الانتخاب، القضاء والقدر والاصطفاء المسبق:

 هل الخلاص مشروط أم غير مشروط؟

يعلم مذهب كالڤين أن الله بسيادته المطلقة قد سبق وقضى أو اصطفى دون قيد أو شرط المصير الأبدي لكل إنسان قبل بدأ العالم. هذا القضاء أو الاصطفاء المسبق هو غير مشروط، إذ ليس له علاقة بالإرادة، الاختيار، الطاعة، أو خلق الإنسان. يدعى أولئك المخلصون الذين قدرت لهم الحياة الأبدية "بالمنتخبين". البديل لنظرة كالڤين حول الانتخاب غير المشروط هو مبدأ الإرادة الحرة أو قوة الأخلاق الحرة ـ التعليم القائم على شرطية الخلاص وأن لكل إنسان الحرية في تلبية شروط المغفرة أو عدم تلبيتها. ما هي النظرة التي يعلمها الإنجيل؟

مقدمة :

أحد التعاليم الأساسية في مذهب كالڤين هو "الانتخاب غير المشروط،" والذي يعرف أيضا بالقضاء والقدر أو الاصطفاء المسبق.

تأمل هذه الاقتباسات عن عقيدة الكنيسة الغربية:

"إن الله قد رسم منذ الأزل بواسطة الحكمة الكلية والقصد الإلهي لإرادته الخاصة بحرية وبدون تغيير كل ما سيكون: ... بمرسوم من الله، من أجل إظهار مجده، قد قضى لبعض بني البشر والملائكة بالحياة الأبدية، ولآخرون قد سبق وحكم عليهم بالموت الأبدي. هؤلاء الملائكة والبشر، المقدر لهم أو المحكوم عليهم مسبقا، قد أفردوا بشكل خاص غير قابل للتغيير: وعددهم مؤكد ومحدد بشكل غير قابل للزيادة أو النقصان. أولئك البشر الذين كتبت لهم الحياة، فإن الله، قبل تأسيس العالم، وبحسب قصده الأزلي والثابت، وخطته السرية ومشيئة إرادته الصالحة، قد اختار في المسيح، للمجد غير الزائل، بسبب من نعمته المجانية ومحبته فحسب، بدون سابق إدراك عن الإيمان أو أعمال الخير، أو المواظبة على أي منهما، أو أي شيء آخر في المخلوق، مثل حالته، أو الدوافع التي تحركه ... أما بقية الجنس البشري فقد شاء الله ... أن يحكم عليهم بالخزي والغضب بسبب خطاياهم ... " ـ  الفصل الثالث، صفحة ١ـ ٧.  

"جميع أولئك الذين قدر لهم الله الحياة، وأولئك فقط، فهو يسر، في الوقت الذي حدده واستحسنه، أن يدعوهم بكليتهم، بواسطة كلمته وروحه، من حالة الخطيئة والموت، التي هم عليها بحكم الطبيعة، إلى النعمة والخلاص بواسطة يسوع المسيح ... هذه الدعوة الفعلية هي بسبب من نعمة الله المجانية والخاصة فحسب، وليست بسبب أي شيء متوقع من الإنسان على الإطلاق، الذي هو سلبي في هذه المسألة على الإجمال ... أما الآخرون، الغير منتخبين، فعلى الرغم من أن خدام الكلمة قد يدعونهم، ... مع ذلك فإنهم لا يأتون إلى المسيح في الحقيقة، ولهذا لا يمكن لهم أن يخلصوا ... " ـ الفصل العاشر، صفحة ١ـ ٤.        

من ثم، فقد رسم الله بشكل غير قابل للتغيير أن يذهب البعض إلى النعيم والبعض الآخر إلى الجحيم، بدون اعتبار للخلق، السلوك، الطاعة، الاختيارات، المواقف، أو رغبات المرء الشخصية بأي شكل من الأشكال. هذا إنكار لإرادة الإنسان الحرة أو قوة الأخلاق الحرة.

الغرض من هذه الدراسة هو فحص تعاليم الإنجيل حول الانتخاب، التحتيم، والقضاء والقدر لنرى إن كانوا مشروطين أم غير مشروطين.

يعلم الإنجيل بالتأكيد على أن الله قد سبق وقدر الحياة الأبدية للمختارين (رسالة بولس إلى أهل أفسس ١: ٣ـ ١٤). [قارن رسالة بولس إلى أهل رومية ٨: ٢٨ـ ٣٣؛ رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ٢: ١٠؛ رسالة بطرس الأولى ١: ١؛ ٢: ٩؛ رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي ٢: ١٣]

السؤال هو: كيف يتم تحديد ما إذا كان شخص بعينه هو في عداد المختارين أم لا؟ هل يتحدد هذا عن طريق مرسوم غير مشروط وغير قابل للتغيير من قبل الله؟ أو هل أن الله قد أتاح فرصة الخلاص لجميع البشر، ثم أعطى لكل إنسان القدرة على أن يختار لنفسه قبول أو رفض ذلك العرض؟


الجزء الأول: الدليل على أن خلاص الأفراد مشروط



١. أتاح الله فرصة الخلاص لجميع البشر.


يزعم مذهب كالڤين بأن قرار خلاص أو عدم خلاص أي إنسان هو بكليته بيد الله، وبأنه لا يمكن للإنسان التأثير على هذا القرار. إذا استطعنا أن نثبت على أن الله قد أتاح فرصة الخلاص لجميع البشر، فلابد أن يتبع ذلك طبقا لمذهب كالڤين بأن جميع البشر سوف يخلصون! لكن من الواضح أن هذا الاستنتاج غير صحيح. من ثم، فإن مفهوم مذهب كالڤين حول الانتخاب غير المشروط لابد وأن يكون خاطئ.

ا. يرغب الله في تخليص جميع البشر.

رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٢: ٤ ـ  يريد الله أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق. [ملاحظة: هؤلاء هم نفس "جميع الناس" الذين ينبغي علينا أن نصلي ما أجلهم ـ آية ١]

رسالة بطرس الثانية ٣: ٩ ـ  لا يشاء الله أن يهلك أحد بل أن يبلغ جميع الناس إلى التوبة.

إذا كان الله يرغب حقا في أن يخلص جميع البشر وألا يهلك أي منهم، وإذا كان القرار عائد له بكليته ( ليس الإنسان مخيرا)، بالتالي سوف يخلص جميع البشر ولن يهلك منهم أحد! لابد وأن يكون الاستنتاج المنطقي للانتخاب غير المشروط هو ما تؤمن به الكنيسة الخلاصية!

لكننا نعلم بأن القليلين سوف يخلصون والكثيرين سوف يهلكون (إنجيل متي ٧: ١٣، ١٤) [٢٢: ١٤]. من ثم، فإما أن الله لا يرغب حقا في أن يخلص الجميع، أو أن الإنسان مخير!

ب. تشمل نعمة الله جميع البشر.

لأن الله يشاء في أن يخلص الجميع، فإنه قد أظهر لجميع البشر الرحمة والعطف بإتاحة فرصة الخلاص لهم.

رسالة بولس إلى تيطس ٢: ١١ ـ  فإن نعمة الله التي تحمل معها الخلاص قد ظهرت لجميع الناس. لاحظ أن ما تجلبه نعمة الله للجميع هو "الخلاص".

ج. مات يسوع كي يتيح فرصة الخلاص لجميع البشر.

رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٢: ٦ ـ  جاد يسوع بنفسه فدية عن الجميع ("الجميع" هم أولئك الذين يرغب الله في أن يخلصوا ـ آية ٤).

رسالة بولس إلى العبرانيين ٢: ٩ ـ  بنعمة الله ذاق يسوع الموت من أجل كل إنسان. تشير عبارة "كل إنسان" إلى أولئك الذين استعبدهم الخوف من الموت ( آية ١٥)، والذي يشمل كل إنسان.

إنجيل يوحنا ٣: ١٦ـ  لأنه هكذا قد أحب الله العالم حتى أنه جاد بابنه الوحيد، كي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لاحظ بأن الذين مات يسوع ليخلصهم هم أولئك الذين في العالم الذين يحبهم الله. بل أنه يحب حتى أعدائه (إنجيل متي ٥: ٤٣ـ ٤٨).  

رسالة بولس إلى أهل رومية ٥: ١٨، ١٩ ـ  أتى بر يسوع (موته) بالتبرير "لجميع الناس." تشير عبارة "جميع الناس" إلى أولئك الذين أتت عليهم الإدانة نتيجة لخطيئة آدم. بالتالي، فمهما بلغ عدد هؤلاء الذين أدانتهم الخطيئة، فهم جميعا مدعوون للانتفاع من موت يسوع.

كان الغرض من موت يسوع هو إتاحة فرصة الخلاص لجميع البشر. إذا كانت مقاطع الكتاب المقدس هذه صحيحة، فإما أن جميع البشر سوف يخلصون (وهو أمر مستبعد)، وإما أن هناك شيئا آخر يجب على كل إنسان القيام به والذي يحدد ما إذا كان يستطيع الانتفاع من موت يسوع أم لا.

د. تعلن البشارة فرصة الخلاص التي أتاحها الله لجميع البشر.

رسالة بولس الثانية إلى أهل تسالونيكي ٢: ١٤ـ  دعي الناس إلى المجد بواسطة البشارة. من هم المشمولين بهذه الدعوة؟

إنجيل مرقس ١٦: ١٥، ١٦ـ  يجب أن يكرز بالبشارة لكل مخلوق في المعمورة كلها. فمن آمن واعتمد يخلص. [إنجيل متي ٢٨: ١٩]

كتاب أعمال الرسل ٢: ٣٨، ٣٩ ـ  إن الوعد لمغفرة الخطايا وعطية الروح القدس هو للجميع على قدر ما يدعو الرب. لكن الدعوة قد أرسلت إلى كل شخص في العالم!

يرد مذهب كالڤين على هذه النقاط بزعم أن البشارة يجب أن يكرز بها للجميع، لكن لا يقدر أحد أن يستجيب لتلك الدعوة ما لم يعمل الروح القدس في قلبه مباشرة دون قيد أو شرط كي يساعده على الاستجابة. لكن هذا ببساطة يجعل من الكرازة بالبشارة مظهرا فقط. إن كان اختيار الروح القدس غير مشروط، فلماذا إذا لا يقود الروح القدس بالمرء إلى الخلاص بدون الحاجة إلى الكرازة؟   

يقول كتاب أعمال الرسل ٢: ٣٩ بأن وعد الروح هو لجميع المدعوين، وقد بينا سابقا أن البشارة يجب أن تدعو جميع البشر، مات يسوع من أجل الجميع، إلى آخره.  


٢: وضع لله شروطا للخلاص والتي يتمكن جميع البشر من تلبيتها.


يزعم مذهب كالڤين بأنه لا يوجد في الإنسان ما يعمل كشرط يحرك الله على اختيار إنسان بعينه لتخليصه. الإنسان "سلبي كليا". لكن، لاحظ الشروط التالية التي يدرجها الإنجيل كضرورة للخلاص، ولاحظ بالإضافة إلى ذلك قول الإنجيل بأن في استطاعة كل إنسان تلبية هذه الشروط.

ا. يجب أن يؤمن الإنسان بالمسيح.

إنجيل مرقس ١٦: ١٥، ١٦ ـ  البشارة هي للعالم أجمع. أولئك الذين يؤمنون ويعتمدون سوف يخلصون.

إنجيل يوحنا ٣: ١٤ـ ١٦ ـ  مات يسوع عن العالم أجمع، وكل من يؤمن به لن يهلك بل تكون له الحياة الأبدية.

يعلم الكتاب المقدس بوضوح أن الإيمان هو أحد شروط الخلاص، وبأنه يمكن لأي إنسان في العالم الإيفاء بهذا الشرط.

ب. يجب على الإنسان أن يتوب عن الخطيئة.

كتاب أعمال الرسل ١٧: ٣٠، ٣١ ـ  يوصي الله جميع البشر في كل مكان بالتوبة. يشير هذا إلى جميع البشر الذين سوف يدينهم يسوع، والذي يعني كل إنسان في العالم كله.  

رسالة بطرس الثانية ٣: ٩ ـ  لا يشاء الله أن يهلك أحد بل أن يتوب الجميع.

لاحظ بأن على جميع الذين سوف يدانون أن يتوبوا (كتاب أعمال الرسل ١٧: ٣٠، ٣١). لكن أولئك الذين يجب أن يتوبوا هم الذين لا يشاء الله في أن يهلكوا. من ثم، لا يرغب الله في أن يهلك أي إنسان في العالم. إنه يرغب في أن يتوب الجميع.  

يعلم الكتاب المقدس بوضوح أن التوبة هي شرط للخلاص، وأنه يجب على كل إنسان على وجه الأرض أن يفي بهذا الشرط.

ج. يجب أن يعترف الإنسان بيسوع وأن يعتمد.

إنجيل متي ١٠: ٣٢ ـ  كل من يعترف بي أمام الناس، اعترف أنا به أيضا أمام أبي الذي في السماوات.

إنجيل مرقس ١٦: ١٦ ـ  الرسالة التي يكرز بها للجميع في العالم هي أن من آمن واعتمد سوف يخلص.

كتاب أعمال الرسل ٢: ٣٨، ٣٩ ـ  الرسالة للجميع، لكل من يدعوهم  الله بواسطة البشارة، هي أنه يجب على كل شخص أن يتوب ويعتمد لمغفرة الخطايا.  

الخلاصة

رسالة بولس إلى أهل رومية ١٠: ١٣، ١٤، ١٧ ـ  كل من يدعو باسم الرب ينال الخلاص، لكن كي يدعو، يجب على الإنسان أن يؤمن، ولكي يؤمن، يجب على الإنسان أن يسمع الإنجيل. يجب أن تعلن البشارة إلى الجميع، ومن بين أولئك الذين يسمعونها، الذين يدعون باسم الرب سوف يخلصون.    

يعلم الكتاب المقدس بوضوح أن الخلاص مشروط، وأن كل إنسان قادر على الوفاء بتلك الشروط.

يرد مذهب كالڤين على هذه النقاط بزعم أن الوحيدين القادرين على الوفاء بهذه الشروط بصدق هم هؤلاء الذين اختارهم الروح القدس دون قيد أو شرط وساعدهم على القيام بذلك. لكن مرة أخرى، يحول هذا كرازة هذه الشروط لجميع الناس إلى مهزلة. إذا كان الخلاص غير مشروط، فلماذا وضع الله شروطا له؟ إن لم يتمكن كل شخص من الوفاء بهذه الشروط، فلماذا أصر الله على أن يكرز بها للجميع؟  

تعلم مقاطع الكتاب المقدس أعلاه أن أي شخص يستطيع الوفاء بهذه الشروط، لكن مذهب كالڤين يناقض هذا بصراحة وينكر أن بإمكان كل شخص أن يطيع.  


٣. يخول الله لكل شخص الحق في قبول أو رفض الخلاص.


إذا وكما يعلم مذهب كالڤين، ليس هناك شروط يستطيع الإنسان الإيفاء بها يمكن أن تؤثر على ما إذا كان الله سوف يخلصه أم لا، ثم أنه ليس للإنسان أي خيار في ما يتعلق بخلاصه. إذا اختار الله الإنسان، فإنه يخلص بغض النظر عن اختيار ذلك الإنسان. إن لم يختر الله الإنسان، فإنه يهلك بغض النظر عن اختياره. من ثم، لا يوجد صلة بين اختيارات الإنسان وبين خلاصه.   

مع ذلك، فإن الإنجيل يعلم بأن لدى الإنسان خيار في أن يرضي الله ويخلص أم لا.  

ا. كل إنسان قادر على الاختيار بين الإيفاء بشروط الخلاص أم لا.

تأمل في المقاطع التالية. لماذا قال الله هذه الأشياء إن لم يكن للبشر القدرة على الاختيار بين الإيفاء بالشروط اللازمة لإرضائه أم لا.

سفر تثنية الاشتراع ٣٠: ١٥ـ ١٩ ـ  وعد الله شعب إسرائيل بالبركات إن هم أطاعوه (٢٨: ١ـ ١٤) وباللعنات إن لم يطيعوه (٢٨: ١٥ـ ٦٨) [قارن الفصلين ٢٩، ٣٠]. ثم حثهم على اختيار حياتهم.

سفر يشوع ٢٤: ١٥ ـ  بالمثل، حث يشوع شعب إسرائيل على اختيار الإله الذي سوف يعبدونه. [قارن سفر الخروج ٣٢: ٢٦؛ سفر الملوك الأول ١٨: ٢١]

رسالة بولس إلى العبرانيين ١١: ٢٤، ٢٥ ـ  رفض موسى أن يدعى ابنا لبنت فرعون، وآثر أن يشارك شعب الله في عذابه على التمتع بالخطيئة. [إنجيل لوقا ١٠: ٤٢]

نبوءة أشعيا ١: ١٨ـ ٢٠ ـ  تناقش الله مع الإنسان، فهو لا يكره الإنسان على شيء ضد إرادته. إن شاء البشر أن يطيعوا، باركهم الله. إن أبوا وتمردوا، فسوف يعاقبهم. 

إنجيل متي ٢٣: ٣٧ ـ  أراد يسوع أن يجمع أورشليم تحت جناحيه، لكنهم لم يريدوا! ملاحظة: فضل يسوع اختيارا معينا، لكن الناس رفضوه لأنه لم يطابق اختيارهم.

من الواضح أن الله لا يختار البشر دون قيد أو شرط ثم يكرههم على القبول باختياره. إنه يريد للجميع أن يخلصوا ويدعوهم إلى قبول إرادته، لكنه يترك لهم الحرية في اختيار الاستجابة لدعوته.

إنجيل متي ١٣: ١٤، ١٥ ـ  لن يرتد بعض الناس (" يهتدون" ـ طبعة الملك جيمس) و يشفون (روحيا) بواسطة يسوع، لأنهم قد أغلقوا أعينهم ولم يقبلوا بتعاليمه. من الواضح أن يسوع كان راغبا في أن يشفي هؤلاء الأشخاص إذا اهتدوا، لكنهم قاوموا تعاليمه باختيارهم الشخصي.  

رؤيا يوحنا ٢٢: ١٧ ـ  من شاء (طبعة الملك جيمس) فليستق ماء الحياة مجانا. إنها مسألة إرادة الإنسان، ويستطيع كل شخص تحديد إرادته بنفسه.

ب. لكل إنسان دور في تحديد مصيره الخاص.

طبقا لمذهب كالڤين، ليس هناك شيء في سلوك الإنسان أو اختياراته يمكنه أن يؤثر بطريقة أو بأخرى على تخليص الله لذلك الإنسان. من ثم، لا يوجد ما يمكن للإنسان أن يعمله للتأثير على خلاصه. مع ذلك لاحظ هذه الآيات التي تدل على أن ما يعمله الإنسان يؤثر بالتأكيد على مصيره الأبدي.

رسالة بطرس الأولى ١: ٢٢ ـ  إنكم قد طهرتم نفوسكم حين أطعتم الحق.

رسالة بولس إلى أهل رومية ٦: ١٣، ١٦ـ ١٨ ـ  قدموا أنفسكم وأعضائكم للرب كأسلحة للبر. إن الذي تقدم له نفسك كخادم لتطيعه، فذاك هو سيدك ـ إما الخطيئة أو الطاعة. إنهم قد تحرروا من الخطيئة لأنهم قد أطاعوا التعليم الذي سلم إليهم.   

رسالة بولس الثانية إلى أهل كورينثوس ٨ : ٥ ـ وهب أهالي مقدونية أنفسهم للرب.  

رسالة بولس إلى أهل فيليبي ٢: ١٢ ـ  اعملوا لخلاصكم بخوف ورعدة.

رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٤: ١٦ـ  أنتبه لنفسك ولتعليمك ... فإنك إذا فعلت خلصت نفسك والذين يستمعون إليك.

كتاب أعمال الرسل ٢: ٤٠ ـ  تخلصوا (خلصوا أنفسكم ـ طبعة الملك جيمس) من هذا الجيل الفاسد.

رسالة بولس الثانية إلى أهل كورينثوس ٥: ٢٠ ـ  ناشد الله البشر، من خلال سفرائه، ليتصالحوا مع الله. من الواضح أن الله يريد أن يأتي البشر إليه. لكنه لا يفرض، إنه يناشد. يجب على الإنسان بعد ذلك أن يتخذ الخطوة التي تحدد النتيجة النهائية.

بالاستناد إلى هذه الآيات، كيف يمكن أن نخلص إلى أن الإنسان هو "سلبي تماما" فيما يخص الخلاص؟ كيف يعلم كالڤين أنه ليس في الإنسان ما يعمل كشرط يمكنه التأثير على اختيار الله في تخليصه أم لا؟ 

من الواضح أن جميع هذه الآيات تدل على قدرة الإنسان على الاختيار وأن ما نعمله سوف يحدد ما إذا اختار الله أن يمنحنا الحياة الأبدية أم لا.

ج. إن الله لا يحابي الوجوه.

رسالة بولس إلى أهل رومية ٢: ٦ـ ١١ ـ  إذا اختار الله أن يخلص البعض وألا يخلص البعض الآخر، فإما أن يكون الاختيار قائما على سلوك البشر (وبالتالي، مشروط) وإما أن الله يحابي الوجوه. [قارن كتاب أعمال الرسل ١٠: ٣٤، ٣٥]

يستجيب أتباع مذهب كالڤين بأن هذا يعني ببساطة أن الله سوف يخلص أناسا من جميع الأمم. لكن ذلك هو ليس كل ما يقوله المقطع. حيث يذكر بأنه لا يحابي الوجوه لأن اختياره لمن سوف يخلص أو يهلك مبني على سلوك الإنسان! إنه يهب الحياة الأبدية لأولئك الثابتين على العمل الصالح، والشدة لغير المطيعين.

أن يمنح الله الحياة الأبدية لأولئك الذين يختارون عدم الإيفاء بالشروط، أو أن يعاقب أولئك الذين تتوفر فيهم الشروط، يشكل محاباة للبشر. مذهب كالڤين هو نظام قائم في مضمونه على التحيز، المحاباة، والظلم! والأسوأ من هذا، أنه يجعل الله مذنبا بجميع هذه الأمور!


٤. من هو في عداد المختارين اليوم قد يهلك لاحقا.


إذا كان الخلاص غير مشروط، وإذا كانت أعمال الإنسان لا تؤثر على خلاصه، عندئذ، إذا حكم لشخص أن يكون في عداد المختارين فإنه سوف يخلص بغض النظر عن تصرفاته لاحقا. ليس من الممكن أن يتصرف بشكل يجعله يهلك لأن الاختيار لم يكن مشروطا.

بالتالي، إذا استطعنا أن نبرهن على أن الإنسان، بعد أن خلص ذات مرة، تصرف لاحقا بما يسبب له الهلاك، لاستطعنا أن نثبت على أن الخلاص لابد وأن يكون مشروطا، وأن مذهب كالڤين على خطأ.

مثال ـ رسالة بطرس الثانية ٢: ١

بعض أولئك الذين اشتراهم يسوع قد ينكرونه ويهلكون. من الواضح أن اختيار الإنسان لمصيره ليس بغير شروط. إنه يعتمد على سلوك الإنسان.

الحل ـ رسالة بطرس الثانية ١: ١٠

لكي "تصبح دعوتنا ويصبح انتخابنا مؤكدين" يجب علينا إضافة الخصائص المدرجة إلى إيماننا، لكي لا نتعثر بعد ذلك بل نرث النعيم الأبدي. إنه مشروط!  

هناك العديد من المقاطع الأخرى التي تظهر بأن أحد أبناء الله قد يخطأ إلى درجة الهلاك. هذا هو موضوع بحد ذاته. لكن مقاطعا كهذه تثبت على أن الخلاص مشروط  وتفند معتقد الانتخاب في مذهب كالڤين.

 

خاتمة الجزء الأول

مقارنة مذهب كالڤين بملك

تعاليم مذهب كالڤين حول الانتخاب تصور الله كملك لديه الآلاف من البشر سجناء في زنزانته (من أجل جريمة رجل آخر ـ خطيئة آدم ). فهو يعلن لهم:   

١) أريد أن تكونوا جميعكم أحرارا.

٢) أن رحمتي بكم ومحبتي لكم حقيقيتان، لذلك سوف يشمل عفوي جميعكم.

٣) إني أحبكم لدرجة أن ابني قد دفع الجزية كي يحرر كل واحد منكم.

٤) بناء عليه، إذا اختار أي منكم أن يترك زنزانته فليفعل ذلك ويذهب حرا!

٥) من ناحية أخرى، فإن زنزاناتكم لا تزال مقفلة وأنا الوحيد الذي لديه المفتاح.

٦) فبغض النظر عما تقولون، تفعلون، أو تريدون، فأني ودون قيد أو شرط، سوف أفتح بعض الأبواب وأطلق سراح بعضكم. أما الباقون، فبغض النظر عما تقولون، تفعلون، أو تريدون، فإني ودون قيد أو شرط، سوف أترك زنزاناتكم مقفلة، وسوف تبقون سجناء إلى الأبد!

هل أراد الملك في الحقيقة أن يكون الجميع أحرارا؟ هل كان لديه في الحقيقة رحمة ومحبة نحو الجميع، هل شمل عفوه الجميع، وهل دفع ابنه الجزية عن الجميع؟ إن كان الأمر كذلك، وإذا كانت الحرية غير مشروطة، فلماذا لم يطلق سراح جميع السجناء؟   

هل كان لدى السجناء في الحقيقة خيار في مسألة حريتهم؟ إن كان كذلك، فلماذا حرر الملك بعضا منهم فقط بغض النظر عن اختيارهم؟ إن لم يكن لديهم خيار، فلماذا قال الملك أن بإمكانهم الاختيار؟

يجعل مذهب كالڤين من الله شخصا غير محب، غير عادل، غير صادق، غير مخلص، ومحابي للوجوه. إذا كان مذهب كالڤين صحيح، فربما يجب علينا أن نلقي بأناجيلنا بعيدا، لأنها بالتأكيد لا تعني ما تقوله!

السلوك المناسب لمثل هذا الملك

كيف يمكن للملك أن يتصرف إذا كان في الحقيقة صادقا فيما يقوله؟ أولا، ينبغي عليه ألا يسجن أي شخص إلا بسبب جريمته الشخصية.

قد يعفو بعدها عن جميع السجناء، مما يعني معاملة التائب بحق نفس معاملة المجرم القاسي.

يمكنه أن يكون صادقا في إدعائه بتقديم شروط العفو لجميع السجناء (كأن يعترفون بجريمتهم، يطلبون العفو، ويعلنون الإخلاص للملك ويقومون بخدمته، إلى آخره). بعدها يمنح كل سجين الحق في الاختيار بين الوفاء بهذه الشروط أم لا. ثم يطلق سراح أولئك الذين يفون بالشروط، لكن ليس البقية.

قد ينسجم هذا مع رغبة الملك في أن يكون الجميع أحرارا (لأنه يأمل في الحقيقة أن يفي الجميع بالشروط). لا يزال قرار العفو عملا من أعمال الرحمة. لكن الملك لا يزال عادلا إذا أبقى في السجن أولئك الذين يرفضون الوفاء بالشروط.

هذا هو بالضبط المسار الذي اختاره الله.


الجزء الثاني: إجابات للمدافعين عن مبدأ الانتخاب غير المشروط



١. إشارات الإنجيل إلى الانتخاب والقضاء والقدر


يشير العهد الجديد بدون شك إلى "الانتخاب" و "القضاء والقدر."

غالبا ما يستشهد مذهب كالڤين بهذه المقاطع من الكتاب المقدس كما لو كان مجرد ذكر الكلمات هو إثبات لسمة القضاء والقدر.

لكننا نتفق جميعا على أن الله قد "اختار" (انتخب) بعض الأشخاص، وأن المنتخبين قد سبق وحكم لهم بالحياة الأبدية. السؤال هو: كيف يتم تحديد ما إذا كان شخص بعينه هو من بين المنتخبين أم لا، وهل يتم تحديد ذلك بشروط أو بغير شروط. 

تعليم الإنجيل فيما يخص القضاء والقدر هو أن الله قد اختار جماعة أو مجموعة من البشر ليخلصهم، لكن لكل فرد القدرة على الاختيار ما بين أن يكون من ضمن تلك المجموعة أم لا.

لتوضيح هذا، اعتبر إحدى الدول ذات الخدمة العسكرية الطوعية. يختار رئيس الدولة جنود البحرية للقيام بإحدى المهام. يدعو اللواء جنود البحرية "بالمنتخبين" لأن الرئيس قد اختارهم (بدلا من الأسطول الحربي، الجيش، إلى آخره). لم يختر الرئيس كل فرد منهم، بل اختار الجماعة، لكن كل فرد منهم كان قد سبق وقرر بنفسه الانتماء إلى تلك الجماعة.  

توضيح آخر: اختارت إحدى الشركات المرموقة تخفيض أسعار سلعها في أحد المحلات التجارية. أشار بعدها صاحب المحل التجاري إلى موظفيه بالمنتخبين أو بمجموعة مختارة من الناس. لكنهم قد اختيروا كمجموعة، وليس كل بمفرده. تم تعيين كل موظف في الشركة فقط بعد التأكد من تمتعه بالكفاءات المطلوبة.

"النخبة" ما هو إلا اسم آخر لأعضاء الكنيسة المؤمنين. قضى الله للمؤمنين بالخلاص، لكن كل فرد يتخذ قراره الخاص في أن يكون من بين المؤمنين أم لا. من ثم، المخلصون هم النخبة، لكن هذا مشروط  (وليس غير مشروط) ولديهم خيار. تأمل هذه الأدلة:

ا. "ينتخب" البشر طبقا لإرادة الله.

رسالة بولس إلى أهل أفسس ١: ٥، ١١ ـ  قدر لنا على ما ارتضته مشيئته، وفقا لقصده. [رسالة بولس إلى أهل رومية ٨: ٢٨؛ رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ١: ٩؛ رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٢: ٧]

يفترض مذهب كالڤين أن الله شاء أن يختار كل فرد دون قيد أو شرط. لكن أين تذكر هذه المقاطع مثل هذا القول؟

يكشف الكتاب المقدس عن إرادة الله فيما يخص خلاص الإنسان. لقد سبق وأثبتنا بواسطة الكتاب المقدس على أن إرادة الله تتيح فرصة الخلاص للجميع. ثم تترك لكل فرد الحرية في اختيار إن كان سوف يستجيب أم لا.  

ب. البشر منتخبون "في المسيح".

رسالة بولس إلى أهل أفسس ١:٤ ـ  اختارنا الله "فيه" (المسيح). [قارن آية ٦ ـ  في الحبيب؛ آية ٧ ـ  في الذي؛ الآيتان ١٠، ١١ ـ  فيه؛ الآيات ٣، ١٠، ١٣؛ رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ١:٩؛ ٢:١٠]

لاحظ مقاطع أخرى عن أولئك الذين هم في المسيح.

تأمل في ظروفهم في المسيح:

* جعلوا أقارب إلى الله (رسالة بولس إلى أهل أفسس ٢: ١٢ـ ١٧)

* خليقة جديدة (يولد ثانية) (رسالة بولس الثانية إلى أهل كورينثوس ٥: ١٧؛ رسالة بولس إلى أهل رومية ٦: ٣، ٤)

* ليس بعد الآن من حكم (رسالة بولس إلى أهل رومية ٨: ١)

* النعمة (رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ٢: ١)

* الخلاص (رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ٢: ١٠)

* الحياة الأبدية (رسالة يوحنا الأولى ٥: ١١، ١٢)  

* جميع البركات الروحية (رسالة بولس إلى أهل أفسس ١: ٣)

من الواضح أن أولئك الذين هم "في المسيح" هم المنتخبون، الذين قد قدر لهم الخلاص.

لكن كيف يأتي المرء إلى المسيح؟

رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣: ٢٦، ٢٧؛ رسالة بولس إلى أهل رومية ٦: ٣، ٤ ـ  لقد اعتمدنا في المسيح، بعد الاستماع، الإيمان، إلى آخره. يجعلنا هذا أعضاء في عائلة الله، الكنيسة، مخلصين من خطايانا.

مرة أخرى، الخلاص مشروط. إنه متاح للجميع، لكن لكل فرد القدرة على الاختيار بين الوفاء بالشروط أو عدم الوفاء بها. لا يناقض هذا تعاليم الإنجيل حول القضاء والقدر بل هو جزء منها.

ج. البشر منتخبون في جسد المسيح الروحي، الكنيسة.

مقاطع من الكتاب المقدس

رسالة بولس إلى أهل أفسس ١: ٣ـ ١٤ ـ  يتوجه بولس بخطابه إلى المنتخبين في المسيح. لكن بقية الرسالة تشير إليهم بالكنيسة، جسد المسيح ـ هذه هي الفكرة السائدة في الرسالة.  

١: ٢٢، ٢٣ ـ  يسوع هو رأس الكنيسة، جسده.

٢: ١٣، ١٦ ـ  أن نتصالح "في المسيح" هو أن نتصالح مع جسده أو أهل بيته (آية ١٩)، هيكل الرب (الآيتان ٢١، ٢٢).   

٣: ١٠، ١١ ـ  قد قدر لنا وفقا لتدبير الله (١: ١١)، لكن تدبيره الأزلي قد كشف في الكنيسة.

٥: ٢٢ـ ٣٣ ـ  يسوع هو رأس ومخلص الجسد، حيث أنه قد أحبه وبذل نفسه لكي يقدسه ويطهره. لاحظ أن الذين قدر لهم أن يخلصوا هم جسد أو جماعة. [قارن ٣: ٢١؛ ٤: ٤، ١٦]

رسالة بطرس الأولى ٢: ٩، ١٠ ـ  أولئك "المختارون" أو المنتخبون هم سلالة، أمة، كهنوت، شعب. إننا مختارون كجماعة، مجموعة، الكنيسة.

لاحظ ظروف أولئك الذين هم في الكنيسة.

كتاب أعمال الرسل ٢٠: ٢٨ ـ  أقتنى يسوع الكنيسة بدمه.

كتاب أعمال الرسل ٢: ٤٧ ـ  يضيف الله جميع المخلصين إلى الجسد (الكنيسة).

من الواضح أن الكنيسة هي جماعة المنتخبين، أولئك الذين قدر لهم أن يخلصوا. [إنجيل متي ١٦: ١٨]

لكن كيف يدخل المرء إلى الكنيسة؟

رسالة بطرس الأولى ١: ٢٢، ٢٣ ـ المنتخبون (١: ١، ٢؛ ٢: ٩) هم أولئك الذين "طهروا نفوسهم" بإطاعة الحق فولدوا من جديد ـ ولدوا في عائلة الله، الكنيسة (رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٣: ١٥)

رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ١٢: ١٣ ـ  قد اعتمدنا جميعا في جسد واحد.

كتاب أعمال الرسل ٢: ٣٨، ٤١، ٤٧ ـ  عندما نتوب ونعتمد، نتلقى المغفرة ويضيفنا الله إلى الكنيسة.

بالتالي، عرف الله منذ الأزل أنه سيكون هناك من هم على استعداد لإطاعته وعزم على تأسيس تلك الكنيسة (رسالة بولس إلى أهل أفسس ٣:١٠، ١١) كجماعة تضم جميع المخلصين (٥:٢٣، ٢٥). هؤلاء هم شعبه الخاص، المنتخبين (١:٣ـ ١٤)، وقد حكم لهذا الجسد أن يكون مصيره المجد الأبدي (١:٣ـ ١٤).

من ناحية أخرى، أعطى الله لكل شخص القدرة على الاختيار ما بين الوفاء بالشروط لدخول الجسد أو عدم دخوله. بعد الدخول في الجسد، لكل القدرة على الاستمرار في الإيمان وتلقي المكافأة أو السقوط بعيدا والهلاك (سوف يزال هؤلاء من الجسد قبل دخوله إلى المجد ـ إنجيل متي ١٣: ٤١ـ ٤٣؛ رؤيا يوحنا ١٧: ١٤؛ رسالة بطرس الثانية ١: ١٠).


٢. سيادة الله


طالما أن الله هو الحاكم الكلي القدرة، المطلق، للكون، فهناك ثمة من يقول أنه يتحكم بشكل مطلق بكل شيء يحدث على الأرض (طالع الاقتباسات عن عقيدة الكنيسة الغربية). يعني هذا بأنه لابد وأن يختار شخصيا المصير الأزلي لكل فرد. لابد وأن يكون القرار له بكليته، ولا يستطيع أحد غيره تحديد النتيجة. القول بأن الإنسان مخير هو إنكار لسيادة الله المطلقة. [رسالة بولس إلى أهل أفسس ١: ١١؛ رسالة بولس إلى أهل رومية ٨: ٢٨؛ ١١: ٣٦؛ سفر أخبار الأيام الأول ٢٩: ١١؛ رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٦: ١٥؛ سفر المزامير ١١٥: ٣؛ نبوءة أشعيا ٤٦: ١٠]

الإجابة: لا شك بأن الله له حق السيادة ليفعل ما شاءت إرادته أن تفعل. السؤال هو: ماذا شاء الله أن يفعل؟ هل اختار الله أن يحدد بغير قيد أو شرط المصير الأبدي لكل فرد، أم أنه قد اختار أن يتيح فرصة الخلاص لكل إنسان وأن يعطيه مجال الاختيار ما بين القبول أو عدم القبول على أساس من الشروط؟ إذا كان الله ذو سيادة حقا، فإنه إذا شاء، لديه الحق في إعطاء الإنسان القدرة على الاختيار! 

ا. هل منح الله في أي وقت مضى حق اختيار أي شيء لأي شخص؟

إذا كان الله قد منح أي شخص الحق في اختيار أي شيء، فليس في منح الإنسان الحق في اختيار الخلاص إذا أي انتهاك لسيادته.

يعترف مذهب كالڤين بأن آدم كان له حق الاختيار بين إطاعة الله أو عدم إطاعته. إذا كان الأمر كذلك، فلن تنتهك سيادة الله لمجرد أنه قد أعطى للإنسان القدرة على الاختيار. ولن تنتهك سيادته كذلك، إذا أعطانا نحن أيضا الحق في الاختيار.

إذا لم يكن للإنسان الحق في اختيار أي شيء، إذا فلابد وأن يكون الله قد قرر أن يجعل من الإنسان (وإبليس) خطاة!

إذا كانت سيادة الله تعني بأنه قد قضى بكل شيء فيما يخص الإنسان، وبأننا لا نملك حق اختيار أي شيء، إذا فلابد وأنه قد قضى أن آدم وجميع البشر يجب أن يرتكبوا الخطيئة. يعني هذا بأن الله مسؤول عن حقيقة ارتكاب الإنسان للخطيئة ومعاناته من العواقب. لم يكن للإنسان خيار. إننا جميعا خطاة لأن الله قد اختار لنا أن نصبح خطاة.

لكن الله يكره الخطيئة ويوصي البشر بعدم اقتراف الخطيئة (سفر الأمثال ١٥: ٩؛ ٦: ١٦، ١٧؛ إلى آخره). إذا فالنتيجة المنطقية لمذهب كالڤين هي أن الله قد قضى بأن يفعل الإنسان ذات الشيء الذي يكرهه الله ويوصي البشر ألا يفعلوه. بناء عليه فإن الله منقسم على نفسه (إنجيل متي ١٢: ٢٥؛ رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ١: ١٣؛ ١٤: ٣٣). كيف يمكنهم تفادي اتهامهم لله بالرياء؟

توضيح: يصور مذهب كالڤين الله بأب يوصي ابنه بعدم الذهاب إلى الشارع، وإن ذهب، فسيتلقى صفعة من الأب. ثم يحمل الأب ابنه ويذهب به إلى الشارع ويصفعه لذهابه هناك!  

ب. هناك فرق بين ما يقضي به الله دون قيد أو شرط وبين ما يختار الترخيص به.

الله هو حاكم الكون المطلق. لكن هذا لا ينفي حقه في إعطاء البشر القدرة على الاختيار.

قضى الله دون قيد أو شرط أن تحدث بعض الأمور.

في هذه الحالة، فإن قضائه لابد وأن يحدث، ولا يستطيع أحد تغيير ذلك. [سفر أخبار الأيام الأول ٢٩: ١١؛ رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ٦: ١٥؛ سفر المزامير ١١٥: ٣؛ ٣٣: ١١؛ سفر أيوب ٢٣: ١٣؛ نبوءة أشعيا ١٤: ٢٧؛ ٤٦: ٩، ١٠؛ سفر الأمثال ٢١: ٣٠]

مع هذا يعلمنا الكتاب المقدس بأن الله قد قضى أن يسمح للإنسان (وإبليس) بالقدرة على الاختيار واتخاذ بعض القرارات.

تأمل بعض الأمثلة:

* لا يجرب الله الإنسان لكي يخطئ (رسالة يعقوب ١: ١٣). مع هذا فإن الإنسان يواجه التجربة. لماذا؟ لأن الله يسمح لإبليس (ضمن حدود) أن يجرب الإنسان (سفر أيوب ١). [لاحظ رسالة بولس الثانية إلى أهل كورينثوس ٤: ٤؛ إنجيل يوحنا ١٢: ٣١] 

* يكره الله الخطيئة ويوصي البشر بعدم ارتكابها (طالع أعلاه). مع هذا فإن الخطيئة موجودة. ليس الله مصدر الخطيئة، وإلا فإنه ليس ببار، لكنه يناقض نفسه حيث يجبر الإنسان على فعل ما يكرهه هو شخصيا!

الحقيقة هي أن الله قد أعطى للإنسان القدرة على الاختيار بين الطاعة أو عدم الطاعة، بعد أن حذره من العواقب. بعد أن قضى بقدرة الإنسان على الاختيار، يحترم الله قضاءه ويسمح لمخلوقاته بالاختيار، حتى عندما تثير هذه الاختيارات استيائه.

* بنفس الطريقة، قضى الله (كما بينت مقاطع الكتاب المقدس السابقة) أن يكون الإنسان قادرا على الاختيار بين الوفاء بشروط المغفرة وبذلك يصبح أحد المنتخبين أو عدم الوفاء بها.

لا، ليس الإنسان حرا تماما في أن يفعل كل ما يريده (هل يمكننا تدمير الله؟). وضع الله لنا حدودا، لكن الشيء الذي منحه لنا هو القدرة على إطاعته أم لا. ليس في هذا انتهاك لسيادة الله، وكذلك ليس هذا ضعفا من جانبه، لأنه هو الذي قضى أن يكون للإنسان تلك القدرة!

هل تنكر أن سيادة الله يمكن أن تمنح الإنسان القدرة على الاختيار؟

إذا كان الله ذو سيادة حقيقية، فهو يستطيع إذا أن يقضي بما يشاء. إذا كان الأمر كذلك، فهو يستطيع أن يقضي بأن يكون للإنسان القدرة على الاختيار! إذا كنت تنكر هذا، فإنك أنت، وليس نحن، من ينكر سيادة الله!  

ليس السؤال هو ما إذا كان الله ذو سيادة أم لا. السؤال هو: ماذا قرر الله ذو السيادة أن يفعل؟ يقول الإنجيل أن الله قد قرر أن يعطي للإنسان القدرة على الاختيار بين الطاعة أو عدم الطاعة. هذا هو معنى أن تعمل "كل الأشياء" طبقا لقصده.

ج. تتحكم إرادة الله وخلقه بسلطته العليا.

يجب على الله أن يتصرف بما ينسجم مع إرادته الشخصية.

لا يستطيع الإنسان تحديد الله، لكن الله يستطيع وغالبا ما يحدد أعماله طبقا لإرادته. فقد يختار ألا يمارس بعض القدرات التي يمتلكها بغرض تحقيق هدف أسمى.

النتيجة المنطقية لمبادئ مذهب كالڤين هي أن الله يتصرف بطريقة مخالفة لإرادته التي قد كشف عنها. فهو يقول أن بإمكان الإنسان أن يختار بين إطاعة الله أو عدم إطاعته، وأن الخلاص متيسر للجميع وأن هناك شروط  يمكن لأي إنسان الوفاء بها ليخلص (كما بينا في مقاطع الكتاب المقدس السابقة). بينما يعلم مذهب كالڤين أنه لا يوجد شيء من هذا القبيل، ليس لدينا خيار، إلى آخره.

ينبغي أن يتصرف الله طبقا لخلقه

هناك بعض الأمور التي لا يمكن لله ممارستها لأنها تخالف خلقه.

* الله لا يكذب ـ رسالة بولس إلى تيطس ١: ٢

* الله لا يخطئ (إنه بار دائما) ـ سفر أخبار الأيام الثاني ١٩: ٧

* الله لا ينكر نفسه ـ رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس ٢: ١٣

* الله لا يتغير ـ رسالة بولس إلى العبرانيين ١٣: ٨

النتيجة المنطقية لمبادئ مذهب كالڤين هي أن الله يتصرف باستمرار بما يخالف خلقه. فهو يكره الشر، مع ذلك يحكم على البشر بممارسة الشر. إنه لا يكذب، مع ذلك فإنه يقول أشياء لا أساس لها من الصحة في الإنجيل، إلى آخره.


٣. رسالة بولس إلى أهل رومية ٩:٦ـ ٢٤


"تبدو" الكثير من البيانات في هذا المقطع وكأنها تتناغم مع مبادئ القضاء والقدر في مذهب كالڤين:

آية ١١ـ ١٣ ـ  فضل الله يعقوب على عيسو من قبل أن يولدا أو يفعلا خيرا أو شرا. فقد أبغض عيسو وأحب يعقوب.

آية ١٥ـ ١٨ ـ  يرحم الله من يشاء ويقسي قلب من يشاء. هذا أمر يحدده الله وليس الشخص الذي "يشاء" أن يتلقى الرحمة.

آية ١٩ـ ٢٤ ـ  يشكل الله البشر للهلاك أو المجد كما يشكل الخزاف الطين.

هذا هو النص الرئيسي الذي بنيت عليه مبادئ مذهب كالڤين. حيث يجادلون بأن معنى هذا هو أن الله يختار أن يخلص بعض البشر  أو أن يحكم على بعضهم الآخر إلى الأبد دون قيد أو شرط، وفقا لأهواء الله فحسب.

ا. تناقض وجهة النظر هذه حول الفصل التاسع من الرسالة إلى أهل رومية الكتب المقدسة الأخرى.

تناقض وجهة النظر هذه جميع المقاطع الأخرى التي تبين بأن الله يريد للجميع أن يخلصوا، يعطيهم القدرة على الاختيار، إلى آخره.

طالع المواد السابقة. لا يناقض الإنجيل نفسه. لكن وجهة النظر هذه من شأنها أن تجعل الإنجيل مناقضا لذاته. يجب أن نبحث عن وجهة نظر تنسجم مع الكتاب المقدس بكامله.

تناقض وجهة النظر هذه التعليم الإجمالي في الرسالة إلى أهل رومية.

١: ١٦ ـ  البشارة هي قدرة الله لخلاص كل مؤمن (إنها شرطية، وبإمكان كل شخص أن يكون مستوفيا للشروط).

٢: ٦ـ ١١ ـ  إن الله لا يحابي أحدا. يتحدد المصير الأبدي لكل إنسان بواسطة أعماله، خيرا كانت أم شرا.

٥: ١٨، ١٩ ـ  التبرير بموت يسوع يأتي إلى جميع الناس ـ هؤلاء الذين أتت عليهم الإدانة نتيجة لخطيئة آدم.

٦: ١٣، ١٦ـ ١٨ ـ  يجب أن نقدم أعضائنا لله لكي نتحرر من الخطيئة.

تناقض وجهة النظر هذه سياق الكلام المباشر في الرسالة إلى رومية ٩ـ ١١.

تناقش الفصول الثلاثة تعامل الله مع شعب إسرائيل.

٩: ١ـ ٣؛ ١٠: ١ ـ  يود بولس ويصلي من أجل خلاص إسرائيل. لماذا فعل هذا إذا كان مؤمنا بأن البعض سوف يدانون بقضاء الله الذي لا تغيير له؟   

١٠: ١٣ ـ  كل من يدعو باسم الرب ينال الخلاص.

١٠: ٢١ ـ  بسط الله يديه لشعب إسرائيل (ليدعوهم)، لكنهم رفضوا.

١١: ٧ـ ١٤ ـ  لم تكن "البقية" من شعب إسرائيل مختارة، لكن قلوبهم قد قست. مع هذا، حاول بولس "بجميع الوسائل" أن يخلص بعضا منهم! لم حاول هذا؟ يقول مذهب كالڤين أنهم إذا كانوا غير منتخبين وكانوا قساة، لا يمكنهم الخلاص.  

١١: ١٩ـ ٢٤ ـ  "قضب" بعض الإسرائيليين الغير منتخبين لعدم إيمانهم، وطعم الوثنيين. لكن أولئك الإسرائيليون يمكن أن يطعموا ثانية بينما يقضب بعض الوثنيين، يتوقف هذا على إيمانهم أو عدم إيمانهم. الخلاص مشروط؛ يمكن لغير المنتخبين أن يتغيروا ويكونوا مقبولين.

١١: ٣٢ ـ  يقدم الله الرحمة للجميع. يجب أن تشمل هذه الرحمة الإسرائيليين الغير منتخبين الذين تكلمنا عنهم سابقا. وطالما أن الله لا يحابي الوجوه، يجب أن تشمل جميع الوثنيين أيضا.

تخلق رسالة بولس إلى أهل رومية الفصل التاسع، نص البرهان الرئيسي لمذهب كالڤين، متناقضات وصعوبات لا تقهر، حين تفسر على طريقة مذهب كالڤين.

ب. ما هو تفسير رسالة بولس إلى أهل رومية ٩: ٦ـ ٢٤؟

سياق الكلام: الفكرة الرئيسية للرسالة إلى رومية ٩ـ ١١ هي حالة إسرائيل كأمة.

٩: ٤، ٥ ـ  ناقش بولس المكانة الرفيعة (النعم والامتيازات) التي منحها الله سابقا لشعب إسرائيل بموجب العهد القديم. إنهم قد تلقوا هذا ببساطة لمجرد كونهم أعضاء في هذه الأمة، لكن هذا لا يثبت على إنهم سوف ينالون أو لا ينالون الخلاص الأبدي.

٩: ٦ـ ٢٣ ـ  يدافع بولس عن حق الله المطلق بحكم سيادته، في استخدام شعب إسرائيل كما أختار. على وجه الخصوص، ليس الله ملزما، كما يتصور البعض، بإعطاء منزلة رفيعة لكل شخص ينتمي إلى نسل إبراهيم. 

٩: ٢٤ـ ١١: ٣٢ ـ  ناقش بولس النعم المتاحة لشعب إسرائيل في إطار البشارة وكيف يمكنهم الحصول على تلك النعم.

٩: ٦ـ ١٣ـ  لا يفرض الوعد الذي قطعه الله لإبراهيم على الله أن يعلي منزلة جميع الذين ينتمون إلى نسل إبراهيم.

يدل العهد القديم نفسه على أن الله قد أختار نسل أسحق (وليس إسماعيل) ثم أختار نسل يعقوب (وليس عيسو).

يناقش سياق الكلام الوعد لنسل أو أبناء إبراهيم (الآيتان ٧، ٨).

لم يكن هذا وعدا لتخليص أي منهم إلى الأبد. كان وعدا لجعلهم أمة عظيمة، أعطائهم أرض كنعان، وأن يجعل منهم أسلافا للمسيح. (طالع سفر التكوين ١٢: ١ـ ٣؛ ٢٢: ١٦ـ ١٨؛ سفر تثنية الاشتراع ٤: ٣٧، ٣٨؛ ٩: ٤؛ رسالة بولس إلى أهل غلاطية ٣: ١٦)

من ثم، فإن "الانتخاب" أو الاختيار (آية ١١) لا يشير إلى الانتخاب للحياة الأبدية، لكن إلى الذين من خلالهم سوف يتم إنجاز هذه الوعود لإبراهيم. هذا هو الانتخاب الذي تم قبل ولادة يعقوب أو عيسو وقبل أن يفعلا خيرا أو شرا. كان هذا انتخابا "يخدم فيه الكبير الصغير" (آية ١٢)، ولم يكن انتخابا للحياة الأبدية! (غالبا ما أشار الله إلى إسرائيل كشعبه المنتخب أو المختار، بسبب علاقة هذا الأمر بوعده لإبراهيم، لا بسبب الحياة الأبدية)  

تشير عبارة "الكبير يخدم الصغير" إلى أمتين ـ الأمة التي تنحدر من يعقوب وليس عيسو ـ لا إلى الرجلين بشخصهما!

سفر التكوين ٢٥: ٢٢، ٢٣ ـ  يعلن النص الأصلي المقتبس عنه في رسالة بولس إلى أهل رومية ٩: ١٢بصراحة إلى أن العبارة تشير إلى أمتين. إذا كان هذا يعني أن جميع الإسرائيليين سوف يذهبون إلى الجنة وأن جميع الأدوميين سوف يدانون، فإن هذا يعد في الحقيقة محاباة للوجوه.

بالمثل، لا تشير عبارة "إني أحببت يعقوب وأبغضت عيسو" إلى المصير الأبدي لأي منهما.

قيلت هذه العبارة بعد موت الرجلين بوقت طويل، وليس قبل ولادتهما ـ سفر ملاخي ١: ٢، ٣. العبارة الوحيدة التي قيلت قبل ولادتهما هي "إن الكبير يخدم الصغير".

تشير هذه العبارة أيضا إلى الأمتين اللتين سوف تنحدران من الرجلين، وليس إلى الرجلين بشخصهما (طالع سياق الكلام في سفر ملاخي ١).

"أبغضت" تعني أحببت بدرجة أقل، كما يجب على المسيحيين أن يبغضوا عائلاتهم وحياتهم نفسها (إنجيل لوقا ١٤: ٢٦). ليس هناك أية إشارة إلى الخلاص! (هل يجب أن نتمنى لعائلاتنا الهلاك الأبدي؟)

تثبت هذه العبارات فقط، على أن وعد الله لإبراهيم لا يلزمه بإعطاء مقام رفيع لكل شخص من نسل إبراهيم. يبين تاريخ العهد القديم على أنه في سبيل إنجاز هذا الوعد، تعين على الله أن يختار مرارا وتكرارا بين مختلف الأفراد فيما يتعلق بالنسل الذي سوف يستخدمه في إنجاز هذا الوعد.

لا يوجد أية إشارة هنا إلى المصائر الأبدية. من ناحية أخرى، سوف نرى في وقت لاحق، أن بولس قد ناقش مسألة الخلاص، وأظهر أن الله ليس ملزما بتخليص جميع بني إسرائيل وإنما "البقية" فقط (١١: ١ـ ٥).

٩: ١٤ـ ١٨ـ  يرحم الله من يشاء وفقا لإرادته الخاصة.

يعود قرار من هم المشمولين بالرحمة إلى ذاك الذي يظهر الرحمة، وليس إلى الذين يحصلون عليها (الآيات ١٥، ١٦، ١٨).

الرحمة هي إظهار العطف لمن لا يستحقه. يتبع ذلك أن من يطلب الرحمة (الذي "يشاء" أو "يحكم" ـ إسرائيل) لا يستطيع أن يحدد شروط الحصول عليها. هذا أمر يحدده الشخص الذي يشمل بالرحمة.

بتطبيق هذا على إسرائيل، نرى أن ليس من حقهم الإصرار (كما يبدو أنهم قد تصوروا) على أن يستمر الله في إعطائهم مكانة متميزة لمجرد أنه قد فعل ذلك ذات مرة، فقد نالوا تلك المكانة بفضل رحمة الله، لكنه يستطيع أن يسحب تلك المكانة المتميزة متى ما شاء.

الكلمة الأساسية هنا هي كلمة "يشاء".

يهب الله الرحمة لمن "يشاء". يفترض مذهب كالڤين (دون أدلة) أن معنى هذا هو أن الله يشاء أن يرسل البعض إلى النعيم والبعض الآخر إلى الجحيم دون قيد أو شرط. لا شك في أن الله يستطيع أن يفعل ما يشاء؛ لكن هل يشير سياق الكلام هنا إلى أن هذا هو ما يشاء الله أن يفعله؟ إذا كان الأمر كذلك، أين؟ لا يتحدث هذا المقطع عن المصائر الأبدية. 

لا شك في أن الخلاص هو مسألة رحمة، بالتالي يظهر الله رحمة تجاه من يشاء ـ لا يستطيع الإنسان أن يملي شروط الخلاص. لكن الإنجيل يكشف عن إرادة الله بخصوص الخلاص، وقد رأينا أن إرادته حول ذلك الموضوع هي أن يتيح فرصة الخلاص المشروط للجميع ويترك للبشر حرية الاختيار بين الامتثال أو عدم الامتثال. ذكرت تلك المشيئة في وقت لاحق وفي مكان آخر. لكنها ليست حتى قيد البحث هنا.

يصف هذا المقطع قسوة قلب الفرعون (آية ١٧).

استخدم الله شعب إسرائيل بطريقة إيجابية في إنجاز وعده لإبراهيم، في حين أنه استخدم الفرعون بطريقة سلبية. كان الفرعون حاكم مصر عندما أصبح شعب إسرائيل أمة عظيمة وعندما غادروها للذهاب إلى أرض كنعان الموعودة.

يدل العهد القديم على أن الله قد قسى قلب الفرعون، لكن فقط بعدما قسى الفرعون قلبه بنفسه عدة مرات (سفر الخروج ٨: ١٥، ٣٢؛ ٩: ١٢؛ ١٠: ١، ٢٠، ٢٧؛ قارن سفر المزامير ٩٥: ٨؛ رسالة بولس إلى العبرانيين ٣: ٨)

استخدم الله الفرعون، لكن لأي غرض؟ آية ١٧ـ استخدمه ليظهر الله قدرته وينادى باسم الله في الأرض كلها (بواسطة الضربات وعبور البحر الأحمر). ليس في هذا أي كلام عن الخلاص الأبدي لأي شخص لكنه عمل جلب فيه الله الإجلال لنفسه.

ليس هنا ما يقول بأن الله قد تسبب دون قيد أو شرط في أن يصنع البعض الشر أو أن يهلكوا دون خيار. كان الفرعون بالفعل (بحسب اختياره) رجلا شريرا، بحيث استخدمه الله لإنجاز هدفه وجلب المجد لنفسه.

في إنجاز وعده لإبراهيم، أظهر الله رحمة تجاه إسرائيل وقسوة تجاه عدوهم، الفرعون. استخدم الله أناسا وأمما لإنجاز هدفه. لكن هذا ليس حديثا عن خلاصهم. لم ينتهك الله مطلقا حق أي إنسان في أن يطيعه أو يخالفه.

أعطى الله لإسرائيل مكانة مرموقة كأمة لأجل تحقيق غرضه في إنجاز وعوده لإبراهيم. بفعله هذا، كان له الحق في سحب تلك المكانة المرموقة متى ما شاء، لأن ذلك لم يكن له أية علاقة باستحقاقهم. وقبل كل شيء، لا شيء هنا يخبرنا كيف يقرر الله من هم الذين يشاء أو لا يشاء في تخليصهم أبديا.  

٩: ١٩ـ ٢٤ـ الخزاف والطين

يؤكد الله هنا على حقه في التعامل مع الإنسان كيفما يشاء. لا يملك الإنسان حق الاعتراض.

ينطبق سياق الكلام على شعب إسرائيل.

على وجه الخصوص، يستطيع الله أن يصنع من نفس الجبلة (إسرائيل) آنية شريفة وآنية خسيسة. رفع الله مكانة إسرائيل في الماضي لتحقيق إرادته في إنجاز وعده لإبراهيم. تحقق ذلك الوعد بالكامل عندما مات يسوع على الصليب. إذا اختار الله بعدها أن يسحب من إسرائيل مكانة "الأمة الأثيرة"، فليس لهم حق الاعتراض (كما يبدو أن البعض منهم قد فعل).

التأكيد على أن الإنسان يمتلك القدرة على القيام بكل ما يختاره، لا يخبرك في حد ذاته، ماذا كان اختياره!

رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس ٩: ١ـ ١٨ ـ  دافع بولس عن حق المبشرين في الزواج أو الدعم المادي. لكنه في الواقع رفض ممارسة أي من هذه الحقوق.

إنجيل متي ٢٦: ٣٩، ٥٣، ٥٤ ـ  كان بإمكان الله أن ينقذ يسوع من الموت، لكن تلك لم تكن إرادته.

قد تؤكد أن لديك القدرة على لكمي بقبضتك، لكنك لم تختر أن تفعل ذلك (ليس بعد).

يؤكد الله هنا على حقه في الاختيار كما يسره، لكن ذلك لا يخبرنا بحد ذاته عما تنطوي عليه هذه الاختيارات. إنه بالتأكيد لا يخبرنا عن اختياره بشأن الذين سوف يخلصون، طالما أن ذلك ليس موضع النقاش هنا.

لا ينطبق هذا المقطع على مصير الإنسان الأبدي ولكن على حق الله في سحب مكانة إسرائيل المتميزة كأمة.  

يتعلق اختيار الله هنا بكيفية استخدام شعب إسرائيل في إنجاز وعده لإبراهيم. فقد استخدمهم لسنوات عديدة بطريقة تمجده. عندما أنجزت المواعيد (بسبب موت يسوع)، لم يعد هناك ما يدعو للإبقاء على مكانتهم المجيدة. فسحبها الله. ذلك كان حقه، كما أن الخزاف يستطيع أن يصنع ما يشاء من كتلة الطين.

مع ذلك، لله الحق في عمل ما يشاء بخصوص الخلاص (بما يلاءم خلقه). لكن ليس في هذا أي ذكر عن كيفية اختياره أو تحديده للذين سوف يخلصون أو يهلكون.

لاحقا في ٩: ٢٤ـ ١١: ٣٢ ـ  يناقش بولس اختيار الله بخصوص الذين سوف يخلصون أو لا يخلصون. يبين هناك بأن الله يظهر رحمة تجاه الجميع (١١: ٣٢). أولئك الذين يؤمنون ويطيعون سوف يخلصون (١٠: ١٣ـ ١٧). هذا هو بالضبط ما تعلمه جملة من المقاطع الأخرى.

لله الحق في أن يفعل بالإنسان ما يشاء. لقد استخدم إسرائيل في تحقيق قصده، ثم توقف عن استخدامهم. إنه لا يناقش الخلاص هنا، مع هذا يستطيع الله أن يخلصنا أو ألا يخلصنا وفقا لأي معايير يختارها بنفسه. المعيار الذي اختاره هو إتاحة فرصة الخلاص للجميع على أساس من الشروط، ثم ترك لكل إنسان قرار تلبية الشروط أو عدم تلبيتها.


رابعا. الأشخاص الذين عرفهم الله مقدما


قبل أن يفعلوا الخير أو الشر، عرف الله مقدما أن أشخاصا بعينهم سوف يكونون خطاة، أنبياء، إلى آخره. أمثلة:  

يهوذا ـ إنجيل يوحنا ١٣: ٢١ـ ٢٦؛ ٦: ٧٠؛ إنجيل متي ٢٦: ٢٠ـ ٢٥، ٥٠؛ كتاب أعمال الرسل ١: ١٦ـ ٢٠، ٢٥

الفرعون ـ سفر الخروج ٤: ٢١؛ ١٤: ١٧، ١٨

الأنبياء ـ نبوءة إرميا ١:٥؛ رسالة بولس إلى أهل غلاطية ١: ١٥

يجادل مذهب كالڤين أن، طالما أن الله عليم بكل شيء، فلابد أنه يعرف كل شيء عن حياة كل إنسان، حتى قبل ولادته. حالما يعلم الله شيئا، يصبح ذلك الشيء قضاء لا يمكن تجنبه. لذلك، فإن مصير الإنسان الأبدي هو مرسوم له قبل أن يولد. ليس للإنسان أي خيار.

ا. لا يكره الله الإنسان على أن يصبح بارا أو شريرا ضد إرادته، لكنه يعلم مسبقا ماذا ستكون عليه اختياراته. 

كان يهوذا شريرا بالفعل قبل أن يخون يسوع ـ إنجيل يوحنا ١٢: ٦. لم يتنبأ أحد بهذا الشر.

كان الفرعون شريرا أيضا قبل أن يقسي الله قلبه ـ سفر الخروج ٨: ١٥، ٣٢؛ ٩: ١٢.

لم يجعل الله من هؤلاء رجالا أشرارا. إنه ببساطة قد علم مسبقا ما ستكون عليه اختياراتهم، ثم استخدمهم وفقا لذلك. إذا كان الحدس والتنبؤ بالشيء يعني أن الله قد قضى به، بالتالي ليس للإنسان خيار، ثم طالما أن الإنسان قد أخطأ، فلا بد أن الله قد حكم عليه بارتكاب الخطيئة! هذا انتهاك لخلقه البار، كما سابق مناقشته.

كان موت يسوع أيضا معلوما مسبقا ومتنبأ به ـ نبوءة أشعيا ٥٣؛ إنجيل يوحنا ٣: ١٤؛ ١٢: ٢٧؛ إنجيل متي ١٦: ٢١. مع ذلك يدل إنجيل متي ٢٦: ٥٣ على أن يسوع كان قادرا على منعه. كان لديه خيار على الرغم من حقيقة أن الأمر كان متنبأ فيه.

قدر ليسوع أن يموت بسابق تعيين من الله (رسالة بطرس الأولى ١: ٢٠؛ كتاب أعمال الرسل ٢: ٢٣؛ ٤: ٢٨؛ إنجيل لوقا ٢٢: ٢٢). انطوى هذا على ارتكاب الخطيئة من قبل أولئك الذين قتلوه. إذا كان هذا يعني بأن الأمر قد قضي به، بالتالي لم يكن لهؤلاء أي خيار، إذا فقد قضى الله مرة أخرى أن يرتكب الإنسان الخطيئة!

ب. على الرغم من أن الله قد علم مسبقا ما فعله البعض، فإن ذلك لا يثبت على أنه يعرف مسبقا جميع أعمال جميع الناس.

لله القدرة على العلم المسبق بجميع الأشياء، لكنه يختار في بعض الأحيان ألا يستعمل تلك المقدرة. تستند قدرته على الحدس على قدرته على صنع كل الأشياء. لكنه لا يفعل كل ما هو قادر على فعله.

سفر التكوين ١١: ٥ ـ  عند بناء برج بابل، "نزل الله ليرى" ما كان الناس يفعلونه.

سفر التكوين ١٨: ٢٠، ٢١ ـ  نزل الله ليرى ما كانت سدوم وعمورة تفعلانه.

سفر التكوين ٢٢: ١٢ ـ  بعد أن أثبت إبراهيم استعداده للتضحية بإسحق، قال الله، "الآن عرفت أنك متق لله..."

الخاتمة

لا بد أن تفشل حجة مذهب كالڤين لأنها تجعل الله منتهكا لإرادته الشخصية ولخلقه البار الشخصي.

الخلاص متاح لجميع البشر، وهو في متناول كل إنسان. لكن على كل شخص أن يختار لنفسه إن كان سوف يستجيب أم لا، وكل شخص قادر على هذا الاختيار.

هل يعني هذا أن الخلاص هو ضمن إطار قدرة الإنسان، وليس ضمن إطار قدرة لله؟ كلا على الإطلاق.

توضيح: لنفترض بأن أحد البحارة قد ناول طوق نجاة مربوط بحبل لشخص على وشك الغرق. لم يكن الغريق قادرا على إنقاذ نفسه بنفسه. كان البحار هو المنقذ، لكن لا يزال يتعين على الرجل أن يختار الإمساك بالطوق وأن يواصل الإمساك به حتى يصير على متن المركب.

الله هو مصدر ومعطي الخلاص. الخلاص هو نعمة من الله. لكنه قد قضى أن يختار الإنسان لنفسه ما إذا كان سوف يقبل الخلاص المقدم له أم لا.