين تقبله زكريّا على انه كلمة الله وصل إلى
الايمان فصار فمه قادرًا على "مباركة الله " (آ 64) الذي أعطاه أن يُنجب ولدًا.
وسيحلُّ عليه روح النبوءة، كما حلّ على امرأته، فينشد الطريق التي سيسير عليها
الولد "بروح ايليّا وقوّته " (1: 17).
4- ما عسى ان يكون هذا الطِّفل (1: 64- 66)
"طلب لوحًا وكتب: اسمه يوحنّا". رأى الناس ان ما فعله غريب فدهشوا. ان ارادة الله
وكلمته تفرضان على الناس المختارين لرسالة بأن يخرجوا من عوائدهم. هذا ما حدّث
لابراهيم وموسى والأنبياء. والمسيح حين يعلن تعليمه الجديد كلّ الجدّة، ماذا سيحدث
له؟ قال: "ما من أحد يشرب خمرًا معتقةً ثم يرغب في الخمر الجديدة لأنه يقول: الخمرة
المعتقّة هي الأطيب " (5: 39). اجل، اعتاد الناس على القديم، فهل سيقبلون بالجديد
الذي يقدمه يسوع؟ اعتاد اليهود على الشريعة والعبادة والوعود، ومنهم كان الأباء.
ومنهم جاء المسيح بالجسد (روم 9: 4- 5). فهل سيتخلون عن كل هذا ليتبعوا "يسوع
المسيح المصلوب " (1 كور 2:2) الذي هو "عثار أمام اليهود وحماقة في نظر اليونانيّين
" (1 كور 1 :23).
ان الاسم الذي اعطاه زكريّا ليوحنّا يكشف عن سرّ الرسالة التي أوكل بها الطفل.
فالله سيظهر حنانه ورحمته، بعد ان انتهت محنة زكريّا. لم يعد بحاجة إلى آية وعلامة.
اغلق الله فمه عن الكلام ففتح قلبه للآية، لكي يتأمّل بها في سرّ قلبه. واما الآن
فقد اعلن زمن الخلاص بمولد السابق حتى في محيط الاسرة الضيّق بانتظار ان تُعلن
اعمالُ الله في الكون كله.
اتفق زكريّا وأليصابات على الاسم، فبدا اتفاقهما وكأنه تدّخل من الله. استولى العجب
والدهشة. هذه هي ردّة الفعل العاديّة عند الناس أمام المعجزات. بعد ان هدّأ يسوع
العاصفة، "خاف الرسل وتعجبوا" (8: 25). وحين قامت ابنة يائيرس، "تعجّب والداها" (8:
56). وتعجب الناس حين شفى يسوع صبيًا فيه روحٌ نجس (9: 43) وحين طرد شيطانًا أخرس
(11: 14). ويتعجب الناس ايضًا أمام ظهورات الله. تعجّب بطرس حين رأى الأكفان وحدها
في القبر ولم يجد جسد يسوع (24: 14) ودهش التلاميذ حين أراهم يسوع يديه ورجليه (24:
41)
وانطلق الخبر من عالم صغير هو عالم الأقارب والجيران، إنطلق من هذا البيت الكهنوتي
وامتدّ إلى كلّ منطقة اليهوديّة الجبليّة. وسينتشر تعليم الخلاص
عبر القارات الواسعة. إن فيه من القوة ما يجعله قديرًا ان يحتل المسكونة كلّها.
"فما من خفيّ إلا سيظهر، ولا من مكتوم إلا سينكشف ويعرفه الناس" (17:8).
ملأ الخوف الجيران. أمام تدّخل الله العجيب امتدّ الخوف إلى أبعد من قرية وأبعد من
منطقة. سمع الناس بهذه الأحداث، ولكن لا يكفي بأن نسمع بأخبار تحمل الخلاص. يجب أن
نحفرها في قلوبنا. لا ننسى. القلب هو مركز كل الحياة الحميمة، هو مركز الفكر
والذاكرة والعواطف وقرارات الانسان (12: 34). فمن حفظ في قلبه هذه الأحداث أو هذه
الكلمات، بدأ يسير في طريق التوبة التي جاء يوحنا المعمدان يدعو بني قومه إليها.
ما عسى أن يكون هذا الطفل؟ هذا هو سؤال الناس. أجاب لوقا: انه يُتمّ ما قاله الملاك
لزكريّا: يمتلئ من الروح القدس، يهدي الكثيرين، يسير أمام الله، ليهيئ للربّ شعبًا
مستعدًا. لهذا أعلن زكريّا اسمه: يوحنّا. حينئذ سطع ايمانه فانطلق لسانه.
"يدّ الربّ كانت معه ". هذه العبارة الخاصّة بلوقا (رج أع 11: 21) ترجع الى التوراة
التي تعبّر عن حماية الله لمتقيّه. قال مز 80: 18: "اجعل يدك على الرجل الذي عن
يمينك (الملك) على هذا الانسان الذي تؤيده بقوتك ". ويقول المرنّم في مز 139: 5:
"انت ورائي وأمامي، تحيط بي عن قرب وتضيع يدك عليّ ".
كانت يدّ الله مع الأنبياء، مع ايليّا (1 مل 18: 46)، مع اليشاع (2 مل 3: 15)
وحزقيال (1: 3؛ 3: 14، 22؛ 8: 1). وقال الربّ لأرميا: "أنا معك لكي انقذك " (1:
19)، فما عليك أن تخاف من الملوك والعظماء. وسيكون الربّ مع يوحنّا فيقول كلام الله
إلى الشعب. وهو لا يخاف من قول الحقيقة لهيرودس فيكلفه كلامه هذا التضحية بحياته.
الفصل الحادي عشر
ميلاد يوحنا المعمدان
1: 57- 66
بعد لوحتيْ بشارة زكريّا وبشارة مريم العذراء، ها نحن من جديد أمام لوحتين ترسمان
ولادة من بُشّر بهما. في اللوحة الاولى، مولد يوحنا وخبر ختانته. ثم نشيد المباركة
والردّة عن النموِّ: "وكان الطفل ينمو ويتقوى في الروح " (1: 80). وفي اللوحة
الثانية خبر ميلاد يسوع مع نشيد التمجيد يطلقه الملائكة ثم ذِكر الختانة. اما
الردّة عن النموّ فستأتي بعد خبر تقديم يسوع الى الهيكل: "وكان الطفل يسوع ينمو
ويتقوى ويمتلئ بالحكمة، وكانت نعمة الله عليه " (2: 40).
وجاء زمن الولادة بالنسبة الى اليصابات فولدت ابنًا. هكذا يبدأ الخبر المؤلَف من
الولادة والختان ونشيد المباركة، وينتهي بإشارة سريعة إلى حياته في البريّة قبل أن
يظهر لبني إسرائيل (1: 80). ولكننا سنتوقف عند الولادة والختان وتسميّة الولد،
تاركين لفصل آخر نشيد المباركة ألذي يحتفل بعمل الله الخلاصيّ وينشد المهمة التي
سيقوم بها يوحنا، دْلك النبيّ الذي يُهيئ طريق الربّ.
1- الولادة (1: 57- 58)
وحين جاء زمن الولادة. هذه العبارة نقرأها ايضًا في تك 25: 24 عن رفقة أمّ يعقوب
وعيسو. ففرح الجميع لهذه الولادة كما سبق الملاك وأعلن ذلك لأبيه زكريّا: ستفرح انت
به. سيفرح بمولده كثير من الناس (1: 14).
أجل، إن ولادة يوحنا يغمرها الفرح. فرِحت أليصابات، وفرِح جيرانها معها. الفرحة
مثلّثة: وُلد طفل فِي البيت. هذا الولد هو ذَكَرْ. وهذه الولادة تمت لامرأة إنتظرت
طويلاً قبل أن تلد فاعتُبرت عاقرًا. فلا نتخيّل الشيّخوخة في سنٍ السبعين او
التسعين، فهناك بلدان في العالم الثالث يعتبرون الانسان صار شيخا في عمر الخمسين.
ولكن هذه الفرحة تجهل ساعة تاريخ الخلاص. دقّت اليوم فكانت إشارة خفيّة لولادة
ثانية تحمل المجد لله في العلى وللارض السلام. تحمل إلى البشرّ "المسيح الربّ".
ويفيض فرح القلب في نشيد مديح لله: الله عظّم رحمتّه معها، أي أظهر عِظَمَ رحمتَه
تجاهها. نحن هنا أمام بداية نشيد ستطلقه مريم بعد أن نظر الله إلى تواضع أمَتِه:
"تعظم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلصيّ “ (1: 46- 47).
فالشكر وعرفان الجميل لمآثر رحمة الله هما ينبوع فرح، لا لذلك ألذي كان موضوع رحمة
الله وحسْب، بل للذين يكتشفون فِعلات الله أيضا، ويمجدّونه عليها. هذا ما نكتشفه
عند القديس بولس في رسالته إلى أهل فيلبي (2: 7 1- 18): "فلو سفكت دميّ قربانًا على
ذبيحة إيمانكم وخدمته، لفرحت وابتهجت معكم جميعًا. فأفرحوا أنتم أيضًا وإبتهجوا
معي".
2- الختانة (1: 59 أ)
كانت الختانة تمارس ثمانيّة أيام بعد الولادة. تلك كانت فريضة الشريعة. "هذا هو
عهدي (ميثاقي) الذي تحفظونه. يكون بيني وبينكم بيني وبين نَسلِك من بعدك: يختن كلّ
ذكر منكم. تختنون القِلفَة من أبدانكم ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم. يختن كلّ
ذكر منكم وهو إبن ثمانيّة أيام " (تك 17: 10- 12). وقال لا 12: 3: "وفي اليوم
الثامن تختن قِلفة المولود". وهكذا ينتمي الولد إلى الشعب عبر علامة في بدنه فلا
ينسى انتماءه حتى الموت. ويسوع نفسه خُتِنَ فدخل في شعب من الشعوب بأنتظار أن يخلّص
جميع الشعوب.
نشير هنا إلى أن شعيرة الختانة تطورت في شعب إسرائيل. كان الذكّر يُخْتَن قبل
الزواج، أي في السنة الثالثة عشرة، فكانت ختانته تكريسًا للربّ. هذا ما حدث
لأسماعيل بن إبراهيم (تك 17: 25). ولكن بعد الذهاب إلى المنفى وتضعضع الشعب المؤمن
بالله الواحد بين الشعوب الوثنية، صارت الختانة تمارس في الذَّكر وهو أبن ثمانيّة
أيام. فأهميّة أليوم ألثامن معروفة كأنطلاقة من أجل حياة جديدة. نشير هنا إلى عادة
الكنيسة بأن تعمدّ الأولاد في أليوم الثامن، فتدلّ على إنتمائهم إلى عائلة الله
وإلى جماعة شعب الله الجديد.
3- تسميّة الولد (1: 59 ب- 63)
يُعطى الاسم في إسرائيل عند الولادة. لا شك في أن لوقا تأثر بالعوائد اليونانيّة
حيث يعطى الولد إسمه في أليوم الثامن أو في أليوم التاسع إذا كان المولود ذكرًا.
هناك في الأوساط اليهوديّة طقسان متميّزان: طقس أوّل يعطى فيه الولد إسم، وهو يتمّ
عند الولادة. وطقس ثانٍ يتمّ بعد ثمانيّة أيام فَيُخْتَن الصبيّ وينضمّ إلى جماعة
العهد. أما لوقا فدمج الطقسيّن في طقس واحد.
بالإِضافة إلى ذلك بسِّط الوضع بعض الشيء حين تحدّث عن تسميّة الولدّ. قال: إن
الجيران "أرادوا أن يسموه زكريّا باسم أبيه ". في العوائد الشرعية الأب هو ألذي
يعطي الاسم لأولاده، وقد تتدخَّل الأم بعض المرات. أما الأسم الذي يُعطى فهو إسم
الجدّ لا إسم الأبّ (الا قليلاً نادرًا). ولكن قد يتدّخل الجيران ويشاركون في
إختيار هذا الأسم. هذا ما حدث لعُوبيد والد يسَّى جدّ داود: "قالت الجارات: ولد
لنعمي (بواسطة راعوت كنتها) إبن وسمَيْنَهُ عُوبيد" (را 17:4). ثم إن طوبيا الشاب
سُمّي بإسم أبيه (طو 1: 1، 9). وعلى هذا الأساس تدّخل الجيران واقترحوا إسمًا للولد
كإسم أبيه: زكريّا، أي إن الله تذكّر أليصابات بعد أن حبس رحمها وأعطاها ولدًا.
هناك أمور عديدة يحدّدها التقليد والعوائد: "ما من أحد في عشيرتك تسمى بهذا الاسم
". ولكن السؤال الحاسم يبقى هو هو: ما هي إرادة الله؟ الله لا يختار الطرق المعبدة
والعادات المألوفة. طرقه ليست طرق البشر وأفكاره ليست أفكار البشر (اش 8:55). البشر
يتوقّفون عند منظر الجسم والعينين، أمّا الله "فإنه ينظر إلى القلب " (1 صم 16: 7 -
8). وهو ألذي إختار لهذا الولد إسم يوحنا منذ بشرّ به: "تسمّيه يوحنا" (1: 13).
ولكن كيف السبيل إلى معرفة إرادة الله؟
إختارت أليصابات إسم "يوحنّا" لأنها عرفت إرادة الله بروحها النبوّية. امتلأت من
الروح القدس فتعرفت إلى الصبيّ الذي في احشاء مريم (1: 41) وامتلأت من الروح فعرفت
ارادة الله في ابنها. إنها تشبه إلى حدّ بعيد حنة إبنة فتوئيل في تعرفها إلى الطفل
يسوع (2: 28).
يحكم الوالدون على الأمور بالإِستناد إلى التقليد. أما الآن فقد بدأ زمن جديد.
وادركت أليصابات العلامات السابقة لهذا الزمن الجديد. اعطت حُكمها بصورة جديدة جدًا
وهذا ما بدا غريبًا لدى المتجذرين في الأزمنة القديمة. ان الروح يتخّذ طرقًا جديدة
لا نفهمها بسهولة، ولكنه يدعونا إلى السير فيها. في بداية الكنيسة سيأتي هذا الروح
على الوثنيّيّن. قال لوقا: "فتعجب أهل الختان الذين رافقوا بطرس حين رأوا ان الله
افاض هِبَة الروح القدس على الوثنيّين (غير اليهود) ايضا" (أع 10: 45). إن الروح لا
يقود الناس دومًا حسب مخططات البشر، بل يعارضها اذا دَعَت الحاجة.
وسألوا زكريّا بالاشارة: ماذا يريد أن يسمّي الطفل؟ أجاب: يوحنّا. إتّفق الوالد
والوالدة دون أن يتشاورا على الاسم الذي يُعطي للصبيّ. لا نتخيّل، كما قال بعض
الشرّاح أنهما تفهّما مسبقَا. هذا يتعارض معارضة كلّيّة وهدف لوقا على مستوى الخبر.
فإسم يوحنا في نظره إسم إلهيّ، أي أعطاه الله بنفسه. والحدث كلّه يجري في مناخ
العناية الالهيّة الحاضرة. وأهمّيّة الخبر كلّه تستند جوهريّا إلى هذه التسمية
العجيبة.
لا، لا يمكن أن يكون إسم الولد زكريّا. لا شك في أنه يقال عن امرأة تقدمت في السن
قبل ان تَلِد ولدًا: "لقد تذكّرها الله ". لهذا يجب العبور من زكريّا إلى يوحنّا،
من "الله تذكّر" إلى "الله تحنّن وأنعم ". نحن في مرحلة جديدة في تدبير الخلاص. لقد
حصلنا على ملء النعمة، تعرفنا إلى إله الرحمة الذي جاء ليخلص العالم، لا ليدينه
ويحكم عليه.
أصل إسم يوحنّا اصل إلهي (1: 13). وحين تقبله زكريّا على انه كلمة الله وصل إلى
الايمان فصار فمه قادرًا على "مباركة الله " (آ 64) الذي أعطاه أن يُنجب ولدًا.
وسيحلُّ عليه روح النبوءة، كما حلّ على امرأته، فينشد الطريق التي سيسير عليها
الولد "بروح ايليّا وقوّته " (1: 17).
4- ما عسى ان يكون هذا الطِّفل (1: 64- 66)
"طلب لوحًا وكتب: اسمه يوحنّا". رأى الناس ان ما فعله غريب فدهشوا. ان ارادة الله
وكلمته تفرضان على الناس المختارين لرسالة بأن يخرجوا من عوائدهم. هذا ما حدّث
لابراهيم وموسى والأنبياء. والمسيح حين يعلن تعليمه الجديد كلّ الجدّة، ماذا سيحدث
له؟ قال: "ما من أحد يشرب خمرًا معتقةً ثم يرغب في الخمر الجديدة لأنه يقول: الخمرة
المعتقّة هي الأطيب " (5: 39). اجل، اعتاد الناس على القديم، فهل سيقبلون بالجديد
الذي يقدمه يسوع؟ اعتاد اليهود على الشريعة والعبادة والوعود، ومنهم كان الأباء.
ومنهم جاء المسيح بالجسد (روم 9: 4- 5). فهل سيتخلون عن كل هذا ليتبعوا "يسوع
المسيح المصلوب " (1 كور 2:2) الذي هو "عثار أمام اليهود وحماقة في نظر اليونانيّين
" (1 كور 1 :23).
ان الاسم الذي اعطاه زكريّا ليوحنّا يكشف عن سرّ الرسالة التي أوكل بها الطفل.
فالله سيظهر حنانه ورحمته، بعد ان انتهت محنة زكريّا. لم يعد بحاجة إلى آية وعلامة.
اغلق الله فمه عن الكلام ففتح قلبه للآية، لكي يتأمّل بها في سرّ قلبه. واما الآن
فقد اعلن زمن الخلاص بمولد السابق حتى في محيط الاسرة الضيّق بانتظار ان تُعلن
اعمالُ الله في الكون كله.
اتفق زكريّا وأليصابات على الاسم، فبدا اتفاقهما وكأنه تدّخل من الله. استولى العجب
والدهشة. هذه هي ردّة الفعل العاديّة عند الناس أمام المعجزات. بعد ان هدّأ يسوع
العاصفة، "خاف الرسل وتعجبوا" (8: 25). وحين قامت ابنة يائيرس، "تعجّب والداها" (8:
56). وتعجب الناس حين شفى يسوع صبيًا فيه روحٌ نجس (9: 43) وحين طرد شيطانًا أخرس
(11: 14). ويتعجب الناس ايضًا أمام ظهورات الله. تعجّب بطرس حين رأى الأكفان وحدها
في القبر ولم يجد جسد يسوع (24: 14) ودهش التلاميذ حين أراهم يسوع يديه ورجليه (24:
41)
وانطلق الخبر من عالم صغير هو عالم الأقارب والجيران، إنطلق من هذا البيت الكهنوتي
وامتدّ إلى كلّ منطقة اليهوديّة الجبليّة. وسينتشر تعليم الخلاص
عبر القارات الواسعة. إن فيه من القوة ما يجعله قديرًا ان يحتل المسكونة كلّها.
"فما من خفيّ إلا سيظهر، ولا من مكتوم إلا سينكشف ويعرفه الناس" (17:8).
ملأ الخوف الجيران. أمام تدّخل الله العجيب امتدّ الخوف إلى أبعد من قرية وأبعد من
منطقة. سمع الناس بهذه الأحداث، ولكن لا يكفي بأن نسمع بأخبار تحمل الخلاص. يجب أن
نحفرها في قلوبنا. لا ننسى. القلب هو مركز كل الحياة الحميمة، هو مركز الفكر
والذاكرة والعواطف وقرارات الانسان (12: 34). فمن حفظ في قلبه هذه الأحداث أو هذه
الكلمات، بدأ يسير في طريق التوبة التي جاء يوحنا المعمدان يدعو بني قومه إليها.
ما عسى أن يكون هذا الطفل؟ هذا هو سؤال الناس. أجاب لوقا: انه يُتمّ ما قاله الملاك
لزكريّا: يمتلئ من الروح القدس، يهدي الكثيرين، يسير أمام الله، ليهيئ للربّ شعبًا
مستعدًا. لهذا أعلن زكريّا اسمه: يوحنّا. حينئذ سطع ايمانه فانطلق لسانه.
"يدّ الربّ كانت معه ". هذه العبارة الخاصّة بلوقا (رج أع 11: 21) ترجع الى التوراة
التي تعبّر عن حماية الله لمتقيّه. قال مز 80: 18: "اجعل يدك على الرجل الذي عن
يمينك (الملك) على هذا الانسان الذي تؤيده بقوتك ". ويقول المرنّم في مز 139: 5:
"انت ورائي وأمامي، تحيط بي عن قرب وتضيع يدك عليّ ".
كانت يدّ الله مع الأنبياء، مع ايليّا (1 مل 18: 46)، مع اليشاع (2 مل 3: 15)
وحزقيال (1: 3؛ 3: 14، 22؛ 8: 1). وقال الربّ لأرميا: "أنا معك لكي انقذك " (1:
19)، فما عليك أن تخاف من الملوك والعظماء. وسيكون الربّ مع يوحنّا فيقول كلام الله
إلى الشعب. وهو لا يخاف من قول الحقيقة لهيرودس فيكلفه كلامه هذا التضحية بحياته.
الفصل الثاني عشر
نشيد المباركة
1: 67- 79
مبارك الربّ الاله.. هذا هو نشيد المديح الذي أطلقه زكريا ساعة "انفتح فمه وانطلق
لسانه فتكلّم " (1: 64). نشيد يفسّر ساعة تاريخ الخلاصّ التي بدأت مع يوحنا. أنار
روح الله زكريّا فانطلق من أناشيد معروفة في عصره ليتحدّث عن رسالة الصبي وعن
المستقبل الذي ينفتح امامه. إن زكريا يمدح الله بكلمات قديمة يملأها بمضمون جديد.
يمتدح أوّلاً أعمال الله في تاريخ الخلاص، ثمّ يعبّر عن تمنياته للمولود الجديد،
ويعلن مسبقًا ما تكون رسالته: يتقدّم (يسير أمام) الربّ ليهيّئ الطريق له ويعلم
شعبه أن الخلاص هو في غفران خطاياهم (آ 76- 77).
يتحدّد نشيد زكريّا تحديدًا واضحًا، فنعرف بدايته ونهايته. تسبق البداية مقدمة
لوقاويّة خاصة: "إمتلأ زكريّا من الروح القدس فتنبّأ قائلاً" (آ 67). وبعد النهاية
نستعيد الخبر نثرًا: "وكان الطفل ينمو ويتقوّى في الروح " (آ 80).
حين نقرأ نشيد المباركة هذا نحسّ وكأنه أُقحم اقحامًا في خبر سبقه. فإن آ 80 تتبع
مباشرة آ 66 فلا نشكّ بأن شيئًا ما يبدو ناقصًا: "لأن يد الربّ كانت معه... " (آ
66). "وكان الطفل ينمو" (آ 80). ولكنِ إن يكن من اقحام فهو لا يبدو مصطنعًا. فمضمون
النشيد يرتبط ارتباطًا متينَا بالقرائن المباشرة. مثلاً نرى في آ 76- 79 التي
تصوِّر مسبقًا دور الصبي ورسالته، الجواب على السؤال المطروح في آ 66: "ما عسى أن
يكون هذا الطفل "؛ ثم، إذ تورد آ 66- 75 كلمات مباركة زكريّا، فهي تجيب على ملاحظة
قرأناها في آ 64: "وفي الحال انفتح فمه وانطلق لسانه فتكلّم وبارك الله ".
ومهما يكن أصل هذا النشيد، فهو الآن حاضر في الخبر النثري وهو يلعب دورًا هامًا.
انه يعبّر بشكل مباركة ومديح عن البعد اللاهوتي ومعنى الاحداث المصوّرة هنا.
1- تبارك الله لأنه صنع...
يمتدح الانسان الله لأنه غمره بانعامه. هذا ما نقرأ في نهاية أقسام المزامير:
"تبارك الرب الاله، إله إسرائيل منذ الأزل الى الأبد" (مز 41: 14). "تبارك الرب
الاله، إله إسرائيل، صانع المعجزات وحده. وتبارك اسمه المجيد الى الأبد، ولتمتلئ
الارض كلّها من مجده " (مز 72: 18؛ رج 89: 53؛ 106: 48). تنشد المزامير أعمال الله
في الخلق وتاريخ الخلاص، وهذا ما يفعله زكريّا كما يفعله المنشدون في العهد القديم
وفي العهد الجديد.
مثلاً، نقرأ في تك 24: 27 صلاة اليعازر، خادم إبراهيم: "تبارك الربّ إله مولايّ
إبراهيم، فرحمته ووفاؤه لم يتركا مولاي، وهو قادني في الطريق حتى أوصلني إلى بيت
اخي مولايّ ". وقالت النساء لنعمي بعد أن ولد عُوبيد جدّ يسَّى والد داود: "تبارك
الربّ ألذي لم يحرمك اليوم من شخص يتولى أمرك ويذكر إسمك في إسرائيل ". وأعلن
احيماعص امام داود: "تبارك الربّ إلهك ألذي أسلم إليك الذين رفعوا أيديهم عليك، يا
سيدي الملك " (2 صم 18: 28؛ رج تك 9: 26؛ 14: 20؛ خر 18: 10؛ 1 صم 25-32؛ 1 مل 1:
48؛ 5: 21؛ 2 أخ 2: 11؛ عز 7: 27).
تُتلى المباركة في بداية (1 مل 15:8؛ 1 أخ 29: 10؛ طو 3: 11؛ 8: 5) الصلاة أو في
نهايتها (2 صم 47:22؛ 1 مل 56:8؛ مز 118: 46 ) فتدلّ على خيرات الله وتدخلاته من
أجل شعبه واتقيائه. ولا ننسى في العهد الجديد بداية الرسالة إلى إهل أفسس: "تبارك
الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحيّه... " (أف 1: 3- 14).
ونجد عبارة المباركة في الصلاة اليهودية، ولاسيما الصلاة التي تُتلى في المجمع.
فصلاة الثماني عشرة مباركة تبدأ: "مبارك أنت أيها الربّ إلهنا واله آبائنا... الذي
تذكر أعمال آبائنا الحسنة فأقام فاديًا لأبنائهم ". كم نحن قريبون من نشيد زكريّا:
"مباركٌ الربّ (آ 68)... ليرحم آباءنا ويذكر عهده المقدس (آ 72)... اقام لنا قوة
الخلاص " (آ 29).
ما يميّز المباركة في مختلف صلوات العهد القديم، هي أنها مديح المؤمن الذي أنعم
الله عليه بخيراته. المباركات عديدة في العهد القديم، ولكننا لا نجدها وحدها، بل
تمتزج بالطلب والتوسّل. تبدأ الصلاة بالمباركة وتمتدّ في أمور اخرى. مثلاً، صلاة
سليمان في تدشين الهيكل التي بدأت بالمباركة: "تبارك الربّ الذي وهب الشعب الراحة
بحسب كل مواعيده: لم تسقط كلمة واحدة من كل الأقوال الصالحة التي قالها على لسان
موسى عبده " (1 مل 8: 56). ونقول الشيء عينه عن نشيد داود (2 صم 22) حيث تمتزج
المباركة بالمديح. اما صلاة المباركة في أف 1: 3- 14 فهي تنحصر في المباركة ولا
تتضمّن أي طلب.
2- صلاة في قسمين
تقسم صلاة زكريّا قسمينّ. قِسم أوّل في صيغة الغائب (تفقد هو، أقام هو)، يتحدّث عن
تدخلّ الله في حياة شعبه (آ 68- 75). وقسم ثانٍ في صيغة المخاطب (آ 76- 79) وفيها
يتحدث زكريّا إلى الصبيّ بإسم الله فيحدّد له مهمته كسابق للمسيح: "وأنت أيها
الطفل... تسير قدّام الربّ ". لا يحافظ النصّ على الغائب والمخاطب، ولكن هاتين
الصيغتين مسيطرتان. هناك أفعال في صيغة الماضي: تفقد، عمل فداء (افتدى) (آ 68)،
اقام (آ 69)، قال (وعد) (آ 70). اقسم (آ 73). انها تدلّ على تدخلّ الله. ونتيجة هذا
التدخل نجدها في أفعال ترد في صيغة المصدر: رحمة منه، ذكرًا لعهده (آ 72)، لأعطائنا
(بأن يعطينا) (آ 73) لخدمته (حتى نخدمه، نعبده) (آ 74). هذا في القسم الأوّل.
وفي القسم الثاني نجد أفعالا في صيغة المضارع وهي تدلّ على المستقبل الذي يعرفه هذا
الطفل. نحن هنا أمام نظرة إلى الوراء. كُتب الانجيل بعد موت يوحنا المعمدان بعشرات
السنين. فأراد أن يقرأ بعين الله ما قام به النبيّ
السابق ليسوع المسيح. "ستُدعى، ستسير قدّام) (تتقدّم) (آ 76). ثم في صيغة المصدر"
كما في قسم الأوّل: لتهيئة (آ 76)، لأعطاء معرفة (التعلم) (آ 77)، ليضيء، ليهدي (ا
79).
نشير هنا إلى أن لوقا أشار بنفسه إلى تقسيم هذا النشيد قسمين وذلك في آ 64 وآ 67.
نقرأ في آ 64: " تكلم وبارك الله ". وهكذا حمل القسم الأوّل (آ 68- 75) موضوع
المباركة. ونقرأ في آ 67: "إمتلأ زكريّا من الروح القدس وقال هذه الأقوال
النبوّية"، تكلم بإسم الله الذي دعا يوحنا وهو في حشا أمه. ولهذا جاء القسم الثاني
يحدثنا عن "نبوءة زكريّا".
3- مقابلة بين القسمينّ
قلنا ان القسم الأوّل، الذي دوّن في صيغة الغائب يتحدّث عن تدخلّ الله، والقسم
الثاني الذي ورد في صيغة المخاطب يتحدّث عن رسالة يوحنّا. واذا أمعنّا النظر نرى
أيضًا ان القسم الثاني يتكلّم عن تدخلّ الله: فبالنظر إلى تدخل الله في حياة يسوع،
يتحدّد موقع رسالة يوحنا ويتوضّح عمله. ولهذا نقول: في الواقع يتضمن كل من القسمين
رسمة واحدة نتعرف إليها من خلال إشارات أدبيةْ وموضوعية كما في هذه اللوحة.
القسم الأوّل القسم الثاني
صيغة الغائب صيغة المخاطب
آ 68- 75 آ 76- 79
أ أ أ
1- تدخل الله
مبارك الربّ وأنت أيها الطفل
إله إسرائيل تدعي نبيَّ العليّ
لأنه تفقد لأنك تسير أمام الربّ
وخلص شعبه (آ 68) لتهيّئ الطريق له (آ 76)
وأقام لنا قوّة خلاص ليعطي معرفة
في بيت داود عبده (آ 19) الخلاص لشعبه (آ 77 أب)
2- تحقيق المواعيد
كما قال (وعد) بفم
انبيائه القدّيسين
من قديم الزمان (آ 70)
3- نتائج الخلاص
خلاص بعيد عن أعدائنا في غفران خطاياهم (آ 77 ج)
وأيدي جميع مبغضينا (آ 71)
ب - تدخل الله ب ب
ويصنع رحمة بأحشاء رحمة
لآبائنا ويتذكر إلهنا التي فيها يتفقدّنا
عهده المقدّس (آ 72) من الله، الشمس الشارقة (آ 78)
2- تحقيق المواعيد
القَسَم الذي أقسمه لابراهيم أبينا بأن يعطينا (آ 73)
3- نتائج الخلاص
لكي دون خوف، ننجو من يد ليضيء للّذين هم
أعدائنا، لحدمه (ا 74) في الظلام وظلال الموت
في القداسة والبّر لكي يهدي خطانا
طوال كل أيامنا (آ 75) في طريق السلام (آ 79)
إذن، إن عدّنا إلى القسم الأوّل (آ 68- 75)، نرى أن الله يتدخل حين يقيم قوة خلاصّ
(آ 68- 69) وحين يرحم (آ 72). وذلك حسب ما وعد به شعبه وألزم نفسه بمواعيده (آ 70)
بأن يحققها (آ 73). وتَبْرُز نتائج الخلاص (آ 71) عندما ننجو من أعدائنا (أمور
سلبية) لكي نعبده (أمور إيجابيّة) (آ 74- 75).
ونجد المواضيع عينها في القسم الثاني. أوّلاً: تدخلّ الله في آ 76- 77، تم في آ 78.
ثانيًا: وهذا التدخلّ يمنح الخلاص، غفرانًا للخطايا (آ 77 ج، أمر سلبي) وإنارة
للناس وتوجيه خطاهم (آ 79، أمور ايجابية).
فمن درفة إلى أخرى تتجاوب العناصر. ففي أ (آ 68- 69) كما في أ أ (آ76- 77) يصوّر
لنا تدخل الله في كلمة "خلاص ". وفي ب (آ 72) وفي ب ب (آ 78) في كلمة "رحمة". في أ
وفي أ أ ترد كلمة "الربّ " (آ 68، آ 76 ب) وكلمة "نبيّ " (آ70، آ 76 أ).
في أ وفي أ أ يصوَّر لنا الخلاص بشكل سلبيّ: من جهة نتحرّر من أعدائنا (آ 71). ومن
جهِة ثانية، ننال غفران الخطايّا (آ 77 ب). وفي ب كما في ب ب يتميّز الخلاصّ أوّلا
بالطابع السلبيّ. من جهة، تحرّر من الأعداء (آ 74). ومن جهة ثانية، تحرّر من الظلمة
وظلال الموت (آ 79 أ). ثم يتميّز بطابع إيجابي. من جهة، القداسة والبرّ (آ 75) ومن
جهة ثانية، السلام (آ 79 ب).
4- تنوّع في التعابير
وهناك إشارة تؤكد قسمة النشيد إلى قسمين: التنوّع في التعبير عن الفكرة. في آ 68-
75 اللغّة والتصورات هي لغّة وتصورات العهد القديم. اما آ 76- 79 فتأخذ تعابير من
العهد القديم ولكن الفكرة صارت مسيحيّة في معناها ومبناها.
أ- الجديد في كلمات قديمة (آ 68- 75)
إن الدّرفة الأوّلى (آ 68- 75) تقدّم في كلّ آية (ما عدا آ 70) إستشهادًا بالعهد
القديم. لا يأخذ الكاتب آية التوراة كلها، بلّ كلمة، طريقة تعبير، أو مناخ عامّ. في
هذا المعنى يقترب نشيد المباركة من الصلوات اليهوديّة في عصره مثل صلاة الثماني
عشرة بركة. ونتوقف على شقيّ هذه الدرفة الأولى.
أوّلاً: الشقّ الأوّل: آ 68- 71
يصوَّر تدخل الله في آ 68- 69 في افعال يجمعها حرف العطف (كاي في اليونانيّة):
أفتقد، واعطى خلاصًا واقام. فعناصر التأكيد الثلاثة تستنير وتتوّضح الواحد بالآخر.
كيف زار الله شعبه؟ حين اعطاه الخلاص. وكيف أعطاه الخلاص؟ حين أقام قوّة خلاص في
بيت داود.
"الله تفقّد"، افتقد، زار. عبارة متواترة في العهد القديم، وهيٍ تدلّ على تدخّلات
الله من أجل شعبه، أو من أجل أفراد في هذا الشعب. مثلا مز 80: 15: "يا إله الأكوان
إرجع، تطلع من السماء وانظر، وتفقّد (تدخلّ من اجل) هذه الكرمة". صف 2: 7: "يكون
الساحل لبقيّة يعقوب. هناك يرعون قطعانهم ويرتاحون في بيوت أشقلون عند المساء، لأنّ
الربّ إلههم يفتقدهم (يتدّخل من أجلهم) ويحوِّل مصيرهم ".
وغالبًا ما تأتي هذه التدّخلات لتُخرجَ المؤمنين من ضيقهم: من العبوديّة. قال الربّ
لموسى. "قررت أن اتدّخل من اجلكم" (أن افتقدكم) (خر 3: 16). من الجوع: "الربّ افتقد
(تدخّل من أجل) شعبه ورزقهم طعامًا" (را 1: 6). من الضيق كما في سفر يهوديت (4:
15)، من العقم كما تدّخل من أجل حنّة أم صموئيل: "افتقد الربّ حنّة فحملت وولدت
ثلاثة بنين وابنتين " (1 صم 2: 21). ويرى الكتاب في هذه "الزيارات " تتميمًا
لمواعيد سابقة. "افتقد الربّ سارة، كما قال. وصنع لها كما وعد" (تك 21: 1). وقال
يوسف لاخوته (تك 50: 24): "الله سيفتقدكم (يزوركم)، يتدّخل من أجلكم في أرض مصر
ويصعدكم إلى الأرض التي وعد (أقسم) بها إبراهيم وإسحق ويعقوب ".
عرف العالم اليهوديّ هذه الطريقة التوراتيّة في تصوير تدخلات الله. ولنا شهادة في
ذلك: بداية وثيقة دمشق (1: 3- 12): "مال بوجهه عن شعبه ومعبده. ولكنه تذكّر عهده
(رج لو 1: 72)... فافتقدهم وأخرج من إسرائيل وهارون نبتة... وأقام لهم (= لو 1: 69)
معلّم البرّ ليقودهم في طريق قلبه".
وفي وَلي آ 68- 69 يستلهم لوقا أيضًا العهد القديم. ففي آ 69 ب نترجم حرفيًّا: الله
"صنع خلاصًا لشعبه ". فاللفظة اليونانيّة (ليتروسيس) التي تترجم الخلاصّ (او
الفداء) لا نجدها إلا في موضعين في كل العهد الجديد. ولكننا نقرأها في التوراة
اليونانيّة ما يقارب العشر مرات ولا سيما في مز 111: 9: "أرسل الخلاص لشعبه ".
ونلاحظ أيضًا أن لغّة نشيد المباركة تتوافق في 1: 73 مع لغّة هذا المزمور في آ 5:
"تذكر عهده الأبدي ".
"اقام قوّة (حرفيا= قرن) خلاص "، نحن هنا أيضًا أمام تعبير مأخوذ من العهد القديم،
الذي استعمل فعل أقام (ايغايرو) وربطه بأشخاص اقامهم الربّ من أجل خلاص شعبه، مثل
القضاة. "وصرخ بنو إسرائيل فأقام الربّ لهم مخلّص (هوعتنيئيل) فخلّصهم " (قض 9:3؛
رج 3: 5 مع أهود). ونجد الفعل في صلاة "الثماني عشرة": "أقام لنا فاديًا (مخلصًا)
لأبناء ابنائهم ".
أعلن الإِِيمان اليهودي: تبارك الله الذي أقام لنا مخلصاً. وهتف نشيد المباركة:
"تباركَ الله الذي أقام لنا قوّة خلاص ". هتف وكأن الجديد العظيم في تدخل الله
الحاسم قد حصل. وإذ أراد أن يعبّر عن هذا الجديد، إستقى من الإِرث القديم كما فعلت
صلاة "الثماني عشرة": "إنمِ نبت داود عبدك، وارفع مجدَه بخلاصك الذي نرجوه النهار
كله. مبارك أنت يا ربّ لانّك أنميتَ قرن خلا ص" (المباركة الخامسة عشرة). وقال مز
3:18 (= أم 3:22): "أحتمي به وهو صخرتي وترسي وقرن خلاصي وحصني وملجأي ".
ولكنّ الاستقراضات من نشيد داود هذا لا تنحصر في هذه العبارة. فنشيد المباركة قد
انطبع في العمق بهذا المزمور. في آ 47 نجد عبارة: "تبارك الله " التي تفتتح نشيد
زكريا (آ 68). ويعبّر زكريا عن الخلاص والتحرر من الاعداء. كما في آ 3 (قرن
الخلاص)، 36 (الخلاص مجن)، 47 (تعالى خلاصي)، 51 (يعطي الخلاص لملكه)، وكما في آ 4،
18، 49 التي تتحدّث عن "أعدائنا". ونقرأ عبارة: "من يد جميع في آ 1، وعبارة "الذين
يبغضوننا" في آ 18. وأخيرًا إن مقدمة المزمور تسمّي داود "عبد الله "، وهذا ما
يقوله نشيد المباركة: "في بيت داود عبده" (آ 69).
ثانياً: الشق الثاني: آ 72- 75.
"ليصنع رحمة لآبائنا". يتواصل الشق الثاني مع هذه العبارة التي نجدها أيضاً في
نهاية صلاة داود: "أعطى ملكه الخلاص، صنع رحمة (للملك) مسيحه، لداود ونسله الى
الأبد" (مز 18: 51).
حين أقام الله في نسل داود حاملَ خلاصه، دلّ على أنه إله الأمور الجديدة، الإِِله
الذي يتدخّل بشكل حاسم وبطريقة لم يُسمَع بها من قبل. ويشدّد نشيد المباركة في
الوقت عينه على أن الله هو الذي يتذكّر ولا ينسى، ويحقّق ما جعل الإِنسان يستشفه
منذ الماضي السحيق.
وترجع آ 72 ب إلى ما بعد داود، إلى الميثاق (العهد) الذي عُقد مع آبائنا. فأي ميثاق
يعني هذا الكلام؟ هل ذلك الذي عقده مع إسرائيل في سيناء؟ ولكنّه يرجع بالحري إلى
الميثاق الذي عقد مم إبراهيم وهو المذكور في الآية التالية. فعبر ميثاق مع ابراهيم،
"عقد الله ميثاقًا (عهدًا) مع آبائنا، أي كل الذين سبقونا في مسيرة الإِِيمان، أي
كل نسل ابراهيم المؤمن. وهذا ما تشير إليه نهاية نشيد التعظيم: "ذكر رحمته (رج آ 72
أ) كما كلم آبانا من أجل ابراهيم ونسله إلى الأبد" (54:1).
وسيكون كل هذا واضحًا في أع 25:3: "فانتم ابناء الانبياء والعهد الذي عقده الله مع
آبائنا حين قال لابراهيم: بنسلك أبارك كل شعوب الأرض ".
فعبر العهد الخاص الذي عقده الله مع موسى وتعلق باسرائيل، يرجع نشيد المباركة إلى
الله الذي عقده الله مع ابراهيم الذي يتعلق بكل "عشائر الأرض ". اللغة خاصة بشعب من
الشعوب: آباؤنا، أبونا، أعداؤنا. ولكن الفكرة تبدو شاملة في مضمونها فتعمّ البشرية
كلّها.
ولكن حين تحدّث نشيد المباركة عن الميثاق مع ابراهيم فهو لم يجدّد شيئًا. فالعهد
القديم نفسه في أجزائه المختلفة يعود مرارا إلى الميثاق الذي عقد مع الآباء. نقرأ
في خر 2: 24 عن شعب الله: "سمع الله أنينهم. تذكر الله ميثاقه مع ابراهيم واسحق
ويعقوب " (رج خر 3:6- 5). ونقرأ في لا 42:26 جواب الربّ الى توبة شعبه: "سأتذكّر
ميثاقي مع يعقوب. سأتذكّر أيضاً ميثاقي مع إسحق. وميثاقي مع ابراهيم. سأتذكّر
الأرض" (التي طرد منها الشعب). وفي مز 8:105- 9: "تذكّر دوماً ميثاقه، الكلمة التي
أوصى بها إلى ألف جيل، الميثاق الذي بتّه مع ابراهيم وأكّده بقَسَم لاسحق" (رج مز
106: 45؛ 111: 5؛ 1مك 1 :2؛ 4: 10). وتبقى النظرة إلى الميثاق هي هي في العالم
اليهودي. هنا نتذكّر مثلاً كتاب اليوبيلات (14: 1- 24؛ 15: 1- 10) والقديميات
البيبلية (7: 4؛ 8: 3؛ 9: 4) وسفر عزرا الرابع (3: 15).
ويشهد نشيد المباركة أيضاً على إرتباطه بالعهد القديم حين يشير إلى القَسَم الذي
اقسمه الله لابراهيم (آ 73). هي مفردات استعملها الكتاب المقدّس وربطها بالوعد
المعطى لابراهيم بنسل وأرض. وهكذا تبدو آ 73 قريبة جدًا من تك 26: 3: "اقم في هذه
الأرض فأنا أكون معك وأباركك. واعطي هذه الأرض لك (= اسحق) ولنسلك، وأفي بالقسَم
الذي أقسمته لابراهيم أبيك". يرد فعل "أقسم " مراراً في سفر التثنية، وهو مرتبط
بالوعد بأرض تعطى للشعب. وهذا واضح بصورة خاصة في تث 6-7 حيث نجد أفكار ومفردات لو
1: 72- 75: القسم للآباء، الخلاص من الأعداء، خدمة الله. "فالربّ الهك تخاف وإيًاه
تعبد... تعمل ما هو حقّ وصالح أمام الربّ الهك لتكون سعيداً وتمتلك الأرض الطيبة
التي أقسم الله لك بأن يطرد منها جميع اعدائك من أمام وجهك (تث 13:6، 18- 19).
ونقرأ في تث 23:6- 24: "الأرض التي أقسم (= لو 1: 73) لآبائنا (= 1: 72) أن يعطينا
إيّاها (= 1: 73 ب) لنخاف الرب ونكون سعداء كل أيامنا (= 1: 75، أيام حياتنا) (رج
تث 8:7- 9، 12).
وهكذا يبدو القسم الأول (آ 68- 75) من نشيد المباركة متشرباً من مناخ العهد القديم
ومفرداته. والشواذ الوحيد، كما قلنا هو آ 70. وهنا نكتشف مواضيع لوقا ومفرداته
الخاصة. فالعبارة "قال بفم قديسيه الانبياء في الزمن القديم " نقرأها حرفياً في أع
3: 21 بلسان بطرس في خطبته في الهيكل. وتعود لفظة "بفم " في أع 18:3؛ 7:15. ثم إن
مواضيع الوعد والبشارة وتتمّة الوعد معروفة عند القديس لوقا. نجدها مثلاً في خطبة
بطرس التي يتحدّث فيها أيضاً عن الانبياء القديسين: "والأنبياء كلهم الذين تكلّموا
من صموئيل إلى الذين جاؤوا بعده، قد أنبأوا أيضاً (بمجيء) هذه الأيام " (أع 3: 24).
لا شك في أن لو 1: 70 يشير بصورة خاصة إلى النبي ناتان حين يتحدّث عن "الأنبياء في
الزمان القديم ". في آ 69، دلّ الانبياء على مخلّص يخرج من نسل داود، وهذا هو
بالضبط موضوع نبوءة ناتان (2 صم 7: 5- 16). وفي خطبة العنصرة سيُعلن بطرس: "وبما ان
داود كان نبياً عرف أن الله أقسم له يميناً بأن يقيم (يجلس) على عرشه نسلاً (=
المسيح) من صلبه " (أع 30:2). إن الكلمات التي تحتها خط أُخذت من مز 132: 11 الذي
يحيلنا الى نبوءة ناتان. وسيكون كلام لوقا فيما بعد صدى لهذه النبوءة في مقطع تبدو
كلماته قريبة من كلمات لو 1: 70: "من نسله (= داود) حسب الوعد، أقام الله لاسرائيل
يسوع مخلصاً" (أع 13: 23).
كل هذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن آ 70 ألّفها لوقا نفسه. والأمر معقول، ولا سيما وأن
هذه الآية تشكل انقطاعاً بين آ 69 وآ 71 اللتين ذَكرتا "الخلاص" فاوضحت الواحدة ما
في الأخرى.
ب- كلمات لوقا والجماعات المسيحية (آ 76- 79).
ونصل إلى الدرفة الثانية من النشيد. تتألّف، كما قلنا، من شقين: أ أ (آ 76- 77)، ب
ب (آ 78- 79). تصوِّر مسبقاً رسالة يوحنا المعمدان فتقدّم الجواب على سؤال طرحه
لوقا في 1 :66: "ما عساه يكون هذا الصبي"؟
تختلف هذه الدرفة الثانية اختلافاً كبيراً عن الدرفة الأولى في التعبير عن الفكرة
التي يريد لوقا أن يوصلها إلينا. تحقّقنا أن الدرفة الأولى نُسجت من تذكرات أخذتها
من العهد القديم. ولكن هذه التذكرات ستغيب هنا فيحلّ محلّها (كما في آ 70) لاهوت
القديس لوقا. وإن يكن هناك من استشهادات فهي "تقليدية" بمعنى أن الإِِيمان المسيحي
تبنّاها وكيّفها حسب التعليم الجديد.
أولاً: لغة لوقا ولاهوته
إن الاعلان الذي يوجّهه زكريّا ليوحنّا في آ 76 أ ("تدعى نبي العلي") هو صدى لما
أعلنه الملاك لمريم بالنسبة الى يسوع: "سيدعى ابن العلي " (1: 32). إذن، العودة إلى
الله ستحدّد منذ البداية دعوة الطفلين: يسوع هو ابن العلي ويوحنا هو نبي العلي.
وستوضح آ 76 ب فيما بعد: "تسير أمام الرب". تعود كلمة "سار، مشى" (بوريوماي) 88 مرة
عند لوقا، والظرف وأمام " (انوبيون) 35 مرة. وهذا يدلّ على أنّنا أمام تعبير يرد
مرارًا عند لوقا.
وفي آ 77، تصوَّر رسالة يوحنا كما ستصوَر رسالة الرسل في سفر الأعمال. قال لو 1:77:
"ليعطي شعبه معرفة الخلاص في غفران الخطايا". ونقرأ أوّلاً في أع 4: 10، 12:
"فاعلموا جميعاً، وليعلم شعب اسرائيل كله: لا خلاص إلا بيسوع. فما من اسم آخر تحت
السماء وهبه الله للناسٍ نقدر به أن نخلص". وقال بطرس أيضاً:. "إن الله رفعه بيمينه
رئيساً ومخلصا ليمنح اسرائيل التوبة وغفران الخطايا" (أع 5: 31). وأخيراً حدّث بولس
أهل انطاكية بسيدية فقال: يا اخوتي، يا أبناء ابراهيم ويا أيها الحاضرون هنا الذين
يتقون الله، اليكم أرسل الله كلمة الخلاص... اذن، ليكن معلوماً عندكم، أننا بيسوع
نبشّركم بغفران الخطايا" (أع 13: 26، 38).
فموضوع غفران الخطايا بصورة خاصة، مع موضوع عطية الروح، يعبّران في سفر الأعمال عن
بُعْدَيْ الخلاص الذي منحه المسيح لنا (رج أع 43:10؛ 18:26). وهكذا يبينّ نشيد
المباركة أن رسالة المعمدان وكرازته هما استباق لرسالة الكنيسة وكرازتها.
وتصوير تدخّل الله وأثره فِي آ 78- 79 يدلّ أيضاً على أننا أمام تعبير لوقا
ولاهوته. ففي هاتين الآيتين تبرز مختلف مركّبات خلاص الله وكأنّها تنبع من "أحشاء
الرحمة". كلُّنا يعلم أن الرحمة تشكّل صفة الله الرئيسية في لوقا، وأن فعل "تحركت
احشاؤه " (اشفق) يرد في ثلاثة مقاطع خاصة بلوقا. في 13:7: يسوع أمام وحيد الأرملة
في نائين. في 33:10: عاطفة السامري تجاه الجريح المرمي على جانب الطريق. في 15: 20:
تحرّكت أحشاء الأب (أو تحرّكت فيه العاطفة حتى عمق احشائه) حين رأى ابنه عائداً إلى
البيت الأبوي.
ونقول الشيء عينه عن موضوع السلام الذي تُماثل آ 79 بينه وبين إحدى وجهات الخلاص.
وهذا أيضاً يقابل نظرة لوقا الذي سيحدّثنا في الفصل الثاني عن خلاص الله يعلنه
الملائكة بلغة السلام: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام للناس الذين يحبّهم
" (14:2). وحين يتكلّم بطرس أمام كورنيليوس سيستعمل الكلمات عينها على ضوء سر
الفصح: "إن الله أرسل كلمته إلى أبناء اسرائيل يعلن بشارة السلام بواسطة يسوع
المسيح " (أع 36:10). قد نجد في كلام القديس بطرس صدى لما ورد في أش 7:52: "ما أجمل
أقدام حامل البشارة على رؤوس الجبال. يخبرنا بالسلام. يبشّرنا بالخير. يخبرنا
بالخلاص ".
كل هذا يقودنا الى الوجهة الثانية التي أعلنا عنها: كيف استعمل لوقا الكتاب المقدّس
في القسم الثاني من نشيد المباركة؟
ثانياً: عودة الى العهد القديم.
في المقاطع القليلة من القسم الثاني (آ 76- 79) التي نجد فيها استشهادات من العهد
القديم، نجد أن هذه الاستشهادات تعكس استعمالاً مسيحياً للأسفار المقدسة.
وهكذا حين تعلن آ 76 عن يوحنا: "تسير أمام الربّ لتهيئ طرقه ، فهي تشير إلى أش
3:40: "صوت صارخ في البرية: هيّئوا طريق الربّ، واجعلوا سبل الهنا قويمة". ونتذكّر
هنا أن الأناجيل الأربعة تعود إلى هذا المقطع (مت 3:3؛ مر 1: 2- 3؛ لو 3: 4؛ يو 1:
23). وهكذا يكون نشيد المباركة قد أخذ باستعمال مسيحي تقليديّ.
وتعود آ 79 إلى مقطع آخر من أش 9: 1-2 يتحدّث عن نور عظيم ظهر لينير "الشعب الذي
يسير في الظلمة" والذين "يسكنون في ظلال الموت ". وهذا المقطع يرد بوضوح في مت 4:
16: "الشعب الجالس في الظلمة رأى نوراً ساطعاً، والجالسون في أرض الموت وظلاله أشرق
عليه نور". وهذا يعني مرّة أخرى أننا أمام استعمال تقليديّ.
في آ 78 ب يدلّ نشيد زكريا على المسيح أنه "كوكب (نجم) العلاء" (اناتولي إكس
هبسوس). هذه التسمية الخاصة بالمسيح تجد أصلها في مقطع ار 23: 5 كما نقرأه في
السبعينية اليونانية: " ها إنها تأتي ايام، يقول الربّ، فأقيم لداود نبتا عادلاً
ويحكم كملك... ويجعل الحق والعدل على الأرض ". إنطلاقاً من هذا النصّ، نرى أن
"أناتولي " تعني "النبت" (في العبرية: جمع) والنور او الكوكب الذي يشرق. وهذا صار
في العهد القديم اسم المسيح المنتظر في الآتي من الأيام (رج زك 8:3؛ 12:6، المغارة
الرابعة في قمران 1: 11 مع تفسير مسيحاني لنص ار 5:23).
في نشيد المباركة، نحن نفهم "اناتولي" بمعنى الكوكب او "الشمس المشرقة"، لا سيما
وأن وَلْي النص يصوّر دور الانارة: فكوكب العلاء يساعد الانسان على أن يرى (آ 78 أ)
وأن يفتح طريقه (آ 79 أ) حيث تسود الظلمة وظلال الموت. وتطبيق هذه الصورة على يسوع
المسيح ظاهر في العهد الجديد. فإليها يعود، ولا شكّ خبر المجوس في مت 2:2: "رأينا
نجمه عند شروقه (اناتولي) فجئنا لنسجد له ".
ج- من اللغة إلى الفكر.
إذا كان ما رأيناه صحيحاً، فنحن أمام ملاحظة لافتة للنظر: فهناك انقطاع واضح بين
قسمي نشيد المباركة على مستوى التعبير. نرى في الدرفة الأولى (آ 68- 75) تعبيرًا
يهوديًا يستلهم العهد القديم. أما في الدرفة الثانية (آ 76- 79) فنجد تعبيرًا
مسيحيا او انطبع بالطابع المسيحيّ.
ولكننا سنكتشف هذا الانقطاع أيضاً على مستوى الفكر واللاهوت. فنحس وكأن آ 76-79
تترجم في كلمات مسيحيّة نظرة اليهود إلى الخلاص كما عبّرت عنه آ 68- 75. كأن القسم
الثاني من هذا النشيد هو تفسير مسيحي للرجاء اليهوديّ الذي أعلنه القسم الأول.
فإن آ 68- 75 تدلّ على نظرة "وطنيّة" الى المسيح الذي يحرّر اسرائيل شعبه (آ 68) من
أعدائهم (آ 71- 74). وهو بهذا يمنحهم الخلاص (آ 71 أ) أو يكون "قرن الخلاص" الذي
أقامه الله (آ 69 أ).
هذه النظرة إلى المسيح ظاهرة في العالم اليهودي. يكفينا مثلاً أن نشير إلى مزامير
سليمان (23:17- 27) أو ترجوم التكوين (49: 15- 11). نورد هنا مز 17 من مزامير
سليمان: "أنظر يا رب، وأقم لهم ملكهم ابن داود في الوقت الذي تعرفه يا الله ليملك
على اسرائيل عبدك. ومنطِقْه بالقوّة لكي يحطّم الرؤساء الظالمين. طهّر أورشليم من
الأمم التي تدوسها وأهلكهم. ليُطرد بحكمة وعدل الخطأة من الميراث ".
أما نشيد المباركة، فلا يتطلّع إلى الخلاص من. الاعداء في حد ذاته، بل من أجل خدمة
الله: "لكي ننجو من أعدائنا فنخدمه في البرّ والقداسة أمام وجهه كل أيّام حياتنا"
(آ 74- 75). أجل، هذه النظرة الى دور المسيح تحتفظ بمكانة مهمة للبعد السياسي
الوطني. وهذه النظرة يعرفها لوقا وهو الذي كتب في 2: 25: " وكان في أورشليم رجل
اسمه سمعان. كان هذا الرجل بارُّا وتقيُّا، وكان ينتظر عزاء اسرائيل ". ونقرأ على
لسان تلميذي عماوس (24: 21): "كنا ننتظر انه هو الذي يخلص اسرائيل ". وسيقول
التلاميذ ليسوع قبل صعوده: "أفي هذا الزمن تعيد الملك إلى اسرائيل " (أع 1: 6)؟
هذه النظرة سيصححها لوقا فيبينّ في أي معنى يسوع هو المسيح، وما هو نمط الخلاص الذي
يحمله. يكفينا هنا أن نقرأ خطب بطرس في بداية الأعمال. "فليعلِم بنو اسِرائيل كلّهم
علم اليقين ان الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربا ومسيحاً" (أع 2: 36). وقال
في المجلس: "إله آبائنا أقام يسوع هذا الذي علقتموه على خشبة وقتلتموه. فهو الذي
رفعه الله عن يِمينه " (أع 30:5-31).
تصحيح مهم قام به لوقا. فيسوع هو المسيح حقا، وهو يحمل الخلاص. ولكن هذا الخلاص
روحي قبل كل شيء. وهكذا صححت الدرفة الثانية ما كان في الدرفة الأولى من نظرة وطنية
متطرفة. تكلّم القسم الأوّل عن خلاص مسيحاني يكمن في نصر على الاعداء (آ 71).
فتكلّم القسم الثاني عن غفران الخطايا (آ 77 ب). شدّدت الدرفة الأولى على خلاص من
أيدي أعدائنا (آ 74)، أما الثانية فاحتفلت بتحريرنا من الظلمة والموت. ما فهمناه عن
القسم الأول بمعنى مسيحانيّة يهوديّة، قد تصحَّح في القسم الثاني وفُسِّر في خط
روحي يتوافق واللاهوت المسيحيّ.
5- من أين جاء نشيد المباركة؟
تكاثرت الافتراضات حول أصل نشيد المباركة. وها نحن نذكر ثلاثة مواقف رئيسيّة.
* الموقف الأول: أصل يهودي.
يقول بعض الشرّاح: نحن أمام نشيد أخذه لوقا كلّه او أخذ قسماً منه من العالم
اليهودي واقحمه في خبر الطفولة بعد أن نسبه إلى زكريّا الكاهن اليهودي.
ولكن، هذا الافتراض قد ينطبق على القسم الأول من النشيد (آ 68- 75) ما عدا آ 70
التي نكتشف فيها اسلوب لوقا وأفكاره. ولكنه لا ينطبق إطلاقًا على القسم الثاني في
تعابيره وأفكاره المسيحيّة.
* الموقف الثاني: أصل مسيحي متهوّد.
هناك مسيحيّون من أصل يهوديّ قد أنشدوا هذا النشيد فأقحمه لوقا في خبره. أما
البرهان الأهمّ الذي يسند هذا الموقف فهو أن آ 68-69 تحتفلان بالخلاص وكأنّه حصل
منذ الآن فلم يعد لنا أن ننتظر شيئاً. يقول النصّ: "الله افتقد، الله خلّص شعبه،
الله أقام قوة خلاص ". هذا يفترض اقتراضًا من أوساط مسيحيّة (متهوّدة) لا من أوساط
يهوديّة، كما قال الافتراض الأول. ومن جهة ثانية، إن تذكرات العهد القديم
والتصوّرات القريبة من التصوّرات المعروفة في العالم اليهودي تفترض اتصالاً بهذا
العالم اليهودي. إذن، انتقل نشيد المباركة الى لوقا من أوساط مسيحيّة تأصّلت في
العالم اليهودي.
ولكن، هل تتضمّن فرضيّة الاقتراض ان لوقا أورد النصّ حرفياً كما وصل إليه؟ ما الذي
يمنع أن يكون كيّفه وصحّح تعابيره، ولا سيّما حين انتقل منِ المقبل الى الماضي؟ ما
هو أكيد هو أن القسم الثاني يعكس تقوى مسيحيّة وافكاراً مأخوذة من العهد الجديد.
يرى البعض أن لوقا أخذ جوهر القسم الأول من العالم اليهودي، ثمّ ألّف القسم الثاني
مفسِّرًا ما سبق من الوجهة اللاهوتيّة المسيحيّة.
* الموقف الثالث: تأليف لوقا.
يرى أصحاب هذا الموقف أن لوقا ألّف النشيد كلّه، وهو المعروف بتقليده لأسلوب
السبعينية اليهوديّة في القرن الأول المسيحي، وأخذ بأسلوب الصلاة التي تُمارس في
تلك الأوساط.
لا شك في أن لوقا يقدر أن يؤلف خطبة كاملة بلباقة يعجز عنها أكبر الكتّاب. مثلاً،
خطب سفر الأعمال التي تتوجّه إلى اليهود (أع 13: 16- 41) أو الوثنيّين (أع 22:17-
32). ولكن لوقا لا ينطلق من لا شيء ليؤلّف الخطبة. فمضمون الخطب يقابل مضمون
الكرازة كما نستطيع أن نتعرّف إليها في أماكن أخرى. إذن نستطيع أن نقول إن لوقا
استعمل مرجعا يهوديا توقّفت نظرته إلى المسيح عند حقبة سابقة للمسيحيّة.
ولكن لوقا لم يتوقّف عند القسم الأول، بل أوصلنا إلى المسيح الذي أقامه الربّ نوراً
للأمم الوثنيّة، وأرسله ليفتح عيون العميان ويحرّر المحبوسين من سجونهم (اش 42: 6
ي). أجل، المسيح هو شمس الخلاص الذي يحمل الفداء لبشر تسحقهم الخطيئة والموت.
تحدّث نشيد المباركة عن هذا السابق الذي يهيئ الدرب لمن يقود خطانا في طريق السلام.
وقبله تحدّث نشيد التعظيم عن الإِِله الذي ينظر الى خائفي الله، الى المتواضعين،
الى الجائعين. إنه يسوع المسيح الذي لا يحمل خلاصاً إلى شعب واحد، بل إلى كل
الشعوب، وهو الذي أرسل كنيسته لا إلى اليهوديّة والسامرة فقط، بل حتى أقاصي الأرض.
الفصل الثالث عشر
اليوم ولد لكم مخلص
(لوقا 2: 1- 20)
يُعتبر خبر مولد يسوع العجيب من أكثر الصفحات المعروفة في إنجيل لوقا. فقد رسمه لنا
الفنّ المسيحيّ جيلاً بعد جيل. ومثّلته "المغارة" التي اعتدنا أن نجعلها في بيوتنا
وكنائسنا. ولكن هذه الصفحة الإِنجيلية تُخبئ صعوباتٍ ترتبط بأناجيل الطفولة. فكم
نتمنى أن لا تحرمنا هذه الصعوبات من البحث عن التعليم العميق الذي أراد لوقا أن
يوصله إلينا.
إذن، نبدأ أوّلاً فنُقدّم أسلوب لوقا في عرض خبر الطفولة. ثم نقرأ خبر مولد يسوع.
وبعد أن نتفحّص المشاكل التي يطرحها الخبر على المؤرّخ، نتوقّف عند المعنى العميق
الذي نكتشفه في هذه الصفحة الإِنجيليّة.
أ- أسلوب لوقا في إنجيل الطفولة
يُعلن لوقا في أولى أسطر كتابه أنّه سيتكلّم عن الأحداث التي جرت بيننا. إنّه يبحث
عنها بدقة، وها هو يُقدّمها في خبر مُرتب وأكيد (1: 1- 4). هذا هو هدفه الواضح،
ولكن كيف قام بمُهمّته هذه؟ نحن نستطيع أن نتحقّق من هذا الأمر بعد الفصل الثالث،
فنُقابل ما كتبه مع ما كتبه مرقس (الذي كان مرجع لوقا) ومتى. أمّا فيما يخصّ أخبار
الطفولة، فلوقا مُستقلّ عن مرقس الذي لا إنجيلَ طفولةٍ عنده، وعن متّى الذي شدّد في
أخباره على أمور أخرى.
أمّا إن قرأنا أخبار لوقا في ف 1- 2، فنكتشف فيها السِمات الرئيسيّة التالية:
أوّلاً: تبينّ ف 3- 24 كيف أنّ التلاميذ اكتشفوا سرّ يسوع اكتشافاً بطيئاً،
وتلمّسوا طريقهم في التعبير عن إيمان غير دقيق. أمّا أخبار الطفولة فتقدّم أوضح
التعابير عن هذا السرّ في سلسلة من التدخّلات الملائكيّة والأقوال النبوّية (1: 32-
33، 35، 43؛ 2: 11، 30- 32، 34- 35، 49). من الواضح أنّ لوقا أرادْ أن يجعل من
إنجيل الطفولة هذا عرضًا لسرّ يسوع، ومقدمة كرستولوجيّة (تحدّثنا عن يسوع المسيح)
شبيهة بالمقدّمة التي وضعها يوحنا في مطلع إنجيله (يو 1: 1- 18). سنرى أنه استعمل
عدّة عبارات من الكرازة المسيحيّة الأولى.
ثانيًا: حين أراد لوقا أن يبني خبره، لجأ إلى نهج عرفه المؤرّخون اليونانيّون
في عصره، نهجِ الموازاة. مثلاً، في سفر الأعمال نجد مُقابلة بين بطرس وبولس. وفي
إنجيل الطفولة نجد موازاة بين يوحنا المعمدان ويسوع: كلاهما بشّر بهما الملاك
جبرائيل (1: 5- 25، 26- 38) فالتقيا في شخص ام كلٍّ منهما. وتحدّث لوقا عن مولد
يوحنا وختانته، فأدخل في إعلان ونشيد رسالة السابق بفم والده زكريا (57:1- 79).
وينتهي الخبر بتعليق قصير على ذلك الصبيّ الذي كان ينمو ويتقوّى بالروح (1: 80)..
وتضمّن مولدُ يسوع أحداثًا مشابهة (2: 1 -40).
ففي كلّ من هذه المشاهد الموازية، نجد عبارات مختارة تُشدّد على التطابق بين
الحدثين. يدلّ هذا الأسلوب على وحدة مُخطّط الله. وفي الوقت عينه يمنعنا من أن نجعل
يوحنا يُناقض يسوع، كما فعل تلاميذ يسوع ويوحنا في القرن الأوّل المسيحيّ (يو 3:
25- 36). ويبرز هذا الأسلوب بصورة خاصّة سموّ يسوع على يوحنا، ويبينّ ما تفرّد به
يسوع. سنرى كيف أنّ هذا الأسلوب يُلقي ضوءاً على خبر ميلاد يسوع.
ثالثًا: ويعود لوقا في ف 1- 2 إلى العهد القديم بأشكال ثلاثة. في الشكل الأوّل تبدو
لغة الخبر هي لغةَ التوراة اليونانيّة (المسمّاة السبعينيّة)، وهذا ما يطبع الخبرَ
بالطابع القُدسيّ. في الشكل الثاني، نجد أنّ بعض المقطوعات بُنيت حسب الفنون
الأدبيّة التي عرفتها التوراة: أخبارُ ظهورات ملائكيّة، بِشاراتٌ بولادةِ وَلَد
(مثلاً: ولادة شمشون في قض 13). وتتبَعُ الأناشيدُ طريقةَ المزامير. والثالث: إنّ
المواضيع اللاهوتيّة هي مواضيع الرجاء النبويّ: المسيح، الآيات، الخلاص، السلام،
الوحي للأمم... كل هذا يجعلنا نُدرك كيفَ أن حدث مولد يسوع يتمّم مواعيد الأنبياء.
ب- خبر مولد يسوع
إنّ خبر مولد يسوع وختانته (2: 1- 21) يُقابلُ، في إنجيل لوقا، مولدَ يوحنا وختانته
(57:1- 66). ولكن خبر يوحنا يُشدّد بصورة خاصّة على الختانة، لأنّ التوافق غيرَ
المُنتظر بين زكريا وأليصابات على اسم الصبيّ، يُشكّل علامة على تدخّلِ الله. أمّا
خبر يسوع فيتوقّف بالأحرى عند مولده الحقير الذي يُشكّل علامة تدلّ المؤمينين عليه
(آ 12).
وُيروى هذا المَولد في مشاهد ثلاثة: الحدَث (آ 1- 7)؛ كلام الملائكة الذين يكشفون
للرّعاة معنى هذا الحدَث (آ 8- 14)؛ نقل هذا الكلام بلسان الرعاة (آ 15- 20).
1- مولد يسوع (آ 1- 7).
تورد أولى كلمات الخبر اسم سيّد الكون في ذلك الزمان: أوغسطس قيصر، كما تورد
القرارَ الذي أصدره "بإحصاء جميع المسكونة" أي المملكة الرومانيّة (آ 1). يَطرح هذا
الإِحصاءُ مُشكلةً تاريخيّة سوف نُعالجها فيما بعد. ولكن الإِشارة إليه في هذا
المكان من الإِِنجيل، لها معناها في نظر لوقا. أوّلاً، هناك وظَيفة تاريخيّة. إنّها
تُحدّد مولد يسوع في إطار التاريخ العامّ. فلوقا، شأنُه شأنُ مؤرّخي عصره، يهتمّ
بالمعالم الكرونولوجيّة (توقيت الأحداث التاريخيّة) (3: 1- 2). ثانيًا: إنّ لهذه
الإِشارة بُعدًا آخر أكثر أهميّة: حين سمّى لوقا أوكتافيوس بلقبه الإِِلهيّ
"أوغسطَس "، فقد أراد أن يُشير إلى عبادة الناس للأمبراطور، كما تُعبَد الآلهة
الوثنيّة. وفوق ذلك، هو يتلفّظ باسم ملك من ملوك الأرض، ساعةَ يستعدّ لإعلان مملكة
المسيح (وهذا، سيفعله فيما بعد في 3: 1، 22؛ 7:9- 9، 18َ- 21؛ 13: 31- 35؛ 22: 25،
29- 03؛ رج 3:4- 6)، يقف الأمبراطور الرومانيّ مع المسيح الربّ (آ 11). يأمر أوغسطس
قيصر، وعلى المسيح أن يخضع. كان يسوع طائعًا منذ وِلادته، وسيُولَد ولادة حقيرة في
مذود في بيتَ لحم. وفيما بعد سيُتهم ويُسَلّم إلى يديّ بيلاطس الذي سيعلن بتشامخ
سلطانَه عليه (يو 10:19). ولكن سلطة القيصر الوثنيّ على المسيح الطفل هي سلطة
مؤقّتة. وسيتجاوزها يسوع في مجد تنصيبه الفصحيّ ملِكًا (24: 26؛ أع 2: 36). ومنذ
الآن سيعلن الملائكة قائلين: إن ولدَ المذود يملك وحدَه الألقاب التي يتباهى بها
قيصر: هو وحدَه المُخلّص، هو وحدَه الربّ (آ 11)، هو وحدَه ذلك الذي يجد فيه البشر
السلام الحقيقيّ (آ 14).
لو تمّ الإِحصاء في إيطاليا، لذهب ربُّ البيت إلى مركز القضاء الذي يُقيم فيه. أمّا
في فلَسطين فقد فرضت الإِدارة الرومانيّة على كلّ واحد أن يذهب إلى مسكنه الأصليّ.
لم يكن كلّ نسل داود مُجبرًا على الذهاب إلى بيت لحم. ولم تكن مريم مُجبرة على أن
تُرافق يوسف. ولكن طُرق الله ليست طُرقَ الانسان، ونحن لا نفهمها إلاَّ فيما بعد
وعلى ضوء الإِِيمان.
ماذا كان موقف يوسف، يومَ أصدر الأمبراطور الوثنيّ قراره؟ ثار الغيورون (أع 37:5)،
أمّا الفرّيسيّون فخضعوا. وخضع يوسف مثلَهم، فصعد من الجليل إلى اليهوديّة، من
الناصرة إلى بيتَ لحم، خضع مع أنه ابن داود (آ 4). رأى في الطفل الذي سيولَد،
المسيحَ المُحرّر. فعل كما سيقول يسوع فيما بعد: أعطى ما لقيصر لقيصر (20 :25). صعد
"إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم ". عبارة فريدة في التوراة حيث مدينة داود هي
دومًا أورشليم (من 2 صم 7:5 حتى 1 مك 36:14). حين سمّى لوقا بيت لحم بهذا الاسم
الاستثنائي، أرادَ أن يبينّ أنّ برار أوغسطس قد أتمّ نبوءة مي 5: 1 التي حيّت بيت
لحم على أنّها المدينة التي سيولد فيها المسيح. وهذه الفكرة التي نجدها أيضًا عند
متى 2: 5 - 6 ويو 42:7، لا تظهر في النصوص اليهوديّة القديمة التي لا تبدو مُهتمّة
بالموضع الذي وُلد فيه المسيح. هذا يعني أنّنا أمام قراءة مسيحيّة لنصّ مي 5.
وأخيرًا يرد اسم مريم (آ 5). يُحدّد لوقا وضعها ببضع كلمات: هي البتول وخِطّيبة
يوسف. هي حُبلى. ويعرف قرّاء لوقا كيف حبلت بعد أن حلّ الروح القدس عليها وظللتها
قدرة العليّ (35:1). إنّ عطيّة الله التي لا توصَف، لا تحمي هذه المرأة من الضيق
وصعوبات السفر بعيدًا عن البيت العائليّ.
وترد ولادة الطفل (آ 6- 7) بألفاظ نجدها في تك 25: 24، وبكلمات ترد في ولادة يوحنا
المعمدان (57:1). سمّى لوقا يسوع بكرَ مريم، فلم يَعنِ بقوله أنّه كان لها أولاد
آخرون: فهو قد سبق له وشدّد على بتوليّة مريم (27:1 - 34)، ولبث مًتحفّظًا حول
تقليد إخوة يسوع (ذكرهم في 19:8- 20 لا في 22:4؛ أع 17:12؛ 13:15؛ 21: 17). ونحن
نعرف نصوصًا يهوديّة تحدّثت عن امرأة ماتت وهي تضع ابنها البكر. لا شكّ في أنّ لوقا
يوضح بكلمة "بكر" الوضع الشرعي ليسوع. هو لا يعني حقّ البكوريّة الذي يؤمّن له
الميراث المسيحانيّ، بل يؤكّد صفته كمكرّس للآب. وهذا ما سيُشير إليه الإِِنجيليّ
فيما بعد (23:2) حين يذكر شريعة الأبكار (خر 13: 2؛ 34: 19).
إنّ الطابع الدينيّ الذي يُشير إليه بهذه الكلمات في مولد يسوع، لا يُخفّف من وقع
الفقر الغريب. فالذي سيُسمّيه المخلّص ومسيح الربّ هو فقير بين الفقراء. ليس له بيت
عائليّ يستقبله، بل ملجأ مؤقّت في إحدى زرائب الحيوانات. قالت الشعبيّة اللاتينيّة:
لم يكن لهما مكان في الفندق. ولكن لوقا يستعمل كلمة أخرى ليدلّ على الفندق (10: 34-
35). أمّا الكلمة المُستعملة هنا فتدلّ على "قاعة" (رج 22: 11). إذًا، أراد لوقا أن
يقول: لم يكن لهما موضع في الغرفة التي تجتمع فيها العائلة. فذهبت مريم الى غرفة
مَحاذية. أمّا التقليد عن المغارة التي قيل أنّها وُجدت في بيت لحم، فيعود الى
يوستينولس، فيلسوف نابلس في فلسطين. ونجد هذا التقليد أيضاً في إنجيل يعقوب
المنحول، عند أوريجانس وإيرونيموس. وكان أوريجانس أوّل من تكلّم عن الثور والحمار
راجعًا الى أش 1 :3 (عرف الثور صاحبه، والحمار السيّدَ الذي يطعمه).
سيُوضع هذا الطفل في القُمط، وستهتمّ به أمّه وحدَها وليس مَن يُساعدها. ووضعته في
مذود الحيوانات (13: 15) لئلا تدوسَه البهائم. وإنّ الفقر الذي سيتحدّث عنه الانجيل
فيما بعد، ولا سيّما في إنجيل لوقا، سيكون السِمة التي تُميّز طفولته الأولى. وهذا
ما سيقوله الملاك: "هذه هي العلامة لكم: تجدون طفلا ملفوفًا بقُمط، ومُضْجَعًا في
مذود" (آ 12).
ويشدّد لوقا على فقر مولد يسوع في الموازاة مع مولد يوحنّا: فناسك البرّيّة يلد في
رفاهيّة بيت كهنوتيّ، وقد جاء الجيران والأقارب عديدين ليُهنّئوا الأمّ "العجوز"
وُيقدّموا لها خدماتهم (58:1). وسوف يتحدّث الناس عن ابنها في كلّ جبل اليهوديّة
(1: 65). في هذه المُقابلة يبدو الحدَث التاريخيّ لمولد يسوع أكثر تعاسةً ووَضاعة.
2- كلام الملائكة للرعاة (آ 8- 14).
ولكن في هذه التعاسة وهذه الوضاعة سيشعّ مجد الله ومسيحه إشعاعًا بعيدًا جدّاً عن
أحلام البشر. إن القسم الأوّل من الخبر يُحدّثنا الآن عن هذا المجد الذي كُشف
للرعاة، وطُلب اليهم أن يُبشّروا به. لا شك في أنّ لوقا يقدّم هنا صورة مسبّقة عن
تعليم الخلاص الذي حملَه الرسل.
إنّ حاملى هذه البُشرى هم رعاةُ جِوار بيتَ لحم (آ 8). رأى عدد من الشُرّاح في
تدخلهم تلميحًا إلى داود الذي كان راعيًا في بيتَ لحم (1 صم 16: 11؛ 15:17؛ 2 صم
8:7). ولكن لا شيء يدلّ على أنّ لوقا اهتمّ بهذا الرمز. فحسب نظرته العاديّة، هو
يرى بالأحرى في هؤلاء الرعاة، الفقراءَ العزيزين على قلبه. كان مُعلّمو عصره قاسين
عليهم لأنّ مهنتهم تُبعدهم عن تعليم المجامع (لا يقدرون أن يأتوا الى الصلاة) وعن
المُمارسات الدقيقة. أمّا لوقا فرأى فيهم "الصغار" الذين كشف لهم الآب سرّه (10:
21) لأن ليس فيهم تكبّر يغلقهم على نعمته.
وجاءهم تعليم الخلاص بواسطة ملاك الربّ (آ 9) الذي هو شخص معروف في العهد القديم.
بشّرهم بمولد المسيح كما بشّر هاجرَ في الماضي بمولد إسماعيل (تك 16)، وأمَّ شمشون
بمولد ابنِها (قض 13). أو كما نقل كلام الخلاص إلى موسى (خر 3: 2؛ 4: 17) أو إلى
جِدعون (قض 6: 11- 24). ولكن الملاك يتراءى الآن بتَسامٍ لم يعرفه التقليد السابق:
شعّ حول الرعاة المجدُ الذي كشفَ عن حضور الله لشعبه خلال مَلْحمة الخروج (خر 16:
10؛ 16:24- 17؛ عد 10:14) أو من خلال تكريس الهيكل (1 مل 11:8). وأمام هذا الظهور
(ابيفانيا) السرّيّ الذي أعلنه الأنبياء من أجل يوم الخلاص (حز 43: 1- 12؛ أش 40:
5؛ 60: 1- 11)، امتلأ الرعاة خوفاً (1: 12- 29). هذا ما حدث للأنبياء والرائين
الذين شاهدوا الربّ (أش 6: 5؛ دا 17:8؛ 7:10- 11). لسنا هنا أمام خوف العبيد من
سيّدهم، بل أمام خشيةٍ مُقدّسة يُثيرها سرّ الله فينا بنعمته ومُتطلباته.
وأوّل كلمة قالها الملاك للرعاة، كما لزكريا (13:1، 30)، جاءت لتُفهمهم معنى هذه
الخَشية المُقدّسة (101). فالظهورات ترافقها عادة دعوة الى الثقة (تك 15: 1؛ 21:
17؛ 26: 24؛ قض 6: 23؛ دا 10: 12). كلام الملاك هو كلام الفرح (1: 14، 28)، هو منذ
الآن بُشرى و"إنجيل" (1: 19؛ 17:4). نُقلت هذه البُشرى الآن الى الرُعاة، فعنت كلّ
شعب الله، لأنّنا أمام المسيح الذي هو حاضر منذ الآن. وإنّ لوقا الذي استعمل مرارًا
كلمة "بشّر" (أنجل من إنجيل) يُشير هنا الى نقطة انطلاق تعليم الرسل.
وتحدَّد سرُّ يسوع الآن (آ 11) بدقّة وتسامٍ تجاوزا كلَّ التجاوز انتظاراتِ العالم
اليهود،، كما تجاوزا لغة تلاميذ يسوع خلال حياة مُعلّمهم على الأرض. هناك لقَبان
أَعطيا للمولود الجديد رنّةً إلهيّة: إنّه المُخلّص، إنّه المسيح الربّ.
أوّلاً: إنّه المُخلّص.
تُشير هذه اللفظة الى اسم يسوع (الرب يخلص، متى 1: 21). وتدلّ على الخلاص الذي
انتظره الشعب منذ أقدم النبوءات المسيحانيّة في التوراة. ولكنّه لا يوافق تمامًا
الاستعمال البيبلي (أي في الكتاب المُقدّس). يتحدّث النصّ العبريّ مرارًا عن "إله
خلاصنا" أو عن "الله الذي يُخلّصنا"، ولكنّه لا يملك لفظة "مُخلّص ". أمّا التوراة
اليونانيّة (السبعينيّة) فتملك هذه اللفظة وتُطّبقها 35 مرّة على الله، وه مرّات
على البشر (قض 3: 9، 15؛ 12: 3؛ نح 27:9؛ أس 8: 12)، ولكنّها لا تطبّقها أبداً على
المسيح. والأناجيل الإِزائيّة (أي متى ومرقس ولوقا) لا تُسمّي يسوع بهذا الاسم إلا
في هذا المكان. ولكنّنا نجد هذا الاسم في سفر الأعمال (5: 31؛ 13: 23) وعند القديس
بولس، سَواءٌ أكان في الرسائل الأولى (فل 3: 20؛ أف 23:5) أم في الرسائل الرعائية
(2 تم 1: 10؛ تي 1: 4؛ 13:2؛ 6:3)، وعند يوحنا (يو 42:4؛ 1 يو 14:4)، وفي رسالة
بطرس الثانية (1: 1- 11؛ 2: 20؛ 2:3، 18). من الواضح أنّنا أمام تسمية مسيحيّة
استعملتها الكنائس اليونانية ردًّا على الوثنيين الذين تحدّثوا عن "الآلهة
المُخلّصين"، وعن القيصر المؤلَّه الذي سُفي هو أيضًا المُخلّص. أمّا لوقا فيستعمل
هذه اللفظة ليُعلن المُخلّص الحقيقيّ بوجه الإِمبراطور الوثنيّ.
ثانيًا: إنّه المسيح الربّ.
ولقَبُ "المسيح الربّ " هو أصيلٌ أيضًا. فالتوراة العبرية تتحدّث عن "مسيح يهوه"
(12 مرّة تقريباً)، فتُترجم اليونانيّة اللقب "مسيح الربّ ". ولكنّنا نجد في مرا 4:
20 (اليوناني) عبارة "مسيح الربّ " (وكذلك في مزامير سليمان المنحولة 36:17). ولكن
لا تُستبعد أن يكون هذان النصّان قد تأثّرا بالمسيحية. وبتفرّد لوقا بين
الإِزائيّين فيُسمّي عادةً يسوع "الربّ في إنجيله (14 مرة، ولكن مرة واحدة في متى
3:21 ومرّة في مر: 3:11) وفي سفر الأعمال (عشرات المرّات) ولا سيّما في خطبة بطرس
يوم العنصرة، وهي قريبة جدّاً من كلام الملاك الى الرعاة: إنّ يسوع هذا قد جعله
الله ربًّا ومسيحيًّا". (أع 36:2). لا شكّ في أنّه أخذ هذه التسمية من الكرازة
الرسوليّة (فل 3: 20) برنّتها الإِلهيّة.
نلاحظ أيضًا سِمَتين مُميّزتَين في كلام الملاك: هو يُعلن أن الطفل وُلد "اليوم".
يستعمل لوقا هذه اللفظة 12 مرّة في إنجيله ليدلّ على آنيّة الخلاص (4: 21؛ 19:
9...)، ليدلّ على تدشين الزمن الجديد الذي ستتمّ فيه مواعيد العهد القديم. وُيشير
لوقا إلى هذه المواعيد عندما يذكر للمرّة الثانية "مدينة داود" (ذكرها مرّة أولى في
آ 4).
ورافقت الآية (آ 12) الوحي الذي ناله الرعاةُ من السماء. هذا ما حصل لزكريّا ومريم
(18:1- 20، 36) ولعدد من مُرسَلي الله في الأيّام القديمة (خر 3: 12 ؛4: 1-9؛ قض
17:6 ،36- 40؛ 1 صم 10: 1-9، 1 مل 20: 8؛ أش 7: 11، 14). كانت الآيات (أو العلامات)
في العهد القديم ذاتَ طابَع استثنائي يدلّ على قدرة الله ويكفل إتمام الخلاص
الموعود به. أمّا هنا، فالآية عاديّةٌ ويوميّة: "طفل بائس في مذود البهائم ". تكفي
هذه الآية لتُقنع الرعاة أنّ كلام الملائكة ليس حُلمًا. ولكن هذه الآية هي في الوقت
نفسه وَحىٌ: فهذا الولد هو المُخلص المُنتظَر، وفقرُه يدلّ على الذين يعرفون أن
يستقبلوه، كيف يُتم الله الخلاص. وهذه الآية تُشبه إلى حدّ بعيد الآيات التي كان
يُقدّمها كارزو الإِِنجيل ليثبّتوا تعليمهم: مرّاتٍ يصنعون مُعجزات (أع 3: 1- 10؛
5: 12، 15- 16؛ 9: 32- 42؛ 14: 8- 12؛ 8:28- 9؛ رج 2 كور 12: 12؛ روم 15: 19)؛
ومرّاتٍ أخرى يقدّمون المُخلّص المصلوب الذي هو شكّ لليهود الذين يطلبون علاماتٍ
مُثيرة، والذي هو علامة فاعلة لقدرة الله وحكمته بالنسبة الى الذين يقبلونه
بالإِيمان (1 كور 2:2- 25). ففي شقاء طفل المذود، بدا حضورُ الله المُحرّر واضَحًا
لمن يريد أن يراه.
وفجأةً جاء كلُّ جيش السماء (أع 18:7؛ 2:8؛ 13:19) فساندَ كلامَ ملاك الربّ (آ 13).
إنّه يقوم هنا بوظيفة ليتورجيّة، هي في العهد القديم أُولى وظائف الملائكة (أش 6:
3؛ أي 38: 7؛ مز 29: 1- 2؛ 103: 10- 21؛ 148: 1- 2)، كما في العالم اليهوديّ في زمن
المسيح.
والمديح الذي ينشدُه الملائكة يعود بنا الى العالم السامي. إنّه يُعلن مجد الله في
مقامه العلويّ والسماويّ؛ إنّه يعلن تساميَه السرّي الخاص به الى الأبد. وسيصير
هتافُ الغلبة هذا هتافَ تلاميذ يسوع (لو 38:19)، ثم هتافَ الليتورجيّا: المجد لله
في العلى. ولكن الله يجعل مجده في خدمة حنانه. إنّه يسكُب على أحبّائه السلامَ الذي
وعد به ليوم الخلاص (مي 5: 4؛ اش 9: 5- 6؛ 11: 6؛ 53: 5؛ 17:60؛ 66: 12). لسنا هنا
أمام "السلام الرومانيّ" والطمأنينةِ الزمنيّة التي ينتظرها العالم من أوغسطس، بل
أمام مِلءِ الحياة العُلوّية التي يمنحها الربّ وحدَه. وهو وحدَه ينبوعُ الخلاص
الحقيقيّ. هو وحدَه يمنح هذا الخلاص بحريّته السامية. يمنحه أوّلاً للفقراء (10:
21)؛ ولكنّ لوقا يعرف بخبرته أنّ الرب لا يحرم أحدًا من هذه العطيّة سَواءٌ أكان
يهوديًّا أم يونانيًّا.
3- الرعاةُ هم أوّلُ المُرسَلين (آ 15- 20).
دام ظهور الملائكة لحظةً واحدة. ولكن الرعاة لم يشكّوا أو يرتابوا بالكلام الذي
سمعوه في الحال (آ 15). لقد تقبّل قلبُهم البسيط هذا الكلامَ منِ دون تحفّظ. إنّه
بالنّسبة إليهم كلام الربّ. لا شكّ في ذلك. فأسرعوا نحو بيت لحم مثل مريم الذاهبة
إلى مدينة أليصابات (1: 39)، وتحقّقوا من واقع الآية التي أُعطيت لهم: فالطفل هو
هنا، كما صوّره الملاك. ومريم المذكورة أوّلاً هي الشاهد الأكبر لسرّه (آ 16).
إنّ فقر المذود الذي يصدُم عظماء هذا العالم، ثبّت الرعاةَ في إيمانهم. تعرّفوا الى
الواقع الذي أكّد الرؤية التي حصلوا عليها، وروَوا ما شاهدوا للمجموعة الصغيرة التي
تحيط بالطفل (آ 17).
لم يكن السامعون عديدين (في بيتَ لحم) ليتقبّلوا كلام الرعاة (آ 18).
ولكن تحدّث للوقا عن "كل الذين سمعوا". هذه هي طريقته في الكتابة، وهو يُفكّر بكلّ
الذين سيتقبّلون فيما بعد تعليم الإِِنجيل.
وتعَجُّبُ السامعين يشبه التعجُّبَ الذي أثارته ختانةُ يوحنّا المعمدان (63:1). هو
أقرب إلى الدهشة منه إلى الإِيمان. يُشير لوقا مرارًا إلى ردّة فعل مُماثلة أمام
أقوال يسوع (22:4؛ 20: 26) أو عجائبه (25:8؛ 43:9؛ 14:11)، فيُبيّن أنّ هذا التعجّب
يبقى بعيدًا عن فهم السرّ (22:4- 24؛ 25:8؛ 11: 14- 16؛ 10: 26؛ 12:24- 41).
ويُقابل موقفَ مريم بهذا التعجّب السطحيّ (آ 19). أنها "تلك التي آمنت" (45:1).
وُيبيّن إنجيلُ الطفولة الواقعَ البشريّ لإِيمانها: تحدّث عن اضطرابها العميق أمام
تحيّة (سلام) الملاك، وعن أسئلتها (1: 34؛ 48:2)، وعن دهشتها أمام قول سمعان النبيّ
(33:2)، عن تصرف يسوع (47:2) وعجزها عن ولوج سرّ ابنها ولوجاً كليّاً (2: 50). غير
أنّ لوقا يُقابل هنا بين تعجّب الحاضرين وأمانتها على حفظ هذه الأمور (أو الأقوال)
في قلبها (2: 51؛ 1: 66). نجد هذه العبارة في دا 28:7 (وفي 28:4 حسب نصّ السبعينية)
وفي نصوص رُؤى عديدة، وهي تبيّن كيف أنّ "الرّائي" يحفظ للمُستقبل الوحي الذي ناله
والذي ظل خفيًّا على الذين يُحيطون به. أمّا هنا، فلم تتقبّل مريم وحدَها كلامَ
الرعاة. إلاَّ أنَّ لوقا قال إنها وحدَها تأمّلت فيه وحاولت ولوجَه في الإِِيمان.
هي، منذ الآن، نموذجُ كلّ سامعٍ للكلمة، نموذج الكنيسة التي تعيشُ من هذه الكلمة.
وينتهي الخبر برجوع الرعاة وهم "يمجّدون الله ويُسبّحونه" (يُنشدون مجد الله
وتسابيحه) (آ 20)، كما فعل جيشُ السماء خلال الرؤية السماويّة (آ 13- 14). يورد
لوقا مرارًا مدائح مُشابهة على ألسنة شهود نَعِموا بمُعجزات يسوع (5: 25- 26؛ 7:
16؛ 13:13؛ 17: 15؛ 18: 43؛ 37:19)، على لسان الرسل أمام ظهور القائم من بين
الأموات (53:24؛ أع 47:2)، على لسان صانعي العجائب باسمه (أع 8:3- 9؛ 4: 21)، على
لسان الذين سمعوا بنموّ الإِِنجيل وتقدّمه (أع 18:11، 21: 20)، على لسان الذين
قبلوا البشارة (أع 48:13). منذ ولادة المُخلّص انضمّ شكرُ الرعاة الليتورجيّ إلى
عبادة الملائكة السماويّة فدُشِّنت العبادة في الكنيسة. فالعبادة هي جواب البشر على
عطيّة الله.
ج- من التاريخ إلى الإِِيمان.
إنّ إحصاء الإِمبراطورية الرومانيّة على يد أوغسطس، أمرٌ معروف وقد ترك بعض الأثر
في التاريخ. أمّا كيرينيوس فشخصٌ عرفه المؤرّخ تاقيتس والمؤرّخ اليهوديّ يوسيفوس.
ونجد اسم يوسف ومريم عند متى ومرقس ولوقا ويوحنا، في إنجيل الطفولة (نسل داود، مت
16:1-10؛ لو 1: 27؛ رج 23:3)، وفي مقاطع أخرى من الانجيل (يوسف، لو 22:4؛ يو 1: 46؛
42:6؛ مريم، مت 13: 55؛ مر 3:6؛ أع 1: 14). ثمّ يُحدَّد موضعُ ولادة يسوع في بيت
لحم (آ 4- 6، 11، 15؛ رج مت 2: 11)، هذا مع العلم أنَّه يسوع الذي عرفوه كالناصريّ.
ونُشير أيضًا الى طريقة لوقا في تقديم ما حدثَ ليسوع وما تعيشه كنيسته، في لوحة
واحدة. سُمّي يسوع "المُخلّص " و"مسيح الربّ ". ماذا فهم الرعاة من هذين اللقَبين
اللذَين لم يفهمهما الرسل قبل القيامة؟ لا شكّ في أنّ لوقا تحدّث عن هذين اللقبَين
كما تحدّث عن الإِِنجيل (آ 10) والآية (آ 12) والسلام (آ 14) على ضوء القيامة وفي
إطار كنيسة تعيش في الرُبع الأخير من القرن الأوّل المسيحيّ.
ولا ننسى أخيرًا أنّ لوقا أخذ رسمة العهد القديم ومواضيعه اللاهوتيّة ليتحدّث عن
مولد يسوع. نشيد الملائكة (آ 14) يُشبه أناشيدَ يهوديّة أو مسيحيّة دوّنت في جوّ
يهوديّ. نجد تدخّل ملاك الله في عدد من النصوص التوراتيّة التي تتحدّث عن دعوة نبيّ
(أش 6؛ ار 1) أو إعلان ولادة (تك 16: 11- 21) أو إيصال كلمة الله (دا 8: 15- 27؛ طو
12: 11- 21). فأخبار الدعوة تتضمّن أمر مُهمّة، واعتراض المدعوّ، وعلامة تُقنع
المدعوّ. هذا ما نقرأه في إنجيل الطفولة.
ويبقى واقعُ ظهور الملائكة للرعاة، وتدخّلات الله في العهد القديم. هنا نترك عالم
النقد التاريخيّ والتشكيك، وننتقل إلى مستوى الإِِيمان حيثُ نلزم نفوسنا فنعترف
بالله وبعمله في مُجمل التاريخ المُقدّس. نُميّز بين اللامؤمن والمؤمن. كلاهما
ينطلقان من موقف لوقا الذي يعبّر عن سرّ المسيح بعباراتٍ كرستولوجيّة عرفتها
الكنيسة الأولى. يرى اللامؤمن في صورة يسوع هذه تفسيرًا لاهوتيُّا، يبقى على مستوى
الرمز ولا يصل إلى الواقع. أمّا ظهور الملائكة للرعاة فهو تعبير من تعابير
الإِِيمان. أمّا المؤمن فيرى في صورة يسوع هذه إِيمانه الشخصيّ وإِيمان الكنيسة. هو
يعرف كم تطلّب هذا الإِِيمان من وقت ليُعبّر عن نفسه، وكم يبقى سرّيا فلا يحويه
تعبير . ولكنه ، بالنسبة إليه ، الحقيقة التي يحاول التعمق بها في كلّ حياته،
وبالأخصّ في بحثه عن يسوع المسيح.
نحن نؤمن بألوهية المسيح، ولهذا نؤمن بأنّ هذا اللاهوت تراءى وظهر: في يوم الفصح،
في الكنيسة، لشهود حياة يسوع على الأرض، منذ الطفولة حتى الموت والقيامة. أجل، إنِّ
حدث ولادة يسوع لا يأخذ كامل بُعده ومعناه في نظر لوقا إلاَّ في الإِِيمان بيسوع.
هنا وهنا فقط تدخل الله في تاريخ النصوص. هذا ما يقودنا إلى الحَديث عن الإِِيمان
في إِنجيل لوقا.
أراد لوقا أن يصوّر واقعًا حصل في بيت لحم، في زمن أوغسطس قيصر، في تقليد الكنيسة.
إنّه يهتمّ بهذا الواقع كحدث مُحدَّد في زمان ومكان، ولكنّه يتجرّد من بعض التفاصيل
ليُشدّد على المعنى الروحيّ.
ما يهمّ لوقا في هذا الواقع هو مدلوله في تاريخ الخلاص. الحدَث هو يوم الخلاص. وهذا
اليوم يمتدّ في كل حياة يسوع، من بيتَ لحم إلى الفصح.. وحين يتحدّث عن يسوع
كالمُخلّص ومسيح الربّ، فهو لا يتوقّف عند الحقيقة التي فهمها الناس يومَ مولد
يسوع، بل يرى شخص يسوع على ضوء الفصح. وحين يروي خبر الرعاة، فهو يفكّر بكلّ الذين
نقلوا هذا التعليم في الكرازة الرسوليّة، كما يُفكّر بالذين قبلوه. ولهذا يعنينا
هذا الخبر اليوّم. إِنّ السرّ يتّحد في نظر لوقا بالتاريخ اتّحادًا لا طلاق فيه.
وهو يعتقد أن الخلاص أعطي في حدَث يسوع، ولهذا دوّن كتابه.
لا يتأسّس إيمانه على الخبر وحدَه. بل هو يُولد منٍ معرفته ليسوع في كلّ تاريخه، في
كلّ شخصيّته السرّيّة التي اكتشفها اكتشافا بطيئًا، في تعليمه الخلاصيّ وفي حضوره
الدائم. فوحيُ يسوع هو واقع فريد تمّ في زمن يسوع وما زال حاضرًا إلى أيّامنا في
زمن الكنيسة. فكلّ واحد منّا مدعو ليتّخذ موقفًا بالنسبة إلى هذا الواقع. وهو قرار
صعب لأنّه يلزمنا بكلّيّتنا. وهو قرار لا ينتهي أبدًا، لأنّ معرفتنا ليسوع هي
اكتشاف يدوم ما دامت الحياة.
وهكذا يتّخذ خبر بيت لحم كلّ معناه للذي رأى في يسوع المُخلّصَ والمسيحَ والربّ.
هنا نفهم فقر يسوع ومجده اللذَين حيّرا اليهود ولا يزالان يُحيّران البشر: وَلَدٌ
ضعيف وخاضع منذ ولادته لقرارات امبراطور وثنيّ.. تستقبله أمّه بعيدًا عن البيت
العائليّ، ونجّار يعمل في القُرى، وبعض الرعاة. ومن جهة ثانية، ظهور ساطع للجيش
السماوي، للمجد الإِلهيّ، وإعلانُ المُخلّص والمسيح الربّ. إنّ هذا اللقاء بين شقاء
البشر ومجد الله هو دخول الله في تاريخنا. هو يتّحد ببشريّتنا لينعش فيها الأمل، بل
ليكون فيها حاضرًا بمحبّته الدائمة
الفصل الرابع عشر
يسوع مخلص العالم الوحيد
21:2
"ولمّا بلغ الطفل يومه الثامن، وهو يوم ختانه، سُمّي يسوع كما سمّاه الملاك قبل أن
يُحبل به في بطن أمّه " (21:2).
إن هذه الآية تستحق الدرس رغم ايجازها. فالاشارة إلى الختان تذكرنا أن مريم ويوسف
أتَّما كل بر (رج مت 15:3) عملا ارادة الله تجاه يسوع: إنه ابن حقيقي لشعب اسرائيل.
خضع للشريعة وأراد أن يتقبّل في لحمه، في بشريته علامة العهد، قبل أن يقيم العهد
الجديد والنهائي في دمه. غير إن اعطاء اسم يسوع للطفل يبدو لنا أكثر اهميّة.
نلاحط أولاً في المجموعة المؤلفة من ف 1- 2، أن خبر الختانة وتسمية يسوع يقابل
خبرًا يتعلّق بيوحنّا المعمدان. فالتوازن ظاهر عند لوقا بين خبرَيْ البشارة، بشارة
زكريا بمولد يوحنّا المعمدان، وبشارة مريم بمولد يسوع. وهو ظاهر أيضًا بين خبرَيْ
الولادة مع التشديد على سموّ يسوع، وخضوع يوحنّا له. إن لم يكن هذا ظاهرًا هنا بسبب
قصر النصّ، فيجب أن نلاحظ أن يسوع، أي الله يخلَص (1: 31) ليس اللقب الوحيد الذي
أعلن عنه قبل أن يحبل بالولد. فهو يسمى أيضًا "ابن الله " (1: 35) حين تدخل الروح
القدس تدخلاً عجيبًا من أجل الحبل به. فالخلاص الذي يحمل يحقق تحقيقا كاملاً
"النعمة" (او: الحنان) التي أشار إليها اسم سابقه: يوحنا أي الله يتحنّن، الله
ينعم.
فالإِِسم لا يدلّ فقط على الشخص، بل على الرسالة أيضًا. في الماضي أعطى الله اسماً
لعدد من الأشخاص العظام. ابرام صار ابراهيم، ساراي صارت سارة، يعقوب صار اسرائيل.
والله هو الذي يعطي مسبقا اسم يسوع للمسيح الذي سيلد. بعد هذا سيتقبّل سمعان اسم
بطرس (مت 18:16).
إذا كان اسم بعض الأشخاص في الكتاب المقدّس يشير إلى حدث في حياتهم، فهناك آخرون
يشير اسمهم إلى مصيرهم، إلى دورهم في مخطط الخلاص. هذا، نقوله عن يسوع الذي يكشف
اسمه عن وظيفته المسيحانيّة: "هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم " (مت 1: 21). فالله
"لم يرسل ابنه الى العالم ليحكم على العالم (بالموت)، بل ليخلّص به العالم " (يو
17:3). فإن كان الايمان المسيحي كلّه يتلخَّص في شخص يسوع، فإسم يسوع عينه (أي الله
يخلّص) يستحقّ أن نتوقّف عنده. يسوع هو أساسًا الله الذي يحمل الخلاص.
إن دراسة سريعة لموضوع الخلاص في التوراة تساعدنا على ايضاح هذا الانجيل الذي ندرس.
ففي الفصول الاولى من سفر الأعمال الذي يدلّ على لاهوت أولي، نجد شهادة واضحة عن
إيمان الكنيسة الفتية بالخلاص الذي حمله يسوع. تأملت الكنيسة في حدث الفصح فدعتنا
إلى قراءة العهد القديم وكأنه خبر نبوي عن الخلاص. وفي العالم الوثني، العالم
اليوناني والروماني، الذي بشره الرسل، ظهر انتظار خلاص حقيقي وإن جاء التعبير عنه
مضطربًا. فقد عارض بولس المخلص الوحيد ليسوع مع "الالهة المخلصين" و"الاباطرة
المخلصين". وستدلنا الأناجيل الازائية كما دلت المسيحيين الأولين في حياة يسوع على
الأرض، ستدلّنا على آيات الخلاص المسيحاني الذي تحقق منذ الآن. وأخيرًا، تقدِّم لنا
أقوال يسوع وآياته بل شخصه لكي نعمِّق ايماننا في ابن الله و"مخلّص العالم ".
1- يسوع المخلص في اعمال الرسل.
حين نقرأ القديس بطرس في سفر الأعمال نكتشف بوضوح أن يسوع القائم من الموت هو في
قلب الكرازة الرسولية الأولى. فيسوع هذا الذي قتله اليهود وأقامه الآب بقوته
الفائقة، قد أقيم الآن ربًا ممجدًا، ربًا مخلصًا. ووظيفته الجديدة ظاهريًا تقوم بأن
يخلص كل البشر الذين يؤمنون به ويدعون باسمه. "إن إله آبائنا أقام يسوع الذي
علّقتموه على خشبة وقتلتموه. فهو الذي رفعه الله بيمينه وجعله رئيسًا ومخلصًا ليمنح
شعب اسرائيل التوبة وغفران الخطايا" (أع 5: 30-31؛ رج 13: 23).
ولا تنحصر قيامة يسوع وصعوده في شخصه: فهذا السرّ يعني أيضاً خلاصنا. وقد كتب بولس
فيما بعد: "أُسلم من أجل زلاتنا وأُقيم لأجل تبريرنا" (روم 25:4). فإن الربّ
والمخلص يبدوان لنا لقبين يرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا. فالصعود أعطى المسيح أن
يكشف عن ذاته الآن أنه فاعل الخلاص، وأن يكمل هكذا عمله الفدائي. فيسوع مخلّص لأنه
رب (كيريوس). وإذ يشدّد بطرس وسائر الرسل على قيامة يسوع وصعوده كسرّ خلاص، فهذا لا
يعني أن الجماعة الأولى لم تكن تُبرز كل القيمة الخلاصية لآلام المسيح وموته. فما
سيُسمى فيما بعد "السر الفصحي " كان وحدة مؤلفة من الموت والقيامة، في الايمان، في
كرازة الكنيسة الأولى وصلاتها. وعلى هذا عاد العهد الجديد مرارًا الى نشيد عبد الله
الرابع كما نقرأه في أش 13:52- 53: 12.
يسوع هو المخلص السماوي وقد دشّن بارتفاعه الأزمنة الأخيرة، الأزمنة المسيحانية.
لقد أسّس الجماعة الاسكاتولوجيّة، جماعة المخلصين التي حلّ عليها الروح القدس (أع
2: 14- 36). فغفران الخطايا (أع 2: 38؛ 3: 19؛ 5: 31؛ 10 :43 ؛ 13: 38) والتطهير
بالعماد، وعطية الروح، كلها وُجهات واقع الخلاص هذا الذي أعطاه الله في يسوع. ونحن
حصرا أمام خلاص روحي، لا أمام تحرّر وطني انتظره بعض اليهود الغيورين، بل جزء كبير
من الشعب (رج أع 1 :6). والمعجزات نفسها هي علامة عن هذا التجديد الداخلي، لأنها
تفترض الايمان بيسوع. وهذا ما أعلنه بطرس أمام الشعب وشهد به أمام المجلس بعد شفاء
الكسيح عند باب الهيكل.
"بالايمان باسمه (باسم يسوع) عادت القوة الى هذا الرجل الذي ترونه وتعرفونه.
فالايمان بيسوع هو الذي جعله في كمال الصحة أمام أنظاركم جميعًا" (أع 16:3). وقال
بطرس أيضًا: "إن هذا الرجل يقف هنا أمامكم صحيحًا معافى باسم يسوع المسيح الناصري،
لا باسم آخر... فما من اسم آخر تحت السماء وهبه الله للناس نقدر به أن نخلص " (أع
10:4- 12). وقد تلَّقى الرسل مهمة اعلان هذا الخلاص، وشهادتهم التي يلهمها الروح
تتعدّى كل معارضة: "أما نحن فلا يمكننا إلا أن نتحدّث بما رأينا وسمعنا (أع 4: 20).
"نحن شهود على هذا كلّه، وكذلك يشهد الروح القدس الذي وهبه الله للذين يطيعونه "
(أع 5: 32).
ويقيم اسطفانس في الخطبة السابقة لاستشهاده موازاة بين العبرانيين تجاه موسى الذي
أرسله الله لهم مخلّصًا (أع 7: 39- 41)، وبين اليهود معاصري يسوع، موسى الجديد الذي
وقفوا في وجهه (أع 7: 51- 53). تذكَّر هذا الماضي البعيد ليلقي ضوءًا على الوقت
الحاضر، فأشار بوضوح إلى مهمة الخلاص. فيسوع هو مثل موسى، بل أفضل منه (أع 35:7-
38) وقد أرسله الله ليخلّص شعبه ويجمعه.
وتشهد كرازة بولس في انطاكية بسيدية (أع 13: 14- 52) على أن هذا الخلاص قد هيّأه
العهد القديم وانبأ به. أُعِدّت رسالة الخلاص (آ 26) اولاً لابناء ابراهيم والذين
يخافون الله، فامتدت إلى كلّ الوثنيّين (آ 46- 49). ولكن الله اخذ من نسل داود، حسب
وعده، اخذ يسوع مخلصًا لشعب إسرائيل (آ 23).
في العهد القديم دُعي اسم يهوه (الرب) على الشعب (عد 22:6 ي؛ ار 14: 9؛ مز 6:99؛
116: 4). بعد اليوم، يدعى اسم يسوع الذي يخلِّص: "كل من يدعو باسم الرب يخلص ". هذا
مما قاله أع 23:2 موردًا يؤ 3: 5 (رج روم 10: 9- 13). ولهذا، فالرسل يعظون بهذا
الاسم، وبقوته يعملون، ومن أجله يتألمون (رج أع 6:3، 16؛ 4: 10، 17، 18؛ 28:5، 40-
41؛ 8: 12، 16؛ 15:9 - 16؛ 28:27). وسيتحدث النص عن الاسم في المطلق وكأنه اقنوم
وشخص حيّ. نقرأ في أع 5: 41: "فخرح الرسل من المجلس فرحين لأن الله وجدهم اهلاٌ
لقبول الاهانة من اجل الاسم " (اي من اجل يسوع). قد نكون امام كرستولوجيا عتيقة
(كما في الديداكيه ورسالة اكلمنضوس الأولى)، ولكن هذه الكرستولوجيا تشدّد في الوقت
عينه على اهمية اسم يسوع، وعلى مدلول هذا الاسم وان كانت لا توضح ابدًا أصله
الاشتقاقي.
2- المخلص الذي وعد به الله وانتظره اسرائيل
قيل ان كل لاهوت هو كرستولوجيا أي حديث عن يسوع المسيح، ونقول أيضًا كل لاهوت مسيحي
هو سوتيريولوجيا أي لاهوت الخلاص الذي أعطاه الله في يسوع المسيح. ولكن هذا الخلاص
يتدوّن في تاريخ يتضمن الاستعداد، الاعلان، التحقيق، التتويج.
لقد شدّد إيمان الكنيسة الأولى دومًا على وجهة تكملة الأحداث الحاسمة، احداث موت
يسوع وقيامته. لقد جاء وعاش وتألّم ومات وقام من بين الأموات "حسب الأنبياء"، "كما
في الكتب"، "ليتمّ الكتاب " وبصورة أعمق، إن رسالته كمخلص تُتمّ وتتوّج خبرة طويلة
من "خلاصات " (جمع خلاص) في العهد القديم. وهي تتجاوب مع رجاء اسرائيل في تحرّر
كامل ونهائي وعد به الانبياء باسم الله نفسه (رج عب 1: 1-4).
وعلى خبرة هذه "الخلاصات " بدورها وهذا الامل بتحرر كامل ان تساعدنا على فهم واقع
الخلاص النهائي الذي حمله يسوع المسيح. فهي رسمة مسبقة تتيح لنا أن نتأمّل في
التحفة الأخيرة التي هي الكمال بالذات.
إن التوراة تعبّر عن عمل الله الخلاصي بألفاظ عبرية مختلفة تتحدّث مرة عن "الخلاص "
(يشوع، رج يشوع ويسوع) الذي هو انقاذ ووُسع بعد الضيق. وتستعمل مرة اخرى لغة الفداء
حيث يبدو الله كالفادي (محرّر من العبوديّة، فدى، افتدى) كالمنتقم للدم (جائل)
والولي أي القريب الذي يتولّى استرجاع خيرات وُضعت اليد عليها بعد دين لم يُدفع.
والله هو الذي يحقّق التطهير الليتورجي، هو الذي يكفّر (رج ليتورجية يوم كيبور او
يوم التكفير).
مهما كانت الألفاظ المستعملة، فهي تدلّ اساسًا على انقاذ، على تحرير حقّقه الله من
أجل شعبه أو فقرائه فمنحهم ملء الخير والفرح. اذن المفردة العبرية "خلاص " ليست
سلبية. انها مثل كلمة "السلام ". فالله حين يخلّص الإِنسان يغمره بالخيرات الماديّة
والروحيّة ويجعله يبتهج من الفرح. اجل، إن الَخلاص هو في الوقت عينه انقاذ مؤلم
ودخول في الفرح. وسيتوسع القديس يوحنّا في هذا المعنى الأولاني فيشدّد على "الحياة"
ويقدّم يسوع كالمخلص الذي "يعطي الحياة (يحيي) لمن يؤمن به.
العهد القديم كله هو في الوقت عينه تاريخ خبرة الله المخلص ورجاء متين بخلاص نهائي
وعد به الله أخصاءه. لقد هيّأ الله مجيء ابنه "بزيارات " (افتقادات) عديدة وجعل في
قلب شعبه رغبة بخلاص عظيم فينجو بفضله من اعدائه ليخدمه في البرّ والقداسة (لو 1:
68 ي). ثم إن هذه الثقة بالمستقبل تستند إلى خبرة الماضي: إن "خلاصات" البارحة هي
عربون التحرير المقبل.
أ- التاريخ المقدس تاريخ الخلاص
ليس تاريخ اسرائيل سلسلة من الأحداث تسير مسارها دون رابط بينها. ان هذا التاريخ
يُعاش كخبرة متواصلة عن حبّ الله المخلص. وكل مرة انحنى اسرائيل على ماضيه، اكتشف
في نسيج تاريخه خيط "خلاصات الله. والخبرة الكبرى والمميزة تبقى خبرة الخروج التي
صارت للفكر اليهودي والمسيحي نموذج وعربون انقاذ. أتمَّه الله من أجل شعبه.
قبل عبور البحر الأحمر، قال الله للشعب: "انبذوا كل خوف. اثبتوا وسترون ما سيعمله
الربّ اليوم لكي يخلّصكم... الربّ يحارب عنكم وأنتم لن يكون لكم أن تعملوا شيئًا
(خر 13:14). ويعظّم نشيد موسى (خر 15: 1ي) الربّ الذي يدين له الشعب بالخلاص.
وسيعود الموضوع مرارًا في نصوص لاحقة (اش 63: 8 ي؛ مز 106: 8، 10، 21).
وعلى خطى موسى الذي هو أداة خلاص صنعه الله من أجل شعبه، جاء يشوع (= الله يخلص)
والقضاة "كمخلصين" ينقذون بني اسرائيل من أيدي أعدائهم (قض 16:2، 18؛ 9:3 عن
عتنيئيل؛ 15:3 عن أهود؛ 14:6 عن جدعون؛ 13: 5 عن شمشون). وبعدهم سيأتي صموئيل (1 صم
8:7) وشاول (1 صم 13:11) وداود (2 صم 8:3) فيكونون اداة تؤمن خلاص الله.
وسيختبر داود نفسه هذا الخلاص خلال انتصاراته (2 صم 6:8، 14؛ 23: 10، 12).
وحين حاصر سنحاريب الملك الأشوري مدينة أورشليم سنة 701، تحدى الله إن كان يقدر أن
يخلص شعبه (2 مل 18: 30 ي). حينئذ نقل أشعيا إلى الملك حزقيا قول نبويًا ظل مشهورًا
وهو ينتهي بهذا الوعد الالهي: "سأحفظ هذه المدينة واخلصها من أجلي ومن أجل داود
عبدي " (2 مل 19: 34؛ رج 20: 6). فكل الانتصارات وكل الانقاذات التي نَعِم بها
الشعب تُنسب إلى الله الذي يخلص اخصاءه أمانة لنفسه وللملك الذي مسحه (مسيحه). وهذا
الاعتقاد يعود إلى الأزمنة الأولى في تاريخ الشعب، كما يشهد بذلك عدد من اسماء
العلم التي نجد فيها الخبر "يشع " (خلص): يشوع، اشعيا، اليشاع، هوشع... لا مخلص
خارجًا عن يهوه (هو 13: 4؛ أش 43: 11). فاليه نتجه لكي نجد الخلاص.
وفي قلب هذا الشعب المتأكد من خلاصه، يعي كل اسرائيلي حماية شخصية، يمنحه الله
اياها. كم من المزامير تضع أمام عيوننا هؤلاء الفقراء والوضعاء، هؤلاء المتضايقين
والمضطهدين الذين يختبرون في حياتهم خلاص الله. ويعدد مز 107 مختلف هذه الفئات
"التعيسة التي خلصها الله من ضيقاتها: المشردون والاسرى والمرضى والمهددون بالغرق
والجائعون وغيرهم. وكلهم يستحقون الردة عينها: "صرخوا الى الرب في ضيقهم فنجاهم من
جميع مضايقهم " (مز 107: 13، 19، 22). وستصوّر بعض الأسفار المتأخرة مثل سفر دانيال
هذا الخلاص الالهي الذي يجعل الأبرار ينجون من الأخطار الشديدة. مثلا، الفتية
الثلاثة في آتون النار (دا 3: 28) ودانيال في جبّ الأسود (دا 6: 17، 23).
ب- الخلاص هو موضوع رجاء وصلاة اسرائيل.
وسيتأسّس على هذه الخبرة التاريخية رجاء لا يغلَب في قدرة الله وحبه الخلاصي. وتشهد
على ذلك أقوال الانبياء والصلوات الفردية والجماعية التي نجد أكثرها في سفر
المزامير.
إن لقب "إله خلاصي " (الله مخلصي)، "اله خلاصنا"، والنداء "خلصني" و"خلص يا رب "،
هي جد متواترة في المزامير وهي تعبّر عن إيمان لا يتزعزع لأنه يرتبط بهذا الرجاء
العظيم. الله يستطيع ان يخلصنا لأنه يحبّنا ولأنه خلصنا في الماضي. ويعبر مز 85
افضل تعبير عن خبرة هذا الخلاص فيقول: "ارجعنا يا إله خلاصنا واصرف غضبك عنا...
ارنا يا رب رحمتك وليُعطَ لنا خلاصك... قريب هو خلاصه من الذين يخافونه والمجد يسكن
ارضنا. الرحمة والأمانة تلاقيا، العدل والسلام تلاثما. الأمانة تنبت من الأرض
والعدل ينحني من السماء" (مز 5:85-12).
مرات كثيرة يتوسل المؤمن لينجو من مرض او خطر الموت (مز 2:29، 15) أو اضطهاد (مز
22: 22؛ 31: 12، 16؛ 59: 2) أو اجتياح. ولكن هذا الخلاص الجزئي هو رسمة بعيدة لخلاص
اسكاتولوجي ونهائي أعلن عنه الأنبياء. "خلّصنا أيها الربّ الهنا، واجمعنا من بين
الأمم" (مز 47:106). كل هذا يجعلنا نقرأ مز 96 و98 كشكر مسبق لما سيعمله الله من
أجل شعبه: "رنّموا للرب ترنيماً جديداً فإنه صنع المعجزات. الخلاص يأتينا من يمينه
ومن ذراعه القدوسة. أعلن الرب خلاصه، ولعيون الأمم كشف برّه... كل أقاصي الأرض رأت
خلاص إلهنا" (مز 98: 1- 3).
فبعد النفي الى بابل تكاثرت الأقوال التي فيها يعلن الله مخططه الكبير بالخلاص
الشامل. فخبرة السبي المؤلمة أشعلت الانتظار والرغبة والرجاء بانقاذ يتم سريعًا.
أعلن ارميا (31: 7) اعادة بناء اسرائيل، فكان حزقيال امتدادًا له، وكذلك اشعيا في
قسمه الثاني. "سآتي وأخلّص خرافي " (حز 34: 22). "تكونون شعبي وأكون الهكم. أنجيكم
من كل نجاساتكم " (حز 28:36- 29). "لا تخف يا يعقوب، الدودة الحقيرة، ويا اسرائيل
الحشرة الضعيفة، فأنا آتي إلى نصرتك... قدوس اسرائيل هو فاديك " (اش 14:41). "لا
تخف لأني افتقدتك. دعوتك باسمك لأنك لي... فأنا الرب الهك، قدوس اسرائيل ومخلصك "
(1 ش 43: 1- 3).
وهكذا طوال ما سُمِّي "كتاب التعزية والتشجيع" (أش 39- 55) قدّم الرب نفسه على أنه
الفادي. إنه ولي اسرائيل ومخلصه. وستبدو العودة من بابل على أنها خروج جديد أجمل من
الخروج الأول.
ج- من الآمال البشرية الى فضيلة الرجاء.
لقد تأسّس الرجاء تأسيسًا متينًا وكاملاً على كلمة الله منذ أولى أزمنة "التاريخ
المقدس " حيث قيل: آمن ابراهيم بالله (تك 15: 6) وترجّى رغم كل رجاء، اي ساعة لم
يعد من رجاء (روم 18:4). ولكن الشعب ما زال محتاجًا إلى فترة طويلة من التربية
الالهية ليتوافق موضوع هذا الرجاء البشري مع مخطط الله. فلقد اتخذ رجاء اسرائيل
وقتًا طويلاً حتى يصل الى التحرر من الخطايا، وحتى يتطلع الشعب إلى خلاص شامل يعّم
شعوب الأرض كلها.
لا نستطيع ان نرسم هنا الخطوط الكبرى لهذا التوسع، ولكننا نورد بعض النصوص
المزمورية التي تبقى لنا الشاهد على تصوّر الضمير الجماعي والفردي في اسرائيل. فاذا
كانت مختلف مزامير التوسل تطلب التحرر من الأعداء او الشفاء من امراض الجسد، فهناك
مزامير اخرى تجعل الانسان يرغب في غفران خطاياه ويطلب من الرب هذه النعمة (مثلا، مز
32؛ 51؛ 130؛ 143). ويدلّ مزمور "ارحمني " وفيه يتوسل المرنّم لكي ينجو من الخطيئة
التي هي شر الشرور، يدلّ على هذا التطوّر الروحي الذي هو ثمرة الكرازة النبوية:
"ارحمني يا الله بحسب رحمتك... من خطيئتي طهرني. فانا عارف بخطيئتي. قلبًا نقيًا
أخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا في احشائي. أعد لي فرح خلاصك واجعل فيَّ روح
السخاء ونجّنى من الدماء يا إله خلاصي" (مز 3:51-5، 12، 14، 16).
وتعبّر اقوال عديدة في سفر اشعيا عن الخلاص الذي يعمّ المسكونة: حين ينجو اسرائيل
يصبح لكل الشعوب محور المديح والفرح. وصهيون التي تخرج منها الشريعة تجتذب إليها كل
الشعوب (اش 2: 2ي؛ 60: 1ي). ويعلن مز 87 ان كل الشعوب الوثنية سيصبحون مواطنين في
أورشليم. نحن امام خلال شامل ومديح مسكوني (مز 117).
كل هذا الانتظار، كل هذه الصلوات قد تمّت في شخص يسوع. مخلص المسكونة: "كل مواعيد
الله وجدت فيه نعمها" (2 كور 1: 20).
3- من المخلِّصين العديدين في العالم الوثني الى يسوع المخلّص الوحيد.
إن الخلاص الذي وعد به الرب وأعلنه الأنبياء وتحقّق في يسوع، الله المخلص، لم يكن
معدًّا فقط لليهود، بل لجميع البشر دون تمييز في العرق واللون. وفي زمن اعلان بشرى
الخلاص هذه، كان العالم اليوناني والروماني متأثِّرًا ببعض الديانات السرية التي
تَعِد بالخلاص. وكان الاباطرة الرومان (بل بعض الامراء) يسمون نفوسهم "مخلصين"
(سوتر). فكما ان هذا العالم عرف عددًا من الآلهة وعددًا من الارباب (1 كور 8: 5)
الذين وضع بولس في وجههم الاله الواحد والرب الواحد، هكذا عرفت حواضر البحر المتوسط
عددًا من المخلصين الالهيين او البشريين جعلت أمامهم الديانة المسيحية المخلص
الواحد. فإن التقاربات البعيدة وإن مشوَّهة عن خلاص الله، تساعدنا على تحديد موقع
ايمان الكنيسة وعلى التشديد على تسامي هذا الايمان.
في كل حواضر الامبراطورية الرومانية ارتفعت معابد اكرامًا لقيبالس، الالاهة الأم،
وزوش الذي هو جوبيتر ورئيس آلهة رومة. وارتفعت هياكل صغيرة للآلهة ايزيس، سيرافيس،
اسكولابيس، هرماس، ديوسقورس... وقد لُقب هؤلاء الآلهة فيما لقبوا "بالمخلِّصين ".
فزوش هو الاله الذي يخلص من الآفات والمصائب فيسمى بكل بساطة "المخلّص". وقيباليس
تكرّم "كالأم التي تخلص". ايزبس هي ديانا وارطميس (إلاهة الوثنيين، أع 28:19)، هي
الالاهة الكبرى والسيدة المخلصة.
والامراء والاباطرة من جهتهم مثّلوا الالهة لدى البشر فأخذوا لقب المخلص وطالبوا
بالاكرام المحفوظ للآلهة. فهناك مدوًّنة في سميرنة (ازمير في تركيا) تسمي أميرًا من
السلالة العرقية السلوقية الحاكمة في انطاكية: "انطيوخس الاله والمخلص". ووُصف
يوليوس قيصر بالمخلص ومخلص العالم (لقب اعطي ليسوع في يو 22:4؛ 1 يو 14:4) في
مدوّنات وجدت في اثينة وافسس. ونقول الشيء عينه عن اوغسطس وكلوديوس وفسبازيان...
ماذا ينتظر الناس من الآلهة ومن الذين يمثلونهم على الأرض حين يحيونهم ويسمّونهم
"مخلصين "، فينتظرون الخلاص من كل ضيق، ونيل السعادة والصحة والغبطة في الآخرة؟
يطلبون من الآلهة المخلصين خصبَ الأرض والقطيع والأسرة، يطلبون السلام الذي هو خير
الخيرات. وحين يجيء ملك جديد يرجو الشعب مزيدًا من السعادة، وحين يعلن تنصيبه على
الشعب يسمّى هذا التنصيب " بشرى، بشارة، إنجيلاً أي خبرًا طيّبًا".
بعد هذا نرى أنّ سرّ الخلاص الذي أعلنه الرسل وتجاوب مع رجاء الشعب اليهودي، قد وجد
أيضًا في العالم الوثني قلوبًا تنتظر. ومهما كان هذا الانتظار ناقصًا، إلاَّ أنه
هيَّأ بعض القلوب لتستقبل تعليمًا عن الخلاص الوحيد في يسوع المسيح، وهو تعليم
يتجاوز كل خبرة وكل انتظار.
4- إنجيل بولس.
إنتظر اليهود تحرير إسرائيل بواسطة مسيح منتصر، وتاق الوثنيّون إلى تحرّر بفضل
مخلّصين من البشر اعتبروا نفوسهم آلهة. إلى هذه الفئة وتلك قدّم بولس يسوع ابن الله
ومخلّص الكون الذي يحرّر تحريرًا نهائيًا كل الذين يؤمنون به من الخطيئة والموت
والشريعة، ويدخلهم في حياةٍ ، ويضمّهم إلى موته وقيامته بالمعموديّة.
لقد بين عدد كبير من الشرّاح أنّ الفكرة الجوهريّة في تعليم بولس هي الخلاص. فقد
أراد في كلّ رسائله أن يُعلن الخلاص الذي أعطي في يسوع، أن يعرض دومًا، وبصورة أعمق
غنى هذا السرّ وأن يوضح شروطه: خُلِّص المسيحي في الرجاء (روم 24:8) فوجب عليه أن
يحيا في الإِِيمان وفي توافق مع وضعه الجديد، بانتظار الفداء التام والنهائي. وشخص
يسوع هو في قلب هذه السوتيريولوجيا، هذا التعليم عن الخلاص. لسنا أمام فكرة مطلقة
عن الخلاص، بل أمام شخص يسوع نفسه المخلّص القائم من الموت الذي يحتلّ قلب إيمان
بولس وتعليمه.
يخلّص المسيحي بالإِيمان بالإِِنجيل الذي هو "قوّة الله لخلاص كلّ مؤمن " (روم 1
:16؛ 1 كور 1: 18)، بل يخلّص بالإِيمان بيسوع القائم من الموت: "فإِن اعترفَتْ
شفتاك بأنّ يسوع هو ربّ، وإن آمن قلبك أنّ الله أقامه من بين الأموات، تخلص. لأن
إيمان القلب ينال البرّ، واعتراف الشفاه الصلاة) (روم 9:10- 10). ولا يعيش المسيحي
في رجاء خلاص (أي لا يرتكز على الواقع والحقيقة) مجرّد بل في انتظار المخلّص:
"مدينتنا في السماء، ومن هناك ننتظر بشوق مجيء المخلّص، الربّ يسوع المسيح (فل
20:3؛ رج 1 تس 1: 10؛ روم 9:5؛ عب 9::28). وقد نلنا هذا الفداء المقبل منذ الآن،
لأن المسيح "الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم من أجل تبريرنا" (روم 25:4) "جاء يخلّص
الخطأة" (1 تم 1: 15). فالله خلّصنا (تي 3: 5- 6) بالمسيح، لأن الله "صالَحَ العالم
معه في المسيح" (2 كور 19:5). وإذا كان لقب المخلص ينطبق في الرسائل الرعائيّة على
الله الآب وعلى المسيح، فلأن هذا الفداء يبدو عملاً إلهيّاً: قرَره الآب "الذي يريد
خلاص جميع البشر" (1تم 2: 4) وحقّقه في يسوع الذي تنتظره وهو "الإِِله العظيم
والمخلّص " (تي 2: 12).
ويعبّر بولس عن فكرة الخلاص بألفاط مثل: خلص، مخلّص، خلاص. والبرهان على ذلك، هذا
التعليم الموجز والغني عن التعليم البولسي: (الآب نجّانا (انتشلنا) من سلطان الظلام
ونقلنا إلى ملكوت إبنه الحبيب الذي لنا به الفداء وغفران الخطايا" (كو 1: 13 -14؛
رج أف 1: 6- 7). فيسوع يمثل في نظر القديس بولس كما في نظر الكنيسة الأولى كلها
الوسيط الوحيد (1تم 5:2) والمخلّص الوحيد.
5- شهادة الأناجيل الإِزائيّة.
لم تهدف الأناجيل الإِِزائيّة إلى إعطائنا لاهوتًا عن الخلاص مبنيُّا بناءً محكماً.
إنَّها تحاول أن تنقل إلينا تعليمًا "عمّا فعل يسوع وعلّم حتى صعوده الى السماء"
(رج أع 1: 1- 2). ولكن ينكشف سرّ الخلاص في أعمال يسوع وأقواله: يسوع هو المخلّص،
هذا هو جوهر التعليم.
ففعل خلص (سوزو) الذي يُستعمَل فقط للحديث عن عمل المسيح المرتبط برسالته
الفدائيّة، يُستعمل خاصة في أخبار الأشفية. أما ما يقابله في العالم السامي ففعل
"حيا، أحيا". فنازفة الدم ترجو أن "تخلص" أو "تشفى". فقد أعلن لها يسوع: "إيمانك
خلّصك (في السريانيّة: أحياك) إذهبي بسلام وكوني معافاة من مرضك" (مر 5: 25- 34
وز). فالرباط بين الشفاء (أي الخلاص). والإِيمان الذي هو شرطه، والسلام الذي هو
ثمرته، هذا الرباط يرد مرارًا عند القديس لوقا. فقد أعلن يسوع للخاطئة في بيت سمعان
الفرّيسي: "إيمانك خلّصك، فاذهبي بسلام " (لو 7: 50؛ رج 8: 5؛ 17: 19؛ 18: 42).
العبارة هي هي، ولكنّنا أمام شفاء داخلي. غير أنّ الإِِيمان يتدخّل دومًا كشرط لا
بدّ منه. ونعود إلى سياق شفاء جسديّ مع حادثة الرجل اليابس اليد (مر 3: 4= لو 9:6)،
ومع إقامة ابنة يائيرس (1 مر 13:5 وز) وشفاء الأعمى (مر 52:10 وز؛ رج مر 56:6).
خلاص على مستوى الجسد وهو رمز لخلاص الانسان كلّه بغفران خطاياه. هذا الخلاص يرتبط
دومًا بشخص يسوع: "من أراد أن يخلّص حياته يهلكها" (مر 8: 35 وز). يجب أن نخسرها
بسبب المسيح. وفي مكان آخر، الخلاص يعني الدخول إلى الملكوت (مر 10: 26 وز).
واستعمل لوقا استعمالاً خاصًا مفردات الخلاص. هو تلميذ بولس، وانجيله هو "إنجيل
المخلّص " كمّا سمّاه الشرّاح. ففي أخبار حياة يسوع العامة، يشدّد الإِِنجيل الثالث
على دور يسوع كمخلّص، على ضرورة الإِِيمان، وعلى قيمة الخلاص اللامتناهية (رج لو
3:7؛ 8: 12؛ 23:13؛ 19: 9- 10). ويبرز لوقا بصورة خاصّة الوجهة المسكونيّة لهذا
الخلاص فيورد معجزات صنعها يسوع لغير اليهود. وحين أورد كرازة السابق أنهاها بقول
أش 40: 5 حتى النهاية: "يرى كل بشر (كل جسد) خلاص الله " (لو 3: 6).
6- الخلاص في أناجيل الطفولة.
دُوِّنت أناجيل الطفولة فيما بعد فشكّلت مقدّمة لأخبار الحياة العامّة التي ألقت
بضوئها عليها وكمّلتها. حمل إلينا متى معطية أساسيّة سوف تفسّر في شكل من الأشكال
سائر الأناجيل: إن الاسم الذي سيعطيه يوسف للطفل هو يسوع "لأنّه يخلّص شعبه من
خطاياهم " (مت 1: 21). فهذا النص الذي يشرح اشتقاق الاسم يشدّد على رسالة الطفل
وُيبرز الطابع الديني والاخلاقي للتحرير المسيحاني، لأنّه يتكلم عنه على أنه نجاة
من الخطايا. فالفعل لا يعني هنا "شفى" أو"أحيا" بل نجّى من الشيطان والخطيئة.
ويقدّم لو 1- 2 الخلاص الذي حمله يسوع كنتيجة لمواعيد الله وجواب لانتظار اسرائيل.
فبعد مولد يوحنا المعمدان السابق الذي يهيئ للرب "شعباً مستعدّاً له" (لو 1: 17)،
يعلن نشيدُ المباركة فرح زكريا وشكر الشعب الذي نال زيارة الله المخلّص: "مبارك
الربّ الهُ إسرائيل لأنه افتقد وأنقذ شعبه وأقام لنا قوّة خلا عفي بيت داود عبده...
يخلّصنا من اعدائنا... وأنت أيّها الصبيّ تُدعى نبيّ العلي لتعطي شعبه معرفة الخلاص
لغفران خطاياهم) (لو 1: 68- 77).
ولكن يسوع هو الذي يعطي هذا الخلاص الذي أعدّه السابق. ولقد استعادت مريم العذراء
كلمات حنة أمّ صموئيل وصلاة حبقوق فأعلنت فرحها بالله "مخلصها" (لو 1: 47). ولقد
أعلن الملاك للرعاة ميلاد المسيح بهذه الكلمات: "اليوم وُلد لكم مخلّص في مدينة
داود وهو المسيح الربّ" (لو 2: 11). ويأتي نشيد الاستسلام (الآن أطلق عبدك) الذي هو
نشيد وداع للعهد القديم الذي رأى في يسوع شخص المسيح. هذا النشيد يعلن تحقيق ما
أخبر به الأنبياء:" الآن يا ربّ، أطلق عبدك بسلام بحسب كلامك (وعدك). فإنّ عينيّ
رأتا خلاصك الذي هيَّأته للشعوب كلّها" (لو 29:2- 31).
كل الذين انتظروا "عزاء إسرائيل " (لو 2: 25) أو خلاص أورشليم (38:2) قد نالوا ملء
النعمة في يسوع: رأت عيونهم الخلاص الموعود به وشاهدوا المخلّص.
7- يوحنا الشاهد المميّز للمخلّص الذي يعطي الحياة.
لا نجد في الإِِنجيل الرابع كلمات كثيرة عن الخلاص، ولكن تعليم الإِِنجيلي عن
التحرير الذي حمله يسوع يَرد في خانة النور والحقّ وخصوصًا الحياة. فالوصول إلى
الحياة يفترض مرحلة أولى من التحرر من الظلمة والضلال والموت، وهي مرحلة مؤلمة.
فأقوال يسوع وآياته تدلّ على أنّه مرسَل الله الذي جاء "ليخلّص العالم ". تعود هذه
العبارة مرّتين في الإِِنجيل. "لم يُرسل الله ابنه إلى العالم ليحكم على العالم
(بالموت)، بل ليخلّص به العالم " (يو 17:3: يتكلّم السياق عن الحياة الأبديّة، رج
12: 47). بما أنه الطريق والحق والحياة قال: "من يدخل بي يخلّص " (يو 9:10).
ويعود الخلاص في يوحنا إلى النظام الروحي. يسوع هو الحمل الذي يحمل، يرفع، يأخذ على
عاتقه "خطيئة العالم" (يو 1: 29). بهذا يقوم الخلاص الذي يحمله الى العالم. وشفاء
الأعمى منذ مولده (يو 9) وإقامة لعازر (يو 11) هما علامتان عن عمل الخلاص هذا.
فيسوع هو نور العالم (12:8)، حياة العالم ، مخلّص العالم، وكل هذه التعابير
مترادفة. ويتكمل هذا التعليم في مثَل الراعي الصالح (يو 10) وفيه يفسِّر يسوع أنّه
يعطي حياته لأجل خرافه: لقد جاء إلى أخصّائه "لتكون لهم الحياة وتكون وافرة" (يو
10: 10). والعهد القديم نفسه كان قد قرّب مدلول الخلاص من مدلول الحياة والنور،
فقال مز 27: 1: "الربّ نوري وخلاصي، فممن أخاف، الربّ حصن حياتي، فممن أفزع ".
والعالم الذي جاء يسوع يخلّصه حاملاً إليه الحياة، لا يتألف فقط من اليهود. لا شكّ
في أنّ الخلاص يأتي من اليهود" (يو 22:4) ولكنه سيمتدّ إلى جميع البشر. فشموليّة
الخلاص يعبّر عنها تعبيراً عجيباً في فعل إيمان السامريين، هؤلاء المنشقّين، وهي
تشكّل في نظر يوحنا مدخلاً إلى إيمان الذين لا يدينون باليهوديّة: "سمعنا بأنفسنا
وعرفنا أنّه حقّ مخلّص العالم " (يو 4: 42).
إذا كان "العالم كلّه يرزح تحت سلطان الشّرير" (1 يو 5: 19) بدون المسيح، فمع
المسيح يجد النور والخلاص، كما يقول مطلع الإِِنجيل الرابع:
"فيه كانت الحياة، والحياة (حياته) كانت نور الناس... الكلمة هو النور الحق الذي
ينير كل إنسان. هذا النور جاء إلى العالم " (يو 1: 4- 9).
وكما كان دور يوحنا المعمدان أن يشهد للنور، قام دور يوحنا الرسول بأن ينقل إلى
المؤمنين فرح الخلاص واليقين بامتلاك الحياة في يسوع المخلّص. "الحياة تجلّت. نحن
رأيناها ونشهد لها الآن ونبشّركم بالحياة الأبديّة (1 يو 1 :2). كتبتُ اليكم هذه
الأشياء لتعرفوا أن الحياة الأبديّة لكم، أنتم الذين يؤمنون باسم ابن الله " (1 يو
13:5).
خاتمة:
إنّ مدلول الخلاص هو محور الكرازة المسيحيّة. ولكنّنا لسنا أمام نظرية مجرّدة ولا
شخصيّة، ولا أمام نتيجة سحريّة لتنشئة باطنيّة. نحن أمام تحرّر روحيّ يقدّم للجميع
بفضل حب يسوع الله الحقيقي والمخلّص، بفضل موته وقيامته. إنّ المسيح المخلّص (سوتر)
هو الينبوع الحقيقي والمحور الوحيد للحياة المسيحيّة كلّها.
وهذا الخلاص (الفداء) قد تحقّق بدم المسيح الذي ختم الميثاق الجديد بذبيحته الكاملة
والنهائيّة. وتتوسّع الرسالة إلى العبرانيين مطوّلاً في تفوّق الميثاق الأوّل الذي
عقد بواسطة موسى (عب 8- 10؛ رج خر 24). نحن لسنا أمام اعتبار خارجي: فيسوع نفسه
أكّد أنّه جاء "ليعطي حياته فدية عن الكثيرين " (مر 10: 45) وإذا كان الخلاص هو
ثمرة الآلام والقيامة المرتبطة الواحدة بالأخرى ارتباطًا حميمًا، فسرّ الجسد
المبذول والدم المسفوك ما زال يعطي الحياة للعالم (يو 6) بتذكيرنا "بموت الرب الى
أن يجيء (يعود) (1 كور 26:11). وبالنسبة إلى يوحنا فالصليب يدلّ على الآلام كما
يدّلّ على مجد المسيح الذي يُرفع عن الأرض فيَرفع الجميع إليه (يو 12: 32).
هذا الخلاص الذي أعدّه وانتظره العهد القديم، الذي تحقّق وتجلّى في يسوع، الذي
ينتقل كلّ يوم في الكنيسة بالكلمة والأسرار، هذا الخلاص يبقي موضوع رجاء وسيُتمّه
إتمامًا كاملاً تجلّي يسوع الأخير. لهذا فصلاة المسيحي العاديّة تتضمّن صلاة خلاص.
"نجّنا من الشرير". كما تتضمّن نداءً يتوجّه إلى المسيح: "تعال أيّها الربّ يسوع،
تعال " (1 كور 16: 22؛ رؤ 22: 20).
الفصل الخامس عشر
تقدمة يسوع على الهيكل
22:2- 40
إنّ تقدمة يسوع إلى الهيكل على يد والديه هي مناسبة إعلان نبويّ لرسالة يسوع
المخلّص. وهي تدلّ أيضا على الدور الذي لعبه يوسف ومريم في بداية هذه الرسالة.
إستعمل لوقا في هذا الخبر الوسائل التي استعملها في سائر أخبار إنجيل الطفولة.
قدَّم أيضا موازاة بين يوحنا المعمدان وشموع، وجعل أقوال سمعان النبيّ وحنّة
النبيّة تقابل أقوال زكريّا عن مهمّة المعمدان (67:1- 79). كما أورد تعليقا على
طفولة يسوع (آ 40، وكان الطفل ينمو ويتقوّى) يذكّرنا بالتعليق على طفولة يوحنّا (1:
80). ثَم تقديم الرّب في الهيكل فيبرز التعارض بين الشخصين: بُشِّرَ بيوحنّا في
المعبد الذي لن يظهر فيه. وبُشّر بيسوع في الناصرة وها هو يقوم في الهيكل الذي هو
بداية (2: 41- 52؛ 9:4- 13؛ 9: 31، 51؛ 22:13؛ 17: 11) ظهوره ونهايته (28:19-
53:24) حيث سنجد التلاميذ "يسبّحون الله ويباركونه " (53:24).
يستعمل لوقا العهد القديم استعمالاً واسعاً في تدوين الحدث، وهدفه أن يكشف سرّ
يسوع. ومن خلال هذا العمل الأدبيّ الهامّ سنكتشف عناصر عدّة استقاها من التقاليد
السابقة.
سنبدأ بتفسير مفصل، ثمَّ نحاول أن نكتشف الموادّ التي استعملها لوقا، وأخيراً
نستخرج المعنى الذي أراد أن يعطيه لهذا الخبر.
أ- التفسير
1- الطاعة للشريعة (آ 22- 24).
مضى على ولادة يسوع أربعون يومًا. إنَّه إنسان حقّ، ووعيه وعي طفل في هذا الوقت من
حياته. وهو يرتبط بوالديه ارتباطًا كليًّا كما يحدث لنا يوم نتقبّل سرّ العماد.
فيوسف ومريم هما اللذان يُتمّان "ما تفرضه الشريعة بشأنه " (آ 27). في الواقع،
يحدّد لوقا لعملهما هدفين اثنين: تطهير مريم وتقدمة يسوع.
في آ 22. يقول معظم الشهود: "طهورهما" أي بصيغة المثنّى. هذا هو النصّ الأصليّ وهو
يتحدّث عن يسوع ومريم. وهناك شهود غربيّون " يتحدّثون عن "طهوره هو" أي يسوع. وقالت
السُريانيّة السينائيّة وبعض المخطوطات الجرارة: "طهورها هي ". وحاول الشرّاح أن
يفسّروا نصّ لوقا (في الواقع لا يعني الطهور إلاَّ الوالدة) فقال بعضهم: تطهير
اليهود. وقال آخرون: تطهير يوسف ومريم. وقالت فئة ثالثة: تطهير يسوع ووالديه. وفئة
رابعة: تطهير يسوع وأمّه. كل هذه الافتراضات لا توافق الشريعة اليهوديّة. والمعقول
هو أنّ لوقا استعمل كلمة واحدة (الطهور) فتحدّث عن طقسين مختلفين: طهور مريم وتقدمة
يسوع.
كل امرأة وضعت ولدًا ذكرًا تذهب إلى الهيكل أربعين يومًا بعد ولادته لتُتمّ طقس
الطهور. تكون المرأة في حالة نجاسة حتّى إتمام هذا الطقس. هذا لا يعني أنّها في
حالة الخطيئة. بل في حالة تمنعها فيها الشريعة من الاتّصال بالآخرين أو بالأمور
المقدّسة لئلا تنجّسها.
في هذه الحالة تُقدّم المرأةُ حمَلاً ابن سنة وحمامة أو يمامة. إذن، هي تقدّم
ذبيحتين. وإذا كانت المرأة فقيرة، كما كانت مريم، فهي تكتفي بتقدمة زوجَيْ يمام أو
فرخَيْ حمام (آ 24).
لا تفرض الشريعة تقدمة الولد إلى الهيكل، كما فعل يوسف ومريم، ولكنّها تطلب
"افتداءه " وتعلن أنّ كل ذكر فاتح رحم يخصّ الربّ (خر 2:13، يجب أن يُكرّس له، أن
يُعتبر خاصّته). ولهذا يجب أن نفتديه (خر 13:13؛ 34: 30). وهذا "الافتداء" الذي لا
يُفرَض للقيام به مكانِّ، يتمّ خلال الشهر الذي يلي الولادة بدفع خمسة مثاقيل فضّة
(عد 18: 15- 16).
لا يقول لوقا شيئاً عن افتداء يسوع، ولكنّه يورد شريعة خر 2:13 في آ 23، ويشير في آ
38 إلى هذا الافتداء. غير أنّه يشدّد بالأحرى على تقدمة يسوع التي يشبّهها بتقدمة
صَموئيل (1 صم 1: 20- 28). ويبدو أنّه يرى لدى والدَيْ يسوع النيّة بأن يُقرّا بأن
الولد يخصّ الربّ، وبأنّ يقدّماه من أجل المهمّة التي تنتظره. ويلفت لوقا نظرنا إلى
أمانة يوسف ومريم في تتميم الشريعة (رج أيضًا آ 27، 39). هو لم يهتمّ بدقة
الممارسات الطقسيّة بقدر ما اهتمّ بالقيمة النبوّية للشريعة القديمة.
2- سمعان الشيخ (آ 25- 27).
في الواقع، لا يقول النصّ شيئا عن تتميم فرائض الشريعة: نحن لا نرى الّلاوّين ولا
الكهنة. فالخبر يتركّز كلّه على تدخّل نبيّ هو سمعان ونبيّة هي حنة.
سمعان هو مُمارِس أمين للشريعة (كلمة "أولابس " اليونانية تظهر أيضًا في أع 12:22،
تقال في حنانيا الذي عمّد بولس). يعيش حالة توق وانتظار للخلاص المسيحانيّ ("تعزية
إسرائيل " هي عبارة تدلّ على هذا الخلاص، رج أش 40: 1؛ 12:51؛ 2:66). وهو بصورة
خاصّة نبيّ لأنّ الروح كان عليه كما كان على الملهَمين الكبار في العهد القديم (2
مل 15:2؛ حز 2:2 ؛ 24:3، 11: 5؛ أش 42: 1؛ 59:: 21؛ 61: 1).
وكان سمعان أسعد من الأنبياء الذين سبقوه، فعرف بوحي من الروح أنّه سيرى المسيح قبل
أن يموت. وتحقّق هذا الوعد الذي جاءه من الربّ يوم حمل والدا يسوع الطفلَ إلى
الهيكل.
نلاحظ هنا أنّ لوقا الذي يورد الحبل البتوليّ بيسوع لا يتردّد في أن يتحدّث عن
"والديه " (آ 27، 41، 43) وحتى عن "والده " (آ 33، 48). تشكّك النسّاخ وحاولوا أن
يبدّلوا هاتين العبارتين، فلا تدُلّان الا على مريم أمّ يسوع. وافترض بعض الشرّاح
خطأ فقالوا إنّ لوقا جهل الحبل البتوليّ. نحن لا ننسى أن يوسف هو والد بحسب الشريعة
والعُرف البشري في ذلك الوقت، وهذا لا يمس علاقة يسوع بذلك الذي قال عنه: وأما
تعرفان أنه يجب أن أكون لأبي" (آ 49)؟
3- "أَطلق الآن عبدَك " (آ 28- 33).
وأخذ سمعان يسوعَ الطفلَ بين يديه: بارك الطفلَ ورفع آيات الشكر لله كما فعل زكريّا
قبله حين امتلأ من الروح القدس (67:1). والصلاة التي تلفّظ بها، تلعب في حياة يسوع
الدور الذي لعبته مباركة زكريا ليوحنا: في النهاية أعلن سمعان رسالة يسوع (2: 32)
كما حدّدت المباركةُ مهمّةَ يوحنا المعمدان (1: 76- 77: تتقدّم الرب وتهيئ الطريق
له).
ولكنٍ نشيد سمعان يختلف كل الاختلاف عن نشيد زكريَّا. فهو يرتبط ارتباطا وثيقا
بسياقه الإِخباريّ (تتجاوب آ 29- 30 مع آ 26). أمّا نشيد زكريا فيأتي في غير محلّه
(كان يجب أن يوضع بعد آ 64).ْ نشيد المباركة (زكريا) ونشيد التعظيم (مريم) منسوجان
من عبارات مأخوذة من المزامير. أمّا نشيد سمعان فيتّخذ عناصره من سفر أشعيا: آ 30؛
رج أش 40: 5 (ترد أيضاً في لو 6:3)، آ 31؛ رج أش 10:52؛ آ 32 أ؛ رج أش 6:49 (يرد في
أع 47:13) و 6:42، آ 32 ب؛ رج أش 13:46 أو 25:45. يرجع نشيد المباركة إلى مزمور
مسيحيّ متهوّد طبّق على الوضع عبر 1: 76-077 أمّا لوقا فدوّن بنفسه نشيد سمعان الذي
هو جزء لا يتجزّأ من خبره وقد كُتب بأسلوبه ولغته.
بدأ سمعان فلاحظ أنَّ الربَّ وفى بوعده (آ 29، رج آ 27). هو يستطيع أن يموت بسلام
بعد أن رأى "الخلاص " (آ 30). في المباركة، حتىّ زكريا هذا الخلاصَ (سوتاريا) الذي
تمّ في بيت داود (1: 69، 71، 77). ولكن الخلاص (سوتاريون) هنا هو اسمُ يسوعَ نفسَه.
وسيستعيد لوقا اللفظة عينَها في التحدّث عن رسالة المعمدان (6:3: "يرى كلّ بشر خلاص
الله "؛ رج اش 40: 5؛ أع 28: 28).
وضمَّ سمعانُ في نظرة واحدةٍ عملَ الله كلَّه: في الماضي هيّأ هذا الخلاصَ في شعبه
المقدّس (ان آ 31 تستعمل مفردات من اش 52: 10). أمّا الآن فيشارك الوثنيّون أنفسُهم
في هذا الخلاص (آ 12): صوّر سمعان مهمّةَ يسوع تجاههم كمهمّة عبد الله الذي هو "نور
الامم" (اش 6:49؛ رج 6:42، تعود كلمة وحي" أو "هداية" إلى أشِ 52: 10 التي وردت في
الآية السابقة). وسيطبَّق لوقا فيما بعد القولَ النبويَّ عينه على مهمّة رسل يسوع
(أع 47:13). ولكن نداء الوثنيّين لا يلغي اختيار الشعب اليهوديّ: فكتاب التعزية
يعلن أنّ الخلاص سيكون مجد إسرائيل (أش 46: 13؛ رج 45: 25؛ 61: 3؛ 62: 2). وسيكون
إسرائيل والوثنيّون شعبَ الله الوحيد الذي سينعم برضى الربّ.
ولاحظ لوقا تعجّب "أبي الطفل وأمّه " أمام أقوال سمعان (آ 33)، وهكذا أبرز الضوءَ
الجديد الذي ألقاه النبيُّ على رسالة يسوع. فالوحي الذي نالاه حتى الآن جعلهما
يرَيان في الطفل مسيحَ إسرائيل (1: 31، 33، 43؛ 2: 11). أمّا الآن فهما يعرفان أنّه
خلاص الوثنيّين. تحدَّث بعض الشُرّاح عن تعجّب والدي يسوع، فافترضوا أنهما لم
يتلقّيا أيَّ وحي عن الطفل. هنا لا ننسى أنَّ التعجّب هو ردّة الفعل المعروفة أمام
وحي يُرسله الله.
يهتمّ لوقا اهتمامًا خاصُّا بهذه الأمور التي هي إعلان يُبرِز تدرّج الوحي الذي
يكشف يسوع ويبينّ إيمان والديه.
4- قول سمعان الثاني: آية خلاف (آ 34- 35).
وتكلّم سمعان مرّةً أخرى (آ 34). وكما باركت أليصابات مريم (42:1)، بارك سمعان
والدَي يسوع وهنّأهما على الدور الذي أُعطي لهما أن يلعباه في عمل الله. وتلفّظ
بقول نبويّ جديد وجّهه إلى مريم. هذا القول يعلن انقسام إسرائيل أمام يسوع ساعةَ
يكون يوسف قد اختفى (كما يقول التقليد) وبدأ المخلّص رسالته.
يختلف قول سمعان الثاني (آ 34 ب- 35) عن النشيد الأوّل الذي أعلن فيه أنّه رأى خلاص
الربّ (آ 29- 32). أسلوبٌ سامي، لا لوقاويّ. وتبدو بُنيته أقلَّ تماسكاً. يعود إلى
العهد القديم ويتوجّه حصرًا إلى إسرائيل. لقد وصلت إلى لوقا موادٌ تعودُ إلى كنائس
فلسطين، فأعاد صياغتها وجعلها في هذا الإِِطار.
يبدأ القول فيصوّر النتيجتين المتعارضتين اللتين ستحصل عليهما رسالةُ يسوع في
إسرائيل: للبعض سقوط وللبعض الآخر قيام. إن هذا الإِعلان يستلهم قولين من أشعيا حول
حجر العِثار (اش 8: 14- 15) وحجر أساس بناء الخلاص (اش 16:28)، وقد جمعهما بولس في
روم 32:9- 33 وبطرس في 1 بط 6:2-8. أمّا لوقا فيكتفي هنا، كما سيفعل أيضًا في
17:20-18 بتلميح سريع. لا شكّ في أنه كان أمام نصّ حرفيّ وجده في مرجعه. ولكن مهما
يكن من أمر ففكرته واضحة: إذا كان يسوع يقدّم الخلاص لكل شعبه، فعلى كلّ واحد أن
يتّخذ قراره أمامه. نستطيع أن نرفضه فنجد هلاكنا، ونستطيع أن نتقبّله فندخل في بناء
الهيكل المقدّس. الخلاص في يسوع هو خلاص بالإِيمان.
وبتوقّف سمعان عند الوجهة المأساوية لانقسام إسرائيل: سيكون يسوع علامة خلاف.
سيعارضه الناس ويقاومونه. أخذ لوقا كلمة "انتيلاغومانون " من اش 2:65 الذي تحدّث عن
الشعب المتمرد، كما سيستعملها بولس في روم 10: 20- 21 ليعارض إيمان الوثنيّين بكفر
بني اسرائيل الذين لم يؤمنوا. ترك النبيّ نظرةً جسديّة إلى خلاص تامّ ناجز يُعطى
لنا فنتقبّله بطريقة منفعلة لا فاعلة (أي لا دور لإرادتنا وحريّتنا وقرارنا)، وأعلن
خلاصًا يقدَّم لنا كعلامة نستطيع أن نقبلها أو نرفضها. إن الله لا يجبر شعبه على
قبول ما يعرضه عليه. إنه يقبل بان تُرذل العلامة التي أرسلها إليه: هو لا يريد أن
تخدمه جماعة من العبيد، بل أَحرارٌ يقولون له: تركنا كلُّ شيء وتبعناك.
وانتقل سمعان فجأةَ من الطفل إلى أمّه (آ 35 أ): أعلن لها أنها ستُطعن بسيف. سيجوز
سيفٌ في نفسِك، في قلبك، فيك. كيف نفسّر هذه الكلمات التي تحمل التهديد الى مريم؟
هنا اختلفت التفاسير. رأى معظم الشُرَّاح في هذه الأقوال محنة خاصّة تصيب مريم. قال
أوريجانس (تبعه كثير من الأقدمين وعدد من المعاصرين): هي محنة الشكّ التي ستعرفها
عند الصليب. وقال أغوسطينس (وتبعه عدد كبير من الشُرّاح المعاصرين): هو ألم الأم
المؤمنة أمام صليب يسوع. لاحظ لاغرانج وغيرُه أنّ سمعان أعلن رفض إسرائيل ليسوع دون
أن يحدّد شكل هذا الرفض. وضم فوييه هذا التفسير إلى ذلك الذي يرى في مريم ابنةَ
صهيون. وقدّم نايرنك تَفسيرًا ثالثًا: هي مشاركة الأمّ في ألم ابنها أمام شعبها
المنقسم. إن مريم تمثّل بنت صهيون أي شعبَ صهيون، والسيف الذي يجوزها هو تمزُق شعب
إسرائيل أمام يسوع.
حين قدّم الشرّاح هذه التفاسير المختلفة عادوا إلى استعمال العهد القديم لصورة
السيف. في مز 15:37، السيف يعاقب الخطأة. في إر 4: 10، يصوّر السيف ألم اسرائيل. في
حز 17:14، "يجتاز" السيف البلاد فيضرب البشر والبهائم ولا يُبقي إلاَّ على ثلاثة
أبرار: نوح، دانيل، ايّوب (رج الأقوال البيبلية التي تعلن لمصر: إنّ السيف سيجتازك
"). في زك 7:13، ضرب السيف راعي قطيع الربّ... كل هذه النصوص لا تدلّ على اتّصال
أدبيّ مع لو 35:2 (إن حز 17:14 لا يبدو بعيدًا). وإن المعاني التي تقدّمها لصور
السيف هي جدُّ مختلفة، وبالتالي لا تلقي ضوءًا على النصّ الذي ندرس.
فإذا أردنا أن نفسّر نصّ لوقا، ننطلق من سِياقه. أعلنت الآيةُ السابقة نتيجتين
متعارضتين ستنتجهما رسالة يسوع في إسرائيل، والمقاومة التي ستلاقيها. في هذا
المنظار، يعني السيف انقسامَ إسرائيل لا آلامَ يسوع (التي لا تتكلّم عنها آ 34
بصورة واضحة). فإن أُعلن السيفُ لمريم، فلأنها ستمزَّق كابنها بانقسام شعبها.
وان التفسير الذي يعطي لمريم دور ابنة صهيون يجد عدّة إسنادات لدى لوقا: ففي
البشارة أشارت أولى كلمات جبرائيل (28:1) إلى صف 3: 14، 17 ("ترنمي يا ابنة
صهيون... إن في وسطك الربَّ إلهك ") وزك 9:9 ("ابتهجي جدّا يا بنت صهيون.. هوذا
ملكك يأتيك"). وإن مريم ستتقبّل بشرِى المسيح من أجل الشعب كلّه وباسمه. ونشيد
التعظيم (46:1- 49) هو أوَّلاً فعل شكر من قبل أمّ يسوع التي سوف تتكلّم باسم نسل
إبراهيم كلّه (1: 50- 66). ولكن، إن رأى لوقا في مريم تلك التي تمثل إسرائيل، فهو
لم يُلغِ أبدًا شخصيّتها الخاصّة: إنها المؤمنة. ستضطرب (29:1) وتتعجّب (33:2)
وتتأثّر (48:2). هي تسأل (34:1) لأنها لا تفهم (2: 50). هي ستفكّر في السرّ وتتأمّل
(1: 29، 2: 19، 51). إذا كان السيف سيمزق شعب الله، فهو سيصيب أمّ يسوع في الصميم.
لا يستطيع لوقا أن يظنّ أن هذا التمزّق هو الشكّ: إنه يعلنها "مؤمنة" في تحيّة
أليصابات التي امتلأت من الروح القدس (آ 41، 45)، ويصوّر لنا إيمانها في إنجيل
الطفولة كلّه. هل فكّر لوقا هنا بألم مريم أمام آلام ابنها؟ إن السياق الحاضر للنصّ
لا يشير بصورة مباشرة إلى الصليب. كما أنّ لوقا لا يتحدّث عن تدخّل أمّ يسوع في
مأساة الآلام. وهو بذلك يشبه متى ومرقس ويختلف عن يوحنا (يو 19: 25- 27). إن السبب
الوحيد للألم الذي يشير إليه قول سمعان النبويّ هو انقسام إسرائيل ورفض علامة
الخلاص بطريقة تشكّك المؤمنين. تمزّقت مريم لأنها اتّحدت بابنها في ألمه حين رأى
شعبه يرفض الخلاص وينقسم بين الإِِيمان والكُفر: بعضهم سيقوم، سيؤمن. والآخرون
سيرفضون الإِِيمان فيسقطون.
وتقدّم نهايةُ القول نتيجةَ رفض "الكثيرين في إسرائيل" (آ 35 ب). أن رذل رافضو يسوع
العلامةَ التي قُدّمت لهم دلّوا على كفرهم العميق. إن كلمة "ديالوجسموس" تدلّ على
النقص الذي يقود إلى العدم وتعني الكُفر وعدمَ الإِِيمان. رج 22:5 (ما هذه الافكار
التي تدلّ على عدم الإِِيمان؟)؛ 8:6؛ 38:24: ظنّ هؤلاء الورِعون أنهم أبرار فكشف
يسوع بحضوره وكلامه أن قلوبهم بعيدة عن الله: 16: 15 ("الله يعرف ما في قلوبكم").
5- نبوءة حنة (آ 36-38).
لا يختتم لوقا خبره بهذا الإِعلان المهدّد. فتدخُّل حنة سيُتيح له أن ينهي كلامه في
إطار مُشرق. أورد ما قالته هذه النبيّة بشكل تعليق قصير بأسلوبه.
حنّة هي نبيّة (آ 36). وقد عرف العهد القديم عددًا من النبيّات: مريم (خر 15: 20)
أخت هارون، ودبورة (قض 4: 4) التي رافقت باراق في خلاص شعبه، حلدة (2 مل 14:22)
التي أرسل الملكُ يوشيا يسألها في شأن كتاب الشريعة الذي وُجد في الهيكل. دور حنّة
بقرب سمعان ليس دورًا ثانويًّا؛ إنها تلعب دور الشاهد الثاني الذي تفرضه الشريعة
(رج تث 19: 15) أمام المحكمة. إعتاد الأنبياء أن يكونوا وحدهم حين يتكلّمون، أمّا
لوقا فجعل المرأة قرب الرجل. إن التلاميذ الاثني عشر يرافقون يسوع ويرافقه أيضًا
بعض النساء (8: 1- 2). كان الرسل يواظبون على الصلاة وكان معهم بعضُ النساء ومريمُ
أمّ يسوع (أع 1:13- 14؛ رج لو 11: 5 و3:18 حيث نجد الصديق والأرملة؛ 13: 19، 21 حيث
الرجل يزرع حبّة الخردل والمرأةُ تضع الخمير في الدقيق؛ 15: 4، 8 حيث الرجل يُضيع
خروفه والمرأة تُضيع درهمها.
حين يتحدّث لوقا عن حنّة فهو يذكر عائلتها وقبيلتها (أو عشيرتها) وعمرها المتقدّم
وصفتها كأرملة. وما هو معقول حسب آ 37 هو أن عمرها (لا بقاؤها أرملة) كان 84 سنة.
كانت متعبّدة لله لا تفارق الهيكل كما يقول المرنّم (مز 23: 6؛ 8:26؛ 27: 4؛ 84: 5،
11). أمّا الحديث عن بقائها "ليلاً نهارًا" في الهيكل، فطريقة تضخيميّة خاصّة بلوقا
(رج 7:18؛ أع 20: 31؛ 7:26) لأنّ الهيكل يُغلَق في الليل، ولأن شرائع الطهارة تمنع
النساء من الإِقامة في الحرَم المقدّس.
ويورد لوقا كلمات حنّة في أسلوب غير مباشر وفي لغة خاصّة به (آ 38). في تلك الساعة
(خاص بلوقا، 33:24؛ أع 18:16؛ 13:22) "ابيستاسا" (حضرت أو قامت) هي خاصّة بلوقا (7
مرّات في الإِِنجيل و11 مرّة في أع) وكلمة "انتولوغايستاي" ترِد مرّةً واحدة في كلّ
العهد الجديد وتعني يسبح الله وباركه"، وهو موضوع معروف لدى لوقا (64:1؛ 13:2، 20،
28؛ 43:18؛ 37:19؛ 53:24؛ أع 47:2؛ 8:3، 9). وفعل انتظر (بروسداخستاي) يرِدُ مرّة
واحدة عند مرقس (43:15) و 5 مرّات عند لوقا (2: 25، 38؛ 12: 36؛ 15: 2؛ 23: 51؛ رج
أع 23: 21؛ 24: 15).
تصرّفت حنة مثلَ زكريّا (1: 64، 68) وسمعان (28:2) فأنشدت الحمد للربّ لأنها رأت في
يسوع حدثَ الخلاص. إنه هو من "يَفدي أورشليم". وكان زكريّا قد أنشد تحرير شعب الله
(68:1). ولكن الكلمة المذكورة هنا (لوتراسيس) تدلّ في العهد القديم على "افتداء"
الأَبكار (خر 13: 13، 15؛ 34: 20؛ عد 15:18- 16) كما فعل يوسف ومريم بالنسبة إلى
يسوع. تكلّم لوقا عن الافتداء هنا وفي آ 22- 24، ولكنه لم يستعمل الكلمة عينَها. هل
وجد لوقا كلمة "لوتراسيس" في مراجعه، فلم يشأ أن يغيّرها أو أراد أن ينوّع أسلوبه
فاستعمل كلمتين مختلفتين؟
6- العودة إلى الناصرة (آ 39- 40).
وتعود نهاية الحدَث مرّةً أخرى إلى يوسف ومريم اللذين يمارسان الشريعة (رج آ 22-
24، 27). وترتبط هذه النهاية بخبر المشاهد السابقة فتشدّد على رجوع والدَي يسوع إلى
الناصرة من حيث انطلقا (1: 26؛ 2: 4). وتتوافق هذه المعطية مع معطية مت 23:2 حول
المكان الذي فيه وُلد يسوع، ولكنها تختلف عنها في أمرين اثنين. أولاً، لم يجعل متى
من الناصرة نقطة انطلاق والدَي يسوع. ثانيًا، لا يشير لوقا أبدًا إلى الهرب من مصر.
هذان الاختلافان يدلاّن على استقلاليّة التقاليد التي استقى منها كلٌّ من متى
ولوقا، ويشدّدان في الوقت عينه على قيمة معطية التقى فيها الإِنجيليّان.
ويقدّم لوقا طفولة يسوع في تعليق قصير (آ 40) تتوازى بدايته مع ما يتعلّق بيوحنّا
المعمدان (1: 85). تذكرنا هذه الطفولة بأخبار طفولة عديدة نقرأها في العهد القديم.
يدلّ إسحق (تك 8:21) وصموئيل (1 صم 3: 19) على يسوع، وإسماعيل (تك 21: 20) وشمشون
(قم 13: 24- 25) على يوحنا المعمدان. وللاختلافات بين التعليقين معناها: كان يوحنا
"يتقوّى في الروح". أمّا يسوع فكان يتقوّى "ويمتلئ بالحكمة". قد يكون لوقا تحاشى ان
يقول إن يسوع نما "في الروح"، لأَنه قال فيه إنه حبل من الروح (35:1). ومهما يكن من
أمر، فالإِِنجيل يشدّد مرارًا على أن الحكمة هي خير خاصّ بيسوع (آ 52؛ 21: 15؛ رج
49:11). وهو يبيّنه لنا في الحدَث اللاحق عائشًا هذه الحكمة بذكاء أجوبته للمعلّمين
(46:2- 47، رج آ 52). لا شكّ في أنه ينسب هذه الحكمة إلى عمل الروح (رج أع 6: 10
والتوازي بين لو 15:21 ومت 19:10- 20 ومر 13: 11). وهناك سِمَةٌ تميّز يسوع عن
يوحنا المعمدان: إنه موضوع نعمة الله (رج 2: 52). وأخيرًا، إذ يذهب يوحنا منذ
حداثته إلى البرية حيث سيقوم بمهمته (24:7)، سيكبر يسوع في الناصرة مع معاصريه
الذين سيكون معهم طَوالَ حياته.
ب- لوقا والتقليد السابق
خلال التفسير الذي قدّمناه اكتشفنا إشارات عديدة حول الأصل الأَدبيّ لخبر تقدمة
يسوع إلى الهيكل.
من الواضح أن لوقا لعب دورًا هامًَّا في تدوين هذا الخبر. وقد تعرفنا الى لغته
ومفرداته وأسلوب الموازاة عنده بين يسوع ويوحنا المعمدان واستعمال نصوص السبعينيّة
خصوصًا في نشيد زكريا.
ونكتشف من خلال عمله الأدبيّ عناصرَ عديدة نستطيع أن ننسبها إلى التقليد السابق.
فإن هو قدّم بطريقته التقريبيّة تتميم شرائع طهور الأمّ وافتداء الطفل، فهو يفسّر
في الظاهر معطية وُجدت قبله. ويبدو بصورة خاصّة أن ذكر "افتداء" أورشليم في النهاية
يقابل في خبر فلسطينيّ قديم ذكر "افتداء" الطفل في البداية، وقد يكون لقول سمعان
الثاني أساس ساميّ لأن إفادته من العهد القديم تبتعد عن التوراة اليونانيّة ولا
تتوافق وأسلوبَ لوقا. إنه يترجم ولا شكّ اعتبارات الجماعة المسيحيّة المتهوّدة أمام
رفض العالم اليهوديّ الرسمي ليسوع. وأخيرًا قد تأتي المعطية حول طفولة يسوع في
الناصرة من تقليد قديم، لأننا نقرأها أيضًا في تقليد مستقلّ غرف منه مت 22:2-23.
وهكذا يستعمل لوقا موادّ فلسطينيّة قديمة. يفسّرها بطريقته وحسب هدفه على ضوء ظهور
يسوع اللاحِق. لقد لاحظ في حياة الكنيسة أن يسوع هو نور لأمم وان إسرائيلَ وَجَدَ
فيه السقوط أو القيام لأنه قبله أو رفضه، فجعل كلّ هذا في خبر تقدمة يسوع إلى
الهيكل.
ج- الحدَث في نظر لوقا
يهدف هذا الحدَث، شأنُه شأنُ سائر أحداث الطفولة عند لوقا، أن يقدّم لنا قبل كل شيء
سرّ يسوع.
إن هذا الطفل ابن الأَربعين يومًا يستسلم لقيادة والديه ويخضِع بهما للشريعة (آ 22،
24، 27، 39؛ رج غل 4:4). وسينمو فيما بعد مثلَ يوحنا المعمدان فيدلّ إلى أيّ حدًّ
كانت نعمة الله عليه.
منذ هذا الحدث في الهيكل الذي هو الموضوع التقليديّ لوحي الله، أعلن سمعان النبيّ
وحنّة النبيّة رسالته الفريدة: إنه خادم الربّ (عبد الله)، إنه الخلاص ونور الأمم
ومجد إسرائيل ومحرِّر أورشليم. ولكن الخلاص الذي يحمله لا يفرض نفسه بالقوّة. نحن
نستطيع أن نرفضه. وسوف ينقسم إسرائيل أمامه فيجد بعضهم الهلاك والآخرون الدخول في
البناء المسيحانيّ. إن لوقا يهتمّ اهتمامًا واضحًا بهذا الخلاص بالإِيمان (رج
17:20- 18)، وهو يجد فيه مدخلاً إلى سرّ الخلاص.
إن قصد الله يَتمّ بمشاركة البشر. فسمعان وحنّة هما آخر من تنبّأ في العهد القديم.
تعرّفا إلى المسيح وأعلنا رسالته. ولكن يوسف ومريم هما اللذان شاركا خصوصًا مشاركةً
وضيعة في بداية هذه الرسالة. دلاّ على أمانة يسوع للعهد القديم حين أخضعاه للشريعة.
ولكنهما أظهرا أيضًا هذه الرسالة: حين قدّما يسوع إلى الربّ الذي أوكلَه إليهما،
فقد دلا أنّه كلَّه له ودشّنا المهمّة التي لأجلها جاء. تقبّلا لأجله ما قاله
النبيّ والنبيّة واهتمّا بتربيته في الناصرة.
وظهرت مريم في الصفّ الأوّل كما في سائر مشاهد الطفولة. تقبّلت مع يوسف من فم سمعان
الوحيَ عن رسالة ابنهما الشاملة. وتعجّبت لأن إيمانها ينمو ويتعمّق على مراحل (هكذا
يتدرّج الوحي) في الأمانة والتفكير والتأمّل (شدّد لوقا مرارًا على هذا التعمّق في
أخبار الطفولة، رج 1:28، 34، 38؛ 2: 19، 33، 50، 51). تسلّمت وحدَها في الألم إعلان
انقسام إسرائيل أمامَ ابنها. فكُفرُ الذين لا يقبلونه أصابها في الصميم، لأنها
تتّحد دومًا اتّحادًا حميمًا برسالة يسوع كأمةِ متواضعة وأمينة.
الفصل السادس عشر
وجود يسوع في الهيكل
2: 41 – 52
يكوّن الفصلان الأولاّن مدخلاً احتفاليًّا إلى إنجيل لوقا، ويتبعان رسمةً متوازية:
بشارة يوحنّا المعمدان (1: 5- 25) وبشارة يسوع (1: 26- 38)، مولد يوحنّا (57:1- 80)
ومولد يسوع (2: 1- 40). ويمتدّ التوازي في مشهدَي الزيارة (1: 39- 56) ووجودِ
المسيح في الهيكل (2: 41- 52). إن هذا المشهد الأخير يبدو لأولّ وهلة وكأنه مثَل
ملموس عن حكمة يسوع كما قالت آ 40. ننطلق من هذه الوُجهة لنبدأ دراستنا. ولكن الخبر
يذهب أبعدَ من هذا بكثير. فتصرُّف يسوع الغريب تجاه والدَيه يصل إلى إعلان سرّيّ لم
يفهمه يوسف ومريم كما قال لنا الإِِنجيليّ. ينجذب انتباهنا إلى هذه الكلمةِ وهي
الأولى التي تلفّظ بها يسوع في الإِِنجيل، هذه الكلمةِ التي بها ختم لوقا صفحاتٍ
غنيّة بالتعليم اللاهوتيّ، صفحاتِ إنجيل الطفولة الذي يُعدّ الدَرب للخبر
الإِنجيليّ. وسنحتفظ بالقسم الثاني من عرضنا لكلمة يسوع هذه.
آ- حكمة يسوع.
تتوزّع إنجيلَ الطفولة حسب لوقا تعاليقُ سمّاها الأب ليونيه: رَدّة الإِنطلاق، ردّة
النموّ، ردّة التذكّر. وخاتمة هذا الإِِنجيل (2: 51- 52) تستعيد الردّات الثلاث.
ولكنّ ردّتين اثنتين منها وردَتا في خاتمة تقدمة يسوع إلى الهيكل: ردّة الإِنطلاق
(آ 39، رجعوا إلى الجليل)، وردّة النموّ (آ 40، وكان يسوع ينمو). إن هاتين الردّتين
لا تشكّلان خاتمةَ حدَث وجود يسوع في الهيكل، بل أيضًا إطارَه. لهذا ننطلق من هنا
لنلقي ضوءًا على الخبر. وسنعود إلى ردّة التذكّر (آ 51 ب. وحفظت أمّه هذا كلّه في
قلبها) حين ندرس كلمة يسوع: "لماذا بحثتما عني؟ أما تعرفان أنه يجب أن أكون لأبي"؟
1- الرجوع إلى الناصرة
أوّلاً: في ستّ مرّات من هذين الفصلين، يُنهي لوقا خبره بردّة الإِنطلاق. بعد بشارة
زكريّا نقرأ: "فلما إنتهت أيّام خدمته ذهب (رجع) إلى بيته" (23:1). وبعد بشارة
مريم: "ومضى من عندها الملاك" (1: 38). وبعد الزيارة: "وأقامت مريم عند أليصابات
نحو ثلاثة أشهر ثمّ رجعت إلى بيتها" (1: 56). وفي نهاية خبر الميلاد نقرأ: "ورجع
الرُعاة وهم يمجّدون الله ويسبّحونه على كلّ ما سمعوا ورأوا" (2: 20). وبعد التقدمة
في الهيكل: "ولمّا تمّموا كلّ ما تفرضه شريعة الربّ، رجعوا إلى الجليل، إلى مدينتهم
الناصرة" (2: 39). وبعد وجود الربّ في الهيكل يقول لوقا: "ونزل معهما وأتى الناصرة
وكان خاضعًا لهما" (2: 51 أ). الأسلوب الأدبيّ واضح: إن انطلاق الأشخاص يدلّ القارئ
عام نهاية الحدث. وفي حالتين سيزيد لوقا ملاحظة لاحقة: في 2: 20، رجع الرعاة وهم
"يمجّدون الله ويسبّحونه". وفي 2: 51 يحدّثنا لوقا عن طاعة يسوع لوالديه. يتعدّى
هذان المُلْحقان الأسلوب الأدبيّ فيَلفتان انتباهنا. لهذا سنعود إليهما.
ثانيًا: إن ردّة الإِنطلاق تَعني عادةَ الشخص أو الأشخاص الذين أشارت بداية الخبر
إلى حضورهم على المسرح. يتحلّى لوقا بما عُرف عنه من ترتيب في إنجيل الطفولة، بحيث
نرى في مقطوعة وجود المسيح في الهيكل شيئًا غيرَ عاديّ. فالبداية تقدمّ لنا والدَيْ
يسوع: "وكان والدا يسوع في الهيكل يذهبان كلّ سنة إلى أورشليم في عيد الفصح. ولمّا
بلغ (يسوع) الثانيةَ عشْرةَ من عمره، صعدوا إلى أورشليم كعادتهم في العيد" (آ 41-
42). في المَنْطِق الصحيح، عبارةُ "صعدوا" تنتظر في الخاتمة عبارةَ "نزلوا". ولكن
لوقا كتب: "ونزل معهما". في الإِنطلاق رافق يسوع والديه ككلّ أبناء عمره. وفي
العودة إنتقل إلى المركز الأوّل. ولكن لوقا زاد حالاً ليعيد الأمور إلى نصابها:
"وكان خاضعًا لهما".
ثالثًا: حين أشار الإِِنجيليّ إلى خضوع يسوع لوالديه في آ 51 فقد توخّى هدفًا
معيّنًا. إذا كان لوقا قد شدّد على هذا الخضوع فلكي يصحّح ما يكون قد تركه الخبر
السابق من تأثير على القارئ. أكدّ يسوع أولوّية واجباته المطلقة تجاه أبيه
السماويّ. فنتساءل: هل يحسب حساب واجباته تجاه والديه على الأرض؟ ولكن آ 52
تطمئننا: إذا وضعنا جانبًا هذا الظرف الشاذّ الذي أوردناه، فقد ظلّ يسوع ابنًا
طائعًا لوالديه. أمّا تجاوز هذه الوصيّة فمردُّه تقوى بنويّة من درجة أسمى.
والتشديد على خضوع يسوع هذا قد يكون جوابًا على إهتمام أخلاقيّ. كانت الكرازة
المسيحيّة تذكرّ الأبناء بواجب الخضوع والطاعة لوالديهم (أف 6: 1؛ كو 3: 20؛ 1 تم
3: 4). في هذا ألمنظار ذكر لوقا المثالَ الذي أعطاه يسوع نفسُه. وهناك إهتمام مماثل
في 2: 20: إن لوقا يدعو قُرّاءه ليدخلوا في جوقَ الرعاة، فيشكروا الله ويمجّدوه (رج
13:2- 14؛ 5: 25- 26؛ 7: 16؛ 13: 13؛ 17: 15- 18؛ 18: 43؛ 19: 37، 38؛ 23: 47؛ 24:
53؛ أع 47:2؛ 8:3، 9؛ 4: 21؛ 11: 18؛ 21: 20).
2- وكان يسوع ينمو
أولاً: تظهر ردّة النموّ ثلاث مرّات في لو 1- 2 (رج أَع 7:6؛ 12: 24؛ 19: 20، كانت
كلمة الله تنمو). وهي تتدرّج حتى تصل إلى عبارات تزداد توّسعًا. في 1 :80، ختم لوقا
خبر طفولة يوحنا المعمدان قائلاً: "وكان الطفل ينمو ويتقوّى في الروح". إنه ينظر
إلى النموّ من الوجهة الجسديّة ومن الوجهة الروحيّة. وفي 2: 40 يقدّم خاتمة أولى عن
خبر طفولة يسوع: "وكان الطفل ينمو ويتقوّى. كان يمتلئ بالحكمة وكانت نعمة الله
عليه". نجد هنا أيضًا فعل "نما" الذي ينطبق على نموّ الجسد، وفعل "تقوّى" الذي
ينطبق على الطِباع (ألقلب في المعنى البيبليّ، رج 1 كور 13:16؛ ق مز 25:30 حسب
السبعينيّة؛ أف 16:3). ولكن حين يتحدّث لوقا عن الوُجهة الروحيّة في نموّ الطفل،
فهو يشير إلى الحكمة محدّدًا هكذا العبارة التي استُعملت في شأن يوحنّا. ثم تدخّلت
مفردة جديدة فجعلت نعمة الله التي حلّت تواجه النموّ الجسديّ والروحيّ عند هذا
الطفل. كان تعارضٌ أساسيّ بين ما هو خارجيّ وما هو باطنيّ، فجاء تعارض جديد بين
الإِنسان والله.
وتصل بنا هذه التعارضات إلى عبارة 52:2: "وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة عند
الله والناس". تبدّل ترتيب المفردتين الأولَيَين: النموّ الباطنيّ يمرّ أمام النموّ
الخارجيّ. وهكذا نحصل على توازن أفضل مع الشقّ الثاني من الآية الذي يشير إلى رضى
(نعمة) الله قبل رضى البشر. إذا يشكل النموّ في الحكمة والقامة الشقّ الأوّل من
التعارض. ويعود الشقّ الثاني إلى نموّ في رضى الله ورضى الناس. إن هذه الخاتمة
الجديدة هي صدى لنصّ 1 صم 2: 26: "أمّا صموئيل الصبيِّ فكان آخذًا في النموّ
والصلاح أمام الربّ وأمام الناس" (رج أم 4:3). ويتحدّث عن النموّ تك 8:21؛ قض
24:13؛ 1 صم 2: 21؛ 19:3).
ثانيًا: نجد في آ 52 بعض المفردات الصعبة. فكلمة "هاليكيا" تعني "العمر" وتعني
"القامة". المعنى العاديّ هو العمر كما نقرأ عند فلافيولس يوسيفوس عن الطفل موسى:
"لم يكن عقله ينموّ بحسب عمره، ولكنه كان يتجاوزه بمقدار". نستطيع أن نقابل هذا
النصّ مع نصّ لوقا: فحسب المؤرّخ اليهوديّ كان عقل موسى ينمو أسرَع من عمره. وقال
لوقا: إن هناك توازنًا بين حكمة يسوع وعمره (أو قامته).
فنما يسوع، لا في الحكمة والقامة وحسب، بل قِ النعمة أيضًا. النعمة هي رضى الربّ
ومسرّتُه، وشيوع هو موضوع هذا الرضى وهذه المسّرة. فبقدر ما ينمو جسدُه وعقله يصبح
أكثر فأكثر مرضيًا لدى الله ولدى الناس.
ونتسائل عن طبيعة "الحكمة" التي ظهرت في الطفل يسوع. إذا عُدنا إلى المناخ البيبليّ
للتعليقات التي ندرس، وإلى أسلوب لوقا العاديّ (رج 11: 31؛ 21: 15؛ اع 3:6، 10)،
نفهم هذه المفردة بالنظر إلى تقليد إسرائيل (لا نجد هذه المفردة في التعاليق على
الرجال العظام في اليونان). نحن أمام حكمة تتحدّد بالنسبة إلى مشيئة الله: هي في
الوقت عينه معرفة لهذه المشيئة وخضوع وادعٌ لها. والهدف الأوّل لمشهد يسوع وسط
العلماء هو أن يلقي ضوءًا على هذه الحكمة التي ذكرها الإِِنجيلي مرّتين، قبل المشهد
(2: 40) وبعد المشهد (2: 52).
3- الولد وسطَ المعلّمين
بعد ثلاثة أيام وجد والدا يسوع ابنهماَ في الهيكل. كان "جالسًا وسْطً المعلّمين
يستمع إليهم ويسألهم" (آ 46). كان من الأفضل أن نصل حالاً وبطريقة مباشرة الى آ 48:
"ولما رآه والداه تعجّبا". ولكن آ 47 تقطع التسلسل الطبيعيّ للنصّ، وللإِنجيليّ
أسبابه: "وكان جميع سامعيه في حَيرة من ذكائه وأجوبته" (ق 26:20، تعجّبوا من
جوابه). في آ 46، كان يسوع يستمع إلى المعلّمين ويسألهم. وفي آ 47 كان يجيب فيستمع
الناسُ إليه. تبدّلت النظرة فأبرزت ذكاء الولد. وهذا الذكاء يعني طبعًا في هذا
السِياق معنى الكتب المقدسة التي فيها يكشف الله عن إرادته. إن يسوع يفهم الكتاب
المقدس لأنه يعرف ما ينتظره الله من الإِنسان. بهذا تقوم حكمته، بهذا يقوم ذكاؤه
الذي هو موضوعُ إعجاب لدى الحاضرين.
ونعود إلى عبارة آ 46: كان يسوع "جالسًا وسْطَ العلماء". يقول الشُرّاح: من الواضح
أنْ لا مكانَ للولد بين العلماء، بل "عند أقدامهم" (رج أع 3:22: تعلّم بولس عند
قدمَي جملائيل). ولكنّ هناك سابقة في التوراة. ففي خبر سوسِنة برهن دانيال وكان بعد
"صبيًّا" (دا 13: 45) أنّ المتّهمة بريئة. وزاد الخبر حالاَ: "حينئذٍ قال الشيخان
لدانيال: هلم اجلس بيننا وقدِّم لنا الشروح، لأن الله أعطاك كرامة الشيوخ" (دا 13:
50). التشابه بين العبارتين قريب، ولاسيما وإنّ تقليدًا نجده في الهكسبلة السريانية
(وفي نصّ أغناطيوس الأنطاكيّ الطويل والذهبي يوحنّا المزعوم وسولبيسيوس ساويروس)
يقول إن دانيال كان عُمره في ذلك الوقت 12 سنة.
وهناك تقليدٌ آخر سابق للإِِنجيل الثالث يقول إن سليمان اعتلى ألعرش هو ابن اثنتي
عشرة سنة (مخطوطات عديدة في اليونانيّة، السبعينية في 3 مل 2: 12، يوحنّا فم الذهب،
إيرونيموس عرف هذا التقليد)؛ وإنه في ذاك الوقت أعلن حُكمَه الشهير الذي دلّ على
حكمته الخارقة (1 مل 16:3- 28). ولكنّنا نجد اتّصالاتٍ عدّة بين لو 1- 2 وخبر
صموئيل الصغير. أشرنا أعلاه إلى العلاقة بين 1 صم 26:2 ولو 52:2. تركه والداه في
معبد شيلو فنال صموئيل حالاً موهبةَ النبوءة. كم كان عمره في ذلك الوقت؟ لا جوابَ
في التوراة. ولكن فلافيوس يوسيفوس، معاصرَ لوقا قال: "حين أتمّ صموئيل اثنتي عشرة
سنة بدأ يتنبّأ".
إذن، تتسجلّ حكمة يسوع العجيبة وهو إبن 12 سنة في مجموعة من التقاليد اليهوديّة
وتتلّون بلون دينيّ. فيسوع ليس ولدًا كسائر الأولاد الأذكياء. إن ذكاءه وفهمه لأمور
الله يدلان على حكمة تأتيه من الله نفسِه.
ب- يسوع وأبوه
1- كلام يسوع
أوّلاً: يبدو كلام يسوع لأوّل وَهلة وكأنه جواب عن سؤال طرحته عليه أمّه. قالت له
أمّه: "يا ابني لماذا فعلت بنا هكذا"؟ عبارة عتاب نجدها في التوراة مرارًا (تك 12:
18؛ 19: 25؛ 20: 9؛ 26: 10؛ خر 14: 11؛ عد 23: 11؛ قض 15: 11). إعتبرت مريم أنّ
الولد أساء التصرّف تجاه والديه. وبرّرت عتابها فزادت: "فأنا وأبوك تعذّبنا كثيرًا
ونحن نبحث عنك" (آ 48). وجاء الجواب بشكل سؤال، وهو عتاب أيضًا. قالت مريم: "كنّا
نبحث عنك". فأجاب يسوع: "لماذا بحثتما عنّي"؟ وجاء سؤالٌ ثانٍ يبرّر العتاب. لم يكن
لهما أن يبحثا إذا كانا قد عرفا ما يجب معرفته: "أما تعرفان أنه يجب أن أكون لأبي"
(أو عند أبي) (آ 49)؟ يلفت هذا التفسير انتباهنا حالاً بالتعارض بين "أبي" وكلمة
مريم "أبوك". تكلّمت مريم عن واجبات الولد تجاه والديه، فتكلّم يسوع عن واجباته
تجاه الله.
ثانيًا: ونجد صعوبة أخرى متأتية عن تفسير حديث نسبيُّا. فالعبارة اليونانيّة "ان
تويس تو باتروس مو" تعني "عند أبي" لا "لما هو لأبي". فالتقليد القديم يتّفق
اتّفاقًا تامًّا في هذا المجال، وهو يستند إلى المعنى الدارج للعبارة في التوراة
اليونانيّة (تك 41: 51؛ اس 7: 9) وفي النصوص اليوميّة. وحين أورد إيريناوس يو 14:
2: "في بيت أبي منازل عديدة" كتب: عند أبي هناك منازل عديدة. هذه هي الترجمة التي
يفرضها سياق النصّ: فموقع الحوار هو في الهيكل. وعتاب يسوع ("أما تعرفان أنه يجب أن
أكون في بيت أبي") هو صدى لملاحظة آ 44: "ظنّ والدا يسوع أنه في القافلة، أنه بين
الأقارب والمعارف".
ثالثًا: سأل يسوع والديه: "أما تعرفان إذن"؟ هذا يفترض أنه كان عليهما أن يعرفا.
ولكن، كيف لهما أن يعرفا؟ نجد حلّ المسألة في فعل "داي" (يجب). نلاحظ أوّلاً
إستعمال الحاضر لا الماضي: "كان عليكما أن تعرفا أنه يجب". ولكن الضرورة التي
يتكلّم عنها يسوع لا تعني فقط الظرف الحاضر. فيسوع يقولها بصورة عامّة وكأنها مبدأ
صحيح دائمًا: يجب أن يكون عند أبيه. ونزيد أن فعل "يجب" يلعب دورًا هامًّا في فكر
لوقا اللاهوتيّ. فالضرورة التي يعبّر عنها هي ضرورة تتميم مشيئة الله: "يجب" لأن
هذا ما أقرّه الله. وهذه الضرورة تتحقّق خصوصًا في آلام المسيح: فمخطّط الله الذي
كشفته النبوءات، يجب أن يتمّ بالضرورة (9: 22؛ 17: 25؛ 22: 37؛ 24: 7، 26، 44؛ أع
17: 3). ويعود الفعل أيضًا إلى واجب تفرضه وصيّة إلهيّة: "يجب" أن نخضع لها (رج 11:
32؛ 13: 14؛ 7:22؛ أع 15: 5). هذا هو المعنى الذي نجده في هذا النصّ. يتحدّث يسوع
عن "واجب" تجاه أبيه، عن واجب يتفوّق على واجباته تجاه والديه. إذا كان هذا الأمر
سهل الإِدراك، تبقى الصعوبة في أن نعرف كيف يكمن هذا الواجب "بأن يكون عند أبَيه"
الذي يعني هنا بصورة طبيعيّة: بأن يقيم في الهيكل.
لن نَدهش إن لاحظنا أنّ هذه العبارة ظلّت سريّة. هذا ما يعرفه لوقا وهو ينبّه
قرّاءه إلى هذا الواقع مُوردًا ردَّة فعل والدَي يسوع. وهو يقدّم لنا في هذه
المناسبة إشارة تساعدنا على رؤيَة أوضح.
2- أمّ يسوع
أوّلاً: "لم يفهما الكلمة التي قالها لهما" (آ 50). نلاحظ أوّلاً أنّ هذه الملاحظة
تبقى في خطّ ما قالته آ 48 عن دهشة والدَي يسوع حين وجداه وسط العلماء، وفي خطّ ما
كتبه لوقا في آ 33: "تعجّب أبوه وأمّه ممّا يقال عنه". التعجّب والدهشة هما ردّة
فعل الإِِنسان أمام سرّ لا يفهمه. هذا ما يقوله لوقا أيضًا عن الرسل خصوصًا في
مناسبتين يفترق فيهما عن مرقس ليشدّد على عدم فهم عند الرسل. قال بمناسبة إنباءات
الآلام: "ما فهِمَ التلاميذ هذا الكلام وكان مُغْلقًا. عليهم حتى لا يدركوا معناه،
وخافوا أن يسألوه عن هذه الكلمة" (45:9؛ رج مر 32:9 الذي كتب: "فما فهموا هذا
الكلام وخافوا أن يسألوه"). وقال لوقا أيضًا: "فما فهم التلاميذ شيئًا من ذلك. وكان
هذا الكلام مُغلقًا عليهم، فما أدركوا ما كان يقال لهم" (18: 34، لا أساس لهذا
الكلام في مر 34:10). ونقرأ الملاحظة عينَها في ف 24 حيث يعلن القائم من الموت
لتلميذَي عمّاوس: "ما أغباكما وما أبطأكما عن الإِِيمان بكلّ ما قاله الأنبياء. أما
كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام ليدخل في مجده" (25:24- 26)؟ ثم قال عن
الأحد عشر: "حينئذٍ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب المقدّسة وقال لهم: هذا ما جاء فيها
أنّ المسيح يتألّم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث" (45:24- 46). من الطبيعيّ
أن يبقى السرّ مغلقًا وغيرَ مفهوم حتى الوحيِ التامّ يوم الفصح.
ثائيًا: "وحفظت أمّه هذا كلّه في قلبها" (آ 51). يشدّد هذا التعليق بشكل مختلف بعض
الخلاف عمّا قرأنا في 2: 19، في خاتمة خبر الميلاد: "وحفظت مريم هذا كلّه وتأمّلته
في قلبها". ونقرّب من هذا القول الإِعتبار الذي يختتم خبر مولد يوحنّا المعمدان:
"وكان كلّ من يسمع بهذه الأمور يحفظها في قلبه قائلاً: ما عسى أن يكون هذا الطفل"
(66:1)؟ إن هذه النصوص الثلاثة تشكّل في إنجيل الطفولة ما سمّاه الأب ليونيه: ردّة
التذكّر.
وهناك ملاحظة أولى: لا تُربط آ 52 ب رباطًا وثيقًا مع كلمة يسوع (في آ 49) التي لم
يفهمها والدا يسوع (كما قالت آ 50). فإن آ 51 اختتمت حدث الوجود في الهيكل متحدّثة
عن العودة إلى الناصرة، بحيث إن آ51 ب تنتمي بالأحرى إلى الخاتمة العامّة لإِنجيل
الطفولة. "فالأشياء" التي حفظتها مريم في قلبها هي مُجْمل الأحداث التَي تلَت
الردّة في 19:2، ما حدَث وما قيل حين تقدمة يسوع في الهيكل، وحين وجدوه بعد أن
أضاعه والداه ثلاثة أيام. إنّ هذين الحدثين متكاملان في نظرة لوقا: لم يظهر يوحنّا
لإسرائيل إلاَّ في البريّة (80:1). أمّا يسوع فظهر في الهيكل وذلك منذ طفولتَه.
ولكن هذه الملاحظة لا تخفي ما يربط آ 51 ب بما يسبقها مباشرة، وبالأخصّ التعليق في
آ 50 حول عدم فهم والدَي يسوع. أ تفهم مريم كلمة يسوع، ولكنّها أدركت أنها أمام
سرّ، وجعلت من هذا السرّ موضوع تأمّلاتها.
والملاحظة الثانية: نحن هنا أمام تعبير تقليديّ له معناه. إن تك 37: 11 يقول إن
إخوة يوسف حين رأوه يَروي أحلامه التي تنبئ بالمستقبل، اغتاظوا منه. أمّا يعقوب
"والده، فكان يحفظ هذا الكلام". ويقول الترجوم الفلسطينيّ: "كان والده يحفظ هذا
الكلام في قلبه". ونقرأ في سفر دانيال أنّ نبوكد نصّر حلَمَ حُلمًا، ففسّره له
دانيال: "وحين سمع نبوكد نصّر تفسير الرؤية التي رآها، حفظ هذه الأقوال في قلبه"
(دا 28:4 حسب البسعينيّة). وحصل دانيال نفسُه على رؤية أعلمته بالأحداث الآتية،
فاختتم خبره على الشكل التالي: "أنا دانيال، اضطربتُ جدًّا في أفكاري وتغيّر لونُ
وجهي وحفظتُ هذا الكلام في قلبي" (7: 28). وأوردَت "وصية لاوي" (كتاب منحول يعود
إلى القرن الثاني ق. م.) رؤية اعلمت أبّ الآباء بالمهمّة المحفوظة لنسله. واختتم
لاوي كلامه: "فحفظتُ هذه الأمور في قلبي".
ليس من الضروريّ أنّ نورد أيضًا إستشهادات أخرى، فما أوردناه يكفينا لنفهم أن
العبارة المستعملة "لردّة التذكّر" في 19:2 و51 تفترض ما أوضح في 1: 66: "جعل
الناسُ كلّ هذه الأشياء في قلبهم قائلين: ما عسى أن يكون هذا الطفل"؟ فالعبارة "حفظ
في قلبه" يميّز موقفًا موجَّها نحو المستقبل. فالوحي الذي تمّ يوجّه انتباه الذيِ
تقبله إلى مستقبل فيه يكشف كمالُ الوحي بُعدَه الحقيقيّ الذي لا يزال غامضًا. وقد
أدرك أوريجانس إدراكًا كبيرًا معنى ملاحظة لوقا حين صوّر موقف مريم على الشكل
التالي: "كانت تعرف أنه سيأتي يومٌ يُصبح الخفيّ ظاهرًا فيه".
ثالثًا: لا يكفي أن نحدّد معنى العبارات التي استعملها لوقا. إنما يجب أن نعي ما
يوافق لوقا الذي لا يعطينا فقط معلومات عن استعدادات مريم. إن لوقا يفكّر بقرّائه.
وما يقوله عن موقف مريم يلقي ضوءًا على الموقف الذي يدعوهم إليه. هو يعرف خيرَ
معرفة أن مدلول الأحداث والأقوال التي أوردها لا يمكن أن تُدرَك إدراكًا وافيًا.
إذن، هو ينبّه قرّاءه بطريقة خفيّة أن كل هذا سيصبح واضحًا في ما يلي من أخبار، حين
تصل إنباءات المستقبل الأولى إلى كمالها. نحن لم نزَل في بدايات الوحي، فلا نَدْهَش
إن لم نفهمّ كلّ شيء: فالنور سيأتي فيما بعد.
يرى الإِِنجيليّ أنّ التعاليق حول تأمّلات أمّ يسوع تسِّبق على الخبر الإِِنجيليّ
الآتي. ولكنَ أين نجد في الإِِنجيل النور الذي يضيء على هذه الصفحات الأولى؟ حين
يُبرِز لوقا تعليمَ يسوع في الهيكل (19: 47؛ 20: 1؛ 21: 37- 38)، ستظهرُ الحكمة
والذكاء اللذان تحلّى بهما الولد يوم كان "جالسًا بين العلماء". غير أن الأمور
الجوهريّة ليست هنا. فهي في المُلْحَق الذي يقدّمه 2: 49 لوحي البنوة الالهيّة في
يسوع في 1: 32، 35: لقد وعى يسوع واجباته تجاه أبيه. هنا لم يفهمه والداه، كما لن
يفهمه رسله حين ينبئهم بسرّ آلامه. وهذا السرّ لن يُكشَف كشفًا كاملاً إلا يومَ
القيامة وفي الشرح الذي قدّمه لوقا في ف 24. ونقدر أن نفكّر أن ف 24 هذا، سيقدّم
لنا الضوء الذي بفضله يتّخذ وحي ف 1- 2 (وبالأخص خاتمة ف 2) كلّ مدلوله فنفهمه
فهمًا تامًّا.
إنّ نقاط الإِتصال بين حدث وجود الربّ في الهيكل وف 24 هي عديدة وقد أشار إليها
الشرّاح مرارًا. فموقف الوالدين اللذين لا "يجدان الولد" "فيبحثان" عنه لدى الأقارب
والمعارف يُشبه إلى حدّ بعيد موقف النساء عند القبر. وعتاب يسوع في 49:2 (لماذا
بحثتما عني؟) قريب من عتاب يسوع للنسوة: "لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات" (24: 5)؟
وألم الوالدين يشبه ألم التلميذين اللذين كانا حزينين (24: 17). والضرورة التي
يعبّر عنها فعل "داي" (يجب) في 49:2، نجدها أيضَا ثلاث مرّات في ف 24 (آ 7، 26،
44). وذكر اليوم الثالث (46:2) لم يكن من قبيل الصُدَف (7:24، 21، 46). وبما أنّ
ضرورة الإِقامة لدى أبيه (2: 49) لم تُجبر يسوع على البقاء في أورشليم، فنحن
نتساءل: أما يكشف كمال الفصح أننا في الواقع أمام مجد الله الذي سيبلغ اليه يسوع
بواسطة آلامه (24: 26)؟
خاتمة
إن حدث وجود الربّ في الهيكل، شأنُه شأنُ كلّ الفصلين الأولّين في لوقا، ليس مناسبة
لإِثارة العاطفة. لا شكّ في أن هناك ملاحظات سيكولوجيّة أشرنا إليها. ولكن يجب أن
لا تسترعي إهتمامنا إلى درجة تنسينا الهدف الكرستولوجيّ الذي يلهم هذا السرّ.
المهمّ هو أن نكتشف شخص يسوع المسيح.
أوّلاً: إن الحكمة التي برهن عنها يسوع في هذه المناسبة هي تسبيق على دور المعلّم
الذي سيلعبه فيما بعد. إنه المعلّم لأنه فهم إرادة الله فهمًا كاملاً.
ثانيًا: لا يكتفي يسوع بأن يعلّم الأخرين إرادة الله، بل هو يجعل منها قاعدة سلوكه.
إنه يجعل واجباته تجاه أبيه في المكانة الأولى وكأنه ينسى واجباته تجاه والديه على
الأرض. كان خاضعًا لهما، ولكنه عرف أنه كابن لله، عليه أن يخضع قبل كل شيء لأبيه
السماويّ.
ثالثًا: وتبقى بنوّته الإِلهيّة سرًّا لن يُكشَف كشفًا كاملاً إلاّ يوم الفصح.
فحدَث وجود الربّ في الهيكَل لن يتّخذ بُعدَه الكامل ومعناه التامّ إلا في علاقته
بحدث الفصح. هذا ما أراد لوقا أن يبيّنه لقرّائه حين صوَّر لهم موقف مريم: توجّهت
بكلّ قلبها إلى الوقت الذي فيه "يصبح الخفيّ ظاهرًا" في المسيح، كما يقول أوريجانس.
الفصل السابع عشر
مجيء الرب
3: 1 – 9
إن وجه يوحنا المعمدان يشرق على زمن المجيء كلّه، لأنه آخر أنبياء العهد القديم.
إنه ذلك الذي تفرّد بين الأنبياء فدلّ على الذي أنبأ به، دلّ على مخلّص العالم
بيسوع المسيح ربّنا.
أمّا المقطوعة التي ندرس فتورد دعوته النبويّة وتحدّد موقعها في إطار التاريخ
العاديّ والمقدّس. ولكننا نستشفّ ونحن نتعرّف إلى الطابع الاحتفاليّ لهذه البداية
أنّ هذا النصّ يتجاوز يوحنّا المعمدان. فمن خلال السابق يعلن لوقا يسوع ويجعله في
قلب تاريخ البشر.
1- يوحنا المعمدان في زمانه (آ 1- 2)
تحدّثنا الآيتان الأُولَيان عن نداء يوحنا النبويّ في ألفاظ تذكّرنا بمقدّمات
المؤرّخين في اليونان، أمثالَ توسيديدس وبوليبس، وببداية كتاب إرميا: "كلام الرب
إلى إرميا... في أيّام يوشيّا بن آمون، ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ملكه"
(ار 1: 1- 2 حسب اليونانية). هذا يدلّنا على نيّة لوقا أن يكون مؤرّخًا، وعلى
المعنى الدينيّ الذي يرى في الحدَث الذي يورده.
إنه يُكثر المراجع التي تربط هذا الحدَث بتاريخ زمانه: سمّى الإِمبراطورَ الروماني،
ثم وَاليَه ورؤساءَ المقاطعات (تترارخس) الثلاثة، ورئيسَي الكَهنة، أبرزَ الطابع
الاحتفاليّ والفريد للحدَث.
أولاً: في السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيباريوس... (آ 1).
أوّل شخص يُذكر هو الإِمبراطور الرومانيّ وسيّدُ العالم في ذاك الزمان. لقد خلَف
طيباريوس اوغسطس في 19 آب سنة 14 ب. م. أي سنة 767 لتقويم رومة.
وسنتُه الخامسةَ عشْرةَ تمتدّ إذن من 19 آب 28 حتى 18 آب سنة 29. ولكن معظم
الشُرّاح الحاليّين يقولون إن لوقا يعد سنوات حكم الإِِمبراطور على طريقة السوريّين
الذين يبدأون السنة في الأوّل من تشرين الأول. إذن، يجعلون السنة الأولى لطيباريوس
تمتدّ من 19 آب حتى 30 أيلول سنة 14 والسنة الخامسة عشرة من 1 تشرين الأوّل سنة 27
حتى 30 أيلول سنة 28. هذه الكرونولوجيا تتوافق مع كرونولوجيا يو 2: 20 الذي يجعل
أوّل فصح احتفل به يسوع خلال حياته العلنيّة يقع في ربيع سنة 28.
وإذ سمّى لوقا هنا سيّد العالم الوثنيّ، كما ذكر اوغسطس قيصر بمناسبة ولادة يسوع
(2: 1)، جعل مملكة الأرض تواجه ملكوت الله الذي جاء في يسوع.
ثانيًا:... حين كان بنطيوس بيلاطس (بيلاطس البنطي) حاكمًا في اليهوديّة... (آ 1).
كان والي رومة في اليهوديّة من سنة 26 إلى سنة 36. عرف هذا الشخص بمدوّنة اكتشفت
سنة 1961 في تنقيبات قيصريّة (على شاطئ البحر)، وبما أورده كتّاب يهود من أحداث جرت
خلال إدارته فقالوا فيه إنه لا يلين ولا يرحم، وبما قالته الأناجيل التي ربطت اسمه
بمحاكمة يسوع (وهذا ما يقول المؤرّخ تاقيتس في حولياته 3: 15- 44). ولهذا نعلن إلى
اليوم في قانون الايمان: "وصلب على عهد بيلاطس البنطيّ".
كان واليًا على منطقة أورشليم (أي اليهوديّة بحصر المعنى) والسامرة الشماليّة
وأدوميا الجنوبيّة.
ثالثًا:... هيرودس تترارخس على الجليل... (آ 1).
إنه ابن هيرودس الكبير واسمه أنتيباس. نال تترارخيّة (مقاطعة هي ربع مملكة) الجليل
وبيريه عند موت أبيه، سنة 4 ق. م. واتّخذ اسم هيرودس ساعة عُزل أخوه أرخيلاوس سنة 6
ب. م. (تسمّيه النقود وبعض المدوّنات: هيرودس التترارخس لتميّزه عن أبيه: الملك
هيرودس).
يرِدُ اسمه مرارًا في أعمال فلافيوس يوسيفوس التاريخيّة، كما يُذكَر في الأناجيل في
مناسبات عدّة: هو قاتل يوحنا المعمدان (مت 3:14- 12؛ مر 17:6- 29؛ رج لو 19:3- 20).
وهو خصم يسوع الذي يخضع لولايته بسبب إقامته في الناصرة (مر 6: 14- 16 وز؛ لو 13:
31- 32؛ 6:23- 12).
سيُنفى في النهاية إلى غاليا (فرنسا الحالية) على يد كاليغولا الإِمبراطور، سنة 39،
بعد أن وشى به ابن أخيه هيرودس أغريبّا الأول.
رابعًا:... وأخوه فيلبّس تترارخس على إيطورية وتراخونيتس... (آ 1).
كان فيلبّس أيضًا ابن هيرودس الكبير، وكان أحكم أبناء ذاك الملك الرهيب. دام ملكه
من سنة 4 ق. م. حتى موته سنة 34. تضمّنت حدوده حسب فلافيوس يوسيفوس: الجولان،
باطانيا، تراخونيتس، حوران وإقليم بانياس: هذا يعني المنطقة الواقعة شمالي شرقيّ
بحيرة طبريّة.
لا يذكر لوقا كل هذه الأقاليم كما لا يذكر بالنسبة إلى بيلاطس أراضي يهوديّة مثل
السامرة وأدوميا، ولا بالنسبة إلى هيرودس بيريه التي لا شأن لا. يذكر تراخونيتس (أي
النجاد) الواقعة بين جبل الدروز ودمشق والتي تشكل الحدود الشرقيّة لتترارخيّته.
ويذكر أيضًا إيطورية التي لا يمكن ان تكون إيطورية بحصر المعنى والتي تقع بين خلقيس
(عنجر في البقاع) وبيروت ودمشق، والتي لم يحكمها هو ولا أبوه. أمّا أرض العرب
الإِِيطوريّين التي يملكها، فهي إقليم بانياس حيث بنى عاصمته قيصريّة فيلبّس (مت
16: 13؛ مر 27:8).
لم يذكر لوقا منطقة الجولان الواقعة على شاطئ بحيرة طبريّة ولا باطانيا الواقعة إلى
الشرق منها. فقد أراد أن يتوقّف خصوصًا عند أراضٍ غير يهوديّة في هذه التترارخيّة
ليدلّ على أننا هنا في عالم وثنيّ.
خامسًا:... وليسانيوس تترارخس على أبيلينة... (آ 1).
ما كنا نعرف حتى بداية القرن العشرين إلا ليسانيوس واحدًا، ملكَ الإِيطوريّين في
خلقيس، وقد حكم عليه أنطونيوس بالموت حوالي سنة 34 ق. م. عقابًا له على تحالفه مع
الفراتيّين. ولكن سنة 1912 نشرت مدوّنة وجدت في أبيلة (آبل السوق وادي بردى) في
الشمال من دمشق قديمًا، وهي تذكر ليسانيوس الذي كان تترارخس على أيّام طيباريوس.
وهكذا تأكّدت معطية لوقا وتحدّد موطن ذاك الأمير.
ولكن لماذا ذكر لوقا هذا الأمير المغمور مع أن أرضه غريبة عن فلسطين؛ هناك أسباب
عديدة: أوّلها أدبيّ: إن لوقا يحب البُنيات التناظريّة، ولقب تترارخس دفعه إلى أن
يقدّم هنا أربع مناطق متقاربة: ولاية لبيلاطس، وتترارخيّات هيرودس وفيليبس
وليسانيوس.
وهناك أيضًا سبب تاريخيّ: ففي زمن كتابة إنجيل لوقا كانت تترارخيّة ليسانيوس تخصّ
أميرًا يهوديًّا هو هيرودس أغريبّا الثاني الذي كان ملكًا منذ سنة 53 حتى نهاية
القرن الأوّل، على خطى أبيه هيرودس أغريبّا الأوّل الذي امتلك تلك المنطقة من سنة
37 إلى سنة 44.
ولكن يبدو أن لوقا خضع خصوصًا لسبب لاهوتيّ: إن يهوديّة بيلاطس وجليل هيرودس هما
أرض شعب الله، وتترارخيّة فيليبّس (كما يحدّدها) وتترارخيّة ليسانيوس هما أرضٌ
وثنيّة. فحين أورد لوقا أسماء هذه المناطق الأربع، فقد أشار إلى أن إعلان الخلاص
يعني اليهود والوثنيّين معًا. ونلاحظ النيّة عينها في التناظر بين بداية هذه
اللائحة ونهايتها، بين الإِمبراطور الوثنيّ، وبين رئيس كهنة شعب الله.
سادسًا: يوم كان حنّان وقيافا رئيس للكهنة... (آ 2).
تدهشنا هذه العبارة مرتين: مرّةً أولى بصيغة المفرد للقب رئيس الكهنة المنسوب إلى
شخصين؛ ومرّةً ثانية بذكر شخصين يحملان وظيفة لم يمارسها إلاّ شخص واحد.
افترض عدد من الشُرّاح أن لوقا لم يورد إلا اسم حنّان (كما في أع 6:4) وأنّ قيافا
زِيد فيما بعد.
هذه الزيادة ليست مستحيلة. ولكن بما أن اسمي حنّان وقيافا موجودان في كل مخطوطات
الإِِنجيل، فمن المعقول أنهما انتميا إلى النصّ الأوّلانيّ. فقبل أن نشهّر بخطإ
تاريخيّ، نتفحّص هل كان لوقا يريد أن يعبّر عن وضع حقيقيّ بواسطة هذا البناء
الغريب.
كان حنّان رئيس الكهنة سنة 6 ب. م. وقد عيّنه كيرينيوس. وبعد 9 سنوات عزله فالاريوس
غراتوس، أي في سنة 15. ولكن بما أنّ الوُلاة الرومان جعلوا أبناءه وصهره قيافا
خلفًا له، فقد دلّوا على أنه احتفظ بسلطة استثنائيّة لدى الكهنة والشعب. ويبدو أنه
كان القائد الحقيقيّ للجماعة اليهوديّة في أيّام رؤساء الكهنة الذين خلفوه. وإنّ
كتّاب العهد الجديد ينسبون إليه دورًا مهمُّا في محاكمة يسوع (يو 18: 13- 24) وفي
الاضطهادات الأولى التي عصفت بكنيسة أورشليم (أع 4: 6 وربما 5: 17). ويوم بدأ يوحنا
المعمدان رسالته، كان حنّان يستحقّ حقًّا لقب رئيس الكهنة.
وقيافا كان رئيس كهنة من سنة 18 إلى سنة 36. وقد أشار مت 3:26، 57 (رج آ 63- 65)
ويو 11: 49؛ 24:18-28 إلى دوره في محاكمة يسوع. وهو يتصرّف في هذه المحاكمة كما في
سائر نشاطه بتوافق تام مع حميّه ويتأثر بإرشاداته. لهذا السبب قدّم لوقا عبارة غير
عاديّة: على أيّام رئيس الكهنة (وكأنّه واحد) حنان وقيافا.
سابعًا:... كانت كلمة الله إلى (حرفيًا: على) يوحنا بن زكريّا في البريّة (آ 2).
أسلوب عتيق جدًّا يستلهم فيه لوقا كعادته العهد القديم، وبصورة خاصّة دعوة إرميا
(ار 1: 1 حسب النصّ اليونانيّ). وهكذا يبينّ في قيام يوحنا المعمدان ظهورَ نبيّ هو
الأوّل بعد صمتٍ دام خمسةَ قرون. قال مز 9:74: "علامات حضورك لا نراها ولم يبقَ
نبيّ، وليس عندنا من يعلم إلى متى تدوم هذه الحالة" (رج 1 مك 46:4؛ 27:9؛ 14: 41).
تتمّ هذه الدعوة في البريّة حيث قضى يوحنا المعمدان شبابه منتظرًا أن يظهر لبني
إسرائيل (1: 80). وهناك إشارات عديدة تدلّ على أنه اتّصل بجماعة قمران الكهنوتيّة:
إنه كاهن وابن كاهن، وهو يعيش في البريّة وسيكرز بمعموديّة التوبة. ويحدّد
الإِنجيليّون الأربعة رسالته انطلاقًا من اش 3:40 الذي به تعبّر عن مثالها. ولكن
مهما يكن من علاقات المعمدان مع هذه الشيعة اليهوديّة، فنداء الربّ منحه منذ الآن
مهمّة شخصيّة سيمارسها دون الرجوع إلى أحد.
2- رسالة يوحنّا المعمدان (آ 3- 6)
وتجاوب يوحنّا المعمدان مع نداء الله، فقام بعمله كنبيّ. قدّم لوقا هنا العناصر
عينها التي قدّمها متى (3: 1- 6) ومرقس (3:1- 5) ولكنه رتّبها بطريقته، فتحدّث على
التوالي عن المكان الذي أقام فيه السابق، عن أسلوبه، عن مفهوم كرازته.
أولاً: جاء إلى منطقة الأردن كلّها... (آ 3).
حسب متى (3: 1- 6) ومرقس (1: 4- 5) اللذين اهتمّا باتّباع نص اش 3:40، كرز المعمدان
في البريّة وعمّد في الأردنّ الذي يلامس البريّة. وأقبلت إليه الجموع من أورشليم
وكلّ اليهوديّة (مر 1: 5، وزاد مت 3: 5: "ومن كل منطقة الأردنّ").
وحسب لوقا، ترك يوحنا البريّة ليكرز في منطقة الأردنّ التي تتميّز عن البريّة في
نظره، وتشكّل مقاطعة خاصّة (إن لوقا لا يرينا يسوع يمارس رسالته عند شاطئ الأردنّ
وهو بهذا يختلف عن مت 19: 1 ومر 1:10).
ثانيًا:... يكرز بمعمودية توبة لمغفرة الخطايا (آ 3).
إن موضوع مهمّة النبيّ الجديد هو الكرازة بمعموديّة توبة (رج أع 24:13؛ 4:19).
وكلامه هو امتداد لوعظ الأنبياء في العهد القديم: كلّهم دعَوا الشعب ليعود إلى ربّه
ويقطع كل علاقة له بالخطيئة.
أمّا أوّل جديد يقدّمه يوحنا المعمدان فهو أنه يختم هذه التوبة بالمعموديّة. أخذ
هذا الطقس عن التوضّؤات التقليديّة في العالم اليهوديّ وعن ممارسات جماعة قمران.
ولكنه زاد جديدًا ثانيًا: هو لا يعطي هذه المعموديّة إلاَّ مرّةً واحدة لأن
الدينونة قريبة (3: 7- 9، 17). لا مكان إلاّ لتوبة واحدة تنال الخلاص عندما يغفر
الربّ الخطايا كما وعد بفم إرميا (31: 34) وحزقيال (36: 25).
إن عماد يوحنا ليس العماد المسيحيّ الذي "يغفر" الخطايا (أع 38:2؛ 16:22). وهذا ما
يشير إليه لوقا باعتناء: لا يعمّد يوحنّا إلاّ في الماء. أمّا "الأقوى" الذي يأتي
فيعمّد "في الروح القدس والنار" (3: 16). إن الدور الخاصّ بيوحنّا هو أن "يمنح
معرفة الخلاص (الذي سيتم) بغفران الخطايا" (77:1). وهذا الغفران سيكون عمل يسوع في
سرّه الفصحيّ (47:24؛ أع 3: 19؛ 5: 31؛ 10: 43؛ 23: 28؛ 26: 18).
ثالثًا:... كما كتب في كتاب أقوال النبيّ أشعيا... (آ 4).
حدّد لوقا، شأنه شأنُ سائر الإِنجيليّين (مت 3:3؛ مر 1 :3؛ يو 1 :23)، مدلولَ رسالة
يوحنا المعمدان منطلقًا من نبوءة أش 40. ولكنه جعل هذا القول النبويّ في نهاية
حديثه عن المعمدان ليقود القارئ بصورة أفضل من الحدَث التاريخيّ إلى تفسيره في إطار
تاريخ الخلاص. ويطيل استشهاد النبيّ ليبرز معطيات تبدو له رئيسيّة.
رابعًا: صوت صارخ في البريّة: هيّئوا طريق الربّ واجعلوا سبله مستقيمة (آ 4).
إستعاد لوقا مع متى ومرقس ويوحنا قول اش 3:40. يعودون إلى النصّ اليونانيّ الذي
يُلغي التوازن: في الفيافي. وترتبط البريّة بالصارخ؛ وهكذا يتحدّد وضع يوحنا على
ضوء كلام أشعيا. أمّا في النصّ العبريّ فعبارة "في البريّة" كما "في الفيافي" هما
جزء لا يتجزّأ من مهمّة يوحنا. هذا النصّ نقرأه في قمران كنداء إلى العيش في
البريّة.
الصورة هي صورة ملك يجب ان نهيّئ له الطريق. إنطلق منها النبيّ ليعلن مجيء الربّ
ليعيد شعبه من بابل في خروج جديد عَبْرَ البريّة (أَش 41: 17- 20؛ 16:43- 21؛ 48:
20- 21؛ 51: 10- 11). واستخلص للشعب من هذا الوضع نداءً للاستعداد للخلاص القريب.
كان هذا القول النبويِّ عزيزًا على قلب جماعة قمران التي رأت فيه أساس صوفيّتها
وحياتها في البريّة.
أمّا التقليد الإِِنجيليّ فطبَّق هذا القول على يوحنا المعمدان الذي هو كالصارخ في
البريّة. واهتمّ بصورة خاصّة بمجيء الربّ وبالاستعداد الذي يفرضه على المؤمنين.
خامسًا: كل وادٍ يمتلئ وكلّ جبل وتلّ ينخفض والطرق المعوّجة تستقيم والوعرة تصير
سهلاً (آ 5).
وينفرد لوقا عن سائر الانجيليّين فيكمّل نص أشعيا ليوصله إلى الخاتمة التي تهمّه.
أمّا الآن، فصور هذه الآية تدلّ على تهيئة طريق الربّ. كان أشعيا قد اتّخذ الكلمات
بالمعنى المجازيّ ليطبّقها على خفض كل ارتفاع على مستوى "الجسد" (اش 2: 14؛ مز 68:
16- 17). وبما أنّ لوقا يهتمّ برفع الوضعاء وخفض المتكبّرين (52:1؛ 14: 11؛ 14:18)
وجد في أشعيا ما يقوده إلى التفسير عينِه: "من يَرفَعْ نفسه ينخفض، ومن يخفِضْ نفسه
يُرفَع".
سادسًا: فيرى كلّ بشر خلاص الله.
أهمل لوقا الإِِعلان الأوّل في اش 40: 5: "ويتجلّى مجد الرب". في نظره، لا يعود إلى
يوحنا المعمدان أن يعلن المجد الذي سيتجلّى في الفصح وبواسطة يسوع. ويصل حالاً إلى
نهاية القول النبويّ حيث يجد قمّةَ رسالة يوحنا: إعلانَ خلاص الله، وهذه هي مهمّته
الخاصّة كما قال عنه أبوه: "تعلّم شعبه أن الخلاص هو في غفران خطاياهم" (77:1).
لقد أعلن سمعان الشيخ خلاص الله هذا حين رأى يسوع الطفل (2: 34)، وأعلنت آخر كلمات
بولس في خاتمة سفر الأعمال الشيء عينه: "فليكن معلومًا أنّ الله أرسل خلاصه إلى
الأمم الوثنيّة، وسيستمعون إليه" (يقبلونه) (أع 28: 28).
هذا موضوع عزيز على قلب لوقا، وقد انفرد عن الإِزائيّين فأعطى لقب المخلّص لله
(47:1) ويسوع (2: 11)، وتحدّث عن الخلاص في يسوع (69:1، 71، 77؛ 19: 9: "إبن
الإِنسان جاء يبحث عن الهالكين ويخلّصهم"). إنه يشدّد على هذا الموضوع الذي يفهمه
قرّاؤه اليونانيّون.
في العبارة البيبليّة "كل بشر" يرى لوقا إعلانًا كتومًا للخلاص الذي يقدَّم لجميع
الناس. هذه العبارة الخفيّة تتجاوب مع رغبته في الإِشارة إلى المراحل التي يقطعها
الوحيُ ليدلّنا على شموليّة خلاص يحمله يسوع. ولكن ليس يوحنا هو الذي يعلن بوضوح
خلاص الوثنيّين، بل يسوع.
3- يسوع هو موضوع الإِعلان.
أ- ما كان هدف لوقا حين أورد المقطع الذي درسناه؟ للوَهلة الأولى، هو يرفع نظره
إِلى قيام يوحنا المعمدان بمهمّته النبوّية. ولكن الإِشارات عديدة، وهي تدل أنّ ما
يهمّه من خلال هذا الحدث هو مجيء يسوع.
أولاً: من المدهش أن يكرّس لوقا كلّ هذه المراجع عن التاريخ المعاصر ليؤرّخ بداية
رسالة يوحنا المعمدان، حين لا يقول كلمة عن بداية رسالة يسوع (3: 21) التي هي
بالنسبة إليه الحدَث الرئيسيّ. هذا الوضع لن يعود يحيّرنا حين نلاحظ أنّ لوقا، منذ
بداية إنجيله، تحدّث عن يسوع ويوحنا المعمدان في لوحة واحدة.
كما أن المُعطى الكرونولوجيّ في 1: 5 (في أيّام الملك هيرودس) يتعلّق ببشارة يوحنا
المعمدان وببشارة يسوع (1: 5- 25، 26- 38) فالتزامنيّة التاريخيّة في 3: 1- 2
تتعلّق ببداية رسالة يسوع ورسالة يوحنا. فلو أراد لوقا أن يؤرِّخ فقط بداية مهمة
يوحنا المعمدان، لما كان أعطى كلامه كلّ هذا الطابع الاحتفاليّ.
ثانيًا: إن ذكر الإِمبراطور الرومانيّ وواليه بيلاطس وسائر حكّام التترارخيّات،
يوجّه أنظارنا لا إلى قيام يوحنا كنبيّ، بل إلى مجيء يسوع الملك. هذا ما لاحظناه
فيما مضى: جعل لوقا في إنجيله وجنبًا إلى جنب مملكة يسوع ومملكة الحكّام في أيّامه.
إذن، هو يفكّر هنا بيسوع لا بيوحنا المعمدان.
ثالثًا: يورد لوقا نبوءة أش 3:40، شأنُه شأنُ سائر الإِنجيليّين، ليفهمنا معنى
رسالة المعمدان. ولكنه، إذا كان يطيل هذا الاستشهاد حتى يصل به إلى إعلان خلاص
الله، فهو يبينّ أنه يفكّر أولاً بحدث يسوع.
إذن، نستطيع أن نستنتج أنّ لوقا اختلف عن متى ومرقس، فأعلن مجيء يسوع في قلب قيام
يوحنا برسالته. هذه النظرة لا تدهشنا بعد أن قرأنا ف 1-2 (انجيل الطفولة)، فرأينا
أنّ رسالة يوحنا تقوم كلُّها بأن تعلن يسوع ومجيئه وخلاصه (1: 14، 17- 19، 41- 44،
76- 77).
ب- كيف يرى لوقا حدثي المعمدان ويسوع؟
أوّلاً: حين تحدّث عنهما بالنسبة إلى حكّام وكهنة عصرهما، حدّد موقعهما
كرونولوجيًّا في التاريخ الدنيويّ كما يفعل المؤرّخون اليونانيّون. وهذه
الكرونولوجيا ليست دقيقة لأنها لا تذكر إلا سنة مُلك طيباريوس قيصر، ولأنه مرَّ بعض
الوقت بين بداية عمل يوحنا المعمدان وبداية عمل يسوع العلنيّ. ولكن لوقا يستطيع أن
يعرف أن يسوع لم يتأخّر كثيرًا عن يوحنا المعمدان. لهذا جعل عماد يسوع يقع ظاهرًا
في السنة الخامسة عشرة لطيباريوس، وهذا يتوافق مع معطى يو 2: 20 (يسوع هو في
أورشليم في عيد الفصح سنة 28).
ثائيًا: ما يهمّ لوقا لا العودة بحدث يوحنا وشموع إلى التاريخ الدنيويّ، بل تحديد
موقع هذا المجيء في تاريخ الخلاص. وحين أورد مطوّلاً استشهاد اش 3:40- 5، فقد دخل
على تتمّة نبوءة العهد القديم في هذين الحدثين، ودلّ على بُعدهما الصحيح: مهمّة
يوحنا هي آخر إِعلان الخلاص، ومهمة يسوع هي مجيء الله وخلاص كلّ بشر.
ثالثًا: وبدأت رسالة المعمدان. إنها تشكّل حِقبة نبويّة، حقبةَ الاستعداد، وهو زمن
ارتداد إسرائيل المدعوّ للعودة إلى الله في التوبة والاتّضاع. هذه هي آخر مراحل
العهد القديم.
رابعًا: أمّا رسالة يسوع فقد أُعلنت الآن على أنّها نهاية مهمّة السابق. إنها مجيء
الربّ وخلاص كلّ بشر. ومن خلال نبوءة أشعيا، يكتشف قارئ الإِِنجيل، الذي يعرف وحي
الفصح الكامل، يكتشف أُلوهيّة المسيح والخلاص الذي يحمله إِلى جميع الناس.
ويساعدنا لوقا على إدراك البعد الشامل للحدث فنحدّد موقعه في التاريخ المقدّس لشعب
الله، في اليهوديّة والجليل وفي أيّام رئيس الكهنة، وفي تاريخ العالم الوثنيّ، في
أيّام طيباريوس قيصر، في إيطوريّة وأبيلينة. ولكن الإِعلان يبقى مكتومًا لأنّ لوقا
يتتبّع هنا كما في كل مؤلّفه (لو+ ع) طريقة الوحي البطيئة في تربية المؤمنين.
4- الاستعمال الليتورجيّ للنصّ
لمذا تستعمل اللتورجيّا هذا النصّ الذي لا يرتبط بميلاد يسوع ولا يشير إلى رسالته
إلاَّ عبرَ رسالة المعمدان؟ المهمّ هو تقديم نصّ يعلن مجيء يسوع القريب. وهذا
المجيء لم يتمّ فقط في الميلاد، بل في سلسلة من الأحداث المتعاقبة، من البشارة إلى
التقدمة في الهيكل، من العماد على يد يوحنا المعمدان إلى القيامة.
أخيرًا، كل من هذه الأحداث هو وعد وعربون للحدث الأخير في المجد وفي قدرة الربّ في
مجيئه. والمسيحيّ الذي يقرأ اليوم في الإِِنجيل خبر أحداث يسوع الماضية، يُفرَض
عليه دومًا أن يتطلّع إلى ذلك المجيَء الأخير الذي هو الخلاص بالنسبة إليه.
هذا الإِِنجيل يدعونا إلى الاستعداد لمجيء الله. فهو بندائه إلى التوبة، وبوعد
الخلاص لكل البشر، يلقي الضوء على سرّ ولادة يسوع كما يوجِّه أنظارنا إلى مجيئه في
المجد.
الفصل الثامن عشر
تعليم يوحنا المعمدان
15:3-18
حين قدّم لوقا صورةً عن رسالة يوحنا المعمدان توسّع فيها توسيعًا لم يُجارِه فيه
أحد من الإِنجيليّين إلاّ يوحنا. فقد وصلت إليه مادّة هذا التوسيع من مرقس ومن
"مَعين" الخُطَب الذي استقى منه متى أيضًا، ومن مرجع خاصّ به لا نستطيع أن نحدّد
أصله بدقّة (3: 10- 14). وما يميّز العَرْض اللوقاويّ ليس فقط وفرة الموادّ، بل
طريقة التحدّث عن شخص يوحنا المعمدان ورسالته. لن نبينِّ كلّ هذا بتفصيل هنا، لأنّ
موضوعنا هو مقطوعة 3: 10-18. سننظر إليها في إطار التأليف الإِِنجيليّ قبل أن
نستخلص بُعدها اللاهوتيّ. وسنقابل بين نص لوقا ونصّ متى ومرقس مستعينين "بإزائيّة".
أ- قرائن النصّ
يتضمّن نصّ لوقا المتعلّقِ بتدخّل يوحنا المعمدان آ 1- 2 من ف 3. ويبدو أننا نستطيع
أن نزيد عليها أيضا آ 20- 22. ولكننا في الواقع لا نستطيع أن نحسب عِمادَ يسوع
كتتويج لرسالة يوحنا، بل كبداية لرسالة يسوع المطبوعة بإرسال الروح والصوت السماويّ
(آ 22). وهذا الفصل بين الجزء المتعلّق بالمعمدان والجزء المتعلّق بيسوع يجد ما
يثبته في تعليق 3: 19- 20 الذي يَروي كيف أُلقي يوحنا في السجن. ومع ذلك، سنجد
حالاً خبر عِماد يسوع على يد يوحنا. فالتعليق المُشار إليه ليس تعليقًا
كرونولوجيًّا، وكأن سجن يوحنا سبق عِماد يسوع، بل يتضمّن إشارة عن واقع، هدفه أن
يُفهمنا أنّ زمن يوحنا المعمدان انتهى قبل أن يظهر المسيح ويبدأ عمله. إن يوحنا
ينتمي إلى حِقبة النبوءة التي تجد ما يقابلها في "زمن يسوع" (16:16). وهذا التحديد
يلقي ضوءًا على وجه يوحنا حين نقرأ نص 3: 1-20: فيوحنا هو نبيّ بالمعنى الحصريّ
للكلمة، وليس صورة إسكاتولوجيّة لخلاص ينتمي إلى حقبة التكميل كما. عند متى ومرقس.
إن تأليف 3: 1- 20 يقدّم تسلسلاً منسّقًا من الوُجهة الأدبيّة، ومَنطِقيًّا من جهة
الأفكار. تتألّف القطعة من خمس وحَدات صغيرة يتأمّن تماسكها بمقدّمة أو بوَصْلة
تشير الى الظروف التي قيلت فيها (3: 1- 2، 10، 15، 18).
الملاحظة الأولى من هذا النوع تتضمّن سنكرونيا (نظرة إجمالية) شهيرة (3: 1- 2)
أنشأها لوقا ليشدّد على أهمّية هذه الساعة التاريخيّة. إنها توسع لوقاوي و"بداية"
(ارخي، مر 1: 1). وتصوّر هذه "البداية" بإيجاز دخول المعمدان على المسرح ونشاطه
الذي قام بإعلان "عماد توبة لغفران الخطايا" (3: 2- 3). ووظيفة نصّ أشعيا الوارد
هنا (3: 4- 6) أن يلقي ضوءًا على هذه "البداية" ويحدّد موقعها حسب الكتب المقدّسة.
ويحيط بظهور يوحنا اثنان: ظروفُ التاريخ اليوميّ التي هي مهمّة أيضًا من أجل تاريخ
الخلاص، ثم الصوتُ النبويّ الذي نقرأه في الكتب المقدّسة.
2- تتضمّن القطعة الثانية (7:3- 9) مقدّمة (آ 17) تدلّ على الشخص الذي تتوجّه إليه
الخُطبة. يختلف لوقا عن متى، فيبينّ أن هذه الخُطبة تتوجّه إلى "الجموع". أمّا متى
فقال: "لما أَبصر كثيرين من الفرّيسيّين والصادوقيّين قال لهم" (مت 7:3). إن "جموع"
السامعين يمثّلون موضوعًا خاصًّا بلوقا: "فكل الشعب" الذي ذهب إليه المسيح، قد
توجّه إليه المعمدان أيضًا بكلامه (3: 10، 15). فخطبة الارتداد التي تلي، تتوافق مع
مُجْمَل نصّ مت 7:3 ب- 10. ونحن نستخلص من هذا الواقع النتيجةَ التي تقول إننا أمام
نصّ يعود إلى "مَعين" الخُطَب. فإذا قابلنا الأَناجيل الإِزائية بعضَها ببعض، نجد
أن مرقس تجاهل هذا العنصر من كرازة المعمدان، وجَهِل غيره أيضًا. والسؤال الذي
يُطرح بالنسبة إلىِ كل هذا المقطع (3: 1- 20)، هو أن نعرف بأيّ قَدْر تضمّنت الحطَب
لوحةَ إجمالية عن رسالة يوحنا. لا شكّ في أنه كان لخطبة 7:3- 9 مقدّمة، ولكن هذه
المقدمة لم تكن عامّةً على مثال تلك التي نجدها الآن في لو 7:3= مت 7:3. فقد يكون
سبقها على الأقلّ تصوير قصير لدخول المعمدان على المسرح. ولكننا لا نستطيع أن نكتشف
هذه المقدّمة، لأن نصّ مرقس حلّ محلّها عند متى ولوقا. ونستطيع أن نفهم مضمون هذه
القطعة الثانية فهمًا تامًّا كخطبة موجّهة إلى كلّ الشعب، كوعظة نبويّة تدعو إلى
التوبة. حين أشار لوقا إلى مثل هؤلاء السامعين ("الجموع")، فقد كان أقرب إلى منطق
التاريخ.
3- لا نجد القطعة الثالثة (3: 10- 14) إلاّ عند لوقا. نترك هنا جانبًا سؤالاً أول:
من أين جاء لوقا بهذا النصّ ونطرح سؤالاً ثانيًا: إلى أيّ حدّ يتيح لنا تاريخ
التقليد أن نحكم على أقدميّته؟ يكفينا فقط أن نتتبّع تسلسل الأفكار. يبدو أن هذا
النصّ هو تكملة مباشرة لسابقه. فالنداء العامّ إلى التوبة يتحقّق في الممارسة. فمن
تخلّى بفكره عن الطريق التي تبعها حتى الآن ليلتزم "بطريق الربّ"، فرضَ على نفسه أن
يقوم بأعمال توبة في حياته اليوميّة، وفي وسط وجوده الملموس. هكذا يُزاد على كرازة
التوبة في معناها الأساسيّ الواسع، تعليمٌ أخلاقيٌّ عن التوبة في معناه العمليّ
والمحسوس. ويبدأ هذا النصّ هو أيضًا بملاحظة إخبارية تصِلُه بما سبق: "وكان الجموع
يسألونه قائلين: ماذا نصنع إذن" (3: 10)؟ طرح التلاميذ ثلاثة أسئلة عمليّة فأجاب
عنها المعمدان.
وهكذا أقحم لوقا خُطبة 7:3- 14 في وَحْدة تمثّل بُنيَة كِرازيّة (خطبة عن التوبة،
تحريض على التوبة) وتحتفظ في الوقت عينه بالأسلوب النبويّ المعروف في العهد القديم.
4- وتَنْعَم القطعة الرابعة بأطول مقدّمة (3: 15- 16 أ). هذا يدلّ على أهميّة
الموضوع الذي يتطرّق اليه لوقا: رسالة يوحنا الذي هو أيضًا "نبيّ المسيح". فإعلان
المسيح هو نصُّ الكرازة الوحيد الذي أورده مرقس (7:1- 8). وهذا النصّ يرتبط
ارتباطًا حقيقيًّا ومنطقيّا بالآية السابقة وبالبداية (أرخي). فبداية انجيل يسوع
المسيح في مرقس (1: 1) هي في تعليم المعمدان المسيحانيّ. بل هناك بعض انشداد بين مر
1: 4 (حيث يكرز عن "معمودية توبة لغفران الخطايا") وبين هذه الخطبة عن "الأقوى الذي
يأتي بعدَه".
أمّا عند لوقا فنلاحظ تدرّجًا واضحًا: نجد أوّلاً خُطبة التوبة، ثم خطبةً عن
المسيح. دلّت المقدّمة (15:3) أن هذا الموضوع قد طرحه "الشعب"، فأجاب عنه يوحنا كما
أجاب في السابق. اعتُبر يوحنا كالأنبياء شخصًا يستطيع الناس أن يسألوه، فيكون جوابه
تعليمًا من عند الربّ (رج مثلا حز 8: 1؛ 14: 1؛ 21:20 ،31).
ودوَّن لوقا آ 18 لينهي هذا المقطع. نجد فعل "انجل" أو بشّر. يُحبّ لوقا أن يستعمل
هذا الفعل، ولا يحصره في معناه الضيّق، أي التعليم المسيحيّ عن الخلاص، بل كما
استعمله هنا: إن إعلان المسيح هو بُشرى وخبرٌ طيّب. وهكذا لم يعد يوحنا عند لوقا
نبيًّا كسائر الأنبياء، بل تعدّاهم.
5- تحدّثنا عن القطعة الخامسة المكوّنة من آ 19-20. عدل لوقا عن تقديم خبر مفصَّلٍ
لمقتل المعمدان (مر 17:6- 29)، فاكتفى بالإِشارة إلى سجنه في هذا الموضع. وبعد هذا،
سيرسلُ يوحنا من سجنه "اثنين من تلاميذه" إلى يسوع (7: 18 ي). سيكون صمت لوقا
كاملاً فيما يخصّ نهاية يوحنا المعمدان: أمام "ملء الأزمنة" الذي تدشّن الآن مع
يسوع، تبدو أهميّة هذا الحدَث ضئيلةً. اختلف متى عن لوقا في عرضه للأمور: بعد أن
ميّز على المستوى اللاهوتيّ بين المعمدان وشيوع، جعل الاثنين يقابلان إسرائيل
الكاذب الذي قَسَّى قلبه فرفض الخلاص.
ب- مسائل أدبيّة تطرحها 3: 15- 18
1- ماذا نقول في المقدّمة (15:3- 116)؟ لا مقدمةَ عند متى. ومقدمة مرقس قصيرة جدًّا
("وكان يعلن قائلاً"، مر 1: 7 أ). حين ندرس المسألة الإِزائيّة ونتوقّف عند
الوصَلات والمقدمة والخاتمة، نجد أن هذا ما يميّز الإِِنجيل الثالث تمييزًا خاصًّا.
والأمثلة عديدة على ذلك. رج 6: 12؛ 11: 1؛ ق 18:7، 24؛ 12: 1؛ 7:14، 15؛ 15: 1ي؛
17: 5؛ 1:19).
أمّا في النصّ الذي ندرس، فالشُراح الذين يستندون إلى نظريّة المصدرَين يتّفقون على
دور لوقا في هذا التدوين، ولا سيما وإنّ موضوع الخُطبة اللاحقة يجد استباقًا له في
سؤال الشعب ليوحنا: هل أنت المسيح؟ يسبّق عليه النصّ ويحدّده. ففي نصّ الخطبة (16:3
ب- 17) لا يظهر اسمُ المسيح، كما لا يظهر اسمٌ آخر. يسمّيه لوقا "الأقوى". وتشير
المقدّمة حالاً إلى الشخص الذي تشير إليه خطبة يوحنا. إذن، نستطيع القول إنّ آ 15-
16 أ هما من تدوين لوقا.
2- وكيف نحكم على جسم الخطبة (آ 16ب- 17) من الوُجهة الأدبيّة؟ هناك إمكانيّتان: أو
إن متى ولوقا تبعا كلاهما تدوين هذه الخطبة كما في "المَعين"، أو إنّهما دمَجا مرقس
والمَعين وأخذا من المعين القسم الثاني فقط (لو 3: 17). لا شك في أننا نجد المَعين
في عبارة "الروح القدس والنار". فمرقس يتحدّث فقط عن عماد "بالروح القدس" (مر 1:
8). إذا أخذنا بالشرح الأوّل، نلاحظ خصوصًا أن تسلسل الأفكار عند متى ولوقا هو هو:
مت، لو مر
أنا أعمّدكم بالماء يأتي أقوى مني
يأتي أقوى مني أنا عمّدتكم بالماء
هو يعمّدكم في هو يعمّدكم مع
الروح القدس والنار الروح القدس
وإذا قابلنا متى ولوقا، فلن نجد إلاَّ اختلافاتٍ طفيفة. يبدو أنّ متى قد زاد على آ
11: "للتوبة". وهكذا عبَّر بطريقة مختلفة عن فكرة مجيء الأقوى. ونقرأ عند لوقا:
"يأتي من هو أقوى مني، وأنا لا استحقّ أن أحُلَّ سُيور نَعليه". عند متى، تبدو فكرة
"أقوى" كجملة رئيسيّة تتبعها فكرة المجيء: "وأما الذي يأتي بعدي فهو أقوى مني، وأنا
لا أستحقّ أن أحمل حذاءه" (مت 3: 11). قد نظنّ أن متّى بدّل الفكرتين وهو المأخوذ
باهتماماتٍ كرستولوجيّة (سنكتشفها في 3: 14ي). لن نقرأ من جهة: "حلَّ سيور نعليه"
ومن جهة ثانية: "حملَ حذاءَه". فالاختلافات بين لوقا ومتى هي على مستوى الأسلوب
والمفردات، لا على مستوى المعنى.
وإذا أخذنا بالرأي القائل إن مت ولو تبعا بصورة إجمالية نصّ الكرازة الذي قدَّمه
مصدر الخطب، نصل الى استنتاج مهمّ حول تاريخ التقليد. فإعلان المعمدان عن المسيح
الأقوى وعن عماده الجديد يتوافق في الموضوع كل الموافقة مع التقليد المرقسيّ وتقليد
المَعين. وبعبارة أخرى، نجد في المصدرين اللذين كانا مستقلَّين الواحد عن الآخر،
الترتيبَ عينه لكرازة يوحنا. نحن هنا أمام أمر هامّ يساعدنا لنحكم على قِدَم هذا
التقليد وأهميّته. ويمكننا أن نظنّ أننا نضع يدنا هنا على عناصر أصليّة في كرازة
يوحنّا المعمدان. ونستطيع أن نقول أيضا إنه من الممكن تاريخيًّا أن يكون يوحنا قد
تكلّم عن ذلك "الذي يأتي بعده". والبرهان على ذلك تسمية يسوع "الأقوى" وهي تسمية
مميّزة لم تترك أثرًا آخر في التقليد الإِِنجيليّ (رج مر 3: 27 وز).
ج- تفسير النصّ.
1- التوبة (آ 10- 14).
ترتبط المقطوعة 3: 10- 14 بسابقتها (7:3- 9) وتُكمِلها، فتقدّم تحريضًا على التوبة
والارتداد. نكتشف فيها ما تتضمّن "التوبة" دومًا في المعنى البيبليّ للكلمة وهو: إن
أردنا أن تنتقل الفكرة إلى العمل الملموس، فلا بدَّ من أن نبدّل طرق تفكيرنا، أن
نبدّل عواطفنا وإرادتنا. لا شكّ في أن التوبة تبدأ هنا، ولكنَّها لا تصل إلى هدفها
إلاّ بالأعمال. بدأت "الجموع" وسألت: "ماذا نصنع"؟ إعتاد لوقا أن ينظر إلى الجموع
نِظرةَ عطف ومحبّة كما يفعل هنا: فهي تريد الخير والعدالة. فيبقى أن نضعها "على
الخطّ" ونحرّرها من إغواء الرعاة الكذبة والمعلّمين المضلّين. وكان جواب يوحنا
المعمدان نداءً إلى الصلاح وممارسة المحبَّة: "من له ثوبانِ فليعطِ من ليس له" (آ
11). سنجد في خطبة الجبل عبارةً أكثر حزماً: "من أخذ رداءك فلا تمنعه من ثوبك"
(29:6= مت 5: 40).
وتتألَّف المجموعة الثانية من العشّارين الذين يمثّلون في نظر لوقا فئةً أُرسل
إليها يسوع كالصديق والمخلّص والرحيم. سمَّوا يوحنا بكل احترام: "يا معلّم". لا شكّ
في أنّنا لسنا أمام كلمة "رابي" المترجمة الى اليونانيّة، بل أمام مدلول هلّنستيّ
يونانيّ (رج يو 26:3). لا يَطلب المعمدانُ من العشّارين أن يتخلّوا عن مهنتهم، بل
يمنعهم من الإِِثراء غير المشروع. ونشعر أيضاً من خلال هذه النصيحة بُعداً عن وضع
تاريخيّ عاشه معاصرو يسوع. لا يشير النصّ إلى النظرة إلى المستوى الاجتماعي
للعشّارين. هم مدعوّون ليكونوا عادلين في ممارسة وظيفتهم.
وجاء الجنود وطرحوا سؤالاً مماثلاً، فنالوا نصائح عمليّة تعطينا فكرة عن وضع الجنود
وبالأخصّ عن المرتزقِة منهم (قد يكونون جنود هيرودس أنتيباس). يجب عليهم أن لا
يُرهقوا أحداً، أن لا يَظلموا أحداً: لا يسرقون الناس، ويجعلون الناس مطمئنّين في
حياتهم. وعليهم أيضاً أن يكتفوا بمرتّباتهم. قد تكون هذه الكلمات شرحاً لما سبق:
عليهم أن يعيشوا ممّا يُدفع لهم، ولا يسلبون البلاد. وقد يكون هاك تنبيه يحرّضهم
على الاعتدال في متطلّباتهم.
هذا التحريض خاصّ بلوقا، وهو يكشف أسلوبه وأفكاره. كما أنَّه يُبرز أهميّة العمل،
ولا سيّما في المجال الاجتماعيّ وعلى مستوى المحبّة. ليست متطلّباته شديدةً بحيث
تستعبد الإِنسان للشريعة، كما عند جماعة قمران وبعض الربّانيين، ولكنَّها تستلهم
الوضع الحاضر وتتكيّف معه. هو لا يطلب من الناس تكملةً. شكليّة لفرائض أو قواعد
تنبع منها، بل طريقةَ عملٍ ملموسةٍ تتنوّع بالنسبة إلى كلّ إنسان. وهذا ما يدلُ
عليه تنوّع النصائح، إن بدَت معتدلةً ومتساهلةً بالنسبة إلى عظة الجبل، فلأنَّ
المعمدان هو الذي يعطيها لا يسوع، ولأنَّها توضيح للتوبة لا للإِيمان. فالتكيّفُ مع
الظروف، والطابَعُ الملموس لهذا النصّ، سيكونان مثلاً لكلّ كرازة وتحريض على التقوى
والمحبّة حتى في العالم المسيحيّ.
2- عِمادُ من هو أقوى.
منذ الجملة الأولى في خُطبة يوحنا، نجد تعارضاً بين معموديّتين: تُعطى معموديّةُ
يوحنا "مع الماء"، ومعموديّةُ الأقوى "في الروح القدس والنار". وتفرَّد متّى فزاد
تفصيلاً على عماد الماء: "للتوبة" (مت 3: 11). وهكذا ميَّز بوضوح أكثر بين معموديّة
المسيح ومعموديّة يوحنا.
قال التقليد المرقُسيّ: "أنا أعمّدكم مع الماء، أمّا هو فيعمّدكم مع الروح القدس"
(مر 1: 8). وقال متى ولوقا: "في الروح القدس والنار".
حاول بعض الشرّاح أن يبيّنوا أن مفردة واحدة هي أصليّة، وأنّ الثانية زيدت فيما
بعد. وحاولوا بالأخصّ أن يفسّروا وضع "الروح القدس" قرب "النار". إعتبروا أنَّ هذا
أمرٌ غيرُ منتظر، وأنّ المفردة تُفسَّر بالمفردة الأخرى. وإذ شدّدوا على "الروح
القدس" ظنّوا على خُطى عدد من آباء الكنيسة، أنّ النار هي نار الروح القدس، كما
يقول خبر العنصرة في أع 3:2. ولكنّ هذا التفسير يبقى ضعيفاً لأنّنا لا نستطيع أن
نفصل هذا الإِعلان عن المعموديّة، عن تصوير الدينونة التي تتبعه (3: 17). ومع أنّ
أع يتحدّث مراراً عن العلاقة بين العِمادين ويفهم العماد المسيحيّ في الروح على ضوء
العنصرة (أع 1: 5؛ رج 16:11؛ 19: 1- 7)، لا يبقى لنا إلاّ أن ننطلق من فكرة
الدينونة التي تظهر في آ 17. إنّ "النار" تستعمَل تقليديّا في اللغة الجليانية
كصورة الدينونة، سَواءٌ أكان ذلك في العهد القديم أم في العهد الجديد (رج مت 13:
40، 42، 50؛ 25: 41؛ مر 43:9؛ يو 15: 6؛ 1 كور 13:3؛ 2 تس 1 :8؛ عب 10: 27؛ 2 بط
7:3).
وبدا من الصعب أن نربط "الروح القدس" بدينونة "يهوه". فأفضل شرح لهذه العبارة هو أن
نقول إنّ النّص يصوِّر نتيجة الدينونة بطريقتين، واحدةٍ سلبيّة وواحدةٍ إيجابيّة.
فالدينونة تجلب للبعض مِلءَ الخلاص بفيض عطيّة الله الإِسكاتولوجيّة التي هي الروح.
والنار تحمل الدمار إلى الآخرين الذين يصيبهم حُكم الهلاك. وترتبط هاتان الفكرتان
بتقاليد العهد القديم ولاسيّما في الأسفار النبوّية: وقدرة روح الربّ التي تنقّي
(تدين) وتقدّس تبدو كواقع إِسكاتولوجيّ في يؤ 28:2؛ اش 4:43. وروح المسيح في اش 11:
1 هو في الوقت عينه روح الدينونة التي تُنتج مخافة الله، وبالتالي معرفة الله. أما
يكون يوحنا المعمدان استقى أقواله من كلمات الأنبياء هذه؟
ولكن من حاول أن يفسّر هذه العبارة في معنى الدينونة الإِسكاتولوجيّة سيَدهش
لاستعمال فعل عمّد. لن نجد فيه إلاّ تعبيرًا مصوَّرًا جاءت به المقابلة والموازاة
مع عمادِ يوحنا. نحن هنا أمام عماد "حقيقيّ" بالتغطيس، وهناك أمام عماد بالمعنى
القياسيّ. ولكن لا ننسى مضمون الفكرة. فالذي يلفِت الانتباه في المقابلة بين
العِمادين هو مسيرتُهما الخارجيّة بل نتيجتهما. فالعماد الأوّل، عمادُ الماء، يُنتج
ولا شكّ التطهير وغفران الخطايا، ويختم التوبة بخاتمه. وفي هذا لا يُقابَل عملُه
بعمل الروح والنار الإِِسكاتولوجيّ، بعمل التقديس الذي يخلّص، والحُكمِ الذي يدمّر.
فإذا فكّرنا في هذا الأمرِ لن تعود صورة المعموديّة غريبةً في عيوننا. وأخيراً
نلاحظ في العهد الجديد استعمالاً مَرِناً لهذه الصورة (مز 10 :38 ي؛ لو 12: 50؛ 1
كور 2:10)، مع العِلم أنَّ الفعل (عمَّد) وأنّ الاسم (العِماد) قد توضّح
استعمالُهما بتأسيس العماد المسيحيّ.
3- الدينونة (آ 17).
وتعود آ 17 إلى "الأقوى" وإلى نشاطه كديّان. وتظهر صورة أخرى هنا، هي صورة الفلاّح
الذي يهتمّ بالحَصاد. وهذه الصورة مُشْبعة بالعناصر التقليديّة المرتبطة بالكرازة
البيبليّة عن الدينونة. ينقّي الفلاّح القمح على بيدره، بحيث إنّ الريح تأخذ معها
التِبن ويبقى الحبّ الثقيل على الأرض. ويشير النصّ فيما بعد إلى ما تصير عليه
العناصرُ المنفصلة أي التبنُ والحبّ. يُوضع الحبّ في الأهراء، ويُحرق التبنُ في
النار. أمّا صفة "لا تنطفئ" فتعود إلى العالم الجلياني وتدلّ على أنّنا نتجاوز
الصورة لنتحدّث بدون حجاب عن الواقع الذي تمثّله الدينونة.
لا تعني آ 17 فقط الدينونةَ الإِسكاتولوجيّة، أي الوُجهةَ السلبيّة لعمل المسيح
كديّان. إنّها تدلّ أيضًا على القمح. وإنّ آ 16 ب و17 تتقابلان. فبواسطة صور مختلفة
(العماد، الحصاد) يتحدّث إلينا الإِِنجيليّ عن الدينونة الواحدة التي يُمارسها
الأقوى، وذلك في أقرب وقت ممكن: "يمسك بيده المِذْرى". نحن نجد الإِِلحاح والعَجلة
عند كل من متى (3: 10) ولوقا (9:3). وكلّ هذا يقدّم لنا إعلاناً للمسيح يستغلّ
صورًا قوّية ترتبط بمجيئه القريب، وتقابلُ عاطفة "الانتظار" عند الشعب (3: 15).
خاتمة:
يسوعِ المسيح هو ديّان نهاية الأزمنة. ولن يهمل إيمانُ الكنيسة وصلاتُها هذه
الوُجهَةَ من دوره. فكرازة المعمدان المسيحانيّة تحافظ على قيمتها، وإن لم تتضمّن
كلّ ما أوحاه الروح القدس. ولكنّ لوقا سبق ففهم خُطبة يوحنا على أنها كرازة آنيّة
بالنسبة إلى موضع كنيسته الخاصّة. وهذا يظهر خصوصاً في آ 15 التي تكوّن المقدّمة
وتبدو بشكل سؤال: هل يوحنا هو المسيح؟ شهد المعمدان أنّ المسيح هو شخص آخر، هو ذلك
الذي يشاهده ويعلنه في دوره كديّان، وإنّ صورة الديّان تبقى جوهريّة بالنسبة إلى
العهد الجديد والكنيسة.
فمسيحيّو ذلك الزمان، بل كلّ المسيحيّين، ومنهم نحن اليوم، يختارون بين أَن
يعمَّدوا في النار (أي يدانون) أو أن "يُعمّدوا" في الروح القدس (من أجل الخلاص).
الفصل التاسع عشر
عماد المسيح
15:3- 16، 21- 22
رج مت 13:3؛ مر 1: 7- 11
تُورِد هذه النصوصُ الثلاثة عِمادَ المسيح معِ إعلان ليوحنا المعمدان يدلّ فيه على
المسيح الذي جاء يعمِّد في الروح. سنبدأ أَوَّلاً فنحلّل المعطَيات المشتركة بين
الأناجيل الثلاثة، ثم نعود إلى كلّ إنجيليّ بمفرده فنحدِّد نظرته الخاصّة.
أ- تقليدُ ما قبلَ الإِزائيّ.
1- إعلان يوحنا المعمدان.
كان يوحنا المعمدان يَعِظ ويعلّم. وحسب المرجع الذي استقى منه متى ولوقا، أعلن أنّ
الدينونة الإِِسكاتولوجيّة قريبة ("الغضب الآتي" الذي يحلّ بالخطأة: مرحلة سابقة
لإِقامة الملكوت من أجل الأبرار)، وشدّد على ضرورة التوبة والارتداد. أمّا الجواب
إلى هذا التعليم فيُصبح واقعًا ملموسًا في قَبول العِماد: يغطَّس التائب بحضور
يوحنا في مياه الأردنّ (على مثال الاغتسال الطقسيّ أَو التوضُّؤ الذي عرفه اليهود
في ذلك الزمان) فيدلّ بصورة علنيّة على أنّه يرغب في الطهارة الداخليّة بانتظار
مجيء الربّ. في هذا الإِِطار، يَرد الإِِعلان الذي نقرأه عند مرقس ولوقا، وفيه
يدلّنا السابق على المسيحَ الآتي، على كرامته السامية، وعلى نشاطه العِماديّ
الخاصّ.
"جاء" رسول الله الأخير الذي هو "أقوى" من المعمدان بدرجة لا تُحَدّ. وسيقال عنه
فيما بعد أنّه يتصرَّف بالروح، أي (حسب العقليّة البيبليّة الجارية) بقدرة الله
نفسِه (يسوعُ القويّ يَطرد الشياطين بروح الله. هذه هي علامة مجيء الملكوت، رج مت
29:12 وز). عمادُه يتفوّق على عِماد يوحنا، كما يتفوّق عملُ الله على نشاط
الإِنسان، وكما أنّ الروح يتفوّق على عنصر مادّيّ هو الماء مثلاَ.
وكرامةُ هذا الشخص الرفيعة وتفوُّقه تُوضحهما استعارة شعبيّة: فالسابق لا يرى نفسه
مستحقًّا أن يقوم بعمل عبد على قدمَي سيده، مستحقًّا أن يَحُلَّ رباط حذائه.
"هو يعمّد". لا تستعمل هذه العبارة عند متى ولوقا (إطار إِسكاتولوجيّ أوَّليّ)،
إلاّ عن طريق الاستعارة: إنّ الآتي يمارس نشاطًا شبيهًا بنشاط السابق (في شكل من
الأشكال). فكما أنّ العماد بالاغتسال ينقّي الأجساد ويزيل النجاسات الماديّة، هكذا
يأتي المسيح فينقّي شعب الله وُيزيل منه النَجاسات الأدبيّة، وبطريقة ملموسة ينتزع
منه الخَطأة. وبكلام آخر، إِنّه يحقّق هذه الدينونة الإِسكاتولوجيّة التي تعالجها
قرائن النصّ. فالتشديد ليس على هذه الكلمة، بل عَلى الكلمات التي تتبعها.
هو يفعل "بالروح القدس"، أي بالقدرة المقدّسة التي تُمنَح له (رج أش 3:4- 4؛ 11: 2؛
4). وهكذا يفعل أكثر من "السابق" الذي تصرّف بطقس رمزيّ وضيع ("أنا أعمّدكم
بالماء").
"وبالنار". هذه العبارة الغائبة من مرقس تنتمي إلى إعلان المعمدان. والإِشارة إلى
النار تعود مرّتين في القرائن المباشرة (في متى ولوقا): نار تحرق التبن بعد جمع
القمح على البيدر (مت 12:3؛ لو 17:3)؛ ونار تحرق كل شجرة لا تثمر ثمرًا صالحًا (مت
3: 10؛ لو 9:3). هي صورة نبويّة تتلاقى لتدلّ على العقاب الكامل الذي سيُزيل في
نهاية الأزمنة الخاطئين الذين يرفضون المجيء إلى التوبة. "عماد الروح والنار" أي في
هذه القرائن القديمة "دينونة قدرة وعقاب".
وهكذا لا يُعلن المعمدان بطريقة محدّدة عماد المسيح (ولا العماد المسيحيّ إلاّ في
منظار مرقس الثانويّ الذي سنعود إليه). ما يعلنه في معنى أوّل هو الدينونة الرهيبة
التي سينفّذها المسيح الأتي بكل قوّته الإِلهيّة، وهذا تجاه عماد يوحنا الذي هو طقس
مادّيّ ورمزيّ محض.
إن التعارض بين "عماد الماء" و"عماد الروح" الذي نجده هنا (متى ولوقا) في إِطار
مسيحيّ أصليّ، يبرز موضوعًا تقليديًّا معروفًا. نحن نجد هذا التعارض في مقاطع
مختلفة من العهد الجديد، وفي اطُرٍ متعدّدة مع تطبيقات متنوّعة: مت 3: 11؛ مر 1:8؛
لو 3: 16؛ يو 1: 26، 33؛ أع 1: 5؛ 11: 6 . إذا عدنا إلى الأناجيل نجد أن يوحنا
يتكلّم عن هذين العمادين. أمّا إذا عدنا إلى أع فيسوع هو الذي يتحدّث عنهما. وإذا
عدنا إلى متى ولوقا، نجد أن عماد الروح يشير إلى الدينونة الاسكاتولوجيّة؛ أمّا إذا
عدنا إلى مرقس ويوحنا فنجدهما يشيران إلى الطقس الأسراريّ، إلى العماد المسيحيّ.
وفي أع نحن أمام فيض الروح القدس (فيض مباشر لا أسراريّ) ساعةَ العنصرة (أع 1: 5)
أو ساعةَ ارتداد الضابط كورنيليوس (أع 11: 16). وفي قمران، إنتظروا عمادًا
إسكاتولوجيًّا، عمادَ روح النقاوة والقداسة تجاه الاغتسالات الطقسيّة التي يمارسها
أعضاء الجماعة كلّ يوم (المغارة الأولى). نذكر هنا أنّ رمزيّة الماء والروح تعود
بنا إلى العهد القديم.
2- عِماد المسيح.
في الأصل، صوّر الخبرُ المشهدَ بطريقة بسيطة وفي مرحلتين. الأولى: ذهاب يسوع إلى
السابق وقَبول الطقس العماديّ منه. الثانية: التيوفانيا أو ظهور الله، وهي تتضمّن
نزول الروح على يسوع والكلمات التي وجّهها الآب إلى ابنه. ويبدو أنّ مرقس احتفظ
بالمضمون الأوّل للمُعطى التقليدي أكثر من الإِنجيليّين الإِزائيين الآخرين.
أوّلاً: ذهاب يسوع إلى يوحنا.
قال الإِزائيّون الثلاثة إن كرازة يوحنا المعمدان جمعت شعبًا كبيرًا. وكثُر عددُ
اليهود الذين جاؤوا ليعتمدوا عنده. وجاء يسوع هو أيضًا يتقبّل هذا الطقس الذي يُعلن
الزمن الإِسكاتولوجيّ. وسنرى بعد ذلك مرّاتٍ عديدة، سنرى يسوع مهتمًّا لكي يبيّن
التواصل بين رسالته ورسالة السابق (مت 4: 12 وز؛ 11: 11- 15 وز؛ 17: 12- 13 وز؛ 21:
25- 27 وز).
وستتأمَّل التقوى المسيحيّة بعد ذلك في فِعْلة المخلّص الآتي إلى "عماد التوبة"،
فترى فيها فعل تضامن من قِبل يسوع مع الخطأة. لا تَصِل بنا النصوص إلى هذا الحدّ.
وهي لا تُوضح نيّةَ يسوع في ذلك الوقت، بل تتحدّث عن فِعلته ببضع كلمات. ولا تُذكَر
هذه الفِعْلة إلاّ بالنظر إلى التيوفانيا التي ستَمنح لهذا "العماد" بُعدًا مختلفًا
ومعنى جديدًا بالنسبة إلى أيّ عماد آخر.
ثانيًا: التيوفانيا أو الظهورُ الإِلهيّ.
حصلت التيوفانيا حين "خرج يسوع من الماء" (كما يقول متى ومرقس). قد تعود هذه
الكلمات إلى يش 19:4: "خرج الشعب من نهر الأردن" ودخل إلى أرض الموعد (حدث يوازي
عبور البحر الأحمر في يش 23:4). جاء يسوع إلى الأردنّ (متى ومرقس)، فقَبِل الروحَ
القدس، وأُعلن ابنَ الله. وهكذا يظهر المسيح كممثِّل لشعب الله الحقيقيّ. بعد هذا
الحدَث، ستأتي تجربة يسوع المرويّة على خَلْفيّة تجربة إسرائيل في البريّة.
والعلاقة بين عماد يسوع والعماد المسيحيّ (كما نستشفّها في النصوص) تتضمّن هذه
النظرة إلى المسيح كممثّل لشعب الله.
تحتفظ النصوص الإِنجيليّة عن عماد المسيح بسِمات الأسلوب الجليانيّ (دا 7: 1ي؛ 8:
1ي؛ لو 1: 11، 22؛ أع 7: 55؛ 11: 5؛ 13:26، 16؛ رؤ 1: 12، 17، 19)، وهي ترجع إلى
الخبر الأوّل للحدَث: انفتاح السماوات (حز 1: 1؛ يو 1: 51؛ أع 7: 56؛ 10: 11؛ رؤ 4:
11؛ 19: 11)، نزول الروح (عد 11: 25؛ دا 4: 10، 20؛ مت 2:28؛ 1تس 4: 16؛ رؤ 3: 12؛
10: 1؛ 18: 1؛ 20: 1؛ 12:21، 10) بشكل محسوس، ما رآه يسوع، سماع الصوت الإِلهيّ (حز
1:28؛ دا 28:4؛ مت 17: 5 وز؛ يو 12: 28؛ أع 11: 9؛ رؤ 10: 4، 8؛ 13:14)، إلتجاء إلى
مفردات محفوظة للاتّصالات السماويّة.
نتأمّل هنا في نص "رضى" الله في إطار "وحي" (مت 26:11 وز؛ غل 1: 15؛ رج دا 23:9،
10، 11، 19؛ مت 13: 11؛ 16: 17؛ لو 1: 28، 30؛ 2: 14؛ 12: 32). أمّا "ابن الله"
الذي هو موضوع "الوحي" فنقرأ عنه في مت 16: 16؛ غل 1: 15؛ رج مت 11: 25- 27 وز؛ 17:
5 وز؛ 1 تس 1: 10.
وإذا عُدنا إلى فحوى النصّ، نجد أنّ التيوفانيا تعود إلى مشاهد الوحي التي تكشف
بطريقة احتفاليّة مخطَّط الله السرّيّ في ما يتعلّق بتحقيق الخلاص في نهاية
الأزمنة. ويتضمَّن هذا الفنّ الأدبيّ عنصرًا عجيبًا وتصويرًا اصطلاحيًّا يمثّل
بطريقة ملموسة الوُجهةَ السامية للتدخّل الإِِلهيّ.
توجّه هذا الوحيُ، في شكل الخبرِ الأصليّ، إلى يسوع شخصيّا: فهو الذي رأى السماوات
تنفتح والروحَ ينزل عليه (متى ومرقس). وهو الذي كلّمه صوت الآب ("أنت ابني" كما في
مرقس ولوقا). ونتوقّف عند فكرتين: مجيءِ الروح والقول السماويّ.
الفكرة الأولى: مجيء الروح
إنّ مجيء الروح بشكل حمامة ما زال يُربك الشرَّاح المعاصرين. فنحن لا نرى في أيّ
مكان آخر من البيبليا أن الحمامة تَرمُزُ إلى الروح. غير ان بعض نصوص الربّانيّين
تمثّلت الروح (تك 1: 2) الذي يَرفّ على مياه الخَلْق بشكل حمامة (مثل حمامة الطوفان
في تك 8:8- 12). ومهما يكُنْ من أمر، فالتقليد الإِِنجيليّ كلّه لا يتردّد في معنى
هذا الرمز.
إنّ الرّوح في نظر النّفوس المغذّاة بالبيبليا، يدلّ على حضور الله نفسِه الذي
يجتاح، بطريقة خارقة، مختارَه، فيملأُه قوّةً وحكمة، ويمنحه كلَّ العطايا العُلوّية
من أجل رسالة مهمّة جدًا. ففي خَطّ أش 42: 1 (يستند إليه النصّ الذي ندرس) و 61: 1
(ورد في لو 18:4 مع عودة إلى العماد على ما يبدو)، يرى يسوع نزولَ قدرة ومعونة الله
القدير على الذي يرسله الآن ليكرِز بالأنجيِل وُيفيض آيات الخلاص. هو الآن يتقبّل
بصورة احتفاليّة رسالتَه ومهمّتَه المسيحانيّة.
الفكرة الثانية: القول السماويّ
إنّ القول الآتي من السماء يتضمّن بعض اختلافات بين إنجيليٍّ وآخَر: استعمل مرقس
ولوقا صيغة المخاطَب المفرَد ("انت")؛ أمّا متى فلجأ إلى صيغة الغائب ("هذا هو").
نصّ متى ومرقس قريب من اش 42: 1؛ أمّا لوقا (حسب أفضل الشهود) فيورد مز 7:2. ثمّ
إنّ النصّ يُستعمَل مرّةً ثانية بشكل مُقَولَب في مشهد التجليّ. هذه الإِشارات
تدفعنا إلى الظنّ أنّ هذا القول لا يردّد الكلمات الالهيّة كما سمعت (كما في
مسجلة). نحن أمام عبارة ترتبط بالتفكير المسيحي الأوّل مع لجوء إلى الكتاب المقدّس،
وتترجم المدلول الذي رأته الكنيسة الأولى في تدخّل الله حين بدأ يسوع حياته
العلنيّة.
إنّ النصّ في شكله الأساسيّ المعقول ("أنت ابني الحبيب، بك سررت"، مرقس) يدمُج
ثلاثةَ نصوص من التوراة. هو يرتبط أوّلاً بنص أش 42: 1 الذي هو بداية أناشيد "عبد
الله". في هذا المقطع الأشعيائي، يدلّ الربّ على "عبده" (أو عابده أو خادمه) كذلك
الذي اختاره بمحبّة، وسُرُّ به، ومنحه روحه ليحمل إلى جميع الناس بُشرى الخلاص. في
المقطوعة الإِنجيليّة التي ندرس، نكتشف، في هذا النصّ الوارد في بداية حياة يسوع
العلنيّة، البرنامجَ المسيحانيّ الخاصّ الذي سيفرض نفسه حسب مقصد الله المُوحى به
في الكتب المقدّسة. سيكون يسوعُ المسيحَ، ولكنه سيكونُه بشكل عبدٍ وخادم. يُعلن
النصّ هذا البرنامج بطريقة سريعة، ولكنّه يشدّد على الرّضى الذي يكفله الله لعابده،
حين يكلّفه بهذه المُهمّة.
والنصّ الثاني الذي يتذكَّر هذا القول السماوي يعود الى مز 2 الذي هو مزمور ملكيّ
فسّره التقليد اليهوديّ تفسيرًا مسيحانيًّا. فالآية 7 تقدّم عبارة التبنّي
المتعارَف عليها. يوم ينصِّب الله الملكَ المسيحَ في وظيفته، ويجعله ممثّلاً له،
فهو يعتبره ابنه الخاصّ ("انت ابني، انا اليوم ولدتك، تبنّيتك وجعلتك ابنًا لي").
وهكذا يدلّ على المحبّة التي يكنُّها له، على قدرته التي يبسُطها عليه، وعلى
الحماية التي يؤمنها له. وفي تطبيق هذه الآية على عماد يسوع، تختفي الإِشارة
الملوكيَّة. ولكننا لا نزال أمام تَولية (تكريس لمهمة رفيعة بانتداب إلهيّ) وتَولية
مسيحانيّة (إختيار من أجل رسالة خلاص). إمتزج هذا النصّ مع أش 42: 1 فانتقلت الجملة
إلى صيغة المخاطب، وصارت اللهجة حميمةً ووَدودًا. وحلَّ لقبُ ابن الله محلَّ لقب
عبد الله. لم يُوضَح هذا اللقبُ بطريقة أخرى، ولكن الإِِنجيليّ أورده في إطار
احتفاليّ، وفي ساعة رئيسيّة من حياة يسوع. نحن نستشفّ أنّ اللقب يتضمّن سرًّا، وهو
منذ الآن يعبّر على الأقلّ عن علاقة انتماء فريدة، وعن حياة حميمة بين يسوع والله
أبيه.
ونرى تأثير نصّ ثالث على القول السماويّ: تك 2:22، 12، 26 (حسب نصّ السبعينيّة
اليونانيّة) حيث يتلفّظ صوت الله ثلاثَ مرّات بعبارة "الابن الحبيب". فالعبارة تبدو
طبيعيّة. هي ترِدُ في ار 31: 20 ("أليس أفرائيم ابنًا لي عزيزًا وولدًا مفضّلاً"؟)،
كما في الأدب اليونانيّ الكلاسيكيّ. ولكننا لا نشكّ بإرتباطها بنصّ تك 22. طلب الله
من إبراهيم أن يذبح له ابنه. وإذ أراد النصّ أن يشدّد على عظمة الذبيحة التي طلبها
الله، واستعدّ إبراهيم لأن ينفّذها، أبرزَ محبّة أبي الآباء لابنه العزيز، لولده
الوحيد. أمِّا في عماد يسوع، فالنظرة إلى الذبيحة لم تظهر. فشدّد النصّ بالأحرى على
تعلّق الآب بابنه الحبيب، على الوُدّ الذي يَكنُّه له.
إذن، إن عُدنا إلى مستوى تقليد ما قبلَ الإِزائيّ، نفهم الحدَث كمشهد تَولية أو
تكريس مسيحانيّ (مع توجيه نحو نصوص أشَعيا). يسوع هوَ الابن الوحيد الذي سلّمه الله
عن الخطأة (مثَل الكرّامين القتَلة في مر 6:12؛ لو 20: 13؛ رج روم 32:8؛ يو26:3؛ 1
يو 9:4- 10). مشهدُ تَولية مع تشديد على حضور (قدير وحميم) الله تجاهَ يسوع من أجل
هذه الرّسالة. إمتلأ يسوِع من الرّوح. إنّه ابن الله بشكل مميّز. وفي عمل الخلاص
الذي سيقوم به الآنَ، هو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالله (بالرّوح، بالاب) وينتمي الى
نظام التسامي السماويّ.
يسوع هو المسيحُ وابنُ الله الذي يَمنح الرّوح. مثلُ هذه النّظرة إلى شخصه تسبّق
ولا شكّ على المعرفة التي نالها الرّسل بعد حدَث القيامة والعنصرة. لا نستطيع أن
ننكر إنكارًا كليًّا أن تكون هذه المعرفة اللاحقة قد أثَّرت على إعادة تفسير حدَث
عماد يسوع بواسطة الكنيسة الأولى (إختارت بعض العناصر وأبرزتها).
وإنّ مشهد التجليّ الذي رَواه الانجيليّون على ضوء الفصح، يتّصل اتّصالاً واضحًا
بمشهد العماد. هو مشهد وحيٍ قُدِّم إلى شهود مختارين، وفيه تدخَّل الله بكلمات
شبيهة بتلك التي قيلت في العماد: يسوع هو المسيحُ وعبدُ الله، هو النبيّ، هو إبنُ
الله الحبيب. كل هذا نقرأه في منعَطف رئيسيّ في رسالة يسوع، ساعَة بدأ انتباهُ
التّلاميذ يتوجَّه نحو الالآم.
ب- نصّ متى (13:3-17)
يعرِض متى على التوالي:
- ذهابَ يسوع إلى السابق ليتعمّد
- حوارًا بين المعمدان والمسيح
- التيوفانيا العِماديّة
النقطتان الأولى والثالثةُ تقليديتان، وهما اللّتان درسناهما، ما عدا بعضَ
التفاصيل. أمّا الحوار فهو زيادة لاحقة دوّنها متى.
1- مجيء يسوع (آ 13)
جاء يسوع من الجليل حيث عاش حتى الآن حياةً خفيّة. والآن ظهر (باراغيناتاي، جاء
بغتة، دخل على المسرَح). كان الانجيليّ قد استعمل المفردة عينها في آ 1: "في تلك
الأيّام ظهر يوحنا المعمدان". هذا الأسلوب يطابق أسلوب العهد القديم: إنّ التّاريخ
يستعيد مسيرتَه، والخلاص سيتمّ.
جاء "ليعتمد". يشدّد متى على نيّة يسوع التي تثير اعتراض السابق، ثمّ يورد جواب
يسوع. وهذه النيّة ستحرّك الحوار الذي نقرأه في آ 14- 15.
2- الحوار (آ 14- 15).
لا نقرأ هذا الحِوار إلاّ في متى، فنلاحظ أنّ الانجيليّ زاده. إذا ألغيناه لن نجد
فَجْوة، بل إنّ بقاءه يقطع حبل الخبر. وهذا الفصل يقدّم لنا فعل "عمَّد" قبل الحوار
وبعدَه. وأخيرًا تتضمّن هاتان الآيتان مفرداتٍ خاصّة بمتّى (أتم، برّ)، وتعكسان
اهتمامات تعليميّة خاصّة بالإِِنجيليّ الأوّل.
حين أَقحمَ متّى هذا الحوار هدَف إلى اثنين. أوّلاً: نبَّه قُرّاءه إلى بعض
احتجاجات آتية من بعض تلاميذ المعمدان. قالوا: إذا كان يسوع المسيحُ المنتظر طلب
العِماد من يوحنا ("عماد التوبة لغفران الخطايا"، مر1 : 4؛ لو3:3؛ رج مت 6:3، 11)،
افما يكون قد أقرَّ أنّه خاضع للمعمدان؟ أجاب متّى: لا. فالسابق كان قد أعلن طهارةَ
يسوع وسموَّه. ثانيًا: أراد الإِِنجيليّ أن يُدخل منذ الآن إعلان (خفي) العمادِ
المسيحيّ، وبصورة عامّة "تتمّة" القيم الدينيّة اليهوديّة بواسطة المسيح، وهذه
النتيجة ستكون لازمة تميّز الإِِنجيل الأول.
أراد يوحنا أن يحوّل يسوع عن قصده، "أن يمنعه". تدلّ هذه الكلمة على تأثير المفردات
العماديّة المسيحيّة: تتكلّم النصوص عن مانع قانونيّ، عن اعتراض يقود إلى رفض منح
العِماد (أع 8: 36؛ 10: 47؛ 11: 17).
"أنا المحتاج أن اتعمّد منك". تشدّد الجملة على الأشخاص: أنا أنت. إن طلَبَ يسوع
قَلَب الأوضاع. ولهذا تنحَّى السّابق واعترض: إنّه أدنى منه، إنّه لا يستحقّ. نحن
أمام إقرار معقول، وقد عرف يوحنّا المعمدان طهارة حياة نسيبه. غير أنّ كلماته لا
تفترض بالضّرورة أنّه رأى في يسوع المسيحَ المنتظر، والذي جاء يعمِّد في الرّوح (رج
مت 3:11 وز؛ يو 1: 31، 33).
"دعني الآن، يجب". تحمل الكلمة طابعًا احتفاليًّا، فتدلّ لا على لِياقةٍ بسيطة
تافهة، بل على توافق مع مخطّط الله وهذا المخطّط يعني السابقَ كما يعني المسيح
(يليق بنا).
"نُتمّ كلّ بِرّ". هي عبارة خاصّة بمتىّ. إنّ فعل "أتمّ" يعني في الإِِنجيل الأوّل
حفظ (احتفظ، استعاد) وكمل (قاد الشيء الى كمال جديد وإتمام سام). هذا يدلّ على
التواصل والتجاوز. وتتمّةُ الكتب التي يتحدّث عنها متّى مرارًا، تعني تحقيقها على
مستوى أعلى. وبرى الانجيليّ أنّ علينا أن نشدّد على هذه الكلمة (البر) في العبارة
التي ندرس.
"البرّ". يعني في لغة متّى (6:5، 10، 20؛ 6: 1؛ 33: 21: 32) التّوافق مع قاعدة من
الكمال الأخلاقي (تعبير عن إرادة الله). فإنْ مارس المؤمن بأمانة هذه القاعدة عُدَّ
بارًّا. وجواب يسوع الآن يرى في عِماد يوحنّا قاعدةً عمليّة نحو القداسة. إنّ عماد
يوحنّا هو طقس تطهير نادى به آخِرُ الأنبياء وأعظمُهم، فيجب أنّ يستعيده يسوع
ويرفعَه إلى درجة سامية. يجب أن يصبح عمادُ الماء عمادَ الرّوح ونقطةَ انطلاق
العِماد المسيحيّ.
ولكنّ اتّساع جواب يسوع يتجاوز هذه الحالة الخاصّة. "هكذا (بطريقة العمل هذه وبما
يُماثلها) يليق بنا أن نكمّل كلّ برّ". إذا أردنا أن ندرك ما يُمثّل "البرّ" في
الإِِنجيل الأوّل، نعود إلى النصّ الأساسيّ (5: 17، 20) الذي نقرأه في خُطبة الجبل.
أدخل المعلّم عددًا من الإِِكمالات على فرائض الديانة اليهوديّة "ليتمّ" (آ 17)
الشريعةَ والأنبياء، فيزيد "بِرُّ" (آ 20) المسيحيّين على بِرِّ الأقدمين. ينطلق
متّى من البِرّ فيتطلّع إلى مُجمَل التدبير الدينيّ (اليهوديّ أو المسيحيّ)
المؤسَّس على ممارسة الشريعة (القديمة أو الجديدة). حين ألّف متّى إنجيله، أراد أن
يدشّن تعليم الربّ ببرِنامج واسعٍ من الكمال المسيحيّ هو بِرُّ الملكوت (مت 5- 7).
ونقول الشيءَ عينَه عن النصّ الذي ندرس. أقحَمَ متى في بداية حياة المسيح العلنيّة
هذه العبارَة البرنامج التي فيها يعلن يسوع، انطلاقًا من حالة نموذجيّة، هدفَ
رسالته الأوّل: أن يقيم تدبيرَ الخلاص الذي سيستعيد القِيَم القديمة ويرفعها.
"حينئذ تركه يفعل". لم يكتفِ يوحنّا بأن يمانع لحقارته ويعترض. ولكن حين عُمِّد
يسوع، وافقَه على طلبه: "تركه يفعل".
وهكذا نرى كيف أنّ الحوار الذي أقحمَه متّى في المُعطَى الأوّل وضمَّخه بنظرةٍ
لاهوتيّة، قد وصل بنا إلى هدفين اثنين. شدّد على تفوّق يسوع، وقدَّم مسبَّقًا معنى
عمله ورسالته.
3- التيوفانيا (آ 16- 17).
إنّ متّى اعتبر يسوعِ موضوعَ الرؤية ("رأى") والمستفيدَ من مجيء الرّوح، ومع ذلك
فقد ألَّف القول السماويّ في صيغة الغائب ("هذا هو ابني"). قد يكون أراد الاقترابَ
من النصّ الحرفيّ في اش 42: 1. وهكذا لا يتوجّه صوتُ الآب إلى المسيح، بل يدلّ على
المسيح أمام الشهود. حينئذ يتحوّل المشهد إلى حدٍّ ما في اتّجاه إعلان عامّ وظهورٍ
إلهيّ قريبٍ بعضَ الشيء من الظّهور في التجليّ. تدخّلَ الله ليدُلّ البشر منذ الآن
على يسوع حاملِ الرّوح، على المسيح عبدِ الله، على ابن الله الحبيب (يورد مت 18:12؛
21 نص أش 42: 1- 4 مع لقب لا ابنٍ، ولكن "أغابيتوس" أي الحبيب و"أودوكاسان" أي
سُررت). إن هذا الكشف القصير يتوجّه إلى الشهود الحاضرين هنا (ومن خلالهم إلى
السّامعين المقبلين للكرّازة الرسوليّة، والآن إلى قارئي الإِِنجيل). يريد أن يحرّك
انتباههم، أن يوقظهم الى كلّ ما سيُلقي ضوءًا على المعنى الحقيقيّ لمسيحانيّة
المسيح وبنوّتِه الإِلهيّة.
فعَبْرَ تصوير الحدَث مع ربط واقع السماء بالأرض، نكتشف إعجاب الراوي ودهشتَه
(واذا... واذا): إنفتحت السماوات، نزلَ منها الرّوح، جاء صوتٌ من السماوات. فالراوي
هي لاهوتيّ أيضًا: فمع عطيّة الرّوح ودخول ابن الله على المسرح، صار ملكوت الله
حاضرًا على الارض.
وفي نهاية الإِِنجيل المتّاوي، سيَردُ أمر تعميد كلّ الأمم فيُقابل بشكل من الأشكال
هذا المشهد الأوّل. وإنّ هذا التَرتيب قد يدعو القارئ من جديد ليعود إلى عماد
المسيح فيفهم على ضوئه العماد "باسم الآب والابن والرّوح القدس" (عبارة مشغولة، وهي
تعكس ممارسة العماد المسيحيّ مع عودة إلى عِماد الربّ).
ومُجمل القول، يحتفظ متّى بجوهر المعنى الأوّل للحدَث، ولكنّه يوجّهه فيصبح ظهورًا
(ابيفانيا) للناس، ويبينّ فيه أساسَ العِماد المسيحيّ.
ج- نصّ مرقس (1: 6 ب- 11)
1- كرازة يوحنا المعمدان
أوجز مرقس المعلومات التي نقلها التقليد عن السابق (اي يوحنّا المعمدان). وأغفل
بصورة خاصّة إعلان يوحنّا للدينونة الاسكاتولوجيّة الآتية. أوّل مشهد مهمّ في
إنجيله هو عماد المسيح. وما يحتفظ به مما يتعلّق بالمعمدان، يهدف إلى "تهيئة" (آ 3)
هذا المشهد الافتتاحيّ. إنّ كرّازة يوحنّا كلَّها تنحصر عند مرقس في جملتين: إعلان
ذلك الآتي والقدير الذي هو أعظم من المعمدان؛ إعلان معموديّة خاصّة تعارض معموديّة
السابق.
"كان يعلن قائلاً: ويأتي بعدي من هو أقوى منّي، ولست أنا بأهل أن أنحني وأحلّ سُيور
نعلَيه. أنا عمّدتكم بالماء، أمّا هو فيعمّدكم بالرّوح القدس" (آ 7-8).
إنّ الجملة الأولى تجعلنا نستشفّ قرب مجيء المسيح. "يأتي (حالاً) بعدي". يتبعني
حالاً. وحين يصوّر مرقس العبدَ على رجلي سيّده يزيد "أن أنحني"، فيقدّم صورة حسيّة
دون أن يبدّل شيئًا في المعنى.
أمّا الجملة الثانية التي تستعيد (بعد أن توجزَها) المعارضةَ التقليديّة بين عِماد
الماء وعماد الرّوح، فهي تبدّل بُعدها تبديلاً تامًّا. هي تُغْفل كلّ إشارة إلى
النّار، كما تتخلّى عن كل تلميح إلى الدينونة الإِسكاتولوجيّة. مثل هذا الإِغفال
الإِراديّ يدفعنا إلى أن نفهم التعارض الآن كما هو هنا، بَمعزِل عن قرائنِه
الأصليّة وعلى أساس ما استطاع أن يعرفه سامعو يوحنّا المعمدان.
لم يكن هؤلاء السامعون يجهلون النبوءات المتعلّقة بالمسيح، حاملِ الرّوح (اش 11: 1-
3؛ 42: 1؛ 61: 1)، ولا كانوا يجهلون الأقوال التي تَعِدُ بفيض الرّوح كقوّة آتية من
العلاء ومنتشرة في الكون في الأزمنة المسيحانيّة من أجل تجديد شعب الله تجديدًا
دينيًّا وأخلاقيًّا (اش 32: 5 ي؛ 3:44 ي؛ 59: 21؛ حز 11: 19: 36: 25-29؛ 37: 1ي؛
29:39؛ ار 3: 1ي). ولكن لا شيء يُفهمنا حتى الآن أنّ هذا الفيض سيكون عطيّة المسيح
نفسِه. جاء إعلان السابق وأثبتَ هذه العلاقة بين الرّوح والمسيح (سيتوسّع فيها
الإِِنجيل الرابع): إنّ المسيح القريب سيُفيض الرّوحَ القدس.
بالإِضافة إلى ذلك، نجد في كلمات المعمدان المعزولة عن قرائنها الأولى، أنّ كلمة
"عمّد" تُفهَم في المعنى نفسِه في شقَّي التعارض (عمَّد في الرّوح). نحن نعارض بين
طقس وطقس: بين طقس قديم يهيّئ الدرب وينقيّ، وطقس جديد ونهائيّ ومقدَّس. وفي
الواقع، حين تكلَّم الإِِنجيليّ عن عماد الرّوح ولِم يحدِّد، فهو قد فكّر بالعماد
المسيحيّ الذي هو طقس أسراريّ يعرفه قرّاؤه كلّ المعرفة. فما يَعِدُ به السابق هو
نشاط المسيح الذي (في العماد المسيحيّ) يُفيض الرّوح، فيحقّق (بطريقة ملموسة جدُّا)
النبوءات القديمة حول فيض روح القداسة في نهاية الأزمنة (الإِِسكاتولوجيا).
إنّ كرازة يوحنّا المعمدان، كما يوجزها مرقس، تعلن ما يلي:
- المجيءَ القريب للمسيح الذي يمنحه الله قدرَته فيسمو على المعمدان سموًا لا يُقاس
به سموّ. هنا يلتقي مرقس التقليدَ المشترك.
- فيضَ الرّوح القدس بواسطة المسيح (في العماد المسيحيّ) في نهاية الأزمنة. هذا أمر
خاص بمرقس.
2- عماد المسيح
في خبر العماد، يبقى مرقس (كما قلنا سابقًا) أقربَ الانجيليّين من التقليد الأوّل،
إنْ على مستوى التعليم، وإنْ على مستوى اللاهوت (آ 9- 11).
أوّلاً- ذهابُ يسوع إلى يوحنا
"وكان في تلك الأيام": هذا تعبيرٌ لم نعتَدْ عليه عند مرقس. هذه البداية المقولبة
التي أخذها الانجيليّ كما هي، تدلّ على بداية "وحدة أدبيّة" بدَت في الأصل مستقلة.
فالخبر يرتبط بأصل يختلف عن أصل الخبر السابق الذي يرى في طقس يوحنا "عمادَ توبة
لغفران الخطايا". أمّا العبارة فمأخوذة من العهد القديم (تك 22: 1، و "كان بعد هذه
الامور") تقدّم الاحداثَ التي تتمّ بإرادة الله حسب الاقوال النبويّة.
"جاء يسوع من ناصرة الجليل". قدّم مرقس هذه التفاصيل، لأنها المّرةُ الأولى التي
فيها يتكلّم عن يسوع: لم نزَلْ هنا في البداية الأولى للانجيل.
"وتعمّد على يد يوحنا في الأردُنّ". قدّمَ الخبر بوضوح تامّ وبإيجاز كبير. لا
تفسيرَ آخَر لعماد يسوع إلا خبرُ التيوفانيا. تستعيدُ العبارة قصدًا مفردات آ 5: إن
دور يوحنا العِماديّ يصل الى هدفه الحقيقيّ في عِماد يسوع.
ثانيًا: التيوفانيا
"وفي الحال". يستعمل مرقس مرارًا هذه الوَصْلة، ولكنها جاءت قبله وهي حاضرة في نصّ
متى (16:3، على الفور). أراد الانجيليّان أن يربطا بين نقبّل يسوع للمعموديّة
والتيوفانيا التي تعطي هذا التقبّل مدلولَه في مخطَّط الله، في تاريخ الخلاص.
"ورأى" (أبصر). نحن أمام عبارة أوّلانيَّة. يسوع هو شاهد لمجيء الروح، وإليه
يتوجّهَ صوت الآب. لقد تمّت التيوفانيا من أجله.
رأى يسوع السماوات "ممزّقة" "منشقّة" (قال متى ولوقا بكل بساطة: انفتحت). هذا هو
أسلوب خاصّ بمرقس. ثم إن الكلمة تتضمّن تلميحًا إلى اش 19:63 حسب النصّ العبريّ:
نجد صلاة طويلة ومؤثّرة تتوجه إلى الله، أبي إسرائيل، فتتوسّل إليه (باسم أبوّته)
أن يقطع هذا الصمت الطويل، وينزل من السماء نحو شعبه ليخلّصه. وهذا ما نقوله في
عماد يسوع الذي هو بداية الانجيل: وضع الله حدًّا لهذا الصمت الطويل، ومزّق
السماوات، ففتح عهدَ النعمة النهائيّ بإرسال روحه وإظهار رضاه على ابنه الحبيب
الحاضر وسْطَ شعبه.
"وكان صوت". يتّخذ العرض شكل إلقاء وتلاوة: تتلاحق الجمل قصيرةً وسريعة، وتقف
الواحدةُ بجانب الأخرى دون أن ترتبط بعضُها ببعض. كل هذا يصلُ بنا إلى نتيجة لها
وقعُها على القارئ.
"أنت ابني...". نُقل القول السماويّ في شكله الأوّل كما شرحناه أعلاه. إن الانجيليّ
الثاني يكشف لنا الطابَع الحميم لهذه البنوّة الالهيّة في صلاة يسوع إلى الله:
"أباّ، أيها الآب" (14: 36)، وهي عبارة تدلّ على تعلّق بنويّ وعلى حنان يربط الولدَ
بأبيه.
هذا المشهد هو أول المشاهد عن حياة يسوع بحسب القديس مرقس. إنه مشهد افتتاحيّ
وتَولِيَةٌ مسيحانيّة (هذا ما بيّنّاه سابقاً: تكريس وإرسال نحو عمل الخلاص بقدرة
الروح، وفي علاقة وثيقة وحميمة، علاقةِ الابن بالله). وهذا المشهد هو في الوقت
عينِه أوّل انفتاح على سرّ شخص يسوع. وبمختصر الكلام، هذا المشهد هو أوّل إيضاح
احتفالي لعنوان الانجيل: "بدءُ إنجيل يسوع (الذي هو) المسيح وابن الله" (1: 1).
د- نصّ لوقا (15:3-16، 21-22)
يضمّ هذا النصّ مقطعيَن متميزّين في لو 3: آ 15- 16: اعلان السابق، آ 21- 22، عماد
يسوع. وأغفل الشرح آ 17- 20 التي تتابع تصوير الدينونة الاسكاتولوجيّة وتَرى نهاية
رسالة السابق.
1- السابق وتعليمُه (آ 15- 16)
تذكّرنا الجملة الأولى بالمسألة الحاسمة التي طرحتها شخصيّة يوحنّا المعمدان.
قُدّمت بشكل عارض ("وإذ كان الشعَب على انتظار") فشكلّت دسارا (يجمع بين جسمين)
تدوينيًا من تأليف لوقا. لا نجد هذه الجملة لا عند متى، ولا عند مرقس. إنها تدلّ
على أسلوب خاص بلوقا المعروف بعبارته الجذريّة والشاملة ("الشعب" كما في 1: 10؛ 2:
10؛ 3: 18؛ أع 47:2؛ 9:3، "الجمع يتساءلون". "قال للجميع"، رج ايضًا آ 21: حين
اعتمد جميع الشعب") واستعمال الشكل المُطلَق لفعل "انتظر" (دون مفعول كما في أع 27:
33؛ 6:28). غير أننا نجد ما يشبه ذلك وبطريقة موسَّعة في يو 1: 19-23.
نكتشف هنا تطوّرًا مُلْفتًا للنظر دفع الانجيليين لكي يوضحوا شيئًا فشيئًا وضع
يوحنا المعمدان أمام يسوع. أما أصل المسألة فيعود إلى معاصري المعمدان. وذلك قبل
دخول يسوع على المسرح. فظهور يوحَنا أيقظَ عالم النبوءة (مت 14: 5؛ 26:21 وز). إن
كرازته وقداسة حياته وكلّ عمله حرّكت من جديد رجاءً عظيمًا ما زال حيًا في القلوب
كالجمر تحت الرماد. وطرح الناس على نفوسهم السؤال القاسي: أما يكون هو المسيحَ على
مثال سابق الله الذي تنبأ عنه ملا 3: 1، 23- 24 (رج لو 1: 76؛ مت 11: 10 وز)؟ ولكن
إذا عُدنا إلى لوقا، فهو لا يطرح المسألة بصورة واضحة ("يتساءلون في قلوبهم"). وهي
ليست أكثر وضوحًا في أع 025:13 أمّا يوحنا الانجيليّ فسيطرحها بوضوح ويعود إليها
(يو1 :19 ي).
ما هو الجواب؟ يعود لوقا إلى العبارات التقليديّة فيورد التعارض (مع معناه
الأولاني، كما درسناه أعلاه) الذي فيه يقابل السابقُ بين شخصه والطقسِ الذي يمنحه
من جهة، وشخص ذلك الآتي (الذي هو أقوى منه وأرفع) من جهة أخرى، من أجل عماد فاعلٍ
بطريقة عجيبة: الدينونة الأخيرة، دينونة قويّة ورهيبة، "عماد في الروح والنّار".
2- عماد يسوع والتيوفانيا (آ 21- 22)
أنهى الانجيلييّ قبل هاتين الآيتين (وهذا ما فعله في أماكن أخرى، 1: 56، 80) حديثَه
عن السابق الذي ألقي في السجن. سبَّق على الكرونولوجيا (تسلسل الأحداث)، فوجب عليه
الآن أن يعود إلى الوراء، ويقدّم بعض كلماتٍ تذكيرية (جملة قصيرة كما في آ 21)
ليَروي بصورة مقتضَبة عماد "الشعب كلّه" وعماد يسوع. هي عبارة موجَزة (اعتمد يسوع)
تترك المكانةَ الأولى للتيوفانيا. فالنصّ الذي ندرس لا يصوّر المعمودية، بل
التيوفانيا العماديّة (لن يذكر يوحنا العماد ولا التيوفانيا العمادية، بل شهادة
يوحنا بعد هذه التيوفانيا، يو 27:3 ي).
وأعطى لوقا تصويرَ التيوفانيا شكلاً أكثر موضوعيّة وأكثرَ تاريخيّة: "وكان أن...
السماء انفتحت والروح نزل". لقد زالت كل إشارة الى "الرؤية". وسار الانجيلي في
الهدَف عينِه، فشدَّد على الواقعيّة الخارجيّة لمجيء الروح. هو لم يكتب فقط: "الروح
القدس مثل حمامة". بل شدّد فقال: "الروح القدس في صورة جسميّة، مثل حمامة". غير أنه
يحتفظ بأهمّ الاشارات التقليديّة: إنفتاح السماء، إنحدار الروح، الاعلان الالهيّ،
وما يزاِل صوت الآب يتوجّه إلى يسوع. وهذا، شأنه شأنُ مجيءِ الروح، يتوافق الآن مع
صلاة يسوع. إن تدخّل الله وصلاة يسوع يتقابلان ويَتلاقيان.
ان الصلاة تملأ حياة المسيح (16:5؛ 6: 12؛ 18:9، 28- 29؛ 11: 1؛ 32:22، 41، 44).
وهي فعلٌ طبيعيّ في هذا الوقت المميَّز. إنها أفضل تهيئة لقبول صوت الله، وأحسن
جواب على الاتصّالات الالهيّة (صلاة تهيئ لوحي الله: دا 18:2؛ 3:9 ي، 20 ي؛ 10: 2
ي؛ لو 28:9 ي؛ أع 9: 11؛ 30:10؛ 17:22). تفرَّد لوقا، وهو مَن تعلّق بموضوع الصلاة
أكثرَ من سائر الإِنجيليّين، فأشار هنا بوضوح إلى صلاة يسوع ("وفيما كان يصلّي").
إن لهذه الاشارة أهميّة تاريخيّة. وفوق ذلك، هي تَهدف الى بنيان القارئين مقِدّمةً
لهم مثالَ المعلّم. فالهدف الأوّل في لاهوت لوقا هو أن نحصل على عطيّة الروح، خيرِ
الملكوت السامي (11: 2، 13؛ أع 1: 14؛ 3: 15؛ 4: 31).
يرى لوقا في تسليم هذه العطيّة المسيحانيّة والالهيّة ساعةَ عماد يسوع مَدْخلاً إلى
الفيض الشامل الموعود به في الأزمنة الاسكاتولوجيّة. وهو بطريقة موازية يجعل سفر
الأعمال يبدأ بمعجزة العنصرة وعطيّة الروح.
وهناك تيّار دينيّ خاصّ عرفته الجماعة المسيحيّة الأولى واحتفظ به لوقا، تطلع إلى
هبوط الروح على يسوع ساعةَ عماده على أنه "مسحة" له وتكريس مسيحانيّ (إختاره الله
ومسحه): هي طريقة جديدة في التعبير عن عماد يسوع كتَوليةٍ مسيحانيّة (يستند لوقا
هنا الى اش 1:61).
قال أع 37:10- 38: "وأنتم تعرفون ما جرى في اليهوديّة كلّها، ابتداءً من الجليل
بَعد المعموديّة التي كرز بها يوحنا: كيف مسح الله يسوع الناصريّ بالروح القدس".
وقال لو 4: 18: "روحُ الربّ عليَّ، لأنه مسحني (كرّسني بالمسحة) وأرسلني لأحمل
البشارة".
يدلّ هذان النصّان على حركة تصاعديّة لفكر لاهوتيّ يبني نفسه. يعيد النصّ الى
المعمودية مسحةً ربطتها النصوصُ العتيقة بقيامة المسيح (أع 36:2؛ 27:4) مسحةً جعلت
من يسوع المسيحَ والممسوحَ والمختارَ (مشيح في العبرية والآرامية، كرستوس في
اليونانية. يتحدّث أع 4: 27 عن المسيح وعبد الله).
وإذا عُدنا إلى محتوى القول السماويّ نرى أَن لوقا يورد مز 2: 7. نحن لا نقرأ مع
شهود كثيرين العبارةَ التي نجدها عند مرقس: "بك رضِيت، بك سُرِرت"، بل نصًّا آخر
قديمًا جدًا وموافقَا لفكر لوقا: أنا اليوم ولدتك. هذا يعني تنصيبَ يسوع ملكًا،
وبدايةَ رسالته المسيحانيّة لدى شعب الله. إن لوقا يترك هنا كلّ تلميح إلى عبد الله
وإلى حبيب الآب (وهكذا يبتعد عن كل اتّجاه نحو الرسالة الفدائيّة). فيركّز اهتمامه
على هذا القول الذي يعلنه (بصورة احتفاليّة، ويوليه سلطانًا) مسيحًا وابنًا لله.
ليست فكرة البنوّة الالهيّة دومًا مشروحة وواضحة، ولكنّ لوقا يشدّد عليها حين يُلغي
سائرَ الاستشهادات، ويزيدُ الشِقَّ الثاني من آية المزمور (أنا اليوم ولدتك).
وُيبرز لوقا نيّتَه، فيُدخل حالاً بعد هذا الاعلان الالهيّ نسَبَ يسوع، ويعود به
إلى آدم إلى الله فيقول: "يسوع هو... ابنُ آدم، ابن الله".
وفي أع 13: 32-33 تطبَّق 2: 7 أيضًا على قيامة المسيح: "ونحن نحمِل لكم البشارة:
فالموعدُ الذي أُعطي لآبائنا قد أتمّه الله من أجلنا حين أقام يسوع، كما كتب في
المزمور الثاني: أنت ابني، وأنا اليومَ ولدتك". مثلُ هذا القول ينتمي إلى المرحلة
الأولى من مراحل التعبير عن الايمان. بعد هذا، إنتقل تطبيقُ هذا النصّ من القيامة
إلى العماد.
ونقول الشيءَ عينَه عن لقب المسيح (الممسوح) الذي يبرز في المعمودية: لقد طُبِّق
أولاً على يسوع في يوم قيامته: "إن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه انتم ربًّا
ومسيحًا" (أع 36:2؛ رج 27:4. هذا الانتقال من الاختبار الفصحيّ إلى عماد يسوع (مع
ذكر رسالة السابق)، يشكّل في وقت قديم من التقليد (أي قبل تدوين الأناجيل) "بدءَ
الانجيل" (مر 1: 1؛ لو 23:3؛ أع 1: 22؛ 37:10)، ويُرينا ولادة الكرستولوجيا الأولى.
لقد تحدّد معنى تدخّل الله في عماد يسوع، واتّخذ خبر الحدَث الشكل الذي نعرفه هنا
على ضوء القيامة.
خفّف لوقا الطابع الجليانيّ للحدث حين قدّمه، فحفظ، وهو المؤرخّ وإنجيليّ الصلاة
للتيوفانيا العماديّة معناها الجوهريّ بحسب التقليد الأوّلانيّ. تكريس افتتاحيّ،
تولية يسوع كمسيح وابن الله. هو لا يشير، على ما يبدو، إلى علاقة بالعماد المسيحيّ،
ولكنه يتفوق على الانجيليَّين الازائيَّين الآخرين بالتشديد على بنوّة المسيح
الالهية.
الخاتمة
ينكشف معنى عماد يسوع في التيوفانيا التي ترافقه. هذا ما لفَتَ انتباه التقليد
الانجيليّ والكتّاب المُلهمين. فهذا ما يجب أن نتأمّل فيه.
إنّ أوّل خطوة عامّة من خُطى يسوع ربطَتْه بأعظم الأنبياء وأخرهم، فصارت بطريقة
احتفاليّة وبقدرة الله، تكريسَه المسيحانيّ: مُنح قوةَ الروح القدس، تثبّت في وعيه
لحياةٍ حميمة ومميَّزة ولاتّحاده الفريد مع الله أبيه. أُوكلت إلى يسوع وبصورة
نهائيّة، مهمّةُ القيام بعمل الخلاص حسب القصد الالهي الذي رسمته الكتبُ المقدسة.
ومن خلال العمل المسيحانيّ، ينكشف المشهدُ علي سرّ عميق هو سرُّ شخص يسوع المسيح
وابن الله. هذا هو المدلولُ الأساسيّ للحدَث، وهو مدلولٌ يبرز عَبْرَ عدد من
التذكرات الكتابيّة في إطار مشهد جلياني: انفتاح السماوات، مجيء الروح بشكل منظور،
صوت من العلاء. كل هذا هو إطار مهيَّأ لنعرف ما هو موضوع وحي عُلوي، وهي مهمّة يسوع
الخلاصيّة والمؤسسة على حاله كابن الله.
إن هذا الخبر الذي رَواه الانجيليّون في بداية رسالة المخلّص يبيّن أن علينا أن
نفهم كلّ حياة يسوع العامة على ضوء هذا الحدَث الذي يسبِّق على الاستنارة الفصحيّة.
وفي هذا الفيض الأوّل للروح، وفي دخول ابن الله الحاضر في وسط البشر الى المسرح،
نستطيع أن نرى أن الحِقبة الاسكاتولوجيّة بدأت، وأنّ حدَث الملكوت تدشَّن.
وأخيرًا، ستأتي لمسات تدوينيّة متنوّعة فتبين لنا ارتباط العِماد المسيحي بعماد
الربّ. فالسرُ المسيحيّ يرتبط ارتباطًا جوهريًّا بعماد يسوع، فيجعل منا ابناء الله
وحَمَلةَ روحِه القدوس.
الفصل العشرون
نسب يسوع المسيح
3: 23- 38
وصل انتظار الشعب المسيحانيّ إلى ذروته، وها يوحنّا المعمدان يدفعه إلى أقصى حدوده
بتعليمه. يقدّم لنا مسيحًا يتعدّى قامته الخاصّة، فيستعمل صورة مأخوذة من رؤية
دانيال لابن الانسان ديّانِ العالم وربِّه (دا 7: 13ي؛ رج رؤ 3: 11ي؛ 14: 14 ي).
وأبرز لوقا عَمْدًا التعارضَ بين الإِعلان الخارق، والظروف التي فيها ظهر يسوع. أيّ
تأثير على القارئ المعاصر كان لخبر هذا الشخص المجهول وسْطَ سامعي المعمدان. نستطيع
ان نتطلّع ونحدّق: هذا الذي جاء يعتمد، شأنُه شأنُ الآخَرين، لا شيء فيه يدلّ على
عظمته. أمّا صورة ديّان العالم فأينَ هي؟ صورتان متعارضتان تصطدمان هنا، يقدّمهما
لوقا ولا يحاول أن يتجنّب التعارض. فالارتفاع والانحدار يلازمان يسوع: هو ابن الله
الذي ولدَه الله ورضي عنه، وهو الإِنسان الذي يعتمد من أجل مغفرة الخطايا. ولن
نكتشف هذا التعارض إلاّ على ضوء القيامة.
1- يسوع ابن الثلاثين وابن يوسف.
إن نسب يسوع يدلّ على ارتباطه بالبشر. ويتفرّد لوقا بالإِشارة إلى عمر يسوع يومَ
بدأ رسالته: كان في نحو الثلاثين من العمر (آ 23 أ).
فاللاوّيون الذين يُعفَون من الخدمة العسكريّة ويتكرّسون لخدمة المعبد، كانوا
يبدأون عملهم في الثلاثين. هذا بحسب الشريعة (عد 3:4) مع العلم أن الممارسة اختلفت
بين نصّ وآخر (عد 24:8: 25 سنة؛ 1 أخ 24:23: 20 سنة، ولكن رج 1 أخ 3:23 حيث نجد
30). حين وصل يسوع إلى هذا العمر بدأ خدمته. وفي هذا تلميح إلى داود الذي صار
ملكًا: "كان ابنَ ثلاثين سنة يومَ ملَك، وملَك إربعين سنة" (2 صم 4:5).
فيسوع هو ابن داود، وقد أقرَّ له بهذا اللقب بعضُ معاصريه. هكذا ناداه ابن طِيما
الأعمى (مر 47:10- 48). وهتفت له الجموع يوم دخل إلى أورشليم: "تباركت المملكة
الآتية باسم الربّ، مملكةُ إبينا داود" (مر 11: 10 وز). وستعلنه الكرازة الرسوليّة
أيضا بهذا الإِِسم. قابل بطرس بينه وبين داود (أع 29:2- 32) في خُطبته يوم العنصرة،
وكذا فعل بولس في أنطاكية بسيدية: "أخرج الله من نسل داود حسب الوعد يسوعَ مخلّصًا
لشعب إسرائيل" (أع 23:13). ونقرأ فعل إيمان قديم في روم 1: 3- 4: "في شأن ابنه الذي
في الجسد جاء من نسل داود، وفي الروح ثبت أنه ابن القدرة بقيامته من بين الأموات،
ربّنا يسوع المسيح".
وإن نصّ لوقا الذي ندرس ومت 1: 1- 17 يقدّمان نسلَ يسوع الداوديّ الذي يجعل من
مسيحانيّته مسيحانيّة شرعيّة. يسوع هو الملك الممسوح وهو ابن داود.
يتحدّث كلٌّ من لوقا ومتى عن ميلاد يسوع البتوليّ، ويربطان نسبَه بيوسف، لا بمريم،
لأنّ العهد الجديد لا يربط نسب الإِنسان إلاّ بالرجال.
النسَبُ في متى والنسب في لوقا مختلفان ويبدوان مصطنَعَين، شأنُهما شأنُ كل الأنساب
في التوراة. يلتقيان فيما يخصّ الآباء من إبراهيم إلى داود، في شلتئيل وزربّابل،
بعد العودة من المنفى، وفي يوسف، ابي يسوع.
يحسب متى 42 (3×14) جيلاً، من إبراهيم إلى يسوع، عَبْرَ ملوك يهوذا. أمّا لوقا
فيحسب 77 (11×7) من يسوع إلى آدم ولا يُعدّ من الملوك إلاّ داود.
يجعل متى نسب يسوع في بداية إنجيله. أمّا لوقا فيتركه إلى ما بعد. هو لم يشأ أن
يشير إلى نسب يسوع البشريّ قبل أن يتحدّث عن بنوّته الإِلهيّة (35:1؛ 3: 22). ربط
يسوع بآدم، لا بإبراهيم فقط، ليدلّ على ارتباط يسوع بالبشريّة كلّها، لا بشعب
إسرائيل وحدَه. وهو لا يذكر الملوك بين داود وشلتئيل، بل أَسماءَ أنبياء. تلك كانت
ردّة الفعل عنده ضدّ نظرة مسيحانيّة زمنيّة، كتلك التي سمعها من الشيطان في تجربته
الثانية (6:4).
نقرأ هنا جملة اعتراضيّة: على ما يُظَنّ، كانوا يحسبونه ابنَ يوسف. إنها تذكّرنا
بحبل يسوع البتوليّ، على ما عرفنا في إنجيل الطفولة (1: 34). لا ليس يوسف أبا يسوع
حسب الجسد، كما يمكن أن يُظنّ الناس. أبوه الحقيقيّ نقرأ اسمه في نهاية السلسلة:
الله.
2- أجداد المسيح.
تتضمّن سلسلة أجداد المسيح 11 مجموعة وتتألّف كلّ مجموعة من سبعة أسماء. أمّا يسوع
فهو الإِسم الأوّل في المجموعة الثانية عشرة. إنه يملأها وحدَه، فتجد السلسلة كلها
كمالَها فيه.
كلّ أجداده يُعتَبرون أشخاصًا يهيّئون مجيئه. هذا ما نقوله عن أخنوخ الذي سار بحسب
شريعة الله فأخذه الله إليه (تك 5: 24)، وعن إبراهيم الذي آمن فحُسب له إيمانُه
بِرًّا (تك 15: 6) وعن داود الذي كان مثال الملوك الذين جاؤوا بعده. يشكّل أخنوخ
رأسَ المجموعة الثانية، وإبراهيمُ رأسَ المجموعة الرابعة، وداودُ رأسَ المجموعة
السادسة. أما في رأس المجموعة الثانية عشرة فنجد يسوع الذي يحمل رقم 78 ويدشّن
عهدًا جديدًا كاملاً.
حين وضع لوقا نسب يوسف عاد إلى مراجع نجهلها، وهي تختلف عمّا في متى بالنسبة إلى
الحِقبة التي تلي المنفى. راح من زربّابل، فتبع فرع ناتان، لا فرعَ سليمان (رج 2 صم
5: 14؛ 1 أخ 3: 5؛ 14: 4). ثم راح من داود إلى إبراهيم فاستفاد مثلَ متى ممّا وجده
في سفر راعوت (18:4- 22): "وهذه مواليد فارَص. فارصُ ولد حَصرون، حصرون ولدَ رام،
رامُ ولد عمّيناداب، عمّينادابُ ولد نحشون، نحشونُ ولد سلمون، سلمونُ ولد بوعَز،
بوعز ولد عوبيد، عوبيد ولد يسَّى، يسَّى ولد داود". ذكر متى تامار أمَّ فارص (را 4:
12؛ مت 1:3) وراعوت أمَّ عوبيد، واعتبر راحابَ الزانيّة أمّ بوعز (مت 1: 5)، قُرب
بتشابع الزانيّة التي ولدت سليمان. أمّا لوقا فلا يذكر هؤلاءِ النساءَ الخاطئات أو
الغريبات عن شعب الله. سيتهيّأُ له أن يذكر هؤلاء اللواتي سيتبعن يسوع على مثال
الرسل والتلاميذ؛ مريمَ المجدليّة، يونةَ امرأةَ خوزي، سوسنّة (لو 2:8-3).
وانطلق لوقا من إبراهيم الى آدم فاستعاد تك 11: 10- 26 و 5 :7- 32 حسب الترجمة
السبعينيّة (رج 1 أخ 1: 34؛ 2: 1- 15). فنحن نقرأ في تك 12:11 حسب النصّ العِبريّ:
ولد أرفكشاد شالح. أمّا في النصّ اليونانيّ فنقرأ في آ 12: ارفكشاد ولد قَينان، وفي
آ 13، قينان ولد شالَح. وهكذا يرِد اسم قينان مرّتين في نصّ لوقا في آ 36 وآ 37.
عددُ الأسماء عند متى 42: 3 × 14. فالعدد 14 يدلّ على جمع الحروف العبرانيّة
الثلاثة التي تكوّن اسم داود (في العبريّة: دود أي 4+ 6+ 4). وقد نجعل الأرقام 6×7.
ففي الحسابات الجليانيّة، سيأتي يسوع في نهاية الأسبوع السادس من التاريخ المقدّس
الذي يبدأ مع إبراهيم، أي في ملء الزمن. وقد يكون رقم 14 هو نتيجة 7×2، أي عدد
الكمال الذي يتكرّر. وقدّم شرّاح آخرون الاقتراح التالي: لاحظ متّى أن السلسلة التي
قرأها في را 18:4- 22 (رج 1 أخ 2: 10- 13) قدّمت عشَرة أسماء (على عدد أصابع اليد
كما في تك 5) من فارص إلى داود. زاد عليها متى والد فارص والآباء الثلاثة الأوّلين
أي إبراهيم وإسحق ويعقوب، فكان له 14 اسمًا. فانطلق من هذا الرقم الأساسيّ وكوّن
الحِقبتَين الأخريَين الأولى والأخيرة، مُغفِلاً اسم ثلاثة ملوك وقعوا بين يورام
وعزّيا وهم أحَزيا، يوآش، أمصيا. وهكذا وجد متى إطارًا بيبليًّا لسلسلة أجداد يسوع
من إبراهيم وداود حتى "يوسف رجلِ مريم التي ولدت يسوع الذي يدعى المسيح" (مت 1:
16).
ولكن، ما هو الحِساب الذي أخذ به لوقا؟ هنا يختلف الشُرّاح. فمن قائل إنّ يسوع حلّ
في المجموعة الثانيةَ عشْرة، فكمّل المجموعات التي سبقته. هنا نشير إلى الرقم
المثلّثيّ الذي هو مجموعة الأعداد من 1 الى 12 (1+ 2+ 3...+ 12= 78). وهذه النظرة
تلتقي نظرةَ سِفر عزرا الرابع (كتاب منحول) الذي يقسم الكون الى 12 حقبة، وكلُّ
حِقبة تتألّف من سبعة أسابيع. فإذا أخذنا بهذا القول، يكون ظهور يسوع في بداية
الحِقبة الثانيةَ عشْرةَ وخلالَ أسبوع العام الأخير.
ثم إن هذه اللائحة تتجذّر عَبْرَ داود وإبراهيم في آدم. في نظر لوقا، ليس يسوع فقط
نسل داود الذي فيه تتحقّق المواعيد التي أعطيت لملك يهوذا. وليس فقط ابنَ إبراهيم
الذي يحمل المواعيد لشعب إسرائيل الذي يسمي الله "أبانا" (أش 2:51). يسوع هو من نسل
آدم لأن فيه يجد نسلُ آدم كمالَه.
ونذهب أبعدَ من ذلك. فيسوع عَبْرَ آدم هو "ابن الله". هل يشير لوقا بذلك إلى أنّ كل
إنسان هو من نسل إلهيّ على ما يقول بولس الرسول في خُطبته إلى أهل أثينة: نحن من
نسله، نحن ذرّيته، نحن أبناؤه (أع 28:17)؟ هناك موازاة لافتة مع العهد القديم توجّه
تفكيرنا في مَنحى كرستولوجيّ: سلسلة نسب يهوديت (= اليهوديّة في العبرية) التي
تمثّل كلّ إسرائيل، كأنه شخص حيّ. إن هذه السلسلة (يه 8: 1) تفتتح خبر عملها
الجليل، وهي تبدو بشكل صاعد: "بنت مراري بن اخس... بن شلوميئيل بن صورشدّاي بن
إسرائيل". هذه السلسلة تشبه ما نقرأه في لوقا عن نسب يسوع "ابن يوسف، بن هالي... ان
نسب يهوديت ينتهي باسم إسرائيل فيقدّم جَدّها الأخير ذلك الذي تجسّده بحياتها
وعملها. على ضوء هذه الموازاة نتساءل: أتكون صُدفةً أن يعطي نصّ لوقا ليسوع كالجدّ
الأخير ذلك الذي يجسّده، أي الله؟
وما يَلفِت نظرَنا في هذه السلسلة هو غيابُ سليمان. ينحدر يسوع من داود عَبْرَ
ناتان، الأخِ الأكبر لسليمان (2 صم 5: 14). إن الكاتب أبعد قصدًا باني الهيكل حاسب
لاهوت تشهد له خُطبة اسطفانس أمام رئيس الكهنة: "إلا أن سليمان هو الذي بنى البيت.
لكن الله العليّ لا يسكن بيوتًا صنعتها الأيدي" (أع 47:7- 48). وبهذه الطريقة، أبعد
لوقا كلّ أبناء داود المتحدرين من سليمان أي سلالة ملوك يهوذا في الجنوب. كم نحن
بعيدون عن متى الذي يربط يسوع بداود وإبراهيم! فيسوع هذا الذي نال مسحةً من العلاء
يبدأ سلسلة جديدة وتاريخًا جديدًا (آ 23). وهو لا ينحصر داخل أيّ عالم إقليميّ أو
عرقيّ.
لقد حاول أبناء بلدته وخاصّته أن "يستولوا" عليه: هو منّا وهو لنا. "فاعمل هنا في
وطنك ما سمعنا انك عملته في كفرناحوم" (23:4). ولكن يسوع لم يتحرّر فقط من وطنه
بالمعنى الضيّق، أي الناصرة، بل تحرّر من العالم اليهوديّ كلّه. وقد سبقه إلى ذلك
إيليا الذي أُرسل الى صرفت صيدا، واليشاع الذي شفى نعمانَ السوريّ (4: 25- 27).
لا نحدد موقعَ يسوع في أرض ولو كانت الأرضَ المقدّسة، ولا في شعب ولو كان ذلك الذي
اختاره الله من أجل رسالة محدّدة. نحدّد موقعه في تاريخ البشر، بحيث يتجاوز بلا
قياس حدود إسرائيل.
هنا نشير إلى انفتاح متى الذي انطلق من إبراهيم إلى داود فوصل الى يسوع، ولكنه
سيعود أيضا إلى آدم وإلى بداية البشريّة. فلائحة الأسماء (42 اسمًا) التي يوردها
(مت 1: 1- 16) تقدّم "مواليد" (أي نسب، توليدوت في العبريّة) يسوع التي تتجذّر في
الخليقة التي هي مثال العهد. وهذا ما نستشفّه في آ 1: "يسوع المسيح ابن داود ابن
إبراهيم". تبدأ الأسماء الثلاثة (المسيح) م (داود) د (إبراهيم) أ. فاذا قرأناها
بحسب الطريقة اليونانيّة (من الشمال إلى اليمين) لا الساميّة (من اليمين إلى
الشمال) يكون لنا اسم آدم.
ثم إن عماد يسوع فيا مت 16:3-17 يظهر كأنه تَولية مسيحانيّة تُتم عهد سيناء.
والسلسلة التي بها يفتتح إنجيله هي نهاية التاريخ البشريّ في يسوع، نهايةٌ عمر
عَبْرَ إيمان إبراهيم ومملكةِ داود وآلام المنفى.
3- المعنى الروحيّ لهذا النسب.
"وكان له نحو ثلاثين سنة". لقد صار الصبيّ رجلاً، ومع ذلك لم يحصل في حياته شيءٌ
خارق. كما وجب على الشعب أن ينتظر قرونًا عديدة، فقد انتظر شهودُ ولادته عددًا من
العقود. فلا أحد يستطيع أن يحدّد ساعة الله. ويقدّم لنا الكاتب سلسلة طويلة من
أجداد يسوع وكأنّهم تذكير حيّ بحنين التتمّة التي تمرّ عبر التاريخ. كل هؤلاء
انتظروه ولم يعرفوه. بهم حنينُ الله ولكنه حنينٌ لا يصل إلى موضوعه. وإبراهيم
نفسُه، كم تشوّق أن يرى يوم يسوع! رآه في وجه إسحق وابتهج، ولكن شتّانَ ما بينَ
الرمزِ والحقيقة. فهذا السرّ ظلَّ مخفيًّا مدى الدهور (أف 9:3)، وسنكتشفه بفضل يسوع
المسيح.
كل آباء العهد القديم حنُّوا إلى ساعة يسوع، ولكنهم ظلّوا منغلقين. "ماتوا في
الإِِيمان دون أن ينالوا ما وعد الله به، ولكنهم رأَوه وصدّقوه وحيَّوه عن بعد" (عب
11: 13).
زربّابل الذي يتكلّم عنه النصّ هو ذلك الذي تحدّث عنه النبيّ حجّاي. قال الربّ:
"إني أزلزل السماء والأرض (هذا يدلّ على حضور الربّ وقدرته) وأقلِبُ عرش المماليك
(الله هو سيّد التاريخ)... آخذُك يا زربّابل بن شألتيئيل عبدي (كان موسى عبدَ
الله). أجعلك كخاتم وبك أختم أعمالي وأقوالي (فيرى الناسُ أنها صادقة ولا غش فيها)،
فإني قد اخترتك" (حج 2: 21- 23). فمفردات "عبد"، "أخذ"، "خاتم"، "إختار" هي ألفاظٌ
مسيحانيّة تقليديّة. فزربّابل، الذي من نسل داود هو الملك (المسيح) المنتظر في هذه
الساعة المتأزّمة من تاريخ شعبه، وهو يدلّ على يسوع المسيح.
وهذا ما نقوله عن داود، عن يسَّى الجَدّ، عن جُذور الجذع، عن بوعزَ زوجِ راعوت، عن
يهوذا الذي نقل إليه يعقوب الموعد (تك 49: 10)، عن الآباء، عن نوحٍ الذي ارتفعت
فوقه قوسُ قُزَح، ارتفعت في الغمام فدلّت على عهد بين الله والأرض (تك 13:9)، عن
نوحٍ الذي فيه وجدَ لامكُ أبوه الرجاءَ المسيحانيّ: "إنه يعزّينا عن أعمالنا وعن
مشقّة أَيدينا في الأرض التي لعنها الربّ" (تك 29:5). أجل نوح هو رمزٌ إلى الخلاص
الذي يرسله الله إلى البشريّة (تك 8:6).
ونعود الى أخنوخ الذي رُفع إلى السماء فدلّ مسبَّقًا على القيامة، وإلى أنوش الذي
بدأ الناسُ فيِ أيّامه يرفعون الدعاء لاسم الربّ (تك 26:4)، إلى شيت الابن الذي
حلَّ محلَّ هابيل الذي قُتل. وأخيرًا، إلى آدم الذي هو نقطة انطلاق الجنس البشريّ،
وموضعُ أصل خطيئة البشر وموضعُ رجائه.
كل هؤلاء، يقفون خطًّا واحدًا وهم يحملون بلاغًا ورسالة ينقلها الواحد من يد الآخر
حتى تصل إلى المسيح. فرغم سقطاتهم المتعدّدة وصلت الرسالة إِلى هدفها وجاء يسوع من
العلاء (يو 23:8). أمّا صورته فهي ملكيصادق ملك السلام الذي "لا أبَ له ولا أمَّ
ولا نسبَ، ولا لأيّامه بداءَةٌ ولا لحياته نهاية" (عب 2:7-3).
ومع ذلك، فأجداد يسوع البشريّون عديدون. ها نحن من جديد أمام تعارض طبيعتين،
الطبيعةِ العُليا والطبيعةِ الدنيا. فابن الله هو أيضًا ابن آدم كما أنه ابن
إبراهيم. ولهذا يبدو في الوقت عينه ابنَ الانسان الخاطئ وابنَ الموعد. وكلّ
النظريّات التي تقول إنه لم يكن يهوديًّا، سواءٌ جاءت من التلمود كذبًا وافتراءً
عليه أو من عالم اليوم محافظةً على كرامته، كلّ هذه النظريّات تبوء بالفشَل بسبب
هذا النسب: بما أن يسوع هو يهوديّ، فهو ينتمي إلى سلسلة المواعيد هذه. ونحن لا نجد
الوحيَ إلا في المكان الذي اختاره الله ليعرّف فيه عن نفسه. ليس يسوع فكرة مجرّدة
بل إنسانٌ حقيقيٌّ. والوعد ليس سَرابًا تخيّله البشر، بل رجاءٌ أعطاه الله لأناس
محدودين. ولهذا ارتبط يسوع بأجداده رباطًا لا يُفكّ.
ونحن الذين تختلف أجدادُهم عن أجداده، فهذا النسب لا يفصلنا عنه. وإذ أراد لوقا أن
يوضحه، عاد بنسب يسوع لا إلى إبراهيم، بل إلى آدم. فآدم هو أبونا كلِّنا. إنه صورة
عن وَحدة الجنس البشريّ، وهي وحدة تتغلّب على التنوّع الذي يميّز البشريّة. وجودنا
البشريّ هو في آدم. "في آدم" نموت جميعُنا (روم 17:5)، لأننا فيه خطئنا كلُّنا (روم
12:5). فالحلَقة الأولى من السلسلة تعارض الحلقةَ الأخيرة التي هي آدمُ الجديد.
وهكذا يبدو آدم القديم "صورةً لمن سيجيء بعدَه" (روم 14:5). خرج آدم القديم مباشرةً
من يد الله، ولهذا لُقِّب "ابن الله". وآدم الجديد جاء أيضًا مباشرةً من عند الله،
كما تذكّرنا الولادة البتوليّة، وهذا رغمَ نسبه البشريّ.
فالمسيح هو "آدمُ الأخير" وقد جاء من أجل جميع البشر إخوته "في آدم". كما أنهم
يموتون جميعُهم في آدم، كذلك هم في المسيح سيحيَون" (1 كور 22:15). أجل، دخل يسوع
في سُلالتنا وجعلنا من سلالته. صار ابنُ الله إنسانًا فجعل الإِنسان ابن الله.
الفصل الحادي والعشرون
يسوع ابن الآب والمنتصر على الشيطان
4: 1-13، رج مر 1:12- 15، مت 4: 1- 11
نحن نمتلك ثلاثة أخبار عن تجربة يسوع في البريّة، ولكن في مثل هذه الحالة تحتفظ
ذاكرتنا بشميلة تتضمّن سلسلة من وقائع بالنسبة إلى هذه التجربة: جبلٌ عالٍ، عزلة،
الشيطان، تجاربُ ثلاثٌ تغلّب عليها يسوع في بداية حياته العلنيّة. كل هذا يرتبط
بطابع غريب وعتيق، حيث ما هو عجيب يرافق ما هو شعبي، بل قريب من الفولكلور.
من الواضح أنه يجب أن نكتشف من جديد النصوص الثلاثة (متى، مرقس، لوقا) في تنوّعها،
لندرك الهدف الخاصّ بكل إنجيليّ إزائيّ، ونفهم كيف أنّ الخبر خدم الهدف الذي وضعه
نُصبَ عينيه. حينئذ يمكننا أن نتساءل عن موقع هذه التعاليم في عمل كلّ إنجيليّ
بالنسبة إلى مراجعه، وبالنسبة إلى مجموعة تقليديّة كبيرة.
نسعى بصورة خاصّة إلى عرض مخطّط يدفع القارئ الى الشغل الشخصيّ على هذه المجموعة
الغنيّة. وطريقنا يطرح مسألة العلاقات بين النصّين الطويلين (مت ولو) ورجوعهما إلى
العهد القديم. ويَلفِت نَظرَنا بعد ذلك تاريخيّةُ المراجع وتاريخُ تفاسير هذه
النصوص في التأويل التقليديّ والحديث. وأخيرًا، بعد أن نجعل هذه الأخبار في قرائنها
الأدبيّة نتساءل هل تَعنينا هذه الأخبار فتطرح علينا سؤالاً لا بدّ من الجواب عليه.
أ- قراءة إزائيّة (مت 4: 1- 11؛ مر 1: 12-13؛ لو 4: 1-13).
حين نرجع إلى إزائيّة، يَلفِتُ نظرَنا إيجازُ خبرِ مرقس، واتِّساعُ ما يوازيه في
متى ولوقا. ونلاحظ أيضًا الترتيبَ الذي فيه وردَت التجربتان الثانيةُ والثالثة:
فالتجربة التي بها امتُحن يسوع في أورشليم (أصعدَه على جناح الهيكل) جاءت عند متى
في الدرجةِ الثانية، وعند لوقا في الدرجة الثالثة.
وإذا عُدنا الى التفاصيل، نرى أنّ بداية خبر مرقس (آ 12، 13 أ) توافق تقريبًا
مقدمتَي الإِنجيليَّين الآخرين؛ أمّا آ 13 ب (وكانت الملائكة تخدمُه)، فهي توافق
نهاية متى، ولا توازي ما نجده عند لوقا.
ويتّفق الإِزائيّون الثلاثةُ على جعل خبر تجربة يسوع يأتي حالاً بعد خبر الاعتماد
والتيوفانيا، حيث الصوتُ السماويّ دلَّ عليه أنّه ابن الله. غير أن لوقا أقحَم بين
الاثنين (اي الاعتماد والتجربة) نسَبَ يسوع (يختلف لوقا عن متى) الذي يجعله متى في
بداية إنجيله (مت 1: 1-17، لا نجد هذا النسب في مرقس). وأخيرًا، بالنسبة إلى
الإِنجيليّين الثلاثة، إنّ خبر التجربة يسبق حالاً عودةَ يسوع إلى الجليل وبدايةَ
رسالته العامّة.
من الواضح أنّنا سنقرأ من جهة مت ولو، ثم التعليق القصير في مر، فنميّز على الأقلّ
بطريقة موقّتة ما ينتمي إلى مرقس وما هو مشترك بين مت ولو، والذي يسمّيه العلماء
"المَعين".
وإطار السيرة هو هو، والظروفُ مشابهة: يرتبط عمل الروح بإقامة أربعين يومًا في
البريّة التي هي موطن التجربة، وموضع غلبة يسوع على الشيطان، كما شدّد عليها مر ومت
بموضوع خدمة الملائكة (وكانت الملائكة تخدمه، وإذا ملائكة أقبلت وأخذت تخدمه).
ونستطيع أن نوجز خبر مرقس (الذي يبدو بشكل إطار) في ثلاث نِقاط: عمل الروح الذي
يقود يسوع إلى البريّة، هناك جُرِّب، جاءت الملائكةُ تخدمه. بساطةٌ في الخبر، ولكن
صعوبة في التفسير.
هناك صعوبةٌ أمام موضوعَين يبدوان مستقلَّين، ولكنهما وُضعا الواحدُ قرب الآخر:
موضوعُ التجربة في البريّة، وموضوع إقامة الابن إقامةً هادئة في هذه البريّة عينِها
وسط وحوش تصالحَ معها وملائكةٍ خضعَت له. هل من تماسُكٍ بين الموضوعين؟ هل من
تماسكٍ بين هذه المجموعة وتفسيرَي مت ولو؟ سنعود إلى هذه الأسئلة.
قدّم لوقا ومتى خبرًا عن التجارب الثلاثة، هو توسيع للموضوع الأول الذي أشار إليه
مرقس: "يجرَّب من الشيطان" (آ 13). إن خبر التجارب يرتبط بمرجع مشترك، ويتميّز
بعودته إلى العهد القديم الذي يعطيه بُنْيته المُحْكمة. إن الاستشهادات الكتابيّة
التي نقرأها فيه تساعدنا على إقحام هذه النصوص في لُحْمة الخبر.
ب- العهد القديم في خبرَي مت ولو.
نحن إذن أمام ثلاث تجارب: الخبز، على قمة الهيكل، أمام ممالك الأرضِ، مع استشهادات
واضحة أو متضمّنة من العهد القديم، وُضعت على شفتَيْ يسوع أو حتى على شفتَي
الشيطان. فإذا وضعنا جانبًا مز 91: 11 ي الذي استشهد به الشيطان، ترجع سائر
الاستشهادات إلى سِفر التثنية.
أُخذت الاستشهادات من تث 6 و8 اللذَين يفسّران بدورهما مجموعة أخبار الخروج عن
إقامة بني إسرائيل في البريّة (خر 16- 23).
تشكّل استشهادات تث أجوبة يسوع للشيطان. هي تتوزّع الخبرَ وتساعدنا على فهم معناه.
حاول الشُرّاح أن يتدارسوا سيكولوجيّة يسوع الدينيّة، أو الطابع المسيحانيّ لعودة
الشيطان إلى مز 91 أو معقوليّة المعطَيات وتاريخيّتها... أمّا نحن فنتوقّف عند
الأقوال الموضوعة على شفتَي يسوع، ونبدأ درسنا منطلقين من إنجيل متى.
1- "لا يحيا الإِِنسان بالخبز وحدَه".
يعود الاستشهاد الى تث 2:8- 5 حسب النصّ اليونانيّ كما يقرأه في السبعينيّة. يحرّض
موسى بني إسرائيل ليتذكّروا كيف ربّاهم الله كما يربيّ الأب أبناءَه في البريّة،
وجعلهم يختبرون نعمته (التي دلّ المنُّ عليها)، كما اختبروا التجربة. إذن، نحن هنا
أمام تذكير بحدَثٍ رواه خر 16: تذمُّر بني إسرائيل في البريّة (علاقة بين تجربة
يسوع وتجربة إسرائيل ولا سيما ذكر الأربعين يومًا من جهة، والأربعين سنة من جهة
أخرى). ولكن إسرائيل كان ابنًا عاقّا وغير مؤمن، فسقط في التجربة. أمّا يسوع فاكتفى
بأن يورد الدرسَ الذي يقدّمه تث فبدا ذلك المعلم المتنبّه إلى تجارب الشيطان والابن
الطائع لأبيه السماوي.
2- "لا تجرِّب الربَّ إلهَك".
يرجع الاستشهاد هنا إلى تث 16:6 (حسب السبعينيّة). إذن، نعود مرّةً ثانية إلى كرازة
تث التي تحذّر شعب إسرائيل من تجديد ضلال الآباء الذين جرَّبوا الله في مسّة، حين
شكّوا بحضوره وطلبوا آية (رج خر 17: 1- 7). ورد االاستشهاد في فم يسوع فكفى لينهي
بسرعة قضيّة عرضَها الإِِنجيليّ عرضًا مطوّلاً. وظلّ يسوع الابنَ الواثق بأبيه،
الابنَ الحكيم والبارّ الذي لا تزعزعه التجربة.
3- "للربّ إلهك تسجد"
ونعود في المرة الثالثة إلى سفر التثنية في نسخته اليونانيّة. أجاب يسوع الشيطان
بإيراد تث 13:6، فأشار إلى ما يحيط بالنص (تث 12:6- 15): عبادة إسرائيل الداخل إلى
أرض الميعاد تنحصر بالله وحدَه. ولكن إسرائيل وقع في التجربة فقدم عبادة "لآلهة
الأمم" الوثنيّة. أمّا يسوع فقرأ متطلّبات خر 23: 20- 23 على ضوء جذريّة تث. أكّد
يسوع هذا الخضوع لله الواحد، وهذا ما لم يفعله إسرائيل. أكّده، بوضوح يأبى أيَّ
جدال أو تردّد. ويتوقّف الخبر هنا في إنجيل متى.
إذن، من الواضح أنّ التجارب الثلاثَ، أو بالأحرى المجابهات الثلاث، قد رُويت حسب
رسمة ترتبط بسفر التثنية. سارت بطريقة عكسيّة (تث 2:8- 5؛ 16:6؛ 13:6)، ولكنها
اتّبعت ترتيبًا منطقيًّا إذا قرأناها كتفسير سريع لخبر إقامة بني إسرائيل في
البريّة كما يرويه سفر الخروج: حدَث المَنّ (خر 16)، حدَث مسة (خر 17)، فرائض أعطيت
قبل الدخول إلى ارض كنعان (خر 23).
إن هذا التماسك في الإِيرادات الكتابيّة هو تعبير عن البُنية المتماسكة لخبر
التجارب الثلاث لدى متى، وهذا الخبر هو استعادة واعية لأحداث الخروج التي يعطينا
يسوع عنها في شخصه تفسيرًا حاسمًا: حيث سقط إسرائيل، هناك انتصر ابن الله بطريقة
نهائيّة. وإن هذا التفسير يوافق نيّة الإِِنجيليّ الأوّل وطريقة استعماله للعهد
القديم في خدمة الكرازة الكرستولوجيّة.
ونلاحظ من جهة أخرى أنّ "شيطان التجارب" يعرف هو أيضًا الكتب المقدّسة معرفةً
تامّة. فهو يسير مع أحد التقاليد، وينسب إلى ابن الله سلطة إعطاء الحياة لحجارة
يستطيع أن يجعل الله منها "أبناء لإبراهيم" (مت 9:3). ويورد مز 91 الذي يَعِدُ
البارّ بحماية الله غيرَ المشروطة لَه بواسطة ملائكته. أمّا انتقال يسوع إلى الجبل
فيذكرنا برؤية موسى على جبل نبو حيث "أراه الرب" جميع الأرض" (تث 34: 1)، أو بما
رآه إبراهيم في حماة حاصور كما يقول التقليد المنحول الذي نجده في قُمران (المغارة
الأولى، رؤيا التكوين). أو بما رآه باروك حسب "رؤيا باروك" (كتاب منحول يعود الى
القرن الثاني ب. م.): رأى الأرض كلّها من قمة أحد الجبال.
وهكذا نشهد صراعًا بين تفسيرين للتقليد الكتابيّ: تفسير صادق وتفسيرٍ شيطانيّ. إن
هذا الصراع يوضح حسب متى تقليد مرقس المتعلّق بيسوع الذي اقتاده الروحُ إلى البريّة
ليجرَّب هناك. وقد فهم هذا التقليد نفسه على ضوء الكتاب المقدّس، كمناسبة لتمييز
علاقة الابن بتقليد الآباء في بداية حياته الرسوليّة.
ويبينّ الأب جاك دوبون البندكتانيّ أن ترتيب التجارب لدى متى هو الأقرب الى المرجع
الذي يستقي منه. فهذا الترتيب يخضع لمنطق تسلسل الإِيرادات. أمّا ترتيب لوقا فلا
يهتمّ بهذا التسلسل. ثم إن الإِِنجيل الثالث بُني حسب رَسْمة تصل بنا إلى أورشليم
مع آلام المسيح. فنحن نجد إعلانًا لهذا البرنامج منذ التجربة الأولى بترتيب
التجارب، وجعل أورشليم مسرحَ التجربة الأخيرة. وهناك تفاصيل عديدة تدلّ على دمغة
لوقا: "الخبزات" صارت "الخبز". "الجبل" صار "المرتفع" أو إلى "فوق". وأقحم جملة
إعتراضيّة: "ومجدها لأنها أعطيت لي" (آ 6). وأخيرًا، وضّح لوقا الخاتمة: "ولما أنجز
إبليس جميع تجاربه، انصرف عنه إلى الوقت المعيّن" (أي وقت الآلام، 3:22، 53، ترجمة
أخرى: الى المناسبة). ولكننا سنعود إلى هذه النقاط التفصيليّة حين نحلّل التدوين
الإِِنجيليّ.
إذن، نكتفي بالملاحظة أنّ أخبار التجربة الثلاثة (عند مت ولو اللذَين توسّعا في
تعليق مر القصير) دُوِّنت حسب نموذج مشترك اقترب منه متى. وهذا النموذج ينتمي إلى
فنّ أدبيّ هو تفسير الكتاب المقدّس تفسيرًا تربويًّا يشدّد على عنصر العجيبة. ولكنه
تفسير متشعّب. فتفسير التقليد المتعلّق بيسوع المجرَّب في البريّة هو مناسبة لتقديم
تعليم الخروج التقليديّ وتأويله الاشتراعيّ في شخص الابن. ويتّخذ هذا التفسير شكل
مبارزة على طريقة الربانيّين بين يسوع والشيطان. يبقى علينا أن نتفحّص من جهة أهداف
التأويل الأوّلاني ومناهجه، ومن جهة ثانية مزج المواضيع الذي يتيح لنا أن نحدّد
الخيار اللاهوتيّ الذي اتّخذه المدوّن الإِِنجيليّ تجاه المجمع (أو العالم
اليهوديّ).
ج- تدوين متى وتدوين لوقا
نعود هنا الى النصّين الموازيَين فنكتشف التشابه والاختلافات على مستوى المفردات
والبُنية. لن نتوقّف عند كل هذه العناصر ، وإن كان التوقف ضروريًّا لنصل الى الدقّة
في التحليل، ولنكتشف غنى كلٍّ من هذين النصّين. لهذا ستكون ملاحظاتنا إشاراتٍ
سريعةً من أجل عمل لاحق.
ذكرنا سابقًا التشابه في القرائن، وبيَّنا الاختلاف الأساسي عند لوقا حين أقحم نسب
"ابن الله" قبل خبر التجربة. وها نحن نسجّل نقاطًا أخرى. يتبع متى مرقس عن قرب،
فيكتفي بالتشديد على هدف تدخّل الروح الذي "يقود" يسوع الى البريّة "لكي" يجرَّب
هناك. أمّا لوقا فذكر أوّلاً عماد يسوع، قال (فالخبر انقطع بسبب النسيب الذي ورد في
23:3): "ورجع يسوع من الأردنّ وهو ممتلئ من الروح القدس". وبقوله هذا، لم يبرز كما
فعل متى هدف مجيء يسوع إلى البريّة. قال لوقا: "اقتاده الروح" (يدلّ الفعل على
مسيرة متواصلة)، فدلّ على أن يسوع ظلّ خاضعًا للتجربة طوال إقامته في البريّة.
وُضعت الجمل بعضُها بجانب بعض كما في مر 1: 12، 13 أ، فلفتَت انتباه القارئ إلى ما
يحدُث ساعةَ تجربة يسوع المملوء من الروح، ولم تعلمه عن معنى التجربة في رسالته.
زاد متى (آ 2): "وأربعين ليلة"، فلم يبتعد عن التلميح إلى الأربعين يومًا التي فيها
جرّب إسرائيل في البريّة (تث 8: 2- 5)، ولكنه أراد أن يتذكّر خبرة إيليا الذي "سار
أربعين يومًا وأربعين ليلة إلى جبل الله" (1مل 8:19). ونذكر أيضًا وبصورة خاصّة
موسى الذي قضى على جبل سيناء "أربعين يومًا وأربعين ليلة" قضاها في الصلاة لا يأكل
ولا يشرب (خر 28:34؛ تث 9:9) قبل أن يتقبّل لوحَي الوصايا. وهكذا شدّد متى على صوم
يسوع الذي طال كلّ هذه المدّة الأربعينيّة.
ونقرأ عند متى وعند لوقا: أنّ يسوع جاع "أخيرًا" أو بعد أن "انقضت" هذه الأيام. إن
هذه المقدّمة المشتركة بين متى ولوقا تذهب بنا أبعد ممّا ذكره مرقس بصورة سريعة:
أربعون يومًا.
1- التجربة الأولى عند متى ولوقا
يكمن الموضوع الحقيقيّ للتجربة في مناسبة الشكّ بالإِعلان الذي تمّ يوم العِماد.
إذن، ستطرح مشكلة الآيات التي تتيح ليسوع أن يؤكّد لقب الابن ويختبر مضمونه.
ماذا عرض الشيطان على يسوع في متى؟ "مُر (قل) هذه الحجارة فتصير أرغفة". فتجاوب هذا
العَرض مع الجوع الذي أحسّ به يسوع (آ 2). ونستطيع أن نرى أيضًا في هذا العرض
تلميحًا إلى إقامة إسرائيل في البريّة، حين كان الشعب كلّه يبحث عن طعام.
أمّا عند لوقا فنجد أوّلاً مقدمة "أدبيّة". ثم يعرض الشيطان على يسوع لا دواءً لجوع
يحسّ به، بل تتميمًا لمعجزة: "مُر (قل) هذا الحجر أن يصير خبزًا". إن تحوّل الحجر
تحوّلاً سحريًّا بفعل كلمة يسوع، يرتبط بالمعجزة. فيسوع لا يطلب أن تصير الحجارة
خبزًا، بل هو يأمرها بسلطانه.
وجاء جواب يسوع استشهادًا من تث 3:8 حسب الترجمة اليونانيّة. قال النصّ العبريّ
فظلّ غامضا: "كلّ ما يخرج من فم الله". أمّا اليونانيّ فقال: "كل كلمة (ريما) تخرج
من فم الله". قال لوقا: "لا يحيا الانسان بالخبز وحده" (آ 4). ولكن متّى الذي يهتمّ
اهتمامًا خاصًّا بالكلمة أكمل الاستشهاد حتى نهاية الآية. قال: "لا يحيا الإِنسان
بالخبز وحدَه، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (آ 4).
وهكذا يبدو يسوع ذلك "المسكينَ بالروح" كما يقول متى (3:5) ذلك الإِنسان الذي يحيا
من كلمة الله ونعمته، ذلك الابن الذي ارتبط ارتباطًا كاملاً بالآب في البريّة ورفض
مبادرة يطالب فيها بشيء من الأشياء (رج مت 6: 24- 25 ومشاكل الطعام).
الابن هو أوّلاً ذاك المسكينُ بالروح الذي يخضع للكلمة ويغتذي منها. هذا هو الدرس
الأوّل الذي تعلّمه يسوع خلال الأربعين يومًا والاربعين ليلة التي قضاها في
البريّة. هذا الدرس، دعي موسى في سيناء لكي يتعلّمه، كما دعي شعب اسرائيل خلال زمن
الخروج. نستطيع ان نقرأ هنا مت 6: 11 ("خبزنا كفافنا أعطنا اليوم")، لنرى كيف يطلب
الابن الخبز من أبيه. أما عند لوقا، فاستشهاد قصير يكفي الابن ليبعد تجربة استعمالِ
سلطته الملوكيّة على العناصر، استعمالِ قدرة الكلمة لكي يأكل و"يخلّص نفسه" (ق لو
35:23- 37). إن درس تث القديم لا يُعارض في نظر لوقا بين الكلمة والخبز، بل بين ما
يجب ان تستعمل لاجله كلمة الابن والاستعمالات الدنيئة التي يعرضها إبليس. لا
تُستعمل هذه الكلمة بطريقة سحرية، بل تصير تذكيرًا بالكتاب المقدّس نورده ولا نجادل
فيه. هذا ما يجب على المؤمن أن يفعله.
2- التجربة الثانية عند متى
ويعود إبليس فيظهر ارتيابه بمدلول لقب الإِبن الذي أعطي ليسوع. إذن نحن أمام
تجربتين حول موضوع البنوّة الإِلهيّة ثم أمام شيء آخر. نلاحظ من جهة البُنية أنّ
يسوع "يُقتاد" ثلاث مرّات إلى مكان من الامكنة. مرةً أولى يقتاده الروح إلى البريّة
من أجل هدف محدّد. ومرةً ثانية يقوده إبليس إلى المدينة المقدّسة. ومرّةً ثالثة
يقوده إبليس أيضًا إلى جبل عالٍ جدًّا.
تشير "المدينة المقدّسة" إلى مناخ إسكاتولوجيّ (رج مت 35:27) والاستشهاد بنصّ مز 91
يلمّح بدون شكّ إلى انتظار شعبيّ يتعلّق بآيات مسيحانيّة عظيمة ستتمّ في الأيّام
الأخيرة، وفيها يلعب الملائكة دورًا مدهشًا. هي التجربة الوحيدة التي فيها يستعمل
الشيطان الكتاب المقدّس، وهذا الوضع لا يفسّر فقط انطلاقًا من تركيب النصوص
الاشتراعيّة التي أوردها يسوع كجواب للشيطان. هناك خطّ آخر سنبحث عنه داخل الخبر.
فجواب يسوع الأوّل لجأ إلى كلمة الله. وارتبط الارتياب الثاني بالبنوّة الإِلهيّة،
بتفسير هذه الكلمة عينها: "إن كنت ابن الله" فأنت من يقرّر كيف تؤوَّل كلمة الله
تأويلاً نهائيّا، وكيف تتدشّن الآيات الأخيرة. أجاب يسوع: كلاّ. فالربّ الإِِله هو
الذي يقرّر. نحن لا نجرّب الله ولا نحلّ محلّه لنعطي المضمون النهائي للوعد. أعطى
يسوع هذا الجواب، كما أعطى الجواب الأوّل، كيهوديّ يعرف كيف تُقرأ الكتب المقدّسة.
عارض التفسير الشيطانيّ و"الأصوليّ" والحرفيّ للنصّ، بتفسير متوازن نصل إليه عَبْرَ
معرفة إجماليّة للتقليد الكتابيّ: قدّم الشيطان نصًّا مستلاًّ من إطاره حسب أسلوب
عرفَه الربانيّون، فقدّم يسوع نصًّا أساسيًّا تظهر فيه إرادة الله بوضوح. هذه هي
طريقة يسوع الثابتة عندما يعلّم، كما يظهره متى (رج مت 4:18-8. 29:22- 33). وهي في
الوقت عينه طريقة تجعل الابن على قمة الهيكل في إطار الظهور الإِسكاتولوجيّ الأخير:
إنه المعلّم الحقيقيّ ومفسّر كلمة الله، لا صانع العجائب الذي ينتظره الناس. انتصر
يسوع كمعلّم (رابي) على الشيطان الذي سيلاقيه في المدينة المقدّسة من أجل الحروب
الأخيرة التي تنتظرها وترهبها أسفار الجليان اليهوديّة.
3- التجربة الثالثة عند متّى
وتتبع التجربة الثالثة بشكل منطقي التجربتين الأُولَيَين ولا سيما التجربة الثانية.
طُرح على يسوع سؤالان حول مضمون لقبه العماديّ، حول امتيازه كابن: أما تسمح له
كلمته الخاصّة أن يغتذي؟ أما تسمح له كلمة الله التي يعود إليها أن يقرّر مصيره
المسيحانيّ؟
إن الكلمة التي أدخلها يسوع في جوابه ستقدّم له الوَصْلة الضروريّة إلى التجربة
الأخيرة: الله هو "الربّ". واقتيد يسوع للمرّة الثالثة "إلى جبل عالٍ جدًّا". هذا
يليق بالمعلّم الذي أظهر سلطته، يليق بموسى الجديد هذا الذي يدشن الملك، يليق بذلك
الذي ينظر إلى مصير ممالك الأرض، إلى مصير العالم المنظور.
السؤال المطروح أساسيُّ كالاسئلة التي تُعنى ببنوّة يسوع. إنه يعني شخص "الربّ
إلهك" (آ 7). قدّم الشيطان نفسه وقال: "هذا كلّه أعطيه لك" إذا اعترفت بي كالرّب:
"إذا سقَطتَ عند قدميَّ وسجدت لي".
كلّ ما قيل عن التجربتين الأُولَينَ لا يأخذ معناه إن لم نوضِح هويّة ربّ الأكوان:
هل هو الشيطان أم شخص آخر؟ سيكون رب الأكوان إلهه لا سيّد مجد الممالك (نتذكّر هنا
حدث دينار قيصر، مت 22: 16- 22).
ليس ليسوع سوى ربّ واحد، وهذا ما يسمح له بأن يستعمل الكتاب المقدّس ويكشف القناع
عن الشيطان الذي يسمّيه باسمه: "إبليس"، ويجرّده من قوتّه. إن المفردات التي
يستعملها يسوع هي تلك التي يعرفها كلّ يهوديّ مؤمن خلال حرب نهائية وحاسمة. "حينئذٍ
تركه إبليس".
إن العبادة البنوّية الحقيقيّة التي عارضت العبادة التدنسيّة هي نهاية صراع بدأ
بارتياب في هويّة يسوع وانتهى بجدال حول تفسير النصوص الكتابيّة. لو خضع يسوع، لكان
صار ابنَ الشيطان، وهو المسيح الذي اختاره الله وقال له: "انت إبني".
يعرف القارئ منذ الآن أنّ المعلّم الذي ستبدأ مهمتّه العلنيّة، كشف عن تعليم حول
أَولويّات الحياة الملموسة، حول معنى الشريعة، وفي النهاية حول شخص الربّ إلهنا.
والقارئ مَدعوٌّ في الوقت عينه ليكشف هذه البنوّة وارادة الربّ في السلطة الوحيدة
لكلامه. فهذا الكلام سيكشف القناع عن شيطان يعارض سلطة ابن خاضع لأبيه، ابن رفض أن
يؤمّن حياته بنفسه، أن يؤمّن كرامته ومجده المسيحانيّ بقدرته الذاتيّة. وهكذا تعلن
العبارة ("إليك عنّي يا شيطان") موقف يسوع، وتفسّر تصرّفه حين قالها مرّة ثانية
لبطرس (مت 23:16) الذي عاتبه حين تحدّث عن الآلام.
4- التجربة الثانية عند لوقا
لقد بينَ الأب دوبون أن هذه الموازاة للتجربة الثالثة عند متى تدلّ على ما فعل لوقا
الذي طبع النصّ بطابعه. قال: "مرتفع" (كلمة غامضة) بدل "جبل"، وأورد عبارة "في
لحظة" ليشدّد على الطابع العلويّ للخبر ويتجنّب في الوقت عينِه ما في واقعيّة متّى
من أمور غير معقولة. "العالم السياسيّ" هو موضوع عزيز على قلب لوقا. و"القدرة"
موضوع أدخله لوتا هنا فجعل لفظة "مجدها" غير موفّقة وغير مفهومة.. وعبارة "أنت إذن"
(آ 7) التي تفتح كلامًا يتوجّه الى آخر، بدت وكأنها ضاعت. ثم إن هناك انقطاعًا بين
تسميات "ابن الله" .
ومهما يكن من أمر، فقد صنع لوقا كعادته: وضع كلمة في موضعها فوجّه القارئ في
التفسير الصحيح: في هذه القضيّة نحن أمام القدرة (أكسوسيا) التي تميّز أعمال الأبن
وأقواله (رج 17:5: "وكانت قدرة الربّ تُجري على يده الأشفية").
من أين تأتي قدرة يسوع، من الشيطان أم من أبيه؟ هذا هو السؤال الحقيقيّ. ويفسّر
لوقا بأن العَرضْ ليس مصطَنعًا كما يبدو. فلقد قال إن قدرة الممالك (رؤ 13) أعطيت
لإِبليس حتى ليلةِ اليوم الأخير. لقد احتفظت هذه التجربة، شأنُها شأنُ التجربة
الثانية عند متّى، بمُناخ إسكاتولوجيّ يميّز المعنى الذي استقى منه متّى ولوقا: إن
الشيطان جعل يسوع في وضع جلياني "فوق" "مرتفع"، وكأني بالإِسكاتولوجيّا إنحدرت ("في
لحظة")، والقرار الأخير بين السلطتين صار على المِحَكّ الآن.
قد يلعب تقارب صيغتَي الحاضر والمستقبل دوره في هذا المشهد. إن جواب يسوع الهادئ في
الوقت المقبل يلفت نظرنا ("أنا أعطيها لمن أشاء"). إن إيراد شريعة يوميّة (صلاة
شماع، "اسمع يا اسرائيل الربّ إلهنا ربّ واحد"، تث 6: 4) سيتيح للإِبن أن يترك لله
الآب المبادرة بأن يعطي السلطة والقدرة (أو يرفضها) لمن يشاء. فالقدر. الق يمارسها
يسوع ستكون حصرًا تلك التي سلّمها إليه الآب الذي يَحقّ له السجود. هو لا يعبد "إله
هذا العالم" (2 كور 4: 4). ويظن شورمان أن غياب لقب "ابن الله" في فم الشيطان (في
هذه التجربة الثانية) يتأتىّ من تنافر مُطْلَق بين الخضوع الذي يدلّ عليه اللقب
(الإِبن خاضع لأبيه) والسجود التدنيسيّ الذي يطلبه إبليس. ونلاحظ أيضًا أن المعين
لم يكن يتضمّن هذا اللّقب (نحن لا نجده أيضًا عند متى في التجربة الثالثة): لم نعد
هنا أمام سلطة يمتلكها الإِبن أو لا يمتلكها، بل أمام سلطة يسلّمها الإِبن إلى
الآب.
5- التجربة الثالثة عند لوقا
إنها تبيّن بصورة عجيبة كم اعتنى لوقا في تدوين إنجيله. كنا بعدُ في البريّة، كنا
في مكان مرتفع (مع إشارة زمنيّة، في لحظة) "وها الشيطان يقتاد يسوع إلى أورشليم"
(حلّ الإِسم التاريخيّ محلّ "المدينة المقدّسة" التي هي الإِسم الاسكاتولوجيّ
المذكور في مت 4: 5).
حين نقرأ لوقا نعرف أن أورشليم، مكان الآلام وولادة الجماعة المسيحيّة الأولى، هي
المركز اللاهوتيّ لحدَث الخلاص الذي تمّ في طاعة الإِبن حتى الموت. رذله أخصّاؤه
ولكن الآب أقامه.
منذ مطلع الإِِنجيل، نتعرّف إلى هذا الطريق واقتراب الأحداث الحاسمة. فالنهاية
المؤقّتة لمواجهة يسوع والشيطان ستكون في أورشليم. وهكذا نجد إعلانًا "للوقت
المعيّن"، ومسيرة التجارب تبدو كمقدّمة لتسلسل المواجهات التي تتوزع حياتَه
العلنيّة حتى الأَزمة الأخيرة. أورشليم هي مدينة مهمّة، وأهمّ منها الهيكل مركز
أورشليم الدينيّ، الذي منه يجنّد إبن الله قدرة الملائكة والمواعيد الكتابيّة ليعطي
المعنى اللائق لكلمة "يحفظونك" (آ 10).
وبعد هذا، وخلال الآلام، سيشدّد شاهدو الصلب عند لوقا على التكلّم في خطّ إبليس:
"خلّص آخرين، فليخلِّص نفسه إن كان هو المسيحَ مختار الله" (35:23). "إن كنتَ ملكَ
اليهود، فخلّص نفسك" (37:23). وفي النهاية شتمه واحد من اللصّين: "إن كنت أنت
المسيح، فَنّجِ نفسك ونَجّنا نحن أيضا" (23: 39).
لن يجادل يسوع (كما عند متّى) تفسيرًا بدائيًا للكتاب المقدّس. فالقارئ مدعوٌّ لا
ليفهم العلاقة بين الإِبن والمواعيد الكتابيّة، بل ليحتقر التفسير الشيطانيّ الذي
يناقض معنى الكتاب، ويلاحظ إيجاز جواب يسوع الذي هو رفض مُطْلق لما يقترحه الشيطان:
من جرّب الإِبن جرّب الله أيضًا. فيسوع الذي هو معلّم في إسرائيل، يعرف هذه
المماثلة، وهو الذي لجأ إلى الشريعة وحدَها ليواجه إبليس.
ونلاحظ أيضًا أنّ الطابع القاسي لجواب يسوع والتلميح إلى الآلام يجعل هذه التجربة
اللوقاويّة الثالثة توازي ما في متّى ("إليك عنّي يا شيطان") من كلام ينهيْ الخبر
ويشير إلى الآلام.
6- مقدّمة وخاتمة كلّ من متّى ولوقا
قلنا إن متى بدأ الحديث عن التجارب بذكر العماد الذي يسبق مباشرة خبر التجارب
("حينئذ"). فالتجربة هي منذ البدء جزء لا يتجزّأ من مخطّط الله في إبنه الذي اقتاده
الروح. التجربة هي وضع الإِِبن الخاضع لإِرادة أبيه كما يعرفها من الكتب المقدّسة.
جُرّب إسرائيل ولم يكن جديرًا بصفة الإِبن. أمّا يسوع فعبّر عن بنوّته بأمانته (على
مستوى الفكر) وطاعته، فلم يؤدّ عبادةً إلاّ إلى الله الذي يتكلّم باسمه بعد أن نزَع
القناع عن الشيطان وقهرَه في حرب حاسمة.
"حينئذٍ تركه إبليس" (مت 4: 11). تقابل هذه الخاتمة حركة المقدّمة: "دنا (لفظة
يستعملها متى مرارًا) إليه المجرّب وقال له" (مت 3:4).
إن الإِِنجيليّ الأوّل يضبط الحدَث بقوّة ويجعله مقدّمة (ضرورية، وإن كان يسوعِ قد
تَجاوزها) حياة يسوع العلنيّة، يسوع الذي هو إبن الله الحقيقيّ. فبخبرَي العِمادِ
والتجربة اللذَين وضعا الواحدَ قرب الآخر، عرف القارئ مَن هو يسوع، ومن أين تأتيه
هذه السلطة في تعليمٍ سوف يسمعه. وهو يعرف بصورة خاصّة كيف يحدّد يسوع موقعه
بالنسبة إلى العهد القديم، ليعيش خضوعَه الكامل للآب، وليعلّمنا إيّاه أمام كل
المناقضات التي تنتظره.
في آ 11 يبقى متّى أمينًا لما قاله مرقس: "أقبلت ملائكة" تخدم الإِبن كما ستخدمه
سلطة صنع المعجزات التي تشهد على صدق تعليمه. ومهما يكن من أمر، فنحن أمام انقطاع
بينْ زمن التجربة وزمن الخدمة اللذَين جعلهما مرقس الواحد بإزاء الآخر. أمّا عند
متّى فالملائكة هم شهود لموقف الإِبن ويدلون على إنتصاره.
ولوقا ربط أيضًا خبر التجارب بالمعمودية وبعطيّة الروح عبر نسب يبدو فيه يسوع ابن
آدم وابن الله (35:3)، وليس فقط ابن داود وابن إبراهيم كما قال متّى. برهن شورمان
كيف أنّ لوقا بنى كرستولوجيّة ابن الله. وإن آ 11 التي هيّأت أسئلة الشيطان في آ 3
و 9 تساعد القارئ ليفهم ما يجب فهمُه من لقب "ابن الله" المنطبق على يسوع. لقد
بيّنت التجربة الأولى أنّ الابن ليس ذلك الذي يستعمل سلطته كما لو كانت سلطة سحريّة
من أجل أهداف أنانيّة. وحدّدت التجربة الثانية موقع سلطة الابن الملوكيّة بالنسبة
إلى قوى هو العالم: فيسوع لا يخضع إلاّ للربّ الاله الذي منه وحدَه نال سلطانه.
وأخيرًا، إن الابن هو الذي اقتيد إلى أورشليم فرفض أن يجربّ الربّ ويطالب بحماية
خاصّة، ولو أظهرت هذه الحماية على عيون الجميع شرعيّة رسالته.
وتأتي الخاتمة الخاصّة بلوقا (آ 13) فتجمع هذه الوُجهات الثلاث من الصراع مع
الشيطان، وتوجّه الصراع الأخير نحو نهاية الأزمة التاريخيّة: "الوقت المعينّ" هو في
نظر لوقا، وقت الآلام (رج 3:22 ،53). وإن آ 13 تقول في الوقت عينه إن التجارب
الثلاث تجمل كلّ تجربة، وإن الأخيرة هي المقدّمة التي تساعدنا على فهم دراما
الآلام، ساعةَ يُطرَح السؤال الحقيقيّ حول شخص يسوع كابن وابن سامٍ في طاعته.
ويختلف لوقا عن متّى في أنّ هذه التجارب لا تنطبق إلا على الإِبن. فهي ليست
"مسيحانيّة" كما تبدو لأوّل وَهْلة: فالشهود ليسوا عديدين لنتكلّم عن ظهور
مسيحانيّ، حتى حين "صعد" يسوع إلى قمة الهيكل. كل شيء هو سرّيّ هنا. كل شيء يحدث
بين الشيطان ويسوع الذي يتّخذ قراره أو يعبّر عن قرار سابق وجذريّ بالنسبة إلى نمط
من البنوّة الإِلهيّة. ثم إننا لا نستطيع أن ننقل هذه التجارب إلى الوضع المسيحيّ
اليوميّ: لم تكن كنيسة لوقا مكوّنة من أناس مدعويّن لأن يرموا بنفوسهم من على
الهيكل. بل كانت مؤلفة من بعض المؤمنين القَلِقين الذين لم يفهموا بعد شكّ الصليب
الذي قبله يسوع ابن الله.
ولا نجد ملائكة في خاتمة الحدَث عند لوقا. ولكنّنا سنجدهم خلال صلاة جتسيمانيّ..
سيتدخَّل ملاك بعد صِراع الإِبن، لا مع الشيطان، بل مع أبيه. وفي 40:22- 46، في نصّ
يحيط بالتحريض على الصلاة "لئلا ندخل في التجربة، في حوار يسوع القلق مع أبيه (آ 40
-46)، تشكّل آ 42 القَبول التامّ لإرادة خضع لها الإِبن: "لا مشيئتي، بل مشيئتك".
وبتابع الخبر: "فظهر له ملاك من السماء يعزيّه أو يشجّعه) (آ 43).
اجل، لقد مدّد لوقا خاتمة نصّه عن التجربة في البريّة فأشار مع استعادة مواضيع
التجربة الخضوع للآب الى الملاك الحاضر في ف 22، كما أشار إلى "الوقت المعين" الذي
يتكلّم عنه في ف 4. وفي الوقت عينه جعل من حَدث التجربة المقدمّة الضروريّة لأزْمة
جتسيمانيّ الكبيرة التي فيها دلّ الملاك على التزام الآب بجانب ابنه الذي اقتبل في
الطاعة المحنةَ الأخيرة.
د- نصّ مرقس ومسألة المراجع
لقد بيّن متّى في يسوع الابن الأمين، والإِِنسان الخاضع خضوعًا كليًّا للكتب
المقدّسة التي فهمها، والمؤمن الذي أتمّ الدعوة التي دُعي إليها شعب إسرائيل
وخانها. وأفهمنا لوقا المدلول اللاهوتيّ لبنوّة يسوع الإِِلهيّة كما ظهرت في خدمته
التي تمّت في الآلام. إن هذين التفسيرين يرتبطان بخبر تقليديّ عرفه هذان
الإِنجيليّان. وإن أخبار مت ومر ولو تعود إلى مرجع واحد، قدّمه مرقس بصورة موجَزة
وتوسّع فيه كلّ من متّى ولوقا بشكل مِدْراش وتوسيعٍ دينيّ.
إن الإِقامة في البريّة لدى مرقس (بتأثير عنيف من الروح) هي الموضوع الحقيقيّ
للخبر، وخاتمة لخبر العِماد الذي يشكل جزءًا منه. فأيّام التجربة الأربعون تعود بنا
إلى نمطيّة (تيبولوجيا) سفر الخروج. والإِشارة إلى خدمة الملائكة تذكّرنا بخبرة
إيليّا النبوّية أو برؤية أزمنة الفردوس حيث تعود الخَليقة فتنصاع للإِِنسان وتخضع
له (خر 28:34؛ 1 مل 19: 5- 8). هنا نتذكّر أنّ لوقا أشار إلى عودة السبعين تلميذَا
من رسالتهم، فدمج موضوع الشياطين الخاضعين بموضوع إبليس الساقط من السماء، وتحدث عن
سلطة بها يدوس التلاميذُ الحيّات والعقارب (17:10-20). وكلّ هذا قبل نصّ يبارك فيه
يسوع الابن أباه "لأنه أخفى كلّ هذا عن الحكماء والفهماء وأظهره للأطفال" (10: 21-
22).
إن هذه الحيّات والعقارب (أو الأشبال) هي جزء لا يتجزّأ من موادَّ إسكاتولوجيّة
تقليديّة. نحن نجدها في مز 91: 11ي. إذن، يبدو أن مزج مواضيع التجربة بخدمة
الملائكة ليس عند مرقس وليدَ الصُدَف. بل هو يدلّ على تفكير حول عماد يسوع ونتائجه
المباشرة. وسنجد استمرار هذه المواضيع في النصوص التي تتحدّث عن العماد المسيحي.
ففي 1 كور 10: 1- 13 يستعيد بولس في تحريض عماديّ مواضيع تنتمي إلى الكرازة
التقليديّة: تذكير بخرِوج بني إسرائيل في البريّة (هذا هو عمادهم): كلّهم أكلوا
الطعام الروحيّ عينه، كلّهم شربوا الشراب الروحيّ عينَه (آ 2- 5). ثم تأتي دعوة
لئلا يصبح المسيحيّون عُبّاد أوثان مثلَ بعض منهم (آ 7). ونجد الأمر والوصيّة: "لا
تجرّب الربّ... لا تتذمّر" (آ 9- 10). وفي الخاتمة نقرأ تعليمًا عن التجربة
وتشجيعًا لمقاومتها، لأنّ الله "يجعل مع التجربة مخرَجًا" (آ 13).
كلّ هذا يتأسّس على يقين يعبّر عنه بولس في كو 14:2- 15: إنّ يسوع قد "جرّد
الرئاساتِ والسلاطين، وشهّرهم وانتصر عليهم بصليبه".
إذا عدنا إلى الكرازة البولسية، فصليب يسوع كموضوع الغلبة على القوى الشيطانيّة،
والعماد المسيحيّ الذي نفهمه عَبْرَ نمطيّة "عماد" إسرائيل في البريّة، والتحريض
المتعلّق بالتجربة التي ما زال المعمدّ خاضعًا لها، كل هذا يبدو متماسكًا. ونجد هذا
التماسك عينَه في مواضيع الآلام مع حدَث جتسيمانيّ الذي ترافقه تعليمات موجّهة إلى
التلاميذ حول التجربة والسهر، أو مع اعتراف بطرس في قيصريّة فيلبس. وهكذا نفهم
الآلام كخاتمة رسالة بدأت بالمعموديّة التي تلتها تجارب تغلّبَ عليها يسوع.
إن تصميم تحريض الكورنثيّين يوافق تحريض متى (الطعام، الشراب الذي يذكّرنا بمسّة،
امتحان الربّ)، كما يوافق ما قاله في محطّتين: التجربة، الأمر، الغلبة. جتسيمانيّ،
الصراع، خدمة الملائكة.
إن العنصر الإِخباريِّ الذي اكتشفناه في 1 كور 10: 1- 11 وفي الأناجيل الإِزائيّة
الثلاثة، يرتبط بالتقليد اليهوديّ في فلسطين. هذا ما قاله بعض الشرّاح. وقال آخرون،
وهم على حقّ، إنّ أصول هذه المجموعة ترتبط بتفكير حول العماد المسيحيّ.
القسم الثالث
رسَالة يسُوع في الجليل
يبدأ هذا القسم حالاً بعد التجارب مع البرنامج الذي يقدمه يسوع في مجمع الناصرة عن
الرسالة التي جاء يقوم بها، وهو يتوزّع النصوص التالية:
4: 14- 20: خطبة الناصرة 7: 18- 23: وفد المعمدان
4: 21- 30: لا يُقبل نبيّ 7: 24- 35: المعمدان ويسوع
4: 31- 37: الروح النجس 7: 36- 8: 3: الخاطئة
4: 38- 41: حماة بطرس 8: 4- 15: الزارع
5: 1- 11: الوعد لسمعان 8: 16- 18: النور والسراج
5: 12- 16: الابرص 8: 19- 21: عائلة يسوع
5: 17- 26: المخلّع 8: 22- 25: العاصفة
27:5- 32: دعوة لاوي 8: 26- 39: رجل فيه شيطان
5: 33- 39: الصوم 8: 40- 56: النازفة وابنة يائيرس
6: 1- 5: السنابل 9: 1- 9: ارسال الاثني عشر
6: 6- 11: اليد اليابسة 9: 10- 17: تكثير الارغفة
6: 12- 19: اختيار الاثني عشر 9: 18- 22: مسيحانية يسوع
6: 20- 26: التطويبات 9: 23- 27: إتباع يسوع
6: 27- 35: محبة الاعداء 9: 28- 36: التجلي
6: 36- 45: الاخوّة 9: 37- 43: ولد يصرعه الشيطان
7: 1- 10: غلام الضابط 9: 43- 55: ابن الانسان يُسلّم الى الناس
7: 12- 17: إبن أرملة نائين
القسم الثالث
رسَالة يسُوع في الجليل
يبدأ هذا القسم حالاً بعد التجارب مع البرنامج الذي يقدمه يسوع في مجمع الناصرة عن
الرسالة التي جاء يقوم بها، وهو يتوزّع النصوص التالية:
4: 14- 20: خطبة الناصرة 7: 18- 23: وفد المعمدان
4: 21- 30: لا يُقبل نبيّ 7: 24- 35: المعمدان ويسوع
4: 31- 37: الروح النجس 7: 36- 8: 3: الخاطئة
4: 38- 41: حماة بطرس 8: 4- 15: الزارع
5: 1- 11: الوعد لسمعان 8: 16- 18: النور والسراج
5: 12- 16: الابرص 8: 19- 21: عائلة يسوع
5: 17- 26: المخلّع 8: 22- 25: العاصفة
27:5- 32: دعوة لاوي 8: 26- 39: رجل فيه شيطان
5: 33- 39: الصوم 8: 40- 56: النازفة وابنة يائيرس
6: 1- 5: السنابل 9: 1- 9: ارسال الاثني عشر
6: 6- 11: اليد اليابسة 9: 10- 17: تكثير الارغفة
6: 12- 19: اختيار الاثني عشر 9: 18- 22: مسيحانية يسوع
6: 20- 26: التطويبات 9: 23- 27: إتباع يسوع
6: 27- 35: محبة الاعداء 9: 28- 36: التجلي
6: 36- 45: الاخوّة 9: 37- 43: ولد يصرعه الشيطان
7: 1- 10: غلام الضابط 9: 43- 55: ابن الانسان يُسلّم الى الناس
7: 12- 17: إبن أرملة نائين
الفصل الثاني والعشرون
خطبة الناصرة برنامج حياة يسوع
14:4-20
نصٌّ غنيّ جدًّا بما يقدّمه لنا من تعاليم: وُضع في رأس الانجيل فكشف عن سرّ
المخلّص، وقدّم برنامج حياته العلنيّة. فصار هكذا لكلٍّ الذين يسمعونه، لا نداءً
لاتبّاع الربّ وحسب، بل دستورًا من أجل حياتهم أيضا.
1- مجيء يسوع إلى مجمع الناصرة (آ 16 أ ب)
لا يكتفي لوقا بأن يجمع الموادَّ التي بين يديه ويضعها الواحدة قرب الأخرى، بل هو
يلجأ الى تِقنيات عديدة أهمها تِقنيةُ المقدّمة. ولهذا يبدو من المفيد أن نقابل لو
16:4 أ ب مع ما يوازيه في مر 6: 1- 2 أو مت 13: 54، ثم نكتشف نوايا لوقا حين دوَّن
هذه الآية كمقدّمة.
نلاحظ أوّلاً أن لوقا لا يشير إلى التلاميذ الذين، حسب مرقس، يرافقون يسوع. فهذا
الاغفال يوافق طريقة عرضه. فقد اختلف لوقا عن متى ومرقس ولم يتحدّث بعد حتى الآن عن
دعوة التلاميذ، ولم يذكر اختيارهم بيد يسوع. سننتظر أن يرى هؤلاء الربّ يعمل (4:
31- 44)، فيمتزج خبر اختيارهم مع خبر الصيد العجيب (5: 1- 11).
ثم إن لوقا يُحلّ محلّ العبارة التقليدّية التي استعملها متى ومرقس، يُحلّ عبارة
شخصيّة وأكثر وضوحًا. كتب مرقس ومتى "مضى إلى وطنه". سيستعيد لوقا هذه المفردة في
نهاية آ 23 (غابت عند مر ومت) وفي آ 24 (إزاء مر ومت). قال لوقا: "جاء إلى
الناصرة". ان هذه الاشارة الواضحة إلى المدينة يُحيلنا إلى إنجيل الطفولة ويذكّرنا
بالمكان الذي فيه نشأ: حسب النّص الدارج: ترافو أي إقتات. وحسب شهود آخرين:
أناترافو أي نشأ. هذا الفعل، الذي يستعمله لوقا وحدَه (16:4؛ أع 20:7؛ 3:22) يضمّ
مع فكرة القوت فكرة نموّ الشخصيّة وتقدّمها. وفي الناصرة أيضًا استعدّ يسوع لرسالته
المقبلة (2: 39- 40، 51-52). ولكن بصورة أساسيّة أكثر، ينتمي ذكر الناصرة إلى رسمة
جغرافيّة وضعت في مدخل الكتاب، فحدّدت مسبّقًا الخطوط المكانيّة لرسالة يسوع
العلنيّة. فكما أن خبر طفولة يسوع بدأ في الناصرة (1: 26) ليجد ذروته في هيكل
أورشليم (2: 41 ي)، كذلك انطلق خبر رسالة يسوع العلنيّة من الناصرة (4: 16)، ليتمّ
بعد صعود طويل في قلب المدينة المقدسة (19: 45 ي). فمجيء يسوع إلى مجمع الناصرة لا
ينحصر، في نظر لوقا، بمسعى من المساعي قام به المخلّص. إن هذه الزيارة تدشّن رسالته
السيحانيّة، وتحدّد البداية الفعليّة لنشاطه العلنيّ.
هكذا نفسّر اهتمام لوقا بتدوين هذا المشهد الافتتاحيّ. إكتفى مر 6: 2 ب ومت 13: 53
ب بعبارة إجماليّة وقصيرة، فحدّدا موضوع زيارة يسوع إلى الناصرة ("شرع يعلم "،
"وكان يعلم"). أمّا لوقا فتوسّع كثيرًا في هذا التعليق، فأدخل فيه استشهادًا طويلاً
من النبيّ أشعيا. ويَلفِت نظرنا هذا التوسّع، ولاسيما وإن لوقا لم يتحدّث إلا
بالتلميح عن "تعاليم يسوع في مجامع" الجليل (15:4).
نجد هذا الأسلوب الأدبيّ في مواضع أخرى من المؤلَفّ اللوقاويّ، خصوصًا في أع 2: 16
ي حيث يستشهد بطرس مطوّلاً بالنبيّ يوئيل في بداية خطبته الأولى في أورشليم. لهذا
سنتساءل عن الوظيفة اللاهوتيّة لنصّ أشعيا (6: 1- 2 أ) في بداية حياة يسوع
العلنيّة.
2- إطار الليتورجيّا المجمعيّة
وحدّد لوقا موقع أوّل تدخّل رسميّ ليسوع في المجمع، في إطار الليتورجيا المجمعيّة.
لسنا هنا أمام أمر شاذّ، بل تدلّ هذه الاشارة على طريقة عمل يقوم بها كلّ يهوديّ
أمين على حفظ الشريعة. لقد اعتاد يسوع، شأنًه شأنُ أبناء أمَّته، أن يؤمَّ المجمع
المحليّ ويشارك في احتفالات السبت.
ونلاحظ أيضًا أن يسوع اختار مرارًا المجامع وهيكل أورشليم (4: 15، 16، 44؛ 6: 6؛
13: 10؛ 19: 45، 47؛ 20: 1؛ 21: 37- 38؛ 53:22) ليعلم ويعلن البشارة، وسار رسله على
إثره (24: 53؛ أع 2: 46؛ 3: 1، 3، 8؛ 5: 20، 21- 25، 40). هذا مُعطى تقليديّ
سنتحقّق منه حتى حين يتوجّه العمل الرسوليّ إلى الوثنيّين (أع 9: 20؛ 13: 5، 14،
43؛ 14: 1 ؛1:17...)
إذا كان إعلان الملكوت لم يحصل على هامش الجماعةِ الدينيّة اليهوديّة، بل يتجذّر في
أرض وَجد فيها إيمانُ الشعب المختار غذاءه، فالحدَث الأخير من الخبر (أي حين طُرد
يسوع من المجمع على يد أبناء بلده أنفسهم) يتّخذ طابعًا دراماتيكيًّا كبيرًا.
فرفْضُ الناصريين (أي أهل الناصرة) استقبالَ يسوع وتعليمه (28:4) صار حينئذ نبوءة
تكاد تكون خفيّة عمّا سيكون عليه في يوم من الأيام: رفض الأمّة اليهوديّة كلّها
ليسوعِ. صار طردُ يسوع من المدينة ومحاولةُ طرحه من قِمّة الجبل علاماتٍ تشير
مسبّقًا إلى مصيره المأساويّ.
أمّا الليتورجيّا المجمعيّة بحصر المعنى، فقد كانت بسيطة. تبدأ خدمة السبت بتلاوة
"شماع" (أي اسمع، تث 6: 4- 9؛ 11: 13- 21؛ عد 15: 36- 41) أي إعلان الايمان بالاله
الوحيد مع سلسلة من المباركات. وتمتّد الخدمة بقراءة مقطع من أسفار الشريعة (فرشه
او فصل) وقراءة أخرى من كتب الأنبياء (هافتره اي تفسير). وينتهي الاحتفال ببركة
الكاهن.
كان يحِقّ لكلّ رجال بالغ، لكونه عضوًا في الشعب المقدّس، أن يشارك في هذه الخدمة
الليتورجيّة التي يرئسها رئيس المجمع (لو 8: 41 يتحدث عن يائيرس) ويسهر على النظام
في الاجتماع والترتيب في الاحتفال (13: 14)، ويختار القارئين، وإذا لزم الأمر، من
يفسّر القراءات (أع 13: 15).
كانت خدمة القراءات (وهي العنصر الرئيسيّ في هذه الليتورجيا) منظّمةً تنظيمًا
مُحْكمًا. يقف القارئ ويبحث عن النصّ المعين في الروزنامة (او التقويم)، ويتلوه في
اللغة المقدّسة اي العبريّة. لم يكن يفهم هذه اللغة إلا بعض المتعلّمين الكبار،
لهذا كان هناك من يترجم إلى الآراميّة ويتصرف في ترجمته فتصبح ما يسمى في اللغة
التِقنية "الترجوم". وبعد الانتهاء من القراءة كان المسؤول عن الكتب المقدسة (خزان
او الخازن، رج آ 20) الذي يقوم أيضًا بوظيفة البّواب والحارس ومعلّم المدرسة، كان
يستعيد اللفيفة (او الدرج) التي أعطاها للقارئ. بعد هذا، كان الجميع يجلسون ليسمعوا
العظة. فان وُجد في الجماعة شخصُ يحبّ أن يحُثّ إخوته على التقوى انطلاقًا من
الأسفار المقدسة، دعاه رئيس المجمع للكلام. هذا ما حصل ليسوع في الناصرة، وهذا ما
حدث لبولس في مجمع أنطاكية بسيدية.
يبدو أن لوقا كان عارفًا بالتقاليد الليتورجيّةَ في عصره. ومهما يكن من أمر
فالطريقة المحدّدة والمتوازنة التي بها أورد لوقا الرُتَب التي تحيط بالقراءات تدلّ
على أهميّة كلمة النبيّ أشعيا (4: 18- 19) في نظره.
وقام ليقرأ ثم طوى السفر
فدفع إليه السفر ودفعه إلى الخادم
فلما نشر السفر وجلس
إن مثل هذا الابراز للنصّ النبويّ يدعونا الآن لكي ندرس بعناية موضوع هذا
الاستشهاد. يستعمله لوقا ليكشف هوّية المسيح العميقة، وليقدّم، في بداية الانجيل،
البرنامج الملموس لعمله على الأرض.
3- نص اش 61: 1- 2 آ (آ 18- 19)
أَورد لوقا بحريّة نصّ أشعيا راجعًا إلى الترجمة اليونانيّة للتوراة (السبعينية).
وهذا ما نكتشفه حين نقابل نصّ لوقا ونصّ أشعيا.
لو 18:4-19 أش 61: 1-2 أ (حسب السبعينيّة)
روح الربّ عليّ روح الربّ عليّ
لأنه مسحني لأبشّر المساكين لأنه مسحني لأبشّر المساكين
وأشفي منكسري القلوب
وأرسلني وأرسلني
لأنادي للمأسورين بالحريّة لأنادي للمأسورين بالحريّة
وللعُميان بالبصر وللعُميان بالبصر
وأطلق المرهَقين أحرارًا
وأعلن سنةَ نعمة الربّ وأعلن سنةَ نعمة الربّ.
يستعيد لو 18:4- 19 جوهر نص أشعيا. ألغى الانجيليّ عبارة "وأَشفي أصحاب القلوب
المنكسرة". قال الُشرّاح ": هو الطبيب الذي غالبًا ما يستعمل كلمة "شفى" بالمعنى
الماديّ، فلماذا تردّد في استعمالها في المعنى المجازيّ؟ لا يكفي هذا التفسير ليجعل
لوقا مسؤولاً عن هذا الالغاء.
نذكر أوّلاً، أنّ مخطوطات يونانيّة عديدة، ونصّ اللاتينيّة الشعبية (فولغاتا) تورد
هذا الشطر (أشفي القلوب الكسيرة) أمّا السريانيّة البسيطة فتقول: "أرسلني لأشفي
منكسري القلوب ولأبشر المسبيّين بالتخلية". إن وجود هذا الشطر المُلغى يبرز صورة
الطبيب التي تحدّثت عنها آ 23 والتي نجدها أيضًا في 5: 31؛ 9: 11. وفي 5: 17 يعود
فعل "ياؤماي" (شفى) في عبارة قريبة من اش 61: 1 ولوقا 4: 18: "وكانت قدرة الربّ
(عليه) لتُجري الأشفية". وأخيرًا في إجمالة حياة يسوع الواردة في أع 10: 38 (مع
ايراد واضح لنص اش 61: 1)، فهناك كلمات نقرّبها من النصّ الذي ندرس: بشر (أع 10:
36)، مسح، الروح، شفى (آ 38)، وهي مستعملة في معنى مجازيّ.
إهتمّ لوقا بصورة خاصّة وأكثرَ من سائر الانجيليّين، بهذه السِمَة التي تميز عمل
الفادي الخلاصيّ. فإذا أخذنا عبارة "شفى أصحاب القلوب الكسيرة" بشكل حرفيّ، فهي قد
لا تتوافق مع رفض يسوع بأن يصنع المعجزات ويجري الأشفية في وطنه. هذا يفهمنا أن
يكون هذا الشطر قد أُلغي فيما بعد (شورمان، انجيل لوقا).
ومن جهة ثانية، يبدو أكيدًا أنّ لوقا أوقف بإرادته نصّ أشعيا عندما "أعلن سنة نعمة
الرب" وألغى ما تبقّى أي "يوم انتقام". نفسّر هذا الالغاء بنظرة الكاتب التي تتّصف
بالشمول فيما يخصّ الخلاص. فلو قرأ لوقا النصّ كلّه لدفع إلى ان يعلن مع النبيّ عن
"يوم انتقام" من الوثنيّين وحكما عليهم بالهلاك.
وهناك مثل آخر يدلّ على اهتمام لوقا بالتحاشي عن استعادة نصوص تخصيصية وجدها في
الأسفار المقدّسة (يرامياس): حين أورد يؤ 3: 1- 5 آ في أع 2: 17- 21 (رج ايضا لو 7:
22= مت 11: 5 مع جواب يسوع لتلميذَي يوحنّا المعمدان) مزج اش 35: 5- 6 مع 28: 18-
19 و 61: 1. نحن هنا أيضا أمام خُطبة افتتاحيّة وقد اهمل فيها لوقا بإرادته خاتمة
نصّ نبويّ ينتهي في السبعينيّة على الشكل التالي: "سيكون مخلّصون على جبل صهيون وفي
أورشليم، كما قال الربّ، ومبشّرون (النص العبري الماسوري: باقون على قيد الحباة)
يدعوهم الربّ" (يوء3: 5 ب). أسقط لوقا هذه الأشارة التي تحصر المعنى في إطار ضيّق،
فأعطى قوّة للبعد الشامل في تعليم يُرى في بداية القول النبويّ: "أفيض روحي على كل
جسد أو بشر" (يوء 3: 1 أ).
ولا ننسى أيضًا أن لوقا سيعود إلى شهادة إيليا وإليشاع الذاهبين إلى الوثنيّين (آ
25- 27) ليسنُد اعتقاده بأنّ الخلاص الذي يحمله يسوع المسيح يشمل البشريّةَ كلّها.
ونلاحظ أن عبارة "بشر المساكين" ترتبط بكلمة "أرسلني". اذًا ربط لوقا بطريقة مباشرة
واقع هذا التبشير بالتكريس (يُمسح بالزيت المقدس فيُكرّس) المسيحانيّ (مسحني لأبشّر
المساكين) فقوّى مرّةً أخرى العلاقة بين مشهد الأردنّ (3: 21) وحدَث الناصرة (4: 1،
14). إن مجيء الروح القدس على يسوع هو أساس إرساله وشرط ضروريٌّ لحياته العلنية
المقبلة التي تكمن كلّها في إعلان البشارة لصغار القوم. وسيوضح هذه الفكرةَ ما تبقى
من استشهاد أشعيا. إن هذا الطابع الكرازيّ لاعلان الانجيل على المساكين هو الذي دفع
لوقا لأن يحل في 19:4 كلمة "دعا، سمّى" (كاليو) (ق اش 2:61) محل كلمة "نادى، اعلن
(كيروسو)" المذكورة في آ 18 ج.
بالاضافة إلى إيراد اش 61: 1- 2 أ، تتضمن آ 18 في خاتمتها شعرًا مأخوذًا من اش 58:
60: "أطلق المرهَقين أحرارًا" (أو لاحرّر المظلومين). هذا التشديد على موضوع
الاطلاق والتحرير لا يزعج لوقا. ولكن هل ننسب أليه مسؤولية إقحام هذه العبارة؟
كلاّ. فظهور هذه الآية المستغرب للوَهْلة الأولى يُفهَم إذا عرفنا بوجود سلسلة من
الاستشهادات المتداولة في أوساط الكنيسة الأولى، كانت تتضمّن فيما تتضمّن اش 58 واش
61. هنا يشير دود في كتابه "كما جاء في الكتب" إلى أن اش 61: 21 لا ترد بوضوح إلا
في لو 4: 17- 18، ولكنّنا نستشفّها في الخطبة الكرازيّة في أع 10: 38 وفي نص مت 11:
15= لو 7: 22، على الأقل بصورة ضمنيّة. أمّا اش 58 فقد توسّع العهد الجديد في
استعماله. رج أع 18: 23= اش 58: 6 ب؛ مت 25: 35 ي= اش 7:58.
إن نصّ أشعيا الذي سيطبّقه يسوع على نفسه بعد لحظة، ينتمي إلى مجموعة مؤلّفة من
قصيدتين طويلتين (اش 60- 62) تعلنان لشعب إسرائيل حياة جديدة ترتبط بإعادة بناء
أورشليم، المدينة المقدّسة، بناء يُذهل العقول.
فإذا أردنا أن نتعرّف إلى قوّة الرجاء الحاضر في هاتين القصيدتين الخارقتين، لن
نكتفي بقراءتهما بل نتعرّف إلى تجذّرهما التاريخيّ. عاد المنفيّون إلى بلادهم
وبدأوا عمل البناء، فواجهتهم الصعاب والمَظالم... فلا بدّ من إيقاظ ألثقة بتدخّل
الله الحيّ في جماعة هي فريسة الشقاء والقُنوط. وأظهر النبيّ جرأة عبّر فيها عن
إيمانه: اعلن لكل هؤلاء المساكين، لهؤلاء المنكسري القلوب، لهؤلاء العُميان وهؤلاء
الأسرى أنّ الله سيضع حدّا للضيق الذي يعانونه. لقد انتهى كلّ شيء. وقال الله:
"القليل عندك يصير ألفًا والصغير يصير أمّة عظيمة. أنا الربّ سأجمعكم في الوقت
المعيّن" (أش 22:60 حسب السبعينية في العبريّة: أنا الرب أسرع به في وقته).
وفي الوضع الحاليّ للنصّ الأشعيائّي، إرتبطت هذه الولادة الموعودُ بها بمجيء نبيّ
يحدّد كلُ ف 61 رسالتَه. هذا النبيّ الذي تذكّرنا سماتُه (حتى على مستوى العهد
القديم) بصورة عبد الله (اش 42: 1ي) سيكون قبل كلّ شيء "رجلاً يمسحه الله بروح
الأنبياء". كما يقول الاسهاب الترجوميّ في أش 61: 1، "قال النبي: روح النبوءة جاءني
من عند ألربّ الاله، لأنّ الربّ مسحني لأبشر المساكين".
وهذا المسيح النبيّ سيكون "مرسلَ الله نفسِه" الذي يمنحه مواهب خاصّة ليقوم بمهمتّه
الالهية. وتبدو هذه المهمّة بشكل جوهريّ كعمل إعلان (كيريسو، ايوانغليزو: نادى،
بشر) يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحرير (افاسيس) المساكين الذين تتوجّه إليهم كلمة
الخلاص بدرجة أولى.
نفهم هذا الخلاص الاسكاتولوجيّ الذي يعلنه النبيّ في المعنى الواسع، أي على مستوى
المادّة والجسد. وهو يصيب أيضًا كائن الانسان الداخليّ والعميق. مثلاً، نقول إن
العمى هو عاهة جسديّة. أمّا بالنسبة إلى النبيّ فهو يقابل عمى روحيَّا يصيب ألشعب
الذي لا ينهضه من شقائه إلا استنارةٌ جديدة في القلوب (أش 42: 16- 20؛ 43: 8؛ 56:
10؛ 59: 10). وفي النهاية، إن هذه التحرّرات المختلفة تتبع إعادة مُناخ من الحقّ
والعدالة والحبّ في العالم (أش 58: 6- 12؛ ار 34: 8- 9) وهذا ما يفعله المسيح
الآتي.
إن هذه البشرى ستَفتح أزمنة جديدة وتقابل مجيء ملكوت الله على الأرض. ويلخّصها
أشعيا في بضع كلمات فيصوّرها "سنة نعمة من عند الرب". من الممكن أن تلمّح "سنة نعمة
الرب" إلى السنة اليوبيلية التي يحتفل بها العبرانيّون سنةً كاملة مرّةً كلَّ خمسين
سنة (سبعة أسابيع أو سبع سبعات من السنين، اي 7×7. تكون السنة الخمسون هي السنة
اليوبيلية) كما يقول سفر اللاّوّين (25: 8-17؛ رج تث 15: 12- 18؛ خر 21: 2- 11).
كانت تقوم هذه السنة اليوبيليّة (جوهرّيًا) بإعلان تحرير عامّ لكل سكّان البلاد.
"في تلك السنة يعود كلّ واحد إلى مُلكه (اي تعود أرضه إليه)، ويرجع كلّ انسان إلى
عشيرته (او عائلته)" (لا 25: 10).
تحدّث النصُّ اليونانيّ عن سنة (انيوتوس) مقبولة (في كتوس) من قِبَل الربّ، فتبعته
السُريانية البسيطة التي جعلت النبيّ "يكرز بالسنة المقبولة لدى الربّ (لو 4: 19).
أمّا النصّ السُرياني في اش 61: 2 فيتحدّث عن "سنة رضى للربّ".
إستعاد لوقا هذه السِمات الأساسيّة في الكرازة الأشعيائيّة وتبنّاها. وإنْ شدّد على
الطابع الكرازيّ لمجيء يسوع، مُقْحِمًا فعلاً جديدًا هو كيريسو (الذي منه تأتي كلمة
كرازة عَبْرَ السُريانية)، فهذا يدلَّ على أنه عاد إلى المهمّة الحاليّة (نشر
الانجيل) في الكنيسة الرسوليّة. فمهمّة هذه الكنيسة ليست في أن تلقي الخُطَب عن
الله أو تقدّم الدروس الفلسفيّة، بل أن تسير على خطى يسوع فتعلن وتنادي بواقع عمل
الله وسْطَ البشر.
وهذا العمل التحريري الذي أبرزته لفظة "أفاسيس" مرتين، يعني الفقراء والبائسين على
مختلف فئاتهم. وإذا عُدنا إلى الينبوع القديم للتطويبات (المساكين، الجياع،
الحزانى، 6: 20- 21) نظنّ أنّ هذا العمل يعبّر أوّلاً عن إرادة الله التي تحاَول أن
تضع حدَّاًَ لهذه الأوضاع اللا إنسانية، لكل هذا الشرّ الذي لا يُطاق والذي ينتصب
أمام الله متحدّيًا عدالته الملوكيّة فيجعل ضحاياه من صغار القوم في شعبه. برء
المسيح هو بالنسبة إليهم بُشرى هي بُشرى تحريرهم
ولقد كتب الأب دوبون عن الفقر الانجيلي في كتابه "الفقر والفقراء" ما يلي: "إن
امتياز الفقراء يجد أساسه اللاهوتيّ في الله. فنحن نخطئ حين نحاول أن نؤسسه في
استعدادات أخلاقية لدى هؤلاء الفقراء، أو حين نحاول أن نروحن فقرهم. فيسوع ينظر إلى
فقر الذين يوّجه إليهم بشارة ملكوت الله على انه وضع حرمان بشري، وضع يجعل من
الفقراء ضحايا الجوع والظلم. الفقر هو شر، هو وضع يرفضه الله لأنه يمس كرامته. وحين
اعلن يسوع بشرى ملكوت الله للفقراء، أظهر عناية الله بهم ومشيئته بأن يضع حدّا
لآلامهم. فعلى المسيحيّين أن لا يفهموا من هذا أن الفقر هو مثال بل ان يفهموا أن
الفقراء هم موضوع محبّة خاصّة من قبل الله". أجل، ليس الفقر هدفًا نبلغ إليه. إنه
وسيلة تحرّرنا من كل ما يفصلنا عن الله وعن القريب. نحن نتجرّد من خيرات الأرض لا
من أجل التجرّد، بل لنشرك الآخرين فيها.
هذا التحرير الذي هو علامة مجيء الملكوت نفهمه كخلاص الله وغفرانه المقدّمينَ إلى
كلّ البشر في يسوع المسيح. هذا ما فهمته أقدَمُ تقاليد العهد الجديد التي تربط
دومًا مدلول التحرير (افاسيس) بمدلول الخطيئة (امارتيا). وغفران الخطايا (أفاسيس
امارتيون) الذي هيّأ له الدربَ عملُ المعمدان التبشيريّ (مر 1: 4 وز؛ لو 1: 77) هو
في قلب عمل يسوع على الأرض (مت 26: 28)، كما هو في الكرازة الرسوليّة وشهادتها (24:
47؛ أع 2: 38؛ 5: 31؛ 13: 38). وهذا الغفران يفرض على الانسان التوبةَ والايمان
بالمعمودية. وإذ ينتزعه من سلطان الظلمة يفتح له أبواب الملكوت والأتحاد بالمسيح
القائم من الموت (أع 10: 43؛ 26: 18؛ كو 1: 13- 14). وبقدر ما أنّ الخطيئة ليست
أمرًا عارضًا، بل قوّة تحدّد كيانها كلّه، نفهم أن هذا التحرير الداخليّ يقابل في
الواقع تجديد حياةِ الانسان كلّها. مثل هذا التحرّر لا نفهمه إلا كبشرى وخبرٍ سارّ.
4- تأوين الكلمة النبوية (آ 21)
حين طبّق يسوع على نفسه نصّ النبيّ، أعلن بوضوح أنه النبيّ المسيحانيّ الذي تحدّث
عنه أشعيا، وحدّد في الوقت عينه برنامج رسالته على الأرض.
أن يكون هو المسيح، هذا ما عبّر عنه لوقا بوضوح في إطار الرؤية العماديّة. أسمعَت
السماءُ صوتَها فأعلنت في خط مز 2: وأنت ابني، أنا اليوم ولدتك " (3: 22 ب كما في
النصّ الغربيّ. النصّ الشرقيّ: "بك سررت"). وتحدّدت هوّية هذا المسيح في حدَث
الناصرة: إنه المسيح النبيّ. وكما شدّد لوقا على لفظة "اليوم" (سامرون) التي أخذها
من المزمور المسيحانيّ وتحقّقت مع مجيء يسوع، كذلك يشدّد هنا على أن لفظة اليوم (4:
21) التي أخذها من الكلمة النبوّية قد تحقّقت (بلاروو) في شخص يسوع الذي يبدأ حياته
العلنيّة. يرِد فعل "بلاروو" مرّتين عند لوقا في معرِض حديثه عن الكتب المقدّسة:
هنا، في بداية حياته العلنيّة، ومرّةً ثانية في نِهاية الانجيل، ساعة يعطي يسوع
لتلاميذه تعليماته الأخيرة، ويجعل منهم شهودًا لعمله (24: 44: لابد ان يتم). وفي
كلتا الحالتين نحن أمام مقاطع خاصّة بلوقا.
وكلمة لوقا "أليوم" (4: 21) تميّز الحديث عن الخلاص عند لوقا (2: 11؛ 3: 22 حسب
النص الغربي؛ 5: 26؛ 13: 32- 33؛ 19: 5؛ 23 : 43) وهي تَعني أن نبوءة النبيّ صارت
واقعًا ملموسًا: ذلك الذي تكلّم عنه النبيّ في الماضي هو الآن حاضرٌ هنا. قد بدأت
الأزمنة الأخيرة بعد أن دشّنها رسمّيًا مجيء يسوع إلى الناصرة، الذي يشكل "البداية"
(في 3: 23؛ تدل "ارخومانوس" على بداية نشاط يسوع المرتبط بحلول الروح القدس.
وتقابلها عبارة "فشرع يقول لهم" في 4: 21، لتدلّ على البداية الفعليّة لعمله
الرسوليّ) الفعليّة لحياة المخلّص العلنيّة. إنه (يوم) الله في زمن حاسم في تاريخ
خلاصهم. وبعبارة أخرى إن كلمة "اليوم" لا تحمل فقط بُعدًا كرونولوجيًا، بل هي
تُحيلنا إلى زمن التكميل الذي، من خلال هذا الزمن المحدّد في التاريخ، يَعني كلّ
الحِقبة اللاحقة من نعمة الله في الكنيسة.
وبقدر ما يدشن يسوع الآن "سنة نعمة الرب" هذه لا تستطيع كلماتُه إلاّ أن تكون كلمات
"تحمل النعمة التي صنعها الله للبشر" (لوغوي تاس خاريتوس، رج أع 14: 3؛ 20: 32).
وفي النهاية، هذه الكلمات تمتزج بيسوع (كيانه، شخصه، تعليمه) كما يشهد على ذلك
البدَلُ اللافت في أع 10: 37- 38 (ما جرى تو غانومنون ريما: يسوع ألناصري)، وتشديد
الانجيليّ الخاصّ على تقديم يسوع كحامل هذه "النعمة" (2: 40؛ 52؛ أع 15: 11؛ 40).
إن الكلمة التي أتمها يسوع في مجمع الناصرة هي في الوقت عينه كلمة الله التي تكمل
ما تنبئ به، والكلمة المتجسّدة في يسوع الذي أمامه يحدّد كلُّ إنسان مَوقعه منه أذا
أراد الحياة.
كان لوقا قد كتب: "لا يحيا الانسان بالخبز فقط" (4:4)، وزاد متى في هذا الموضع: "بل
بكل كلمة (ريما) تخرج من فم الله" (مت 4:4). لم ينسَ لوقا هذا العنصر الذي زاده
متى، ولكنه جعله في مقطوعة الناصرة ليسند آنيّة الخلاص الحاضر في يسوع المسيح.
فالخبز لا يكفي في نظره لحياة الانسان. فإن أراد أن يحيا احتاج أن يتقبّل "كلمات
النعمة الخارجة من فمه" (4: 22).
وهكذا لا يكون ظهور يسوع في الناصرة هديّة نعمة خاصّة وحسب، بل وعد تحرير وحياة لكل
الذين يتعلقّون به بالايمان. نجد هنا ملخّصًا لكل الانجيل وُضع في بداية حياة يسوع
العلنية، نجد فيه برنامج رسالته كما نجد دعوة ملحّة لنحمل نحن اليوم هذه البشرى إلى
الخليقة كلّها.
الفصل الثالث والعشرون
لا يقبل نبي في وطنه
21:4-30
يشكّل المشهد الأوّل في الناصرة (16:4- 30) قطعة أساسيّة في إنجيل لوقا ووسيلة
تساعدنا على فهم كلّ مؤلّفه فهمًا لاهوتيّا. جُعل في بداية رسالته العامة فوجّه
القارئ نحو ملء إدراك سرّ شخص المخلّص وعمله. إنه يحدّد مسبقًا برنامج عمله على
الأرض، ويجعلنا نستشف النهاية المأساويّة حين يُرذل عبدُ الله ويموت. وإن أحالنا
هذا الخبر إلى وضع تاريخي واقعي، إلاّ أنّنا لا نفهمه حقًا إلاّ على ضوء كنيسة بعد
فصحيّة تتحدّث عن المخلّص والقائم من الموت، وتنفتح بكل إدراك على عالم الوثنيّين.
إذا نظرنا إلى الوجهة الأدبيّة لهذه المجموعة نكتشف جزئين كبيرين. الجزء الأوّل (4:
16- 21) يذكر مجيء يسوع إلى الناصرة. يقدّمه لنا في إطار ليتورجيا مجمعيّة (أي:
داخل مجمع يهوديّ أو كنسيّ) كذلك الذي يأخذ على عاتقه أقوال النبيّ أشعيا (أش 61:
1- 2 أ) فيحدّد نفسه على أنه النبيّ المسيحانيّ. إنه رجل الله الذي أوكلت إليه
مهمّة حمل بشرى التحرير إلى صغار القوم. وبمجيئه سيُدخل في زمن بشري "يومَ" الله
(4: 21)، سيُدخل زمن "النعمة" الخارقة (4: 19، 22) في تاريخ الخلاص. هذا هو ملخّص
الإِِنجيل كلّه، وهو في بداية عمل يسوع برنامج واضح عن رسالته، كما هو دعوة ملحّة
تتوجّه إلى كلّ إنسان، فيطلب منه أن يحدّد موقعه بالنسبة إليها.
ويورد الخبر الثاني (4: 22- 30) ردّات الفعل المتنوّعة لدى السامعين في الناصرة:
عرفان جميل وتقبل وإعجاب في البداية (آ 122). ثمّ دهشة وحيرة (آ 22 ب). وفي
النهاية، رذلوه وقطعوا علاقاتهم به (آ 28- 29). هذه المسيرة الرافضة تدريجيًّا
تدهشنا، ولا سيما وأن يسوع هو الذي سبّبها كما يقول العمل التدوينيّ: لم يكتفِ بأن
يورد المثل الشعبيّ: "يا طبيب اشفِ نفسك" (آ 23)، بل لجأ إلى شهادة إيليّا واليشاع
(آ 25-27) ليوبّخ مواطنيه على موقفهم الذي يخلو من الإِِيمان.
هذا الوضع يتطلّب شرحًا ويدعونا أوّلاً لكي نرى كيف اعاد لوقا قراءة نص مرقس الذي
اتّخذه له نموذجًا. بعد هذا، نحدّد معنى الزيادات التدوينيّة وبُعدها في إطار
مؤلَّفه العام أيّ في إطار الإِِنجيل الثالث وسفر الأعمال.
1- قراءة نص مرقس (آ 22- 24)
يقدّم الخبر من آ 22 إلى آ 24 موازاة مع مر 6: 1- 6 أ، مع تحوّلات عميقة لها
معناها. فالطريقة التي بها يعيد لوقا تدوين مرقس يعكس تفسيره الشخصيّ لحدث الناصرة
الذي يوضحه أيضًا في آ 25- 30. قراءة الفعل لدى أهل الناصرة تبدو موافقة ليسوع في
البداية، وهذا ما لا نجده في مر 2:6- 3، فيدهشنا حين نأخذ بعين الاعتبار نهاية
الحدث. قالت آ 22: "فشهدوا له كلّهم وتعجّبوا من كلام النعمة الذي يخرج من فمه".
أمّا في آ 28- 29 فنقرأ: "غضبوا كثيرًا، فقاموا واخرجوه الى خارج المدينة...".
يفترق لوقا عن مر 2:6 فلا يلمّح إلى معجزات نسبها أهل الناصرة إلى يسوع. ونحن نفهم
هذا الوضع حين نعرف أن الإِِنجيليّ جعل حدث الناصرة يقع في بداية رسالة يسوع، يوم
لم يكن بعد قد اجترح معجزة واحدة. إذن، سيتركّز إعجاب الناس على "الأقوال المليئة
بالنعمة، التي تخرج من فمه". نحن ولا شكّ أمام تأوين قام به يسوع حين طبّق على شخصه
نبوءة أش 61 التي قرأها فيما قبل وأعلن عنها: "اليوم تمّت هذه الكلمات".
لا يشدّد النصّ على مضمون كلمات يسوع (تحدّث مر 2:6 عن الكلمة)، بل بالأحرى على
وقعها وتأثيرها: إنها تحمل نعمة يوصلها الله إلى البشر، وهي تتماثل مع يسوع نفسه.
فالتماثل بين يسوع وكلمته (يسوع هو كلمته) يبرز في صيغة البدل التي نجدها في أع 10:
37- 38: "الكلمة (أو الحدث) التي جرت في اليهوديّة... ويسوع الناصري". نلاحظ تشديد
الانجيليّ على تقديم يسوع كحامل هذه النعمة (2: 40، 52؛ أع 14: 3؛ 15: 11- 40؛ 20:
32). ثم نرى في عبارة "الكلمات الخارجة من فم يسوع" تلميحًا إلى تث 3:8: "لا يحيا
الإِنسان بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". يورد مت 4: 4 الجملة كلَّها
في خبر تجارب يسوع. أمّا لوقا فيورد القسم الأوّل في 4: 4، ويطبّق القسم الثاني هنا
على الأقوال الخارجة من فم يسوع.
ويجمع لوقا في جملة واحدة ما قاله مر 3:6 عن تفاسير أهل الناصرة حول هوية يسوع
وقرابته: "أما هو ابن يوسف" (آ 22 ب)؟ بما أن يسوع ليس في نظر الإِِنجيليّ "ابن
يوسف" بحصر المعنى (22:3- 23: "كانوا يحسبونه ابن يوسف")، فقد نكون أمام تلميح خفيّ
إلى عجز أهل الناصرة عن التعرّف إلى هوية يسوع الحقيقيّة. ويفترق لوقا هنا أيضًا عن
مرقس: لا نوايا شريرة لدى اهل الناصرة، بل سؤال تعجّب ودهشة. أما في المقطع الموازي
في مرقس، فأقوال أهل الناصرة عن يسوع وأمه وإخواته وأخواته، تجعلنا نظنّ أنهم
يحسبونه انسانًا عاديًا، ويرفضون أن يصدقوه أو يثقوا به. لهذا تشكّكوا بسببه أي
انزعجوا حين رأوا يسوع يبرهن عن حكمة وقدرة عجائبيّة تتجاوزانهم.
نحن لا نجد شيئًا من هذا عند لوقا. فيسوع نفسه هو الذي "يهاجم" أهل بلدته. نلاحظ
بسهولة أن لوقا لا يهتمّ بالخبر في ذاته كما أورده متّى ومرقس، لا يهتمّ بعدم فهم
أهل الناصرة ليسوع وقد جاء يزور موطنه. إنه يتطلّع إلى رسالة يسوع وما ستؤول إليه.
فأوّل مرّة جعل يسوع يتكلّم في بداية عمله الرسوليّ، جعله يتنبّأ عن فشل رسالته لدى
مجمل شعب إسرائيل. وهذا ما يفهمنا قساوة يسوع وهجومه. فكأنّي به يفترض في الأساس
النوايا الشرّيرة لديهم: "لا شكّ. ستقولون لي هذا المثل: يا طبيب اشف نفسك. فاعمل
هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
نجد هذا القول الشعبيّ (يا طبيب) في الأدب الربّاني. مثلاً في "التكوين العظيم":
"يا طبيب، اشف نفسك من فالجك". ونقرأ تفسيرًا لرابي لاوي (حوالي سنة 300) حول كلمة
لا 3:4: "اذا كان الممسوح بالزيت قد أخطأ... يجيب: الويل لمدينة كاهنها مريض في
رجله بمرض النقرس".
حين يطبّق يسوع هذا المثل على أهل الناصرة فهو يعبّر في نظرهم عمّا هو ضروري لكي
يتعرّفوا إلى يسوع: كما أنّ على الطبيب أن يستطيع تأمين الشفاء لنفسه ليحوز على ثقة
زبائنه المقبلين وتقديرهم، فعلى يسوع أيضًا أن يبرهن على سلطانه الخلاصيّ أمام أهل
بلده قبل أن يحاول ان يقنعهم. وإلاّ اية قيمة لكلمات النعمة الخارجة من فمه؟
إن التلميح إلى ما يمكن أن يكون يسوع قد صنعه في كفرناحوم يدهشنا في هذه المرحلة من
تدوين الإِِنجيل، ولا يُفَهم من الوجهة التاريخيّة المحضة، لأن يسوع بدأ رسالته في
الناصرة حيث هو الآن، ولأن الإِِنجيل لم يروِ لنا بعدُ شيئًا عن نشاطه في كفرناحوم.
لا شكّ في أنّ آ 14-15 تحدّثاننا بصورة عامّة عن تعليم يسوع في الجليل. ولكن يبدو
أن لوقا لا يشير هنا إلى نشاط سبق خطبة الناصرة. نحن بالأحرى أمام مقدّمة لمجمل
الخبر الذي يلي. في الواقع، سيصوّر لنا لوقا عمل يسوع في كفرناحوم حالاً بعد حدث
الناصرة (4: 31- 43= مر 1: 21- 39). إذن، إن 23:4 تستبق ما حدث في كفرناحوم. ونحن
نفهم هذا بالنسبة إلى الطابع الذي به طبع لوقا مقطوعة الناصرة: إنّها برنامج عمله
فيما بعد. وهذه المقطوعة لا تروي فقط الحدث الأوّل من رسالة يسوع كما حصل في الزمن،
بل تشير بصورة رمزيّة إلى مجمل هذه الرسالة: كيف رذله شعب إسرائيل وكيف تقبّله
الوثنيّون.
ولهذا يميل لوقا في هذا المشهد عينه إلى اظهار معارضة محاوري يسوع بشكل قاسٍ بقدر
ما تبدو هذه المعارضة نموذجًا لموقف اليهود بصورة عامة. وإن هو أوجز في آ 22 ما
قاله مرقس وخفّف من قوة ردّة الفعل عند أهل الناصرة، فقد احتفظ بالشيء الجوهريّ:
عدم إيمانهم (مر 6: 16). كما صوَّر بصورة جذريّة بُعد قلة الإِِيمان هذا في فم يسوع
نفسه. والأمر ملفت بصورة خاصة في الطريقة التي بها يُعيد قراءة نهاية خبر مرقس
ويعيد تدوينها كليًّا. قال مر 6: 5- 6 أ: "وتعذّر على يسوع أن يصنع أية معجزة هناك،
سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم، وكان يتعجّب من قلة إيمانهم".
إن عدم قدرة يسوع العجائبيّة عند مرقس لم تكن في المخطط: إنها نتيجة عدم ايمان أدهش
يسوع وقيَّده بشكل من الأشكال. أما عند لوقا فلا مجال إلى أن يعمل يسوع معجزة
واحدة، مع أن أهل بلده طلبوا منه بوضوح. إن سؤال أهل الناصرة لدى مرقس يدلّ بالأحرى
على أنهم لا ينتظرون شيئًا من "ابن مريم". ولكن الوضع يتبدّل عند لوقا. قالوا له:
"فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
ويعبر يسوع نفسه عن هذه المتطلبة. ولكن كلّ شيء يشير إلى أنه يوردها لكي يرفضها: هو
لا يقدر أن يفعل أي شيء من أجل أهل البلدة، بل هولا يريد. وإن كان لا يريد، فهذا
ناتج في نظر الإِِنجيليّ، عن رفض مجمل الشعب اليهوديّ بأن يتقبّل كلمات النعمة
الخارجة من فمه، بأن يقرّ أن يسوع هو الذي يُتمّ مواعيد العهد القديم . ولكن هذا لا
يمنع لوقا من أن يورد بعد هذا سلسلة من المعجزات تمّت فعلاً على يد يسوع من أجل
إسرائيل، أكان ذلك في كفرناحوم أو في مكان آخر. ولكن لوقا يشدّد على أن يسوع لم
يُرد بملء حريّته أن يعمل معجزة واحدة في بلدته، فيقدّم لنا تفسيرًا لاحقًا عن عمل
يسوع كلّه: إن اسرائيل لن يستفيد من الخلاص الذي حمله إليه يسوع.
وتقدّم آ 24 جواب يسوع على الكلمات التي نسبتها آ 23 إلى محاوريه، ثم تبدأ إعلان آ
25-27. وهنا أيضًا قام لوقا بتصحيح آخر لنصّ مر 4:6 له معناه. كتب مرقس: "لا نبيّ
بلا كرامة إلا في وطنه". فكتب لوقا: "لا يُقبل نبيّ في وطنه". لا يكتفي لوقا بأن
يستعيد بطريقة شخصيّة المثل الذي أورده مرقس عن النبيّ، بل يشدّد على ما يقول فتحلّ
لفظة "دكتوس" (مقبول) محل "أتيموس" (بلا كرامة). اختار لوقا "أتيموس" قصدًا، فعاد
إلى نبوءة أشعيا التي ذكرت اعلاه وأعلنت سنة نعمة، سنة مقبولة (دكتوس) من عند الربّ
(آ 19). المعنى واضح: إن زمن الخلاص الذي دشّن يسوع تتمّته (آ 21) بكلمات النعمة
الخارجة من فمه (آ 23) لا يتحقّق لأهل الناصرة الذين لا يقبلون يسوع، حامل هذا
الخلاص.
والمثل الشعبيّ الذي أورده مرقس والذي يجد في يسوع تطبيقًا بين تطبيقات عديدة،
ويقابل ملاحظة مؤسفة ولكن لا مدلول خاصًا لها، اتخذ هنا شكل بلاغ لاهوتيّ. لم نعد
أمام نبيّ (من الأنبياء) استهان به أقاربه، بل أمام النبيّ الذي أرسله الله إلى
شعبه ليخلّصهم في هذا الوقت المحدّد من تاريخهم، ولكن هذا النبي لم يكن مقبولاً في
بلده.
والنتائج عند لوقا أكثر خطورة مما عند مرقس: لم نعد أمام عجز عجائبيّ موقّت ومحدّد
في حياة يسوع. فلوقا يفهمنا أن مجمل شعب إسرائيل ابتعد بصورة نهائيّة عن عمل يسوع
الخلاصيّ، لفائدة الوثنيّين. وهذا ما يدلّ عليه وَلْيُ الخبر. نحن هنا أمام رؤية
تستبق رسالة يسوع وترتبط بخبرة عاشتها الكنيسة بعد الفصح.
2- معنى الزيادات التدوينيّة وأبعادها
أ- خلاص يُعطى للوثنيّين (آ 25- 27)
إن آ 25- 27 هي خاصة بلوقا. دوّنها، فدلّت على تحوّل ظاهر في النظرة، وارتسمت في
منطق تقديم كرازة يسوع التدشينيّة في الناصرة كما رآها لوقا. وهي تُقدّم أيضًا
الجواب الإِيجابيّ والشامل على آ 23- 24. هنا رذل أهل الناصرة ابنَ بلدهم النبي
يسوع، فكان تصرّفهم نذيرًا لتصرّف مجمل شعب إسرائيل. أمّا في آ 25- 27، فالتذكير
بما أتمّ إيليّا واليشاع من معجزات من أجل غير اليهود (أي: الوثنيّون) ينبئ بخلاص
سيحمله النبيّ يسوع إلى الوثنيّين.
لن نبحث هنا عن تحقيق لكلمات يسوع خلال رسالته على الأرض، وهي ستنحصر جوهريًّا في
شعب اليهود ولن تتوجّه إلى الوثنيّين إلا في حالات استثنائيّة. هذا ما نقوله عن
ممسوس الجراسيين (26:8- 39 وز) وضابط كفرناحوم (7: 1- 10 وز) والأبرص السامري (17:
11- 19، خاص بلوقا). لا شكّ في أن يسوع سيقول بأن ايمان الضابط يتفوق على الايمان
الذي وجده في إسرائيل (7: 9؛ مت 8: 10) وأن السامري الذي شفي مجّد وحده الله
(18:17). ولكن هذا لن يدفعه إلى نشر عمله بصورة عادية لدى الوثنيّين.
والعودة إلى إيليا وأليشاع لا توافق أيضًا الواقع التاريخيّ. فهما لم يحصرا عملهما
في شعب إسرائيل، ولكنهما في الواقع بدأا عملهما لدى شعبهما. ولكن لوقا يحتفظ فقط
بحدثين ساعداه على إبراز البُعد الشامل لعمل يسوع كما يتصوّره.
وعلى مستوى التعبير، فالتقديم اللوقاويّ يشدّد على الطابع النموذجيّ لهذين الحدثين
ويعطيهما بعدًا استثنائيًّا لم يكن لهما في خبرَي كتاب الملوك. لا شكّ في ان إرسال
إيليّا إلى أرملة صرفت صيدا ليؤمّن لها الطعام بصورة عجائبيّة وليقيم لها ابنها
(1مل 7:17- 24) وشفاء نعمان السوري على يد أليشاع (2 مل 5: 1- 27) يدلاّن على أن
قدرة إله إسرائيل وصلت من ذلك الوقت إلى الوثنيّين فنعموا بها. ولكن لا شيء في هذين
الخبرين يفترض أن معجزتي هذين النبيّين تتضمّنان شيئًا يدلّ على أن إله إسرائيل
يفضّل الوثنيّين على اليهود. فأليشاع سيصنع عجائب كثيرة من أجل أبناء أمته، ويقيم
خاصة إبن الشونمية (2 مل 4: 8- 37).
غير أن لوقا يقدّم هاتين المعجزتين وكأن الله يفضل الوثنيّين على اليهود. قال: "كان
في إسرائيل كثير من الأرامل في إسرائيل: وما أرسل الله إيليّا إلى واحدة منهنّ، بل
أرسله إلى أرملة في صرفت صيدا. وكان في اسرائيل كثير من البرص في زمن النبي أليشاع،
فما طهّر الله أحدًا منهم إلاَّ نعمان السوريّ". وُضعت هذه الكلمات في فم يسوع
فدلّت، انطلاقًا من مثلين خاصين، على أن نبيَيْ العهد القديم لم يصنعا معجزات إلا
من أجل غريبين عن شعب اسرائيل، لا من أجل الكثير من ابناء شعبهما الذين احتاجوا إلى
تدخلهما.
والنتيجة الخفيّة هي أن يسوع نفسه، وهو النبيّ الذي لم يقبله أهل بلده، لن يمارس في
النهاية خدمته إلا لدى الوثنيّين. وهكذا يرى لوقا لاهوتيّ التاريخ، أن حياة يسوع
على الأرض والأقوال التي قالها والأفعال التي قام بها حقًا وسط شعبه، لم تحمل إلى
هذا الشعب الخلاص الذي سينعم به الوثنيّون. إن مقطوعة الناصرة تصوِّر مسبقًا ما
وصلت إليه رسالة يسوع الذي كان يتوقّع استقبالاً أكثر حرارة وايمانًا.
ورفض يسوع أن يصنع معجزة واحدة من أجل بلده، مع أنه سيصنع في كفرناحوم. فوطنه ومجمل
الشعب اليهوديّ لم يرَ فيه النبيِّ الذي يُتمّ اليوم مواعيد الكتب المقدّسة، لهذا
فهو لن يرى تحقيق هذه المواعيد التي ستتعدّى حدود إسرائيل وتمتدّ إلى العالم كلّه.
وسيصوّر لوقا مسيرة هذه البشارة في سفر الأعمال. قد بدأ بطرح الفكرة في بداية
الإِِنجيل، وستكون الذروة في ما سيقوله بولس لليهود في رومة: "أُرسل خلاص الله هذا
إلى الوثنيّين وسيستمعون إليه" (أع: 28: 28).
ب- إعلان مصير يسوع المأساويّ (آ 28- 30).
ودوّن لوقا نهاية المقطوعة (آ 28- 30) فأنبأ بالمصير المأساويّ الذي يُنهي عمل يسوع
على الأرض. ما أراد أهل وطنه أن يستقبلوه. بل هم حاولوا أن يزيلوه: "فلمّا سمع
الحاضرون في الجمع هذا الكلام امتلأوا غضبًا (ردّة فعل مماثلة ضدّ اسطفانس في أع 7:
54). فقاموا ودفعوه إلى خارج المدينة..." ففي طرد يسوع العنيف خارج مدينة الناصرة،
أراد لوقا أن يقدّم صورة مسبقة عن موت يسوع مهانًا ومصلوبًا خارج مدينة أورشليم.
سنجد هذا الموضوع في مَثَل الكرّامين القتلة. أرسَل اليهم صاحبُ الكرم ابنه الحبيب،
فرموه خارج الكرم وقتلوه (15:20؛ مر 8:12). منذ بداية حياة يسوع العامة، يركّز لوقا
انتباه القارئ على النهاية: الموت الخلاصي للذي سيسمَّى يومًا ملك اليهود (23: 33).
"وجاؤوا به الى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه عنه. لكنّه مرّ من
بينهم ومضى". يمكننا أن نتساءل: أما يدلّ الخلاص الذي نعم به يسوع هذه المرّة على
الحماية التي يؤمنها الربّ للصديق في مز 91: 11-12؟ "يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل
طرقك. على أيديهم يحملونك لئلا تصدم . بحجر رجلك". روى لوقا في 9:4- 12 أن الشيطان
عاد إلى هذه الكلمات الكتابيّة خلال التجربة الثالثة ليدفع يسوع إلى أن يرمي بنفسه
عن شرفة هيكل أورشليم. ولكن يسوع رفض أن يجرِّب الربّ الإِِله.
ما نقرأه في لوقا هنا هو صدى لهذا المشهد، وهو يبيّن أن يسوع يملك في ممارسة رسالته
سلطانًا امتنع عن استعماله حين طلب منه الشيطان ذلك. وإلى أن تأتي الساعة الحاسمة
(53:22؛ رج يو 7: 30، 44؛ 59:8؛ 10: 39) سينجو من أبناء بلده. ولكن الطريق التي
تبعها ستقوده في النهاية إلى أورشليم ليموت فيها (9: 51، 53؛ 13: 22، 33؛ 17: 11؛
19: 28).
أمّا هو فجاز (مرَّ) بينهم. نستطيع أن نقرأ هنا بإيجاز ما فعله المسيح النبيّ. أمّا
أع 38:10 فيعبّر عن هذا المرور بايضاح: "مسحه الله بالروح القدس والقدرة، فمرّ وهو
يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم ابليس، لأن الله كان معه ".
3- تعليم يتوجّه الينا اليوم
قد نظنّ أننا بعيدون عن موقف أهل يسوع. ولكن غالبًا ما يكون تصرّفنا مثل تصرّفهم
دون شعور منّا. نحسب أن يسوع هو لنا وفي الوقت عينه نرذله. نعجب بكلمات النعمة
الخارجة من فمه، ولكننا لا نعمل شيئًا لكي تتحقّق فينا اليوم، فنترك مناسبة الخلاص
تمرّ دون أن نستفيد منها. قد نشهد ليسوع ولكننا لا نفهم تعليمه ولا ندخله في
حياتنا.
لا نسمّيه "ابن يوسف" بل "ابن الله " ولكننا في الواقع نتجاهله. قد ننتظر منه أن
يضع قدرته في خدمة مصالحنا، وإن لم يفعل عارضناه "ولم نقبله". نتعبّد لابن الله،
ولكنّنا نرفض النبيّ الذي يوجِّه إلينا كلمة الله.
وهكذا نصل، نحن المسيحيّين، إلى ما وصل إليه اليهود من أهل يسوع. رفضنا الإِِنجيل
فتوجّه إلى غيرنا وكنا نعتبرهم غرباء ووثنيّين. مثل هذه النظرة تُدهشنا وتملأنا
غضبًا. لا نستطيع أن نزيل يسوع، نحاول ان ننكر اليقين، نحاول أن نقتل الكلمة التي
يوجّهها إلينا الانبياء اليوم. ولكن يسوع يمرّ في وسطنا ويمضي. يسير في طريقه
بعيدًا عنّا نحو أناس آخرين سيستمعون إليه. وحين نغلق آذاننا عن الإِِنجيل، لا نقدر
أن نمنع انتشاره خارج كنائسنا. والمخرج الوحيد بالنسبة إلينا هو أَن نترك اليقينات
الكاذبة والمخاوف التي تقيّدنا. والطريقة الوحيدة تقوم بأن نتبع يسوع في طريقه إلى
أورشليم، في طريقه إلى الآلام والمجد.
الفصل الثالث والعشرون
لا يقبل نبي في وطنه
21:4-30
يشكّل المشهد الأوّل في الناصرة (16:4- 30) قطعة أساسيّة في إنجيل لوقا ووسيلة
تساعدنا على فهم كلّ مؤلّفه فهمًا لاهوتيّا. جُعل في بداية رسالته العامة فوجّه
القارئ نحو ملء إدراك سرّ شخص المخلّص وعمله. إنه يحدّد مسبقًا برنامج عمله على
الأرض، ويجعلنا نستشف النهاية المأساويّة حين يُرذل عبدُ الله ويموت. وإن أحالنا
هذا الخبر إلى وضع تاريخي واقعي، إلاّ أنّنا لا نفهمه حقًا إلاّ على ضوء كنيسة بعد
فصحيّة تتحدّث عن المخلّص والقائم من الموت، وتنفتح بكل إدراك على عالم الوثنيّين.
إذا نظرنا إلى الوجهة الأدبيّة لهذه المجموعة نكتشف جزئين كبيرين. الجزء الأوّل (4:
16- 21) يذكر مجيء يسوع إلى الناصرة. يقدّمه لنا في إطار ليتورجيا مجمعيّة (أي:
داخل مجمع يهوديّ أو كنسيّ) كذلك الذي يأخذ على عاتقه أقوال النبيّ أشعيا (أش 61:
1- 2 أ) فيحدّد نفسه على أنه النبيّ المسيحانيّ. إنه رجل الله الذي أوكلت إليه
مهمّة حمل بشرى التحرير إلى صغار القوم. وبمجيئه سيُدخل في زمن بشري "يومَ" الله
(4: 21)، سيُدخل زمن "النعمة" الخارقة (4: 19، 22) في تاريخ الخلاص. هذا هو ملخّص
الإِِنجيل كلّه، وهو في بداية عمل يسوع برنامج واضح عن رسالته، كما هو دعوة ملحّة
تتوجّه إلى كلّ إنسان، فيطلب منه أن يحدّد موقعه بالنسبة إليها.
ويورد الخبر الثاني (4: 22- 30) ردّات الفعل المتنوّعة لدى السامعين في الناصرة:
عرفان جميل وتقبل وإعجاب في البداية (آ 122). ثمّ دهشة وحيرة (آ 22 ب). وفي
النهاية، رذلوه وقطعوا علاقاتهم به (آ 28- 29). هذه المسيرة الرافضة تدريجيًّا
تدهشنا، ولا سيما وأن يسوع هو الذي سبّبها كما يقول العمل التدوينيّ: لم يكتفِ بأن
يورد المثل الشعبيّ: "يا طبيب اشفِ نفسك" (آ 23)، بل لجأ إلى شهادة إيليّا واليشاع
(آ 25-27) ليوبّخ مواطنيه على موقفهم الذي يخلو من الإِِيمان.
هذا الوضع يتطلّب شرحًا ويدعونا أوّلاً لكي نرى كيف اعاد لوقا قراءة نص مرقس الذي
اتّخذه له نموذجًا. بعد هذا، نحدّد معنى الزيادات التدوينيّة وبُعدها في إطار
مؤلَّفه العام أيّ في إطار الإِِنجيل الثالث وسفر الأعمال.
1- قراءة نص مرقس (آ 22- 24)
يقدّم الخبر من آ 22 إلى آ 24 موازاة مع مر 6: 1- 6 أ، مع تحوّلات عميقة لها
معناها. فالطريقة التي بها يعيد لوقا تدوين مرقس يعكس تفسيره الشخصيّ لحدث الناصرة
الذي يوضحه أيضًا في آ 25- 30. قراءة الفعل لدى أهل الناصرة تبدو موافقة ليسوع في
البداية، وهذا ما لا نجده في مر 2:6- 3، فيدهشنا حين نأخذ بعين الاعتبار نهاية
الحدث. قالت آ 22: "فشهدوا له كلّهم وتعجّبوا من كلام النعمة الذي يخرج من فمه".
أمّا في آ 28- 29 فنقرأ: "غضبوا كثيرًا، فقاموا واخرجوه الى خارج المدينة...".
يفترق لوقا عن مر 2:6 فلا يلمّح إلى معجزات نسبها أهل الناصرة إلى يسوع. ونحن نفهم
هذا الوضع حين نعرف أن الإِِنجيليّ جعل حدث الناصرة يقع في بداية رسالة يسوع، يوم
لم يكن بعد قد اجترح معجزة واحدة. إذن، سيتركّز إعجاب الناس على "الأقوال المليئة
بالنعمة، التي تخرج من فمه". نحن ولا شكّ أمام تأوين قام به يسوع حين طبّق على شخصه
نبوءة أش 61 التي قرأها فيما قبل وأعلن عنها: "اليوم تمّت هذه الكلمات".
لا يشدّد النصّ على مضمون كلمات يسوع (تحدّث مر 2:6 عن الكلمة)، بل بالأحرى على
وقعها وتأثيرها: إنها تحمل نعمة يوصلها الله إلى البشر، وهي تتماثل مع يسوع نفسه.
فالتماثل بين يسوع وكلمته (يسوع هو كلمته) يبرز في صيغة البدل التي نجدها في أع 10:
37- 38: "الكلمة (أو الحدث) التي جرت في اليهوديّة... ويسوع الناصري". نلاحظ تشديد
الانجيليّ على تقديم يسوع كحامل هذه النعمة (2: 40، 52؛ أع 14: 3؛ 15: 11- 40؛ 20:
32). ثم نرى في عبارة "الكلمات الخارجة من فم يسوع" تلميحًا إلى تث 3:8: "لا يحيا
الإِنسان بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". يورد مت 4: 4 الجملة كلَّها
في خبر تجارب يسوع. أمّا لوقا فيورد القسم الأوّل في 4: 4، ويطبّق القسم الثاني هنا
على الأقوال الخارجة من فم يسوع.
ويجمع لوقا في جملة واحدة ما قاله مر 3:6 عن تفاسير أهل الناصرة حول هوية يسوع
وقرابته: "أما هو ابن يوسف" (آ 22 ب)؟ بما أن يسوع ليس في نظر الإِِنجيليّ "ابن
يوسف" بحصر المعنى (22:3- 23: "كانوا يحسبونه ابن يوسف")، فقد نكون أمام تلميح خفيّ
إلى عجز أهل الناصرة عن التعرّف إلى هوية يسوع الحقيقيّة. ويفترق لوقا هنا أيضًا عن
مرقس: لا نوايا شريرة لدى اهل الناصرة، بل سؤال تعجّب ودهشة. أما في المقطع الموازي
في مرقس، فأقوال أهل الناصرة عن يسوع وأمه وإخواته وأخواته، تجعلنا نظنّ أنهم
يحسبونه انسانًا عاديًا، ويرفضون أن يصدقوه أو يثقوا به. لهذا تشكّكوا بسببه أي
انزعجوا حين رأوا يسوع يبرهن عن حكمة وقدرة عجائبيّة تتجاوزانهم.
نحن لا نجد شيئًا من هذا عند لوقا. فيسوع نفسه هو الذي "يهاجم" أهل بلدته. نلاحظ
بسهولة أن لوقا لا يهتمّ بالخبر في ذاته كما أورده متّى ومرقس، لا يهتمّ بعدم فهم
أهل الناصرة ليسوع وقد جاء يزور موطنه. إنه يتطلّع إلى رسالة يسوع وما ستؤول إليه.
فأوّل مرّة جعل يسوع يتكلّم في بداية عمله الرسوليّ، جعله يتنبّأ عن فشل رسالته لدى
مجمل شعب إسرائيل. وهذا ما يفهمنا قساوة يسوع وهجومه. فكأنّي به يفترض في الأساس
النوايا الشرّيرة لديهم: "لا شكّ. ستقولون لي هذا المثل: يا طبيب اشف نفسك. فاعمل
هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
نجد هذا القول الشعبيّ (يا طبيب) في الأدب الربّاني. مثلاً في "التكوين العظيم":
"يا طبيب، اشف نفسك من فالجك". ونقرأ تفسيرًا لرابي لاوي (حوالي سنة 300) حول كلمة
لا 3:4: "اذا كان الممسوح بالزيت قد أخطأ... يجيب: الويل لمدينة كاهنها مريض في
رجله بمرض النقرس".
حين يطبّق يسوع هذا المثل على أهل الناصرة فهو يعبّر في نظرهم عمّا هو ضروري لكي
يتعرّفوا إلى يسوع: كما أنّ على الطبيب أن يستطيع تأمين الشفاء لنفسه ليحوز على ثقة
زبائنه المقبلين وتقديرهم، فعلى يسوع أيضًا أن يبرهن على سلطانه الخلاصيّ أمام أهل
بلده قبل أن يحاول ان يقنعهم. وإلاّ اية قيمة لكلمات النعمة الخارجة من فمه؟
إن التلميح إلى ما يمكن أن يكون يسوع قد صنعه في كفرناحوم يدهشنا في هذه المرحلة من
تدوين الإِِنجيل، ولا يُفَهم من الوجهة التاريخيّة المحضة، لأن يسوع بدأ رسالته في
الناصرة حيث هو الآن، ولأن الإِِنجيل لم يروِ لنا بعدُ شيئًا عن نشاطه في كفرناحوم.
لا شكّ في أنّ آ 14-15 تحدّثاننا بصورة عامّة عن تعليم يسوع في الجليل. ولكن يبدو
أن لوقا لا يشير هنا إلى نشاط سبق خطبة الناصرة. نحن بالأحرى أمام مقدّمة لمجمل
الخبر الذي يلي. في الواقع، سيصوّر لنا لوقا عمل يسوع في كفرناحوم حالاً بعد حدث
الناصرة (4: 31- 43= مر 1: 21- 39). إذن، إن 23:4 تستبق ما حدث في كفرناحوم. ونحن
نفهم هذا بالنسبة إلى الطابع الذي به طبع لوقا مقطوعة الناصرة: إنّها برنامج عمله
فيما بعد. وهذه المقطوعة لا تروي فقط الحدث الأوّل من رسالة يسوع كما حصل في الزمن،
بل تشير بصورة رمزيّة إلى مجمل هذه الرسالة: كيف رذله شعب إسرائيل وكيف تقبّله
الوثنيّون.
ولهذا يميل لوقا في هذا المشهد عينه إلى اظهار معارضة محاوري يسوع بشكل قاسٍ بقدر
ما تبدو هذه المعارضة نموذجًا لموقف اليهود بصورة عامة. وإن هو أوجز في آ 22 ما
قاله مرقس وخفّف من قوة ردّة الفعل عند أهل الناصرة، فقد احتفظ بالشيء الجوهريّ:
عدم إيمانهم (مر 6: 16). كما صوَّر بصورة جذريّة بُعد قلة الإِِيمان هذا في فم يسوع
نفسه. والأمر ملفت بصورة خاصة في الطريقة التي بها يُعيد قراءة نهاية خبر مرقس
ويعيد تدوينها كليًّا. قال مر 6: 5- 6 أ: "وتعذّر على يسوع أن يصنع أية معجزة هناك،
سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم، وكان يتعجّب من قلة إيمانهم".
إن عدم قدرة يسوع العجائبيّة عند مرقس لم تكن في المخطط: إنها نتيجة عدم ايمان أدهش
يسوع وقيَّده بشكل من الأشكال. أما عند لوقا فلا مجال إلى أن يعمل يسوع معجزة
واحدة، مع أن أهل بلده طلبوا منه بوضوح. إن سؤال أهل الناصرة لدى مرقس يدلّ بالأحرى
على أنهم لا ينتظرون شيئًا من "ابن مريم". ولكن الوضع يتبدّل عند لوقا. قالوا له:
"فاعمل هنا في وطنك ما سمعنا أنك عملته في كفرناحوم" (آ 23).
ويعبر يسوع نفسه عن هذه المتطلبة. ولكن كلّ شيء يشير إلى أنه يوردها لكي يرفضها: هو
لا يقدر أن يفعل أي شيء من أجل أهل البلدة، بل هولا يريد. وإن كان لا يريد، فهذا
ناتج في نظر الإِِنجيليّ، عن رفض مجمل الشعب اليهوديّ بأن يتقبّل كلمات النعمة
الخارجة من فمه، بأن يقرّ أن يسوع هو الذي يُتمّ مواعيد العهد القديم . ولكن هذا لا
يمنع لوقا من أن يورد بعد هذا سلسلة من المعجزات تمّت فعلاً على يد يسوع من أجل
إسرائيل، أكان ذلك في كفرناحوم أو في مكان آخر. ولكن لوقا يشدّد على أن يسوع لم
يُرد بملء حريّته أن يعمل معجزة واحدة في بلدته، فيقدّم لنا تفسيرًا لاحقًا عن عمل
يسوع كلّه: إن اسرائيل لن يستفيد من الخلاص الذي حمله إليه يسوع.
وتقدّم آ 24 جواب يسوع على الكلمات التي نسبتها آ 23 إلى محاوريه، ثم تبدأ إعلان آ
25-27. وهنا أيضًا قام لوقا بتصحيح آخر لنصّ مر 4:6 له معناه. كتب مرقس: "لا نبيّ
بلا كرامة إلا في وطنه". فكتب لوقا: "لا يُقبل نبيّ في وطنه". لا يكتفي لوقا بأن
يستعيد بطريقة شخصيّة المثل الذي أورده مرقس عن النبيّ، بل يشدّد على ما يقول فتحلّ
لفظة "دكتوس" (مقبول) محل "أتيموس" (بلا كرامة). اختار لوقا "أتيموس" قصدًا، فعاد
إلى نبوءة أشعيا التي ذكرت اعلاه وأعلنت سنة نعمة، سنة مقبولة (دكتوس) من عند الربّ
(آ 19). المعنى واضح: إن زمن الخلاص الذي دشّن يسوع تتمّته (آ 21) بكلمات النعمة
الخارجة من فمه (آ 23) لا يتحقّق لأهل الناصرة الذين لا يقبلون يسوع، حامل هذا
الخلاص.
والمثل الشعبيّ الذي أورده مرقس والذي يجد في يسوع تطبيقًا بين تطبيقات عديدة،
ويقابل ملاحظة مؤسفة ولكن لا مدلول خاصًا لها، اتخذ هنا شكل بلاغ لاهوتيّ. لم نعد
أمام نبيّ (من الأنبياء) استهان به أقاربه، بل أمام النبيّ الذي أرسله الله إلى
شعبه ليخلّصهم في هذا الوقت المحدّد من تاريخهم، ولكن هذا النبي لم يكن مقبولاً في
بلده.
والنتائج عند لوقا أكثر خطورة مما عند مرقس: لم نعد أمام عجز عجائبيّ موقّت ومحدّد
في حياة يسوع. فلوقا يفهمنا أن مجمل شعب إسرائيل ابتعد بصورة نهائيّة عن عمل يسوع
الخلاصيّ، لفائدة الوثنيّين. وهذا ما يدلّ عليه وَلْيُ الخبر. نحن هنا أمام رؤية
تستبق رسالة يسوع وترتبط بخبرة عاشتها الكنيسة بعد الفصح.
2- معنى الزيادات التدوينيّة وأبعادها
أ- خلاص يُعطى للوثنيّين (آ 25- 27)
إن آ 25- 27 هي خاصة بلوقا. دوّنها، فدلّت على تحوّل ظاهر في النظرة، وارتسمت في
منطق تقديم كرازة يسوع التدشينيّة في الناصرة كما رآها لوقا. وهي تُقدّم أيضًا
الجواب الإِيجابيّ والشامل على آ 23- 24. هنا رذل أهل الناصرة ابنَ بلدهم النبي
يسوع، فكان تصرّفهم نذيرًا لتصرّف مجمل شعب إسرائيل. أمّا في آ 25- 27، فالتذكير
بما أتمّ إيليّا واليشاع من معجزات من أجل غير اليهود (أي: الوثنيّون) ينبئ بخلاص
سيحمله النبيّ يسوع إلى الوثنيّين.
لن نبحث هنا عن تحقيق لكلمات يسوع خلال رسالته على الأرض، وهي ستنحصر جوهريًّا في
شعب اليهود ولن تتوجّه إلى الوثنيّين إلا في حالات استثنائيّة. هذا ما نقوله عن
ممسوس الجراسيين (26:8- 39 وز) وضابط كفرناحوم (7: 1- 10 وز) والأبرص السامري (17:
11- 19، خاص بلوقا). لا شكّ في أن يسوع سيقول بأن ايمان الضابط يتفوق على الايمان
الذي وجده في إسرائيل (7: 9؛ مت 8: 10) وأن السامري الذي شفي مجّد وحده الله
(18:17). ولكن هذا لن يدفعه إلى نشر عمله بصورة عادية لدى الوثنيّين.
والعودة إلى إيليا وأليشاع لا توافق أيضًا الواقع التاريخيّ. فهما لم يحصرا عملهما
في شعب إسرائيل، ولكنهما في الواقع بدأا عملهما لدى شعبهما. ولكن لوقا يحتفظ فقط
بحدثين ساعداه على إبراز البُعد الشامل لعمل يسوع كما يتصوّره.
وعلى مستوى التعبير، فالتقديم اللوقاويّ يشدّد على الطابع النموذجيّ لهذين الحدثين
ويعطيهما بعدًا استثنائيًّا لم يكن لهما في خبرَي كتاب الملوك. لا شكّ في ان إرسال
إيليّا إلى أرملة صرفت صيدا ليؤمّن لها الطعام بصورة عجائبيّة وليقيم لها ابنها
(1مل 7:17- 24) وشفاء نعمان السوري على يد أليشاع (2 مل 5: 1- 27) يدلاّن على أن
قدرة إله إسرائيل وصلت من ذلك الوقت إلى الوثنيّين فنعموا بها. ولكن لا شيء في هذين
الخبرين يفترض أن معجزتي هذين النبيّين تتضمّنان شيئًا يدلّ على أن إله إسرائيل
يفضّل الوثنيّين على اليهود. فأليشاع سيصنع عجائب كثيرة من أجل أبناء أمته، ويقيم
خاصة إبن الشونمية (2 مل 4: 8- 37).
غير أن لوقا يقدّم هاتين المعجزتين وكأن الله يفضل الوثنيّين على اليهود. قال: "كان
في إسرائيل كثير من الأرامل في إسرائيل: وما أرسل الله إيليّا إلى واحدة منهنّ، بل
أرسله إلى أرملة في صرفت صيدا. وكان في اسرائيل كثير من البرص في زمن النبي أليشاع،
فما طهّر الله أحدًا منهم إلاَّ نعمان السوريّ". وُضعت هذه الكلمات في فم يسوع
فدلّت، انطلاقًا من مثلين خاصين، على أن نبيَيْ العهد القديم لم يصنعا معجزات إلا
من أجل غريبين عن شعب اسرائيل، لا من أجل الكثير من ابناء شعبهما الذين احتاجوا إلى
تدخلهما.
والنتيجة الخفيّة هي أن يسوع نفسه، وهو النبيّ الذي لم يقبله أهل بلده، لن يمارس في
النهاية خدمته إلا لدى الوثنيّين. وهكذا يرى لوقا لاهوتيّ التاريخ، أن حياة يسوع
على الأرض والأقوال التي قالها والأفعال التي قام بها حقًا وسط شعبه، لم تحمل إلى
هذا الشعب الخلاص الذي سينعم به الوثنيّون. إن مقطوعة الناصرة تصوِّر مسبقًا ما
وصلت إليه رسالة يسوع الذي كان يتوقّع استقبالاً أكثر حرارة وايمانًا.
ورفض يسوع أن يصنع معجزة واحدة من أجل بلده، مع أنه سيصنع في كفرناحوم. فوطنه ومجمل
الشعب اليهوديّ لم يرَ فيه النبيِّ الذي يُتمّ اليوم مواعيد الكتب المقدّسة، لهذا
فهو لن يرى تحقيق هذه المواعيد التي ستتعدّى حدود إسرائيل وتمتدّ إلى العالم كلّه.
وسيصوّر لوقا مسيرة هذه البشارة في سفر الأعمال. قد بدأ بطرح الفكرة في بداية
الإِِنجيل، وستكون الذروة في ما سيقوله بولس لليهود في رومة: "أُرسل خلاص الله هذا
إلى الوثنيّين وسيستمعون إليه" (أع: 28: 28).
ب- إعلان مصير يسوع المأساويّ (آ 28- 30).
ودوّن لوقا نهاية المقطوعة (آ 28- 30) فأنبأ بالمصير المأساويّ الذي يُنهي عمل يسوع
على الأرض. ما أراد أهل وطنه أن يستقبلوه. بل هم حاولوا أن يزيلوه: "فلمّا سمع
الحاضرون في الجمع هذا الكلام امتلأوا غضبًا (ردّة فعل مماثلة ضدّ اسطفانس في أع 7:
54). فقاموا ودفعوه إلى خارج المدينة..." ففي طرد يسوع العنيف خارج مدينة الناصرة،
أراد لوقا أن يقدّم صورة مسبقة عن موت يسوع مهانًا ومصلوبًا خارج مدينة أورشليم.
سنجد هذا الموضوع في مَثَل الكرّامين القتلة. أرسَل اليهم صاحبُ الكرم ابنه الحبيب،
فرموه خارج الكرم وقتلوه (15:20؛ مر 8:12). منذ بداية حياة يسوع العامة، يركّز لوقا
انتباه القارئ على النهاية: الموت الخلاصي للذي سيسمَّى يومًا ملك اليهود (23: 33).
"وجاؤوا به الى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنيّة عليه ليلقوه عنه. لكنّه مرّ من
بينهم ومضى". يمكننا أن نتساءل: أما يدلّ الخلاص الذي نعم به يسوع هذه المرّة على
الحماية التي يؤمنها الربّ للصديق في مز 91: 11-12؟ "يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل
طرقك. على أيديهم يحملونك لئلا تصدم . بحجر رجلك". روى لوقا في 9:4- 12 أن الشيطان
عاد إلى هذه الكلمات الكتابيّة خلال التجربة الثالثة ليدفع يسوع إلى أن يرمي بنفسه
عن شرفة هيكل أورشليم. ولكن يسوع رفض أن يجرِّب الربّ الإِِله.
ما نقرأه في لوقا هنا هو صدى لهذا المشهد، وهو يبيّن أن يسوع يملك في ممارسة رسالته
سلطانًا امتنع عن استعماله حين طلب منه الشيطان ذلك. وإلى أن تأتي الساعة الحاسمة
(53:22؛ رج يو 7: 30، 44؛ 59:8؛ 10: 39) سينجو من أبناء بلده. ولكن الطريق التي
تبعها ستقوده في النهاية إلى أورشليم ليموت فيها (9: 51، 53؛ 13: 22، 33؛ 17: 11؛
19: 28).
أمّا هو فجاز (مرَّ) بينهم. نستطيع أن نقرأ هنا بإيجاز ما فعله المسيح النبيّ. أمّا
أع 38:10 فيعبّر عن هذا المرور بايضاح: "مسحه الله بالروح القدس والقدرة، فمرّ وهو
يعمل الخير ويشفي جميع الذين استولى عليهم ابليس، لأن الله كان معه ".
3- تعليم يتوجّه الينا اليوم
قد نظنّ أننا بعيدون عن موقف أهل يسوع. ولكن غالبًا ما يكون تصرّفنا مثل تصرّفهم
دون شعور منّا. نحسب أن يسوع هو لنا وفي الوقت عينه نرذله. نعجب بكلمات النعمة
الخارجة من فمه، ولكننا لا نعمل شيئًا لكي تتحقّق فينا اليوم، فنترك مناسبة الخلاص
تمرّ دون أن نستفيد منها. قد نشهد ليسوع ولكننا لا نفهم تعليمه ولا ندخله في
حياتنا.
لا نسمّيه "ابن يوسف" بل "ابن الله " ولكننا في الواقع نتجاهله. قد ننتظر منه أن
يضع قدرته في خدمة مصالحنا، وإن لم يفعل عارضناه "ولم نقبله". نتعبّد لابن الله،
ولكنّنا نرفض النبيّ الذي يوجِّه إلينا كلمة الله.
وهكذا نصل، نحن المسيحيّين، إلى ما وصل إليه اليهود من أهل يسوع. رفضنا الإِِنجيل
فتوجّه إلى غيرنا وكنا نعتبرهم غرباء ووثنيّين. مثل هذه النظرة تُدهشنا وتملأنا
غضبًا. لا نستطيع أن نزيل يسوع، نحاول ان ننكر اليقين، نحاول أن نقتل الكلمة التي
يوجّهها إلينا الانبياء اليوم. ولكن يسوع يمرّ في وسطنا ويمضي. يسير في طريقه
بعيدًا عنّا نحو أناس آخرين سيستمعون إليه. وحين نغلق آذاننا عن الإِِنجيل، لا نقدر
أن نمنع انتشاره خارج كنائسنا. والمخرج الوحيد بالنسبة إلينا هو أَن نترك اليقينات
الكاذبة والمخاوف التي تقيّدنا. والطريقة الوحيدة تقوم بأن نتبع يسوع في طريقه إلى
أورشليم، في طريقه إلى الآلام والمجد.
الفصل الرابع والعشرون
قوّة يسوع تخرج الشياطين
4: 31- 37؛ مر 1: 21- 28
وتبدأ الرسالة في كفرناحوم. كفرناحوم هي مدينة في الجليل حيث "حصل" (23:4) شيء ما.
فإِليها أرسل الضابط الرومانيّ رسلاً إلى يسوع (7: 1). كفرناحوم هي حقل رسالته
الأهمّ، وفيها صار الله قريبًا من البشر في يسوع. يسميّها مت 9: 1 مدينة يسوع
الخاصّة. كانت مسرح أعمال قدرة يسوع فافتخرت ولكنها ستدمَّر (15:10) فيتمّ فيها
كلام أش 13:14- 15: "وان ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين إلى الجحيم".
يحدّد لوقا: كفرناحوم وهي مدينة في الجليل. ففي الجليل تكوّن الرسل الأولون، وفيه
اختار يسوع شهوده الأولين الذين سيسمّون "جليليّين". و"الجليل" (4: 31) تحيلنا إلى
"اليهوديّة" (4: 44). إن "يوم" يسوع هذا يضمّ حقل رسالته المقبل كلّه. ومنذ الآن
نجد التعبير عن الإِنشداد نحو الجليل والمدينة المقدّسة: "إلى مجامع اليهوديّة".
يبدأ النصّ بفعل "نزل" (حرفيًا: جاء إلى تحت) (4: 31) الذي يذكر بفعل "جاء" في 4:
16. وِنهاية المقطوعة "كان كارزًا (أو مناديًا)" في آ 44 يقابل مع ساعة العماد:
وكان بادئًا في 23:3.
تنقسم هذه "الرسالة في كفرناحوم" (4: 31- 44) إلى زمنين. هناك زمن أوّل (32:4- 37)
يتركزّ على سلطة كلام يسوع (آ 36:32). إنه يتمّ يوم السبت في المجمع ومن هناك ينتشر
صيت يسوع إلى النواحي. والزمن الثاني (38:4- 44) يتكلّم عن اشفية (آ 39- 40) تمَّت
ابتداء من بيت سمعان، ومن هناك سينطلق يسوع إلى المدن الأخرى. ففي الزمنين، يواجه
يسوع الشياطين والأرواح النجسة (آ 33، 35 . 36، 41). وهم يعرفون (آ 34، 41) من هو،
ولكن البشر لا يعرفونه، كما يبدو، شأنهم شأن أهل الناصرة (آ 22).
إن نشاط يسوع خلال يوم السبت هذا يشكِّل برنامجًا: إنه يعلَّم، إنه يشفي (حرفيًا:
يعتني بالمرضى كما يفعل الطبيب). ثم يشدّد النصّ بوضوح على الإِنتقال من المجمع إلى
"بيت سمعان" في آ 038 إخراج الشياطين و"خوف" (آ 35 - 36). ثم شفاء و"خدمة" (آ 39).
وكلّ هذا ينتهي بأشفية "عند غروب الشمس". قد نجد هنا تلميحًا إلى موت يسوع الذي فيه
شُفينا كلّنا (رج 23: 44، 56).
ويهتمّ الشياطين بأن يكتشفوا بردّات فعلهم العنيفة ما في الأمر: "أعرف من أنت: أنت
قدوس الله" (آ 34)، "أنت ابن الله" (آ 41). ولئلا يخطئ احد ترجم لوقا الكلام بوضوح:
"عرفوا أنه المسيح" (آ 41). نحن هنا في الواقع امام التجربتين الثانية والثالثة على
مستوى الرسالة، وشموع سينتصر عليهما. إن يسوع يشارك في قداسة الله فتدمّر كلمتُه
سلطةَ الشيطان (رج 6:4؛ 53:22؛ أع 18:26). وشموع يجرَّب من قباء الجموع: انها تريد
أن تراه يستغل نجاحه الأوّل (رج 4: 12). ولكنه لا يسمح لهم بأن "يحتفظوا به": يجب
أن أبشر سائر المدن (آ 43) يجب أن ينطلق إلى اليهوديّة حيث آلامه وموته قبل قيامته.
أجل، إذا كانت يده تشفي، إن كان يحرّر البشر من أجل خدمة الله (حماة بطرس)، فهو لا
يعمل هذا من أجل مجده الخاص. انه ابن الله الذي يقوم برسالة أوكله بها الآب.
1- يسوع يعلِّم بسلطان (آ 31- 32)
هنا يلتقي لوقا مع مت 28:7 ب-29 ومر 1: 21-22
يبدأ مرقس "وفي الحال" التي هي اداة اخبارية بسيطة خاصّة بمرقس. أغفلها متّى ولوقا
كما اعتادا أن يفعلا في الأخبار الموازية. فهي لا تدلّ دومًا على رباط كرونولوجيّ
بما سبق: فدعوة الرسل (5: 10- 11؛ مت 18:4- 22؛ مر 1: 16- 20) تمّت في يوم من ايام
الأسبوع، في يوم عمل. أمَّا شفاء المتشيطن فتمَّ يوم السبت.
نشير هنا إلى أن لوقا زاد "مدينة الجليل" بعد أن ذكر كفرناحوم. فقراؤه يجهلون
الطوبوغرافيا الفلسطينيّة. هل كانت الجليل معروفة بعد الحرب اليهودية الرومانيّة
التي انتهت سنة 70 ب. م. بدمار أورشليم؟ الأمر ممكن.
أليوم سبت. علّم يسوع في الناصرة يوم السبت (آ 16). وها هو في كفرناحوم يوم السبت،
وفي المجمع بالذات. هكذا فعل يسوع وهكذا تبعه الرسل ولا سيّما بولس، فبدأوا تعليمهم
في المجامع يوم السبت، في قبرس (أع 13: 5)، في انطاكية بسيدية (أع 12:13)، في
ايقونيّة (أع 14: 1). ولكن تعليم يسوع لم ينحصر في يوم من الأيام، ولا في مكان
واحد. وكذلك نقول عن الرسل. سينطلقون من المجامع ليتوجّهوا إلى الأمم الوثنية فيصل
خلاص الربّ "إلى أقاصي الأرض" (أع 13: 44 -47).
ماذا علَّم؟ هذا ما لا يقوله النصّ في هذا الشأن. ولكنه يعطينا النتيجة: تعجّبوا من
تعليمه، أصيبوا بالدهشة بالنسبة إلى تعليمه. لا شك في أنه عاد إلى الكتب المقدّسة
والتقليد، ولكنّه لم يكتفِ بتكرارها كما يفعل الكتبة. كان يضع سلطانه كله، بل يضع
شخصه فيها بشكل لم يسمع به أحد. وسبب "دهشة" السامعين هو ان هذا التعليم جديد،
يُعطى بسلطان هو سلطان الله نفسه. فكلام الله يفعل وبالحري حين يخرج من فم الذي هو
الكلمة بالذات.
والشطر الأخير. قال مر 1: 22: "مثل الكتبة"، فأشار إلى معلمي ذاك الزمان، الذين
ينسخون الكتب المقدّسة والتقاليد فيتعرّفون إليها وينقلونها إلى الشعب. قال مرقس:
"الكتبة". أمَّا متّى الذي يفكرّ بقرَّائه اليهود والمسيحيّين المتهوّدين فكتب
"كتبتهم" أي كتبة اليهود. وهكذا ميَّز الجماعة المسيحيّة عن الجماعة اليهوديّة.
اجل، بدأ الإِِنفصال فعلاً منذ الحرب اليهوديّة الرومانيّة وازداد جدًا في السنوات
80 يوم كتب إنجيل متّى، وكان الشرخ واسعًا على مستوى كنيسة متى والعداء عميقًا.
ويبدو أنه هدأ في وقت لوقا، أو أنه كان بعيدًا عن قرّائه الوثنيّين. لهذا أغفل ذكر
الكتبة واعتبره تفصيلاً يمكن أن يُهمل، فاكتفى بأن يشدّد على شخص المسيح ولا يشبّهه
بأحد: "كان يتكلّم بسلطان".
تحدّث الفصل عن التعليم في بداية المقطوعة (آ 32)، وسيعود إليه في النهاية. قال مر
1: 27: "تعليم جديد". ولوقا (آ 36): "أي كلام"! فنحن أمام تضمين، فنعيد في النهاية
ما قلناه في البداية، وهذا يدلّ على أن النص يهتم أول ما يهتم بالتعليم. فيسوع يدلّ
على سلطانه بالتعليم قبل أن يدلّ عليه بطرد الشياطين. ما يهم الإِنجيليّين، ولا
سيما مرقس، ليس مضمون التعليم، وإن هم أوردوا لنا الكثير منه، بل نشاط يسوع في
ذاته. فهذا النشاط يدلّ على هويّة يسوع. ويتميّز هذا التعليم بميزتين: الجدّة
والسلطان. هو جديد لا بما يورده وحسب، ولكن بنوعيّته. هو جديد لأنه يُعطى بسلطان.
والسلطان لا يدلّ على كفاءة شبيهة بكفاءة الكتبة ومعلّمي الشريعة الذين كانوا
يعرفون الشيء الكثير. هي كفاءة من نوع آخر.
كان الرابي يرتبط بمعلّميه فيكرّر كلامهم ويهتمّ أول ما يهتم بشرح حرف الشريعة:
يتبسط في التأويل ويبقى أمينًا للنصّ والتقاليد التي رافقت النصّ، ويقرّ بجهله إن
عرضت عليه أمور في الشريعة عجز عن شرحها. سلطانه كلّه من الشريعة وتفسيرها. أما
يسوع فلم يتعلّم في المدارس (يو 7: 15). إنه لا يرجع إلى معلّم سابق ولا يقبل أن
يكون عبدًا للحرف. إنه فوق الشريعة وهو يفسّرها. فله سلطان على الشريعة نفسها: "إن
الإِنسان هو ربّ السبب أيضًا" (مر 28:2). فحين شفى الأبرص دلّ على أنه أقوى من
الشريعة: فهي تلاحظ المرض فقط وتطرد المؤمن من جماعة الله. أما يسوع فيزيل النجاسة
ويعيد المؤمن إلى الجماعة. والسلطان الذي يمارسه هو سلطان تحرير الإِنسان من كل
العبوديات، بما فيها عبوديّة الخطيئة (مر 2: 10). إذن هو سلطان إلهي يظهر أيضًا في
تعليمه.
والطريقة التي بها يعلّم يسوع تطرح السؤال حول شخصه. هذا ما يعبّر عنه أهل الناصرة.
تعجّبوا من كلام النعمة الذي يخرج من فمه. ولكنّهم توقفوا عند صفته البشريّة، بل
القبليّة والعائليّة. "انه ابن يوسف" (آ 22)! من أين جاءته كلّ هذه الحكمة؟ لا،
ليسبى يسوع واحدًا من الربانيّين، بل هو يتصرّف كنبي يتصلّ اتصالاً مباشرًا بالله
(رج تث 18 : 15،18). إنه يقول كلام الله ولا يعود إلى أي مقياس بشري يدلّ على صحة
كلامه. إنه "قدوس الله" كما قال الشيطان ولم يخطئ، وهو من الله يستقي تعليمه. إنه
يجد ينبوع سلطانه في حرية الروح وهو سلطان يكشف سرّ الله ويحرّر الإِنسان. ويُذكَر
تعليم يسوع في موضوعين محدَّدين وهما في: الأمثال (مر 4: 1- 2) وإنباءات الآلام
الثلاثة. هنا يكشف يسوع عن شيء خفي لا يدركه الانسان بنفسه. يكشف عن سرّ الملكوت
(مر 4: 11) ويدلّ على وضع عبد الله المتألم (مر 33:8؛ 9: 31).
إن خبر التقسيم الذي سنعود إليه والذي يدخل في إطار تقديم تعليم يسوع، يهدف إلى أمر
واحد وهو تصوير هذا السلطان كسلطان التحرير على كلّ الصُعُد وفي كل المجالات. لهذا
نفسره في منظار ما يدلّ عليه التعليم، لا خارج قرائنه فكأنه معجزة خارقة وحسب. ونحن
نجد التقارب عينه بين التقسيم والتعليم، وخضوع التقسيم للتعليم في رسالة التلاميذ
(مر 6). يُقال في البداية ان الله أرسلهم وأعطاهم سلطان ليطردوا الأرواح النجسة (آ
7)، وفي الواقع طردوا عددًا من الشياطين (آ 13). ولكن حين عادوا أعطى مرقس ملخصًا
عن رسالتهم: اخبروا يسوع بكل ما عملوا وعلّموا (آ 30).
2- يسوع يخرج شيطانًا (33:4- 37= مر 1: 23-28)
إن إخراج الشياطين لأول مرة يتّخذ كل معناه إن نحن وضعناه في سياق مر 1: 12- 22 وما
يوازيه عند متّى ولوقا. فحين اعتمد يسوع إرتدى روح الله فبدأ حالاً يعلن شيء
الملكوت الذي يضع حدًا لتسلّط الشيطان. في هذا الوقت بالذات تدخّل الممسوس فجعل
صراع تجارب يسوع يمتدّ وذلك بعداوته للإِِنجيل. وحين انتصر يسوع دشنّ الأزمنة
المسيحانيّة حسب رجاء إسرائيل وتقواه. نقرأ في وصية لاوي (من وصيات الآباء الإِثني
عشر، كتاب منحول): "تنفتح السماوات، ومن هيكل المجد تأتي عليه القداسة بصوت أبوي،
كما من إبراهيم إبن اسحق... ويقيَّد بليعار (بليعال) بيده فيعطي سلطانًا لأبنائه
بأن يدوسوا الأرواح النجسة. وسيُسرّ الربّ بحبيبه إلى الأبد".
أ- قراءة النصّ
يبدأ الخبر كما في رواية معجزة فيعرض الحالة: "كان هناك رجل". نقابل مثلاً مع
بدايات أخرى: حماة سمعان: "كانت حماة سمعان طريحة الفراش بالحمى" (مر 1: 30). "وجاء
أبرص" (مر 1: 40). "جاؤوا إليه بمخلّع" (مر 3:2). ولكن تبدّلت الأمور حالاً. يذكر
النصّ عادة مبادرة تدلّ على إيمان المريض أو إيمان مرافقيه. أما هنا فلا يتدّخل
أحد. ويسوع نفسه لا يتحرك. حدث "انفجار". حين وجد الشيطان نفسه أمام يسوع أطلق
صراخَه. نكتشف هذه النتيجة في خبر تقسيم آخر، حين شفاء الصبي المصاب بداء الصرع:
"فلمّا رأى الروح (النجس) يسوع، أخذ يح