|
" هل تفهم ما تقرأ ؟ " - "كيف لي ذلك ، إن لم يرشدني أحد ؟"
|
|
. إن هذا الحوار القصير الذي نسبه لوقا إلى فيلبس والخصي الحبشي ( أعمال
الرسل 8 : 3. ) يبين ما هو الهدف من هذه المقالات إنها محاولة أن تكون دليل
إلى قراءة الكتاب المقدس
|
|
. يمكن أن يقرأ الكتاب المقدس ككتاب أدب رفيع، أو كتاريخ لبني إسرائيل، أو
كمرجع للمعلومات اللاهوتية. لكن ليس واحدة من هذه توفي القصد من الكتاب حقه
كما يعلنه مدونو الوحي أنفسهم، كما أنها لا توفي حق قارئي الكتاب المقدس
واختيارهم المتراكم مدى القرون
|
|
. عندما قرأ عزرا الكاتب من شريعة موسى في أورشليم أمام أفراد الشعب العائد
من السبي، "فهموا القراءة"، بل "بكوا عندما سمعوا كلام الشريعة"، و "ابتهجوا
للغاية". ثم عادوا في اليوم التالي لينصبوا خياماً لأجل عيد المظال، إطاعة
لما تنص عليه الشريعة. إن سماعهم الشريعة وفهمهم لها حرك مشاعرهم ليعملوا
بمقتضاها
|
|
. بعد عزرا بقرون وصف ج.ب. فيلبس اختباراً مماثلاً حدث معه وهو يترجم العهد
الجديد، قال: مع أني حاولت جهدي أن أحافظ علي مسافة عازلة عاطفياً بيني وبين
الإنجيل والرسائل التي أترجمها، وجدت تكراراً أنها تتكلم بطريقة عجيبة إلي
وتعالج حاجاتي وأوضاعي، أنها الكلمة الحية الباقية
|
|
. هذا التأثر بالكلمة يعكس بدقة الاستعارات المجازية الحية التي نجدها في
الكتاب المقدس والتي استعملها الذين دونوا الوحي لوصف تأثير كلمة الله فيهم.
إنها نار تحرق، ومطرقة تحطم، وماء يطهر، ولبن يغذي، وطعام يقوي، ونور يرشد،
وسيف للمكافحة، ومرآة تكشف. إنها الكلمة "العاملة فيكم أنتم المؤمنين"،
"القادرة أن تبنيكم". إنها الكلمة "الحية والفعالة والخارقة والمميزة"
|
|
. كل هذا يعني أن من يقرأ الكتاب المقدس بعين واحدة فقط قد لا يقدر القصد
الأولى منه، الذي هو عملي ودينامي، حق قدره. إن قصد الكتاب هو عمل تغيير في
حياة قارئه، كذلك جذب حسه الجمالي وتزويده بالمعرفة التاريخية واللاهوتية. إن
الفجوات الحضارية الكبيرة التي تفصل أزمنة الكتاب المقدس عن زمننا الحاضر
تجعل هذا القصد هاماً للغاية
|
|
يبرر الكتاب المقدس إدعاءه بوثوق صلته بالحاضر بأمرين:
|
|
. الأول، معالجته العوامل الثابتة في الطبيعة البشرية. فإن الرجال والنساء
الذين نقرأ عنهم في الكتاب لهم مطامحهم وسقطاتهم المماثلة لما لنا. وحتى
الأبطال في الكتاب، تعرض سيرتهم في ضوء حق لا يحابى. قال أغسطينوس: السجل
المقدس، مرآة أمينة لا تمالق
|
|
. والثاني، حقائق الكتاب المقدس هي وثيقة الصلة بالحاضر أبدا، لأن الله ذاته
لا يتغير في طبيعته كما في معاملاته مع البشر. فقارئ الكتاب يكتشف حقائق
أساسية عن الله، ويراها جلية بالأحداث التي تمر في حياة شعبه، الأمر الذي
يكشف شخصيته ويوضح إرادته لكل الناس في كل العصور. هكذا نري أن ما كتب حتى عن
أحداث الماضي البعيد "كتب من أجل تعليمنا"، بحيث إننا في الحاضر والمستقبل
"نحصل علي الرجاء بما في الكتب من عزاء
|
|
الكتاب المقدس إذاً يحتفظ بتأثيره في عصرنا الحاضر، فما هي الغايات العملية
التي يهدف إليها؟
|
|
إنه يدل الناس علي يسوع
|
|
. إن الغاية من إنجيل يوحنا واضحة :"آيات أخر كثيرة صنع يسوع أمام التلاميذ
لم تكتب في هذا الكتاب، وأما هذه فكتبت لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله
ولكي تكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه"
|
|
. كان ليوحنا في كتابه غاية صريحة يروج لها – التركيز علي يسوع المسيح – فهذا
التلميذ كان أميناً للأسلوب الفريد الذي جمع معلمه فيه غاية كل الكتاب
المقدس، عندما قال راداً علي منتقديه :"أنتم تفتشون الكتب لأنكم تحسبون إن
لكم فيها الحياة الأبدية، وهي التي تشهد لي، لو كنتم تصدقون موسى لكنتم
تصدقونني لأنه كتب عني"
|
|
. لا عجب في أن يكون التلاميذ بطئ الفهم لعمق معنى هذا الكلام. فيسوع اضطر
بعد القيامة إلي توبيخهم علي خمول فكرهم قبل أن يبين لهم مرة أخرى وبكل وضوح
كيف أن رسالة الكتاب المقدس بكاملها تدور حوله، "فابتدأ من موسى ومن جميع
الأنبياء يفسر لهم الأمور المختصة به في جميع الكتب". ويتابع لوقا أن يسوع
أعار اهتماماً خاصاً تلك المقاطع في العهد القديم التي تتحدث عن موته
وقيامته، وأشار إليها كحافز على التوبة وكأساس لمغفرة الخطايا. كان يسوع راسخ
الاعتقاد بأن الهدف الأساسي للكتاب المقدس (العهد القديم) هو إرشاد الناس إلى
شخصه. وهذا يعني عملياً، بشهادة يوحنا ولوقا، أن كل إنسان يمكنه بالتوبة
والإيمان أن يجد الغفران والحياة التي جاء يسوع ومات وقام لكي يمنحها للجميع
|
|
. وأظهر الرسل بوعظهم وكتاباتهم أنهم أخيراً أدركوا فكر يسوع عن أن الهدف
الأساسي العملي للكتاب المقدس هو جذب الناس إليه فهو مخلصهم. فيقول بطرس :"له
يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا"
|
|
. ويناشد يعقوب قارئيه :"اقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص
نفوسكم". ويذكر بولس تيموثاوس، "وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة
القادرة أن تصيرك حكيماً فتخلص بالإيمان الذي في المسيح يسوع"
|
|
إنه ينشئ لنا علاقة بالله
|
|
. قال مارتن لوثر: كما تذهب الأم إلى المهد لتجد طفلها فقط، هكذا نذهب إلى
الكتاب المقدس لنجد المسيح فقط. إن غاية الكتاب المقدس الأولى هي قيادة
النفوس إلي مخلصها بتحريك براعم الإيمان. غير أن هذا ليس المهمة العملية
الوحيدة التي يهدف إلي تحقيقها. فكاتب الرسالة إلى العبرانيين وبطرس يستعملان
تشبيه الولادة والنمو لتوضيح غاية أبعد للكتاب المقدس. إن المؤمنين بيسوع
مخلصاً "ولدوا ثانية … بكلمة الله الحية الباقية"، لكنهم مثل جميع الأطفال
المولودين حديثاً، ينبغي "أن يشتهوا لبن الكلمة العقلي العديم الغش". لكي
يبقوا أحياء وينموا. وإذا تجاوزوا مرحلة الطفولة عليهم بالطعام القوي الذي هو
أيضاَ كلمة الله
|
|
. عملية النمو هذه هي، فوق كل شئ، بلوغ في علاقتنا بالله. فمهمة الكتاب
المقدس تغذية معرفتنا الشخصية بالله، الأمر الذي يسر "الطفل" المسيحي. وكلمة
"سرور" تصف الحالة بدقة، لأن سرور المؤمن يبلغ الأوج بقدر ما يتعلم عن الله.
من أجل هذا ينبغي ألا يصبح درس الكتاب المقدس أمراً جافاً للمسيحي. فارميا
يهتف :"كان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي لأني دعيت باسمك يارب إله الجنود".
العلاقات الشخصية تترعرع بالأحاديث، والمسيحي، من خلال صفحات الكتاب المقدس،
يسمع الله يتحدث إليه، وهذا اختبار وصفه كاتب المزامير بالقول إنه "أحلى من
العسل"
|
|
. إن كان هذا يبدو وكأنه لغة رسالة حب، لا تتعجب لأن العلاقة التي يدعو الله
المؤمنين إليها هي علاقة محبة
|
|
. على أية حال، محبة الله لها متطلباتها الكثيرة. فمعرفة الله وإرادته التي
ينالها المؤمن من خلال قراءته الكتاب المقدس تدعوه إلي أن يتجاوب تجاوباً
جدياً لا مجال فيه للعاطفة. قال يسوع :"من يحبني يحفظ كلامي، وأبي يحبه،
وإليه نأتي وعنده نقيم … والكلمة التي تسمعونها هي ليست لي بل للآب الذي
أرسلني"
|
|
إنه يجهزنا للحرب الروحية
|
|
. طلب جدي كهذا مناسب لأن الإنسان عندما يصبح مسيحياً يجد نفسه جندياً يحارب
إلى جانب الله في معركة تدوم مدى العمر. فالمسيحي مدعو ليدافع عن إيمانه من
جهة ضد مقاومة عنيدة، ومن جهة أخرى لنشر إيمانه بين أصدقائه
|
|
. وفي كلتا العمليتين، دفاعاً وهجوماً، سلاحه الرئيس هو الكتاب المقدس. إنه
"سيف الروح" علي حد تعبير بولس، الذي بواسطته يقدر المؤمن علي مصارعة الأفكار
المعادية وشق طريق مستقيم لحق الله في الحصون الداخلية للإرادة البشرية
|
|
. يسوع نفسه وضع لنا مثالاً لاستعمال الكتاب المقدس بهذا الشكل العملي خلال
خدمته. فبعض الذين وجهوا إليه أسئلة، مثل معلم الشريعة الذي سأل عن أعظم
الوصايا، تأثروا وانجذبوا إليه بسبب تعليمه المؤسس علي الكتاب المقدس (مع أن
بعضهم، مثل الشاب الغني، لم يتجاوبوا إيجابياً). من جهة أخرى قاوم يسوع
بواسطة الكتاب المقدس التعاليم الخاطئة، في جداله مع أناس مثل الصدوقيين، كما
في مقاومته طلبات الشيطان الماكرة في البرية. لا قوة سحرية لكلمات الكتاب
المقدس في ذاتها، لكن لأن الكلمات هي تعبير عن أفكار، والأفكار تنتج أعمالاً،
فكلام الكتاب المقدس سلاح جبار للتأثير في قناعات الناس وتصرفاتهم. ويسوع
استعمل، في المعارك الكلامية والروحية التي خاضها، كلامه وكلام الكتاب
المقدس، وأرسل تلاميذه لينادوا بكليهما
|
|
. هذا يؤمن للمسيحي كل الحوافز التي يحتاج إليها ليملأ فكره بعقائد الكتاب
المقدس. فمثلاُ من دون إدراك لما يعلمه الكتاب المقدس بشأن الطبيعة البشرية،
يقف المسيحي أبكم أمام ادعاءات الفلسفة الإنسانية في القرن العشرين. وإن كان
معنى موت المسيح وقيامته مبهماً عنده، لا يأمل أن يقدم المسيح المخلص
للآخرين. من هنا تشديد الرسائل المتأخرة في العهد الجديد علي ضرورة أن يحفظ
حق الله كل من يرغب في خدمة المسيح بأمانة. "احفظ الوديعة الصالحة (حق الله
وتعاليمه) بالروح القدس الحال فينا"، قال بولس لتيموثاوس، ثم تابع: "وما
سمعته مني أمام شهود كثيرين أودعه أناساً أمناء أهلاً لأن يعلموا الآخرين"
|
|
إنه يرشد أعمالنا
|
|
. إن بولس في رسالته الأولى إلي تيموثاوس ركز علي أهمية مصاحبة الأعمال
الصحيحة للمبادئ الصحيحة. "فالمحاربة الحسنة" تقتضي التمسك "بالإيمان والضمير
الصالح". ولا يمكن إبدال الواحد بالآخر. فالانحراف عن السلوك الفاضل ينتج
حتماً تدهوراً في المعتقد الصحيح. لأن "رفض الضمير الصالح سفينة بعضهم تنكسر
من جهة الإيمان أيضاَ". هذا الموضوع أساسي في الكتاب المقدس
|
|
. ففي العهد القديم، أن عاموس المزارع، بفظاظته الريفية، ينتقد بقسوة أولئك
الذين يراعون المظاهر الدينية من دون القيام بأعمال صالحة مطابقة لها. ويعقوب
الصريح، مثيله في العهد الجديد، يشهر بالذين "يسمعون الكلمة ولا يعملون بها"،
ويشير يسوع إلى الموضوع نفسه في مثله عن البناء علي الصخر والرمل
|
|
. إن الضغوط نفسها التي تهدد بتشويش إيمان المسيحي يمكن أن تغريه نحو التحلل
الخلقي، بيد أن الكتاب المقدس، الذي يدعم خط الدفاع الرئيسي عند المسيحي ضد
التعاليم التي هي خطأ، هو أيضاً سلاح فعال ضد تجارب الخطيئة. يعرض الكتاب
المقدس، لسير شخصياته كما ينص بأوامر مباشرة، علي الفرق بين الخير
والشر.فالإنسان الذي يقيس تصرفاته بمقاييس الكتاب المقدس يفوز بشيئين
"التوبيخ" عندما يخطئ، "التهذيب" أو التأديب لإرجاعه إلى جادة الصواب
|
|
. ويغدو الكتاب المقدس معقل المسيحي الحصين تجاه الضعف الخلقي أيضاً، بتذكيره
دوماً أن قوة الله متاحة له لينتصر علي ضعفه (لأن الله هو العامل فيكم أن
"تريدوا" وأن "تعملوا" مسرته). إن الإنسان العارف مواعيد الكتاب المقدس وما
يدعيه ينال قوة تمكنه من عيش حياة لا يمكن الوصول إليها خلاف ذلك
|
|
. جاءت الوصايا الأدبية في الكتاب المقدس علي شكل مبادئ إرشادية عامة أكثر
منها أنظمة مفصلة دقيقة للتصرفات اليومية. وهي تتجاوز الأعمال الصحيحة لتصل
إلي الدوافع الصحيحة. وتطبيقها يختلف باختلاف الناس وظروفهم. يعرف الصلاح
بأنه كل ما يرضى الله عنه فالمسيحي ذو الضمير النقي هو المأخوذ كلياً بفعل ما
يرضيه تعالي. وكما قلنا فإن تغذية هذه العلاقة ورعايتها هي مهمة الكتاب
المقدس
|
|
. لم يدون الكتاب المقدس بشيفرة روحية سرية يلزم أن تفك لكي تفهم رسالته. إذا
قرئ الكتاب المقدس بفهم صحيح ، فإنه من الوضوح بحيث يفهمه أبسط مسيحي ويعيش
بموجبه، وهو من العمق بحيث يقضي أذكى العلماء أيام عمره في درسه. إن المؤهلات
الأساسية لدراسة الكتاب المقدس دراسة نافعة هي روحية أكثر منها عقلية
|
|
ومن بين الصفات التي يضعها الكتاب المقدس لفهمه، تقع التالية في منزله خاصة:
عزم إرادي على الطاعة
|
|
. قال يسوع :"إن شاء أحد أن يصنع مشيئة الله يعرف التعليم هل هو من الله أم
أنا أتكلم من عندي". هذا مطلب أساسي ليكون لتعليم الكتاب المقدس تأثيره
الكامل في الحياة. لقد قيل: لا يمكن للقارئ أن يدرك كل معاني الكتاب المقدس
إذا كان يرفض أن يكون للكتاب المقدس سلطان عليه
|
|
الاجتهاد
|
|
. ورد في الكتاب المقدس كلمات تستدعي منا بذل الجهد الدؤوب في دراسته مثل:
التفتيش، والتأمل، والفحص، لكي يتم الحصول علي أقصى فائدة منه. "فاجتهد أن
تكون لدى الله رجلاً مختبراً، عاملاً لا يؤاخذه أحد، مفصلاً كلمة الحق
باستقامة"
|
|
الصبر
|
|
. إن نوال المواعيد المذكورة في الكتاب المقدس يتم "بالإيمان وطول الأناة".
لذا علي المسيحي أن يثق بكلمة الله ويصبر فيجتاز فترات تشوش الذهن والارتباك
بسلام
|
|
المثابرة
|
|
. قال يسوع واعداً ومنذراً :"من له سيعطي، ومن ليس له يؤخذ منه". وهذا الكلام
جاء في صدد سماع كلمة الله. فمن يثابر علي الدرس تنفتح له أبواب كنوز الكتاب
المقدس أكثر فأكثر
|
|
الانقياد للروح القدس
|
|
. عندما قابل يسوع تلاميذه بعد القيامة "فتح آذانهم لكي يفهموا الكتب"، بربطه
ما يقرءون في الكتب المقدسة بالأمور الجارية حولهم. إن من يقرأ الكتاب المقدس
يحصل علي فكر المسيح بعون الروح القدس، وهذا يمكنه من تطبيق التعاليم التي
قدمت منذ قرون علي الحياة المعاصرة
|
|
. يستحيل تقديم ملخص أفضل مما قدمه الرسول بولس عن دور الكتاب المقدس
وفعاليته العملية والتعبدية، حيث قال: "الكتب المقدسة التي تعرفها منذ نعومة
أظافرك تمنحك الحكمة لتخلص بالإيمان بيسوع المسيح كل الكتاب موحى به من الله
ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر، لكي يكون رجل الله
كاملاً متأهباً للقيام بكل عمل صالح"
|
|
. خلق الله الكون، وهو يمده بأسباب البقاء، كما يعتني بالجنس البشري، وقد
أعطانا الكتاب المقدس دليلاً لحياتنا. يدلنا الكتاب المقدس كيف نتصرف تجاه
الله والناس. وكما أن الله غير محصور في زمن محدد كذلك حكمة الكتاب المقدس هي
لكل الأزمنة
|
|
. والكتاب المقدس لا يناسب الأفراد فقط، بل المجتمع أيضاَ. فالمسيحية ليست
مجرد سلوك فردي خاص وعبادة في الكنائس. إنها نظام عالمي ينافس الأنظمة
العالمية الأخرى، وتبرهن بالحجة إنها أعلى من أن تكون علي قدم المساواة مع
الماركسية، والوجودية، والقومية، والرأسمالية. إن كلاً من هذه الأنظمة مؤسس
علي نظرته الخاصة للسلوك البشري، وجميعها لها مقاييسها الخلقية. أما المسيحي
فيعتقد أن التعليم المسيحي من حيث هو حق يوافق المجتمع ويفيده أكثر من أي
نظام آخر. فالكتاب المقدس يقدم لإنسان القرن العشرين الشيء الذي يبحث عنه
|
|
. لو كان الله غير موجود لما كان هناك شريعة إلهية. ولو أن الشريعة الإلهية
غير موجودة لتوجب علي البشر التوافق علي الصواب والخطأ. وإذا لم يتوافقوا،
فمن يفصل في الأمر؟ والنتيجة أن الطبقات الاجتماعية تصطرع والأمم تتحارب
والنزاع يتصاعد بسبب رفض سلطة من خارج تفصل في الصواب والخطأ
|
|
. يعلن الكتاب المقدس وجود نظام أخلاق من خارج معطى من الله لخير كل البشر.
وهم، ولاة أم عباد، مسؤولون أمامه، تعالى. فمقاييسه ملزمة لجميع الناس
|
|
أساس للعلم
|
|
. تدعي الفلسفات الأخرى ارتكازها علي العلم. لكن العلم نفسه يرتكز علي
التعليم المسيحي. إن ما أدى إلى تطور المناهج العلمية في القرن السابع عشر
كان الإيمان بأن الله إله نظام، وإله منطق، وإله أحكام ثابتة. والعلم يضل
طريقه أن ترك نقطة الارتكاز هذه. جعل بعضهم من العلم إلهاً، وكثيرون اليوم
يرفضونه بالكلية. نجاح العلم يكمن في العودة إلي الأساس: التعليم المسيحي
|
|
نظرة واقعية للإنسان
|
|
. الشر ظاهر بكل وضوح في عالمنا. لا الثقافة تستأصله ولا تحسين البيئة. ولم
تحقق الثورات أو تغيير الحكومات، في معظم الأحيان، غير استبدال مجموعة من
الشرور بأخرى. ويوضح الكتاب المقدس سبب ذلك. فالشر ليس مجرد أمر خارجي، بل هو
كامن في عمق كيان الإنسان. إن التمرد الأول علي الخالق ترك الطبيعة البشرية
تعاني الكثير من ميل وراثي دائم نحو الشر. وهذا الميل لا يقدر العقل علي
تغييره ولا القوة. ويعلم الكتاب المقدس أيضاَ أن الله زود البشر ببعض المصالح
المشتركة – الضمير، وإمكانية التمييز بين الخير والشر، وببعض المؤسسات
(العائلة، الدولة، الكنيسة) التي تشجع الصلاح وتعيق الشر
|
|
الإنسانية تستعاد
|
|
. المذهب العقلي الذي عم جميع الأوساط في هذا القرن، وتغلغل في الثقافة
والفلسفة، خفض قدر الإنسان فجعله حيواناً محكوماً بوجود لا معنى له يلاشي
بالموت. غير أن الإنسان يصرخ معترضاً ضد هذا الاعتبار، لأنه يشعر بوجود شئ
خارج صندوق الزمان والمكان الذي يجد نفسه فيه، فيأخذ يتلمس طريقه غريزياً
متتبعاً حقائق الإيمان المسيحي الذي يؤكد أن الإنسان ليس مجرد جسد إنما هو
نفس وروح أيضاً. ولا هو ذرة زائلة من كون هائل الحجم لكنه ذو شأن أبدي
|
|
. فائدة الكتاب المقدس لنا في جيلنا لا تقتصر على العموميات. إنه يمكننا من
فهم أنفسنا والعالم الذي نعيش فيه ومن تقويمه. وهو يزودنا بنظرة شاملة –
بفلسفة نحيا بموجبها. وفي الوقت نفسه يعالج ظروفاً وحالات عملية مثل أسلوب
الحياة أو نظام المجتمع الذي نعيش فيه
|
|
. معظم تعليم الكتاب المقدس مؤسس علي قصة الخليقة. وتضمنت الشريعة المبادئ
الأساسية ذاتها. وفي العهد الجديد أكد يسوع من جديد عليها
|
|
. انتهت الشريعة الطقسية الخاصة بالعهد القديم في الصليب، حيث أتمت غايتها.
كذلك الشريعة المدنية لإسرائيل كأمة، لا يمكن نقلها من الإطار التي جاءت فيه
وتعميمها كما هي، مع أن مبادئ كثيرة تحتويها هذه الشريعة لا تزال مناسبة
لمجتمعنا المعاصر. بيد أن الشريعة الأدبية في العهد القديم هي سارية المفعول
إلى الأبد. ربما يجبر الناس علي تغيير قوانينهم لكن الله لا يغير قانونه. هذه
الشريعة الأدبية تتضمن الوصايا العشر. ويسوع جاء لتمم الشريعة الأدبية لا
لينقضها. وأعلن معناها الأعمق في عظة الجبل وفي أقوال أخرى. ليس فعل الزنى
خطيئة فحسب، بل تكفي نظرة شهوة. لقد سترت الشريعة الأدبية بقشور الرياء
وفتاوى التحايل علي قوانين السلوك بين الناس. جاء المسيح وعزى الشريعة من
القشور وكشف التزامات الناس الأدبية بعضهم نحو بعض بكل جلاء. والشريعة
الأدبية المسيحية ليست سارية المفعول في كل زمان فحسب، بل هي أيضاَ تطبق علي
كل الناس. ومع أن الناس يجدون المقاييس المسيحية عالية، فإنهم يقرون بالصواب
والخطأ، بالخير والشر. إن الشريعة المسيحية تلقي تأييداً واسعاً لأسباب وجيهة
|
|
شريعة تحمي الضعيف
|
|
. إن أكثرية سكان العالم عرضة للاستغلال بشكل أو بآخر. وشريعة المسيح الخلقية
تحمي الناس من المظالم حيثما أخذ بها. إنها تحمي الضعيف من المتسلط، والفقير
من الغني وتنادي بحقوق المرأة والطفل، والأيتام والأرامل ضد كل إهمال
واستغلال
|
|
القصد من شريعة الربا في العهد القديم، مثلاُ، كان استعمال ثروة المحظوظ في
مساعدة الذين هم أقل حظاً ليتجاوزوا أزمة شديدة إلي أن يصبحوا مكتفين ذاتياً.
كذلك حماية المزارعين العائشين علي الكفاف المحتاجين إلي من يدعمهم لتمكنوا
من البقاء من موسم حصاد إلي آخر، وبخاصة إذا كان الموسم غير مغل. بلا شريعة
كهذه كان يمكن الغني من مطالبة الفقير بفدية أو تعويض باهظ يفوق طاقته فكان
هذا يضطره إلي بيع أرضه ليدفع التعويض. وهذه الشريعة ما كانت تمنع إقراض
المال بفائدة قانونية، لأن إقراض المدخرات الجامدة بقصد تشغيلها أمر حيوي
لتنمية الاقتصاد.
|
|
. هناك اتفاق عام علي أن الشريعة الخلقية تحمي الضعيف. فالنقابي يخشى، وسط
التنافس في النظام الرأسمالي، علي الضعيف من الإفلاس. والعامل بطبعه يقف إلى
جانب القرارات المؤيدة لحق الكادحين
|
|
. علي غراره، كان مبدأ شريعة اليوبيل يمنع الغني من تكديس كل صكوك الملكية
بيده. ففي كل نصف قرن كان يعاد توزيع الأراضي إلي مالكيها الأصليين
|
|
مفهوم الشريعة والنظام
|
|
. الشريعة المسيحية تحمي المجتمع من الفوضى. جاء في رسالة بولس إلى رومية:
السلطة المدنية أقامها الله لتثبيت الخير وكبح الشر
|
|
. أما بشأن الجرائم والعقوبات، فالشريعة الواردة في العهد القديم تضع عقوبات
علي جرائم التعدي علي الأشخاص أشد من تلك المرتكبة ضد الممتلكات. فالناس أهم
من الأشياء – هذا مثل أعلي نحن في خطر أن ننساه هذه الأيام
|
|
. تقتضي الجريمة عقاباً عادلاً. أما المجرم فيجب أن يعامل معاملة يشفق فيها
عليه. لذلك فالمسيحي يقف خطي "القسوة" و"الشفقة" في مسألة العقوبة. تجتهد
الشريعة في العهد القديم لضمان ألا تتعدى العقوبة مقدار الجرم، وكانت أحكامها
علي أية حال، أقل بشدة مما لو قاضى الناس بعضهم بعضاً بأنفسهم. المسيح نفسه
قال للمرأة التي أمسكت في حال الزنى – وعقوبتها الموت – "اذهبي ولا تخطئي
بعد"
|
|
. من الناحية الأخرى، المسيحي ليس حراً لأن يؤسس نظرته في شأن الجريمة
والعقاب علي الافتراض المسبق أن كل جريمة هي مجرد نوع آخر من المرض، وهي
قابلة مثله للعلاج. نظرة الكتاب المقدس إلي الجريمة هي أنها فعل أخلاقي يقع
مرتكبه تحت طائلة المسؤولية، بينما المرض غير ذلك. واهتمام المسيحي بإصلاح
المجرم يجب ألا يجعله ينكر التعدي الحاصل، أو يقصر في حماية المجتمع من
المعتدي. لكن بعد إيفاء العقوبة الصادرة، علي المجتمع أن يساعد المذنب ليصبح
مواطناً صالحاً
|
|
. من أخطار معاملة المجرمين كمرضى حسبانهم مواطنين من الدرجة الثانية. إن مدى
العقوبة في حكم القاضي تحدده طبيعة الجرم، أما الطبيب فيمكنه احتجاز المريض
إلي أن يقرر أنه شفي. إذا رمينا المقياس الخلقي غير المنحاز جانباً، فماذا
يمنه الغالبية في المجتمع – أو أقلية في السلطة – من حجز الذين لا تتلاقى
نظرتهم بنظرتها في مصح الأمراض العقلية إلي أن "يشفوا"؟ هذا الأمر حدث فعلاً
|
|
دعم العائلة
|
|
. الشريعة المسيحية تحمي العائلة، المؤسسة الأولي في المجتمع. ولدي الكتاب
المقدس الكثير ليقوله حيال مفهوم العائلة، ويختلف المثال الأعلى المسيحي
للعائلة بشكل مميز عن بعض المفاهيم الجارية
|
|
. ثبات الزواج فكرة أساسية في الإيمان المسيحي. هذا يمنح الأمان للفريقين:
الأزواج والأولاد. والعلاقات بين أعضاء العائلة تكون أكثر حرية مما لو كان
علي الأزواج والأولاد أن يأخذوا في الحسبان إمكانية انهيار هذه البنية
الأساسية بجملتها. إن التوتر الذي ينشأ من الشعور بعدم الاستقرار غالباً ما
يعجل بانهيار الزواج، إذ تسود الغيرة والانقسام
|
|
. لا يسمح الكتاب المقدس إطلاقاً بالطلاق علي أساس عدم التجانس. ففي كل زواج
ثمة شئ من عدم التجانس. بيد أن الكتاب المقدس يضع الزواج في إطار أوسع. فهو
ليس علاقة غرامية بين شخصين بمعزل عن سائر الناس، بل أن عائلتي الزوجين لهما
صلة بالموضوع، وكذلك المجتمع. والعائلة الأوسع تحمي الزوج والزوجة كما تحمي
الأولاد من الضغوطات والتوترات التي تنشأ في عائلة العصر الحاضر الصغيرة، حتى
ولو أن معظم الاتصالات بالأعمام والأخوال والعمات والخالات وأبناء العمومة
والخؤولة وبناتها وحتى الأحفاد تقتصر علي اتصالات بالهاتف تجرى من أسبوع إلى
أسبوع
|
|
. المثال الأعلى المسيحي للزواج هو أن يكون بين رجل واحد وامرأة واحدة – هذا
العامل رفع شأن المرأة ومقامها في العالم كثيراً. ومن يمل إلى الارتياب في
صوابية الزواج من قرين واحد فقط عليه بقراءة المشاكل التي عانى منها يعقوب
وداود وسائر الذين اقترنوا بغير امرأة واحدة. إن واجب الزوج أن يحب زوجته
ويرعاها بحنانه، وليس له حقوق مطلقة بالسيادة عليها. غير أنه، رغم ذلك، هو
رأس العائلة والحكم وصاحب الكلمة الأخيرة
|
|
. بعبارة دقيقة، العلاقة الجنسية قبل الزواج بنظر الكتاب المقدس هي تناقض
لفظي. فالعيش معاً باتحاد الجسدين هو زواج. والاثنان يكونان جسداً واحداً.
غير أن الأمر لا يتوقف هنا، فالزواج شأن اجتماعي كذلك. فهو يتضمن أن يترك
الإنسان أباه وأمه، ويتضمن أيضاً العلاقة مع الآخرين – المجتمع عموماً.
واحتفال عقد الزواج هو إقرار بذلك. أما بشأن الطلاق فيبدو أن المسيح يسمح به
لسبب واحد: زنى أحد الزوجين بشخص ثالث
|
|
. العلاقة الجنسية، كما تظهر في الكتاب المقدس، جزء وقسم من علاقة أوسع.
ينبغي أن يكون الجنس تعبيراً عن احترام دائم ومحبة تضحي بالنفس، فيكون عاملاً
لتنمية المحبة والاحترام. وإذا مورس الجنس خارج هذا الإطار فالنتيجة تكون
عكسية. والمرأة، بسبب اعتمادها علي الرجل لإعالتها، تكون عادة الفريق الخاسر
|
|
. العلاقة الجنسية بأشخاص متعددين علة دائمة في المجتمع. ولا أحد يدري ما
سيؤول الحال إليه لو عمل بنصيحة المدافعين علناً عن جوازها. رغم ذلك، فإن
غالبية البشر لا يرون أية فائدة عملية في هذا الأمر أو مرغوباً فيها. إن
النظرة المسيحية للزواج، في المقابل، هي عملية وتؤدي إلى سعادة الحياة
الزوجية أكثر من أي خيار آخر
|
|
. إن هذا مجرد إيضاحات بشأن الكتاب المقدس من حيث مناسبته لمجتمع اليوم
والإنسان المعاصر. وهي ترتكز أول كل شئ علي الخليقة وعلى شريعة صادقة نحو
الإنسان والمجتمع كما هما بالحقيقة
|
|
. غير أن الكتاب المقدس لا يقتصر علي شريعة وضعها الله للإنسانية، إذ إنه يقر
بأن الإنسان غير قادر علي حفظ الشريعة، كما أنه غير قادر علي التعويض عن
إساءاته ضد إله قدوس. هكذا نرى أن القصد من إعطاء الشريعة لم يكن لمجرد تنظيم
السلوك في عالم غير كامل، بل كان لإظهار عدم كمالنا، وبالتالي قيادتنا إلي
المسيح
|
|
فالمسيح بموته تلقى الحكم الصادر بحقنا بسبب خطايانا، وهو يقدم الغفران
والحياة الجديدة للجميع: للمسيحيين في كل الأجيال وعلى مدى ألفين من السنين
كما لجميع الأمم والأجناس، هذه هي الحقيقة الأسمى في المسيحية: اختبار غفران
الخطايا، والشركة مع الله بالصلاة والعبادة، واختبار حضور الروح القدس الذي
يغير الحياة. المسيحيون يعرفون أن شرائع الله صالحة وصادقة، والكتاب المقدس
بالنسبة إليهم ليس مجرد كتاب واقعي عن الطبيعة البشرية. فلقد وضعوا الكتاب
المقدس في بوتقة الاختبار فوجدوه صحيحاً.
|