|
ميزة الكتاب المقدس
|
|
. يقول الأب اسطفان شربنتييه في كتابه " دليل إلى قراءة الكتاب المقدس " إن
الكتاب المقدس ، لاسيما العهد القديم ، كتاب محير . نعلم ، قبل أن نفتحه ،
أنه الكتاب المقدس عند اليهود والمسيحيين ، ونتوقع أن نجد فيه كلام الله غير
ممزوج بأي شئ .. فعندما نفتحه .. نجد فيه قصصاً من ماضي شعب صغير ، قصصاً
كثيراً ما تكون لا فائدة فيها ، وروايات لا نستطيع أن نقرأها بصوت مرتفع دون
أن نخجل ، وحروباً واعتداءات ، وقصائد لا تحملنا على الصلاة ، وإن سميناها
مزامير ، وفضائح من أخلاقية قديمة تخطاها الزمن وكثيراً ما هي مبغضة للنساء .
كتاب محير …!!" ويعود هذا كله إلى تميز هذا الكتاب عن كل الكتب البشرية ، إذ
هو كلمة الله
|
|
. ومن ناحية أخرى ، نجد أن الناس يقفون بذهول أمام قوى الفكر الخلاقة،
ويعتبرونها مواهب تسبغ علي قلة نادرة. يطلق علي أعمال النابغين صفة "ملهمة" –
ذلك لأنها تلهمنا، ولأن الفنان أو النابغة ذاته يشعر وكأن أعماله الإبداعية
هي أكثر من مجرد نتيجة نشاط الإنسان ووعيه الخاص
|
|
. لذا ، فعندما نقول عن الكتاب المقدس إنه "ملهم" يفهم كثيرون الكلمة علي
النحو الذي أشرنا إليه، لكن إذا ما تأملنا في ما يدعيه الكتاب المقدس لنفسه،
نجد أن الكلمة "ملهم" تعني أعمق من ذلك، إنها تحمل معني يختلف عن معنى
الإلهام الذي تصف به الأعمال الفنية
|
|
. يشهد الكتاب المقدس لنفسه أن رسالته نابعة من مصدر يفوق البشر. فكلمات
الأنبياء هي كلمة الله الآتية من خلالهم. "وكانت كلمة الرب إلي النبي …".
وبطرس الرسول يؤكد ذلك بقوله: "لم تأت نبوة قط عن إرادة بشر بل إنما تكلم
رجال الله القديسون محمولين بإلهام الروح القدس". ولا عجب في قوله أيضاً أن
الأنبياء ما كانوا قادرين علي فهم كل مضامين ما نطقوا به من تعاليم، فمصدر
كلامهم يتجاوز أنفسهم. كان المتكلم في الواقع :"روح المسيح الذي فيهم إذ سبق
فشهد بآلام المسيح وبما يتلوها من المجد"
|
|
. لذا كان من الطبيعي أن تستدعي كلمة الله تجاوباً ممتازاً من الذين
يسمعونها. فعندما يتكلم النبي بكلام الله، لا من بنات أفكاره تكون كلمة الله
للسامعين، علي حد قول إرميا، حنطة تغذي نفوسهم (ما للتبن من الحنطة) أو مطرقة
يتحطمون تحت تأثيرها (كمطرقة تحطم الصخر). من هنا استنتج بعضهم أن وحي الكتاب
المقدس يكمن في تأثيره بالناس، أي أنه يلهمهم. غير أنهم علي خطأ. يجب الإقرار
أن التأثر بكلام الكتاب المقدس يدل علي وحيه. ويمكن لهذا التأثير أن يقود
المرء إلي درس الكتاب بتعمق ليري ماذا يقول عن ذاته وعن تأثيره. بيد أن وحي
الكتاب المقدس لا يعتمد علي مدي قبول الناس إياه كوحي. هنا نحن ملزمون أن
نعتبر ما يدعيه الكتاب المقدس لنفسه. هنا نقطة البداية
|
|
. إن استعمال الكتاب المقدس لكلمة "الوحي" الواردة مرة فقط في رسالة بولس
الثانية إلي تيموثاوس – تظهر أن الوحي مؤسس لا علي تجاوب الناس، ولا علي
الخبرة الذاتية للذين دونوه، لكن علي حقيقة أن "كل الكتاب المقدس موحى به من
الله"
|
|
. المعني الحرفي لكلمة "موحى" هنا هي "متنفس به"، أي أن الله زفره أو نفخه.
والمقصود أن كل الكتاب هو موحى به ، كله لا بعضه، وكله نافع لا أجزاء منه.
هذه العبارة الصريحة تصف الكتاب المقدس عموماً ولا تفيد أن الكتاب يلهم الناس
بمعنى من المعاني، ولا حتى إنه كتب بواسطة أناس ملهمين، بالمعنى الذي ذكرناه
أولاً. بل أن الكتاب المقدس ذاته هو "نفخة" الله في الذين دونوه
|
|
. تعامل الذين كتبوا العهد الجديد مع القديم معاملة من يؤمن بوحيه. فهم ما
حاولوا أبداً مناقشة تلك المسألة أو حاولوا برهنتها لكنهم اعتبروها أمراً
مسلماً به. فبالنسبة إليهم ما كتبه الشعراء في المزامير وما نطق به الأنبياء
هو ما قاله الله بالروح القدس. والعبارة "يقول الكتاب"، حسب بولس، تعني
تماماً ما تعنيه عبارة "يقول الله". والرسل في نظرتهم هذه إلي الوحي إنما
يقتفون إثر يسوع وتعليمه. إذ أن نظرتهم إلي العهد القديم تتعدى النظرة
القائلة إنه مجموعة من "قصص ذات مغزى"
|
|
. اختار الله أن يبلغ رسالته إلي الناس بواسطة الكلمة، من أجل ذلك استعمل
الرسل الكلمات التي دونوها في العهد الجديد بجدية. لا أقول إنهم استعملوا
الكلمات بمعزل عن ارتباطها بعضها ببعض وانتظامها في جمل ومقاطع، كما لو كان
تبليغ الرسالة بواسطة كلمات متفرقة ممكناً. لكن المثال الذي وضعوه كاف
لتحذيرنا من أي موقف أو نظرة ظرفية عشوائية نحو كلمات الكتاب المقدس المعطاة
من الله
|
|
. كما توازي نظرة العهد الجديد نحو القديم ما يقوله القديم عن نفسه.
فالعبارات "قال الرب"، و"هكذا يقول الرب"، و"كانت كلمة الرب إلى … " أو صيغ
متشابهة، تصدرت البلاغات النبوية أكثر من 38.. مرة. وقال عاموس وإرميا إنهما
كانا يشعران بضغط إلهي لأن ينطقا بكلام الله. وتبلغ حزقيال الأمر الإلهي بأن
يبلغ شعبه رسالة الله مهما كانت النتائج
|
|
. والعهد الجديد، بطبيعة الحال، لا يذكر الكثير عن وحيه هو. علي العموم، فإن
حقيقة كون العهد الجديد مدعوماً بسلطة الرسل هي بحد ذاتها ضمانة كافية لوحيه.
أما بولس فيقول بوضوح إنه نال تعليمه من الروح القدس ويدعم الإنجيل الذي
ينادى به بقوله إنه أعلن له بواسطة يسوع المسيح. ويؤكد يوحنا في رسالته
الأولي : أن ما يكتبه أتاه من المسيح نفسه. ويقول بولس، في موضع آخر، أنه
يحكم علي بصيرة الناس الروحية بالطريقة التي يتجاوبون بها مع تعاليم رسائله.
وكان يؤمن بشدة أنه والرسل نالوا قوة خاصة لإعلان حق يتجاوز في سموه كل حق
سبق إعلانه
|
|
. وكان أوضح الكل بطرس عندما وضع رسائل بولس في مقام واحد مع "باقي الكتب".
وهذه العبارة الأخيرة تشير، بكل تأكيد، إلي أسفار العهد القديم، وتفيد أن
رسائل بولس، في ذلك التاريخ، كانت تقرأ في اجتماعات العبادة وكان لها سلطة
توازي سلطة أسفار العهد القديم
|
|
تفوق الوحي
|
|
. يعلم الكتاب المقدس بوضوح أنه موحى به. لا ريب في ذلك. فكلمات الكتاب
المقدس التي دونها البشر أصلاً، كانت كلمات الله. وهذا أمر مختلف تماماً عما
نعنيه بالإلهام "الفني" عموماً. من المؤكد أن الله الخالق هو الذي يعطي،
بواسطة الروح القدس، البشر الذين خلقهم علي صورته الإمكانية لأن يبدعوا
الجمال. والطريقة ذاتها يمنحهم الحنان ليعتنوا بأولادهم أو ليديروا شؤون
بلدانهم بحكمة. لكن هذه النعمة الممنوحة من الله لكل البشر، حتى للذين
يكرهونه، يجب ألا يخلط بينها وبين القوة المخلصة التي نراها تعمل عندما يؤكد
الله أن البشر يمكن أن يروا ويسمعوا كلامه. واستطراداً، صحيح أن صورة الله
يمكن أن ترى في كل إنسان، لكن المثال الإلهي يظهر من دون تشويه في إنسان واحد
فقط هو يسوع المسيح
|
|
. نعطي كلمة الله المكتوبة حقها الكامل إن تمسكنا بحقيقتين متلازمتين، كما
نفعل حيال يسوع الكلمة المتجسد. وهما إن الكتاب المقدس إلهي وإنساني في آن،
موحى به من الله وفي الوقت نفسه بشري إلى أقصى حد
|
|
. وهذا يعني ،أن يتكلم الله مباشرة من خلال الكتاب المقدس وبشكل فريد لا يجعل
من الذين كتبوا الأسفار المقدسة مجرد آلات كاتبة. فكل سفر يحمل في طياته
البرهان علي أن كاتبه إنسان نحاول أن نلصق به العصمة ، حتى نصيره فيما يقرب
صورة الإله ، وهو ما نراه مثلاً في مفهوم " عصمة الأنبياء " عند المسلمين .
وما كان الذين كتبوا الأسفار وحرروها آلات كاتبة ذاتية. لذا فإننا نجد أن
البشير لوقا ، قد جاهد ليجمع مواد صحيحة للسفرين اللذين كتبهما واعتنى قدر
استطاعته ليكونا سجلين دقيقين. كذلك كتاب العهد القديم استعملوا قواهم
الفكرية لتقييم المصادر، تاركين الروايات غير المناسبة لغايتهم، مستعملين
المناسب لحاجاتهم. وكتب بولس رسائله وفي ذهنه ظروف معينة يرغب في معالجتها.
وثمة اختلافات في الأسلوب جمة بينه وبين يوحنا كما بين اشعياء وهوشع، على
سبيل المثال
|
|
. من جهة أخرى، أن يكون الكتاب المقدس كتاباً بشرياً لا يجعله، ذاتياً، يحتوي
علي أخطاء. فالله، سيد الخليقة كلها هو الذي شكل شخصيات المسؤولين عن تدوين
إعلانه وظروفهم، مؤهلاً إياهم لإنجاز قصده. فلا تنكر على الله القدرة، في
قصده الخلاصي وحكمته غير المحدودة، علي ضمان الحق في سجلات الوحي ومصداقيتها
|
|
. وحقيقة كون الكتاب المقدس كتاباً "ملهماً" لا تعفينا من بذل الجهد الضروري
روحياً وعقلياً لفهمه وتفسيره بصحة واستقامة. ولا تعني ضمناً أن جميع أجزاء
الكتاب المقدس تعلن الله بالمقدار نفسه. فالقول إن الفصل الثالث من سفر
اللاويين والثالث من بشارة يوحنا كلاهما موحى به، لا يراد به أكثر من أن الله
أشرف علي نص كليهما بحيث أن الكلمات المستعملة هي أفضل ما يمكن استخدامه
لإيصال الحق الخلاصي الذي يريده.حيث استخدم لغة بشرية لإعلان قصده الإلهي
|
|
لقد اختار الله إذاً إعلان رسالته الخلاصية بواسطة الكلمة المكتوبة: العهدين
القديم والجديد. أما كيف فعل ذلك ولماذا بالتحديد، فصعب علينا إدراكه كعقيدة
الثالوث أو كصيرورة الله أنساناً في يسوع المسيح. لكن في كل من هاتين
العقيدتين يقدم الكتاب المقدس في تعليمه معنى أفضل من النظريات البشرية أو من
حلول الوسط المقترحة. إننا عندما نقبل ما يقوله الكتاب حول هذه الأمور، نضع
أنفسنا في أفضل موقع لنتعلم من الله، قائلين مع كاتب المزامير :"أنت يارب كل
ما أملك، عهدي أن أحفظ كلمتك".
|
|
.. آمن لتفهم
|
|
. إن حقيقة الحدث الجوهرية لا تظهر للعيون ، فعلي أن أشعر بها من خلال ما
للحدث من وجوه تاريخية ، من خلال ما أراه . فمثلاً : أرى رجلاً وامرأة
يتعانقان . هذا أمر مطابق للواقع ، هذا أمر تاريخي . ولكني لا أستطيع أن
استخلص منه شيئاً ، لأنه قد أعانق أحياناً أحداً لا أحبه . فإن قيل لي إنهما
يحب أحدهما الآخر ، عندئذ يكون للقبلة معنى فتصبح علامة حبهما . " إن قيل لي
… " .. هذا يعني أن أصدق ما يقال لي . فلأني أصدق ، فهذا يجعلني أفهم أن هذه
القبلة علامة حبهما . إن أردت أن أفهم ، يجب على أن أصدق ، وكوني قد فهمت
يقوي إيماني . وهكذا نتقدم ، وكأننا في لولب .. ندور على شكل حلقة ، ولكننا
نتقدم في كل دورة
|
|
. هذا هو شأن الكتاب المقدس ، وكل ما قلناه ينطبق على الذين وضعوه .. كانوا
يروون أحداثاً ، ولكن هذه الأحداث كان لها معنى ، لأنهم كانوا يؤمنون .
والأمر ينطبق علينا نحن ، عندما نقرأ الكتاب المقدس .. في استطاعتنا أن ندرسه
، سواء كنا مؤمنين أو غير مؤمنين ؛ وفي استطاعتنا أن نفهم ما تقوله النصوص
لنا . ولكننا نفهمها فهماً مختلفاً إن شاركنا واضعيها في إيمانهم ، وإن دخلنا
وإياهم في بحث واحد
|
|
قد يبدو كل ذلك معقداً إلى حد ما ، ولكننا سنعود إليه فيتضح كل شئ ونحن في
الطريق . أما الآن ، فعلينا أن نستخلص نتيجة هامة : ما هو معنى نص من النصوص
؟ أو ما معنى القراءة ؟
|
|
معنى النص الموحى به
|
|
. حين نكون أمام نص من النصوص ، ولا سيما من النصوص القديمة ، يكون تفكيرنا
العفوي على الوجه التالي : أراد الكاتب أن يقول شيئاً ما وأن ينقل معنى ما .
وهذا المعنى قد " غلفه " في ألفاظه وثقافته هو . فعلينا اليوم أن " نفكك "
هذا المعنى وأن نعيد " تغليفه " في ألفاظنا نحن . يبدو لنا أن في النص معنى
موضوعياً و " نواة صلبة " لا بد من استخراجها . فالقراءة هي أن نتناول نصاً
وأن نجعله يقول لنا اليوم شيئاً ما ، شيئاً من شأنه أن يحينا . لأنه موحى به
من الله ، والله مازال يكلمنا من خلال هذه النصوص ، ولكنه ينتظر منا أن نعيد
تفكيك ألفاظه بألفاظنا نحن
|
|
يسوع المسيح والكتاب المقدس
|
|
كتب أحدهم :" صادفت ذات يوم أكثر النساء حباً للقتل ، كنت أزور ورشة آثار في
العراق ، فاستقبلتنا امرأة المشرف على الورشة . ولم نكن نعرف إلا بعد فوات
الأوان أن تلك المرأة هي أجاثا كريستي ، الكاتبة الشهيرة للروايات البوليسية
. لو عرفنا الأمر قبل فوات ذلك ، لكنا أطلنا الحديث معها ، أما الآن ، فكان
علينا أن نستعيد ذكرياتنا القليلة .. بعض الكلمات التي نطقت بها ، وكيف كان
لباسها …
|
|
. لعل مثل هذه القصة قد جرى لكل واحد منا
|
|
. وهذه القصة هي التي عرفها التلاميذ الأولون . لقد تبعوا يسوع المسيح ،
لمجرد أن معلمهم يوحنا المعمدان دعاهم إلى اتباعه ، دون أن يعرفوا من هو في
الحقيقة . أصغوا إليه بانتباه كما يصغي الناس إلى أحد الأنبياء ، لا بل
اعتقدوا بأنه قد يكون النبي والمسيح . ولم يكتشفوا إلا بعد العنصرة ( يوم
الخمسين ) أن ذلك الإنسان هو ابن الله ! وكان أن ذكرياتهم عن تلك السنين التي
قضوها معه اكتسبت عندئذ أهمية عظيمة ، فأخذوا يستعيدون تلك الذكريات . ولكما
انقضت السنون ، عظمت تلك الأهمية في نظرهم
|
|
. وأنا كمسيحي أريد أن أتبع يسوع المسيح، وأن أفعل ما علم به، وأسير حيث
يقودني مقتفياً إثر خطواته، وأختبر الحياة الفياضة التي يقدمها
|
|
. في سبيل ذلك من واجبي قراءة الوقائع التي دونها شهود العيان الذين عرفوه.
هنا أكتشف أن يسوع ادعي أنه يعلن الله بذاته، وأنه الذي يظهر لنا ماذا الله
يشبه. وأكتشف أيضاً أن يسوع هو الإعلان الذروة والإتمام النهائي لقرون من
إعلان الله المدون في سجلات تعود إلي مئات من السنين قبل زمانه
|
|
. إذاً، أنا أريد سلطة يسوع، وهو يقودني إلي سلطة الكتاب المقدس. ولا يمكن أن
نكتفي بواحد دون الآخر
|
|
. الحقيقة أن يسوع أعلن الله للإنسان بطريقة ما كان يمكن للعهد القديم وحده
أن يقوم بها. لقد شاهد المسيح يسوع أناس عاديون وسمعوه ولمسوه وأحبوه. أما
نحن أنفسنا فلم نكن هناك. ولا يمكن أن نعرف ماذا كان يشبه، وما قال وفعل، من
خلال ما كتبه مؤرخو ذلك الزمان من غير المؤمنين به
|
|
. فهؤلاء يخبروننا فقط أن نبياً يهودياً يدعى يسوع عاش ونادي برسالته وتشاجر
مع السلطات فنفذ فيه حكم الإعدام. وقد يذكر واحد أو اثنان شيئاً عن معرفتهم
بقيامته. وهذا كل شئ. لذا علينا أن نفتح كتاب العهد الجديد إذا أردنا معرفة
الإعلان الذي قدمه يسوع المسيح، فإننا هناك نجده
|
|
. لا ينبغي أن نأسف لأن تكون معرفتنا ليسوع المسيح مؤسسة علي كتاب، فيسوع في
الحقيقة قصد ذلك.فلم يكتب يسوع شيئاً إلا مرة واحدة على الرمل ! لقد تكلم ،
ولقد عاش . هذا كل شئ ، وهذا أمر على جانب من الأهمية . أنظر إلى سقراط
الفيلسوف اليوناني وإلى تلميذه افلاطون . إن سقراط ، أيضاً ، لم يكتب شيئاً ،
وافلاطون هو الذي دون تعاليم معلمه . ونحن ندرس الآن مؤلفات افلاطون ، ولكننا
نهتم بشخصية سقراط
|
|
. والأمر ينطبق على يسوع وبصورة خاصة في أصل البشرى الإنجيلية ، حيث نجد يسوع
وشخصه . فلو كان قد ترك كتباً ، لكنا عددناه معلم حكمة فقط . ولكن ، لأنه عاش
عيشة بسيطة وتامة ، فنحن نُحال إلى شخصه هو . فالذي أثر في تلاميذه هو هذا
الشخص وما فيه من سر
|
|
كتاب يسوع المقدس
|
|
. لقد كان على رأس اهتمامات يسوع المسيح ، أن يختار رسله ويدربهم. وهذه
المجموعة من الرسل التي عاشت معه كان عليها أن تحفظ تعاليمه وتنشرها. وتأسست
الكنيسة علي تعليم الرسل. وما العهد الجديد سوى سجل لما علموا. إنه مجموعة من
الكتب التي قبلتها الكنيسة الباكرة علي أنها كتبت علي يد الرسل أنفسهم أو بيد
زملائهم الأقربين ، فهي لذلك تبرز الإيمان الرسولي القويم
|
|
. إذا أردنا معرفة يسوع وتعاليمه فعلينا الرجوع إلي العهد الجديد إلي شهادة
أولئك الذين اختارهم يسوع بنفسه وأوكل إليهم أن ينقلوا تعاليمه. وفي سبيل ذلك
أرسل هو نفسه الروح القدس "ليرشدهم إلى كل الحق"
|
|
. إن كنا نقبل سلطة يسوع يمكننا عندئذ أن نقبل العهد الجديد كمصدر لمعرفتنا
به وبتعاليمه كلياً. ونحن أيضاً ملزمون بقبول العهد القديم، لأن يسوع نفسه،
ابن الله المتجسد، قبله ككلمة الله الموجهة للإنسان. فإن كان يسوع هو مرجعنا
الموثوق، فعلينا أن نفعل مثله
|
|
: نطق يسوع ببعض الأقوال المهمة حول العهد القديم
|
|
. "لا تظنوا أني جئت لأنقض بل لأكمل. فالحق أقول لكم إنه إلي أن تزول السماء
والأرض لا يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم الكل"
|
|
. "لا يمكن أن ينقض الكتاب"
|
|
. "ينبغي أن يتم كل ما كتب في ناموس موسى وفي الأنبياء والمزامير"
|
|
. ولقد أطلق يسوع أقسى أحكامه علي الذين حاولوا ترك وصايا الله الواضحة (في
شريعة العهد القديم) وحفظ تقاليد الناس، بغض النظر عما لهذه التقاليد من
احترام
|
|
. إن أحكام يسوع الدائم إلي العهد القديم في كثير من الحالات والظروف
المتنوعة أمر لافت للانتباه ، فقد أكثر من استعماله بعضاَ منه في تصريحاته
بين وقت وآخر. ففي مناظراته الجدلية يقتبس باستمرار من العهد القديم ليفحم
مقاوميه. وكان يفعل ذلك لا لمجرد أن يواجه الآخرين بسلاحهم، بل اعتمد العهد
القديم بالمقدار ذاته ليواجه الشيطان! حتى في نزاعه الأخير فوق الصليب نبس من
شفتيه آيات من العهد القديم
|
|
. إن أكثر اقتباسات يسوع من العهد القديم وردت في خطبه التعليمية إلي تلاميذه
، وذلك إما بشواهد واضحة منه أو بعدد لا يحصى من العبارات التي تنقل صداه،
بحيث أن بعض خطبه تبدو وكأنها رقعة مطرزة بكلمات العهد القديم وأفكاره. وأفضل
مثل هو نبوءة يسوع حول خراب أورشليم وعن مجيئه ثانية، فهذه الآيات مملوءة
بلغة العهد القديم. ففي ثلاث منها فقط يقتبس لا أقل من سبعة مواضع منه
|
|
إتمامه العهد القديم
|
|
. والمسألة ليست فقط مسألة لغة، بل هي في أن مضمون تعليم يسوع نراه يستند
بقوة إلي العهد القديم، فقواعد يسوع الأخلاقية الأساسية مستوحاة من شريعة
موسى. وإذا اختلف مع معاصريه حول القضايا الخلقية فذلك لأنه اتهمهم بأنهم
أخذوا وصايا العهد القديم بخفة وفهموها بسطحية
|
|
. وفوق ذلك كله، فإن تعليم يسوع عن دوره في مقاصد الله يعتمد كلياً علي
قناعته بأن عليه أن يتم ما جاء في العهد القديم. وتعليمه بعد قيامته، عندما
"بدأ من موسى وجميع الأنبياء يفسر لهما ما ورد في شأنه في جميع الكتب" كان
ذروة ما قام به لسنوات خلال خدمته
|
|
. وفي عدد من المواضع نطق يسوع بتصريحات مشددة عن أنه جاء ليتمم نبوات الكتاب
المقدس. لكن تصريحاته هذه ما هي سوى الظاهر من قناعته التي تقف خلف تعليمه عن
إرساليته. لقد جاء "ليتمم"، وكأن هناك إلهياً حيال ما كتب. "ينبغي" أن يتم
|
|
. إذاً المسيحي هو تابع لمن اعتبر العهد القديم كلمة الله الموثوق بها من غير
سؤال. لقد آمن يسوع بآيات العهد القديم وصادق علي تعاليمه، وأطاع وصاياه وكرس
نفسه ليتمم نموذج الفداء الذي يرسمه. فواضح أن من يدعو يسوع "رباً" وينظر
بخفة إلي العهد القديم، لا يكون علي وفاق مع من اعتبره إعلان الله الأسمى
|
|
. غني عن البيان أن جميع كتب العهد الجديد تؤيد تماماً نظرة يسوع إلي العهد
القديم. فالاقتباسات والتلميحات الكثيرة من العهد القديم في الجديد تظهر
اعتماداً مشابهاً لاعتماد يسوع عليه لتبيان شخصية الله ومقاصده. يقول كاتب
الرسالة إلي العبرانيين إن الله تكلم بالأنبياء، ويقول بولس لتيموثاوس "كل
الكتاب موحى به من الله". العهد القديم إذاً هو رسالة الله
|
|
. الأمر اللافت أن لا تمييز في العهد الجديد بين ما يقوله "الكتاب" وما يقوله
الله. فقد نسبت بعض الاقتباسات من القديم إلى الله مع أن الله لم يكن المتكلم
بحسب القرينة. وبالعكس، نسبت أقوال الله الواردة في نص العهد القديم إلي
"الكتاب". لقد شق يسوع الطريق في قبوله العهد القديم ككلمة الله وسار العهد
الجديد في إثره وإذا كنا نحن المسيحيين نضع أحكامنا أو تقاليدنا الموروثة فوق
الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد فإننا ننشق عن الرب ورسله، ونفصل أنفسنا
عن المصدر الأوحد لمعرفة الله
|
|
. وإليك هذا المثال بحسب البشير لوقا ( 24 : 13 - 34 ) كان تلميذان يعودان
يوم الفصح إلى بيتهما في عمواس ، وقد بردت همتهما بعدما جرى ما جرى ليسوع "
كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل …" . كان هذا الاعتراف ينم عن اختبار
ورجاء كُتبت لهما الخيبة ، لم يوجه يسوع إليهما أي توبيخ ، بل اتضح له أنهما
لا يزالان على رجاء العهد القديم . فجدد معهما قراءة الكتب المقدسة ، وإذا
بقلوبهم تضطرم وتستطيع أن تعرف ، عند كسر الخبز ، أن الذي كان يخاطبهما هو
الذي قام من بين الأموات
|
|
. قد يتفق لنا نحن أيضاً أن تخور عزائمنا . فالعهد القديم حاضر ليأخذ بيدنا
على جميع طرقنا البشرية ويعود بنا إلى ذلك الذي ينبئ به ، يسوع المسيح الرابط
بين العهدين ، ومحقق العهد القديم في نفسه
|
|
مواجهة الاعتراضات
|
|
. جاء معظم ما ورد في الكتاب المقدس في قالب تاريخي . ومن يرى فيه مجرد تاريخ
يفوته مغزاه الحقيقي. إنه تاريخ من وجهة نظر واحدة، تاريخ هادف. فروايات
الكتاب المقدس ما دونت لمجرد أنها حدثت، بل لأنها تعلن شيئاً عن الله ونشاطه
في العالم. من أجل ذلك يدعى أحياناً "تاريخ الخلاص"
|
|
تاريخ مميز
|
|
. إن هذا الاعتبار يغير زاوية الرواية. فالعالم المتخصص بالتاريخ العام قد
يتعجب أن تغطي حياة إبراهيم، ذلك البدوي العبراني القديم، أكثر من ثلاثة عشر
فصلاً، بينما الطاغية المتجبر عمري يذكر عنه الكتاب المقدس أقل من اثنتي عشرة
آية. وإننا لا نجد أي حفريات أثرية تأتي علي ذكر إبراهيم، غير أن قصته تتلاءم
تماماً مع ما هو معروف عن زمانه. لكن عمري طالت شهرته مدي أوسع وأبعد لأجيال
بعده. إن إبراهيم، كما جاء عنه في الكتاب المقدس، هو مؤسس إسرائيل، ومختار
الله، ورجل الإيمان، وقابل المواعيد الإلهية، وشخصية في غاية الأهمية بالنسبة
إلي اليهود والمسيحيين. أما عمري مؤسس مدينة السامرة فكان شريراً، لذلك يغفله
الكتاب. فبقدر ما كان إعلان الله عن ذاته يتكشف وعمله الخلاصي يتقدم، كان
الناس والأحداث ينالون نسباً متفاوتة من الذكر في التاريخ
|
|
. من السهل ملاحظة بعض المعضلات التاريخية في الكتاب المقدس، لكن البحث
المتأني حل تباعاً الكثير منها. إن سبب التناقضات الظاهرية بين أجزاء الكتاب
المختلفة يرجع أحياناً إلى ندرة التفاصيل، فيجب ألا ننقض بتسرع علي تلك
التناقضات وكأنها غنائم
|
|
. على سبيل الإيضاح، يوجد في أعمال الرسل ورسالة غلاطية إشارات إلى الزيارات
التي قام بها بولس في أورشليم. لكن من الصعوبة بمكان ملاءمة هذه الزيارات في
بيان متواز. على أية حال، ما كان القصد في سفر أعمال الرسل تقديم تقرير كامل
عن نشاطات بولس، ولربما زار أورشليم في مناسبات أخرى لم يرد ذكرها
|
|
. أيضاً هناك أحياناً تناقضات بين رواية وردت في الكتاب المقدس ورواية للقصة
ذاتها في سجل آخر قديم. ومما يثير الاستغراب إن الذين يشككون في مصداقية
الكتاب المقدس يبدون أحياناً مؤمنين أشد الإيمان بمصداقية السجلات الأخرى
القديمة! لذا علينا أولاً التأكد من أن السجلات الأخرى موثوق بها، وثانياً،
أن نتذكر ندرة الأدلة الكاملة التي لدينا من الماضي البعيد. يوضح ذلك الجدل
القائم حول سفر دانيال. إذ لا يمكن أن يطرح داريوس جانباً كما لو أنه شخصية
"غير تاريخية". نعم، هناك معضلات، لكن هناك أيضاَ حلول ممكنة لها
|
|
مصاعب حيال الأرقام
|
|
. تبرز صعوبة في مناسبات مختلفة متعلقة بالأرقام الواردة في الكتاب المقدس.
فهنا نجد المخطوطات نفسها تتنوع في الأرقام التي توردها.وهنا يجب ألا ننسى أن
حروف الأبجدية العبرانية (بعد السبي علي الأقل) والحروف اليونانية كانت
رموزاً رقمية. ومن السهل التسبب في أخطاء رقمية للتشابه القائم بين بعض
الأحرف. وأيضاَ ثمة مناهج مختلفة للحساب كانوا يعتمدونها، فقد تعتمد الشمس
لتحديد السنة أو تعتمد مدة حكم الملوك. كذلك الحساب الضمني، فمثلاً كانوا
يحسبون من ظهر الأحد إلى ظهر الأحد التالي ثمانية أيام عوضاً عن سبعة، لأن
الأيام الثمانية متضمنة، مع أن اليوم الأول والآخر غير كاملين. هنا أيضاً ثمة
معضلات. لكن بعض التقدم في حلها أمر ممكن
|
|
. ثمة اعتراض يسمع تكراراً في عصرنا، يقول: من جهة الشكل الأدبي لا يجدي
البحث في مسألة كون التاريخ في الكتاب المقدس صحيحاً أو لا. لأن المهم ليس
حقيقة الحدث بل معناه. وهذه النظرة هي الطرف النقيض للقول إن الكتاب المقدس
"مجرد" تاريخ بل "أساطير" – وهذه العبارة تستعمل بمعان متعددة وعرف عنها
صعوبة تحديدها بدقة
|
|
ولكن ترى ما هو المقصود من الكلمة " أسطورة " ؟ ، تظهر لنا الأساطير القديمة
بمظهر قصص تعرض أمامنا آلهة أو إلاهات أو أبطالاً قدماء . قد نرتبك عند
القراءة الأولى ، ولكننا لا نلبث أن نستسلم للقراءة ، لشعورنا بأن المواضيع
التي تتناولها هي المسائل الكبرى التي نحملها في أنفسنا : من أين أتى العالم
؟ لماذا الألم والموت ؟ لماذا يتجاذب الجنسان ؟ ما هي صلة الإنسان بالإله ؟
|
|
. ولكن ، بدلاً من أن تعالج هذه المسائل في كتب علمية عويصة كما نفعل في
أيامنا ، كانت الأساطير تؤدي هذه الخدمة " بأشرطة مرسومة "
|
|
. إليكم مثلاً عصرياً ، هو انتخاب ملكة جمال العالم . ففي عصر لم يعد للملكية
وجود تقريباً ، ننتخب ملكة تحيط بها وصيفاتها . وهذه الملكة تتوج وتنال هدايا
رائعة … كل ذلك يسهم في وضع هذا الانتخاب في عالم آخر ، عالم الأحلام ، عالم
غير حقيقي . ولكن ذلك يعبر عن رغبة كل امرأة في أن تكون جميلة وغنية وفي أن
توفق ، وعن رغبة كل رجل في أن ينظر بإعجاب إلى جمال المرأة . ولكن هناك خطر ،
فقد يفقد الإنسان حريته أمام هذه الأسطورة ولا يعود هو هو . فنرى ، على سبيل
المثال ، فتيات يقلدن تسريحة ملكة جمال العالم ، أو يحاولن أن يكون لهن ما
لملكة جمال العالم من قياسات ، مع أن ذلك لا يناسب نوع جمالهن
|
|
. فإن أردنا أن نبسط الأمور إلى أبعد حد ، نستطيع أن نقول : الغاية من
الأسطورة ، أن نتناول مسألة كبرى من التي نحملها في أنفسنا ، وأن نرسل صورتها
، في شكل قصة إلى عالم غير حقيقي ، في زمن يسبق الزمن ، زمن الآلهة ، حيث لم
يكن للإنسان من وجود . هذه القصة عن الآلهة هي قصتنا ، ولكن بعد نقلها من وضع
إلى وضع جديد ، فتصبح نموذجاً يجب على الإنسان أن يقلده
|
|
. يتساءل الإنسان ، على سبيل المثال ، ما يعني التجاذب بين الجنسين ، أو كيف
يحصل على الخصوبة ؟ فيتصور عالماً ، خارجاً عن الزمن ، كان الآلهة والإلهات
يحبون فيه بعضهم بعضاً ويتزاوجون ويولدون . وإن كانوا خصبين ، تكون أرضنا
ومواشينا خصبة أيضاً ، بما أن هؤلاء الآلهة سوى نقل خيالي لوجودنا . فلا بد
من إكراههم على الإخصاب . فالرتب تهدف إلى إكراههم على التزاوج . والاقتران
بالبغايا المقدسة في بابل أو في المشارف الكنعانية لم يكن نوعاً من القصوف ،
بل كان رتبة دينية تبعث على خصوبة الأرض
|
|
. فكل هذه القصص الأسطورية هي في غاية الجدية ، إنها تفكير البشرية الأول .
فلا عجب أن يكون الكتاب المقدس قد تبنى هذا المنهج للتعبير عن تفكيره الخاص ،
ولكنه قد حوله تحويلاً عميقاً . فالكتاب المقدس ، باستلهامه من هذه الأساطير
الكبرى ، ولا سيما في روايات خلق العالم ، يعيد التفكير فيها وفقاً لإيمانه
بإله واحد يتدخل في تاريخنا ويريد أن يكون الإنسان حراً
|
|
. السؤال الأول الذي يجب معالجته هو: ماذا كان قصد الذين دونوا الوحي؟ هل
رغبوا أن يفهم كلامهم كتاريخ أم كأسطورة؟ من الواضح أن قصص العجائب في الكتاب
المقدس دونت بالدقة التاريخية نفسها التي دونت بها بقية الأحداث
|
|
. السؤال الثاني استطراداً هو: هل نقبل هذه القصص كتاريخ أم كأسطورة؟ في
الحالة الثانية علينا أن ننزع القالب الأسطوري الذي وضعت فيه القصة. بكلمة
أخرى علينا أن نفترض أن المعجزة لم تحدث فعلاً كمعجزة، لكن ثمة حقيقة روحية
مدخرة في قصة المعجزة تحت قالب رمزي
|
|
. إن أساس هذه المقولة هو اعتبار بعضهم أن الكتاب المقدس وضع في عصر لا علمي،
فيه اعتقد البشر أن الكون مؤلف من "ثلاث طبقات"، وله إله يتدخل في كل شاردة
وواردة باستمرار، أما اليوم في عصرنا العلمي المدرك، فنعرف أن فكرتهم عن
العالم خطأ كلي. إذاً يفترض أن تتلاءم المعجزات مع نظرة العالم القديم
اللاعلمية، لا مع النظرة العلمية لعصرنا. فيدعى اليوم أن العالم يعمل وفق نظم
الطبيعة، لذا لا نحتاج إلي أن نزج الله في أمور الكون لنفهم أحداثه. لكن هذه
النظرة العلمية تجاوزها الزمن. فالعلم، أو بالأحرى العلماء، ما عادوا ينظرون
إلى نظم الطبيعة بتلك النظرة الصلبة. لأن النظم ما هي سوى وصف للظواهر التي
تحدث عادة. فإذا كانت النظم لا تفسر كل ما يحدث فيجب أن تعدل. فإذا كان بعض
العلماء يرفض المعجزات، فإن العلم كعلم لا يلغيها
|
|
. كنا نعالج موضوع التاريخ. والسؤال حول حقيقة وقوع المعجزات يقع في نطاق
التاريخ لا العلم. والتاريخ يعني بما حدث، وبعد ذلك يحاول تعليله. أما العلم
فيجمع المعلومات المتعلقة بالحدث، ويحاول أن ينظم تلك المعلومات
|
|
. إن المعجزة الكبرى في الكتاب المقدس هي قيامة يسوع من بين الأموات. بعضهم
يقول إن الكون ثابت في نظمه بحيث لا يمكن أن يحدث قيامة من الموت. وقد يسندون
دعواهم إلي "العلم". لكن من خلال نظرة تعليل تاريخية للقيامة، فإن السؤال عن
النور الذي يلقيه حدث القيامة علي طبيعة الكون هو أكثر علمية من دعواهم. لكن
بكلمة أخرى، العلم لا يدحض القيامة: القيامة حقيقة يجب أن يأخذها العلم بعين
الاعتبار. وما قلناه عن القيامة يمكن أن يقال عن المعجزات كافة
|
|
: طبعاً ثمة اعتراضات هنا يجب الرد عليها، إذا كانت المعجزات دائمة الحدوث
فلا يكون نظام في الكون، وبلا ثبات في نظم الطبيعة نضيع. أكثر من ذلك، إذا
تدخل الله دائماً في الطبيعة لينقذنا من المصاعب والأخطار، لا نتعلم إطلاقاً،
ولا نصبح شخصيات مسؤولة. على كل حال لا يقدم الكتاب المقدس لنا معجزة في كل
صفحة. أنه يتناول أحداثاً تمتد ألفين من السنين، غير أن معظم المعجزات تتجمع
في سير بعض الشخصيات والأحداث
|
|
. موسى ونشوء أمة إسرائيل
|
|
. إيليا وأليشع وسلسلة من الأنبياء الذين دعوا الأمة للرجوع إلي الله وعهده
|
|
. يسوع إعلان الله النهائي، والخلاص الذي أعلنه، ثم رسل يسوع وتأسيس الكنيسة
المسيحية
|
|
. هكذا نرى أن المعجزات في معظمها حدثت في هذه الفترات الثلاث المنفصلة ويجب
أن نراها في إطار المشهد بكامله
|
|
أوصاف تكاملية
|
|
. في العلوم الحديثة لا يمكن دائماً إيجاد نظرية واحدة تعلل أو تصف كل وجه من
أوجه حدث ما. فمن الضروري ،أحياناً ، وجود نظريتين أو أكثر، لا كبدائل، بل
كوحدة متكاملة. فالنور مثلاُ يوصف بعبارات مثل موجات وذرات. فأي واحدة من
هاتين العبارتين غير كافية، فكلاهما ضروري. فالوصف أحياناً يحتاج إلي عدد من
مختلف مستويات التفسير
|
|
. فعندما يبحث عالم في "معجزة"، قد يجد لها تفسيراً "طبيعياً" أو لا يجد. هذه
هي وظيفة العلم. إن وصف عبور البحر الأحمر في الكتاب المقدس يأتي علي ذكر ريح
شديدة. هذا هو التفسير الطبيعي. لكن الرواية ذاتها تنسب هذا الحدث إلى الله.
هنا مستويان من الوصف كلاهما حقيقي. أحدهما يصف الكيفية والآخر السبب. نسبة
الحدث إلي الله تقدم السبب الأسمى لحدوثه وتعطيه معنى. والتفسير الذي يقدمه
العلم للحدث (حيث يمكن ذلك) يوضح "كيف" فعل الله ذلك
|
|
. لا يفصل الكتاب المقدس بين المعجزات والأحداث الأخرى بالحدة نفسها التي
نميل نحن إليها في تفكيرنا. لأن الأحداث العادية وغير العادية جميعاً تنسب
إلى الله. الله هو الفاعل في كل الطبيعة، وليس فقط في المعجزات إذ ليست هذه
سوى وسيلته غير العادية للعمل
|
|
. على المستوى الفلسفي هناك اعتراض آخر لا يقبل اعتبار المعجزات صحيحة
تاريخياً، مفترضاً أن المقولة الدينية يجب ألا تدمج بالمقولة التاريخية. يريد
المعترضون القول إن العبارة :"أقام الله يسوع من الموت"، هي صحيحة "دينياً"
ولها معنى روحي، لكن علي المستوى التاريخي، فيسوع مات ولا يزال في القبر. لأن
القول بأن يسوع قام بالجسد وعاد إلى الحياة "يخلط بين المقولتين". لكن ما هما
هاتان المقولتان، ومن أين أتتا؟ إنهما موجودتان فقط في فكر مخترعهما، إذ لا
يمكن إثباتهما أو دحضهما. بل ثمة ما هو أخطر من ذلك. لأن قبول هاتين
المقولتين يستتبعه القول إن يسوع لم يقم من الموت، بالمعنى العادي للكلمة.
وعليه ترفض حقيقة القيامة بغض النظر عن البراهين التاريخية القوية التي
تؤيدها، ويجري البحث عن تعليل آخر
|
|
. هذا الاعتراض الفلسفي مماثل للاعتراض العلمي المزعوم القائل بأن المعجزات
مستحيلة الحدوث في العالم والكون. وفي كليهما الاعتراض مفترض كونه صحيحاً من
دون ثبات، وقبل أخذ البراهين المؤيدة للمعجزات في الحسبان. بل أنه تلقائياً
يهمل أياً من "البراهين"
|
|
إن هذا النموذج جيد للقول: يعرف الجواب قبل سماع السؤال! أما نحن فنسأل
المعترضين سؤالاً واحداً ليس إلا: أي نوع من البراهين تطلبون لتقتنعوا بأن
المعجزات حدثت فعلاً؟
|
|
تبرز معضلة مماثلة في بداية الكتاب المقدس عند الكلام عن الخليقة. بعضهم يهمل
هذه الروايات معتبراً إياها أساطير خرافية بالمعنى الذي يطلق عادة علي قصص
العجائز. وبعضهم يعتبرها أساطير، بمعنى أنها تتضمن في طياتها حقيقة معينة، مع
أنها حرفياً وتاريخياً ليست قصصاً حقيقية. إذا كانت الحال كذلك، فبأي معنى
تكون هذه القصص حقيقية؟ وما هو المغزى الأساسي في هذه الروايات؟
|
|
. باسم العلم يطلقون الاعتراضات علي روايات الخليقة. لذلك يمكن أن يدهشنا
اكتشاف كم هو قليل في اعتراضاتهم ذلك الذي يمس العلم مساَ وثيقاً. فالكتاب
المقدس يعلن بجرأة أن الله هو خالق الكل – الكون والإنسان وسائر الأشياء.
لكنه لا يخبرنا كيف فعل ذلك. وقول الكتاب إن الله صنع الإنسان من تراب الأرض،
يعلن لنا شيئاً عن طبيعة الإنسان المخلوق، بالمقارنة مع الله الخالق. فنحن
مجرد تراب، ونحيا فقط لأن الله أعطانا الحياة. لذا ، وبمعزل عن الله لا معنى
لحياتنا. لكن كيف صنع الله الإنسان من التراب؟ هذا سؤال علمي. وهنا نلتفت إلى
العلم، لا إلى الكتاب المقدس، من أجل جواب أو اقتراح جواب. لن نكتفي بنظرية
لا توفي نظرة الكتاب المقدس إلي طبيعة الإنسان حقها، وفي الوقت ذاته علينا أن
نتأكد من كوننا فهمنا حقاً نظرة الكتاب المقدس، لا أن نكون قرأنا في سطوره
مجرد أفكارنا
|
|
صحة العهد القديم
|
|
يرفض بعض الناس العهد القديم، جزئياً أو كلياً، بدعوى أنه كتاب غير مسيحي، أو
دون المستوى المسيحي. وهذا ليس بجديد. أولاً نظرة المسيحي إلى العهد القديم
يجب أن تكون مماثلة لنظرة يسوع إليه، فهو قد قبل سلطته وصحته. السؤال هو: هل
قدم المسيح والمسيحية فكرة جديدة عن الله أكثر صحة بحيث أبطلت الصورة التي
يقدمها العهد القديم عنه؟
|
|
. من بعض الأوجه لم يعد العهد القديم ساري المفعول اليوم. فالذبائح لم تعد
ضرورية، لأن المسيح قدم نفسه ذبيحة نهائية، مرة وإلى الأبد. وأبطلت سائر
الشرائع اليهودية الخاصة بالاحتفالات الطقسية كذلك. لكن هذا لا يعني وجوب
إشاحة النظر نهائياً عن شعائر العهد القديم، إذ إنها تعلن حقيقة دائمة تتناول
طبيعة الله وعلاقة الإنسان به. إن التعليم يبقى ذاته، لكن تفوق الناحية
العملية أكمل بفضل المسيح. الله قدوس ويبقى
|
|
. إن أجزاء العهد القديم التي تسبب أشد النفور هي التي تصور الله إلهاً
غضوباً ودياناً. يعترضون بالقول إن هذه الصورة هي صورة بدائية عن الله تبتعد
كلياً من إعلان العهد الجديد عن أن الله محبة. لكن ليس من تناقض في الأساس
بين العهدين. ففي القديم الكثير عن محبة الله وغفرانه، وفي الجديد الكثير عن
غضبه العادل ودينونته. بالأحرى أشد الكلمات قسوة خرجت من شفتي يسوع نفسه.
فالذين يرفضون صورة العهد القديم عن الله مجبرون علي رفض أجزاء من الجديد
أيضاَ. إن أي حديث عن دينونة الله وعدالته وسخطه علي الشر لا يقبل بسرور
وبخاصة في هذا العصر المتساهل. بيد أن هذا لا يقلل من حقيقة الأمر
|
|
. وهناك اعتراض أخير على النظرة المسيحية تجاه الكتاب المقدس يقول إنها تتجنب
وتتجاهل الفكر البشري، وتجعل الناس مجرد آلات. لقد كتب المدونون ما قاله الله
بطريقة آلية، فلا حاجة للقراء بأن يفكروا، لأن كل بنود الحق معروضة علي لوح.
غير أن هذا الاعتراض يكشف عن إساءة فهم جذرية. فمع أن الكتاب المقدس يدعي
لنفسه أن الله نطق مباشرة بالأنبياء، وهيمن عليهم بحيث قالوا ما يريدهم أن
يقولوه، فإنه واضح أيضاً أن الأنبياء استخدموا قواهم العقلية في تدوينه. أن
شخصياتهم المختلفة تبرز في أساليب الكتابة المختلفة وفي معالجتهم المختلفة
لموضوعات كتاباتهم.
(راجع المقالة: ميزة الكتاب المقدس)
|
|
. يتبع ذلك واجب المسيحي في أن ينعم فكره لينال كلمة الله. فعليه أن يقرأ بجد
مقارناً الحقائق الواردة بعضها ببعض مستخدماً كل المساعدات الممكنة. فضلاً عن
حاجته لطلب إرشاد الروح القدس، الذي بوحي منه كتبت الأسفار المقدسة، فيعينه
علي فهم معانيها. إن واجب التكريس لله فكراً وكياناً أمر يشترك فيه الذين
يقرءون الكتاب مع الذين كتبوه. من سمات الكتاب المميزة أنه يحتوي ما يكفي
ليشغل أذكى العقول مدى العمر وفي الوقت ذاته يمكن لأبسط البشر قراءته وفهمه.
ومن يقرأ الكتاب المقدس بقلب راغب في الطاعة، يجد الله بذاته
|