الروح القدس، روح الله
تقديم
وُلد هذا الكتاب من حاجة على مشارف يوبيل الألف الثالث. ماذا سوف نقول عن الروح
القدس ذاك "الاله المجهول"، مع أنه يعمل منذ البداية، ولن يزال يعمل حتى النهاية.
ماذا نقول عنه الأسفار المقدّسة في العهد القديم بشكل خاص. ولفظة "روح" العبرية
تعني الريح والروح بحيث لا نستطيع أن نميّز متى يتكلّم الكتاب عن ريح الله التي
تحرّك مياه البحر الأحمر ليمرّ العبرانيون إلى سيناء، ومتى يتكلّم عن الروح الذي
يرسله الله فيتجدّد وجه الأرض.
هذا الروح كان حاضرًا مع القضاة، هؤلاء المخلِّصين، ليقوِّيهم من أجل الاهتمام
بالشعب. وقد حلّ على الملوك كما حلّ على الأنبياء. هذا الروح يحلّ في الشعب فيجعلهم
يتنبَّأون، يتكلّمون باسم الله. بل هو يلج قلوب المؤمنين لكي يحوّلها.
هذا الروح حلّ على مريم فحبلت بالكلمة الالهي، وحلّ على يسوع في بداية رسالته
العلنيّة، وحلّ على الرسل في بداية انطلاق الكنيسة. هذا الروح ما زال اليوم يعمل في
الأفراد وفي الجماعات. ولن يزال يرافق الكنيسة حتى مجيء المسيح الثاني. ويرافق
الكون إلى أن يتجلّى أبناء الله فتتجلّى الخليقة معهم.
عن هذا الروح، الروح القدس، روح الله، يتحدّث هذا الكتاب في أقسام ثلاثة: روح الرب
في كتب الأنبياء. الروح القدس في العهد الجديد. الروح وعمله في الكنيسة. ما أوقفنا
بحثنا عند الكتاب المقدس بل فتحنا نافذة على آباء الكنيسة، في العالم اليوناني كما
في العالم السرياني.
هذا الكتاب دوّن مشاركة. قدّم الأب ريمون الهاشم كل القسم الأول، أي روح الرب في
كتب الأنبياء، ما عدا الفصل الأخير. والارشمندريت نيقولا انتيبا فصلين: هل نلتم
الروح القدس. الصلاة الليتورجيا وعمل الروح القدس. والخوري أنطوان دويهي: العماد
والروح. وما تبقى كان من تأليف الخوري بولس الفغالي الذي نسّق الكتاب كله فظهر في
شكله الحالي.
هذا الكتاب نقدّمه في إطار التعرّف إلى الله الثالوث، إلى الآب والابن والروح
القدس. فمع كتاب "وجه الله" الذي سيظهر قريبًا، كان كتابُ "الروح القدس روح الله"
محطّة مهمّة ستجد كمالها مع كتاب عن وجه الابن الكلمة الذي تجسّد فصار انساناً وقد
عرفناه في شخص يسوع المسيح.
من هو الروح القدس
نلاحظ أن الروح القدس ما زال مجهولاً بعض الشيء. وهذا أمر عاديّ. فالروح يأتي إلى
العالم لا ليعرّف بنفسه، بل لكي يجعلنا نعرف المسيح ونحبّه. يأتي ليساعد البشر على
العيش حسب الله.
من أجل هذا، ليس لنا صورة وافية تمثّل الروح القدس. أما العلامات والصور التي نجدها
في الكتاب المقدّس فهي تشير بشكل جوهريّ إلى عمله في العالم وفي الكنيسة.
كان الروح بالنسبة إلى اليهود العائشين في زمن يسوع، قوّة الله الناشطة في العالم،
قدرة إلهية تعمل في البشر لكي يتمّ فيهم عمل الفداء والمصالحة الذي يصل إلى ملئه في
يسوع المسيح.
غير أن هناك نصوصاً في الأناجيل وأعمال الرسل ورسائل القديس بولس، تدلّ على أن
الرسل في النهاية رأوا في الروح أكثر من قدرة إلهيّة. رأوا فيه شخصاً حياً. وكما
نقول في اللاهوت: أقنوماً. وسوف تسمّيه الكنيسة في عقيدتها: الأقنوم الثالث في
الثالوث الأقدس بعد الآب والابن.
نقرأ في مت 28: 19: "تلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس".
وفي أع 15: 28 نقرأ رسالة "مجمع" أورشليم إلى أهل أنطاكية: "الروح القدس ونحن
قرّرنا". وفي روم 8: 16: "ينضمّ الروح إلى روحنا ليشهد أننا أبناء الله". وفي انجيل
يوحنا، نرى يسوع يتحدّث عن الروح القدس. كشخص آخر، كشخص يختلف عنه وعن الآب.
وهكذا أعطي لنا أن نستشفّ بعض الشيء عن سرّ الله. أعلن يسوع أنه جاء من الله. أنه
واحد مع الآب. "أنا في الآب والآب فيّ". والآب ويسوع أرسلا إلى البشر "واحدًا آخر"
هو الروح القدس، روح الآب والابن.
غير أن روح الله هذا الذي أرسله الآب والابن إلى البشر، لا نعرفه إلاّ بعمله. هذا
ما فسّره يسوع لنيقوديمس: "الريح تهبّ حيث تشاء. تسمع صوتها ولكنك لا تعرف من أين
هي تجيء ولا إلى أين تذهب. هكذا هو كل مولود من الروح" (يو 3: 8).
بهذه الصورة استعاد يسوع إحدى الصور البيبليّة العظيمة التي "تصوّر" روح الله،
استعاد صورة الريح. فالريح في نظر الأقدمين هي هذه القوّة السرّية التي لا تقاوم،
التي لا يتوقّعها أحد، التي تأتي من الله. فالله هو في كل مكان. لا يُرى، ولكنه
يفعل ساعة يشاء وكما يشاء. إنه الروح القدس.
حولنا تنفخ الريح. ونحن تقيم فينا نسمة. فصاحب النسمة هو حيّ. ومن لا نسمة في أنفه،
من لا يتنفّس، فهو ميت. وهذا النفَس الذي يحيينا لا يرتبط بنا. بل هو يعطى لنا.
يُعطى لنا ويُؤخذ منّا. هو يأتي من بعيد بعيد عنا. يأتي من الله. هذا ما يقوله سفر
التكوين (1: 27؛ 2: 7) فيبيّن لنا أن الله ينفخ في أنف "آدم" (أي الانسان، كل
انسان) نسمة حياة. عند ذاك صار الانسان نسمة حياة. مُنح الانسان الحياة. خُلق على
صورة الله. ويخبرنا حز 37 أن الروح هو الذي يعيد الحياة إلى العظام اليابسة.
كلّ هذا يُنبئ بعمل الروح القدس، وهو عمل أشار إليه يسوع حين قال: "يولد من الروح"
(يو 3: 5). فالروح القدس هو فينا ينبوع حياة جديدة. حياة أبناء الله. حياة نشارك
فيها المسيح. "من عطش فليأت إليّ، وليشرب من يؤمن بي". هكذا تكلّم يسوع عن الروح
الذي سيتقبّله أولئك الذين يؤمنون به (يو 7: 37).
ليس الروح فقط ريحًا وقدرة إلهيّة. وليس فقط نسمة حياة. فهو أيضًا فهم وحكم، ونور
يلج الأعماق، وتمييز وحسّ يجعلنا نكتشف الحقيقة، نكتشف الله.
فالروح هو الذي يحرّك الأنبياء ويلهمهم. الروح يمسكهم، يقبض عليهم، ينقضّ عليهم.
يملأهم. يفتح لهم فمهم لكي يعلنوا مشيئة الله مهما كلّفهم هذا الاعلان من خطر.
ويدفعهم لأن يشجبوا كلّ ما يعارض الله.
والروح هو الذي يتيح لنا أن نتعرّف إلى يسوع، ونكتشف حقيقة انجيله. هو الذي فتح فم
الرسل وأعطاهم قوّة جعلت كلامهم لا يقاوَم: "ومتى قادوكم إلى المجامع والحكام وأولي
السلطان، فلا تهتمّوا لطريقة الدفاع عن أنفسكم ولا لما تقولون. فإن الروح القدس
يعلّمكم في تلك الساعة ما ينبغي أن تقولون" (لو 12: 11- 12).
إذن، يعمل الروح وكأنه نور يضيء عقل المؤمن ويعلّمه كيف يحكم على الأمور. إنه شعلة
حيّة تلهم الكلمات والأعمال في خطّ ما يوافق المسيح والله.
الروح هو نسمة الحياة. هو روح الله الذي يلهم الأنبياء. وهو أيضًا ذاك الذي يقدّس
المؤمنين. فقبل مجيء المسيح. فهمَ الناس أنهم إن أرادوا أن يكونوا أصدقاء الله، يجب
عليهم أن يميلوا بقلوبهم عن الشرّ وأن يوجّهوها إلى الله. غير أن هذا ليس بممكن
إلاّ بمساعدة الله. في الواقع، روح الله هو الذي يعطي البشر قلوبًا جديدة، قلوبًا
متحرّرة لتعيش العدالة والمحبّة. قال الرب في حز 36: 26: "أعطيكم قلبًا جديدًا،
وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا، وأنزع من لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلبًا من لحم".
يسوع نفسه هو ابن الآب الوحيد. والروح يحلّ عليه، يستقرّ. فهو القدّوس القدّوس.
قال: "الآب هو معي لأني أعمل دومًا ما يرضيه" (يو 8: 29).
ونقول الشيء عينه عن جميع الذين ينعشهم روح الله: إنهم أبناء الله (روم 8: 14).
اتّحدوا بالمسيح بواسطة روحه فتقدّسوا ليكوّنوا أمّة مقدّسة، شعبًا مقدّسًا (1 بط
2: 9). والروح الذي حلّ على يسوع قد كرّسه لله (لو 4: 18). والذين يتقبّلون روحه
يصبحون مكرّسين. قال بولس في 1 كور 6: 11: "إغتسلتم، تقدّستم، تبرّرتم باسم الرب
يسوع المسيح وبروح إلهنا".
والروح هو الذي يعمل في الكنيسة، يبنيها، ينظّمها، يقدّسها.
ففي يوم العنصرة، كان تلاميذ يسوع كلهم معًا. فتراءت ألسنة كأنها من نار، فانقسمت
واستقرّت على كل واحد منهم. إذن، أعطي الروح لكلّ واحد من التلاميذ، كما أعطي
للتلاميذ كلّهم معاً.
كان باستطاعة يسوع أن يحيط نفسه بتلاميذ مختلفين، يكون الواحد مستقلاً عن الآخر.
ولكنّه كوّن مجموعة واحدة، مجموعة موحّدة يتضامنون فيها كلهم. وكانت كلماته الأخيرة
تعليمًا عن الوحدة والمحبّة الأخويّة.
وُلدت كنيسة يسوع حقًا يوم العنصرة. وُلدت بشكل أخوّة، بشكل شركة أخويّة. وحيث
تتوسّع المسيحيّة، ستكون بفعل الروح جماعة تشبه الجماعة المسيحية الأولى، تكون
جماعة من الإخوة.
وفي هذه الجماعة، كلّ شيء يتمّ بتأثير مباشر من الروح القدس. هذا ما وعاه التلاميذ
منذ حدث العنصرة. نجد أن العنصرة لم تكن يومًا عابرًا من أيام التاريخ وحسب.
العنصرة تتواصل. حين قُبض على بطرس ويوحنا وأطلق سراحهما، ذهبا إلى سائر التلاميذ.
فأخذ الجميع يصلّون. "وإذ كانوا يصلّون تزعزع المكان الذي كانوا يقيمون فيه: عند
ذاك امتلأوا كلهم من الروح القدس وأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة" (أع 4: 31).
الروح هو الذي يلهم بطرس خطبه أمام المجلس الأعلى لدى اليهود. تكلّم "وهو ممتلئ من
الروح القدس" (أع 4: 8). الروح هو الذي يملأ اسطفانس ساعة استشهاده (7: 55)، وبولس
ساعة ارتداده (9: 17). حلّ هذا الروح على جماعة كورنيليوس ساعة كان بطرس يكلّمهم
(10: 44) فتذكّر الحاضرون ما حصل يوم العنصرة (11: 15). وألهم الروح الرسل ما يجب
أن يتّخذوه من قرارات من أجل خير الكنيسة الفتيّة (أع 15: 26). واحتفظ لبولس بمهمّة
خاصّة (13: 2). أرسله (13: 4) ومنعه من العودة إلى آسية بعاصمتها أفسس، ودعاه
للعبور إلى اليونان، إلى أوروبا (16: 6- 12).
إذا كانت الكنيسة موجودة اليوم، فلأن روح يسوع ما زال يعمل فيها، بشكل سرّي، ولكن
بشكل ناشط. ما زال يعمل في قلب المؤمنين، كما في الجماعات.
نحن نرى الروح القدس الذي أعطاه يسوع يتدخّل بحريّة مطلقة. يتدخّل متى يشاء وحيث
يشاء لكي يجعل الكنيسة تلد هنا وهناك... ونرى أيضًا أن الرسل يمنحون هذا الروح إلى
البشر. فحين عرف الرسل أن عددًا من السامريّين تقبّلوا إنجيل يسوع بفضل كرازة فيليس
المبشّر، أرسلوا بطرس ويوحنا. "وضعا عليهم الأيدي فحلّ الروح القدس" (أع 8: 17).
وحدث الشيء عينه في أفسس. عمّد بولس بعض الناس. ولما وضع عليهم يديه نالوا الروح
القدس (أع 19: 6).
فالمسيحيون الأولون يرون منذ بداية الكنيسة، أن الروح الذي يُعطى يحوّل الانسان إلى
"مسيحيّ" كامل. وهذا ما يتمّ في سرّ العماد. قال بطرس للذين انصرعت قلوبهم حين
سمعوا البشارة يوم العنصرة: "توبوا، وليعتمد كلّ واحدهم باسم يسوع المسيح لمغفرة
خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس" (أع 2: 38).
وما نلاحظه في بداية الكنيسة، هو أن موهبة الروح لا تتوخّى أن تجعل المؤمنين كلهم
في قالب واحد بحيث تختفي شخصيتهم، فيصبحون أرقامًا لا أشخاصاً محدّدين. فالنعم
المختلفة والمواهب المتنوّعة تفيض فيضًا غزيرًا. ولكن بولس يعرف أن الروح الذي
يعطيها هو واحد. "المواهب على أنواع، إلاّ أن الروح واحد. الخدم على أنواع إلاّ أن
الرب واحد. الأعمال على أنواع إلاّ أن الله واحد، وهو يعمل كل شيء في الجميع" (1
كور 12: 4- 6).
تلك همسات سريعة حول الروح القدس وحول عمله بشكل خاص في الكنيسة. هذا الروح الذي
نراه يعمل منذ البداية، فيحرّك الخلق في الكون ويجعل في الانسان نسمة الحياة. هذا
الروح كان حاضرًا في بداية رسالة يسوع وعماده من أجل خليقة جديدة في المسيح. هذا
الروح هو الذي يرافق الكنيسة في الكنيسة لكي تدعو المسيح: مارانا تا، تعال أيها
الرب يسوع.
القِسْمُ الأوّل
روحُ الرّب في كُتبِ الأنبيَاء
نتوقف في هذا القسم الأول عند الفصول التالية:
1- روح الرب مخافة وحكمة وعدلاً
2- روح الرب خلاصاً للشعب وللأمم
3- الروح يمسح المختار ويعلن البشارة
4- روح الرب عند حزقيال النبيّ
5- الروح ينهض شعب الله
6- روح الرب عند يوئيل وزكريا
7- برنامج الروح في تاريخ الخلاص، من نبوءة يوئيل إلى أعمال الرسل.
الفصل الأول
روح الربّ مخافة وحكمة وعدلا
أش 11: 1- 10
1- لمحة تاريخية
بدأ أشعيا رسالته عندما دعاه الله سنة 740 ق. م.: "في السنة التي مات فيها الملك
عزيّا" (6: 1). ظهر على ساحة التاريخ في عصر الازدهار الذي عرفته مملكة يهوذا على
أيام الملك آحاز بن يوتام بن عوزيّا (7: 1). ونتيجة الازدهار ظهرت طبقة غنيّة
احتكرت الأراضي وحطّمت الفقراء، فراح النبي يندّد بما كان يعتبره نقيض العدل، وينذر
الشعب بغضب الله (6: 11- 12). كانت دمشق عاصمة آرام والسامرة عاصمة اسرائيل،
تحاولان الوقوف في وجه قوة آشور، بينما آحاز ملك يهوذا يحتمي بآشور (7: 1- 9).
وبالرغم من المحاولات التي قامت بها السامرة ودمشق لضمّ آحاز إليهما، بقي هذا
الأخير على موقفه. تلك المحاولة كانت سنة 734.
سنة 716 حلّ حزقيا محل آحاز، فظهر النبي من جديد. حزقيا كان بالنسبة لأشعيا الغصن
الذي خرج من جذع يسّى وحلّ عليه روح الربّ (11: 1- 2).
هذا ما يخصّ الفصول 1- 39، أما الفصول 40- 55، فأطلق على اسم مؤلّفها أشعيا الثاني
وهي تتكلّم عن الجلاء بين سنة 550 و539 ق. م. والحدث فيها انحصر حول كورش ملك الفرس
وحول مكان الجلاء. والفصول الباقية 56- 66 نُسبت إلى أشعيا الثالث وهي مشابهة
للفصول 40- 55 بتوجّهاتها. أما الفترة التي تتكلّم عنها فهي العودة من الجلاء.
والهدف منها السعي لإبقاء الشعب على رجائه رغم الإحباط الذي أصيب به عند عودته.
وهذه الفترة قريبة جدًا من فترة حجّاي وزكريّا (1- 8). إنّ الهدف من النبوءات
والرؤى كان واحدًا ألا وهو إحياء رجاء الشعب من جديد.
بعد أن أتينا على ذكر التاريخ والأحداث، سنأخذ نصوصًا ثلاثة بعين الاعتبار نظرًا
لأهمية المواضيع والتحوّلات التي ذُكرت فيها (11: 1- 10؛ 42: 1- 9؛ 61: 1- 11).
سننطلق من هذه النصوص بالذات إلى الآيات والأحداث في كتاب أشعيا وخارجه كي نكتشف
النقاط الحساسة التي تبرز صورة الروح وعمله في الكتب الثلاثة التابعة لثلاثة
مؤلّفين عاشوا في حقبات مختلفة ولكنّهم طوّروا لاهوتهم انطلاقًا من علاقتهم بعضهم
ببعض.
2- تحديد النص وشرحه وتقسيمه
يشكّل النص وحدة أدبية قائمة بحدّ ذاتها نظرًا للتضمين القائم بين الآية 1 التي
تتحدّث عن خروج قضيب من جذع يسّى، والآية 10 التي تعيد ذكر أصل يسّى للمرّة
الثانية.
بعد التأكّد من وحدة النص يمكننا الانتقال إلى الشرح الذي سيتضمّن تقسيم النص
وطريقة توزيع عناصره بالاضافة إلى المعنى واللاهوت الكامنين في داخله.
إنّ عناصر النص موزعة بصورة محورية وبحسب جدول التوازي على الشكل التالي:
أ- جدول التوازي
(1) تكرار كلمتي "يسّى" و"أصوله" (10) أنّ أصل "يسّى"
(2) يعاود الكاتب الإشارة الى "روح المعرفة" في الآية (9) (9) لأنّ الأرض تمتلئ من
"معرفة الربّ"
(3) يتم القضاء لا بحسب النظر ولا بحسب السمع (8) عندما يلعب الرضيع على سرب الصلّ
بإمكانه النظر الله ولكن بما أنّه رضيع فهو لا يستطيع القضاء. أما الفطيم الذي يمدّ
يده الى حجر الأفعوان فهر لا يعتمد إلا على اللمس وعلى السمع وبما أنّه فطيم فهو لا
يستطيع الحكم
العدل للمساكين والإنصاف للبائسين (7) عندما يأكل البقرة والدبة والأسد التبن فهم
يعيشون المساواة والعدل
(4) إنّ ضرب الأرض بقضيب فمه يعني سوقها وسياستها عندما نقول صبي صغير يسوقها أي
يقودها ويسوقها
(5) البرّ والأمانة تناقضان عمل الحيلة والغدر البارزين في الآية 6 حيث الذئب
(الحيلة) والنمر (الغدر). (6) الذئب والنمر
3- نص أش 11: 1- 10
أ (1) ويخرج قضيب من جذع يسّى وينبت غصن من أصوله
ب- (2) ويحلّ عليه روح الربّ روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة
ومخافة الرب
ج- (3) ولذّته تكون في مخافة الربّ فلا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع
أذنيه
د- (4) بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض
هـ- ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه
و- (5) ويكون البرّ منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه
و و- (6) فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي
هـ هـ- والعجل والشبل والمسمّن معًا وصبي صغير يسوقها
د د- (7) والبقرة والدبة ترعيان ويربض أولادهما معًا. والأسد كالبقرة يأكل التبن
ج ج- (8) ويلعب الرضيع على سرب الصلّ، ويضع الفطيم يده على حجر الأفعى
ب ب- (9) لا يسيئون ولا يفسدون في كل جبل مقدسي لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة الربّ
كما تغطي المياه البحر
أ أ- (10) ويكون في ذلك اليوم أنّ أصل يسّى القائم راية الشعوب إياه تطلب الأمم
ويكون محلّه مجيدًا.
4- لاهوت أش 11: 1- 10
سنحاول بقدر المستطاع الدخول في قلب النصّ آخذين بعين الاعتبار عمل الروح البارز في
قلب هذه النبوءة المستقبلية.
أ- ويخرج قضيب من جذع يسّى (آ 1، 10)
يشير خروج القضيب من جذع يسّى (آ 1) إلى المسيح المنتظر الذي ينتمي إلى السلالة
الداودية الحاكمة بحسب مشيئة الله وقدرته ووعده. يرتكز هذا العمل الذي يتضمّن
اختيار الله لملك ينتمي إلى السلالة الداودية على نبوءة ناتان في 2 صم 7 حيث رضي
الله عن داود عبده ووعده بديمومة ملكه إلى الأبد. اعتمد الأنبياء فيما بعد على
التعبير نفسه، "جذع يسّى"، للإشارة إلى المسيح الملك الذي سيحقّق إرادة الله
الخلاصية في شعبه أو على تعابير أخرى كما هي الحال مع إرميا حين يقول: "ها إنّها
ستأتي أيام، يقول الربّ، أقيم فيها لداود نبتًا بارزًا" (إر 23: 5). أو مع زكريا:
"هاءنذا آت بعبدي النبت" (3: 8 و6: 12).
إذًا فالنبت أو الجذع هو الملك الذي تنبّأ عنه الأنبياء واختاره الله كي يحكم شعبه.
ومستقبل هذا الجذع سيبرز في "ذلك اليوم" (آ 15أ) أي يوم مجيء المخلّص وعودة الشعب
من السبي (11: 11 و13: 6). إنّه يوم الربّ الذي صنع فيه سلامًا لشعبه بجمعه
المشتتين من أربعة أطراف الأرض (11: 12). وقضى على أعدائه وجعل من أصل يسّى راية
انتصار ومجد جذبت إليه باقي المنفيين من اسرائيل ومن يهوذا، ووُحِّدت المملكة وقُضي
على كل من كان سببًا في سبي شعب الله (11: 13- 16).
يكمن دور النبت إذًا في قيادة شعب الله نحو أرضه وإزالة كل أعدائه من حوله كي
يَثبُت في مكانه ولا يعود يُطرد من بيته. ولكن للوصول إلى هذا الهدف، على هذا النبت
أن يكون مسلّحًا بالربّ وبروحه.
ب- حلول روح الربّ على النبت (آ 2، 9)
استعمل الكاتب الفعل "حلّ" كي يشير إلى روح الربّ الذي أتى لمساندة النبت المختار
(آ 2أ). ولا ينجح هذا النبت في مهمته التي تتضمّن نشر "معرفة الربّ" (آ 9) في كافة
الأرض وإزالة كل عمل سوء في كل الجبل المقدّس أي مسكن الربّ، إلاّ إذا كان قد
استمدّ من روح الرب سابقًا ستَّ مواهب: الحكمة، الفهم، المشورة، القوّة، المعرفة،
ومخافة الربّ.
ولا يحدّد أشعيا مصدر هذه المواهب إلاّ ليفرّق بين ما هو من صنع البشر وما هو من
صنع الله. فالحكمة التي تفتخر بها الأمم (19: 11- 12) تنبع من الحكماء الذين هم
عقلاء في أعين أنفسهم (5: 21)، وهي ترتكز على العقل البشري وخبرته (29: 14).
وتوصف حكمة الأمم عادة بالحماقة نظرًا لعدم متانتها ولعدم صمودها أمام الحكمة
الإلهية (قارن المراجع نفسها مع تث 32: 6 وإر 4: 22 و8: 9).
أما روح الحكمة فهو قريب من العقل الذي يجمع بين الفطنة والفهم (29: 14 و24) لأنّ
الفطنة والفهم موهبتان تساعدان على حسن التصرّف. وبما أنّ "الفهم" الإلهيّ لا يُسبر
نظرًا للسرمدية التي يتمتع بها الخالق (40: 28)، فالحصول عليه يحتّم انعامًا خاصًا
من روح الربّ بنفسه.
أما المشورة التي ترتكز على حسن التمييز في أخذ القرار (16: 3)، فينبغي أن يمتلكها
القاضي والمستشار بهدف نشر العدل والسلام في المملكة (أش 1: 26). والمشير عادة يحمل
صفة تخوّله لأن يكون ضمن البلاط الملكي فيساعد الملك على التمييز في القرارات
السياسية وفي أخذ الأحكام كما هي الحال لدى الحكماء المشيرين الخاصين بالفرعون
المصري (أش 19: 11). وعند العجز عن أخذ القرار من قبل شخص واحد، تُستحسن دعوة
الجماعة كي تتشاور من أجل التمييز في أخذ القرار كما يقول أشعيا في 45: 21: "أخبروا
وقدّموا براهينكم وليتشاوروا معًا".
ولا تتضمّن القوّة هنا (أش 11: 2) الجبروت المادي كما هي الحال في أش 28: 6 و63:
15، بل المقدرة على أخذ القرار والجرأة على العمل به من دون خوف. والقوّة والشجاعة
عنصران أساسيان ينبغي أن يتحلّى بهما صاحب روح المشورة والتمييز والحكمة والفهم كي
يستطيع المضي قدمًا في قراراته متخلّصًا من التردّد ومن التراجع عن تجسيدها. وروح
القوّة والحزم يخلق حقلاً رائعًا من الأقوال، فيضفي على الواعظ وصاحب الكلمة نورًا
رائعًا، جذابًا، يحرّك بقوته حماس السامعين، ويغرس في نفوسهم روح الشجاعة والعزم
والاندفاع، من أجل المضي قدمًا في سبيل خوض أية معركة يواجهون خلالها إما نفوسهم
الداخلية، وإما الآخرين. وكل ذلك، من أجل الفصل بين السيِّئ والصالح، وإزالة كل
عامل يخيفهم ويمنعهم من التقدّم إلى الأمام (2 مك 15: 17).
أما روح المعرفة فهو مرتبط بمخافة الربّ، نظرًا لكون المعرفة تعتمد على الخبرة
والاحتكاك. والمعرفة هي بحدّ ذاتها لقاء يتمّ من خلاله التعارف والتعمّق بالآخر أو
بالشيء على حدّ مفهوم الكتاب المقدّس ككلّ. وبما أنّ مخافة الربّ تُستمد من العلاقة
مع الربّ وعبادته واحترامه وتمجيده، فالمعرفة الإلهية هي كشف لهوية الربّ وإطلالته
على البشريّة. فلذلك لا معرفة للربّ دون عيش مخافته. فعندما تمتلئ الأرض من مخافته
ومعرفته فإنّه يريهم نفسه (33: 6- 7).
5- روح المعرفة والمخافة يكشفان هوية الربّ
عندما يأخذ الروح مختاره على عاتقه يبدأ بالتنفيذ. ويعيش المختار استسلامًا كاملاً
لروح الربّ. وهكذا يمارس من خلاله مُلكه المستمدّ من سلطان إلهي يدعمه في أخذ
الأحكام (3) وسياسة الأرض (4) ونشر البرّ والأمانة بين الشعب (5).
أولاً: الاعتماد على الروح في القضاء والحكم (آ 3 أ، 8)
لا يعتمد المختار في قضائه على نظر عينيه أي على ما يراه من مظاهر لأنه يشابه
الرضيع الذي يلعب على سرب الصلّ (الأفاعي). فالرضيع يلعب دون خوف على السرب ولا
يحكم على ما يراه بأم عينيه، لأنّه لا يحلّل ولا يدرك مكنونات أو نوايا الكائن الذي
تعرّض نفسه له أو يكشف له ذاته. لذلك، فالرضيع يعتمد على أمّه التي تشير إليه إما
بخطورة ما يراه بصفاء النوايا فيأخذ قراره مرتكزًا عليها وحدها. فالمختار الحكيم
يعتمد على روح الربّ في قضائه وليس على ما تراه عيناه، نظرًا لاستسلامه التام له
وعيشه مخافة الربّ (آ 8). والفطيم الذي يمدّ يده إلى حجر الأفعى يشابه المختار الذي
لا يحكم بحسب سماع أذنيه (آ 8ب). فالفطيم عندما يمدّ يده إلى الحجر لا يستطيع الحكم
إلاّ من خلال اللمس كي يتأكد من صحّة ظنونه في وجود الأفعى داخلاً. وقد يتعرّض
للّسع إذا ما مدّ يده، وبالرغم من ذلك فهو لا يخاف. مطلوبٌ من المختار عندما يأخذ
حكمه، القوّة والشجاعة وعدم الخوف من أخذ الحكم وتجسيده. وتأكيدًا على ذلك، فالعدل
هو عمل الملك (32: 1- 3). وهو عطيّة من الله (1: 26) لأنّه يتطلّب تمييزًا يتعدَّى
المظاهر (32: 3- 5).
ثانيًا: العدل والإنصاف من ثمار الروح (آ 3ب، 7أ)
يأخذ المختار على عاتقه عندما يكون مستسلمًا لروح الربّ في قضائه وحكمه المسكين
والبائس (آ 7ب). القضاء بالعدل للمساكين يشابه البقرة والدبة والأسد الذين يأكلون
بالمساواة. أما الحكم بالإنصاف لبائسي الأرض فهو يشبه أولاد البقرة والدبة والأسد
الذين يربضون معًا دون أن يتعدّى الواحد على الآخر وممتلكاته (آ 7أ). إذًا فالقوي
والضعيف والحاكم وأفراد الشعب العاديون يتساوون في المأكل ولا يتعدّى الواحد منهم
على ممتلكات الآخر كي يحلّ السلام في الأرض كافة. فالعدل يطبّق أولاً لصالح الفقراء
(29: 19- 20) ويطال القوي والضعيف.
ثالثًا: روح الربّ ينعش كلام المختار وحسن إدارته (آ 4، 7ب)
يتدخّل الروح في عمل المختار فيخرج من فمه كلامًا مشابهًا لكلام الله "بقضيب فمه"
(4ب). فعندما نقول "قضيب فمه" نشير إلى القوّة المتّحدة بالكلمة وهذه القوّة لها
سلطان الضرب في الأرض: "ويضرب الأرض" (آ 4أ).
إنّ ضرب الأرض بقضيب الفم يعني سياستها وحسن التمييز في إدارتها (9: 6)، كما وأننا
نتلمّس الحزم والشجاعة بالرغم من صغر المختار ومحدودية بشريته. فالمختار قادر بقوّة
روح الربّ أن يسوس الأرض ويحسن إدارتها دون خوف أو تردّد.
فلا يعود للمنافق أي تأثير على حكم المختار لأنّ هذا الأخير يستمدّ حكمته ومشورته
وحسن التمييز من روح الربّ الذي سيكشف له عن نوايا المنافقين الذين يحاولون تضليله.
وتشير "نفخة الشفاه" هنا بوضوح، إلى روح الربّ الذي حلّ على المختار. إذًا فعندما
نقول: "قضيب الفم ونفخة الشفاه" نعني الكلمة الحيّة المنتعشة بروح الربّ القادر على
كشف النوايا وحسن التمييز وسياسة الأرض ومَن فيها. ويُرمز إلى ذلك عندما يقول
أشعيا: "والعجل والشبل والمسمن معًا وصبي صغير يسوقها" أي إنّ الشبل لا يستطيع أن
يغدر المسمّن ولا العجل لأن الصبي الصغير بحضوره يضبط الأمور ويشلّ المنافق.
رابعًا: روح الربّ برّ وأمانة (آ 5، 6)
أما المختار العادل والحكيم الذي يحكم بكلام الله الموحى إليه من روح الرب، فينبغي
أن يتمتَّع بمسلك الإنسان البارّ (آ 5أ).
يتمتّع البارّ بالفرح لأنّه يفرح بثمار أعماله المجبولة بروح الربّ (أش 3: 10).
والبارّ صفة تخصّ الربّ كما يقول أشعيا: "من أطراف الأرض سمعت تسابيح: الفخر
للبارّ" (24: 16). فالبارّ إذًا يشبه بأعماله الإله الذي اختاره وحلّ عليه بروحه.
والبرارة فضيلة مرتبطة بالأمانة. فالذي يتحلّى بها هو صاحب عزم ثابت يتلقّى رعاية
خاصة من الربّ. فالأمانة للبارّ هي علامة توكّله الدائم على الربّ (26: 2- 3).
والبارّ هو المستقيم الذي يسير بحسب أحكام الربّ ويسعى لتحقيقها (26: 6). والبارّ
إذا ما أختاره الربّ يصبح صخرة خلاص للشعب الذي يوكّله الربّ به.
يترك البارّ إذًا ثياب الذئب وعاداته ويرفض ضروب الاحتيال تجاه الضعفاء الذين لا
قوّة لهم كما يشير أشعيا في 11: 6أ عندما يقول: "فيسكن الذئب مع الخروف". أما الغدر
فمن عادة النمر أن يمارسه تجاه الجدي (11: 6ب)، ولا علاقة للبارّ به لأنه أمين
للربّ دائم الاتكال عليه لا يتعدّى على شعبه.
6- الخلاصة: مخافة الربّ تثبِّت حلول الروح على المختار
إذا ما انطلقنا من مخافة الربّ نشعر بأنّها المولّد الأساسي لكل المواهب التي أنعم
بها الروح على المختار. "فمخافة الربّ" كما يقول أشعيا هي "لذّته" أي سبب كل فرحه
وكل ما هو عليه. يهب الروحُ المواهبَ للمختار، ولكنه يعتمد على هذا الأخير لكي
يتحلّى بمخافة الربّ ليتمّمها ويكتمل بها فيصبح مستعدًا لممارستها والعمل بها بين
الناس. ومخافة الربّ بحدّ ذاتها هي من عمل الربّ: "ويحلّ عليه روح الربّ [...] روح
المعرفة ومخافة الربّ (11: 2). والمختار يكوّن برارته وأمانته من خلالها لأنّها
تتضمّن ممارسة دائمة لعلاقة وفيّة ومخلصة بالربّ.
الذي يخاف الربّ هو المتوكّل دائمًا عليه وإلى الأبد (26: 4) لأنّ الربّ يهتم
بالبائس وبالضعيف ولا يترك محبّيه (آ 6). تحتّم مخافة الربّ على النفس اشتياقًا
مستعدًا ودائمًا لملاقاة الربّ ورؤية أعماله الخلاصية بين البشر (آ 10- 11)،
وللحصول على سلامها منه (آ 12)، من أجل خطوات ثابتة لا تتزعزع إن كان من ناحية
العمل أم من ناحية القرارات والأحكام واختيار الأصلح والأصح (آ 12). وأما علاقة
الذي يخاف بالربّ، فلا يشاركه بها أحد لأنّه لا يذكر في قلبه سوى اسم الربّ (آ 13).
إذًا عندما يتلذّذ المختار الملك بمخافة الربّ فهو عالم كل العلم بأنّ روح الربّ
سيغذّي فيه كلّ الفضائل التي تجعل منه صاحب حكمة وفهم ومشورة وقوّة ومعرفة لا توصف
بالربّ إلهه (11: 2).
الفصل الثاني
روح الرب خلاصاً للشعب وللأمم
أش 42: 1- 9
1- تحديد النص وشرحه وتقسيمه
يبدأ النص وينتهي باسم الإشارة نفسه "هوذا عبدي" (آ 1) "وهوذا الأوليّات" (آ 9)،
مما يخلق تضمينًا يجعل من النص وحدة أدبية قائمة بحدّ ذاتها.
يتضمّن الشرح مبدئيًا تقسيم النص والمعنى واللاهوت.
يقسم النص أربعة أقسام:
الأول (آ 1- 4)، لأنّه يتكلّم عن روح الربّ الذي سيحلّ على عبده الذي بدوره سيُخرج
الحق للأمم (آ 1) المشار إليها في الآية 4. عندما يستعمل الكاتب عبارة "وتنتظر
الجزائر شريعته"، فالجزائر (آ 4) تعني "الأمم" (آ 1) والحقّ (آ 1) يشير إلى الشريعة
(آ 4).
الثاني (آ 5)، يقدّم الكاتب في هذه الآية الله الربّ وينسب إليه صفة الخالق ومعطي
الحياة لكل ساكن أو هي موجود بين الأرض والسماء.
الثالث (آ 6- 7)، إنّ الربّ في هاتين الآيتين يعلن عن نفسه أنّه هو الذي دعا عبده
(آ 6) وأعطاه كل ما يلزمه من وسائل كي يفتح عيون العميان وينشر النور مكان الظلمة
(آ 7).
الرابع (آ 8- 9)، يعيد الربّ تأكيد ما قاله عنه الكاتب في الآية 5 مكمِّلاً أنّ
مجده له وتسبحته لا تُعطى للمنحوتات (آ 8) وهو العالم بالماضي والحاضر والمستقبل (آ
9).
أ- أما توزيع الأقسام فيكون على الشكل التالي وذلك بحسب جدول التوازي:
(1- 4) يختار الربّ عبده
- يضع روحه عليه
- يُعينُه كي يُخرج الحقّ للأمم (6- 7) يدعو الربّ عبده
- يمسك بيده
- يُعينه على إخراج الأمم من الظلمة
(5)- الربّ هو خالق السماوات والأرض
- معطي النسمة للشعب والروح للساكنين على الأرض
- وباسط الأرض ونتاجها (8- 9)- الربّ لا يعطي مجده لأحد ولا تسبحته للخالين من نسمة
الحياة (المنحوتات).
- الربّ عالِم بكلّ ما نبت وما ينبت وما سينبت
2- نص أش 42: 1- 9
أ- (1) هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرّت به نفسي
ب- وضعت روحي عليه
ج- فيُخرجُ الحقّ للأمم
د- (2) لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة
لا يُطفئ. إلى الأمان يخرج الحقّ (4) لا يكلّ ولا ينكسر حتى يضع الحقّ في الأرض
وتنتظر الجزائر شريعته.
هـ- (5) هكذا يقول الله الربّ خالق السماوات وناشرها باسط الأرض ونتائجها معطي
الشعب عليها نسمة والساكنين فيها روحًا.
أ أ- (6) أنا الربّ قد دعوتك بالبرّ
ب ب- فأمسك بيدك وأحفظك
ج ج- وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم
د د- (7) لتفتح عيون العمي لتُخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين في
الظلمة.
هـ هـ- (8) أنا الربّ هذا اسمي ومجدي لا أعطيه لآخر ولا تسبيحي للمنحوتات. هوذا
الأوليّات قد أتت والحديثات أنا مُخْبرٌ بها قبل أن تنبت أعلمكم بها.
3- لاهوت ومعنى أش 42: 1- 9
يمكننا الآن بعد أن قسمنا النص ووزّعنا عناصره، أن ندخل في لاهوته ومعناه محاولين
عدم تكرار ما سبق ورأيناه في أش 11: 1- 10.
أ- الروح يدعو وبرسل كي ينجّي ويخلّص (آ 1- 4، 6- 7)
تجدر الإشارة أولاً إلى اسم الإشارة المرتبط بكلمة "عبدي" في آ 1 وهو "هوذا". يشير
الربّ إلى العبد الذي اختاره كشخص ينتمي إليه. لذلك فكل ما يفعله وما يقوله هو من
الله لأنّه خاصته. ولا تعني كلمة "عبد" المستعبد بل "الخادم"، وهي ترتبط عادة، في
إطار كهذا، بالملك داود وبكل سلالته الملكية كما يقوله أشعيا: "فأحمي هذه المدينة
وأخلّصها بسببي وبسبب داود عبدي" (أش 37: 35).
وعبد الله هو المسيح الملك الذي سيحكم بحسب مشيئة الربّ من دون خوف لأنّه معه، ومن
دون التلفّت إلى الأوثان من حوله لأنّ الربّ هو إلهه (أش 41: 10). يقوّي الربّ
خادمه وينصره ويعضده ويشجعه ويواجه أعداءه مكانه (40: 14).
فعندما يختار الربّ عبده أي مسيحه لا يتركه لوحده بل يعضده ويحميه وتتلذّذ به نفسه
لأنّه يعمل بحسب مشيئته ولا يقف في سبيل تدبيره الخلاصي لشعبه. وهذا ما يؤكّده أش
42: 6أ عندما يقول: "أنا الربّ قد دعوتك بالبرّ". ترتبط الدعوة إذًا بالربّ العادل
والبارّ الذي يدعو مختاريه في سبيل تحقيق ما يرمي إليه، أي من أجل تخليص الشعب
وتحقيق البرّ والعدل والسلام في أرضه.
بعد أن أخذ الربّ المبادرة في اختيار المدعو وتنصيبه عبدًا له أي ملكًا على شعبه (آ
1أ و6أ) سيقوم بإرساله. والإرسال بحسب النبي أشعيا لا يتمّ إلاّ مرفقًا بالروح وهذا
ما قيل في 48: 16: "والآن أرسلني السيد الربّ هو وروحه" (قارن 61: 1).
استعمل أشعيا هنا فعل "وضعتُ" (آ 1ب) التابع للربّ الذي هو الفاعل. فالربّ إذًا هو
الذي يضع روحه على عبده ويمسك بيده ويحفظه (آ 6ب). وعندما نقول: "أمسك بيده" نعني
أعانه. وهذا ما يؤكّده أشعيا في قوله: "ودهشت ولم يكن من يعضد فأنجدتني ذراعي" (63:
5). أما "الحفظ" فهو مرتبط بالنجدة والمعونة. والفعل نفسه باللغة العبرية يعني
"جَبَلَ" أو "خلق" وهذا ما يشير بوضوح إلى عمل الروح الذي وُضع على العبد المدعو.
فالقول: "أمسك بيده وجبله" يرمز أيضًا إلى إعادة تأهيله وتربيته على تسليم نفسه
للروح. إذًا فالروح الذي يختار، يربّي ويحضّر مختاريه قبل إرسالهم. بالإضافة إلى
ذلك فالفعل نفسه "حفظ" قد يعني أيضًا "وضع جانبًا" أي قدّس وميّز. وعندما نقوله
قدّس وميّز نشير إلى انتماء فعلي للربّ القدّوس المقدّس والحافظ والجابل. ونستنتج
من ذلك، أن عمل الروح يتعدّى الدعوة والاختيار ليطال المختار في كيانه من أجل
تقديسه وتحضيره في سبيل إرساله بين الشعب.
سيقود روح الربّ المختار في سبيل إخراج الحقّ للأمم، أي في سبيل عمل خلاصي شمولي
يطال الأمم غير المؤمنين. لا محدودية إذًا لعمل الروح لأنّه تَعدّى الشعب اليهودي
ليطال غير اليهودي (آ 1ج).
أما بداية إخراج الحقّ فتبدأ بتحقيق العهد للشعب بواسطة المختار الذي سيصبح عهدًا
بحدّ ذاته. والكلمة العبريّة التي استُعملت لتشير إلى الشعب تترجم عادة "بالكثيرين"
وهي تتضمّن معاني كثيرة منها القرب بين أعضاء هذا الشعب أو الشعب الإسرائيلي بحدّ
ذاته ومنها شعوب الأرض كما هي الحال في 44: 7 و49: 8 و53: 11.
والعهد هنا يشير إلى الخلاص من محنة ما، أي من السبي. فعندما يصبح المدعو "عهدًا"،
يتحوّل إلى صلة وصل بين مرسله والمرسَل إليه أي بين الله وشعبه. أزال الله بعبده
المُرفَق بروحه كل الحواجز التي تفصل بينه وبين شعبه.
يحتوي "العهد" حكمًا على شرائع وأحكام الربّ (24: 5). لذلك فناقضُ العهد يرفض الله
ويتبنّى شرائع الأمم. أما الذي يرتدّ ويعيش العهد، فينطبق عليه قول أشعيا: "من آمن
به لن يتزعزع وأجعل من الحقّ حبلاً للقياس ومن البرّ مقياس التسوية" (28: 16- 17).
العهد إذًا هو إيمان وحقّ وبر، والعبد المختار يتحلّى بها لأنّه صار بحدّ ذاته
عهدًا للشعب. فالذي يريد الدخول في عهد الله، عليه الانصياع لحامل الروح أي العبد
المؤمن الذي سيُخرج الحق لأنّه اختير بالبرّ من قبل الربّ (42: 1 و6).
بالعهد هذا يصبح المختار نورًا ليس للشعب فقط بل للأمم أيضًا (آ 6ج). والنور هو
الحقّ. والحقّ في المختار هو نور للأمم، والنور المشّع منه هو مجد الربّ المشرق على
العالم أجمع (60: 1).
ويتابع أشعيا قوله: "فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء اشراقك" (آ 3). فالنور
إذًا هو الذي سيخرج العالم من الظلمة (42: 7).
أما الشِّيم التي ترافق المختار فهي الصوت المنخفض الخافت الذي لا يُسمع صوته في
الشوارع أي في الساحات. والصوت الخافت يوحي بالاطمئنان ويخلق السلام في النفوس.
أما القصبة المرضوضة والفتيلة الخامدة فتشيران إلى ضحايا السبي الذي سبّبه الشعب
البالي. والشعب المسبي عادة يكون مجرّدًا من كل قوّة، والضعف متمسِّكًا به (1 مل
14: 15؛ 2 مل 18: 21؛ خر 29: 6) (وأش 43: 17). ويشار إلى هذا الضعف في 42: 7 من
خلال عيون العميان والجالسين في الظلمة أي المأسورين والمسبيّين الجالسين في بيت
السجن (آ 7). والرموز التي تتضمّن هذا المعنى هي التالية: عدم كسر القصبة المرضوضة
(الشعب المسبي)، وعدم إطفاء الفتيلة الخامدة (آ 3). فعندما يتدخّل عبد الربّ في ذلك
يكون مدعومًا من روح الربّ لأنّه لا يكلّ ولا يتوقّف ولا ينكسر إلاّ عندما يُخرج
الحقّ إلى الأمان ويجسّده في الأرض (آ 3- 4).
يفرض العبد المختار شريعة الربّ في الأرض، وينشر السلام والعدل، ويعيد المسبيين إلى
أرضهم حيث سيكون الأمان الحقيقي، أمان الربّ الإله. وعندما ترى الجزائر ما حقّق
لشعب الله من مجد، ستعود إليه وتنصاع له منتظرة خلاصه في كل لحظة من لحظات
الاستبداد التي تعيشها تحت سيطرة الشعوب الأخرى البابلية (آ 4).
ب- الروح يكشف بعمله عن هويّةَ الربّ الإله (آ 5، 8- 9)
يؤكّد أشعيا النبي على صحة ما قاله حول العبد المختار، فيستعين بالتعابير التي تكشف
هويّة المرسل وتقدّمه (آ 5 و8- 9).
يبدأ بعبارة نبويّة في آ 5: "هكذا يقول الله الربّ" كي يعطي لكلمته مصدرًا إلهيًا
وسلطانًا مستمدًا من فوق، فيدفع الناس لسماعها، وللتشوّق إلى الكشف عن محتواها.
فيصبح العبد المختار سيدًا على كل من تلقّى أو لم يتلقَّ هذه الرسالة لأنّ النبي
أكّد على ذلك بسلطة كلمته. فالله الذي تكلّم أعلن عن نفسه:
1. خالق السماوات والأرض (آ 5أ). أي إنّ "اسمه" (آ 8أ) هو "الخالق" الذي ينشر سلطته
في كل مكان لأنّ كل شيء هو ملكٌ له.
2. ممّجدًا، ومجد الخالق ظاهر في صنائعه، في خلائقه، وهو لا يُعطى لأحد، أي إن الله
واحد لا مثيل له (آ 8ب و5ب).
3. علّة كل موجود، هو الذي بسط الأرض أي صنعها كما هي الآن، وكان سبب كل ما تنتجه
(آ 5ج).
4. إله الشعب وخالق الإنسان. أما تسبيح الربّ وتمجيده فلا يصدران عن المنحوتات أي
الأوثان أو الأشياء بل عن الشعب الذي اكتسب من الربّ نسمة الحياة وسكن في أرضه لأنّ
الربّ أعطاه روحًا. وعندما نجمع بين النسمة والروح نشير إلى أنّ الروح الصادر عن
الربّ أي "النفخة" هي التي ستصنع الانسان المجبول بنسمة الحياة كما هي الحال مع آدم
في قصة الخلق (تك 1: 30). والسكن بحدّ ذاته مرتبط بالعودة إلى أرض الميعاد. والعودة
لا تتمّ إلاّ بواسطة هذا الروح الذي سيُنهض ويُقيم من بين الأموات، أي يعيد الرجاء
إلى الساكنين في الظلمة كما هي الحال في حز 37: 1- 14 حين يتكلّم عن رؤية العظام
اليابسة.
5. سيّد الأزمنة والأوقات، والربّ يكشف لنا أنّه العالم بكل شيء، عالم بالماضي
عندما يقول: "هوذا الأوليّات قد أتت" (آ 9أ) وعالم بالحاضر: "والحديثات أنا مخبرها"
(آ 9ب). وعالم بالمستقبل: "قبل أن تنبت أعلمكم بها" (آ 9ج).
4- الخلاصة
بعد الكشف عن توزيع العناصر في النص، إليك أقسامه المبنيّة على الشكل التالي:
أ- المختار (آ 1- 4)
ب- الربّ الخالق الواهب الحياة (آ 5)
أ أ- المدعو (آ 6- 7)
ب ب- الربّ المُمجَّد والعالم بكلّ شيء (آ 8- 9)
يمكننا استنتاج ما يلي: إنّ الربّ يأخذ بنفسه المبادرة الأولى، يختار من يريد،
ويدعو من يريد، ولكنّه يتمّم عمله بواسطة الروح. والروح يحلّ على المدعو أو المختار
فيعيد خلقه من جديد أي يربّيه تربية إلهية مجبولة بالبرّ والحقّ. والروح بعمله هذا
يُشّع نورًا وخلاصًا على كل من يرى في مختاره عبدًا للربّ وخادمًا فينضم إلى قطيعه.
والمختار بروح الربّ يصبح صلة وصل بين الله وشعبه فيدعى خادمًا أو كاهنًا أو عهدًا.
ولا ينحصر عمل الروح في المختار بل يتعداه كي يطال الشعب في ظلمته وينعكس على كل
الأمم التي تحيط به. وكل من يرى عمل الروح في المختار يندفع للاعتراف بالربّ الخالق
والواهب الحياة فيمجّده ويعلنه سيّد الأزمنة والأوقات والكون بمجمله، فيسكّنه الربّ
في أرضه ويضع فيه روحًا تميّزه عن غيره.
الفصل الثالث
الروح يمسح المختار ويعلن البشارة
أش 61: 1- 11
1- تحديد النص وشرحه وتقسيمه
يشكّل النص وحدة أدبية قائمة بحدّ ذاتها نظرًا للتضمين القائم بين خاتمة القسم
الأول (1- 3) وخاتمة القسم الأخير من النص (آ 10- 11). فعندما يقول في آ 3:
"فيُدعَون أشجار البرّ غرس الربّ للتمجيد"، يشير إلى أشجار تنبت، لها جذور متأصِّلة
بالبرارة هدفها التمجيد. ويعاود ذكر هذا الغرس بالذات في آ 11 حيث يقول: "هكذا
السيد الربّ ينبت برًا وتسبيحًا أمام كل الأمم".
بعد التأكيد على وحدة النص الأدبية يمكننا الدخول في نطاق تقسيمه والتعمّق في
لاهوته ومعناه.
يقسم النص ستة أقسام:
الأوّل: (آ 1- 3)، حيث يعلن الملك نفسه ممسوحًا كي يقوم برسالة تبشيرية تجاه
المنكوبين ويكشف لهم عن عمل الله الخلاصي لهم.
الثاني: (آ 4)، يدخل المسبي أرضه من جديد ويعاود بناءها كلها.
الثالث: (آ 5- 6)، يأتي الغريب كي يخدمهم (آ 5) ويجعل الله منهم كهنة خدامًا للربّ
يأكلون من ثمرة الأمم.
الرابع: (آ 7)، يجددون أرضهم ويرثون ضعف ما كانت عليه في السابق.
الخامس: (آ 8- 9)، الربّ تكلّم وقطع عهدًا معهم وجعل من نسلهم بركةً تُعرف لدى
الأمم.
السادس: (آ 10- 11)، شكر على حالة الخلاص التي عاشوها وبُشِّر بها سابقًا في آ 1-
3.
أما الأقسام فهي موزّعة على الشكل التالي كما يظهر من خلال جدول التوازي:
جدول التوازي
(1- 3)
- التبشير بالخلاص
- فيدعون أشجار البرّ غرس الربّ للتمجيد (3) (10- 11)
- تحقيق الخلاص
- هكذا السيد الربّ ينبت برّاً وتسبيحاً أمام كل الأمم (11)
(4) تجديد المدن في أرضهم وإعادة ورشة البنيان (7) سيرثون ضعفي ما كانوا عليه في
أرضهم عندما يعودون
(5- 6)- يأخذون الغرباء خداماً لهم
- يصبحون خداماً للربّ
- يرثون مجد الأمم (8- 9)- سيقطع الربّ معهم عهداً أبدياً
- ويُعرف نسلهم بين الأمم
- ونسلهم مبارك من الربّ
يظهر لنا الرسم على الشكل التالي:
أ- (آ 1- 3) التبشير بالخلاص وحلول الروح
ب- (آ 4) تجديد المدن في أرضهم
ج- (آ 5- 6) يرثون مجد الأمم كخدّام للربّ
ب ب- سيرثون ضعفي ما كانوا عليه في أرضهم
ج ج- (آ 8- 9) ويُعرف نسلهم المبارك بين الأمم
أ أ- (10- 11) تحقيق الخلاص.
2- لاهوت ومعنى أش 61: 1- 11
بعد الاطلاع على بنية النص وتوزيع عناصره يمكننا الآن المضي في التعمّق بلاهوته
ومعناه.
أ- الروح بمسيحه يعزّي ويبشّر المسبيّين (1- 3، 10- 11)
حلّ روح السيد الربّ على المنادي كما هي الحال في 11: 1 و42: 1، ومسحه، أي جعل منه
مسيحًا ملكًا وهي الصفة المحفوظة للملوك الداوديين فقط أو الملوك الذين يسيرون بحسب
مشيئته وإرادته بهدف تسهيل الخلاص للشعب كما يقول أشعيا: "هكذا قال الربّ لمسيحه:
"لكورش الذي أخذت بيمينه..." (45: 1). فالمسيح هو المدعو والربّ يسير أمامه (45: 3)
والمدعو عادةً هو صاحب رسالة لا محالة، لأنّ الربّ نصّبه ودعاه باسمه ولقّبه (45:
4). والرسالة تكون لأجل شعب الله، عبده يعقوب واسرائيل مختاره (45: 4). والرسالة
على ما يبدو يرافقها روح السيّد الربّ أي الملك لأنّه لا مَلك سوى الربّ والمسيح هو
عبده.
إنّ الروح بمرافقته للمسيح يقوم بتبشير المساكين (61: 1ب). والبشارة تتضمّن الفرح
والابتهاج وتحيي الرجاء وتعيد الأمل. وبشارة الفرح هذه تنادي بمجيء الربّ المخلّص
الذي يأتي بقوّة، وذراعه تمدّه بالسلطان (40: 9- 10). والبشارة المذكورة هنا هي
أعظم شيء قد ينقله إنسان إلى آخر ينتظر الخلاص من حالة البؤس والحزن (ق 41: 27 و52:
7 و60: 6...).
تحمل البشارة في طيّاتها روح الربّ لأنّها تجبر منكسري القلوب وتَعد المسبيين
بالعتق أي بالحريّة وبالخروج من سجن الظلمة هذا (61: 1 ب ج). ويعلن أشعيا عن وقوف
الربّ الدائم بجانب المسكين المنسحق الروح والقلب: "ولكن إلى هذا أنظر: إلى المسكين
المنسحق الروح الذي يخاف كلمتي" (66: 2). واليوم الذي يتحقّق فيه الخلاص، يكون يوم
انتقام لإلهنا وبداية سنة مقبولة خاصة بالربّ. فبعمله هذا يطبع السنة التي فيها
حرّر المستعبدين من السبي ويعتبرها سنة سابعة (رج أش 49: 8؛ أش 36؛ حز 21: 2؛ تث
15: 12؛ إر 34: 8- 16) أو سنة الخمسين (لا 25: 10؛ حز 46: 17).
إذًا فالسنة هذه ستخلق شعبًا جديدًا مؤمنًا بالله، شعبًا ينتقل من حالة الحزن
والاكتئاب إلى حالة الفرح والابتهاج، لأنّ روح الربّ تدخّل مباشرة في حياته وأصعده
من حالته المظلمة.
فالروح إذًا هو المعزّي لكل النائحين (61: 2ب). ولكن تعزيته لا تطال سوى النائحين
الذين يسيرون في سبل الربّ أي المرتدّين عن اثمهم كما يقول أشعيا: "احتجبت وغضبت
فذهب عاصيًا في طريق قلبه. رأيت طرقه فسأشفيه وأهديه وأردّ العزاء له" (أش 57: 17-
18).
ويشمل هذا العزاء: "السلام السلام للبعيد وللقريب" (أش 57: 19). أما النائحون فهم
نائحو صهيون الذين هُجّروا من أرضهم (61: 3). وهذا السلام سينزَع عنهم الرماد علامة
التوبة والندم ويضع على رؤوسهم التاج أي عزّة النفس. وسيدهنهم بالفرح علامة
الاندفاع والحياة بدل النوح والبكاء علامة الانحطاط والسبات. أما الرداء فهو رداء
التسبيح والنظر نحو الربّ المخلّص وهو الذي سيحلّ محل الروح اليائسة التي لا أمل
لها بأحد ينقذها (61: 3). والرداء علامة الدخول تحت أكناف الملك واسترداد المكانة
في بيت الربّ، صهيون.
بعد هذه النقلة النوعية سنرى أشجار البرّ أي أبناء البرّ الذين يعيشون بالبرارة كما
يشتهي الربّ أن يراهم، ولا يعود يدنو من الأبرار لا الظلم ولا الدمار لأنّهم ثابتون
في ما هم عليه: "وجميع بنيك يكونون تلامذة الربّ وسلام بنيك يكون عظيمًا، بالبر
تُثّبتني" (54: 13- 14). وبالإضافة إلى ذلك سيكونْ شعب صهيون كله أبرارًا للأبد
يرثون الأرض وفرع غرس الربّ وعمل يديه وبه يتمجّد (60: 61). عندما يدخل الروح في
عمل كهذا يصبح عملُ الربّ خلقًا. فالربّ يعيد خلق شعب جديد يغرسه بيده ويجبله بروحه
كي يصير فعلاً على صورة خالقه وصانعه فيمجّده ويعترف دائمًا بخلاصه.
أما آ 10- 11 التي تتوازى مع آ 1- 3، فتكشف لنا عن عمل الروح عندما يتجاوب الإنسان
المخلّص مع السيّد الربّ الذي خلّصه وحرّره.
يعبّر الشعب اليهودي عن فرحه بإلهه فيتذكّر صنائعه معه. خلق الله الفرح والبرّ في
شعبه عندما سعى وخلّصه من أيدي أعدائه (آ 10). أما الأرض التي عاد وأسكنهم فيها
فيسبّحونه فيها ضمن قالب برارتهم لأنّ منها سينبت أبرار جدد يسبّحونه إلى الأبد
مبعدين شماتة الأمم عنهم. لذلك فالأمم بدورهم عندما يرون الفرح والتسبيح الصادر عن
الشعب اليهودي سيمّجدون الله الذي يعيلهم ويهمّ بهم (آ 11).
يخلق عمل الروح في الإنسان عرفان الجميل تجاه الله المخلّص ويجعل من الشعب كنّارة
تسبيح وشكر لا تتوقف.
ب- الروح يجدّد ويخلّص الإنسان من الذلّ والهوان (4، 7)
إنّ العودة إلى الأرض تحتّم البنيان وإزالة الخَراب والموحشات (آ 4أ)، فيُخلق
التجدّد وتُبنى الدورُ كلها. أما أسس هذا التجديد والإعمار فترتكز على الربّ نفسه:
"وبفضلك يبنون أخربة الأيام القديمة وأنت تقيم أسس الأجيال" (أش 58: 12).
ويرث شعب الله أرضه ويستعيد ضعف ما خسره أثناء السبي (61: 7ب). ويظهر الفرح من جديد
في قلوبهم، لأنّ الربّ أزال عنهم خزيهم وعوّض عليهم بمكان يعيشون فيه أحرارًا مع
إلههم. وهذا الفرح لن يكون وقتيًا بل هو أبدي طالما البرارة هي حصنهم.
إذًا عمل الروح ليس محدودًا بالإنسان وبداخليته فقط، بل هو يتعدّاه ليطال الأمور
المادية كي يحمي الانسان كله، شرفه وكيانه وجسده، من كل أذىً خارجيّ كان أم داخليّ.
ج- الروح يجدّد وبخلق شعبًا كهنوتيًا مباركًا يطال الأمم (آ 5- 6، 8- 9)
أما علاقة الأمم بهذا الشعب فتصبح على صعيد الشهادة لأنّ الأمم ستنظر من بعيد وسترى
ما سيصنع الله مع شعبه. فالأجنبي والغريب سيأتيان ليعملا لدى اليهودي (آ 5، 14: 2).
أي إنّ هذا الأخير أصبح حرًا وانقلبت حالته رأسًا على عقب فانتقل من حالة العبودية
إلى الحرية. وأصبح عمل المؤمن يقتصر على خدمة الربّ لأنّه صار كاهنًا خادمًا، همّه
الأكبر خلق علاقة دائمة مع الرب والمحافظة على برّه (61: 6). أما الشعب الكهنوتي
(حز 19: 6) فهو صاحب رسالة تجعل منه صلة وصل بين الله وبقية الأمم. فالربّ الحاضر
دائمًا معهم بسبب عهده الأبدي الّذي سيقطعه معهم (11: 9)، سيباركهم ويبارك نسلهم
جيلاً فجيلاً، فيصبحون علامة توجّه أنظار الأمم إليهم (آ 9ب). والبركة التي نالها
الشعب ستشعّ كي تطال الشعوب المجاورة التي ستعترف بالربّ "محبّ العدل ومبغض الظلم"
(61: 8). ويصبح الشعب بركة للشعوب التي تحيطه كما قال الربّ لابراهيم في تك 12: 3:
"وتكون بركة وأبارك مباركيك [...] ويتبارك بك جميع عشائر الأرض".
د- الخلاصة
إنّ الروح بحلوله على المسيح المختار أصعد شعبًا بكامله من ظلمة السجن والأسر وأعاد
إليه السلام بتعزيته له. والروح الذي يعمل في الإنسان يجعل منه بارًا، ثم شهادةً
تخوّله لأن يكون كاهنًا خادمًا للربّ يربط بين الأمم وإلهه.
3- الخاتمة
بعد أن تعمّقنا بأحداث الخلاص التي ستتمّ على يد مسحاء معيَّنين (11: 1؛ 42: 1؛ 61:
1)، يمكننا طرح السؤال التالي: من أين لنا أن نتوقع رفقة روح الربّ لكامل الحدث
الخلاصي؟ هل يا ترى سنكتفي بقناعة مجزّأة غير أكيدة بأنّ الروح يقود فقط مختاريه
ولا يسعى لأن يعمل مع باقي أفراد الشعب والأمم؟
يعود الكاتب ويؤكّد صحّة ما نعتقده فيذكِّر الشعب بصنع الرب له وبكيفية مرافقته له
طوال الأيام القديمة نظرًا لأمانتهم إذ قال: "إنّهم شعبي حقًا بنون لا يخدعون فصار
لهم مخلّصًا" (63: 8)
ولكن تمرّدهم على روحه القدّوس أبعده، وببعده جرّدهم من قوّتهم فأصبحوا أعداءه (63:
10). ولكنه عاد وجعل الروح القدس مقيمًا في شعبه، فأخرجهم من مصر وأعطاهم الحريّة
(63: 11). فهداهم روح الرب وأراحهم وأعطى لهم إسمًا بهيًا أي مجدًا (آ 14) وأسكنهم
أرضه من حول بيت قدسه فورّثهم إياها.
يبدأ التدبير الخلاصي إذًا بتدخّل مباشر من الربّ الإله الذي يرسل روحه فيحلّ بدوره
على أحد المختارين. يتحرّك المختار بإيحاء من الروح القدّوس فيقود الشعب إلى
الخلاص. وعندما يتدخّل الروح لا يقتصر تدخله على فرد ما بل على كل الأفراد كي يشمل
بعمله الخلاصي جميع من يؤمنون به وبصنائعه، يبني شعبًا كهنوتيًا ذا رسالة تطال كل
الأمم على الأرض. فالربّ ليس محصورًا بشعب ما، وهو الذي خلق السماوات والأرض وكل من
عليها. إذا فالعمل الروحي شمولي لا حدود له.
الفصل الرابع
روح الربّ عند حزقيال النبي
1- لمحة تاريخية
إنّ الأحداث الأليمة التي قاساها حزقيال وشعبه لم تكن دون تأثير على نبوءاته.
فمواضيع كتابه تُظهر قسمين واضحين. الأوّل قبل سقوط أورشليم بين السنة 597 و587 ق.
م. والثاني بعد هذا التاريخ.
خلال السنوات 597- 587، ظهر تحالف ضدّ بابل بين الفرعون والملك صدقيا. خلق هذا
الأمر بعض الأمل عند المنفيين وفي أورشليم، وحَلم المنفيون بتحسّن سريع في الوضع.
وكان حزقيال وهو بينهم، يحاول عبثًا تخليصهم من هذا الوهم. فبدأ ينذر بدمار أورشليم
كدينونة من عند الله، بسبب خطايا اسرائيل كما في 4: 1- 8؛ 4: 9- 17؛ 15...
إنّ قسمًا هامًا من الكتاب مخصّص أيضًا للتنديد بخطايا أورشليم وهذه الخطايا هي سبب
دمارها (ف 1- 33).
انقلبت الأمور رأسًا على عقب بعد سقوط أورشليم مما أحدث تبدُّلاً ظاهرًا في
النبوءات (33: 22)، فبدأ النبي بإعلان الخلاص. وأطلق غالبية مواعظه ضدّ الأمم في
هذه الفترة (ف 26- 28) وأعلن عن الاستقلالية التي سيعود إليها الشعب، وعن الحياة
على أرضه بفضل روح يهوه (37: 1- 14). وتتجدّد الأرض (ف 36)، ويتوحّد الشعب من جديد،
ويجتمع تحت سلطة داود جديد (37: 15- 28)، وبالنهاية سيُعاد بناء الهيكل وتعيش
القبائل من حوله (ف 40- 48).
أما عمل الروح فهو أساس كل حدث خلاصي يعيشه الشعب اليهودي لأنّه سيدخل في قلوب
أبنائه ويزرع الشريعة في داخلهم، كي يجلب رضى الربّ عليهم فيحييهم ويعيدهم إلى حالة
الحريّة بعد أن يخلّصهم من السبي والعار.
بعد هذه اللمحة التاريخية السريعة نستطيع الآن الغوص في الآيات ككل مع التركيز على
نصوص معيّنة (36: 16- 38؛ 37: 1- 14) من أجل إبراز صورة الروح التي تقلب الأحوال
رأسًا على عقب لصالح خلاص الشعب.
2- الروح والرب
استُعملت كلمة روح، بمعنى ريح اثنتي عشرة مرّة في حز 1: 4؛ 5: 2؛ 11: 10؛ 12: 14؛
13: 11، 13؛ 17: 10، 21؛ 19: 12؛ 27: 26؛ 37: 9.
ولكن كلمة ريح تحمل أيضًا معنى الروح الصادرة عن العالم الإلهي 1: 21، 20، 21؛ 10:
17؛ 11: 1، 5، 24؛ 36: 27؛ 37: 1، 9، 10؛ 39: 29.
إنّ الريح في 1: 4 هي دليل حضور إلهي، أما في آ 12 فهي توجّه المركبة كما تشاء.
وتحرّك الكائنات الأربعة التي تشبه الحيوانات وهي الكروبيم، هذا ما لا شكّ فيه (9:
3؛ 10: 4). وهي تمثّل عرش يهوه في هيكل أورشليم (1 مل 6: 23- 27)، دون أن يحصل
التباس في الخلط بينها وبين الله. وهكذا، فإنّ روح يهوه يُحيي ويحرِّك المركبة، وهو
يدلّ على الحضور الإلهي وسط الغياب أي غير المنظور.
3- الروح والنبي
إنّ تجربة النبي الخاصة مع الروح تميّزه بشكل بارز عن نصوص الأنبياء القدماء. وهذا
ما يظهر في الفقرات التسع التالية: 11: 24 "روح إلوهيم"؛ 11: 5؛ 37: 11: "روح يهوه"
وفي 3: 12؛ 14؛ 24؛ 8: 3؛ 11: 1؛ 24أ؛ 43: 5. جاء استعمال كلمة روح مقتضبًا وبدون
أل التعريف. فالروح في هذا الإطار هو قوّة خاصة فاعلة ومستقلّة. ولكن فاعليّة الروح
متعلّقة بيهوه، بشكل واضح. وهدف الروح هو جعل الإنسان يقف أمام وجه الله (2: 2؛ 3:
24)، ونقل كلمة الله إليه (2: 1؛ 2؛ 11: 5) وذلك بواسطة رؤى إلهية (3: 12، 14 و8:
3؛ 11: 1؛ 43: 5). يكشف الله عن ذاته بواسطة هذا الروح، ويدخل في تاريخ شعبه. ومن
يتلقّى الروح يوضع في حالة حوار وطاعة.
4- الروح والنبي وشعب الله
أ- الروح يخلق قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا (36: 16- 38)
يشكّل 36: 16- 36 جزءًا من مجموعة الأقوال النبوية والرؤى بعد سقوط أورشليم سنة 587
ق. م. وهو يقع في مجموعة تتمحور حول عطيّة الروح كباكورة العودة من المنفى مثل 36:
1- 15 التي تتحدّث عن تكاثر عدد السكان وترميم الأرض ومعرفة الربّ، و37: 1- 14 التي
تتضمّن رؤية العظام اليابسة التي توحي بحالة اسرائيل قبل قيام الروح وبعده.
إنّ تكرار كلمة "آدم" في 16: 17 وفي آ 38 يبكِّل النص ويشكّل تضمينًا يجعل من 16:
36- 38 وحدة أدبية متكاملة.
ب- البنية
يقسم 36: 16- 38 إلى قسمين:
الأول: (آ 17- 29أ) يحتوي على الوعد بالخلاص والسبب الذي سيجعل يهوه يعمل؛ وهو مبني
على الشكل التالي:
أ- (آ 17- 19) شعب نجس
ب- (آ 20- 24) الله سينقذ شعبه اسرائيل لأجل اسمه القدّوس
أ أ- (آ 25- 29أ) تطهير الشعب النجس
الثاني: (آ 29 ب- 38) وهو يصف الإنجاز المنظور لهذا الخلاص، وترميم بيت اسرائيل على
أرضه. وهو مبني على الشكل التالي:
أ- (آ 29ب- 32) تكثير الحنطة، تلافي الجوع، دعوة إلى الارتداد
ب- (آ 33- 36) مدن مأهولة، وشهادة الأمم
أ أ- (آ 37- 38) نمو الشعب في أورشليم ومعرفة الربّ.
أما النظرة العامة للنص 36: 16- 38 فيمكن توضيحها بواسطة الرسم البياني التالي:
(17- 19) التشتت (37- 38) الجمع أي إعادة توحيد البلاد
(20- 24) ليس لأجلكم أنا صانع (29ب- 32) ليس لأجلكم أنا صانع
(25- 29) تسكنون الأرض التي أعطيتها لأبائكم (33- 36) (تسكين المدن)
(صارت كجنّة عدن/ وصارت محصّنة)
بعد الاطلاع على النص بمجمله، سنكتفي فقط بالقسم الذي يتكلّم عن الروح الجديدة التي
سيهبها الله لشعبه كي يعينهم على السلوك في سبله وأحكامه (36: 25- 29أ).
أ- (آ 25)- وأرش عليكم ماءً طاهرًا، فتطهرون من كل نجاستكم، ومن كل أصنامكم أطهركم،
ب- (آ 26) وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدة في داخلكم، وأنزع قلب الحجر من
لحمكم وأعطيكم قلبًا من لحم،
ب ب- (آ 27) وأجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون
بها.
أ أ- (آ 28) وتسكنون الأرض التي أعطيت أباءكم إياها وتكونون لي شعبًا، وأنا أكون
لكم إلهًا (آ 29أ) وأخلّصكم من كل نجاستكم.
ج- اللاهوت
بعد أن وعد يهوه بالعودة إلى البلاد، كعلامة على تقديس اسمه القدّوس (آ 20- 24)،
انتقل من المدى الخارجي للإنسان، أي المسكن والأرض، إلى المدى الداخلي، وهو قلب
الإنسان.
إنّ الآية 25 و29 تتجاوبان من خلال الكلمة "نجاسات". بالإضافة إلى ذلك، فالتوسّع في
التعابير "روح جديدة" "وقلب جديد" يجعل آ 26 و27 متوازيتين. من هنا الترتيب أ ب/ب
ب- أ أ المحوري، مظهرًا تطهير الإنسان عبر التغيير في روحه وقلبه بواسطة حلول روح
يهوه فيه.
إنّ التطهير بالماء الطاهر يعطي لهذا القسم نمطًا كهنوتيًا حاسمًا (رج لا 15: 5 ي؛
16: 4، 24- 25؛ 17: 15؛ 22: 6؛ عد 5: 19). يتوقّع حزقيال التطهير كتحضير لبني
اسرائيل العائدين إلى أرضهم، لكي يعاودوا عبادة إلههم (36: 25، 28). وهذا التطهير
ضروري بعد إقامة مديدة على أرض نجسة، وهو زمن استسلام إسرائيل للممارسات الوثنية في
عبادة "الأصنام".
إنّ تغيير "قلب الحجر" (علامة صمم الشعب)، إلى "قلب من لحم" (رمز الطاعة لإرادة
يهوه)، يتمّ بواسطة عطيّته "للروح الجديدة" (36: 26؛ 11: 19). وسيتحوّل القلب
القاسي المتحجّر إلى قلب حي. والكلمة المفتاح، "جديد"، المرفقة بكلمة "عهد" (عهد
إرميا 31: 31) هي مرفقة هنا "بالقلب" "والروح" اللذين يتغيران بفضل التدخّل الجديد
من قبل يهوه. يُنهض الله شعبه وينقذه من المنفى.
يدخل روح يهوه بحسب لاهوت حزقيال النبي، ضمن هذه العطيّة الجديدة في الشعب، فيُدخل
هذا الأخير معه في طاعة جديدة. بينما يرجع إر 31: 31 ببساطة إلى الشريعة الموضوعة
في قلب الإنسان. ويستند حزقيال في لاهوته إلى 1 صم 10: 6 ي حيث لا يكون الروح ملكية
داخلية بل قدرة تعطي الانسان إمكانيّة حفظ سبل الله وشرائعه وعيش التحوّل والتبدّل.
فيعود بعد ذلك بيت اسرائيل من جديد شعبًا ليهوه، الذي يعود إلهًا لهم (36: 28).
إنّه ارتداد يتّخذ شكل عودة إلى الأرض التي وُعد بها الآباء الأولون. وهذه العودة
تؤكّد أمانة يهوه التي تمتد من جيل إلى جيل مع العهد المضمون بحضور الربّ الفعّال
في الشعب من خلال الروح. وينهي حزقيال النص بالآيات 29- 32 حيث سيساعد الله شعبه
بالعمران والبنيان وإعادة حراثة الأرض وتثميرها. فيعبّر الله بتضامنه مع اسرائيل عن
مسامحته له. والتصرّف الخلاصي المحبّ تجاه الشعب سيدفع هذا الأخير إلى أن يتذكّر
طرقه الرديئة فيرتد ويتقوّى من خلال الروح الذي سيناله. سيردّ الربّ شعبه إذًا من
خلال محبّته له وروحه القدّوس الذي سيهبهم إياه.
الفصل الخامس
الفصل ينهض شعب الله
حز 37: 1- 14
إنّ حز 37: 1- 14 يشكّل تتمة لما ورد في 36: 16- 38. بعد أن تحدّث النبي عن تجديد
الشعب والأرض في الكلام النبوي السابق، ها هو يؤكّد مجدّدًا إرادة الربّ في تجذير
وعده من خلال رؤية. إنّه سينعش رجاء شعبه في منفاه (37: 1- 14). وهذا ما سيتمّ
بإعادة بناء بيت اسرائيل على أرضه بواسطة روح الربّ.
1- بنية النص
إنّ كلام الربّ الوارد في آ 1 "بروح الربّ" وفي آ 14 "روحي" يشكّل حدودًا للنص
ويبكِّل 31: 1- 14، ويُظهر التضمين واضحًا.
يقسم النص ستة أقسام صغيرة مقسّمة بطريقة متماسكة آ 1- 3؛ 4- 8؛ 9- 10؛ 11؛ 12- 13؛
14
تشكّل آ 1- 3 مقدّمة تبيّن المكان الذي نقل روح الله النبي إليه، وتصف هذا المكان،
وهو واد مليء بالعظام اليابسة. بعد هذا العرض، يطلب الرب من حزقيال أن يتنبأ مرتين،
مرّة على العظام (آ 4- 8)، ومرّة أخرى على الروح (آ 9- 10). والنبوءتان مبنيتان
بالطريقة ذاتها. يأمر الربّ في آ 4- 6، 9 حزقيال. وفي آ 7- 8، 10 ينفّذ النبي
الأمر. أما آ 11 فتعبّر عن كلام الشعب الذي يشكو من وضعه المأساوي. واستجابة لصراخ
الشعب، يطلب الرب مجددًا من النبي أن يعلن أنّ إسرائيل سيصعد من القبور (آ 12- 13)،
وأنّ الروح سيعيده ليعيش على أرضه (آ 14).
استنادًا للملاحظات السابقة يظهر لنا النص على الشكل التالي:
أ- (آ 1- 3)- روح الربّ يعمل في النبي
- يهوه يطرح سؤالاً على حزقيال: أتحيا هذه العظام؟
ب- (آ 4- 8) نبوءة على العظام اليابسة
ج- (آ 9- 10) الروح ينفخ على الأموات
ب ب- (آ 11) العظام هي كل الشعب الاسرائيلي
ج ج- (آ 12- 13) وأصعدكم من القبور (من بين الأموات)
أ أ- (آ 14) الجواب على السؤال الوارد في آ 3 هو التالي: "وأجعل روحي فيكم فتحيون"
2- لاهوت النص ومعناه
أ- يوحي روح الربّ لابن آدم بالحياة الجديدة (آ 1- 3)
إنّ ورود الاسم الرباعي ليهوه ثلاث مرّات في بداية الفقرة وفي نهايتها (آ 1، 3)،
يجعل يهوه سيد الموقف، "يد الربّ (يهوه)"، "روح الربّ"، "سيدي الربّ". ينقلنا
التعبير الأول إلى رؤية جديدة في سفر حزقيال (آ 1)؛ وهو متصل أحيانًا بروح يهوه
الفاعل في النبي ليجعله ينتقل من مكان إلى آخر من خلال الرؤية (آ 2). "كانت يد
الربّ عليه" تعني أنّ الله وضع الكلام في فم النبي، وأنّ روح الله ينتزعه من الرؤية
العادية للأشياء ويدخل في طويّته الروحيّة. وبالتالي فإنّ انتقال النبي فكري أكثر
مما هو جسدي. وتعبير "العظام" بصيغة الجمع، يتكرّر ثلاث مرّات لإبراز هدف يهوه، وهو
إعادة إحياء هذه العظام (آ 3). والعظام موجودة في مكان معيّن، إنّها في "وسط
البقعة" (آ 3). وهي "كثيرة جدًا ويابسة جدًا". هذا الوصف يقرّبنا من واقع يُظهر
عدمًا خاليًا من كل رجاء؛ والمرور من حولها في كل الاتجاهات، ليس سوى تأكيد على
غياب الحياة فيها. ويأخذ يهوه المبادرة في آ 3، ويطرح على حزقيال السؤال: "يا ابن
آدم، أتحيا هذه العظام"؟. إنّ عبارة "يا ابن آدم" تذكّر النبي بوضعه البشري وتخلق
مسافة بينه وبين الله المتسامي (آ 4). إنّ هدف يهوه يتوضّح من خلال السؤال الذي
طرحه، وهو إعادة إحياء العظام.
وفي آ 3ب، يتضمّن جواب النبي فعل إيمان، "أيها السيد الربّ"، وفي الوقت ذاته ثقة
بإمكانات الله غير المحدودة التي لا يقدر عليها عجز الانسان. لم يعد لدى "ابن آدم"
ما يقوله أمام موقف كهذا: "يا سيدي الربّ، أنت تعلم".
ب- يجعل الروح من كلمة ابن آدم قوّة تحيي (آ 4- 8)
بعد التجوّل في الوادي، بكل الاتجاهات (آ 1- 3)، تلقّى حزقيال الأمر بأن يتنبّأ على
العظام اليابسة (آ 4). يُعلمه يهوه في البداية، بما عليه أن يقول (آ 4، 6)، قبل أن
يترك الكلام له (آ 7- 8). إنّ كلمة "الله" تمرّ بإنسان ليعلنها. وفي آ 4، يتمّ
تشخيص العظام اليابسة، لأنّ كلام يهوه سيكون موجهًا إليها، "اسمعي كلمة الربّ".
وتؤكّد آ 5 من جديد على أنّ النبوءة تأتي من الربّ. وبالإضافة إلى ذلك، لن تحيا هذه
العظام بدون روح يعطيها يهوه (آ 5، 6ب). وضمير المتكلّم "أنا" الذي تكرّر خمس مرّات
في آ 5- 6، بشكل بارز ومستتر، يجعل يهوه العامل الفاعل الوحيد في الرؤية: فهو من
يعطي الروح ويجعلها تدخل في تلك العظام. إنّ "الروح" المشار إليها في آ 5ب، 6ب، 8ب
ليست روح يهوه (آ 1). إنّها تأتي من الله وليست الله ذاته، بل هي علامة وجود الحياة
في الإنسان. وتعبّر آ 6أ عن إحياء العظام ابتداءً من أعمقها في جسم الانسان،
ابتداءً بالعصب، ثم اللحم، ثم الجلد. والانسان مكوّن من جسم وروح، واكتمال هذين
العاملين فيه متعلّق بيهوه: "وتعملون أنّي أنا الربّ". إنّ عمل يهوه لصالح العظام
اليابسة هو إنجاز خلاّق ذو وجهين: الله يعيد خلق جماعة (من البشر)، لترى وتعرف أنّه
يهوه، مصدر الخلق والايمان. بعد أمر يهوه، يأتي التنفيذ حيث يأخذ النبي الكلام.
وصيغة المتكلّم التي استعملها النبي في آ 7، تدل أنّه الفاعل الذي يقوم بأعمال
ثلاثة: تلقّي "الكلمة" (آ 7)، "والتنبؤ" (آ 7)، "والنظر" (آ 8). يتلقّى النبي كلمة
ليست منه. وفاعلية هذه الكلمة في الناس. والصوت والارتعاش (آ 7) يدلاّن على الحركة،
فالعظام تتقارب بعضُها من بعضها، ويطرأ عنصر خارجي في اللحظة التي يتنبَّأ فيها
حزقيال. تُحدث كلمتُه المفاعيل التي أعلن عنها سابقًا، وتعود الأعصاب واللحم والجلد
إلى مواضعها. ولكن الأجسام تبقى بدون روح (آ 1). ونرى أنّ "هناك ميلاً عند حزقيال
للتوسّع في المسار القصصي، وخاصة لعرض انتروبولوجيا (آ 3) تقليدية، هي التي تخبر عن
خلق الانسان على مرحلتين: (تك 2: 7)، فنتوقّف هنا على مرحلة أولى، بانتظار أمر جديد
من الله".
ج- يتجاوب الروح مع كلمة ابن آدم فيقيم البشر من بين الأموات (آ 9- 10)
إنّ آ 9- 10 متوازيتان. بالواقع، يعطي الله الأمر للنبي (آ 9أ) الذي ينفّذه (آ
10أ)، وهذه هي الحال في الفقرة السابقة. وكلام يهوه في آ 9ب يقوم على دعوة الروح
ليهبّ على القتلى، وفي آ 10ب، يتحقّق كلام الله لأنّ الموتى عادوا إلى الحياة. إنّ
حزقيال في استعماله لكلمة "روح"، ينتقل من معنى إلى آخر بطريقة لا شعورية. ويعني
الروح في آ 4- 8، نفخة الحياة البشرية، وفي آ 9- 10، نجد كلمة "روح" مسبوقة "بأل
التعريف" فتصبح مشخّصة. فهذا الروح يجب أن يأتي من "الجهات الأربع"، "من الرياح
الأربع"؛ فهو في كل مكان، وغير محدّد في الوقت ذاته. وتتحدّث آ 1، 14 عن روح يهوه
الذي يمر من خلال النبي فيؤثّر عليه، ويجعل الموتى يحيون (آ 1).
لذلك، فإنّ الروح في آ 9- 10 لا يأتي من الله بل من قوّة حياة تعبر العالم وتغمر
الجثث كالريح. ومع ذلك، فإنّ مجيء هذا الروح متعلّق بإرادة يهوه. وبالإضافة إلى
ذلك، ففي زمن حزقيال، كما في زمن أيوب (رج 14: 14)، لم يكن الناس يعرفون شيئًا عن
قيامة شاملة للموتى في اليوم الأخير، ولم يكونوا يريدون أن ينكروا على يهوه إمكانية
إحياء الموتى بقدرته كخالق. إنّ قدرة يهوه هذه، سبق أن أيّدها سفر الملوك (1 مل 17:
17 ي؛ 2 مل 4: 31 ي؛ رج 2 مل 13: 20 ي. والإشارة إلى يهوه كـ "إله أرواح جميع
البشر"، عد 16: 22).
د- يعاكس الروح يأس شعب الله وتحاليله المحدودة (آ 11)
إنّ المقطوعة 1- 10 قد تفسّر رؤية بعيدة عن الواقع إن لم نربطها بهدفها. وتلعب آ 11
دور جسر يصل الخيالي بالواقعي. وعبارة "ابن آدم" تدلّ على رسالة جديدة موجّهة إلى
النبي، وهي تفسير الرؤية. هذه العظام، هي كل بيت اسرائيل. يشتكي الشعب في آ 11ب، من
وضعه المأساوي، ويستعيد، في كلامه، التعابير المستعملة في الرؤية: "عظام يابسة".
إنّ الشعب مقتنع بدماره وضياعه الميت: "هلك رجاؤنا". لأنّ اسرائيل حافظ على رجائه
حتى سقوط أورشليم والهيكل في يد البابليين. يتدخّل الله ويُبلغ مخطّطه الخلاصي إلى
النبي منذ بداية فقدان الرجاء في حياة المنفيين. والنبي بدوره يشرح كلمة يهوه
مستندًا إلى تعبير يصف خيبة شعب اسرائيل الحالية: "يبست عظامنا، وهلك رجاؤنا، قد
انقطعنا" (آ 11ب).
هـ- يحيي الروح الأمل ويُصعد الشعب من حالته المأساوية (آ 12- 13)
بهذه الآيات يردّ النبي على "هلاك الرجاء" الذي يتمّ التعبير عنه في آ 11. فقد سبق
أن تنبأ حزقيال للروح فعاد الموتى إلى الحياة (آ 10). فهؤلاء لم يعد مكانهم في
القبور (آ 12- 13). وتفتح آ 12أ النبوءة مثل آ 5- 9. هذا الكلام موجّه إلى شعب يائس
(رج آ 11) يدعوه الله إلى فعل إيمان (آ 13أ). وتتوازى آ 12ب مع 13 ب: ينبع الاعتراف
الايماني من فعل يهوه الذي سيفتح القبور. وهكذا يتدخّل الله بذاته في فعل تحرير
شعبه. وآ 12ج موازية للآية 13ج ج: يدعو يهوه بيت اسرائيل "شعبي" ويؤكّد أنّه لم
ينسَ عهده معه. يؤدي إخراج شعبه من القبور إلى "إعادته" إلى أرضه. وتشير القبور إلى
حالة المنفى الذي وقع فيه الشعب اليهودي في أرض بابل. يجب أن نشير هنا إلى فعل
"صعد"، الذي يُعيدنا إلى تقليد الخروج، عندما "أصعد" الله شعبه.
و- يحلّ الروح على شعب يسكن في أرض يعلم فيها كلام الربّ وصنائعه (آ 14)
إنّ العودة إلى أرض اسرائيل يجب أن تمر بالروح. وتصف آ 14أ وآ 14أ أ عملين قام بهما
يهوه لمصلحة اسرائيل؛ جعل روحه فيهم، وجعلهم في أرضهم. والروح في آ 14ب يعطيهم
الحياة. أما في آ 14ب ب فسيصبح اسرائيل نشيطًا فاعلاً ويعرف يهوه مجددًا. وهذا
سيتحقّق بعد معاينة فعالية كلمة يهوه، والشهادة لها؛ "تكلّمتُ وأفعل" (14 ب ب).
وبالاضافة إلى ذلك، فإنّ آ 14 هي جواب على السؤال الذي وجّهه يهوه إلى النبي في آ
3: "أتحيا هذه العظام؟. إنّ روح الله في آ 1، هو ذاته في آ 14أ. لذلك، فالبداية
والنهاية متعلّقتان به، من مبادرته إلى نهاية مخطّطه الخلاصي لشعبه. ويدلّ توجيه
حزقيال بروح يهوه (آ 1)، على حضور إله العهد عاملاً بكلمة نبيّه.
وينقل هذا النبي، المتّحد بالروح، الكلمة إلى شعبه إذ يخاطبه (آ 14). إنّ الكلمة
مجتمعة مع الروح تصير فاعلاً خلاصيًا وحاملاً الرجاء. ليس النبي مخلّصًا، بل
مساهمًا تمرّ كلمة يهوه من خلاله.
3- الخلاصة
إنّ هذا النص هو من أشهر نصوص حزقيال. ونجد فيه، بشكل قوي، تعزية الشعب الذي فقد
الرجاء. إنّ النبي، بهذه الرؤية التي رآها، يردّ على وضع مأساوي تلا انهيار أوهام
بيت اسرائيل. والروح الموعود في هذا الإطار، يتدخّل ليعطي الحياة لبني اسرائيل لكي
يخلقهم من جديد. وهذا الخلق الجديد يتّخذ شكل خروج من المنفى وعودة إلى البلاد.
فبعد تدخّل روح يهوه، سيرجعون شعبًا يرى في إلهه، ذلك الفاعل بقّوّة أكيدة.
يبقى 37: 1- 14 وعدًا غير مقيّد بشروط، ودون دعوة إلى الارتداد أو إلى الطاعة. كل
شيء متعلّق بمبادرة الله في مجانيتها. إنّ إرادة الله ترفض موت شعبه وتلاشيَه.
فالله يريد خلاص هذا الشعب، لذلك يُرسل النبي، كعلامة محسوسة وواضحة للعلاقة بينه
وبين شعبه. إنّه مع حزقيال ليُحيي رجاء المنفيين، ويعيد لوجودهم معناه.
بعد سقوط أورشليم أعلن حزقيال رسالة رجاء: سيتدخّل الله لصالح شعبه، ويقيمه، إذ
يجعل فيه روحًا من روحه (36: 23- 27؛ 37: 1- 14؛ 39: 29). يعطي الله روحه ليجعل
العلاقة مع بيت اسرائيل ممكنة، بالمستوى الذي يريده الله. تصل درجة التزام الربّ
بإحياء شعبه إلى حدّ تقاسم "روحه" معه.
أ- الروح وروى الإنسان
إنّ المعنى المعطى لكلمة "روح" في آيات عديدة هو "روح الانسان". ففي 3: 14 حمل
الروح النبي الذي كان يشعر بحرارة روحه في داخله، ويد الربّ شديدة عليه. لقد مُسّ
المركز الحيوي في داخله. وكذلك الأمر في 21: 12، حيث الروح المغلوب يدلّ على حيوية
وشجاعة الكائن البشري (يش 2: 11؛ 5: 11). وفي 20: 32 نقرأ "والذي يخطر ببالكم"
(بروحكم في الأصل). إنّ الروح تعني هنا القوة التي في داخل الانسان وهي تجعله ينصرف
إلى عبادة الأصنام.
وكذلك فإنّ روح النبي تبدو كمركز إدراك غير قادر بمفرده على اكتشاف إرادة الله (13:
3؛ هو 9: 7)، ولا يكتمل الإدراك إلاّ بروح يهوه. نضيف إلى ذلك الدعوة إلى الارتداد:
"واعملوا لأنفسكم قلبًا جديدًا وروحًا جديدة" (18: 31). هذا التحريض يبدو متناقضًا
مع مجرّد الوعد بالخلاص (11: 9؛ 36: 26)، الذي بموجبه سيزرع يهوه بذاته هذه الروح
الجديدة في الانسان.
ب- الخاتمة
سيعيد الله شعبه إلى أرضه، ويحدث تغييرًا واقعيًا في روح الكائن البشري، أي المركز
المحرّك للكائن البشري، الذي يعطي صورة مخلوق ينفخ الله فيه نسمة الحياة من جديد.
فكما ينفخ الله في الانسان نسمة "حيّة" (تك 2: 7)، كذلك فإنّ الروح الذي أعطاه الله
للإنسان سيبقى نعمة خاصة. وعطيّة الروح الجديد تحدث تغييرًا جذريًا في داخل
الانسان، ألا وهو "معرفة الله".
الفصل السادس
روح الربّ عند يوئيل وزكريا
1- روح الرب عند يوئيل (يوء 3: 1- 5)
أ- لمحة تاريخية
قلّ ما نعرف عن يوئيل شخصيًا أكثر من كونه ابن فتوئيل (1: 1) ومن أنّه على الأرجح
عاش في أورشليم. أحبّها كثيراً وعرفها بشكل مفصّل من ناحية تاريخها وعباداتها. لم
يكن يوئيل كاهنًا (1: 13- 14؛ 2: 17). وقد تنبّأ في زمن لم يكن شعب يهوذا قد سقط
بعد ذلك في الفساد المفرط. ومن شأن هذا، أن يُرجّح وضعه، بين زمنين مختلفين إمّا في
أوائل حكم يوآش أو بين حكمي يوآش وعزيّا (2 مل 11: 17- 18؛ 12: 2- 16)؛ وربما كان
معاصرًا لهوشع وعاموس. وإمّا في القرن الرابع كون جماعة الله تعيش منغلقة على ذاتها
داخل أسوارها (2: 7- 9) بقيادة شيوخها وكهنتها (1: 2، 13).
أمّا بالنسبة للظروف التي دفعته للكتابة، فهي تتمحور حول حدث تعرّي الأرض بجائحة
جراد، فصار الطعام ضئيلاً وتوقفت عن بيت الله تقدمات الذبائح والسكائب (1: 13).
ولكن بالرغم من أهميّة الموضوع بالنسبة للنبي يوئيل، فإننا نراه يلمِّح ضمنًا إلى
غزوة ما، يشنّها أعداء سيخرّبون الأرض تخريبًا رهيبًا على شاكلة حملة الجراد. ويدعو
بذلك إلى فعل توبة (2: 15- 17) وإلى ممارسة الأعمال الصالحة من قبل الرؤساء.
ويتنبّأ بعدها بزوال الأعداء إلى أن يصف انسكاب الروح الإلهي الذي سيعقب ذلك (3: 1-
5).
ومن جراء هذا الوصف لانسكاب الروح كما سمّاه النبي يوئيل (3: 1- 5) ارتأينا أهمية
الغوص والتعمّق ولو بشكل سريع في هذه الرؤية.
ب- تقسيم النص
يقسم النص ثلاثة أقسام:
الأول: (آ 1- 2) حلول الروح على كل البشر من دون استثناء.
الثاني: (آ 3- 4) عجائب تطال السماء والأرض فقط، لا الانسان.
الثالث: (آ 5) النجاة لكل من يدعو باسم الربّ فقط.
يتوازى القسم الأول مع الثالث لسبب واضح ألا وهو علاقة الروح بكل بشر في آ 1- 2
وعلاقة الربّ بسكان صهيون وأورشليم البشريين (آ 5).
إذًا يتمحور النص حول آ 3- 4 حيث نلاحظ علاقة الربّ بالخلق الجامد.
وتتوزّع عناصر النص على الشكل التالي:
أ- (آ 1- 2)
ب- (آ 3- 4)
أ أ- (آ 5)
ج- لاهوت النص ومعناه
أولاً: يبدأ الخلاص بسكب الروح (آ 1- 2، 5)
يبدأ النص بإعلان الربّ عن تدبيره (آ 1أ) فيستعمل النبي فعل "سكب" وهو الفعل نفسه
الذي استعمله أشعيا في 32: 15؛ 44: 3 و59: 21؛ وحزقيال 39: 29، كي يتكلّم عن روح
الربّ: "إني أسكب روحي". سيسكب الربّ روحه على كل "بشر" من دون استثناء. ولكنه يعود
فيقول في آ 5أ إنّ النجاة ستكون فقط للذين "يدعون باسم الربّ". إذًا فالربّ يريد
تخليص كل شعبه، ولكن البعض منهم يرفضون التجاوب معه وطاعته فينبذون اسمه ويطالهم
الهلاك.
عندما يحلّ الروح، يطبع البشر بعلامات ثلاث:
* الأولى: النبوءة: "فيتنبّأ بنوكم وبناتكم" (آ 1ب).
إنّ النبوءة هي عمل روح الربّ كما برز بشكل واضح مع النبي حزقيال حين انتقل إليه
الروح عندما سمع كلام الله: "فدخل فيّ الروح ثم تكلّم معي"، فأنهضه وأعطاه القوّة
اللازمة كي يسمع كلمة الربّ التي سينقلها بدوره إلى الشعب، إلى بني اسرائيل (2: 2-
3).
وكذلك عندما نزل الربّ في الغمام وخاطب موسى، وأخذ من الروح الذي عليه وأحلّه على
الرجال السبعين، أي الشيوخ، فلما استقرّ الروح عليهم، تنبأوا إلاّ أنّهم لم
يستمرّوا. ولكن بقي في المخيّم اثنان استقرّ الروح عليهما فتنبّأا في المخيّم. وبعد
ذلك أعلن موسى عن أمنيته قائلاً: "ليت كلّ شعب الربّ أنبياء بإحلال الربّ روحه
عليهم" (عد 11: 24- 29). إذًا فالرغبة الأساسيّة وقمّة حلول خلاص الربّ على شعبه
هما علامة النبوءة التي تأتي مع سكب الروح على الشعب من دون استثناء. والأشخاص
الذين يستقرّ الروح عليهم هم الذين يدعوهم الربّ من بين الباقين أي الناجين من شعب
صهيون (آ 5ج). فالدعوة تبدأ إذًا بثبات الروح على الانسان واستقراره.
* الثانية: الأحلام: "ويحلم شيوخكم أحلامًا" (آ 1ج).
إنّ النبي الذي يتكلّم عنه يوئيل يخاطبه الربّ في الحلم فقط كما قال الربّ لهارون
ومريم في عد 12: 5- 6: "إنّ يكن فيكم نبي، أنا الربّ في حلم أخاطبه"، وليس في
اليقظة كما هي حالة المختار وعبد الربّ موسى، لأنّ موسى كان يعاين مجد الربّ مباشرة
وليس بالألغاز (آ 8). والحلم عادة لا يتكلّم فيه الانسان الذي يعيشه بل يسمع، وإن
تكلّم فكلامه يكون من صنع الربّ، وإن وجّه أسئلة فيكون قد سألها قبل النوم أي في
اليقظة. لذلك فالحلم إما أن يكون جوابًا على سؤال وإما أن يكون توجيهًا يتدخّل فيه
روح الربّ كي يعطي الانسان علمًا بما عليه أن يفعل، كما هي الحال في تك 28: 12؛ 31:
10؛ 40: 5.
أما مع إرميا فالحلم كان يرافق عادة الأنبياء: "النبي الذي عنده حكم فليقصّه، والذي
عنده كلمتي فليتكلّم بها بالحقّ" (23: 28). ويضيف أيضًا: "هاءنذا على الذين يتنبأون
بأحلام كاذبة يقول الربّ" (23: 32).
* الثالثة: الرؤى: "ويرى شبانكم رؤىً".
والرؤية هي عمل الروح بالنبي أيضًا، ويظهر ذلك واضحًا في أقواد حزقيال: "ورفعني
الروح بين الأرض والسماء وأتى بي إلى أورشليم في رؤىً إلهية" (8: 3؛ 3: 1- 2).
والعلامات الثلاثة تتضمّن معًا عملاً مباشرًا من الربّ بواسطة الروح. أما الشيء
الملفت للنظر، فهو عدم التمييز في عمل الروح داخل الشعب لأنّه يطال الأمة والعبد،
والحرّ والحرّة معًا.
أما الروح بعمله هذا فسيدخل بشكل واقعي على الشعب الساكن في جبل صهيون وفي أورشليم
أي مكان قدسه ومسكنه. لذلك حيث يكون الروح يكون الربّ. والروح بذلك يدخل في تاريخ
شعب الله كي ينجيه من أزمة المسّ به. والذي سينجو هو الذي يدعو باسم الربّ أي
المؤمن. ومن بين الناجين سيكون هناك مدعوون أي أشخاص توهب لهم كلمة الله كي يتمّموا
رسالة معيّنة بين الشعب ألا وهي إتمام تدبير الله الخلاصي في الأرض.
ثانيًا: الروح يظهر عمل الربّ بالعجائب والآيات (آ 3- 4)
يتدخّل الروح في حياة الشعب معلنًا عن حضور الربّ معه في الآيات والأعاجيب. فالسماء
والأرض من صنع الربّ. لذلك يعلن الربّ من خلالهما أنّه الخالق وليس هناك من مخلوق
بين السماء والأرض لا ينتمي إليه.
لذلك فهو الخالق الأوحد، الذي يستطيع التحكّم بعناصر الطبيعة كما يريد. فالنار
وأعمدة الدخان تذكّران بالخروج من مصر أي بخلاص الشعب اليهودي من تحت نير العبودية.
أما الظلمة، والقمر الذي ينقلب دمًا، فيذكّران بالشعب المصري الذي وقف في وجه تدبير
الله الخلاصي عندما أراد إخراج شعبه من مصر. فيوم الربّ هو اليوم الذي سيتدخّل فيه
الربّ كي يزيل الظلم عن الأرض ويخرج المسكين من تحت نير الظالم. والنجاة تطال فقط
كل من يدعو باسم الربّ.
ج- الخاتمة
لماذا لا يسعنا ربط عمل الروح الذي يتنبّأ في يوئيل بالروح الذي يتنبّأ في حزقيال
في 37: 27 حيث قال: "وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل في أحشائكم روحًا جديدًا وأنزع من
لحمكم قلب الحجر وأعطيكم قلبًا من لحم وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على
فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها".
فدخول الروح في الرؤى والأحلام وعالم النبوءة لدى الانسان يخلق لهذا الأخير
معلِّمًا واحدًا ألا وهو الربّ. فالذي يتجاوب مع تعاليم الربّ المباشرة له يبدأ
بالاعتراف باسم الربّ فيستقرّ الروح عليه كي يصير نبيًا حقيقيًا منتميًا إلى شعب
صهيون الساكن حول مسكن الربّ وقدسه. وبما أنّ السبي والجلاء تمّا بسبب إخفاق الشعب
في تحقيق شريعة الربّ، لذلك فالنجاة والخلاص يبدأان بحفظ الشرائع التي عجز الانسان
عن حفظها لوحده. لذلك فالروح هو الذي يدخل الانسان ويعلّمه فرائض الربّ ويعينه على
العمل بها فينجو من السبي ويخلص.
2- روح الربّ عند النبي حجّاي وزكريا
بعد العودة من الجلاء سنة 537، وبعد محاولة لإعادة بناء الهيكل، والمضايقات الصادرة
عن أهل السامرة لمنع ذلك، وأثناء النزاعات العنيفة الداخلية لإمبراطورية فارس خلال
فترة حكم الملك داريوس (522- 486)، تأثّرت أورشليم بملكها زَرُبابل وكاهنها الأعظم
يشوع بن يوصاداق (حج 2: 1- 2) وتوقّفت أعمال الترميم وأصيبت نفسية العائدين من
السبي بالإحباط.
تدخّل أثناءها النبي حجّاي واعتمد تذكير الشعب بتاريخه الحافل بتدخّلات الربّ في
حياته من أجل انقاذه وخاصة مساعدته في الخروج من مصر (2: 4). ويعتبر النبي حجّاي
أنّ الله في مصر أعطى شعبه وعدًا ينبغي على هذا الأخير أن يتذكّره كي يستطيع الحفاظ
على أمله ورجائه وإيمانه ويكمّل مسيرته (2: 5): "على حسب الكلمة التي عهدتكم بها
عند خروجكم من مصر...".
ويرتبط الوعد عادة بشيئين، الذكرى والحضور. فعندما تتذكّر الحدث الخلاصي الإلهي
ووعد الله وكلمته، تعي حضور الربّ وتبدأ صلة وصل بينك وبينه بشكل فعلي وليس بشكل
وهمي، فيتحرّك الايمان ويتدخّل الربّ في تاريخك. هذا الحدث الخلاصي وهذا الوعد وهذه
الكلمة تُصبح سرًا يتضمّن قانونًا إيمانيًا لا يستطيع اليهودي أن يزدريه ويهمِّشه
لأنّه بقانون الايمان هذا يحرّك روح الربّ الذي يقيم داخل الشعب (2: 5) ويحقّق
فعلاً هذا الحضور الالهي الذي لا يترك الشعب بل يساعده على الاستمرار والمضي قدمًا
إلى الأمام دون تراجع.
إذًا فالروح حاضر ومقيم بين شعب الله ولكنه لا يتحرّك إلاّ إذا تلا الشعب قانون
الايمان واعترف بصنائع الربّ وأبدى ثقة تامة بمقدرته على اتمام ما كان قد بدأه معهم
وسيتمّمه. والحالة نفسها تتكرّر مع النبي زكريا الذي يردّد الشيء نفسه في أماكن
اثنين من كتابه ويدعو إلى الاتّكال على روح الربّ من أجل اتمام ما كان قد بدأه
زربابل في بناء الهيكل. فالقدرة والقوّة البشريّة لن تنفعا شيئًا ما لم يتدخّل روح
الربّ لإتمام ذلك العمل (زك 4: 6) "لا بالقدرة ولا بالقوّة، بل بروحي، قال ربّ
القوات".
وأثناء رؤيته (6: 1- 8) يقول: "انظر إنّ التي خرجت إلى أرض الشمال قد أراحت روحي في
أرض الشمال" ويشير إلى أنّ عودة المسبيين ستتحقّق. وبما أنّ بناء الهيكل كان الهمّ
الأكبر للشعب اليهودي لأنّه يرى فيه حلول الربّ وسكناه بين شعبه، فإنّ عبارة "قد
أراحت روحي" تعني أنّ الهيكل سيتمّ بناؤه وروح الرب سيكون هناك.
أما المرّة الثالثة التي يذكر فيها زكريا الروح فإنّه يشير إلى الانبياء الذين
تنبّأوا سابقًا بواسطة روح ربّ القوات (7: 12). فالروح إذًا هو الذي ينقل كلمة الله
إلى النبي بهدف نقلها إلى الشعب وإنارته وتخليصه وخلق روح الأمل فيه كي يهديه إلى
سبله وشرائعه وينقذه من الإحباط ويساعده على المضي في مسيرته كي يستطيع تحقيق عيش
فعلي حول ربّ القوات.
3- الخاتمة
يعمل الرب في شعبه من خلال روحه الذي يتدخّل في تاريخه بوسائل متعددّة، منها حلول
الملك المختار (أش 11: 1- 10) من أجل إحلال السلام والعدل بواسطة الحكمة والمشورة
ونشر مخافة الله بين أفراد الشعب.
والروح بحدّ ذاته هو الذي يدعو الإنسان من بين الشعب ويختاره ويرسله بهدف تخليص
المنكوبين وإخراج الأسرى من سجن الظلمة ونشر الكلمة. ويكشف الروح أثناء ذلك عن
هويّة الربّ الإله خالقًا ومحبًا للبشر وضابطًا لكل شيء (أش 42: 1- 9). والروح
بمسيحه يعزّي البشر ويخلّص الانسان من الهوان ويخلق شعبًا كهنوتيًا مباركًا من الرب
بهدف خلق صلة وصل بين الله والأمم أجمعين (أش 61: 1- 11).
أمّا مع النبي حزقيال فالروح هو الذي يحوّل الانسان من الداخل ويزرع فيه كلمة الله،
أي طرقه وسبله، ويعينه على عيشها. فيصبح الانسان خليقة جديدة، جديرًا بأن يعيش في
أرض الله تحت ظلّ قداسته ويقاسمه الروح. وكل ذلك سيتحقّق من خلال النبي الذي بطاعته
للروح سيصبح ملهمًا. وستصير كلمته ذات قوّة تحيي الأموات وتنشل الانسان المعدم من
بين القبور. فتُخرج الشعب من لأسه كي تزرع فيه الأمل وجّعله يحيا السلام في أرض لا
يعرف فيها سوى الرب لإله المدعو لأنْ يعبده هو فقط دون غيره (حز 37: 1- 14).
ويأتي النبي يوئيل ليضيف على عمل الروح الأمر الذي حلم به موسى ألا وهو انسكاب
الروح على كل ذي بشر. وسيتم هذا الحدث في يوم الرب أي يوم الخلاص. ويُظهر الرب روحه
عاملاً في الشعب كلّه إذ إنه حوّله إلى شعب نبوي يعيش من إلهامات الربّ وتوجيهاته.
إذًا فالشعب الكهنوتي عند أشعيا النبي أصبح نبويًا عند النبي يوئيل.
وبالنهاية سيدعم الروح الشعب كي يستطيع الثبات في إيمانه ورجائه من أجل تتميم
المسيرة التي بدأها الرب معه منذ اللحظة التي اختاره بها. هذا ما يقوله النبي حجّاي
والنبيّ زكريّا.
الفصل السابع
برنامج الروح في تاريخ الخلاص من نبوءة يوئيل إلى أعمال الرسل
منذ الكلمات الأولى في الكتاب المقدّس حتى الكلمات الأخيرة، يكتشف المؤمن عمل الروح
القدس. منذ البداية نرى روح الله يرفرف على وجه المياه ليخرج منها كل حياة. وفي
النهاية، يقف الروح مع العروس ليدعونا نحن العطاش لكي نستقي مياه الحياة مجانًا،
تلك المياه التي وُضعت في الفردوس ساعة الخلق. هذا الروح هو الذي "دوّن" الكتاب
الدّس فعمل مع الكتّاب الملهمين، وهكذا كان تواصل رائع لتاريخ الخلاص منذ آدم
وحواء، أو أول عائلة بشرّية، حتّى المجيء الثاني والساعة التي فيها يجمع المسيح في
نفسه كل ما في السماوات وعلى الارض.
ونحن في حديثنا ننطلق من محطتين تنيران دربنا كلّه: يوئيل وسفر الأعمال. وعلى ضوء
هاتين المحطتين نستخلص الخطّ اللاهوتي الذي يجعلنا نكتشف برنامج الروح من البداية
إلى النهاية. ننطلق من فيض الروح مع الأنبياء فنصل إلى الرسل، وفي كلا القسمين نكون
في برنامج الروح داخل كنيسة بدأت مع آدم وتصل إلى كمالها في مجيء المسيح.
1- أفيض روحي على كلّ بشر
هذا ما قاله يؤئيل متحدّثاً عن الزمن الجديد ويوم الرب، فتطلّع إلى فيض الروح في
آيات ومدهشات، وإلى خلاص يحصل عليه كلّ من يدعو باسم الربّ. قال النبيّ: "أفيض روحي
على كلّ بشر، فيتنبّأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً، ويرى شبّانكم رؤى. وعلى
عبيدي أيضاً، نساء ورجالاً، أفيض روحي في تلك الأيام، وأصنع عجائب في السماء
والأرض، دمًا ونارًا وأعمدة دخان، فتنقلب الشمس ظلاماً، والقمر دمًا قبل أن يأتي
يوم الرب العظيم الهائل".
ونحن هنا أمام يوم الرب وما يحمل معه من دينونة وخلاص. غير أن طابع ظهور الروح هنا
هو القلق والضيق. فالناس قد أصابهم جنون، والكون ينقلب كما في حرب طاحنة فيترك
وراءه الناس (تحرق البيوت) والدم (دم القتلى) والظلام (بعد أن أقفرت البيوت من
ساكنيها). ولا ينجو إلاّ من يدعو باسم الربّ، أو من يدعوه الربّ باسمه.
هذا السفر النبويّ الذي قد يكون دوّن في القرن السادس وأعيدت قراءته في القرن
الرابع على ضوء الأحداث الجديدة، يدلّ على جماعة انغلقت على ذاتها، لهذا جاء الروح
يخرجها من عزلتها. اجتاحها في الماضي الجراد كما اجتاحتها الجيوش الغربيّة، فخافت
على نفسها. ذاك كان وضع التلاميذ في العليّة بعد صعود الربّ. قد نتصوّر موقفهم كما
في إنجيل يوحنا: "الأبواب مغلقة خوفاً من اليهود".
ماذا يكون بعد هذا؟ سيأتي يوم الربّ أي تدخّله الخارق في التاريخ. وكيف يتدخّل؟
ينتصر شعب الله على أعدائه. هذا ما كان يفكّر فيه العدد الكبير في أورشليم. وبعد
زمن المنفى وضياع شعب الله وسط الشعوب، صار يوم الرب يعني سحق الوثنيّين سحقاً
نهائيًا. أما بالنسبة إلى الأنبياء، أقلّه منذ عاموس، فدينونة الله وعقابه يطالان
الشعوب الوثنيّة كما شعب إسرائيل. هذا ما يشير إليه النبي يوئيل هنا حين يقول إن
البقية سوف تنجو. إذن، ما يحدّد المخلّصين ليس انتماءهم إلى أمّة من الأمم، بل
موقفهم الديني: "يدعون باسم الرب".
أمّا الخلاص الموعود به فيكون إعادة بناء الشعب، وعودة إلى السلام والازدهار. هنا
يعود النبيّ إلى الصورة المعروفة عن "يوم يهوه" الذي ترافقه علامات هائلة. في هذا
"الإطار" يظهر الربّ. وسواء كلّم شعبه أو "تدخّل ضدّ الأعداء"، ففي وسط الظواهر
عينها التي يحرّكها روح الله الحيّ. أجل، في هذا الإطار يعلن يوئيل عطيّة الروح إلى
الشعب كلّه. هذا الروح الذي حلّ على القضاة مثل شمشون كما حلّ على شاول وداود. هذا
الروح الذي طلبه موسى من أجل جميع الشعب لا من أجل السبعين وحسب، سيحلّ على البنين
والبنات، على الشيوخ والشبّان، على العبيد والأمراء، وهكذا لا يفلت شخص من حضوره.
بل الأرض والسماوات نفسها لن تنجو من تأثيره. فهو سيفعل فيها كما يقول بولس الرسول
في الرسالة إلى رومة. فهي تئن منتظرة معنا نحن "الذين لنا باكورة الروح".
هنا نتذكّر عمل الروح في العهد القديم. جعل شاول انسانًا آخر. وكذلك فعل لداود.
وسيحلّ على الملك المنتظر في عطاياه السبعة من حكمة وفهم ومشورة وقوّة ومعرفة
وتقوى، وكلّ هذا تكلّله مخافة الرب. ترتبط مخافة الرب (في العالم الحكميّ) بالمعرفة
(في العالم النبويّ)، فتجعل من هذا الداود الجديد ملكًا بحسب قلب الله. وهذا الملك
يتسلّم رسالة يحدّثنا عنها أشعيا أيضًا. "روح السيّد الرب عليّ، مسحني (جعلني
المسيح الملك)، أرسلني لأبشّر المساكين، وأجبر المنكسري القلوب، لأنادي للمسبّبين
بالحريّة وللمأسورين بتخلية سبيلهم وأنادي بحلول سنة رضاه". وهو سيقوم بتلك الرسالة
على أكمل وجه حين يَعد المؤمنين بتبدّل تام في وضعهم. سيستعيد يسوع نفسه هذه
الكلمات في مجمع الناصرة ويطبّقها على نفسه. فما أنشده النبيّ في أيّام الضيق
والعودة من المنفى، سوف يتمّ في شخص يسوع، لا بشكل منظور وحسب، بل بشكل روحيّ وغير
منظور. وكلّ هذا بفعل الروح الذي لم يكن فقط موضوع وعد، بل حلّ حقًا على يسوع في
عماده.
في هذا الخطّ يُعطى الروح لجميع البشر وفي درجة أولى للشعب المقدّس كينبوع حياة،
وذلك بمناسبة الكلام عن إعادة بناء الهيكل والمؤمنين، عن قيامة الشعب الذي تشتّت في
المنفى فصار "كالعظام اليابسة". لهذا قال الرب: "أجعل روحي فيهم فيحيون"، ويعلن
أشعيا الثاني: "أفيض المياه على العطشان، والسيول في الأرض القاحلة. وأسكب روحي على
ذرّيتك، وبركتي على نسلك، فينبتون كالبان بين المياه وكالصفصاف على ضفاف الجداول".
وسيعطي حزقيال معنى عميقاً جدًا لقيامة الشعب هذه التي تتمّ بفعل روح الله. يفيض
هذا الروح في العهد الجديد فيجدّد قلوب شعب الله، ويجعلهم أمناء للشريعة، ويقودهم
إلى معرفة الله معرفة شخصيّة وباطنيّة وليس فقط على مستوى الطقوس الخارجيّة التي
سيطرت بشكل خاص خلال التدوين الأخير لسفر حزقيال، أي بعد العودة من المنفى وبناء
الهيكل الثاني سنة 518 ق. م.
ولكننا ما زلنا أمام وعد أعلنه الأنبياء، أما التحقيق فسوف يتمّ في يسوع المسيح.
ولهذا، فالعهد لن يكون جديداً حقًا إلاّ في تجسّد الابن، إلاّ في العهد الثاني بعد
أن صار "العهد الأول قديمًا"، لهذا ننتقل إلى برنامج الروح كما رسمه القديس لوقا في
سفر الأعمال الذي هو امتداد للانجيل الثالث.
2- يوم العنصرة
يوم العنصرة هو اليوم الحاسم في نظر لوقا. معه انطلقت الرسالة إلى جميع الشعوب
المعروفة في ذلك الوقت الذي فيه دوّن سفر الأعمال. حين نقرأ النصّ الذي يروي حلول
الروح على التلاميذ والمسيحيّين الأولين، نطرح السؤال على نفوسنا: كيف عرف لوقا أن
الحاضرين في عيد العنصرة سنة 30 ب م، أي بعد غياب الرب في صعوده إلى السماء لعشرة
أيّام خلت، كانوا من برتية وماداي وعيلام وما بين النهرين، بل من اليهوديّة...؟ لا
شكّ في أن "صاحب المعلومة" لم يقُم بعمليّة إحصاء، بل إن كاتب أع انطلق من واقع
الكنيسة حوالي سنة 85 ب. م. فرأى أنها انتشرت في هذه الأصقاع التي يذكرها في خبره.
واليهود "الموجودون" في أورشليم في عيد العنصرة ذلك، كانوا باكورة الكنائس المشتّتة
في الشرق والغرب.
صارت الكنيسة في الربع الأخير من القرن الأوّل شجرة كبيرة مدّت أغصانها في العالم
المعروف آنذاك. ولكن البذرة الأولى، وحبّة الخردل الصغيرة، زُرعت يوم عيد العنصرة
بواسطة "تلك الألسنة الناريّة" التي حلّت على كلّ واحد منهم. وحضور الروح هذا، لم
يكن ظاهرة عابرة بل هو رافق الكنيسة خلال مسيرتها، ولاسيما حين انتقالها من محيط
إلى محيط. انتقلت من اليهوديّة إلى السامرة، فكان الروح هناك. وضع بطرس ويوحنا
أيديهما على السامريّين الذين اعتمدوا "فنالوا الروح القدس". وهذا الحضور لم يكن
خفيًّا، بل إن سمعان الساحر "لاحظه"، فطلب من بطرس السلطة لكي يضع يده على الناس
فينالوا الروح القدس. وهكذا أعطي الروح للسامريّين كما أعطي لكنيسة أورشليم وانطبعت
رسالة فيلبس الذي بشّر السامرة بالطابع الرسولي.
ولما انتقل الانجيل إلى العالم الوثني، رافقه الروع في انتقاله. بدأ بطرس يبشّر
كورنيليوس وأهل بيته، وأطال حديثه متردّدًا قبل أن يُقدم على الخطوة الحاسمة. غير
أن الروح لا يستطيع أن ينتظر. لهذا يقول سفر الأعمال: "وبينما بطرس يتكلّم، نزل
الروح القدس على جميع الذين يسمعون كلامه. فتعجّب أهل الختان الذين رافقوا بطرس حين
رأوا أن الله أفاض هبة الروح القدس على غير اليهود أيضًا، لأنهم سمعوهم يتكلّمون
بلغة غير لغتهم ويعظّمون الله". أجل، المبادرة هنا كما في "عيد العنصرة" هي في يد
الروح القدس. وكما فعل "اليهود" يوم حلّ الروح عليهم "فأخذوا يتكلّمون بلغات غير
لغتهم" "وينشدون أعمال الله العظيمة"، هكذا فعل الوثنيّون الموجودون في بيت
كورنيليوس الذي سيكون أوّل "كنيسة" يجتمع فيها المسيحيّون في قيصريّة. وسنعاين
الظاهرة عينها مع تلاميذ يوحنا المعمدان. كانوا اثني عشر على عدد الرسل. "ووضع بولس
يديه عليهم، فنزل عليهم الروح القدس وأخذوا يتكلّمون بلغات غير لغاتهم ويتنبّأون".
وهكذا نكون في نهاية المسيرة التي بدأت يوم العنصرة، فارتبط الروح بموهبة النبوءة
على ما في يوئيل النبي كما أورده بطرس في خطبته الأولى أمام الذين حسبوهم سكارى
سكرة الخمرة، ساعة كانوا سكارى من الروح القدس. أجل، ما وعد به الرب بلسان نبيّه،
ها هو يحقّقه بواسطة روحه. "أفيض روحي على جميع البشر...". والنبوءة هي حمل كلام
الله. تلك هي وظيفة الرسل الاثني عشر. وتلك ستكون وظيفة تلاميذ المعمدان الذين لا
يقفون كما وقف معلّمهم على عتبة العهد الجديد، فيكتفون بعماد التوبة، بل ينالون
الروح ويتنبّأون. وحين تضعف الجماعة بعض الشيء ويهدّدها الخوف بالاضطهاد والسجن من
قبل اليهود، سترفع صلاتها، فتجد الروح حاضراً معها. "وبينما هم يصلّون، اهتزّ
المكان الذي كانوا مجتمعين فيه، وامتلأوا كلّهم من الروح القدس، فأخذوا يعلنون كلمة
الله بجرأة". ثقة داخليّة تظهر نتائجها في الخارج، وهي تميّز الكرازة الرسوليّة
ولاسيّما في الحالات الصعبة. تتأسّس على الله، على اسم الرب، على الربّ، فتبدو
جزءاً من الايمان.
أجل، الروح هو الذي يسيّر الكنيسة وله برنامجه كما حدّده يسوع منذ بداية سفر
الأعمال. "الروح القدس يحلّ عليكم ويهبكم القوّة. فتكونون لي شهودًا في أورشليم
واليهوديّة كلّها والسامرة، حتى أقاصي الأرض". في محطّة أولى أورشليم واليهوديّة مع
بطرس والاثني عشر. ولكن كادت الكنيسة تختنق في هذا العالم المنغلق على ذاته،
والرافض كلّ اتصال بالعالم الوثني، لولا الأزمة بين يهود يتكلّمون الأراميّة وآخرين
اليونانيّة. في الظاهر، هو خلاف على مستوى توزيع إعاشة للأرامل. ولكن المسألة كانت
أعمق بكثير، فكاد الأمر يقسم الكنيسة بين "المتحرّرين" من قيود العالم اليهوديّ،
أمثال اسطفانس وفيلبس، و"أهل الختان" الذين خاصموا بطرس نفسه كما قلنا. ولما تنظّم
السبعة الذين يلتقون مع السبعين كما يتحدّث عنهم لوقا في إنجيله، انطلقت الرسالة
بعد أن خرجت من "سجنها اليهودي". بدأ اسطفانس يتخلّى عن الهيكل بعد أن كان الاثنا
عشر متعلّقين بالهيكل وسائر الفرائض اليهوديّة. بل ترأس مجموعة ستكون أول من يكلّم
غير اليهود (أي الوثنيين) بالانجيل وكان ذلك في انطاكية. وذهب فيلبس إلى
السامريّين، "تلك الأمّة المحتقرة"، وحمل إليهم البشارة فتقبّلوها كما لم يتقبّلها
اليهود أنفسهم. فمن كان الدافع، ومن كان الموجّه؟ الروح القدس.
حدّثنا القديس لوقا أولاً عن أولئك الذين اختارهم الرسل "ممتلئين من الروح القدس".
وثانيًا عن اسطفانس "الرجل الممتلئ من الروح القدس"، وهذا الروح سوف يرافقه في
دفاعه كما قال يسوع لرسله. ما استطاع خصومه أن يقاوموا الحكمة والروح اللذين طبعا
بطابعهما كلامه. وعند ساعة موته، "نظر إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى
مجد الله ويسوع واقفًا عن يمين الله". وما قلناه عن علاقة الروح باسطفانس، نقوله
بالنسبة إلى فيلبس الذي صار "أداة" طيّعة بين يدي الروح القدس، فبشّر السامرة،
وعمّد وزير ملكة الحبشة. ولما انتهى "المبشّر" من مهمّته "خطفه روح الرب" ونقله إلى
أشدود. وهذا الروح كان "السبب" غير المباشر في إطلاق الرسالة خارج أورشليم
واليهوديّة. فالاضطهاد الذي أصاب المؤمنين على أثر رجم اسطفانس، فعل كالريح فشتّت
الأخوة في كلّ مكان، ودفعهم دفعًا إلى حمل الانجيل.
هذا الروح يوجّه بولس. يدفعه إلى أبعد من آسية الصغرى بعاصمتها أفسس. كما يمنعه أن
يتوجَّه كما يشاء. يحدّثنا لوقا كيف أن الروح منع الفريق الرسوليّ من التوجّه إلى
نواحي فريجية وغلاطية. ومنعه من دخول بيثينية. فهو يريد أن يذهب المرسلون إلى
أوروبا. لهذا رأى الرسل رؤية فهموا على أثرها أنه يجب أن يذهبوا إلى مكدونية. لن
نبحث عن السبب الماديّ الذي جعل الرسل يغيّرون اتجاههم. فالقديس لوقا اعتبره غير
مهم بالنسبة إلى السبب الأول، الروح القدس، الذي يوجّه الرسالة مثل قائد حربي يخطّط
لاحتلال مناطق جديدة. قد يكون بولس ورفاقه خافوا من المغامرة في أوروبا. ففضّلوا
البقاء في آسية الصغرى، على مثال كنيسة أورشليم التي حاولت أن تنغلق على نفسها "كما
في العلية". ولكن الروح يفعل كالريح فيحرّك كلّ شيء ويحرّك كل إنسان. وحين يروي سفر
الأعمال ذهاب الرسولين إلى أوروبا، يشير إلى البحر الذي هو موطن الشرّ، ويمنع
الانجيل من الانطلاق. كم نحن قريبون من عبور يسوع وتلاميذه البحر إلى منطقة
الجراسيّين: هبّت عاصفة شديدة، أخذت الأمواج تضرب القارب حتى كاد يمتلئ. فكأني
بعالم الشرّ يريد أن يهلك الكنيسة كما بطوفان، فيمنعها من الذهاب إلى العالم
الوثني، لاسيّما وأن المسيح غائب في موته. فيبقى عليها أن تقاوم وتعرف أن المسيح
حاضر معها بعد أن قام من بين الأموات، حاضر معها بروحه، بعد أن وعد التلاميذ بأن لا
يتركهم يتامى.
أما ذروة هذه المسيرة مع الروح، هذا البرنامج الذي بدأ مع الأنبياء، فنجدهما في ما
سمّي "مجمع أورشليم". الروح القدس يعمل ويخطّط ويوجّه. ولكن البشر يضعون له
العوائق. فالخلاف دبّ منذ البدء على مستوى حياة الجماعة وما زال، فرأى لوقا واجبه
بأن يذكّر المؤمنين أن عليهم أن يكونوا قلبًا واحدًا وروحًا واحدًا. وكان خلاف حول
توزيع المعونة للأرامل فصل "الكنيسة" الأولى بين متكلّم بالآرامية ومتكلّم
باليونانيّة. وبعد اضطهاد اسطفانس، سوف نرى الهلينيين "وحدهم" في المجابهة ساعة
كانت الفئة المتهوّدة في كنيسة أورشليم في أمان. أهكذا لا يبالي بعضنا ببعض؟ هل
يتألّم عضو ولا تتألم معه سائر الأعضاء؟ هل يفرح عضو ولا تفرح معه سائر الأعضاء؟
وهكذا أجبر العنصر الهليني في كنيسة أورشليم واليهوديّة على الخروج من أروشليم
والتشتّت في كلّ مكان. ذاك هو الوجه الخارجي. أما السبب الحقيقي فهو الروح يطلق
الكنيسة، يخرجها من عزلتها، ويدفعها "إلى أقاصي الأرض".
بشّر فيلبس السامريّين، فخافت كنيسة أورشليم، وأرسلت من "يضبط" الأمور. ولكن الروح
هو الذي يبدّل القلوب وسيتمّم الرسولان ما بدأ به فيلبس فيضعان أيديهما على
المعمّدين. ولكن السامريّين هم مختونون، شأنهم شأن اليهود، وقد ظلّت "المشكلة" في
حدودها. ولكن حين عمّد بطرس كورنيليوس وأهل بيته، وأكل مع الوثنيّين الطعام الوحيد
في كنيسة بعد القيامة، أي الافخارستيا، خاصموه. فاختبأ في ظلّ الروح القدس. هؤلاء
الناس نالوا الروح القدس مثلنا نحن، فمن يمكنه أن يمنع عنهم ماء المعمودية. وأمر
بأن يعمّدوا. وسوف يروي مسيرته مع الروح مع أنه كان ممانعًا. هو "صوت من السماء"
منعه أن يميّز بين طاهر ونجس، بين يهوديّ ووثني. وسيفهم فيما بعد أن هذا الصوت هو
"الروح الذي أمره أن يذهب مع الأشخاص الذين أرسلهم كورنيليوس". وهذا الروح سوف
يقاطعه ولم يترك له مجالاً. "فلما بدأت أتكلّم، نزل الروح القدس عليهم مثلما نزل
علينا في البدء، فتذكرت ما قال الرب: عمّد يوحنا بالماء، وأما أنتم فتعمَّدون
بالروح القدس. فإذا كان الله وهب هؤلاء ما وهبنا نحن عندما آمنا بالربّ يسوع
المسيح، فمن أكون أنا لأقاوم الله"؟
وخافت كنيسة أورشليم بشكل خاص، حين انفتحت كلّ السدود وأخذ العوام، لا المسؤولون في
الكنيسة، يكلّمون غير اليهود بالانجيل. لم يذهب بطرس ويوحنا، كما كان الأمر مع
السامريّين، بل برنابا الذي كان من قبرص، لأن "المبشّرين الجدد" هم من قبرص وقيرين.
رأى برنابا بعينيه ما يحدث في أنطاكية. ورأى على نور الروح القدس أن يد الرب كانت
معهم وأن المؤمنين الذين اهتدوا إلى الرب كثروا جدّاً. رأى ما فعلته نعمة الله
ففرح. لماذا؟ "كان رجلاً مستقيمًا، ممتلئًا من الروح القدس والايمان". ولن يكتفي
بأن يرى، بل هو سيعمل بحيث "انضمّ إلى الرب جمع كبير". بل سيذهب ويبحث عن الرجل
المناسب، شاول الذي سيكون بولس، فيصل بالكنيسة إلى أقاصي الأرض. ولكن العوائق ما
زالت حاضرة. ولهذا كان "مجمع أورشليم" الذي "هيّأه" الروح مع الكنيسة، بحيث قالت
الجماعة الأولى حين أرسلت مقرّراتها: "فالروح القدس ونحن".
خاتمة
هذا هو برنامج الروح في تاريخ الخلاص. في العهد الأول، مع الأنبياء، عمل لكي يُخرج
شعبَه من عزلته ويحمّله كلام الله في المحيط الذي يعيش فيه. وفي العهد الثاني، مع
الرسل، دفع الكنيسة للخروج من عليّة أورشليم وما تحمل من خوف وتردّد. حطّم الأبواب.
أرسل رياحه العاصفة. فرض عليها أن تنفتح على اليهوديّة والسامرة، على العالم الوثني
المتحضّر في دنيا الرومان واليونان، وعلى البرابرة، فقال بولس، "عليَّ دين
لليونانيّين والبرابرة". فكما كان يسوع خلال حياته على الأرض، وهو الذي حلّ عليه
الروح في بداية رسالته، في مسيرة دائمة لا توقّف فيها. فكما كان حرًا من كل قيد
وشريعة لكي يكون للانسان، لكلّ إنسان، ولاسيّما المهمّشين، لكي يحمل إليهم الإنجيل،
هكذا أراد الروح أن تكون الكنيسة الأولى. وهكذا يريد من كنيستنا التي انطلقت على
طرقات العالم انطلاقة رائعة مع المجمع الفاتيكاني الثاني، ولكنها بدأت تتعثّر وتخاف
وتنظر إلى الوراء وتتحسّر على الماضي أو هي تودّ العودة إليه في أصوليّة قاتلة.
يريد من كنيستنا أن تتابع البرنامج الموضوع، فتترك كبرياءها وتعاليها لأنها تعتبر
نفسها حاملة الحقيقة، كما تترك خوفها من أكثرية تفيض على جوانبها. فالروح هو هنا،
وقد بدأ عمله منذ بداية الكون، ولن يزال يعمل حتى ذلك اليوم الذي فيه يجدّد وجه
الأرض. يا ليتنا نسمع له ونسير في أنواره.
القِسْمُ الثّاني
الرّوحُ القُدُس في العَهْد الجَديد
نتوقف في هذا القسم الثاني عند الفصول التالية:
1- مواعيد الروح ورمز الماء في إنجيل يوحنا
2- الروح البارقليط في إنجيل يوحنا
3- عطيّة الروح في إنجيل يوحنا
4- الروح القدس في كتابات يوحنا
5- خبرة الروح في رسائل القديس بولس
6- المؤمنون وعمل الروح في رسائل القديس بولس
7- الروح وحياة المؤمن في رسائل القديس بولس.
الفصل الثامن
مواعيد الروح ورمز الماء في إنجيل يوحنا
يوحنا الرسول هو مع بولس، اللاهوتيّ الأول الذي حدّثنا عن الروح القدس. انطلق بولس
من خبرة مسيحيّة فرأى فيها المسيح القائم من الموت يعمل بالروح القدس من أجل حياة
الكنيسة. وهكذا تميّزت الحياة في الروح تجاه الحياة بحسب الجسد، على المستوى الكنسي
وعلى مستوى كل مؤمن من المؤمنين. سيطرت الاكليزيولوجيا (مفهوم الكنيسة) في لاهوت
القديس بولس. أما عند يوحنا، فالكرستولوجيا (حول يسوع المسيح) هي البارزة. ما يلفت
انتباهنا هو علاقة الروح مع تعليم يسوع وشخصه. وهكذا شدّد يوحنا على شخص الروح
وأوضح علاقته مع الآب ثم مع الابن. ذاك هو الغنى الذي حملته لنا المدرسة
اليوحناويّة. تحلّقت حول يوحنا الحبيب، والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه، فقدّمت
بواسطة ثلاثة أقلام، ثلاثة كتب مختلفة في فنّها الأدبيّ وإن لم تختلف في لاهوتها:
الانجيل الرابع، الرسائل، سفر الرؤيا. أما نحن فنتوقّف بشكل خاص عند الانجيل الرابع
مشيرين بين الفينة والاخرى إلى ما في سفر الرؤيا ورسائل يوحنا من غنى في حديثنا عن
الروح القدس.
النصوص المتعلّقة بالروح القدس في انجيل يوحنا، تحمل بُعدًا لاهوتيًا كبيرًا، ولكن
موقعها محدّد في بنية الانجيل الرابع. هناك مقطعان يقدّمان لنا وحيًا خاصًا عن
لاهوت يوحنا (1: 1- 18، المطلع؛ 17، الصلاة الكهنوتيّة) لا يذكران الروح القدس، بل
الكلمة، اللوغوس، فيحدّثاننا عن مفارقة التجسّد وظهور المجد في الصليب الخلاصي.
ولكن تبقى النصوص المتعلّقة بالروح القدس في مفترقات هامّة لكي تتحدّث عن عمل يسوع
(1: 33)، لتدلّ كيف يتمّ التجديد (ف 3). كلام يسوع يفعل، بالنظر إلى الروح القدس
(4؛ 6: 63). وفي ف 7، نخطو خطوة حاسمة حين نعرف ارتباط الروح بجسد يسوع الممجّد (7:
37- 39؛ 19: 30- 34). الروح هو نسمة القائم من الموت (20: 22). وحوار يسوع الأخير
مع تلاميذه، والموجّه كله نحو زمن الكنيسة، يتضمّن الوحي العظيم حول دور البارقليط
الذي سيقيم مع التلاميذ (14: 16). وهكذا سنعرف أن الوجهة المركزيّة في تعليم يوحنا
هي علاقة وثيقة بين عمل الروح والوحي الذي حمله يسوع.
نبدأ في فصل أول مع مواعيد الروح ورمز الماء. وفي فصل ثان نتأمل في كلمات يوحنا حول
البارقليط ذاك الروح المعزّي والمشجّع والمحامي.
1- عماد في الروح القدس
يحتلّ الاعلان عن العماد حيّزًا كبيرًا في الفصول الاولى من انجيل يوحنا. فالمعمدان
قدّم يسوع "ذاك الذي يعمِّد في الروح القدس". وأعلن يسوع لنيقوديمس طبيعة الولادة
من فوق، أو الولادة الثانية الضروريّة للدخول إلى الملكوت. وبين ف 1 وف 4، يجمع ف 2
آية قانا والاعلان عن الهيكل الجديد للحديث عن العهد الجديد.
أ- يعمّد في الروح القدس (1: 33)
قدّم يوحنا نشاط المعمدان بشكل أصيل ومبتكر: ترك كرازته النبويّة وإعلانه للدينونة
القريبة، وركَّز كل شيء على شهادة السابق لحمل الله، لحمل الذبيحة الفصحيّة. هنا
نلاحظ العلاقة بين هذا الاعلان الاول واعلان المعموديّة بالروح القدس. "وشهد يوحنا،
قال: رأيت الروح ينزل من السماء مثل حمامة ويستقرّ عليه" (1: 32). وتأثّر يوحنا
الرسول بهذه العبارة فكرّرها في الآية التالية: "ذاك الذي ترى الروح ينزل ويستقرّ
عليه هو الذي سيعمّد في الروح القدس" (آ 33).
والاعلان بأن المسيح نفسه هو الذي يمنح الروح، نجده أيضًا في 3: 34: "فمن أرسله
الله يتكلّم بكلام الله، لأن الله يهب الروح بغير حساب". أجل، جعل الآب في يد الآبن
كل شيء (آ 35)، وجعل له أيضًا الروح الذي يمنحه بعد قيامته، وهكذا تصبح كلمته في
داخل المؤمنين وتحمل ثمرًا.
ب- الولادة من الماء والروح (3: 3- 8)
يشكّل الحوار بين يسوع ونيقوديمس قطعة هامّة في الانجيل الرابع. دُرس هذا النصّ من
وجهة تاريخ الديانات وموضوع الولادة الجديدة. كما دُرس على مستوى تكوين الخطبة.
ودُرس أيضًا في إطار الأسرار التي تتوزّع التلميحات إليها في كل انجيل يوحنا، من
عرس قانا حتى الموت على الصليب، بل حتى بعد زمن القيامة.
ماذا تقول لنا الدراسة الاجماليّة لهذا النصّ؟ بعد مدخل قصير ظهر فيه نيقوديمس
ممثّل هؤلاء المؤمنين الذي لم يبلغوا بعدُ الكمال، فاستندوا إلى الآيات الخارجيّة
(ق 3: 2 و2: 23- 25)، نقرأ إعلانًا قاطعًا من يسوع حول ضرورة الولادة من فوق من أجل
الدخول في ملكوت الله (آ 3). دهش نيقوديمس، فكرّر يسوع كلامه: "الحقّ الحقّ أقول
لك. ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلاّ إذا وُلد من الماء والروح" (آ 5).
وتحمل آ 6 شرحًا يعارض بين عالمين: عالم الجسد (البدن، اللحم والدم وما فيه من ضعف،
عالم البشر) وعالم الروح. وتبرز حريّة تدخّل الروح بمقابلة مع الريح. وطرح نيقوديمس
سؤالاً ثانيًا (آ 9، كيف يكون هذا) فجاء بعده كلام يسوع يدعوه فيه إلى الايمان بابن
الانسان الممجّد للحصول على الحياة.
تحدّث النص في آ 3 وآ 5 عن الدخول إلى الملكوت، كما تحدّث عن الولادة والنموّ في
الايمان. فما هو دور الروح في هذه الولادة والنموّ في حياة الايمان؟ كان مت 18: 3
قد قال: "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماوات". وهكذا طلب يسوع التخلّي
عن كل اكتفاء ذاتي والتطلّع إلى الربّ. أما نداء يوحنا فجاء أكثر جذريّة. هو يطلب
"ولادة" جديدة. فإذا كان الارتداد يرتبط بالانسان، فالولادة هي عطيّة مجانيّة:
يتسلّمها الابن من والديه.
ولادة "أنوتان". "من جديد" و"من فوق". لم يفهم نيقوديمس. بل هو ظلّ على مستوى
البشر، على مستوى اللحم والدم. ظلّ على مستوى الولادة الأولى، وما ارتفع إلى
الولادة الثانية. فكأني به رفض عمل الروح فيه فظلّ في الخارج. جاء في الليل ومض في
الليل، بدا وكأن نور المسيح لم يشرق عليه، وكأن الروح لم يكن حاضرًا في مسيرته.
وكيف نفهم العلاقة بين الماء والروح؟ نجدها مرارًا في العهد القديم. مثلاً في حز
36: "أرش عليكم ماء طاهرًا... أجعل روحي في أحشائكم" (آ 25، 27). وفي أش 44: 3:
"أفيض المياه على العطشان والسيول على الأرض القاحلة. وأسكب روحي على ذرّيتك وبركتي
على نسلك". في العهد القديم، الشعب كله مولود من الله حسب الاسم المعطى لاسرائيل:
ابني البكر (تث 32: 15- 18؛ أش 1: 2). ودور كلمة الله أساسيّ: حين دعا الله اسرائيل
صيّره في ذلك الوقت ابنه. وما تمّ على المستوى الجماعيّ سيتم فيما بعد على المستوى
الفرديّ. فكل انسان مدعوّ لكي يصير ابنًا حين يقبل الولادة الجديدة من الماء
والروح. في المطلع كان شرط هذه الولادة الجديدة تقبّل الكلمة الذي صار بشرًا
بالايمان. أما هنا، فالنصّ يشدّد على دور الروح الالهي والمحيي أو ذلك العامل في
خطّ نصوص العهد القديم حيث نسمة الله تُمنح للانسان فتعطيه الحياة.
ويؤسس يو 3: 6 ضرورة الولادة الجديدة في مقابلة بين الروح واللحم والدم. نحن لسنا
هنا على المستوى الاخلاقيّ كما عند بولس أو جماعة قمران، بل على مستوى العجز
الجذريّ لدى الانسان الذي لا يستطيع بنفسه أن يعرف مخطّط الله الخلاصيّ. والمثل
الصغير في آ 8 (الريح تهب حيث تشاء فتسمع صوتها ولا تعرف من أين تجيء ولا إلى أين
تذهب) التي تستلهم جا 11: 5 (كما أنك لا تعرف أي طريق تسلك الروح)، يُبرز حريّة روح
الله في تصرّفه، فلا يستطيع أحد أن يفرض عليه "طريقًا". والاداتان اليونانيتان
اللتان نترجمهما بـ "كيف" مهمتان، لانهما تنطبقان في موضع آخر على سرّ أصل المسيح
ومصيره (8: 14). فبالروح الالهيّ يُضمّ المؤمن الذي وُلد من جديد إلى خطّ المسيح
الذي جاء من عند الله ليردّ إلى الله أخصّاءه.
والمرحلة الثانية في حوار يسوع مع نيقوديمس (3: 9- 15)، لا تتحدّث عن الروح القدس،
بل عن المسيح حامل الوحي وبداية العودة إلى الآب. وهكذا نكتشف في منظور أوسع أن عمل
الروح المحيي يُشرف عليه ارتفاع ابن الانسان. وهذا ما يظهر بشكل أوضح في 7: 37 ي؛
19: 30، 34.
وفي النهاية، نلاحظ العمق اللاهوتي لفقاهة العماد في ف 3. تظهر مبادرة الآب في
تأمّل يوحنا الانجيلي (آ 16). ويُحمل الخلاص بارتفاع ابن الانسان (12: 32). ويُطلب
من الانسان أن ينفتح بالايمان على خلاص حرّ ومجانيّ، بحريّة الروح، بالولادة
الجديدة في المعموديّة.
2- الماء، الكلمة، الروح
تمثّل المياه العنصر الحياتي الذي بدونه يموت الانسان عطشًا. وتمثّل أيضًا قوى
التدمير كما في الطوفان (تك 6- 8)، ومياه الموت. ولكن ما هي العلاقة بين الماء
والكلمة والروح؟
أ- في العالم اليهوديّ
قابل إر 2: 13 الرب، ينبوع الماء الحيّ، بالآبار المشقّقة التي لا تحتفظ بماء والتي
تدلّ على الآلهة الكاذبة. وعبّر المرتّل عن عطشه إلى الله الحيّ فقابل نفسه بالأيّل
المشتاق إلى الماء (مز 42: 2- 3؛ رج 63: 2). ويحرّضنا أش 55: 1 على التقبّل المجاني
لماء يقدّمه الله للعطاش في شعبه، فيجعلنا قريبين من العالم الحكميّ، ويلهم يو 4:
10 (لو كنت تعرفين عطيّة الله)؛ 6: 35 (من جاء إليّ لا يجوع، ومن آمن بي لا يعطش).
في هذا النصّ، يرتبط ماء الخلاص بالنعم التي وُعد بها داود (أش 55: 3). وبشكّل أدّق
يدلّ الماء على كلمة موسى (تث 32: 2) ويرمز إلى التوراة. وهكذا يكون الله ينبوع
الحكمة (با 3: 12).
إن إعلان عطيّة الروح الالهيّ في زمن الخلاص، يجد تعبيرًا له في جملة أفعال تنطبق
بشكل عاديّ على فيض الروح أو رشّ الماء. فبحسب أش 32: 15 سيأتي الروح من العلاء
فيحوّل البرّية إلى جنائن. وبحسب 36: 25 ي، يشكّل رشّ الماء النقيّ مقدّمة لعطيّة
الروح القدس من أجل تحويل القلوب. هناك فعل "ش ف ك" (أفاض) وارتباطه بالروح
الالهيّ.
ب- يفيض حياة أبديّة (يو 4)
قد بُني الفصل الرابع من إنجيل يوحنا بناء محكمًا، مع مقابلة بين المشهد الأول
(يسوع والسامريّة)، والمشهد الثاني (يسوع وتلاميذه). كل هذا يتوّج بالجوقة التي
تأتي من المدينة لكي تعلن يسوع "مخلّص العالم" (آ 42). نحن أمام صفحة رسوليّة يُشرف
عليها إعلان الساعة التي أتت، الساعة التي فيها تقدَّم المياهُ الحيّة، التي فيها
يُعبد الله في الروح والحقّ وتبيّض الحقول للحصاد.
في آ 10 قدّم يسوع ما عنده فقال: "لو كنت تعرفين عطيّة الله وذاك الذي يقول لك:
أعطني ماء لأشرب، كنت أنت سألته فأعطاك الماء الحيّ". هذا هو الوحي الذي يحمله
يسوع: وحي ساعة الخلاص المنتظرة (آ 21). وحي معرفة الله الآب (آ 23)، والوسائل التي
تساعدنا على البلوغ إلى الحياة الحقيقيّة (آ 24).
مع أن الانجيليّ يفسّر الوعد بالماء في 7: 39 على أنه يرتبط بالروح القدس، إلاّ
أننا لا نستطيع أن نقوم بالتطبيق عينه على هذا النصّ. لاشكّ في أن الروح يقدّم على
أنه عطيّة الله الفضلى (لو 11: 31؛ أع 2: 38؛ 8: 20). ولكن الرمزيّة اليهوديّة تربط
الماء الحيّ بالتوراة أو بتعليم الحكماء. وهكذا يعني النصّ في معنى أول أن يسوع
يقدّم لنا معرفة سامية تتفوّق على "أبينا يعقوب". كما نستطيع أن نُبرز التعارض بين
عبارتين: "عطيّة الله" و"ذاك الذي يقول لك" (آ 10). فعطيّة الله السامية هي ابنه
الآتي لخلاص العالم.
إن الماء الذي أعطاه يعقوب لم يمنع أبناءه من العطش، كما أن المنّ لم يمنعهم من
الجوع. والماء الذي يعطيه يسوع لا يهدئ فقط العطش فيقدّم الوحي النهائي، بل يتفجّر
حياة أبديّة في قلب المؤمن (آ 14).
وبعد الوعد بالماء الحيّ نجد توسّعًا يتركّز على الساعة. طرحت المرأة على يسوع
سؤالاً حول الموضع الذي فيه يُعبد الله، فقدّم لها جوابين: لايهمّ المكان، بل طريقة
العبادة الجديدة. نلاحظ تلميحًا إلى ساعة تمجيد يسوع على الصليب واستباقًا
للاسكاتولوجيا.
فالحياة الأبديّة قد بدأت منذ الآن بالنسبة للذي يعرف الآب ومرسله (17: 3). الله هو
روح. كما هو محبّة. والروح هو ينبوع حياة، وهو يبحث عن عبّاد حقيتيين. أمّا عمل
الروح القدس في هذا المجال، فيقوم بتنميتنا في معرفة الوحي الذي حمله يسوع. وهكذا
يرتبط عمل الروح بالصلاة. ولا يكون جواب الانسان على مبادرة الآب ممكنًا إلاّ
بتدخّل الروح الذي يتيح لنا أن نفهم كيف كشف الآب عن ذاته في يسوع الذي هو الحقّ
والحياة (14: 6).
ج- المسيح ينبوع الماء الحيّ (7: 37- 39)
في إطار عيد المظال، يتحدّث يسوع بشكل احتفاليّ، فيقدّم نفسه كينبوع الماء الحيّ.
في هذا النصّ، ترتبط كلمة يسوع بإيراد من الكتاب، ثم يفسّرها الانجيليّ تفسيرًا على
ضوء الفصح والقيامة.
هناك إطار ليتورجيّ يُحدَّد فيه موقع نداء يسوع بالنسبة إلى الايمان به (آ 37). وهو
وقت جدال حادّ حول أصل يسوع. هل يدلّ على ذاته أم لا (7: 1- 9)؟ أما المقطع الذي
نجده في آ 37- 39 فنقرأه كما نقرأ 2: 17، 20- 22. أما المعنى الاجمالي فيبرز من
التواجه بين كلمة يسوع والانتظار التوراتيّ وخبرة الكنيسة بعد القيامة. لهذا، لابدّ
من الحفاظ على مستويي المدلول: مستوى قول تفوّه به يسوع، ومستوى تفسير الانجيليّ
لهذا القول.
ونقرأ النصّ: "إن عطش أحد فليأت إليّ. وليشرب من يؤمن بي". في مثل هذه الحال، تجري
من صدر المسيح أنهار ماء حيّ حسب قول الكتاب. قد نتوقّف عند آ 38، فيكون للجملة
معنى. من يسوع يخرج ماء الخلاص الذي يرمز إلى الوحي. ولكن آ 39 تحمل تفسيرًا من أجل
زمن الكنيسة. فقد قال الانجيليّ بطريقة شكّكت بعض النسّاخ فزادوا فعل "أعطى". "لم
يكن بعد روح قدس، لأن يسوع لم يكن بعد تمجّد". وسوف تعود عطيّة الروح مرّتين: مرّة
أولى على الصليب حين سلّم يسوع روحه إلى الكنيسة (19: 30). ومرّة ثانية خلال الظهور
في العليّة. "قال هذا ونفخ في وجوههم وقال لهم: خذوا الروح القدس. من غفرتم له
خطاياه تغفر له، ومن منعتم عنه الغفران يُمنع عنه" (يو 20: 22- 23).
خاتمة
تلك هي خطوة أولى تدخلنا في إنجيل يوحنا وكلامه عن الروح القدس. توثّقنا فيها بشكل
خاص عند رمز الماء، وارتباط هذا الرمز بمواعيد الروح. فهذا الروح الذي رفّ على
المياه في بدء الخليقة فأخرج منها الحياة، هو حاضر اليوم في ماء السامريّة وماء عيد
المظال ليجعل من هؤلاء المجتمعين حول يسوع خليقة جديدة. ليجعل منهم تلاميذ بانتظار
أن ينالوا الروح بعد القيامة. هنا نصل إلى الروح البارقليط، الروح المعزّي، الذي به
وعد يسوع أحبائه في خطب العشاء السري.
الفصل التاسع
الروح البارقليط في إنجيل يوحنا
إن خطب الوداع في ف 13- 17 تتضمّن خمسة توسيعات حول البارقليط. ارتبطت بعضها ببعض
بشكل متراخ، ولكنها جاءت قريبة فيما بينها. بما أننا هنا أمام النصوص الوحيدة التي
تتحدّث عن البارقليط فتدلّ به على الروح القدس، نبدأ فنوردها ثم نفسّرها.
1- بارقليط آخر (14: 16- 17)
"وأنا أطلب من الآب فيعطيكم بارقليطًا يبقى معكم إلى الأبد. هو روح الحقّ الذي لا
يقدر العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه. أما أنتم فتعرفونه، لأنه يقيم معكم
وهو فيكم"
تعود أصالة هذا المقطع الأول إلى أنه يقدّم الروح كـ "بارقليط آخر". فالبارقليط
الأول هو المسيح الذي بصفته متشفّعًا (1 يو 2: 1) ينال من الآب عطيّة روح الحقّ.
لسنا هنا أمام عطيّة ثابتة، تبقى معهم، مقابل ذهاب يسوع. إن لفظة "معكم" ترتبط
بعبارات نجدها مرارًا في العهد القديم، وتدلّ على حضور الله ومساعدته لأصفيائه. منذ
هذا القول الأوّل سمّي البارقليط "روح الحقّ". جاءت هذه العبارة في قمران على مستوى
كوسمولوجيّ (على مستوى الكون) ومستوى أخلاقيّ. أما في انجيل يوحنا، فالتعارض بين
عالم لا يستطيع أن يتقبّل الوحي (1: 10؛ 8: 23؛ 15: 18 ي؛ 16: 8) وبين الروح الذي
سبق له وعمل في التلاميذ، يتيح لهم أن يتعرّفوا إلى عمله في يسوع. فالفعل "رأى"
يدلّ على نظرة إلى شخص يسوع. فالعين والعقل يريان سرّ شخص يسوع وحضور عطيّة الروح
فيه. بما أن العالم لا "يرى" فهو لا يستطيع أن يتقبّل في يسوع الروح القدس. أما
التلاميذ فيرون حضور الله لأنه يقيم معهم في يسوع. وفي الوقت عينه يسمعون الوعد
الذي وجّهه إليهم يسوع بحضور أكثر حميميّة وأكثر حياة.
2- الروح يعلم، يذكّر (14: 26)
"ولكن البارقليط، وهو الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي، سيعلّمكم كل شيء ويجعلكم
تتذكّرون ما قلته لكم".
يقابل القول الثاني بين زمنين في الوحي: الزمن الذي فيه أقام يسوع قرب تلاميذه.
وزمن تعليم البارقليط. يوصف البارقليط هنا بأنه الروح القدس. كنا ننتظر توسّعًا حول
دور التقديس الذي يقوم به الروح في خطّ حز 26: 27- 28؛ مز 51: 13. ولكن النصّ شدّد
بالأحرى على دور الروح في التعليم. هذا الروح يرسله الآب باسم المسيح. تعبير متواز
في الانجيل الرابع وهو يتضمّن ملء الاعتراف بهويّة المسيح، منتظر اسرائيل وابن الله
(1: 12؛ 20: 31). تشفّع يسوع من أجل إرسال الروح (آ 16) فقابل التشفّع إيمان
التلاميذ الذين تقبّلوا الروح الذي يواصل عمل المسيح.
نجد فعلين يميّزان عمل الروح: علّم وذكّر. يجب أن نفسّر الواحد بالآخر. حتى الآن،
كان يسوع المعلّم السامي، ولاسيّما في الهيكل، موضع الوحي (يُستعمل فعل علّم في 6:
59؛ 7: 14، 28، 35؛ 8: 20، 28؛ 18: 20). أيكون تعليم الروح جديدًا بالنسبة إلى
تعليم يسوع؟ أتراه يسمو عليه؟ كلا ثم كلا. فإن آ 26 تبيّن أن تعليم البارقليط هو في
تواصل مع تعليم المسيح.
التذكّر في نظر يوحنا هو أبعد من عمل بسيط من أعمال الذاكرة. إنه ولوج في المعنى
العميق لكلمة من الكلمات أو حدث من الاحداث. وذلك حين نربطه بمجمل تاريخ الخلاص (2:
17، 12، ارتبط طرد الباعة بالقيامة، 12: 16). حين نفهم بفضل روح الحقّ، أن الأحداث
الواردة وكل التاريخ السابق يُستعاد ويكمَّل، وأن كل ما يأتي هو امتداد له، نصل إلى
الوعي الانجيليّ الذي نكتشفه عند يوحنا.
حين نأخذ بعين الاعتبار السياق الاجمالي منذ آ 22، نفهم طريقة ظهور المسيح
لتلاميذه: إقامة الآب والابن لدى الذين يحفظون كلامه (آ 23). ولكن حين تأتي هذه
الكلمة فهي لا تُحفظ وتثمر بدون معونة الروح القدس، روح الحقّ الذي يُدخل الكلمة
إلى القلوب ويحمّلها الحياة.
3- ينبثق، يشهد (15: 26- 27)
"ومتى جاء البارقليط الذي أرسله إليكم من الآب، روح الحقّ المنبثق من الآب، فهو
يشهد لي. وأنتم أيضًا ستشهدون، لأنكم من البدء معي".
يتحدّد موقع القول الثالث في مقطع يعلن الاضطهاد فيبدو متوازيًا مع مر 13: 11:
"وعندما يأخذونكم ليسلموكم، لا تهتمّوا من قبل كيف تتكلّمون، بل تكلّموا ما يُوحى
لكم في حينه، لأن الروح القدس هو المتكلّم لا أنتم". إن آ 26- 27 في يوحنا تبدوان
وكأنهما قد صارتا توسيعًا. لهذا، افترض بعض الشرّاح أنهما في الاصل شطران يبدوان
كما يلي: حين يأتي البارقليط يشهد لي. وأنتم ستشهدون لأنكم من البدء معي.
إذا قابلنا هذا القول كما يرد الآن في يوحنا مع ما يوازيه لدى الازائيين، نلاحظ أن
الانجيليّ الرابع اهتمّ بأن يحدّد أصل البارقليط، روح الحقّ. فالروح في أصله ينتمي
إلى العالم الالهي (3: 8). في 26:15، المسيح هو الذي يرسله. وفي 14: 16، 26، الآب
هو الذي يرسله باسم المسيح أو استجابة لصلاة المسيح. وهكذا نكون أمام تطوّر في
التعبير العقائديّ.
أ- الانبثاق
إن عبارة "المنبثق من الآب" Ho para tou patros ekporeuetai قد حرّكت عدّة جدالات
عقائديّة (Filioque). هل يتحدّث النصّ عن الانبثاق الأزليّ للروح أو عن إرساله في
الزمن، في العالم؟ لا نستطيع أن نطرح السؤال بهذا الشكل إذا أردنا أن نفهم فهمًا
صحيحًا نصّ يوحنا. فمن الوجهة الغراماطيقيّة (أي الصرف والنحو) ekporeuesthai (خرج)
يوازي Exerchesthai الذي يُبنى مع Ek أو مع Para. وفي جملة موسّعة مثل آ 26، يجب أن
نلاحظ الاختلافات: في حالة أولى، Ego (أي أنا) يبرز كفاعل فعل Pempo (أرسل) فيدلّ
على سلطة الابن في إرسال الروح: نستطيع القول إنه هو الذي يطلبه من الآب ويمنحه
للتلاميذ. في حالة ثانية، يوصف الروح الحقّ انطلاقًا من أصله. فكأنه يرتبط ارتباطًا
مباشرًا بالآب. ثم يلعب دورًا شخصيًا، بحيث لا نجد الصيغة الحياديّة (neutre) التي
ترافق Pneuma في اليونانية، بل صيغة المذكّر Ekeinos (هو) كفاعل فعل "شهد".
إذن، علاقة الروح هي في الوقت عينه مع الآب والابن كما يقول 16: 13- 15. فالنصّ
يشير بشكل واضح إلى الدور الذي يلعبه الروح، ولكنه يجعلنا نستشّف سرّ أصله. إن مرمى
البرهان هو أن إرسال الروح لا بُعد له إلاّ إذا تأكّدت العلاقة بالآب. لهذا كانت
العبارة "ينبثق من الآب". وهكذا نجد في أشكال اللغة البيبليّة، وحيًا عن أصل الروح.
والأخذ بهذه النقطة يقودنا إلى أن نقيم موازاة بين هويّة الروح وهويّة الابن، لأن
الاثنين أرسلا من عند الآب.
هذا النصّ هو في أساس قانون الايمان الذي تُلي في مجمع القسطنطينيّة (381): to ek
tou Patros ekporeuomenon. ولكن المجمع استعمل اسم الفاعل فأعطى قيمة لا زمنيّة لما
ظلّ في النص اليوحناوي مرتبطًا بالإرسال. واللاهوتيون اليونان جعلوا من فعل
Ekporeuesthai الفعل الخاص للحديث عن انبثاق الروح القدس. ولكننا صرنا هنا أمام
تخصيص يتجاوز حرفيّة النصّ، مع العلم أن الفعل يعني: خرج، مضى، جاء (مت 17: 21؛ 20:
29؛ مر 10: 17، 46؛ 11: 19؛ لو 3: 7؛ أع 9: 28؛ 19: 12).
ب- الشهادة
الشهادة مدلول أساسيّ في لاهوت يوحنا. ونشير إلى أنه في سلسلة الأقوال حول
البارقليط، هذا القول يتحدّث وحده عن الشهادة. نحن هنا بلاشكّ أمام مدلول هام، لأن
الروح يعتبر في سياق آخر على أنه الشاهد الشاهد. نقرأ في 1 يو 5: 6: "الروح هو
الشهادة، الروح هو الذي يشهد، لأن الروح هو الحقّ". ففي نظر يوحنا، ليس الشاهد فقط
ذاك الذي يعلن ما رأى وسمع، بل ذاك الذي يلتزم بأن يجعل "القضيّة العادلة" تنجح،
ويفسّر ما رأى وما سمع.
ويعطي يو 5 لائحة الشهود من أجل يسوع (آ 31- 43). لا يُذكر الروح بشكل مباشر، بل
الكتاب المقدّس (آ 45- 47). عاد يسوع إل شهادة موسى، كما أعلن أن أشعيا رأى مجده
(12: 41). مثل هذه القراءة تتجاوز القراءة اليهوديّة التقليديّة وتثير معارضة
السامعين. هكذا لجأ الانجيلي الرابع إلى استعمال شخصيّ للكتاب المقدّس فاستند إلى
نصوص عرفتها الفقاهة المشتركة. وكما أن الروح يعلّم الرسل تفسير الكتاب (14: 26)،
فهو يلقي الضوء على العلاقة بين العهد الأول وعمل يسوع الذي هو ملهم الكتب المقدّسة
وكاشف معناها التام.
إن شهادة التلاميذ (5: 27) تترافق مع شهادة الروح (رج أع 5: 32): هو البارقليط الذي
يُسند عملهم. وإذا أخذنا السياق بعين الاعتبار، فنحن قبل كل شيء أمام جواب يُعطى من
فوق أمام المحاكم (رج مر 13: 11). الروح القدس هو "منذ البدء" كافل الأمانة للتقليد
الرسولي، والمعلّم الذي يتيح لنا أن نلج في الحقيقة كلها (16: 13) لنقدّم جوابًا
على حاجات الساعة.
4- يجيء الروح، يوبّخ (16: 7 ب- 11)
"إن كنت لا أذهب لا يجيئكم البارقليط. أما إذا ذهبت فأرسله لكم. ومتى جاء وبّخ
العالم على الخطيئة والبرّ والدينونة. أمّا على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي. وأمّا
على البرّ فلأني ذاهب إلى الآب ولن تروني. وأمّا على الدينونة فلأن سيّد هذا العالم
قد دين".
في هذه الخطبة الوداعيّة الجديدة، التي توازي في جزء منها ف 14، قدّم يسوع كسبب
للتعزية ضرورةَ ذهابه لكي يأتي البارقليط. فكما أنه بعد موته، سوف يعمل تلاميذُه
أعمالاً أعظم (14: 12)، كذلك في سيستطيعون مجابهة العالم بمساندة البارقليط. ولكن
أين يتدخل الروح القدس؟ على ساحة العالم أو في قلب المؤمنين. هو "يوبّخ" العالم،
يدلّه على أخطائه. وهنا تتوزّع التفاسير من أكثر تفاؤلاً إلى أكثر تشاؤمًا: إن
البارقليط يأتي بالعالم إلى التوبة. أو: إن البارقليط يحكم على العالم حكمًا لا
استئناف فيه.
إذا أخذنا بعين الاعتبار 14: 17، لا نرى كيف يستطيع العالم أن يتقبّل التنبيه من
البارقليط، وهو ما هو عليه من شرّ. ونحن نقرأ في آ 11 أن رئيس هذا العالم قد حكم
عليه. فإذا أردنا أن نفهم التعبير، يجب أن ننطلق من صورة "المحكمة السماويّة" كما
في أي 1- 2 حيث يظهر أمام الله المتّهم، وكما في دا 10: 13 حيث يظهر المتشفّع من
أجل شعب الله. فالبارقليط يظهر هنا في وظيفة "المتّهم" على مثال موسى (يو 5: 45).
يدلّ على خطيئة العالم في مجال الخطيئة والبرّ والدينونة. فالصورة هي التي نراها في
رؤ 12: 9- 10 حيث يبدو الشيطان متّهم الاخوة.
هذه الصورة التي تعود إلى عالم الرؤى والجليان، تحتاج أن نوضحها. إن البارقليط
يتدخّل في قلب المؤمن ليدلّ في وجه اعتراضات العالم واتهاماته، على أن المسيح كان
على حقّ. وهذا التدخّل ملحّ إلى درجة كبيرة، لأن الحرم الذي رفعه المجمع (أو:
الجماعة) اليهوديّ (16: 1- 4)، قد رمى التلاميذ في حيرة وضياع.
إن الشرح المتعلّق بالخطيئة واضح: فالخطيئة في انجيل يوحنا هي رفض الايمان (3: 19-
21؛ 9: 41؛ 12: 37- 38). والخاطئ الأكبر هو الذي يعتبر أنه "يرى" فينغلق على النور.
ورفضُ الايمان يقود إلى الموت (8: 24). يسوع هو بلا خطيئة (8: 46). ومع ذلك، فقد
حكم عليه اليهود كمجدّف، لأنه قال إنه مساو لله. (5: 18؛ 10: 33). إذن، لا يستطيع
البارقليط أن يُظهر خطيئة العالم إلاّ إذا بيّن شرعيّة اعلاناته حين يتكلّم عن
نفسه.
وبعد الخطيئة، البرّ. عن أيّ برّ يتكلّم يوحنا؟ هنا لا نعود إلى بولس الرسول، بل
إلى تمثّل من النمط الجليانيّ. فيسوع هو البار، بمعنى الصادق (أع 3: 14؛ 7: 52).
ونتذكّر أش 53: 11 حول "عبد الرب": "يرى ثمرة تعبه ويكون راضيًا. وبوداعته يبرّر
(في العبريّة: ي ص د ق) عبدي الصدّيق (ص د ي ق في العبريّة) كثيرين من الناس ويحمل
خطاياهم". والنشيد المسيحيّ المتهوّد الذي نقرأه في 1 تم 3: 16 (تبرّر في الروح)
يلقي ضوءًا على هذه الفكرة. فبتدخّل قدرة الله التي تعطي الحياة، أقيم المسيح
"بارًا" ساعة تمجّد لدى الآب. هنا يبيّن البارقليط للمؤمنين أن عودة المسيح إلى
الآب (16: 5) هي علامة انتصاره وتمجيده (17: 1- 5). وهي في الوقت عينه عربون تدخّله
الذي يعين أخصّاءه فيتشفّع من أجلهم.
والشرح الثالث حول الدينونة ينبّهنا إلى أننا في أسلوب قانونيّ لدى قراءتنا 16: 7ب-
11. فالدينونة (والحكم) على رئيس هذا العالم قد صدرت ساعة رُفع ابن الانسان (12:
31). نحن هنا في ذات الاسلوب الجليانيّ الذي نجده في سفر الرؤيا (12: 9- 10: اليوم
تمّ النصر لإلهنا ولمسيحه بعد أن سقط التنين أي الحيّة الجهنميّة). إذن، تمّ النصر
بموجب القانون، فيبقى التنفيذ رغم كل حشرجات الشيطان. غير أن البارقليط يسلّم إلى
المؤمن روحانيّة أشخاص قد انتصروا بحسب قول يسوع: "ستعانون الشدّة في العالم، ولكن
تشجّعوا فأنا غلبت العالم" (16: 33).
5- متى جاء أرشد (16: 12- 15)
"عندى كلامي كثير أقوله لكم بعد، ولكنكم لا تقدرون أن تحتملوه. فمتى جاء روح الحقّ
أرشدكم إلى الحقّ كله، لأنه لا يتكلّم بشيء من عنده، بل يتكلّم بما يسمع ويخبركم
بما سيحدث. سيمجّدني لأنه يأخذ كلامي ويقوله لكم. كل ما للآب هو لي. لذلك قلت لكم:
يأخذ كلامي ويقوله لكم".
إن القول الأخير حول البارقليط يرتبط بالقول الذي سبقه بواسطة الضمير "هو": متى جاء
هو (آ 13). غير أنه يتميّز عنه. فالبارقليط لم يعد هنا المدافع، بل موجّه المؤمنين
في طريق الحقّ. والفعل الذي يرد في البداية (آ 12)، يقابل زمنين في الوحي، كما في
14: 25- 26. وهكذا يكون 16: 12- 15 قريبًا جدًا من القول الثاني (14: 26). بل هو
يستعيده ويتعمّق فيه.
ترتبط عبارة "يقودكم إلى الحقّ كلّه" بالمزمور: "اهدني في حقيقتك وعلّمني، أنت الله
مخلّصي" (مز 25: 5). فالحقيقة تدلّ في نظر صاحب المزامير على شريعة الله كقاعدة
سلوك. وفي الترجمة اليونانيّة تقوّى المعنى الذي قرأناه في الاصل العبريّ. "اهدني
(أرجو أن تقودني) نحو معرفة أكمل لحقيقتك (= لفرائضك) وعلّمني". لم نعد في نص يوحنا
أمام قاعدة سلوك، بل أمام ولوج عميق في تعليم يسوع. بعد ذلك، سوف نجد مقابلة بين
الكلام بالامثال (16: 29) والكلام المكشوف (16: 29): هذا الكلام الذي يصل إلينا
بشكل مباشر، يقدّمه البارقليط باسم المسيح ويحلّ محلّه.
وتقدّم آ 13ب (يتكلّم بما يسمع، ويخبركم بها يحدث) تبريرًا ينطلق من أصل الوحي
(العقل المتكلّم عند يوحنا يدلّ عادّة على الوحي). كان يسوع قد أعلن أن تعليمه لا
يأتي منه، بل من الآب الذي أرسله (7: 16). أما هنا فيُقال عن الروح القدس أنه ينقل
ما سمعه. ويفسّر سماعُ الروح القدس للآب بعبارة أخرى: "يأخذ ممّا هو لي". وما "هو
لي" هو ما يمنحه الآب لابنه (آ 15أ). فبكلمات بسيطة جدًا، يجعلنا الانجيل نستشفّ سر
الاتصال في الله. وهكذا نشاهد سلسلة من "النقل": الآب ينقل كل شيء إلى الابن (رج مت
11: 27). والروح يأتي إلى الابن ليستقي التعليم الذي سينقله إلى التلاميذ.
وهدف هذا التدخّل هو تمجيد المسيح. فالفعل "مجّد" الذي هو مهمّ جدًا في انجيل
يوحنا، لا نجده هنا إلاّ في الأقوال حول البارقليط، وهكذا يكون هنا ليدلّ على
الغاية الأخيرة لتدخّله. فالمسيح طلب في حياته، لا مجده الخاص، بل مجد الآب (7: 18؛
8: 54). وفي ساعة انتقاله، طلب من أبيه أن يمجّده لكي ينال البشر الحياة الأبديّة
(17: 2). ومجدُ المسيح هذا هو إشعاع سلطانه الخلاصيّ (12: 36) بالتوافق مع إرادة
الآب (3: 16). ويكون البارقليط العامل في هذا المجد، لأنه يُنمي التلاميذ في
الايمان فيكشف لهم الأمور الآتية.
في هذه الظروف يكون المعنى الأساسي لفعل "أخبر" (كشف) هو كشف المعنى الاسكاتولوجيّ
الذي يرتبط بكلمة المسيح وعمله. فكما أن البارقليط بالتذكّر يجعل التلاميذ ينمون في
فهم أقوال المسيح (14: 26)، كذلك فهو يبيّن لهم أن سرّ الخلاص الذي أعلنه الأنبياء
قد تحقّق الآن. وهذا الوحي بالنسبة إلى ما سيأتي يرتبط بنظرة يوحنا إلى الساعة (4:
21؛ 5: 25).
غير أننا لا نستبعد لهذا الفعل معنى "أعلن المستقبل"، حين نعرف أن يوحنا يستعمل
ألفاظه مرارًا في معنيين. هذا ما نجده في سفر الرؤيا حيث نسمع تعليم المسيح ينقله
الروح إلى الكنائس (رؤ 2- 3). كما نسمع إعلانًا يقول إن قوى الشيطان لن تتغلّب على
عروس الحمل. فوظيفة الوحي لدى الروح لا تنحصر في الاضاءة على علاقة الابن بالآب، بل
تشير أيضًا إلى "زمن الكنيسة"، فتجعلنا ندرك كيف تستطيع الكنيسة أن تعيش السرّ
الفصحيّ.
خاتمة
حين انطلقنا من تعليم يوحنا حوله البارقليط. تعرّفنا إلى وعد الروح القدس الذي
أعطاه يسوع لتلاميذه خلال الاضطهادات (مر 13: 11 ومر). وقد وسّع الانجيليّ هذه
الوجهة وعمَّقها، لأن دور البارقليط لا ينحصر في أزمة من الأزمات، بل يمتدّ ويقوم
بعمل داخلّي في قلب الرسل، بعد أن أعطي ليقيم معهم إلى الأبد (14: 16- 17). سُمّي
الروح في العالم اليهوديّ "روح النبوءة". ولكن تحدّد موقعُ عمله في الماضي. فبحسب
نظرة المعلّمين، ابتعد الروح عن اسرائيل بعد الأنبياء حجّاي وزكريا وملاخي. أما في
التقليد المسيحي، فقد أعلن يوحنا آنيّة عطاء الروح واستمرار وجوده في قلب المؤمنين
(14: 17، مع فعل لبث، أقام).
يبدو أن يوحنا توخّى أن يوضح تمثّلات المؤمنين في العالم اليهودي وفي الجماعة
المسيحية. فمن قول إلى قول نلاحظ المترادفات بين البارقليط وروح الحقّ والروح
القدس. كانت صورة المتشفّع. أخذها يوحنا وحوّلها فأضحت صورة شخصية. فالبارقليط لا
يعمل داخل الصلاة كما عند بولس الرسول (روم 8: 23، 26- 27)، بل كموجّه في الحقّ
كله، لأنه روح الحقّ. هي عبارة تعود في الأصل إلى قمران، ولكنها تظهر في مجالا
مختلف كل الاختلاف. لم نعد أمام الجهاد الخلقيّ ضد روح الاثم، بل أمام ولوج في
الوحي الذي حمله المسيح. واللافت هو أن الأفعال والعبارات التي تصف عمل البارقليط،
تتسجّل في إطار المعرفة: عرف، ذكّر، شهد، ردّ ووبّخ، أدخل في الحقّ، تكلّم، أخبر
وكشف. وهو إذ يقيم إلى الأبد مع التلاميذ، فهو يحفظهم في الأمانة للتعليم الذي
تلقّوه من البدء. ونلاحظ كما في المواعيد المتعلّقة بالروح أن موضوع الكلمة يرتبط
بموضوع الروح ارتباطًا وثيقًا.
وما يلفت نظرنا أخيرًا، هو تركيز هذا التعليم على يسوع المسيح. فكل قول، وإن اختلف
شكله، يشدّد على دور المسيح في إرسال البارقليط. وهكذا قيل إن البارقليط هو "أنا"
المسيح، هو مسيح آخر. ومجيء المسيح الذي أعلن مرارًا يتمّ في مهمّة الروح. ومع ذلك،
فالروح لا يحلّ محلّ المسيح "وكأنه يلغيه". فرسالته تقوم بأن يمجّد المسيح، فيجعل
كلمته تثمر، ويدلّ رغم اعتراضات العالم، أن المسيح هو الغالب، وأن سرَّ الحياة يكمن
في عبور مسيرته الفصحيّة.
الفصل العاشر
عطيّة الروح في إنجيل يوحنا
أعلن يوحنا باحتفال في كتاب الآيات (ف 2- 12)، عطيّة الروح بواسطة المسيح المائت
والقائم من الموت. ثم ذكر "البارقليط" الذي ميّز خطب الوداع. تبقى ف 18- 20 التي
تذكر آلام المسيح وموته وقيامته. ننطلق منها فنفسّر المقطعين الذين فيهما يظهر
الروح، كما نتوقّف عند علاقة هذين القولين بالبارقليط.
1- على الجلجلة (19: 30- 34)
دوّن يوحنا باهتمام كبير كل المشاهد التي تؤلّف خبر الصلب، فجعلنا نرى من خلال
الخبر البُعد اللاهوتيّ والروحيّ للحدث. فإذا أخذنا بعين الاعتبار الايرادات
والتلميحات الكتابيّة، وما يقابل مقاطع أخرى في الانجيل الرابع، نستطيع أن ندرك
البعد الأول للنصّ ونترك المعنى مفتوحًا. ولكننا لسنا في مجال الاستعاريّة السهلة
التي لا ترتبط أي ارتباط بالنصّ. فشرعيّة التطبيقات الثانويّة تشرف عليها علاقتُها
بالمعنى الاساسيّ.
إن كلمة يسوع الأخيرة (قد تمّ) تشكّل تضمينًا واحتواء مع بداية كتاب الساعة (13: 1،
أحبّهم حتى الغاية، حتى التمام). إنها تتمة العمل الذي طلب منه الآب أن يكمّله (4:
34؛ 5: 36؛ 17: 4) من أجل خلاص العالم. والساعة التي قيل عنها مرارًا أنها ما جاءت
بعد (3: 4؛ 7: 30؛ 8: 20)، قد جاءت الآن. هي ساعة عبوره من هذا العالم إلى الآب
(13: 1) وتمجيده (17: 1). في هذا السياق، برزت بشكل خاصّ كلمات عبّرت عن موت يسوع:
"أسلم الروح".
اختلفت هذه العبارة عمّا يقابلها في مر 15: 37 ومت 27: 5، فلم تجد ما يقابلها في
العالم اليونانيّ. لا نستطيع أن نوازيها مع عبارة مز 30: 6 الذي ردّده يسوع كما في
لو 23: 46 (استودع روحي). فهي ترتبط بهدف خاص لدى الانجيليّ. فالروح المذكور هنا
يدلّ أولاً على نسمة الحياة (11: 33؛ 13: 21). ولكن نسمة يسوع هذه ترتبط بالروح
القدس الذي ناله في المعموديّة (1: 32). وفعل "أسلم" يعني هنا نقل الروح إلى مجموعة
المؤمنين التي تمثّلها النسوة (بمن فيهنّ مريم) والتلميذ الحبيب.
هناك من عارض هذا التفسير بما نقرأ في 20: 22 حين نفخ يسوع الروح القدس. في الواقع،
لسنا أمام تكرار، بل أمام طريقتين مختلفتين في تقديم عطيّة الروح القدس بيد القائم
من الموت في إطار الفصح. فبحسب النصّ الأول، رأى الانجيليّ الآلام (أو: الحاش)
والتمجيد ونقل الروح في نظرة واحدة، داخل الساعة. وكان التشديد على ضرورة الموت لكي
يتمّ نقل روح الحياة. في الخبر الثاني، تُفصَّل الأحداث التي تشكّل الخلاص: الموت،
ظهورات المسيح، العودة إلى الآب (20: 17). في هذا الإطار، تبدو عطيّة الروح باكورة
"يوم الأحد" الذي تدشّنَ بالقيامة.
ويتبع خبرَ موت يسوع، شهادةٌ احتفاليّة لدى الانجيليّ حول طعن المسيح بحربة،
كتتمّمة لنبوءتين اثنتين: النبوءة المتعلّقة بالحمل الفصحيّ (19: 36؛ رج خر 12: 46؛
مز 33: 21 وحماية البار). ونبوءة زكريا (12: 10) حول مشاهدة المطعون وارتباطها
بينبوع التنقية (زك 13: 1).
حين ذكر يوحنا الدم والماء اللذين خرجا من جنب يسوع (لفظة "جنب" "كما في 20: 25،
27)، دلّ أولاً على واقع موت يسوع وفاعليّته الخلاصيّة ضد الظاهريّين الذي يقولون
إن يسوع ما مات، بل تظاهر أنه مات، كما سبق له وتظاهر أنه أخذ جسدًا مع أنه لم يأخذ
جسدًا. فحملُ الله (19: 36) قد وهب حياته طوعًا (19: 30؛ رج 10: 17- 18)، وسلّم
الروح إلى الكنيسة (19: 30) فاقتلع خطيئة العالم (1: 29) حين عمّد المؤمنين في
الروح القدس (1: 33- 34). تقابلَ هذا الجسدُ المطعون بصخرة الهيكل (رج 2: 21: هيكل
جسده) فصار ينبوع ماء حيّ منه يجري "روح النعمة والتوسّل" (زك 12: 10) الذي يفتح
طريق التوبة للذين نظروا إليه بعواطف التوبة.
وفى خلفيّة هذا النصّ، نرى تلميحًا إلى المعموديّة (الماء) والافخارستيا (الدم)،
كسرّين من أسرار التنشئة المسيحيّة: فالروح الآتي من المسيح الذي "رُفع" يعطي
الأسرار فاعليّتها.
2- في العليّة (20: 22)
في خبر الظهور الأوّل في العليّة (20: 19- 23) نجد عناصر ظهور فيه يتعرّف التلاميذ
إلى يسوع، ويتقبّلون رسالة. والنصّ الموازي نجده في لو 24: 36- 53 الذي يكتفي بأن
يعلن مجيء قوّة من العلاء (24: 47- 49)، لأن أع 2 سيتحدّث عن عطيّة الروح في اليوم
الأول من الاسبوع.
استعاد يوحنا عناصر تقليديّة مختلفة فقدّمها في نظرة شاملة. هناك اليوم الأول من
الاسبوع، وهكذا نرتبط بالخلق الحديد. هناك العليّة المغلقة تجاه حريّة يسوع وحضوره
المفاجئ وإرسال التلاميذ. والسلام الذي منحه المسيح يذكّرنا بما قرأنا في خطب
الوداع (14: 27: سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم؛ 16: 33: يكون لكم بي سلام). والفرح
يرتبط بهذا الحضور (14: 28؛ 15: 11؛ 17: 13). غير أن هذا الظهور القصير للمسيح لا
يستطيع أن يُتمّ ملء التمام المواعيد حول عودته. والتشديد اللافت على جراح المسيح
(آ 20، 24، 29) قد توخّى الدلالة على أن القائم من الموت هو المصلوب. كما أراد أن
يبيّن أن ينبوع الروح قد فُتح حين طُعن الجنب بالحربة (19: 34- 37).
في هذا السياق الاجمالي نقرأ الأقوال الثلاثة التي نجدها هنا: إرسال في مهمّة،
عطيّة الروح، سلطان غفران الخطايا. إن عبارة الارسال نقابلها مع 17: 18 (أنا أرسلهم
إلى العالم كما أرسلتني أيها الآب)، فتستنير بالصلاة الكهنوتيّة حيث يكشف المسيح
وحدة شخصه مع الآب واستمرار عمله بواسطة التلاميذ الذين اختارهم وأبعدهم عن شرّ
العالم. حين ربط يسوع هذا الارسال الذي ناله من الآب مع إرساله تلاميذه (كما)،
أشركهم في الحياة التي نالها من الآب (6: 57)، وفي المعرفة التي توحّده بالآب وفي
حد الآب له وفي الرسالة التي تسلّمها من الآب.
والقول حول عطيّة الروح القدس، تسبقه حركة ذات معنى عميق جدًا: "نفخ في وجوههم".
نجد هنا الفعل في تك 2: 7 حيث ينفخ الله الحياة في آدم. وفي 1 مل 17: 21 (حسب
السبعينيّة) حيث يعيد إيليا الروح (أو نسمة الحياة) إلى الميت. وفي حز 37: 9 حيث
ينادي حزقيال الروح من الرياح الأربع ليعيد الحياة إلى العظام اليابسة. وفي حك 15:
11 مع العودة إلي خلق آدم. ففي إطار اليوم الاول من الاسبوع (يو 20: 19)، نحن أمام
فعل الخلق الذي يدلّ على قوّة الولادة الجديدة المرتبطة بالروح (31: 5). وفي خطّ
الفقاهة (أي: التعليم المسيحيّ) العماديّة كما في ف 3، نشهد تقدّمًا على مستوى
الوحي: فالمسيح الفصحي يمنح روحه لتلاميذه ليجعل منهم أناسًا جددًا يستطيعون أن
يقوموا بالمهمّة التي أوكلت إليهم الآن. وعبارة الشرح موجزة جدًا: "خذوا الروح
القدس": نحن هنا أمام فيض الروح كما أعلنه الانبياء. وهكذا نكون في خط العماد
بالروح القدس كما في 1: 32- 33.
والقول حول مغفرة الخطايا يتقابل مع مت 18: 18. نلاحظ استعمال صيغة الجمع، ساعة
اعتاد أن يستعمل يوحنا صيغة المفرد (الخطيئة) ليدلّ على الخطيئة الكبرى، أي
اللاإيمان (16: 8- 9). أما في رسالة يوحنا الأولى، فالنصّ يتحدّث عن الخطايا، أي
تلك الأعمال التي تعارض مشيئة الله (1 يو 1: 9؛ 2: 2، 12؛ 3: 5؛ 4: 10). إن يو 20:
23 يعني أساسًا مهمّة الغفران التي تمارسها الكنيسة بواسطة المعموديّة كما بواسطة
سائر ممارسات التوبة. هنا نتذكّر أول مرّة تحدَّث فيها المعمدان عن يسوع: "هذا هو
حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (1: 29). أرسل يسوع إلى العالم لكي يخلّصه (12:
47)، فأعدّ تلاميذه الآن لكي يتابعوا مهمّته في العالم. والذي يتيح لهم أن يقوموا
بهذه الولادة الجديدة هو روح الحياة، روح القداسة.
خاتمة
ننهي كلامنا عن الروح في انجيل يوحنا في نظرة حول حضور هذا الروح في الرسالة الأولى
التي حاولت أن توضح ما أسيء فهمه من الانجيل في الجماعات المسيحيّة. تكشف هذه
الرسالة دور الروح في أقسامها الثلاثة. بدأ القسم الأول بالاعلان أن الله نور (1:
5) وانتهى بتوسّع يتعلّق بمسحة الروح: نلتم مسحة من القدوس (2: 20). وبدأ القسم
الثاني بالاعلان أن الله حقّ (2: 29) وانتهى بتنبيه حول تمييز الأرواح (4: 1- 6):
"بذلك نعرف روح الحقّ من روح الضلال". وتميّز القسم الثالث بإعلان يقول إن الله
محبّة (4: 8، 16) وانتهى بتوسّع حول شهادة الروح (5: 6- 12). وفي قلب الرسالة،
سمعنا مرّتين إعلانًا يقول: الله أعطانا روحه. مرّة أولى في 3: 24: "نعرف أن الله
ثابت فينا من الروح الذي وهبه لنا". ومرّة ثانية في 4: 13: "ونحن نعرف أننا نثبت في
الله وأن الله يثبت فينا بأنه وهب لنا من روحه". وهكذا نفهم أننا صرنا مشاركين في
هذا الروح منذ المعموديّة. فلا يبقى علينا إلاّ أن نترك هذا الروح يرافقنا فنكتشف
عمله في حياتنا وفي حياة الكنيسة من أجل رسالة تكون امتدادًا لرسالة التلاميذ حين
أرسلهم الرب يوم العنصرة.
الفصل الحادي عشر
الروح القدس في كتابات يوحنا
بعد فصول ثلاثة في انجيل يوحنا، نقدّم نظرة تأملية تتعدى الانجيل الرابع وتصل إلى
رسالة يوحنا الاولى التي تدعونا للتعرّف إلى الروح الذي أعطي لنا. وننهي هذه
الإطلالة بنظرة سريعة إلى سفر الرؤيا حيث الروح يتكلّم في البداية إلى الكنائس، وفي
النهاية يرافق العروس حيث يناديان الحمل: تعال أيها الربّ يسوع.
1- الولادة من الروح
نجد في الإنجيل الرابع عددًا من النصوص المتعلّقة بالروح القدس، وهي تتوزّع في
مجموعتين. في المجموعة الأولى نقرأ إعلان عطيّة الروح في علاقتها مع المعموديّة أو
في رمز الماء. وفي المجموعة الثانية، نتعرّف في خطبة الوداع (ف 14- 16) إلى
البارقليط. قال يوحنا المعمدان شاهدًا: "رأيت الروح ينزل من السماء ويستقرّ عليه
(أي يسوع). وما كنت أعرفه. لكن الذي أرسلني لأعمّد بالماء قال لي: الذي ترى الروح
ينزل ويستقرّ عليه هو الذي سيعمّد بالروح القدس" (1: 32- 33). وفي عيد المظالّ قال
يسوع: "إن عطش أحد فليجئ إليّ ليشرب، ومن آمن بي، كما قال الكتاب، تفيض من صدره
أنهار ماء حيّ. وعنى بكلامه الروح الذي سيناله المؤمنون به، فما كان الروح أعطي بعد
حتى الآن، لأنّ يسوع ما تمجّد بعد" (7: 37- 39).
ونتوقّف في هذه المجموعة الأولى عند حوار يسوع مع نيقوديمس (3: 3- 8). نحن هنا في
إعلان الحياة مع نيقوديمس والسامريّة. مضى نيقوديمس وما علمنا ردّة الفعل الحميمة
عنده. أمّا السامريّة فارتدّت إلى الله وصارت مرسلة في قريتها. أمام نيقوديمس نجد
خطبة حول الوحي الذي جاء يسوع يحمله، تقطعه مرتين الأداة "كيف". في آ 4: "كيف يُولد
الإنسان وهو كبير في السن"؟ وفي آ 9: "كيف يكون هذا"؟
ماذا نجد في خطبة يسوع هذه؟ ولادة جديدة بفعل الروح. ارتفاع ابن الانسان. نترك
الفكرة الثانية التي تقابل بين "رأى الملكوت" و"دخل في الملكوت"، ونشدّد على قرار
الانسان الذي يلتزم في طريق التوبة والعودة إلى الله. ونتوقّف عند الفكرة الأولى
التي تُبرز دور الروح في هذه الولادة الثانية (بعد الأولى، حسب الجسد)، في هذه
الولادة من علُ (بعد تلك التي أخذناها من الأرض).
تحدّث يسوع عن رؤية ملكوت الله والولادة الثانية، فقال نيقوديمس: كيف؟ فأجاب يسوع
مشيرًا إلى أنّ هذه الولادة العلويّة تحصل بفعل الماء والروح. لا نستطيع أن نستغني
عن الماء لنتوقّف فقط عند الروح، وإن لم يعد يُذكر الماء في خطبة يسوع هذه. فالماء
يترافق مع الروح كما في تي 3: 5: "خلّصنا الله بغسل الميلاد الثاني وجّديد الروح
القدس". "وهذا الروح أفاضه علينا وافرًا بيسوع المسيح مخلّصنا" (آ 6). لا شكّ في
أنّ النص يشير إلى المعموديّة، وإلى عمل الروح الذي يجعل منّا أبناء الله، بواسطة
المياه التي تصبح بقوّته حشا جديداً يلد البنين الروحانيّين.
إنّ الجديد في تدخّل الروح يشير إليه التعارضُ بين الجسد (أو اللحم والدم، أي ما في
الانسان من ضعف) والروح. فالوظيفة الأساسيّة للروح تقوم بأن تقود المؤمن إلى الحقّ.
أما "الجسد" فيمثّل الانسان في طبيعته البشريّة. هو لا يستطيع في ذاته أن يحكم على
الأمور. وإن حكم، ظلّ سجين معايير وضعها أمامه فانغلق على وحي الله. هنا نفهم
المقابلة بين آ 2 حيث قال نيقوديمس "نحن نعرف". وبين آ 10 حيث قال يسوع: "أنت لا
تعرف". فإذا أراد الانسان أن يصير ابن الله، فعليه أن يتخلّى عن يقين الجسد وما فيه
من ظواهر، وينفتح على صوت الروح. عند ذاك يصبح المؤمنَ الذي وُلد من فوق، فيصبح
باستطاعته أن يتوجّه نحو ملكوت الله بعد أن حملته نسمة الروح القدس.
وهكذا دلّ 3: 3- 8 الذي هو قلب الحوار مع نيقوديمس، على الدور الخلاّق الذي يلعبه
الروح في المعموديّة. كما قدّم الحياة المسيحيّة كلّها على أنّها مسيرة نحو الملكوت
بفعل الروح. وهذا يتمّ لأن ابن الانسان المرفوع على الصليب سيمنح روحه لجميع الذين
يؤمنون به (7: 39). فلا يبقى لهم إلاّ الانفتاح لينالوا هذا الروح لا في لحظة
عابرة، بل كرفيق يستمرّ معهم في حياتهم كلّها. وهذا ما يوجّهنا إلى الكلام عن
البارقليط الذي سيسير بنا إلى الحقّ كلّه.
2- مواعيد البارقليط
قال يسوع في خطبة الوداع: "وسأطلب من الآب أن يعطيكم بارقليطًا آخر يبقى معكم إلى
الأبد، روح الحقّ الذي لا يقدر العالم أن يقبله" (14: 16- 17). وقال: "البارقليط،
الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي، هو يعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم"
(14: 26).
ما معنى لفظة "بارقليط"؟ المحامي. ذاك الذي يتدخّل من أجل آخر. هو يتوسّط من أجل
ضعيف ومحتاج، وقد يكون المتشفّع. وإذا عدنا إلى العهد القديم، نرى أن الفعل يرتبط
بتحريض يحمله الأنبياء، بتشجيع نأخذه من الكتب المقدّسة (روم: 15: 4). مثلاً، نقرأ
في أش 40: 1: "عزّوا، عزّوا شعبي". لسنا أمام تعزية على مستوى العاطفة، بل أمام
تحريض قويّ يدعونا إلى أن نؤمن ببشرى الخلاص وأن نسير في طريق تقودنا إلى أورشليم.
من أجل هذا، حين نقول إنّ البارقليط يعني المعزّي فيجب أن نزيد المشجّع، ذاك الذي
يدفعنا إلى الأمام من أجل الانجيل على طرقات العالم.
قدّم الإنجيل الرابع البارقليط على أنه روح الحقّ. عملُه هو امتداد لعمل يسوع على
الأرض. "هو يعلّمكم وهو يذكّركم" (14: 26). ذاك هو دوره في حياة الكنيسة. دور
التعليم والتذكير. هو يقودنا إلى الحقّ كلّه (16: 13). هو يشهد ويدعونا إلى الشهادة
فيوبّخ، أو بالأحرى، يفحم العالم على الخطيئة والبرّ والدينونة. يلعب دور القاضي
والديّان. ظنّ العالم حين حكم على يسوع أنّه كان على حقّ، وكان يسوع، لا سمح الله،
"كاذبًا". تدخّل الروح فدفع التلاميذ للشهادة. تدخّل فقلب الموازين كلّها. دلّ على
أنّ المسيح مُجِّد فأظهر خطيئة العالم والحكم على "سيّد العالم" أي إبليس.
خطيئة العالم تقوم بأنّهم لم يؤمنوا بيسوع. هذا ما يدلّ عليه الروح فيدعو إلى
الإيمان الذي يعني في إنجيل يوحنا العودة إلى التوبة. خطيئة العالم تقوم بأنّهم
اعتقدوا يسوع مضلّلاً. سيبيّن الروح الحقيقة كلّها. وعلى مستوى الدينونة، يسوع بريء
وهو لا يدان. ولكنّ سيّد هذا العالم يُدان ويُحكم عليه. هذا ما يقوم به الروح من
أجل المسيح في إطار الشهادة التي يشهدها هو، ويدعونا إلى أن نحملها بدورنا.
ومع التعليم الذي يحمله الروح، هناك التذكّر. لسنا أمام تذكّر أحداث ماضية وحسب، بل
أمام تفهّم رفيع يرتبط بتمجيد الابن. فبعد القيامة استطاع التلاميذ أن يدركوا
المعنى التام لكلام يسوع ولأحداث حياته. مثلاً، حين طرد الباعة من الهيكل، سينتظر
التلاميذ القيامة ليفهموا أنّه كان يتكلّم عن جسده (2: 22). الوعد بالمياه الحيّة
(7: 39) سيُفهم على ضوء تمجيد يسوع. وكذلك الدخول إلى أورشليم (12: 16): "ما فهم
التلاميذ في ذلك الوقت معنى هذا كلّه. ولكنّهم تدكّروا، بعدما تمجّد يسوع، أنّ هذه
الآية وردت لتخبر عنه". فالتذكّر الذي ينيره الروح القدس، روح الحقّ، يربط في حزمة
واحدة الوعدَ الذي يحمله العهد القديم، زمن يسوع، وآنيّة هذا الزمن لحياة الكنيسة.
وأخيرًا هناك الشهادة التي هي عمل الروح. فالشاهد ليس "مسجّلة"، ليس آلة تعيد
بالضبط ما سمعتْ بشكل حرفيّ. الشاهد هو شخص يلتزم في خدمة الحقّ ويفسّر التفسير
الصحيح ما سمعه وما رآه. من يساعده على القيام بهذا الدور العظيم؛ الروح القدس.
مثلاً، عند الصليب طُعن يسوع "بحربة في جنبه، فخرج منه دم وماء. والذي رأى شهد،
وشهادته صحيحة، وهو يعرف أنّه يقول الحقّ لتؤمنوا" (19: 34- 35). وستدلّ رسالة
يوحنا الأولى على يسوع الذي جاء بماء ودم. ومن يشهد بذلك؟ "الروح هو الذي يشهد،
لأنّ الروح هو الحقّ" (1 يو 5: 6).
3- الروح الذي أعطي لنا
وهكذا نصل إلى رسالة يوحنا الأولى التي هي امتداد للإنجيل الرابع وتوضيح لبعض
تعابيره التي لم تفهمها الجماعة: "إذا زعمنا أنّنا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا وما كان
الحقّ فينا. أمّا إذا اعترفنا بخطايانا..." (1: 8- 9). هذه الرسالة هي دعوة
للاستماع إلى الروح. فنحن لا نستطيع أن نفهم الإنجيل كما نشاء. ونستطيع أن نعيش
الإنجيل كما يروق لنا. قد تسحرنا كلمات خدّاعة تشبه ما في الإنجيل. من يعلّمنا
الفهم الحقيقيّ والعيش الحقيقيّ والتمييز؟ الروح القدس ويكون عمل المسؤولين في
الجماعات امتداداً لعمله في التذكير بالكلمة التي تسلّموها وتعلّموها منذ البدء. هم
يهتمّون بأن يكتشفوا على مستوى الكنيسة تعني الحياة بحسب الروح الذي أعطي لنا.
في رسالة يوحنا الأولى إشارات قليلة إلى الروح. أما نحن فنقرأ 3: 24- 4: 6، فنكتشف
فيه: تمييز الأرواح. الاعتراف بالمسيح في عبارة إيمانيّة والتعرّف إلى حياة في روح
المحبّة بحسب الله.
هناك روح وروح. فمن أيّ روح نحن؟ فهناك الأنبياء الكذبة الذين يجب أن نميّزهم: كيف
نعرفهم؟ من يعترف بأن يسوع جاء في الجسد هو من الله. ومن لا يعترف ليس من الله.
وهكذا يعمل الروح عمله ليساعد المؤمن على الولوج في شخص يسوع المسيح: ذاك الذي صار
بشراً وسكن فينا. ذاك الذي تمجّد بقيامته من بين الأموات. تلك هي الأمانة المطلوبة
منّا ومن كنائسنا.
فتعليم الإنجيل والاعتراف بالمسيح ليسا متروكين لنزوات كلّ واحد منا فهناك قاعدة
الإيمان التي لا تقبل بكلّ "اعترافات" الإيمان التي يعلنها هذا أو ذاك. فالاعتراف
بالمسيح الذي جاء في الجسد هو الأساس الذي لا يُستغنى عنه فبدونه ليس من إيمان
مسيحيّ. ولكن ماذا يعني أن نعترف بالمسيح الذي جاء في الجسد؟ كيف نتعرّف إلى عمل
روح الحقّ؟ قد نعتبر أنّنا على مستوى الكلام واللفظ الرنّان. لا، فالتعلّق بالمسيح
هو أبعد من تعداد العبارات. لا تكن محبّتنا بالقول والكلام، بل بالعمل والحقّ.
ونعلن تعلّقنا بالله لا بالعالم. فالعالم هو الرفض واللاإيمان. كما نعلن انفصالنا
"عنهم"، عن الأنبياء الكذبة. وحين نسمع تعليم الكنيسة نعرف الله. نكون من الله.
أجل، المسيحيّون هم من الله. ذاك هو تأكيد أساسيّ. فالمسيح قد انتصر انتصارًا
نهائيًا (4: 4). وروح الله أعطي لنا (3: 24- 4: 13). ولكن الانتماء إلى الله لم
يتمّ بعد. فيجب أن نعرف الروح. هذا يعني التزامًا يوافق الروح الذي نلناه. ويعني
بشكل ملموس أن حبّ المسيح هو فينا، وهو يدعونا إلى أن نحب الله ينبوع كلّ حب، وأن
نحبّ الأخوة، لأنّ محبتنا لهم تدلّ على أنّ محبّتنا لله صادقة ولا غشّ فيها.
خاتمة
وننهي هذه الاطلالة على الإنجيل الرابع والرسالة الأولى إلى يوحنا مع ما يقوله
الروح إلى الكنائس في سفر الرؤيا. هذا الروح المسبّع العطايا يرسل التعليم إلى
الجماعات الكنسيّة: حين تقرأ الكتب المقدّسة تكتشف التنبيه والتحذير، كما تكتشف
المواعيد التي تدفعها إلى العمل. ثمّ إنّ الروح هو روح المسيح الحيّ. المسيح ما زال
بروحه يتوجّه بعد القيامة إلى المؤمنين والجماعات. فإن ساروا على هدي هذا الروح،
وسمعوا التعليم، استحقّوا الإكليل، وأصعدوا في النهاية صلاة تستطيع أن تنشدها كلّ
جماعة من جماعاتنا: "يقول الروح والعروس: تعال. من سمع فليقل: تعال. آمين، تعال
أيّها الربّ يسوع" (رؤ 22: 17، 20).
الفصل الثاني عشر
خبرة الروح في رسائل القديس بولس
حين نقرأ رسائل بولس، لا يبدو الروح موضوع تفكير، بل قوّة تحصل على نتائج. وقد
اختبرت الجماعات البولسيّة الروح. فالروح يلعب دور اتصال حين يأخذ المسيحيون كلمة
متعدّدة المعاني. ونكتشف عمله حين نتعرّف إلى الذين ينعمون بهذا العمل. أما نحن
فنتوقّف عند القسم الأول تاركين إلى فصل لاحق الحديث عن المستفيدين من عمل الروح في
رسائل القديس بولس.
نتوقّف أولاً عند دور الكلمة في الكرازة الرسوليّة، وثانيًا عند أشكال أخرى من
الوحي.
1- دور الروح في الكرازة الرسوليّة
أ- الرسل والسامعون
يكوّن الروح اتصالاً ناجعًا بين الرسل وسامعيهم. أما البرهان الاقوى فهو ملاءمة
تعليم الرسل لحاجات الانسان المعاصر. ففي 1 كور 2: 1- 5، يبيّن بولس طابع المفارقة
في الكرازة الرسوليّة. وهي فاعلة وإن لم ترتبط بمقولات هذا العالم. ويبرّر بولس
تأكيده مستندًا إلى تصرّفه الخاص في كورنتوس. لقد قدّم نفسه عكس "إنسان بليغ"
ليُظهر بشكل أبلغ أسباب قوّة كلمته. وذكر في آ 4 كيف كانت كلمته فاعلة وتعليمه:
"وكان كلامي وتبشيري لا يعتمدان على أساليب الحكمة البشريّة في الاقناع، بل على ما
يظهره روح الله وقوّته".
وكان قد بدأ في آ 1 بعبارة سلبيّة تعبّر عن رفضه اللجوء إلى عبارات بلاغيّة تقود
إلى اقتبال التعليم بالنظر إلى أساليب خارجيّة تعتمد على فن الكلام. فقال: "وأنا،
عندما جئتكم أيها الأخوة، ما جئت ببليغ الكلام أو الحكمة لأبشّركم بسّر الله". هذا
الكلام يعني التخلّي عن برهان يستند فقط إلى حكمة البشر. وماذا يقابل هذه الخطبة
الحكميّة؟ برهان بقوّة الروح. "ما يظهره روح الله وقوّته". ماذا تعني هذه العبارة؟
إذا أردنا أن نفهمها نقابلها مع القسم الثاني من النقيضة. فاللجوء إلى البلاغة
والحكمة يتوخّى إقناع السامعين بأساس التعليم الذي يُعلن. رفض بولس مثل هذه
الوسائل. ومع ذلك فالكورنثيون اختبروا ملاءمة هذه الكلمة لأن الروح نفسه عمل في قلب
السامعين. هكذا ظهرت قوّة الروح. هكذا ظهر الروح بقوّة تدلّ على ملاءمة الكرازة
الرسوليّة. وهكذا نفهم آ 5: "حتى يستند إيمانكم إلى مدرة الله، لا إلى حكمة البشر".
لا يظهر هذا الروح كقوّة لاشخصيّة بسبب التوازي بين قوّة الروح وقوّة الله. فكما أن
البشر يتصرّفون منطلقين من كلمات الحكمة المقنعة، ساعة يعلنون التعليم الرسولي،
هكذا يفعل الله بقوّة الروح. فالروح يتيح بقوّته للمؤمن أن يختبر قدرة الله في ضعف
الجماعة كما في ضعف الرسول. في هذا المجال، نقرأ 1 تس 1: 5: "لأن البشارة حملناها
إليكم، لا بالكلام وحده. بل بقوّة الله، والروح القدس واليقين التام". أسّس بولس
شكره على معرفة حدث سابق هو اختيار أهل تسالونيكي. وهذا الاختيار يترجم بتقبّل
الانجيل في هذه المدينة. وها هو بولس يدعو القرّاء لكي يتذكّروا الاعلان الأول
للانجيل في جماعتهم. وتأتي آ 6- 7 فتنظران إلى ما حدث لأهل تسالونيكي: تقبّلوا
الكلمة في ضيقهم مع فرح الروح القدس، فصاروا مثالاً لجميع المؤمنين.
إن هذا التوضيح يعطي لكل عبارة في آ 5 ملء معناها. "في القوّة"، لأن الانجيل المعلن
لم يكن فقط كلامًا، بل كان له في ذاته قوّة تعرّفنا إلى نتيجتها التي هي تقبّل
الكلمة في الضيق. وارتبط بالروح القدس الفرحُ في قلب الضيق. أما "الوفرة" (أو:
اليقين)، فقد ظهرت في إيمان عارم لدى التسالونيكيين. وهكذا دلّ تصرّفهم على أن
الاعلان الرسولي لم يكن خطابًا لا نتيجة له.
ثلاث مرات نجد في 1 تس صفة "القدس" مع "الروح" (1: 5، 6؛ 4: 8). نحن نفهم هذه
اللفظة في إطار التقديس الذي يدلّ على انتشار الكلمة في جماعة تسالونيكي. وما في 1:
5، 6 يدلّ على أن الانجيل قد وصل بشكل عمليّ إلى تسالونيكي. أجل، بدأت الأزمنة
المسيحانية، وصار الانتظار واقعًا، وأعطى الله روحه كإمكانيّة توبة وارتداد. وسؤكّد
بولس في روم 15: 19 دوره كخادم للمسيح، وقراره بأن يقف عند ما فعله المسيح فيه. كان
نشاطه في "القول والعمل". نحن هنا أمام تصرّف بولس على مدّ نشاطه، كما أمام القدرة
التي ظهرت بأشكال مختلفة. فالمسيح هو في أساس العمل، والمعجزات وأعمال الروح كانت
وسائل دعت الوثنيين إلى الايمان. "المعجزات والآيات" (2 كور 12: 12) هي ظواهر
خارجيّة. أما عبارة "في قوّة الروح" فتوجّهنا إلى القوّة الداخليّة التي تحرّك
إيمان الوثنيين. لقد كانت خدمة بولس عمل قدرة ظهر عبر آيات خارجيّة وعمل الروح.
ب- الروح كعامل وحي
إن الروح كعامل وحي يكشف معنى الصليب ومجمل الخيرات التي يمنحها الله للجماعة. هنا
نتوقّف عند 1 كور 2: 6- 16 الذي هو جزء من نصّ يمتدّ من 1: 10 إلى 4: 13. وجد بولس
نفسه أمام جماعة تفهم الانجيل وكأنه فلسفة. وتعلّق أعضاء هذه الجماعة بالواعظ الذي
هو معلّم حكمة أكثر منه بكلام الصليب. وهذه اللامعرفة لطبيعة الانجيل الحقيقيّة،
أثارت الانقسامات داخل الجماعة. لهذا، جاء نص 1 كور 2: 6- 16 مع تفكير حول
الانقسامات في جماعة كورنتوس.
في 1 كور 1: 10 نقرأ نداء، ثم كلامًا عن الوضع في كورنتوس (آ 11- 12)، ونقدًا
لأقوال الكورنثيين (آ 13- 16). وجاءت آ 17 فشكّلت انتقالة تبرّر ممارسة بولس في
كورنتوس وتعلن الموضوع الذي هو في قلب فكرة بولس، أي الخطر الذي تمثّله حكمةُ
الكلام بالنسبة إلى صليب المسيح. فحكمة الكلام قد تُفرغ صليبَ المسيح من كل نتيجة.
ويتواصل برهان بولس في زمنين. واحد سلبيّ (1: 18- 2: 5)، وآخر إيجابيّ (2: 6- 16).
هناك فكرة عامة حول لغة الصليب تستند إلى ملاحظتين: تأليف الجماعة في كورنتوس
وتصرّف بولس في هذه الجماعة. وبعد أن أبرز مفارقة لغة الصليب، أوضح طبيعة الانجيل
الحقيقيّة وطريق وصوله إلينا بشكل لا يربط الرسول بحكمة الخطاب (2: 6- 16). وهكذا
تبدو هذه المقطوعة الوجهة الايجابيّة في نقيضة حول طبيعة الحكمة التي يعلّمها بولس
والرسل، والطريقة التي بها تُكشف. وهي تنقسم قسمين، ويبدأ كل قسم بفعل "نتكلّم".
وينتهي كل قسم بشكل مشابه. لقد نال بولس والفريق الرسوليّ الروح الذي يأتي من الله،
وصار لهم روح المسيح. في هذا النصّ الذي يحدّد فيه بولس طبيعة الانجيل، وحسّ
الواعظين، عادت صيغة المتكلّم الجمع (نحن طلبنا) إلى الوعّاظ الذين يتميّزون عن
الكورنثيين بسلوكهم. حدّد القسم الأول (آ 6- 12) طبيعة الحكمة والعامل في انتقالها.
والثاني (آ 13- 16)، فئات الناس تجاه انتقال هذه الحكمة.
بعد كلام عن طبيعة الحكمة التي يفتخر بها بولس، نصل إلى طريقة التعبير عنها.
ونتوقّف عند وظيفة الوحي مع ثلاثة أفعال مختلفة تتحدّث عن المعرفة. في آ 8، 11، 14
يدلّ الفعل على المعرفة التي يستطيع البشر أن يحصلوا عليها، وهي معرفة تؤول إلى
الفشل حين نكون أمام حكمة الله. وهناك فعل يرد في آ 12 فينطبق على نشاط بولس وفريقه
الرسوليّ أو على معرفة بشريّة. وهناك فعل ثالث (آ 10) يرتبط بالوحي فيميّز نشاطًا
يقوم به الله بروحه. إن فعل "كشف" يفترض تنشئة من عند الله ويعارض في هذا النصّ
طريقة معرفة يمارسها رؤساء هذا العالم (آ 8). وهذا الكشف الذي يمسك الله المبادرة
فيه، لا يمكن أن يكون إلاّ بقدر ما يتدخّل الروح فيه كعامل ناشط.
يكشف الروح ما يخصّ الله نفسه، "ما هيأه الله للذين يحبّونه". وهو يقود إلى معرفة
إله المجد والخيرات التي يمنحها هذا الاله. وهو يظهر مصداقيّة كلام الصليب. فمن
تقبّل الحكمة، من تقبّل الانجيل، تقبّل ربّ المجد. حين عرف الرسول مبادرة الله بفعل
الروح، اقتنى معرفة تتجاوز الانسان. والكشف الذي يتمّ بواسطة الروح يتضمّن بعدًا
سوتيريولوجيًا (على مستوى الخلاص). فالوحي يعني المجد (آ 8) والسعادة الآتية (آ 9)
للذين ينعمون بها، والتعرّف إلى الخيرات التي يمنحها الله لنا. ووظيفة الوحي هذه
تفرض أن الروح نفسه يعرف ما في الله لأنه يفحص كل شيء (آ 10). يدلّ هذا الفعل على
العمق، كما يبيّن أن لا شيء يفلت من نظره.
والروح الذي يعمل في هذا الوحي يسمّى "روح الله". ففي آ 11 نقرأ: "ما من أحد يعرف
ما في الله غير روح الله". وفي آ 10 كنا قد قرأنا عن الروح الذي يتفحّص أعماق الله.
وفي آ 12: "الروح الذي من الله". ليس الروح هنا وسيطًا بل عطيّة ننالها. ونجد في آ
11 مقابلة بين معرفة روح الانسان لواقع الانسان ومعرفة روح الله لواقع الله.
في آ 14، تظهر عبارة جديدة (ما هو من روح الله) تقابل ما وجدناه في آ 11 (ما في
الله، ما هو الله) وآ 12 (الروح الذي أرسله الله لنعرف ما وهبه الله لنا). وهكذا
نفهم آ 14 على ضوء الوظيفة الاساسيّة التي يقوم بها الروح فيوصل إلينا خيرات تأتينا
من الله بفعل الروح. هكذا بدا الروح عامل معرفة (آ 10) ولكننا نقتبله (آ 12) فيتيح
لنا أن نعرف، لا "أعماق الله"، بل "الخيرات الآتية من الله بفعل الروح" أو كما تقول
آ 9: "ما هيّأه الله للذين يحبّونه".
وهكذا نصل إلى الانسان الروحيّ الذي يستطيع أن يحكم على "ما يأتي من روح الله". هو
يقدر أن يفهم أن كلام الصليب قدرة الله، وأن قد تمّ انقلاب في القيم. فالروحيّ (أو:
الروحانيّ) هو الذي يكتشف ما تتطلّبه الحكمة الحقّة. هو يحكم على كل شيء، ولكنه لا
يستطيع أن يفعل من دون "فكر" المسيح. فمن انتسب إلى المسيح كما يفعل أهل كورنتوس،
يبقى انتسابه ناقصًا إن لم يمتلك "فكر" المسيح. الرجل الروحاني هو الرجل الذي حوّله
تقبّل الروح بالنظر إلى فكر المسيح. أما الانسان "النفسانيّ" فينقصه فكر المسيح،
ولهذا يكون حكمه ناقصًا إن لم يكن خاطئًا.
وهكذا يكون الروح عامل معرفة في معنيين. من جهة يكشف معنى كلام الصليب، والخيرات
التي يمنحها الله للجماعة. ومن جهة ثانية، يساعد على نقل هذه الخيرات. وهو وسيط
بالنظر إلى امكانيّة تفحّص أعماق الله. وهو أيضًا يُعطى لنا فنتقبَّله. أخيرًا،
الروح هو عامل جوهريّ في مسيرة الوحي والكشف، ولا يأخذ كامل معناه إلاّ بالنظر إلى
فكر المسيح. وهو يعمل فيقلب النشاط الرسوليّ.
2- مكانة الروح في عمل الوحي
إن النصوص التي درسناها أبرزت رباطات وثيقة بين كلمة الرسول والروح في رسائل القديس
بولس. بين الوحي (بمعنى كشف الحكمة الحقّة والتعرّف إلى خيرات يمنحها الله للجماعة)
والروح. فهل يكون الارتباط كما لو كنّا أمام موضوع معرفة محدودة؟ نتوقّف هنا عند
حالات أربع: الرؤية، الوحي، النبوءة، كلمة الربّ.
أ- الروح والرؤية
نجد "الرؤية" مرة واحدة عند بولس الرسول. في 2 كور 12: 1: "أنتقل إلى رؤى الربّ".
يتحدّث الرسول بتحفّظ عن ظواهر خاصة نعم بها. إن هو ذكرها في 2 كور 12: 1 ي، فبعد
أن أكرهه الكورنثيون وهم الذين يوصون أنفسهم بأنفسهم (2 كور 10: 12- 18) ويقدّمون
رؤاهم وإيحاءاتهم المزعومة. هناك من تحفّظ حول الخبرة الانخطافيّة لدى بولس. فعبارة
"نكون في الروح" تقابل نكون في المسيح. وإن عرف بولس الحدث الانخطافي كأمر نادر،
فالروح لا يعني امكانيّة اختبارات صوفيّة. وهناك من اعتبر أن هذه الخبرات
الانخطافيّة لا تشكّل سمة ثانويّة في شخصه وخبرته الرسوليّة. ولكن الظروف قادت
الرسول إلى أن لا يُبرز هذه الخبرات لئلا يدفع المؤمنين إلى التفكير بأنها أساس
نشاطه الرئيسيّ.
هناك أمر أكيد وهو أن التماثل مع آلام المسيح أكثر أهميّة من المظاهر الخارقة. وفي
2 كور 12: 1- 4، التشديد ليس على فعل "رأى" بل على فعل "سمع". نقرأ في آ 4 عن
الرسول الذي "سمع كلامًا لا يقدر بشر أن ينطق به ولا يجوز له أن يذكره". ويبدو أن
الرؤية لا ترتبط هنا بالروح، بل بالمسيح.
ب- الروح والكشف
ورد الكشف 13 مرة في الرسائل البولسيّة. أما معناه فيختلف بين نصّ وآخر. فقد يكون
المعنى اسكاتولوجيًا (روم 2: 5؛ 8: 18، 19). أو يدلّ على وحي الانجيل (أو الغضب
المرتبط بالانجيل)، روم 1: 17، 18؛ 16: 25 (مجدلة)؛ غل 1: 12. وحي الابن (غل 1:
16). كشف الايمان (غل 3: 23). وقد نكون أمام الوحي في معنى محدود أو أمام نداء إلى
الطاعة (1 كور 14: 6، 26، 30).
في هذه النصوص، لا يربط بولس كشف الانجيل، كشف الابن، بالروح إلاّ في 1 كور 2: 10
مع وجود قوّة مختلفة عن الحكمة للتعرّف إلى ملاءمة كلام الصليب والخيرات الممنوحة
للجماعة. في 1 كور 14: 26، 30، قد يكون الوحي (أو: الكشف) نتاج نبوءة وضعها بولس مع
الأمور الروحيّة. ولكننا أمام إيحاءات داخل الجماعة. إن الاشارة إلى الوحي لا ترتبط
بالنبوءة بقدر ما تحاول أن تبيّن نسبيّة التكلّم بالألسن. وحين يتطرّق بولس إلى
الايحاءات التي نعم بها، فهو لا يذكر الروح.
ج- الروح والنبوءة
النبوءة جزء من الخيرات التي يمنحها الروح (1 كور 12: 10)، وهي تقف منح الأمور
الروحيّة (1 كور 14: 1 ي). ولكنها تُنسب أيضًا إلى الله (روم 11: 6) الذي أقام
الأنبياء (1 كو 12: 8). في أف 4: 11، يعطي القائم من الموت الرسلَ، مع العلم أن
هناك رباطًا بين نشاط الانبياء والروح في أف 20: 20 ي (لتصيروا مسكنًا للروح)؛ 3: 5
(كشفه الآن في الروح).
في 1 تس 5: 19- 22، نجد الروح بقرب النبوءات: "لا تعيقوا عمل الروح، لا تستهينوا
بالنبوءات". هذا الكلام هو جزء من تحريض يوجّهه بولس إلى الجماعة في تسالونيكي.
لاشكّ في أنه وُجد مسيحيون رذلوا كل شكل نبوءة بسبب البلبلة الاسكاتولوجية التي
يحرّكها بعض الأنبياء. نجد في هذه الآيات توصيتين سلبيتين (آ 19، 20)، تخفّف من
حدّتهما دعوة إلى التمييز تتجسّم في نصيحة إيجابية (امتحنوا كل شيء) وفي نصيحة
سلبيّة (آ 22). لقد بدأ التسالونيكيون يطفئون الروح. يطفئون نتائج عمل الروح في
الجماعة. فحين يتصرّفون بهذا الشكل لا يعترفون بقوّة الروح في مثل هذه الظواهر.
وهكذا يكون الروح في 1 تس 5: 19 روح الله والواقع المسيحيّ المعاش أي الحالة التي
يكون فيها المؤمنون حين يتكلّمون ويتصرّفون بقوّة الروح. وهكذا يدعو بولس المؤمنين
أن لا يطفئوا الروح، فيعود بهم إلى مجمل الحياة المسيحيّة.
د- الروح وكلمة الربّ
أشار بولس خمس مرات إلى كلمة الربّ (1 كور 7: 10؛ 9: 14؛ 11: 23- 25؛ 1 تس 4: 2،
الرب يسوع، 4: 15). ما نجده في 1 كور يرتبط بالتقليد الانجيليّ. أما الايرادان في 1
تس فيرتبطان بموضوعنا بشكل مباشر. في 4: 2 توجّه بولس إلى أهل تسالونيكي فقال لهم:
"فأنتم تعرفون الوصايا التي أوصيناكم بها من الربّ يسوع". وتنتهي المقطوعة في آ 8
مع ذكر الروح القدس: "فمن رفض هذا التعليم لا يرفض انسانًا، بل الله الذي يمنحكم
روحه القدوس". فالتذكيرات التي توضح دعوة الجماعة إلى القداسة (آ 3- 7)، يحيط بها
تأكيد حول أصل الكلام وإشارة إلى الطاعة للكلمة الرسوليّة.
إن القواعد السلوكيّة التي يعطيها بولس تستند إلى الرب يسوع الذي يمارس اليوم
سيادته في الجماعة. المسيح هو ينبوع الحياة الجديدة ووسيط إرادة الله وهو يتصرّف
كالرب في الجماعة. ويُذكر الموضوع أيضًا في آ 8: رفض الله الذي أعطى الانسان
امكانيّة التقديس. يبدو الروح القدس قوّة تُعطى لتحقيق هذه التعليمات التي ترتبط
بنشاط المسيح. منذ الآن يعرف التسالونيكيون مشيئة الله. وقد حملها إليهم بولس باسم
القائم من الموت. وذكرُ يسوع يعود بنا إلى التقليد. والصفة المعطاة للروح في آ 8
تحدّثنا عن قداسة تتحقّق. فالله يكون مرذولاً حين لا يُتمّ المسيحيون التقديس الذي
يطلب منهم الروح أن يحقّقوه. ليس الروح هو من يوصل الكلمة، بل من يعطي قوّة التقديس
الذي دُعي إليه أهل تسالونيكي.
ونقرأ 1 تس 4: 15: "ونقول لكم ما قاله الربّ، وهو أننا نحن الأحياء الباقين إلى
مجيء ربّنا لن نتقدّم الذين رقدوا". كيف نقرأ هذه الآية؟ يرى البعض أن يسوع صوّر
المجيء بتلك الصورة. ولكن كان ردّ يتساءل كيف لم يحتفظ التقليد الانجيلي بمثل هذا
القول. وقال آخرون: جاءت هذه الكلمة في سياق تعزية وتعليم، وقد أوردها نبيّ مسيحيّ.
فنسبها بولس إلى الربّ. هذا النبيّ يتكلّم باسم الربّ دون أن يماهي بينه وبين الرب.
وكان رأي ثالث يرى في هذه العبارة وحيًا من الروح ناله بولس. وقابل بين 1 تس 4: 16
و1 كور 15: 52 وأعلن أن سرّ 1 كور 15: 52 هو تعليم محفوظ للمسيحيين ولا يُعرف إلاّ
بوحي الروح كما يقول 1 كور 2: 6ب.
خاتمة
تلك كانت محاولة لاكتشاف خبرة الروح في رسائل القديس بولس من خلال نصوص حاولنا أن
نمحّصها. ماذا عمل الروح في الجماعة، وما هي علاقته بمختلف الظواهر التي يمكن أن
يعرفها الفرد والجماعة؟ وخلصنا إلى القول بأن عمل الروح هو بالاحرى عمل خفيّ لا
يظهر دومًا من خلال الانخطافات. وهو يعمل أكثر ما يعمل على مستوى الكلمة: يفهمنا
إياها ويساعدنا على نشرها. يبقى علينا أن نستنير بأنواره ونسير بهديه.
الفصل الثالث عشر
المؤمنون وعمل الروح في رسائل القديس بولس
في مقال سابق حاولنا أن ندخل في خبرة الروح، وفي هذا المقال نتوقّف عند الذين
يختبرون عمل الروح هذا، عند المستفيدين من حضوره وتأثيره. الروح يكشف معنى التعليم
المسيحيّ، ويدلّ الجماعة على حسنات الله. هو يفعل كقوّة يقين تساعد على إقامة كنيسة
المسيح. فبعمل الروح يظهر مدى جديد. كان كلام حول دور الروح في نقل التعليم، وها
نحن أمام النتائج التي حصلت عليها الجامعة.
نتوقّف هنا عند محطتين الروح والجماعة في رسائل بولس، وخبرة الروح أو الروح
والرسول.
1- الروح والجماعة
إن العلاقات التي تقوم بين الروح والجماعة هي متنوّعة. ونحن نحتفظ بأربع: تتحدّد
الجماعة بالنسبة إلى الروح. الروح هو ينبوع الاعتراف الايمانيّ الذي يكوّن الجماعة.
الروح والمواهب المعطاة للجماعة. الروح ووحدة الجماعة.
أ- الجماعة تتحدّد بالنسبة إلى الروح
نتوقّف عند فل 3: 3 و1 كور 3: 16. نقرأ في النص الأول: "فنحن أهل الختان الحقيقيّ
لأننا نعبد الله بالروح ونفتخر بيسوع المسيح ولا نعتمد على أمور الجسد". وفي
الثاني: "أما تعرفون أنكم هيكل الله، وأن روح الله يسكن فيكم"؟
أولاً: نعبد الله بالروح (فل 3: 3)
السياق هنا كما في 1 كور 3: 16 سياق هجوميّ. في هذه الظروف، الروح هو ما يدلّ بجلاء
على هويّة الجماعة. في فل 3: 3 هاجم بولس خصومًا لا يفرضون الختان على أهل فيلبي،
بل يفتخرون بختانتهم. في هذا الهجوم، ذكّر الرسول بالختان الحقيقيّ، فحذَّر
الفيلبيين بعبارة قاسية تجاه خصومه (آ 2: إحترسوا من الكلاب، إحترسوا من عمّال
السوء). فطبيعة الجماعة التي تصوّر كـ "الختان" تحدّد في ثلاث عبارات تبدأ بأل
التعريف. ونحن لا نفهمها إلاّ على ضوء روم 2: 28- 29 (فما اليهوديّ هو اليهوديّ في
الظاهر... الختان هو ختان القلب بالروح) وغل 4: 13- 14 (الذين يمارسون الختان لا
يعملون بأحكام الشريعة... يريدون أن يفاخروا).
لقد بدأ عهد جديد. وأوضح بولس فكرته منطلقًا من شخصه (3: 4 ي). فالمجد الموضوع في
المسيح والافتخار به يحلاّن منذ الآن محلّ اتكال على الجسد (على اللحم والدم)، أي
على الختان وبالتالي على الشريعة. هذا الوضع الجديد يصل بحركة تعميق الختان التي
بدأت في العهد القديم (إر 4: 4؛ 9: 24؛ تث 10: 16) إلى الذروة. تجاوز بولس الحركة
التوراتيّة، وعرض ختانًا جديدًا عارض "ختان اللحم"، واستعمل كلمة تُفهمنا أن الختان
الذي يعتدّون به لا علاقة له بالختان الحقيقيّ. فالذين ينتمون إلى الختان كما يفهمه
بولس يؤدّون عبادة بروح الله، يجعلون اتّكالهم على المسيح. فروح الله يفتح مساحة
عباديّة جديدة في خطّ الانتظار النبويّ (إر 31: 31- 34؛ حز 36: 26 ي). عندئذ يخلق
الروح جديدًا، يخلق جماعة من نمط جديد.
ثانيًا: روح الله يسكن فيكم (1 كور 3: 16- 17)
ويؤكد 1 كور 3: 16- 17 على ظهور الروح كميزة الجماعة المسيحيّة. حين يشير بولس إلى
طبيعة هذه الجماعة، فهو يشدّد على العمل الذي قاربه الكارزون بالانجيل. ذكر تعليمًا
يعرفه الكورنثيون. فسمّى الجماعة "هيكل" و"مسكن الله". جعل منها الموضوع الأقدس.
تحدّث العهد القديم عن الهيكل الذي هو بيت الربّ، وأنه يتطلّب قداسة من الذين يدنون
منه ويلامسونه. استعاد بولس هذا الموضوع ولكنه بدّل موضعه. طلب قداسة من قبل
الجماعة (ومن قبل المسيحي) لأنها "هيكل الله". وزاد بولس "الذي يسكن فيكم". فأساس
العمل الذي حقّقه بولس وأبلوس وسائر البنَّائين هو يسوع المسيح (آ 10- 11)
بعد الآن، صارت الجماعة (لا هيكل أورشليم) الموضع الذي يسكن فيه روح الله. لقد
انتقلت امتيازات الهيكل المادي الذي هو مركز حضور الله وعلامة الاختيار، إلى
الجماعة المسيحيّة. وسكنُ الروح هذا يمنح الجماعة طابعًا خاصًا. فروح الله الذي هو
موضوع انتظار في العهد القديم، قد صار عطيّة ثابتة للجماعة. وهذا الحضور يعطي
الجماعة طابع التقديس، طابع التكريس (آ 17)، ويبيّن لماذا يجب أن تُحترم.
ب- الروح ينبوع الاعتراف الايمانيّ الذي يكوّن الجماعة
يبدأ 1 كور 12- 14 بثلاث آيات (1 كور 12: 1- 3) تلعب دورًا أساسيًا من أجل فهم
المجموعة. ثلاث آيات مرتبطة بعضها ببعض. وآ 3 هي نتيجة آ 2 التي فيها يذكر بولس
ماضي الكورنثيين. بعد ذلك يأتي إعلان احتفالي (أما الآن فاعلموا) في آ 3 فيشكّل
معلومة أولى حول ما يجب أن يعلم الكورنثيون لئلا يبقوا جاهلين في ما يخصّ
"الروحيين"، موضوع ف 12- 14. فلا تكون معلومات الكورنثيين دقيقة حول الروحيين إلاّ
بقدر ما يسمعون هذا التعليم الأساسيّ المعطى في آ 3 بعد تذكّر وضعهم السابق (آ 2).
تتألّف آ 3 من شقّين يتضمّن كل منهما إعلانًا وذكرًا للروح (روح الله. الروح القدس.
بعد ذلك يُذكر "الروح" فقط). غير أن هذين الشقين ليسا مماثَلين لأن الثاني يبرز
أستحاله جذريّة لدى الانسان بأن يقول "يسوع ربّ، إلاّ في الروح القدس". فإذا أردنا
أن نحدّد وظيفة الروح القدس، وجب علينا أن نحدّد معنى آ 3.
ونبدأ مع كلمة "ح ر م" (أناتيما في اليونانية). وعظ بولس عن المصلوب، وهذا يعتبر
مرحلة من مراحل الايمان المسيحي، فيجب أن يتبعها الاعتراف بالقيامة. فإعلان الصليب
لا يمكن أن يكون للمسيحيّ الكلمة الأخيرة. وحين نقول يسوع "ملعون" (في الحرم، في
إطار غضب الله)، نبقى على مستوى موت المصلوب، وهذا ما يدركه كل إنسان. فالموت قد
يُعتبر في التفسير اليهوديّ لعنة كما يعتبر ينبوع مصالحة. ولكن حتى في هذه الحالة
الثانية، يكون الايمان مبتورًا إن لم يؤكّد سيادة يسوع كالرب القائم من الموت.
في 1 كور 12: 3 تؤخذ عبارة "يسوع ملعون" كوحدة تامّة على مثال إعلان "يسوع الربّ"
مع أنها لا تعلن الايمان المسيحي. مع "يسوع ملعون"، يصوّر بولس موقف الأشخاص الذين
لبثوا على مستوى المصلوب وما وصلوا إلى الربّ الذي يكوّن الجماعة المسيحيّة. في
الشقّ الأول من النقيضة، استعمل بولس عبارة "يتكلّم في روح الله"، لأن ذاك هو
اعتداد من يتكلّمون بألسنة. وهكذا يدلّ الرسول على ضعف التكلّم بألسنة لأنه لا يعود
بالضرورة إلى اعتراف إيماني صحيح يأخذ بعين الاعتبار كل سرّ المسيح. وحده الروح
القدس يتيح لنا أن نفهم معنى موت يسوع ونرى في هذا الموت الربّ. وهكذا يفتحنا الروح
على الايمان.
يؤكّد بولس هنا كما في 1 كور 2: 6- 12 ضرورة عمل الروح لندرك من هو يسوع. غير أن
الروح لا يظهر في 1 كور 12: 3 كمجرّد عامل كشف، بل كذلك الذي يقيم علاقة مميّزة مع
المؤمن (في الروح القدس). فالروح يمكننا من إدراك الواقع المسيحي والتعبير عنه.
لهذا شدّد النصّ على الكلام الذي يتحقّق داخل الجماعة. فالروح يتيح لنا أن نتكلّم
كلامًا حميمًا لا ينفصل عن الروح الذي يعمل من أجل الخدمة في الجماعة. غير أن هذا
التأكيد الأول حول الكلام كان ضروريًا بالنظر إلى واقع الكورنثيين. فاعتراف الايمان
هو عمل الروح الأول، لأنه يكوّن الجماعة. مقابل هذا، كان الاعتراف الكرستولوجي
الصحيح علامة تدلّ على أن المؤمن يعمل في الروح.
التعبير الايماني يرتبط بالروح. والعبارة "الناقصة" تدلّ على غياب هذا الروح. عند
ذاك يبدو اعتراف الايمان امكانيّة للتدقيق في حضور روح الله أو في غيابه. فالروح
يقود الجماعة التي لم تعد خاضعة للأصنام. وهكذا يجعل بولس جميع الكورنثيين متساوين
تجاه الروح، ويحذّر "الغيورين" من خطبة انخطافيّة لا شيء يقيّدها.
إن عبارة "في روح الله" توازي عبارة "في الروح القدس". فالأولى ضروريّة بعد آ 2.
هنا نشير إلى أن الروح ليس قوّة لا شخصيّة. فهذه القوّة ترتبط بالله الذي كشف عن
نفسه في تاريخ اسرائيل. وهذا الروح يمنعنا من التلفّظ باعتراف إيماني غير كاف.
والعبارة في الشق الثاني من آ 3 تحمل مدلولاً مختلفًا. فالروح هو في أصل الجماعة
المسيحيّة، لأنه يستطيع وحده أن يقودنا إلى تعبير إيمانيّ صحيح. هنا نتذكّر أن
المسيحيين يسمّون مرارًا "قديسين" في الرسائل البولسيّة (روم 1: 7؛ 1 كور 1: 2؛ 2
كور 1: 1؛ فل 1: 1). وهكذا يُبرز بولس التقليد الجماعيّ مذكّرًا بأن الروح يحرك
فينا القول الصحيح الذي يرافقه العمل.
ج- الروح والمواهب المعطاة للجماعة
إن مطلع 1 كور 12 جعلنا ندرك يقينًا أساسيًا عند بولس الرسول: يُعطى الروح للجماعة.
يضمّ الجماعة في اعتراف واحد بالربّ يسوع. وهذا القول عن عطيّة الروح نجده في ف 12-
14، ويرافقه تأكيد حول تنوّع ظهورات الروح.
أولاً: نظرة إجمالية إلى ف 12- 14
تحتلّ ف 12- 14 مكانها في مجموعة (ف 11- 14) يهتمّ فيها بولس بالجماعات في كورنتوس
(تصرّف النساء، الافخارستيا، مكانة "الظهورات" المنسوبة إلى الروح). ومع ذلك فهي
تشكّل وحدة مستقلّة تبدأ في 12: 1 (لا أريد أن تجهلوا) وتنتهي في 14: 38 (فإن تجاهل
ذلك فتجاهلوه). هو بولس يردّ على وضع محدّد، ويجذّر نداءاته الملموسة في أساس
التعليم المسيحيّ نفسه. بدأ بولس فأعلن موضوعه: "أما في ما يخصّ المواهب الروحيّة".
وجاء كلامه في ثلاثة أقسام: المواهب (12: 4- 31أ). الطريق العظمى (12: 31ب- 13:
13). جواب على السؤال المطروح (ف 14).
في مرحلة أولى يتطرّق بولس إلى ما حقّقه الروح مستعملاً لفظة "مواهب". ويأتي تأكيد
(تنوّع المواهب، روح واحد) يبدأ مقطعًا (آ 4- 11) يكشف عمل الروح بالنسبة إلى
الجماعة. في مرحلة ثانية يدلّ بولس التائقين إلى خيرات منظورة، على الخير الذي لا
يُستغنى عنه. وفي مرحلة ثالثة يردّ بولس على السؤال المطروح بعد أن يشير إلى
المبادئ الأساسيّة.
ثانيًا: الروحيّات والمواهب
إن بنية ف 12- 14 تعبّر عن فكر بولس. من جهة، تقع الروحيات في إطار أوسع هو
المواهب. ومن جهة أخرى، لا معنى للروحيات (أو المواهب الروحية) إلاّ بقدر ما تُشرف
المحبّةُ على عملها. فالروحيات والمواهب لا تترادفان، لأن الروحيات جزء من المواهب.
ونلاحظ بعض ميزات المواهب
* هناك علاقة بين التنوّع والوحدة (1 كور 12: 4- 11). فالخيرات، وإن اختفلت في
ظهورها، تشارك في الهدف الواحد. يقدّم بولس التنوّع للكورنثيين الذين حصروا المواهب
في الروحيّات. غير أن هذا التنوّع الظاهر يستند إلى وحدة على مستوى الأصل نجدها في
تضمين (آ 4: الروح الذي يمنحها؛ آ 11: يعمله الروح الواحد)، وفي تكرار مثلَّث (روح
واحد، ربّ واحد، إله واحد). ونجد ثلاث ألفاظ تُبرز التنوّع والوحدة وتعني الواقع
الواحد من ثلاث زوايا: الموهبة، الخدمة، النتيجة التي نحصل عليها من الأعمال. وبعد
آ 7، سنفهم أن المواهب هي تجلّي الروح. وتنوّع المستفيدين يدلّ على تنوّع المواهب.
* إن هذه المواهب تدلّ على تجلّي الروح، وترتدي وجهة ملموسة: كل مسيحي يختبر
نتائجها داخل الجماعة. فالموهبة ترينا الروح عاملاً وهو يعمل بشكل مجانيّ دون أي
استحقاق من قبلنا.
* لا معنى للمواهب إلاّ في إطار جماعيّ وفي تفكير حول الجسد. وفي 1 كور 12: 12- 27،
تتداخل الصورة والواقع. هناك صورة الجسد كما عرفها العالم القديم. وهناك واقع
العلاقات المتبادلة بين أعضاء الجماعة الواحدة. غير أن الصورة (أو: مثَل الجسد) هي
أيضاً واقع عند بولس، لأنها تعبّر عن الوحدة. ومن خلالها نكتشف الوضع في كورنتوس.
فالأشخاص يعبّرون عن نفوسهم بالنظر إلى وضعهم في الجماعة. هناك الذي يحتقرون نفوسهم
لأنهم يحسّون بعقدة الضعف. وآخرون يعتبرون أن الخدم التي يقدّمها بعض الأشخاص ليست
بسامية. والألفاظ عينها تعبّر عن تدخّل الله في تركيب الجسد كما في تنظيم الجماعة.
* لا نبحث عن هذه المواهب وكأننا نستطيع أن نستولي عليها. بل نحن نتقبّلها بالشكر
وهي تُعطى لنا مجّانًا. يبقى علينا أن نطلب الموهبة العظمى، موهبة المحبّة.
* مكانة الروح في هذه المواهب. يُذكر الروح كالفاعل. وهناك ثلاثة حروف جرّ (بواسطة،
حسب، في) في اليونانيّة، تعبّر عن دور الروح: ننال بواسطة الروح، حسب الروح، في
الروح. وهذا التعدّد يتيح لنا أن ننظر إلى الواقع عينه في أشكال عمل مختلفة. مع
"ديا" (بواسطة) نكتشف دور الفاعل. مع "كاتا" (حسب) المعيار والأساس. أما "إن" (في)
فتحفظ معنى "بفعل" (1 كور 12: 3). وهكذا يبدو الروح العامل، الأساس، المحيط لهذه
المواهب. وفي 1 كور 12: 10 تنتمي موهبتان (النبوءة، التكلّم بألسنة) إلى فئة
الروحيّات في كورنتوس. جعلهما بولس في آخر اللائحة وأرفقهما بموهبة تجعلهما يصلان
إلى القيمة الحقّة. وهكذا تقابل 1 كور نظرة الكورنثيين إلى الروح- المظهر والروح
الذي هو ينبوع حياة في الجماعة.
ثالثًا: الروحيات وعلاقتها بالروح
لا نعرف أصل لفظة "كريسمة" (أو: موهبة). ولكننا نعرف أن بولس هو الذي أدخل هذه
اللفظة إلى اللغة المسيحيّة انطلاقًا من العالم الهلينيّ. الكريسمة هي نتيجة
"كاريس" (أي: النعمة) كعمل واحسان وهديّة. في روم 5: 15 ي و6: 33، تبدو اللفظة
محدّدة فتعني خيرًا خاصًا، التبرير، الحياة الابدية. وفي روم 11: 29، تدلّ على
الخيرات التي أعطيت لشعب اسرائيل. وفي 1 كور 1: 7 (رج آ 5)، تدلّ كريسمة على مجمل
الخيرات المعطاة للجماعة من أجل تثبيتها في شهادة المسيح. وفي 2 كور 1: 11، تعود
بنا كريسمة إلى خلاص نعم به بولس. وفي 1 كور 7: 7 تُوجّه كريسمة أنظارَنا إلى بناء
الجماعة. يتنوّع معنى اللفظة ولكنها لا ترتبط بالروح.
رابعًا: الروحيّات والروح
قام بولس بتمييز بين المواهب (كريسماتا) والروحيات (بنفماتيكا). وهكذا وسّع النظرة
إلى الروح وابتعد عن فكر الكورنثيين. عندئذ اهتمّ بالمواهب التي يعتبرها الكورنثيون
علامة عن الروح كالنبوءة والتكلّم بالألسنة. وحالاً دلّ على سموّ النبوءة على
التكلّم بألسنة (1 كور 14: 1). ونظر إلى الوضع على مستوى بناء الجماعة. فالذي
يتكلّم بألسنة يخدم مصلحته الخاصّة. والذي يتنبّأ هو مفيد لبناء الجماعة. وإذ حدّد
14: 3- 4 هدفَ النبوءة، شدّد على هذا الفرق الأساسيّ. إن ف 14 يتحدّث عن جماعة
ليتورجيّة. وصلاة الذي يتكلّم بألسن، شأنها شأن من يتنبَّأ، ترتبط بالكتاب المقدس.
في 1 كور 12- 14، اهتمّ بولس بأن يحدّد موقع طبيعة المواهب المعطاة للجماعة
المسيحانيّة. فعلمُ الروح يُوجّه إلى الجميع ويبدو متنوّعًا في أشكاله الملموسة.
والروح يُعطى للجميع، ولكن ظهوراته متنوّعة، لأن الروح يعطى في الأساس إلى الجماعة.
لا يجهل بولس مواهب الروح وكأنها في شكل واحد، ولكنه يدلّ أن الروح يُعطى للجميع
وإن أعطيت هذه الموهبة المحدّدة لهذا أو ذاك.
لا نستطيع أن نخلط بين الروح والمواهب التي يسمح لنفسه بأن يمنحها للمؤمنين. وعمل
الروح ليس كما يقول الكورنثيون، ليس على مستوى المظاهر الخارجيّة. هو يعمل في
الحياة اليوميّة داخل الجماعة.
د- الروح ووحدة الجماعة
إن هذا العمل المتعدّد واليومي الذي يقوم به الروح في الجماعة، هو عمل جوهريّ من
أجل وحدتها. في 1 كور 12- 14، ذكّر بولس الكورنثيين الذين اعتبروا نفوسهم أدنى من
الآخرين، أن مكانتهم في الجماعة لا يُستغنى عنها، وإن كانوا لا يمتلكون المواهب
التي يرغب الناس أكثر ما يرغبون فيها. أما أعضاء الجماعة الذين حسبوا نفوسهم في
مستوى عال، فقد دُعوا إلى أن يتذكّروا تضامن الأعضاء في الجسد. فالمواهب تُعطى من
أجل خير الجميع. ولا يُحرم منها أحد. وهي تعطى من أجل بناء الجماعة بناء متناسقًا،
لأن "الله ليس إله فوضى، بل إله سلام" (14: 33).
تتحقّق الجماعة باعتراف الايمان، وتعود وحدتها إلى الأصل المشترك للمواهب المعطاة
لها. والروح يلعب دورًا حيويًا في توزيع هذه المواهب (1 كور 14: 4- 11).
أولاً: أساسات الوحدة (1 كور 12: 12- 13)
إذ أراد بولس أن يعبّر عن وحدة الجماعة، استعمل مثلاً معروفًا جدًا تمتزج فيه
الصورة بالواقع، هو مثل الجسد. وقبل أن يطبّق المثل على وضع الجماعة في كورنتوس،
بيّن أسس وحدة الجماعة. في آ 4- 11، قدّم بولس الروح كعامل وحدة أصليّ تجاه المواهب
المتعدّدة. وتابعت آ 12- 13 الفكرة حول الوحدة وزادت إشارة كرستولوجيّة. وتابع
موضوع الوحدة بواسطة المثَل بعد أن عبّرت آ 13 عن فكرة الكليّة. وإذ تضمّ الجماعة
أعضاء ينتمون إلى مجموعات بشريّة مختلفة، فهي تقدّم نفسها كصورة مسبقة لوحدة
البشريّة.
يقول لنا بولس في 1 كور 12: 13 أمرين اثنين. الأول: فنحن كلنا تعمّدنا بروح واحد
لنكون جسدًا واحدًا. الثاني: وارتوينا من روح واحد. الجسد هو جسد المسيح، والعماد
قد يعني طقس الماء كما يعني مجمل التنشئة المسيحيّة التي تجعلنا نغطس في المسيح.
وفي هذا يلعب الروح دور وسيط في جمع المسيح إلى المؤمن.
ثانيًا: روح واحد مع الرب (1 كور 6: 17)
نقرأ: "من اتحد بالرب صار وإياه روحًا واحدًا". تجاه مغالط الكورنثيين، شدّد بولس
على أهميّة الجسد واستعمل قولين يستند إليهما أهل كورنتوس: "كل شيء يحلّ لي" (آ
12). "كل خطيئة يرتكبها الانسان هي خارجة عن جسده" (آ 18. ذاك جواب بولس). إذ أراد
بولس أن يعيد الاعتبار إلى الجسد الذي لا أهميّة له في نظر الكورنثيين، اهتمّ
بمصيره ووضعه الحاضر وشدّد على العلاقة بين المسيحيّ والمسيح. في آ 16- 17 دلّ على
التوازي بين اتحاد بزانية واتحاد بالمسيح. وهكذا أفهم الكورنثيين أنه يستحيل أن
نوحّد عضو المسيح بزانية. في الحالة الأولى يصير الاثنان جسدًا واحدًا. وفي الثانية
روحًا واحدًا. في آ 16، استعمل بولس لفظة "جسد" (سوما) لا "البدن" (ساركس) ليدلّ
على الواقعيّة بين الوحدتين. في آ 17، لجأ إلى "الروح" ساعة انتظرنا "الجسد". وفي آ
19 حدّد وجهته فقال: جسد المسيحيّين هو هيكل الروح القدس.
إن تأكيد آ 17 لا يقود إلى فكرة تماه صوفيّ. لكن "الروح" يدلّ على عظمة جسد
المسيحيّ ويعبّر عن الوضع الجديد الذي ولده عمل المسيح المؤسّس (آ 20). يتحدّد موقع
المسيحيّ بين معطى حاضر هنا ومستقبل يجب أن يتحقّق. من هنا نداءات بولس المستندة
إلى الوضع الحاضر. فالوحدة في الجماعة تمرّ في الاتحاد بالمسيح. وهذا الروح الواحد
يبيّن ما هو منذ الآن جسد المسيحي: إنه خليقة جديدة لا يُفهم من دون العودة إلى
الروح القدس. وهكذا يبدو الروح مرتبطًا بالمسيح. فيلعب دور وساطة في الاتحاد بين
المسيح والمؤمن. والاتحاد بالمسيح يتمّ بواسطة الروح الذي هو ميزة العهد
المسيحانيّ، فيجعلنا نفهم هذا النصّ على ضوء نظرة عامة من التماهي بين الروح
والمسيح: فالوحدة بين المسيحي والمسيح تتحقّق بمشاركة في خير (هو الروح) يمتلكه
المسيح. وهكذا يكون الروح من به نختبر المسيح القائم من الموت.
ثالثًا: الروح والشراكة
هناك نصان بولسيان يربطان رباطًا واضحًا بين الروح والشراكة (كوينونيا، 2 كور 13:
13؛ فل 2: 1).
* 2 كور 13: 13
في النص الأول (2 كور 13: 13) نقرأ تمنيًا نهائيًا يمتاز باتساعه: اعتاد بولس أن
يذكر نعمة الرب يسوع المسيح. أما هنا فنجد توسعًا كان الدافع إليه سياق تاريخي نجده
في 2 كور10- 13. سيطرت الانقسامات في الجماعة، فأجبر بولس على التلفّظ بكلمات قاسية
ضد الخصوم. لهذا انتهت الرسالة بتمنّ حول المحبّة (أغابي) والشراكة. والعبارة
الاحتفاليّة التي نقرأها في 2 كور 13: 13 تقرّر أن تضع حدًا لكلّ النزاعات التي نجد
آثارها في هذه الرسالة (تحدّث بولس عن روح آخر في 2 كور 11: 4). وحين ذكر في
النهاية الشراكة والروح، نزع كل التباس، وقدّم لنا هذه الآية من الوجهة
الديناميكيّة. فالنعمة والمحبّة والشراكة أعطيت، ولكن بولس يدعو الجماعة لكي تعيش
من هذه الخيرات. وهكذا يُترجم الانشداد بين ما هو حاضر الآن، وما ليس هو بعد هنا،
بين صيغة الحاضر، وصيغة الأمر. ثم إن الروح يلعب دورًا هامًا في الكلام الذي وجّهه
بولس إلى جماعة كورنتوس.
في 2 كور يُسهم الروح في إعطاء الجماعة المسيحيّة الجديدة خاصيّتها (2 كور 3). وهو
أيضًا عربون الملء الآتي (2 كور 1: 22؛ 5: 5). وإذ دعا الجماعة لكي تكتشف أسسها
وينابيع وحدتها، جاء هذا التمنّي في موضعه. بدأ بـ "نعمة الرب يسوع المسيح" وانتهى
"بشراكة (أو شركة) الروح القدس". هنا نقول: الروح يعطي الشراكة، ونحن نمتلك الروح
بواسطة هذه الشراكة. وإذا عدنا إلى 1 كور 12: 4- 11، 12- 13 و6: 17، نعرف أن الروح
يتيح الاتحاد بين المسيح والمسيحيين. وهو الذي به تأتي الخيرات إلى الجماعة. ولكنه
يشكّل أيضًا المناخ الذي فيه تتمّ هذه الشراكة.
إن التوازي بين العبارات الثلاث في 2 كور 13: 13 (نعمة ربنا، محبة الله، شركة
الروح)، وإعطاء دور للروح في تكوين الجماعة المسيحيّة، يلعبان دورًا في فهمنا لعمل
الروح كذلك الفاعل في الجماعة. هنا نقابل هذه الآية مع روم 5: 1- 5 حيث عمل الله
تجاه الجماعة يُفهم كعطيّة تتحقّق بعمل المسيح ومعونة الروح. ولكن الروح يلعب أيضًا
دورًا ناشطًا تجاه الجماعة المسيحيّة.
"شركة الروح القدس" هي في الوقت عينه مشاركة المسيحيّين في هذه القوّة التي أعطيت
لهم، وتأكيد على عمل الروح القدس تجاه الجماعة. إن الله يجعلنا نبلغ إلى مشاركة يجب
أن تتجدّد دومًا. والجماعة تتقبّل الروح وتحيا منه. وفي الوقت عينه، هذا الروح هو
ينبوع هذه الشراكة.
* فل 2: 1
إن عبارة "شركة الروح" في فل 2: 1 هي قريبة من عبارة 2 كور 13: 13. ولكن السياق
يختلف عن الآخر. إن فل 2: 1- 4 يرتدي شكلاً احتفاليًا ويهيّئ نشيد آ 6- 11. كما هو
جزء من مجموعة تصل إلى آ 18. إن 2: 1- 18 يشكّل نداء موجّهًا إلى الفيلبيّين،
يتركّز أساسًا على نشيد آ 6- 11، ولكنه لا يهمل الرباطات التي تضمّ الجماعة إلى
الرسول (آ 1- 2، 12- 18). قبل أن يحرّضهم بولس على الوحدة، يذكر أسس الوحدة. وبما
أننا في جو الشراكة نفهم أن الروح المذكور هنا هو روح الله.
بدا الروح في الرسائل البولسيّة كذاك الذي يتيح الوحدة في الجماعة: الروح عينه
يحرّك الوحدة ويدلّ على أنه المحيط الذي فيه تحقّق الجماعة وحدتها، كما يدلّ على
ذاك الذي يجعل الاعضاء يشاركون في هذه الوحدة. وبالمحبّة التي هي ثمر الروح تنمو
الشركة في الجماعة.
2- الروح والرسول
أفرد بولس على مدّ رسائله مكانة هامّة في حياة الجماعات. ولكن هذا لا يعني أنه
يحاول بنفسه أن يُفلت من عمل الروح. لهذا سوف نتوقّف عند الدور الذي يلعبه الروح في
حياة بولس وفي عمله الرسوليّ.
أ- بولس والروح
حين نتعرّف إلى دعوة بولس (غل 1: 15- 16)، نرى أنه لا يقول شيئًا عن الروح. إذا
تطلّعنا إلى الحديث عن الروح في غل، نقسم هذه الرسالة قسمين. في ف 3- 4، يرد الروح
18 مرة. ولا يرد "الروح" مرة واحدة في غل 1- 2 حيث يحدّثنا بولس عن دعوته وعلاقته
بسائر الرسل. ففي خبر بولس عن دعوته، يشدّد على استقلاليّته عن أورشليم. فقد نُقل
إليه إنجيله وتعلّمه بوحي من وحي يسوع المسيح. وقد أوحاه له الله في ابنه (غل 1:
15- 16). وهكذا تركّز كل الخبر على شخص يسوع المسيح. تلك سمة أساسيّة، لأن هذا
الوحي يجعله على مستوى سائر الرسل.
وهكذا تجنّب بولس كل مزج. دعوته لا تعود إلى عمل الروح، بل هو رأى يسوع ربنا (1 كور
9: 1) الذي عليه تأسّست دعوته. وخلال الرسالة، ليس قائد الرسالة هو الروح، بل الرب
القائم من الموت.
وبدا بولس متحفّظًا أيضًا تجاه الخبرات الفائقة التي بها يفتخر بعض المسيحيين أو
بعض الذين يسمّون نفوسهم رسلاً. لا يخفّف الرسول من هذه الخبرة ولكنه يدلّ على ما
فيها من التباس. فلا يُحكم على الرسل على هذا المستوى. هناك كورنثيون يتمسكون
"بالروحيات" ولاسيّما بالتكلّم بألسنة. حذّرهم بولس من اعتبار مفرط لموهبة لا تبني
الجماعة، مع أنه نعم بها هو (1 كور 1: 18- 19). أكرهه خصومه فأعلن أنه ليس أقلّ من
الرسل في شيء: "فالعلامات على أني رسول أظهرتها بكل صبر بينكم، من معجزات وعجائب
وأعمال خارقة" (أو أعمال قدرة، 2 كور 12: 12). يشير هذا النصّ إلى أعمال لافتة
ترتبط بنشاط الرسول. فالوضع الهجومي وحده هو الذي دفعه إلى ابراز هذه الظواهر
الخارقة. هذا التحفّظ لا يدهشنا عند بولس، لأن الروح لا يرتبط عنده بمثل هذه
الامور. بل بالحكمة، والتواضع وآلام المسيح، والضعف. هذا ما يميّز الرسول.
وربط بولس إرساله إلى الأمم بالقائم من الموت، فما أبرز عملاً خاصًا من الروح. مع
أن كل واحد استطاع أن يختبر قوّة الروح الذي يعمل في كرازته (1 كور 2: 4؛ 1 تس 1:
5؛ روم 15: 19). إن عمل الروح يشهد لحقيقة الكرازة. هذا من جهة. ومن جهة ثانية
اعلان الكلمة يُظهر الروح (غل 3: 1- 5). فالروح يشهد على مصداقيّة الكرازة
الرسوليّة لأنه قوّة يقينيّة. وبما أن الرسول يتوجّه إلى جماعات جاءت من العالم
الوثني، فالروح يعمل في هذه الجماعات بحيث يقرّب بولس بين الروح والوثنيين (غل 3:
14: بركة ابراهم إلى الوثنيين فننال بالايمان الروح). لقد دلّ بولس على أن الروح
حاضر في النشاط الرسولي، ولكنه لا يربط الرسالة بالروح (كما هو حال الأنبياء في
العهد القديم)، كما أن الروح لا يوجّه الرسالة. فالقائم من الموت هو مبدئ الرسالة.
ب- الروح والرسل
إن الروح يلعب دورًا هامًا في النشاط الرسوليّ إلى حدّ كبير بحيث إن بولس يميّز
الخدمة (دياكونيا) الرسوليّة كـ "خدمة الروح" (2 كور 3: 8). فالرسل هم "خدّام عهد
جديد، لا عهد الحرف، بل عهد الروح" (2 كور 3: 6). فالروح هو العامل الأول في قلب
النشاط الرسولي: "نعم، تبيّن أنكم رسالة المسيح جاءت على يدنا، وما كتبناها بحرف،
بل بروح الله الحيّ" (2 كور 3: 3).
ويدافع بولس عن نفسه في 2 كور 6 فيشدّد على "النزاهة والمعرفة وطول البال والرفق"
ويصل إلى "الروح القدس" أو "روح القداسة". هذا الروح هو روح النشاط الرسولي. والروح
هو العامل في قلب هذا النشاط: حبّ بدون مواربة، كلمة الحقيقة وقدرة الله.
إن "امتلاك" الروح القدس يتيح للرسول أن يعطي رأيه في أوضاع جديدة لا يستطيع أن
يسندها إلى كلمة الربّ (1 كور 7: 40). وهناك أوضاع يعطي فيها بولس رأيه الشخصي (آ
25). وفي ظروف أخرى يعلن انتماءه إلى المسيح.
الفصل الرابع عشر
الروح وحياة المؤمن في الرسائل البولسيّة
حين يُظهر الروح قدرةَ الكلمة، فهو يعمل لتكوين الجماعة التي تصبح عند ذاك الموقع
الذي فيه يسكن الروح (1 كور 3: 6). كما يكشف المعنى الحقيقيّ للصليب. وهذا الروح
عينه يوزّع مواهبه على كل أعضاء الجماعة، فيُسهم في بنائها في الوحدة.
ولكن الروح هو أيضًا قوّة الحياة المسيحيّة وقاعدتها. وهو يعمل في قلب المؤمن. وإن
بولس الرسول يؤسّس اللاهوت الخلقيّ على الروح القدس. قيل: فمعجزة الروح هي تدفّق
حياة جديدة وعمل جديد، هي مسيرة بحسب الروح (روم 8: 4- 9؛ غل 4: 16 ي). وقيل: كل
حياة المسيحي من بدايتها إلى نهايتها هي عمل الروح وخلقه.
وهذا الدور الذي يلعبه الروح، يجنّب بولس نظرة أخلاقيّة سطحيّة، لأن لاهوته الخلقيّ
يرتبط بخبرة فيها يقودنا الروح.
نتوقّف هنا عند نصين أساسيين: روم 8؛ غل 5.
1- حياة الروح (روم 8: 1- 17)
المؤمن يعيش تحت تأثير الروح. وجّلّي الروح يُعطى لكلّ مؤمن (1 كور 12: 7). وليس من
أحد يُحرم من مواهب الروح. فيبقى عليه أن يستثمرها من جل بناء الجماعة. وحضور الروح
هذا عظيم بحيث إن جسد المؤمنين هو "هيكل الروح القدس الذي فيكم" (1 كور 6: 19).
الروح هو الذي يحرّك المسيحيّ. لهذا يدعوه الرسول أن يحقّق هويته.
أ- مقاربة أولى
يُذكر الروح 34 مرة في روم. 21 مرة في ف 8؛ 17 مرّة في المقطع الذي نقرأ الآن (8:
1- 17). يبدأ هذا المقطع بتأكيد عام حول الذين هم في المسيح. ويصل إلى تأكيد خاص
(نحن). يتوقّف عند اعتبار سلبي (لا حكم) وإعلان إيجابيّ (نشاركه أيضًا في مجده).
وفي النهاية ننتقل من الحالة الحاضرة إلى يقين اسكاتولوجيّ.
مع أن الروح يُذكر مرارًا في هذا المقطع، إلاّ أننا في العمق أمام نصّ كرستولوجيّ.
فإن روم 7- 8 يشكّلان دبتيكا في درفتين: من جهة، دور الشريعة وعجز الانسان الذي
تسيطر عليه الخطيئة. ومن جهة ثانية، دور الروح ومجد الانسان. أبرز ف 7 تبديل
التدبير، وجعلَ الشريعة في مكانها. أما 8: 1 فتبدو بشكل فاتحة تتعارض تعارضًا
جذريًا مع روم 7 (الآن). وهي أيضًا خاتمة لتوسّع بدأ في 7: 6، وتوضيح للشكر الذي
نقرأه في 7: 25أ، وفيه يجمل بولس كلامه فيقول: "لا حكم بعد الآن على الذين هم في
المسيح يسوع". وهكذا يكون 8: 1- 4 ملخّصًا لما في ف 7.
وتأتي آ 5- 8 في فكرة لاشخصيّة، فتقابل بين الذين هم بحسب الجسد (أو: البدن) والذين
هم "بحسب الروح". وتشكّل آ 9- 11 نداء مباشرًا إلى القرّاء: "أما أنتم فلا تسلكون
سبيل الجسد، بل سبيل الروح، لأن روح الله يسكن فيكم، ومن لا يكون له روح المسيح فما
هو من المسيح". وتشير آ 12- 17 إلى ممارسة الرومان. تبدو آ 12- 13 نداء إلى حياة
جديدة بالوضع الجديد. وتؤسّس آ 14- 16 هذا النداء. وتوضح آ 17 معنى العبارة التي
قرأناها في آ 1: "في المسيح يسوع"
ب- روح الحياة
نحن هنا في تأكيد على شكل جديد من المعرفة مع "شريعة روح الحياة". تضمّنت آ 1- 4
إشارة كرستولوجية واضحة: في المسيح يسوع، الله أرسل ابنه. إذا عدنا إلى روم 7 نجد
أن بولس يحدّد فكرته بالنسبة إلى الشريعة. "الشريعة مقدسة، والوصيّة مقدّسة وعادلة
وصالحة" (7: 12). "الشريعة روحية، أما أنا فجسديّ، مباع للخطيئة" (7: 14). هذا ما
يتيح لنا أن نفهم معنى "شريعة روح الحياة" في 8: 2. فالشريعة ليست في حدّ ذاتها
خطيئة ولا ينبوع موت في ذاتها، ولكنها في خدمة الخطيئة والموت بالنظر إل الممارسة.
وهذه الشريعة التي تسود عليها الخطيئة والموت (8: 2ب)، تقابلها شريعة أخرى وتنتصر
عليها: "شريعة روح الحياة في المسيح يسوع". بالمسيح يتمّ ما لم تستطع الشريعة أن
تحقّقه وهو قتل الخطيئة في البدن. لقد حصل الآن تحوّل جذريّ. بعد الآن، لم يعد
بالامكان أن نتحدّث عن الروح دون العودة إلى هذا التدخّل الكرستولوجيّ. فالشريعة
ترتبط بمضافين: شريعة روح الحياة. فالمضاف الثاني ينعت الأول ويتّحد به اتحادًا
وثيقًا. وقوّة هذا الرباط تظهر بوضوح ولا سيّما حين نقابل هذه العبارة مع ما
يعارضها. فالخطيئة والموت يرتبطان بالشريعة وينعتان الشريعة. ولكن منذ تدخّل يسوع
المسيح الخلاصيّ، الحياة هي سمة من سمات الروح. كانت قوّة الخطيئة تمنع الشريعة من
أن تلعب دورها الحقيقيّ فتحوّلها من قوّة حياة إلى قوّة موت. أما قوّة الروح التي
هي ينبوع حياة في يسوع المسيح، فقد جعلت من الشريعة قوّة تحرير. هكذا نفهم فهمًا
أفضل لماذا يعارض بولس في 7: 6 جدّة الروح وعتق الحرف، لا جدّة الروح وعتق الشريعة.
في نظام الروح الذي دشّنه يسوع المسيح، نالت الشريعة وضعًا جديدًا. وهكذا ظهر
تواصلُ عمل الله، لأن ذات اللفظة (نوموس، الشريعة) استُعملت في نظامين متعارضين.
وهكذا يتأكّد أيضًا عدم امكانيّة الشريعة بأن تغلب الخطيئة والموت. ولكن منذ موت
المسيح، بدا الروح كقوّة حياة. عندئذ تستطيع الشريعة أن تستعيد المعنى الايجابي،
شرط أن لا تنفصل عن قوّة الروح المحرّرة في المسيح. فالشريعة التي هي روحيّة في
أصلها (روم 7: 14)، قد حصلت على مدى تمارَس فيه.
بفضل إرسال الابن بيد الآب وعمله، تم تبدّل جذري في الشريعة، فكتب أحدهم عن 8: 2:
التعارض بين شريعة وشريعة ينعكس في تعارض بين الله والله في صليب المسيح وقيامته
(روم 2: 12- 13). ويشهد ف 7 بوضوح أن الشريعة هي مبدأ خارجيّ في الانسان (7: 7).
أما شريعة روح الحياة فهي مبدأ داخليّ. تأتي الجدّة من عمل الله تجاه أخصّائه
وطريقة المعرفة التي نجدها هنا. فالذي يُنعشه الروح يتكيّف وشريعة الله.
في روم 8: 1- 4، يبدو الروح قوّة تتيح للشريعة أن تلعب دورها المحرّر. وهذه القوّة
هو ينبوع حياة. غير أنها لا تفعل إلاّ في إرسال الابن. إن "روح المسيح" يُبرز
الاساس الكرستولوجي للينفماتولوجيا البولسيّة. فروح المسيح هو روح الله الذي لا
ينفصل عن حدث يسوع المسيح (آ 3، 11). ولكنه أيضًا الروح الذي يتيح لنا أن نتعرّف
إلى الذين ينتمون إلى المسيح أو يخصّونه (1 كور 12: 3). وهو أيضًا تجلّي حضور
القائم من الموت في المؤمن (آ 10). لا ترد عبارة "روح المسيح" مرارًا. إنما
استعملها بولس لكي يشدّد على الرباط بين الروح وموت المسيح. والتذكير بهذا الرباط
في قلب تفكير حول الحياة المسيحيّة، يجنّبنا كل تفسير خاطئ حول الروح. فالروح
يجعلنا نمرّ في مسيرة المسيح (آ 9- 11). نحن نختبر المسيح بقوّة الروح. غير أن لا
معنى للروح إلاّ في ارتباطه بالمسيح.
ج- البدن والروح
ونصل إلى الحياة المسيحيّة التي هي حياة في تأثير الروح. ونتوقّف عند البدن (أي
اللحم والدم. ساركس وما فيها من ضعف) والروح. في روم 8: 2، تعارضَ الروح والخطيئة
كقوّتين متنافرتين. وفي آ 4ب و5- 8 نجد تعارضًا بين البدن (ساركس) والروح (بنفما).
وهذا التعارض يتواصل حتى آ 12- 13: نسير حسب البدن، حسب الروح. نكون حسب البدن، حسب
الروح. في آ 8، 9 نجد: نكون في البدن، نكون في الروح. وفي آ 12- 13 يتواصل التعارض
بين البدن والروح بشكل آخر، حين يوجّه بولس نداء إلى قرّائه حيث نرى الروح كموهبة
لا كمقولة انتروبولوجيّة.
أولاً: الروح ينبوع ديناميّة
هناك "سار" و"كان" و"حسب" و"في". ففعل "سار" يبرز مجهود الانسان أو بالأحرى تصرّفه
جوابًا على وضع جديد. و"البدن" (ساركس) يشير إلى مسؤوليّة الانسان أكثر مما تفعل
الخطيئة. وهكذا يُدعى الانسان ليتجاوب مع قوّة جديدة تحرّكه. ويشدّد فعل "كان" على
وضع خُلق منذ الآن. تدلّ الأداة "حسب" (كاتا) في خيار جذريّ، على التوجّه الاساسيّ
للعمل. هي تعبّر في ديناميّة كما في روم 8: 4 حيث التبرير يعرف ملئه. وتبرز هذه
الديناميّة، ديناميّة عمل الروح أيضًا، في غل 3: 3 (أتنتهون بالجسد بعدما بدأتم
بالروح). عند ذاك يوبّخ بولس الغلاطيين لأنهم لم يتركوا الله يقودهم إلى الكمال،
إلى النهاية. فمن سار بحسب البدن، بحسب اللحم والدم، استسلم إلى قواه الخاصّة. ومن
سار بحسب الروح، قاده الله.
أما حرف الجرّ في (إن) فيدلّ على مجال فيه يمارس الروح (أو البدن) عمله. والعبارة
المكوّنة مع "في" لا تدلّ بشكل خاصّ على الديناميّة، على القوّة التي تقود إلى
الكمال. وعبارة "في البدن" (غل 2: 20) تدلّ حينئذ على حالة موقتة. و"الخطيئة"
(هامرتيا) هي قوّة خارجة عن الانسان وتمارَس على حسابه. أما البدن (ساركس) فهو في
ذاته قوّة خاصّة في الانسان، تدلّ على ضعفه. كما أنه يدلّ مرارًا على الانسان
المسلّم إلى الخطيئة (هامرتيا). عند ذاك يُفهم "البدن" في معنى الخطيئة. ولكنه
يعبّر تعبيرًا أفضل عن مسؤوليّة الانسان وباطنيّته. أما الخطيئة فتشدّد على عمل
قوّة خارجيّة. عند ذاك يكون البدن الانسانَ الذي يعارض الله ويحتفظ مع ذلك
بامكانيّة تحطيم هذه القيود التي تسجنه. البدن يعني الانسان المسلّم إلى ذاته
والخاضع للخطيئة. والروح هو القوّة التي تفتح الانسان على الله، التي هي في داخله
بحيث لا تحسب "شيئًا" منفصلاً عنه. في هذا التعارض بين البدن والروح، نجد الدور
الأساسيّ المعطى ليسوع المسيح.
انطلاقًا من هذا الواقع، تبرّر آ 5 ما قيل من قبل بشكل ديناميكيّ. وتبدو آ 6 بدورها
شرحًا للآية السابقة، فتذكّرنا باتجاه البدن والروح: من جهة موت. ومن جهة أخرى حياة
وسلام. وكل ما قيل في آ 7- 8 حول "الاهتمام بالبدن" ينطبق بشكل إيجابيّ على
"الاهتمام بالروح". إن المسيحيين في رومة يحرّكهم الروح. هم يعيشون في مساحة تمارَس
فيها قوّةُ الروح. وبرّر بولس مقاله: "لأن روح الله يسكن فيكم" (آ 9ب). وهذا
التماهي بين روم 8: 9ب و1 كور 3: 16 يجعل هيكل الله في خلفيّة هذا الكلام. في روم
7: 17، 20، استعمل بولس فعل "سكن" (أقام) ليدلّ على حضور الخطيئة (الخطيئة التي
تسكن فيّ). ففي "امتلاك" الانسان نجد قوّتين تعملان: الخطيئة والروح. وروح الله هذا
(آ 9ج) هو "روح المسيح". وتأتي ثلاث شرطيات واقعيّة فتستخلص النتائج من حضور الروح
هذا مستعملة ثلاث عبارات مختلفة (إذا كان المسيح فيكم، إذا كان روح الله...).
ويحدّد بولس موقعه هنا على مستوى شخصيّ، ويستنتج ما يجب أن يستنتج من أجل المؤمن.
ثانيًا: سكن الروح في المؤمن
مع سكن الروح في المؤمن نتوقّف عند حياة المؤمن في الروح. هناك عبارات تبدو للوهلة
الأولى متناقضة: أنتم في الروح... روح الله يسكن فيكم. ونستخلص من آ 9: "إن كان
لأحد روح المسيح فهو يخصّه". يشدّد بولس على امتلاك المؤمن للروح. والمفارقة واضحة.
فالمؤمنون هم في الروح. والروح يسكن فيهم. المؤمنون لهم روح المسيح وهم يخصّون
المسيح. هكذا عبّر بولس عن باطنيّة عمل الروح الذي لا "يتعدّى" على عمل الانسان.
كما أعلن أن الانسان يتحرّك كله بفعل الروح دون أن يمسّ مسؤوليّة الانسان. وهكذا
يُبرز الرسول المسافة بين الروح والمسيحيّ لأن على المسيحيّ أن يترك الروح يقوده
(روم 8: 11، 14؛ غل 5: 16، 18؛ 5: 25).
"المسيح فيكم" عبارة تذكّرنا بحضور المسيح بواسطة روحه الذي يسكن فيكم. وفي الوقت
عينه يشدّد بولس على واقعيّة اتّحاد المسيحيين بالمسيح (1 كور 6: 12- 20). في آ 10،
يتوازى الروح (بنفما) مع "الجسد" (سوما). وهذا ما يدهشنا. لماذا جعل بولس "الجسد"
(سوما) بدل "البدن" (ساركس)؟ وهل للروح سمة أنتروبولوجيّة أو لاهوتيّة؟ وهل من
علاقة بين الروح والبرّ؟
إن بولس يتطلّع الآن إلى واقع المسيحيين، لا من زاوية سلطة الخطيئة بواسطة البدن،
بل من زاوية ما يحصل للمسيحي. فما زال الجسد يتحمّل نتائج الخطيئة. غير أن المسيحيّ
الموجَّه إلى الخطيئة لا يلفت بعد انتباهَ بولس (روم 8: 3- 4، 9)، حتى إن وعى أن
طبيعته المائتة لم تزُل لأنه صار "في الروح". لهذا عاد بولس إلى الجسد (سوما) لأنه
لفظة حياديّة.
والموازاة مع "الجسد" (سوما) يعطي "الروح" (بنفما) سمة أنتروبولوجيّة. ليس روح الله
روحًا في موازاة روح الانسان، إنه في روح الانسان. وإذ هو يقيم في المسيحيين يمنحهم
الحياة في القيامة.
نقرأ في آ 10: "الروح حياة لأجل البرّ". أو بالأحرى: بسبب البرّ. فالوجود المسيحيّ
الذي ذكر بولس أساسه في آ 3- 4، وطرق ممارسته، يفتحنا على النعمة بفضل برّ الله
الخلاصيّ. فالله نفسه يُتمّ بقدرة الروح، البرَّ الذي يفرضه الناموس. فالمؤمن لا
يسلّم إلى قواه الخاصّة، بل هناك من يعطيه امكانيّة تحقيق ما يطلبه الناموس، دون أن
ينزع منه مسؤوليّته. وهكذا نتذكّر أن البرّ عطيّة تتجلّى في موت المسيح وقيامته.
وتؤكّد شرطيّة آ 11 (إذا كان روح الله... ليكن فيكم) مبدأ يجب أن نستخلص منه كل
نتائجه. فالآب هو في أصل كل عمل القيامة. غير أن ما حصل ليسوع يشكّل للمسيحيّ
تأكيدًا على قيامته. فعمل الآب تجاه يسوع يعرّفنا بعمل الروح نفسه. فالله يُتمّ عمل
القيامة بروحه الذي هو واقع حيّ للمؤمنين. وفي ما يخصّ قيامة يسوع، يبدو عمل الله
مباشرًا: يمارَس بالنسبة إلى المسيحيين "بروحه الذي يسكن فيكم". فالروح ليس قوّة
تمارَس فيما بعد بشكل خارجيّ (من الخارج). فالله يسكن منذ الآن بروحه في المؤمنين.
وفي 2 كور 4: 14، ارتبطت أيضًا قيامة يسوع وقيامة المسيحيين ارتباطًا مباشرًا
بالله. إن قيامة المؤمنين نُسبت في روم 8: 11 إلى روح الله. وفي 1 كور 6: 14 إلى
قدرة الله. في الحالة الأولى، نشدّد على باطنيّة عمل الروح. إن امتلاك الروح يحقّق
انتماء المسيحيّ إلى المسيح. فالروح هو حياة للمؤمن، وحضوره يؤكّد للمسيحي عمل الله
تجاهه في القيامة. الروح يحقّق اليوم التبرير للمسيحي. إنه له حياة وسلام.
2- أعمال البدن وثمرة الروح (غل 5: 16- 25)
ويلعب التعارض أيضًا بين البدن والروح دورًا هامًا في غل 5: 16- 25. فيه يعدّد بولس
النتائج الملموسة لعمل البدن ويعطي لائحة تصرّفات تتمّ تحت نظر الروح. في هذا
المقطع، ترد لفظة "بنفما" سبع مرات. كما نجد علاقة تناقضيّة بين الروح والبدن. في آ
16 (في الروح، في البدن) وآ 17 (ما يناقض الروح ويناقض البدن).
أ- البنية الأدبيّة
آ 16- أقول لكم (مقدّمة احتفاليّة)
16- للغلاطيين: سيروا بدفع الروح
17- تعارض جذري بين البدن والروح (لا شخصيّ) + نتائج للغلاطيين.
18- الروح والشريعة
19- 21 أ- أعمال البدن (اللحم والدم)
21 ب- تأكيد وتحذير جذريّ (لا يرثون ملكوت الله)
22- 23أ- ثمرة الروح (المحبّة)
23 ب- ما من شريعة ضد هؤلاء (الذين يسلكون في الروح)
24- تدمير البدن (لا شخصيّ)
25- لجميع المسيحيين. نتصرّف في وفاق مع الروح.
ب- شروط الدخول في الملكوت
في قلب هذه القطعة (آ 16- 25) يأتي تأكيد احتفالّي لبولس فيذكّرنا بأحد أقواله:
"الذين يعملون هذه الأعمال لا يرثون ملكوت الله". وتعداد أعمال البدن (في تعارض مع
ثمرة الروح) يقود الرسول إلى هذا الاعلان. أما ثمرة الروح فتفتح على مسيرات
الملكوت. في غل 3 ارتبط موضوع الميراث بموضوع الوعد. وجّاه أعمال البدن المتعدّدة
(آ 19)، نجد "ثمرة الروح". الاعمال للبدن. للحم والدم. هي عمل الانسان الذي يريد أن
يحقّق ما يعرضه الناموس، فيفشل لأن البدن يخطفه لضغط لا يقاوَم. هذه الأعمال
المعروفة والظاهرة هي التي يفتخر بها المختون الخاضع للناموس (غل 6: 12). أما ثمرة
الروح فواحدة، فتدلّ على الوحدة في المسيحيّ وفي الجماعة. والعامل في هذه الوحدة هو
الروح. وهذه الثمرة الواحدة (= المحبّة) هي ينبوع سائر الثمار. يجب على المحبّة أن
تكون في قلب "الثمار" (أو: الظواهر) الأخرى.
حين تقبّل الغلاطيّون الروح، تقبّلوا بذار حياة متناسقة دُعوا لكي يحقّقوها. وعطيّة
الروح لا تنفصل عمّا يجعل فينا من ثمر. فالوحدة والتناسق تميّزان حياة يحرّكها
الروح. ثلاث مجموعات من الثمر، وكل مجموعة في ثلاث: المحبّة والفرح والسلام. الصبر
واللطف والصلاح. الأمانة والوداعة والعفاف.
ج- تعارض بين البدن والروح
نحن هنا أمام ولادة وضع جديد. إن آ 16- 17 وآ 24- 25 تحيط بنواة مركزيّة (آ 19-
23أ) فتبرر التعارض بين البدن (ساركس) والروح (بنفما) (آ 16- 17) وهزيمة البدن.
يبدأ النصّ بنداء يتوجّه إلى الغلاطيين (أسلكوا في الروح)، وينتهي بنداء يتوجّه إلى
مجمل الجماعة المسيحيّة (علينا أن نسلك).
في آ 16أ، يُرى هذا السلوك "بدفع الروح" كضرورة للافلات من رغبة البدن. وآ 25ب
تعتبر الوضع جديدًا لأن "الذين هم للمسيح يسوع صلبوا البدن بما فيه من أهواء
وشهوات". لسنا هنا بشكل مباشر أمام المعموديّة، بل أمام خضوع للمسيح في مجمل الحياة
منذ الكرازة الأولى (غل 2: 19).
تشدّد آ 16- 17 على التوّتر والانشداد. فالمؤمن يبدو في نظر بولس موضعَ صراع بين
قوّتين متعارضتين. فهو في ذاته لا يستطيع أن يحقّق ما يريد. وهذا التناقض بين الروح
والبدن يتضمّن نتائج سلبيّة بالنسبة إلى المؤمن: خضع للبدن وقد يُشجب بسبب هذا
الخضوع. ولكن الوضع مختلف كليًا بالنسبة إلى الذين يقودهم الروح. وتشدّد آ 24- 25
على الوضع الجديد للذين هم للمسيح. أبرزت آ 16- 17 استمراريّة التوتّر ساعة لا يفعل
الروح فعله. وحضّت آ 24- 25 على مهمّة ممكنة بل طبيعيّة: يكفي أن نحيا بالروح. وهذا
ممكن بعد أن صُلب البدن مع أهوائه وشهواته.
القِسْمُ الثّالث
الرّوحُ وَعَمَلهُ في الكنيسَة
تتوزّع فصول هذا القسم كما يلي:
1- العنصرة والتقليد اليهوديّ
2- الروح القدس في الكنيسة الأولى
3- هل نلتم الروح القدس
4- الصلاة الليتورجيّة الأولى وعمل الروح القدس
5- الروح والمعمودية
6- الروح يقدّسنا: تعليم الآباء اليونان
7- العنصرة أو ولادة شعب جديد في التقليد السرياني
8- العنصرة والعهد الجديد في التقليد السرياني
9- المعجزات التي تمّت يوم العنصرة في التقليد السرياني
الفصل الخامس عشر
العنصرة والتقليد اليهودي
يعلن سفر الأعمال أن الحدث الرئيسيّ في إرسال الروح قد تلاقى مع الاحتفال بالفصح
اليهوديّ. فمع أن الروح القدس كان قد أعطي للرسل في مساء القيامة، حسب تقليد يورده
يو 20: 19- 23، فقد اهتمّ لوقا اهتمامًا خاصًا بإرسال الروح في اليوم الخمسين بعد
الفصح والقيامة. فالحدث يرتدي في نظره مدلولاً مميّزًا في هذا السياق المحدّد. وقد
نستطيع أن نتساءل: أما توجّه صاحب سفر الأعمال في اختياره لبعض التفاصيل التاريخيّة
التي حفظها التقليد المسيحيّ الاولاني، برغبة في تصوير التوازي بين ما حدث يوم
العنصرة والاحتفال اليهوديّ لهذا العيد الذي يذكّر المؤمنين بحصاد القمح؟
نبدأ فنتوقّف عند اهتمام المسيحيين الأولين بالتلاقي بين مهمّة الروح والعنصرة
اليهوديّة. نتعرّف أولاً إلى المدلول الديني لهذا العيد لدى اليهود في القرن الأول
ب م. فهم يحتفلون في هذا اليوم بالعهد الأول وعطيّة الشريعة على سيناء. ثم ندرس
التقليد المسيحيّ الأوّلاني بما فيه من فيض الروح، وتدشين العهد الجديد، وعطيّة
الشريعة الجديدة، التي كُتبت هذه المرّة في قلب من لحم لدى المؤمنين (2 كور 3: 3).
هي شريعة داخليّة وهبها لنا شخص حيّ هو الروح القدس.
1- مدلول الفصح اليهوديّ
حين نقابل أع مع سائر كتابات العهد الجديد، نفهم الأهميّة الكبرى التي يوليها لوقا
لعيد الفصح. ولكن في العالم اليهوديّ، في القرن الاول ب م، كان هذا العيد في
المرتبة الثانية: لم تذكره روزنامة حزقيال (45: 18- 25)، كما لا يُذكر في العهد
القديم إلاّ بشكل عابر وفي زمن متأخّر خارج النصوص الليتورجيّة. ومقال "شبوعوت" في
المشناة يلمّح إليه تلميحات عابرة، فلا يحسّ بالحاجة إلى أن يفرز له مقالاً كاملاً
كما فعل بالنسبة إلى سائر أعياد السنة.
أ- العنصرة في العهد القديم
غير أن العنصرة كانت عيدًا من أعياد الحج، التي فيها يُجبر الاسرائيليّ على الذهاب
إلى أورشليم. ولكن الوافدين لم يكونوا كثرًا كما في عيد الفصح وعيد المظال. وكان
العيد يدوم يومًا واحدًا في فلسطين، ويومين في الشتات، ساعة يمتدّ الفصح والمظال
إلى ثمانية أيام. ولكن، وإن لم يكن عيد العنصرة شعبيًا، شأنه شأن غيره من الأعياد،
فقد كان يجتذب الجموع كما قال يوسيفوس للمشاركة في "تظاهرات" ضد السلطة الرومانية.
اختلف عيد العنصرة عن عيد الفصح والفطير، وعن عيد المظال، اللذين كانا في القديم
عيدين زراعيين، ثم ارتبطا بحدث طبعَ تاريخَ الخلاص بطابعه (الخروج من مصر للفصح،
والاقامة في البريّة للمظال)، فظلّ فقط عيد الأسابيع. فالأيام الخمسون تجري منذ
تقدّمة أول حزمة من الشعير، كباكورة الغلّة "غداة السبت" (لا 23: 11- 15) حتى نهاية
حصاد القمح، بعد سبعة أسابيع، حيث كانوا يقدّمون رغيفين من الحنطة الجديدة. فسّر
الفريسيون "غداة السبت" في معنى اليوم الذي يلي السبت. وقد أشار بولس الرسول إلى
هذه الفريضة الليتورجيّة، ساعة تكلّم عن الباكورة في معرض حديثه عن قيامة يسوع التي
حصلت غداة الفصح اليهوديّ: "المسيح قام من بين الأموات، باكورة الذين رقدوا" (1 كور
15: 20).
نستطيع أن نقرأ وصفًا مفصَّلاً لاحتفالات العنصرة اليهوديّة في لا 23: 15- 21.
سمّاه العهد القديم "عيد الحصاد" (خر 23: 16)، "عيد الاسابيع" (خر 34: 22؛ تث 16:
9- 13)، "عيد البواكير" (عد 28: 26). أما فيلون الاسكندراني والمؤرخ يوسيفوس فلا
يذكران عيد الخمسين، عيد العنصرة.
العنصرة عيد الفرح (تث 16: 11؛ أش 9: 2)، عيد الشكر لله على جميع حسناته، ولاسيّما
نهاية الغلال في هذه الأرض المقدّسة التي أعطاها لشعبه: نتذكّر هنا هذا الطابع حين
نسمع الرسل يذيعون في مختلف اللغات "عظائم الله" (أع 2: 11). وقد يشرح فرحةَ العيد،
الاستفهامُ المليء بالسخرية الذي أطلقه الناس عن الرسل فقالوا: "لقد امتلأوا
خمرًا". هم سكارى (أع 2: 13). فردّ بطرس أن الساعة هي الثالثة، أي التاسعة صباحًا،
ساعة صلاة الصباح الرسميّة والذبيحة اليوميّة (أع 3: 1). وكان اليهود قد اعتادوا أن
لا يأكلوا ولا يشربوا شيئًا قبل تلك الساعة.
مع تقدمة الحزمة الأولى، وهي تقدمة ترتبط أقلّه ارتباطًا كرونولوجيا بالفصح، صارت
الخمسون يومًا احتفالاً واحدًا لعيد الفصح الذي يمتدّ إلى سبعة أسابيع. وهذا
"الخمسين" الذي فسِّر كعيد فصحيّ واحد، سوف نجده لدى الكتّاب المسيحيين، وهو يعود
بلا شكّ إلى نظرة قديمة موروثة من المجمع. والعهد الجديد يربط أيضًا رباطًا صحيحًا
بين إرسال الروح وسرّ الفصح والقيامة. يقول يوحنا مثلاً: "وعنى (يسوع) بكلامه الروح
الذي سيناله المؤمنون به. فما كان الروح أعطي حتى الآن، لأن يسوع ما تمجد بعد" (يو
7: 39؛ رج 14: 24؛ 16: 7؛ 19: 30؛ 20: 22). غير أن لوقا تفرّد فضمّ فيض الروح
والعنصرة في إضمامة واحدة: هو الروح الذي أرسله المسيح "بعد أن رفعه الله بيمينه"
(أع 2: 33) في قيامته المجيدة.
وهذا الرباط مع الفصح، يشرح أيضًا الاسم الذي أعطاه الرابينيّون للعيد: الاحتفال
الختاميّ: نحن في الوقت عينه أمام ختام زمن الفصح وفصل الحصاد. هي تسمية قديمة
لأننا نجدها عند يوسيفوس في شكلها الأرامي أو العبري.
في التقليد المسيحيّ، وبعد القرن الرابع ب م، سيطرت الوجهة التاريخيّة على الوجهة
اللاهوتيّة، فتوزّع عيد الفصح في أيامه الخمسين، على عدّة أعياد ترتبط بأحداث خاصّة
في التاريخ المسيحي: الفصح، الصعود، العنصرة. وصارت العنصرة تذكر فقط فيض الروح في
اليوم الخمسين. ويبدو أنه كان تطوّر مماثل في الفكر اليهوديّ: فمنذ زمن العهد
الجديد، نال اليوم الخمسون أيضًا مدلولاً خاصًا ارتبط بتاريخ الخروج. وهكذا انتهت
مسيرة تحوّل الأعياد الزراعيّة الكبرى إلى تذكّرات تاريخيّة. وصار العيد القديم،
عيد الحصاد أو عيد الأسابيع، تذكارًا لإعلان الشريعة على جبل سيناء.
ب- في أوساط الاسيانيين
نجد شهادة على هذا المدلول في الحقبة السابقة للمسيحيّة، وذلك في "كتاب اليوبيلات".
فهذا المؤلّف كان من أهم الكتب في جماعة قمران، بعد أن اكتشفت في مغاور بريّة يهوذا
أجزاء من عشرة مخطوطات تورد بعض ما في هذا الكتاب. ثم إن الكلندار الليتورجيّ الذي
تتبعه الجماعة، هو ذاك الذي يوصي به كتاب اليوبيلات. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، قد
يكون يسوع تبع مثل هذا الكلندار للاحتفال بفصحه الأخير. وهكذا نستطيع أن نفترض أن
التلاميذ الأولين عرفوا أفكار هذا الكتاب المنحول. والحال أن كتاب اليوبيلات يجعل
عيد العنصرة في الخامس عشر من الشهر الثالث (سيوان) في ذات التاريخ الذي فيه وصل
الوحي إلى موسى وقُطع العهد في سيناء.
ما يميّز هذا المؤلّف المنحول هو نظرته إلى "عيد الأسابيع". هو بكل حقّ عيد العهد
والاحتفال الديني الأهمّ في نظر الكاتب. فنحن نعرف أن "عيد الأقسام" يعود إلى العهد
الأول الذي عُقد مع نوح (6: 17). والذي تجدّد مع ابراهيم (15: 2) واسحاق ويعقوب.
سقط هذا العهد في عالم النسيان بعد الآباء، فأخطأ الناسون، ولكن أعيد "بناؤه" في
سيناء. وجمْع العنصرة مع الوحي السينائي والعهد، ليس أمرًا خاصًا بكتاب اليوبيلات.
فنحن نجده في منحولات أخرى مثل رؤيا عزرا وأخنوخ السلافي، والعاديات البيبليّة
المنسوبة إلى فيلون والتي دوّنت في نهاية القرن الأول ب م، ولكنها تضمّ تقاليد أكثر
قدمًا.
فرض كتابُ اليوبيلات الاحتفالَ السنوي (في اليوم عينه) "بعيد الأقسام" من أجل تجديد
العهد (6: 17). أما وثيقة صادوق من جهتها، فتنتهي في وصف احتفال الدخول في "جماعة
العهد الجديد"، وهو الاسم الذي به سمّى أهل هذه الشيعة أنفسهم. ففي هذا النصّ نجد
كلمة "أقسم"، "قسم"، وهذا ما يفترض تلميحًا إلى "عيد الاقسام".
وعرف "نظام الجماعة" في قمران أيضًا قسم الدخول في العهد: "حين ينضمّ الواحد إلى
الجماعة، فمن يأتي إلى مجلس الجماعة، ليدخلْ عهد الله بحضرة كل المتطوّعين. وليلزم
نفسه بقسم يُجبره على الارتداد إلى شريعة موسى بحسب كل ما تفرضه، وذلك من كل قلبه
وكل نفسه" (5: 7- 9). وفي صلاة تبدو هي أيضًا مرتبطة "بعيد الأقسام" يتوجّه المؤمن
إلى الله في الكلمات التالية: "هيّأتهم ليكونوا منفصلين عنك... وجدّدت لهم عهدك
المؤسَّس على رؤية سيناء المجيدة وأقوال روحك القدوس، وعلى أعمال يديك وكتاب يمينك
الذي هو الشريعة".
إذن، نجد في قلب الحياة الليتورجيّة في قمران، عيد تجديد العهد. وشهادة "كتاب
اليوبيلات" تتيح لنا أن نعود إلى القرن الثاني ق م لنجد أصل هذا الاحتفال في أوساط
الاسيانيين. ونلاحظ بشكل عابر، أن مدلول عيد العنصرة هو ذاته لدى السامريين في
القرن الأول. وهم يحتفلون اليوم أيضًا بوحي أعطي لموسى في السبت السابع بعد الفصح،
أي ليلة العنصرة.
بما أن أجزاء من كتاب اليوبيلات ووثيقة صادوق، قد وُجدت في مغاور قمران، نستطيع أن
نفترض أن الاسيانيين احتفلوا بالعنصرة كعيد الشريعة والعهد، تذكّرًا لوحي سيناء.
وهذا ما توضّحَ حين نُشرت وثائق قمران ونُقلت إلى اللغات الحديثة.
ج- في اليهوديّة الرسميّة
قلنا إن يوسيفوس لا يربط العنصرة بعطية الشريعة. ولا فيلون يروي في "حياة موسى"
إعلان الشريعة في سيناء. ولكن قد نكون أمام صدفة في نقل النصّ. وفي أي حال، يجب أن
ننتظر الكتابات الرابينيّة في القرن الثاني ب م، لكي نجد تأكيدًا واضحًا يقول إن
الشريعة أعطيت في اليوم الخمسين بعد الخروج من مصر، وهو اليوم الذي يوافق عيد
العنصرة. وتُذكر كلمة لرابي يوسي بن شلفتا (حوالي 150) في "سدرعولام" (5): "ذبح بنو
اسرائيل حمل الفصح في مصر في 14 نيزان، وكان اليوم يومَ الخميس.... في الشهر
الثالث، في اليوم السادس من الشهر، أعطيت لهم الوصايا العشر، وكان اليوم يوم
السبت".
وقال رابي أليعازر (حوالي 270) من جهته، إن العنصرة هي حقًا "اليوم الذي فيه أعطيت
الشريعة" (تلمود بابل، مقال الفصح 68ب). منذ ذاك الوقت، صارت العنصرة في العالم
اليهودي عيد الشريعة، مع الاحتفاظ بالطابع القديم كعيد زراعيّ: فاليهود الاتقياء
يُمضون ليلهم في قراءة الشريعة. هذا العيد قد طُمس بإدخال عيد "فرح الشريعة" الذي
ينهي في الخريف الاحتفالَ بعيد المظال.
قد نستطيع أن نتساءل: أما نقلت النصوص الرابينيّة المتأخّرة تقليدًا أقدم من الزمن
الذي فيه دُوِّنت؟ أما نستطيع القول إن اليهوديّة الرسميّة قد قامت قبل المسيح
بالتقارب بين الشريعة والعنصرة؟ إن الإشارة الكرونولوجيّة في خر 19: 1، التي بحسبها
وصل العبرانيون إلى سيناء، في الشهر الثالث لخروجهم من مصر، تدعونا إلى أن نضمّ
الحدث الرئيسيّ لعطيّة الشريعة (وقطع العهد الذي لا يحتفل به عيد من الأعياد
الدينيّة) إلى الاحتفال الليتورجيّ الوحيد في ذلك الشهر الثالث، أي عيد العنصرة.
فالطابع الزراعي لهذا العيد الذي لا يعني الكثير لسكّان المدن، قد يكون دفع بعض
التيارات اليهوديّة في زمن مبكّر، إلى إيجاد معنى آخر له يرتبط بالتاريخ المقدّس.
إن 2 أخ 15: 10 لم يعد بشكل واضع إلى "عيد الاسابيع". ومع ذلك، فقد جعل في الشهر
الثالث عيدًا دينيًا احتفل به في زمن آسا (910- 870) من أجل تجديد العهد، وفيه
يلتزم كل واحد بقسَم جديد.
ومهما يكن من أمر، فالتراجيم تحدّد بالضبط موقع إعلان الشريعة خمسين يومًا بعد
الخروج من مصر، في السادس من سيوان، أي في عيد العنصرة بحسب الكلندار الفرّيسي. وهي
تقدّم وليمة العهد في خر 24: 11 في عبارات يستعملها تث 16 للحديث عن الاحتفال
بالعنصرة: "فرحوا بتقادمهم التي قُبلت برضى". وكما يحصل في موضع آخر من التوراة،
طبّقوا على هذا الطقس الذي ما عادوا يفهمونه (= وليمة عهد الشيوخ أمام الرب) عبارة
عباديّة تعود إلى زمن متأخّر. ولكن هذا أوحى للترجوم بأن مشهد العهد في سيناء، هو
حقًا العنصرة الأولى.
ولكن الأدب الرابيني نفسه قد احتفظ بآثار قديمة جدًا للعنصرة كعيد الشريعة. لاشكّ
في أن نصوص التلمود لا تتيح لنا أن نعود إلى ما قبل القرن الثاني ب م. ولكن حسب
المشناة، حطّم موسى لوحي الشريعة في 17 تموز (الشهر الرابع). وهذا ما يؤكّده فيلون
المزعوم في العاديات البيبليّة (19: 7). كان ذلك أربعين يومًا بعد السادس من سيوان.
إذ أقام موسى أربعين يومًا على الجبل بعد قطع العهد (خر 24: 18؛ 32: 19)، جعل هذا
التقليد عطيّة الشريعة في اليوم الذي عيّد فيه الفريسيون عيد العنصرة.
غير أن هناك عددًا من الكتّاب يظنّون أن العالم اليهوديّ الرسميّ لم يأخذ بضمّ
الشريعة إلى العنصرة إلاّ بعد دمار الهيكل سنة 70ب م: صارت طقوس التقدمة مستحيلة،
ففرح المعلّمون حين اكتشفوا معنى جديدًا انطلاقًا من تلميحات النصّ البيبلي نفسه،
ومن أفكار شعبيّة وُجدت في الأوساط الاسيانيّة. ولكن هناك آخرين ذكروا الاختلافات
في حساب الخمسين يومًا والاحتفال بالعنصرة في ثلاثة أيام مختلفة، في زمن المسيح،
لدى الاحزاب اليهوديّة الرئيسيّة الثلاثة: الفريسيون، الصادوقيون، الاسيانيون.
فاعتبروا أن في أصل هذا الجدال الليتورجي وُجدت نظرة قبلَ بها البعضُ ورفضها البعض
الآخر، ترى في العنصرة احتفالاً بعطيّة الشريعة. في أي حال، يدلّ هذا الجدال على أن
هذا العيد لم يكن من الدرجة الثانية كما نظنّ حين نقرأ المراجع الرابينيّة اللاحقة.
ونستطيع أن نقول بإيجاز، إن بعض التيارات اليهوديّة في زمن العهد الجديد، قد اعتبرت
العنصرة عيد الشريعة وعهد اسرائيل مع الرب. وقد تكون هذه التيارات هي الرسميّة في
أرض اسرائيل.
د- في النصوص الليتورجيّة
وهناك عنصر آخر يجب أن نهتمّ به كل الاهتمام لنكتشف المعنى القديم لعيد العنصرة.
نحن ننطلق من الدور الذي لعبته النصوص الليتورجيّة في تثبيت "لاهوت" العيد وتطوّره.
كما نهتمّ بمعرفة النصوص الكتابيّة التي كانت تُقرأ وتفسَّر في المجامع اليهوديّة
في القرن الأول ب م. في فلسطين، وحتى القرن الرابع، قُسم البنتاتوكس والأنبياء
(وربّما المزامير) ثلاثة أقسام، بحيث تُقرأ التوراة كلها في دورة تمتد على ثلاث
سنين. بعد ذلك، وُضعت دورة سنويّة. غير أن العلماء لا يتّفقون على قدم النظام الذي
يمتدّ على ثلاث سنين. لكن بعضًا منهم استند إلى معطيات متلاقية، فقدّموا نظام
القراءات المجمعيّة المعمول به في بداية القرن الأول المسيحي أو قبل ذلك الوقت.
فالدورة الثلاثية السنين جعلت قراءة الدكالوغ أو الوصايا العشر لعيد العنصرة. وهذا
التطابق يثبت تفسير العيد على أنه عيد الشريعة. وقد احتفظت لنا التراجيم بنشيد طويل
حول الدكالوغ، تدلّ بنيتُه على أنه استعمل في الليتورجيا. دوّن في أراميّة فلسطين،
ولكنه عاد إلى زمن قديم. "عند ذاك تلفّظ الله بكل هذه الكلمات: الأولى، حين خرجت من
فم القدوس (تبارك اسمه) كانت كالعواصف والبروق والمشاعل". وأحيط بكل هذه الكلمات
مشاعل تطير في الهواء، وجاءت كلمة الله فدوّنت على لوحَيْ حجر. ويتكرّر المشهد عينه
للكلمات التالية.
وتحدّث تلمود فلسطين أيضًا عن قراءات من البنتاتوكس: تث 16؛ لا 23؛ خر 19 (ارتبط
بالعيد قبل المسيحيّة). فهناك جزء قديم من ترجوم فلسطيني وُجد في القاهرة يدلّ على
أن خر 19: 1- 20: 23، كان يُقرأ في "عيد الأسابيع". وكانوا يقرأون راعوت فيدلّون
على الطابع الرعائي لهذا العيد، لأن ما يحدث في هذا السفر يتحدّد موقعه في
"الخمسين" الممتدّ من حصاد الشعير إلى حصاد القمح.
أما القراءات النبويّة المفروضة فهي حز 1 (ق حز 1: 4 وأع 2: 2)؛ حب 3. قد استعملت
نسخة حبقوق الاراميّة في قمران، وهذا يعني أنها معاصرة للمسيحيّة. وهي تتكلّم عن
"الغفران الذي يُمنح للذين يتوبون إلى الشريعة من كل قلبهم"، وعن "المعجزات
والعجائب" التي يصنعها الله من أجلهم. هذا ما يجعلنا قريبين من أع 2: 38، 43. أما
المزامير التي تُقرأ في عيد العنصرة فهي مز 26 و68، مع العلم أن مز 68 قد استعمله
بولس الرسول للحديث عن عطيّة الروح.
2- التقليد المسيحيّ الأول
أ- من الصعود إلى العنصرة
حين نعود إلى التقليد المسيحيّ الأولى نرى أنه حتى القرن الرابع، كاد المؤمنون
يحتفلون بالصعود والعنصرة في اليوم الخمسين. فصعود يسوع إلى السماء وحلول الروح
يتّحدان اتحادًا ليتورجيًا. كيف نفهم هذا الواقع الغريب؟
يبدو أن المسيحيّين الأولين رأوا في صعود المسيح صورة تامة عن صعود موسى على جبل
سيناء. فموسى صعد في اليوم الخمسين بعد الفصح ليأخذ الشريعة "المكتوبة بإصبع الله"
ثم ينقلها إلى اسرائيل. ويسوع الذي صعد إلى الآب، أرسل إلى تلاميذه الروح الذي هو
الشريعة الباطينيّة الجديدة.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، نلاحظ أن النصوص التي استعملها العهد الجديد ليربط
رباطًا واضحًا تمجيد يسوع ومهمّة الروح (لو 24: 49؛ أع 1: 4؛ 2: 32؛ يو 20: 17- 22؛
أف 4: 7- 12)، هي التي استعملها أدب قمران فإيراد مز 68 في أف 4: 8 يلفت انتباهنا.
فالرسول لا يورد المزمور بحسب النص العبريّ (أخذت الناس جزية)، بل بحسب النسخة
الآراميّة المستعملة في المجامع: "إذ صعد إلى العلى.... أعطى عطايا للبشر". نحن هنا
أمام تلميح واضح إلى إرسال الروح. وقد فهمت الآراميّة هذه الآية عن موسى الذي صعد
إلى الجبل ليأتي بالشريعة من هناك. إذن، طبّق القديس بولس على صعود المسيح تفصيلاً
استعمله التقليد اليهوديّ من أجل موسى. وقد يكون مز 68 هذا قد أثَّر في تدوين أع 2:
33.
واحتفظت التراجيم أيضًا بنصّ (تث 30: 12- 13) يُشدّد على صعود موسى إلى جبل سيناء
ليأتي بالشريعة (عكس يونان الذي نزل). وهذا النصّ استلهمه بولس الرسول في روم 10:
6- 8: "لا تقل في قلبك: من يصعد إلى السماء"؟ وسيردّد الآباء مرارًا أن يسوع في
الصعود، صعد إلى السماء ليأتي بالشريعة الجديدة التي هي الروح القدس.
صوّرت بعض النصوص اليهوديّة صعود موسى بتفاصيل تذكّرنا بالصعود (النور، الغمام).
والايقونات دلّت على أن صانعيها تصوّروا الصعود، لا بحسب معطيات أع، بل بشكل صعود
إلى سيناء، مع المسيح الذي يمسك بيده درجًا يرمز إلى الشريعة. نحن هنا أمام تشابه
مدهش بين هذه الطرق في تصوير الصعود والمشاهد التي تصف صعود موسى على جبل سيناء،
على النواويس التي تعود إلى الحقبة القسطنطينيّة. وهذا ما يفهمنا أن المسيحيّين في
فلسطين نظروا إلى العنصرة كعيد الشريعة والعهد.
ولكن سبق وقلنا إن هذه النظرة وُجدت لدى التيارات العائشة على هامش العالم
اليهوديّ. فهل نجد علاقة بين هذه التيارات والمسيحيّة الأولى؟ هذا ما لا شكّ فيه،
ولاسيّما لدى الاسيانيّين الذين اقتربت أفكارهم ممّا كتبه لوقا في انجيل الطفولة
وسفر الأعمال: تنظيم الجماعة، مشاركة في الخيرات، العماد، عشاء المحبّة، اختيار
متّيا، خطبة اسطفانس ضدّ الهيكل، اهتمات بالنصوص التوراتيّة الواحدة... فقد يكون
عدد من المسيحيين الأولين قد انتموا إلى جماعة قمران. وسفر الأعمال يعطينا عن كنيسة
أورشليم فكرة قريبة عن "جماعة العهد الجديد" كما ترسمها مخطوطات البحر الميت.
هذا ما يدفعنا إلى القول بشكل معقولة إن العنصرة اتّخذت بالنسبة إلى المسيحيين
الأوّلين شكل عيد الشريعة الجديدة: فهموا أن يسوع حين أرسل الروح، قد أعطى الشريعة
الجديدة والنهائيّة، التي لم تحفر في لوحين من حجر، بل في لوحين من لحم ودم (حز 11:
19؛ 36: 26؛ إر 31: 33). لم تكن بعد شريعة خارجيّة، بل عطيّة شخص هو "روح الله
الحيّ" (2 كور 3: 3). لهذا اهتموا كل الاهتمام بأن تبدأ الكنيسة انطلاقتها في يوم
العنصرة.
ب- تأثير العالم اليهوديّ
إذا كان لوقا قد جمع العنصرة إلى سيناء، نتساءل: أما نجد تلميحات أخرى إلى نظرات
يهوديّة ترتبط بمشهد إعلان الشريعة على الجبل؟ هنا نذكر فيلون، فيلسوف الاسكندريّة،
الذي اعتبر أن العنصرة هي عيد الحصاد وحسب. ولكنه حين استعاد خبر عطيّة الشريعة،
فسّر كيف أفهم الله كل واحد وصاياه العشر: بما أن الله لا صوت له، فقد أخرج صوتًا
عجيبًا امتزج بالنار، فذهب يطرق آذان الجميع، حتى الأبعدين، فيرنّ كلهجة في كل نفس
من نفوسهم (الوصايا العشر 33: 35). وقد بلغ هذا الصوت إلى جميع الشعوب. هنا نتذكّر
فكرة النار التي تتحوّل إلى لغة مفهومة ومرئيّة. ونقابل مع أع وهذا الصوت الذي جاء
فجأة من السماء، وألسنة النار التي حطّت على كل واحد منهم، والخطب التي تُليت في كل
لغات العالم.
وتتكلّم الأخبار اليهوديّة أيضًا عن ظهور البرق والنار والصوت والنار (في العبريّة:
ألسنة من نار في أش 5: 24) على سيناء. وهناك تفسير حرفيّ كما في خر 20: 8 قال إن
الشعب "رأى" الأصوات، وهذا ما فرض الكلام عن صوت الله الذي كشف عن نفسه بشكل نار
ولهيب.
وهناك أخبار تعود إلى القرن الثاني ب م، فتقول إن النار ظهرت على رأس بعض المعلّمين
المشهورين المنشغلين بدراسة التوراة وشرحها: وهكذا ترتبط النار بالشريعة. وهناك خبر
عرفته مدارش رابي اسماعيل ورابي عقيبة، في القرن الثاني ب م، فرأى أن الشريعة عُرضت
على جميع الشعوب، في البريّة التي بدت بشكل موضع حياديّ. فالوثنيون أنفسهم قد دُعوا
لئلاّ يلوموا الله ويقولوا له: "لو عرفنا لقبلنا الشريعة نحن أيضًا".
وهناك نسخة أخرى تقول إن الشريعة أعطيت في أربع لغات، هي لغات القريبين من أرض
اسرائيل بشكل مباشر. سأل بنو عيسو: "ما الذي كتب فيها"؟- "لا تقتل". فرفضوا أن
يقبلوها. وفعلوا العمونيون والموآبيون مثلهم، لأنه كُتب: "لا تزن". ومثلهم فعل بنو
اسماعيل بسبب الوصيّة التي تمنع القتل. وحده اسرائيل أجاب نعم (خر 19: 8).
ولكي تسمع جميع الشعوب صوت الله، قال التقليد إن الشريعة أعلنت في سبعين لغة
(تلمود، السبت 88ب)، وهذا ما يقابل 70 شعبًا وجدهم المعلّمون في تك 10. هذه الأخبار
تدلّ على الشموليّة التي لن تعمّر طويلاً في العالم اليهوديّ.
هل من رباط بين الأخبار الجميلة المرتبطة بسيناء، مع خبر أع 2؟ نحن في الحالتين
أمام تيوفانيا، أمام ظهور إلهيّ. إذن، سنجد هنا وهناك ظواهر ترتبط بظهور الله مثل
الرعد والبرق والنار والدخان (عب 12: 18، 22). وإذا كان الزلزال المذكور في خر 19:
18 ليس له ما يقابله في أع 2، فهو سيظهر في أع 4: 31 حيث حلّ الروح القدس على
المصلّين.
وسيفهم الرسل في عيد العنصرة على ضوء نبوءة يوئيل، أن الشريعة الجديدة تقدَّم إلى
جميع البشر. تاريخ عطيّة الروح يلقي ضوءًا على تعليم المعلّم في هذا المجال. ويذكر
لوقا "مجيء أناس من كل الأمم التي تحت السماء". ويشدّد على هذه اللغة العالميّة
العلويّة التي تجعل السامعين يدهشون. هذه الألسنة الملهمة هي علامة سابقة ورمز
لشهادة سيحملها الرسل إلى أقاصي الأرض.
وهناك تقارب آخر بين مشهد سيناء والعنصرة، من خلاله الاسم الذي أعطي للجماعة التي
تلقّت شريعة الله: اكلاسيا. الكنيسة. هذه اللفظة استعملت مرارًا في أع لتدلّ على
الجماعة المسيحيّة الأولى. سينطلق الترجوم مثلاً من خر 19: 1 فيشدّد على وحدة
القلوب يوم ولادة اسرائيل كجماعة دينيّة مقدّسة، فيقول: "انطلقوا من رفيديم فوصلوا
إلى بريّة سيناء، وخيّموا في البريّة: خيّم اسرائيل هناك تجاه الجبل بقلب متحدّ
(أو: كانوا قلبًا واحدًا)". ويشدّد النص عينه على إجماع العبرانيين على قبول
الشريعة الالهيّة "بكل قلبهم". وهكذا نلتقي مع جماعة المؤمنين في أورشليم "الذين
كانوا قلبًا واحدًا وروحًا واحدًا" (أع 4: 32). هذا التفصيل الذي نجده في أع، وفي
التقاليد اليهوديّة حول سيناء، يعيدنا إلى نظرة تربط العنصرة بعطيّة الشريعة وذبيحة
العهد.
خاتمة
كل المقاربات التي قدّمناها تتيح لنا أن نظنّ أن الرسل والمسيحيين الأوّلين قد
فهموا العنصرة تدشينًا للعهد الجديد وإعلانًا للشريعة الجديدة التي أعلنها
الأنبياء، وبداية للجماعة الاسكاتولوجيّة التي كانت جماعة (اكلاسيا) البريّة صورة
لها: والمعتمدون الثلاثة آلاف يمثّلون البشريّة كلها بانتظار أن يصبحوا خمسة آلاف
(أيَ الجماعة الكاملة، 50 × 100)، وهم باكورة الحصاد الاسكاتولوجي العظيم. فصهيون
أورشليم هي سيناء العهد الجديد. ويسوع هو موسى الجديد الذي بعد أن صعد إلى الله،
أرسل إلينا الروح بحسب نمطيّة نقرأها في أع 7: 17- 46.
إن خبر العنصرة المسيحيّة الأولى قد جمع طبقتين من التقاليد: طبقة اليهود الذين
ظلّوا يحتفلون بالعيد مع أبناء دينهم. وطبقة المسيحيين الذين جمعوا ثمار الفكر
المسيحيّ حول حدث إرسال الروح على ضوء التقاليد اليهوديّة السابقة. ونحن نفترض أن
صاحب أع الذي أراد أن يعطي صورة كاملة عن العنصرة المسيحيّة ويشدّد على طابعها
الشموليّ، انقاد لهذه المعطيات في اختيار الألفاط التاريخيّة التي احتفظ بها،
ليتحدّث عن هذا الجديد الذي هو إرسال الروح على الجماعة الأولى من أجل خلق جديد
يبدأ في أورشليم فيصل إلى أقاصي الأرض.
الفصل السادس عشر
الروح القدس في الكنيسة الأولى
إن أعمال الرسل ورسائل العهد الجديد تجعلنا في اتّصال مع أناس أنعشهم الروح القدس،
وجماعات امتلكها روح الله. وهذه الخبرات الفرديّة أو الجماعيّة دلّت على حضور الروح
العامل في المسيحيّ وفي الكنيسة. جاءت نفحة من السماء، ومرّت على هذه الكنيسة
الفتيّة، فوعت أنها تعيش ربيعًا روحيًا هو فيض الروح الذي يدشّن الأزمنة الأخيرة.
فزمن الروح الذي أعلنه الأنبياء، صار واقعًا وحقيقة.
كان العهد القديم قد استشفّ هذا التجديد. فهذه النفخة الالهيّة التي نفخت الحياة في
الانسان الأول المخلوق على صورة الله، هذا الروح الذي حلّ على الأنبياء، فأعطاهم
القوّة لكي يعلنوا كلمة الله. هذا الروح القدس سيبدّل في يوم من الأيام القلب
تبديلاً جذريًا، ويخلق شعب الله الجديد.
فالعهد الجديد يخلف العهد القديم. وروح العنصرة ينفخ على الجماعة الأولى. وفي
المعمودية، يجعل الروح من المسيحيّ انسانًا جديدًا. هذا الروح ما زال يعمل في
الكنيسة خلال مسيرتها وفي المسيحيّ الذي يأتي ويقيم فيه.
1- الروح القدس والكنيسة
أسّس يسوع كنيسته على الصخرة وأمّن لها ثباتًا أبديًا. وقبل أن يترك أخصّاءه بشكل
نهائيّ، وعدهم بموهبة الروح القدس الذي ينفحهم حياة جديدة، ويؤمّن الوحدة والنموّ
لهذه المجموعة التي تلتئم في الايمان باسمه. وهكذا غُطِّس الاثنا عشر في الروح
القدس (أع 1: 5، 8)، اجتاحهم حضوره، امتلأوا من قوّته، وحرّكتهم حيويّته.
وفي الواقع، في يوم العنصرة، دوّى صوت يشبه صوت الريح في البيت الذي كان الرسل
مجتمعين فيه. "ظهرت لهم ألسنة منقسمة، كأنها من نار، واستقرّت على كل واحد منهم.
فامتلأوا كلّهم من الروح القدس" (أع 2: 3- 4). هذه الموهبة الالهيّة تدلّ من جهة
على أن عهد الخلاص قد تدشّن كما أنبأ به النبي يوئيل فقال: "ويكون في الأيام
الأخيرة، يقول الرب، أني فيض من روحي على عبيدي وإمائي" (أع 2: 17، 18؛ رج 5: 33).
ومن جهة ثانية دفعت هذه الريح العاصفة شهود المسيح إلى أقاصي الأرض، فاستطاعت جميع
الشعوب أن تسمع صوتهم. لقد نالت الجماعة المسيحيّة موهبة دلّت على أنها ستشمل
الكون، وأن رسالتها ستكون فاعلة.
لسنا أمام نعمة عابرة، ولا أمام موهبة أعطيت صدفة وبشكل ثانويّ. فعهد الروح القدس
قد ابتدأ وهو يرافق تاريخ الكنيسة ويُشرف على تكوينها: منذ الآن يسكن الروح القدس
في الكنيسة. قال بولس الرسول: "في المسيح بُنيتم معا لتصيروا مسكن الله في الروح"
(أف 2: 22).
وكما أن البناء لا يثبت إلاّ باندماج الحجارة والمواد التي تؤلّفه، فالكنيسة لا
تعرف الوحدة والمتانة إلاّ برباط الروح. فالروح هو الذي يحفظ التماسك بين جميع
المؤمنين، ويضمّهم في الوحدة. لا وحدة ماديّة، بل وحدة حياتيّة. فنحن أمام ضمّ
الاعضاء العديدين إلى جسد المسيح: "عيشوا حياة جديرة بالدعوة التي دُعيتم إليها...
واجتهدوا بأن تحافظوا على وحدة الروح برباط السلام. فإن الجسد واحد والروح واحد"
(أف 4: 1- 3؛ رج فل 1: 27).
ليست الكنيسة فقط مجموعة من الأعضاء المتفرّقين، يضمّهم موضوع واحد هو اعتراف
إيمانهم. هي مشاركة (كوينونيا)، هي مشاركة عميقة واتحاد باطنيّ في الروح القدس (فل
2: 1؛ رج 2 كور 13: 13). "لقد اعتمدنا كلنا بروح واحد لنكون جسدًا واحدًا، يهودًا
ويونانيين، عبيدًا وأحرارًا" (1 كور 12: 13).
وكما تنعش النفس الجسد وتحرّك الأعضاء، وتوجّهها، وتشرف على الوظائف في الجسم كله،
فترسل الأوامر، وتلهم وتوجّه كل نشاط، كذلك يفعل الروح القدس الذي هو نفخة الحياة
في الكنيسة. فهو ينعش كل الأعضاء، ويلهمهم. ونحن نتعرّف إلى تأثيره وقدرته في
الأعمال العظيمة التي يدفعنا للقيام بها. من هنا هذه المواهب الخارقة التي يسمّيها
بولس الرسول "كاريسمة" والتي هي هديّة أعراس المسيح لكنيسته. هي عطيّة مجانيّة تدلّ
على كرم الرب وسخائه.
فهناك بعض الجماعات (مثل جماعة كورنتوس) التي نعمت بهذه المواهب. "أشكر الله في كل
حين لأجلكم، على نعمة الله المعطاة لكم في المسيح يسوع، لأنكم به قد اغتنيتم في كل
شيء في كل كلام وكل معرفة، على قدر ما توثّقت فيكم شهادة المسيح، حتى إنكم لا
يعوزكم بعدُ شيء من المواهب" (1 كور 1: 4- 7).
هذه المواهب المتنوّعة تنوّعًا كبيرًا، تجد أولاها وأثبتها في موهبة الكلام. فمن
نال الروح القدس دفعه هذا الروح لكي يشهد للمسيح، لكي ينشد حسنات الله، لكي ينقل
إلى الآخرين اليقين الذي يُضرم قلبه. هو يحترق في الداخل، والنار التي فيه تنتقل
إلى الآخرين بحيث إن فيض الروح يسبّب في حريق يقضي على العالم الوثنيّ ويقيم مُلك
يسوع المنتصر على أنقاضه.
فرجال الروح لا ينالون فقط رؤى (أع 19: 6)، بل يعلّمون كملافنة وأنبياء ومبّشرين
ووعّاظ. بل إن بعضهم قد نال موهبة لكي يرئس الجماعات وينظمّها. وآخرون موهبة السخاء
العجيب فيعطون ولا يحسبون حسابًا لعطائهم. وآخرون نالوا موهبة المعجزات وشفاء
المرضى. ولكنهم يفعلون كل هذا لخير القريب وبناء الكنيسة.
قال بولس الرسول: "لا جرم أن المواهب على أنواع، إلاّ أن الروح واحد... وكل واحد
إنما يُعطى إظهار الروح للمنفعة العامّة. فالواحد يُعطى من قبل الروح كلام حكمة.
والآخر كلام علم، بحسب الروح عينه. والآخر الإيمان بذلك الروح عينه. والآخر موهبة
الشفاء بالروح الواحد عينه. وآخر إجراء العجائب. وآخر النبوءة. وآخر تمييز الأرواح.
وآخر أنواع الالسنة. وآخر ترجمة الالسنة. وهذه كلها يفعلها الروح الواحد بعينه،
موزّعًا كيف شاء، على كل واحد خصوصًا" (1 كور 12: 4- 11).
هذه المواهب ليست حظوة للافراد، وليست مناسبة للفوضى. بل هي ضروريّة من أجل حياة
الكنيسة ووحدتها بحيث تعي رسالتها. وتظهر هذه المواهب بشكل خاصّ بمناسبة الاجتماعات
الليتورجيّة حيث يتدخّل المشارك فيها بممارسة موهبته الخاصّة لبناء اخوته. فكما أن
الجسد البشريّ يمتلك أعضاء مختلفة، وكل عضو يمارس الوظيفة الخاصّة به فيؤمِّن مع
الآخرين الحياة للجسم كله، كذلك المواهب المختلفة، فهي تجعل المسيحيّين يتعاونون في
قلب الجماعة. إنهم مبدأ تماسك وتناغم.
وهكذا نفهم بسهولة كم كان تنشيط الجماعات العباديّة في الكنيسة الأولى، يحرّك حرارة
في الصلاة وبهجة في اللقاء. هذا يتحدّث عن الآتي، وآخر يجترح معجزة. ذاك امتلك
إيمانًا به ينقل الجبال. وذلك وزّع جميع أمواله للفقراء وما ترك لنفسه شيئًا. هذا
معلّم يكشف أعمق وجهات حكمة الله. وذاك يجعل المؤمنين يدركون لا محدوديّة محبّة
الله. هذا نبيّ يعزّي الحزانى، وذاك يقوّي القلوب الخائرة. ففي حضور الروح الفاعل،
كان النور والجمال والقوّة بحيث إن اللامؤمنين الذين يشهدون هذا الفيض كانوا يخرّون
على وجوههم ويعلنون أن الله حاضر في كنيسته (1 كور 14: 25). أن إصبع الله هي هنا.
إن كان هذا الظهور الساطع للروح شاملاً ومجانيًا، إلاّ أن الرسل وخدّام الكنيسة هم
الذين ينعمون به في الدرجة الأولى. بطرس، بولس، اسطفانس، فيلبس... إنهم كالمدينة
المبنيّة على جبل، كالسراج الذي يُوضع على مكيال. صاروا مشهدًا للملائكة والبشر،
وراح إشعاعهم إلى البعيد. فوظيفتهم تشكّلهم كخدّام للروح القدس بعد أن أنارتهم
وحركّتهم أوامره، فأطاعوا دفعه لهم ونعموا بقوّته.
وبولس الذي اختاره المسيح، ما استطاع أن يأخذ مكانه وسط الرسل إلاّ بعد أن "امتلأ
من الروح القدس" (أع 9: 17؛ رج 13: 9؛ 1 كور 7: 40؛ 2 كور 6: 6). والذين يرئسون
الجماعة المحليّة ويوجّهونها، لم يعيّنوا في "وظائفهم" صدفة واتفاقًا. فالروح القدس
هو الذي أقامهم "ليرعوا كنيسة الله" (أع 20: 28). وحين أحسّ الرسل أن الأمور
الماديّة تكاثرت عليهم، وقرّروا أن يتكرسوا كليًا للصلاة والكرازة، اختاروا سبعة
خدّام "مملوءين من الروح القدس والحكمة" (أع 6: 3- 5).
وحده الروح القدس الذي هو النور والحق، يكفل إيصال الايمان كاملاً. وذاك هو أول
واجبات "الرؤساء". قال بولس لتلميذه تيموتاوس: "إحفظ الوديعة الصالحة بعون الروح
القدس الساكن فينا" (2 تم 1: 14). فالروح القدس الذي هو ينبوع حرارة الحياة
وقداستها، قد رمزوا إليه بالنار. لهذا، فهو يوبّخنا على تهاملنا، ويحرّك فينا
الغيرة. فالرسائل إلى الكنائس السبع التي تفتتح سفر الرؤيا، تتضمّن هذا التنبيه
الذي يتكرّر وكأنه قرار وردّة: "من له اذنان فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (2: 7،
11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22). والروح هو الذي ينفح الفرح الذي يميّز جماعة المخلّصين:
"كان التلاميذ ممتلئين من الفرح والروح القدس" (أع 13: 52). وقال بولس الرسول في
روم 14: 17: "ملكوت الله برّ وسلام وفرح في الروح القدس". وقال في 1 تس 1: 6:
"تقبّلتم كلمة الله، رغم المحن العديدة، بفرح أتاكم من الروح القدس".
والكنيسة والروح يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بحيث إن صوتهما صار صوتًا واحدًا. فجماعة
المؤمنين تحسّ بدفع الروح الذي يحرّكها ويحييها، فتتطلع إلى عودة المسيح: "فالروح
والعروس يقولان: تعال أيها الرب يسوع" (رؤ 22: 17). ماراناتا. تعال يا ربّ. وسلطة
الربّ لا تنفصل عن سلطة الروح الذي يجعل كلامهم صادقًا، أهلاً للتصديق، لأنه يفعل
في قلوب السامعين كما يفعل في فم المتكلّمين. وجاءت فرائض مجمع أورشليم على الشكل
التالي: "الروح القدس ونحن قد ارتأينا أن لا نحمّلكم ثقلاً فوق هذه الأشياء التي لا
بدّ منها" (أع 15: 28).
إذا كان الرسل لا يسوسون الكنائس إلاّ بعون الروح القدس، فهذا الروح عينه هو الذي
يعطيهم الجرأة الضروريّة والحكمة ليدافعوا عن القطيع الذي سلّم إليهم من الهجمات
الآتية من الخارج. فحين سجن السنهدرين بطرس ويوحنا، وفرض عليهما بأن يبرّرا
موقفهما، بدأ بطرس المرافعة. وقال لوقا عنه في سفر الاعمال (4: 8؛ رج 5: 13):
"امتلأ من الروح القدس". فكلمة الرسول فاعلة. هي لا تُقاوَم لأن الروح يتكلّم بفمه.
وشهادته ليست شهادة انسان، بل شهادة الاقنوم الثالث من الثالوث الاقدس الذي يُبطل
كل اعتراض ومقاومة.
الروح القدس هو قوّة تدافع. هو المحامي البارقليط. سيحمي المتَّهم البريء ويبرّر
موقفه. وهو بشكل خاصّ قوّة تحرّك نشاط الكنيسة الارساليّ لتحتلّ العالم كله. نراه
يتدخّل لكي يوجّه المبشّر فيلبس نحو وزير ملكة الحبشة المستعدّ للارتداد إلى الله
(أع 8: 29، 39). وحين كان بطرس في يافا يتلو صلاته في ساعة الظهر على سطح البيت،
أفهمه الروح القدس بأن عليه أن يذهب إلى قيصريّة البحريّة، إلى الضابط الروماني
كورنيليوس وإن يكن وثنيًا غير مختون. وحين فاضت موهبة الروح على جميع السامعين، ما
استطاع هامة الرسل إلاّ أن يمنح المعموديّة لهذه الاسرة التي جاءت إلى الايمان (أع
10: 47045؛ 11: 15؛ 15: 8). وهكذا، حين ردّ بولس إلى الايمان أول وثنيّ، أدخل
الكنيسة في سبيل جديد، وشكّل ديانة لا تعرف حدود الاعراق والاثنيات، وفتح الخلاص
لكل النفوس المنفتحة على نداء الله أكانت يهوديّة أم وثنيّة.
وإذ كان شاول (أو بولس) وبرنابا الذي "كان رجلاً صالحًا، ممتلئًا من الروح القدس
والايمان" (أع 11: 24)، يقيمان في أنطاكية، تدخّل الروح القدس خلال الاجتماع
الليتورجيّ، وتوجّه إلى أنبياء هذه الكنيسة الذين هم يوصلون قراراته، وأعطى الأوامر
من أجل أولى الرحلات الرسوليّة الكبرى. الروح هو الذي اتّخذ المبادرة. وهو الذي وضع
التصميم. "قال الروح القدس: إفرزوا لي شاول وبرنابا للعمل الذي ندبتهما إليه" (أع
13: 2).
فانتشار الانجيل ونموّ الإيمان وارتداد النفوس، كل هذا هو عمل الروح القدس. فهو
الذي ينمي الكنيسة ويقرّر الوسائل المناسبة والطرق الملموسة والمباشرة من أجل هذا
النموّ. مثلاً، أراد أن يتوجّه بولس ورفاقه إلى ترواس وأوروبا، فمنعهم الروح من
الدخول إلى بيتينية (أع 16: 6- 7)، كما أنه هو الذي أجبر الرسول على التوجّه إلى
أورشليم سنة 58 وأعلمه أنه سوف يقيّد هناك (أع 20: 22، 21: 11). فهو الذي رأى
مسبقًا بل قرّر أن يكون أسر بولس شهادة للمسيح في عاصمة الامبراطوريّة. الروح ينبّه
الكنيسة إلى الأخطار التي تنتظرها (1 تم 4: 1). كما يعلن عن حدوث مجاعة فيحرّك
الاخوة لكي يعين بعضُهم بعضًا (أع 11: 28): "أنبأ أغابوس بالروح، أنها ستكون مجاعة
شديدة في المسكونة كلها".
هذه التوجيهات المدهشة تبقى قليلة بالنسبة إلى العون الذي يمنحه الروح القدس للرسل
في رسالتهم التعليميّة. فالعالم قد ارتدّ إلى الايمان بإعلان الانجيل. غير أن هذا
الاعلان لم يُدرك الناسَ إلاّ بفضل نعمة وُضعت على شفاه الوعّاظ فأعطت كلمتهم
فاعليّة كبيرة. هذا ما قاله بولس: "إن تبشيرنا بالانجيل لم يَصر إليكم بالكلام فقط،
بل بالقوّة أيضًا وبالروح القدس وبكمال اليقين" (1 تس 1: 5). وقال أيضًا: "ولم يكن
كلامي وكرازتي بما لكلام الحكمة من بلاغة، بل ببيان الروح والقدرة، لكي لا يقوم
إيمانكم على حكمة الناس، بل على قدرة الله" (1 كور 2: 4- 5). وزاد في الرسالة
عينها: "ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من الله، لكي نعرف ما أنعم به الله
علينا من النعم. ونتكلّم عنها لا بأقوال تعلّمها الحكمة البشريّة، بل بما يعلّمه
الروح معبّرين بالروحيات عن الروحيات" (آ 12- 13). وتحدّثت 1 بط 1: 12 عن "عون
الروح القدس المرسل من السماء" إلى الذين بشّروا "المغتربين في الشتات" (1: 1).
ونجاح الرسالة أمر يفوق الطبيعة، بحيث يستطيع المبشّر أن يعلن أن هذا النجاح يدلّ
على صدق الرسالة. فجماعة كورنتوس التي ردّها بولس، هي رسالة توصية إلهيّة ينشرها
الرسول في كل مكان، لأنها تظهر مصداقيّة رسالته: "هي رسالة كُتبت بروح الله الحيّ"
(2 كور 3: 3) الذي أضاء قلوب الوثنيين ولامسها بإلهاماته.
لاحظ لوقا "مؤرخ" الكنيسة الأولى السرعة المدهشة التي بها امتدت الكنيسة. حدث ذلك
بدون عنف، في العالم المتمدّن، فنسب هذا النموّ مباشرة إلى عمل الروح القدس. قال:
"وأما الكنيسة في كل اليهوديّة والجليل والسامرة فكانت في سلام. تُبنى وتسلك في
خشية الرب. وتزداد نموًا بمؤازرة الروح القدس" (أع 9: 31). الكلمة اليونانيّة هي
"باركلاسيس" أي تحريض وتعزية وتشجيع. نسبت "الباركلاسيس" إلى الروح القدس، فبدت
عملاً إلهيًا فاعلاً وسريًا يجلب أعضاء جددًا إلى الكنيسة، وأمّنت الانتشارَ
الرسوليّ الذي هو في الوقت عينه فكر وعقيدة وإرادة وأخلاق. وحين يتسلّم شهود المسيح
القائم من الموت عونَ الروح القدس، يُعطون أولاً ثقة باطنية مطلقة يسميها بولس
"بريسيا" (أي دالة)، ويعارضها بالخوف والتردّد، فتتيح للمؤمنين أن يتصرّفوا بجرأة.
بالإضافة إلى ذلك، مُنحوا موهبة الاقناع والتحريض، فلامسوا بحرارة ملحاحة، وهم
خطباء لا موهبة بشريّة لهم، قلب السامعين فما قاوموهم (روم 12: 8؛ فل 2: 1؛ 1 تم 4:
13).
وهكذا عمّد بولس يوم العنصرة ثلاثة آلاف شخص (أع 2: 40- 41). وبرنابا الذي كان من
أفضل الخطباء في المسيحيّة الأولى، قد سمّي مع ذلك "ابن باراكلاسيس". تطعّمت عنده
الصفات البشريّة التي وُلدت معه بموهبة الروح، فرُفع إلى أسمى المراتب في كلام
الإقناع من أجل الانجيل. عرف كيف يقنع ويبرهن ويشجّع، وفي النهاية ثبّت قلب
الهلينيين في تعلّقهم بالرب (أع 11: 22- 24؛ رج 13: 15 ي). وحين سمع المؤمنون مثل
هذا الكلام، عرفوا الأمانة والاستمرار رغم المحن التي تصيبهم (أع 15: 31).
إن "تعزية" (باراكلاسيس) الروح القدس هي أحد مواضيع الخطبة النبويّة وشكلاً من
أشكالها. هي نعمة الواعظ الملهم: "من يتنبّأ يكلّم البشر بلغة تبني وتحضّ وتشجّع"
(1 كور 14: 3). هذا يعني أن النبوءة ظلّت في جوهرها نظامًا من نظم الكنيسة كما في
كل مجتمع تيوقراطيّ (أي: يحكمه الله). فالله ما زال يكلّم المؤمنين بفم الوعّاظ.
ونحن نكتشف صوته الخاص في النتائج المدهشة التي تصل إلى القلب وإلى العقل: أنوار،
تعزيات، قوّة متجدّدة. كل هذا لا يمكنه أن يأتي إلاّ من الروح القدس. فكأننا أمام
نداء مباشر يرسله الله إلى النفس. وهكذا يثبت المؤمنون في إيمانهم، واللامؤمنون
يرتدّون دون أن يستطيعوا مقاومة هذا السيف الذي يلج إلى أعماقهم (عب 4: 12- 13؛ أف
6: 17). الله يعلّمهم كلهم (1 تس 4: 9) بحيث لا يُقاوم كلام التعزية الذي يصل إليهم
(2 كور 8: 4، 17).
نستخلص من كل هذا أنّ نموّ الكنيسة العدديّ في العالم اليونانيّ والرومانيّ والنجاح
العجيب على مستوى المحبّة والحرارة والسلام في هذه الديانة الجديدة، يعودان إلى
خدمة الرسل. وأن هذه الخدمة ترتبط بنعمة الروح القدس وعمله ومواهبه. لقد رأى
المسيحيّون الأوّلون تحقيق الوعد الذي أعطاه يسوع للاثني عشر: "ستنالون قوّة بحلول
الروح القدس، فتكونون لي شهودًا" (أع 1: 8). فالروح القدس الذي هو نقطة البداية في
الرسالة المسيحيّة ونقطة النهاية، يفعل في القلوب فيتابع عمل يسوع المسيح الشاهد
للنور ومخلّص العالم. وتتحد الكنيسة مع الروح اتّحادًا وثيقًا جدًا بحيث إن سفر
الرؤيا يقابل علاقتهما بالعلاقة بين العروس والعريس، كما نقابلها بعلاقة النفس
والجسد بحيث لا ينفصل الواحد عن الآخر.
2- الروح القدس والحياة المسيحيّة
إذا كان الروح القدس يوجّه الكنيسة كلها وينعشها، فهو أيضًا يمارس عملاً متدانيًا
وصامتًا ومتواصلاً في قلوب المؤمنين. بما أنه ينبوع كل حيويّة وكل قدرة علويّة، فهو
ينفح الحياة الإلهيّة في جميع المؤمنين. وكما تميّز العهد القديم بسلطان الشريعة
وعبادة الحرف، كذلك يتحدّد العهد الجديد بالروح وبالحياة التي ينفحها هذا الروح (2
كور 3: 6).
في المعموديّة حيث يتكوّن المسيحيّ، يصبح المعمّد الجديد خليقة جديدة. وإلى الروح
القدس يُنسب هذا التحوّل. في هذا يؤكّد بولس الرسول أن الله خلّصنا بطريقة مجانيّة،
مرّة واحدة، بحسب رحمته، "بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي أفاضه علينا
بغزارة بيسوع المسيح مخلّصنا" (تي 4: 5- 7). فطقس التغطيس أو الرش يوصف بلفظة
"بالينجاسيس" أي ولادة من جديد، إحياء جديد بالنسبة إلى وضع تعيس وسابق. إذن، نحن
أمام تحوّل جذريّ يتيح للمعمّد الذي نال طبيعة جديدة، أن يدخل في العالم السماويّ
ويحيا حياة تختلف كل الاختلاف عن الحياة السابقة. لهذا، يشدّد النصّ على التجديد
الذي تُحدثه نعمة العماد.
فالروح القدس يجدّد المؤمن. كان انسانًا عتيقًا فصيَّره انسانًا جديدًا. ألّهه.
وكما كان روح الرب في البدء يرف على المياه لكي يُخصبها بقوّته الخلاّقة (تك 1: 2)،
هكذا يفعل الروح في التدبير المسيحيّ. هو أساس كل تجديد وكل خلاص. "أما نحن فيجب
علينا الشكر لله بلا انقطاع من أجلكم أيها الإخوة أحبّاء الربّ، لأن الله قد
اختاركم من البدء ليخلّصكم بتقديس الروح القدس والايمان الحقّ". هذا ما قالته 2 تس
2: 13. ونقرأ في روم 7: 6: "وأما الآن فقد برئنا من الناموس... بحيث نخدم بجدّة
الروح لا بعتق الحرف" (رج 2 كور 4: 16؛ كو 3: 10).
هذا العمل هو ملء العمل. وهو عميق جدًا بحيث إن بولس شدّد على هذا التحوّل التّام
فقال: الروح القدس "أفيض بغزارة علينا" (تي 3: 6). فالفعل "أ ك. ك ي و" يدلّ على
أخذ الماء الذي يُصبّ، يمتدّ، يفيض. وهو يدلّ هنا على عطيّة الروح القدس، على حلول
الروح بعطاياه (روم 5: 5). هذا الفعل استعمله بطرس ليتحدّث عن معجزة العنصرة (أع 2:
17، 33). غير أن هذه العنصرة قد صارت منذ ذاك الوقت واقعًا مستمرًا في كل مسيحيّ.
لسنا هنا أمام "بخل" (أو: تقتير) ينزل على المؤمن "نقطة بعد نقطة"، بل أمام الوفر
والفيض والغنى (روم 10: 12؛ أف 2: 4؛ 1 تم 6: 17). فكأننا في بركة نغطس فيها
فتغمرنا (أع 1: 5؛ 11: 56).
وبما أن عطايا الله لا ندامة فيها، فعمل الروح القدس لا يكون عابرًا، بل هو يفعل
على مدّ الحياة المسيحيّة. لهذا يقال إن المسيحيين قد ارتدوا (1 كور 12: 13). قد
امتلأوا (أف 5: 18). قد صاروا هيكل الروح القدس (1 كور 6: 19) الذي يقيم فيهم (روم
8: 9، 11؛ 1 كور 3: 16؛ 2 تم 1: 14). ووضعُ اليد هنا علينا من قبل الروح، هو مهمّ
ومتواصل بحيث يسمّى المؤمنون مسيحيين لارتباطهم بالمسيح، ويسمّون "روحانيين"
لارتباطهم بالروح القدس (1 كور 3: 1).
فالانسان الجديد يعارض الانسان البدني (من لحم ودم. علامة الضعف والميل إلى
الخطيئة)، الانسان الذي سيكتفي بما هو بشريّ. لأن الروح يمتلكه كله. هكذا سمّى بولس
مسيحييّ غلاطية: "أنتم الروحيون" (6: 1). لقد نلتم امتيازات العهد الجديد.
والاسرائيليّ الحقيقيّ الذي له مواعيد الحياة الابديّة، لن يكون ذاك الذي خُتن
ختانة منظورة في لحمه، في بدنه، بل ذاك الذي تجهّز قلبه لعمل الروح القدس (روم 2:
29). وكما أن الموت ارتبط بالبدن (باللحم والدم، بالعنصر البشري) ارتبط الروح
بالحياة. وهكذا حين نقول إن المسيحيين روحيّون، نعني في الوقت عينه أنهم أحياء.
أجل، الحيويّة في كل مؤمن هي مشاركة في حيويّة الروح القدس. فالمسيحيّ يسلك، يحيا،
بحسب الروح، بحسب إلهاماته (روم 8: 4؛ غل 5: 25). هنا نستطيع أن نتميّز صدق ولادته
الالهيّة. وبهذه الصفة يرتبط كل سلوكه الاخلاقيّ: "فجميع الذين يقودهم روح الله هم
أبناء الله" (روم 8: 14؛ رج غل 5: 18). إذن، نحن في الدرجة الأولى أمام روح النبوءة
أو روح التبنّي: بدلاً من أن نحيا في الخوف، كعبيد يخضعون بشكل منفعل وهم يرتعدون
من القصاص الذي ينتظرهم، فنحن أبناء الله، وقد نلنا من الروح القدس الثقة الحميمة
بأننا مع الله في علاقات حقيقيّة هي علاقة الابن مع أبيه. وهذا اليقين هو من
الوضوح، بحيث لا يتردّدون في أن يستندوا إلى هذه الامتيازات وهذه الحقوق. هم يقفون
أمام الله بثقة الاطفال وبالمحبّة التي هي ميزة الأبناء الحقيقيين، وينعمون
بالآبوّة الالهيّة. فيقول لهم بولس الرسول: "نلتم روح التبنّي الذي فيه نصرخ: أبّا،
أيها الآب" (روم 8: 15).
إن حياة يوجّهها الروح القدس لا يمكن إلاّ أن تكون حياة من التقديس: "قد تقدّستم،
قد تبرّرتم باسم الرب يسوع المسيح وروح إلهنا" (1 كور 6: 11). هذا يعني أن
المرتدّين قد طهروا من الخطيئة بفعل الروح القدس. فما عادوا ملك أنفسهم، بل تكرّسوا
لله (روم 15: 16).
والحياة حركة باطنيّة طوعيّة تتوسّع شيئًا فشيئًا وتمتدّ. إذن، يُدفع المسيحي نحو
النموّ الروحيّ، ويُدعى إلى كمال لا يتوقّف، إلى ملء حياة الله، "لأن الله وضع فينا
ختمه، وجعل عربون روحه في قلوبنا" (2 كور 1: 22) كبذار من أجل النموّ نحو الكمال.
وحين نقول إن المسيحيّ يسكنه الروح القدس، فنحن نعني أنه لا يستطيع أن يبقى جامدًا.
فنعمة عماده تتوسّع لكي تجعله يدرك ملء قامة المسيح. ونفحةُ الروح القدس الحيّة
تدفعه إلى مثل هذا التطوّر وهذا النموّ: فحيث الروح هناك ديناميّة فائقة الطبيعة،
ديناميّة الإلهام والقوّة.
وهكذا نستطيع أن نقاوم الميل إلى الشرّ، نستطيع أن نميت فينا أعمال الجسد (روم 8:
13). أن نمارس كل فضيلة. "فأقول لكم: اسلكوا في الروح، فلا تقضوا شهوة الجسد. فإن
الجسد يشتهي ضدّ الروح، والروح ضدّ الجسد... فإن كنتم تنقادون للروح فلستم بعد تحت
الناموس... أما ثمرة الروح فهي المحبّة. ثم الفرح والسلام وطول الأناة واللطف...
فإن كنا نحيا بالروح، فلنسلك أيضًا بحسب الروح" (غل 5: 16- 25).
وهكذا تُعتبر كل الفضائل كنتيجة لهذا المبدأ العلويّ الذي هو الروح القدس. فهو
بشخصه أو بعطاياه يُثمر فينا الحياة الالهيّة ويغذّيها وينميها. فما عاد المسيحيّ
فقط انسانًا ثقِّف على المستوى الاخلاقيّ، بل ابن الله الذي يمتلك قدرة الله، بحيث
يمتدّ تأثير الروح على كل صفة فيه فيروحنه بشكل تدريجيّ.
ولقد فصّل رسول الأمم بعض نتائج سكن الروح فينا وعمله. شدّد في الرسالة إلى أفسس
على القوّة المتواصلة التي ينفحها الروح فينا: "ليهب لكم على حسب غنى مجده أن
تتأيّدوا بقوّة روحه في الانسان الباطن" (3: 16). وقال في 2 تم 1: 7: "ما أعطانا
الله روح فزع، بل روح قوّة ومحبّة وامتلاك نفس". وبفضل هذا الروح، يستطيع المسيحيّ
أن يجمع في أصعب ظروف هذا العالم الشرّير، الشجاعة والفطنة، الغيرة والحنان (غل 6:
1).
وذكّر بولس الكورنثيين أن الروح يحافظ على موضوع الايمان. كما يربطنا ربطًا حميمًا
بهذا الايمان، ويدفعنا إلى إعلانه في الخارج: "ما من أحد ينطق بروح الله ويقول:
يسوع مبسل. لا يستطيع أحد أن يقول: يسوع رب، إلاّ بالروح القدس" (1 كور 12: 3).
وبما أن الايمان هو عربون ما ننتظر (عب 11: 1)، فالروح عينه يُلهم خضوع القلب
والعقل للوحي، كما يثير فينا الرجاء ويحرّكه: "فليملأكم إله الرجاء بكل فرح وسلام
في الايمان، حتّى تفيضوا رجاء بقوّة الروح القدس" (روم 15: 13). وهذا النموّ في
الفرح والسلام يتيح لنا أن ننعم مسبقًا بالسعادة الآتية، ويثبتنا في الرجاء.
ثم إن امتلاك الروح هو عربون عطيّة المجد (2 كور 5: 5). فمن وعى سكن الروح فيه،
تولّد لديه تأكيد الحياة الابديّة والقيامة. لأن الروح القدس يعمل من أجل تحقيق هذا
المصير السعيد. فهو يفهمنا أن الخيرات الأرضيّة عابرة، باطلة، ويكشف لنا العالم
الآتي الذي يسحرنا بجماله (عب 6: 4- 5). وهكذا، عندما يخضع المسيحيّ للروح، يتوجّه
إلى ملء امتلاك الله، وتصبح حياته نداء نحو الموطن الأخير: "نحن الذين لهم باكورة
الروح، نئنّ في أنفسنا منتظرين التبنّي وافتداء أجسادنا، لأننا بالرجاء مخلّصون"
(روم 8: 23- 24).
أما المحبّة فتتفرّع بشكل مباشر من الروح القدس كما من نبعها، لأنها ليست سوى فيض
حبّ الله نفسه فينا: "أفيضت محبّة الله في قلوبنا بالروح الذي أعطيناه" (روم 5: 5).
فجميع المسيحيين ينالون هذه العطيّة، ويكونون متّحدين بعضهم مع بعض حين يشاركون
فيها (روم 15: 30). امتلأوا غيرة لخدمة الله، واشتعلت روحهم بنار الروح القدس الذي
رمزت إليه ألسنة النار في يوم العنصرة (أع 2: 3). فقال القديس بولس: "كونوا على غير
توان في الغيرة، وعلى اضطرام بالروح. فأنتم تخدمون الربّ" (روم 12: 11).
فلا أسوأ من أن نطفئ هذه الشعلة (1 تس 5: 19). لأننا عند ذاك نزدري سخاء الله
المجاني وملء عطاياه تجاهنا. فحنانيا وسفيرة عوقبا لأنهما غشّا الروح القدس، كذبا
على الروح القدس (أع 5: 3، 9). وبنو اسرائيل القساة الرقاب، رُذلوا لأنهم قاوموا
دومًا الروح القدس (أع 6: 51)، فرذلوا تعاليمه وشهادته. وما أكثر عدد المسيحيّين
الذين يخونون الروح (أف 4: 30) ويرفضون الاستماع إلى نداءاته. فكأني بهم ينكرون
طبيعتهم الجديدة كـ "روحانيين" وينسون أنهم نالوا الختم الإلهيّ في يوم فدائهم. وفي
النهاية، من جدّف على الروح القدس اقترف الجريمة الكبرى التي لا تُغفر في هذه
الدنيا ولا في الأخرى.
فإذا كان الروح القدس الذي هو نور وقوّة، يقود كل الحياة الاخلاقيّة، فهو سيقود
بالحريّ العلاقات الحميمة بين المسيحيّ والله. "لنا الوصول في روح واحد إلى الله"
(أف 2: 18)، الذي هو إله محبّ يستقبلنا. يبدأ فينير النفس حول طبيعة الله
الحقيقيّة، حول كمالاته، حول مقاصد رحمته، حول الحقائق الفائقة الطبيعة، لأن "ليس
من يعرف ما هو في الله سوى روح الله" (1 كور 2: 11- 12). وقالت أف 1: 17: "يؤتيكم
إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد، روح الحكمة والوحي في معرفته". بما أن روح الله
يلج أعماق الله، فهو يستطيع أن يُدخلنا في فهم سرّه العميق، أن يجعلنا نكتشف أعمق
أفكاره.
ولكن تدخّل الروح يبدو ضروريًا بشكل خاصّ في الصلاة. فهو يقودنا ويُسندنا: يعلّمنا
ماذا نقول لله. كيف نقترب منه ونلامسه. يعلّمنا الاستعدادات اللازمة. قال القديس
بولس: "الروح يعضد ضعفنا، لأنّا لا نعرف كيف نصلّي كما ينبغي. لكن الروح نفسه يشفع
فينا بأنّات تفوق الوصف. والذي يفحص القلوب يعلم ما ابتغاء الروح، لأنه بحسب الله
يشفع في القديسين" (روم 8: 26- 27). وبما أن هذا هو سرّ الصلاة التي يستجيبها الله،
لا نستطيع أن نصلّي إلاّ بالروح: "صلّوا كل حين في الروح كل صلاة ودعاء" (أف 6:
18). وقال يهوذا في 20- 21: "أما أنتم أيها الأحبّاء، فابنوا أنفسكم على إيمانكم
الأقدس وصلّوا في الروح القدس، واحفظوا أنفسكم في محبّة الله".
والاخلاقيّة المسيحيّة كلها هي أخلاقيّة الروح القدس. فهو الذي أخذنا على عاتقه في
المعموديّة، ويوجّه كل نموّنا العلويّ على الأرض، ويقودنا إلى ملء السعادة مع الله.
هو فينا منذ الآن "عربون الحياة الأبديّة" الذي يدلّ على أننا صرنا وارثين لملكوت
السماوات. ولكن لا اللحم ولا الدم يستطيعان أن يرثا الملكوت السماويّ (1 كور 15:
50). لهذا، يمتلك الروح يومًا بعد يوم نفوسنا، فيعمل على روحنة حياتنا بقدر ما نخضع
لإلهاماته وعمله فينا. وستكون قيامةُ الموتى عملَه الأخير، فيدخل فينا فيصبح جسدُنا
روحانيًا بعد أن كان "حيوانيًا" أو "نفسانيًا". ويتميّز حينذاك هذا الجسد بالنور
والقوّة وعدم الفساد. وهكذا تقابل المجازاةُ السماويّة الحياة الروحيّة التي يحياها
المسيحي الذي وُلد ثانية من الماء والروح. فيحصد كل انسان ثمرة تكون طبيعتها كطبيعة
البذار الذي بذره: فمن زرع في الجسد، حصد الفساد من الجسد. ولكن "من زرع في الروح
حصد من الروح الحياة الابديّة" (غل 6: 8). وبما أن الروح حياة، فالروحانيّون يملكون
في طبيعتهم الحياة التي لا تزول، حياة الله بالذات.
منذ العنصرة انقسمت البشرّية على الأرض فئتين: فئة الانسان الحيواني الذي لا يفهم
شيئًا من أمور الروح (1 كور 11: 14) ويظلّ بالتالي غريبًا عن المسيح في الخارج. "من
ليس فيه روح المسيح فهو ليس له" (روم 8: 9). لهذا يسمّى "الانسان العتيق". ثم هناك
فئة الانسان الروحاني أو الانسان الجديد الذي يلتصق بالمسيح. "فالذي يقترن بالرب
يكون معه روحًا واحدًا" (1 كور 6: 17). أما المسيحيّون فيشكّلون هذه الفئة الثانية.
إنهم "في جدّة نظام الروح" (روم 6: 6). هم ينتمون إلى العهد الجديد الذي هو "العهد
الجديد في الروح" (2 كور 3: 6)، والذي يقوم خدّامه "بخدمة الروح" (آ 8). لهذا،
يتلخّص كل شيء في حياة كل مؤمن كما في انتشار الكنيسة وتنظيمها، في المسألة
الروحانيّة: لا خلاص خارجًا عن الروح.
وبما أن الحياة المسيحيّة هي حياة مع الأقانيم الإلهيّة الثلاثة، نستطيع أن نشدّد
على وحدة المؤمن مع الآب أو مع الابن. ولكن بولس الرسول يقول أيضًا: نحن "مبرّرون
في المسيح" (غل 2: 17). أو "في الروح" (1 كور 6: 3). المؤمنون يقدَّسون في المسيح
(1 كور 1: 2) أو في الروح (روم 15: 16). يعمَّدون في المسيح" (غل 3: 27) أو في
الروح (1 كور 12: 13). في الحقيقة، الروح هو روح يسوع (روم 8: 9؛ رج غل 4: 6)،
"والربّ هو الروح" (2 كور 3: 17). ومع ذلك، فإلى الروح تُنسب عطايا الله ووصولها
إلينا. لهذا نقول إن كل شيء في الكنيسة يُبنى بناء مسيحيًا، يُبنى على المسيح،
ويحيا حياة روحيّة في الروح، ويتوجّه نحو المحبّة، لأن الله هو محبّة.
الفصل السابع عشر
هل نلتم الروح القدس
وجب على بولس الآتي من فريجية أن يمرّ بالمناطق الجبلية للوصول إلى مدينة أفسس،
عاصمة اقليم آسية ومن أكبر مراكز العالم اليوناني الروماني التجارية والدينية.
التقى بولس هناك بعدد من التلاميذ الذين لم يكن قد اكتمل تعليمهم، وسألهم: "هل نلتم
الروح القدس حين آمنتم؟ فقالوا له: لا، بل لم نسمع أن هناك روحًا قدسًا" (أع 19:
2).
يمثل التلاميذ الأفسسيون اليوم أولئك المؤمنين الذين سمعوا بوجود الروح القدس
وبحضوره، وهم لا يعرفونه إلاّ بالاسم أو يذكرونه عند عمل إشارة الصليب. غير أنّ
حضور الروح القدس وعمله يشكلاّن ينبوع حياة للكنيسة وبالتالي للمسيحيين كل بمفرده.
مجيء الروح
لقد وعد المسيح اتباعه بمجيء الروح. وينقل لنا البشير يوحنا الوعد الذي قام به يسوع
قبل آلامه وموته في حديث الوداع الذي رواه على لسان المعلم أثناء العشاء الأخير
والسرّي (فصول 13- 17). حضّر المسيح تلاميذه على هذا الفراق وعزّاهم بمجيء شخص
"آخر": "وأنا سأسأل الآب فيهب لكم مؤيّدًا آخر يكون معكم للأبد. روح الحق الذي لا
يستطيع العالم أن يتلقَّاه لأنه لا يراه ولا يعرفه. أمّا أنتم فتعلمون أنه يقيم
عندكم ويكون فيكم" (14: 16- 17).
يستطرد المسيح ليقول لتلاميذه إنه ذاهب إلى الآب وإن الروح القدس سيأخذ مكانه على
الأرض. فكما كان المسيح مدة حياته الارضية أداة الوحي الالهي للانسان، كذلك يكون
الروح القدس من بعد صعود المسيح إلى السماء. وبالتالي كان حضور الله الموقت في
المسيح على الأرض شيئًا حتميًا، لأن المسيح، وهو الانسان الكامل، ما كان ليستطيع أن
يبقى على الارض إلى الأبد مع المؤمنين.
كان مجيء الروح منتظرًا منذ البدء. فاليهود عرفوا منذ مئات السنين أن الروح سيحلّ
على البشر مع مجيء المسيح. ترك الأنبياء أمثال حزقيال ويوئيل، في اطار نبوءاتهم
المسيحانية، شعلة الأمل حيّة في قلوب المؤمنين إذ تنبأوا بأنّ الله سيفيض روحه
ليجدّد العالم الذي خلقه. ونعلم أن النبوءة قد تحقّقت: لقد نزل الروح القدس على
المسيح يوم عماده في الاردن بشكل حمامة. كان ذلك علامة ليجعل من يسوع "مسيحًا"
(Christ). وكما أن وعد المسيح قد تحقّق واكتمل في يسوع، كذلك انتظار الانبياء قد
تجلّى في حلول الروح القدس على التلاميذ عندما اختبروه يوم العنصرة.
مع أنّ يسوع صعد بالجسد إلى أبيه، بقي حضور الله مستمرًا بطريقة جديدة حسب وعد
المسيح لتلاميذه. أجل، لقد تمّ هذا الوعد عندما عاد التلاميذ إلى أورشليم بعد
الصعود وانتظروا هناك. ويقدّم لنا سفر أعمال الرسل نصًا يوضح لنا فيه تتمة هذا
الوعد: "ولما أتى اليوم الخمسون، كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد، فانطلق من
السماء بغتة دويّ كريح عاصفة، فملأ جوانب البيت الذي كانوا فيه، وظهرت لهم ألسنة
كأنها من نار قد انقسمت فوقف على كل منهم لسان، فامتلأوا جميعهم من الروح القدس،
وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم، على ما وهب لهم الروح القدس أن يتكلموا" (2: 1-
4). يظهر لنا من قراءة هذا النص أننا في إطار العهد القديم حيث يتجلى حضور الله في
العناصر الطبيعية الخارجية. تذكرنا "النار" بالعلامة التي أعطاها الله لموسى في
العليقة المشتعلة، وبحضور الله مع العبرانيين في الصحراء إبان خروجهم من مصر. لكننا
نجد هنا مظهرًا جديدًا مميّزًا: لقد انقسمت النار ووقفت على كل واحد بمفرده. ليس
حضور الله ببعيد عنّا، بل إنه يسكن في الشعب المسيحي بطريقة خاصة كعربون لتلك
العلاقة التي حصلنا عليها في المسيح. كان الله قبل مجيء المسيح حاضرًا بين شعبه
ولكنه مفصول عنه. أمّا الآن فقد أصبح واحدًا معه. نستخلص في القول إذا كان وضعنا
تشابهًا بين الله والانسان: لقد أصبح الانسان تلك العليقة المشتعلة بنار اللاهوت
وبقي غير محترق بالنار. لقد اختار الله أن يسكن فيما بيننا بهذه الطريقة لتكون
علامة الوحدة بينه وبيننا.
هدف الله في خلقه الانسان أن يكون معه إلى الابد؛ ولكنّ هدفه باء بالفشل بسبب
الخطيئة. وهذا ما دعا ابن الله أن يأتي إلى العالم ليحلّ عقدة آدم ويحرّره من
معصيته وينشله من سقوطه. نجح المسيح في عمله اذ نتج عن ذلك العمل إرسال الروح
القدس. كما أننا نلمس الآن لمس اليد أنّ ما أعدّه المسيح في حياته على الارض يدخل
في حيّز الكمال. فحضور الروح في حياتنا هو تتميم لمخطط الله الخلاصي لنا. قال
القديس اثناسيوس الاسكندري: "لقد أصبح الله انسانًا ليجعلنا أهلاً لقبول الروح
القدس".
تدلّ هذه الخبرة الوحيدة لمجيء الروح القدس، لنا نحن اتباع المسيح، على بدء حياة
الكنيسة كما نعرفها اليوم. ليست الكنيسة جماعة بشرية مرتبطة بالمعتقدات نفسها فحسب،
بل إنها تؤلّف جسمًا حيًا في المسيح لأن روحه يحيا فيها. وبالتالي، إننا أحياء في
المسيح، ليس لأننا نسير معه في الجسد أو لأننا نتبعه، بل بالاحرى لأن الروح القدس
يحركنا ويدفع الحياة فينا. فالروح الذي شوهد في عماد يسوع هو الروح نفسه في
الكنيسة، وهو الذي يخلقها ويعطيها الحياة الالهية. فالكنيسة بالتالي، والروح القدس
"نسمتها"، تصبح اكتمال تجسّد الله في العالم.
تحتفل الكنيسة المسيحية بمجيء الروح القدس يوم العنصرة أو الخمسين، ويمثّل هذا
العيدُ نقطة الذورة في السنة الليتورجية، بينما يقيم اليهود يومَ الخمسين احتفالاً
للعهد الذي قطعه الله مع شعبه على جبل سيناء. أصبح اسرائيل، من خلال هذا العهد، شعب
الله، وتسلّم عطيّة الشريعة. يشدّد هذا العيد بالتالي على قصد الله، ليس لأنه حرّر
شعبه من العبودية فحسب (هذا معنى "الخروج" Exodus)، بل لأنه دخل معه في علاقة ودّية
ومستمرة، أي أنه قطع معه عهدًا أبديًا. تحتفل الكنيسة، من جهة أخرى، في عنصرتها
الجديدة بعطاء الروح القدس الذي يشكّل المخطط نفسه الذي رسمه الله. لا يقوم هذا
التدبير على إعتاقنا من الموت فحسب (هذا معنى "الفصح" Pascha)، بل على قطع عهد جديد
معنا يختمه الرب بسكنى روحه القدوس فينا.
يؤلّف حلول الروح النقطة الذروة في كشف الله لنفسه، كذلك يغدو موسم العنصرة كمال
عيد فصح الكنيسة. لقد جعلت القيامة علاقة حميمة بين الله والبشر. ثم تحقّقت هذه
العلاقة بمجيء الروح الذي سكن فينا. إن الروح، الذي لم يعطَ حسيًا حتى تمجيد يسوع،
يفجِّر الآن من المسيح القائم من بين الاموات انهارًا من الماء الحيّ لحياة
المؤمنين (راجع يوحنا 7: 37- 39). وللتشديد على الظوَاهر الحيّة لحضور الروح القدس
اعتمدت بعض الكنائس البيزنطية عادة تزيين الكنائس بالاغصان الخضراء والزهور في يوم
العنصرة.
تقيم الكنيسة البيزنطية في الوقت نفسه احتفالاً بظهور الثالوث الاقدس يوم العنصرة.
يختبر المؤمنون لأول مرة حضور الروح القدس المختلف. لقد عرف تلاميذ يسوع الله الآب،
واعترفوا بيسوع ابنه المتجسد، والآن يلتقون بالروح القدس ويرونه كشخص "آخر". لقد
أظهر المسيح بإرساله الروح أنّ الله ثالوثًا (ثلاثة أقانيم في إله واحد).
تحيا الكنيسة من الروح الذي يعمل فيها من خلال كل شيء تعمله بايمان. لا يملك
المؤمن، بالرغم من ذلك، صورة واضحة للروح ليتأمله كما يتأمّل صورة المسيح. نحن نرى
في يسوع شخصه المتجسد، ونروي باستمرار حياته العلنية، ونكرر كلامه، ونرسم ايقوناته،
وننظر في عينيه... غير أنّ الروح يبقى لنا مجهولاً "مغفلاً" لأنه لم يصبح بشرًا. لا
نستطيع بالتالي أن نصفه أو نرسم أيقونته. ينتج عن ذلك أنّ وجوده الشخصي يبقى سريًا
وخفيًا وغير موصوف. فنشعر به وبحضوره من خلال أعماله التي نختبرها في الكنيسة.
الطريقة الشعرية هي السبيل الوحيد للكلام عن شخصية الروح. لقد كشف لنا الروح عن
ذاته من خلال الصور: "حمامة" في عماد يسوع في الاردن، "ريح وألسنة نار" يوم
العنصرة. من الواضح أن هذه التشابيه تعود إلى بعض مظاهر أعماله التي نعرفها. يستعمل
يسوع صورة أخرى عندما يصف خبرتنا بالروح، ويتخذ مثل "العماد" (أع 1: 5)، أي "الغطس"
في علاقة وثيقة مع الروح. لقد شبّه الانبياء الروح بالذي "يمسح" مختاريه، وهي صورة
تعبّر عن "تعبئة" وعن الدخول في الشخص. إنّ الانسان الذي يحصل على هذه المسحة يصبح
"ممسوحًا" أو "مسيحًا". نجد هذه الصورة مكتملة فينا عندما نحصل على سر الميرون
المقدس أو التثبيت، ونُمسح بالروح القدس لنصبح مسحاء آخرين.
يتكلّم القديس بولس عن الروح القدس ويشبهه بختم في علاقتنا مع الله. وتستعمل
الكنيسة البيزنطية هذه الصورة في سر الميرون المقدس عندما يمسح الكاهن المعتمد بزيت
الميرون معلنًا: "ختمُ موهبة الروح القدس". يصبح المعمّد خاصة الرب عندما يختمنا
الرب بروحه. فالروح القدس هو، بحسب القديس باسيليوس الكبير، "عربون الميراث الآتي
وباكورة الخيرات الابدية" (الليتورجية الالهية). ويدعوه الرسول بولس "الضمانة" لأن
نحصل على الحياة الابدية: إنه "عربون ميراثنا، وهو الذي يعدّ فداء خاصته للتسبيح
بمجده" (أف 1: 14).
يقول القديس يوحنا الدمشقي، إن الروح إله حقيقي "مساو للآب والابن في كل شيء... لأن
له كل ما للآب والابن، عدا اللاولادة والولادة" (الايمان الارثوذكسي، الكتاب الاول،
المقالة الثامنة 9). غير أننا لا نعلم كيف أن الروح يتعلق بالآب والابن ما عدا
الانبثاق والرسالة. لقد كُتب الكثير عن تلك العلاقة ولكننا نعلم الشيء اليسير من
الوحي لأن عمل الروح يشير إلى المسيح وليس إلى نفسه. إنه يبقى لنا السر المخبَّأ،
والكنز الدفين بدون اسم، والشخص الذي لا نستطيع أن نعرفه، وكما يقوله عنه القديس
سمعان اللاهوتي الجديد: "أنه مخبَّأ في ألوهيته، وظاهر في أعماله فقط".
عمل الروح
يأتي الروح إلينا ليس ليسكن فينا أبديًا فحسب، بل بالاحرى يأتي ليتحد فينا بطريقة
حميمة. يقول القديس بولس في هذا الصدد: "إن روح الله يحلّ فيكم" (1 كور 3: 16)،
ويعطي بالتالي حضوره حياة للكنيسة. يذكّرنا سفر التكوين بأنه عندما نفخ الرب على
الخواء، بدأت الخليقة الأصلية تأخذ كيانًا. ينفخ الله للمرة الثانية روحه على
الأرض، وفي "ذلك الدوي كريح عاصفة" تنبعث فيها الحياة الجديدة.
نؤمن بأن الروح يحيي الكنيسة ويقوّيها ويفعّلها. كما كان حضور المسيح الارضي يعطي
قوة وشجاعة للذين تبعوه في الجبل، كذلك حضور الروح يمنح قوة جديدة للكنيسة. لا ننسى
أن حياة الروح القدس ظهرت على الارض بطريقة دراماتيكية ومؤثّرة. نقرأ في سفر أعمال
الرسل أن الذين حلّ عليهم الروح يوم الخمسين اختبروا تغييرًا تامًا وجذريًا. لقد
انقلبوا من أناس خائفين مذعورين إلى أشخاص ينشدون عظائم الله بجرأة واقتناع. لقد
زال التردد لأنهم ليسوا وحيدين؛ لا يحتاجون بعد الآن أن يتّكلوا على قواهم الشخصية
ومواهبهم فحسب، لقد حصلوا على حياة جديدة فيهم هي حياة روح الله. لقد أثّر حلول
الروح القدس في نفس هؤلاء الأشخاص كما تنبأ العهد القديم ووعد المسيح بذلك. هذه
كانت العنصرة الأولى.
تعبّر حياة الروح في الكنيسة عن مفاهيم كثيرة. فالروح هو ينبوع كل قداسة وكل قدرة
ومصدر جميع المواهب التي نحصل عليها. نقول في سحر يوم الاحد: "الروح القدس ينبوع
الكنوز الالهية" (أناشيد المراقي، اللحن السابع). نستطيع القول إنّ كل شيء جيد وحسن
نقوم به في الكنيسة يصدر عن الروح. ترتل الكنيسة يوم العنصرة ترنيمة تشدّد فيها على
دور الروح القدس وعلى ارتباطنا به في كل شيء: "إنّ الروح القدس يهب كل شيء: يفيض
النبوءة ويكمّل الكهنوت. يعطي الحكمة للأميين ويظهر الصيادين متكلمين باللاهوت. وهو
يرتّب كل نظام الكنيسة. فيا أيها المعزّي المساوي للآب والابن في الجوهر والعرش
المجد لك" (الغروب، قطع المزامير).
تأتي أول موهبة الروح نتيجة لقول المسيح الذي وعد به تلاميذه، أن الروح سيجعلهم
يفهمون كل شيء عنه: "هو يشهد لي" (يو 15: 26). كما أنه "يعلمكم جميع الاشياء
ويذكركم جميع ما قلته لكم" (يو 14: 26). إن الرسل الذين سبق لهم أن شاركوا يسوع في
حياته على الأرض يحفظون ذكرى ما عمله وقاله، وسيساعدهم روح المسيح القائم من بين
الاموات على ادراك معنى أعماله العميق. سيجعلهم أيضًا هذا الروح يدركون تدريجيًا
حقيقة يسوع ومعنى الاشياء وصلتها بيسوع. تأخذ بالتالي جميع الاحداث والنبوءات
والتعاليم مكانها في فسيفساء رسالة البشرى الانجيلية، ويجد الرسل أنفسهم مشاركين
للمرّة الاولى في اعلان هذه البشارة. لا تقوم شهادة الرسل على التعليم بجرأة فحسب،
بل إنها ترتكز على الفهم والحقيقة. وراح الرسل على مرّ الزمن يدوّنون هذه البشرى
تحت إمرة الروح القدس. ثم اعترفت الكنيسة في الاجيال التالية بحضور الروح في هذه
الكتب ودعتها كتبًا موحاة.
الروح القدس هو روح الحق الذي يجعل الانجيل معروفًا في العالم. إنه أيضًا واهب
الحياة، "وبه تتفجّر مجاري النعمة وتروي الخليقة كلها للحياة المحيية" (أناشيد
المراقي للاعياد). لقد سكن الروح القدس فينا منذ العنصرة، ويعطينا الحياة الالهية
ويشركنا في الطبيعة الالهية. فالروح القدس هو المقدّس الذي يجعلنا نقترب من القدوس
لنكون قديسين. ونصبح، كما هي الكنيسة، "أمّة مقدسة"، و"شركة القديسين"، هذا الشعب
المقدس بقدرة روح الله وفعله.
إننا ندرك أن الروح القدس هو ينبوع القداسة في الكنيسة عندما نؤلف الجماعة
"الليتورجية". عندما تجتمع الجماعة المسيحية للعبادة، يعمل فيها الروح القدس ليكون
ملكوت الله حاضرًا على الارض. تعبّر الجماعة المتعبدة من خلال هذه النعمة العظيمة
عن حقيقة الكنيسة وعن محتواها: إنها شعب واحد في المسيح، يقف أمام الله الآب في
شركة الروح القدس. بالاضافة إلى ذلك، يفقد اجتماعنا الليتورجي معناه بدون الروح
القدس لأننا نجتمع وحدنا للصلاة. بينما يحقق حضور الروح معنا حياة الله ويجعلها
حاضرة فينا. وهذا ما نعبّر عنه في بدء احتفالاتنا الليتورجية في الكنيسة البيزنطية
عندما نستدعي الروح القدس في هذه الصلاة الجميلة "أيها الملك السماوي،..." ندل في
طلبنا "هلمّ واسكن فينا" على أن يكون الروح حاضرًا في جماعتنا المصلية ويجعل منها
أكثر من جماعة أشخاص ترفع صوتها للصلاة. إننا نبتهل إليه بأن تصبح الصلاة قناة توصل
حياته إلينا. يستجيب الرب لهذا الدعاء عندما نرفعه بإيمان كما يؤكده لنا الرسول
بولس: "كذلك فإن الروح أيضًا يأتي لنجدة ضعفنا لأننا لا نحسن الصلاة كما يجب ولكن
الروح يشفع لنا بأنّات لا توصف" (روم 8: 26).
لا نصلي عمومًا إلى الروح القدس في خدماتنا بعد هذا الدعاء في بدء الصلوات. يدل ذلك
على أننا نؤمن بأن هذه الصلاة قد استجيبت، وأن الروح يصلي الآن معنا وفينا. تدفعنا
هذه الثقة إلى أن نرفع الدعاء إلى الله الآب الذي هو ينبوع الألوهية ومنه يأتي
الابن والروح القدس. يزيدنا هذا الوعي إيمانًا بأن الروح يعمل في وسطنا كلما
اجتمعنا، إذ إنّا متيقّنون بأن الاسرار المقدسة هي نقطة الذروة في العبادة
المسيحية. نعترف أنه من خلال الاسرار يعمل الروح ليغيّر المؤمنين بطريقة سريّة.
ليست الاسرار شعائر وطقوسًا يعبّر من خلالها المؤمنون عن تقواهم وإيمانهم فحسب، بل
إنها لقاءات صوفية (Mystique) أسرارية مع الله. لا ينفك الروح في هذه اللقاءات من
أن يجيب الكنيسة في تغيير المؤمنين بقدرته الالهية. يعلن الشماس في الليتورجيا
المارونية بتعابير قويّة عن هذا التعبير عندما يستدعي الكاهن الروح القدس على
القرابين: "ما أرهب هذه اللحظات، أيها الاحبّاء. سينزل الروح القدس ويظلّل هذه
القرابين المعدّة لتقديسنا". ندرك أن الاسرار المقدسة في عبادة الكنيسة هي الاحداث
التي يعمل من خلالها الروح القدس مباشرةً ليقدّس الشعب. روح الحق وواهب الحياة
للكنسية هو أيضًا المؤيد، كما يدعوه المسيح (راجع يو 14: 16). يستعمل الانجيل كلمة
(Paraklètos) "البارقليط" وهو لفظ يوناني مقتبس من لغة القانون يدلّ على من يُستدعى
لدى المتهم للدفاع عنه. فالروح القدس هو المحامي والمساعد والمدافع، والمعزي
والشفيع؛ إنه حاضر دائمًا للقيادة وعند الحاجة، وهو حسب التعبير الرياضي "المدرّب"
المسؤول في فرقته.
يقود الروح الكنيسة ويدعمها في بحثها لتخدم الرب. إنه الروح المؤيد الذي يقف بجانب
الرسل والآباء ليدلهم على الاتجاه الذي تمشي على خطاه الكنيسة في تفسيرها التقليد
المقدس وتحديده. عندما نظر الرسل في مسألة "تهويد" المسيحيين وإجبارهم على اتباع
الطقوس اليهودية، نراهم يعبّرون عن قرارهم بالوجه التالي: "فقد حسن لدى الروح القدس
ولدينا إلاّ يُلقى عليكم من الاعباء سوى ما لا بدّ منه" (أع 15: 28). كان الرسل
متيقّنين أن الروح واقف بجانبهم ليساندهم ويقودهم؛ لقد اتكلوا على مساعدته ووجوده
بينهم (لا تزال المجامع المسكونية تستعمل الطريقة نفسها لإعلان قراراتها!).
تابعت الكنيسة بعد الرسل اتكالها على مساندة الروح لها ليوضح السبيل أمامها، خصوصًا
حين كانت تلتئم في مجامع وسينودسات. علينا أن نشدّد على أن هذا الوعي بوجود الروح
لم يكن متوفرًا لدى جميع رجالات الكنيسة، ويعلمنا تاريخ الكنيسة بأن ذلك الوعي كان
لدى أولئك الذين قضوا حياتهم باتصال وثيق بالله. لنأخذ مثالاً. عندما فهم معلمو
كنيسة أنطاكية إرادة الروح، كان ذلك عائدًا إلى ارتباطهم ووعيهم بالروح. يصف لنا
سفر أعمال الرسل هؤلاء "فبينما هم يقضون فريضة العبادة للرب ويصومون، قال لهم الروح
القدس: أفردوا برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه" (13: 2). هكذا، حيثما واصلت
الكنيسة بحثها عن إرادة الروح وسارت في اتجاهه، جاءت أعمالها مطابقة له وبقيت
للمؤمنين ركيزة في مسيرتهم المسيحية. وحيثما بحث المؤمنون في تسيير أعمال الكنيسة
بدون اتصال مع الروح، زالت أعمالها معهم. لقد توخّى الروح القدس أن لا تبتعد
الكنيسة عن المسيح أبدًا. فكما قلنا سابقًا تدلّ أعمالها على اتصالها أو ابتعادها
عن وجود روح الله فيها. يعطينا غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم صورة رائعة عمّا
يحصل في الكنيسة عندما تضع ثقتها في الروح المؤيد: "بدون الروح القدس، يبقى الله
بعيدًا، والمسيح في الماضي. يصبح الانجيل حرفًا مائتًا. تغدو الكنيسة مؤسّسة فقط،
وتصبح السلطة مسألة سيطرة، والرسالة قضيّة دعاية والليتورجيا ذكرى والحياة المسيحية
عبودية خلقية. بينما بالروح القدس، يقوم الكون ويئن بآلام ولادة الملكوت، وينهض
المسيح فينا. ويصبح الانجيل ينبوع حياة، وتظهر الكنيسة حياة الثالوث. وتصبح السلطة
خدمة تحرير، والرسالة عنصرةً. وتغدو الليتورجيا ذكرانية وتسبق الحدث. ويصبح العمل
الانساني مؤلهًا" (راجع خطابه إلى مجلس الكنائس العالمي 1968).
يعمل الروح القدس في الكنيسة بطرق كثيرة: إنه يُلهم ويقدّس ويقود. يقوم بعمله من
خلال المواهب المختلفة التي يغدقها على المؤمنين. يروي لنا سفر أعمال الرسل على أن
كل مؤمن قد وُهب نعمة خاصة في سبيل هدف عام أي بنيان الكنيسة. وهذا ما دفع بولس إلى
التشديد على هذه الفكرة في رسالته الاولى إلى أهل كورنتوس: "إن المواهب على أنواع
وأما الروح فهو هو، وإن الخدمات على أنواع وأما الربّ فهو هو، وإن الاعمال على
أنواع وأما الله الذي يعمل كل شيء في جميع الناس فهو هو. كل واحد يتلقّى من الروح
كلام حكمة، والآخر يتلقى وفقًا للروح نفسه كلام معرفة، وسواه الايمان في الروح
نفسه، والآخر هبة الشفاء بهذا الروح الواحد، وسواه القدرة على الاتيان بالمعجزات،
والآخر النبوءة، سواه التمييز ما بين الارواح، والآخر التكلم باللغات، وسواه
ترجمتها. وهذا كله يعمله الروح الواحد نفسه موزّعًا على كل واحد ما يوافقه كما
يشاء" (12: 4- 11). كذلك بكلام موجز في رسالته إلى الرومانيين: "... ولنا مواهب
تختلف باختلاف ما أعطينا من النعمة: فمن له موهبة النبوّة فليتنبّأ وفقًا للإيمان،
ومن له موهبة الخدمة فليخدم، ومن له التعليم فليُعلّم، ومن له الوعظ فليعظ، ومن
أعطى فليُعط بنيّة صافية، ومن يرئس فليرئس بهمّة، ومن يزحم فليرحم ببشاشة..." (12:
6- 8).
ثم يتابع بولس في رسالته الاولى إلى الكورنتيّين الكلام عن الخدم الكنسيّة المرتبطة
بالمواهب التي أفاضها الروح فيها. هناك الرسل والانبياء والمعلّمون والرعاة
والمبشّرون والشافون وصانعو العجائب. هناك أيضًا الذين لهم مواهب الاسعاف وحسن
الادارة والتكلّم بلغات (راجع 1 كور 12: 28). نجد أكثر هذه الخدمات في كنيسة اليوم
بالاضافة إلى تلك التي وُجدت منذ أيام الكنيسة الاولى. لم تُمنح المواهب للخير
الفردي ولكنها أعطيت للخير العام. أجل، إنها مُنحت لا للمنافسة بل لتعمل معًا
"لبنيان الجماعة" (1 كور 14: 12).
يشبّه بولس تنوع المواهب بعمل الجسد المؤلف من أعضاء كثيرة، حيث لكل عضو دور خاص به
ومكمّل للعضو الآخر. لقد أعطي لكل واحد منا أن يجرع من كأس الروح كيلاً مختلفًا،
حتى نستطيع أن نُغني الجميع. زد على ذلك أنّ هذه المواهب المعطاة إلى الافراد في
جسد المسيح هي ممنوحة إلى الكنيسة ككل. يقول القديس باسيليوس في كتاب "القوانين
المطوّلة" الذي وضعه في الجيل الرابع الميلادي: "لمّا كان يمتنع على الشخص الواحد
أن ينال كل المواهب الروحية، وكانت مواهب الروح تُعطى على مقدار إيمان كل إنسان
(روم 12: 6)، كان أنّ موهبة كل واحد تصبح في الحياة المشتركة شائعة بين الجميع:
"فيعطى واحد كلام الحكمة، وآخر كلام العلم، وآخر الايمان، وآخر مواهب الشفاء..." (1
كور 12: 8- 10). وأنّ من ينال موهبة من هذه المواهب لا ينالها لأجل نفسه بل بالحرّي
لأجل الآخرين..." (السؤال السابع، $2).
الروح القدس في حياة المؤمن
يعمل الروح القدس من خلال عملنا في الكنيسة ويقودنا ليجعل منّا أمَّة مقدّسة. لا
يسكن هذا الروح في كنيسة "خيالية" ومبنيّة على النظريات ومختلفة عنا نحن أعضاءها.
لكنه يسكن بيننا وفينا خاصّة نحن الذين "خُتمنا" به في سر الميرون المقدس. يقول
بولس إن الجماعة المسيحية كلها وإن المؤمن الفرد أيضًا "هيكل الروح القدس" (راجع 1
كور 3: 16 و6: 19). يمنح الروح المواهب لكل مؤمن يسكن فيه، وأساس هذه المواهب هو
الايمان. فالمسيرة التي نتخذها لنسير في خطى الروح ونودع ذواتنا وبعضنا بعضًا
للمسيح الاله، تأخذ خطها من روح الرب. يقول بولس: "... لا يستطيع أحد أن يقول:
"يسوع رب" إلاّ بإلهام من الروح القدس" (1 كور 12: 3). الروح العامل فينا وحده قادر
على أن يعلمنا أن نرى يسوع ربًا وسيد الخليقة وملكنا.
يعي المؤمن في مسيرة الايمان هذه أنه خاطئ، ويتحقّق بالوقت نفسه أن الله كلي
القداسة وأنه بعيد عنه في رغباته وأشواقه وأعماله. وإذا ما حصل على وجود الروح يحسّ
بمعنى الخطيئة فيه وفي المجتمع حوله. يشعر المسيحي حينئذ بالحاجة لأن يمضي وقتًا
أطول من حياته بالتوبة، ويركز مجددًا على وضعه ويكون أهلاً لأن يُدعى "هيكل الروح".
فالنمو في الايمان يعني للمؤمن أيضًا النمو في ادراك طبيعته الخاطئة.
يحقّق لنا هذا الوعي أن المسيح قد سامحنا. تأتينا هذه النظرة من الروح القدس إذ هي
موهبة من مواهبه الكثيرة. أجل، إنها الثقة والدالة بأن محبة الله لنا تفوق خطيئتنا؛
وهذا أيضًا من عمل الروح القدس فينا الذي يجعلنا ندرك معنى وجودنا "بالمسيح".
يخوّلنا اتحادنا بالمسيح التأكيد بأنّ خطيئتنا قد غُفرت لنا وأننا أصبحنا أولاد
الآب السماوي. يكتب بولس: "إن الذين ينقادون لروح الله يكونون أبناء الله حقًا. لم
تتلقوا روح عبودية لتعودوا إلى الخوف، بل روح تبنٍّ به ننادي: أبّا، يا أبت! وهذا
الروح نفسه يشهد مع أرواحنا بأننا أبناء الله" (روم 8: 14- 16). تقوم موهبة الروح
الاولى التي أعطيت لكل مؤمن على أساس هذا الادراك أنه دُعي في المسيح وأنّ المسيح
يطلب إليه جوابًا على هذه الموهبة. يشير ذلك كله أن الله قد أحبنا بابنه الوحيد
وسامحنا عن خطيئتنا وها هو الآن يدعونا لأن ندخل من جديد في شركته.
يأتي هذا النمو في الايمان بالدرجة الاولى بواسطة الصلاة، وهي أيضًا موهبة من مواهب
الروح. نكتشف، كلما تقدّمنا في حياة الصلاة، أننا غير مؤهلين لأن نرفع الشكر إلى
الله أو أن نطلب إليه حاجاتنا، إذ تنقصنا تعابير الدعاء. وهنا يأتي عمل الروح:
"كذلك فإن الروح أيضًا يأتي لنجدة ضعفنا لأننا لا نحسن الصلاة كما يجب، ولكن الروح
نفسه يشفع لنا بأنّات لا توصف. والذي يختبر القلوب يعلم ما هو نزوع الروح، فإنه
يشفع للقديسين بما يوافق مشيئة الله" (روم 8: 26- 27). هذا هو موضوع أسبوع الصلاة
من أجل "وحدة المسيحيين" لهذه السنة 1998.
لا نصلي لوحدنا، بل الروح يحرك فينا الارادة لنسأل الله ما نحتاجه. إنها نعمة عظيمة
لنا وتعزية لقلوبنا عندما نتحقّق أن الروح يشركنا في صلاته. كما أن الروح حاضر في
حياتنا الشخصية كذلك هو موجود في وسط الجماعة المسيحية! وإذا ما لاحظنا أن صلاتنا
غير مقبولة، يغدو عمل الروح "شاقًا" ليجعل منها موافقة لمشيئة الله!
تعتبر "صلاة يسوع" الصلاة الشخصية المفضّلة في التقليد البيزنطي، التي تتألف من
الجملة التالية: "أيّها الرب يسوع المسيح ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ". ترتكز هذه
الصلاة على حضور الروح المحيي الدائم، إذ إنّ المؤمن لا يعبّر عن شعوره الخاص أو
إبداعه الشخصي من خلالها. ويدعوه التقليد الكنسي إلى ترداد هذه الصلاة الجميلة مرات
كثيرة في بحر اليوم وفي كل عمل يقوم به. يتحرك الروح فينا ليعيد السلام إلى قلوبنا
حين ندرك من هو الله، ومن نحن في حضرته!
والموهبة التي يريد الروح منحها إلى جميع المؤمنين هي "المحبة" التي يدعوها القديس
بولس "أعظم" المواهب (رج 1 كور 13: 1- 13). ستتوقف النبوءات، وتصمت الالسن، وتزول
المعرفة. لقد أعطيت هذه المواهب حينًا من الزمن لتبني الكنيسة، ولكنها لا تدوم.
فالمحبة، وهي الموهبة الممنوحة لنموّ المؤمنين الشخصي، تُعطى لتدوم إلى الابد. إنها
العلامة الاساسية لحضور الروح فينا والتي بدونها يفرغ معنى كل ظاهرة روحية أخرى.
إنها الاصالة التي تضفي على كل عمل مسيحي صفته الشرعية، ويجعل بالتالي فقدان المحبة
ذلك العمل ناقصًا.
فالذين تعلّموا أن يضعوا ثقتهم في الرب، وأن يعيشوا بالروح، وأن يحبّوا باسم الله،
يعكسون صورة هذه الصفات في حياتهم. فإنهم يطوّرون الصفات التي تدل على وجود الروح
المحيي فيهم: "أمّا أعمال الجسد فإنها ظاهرة، وهي الدعارة والزنى والفجور، وعبادة
الاوثان والسحر والعداوات والخصام والحسد والسخط والمنازعات والشقاق والتشيّع،
والحسد والسكر والقصف وما أشبه. وأنبهكم، كما نبهتكم من قبل، على أن الذين يعملون
مثل هذه الاعمال لا يرثون ملكوت الله. أما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام
والصبر واللطف وكرم الاخلاق والايمان، والوداعة العفاف... فإذا كنّا نحيا حياة
الروح، فلنسر أيضًا سيرة الروح" (غل 5: 19- 23، 25).
يحمل الروح ثمارًا في الذين يتجاوبون مع مواهبه، كما جاء في مثل الزارع كما أورده
المسيح، إذ يهب الروحُ الجميعَ نعمه. وحيث يجد الزرع قلبًا متأهبًا وعقلاً ناشطًا،
فإنه يتأصل في المؤمن ويحوّل حياته، ويُظهر المواهب التي يضعها بولس في لائحة ثمار
الروح.
يُسمّي الآباء القديسون العمل المشترك بين الروح القدس والمؤمن "التعاون"
(Synergy). يرسل الله المواهب إلى المؤمن وينتظر منه جوابًا سلبيًا أو إيجابيًا،
لأن الله لا يجبر أحدًا على قبول هذه المواهب واستعمالها. يقول القديس اثناسيوس:
"لا نخسر طبيعتنا البشرية عندما نحصل على الروح". وتعمل قوّة الموهبة من جهة ثانية
في الذين يقبلون المعطي في حياتهم فقط. يصف لنا القديس غريغوريوس النيصي هذا
التعامل السري بين الروح والمؤمن: "لا تقدر نعمة الله أن تفتقد الذين يهربون من
الخلاص. كما لا توجد فضيلة انسانية قوية ملائمة لتحمل النفوس التي رفضت النعمة على
القيام بحياة حقيقية أفضل... لكن، عندما تجتمع الاعمال الصالحة ونعمة الروح معًا،
فإنها قادرة على أن تفيض في نفس المؤمن الحياة السعيدة". يُفهم من ذلك أنه عندما
يعمل الله والمؤمن معًا، فمواهب الروح تحمل ثمارًا كثيرة. وعندما لا يتم هذا
التعاون، يبقى شكل الشعائر المسيحية الخارجي محفوظًا فقط. والفرق بين حياة مليئة من
الروح والقيام بالاعمال المسيحية بطريقة ميكانيكية، هو درجة التعاون التي تحصل بين
الروح وبين المؤمن المدرك بأن الروح يعمل فيه تلك الاعمال.
وعي المؤمن لحضور الروح
لا تزال الكنيسة (وكذلك المؤمنون) تختبر مواهب حلول الروح عليها يوم العنصرة وعمله
في مسيرتها. لقد نال المؤمن الروح القدس عندما حصل على سر العماد، وارتبط به من
خلال سر الميرون المقدس. يستطيع كل مؤمن أن يوثِّق علاقته بالروح ليصبح هيكلاً
لسكناه. وهكذا يغدو سر الميرون التعبير الاسراري لهذا الاشتراك السرّي (Mystique)
في الروح القدس. تُبنى العلاقة من خلال هذا السرّ بين المؤمن والروح الذي لم يكن
حاضراً قبلاً، كما أننا في العماد ندخل في وحدة جديدة مع المسيح. يصبح المؤمن هيكل
الروح الساكن فيه، وتبدأ حياة جديدة في الروح.
يُعطى سر الميرون المقدس في التقليد البيزنطي بطريقة بسيطة مرتبطة مع سر العماد.
يصلي الكاهن على المعتمد ويقول: "... هب له ختم موهبة روحك القدوس القدير والمسجود
له"، ثم يمسح جسمه بزيت الميرون المقدس. أدخل الميرونُ في الكنيسة الاولى ليمثِّل
حضور الروح الذي ينفذ في المؤمن. كما أن يسوع هو المسيح أي "الممسوح" لأن روح الله
كان فيه، كذلك المؤمن يصبح "مسيحًا آخر" عندما يحصل على الميرون. ينفذ الروح فينا
من خلال هذه المسحة ويسكن فينا بطريقة لا توصف. يقول القديسة كيرلس الاورشليمي:
"انتبه ألا تقع في خطأ وتحسب الميرون كسائر الطيوب. فكما أن الخبز الافخارستي ليس
بخبز عادي بعد استدعاء الروح القدس، كذلك الميرون المقدس لم يعد طيبًا فحسب بعد
الاستدعاء، بل أيضًا هو موهبة المسيح الذي يجلب معه حضور الروح القدس بعمله الالهي"
(التعاليم الاسرارية 3: 3).
إنه من الهام جدًا لحياتنا الخاصّة مع الله أن نحصل على الروح في عمادنا، كما أننا
لا نستطيع بدون هذه الموهبة أن نصل إلى ملء شركتنا مع الله التي تأتينا في المسيح.
بالرغم من ذلك، علينا أن نتساءل من وقت إلى آخر عن درجة الشركة مع الروح فينا. إنه
من الجائز أيضًا أن نكون قد نسينا هذه الموهبة ولم نعد نفهم حقيقة عظمتها أو نعي
خبرة النور الذي يصدر منها. وهذا ما دعا القديس سمعان اللاهوتي الجديد إلى التأكيد
بأن المصيبة الكبرى التي تحل في المسيحيين هي أن يجهلوا أن الله يحيا فيهم. يقول
القديس: "يصرّح العديد من المؤمنين بأن الروح القدس فيهم ولم يختبروه، ولكنهم
يؤمنون أنهم حاصلون عليه منذ العماد المقدس، على أن المؤمنين يجهلون معنى هذه
الموهبة الحقيقية". فيشبّه القديس المؤمنَ الممتلئ من الروح القدس بامرأة حامل، لأن
الاثنين يعيان ما حصل لهما: "كما أن المرأة تعرف جيدًا أنها حامل إذ إن الجنين
يرتكض في بطنها، ولا تستطيع نكران ذلك، كذلك الانسان الذي اتخذ صورة المسيح فيه
يعرف حركاته (أي نوره) ووثباته (أي مجده). أجل، يدري المؤمن بأن المسيح مصوّر فيه
ويراه كالنور الذي يملأ سراجه".
يقرّ القديس سمعان كالعديد من الآباء القديسين بأن موهبة الروح القدس قد أعطيت لنا
حين حصلنا على سرّ العماد المقدّس. ولكن علينا أن نطوّر وعينا لحضور هذا الروح في
حياتنا الشخصية. كذلك، وبطريقة متناقضة ظاهريًا، علينا أن نحصل على الروح أسراريًا
لنجعل هذا الوعي حقيقة. كما أنه علينا في الوقت نفسه أن نتعمَّق في معنى هذا الحضور
فينا وإلاّ فإننا معرّضون لكارثة رهيبة إذ إنّ الروح يهملنا ولا يعود يحيينا. عندما
نأخذ موهبة الروح أسراريًا، علينا أن نجيب على هذه الموهبة بالسعي إلى تفهم حضور
الروح فينا. فالذين تظهر فيهم حياة الروح هم الذين يدركون بطريقة عميقة حضوره
الداخلي الباطني.
هذا الوعي الشخصي لحضور الروح هو أيضًا موهبة من الله، علينا أن نطلبها منه في
الصلاة. أجل، إن الصلاة تتماشى مع هذا الوعي. نهدف في صلاتنا أن ندرك حضور الروح.
وعندما يصبح هذا الوعي جزءًا من حياتنا، تصبح الصلاة بدورها جزءًا من حياتنا.
وعندما نعرف جيدًا أن روح الله حاضر فينا، فالاتصال بالله يغدو فرحًا ومغامرةً أكثر
منه صعوبة، كما يحصل مع الكثير من المسيحيين. يشبّه القديس مكاريوس الكبير الشركة
المثمرة مع الروح الساكن في المؤمن بزواج: "إنه مثل زوجة تصبح واحدًا مع زوجها
عندما توقّع العقد. هكذا تكون الشركة مع الروح الذي يصبح روحًا واحدًا: "ومن اتحد
بالرب فقد صار وإياه روحًا واحدًا" (1 كور 16: 17).
خاتمة
تهدف الحياة المسيحية إلى اتحاد النفس بالله، وهذا أيضًا ما تبغيه الصلاة. ينتج عن
ذلك كله أنه على تعليمنا المسيحي أن يعي بادئ ذي بدء أن روح الله يسكن في المؤمن.
لا يقوم تعليم الصلاة إذًا على الاكثار من حفظ الصلوات أو على إيجاد تعابير خلاّقة
في الصلاة الشخصية، بل يتوخّي التشديد على النقاط الأساسية لفهم الصلاة وهي أنّ
الروح هو الله معنا، وسر الميرون هو الروح الذي يأتي إلى حياتنا، والصلاة هي خبرة
الروح فينا. من هنا نسأل المسؤولين على التعليم المسيحي أن يستدعوا الروح القدس في
صلواتهم وفي تحضير مدارسهم، وأن ينبّهوا التلاميذ إلى حضور الروح الذي يصلّي فيهم
ويقودهم بالوقت نفسه إلى الله، أبي الجميع.
الفصل الثامن عشر
الصلاة الليتورجية الأولى وعمل الروح القدس
أع 4: 23- 31
1- الصلاة في أع 1- 3
تدخل الفصول الثلاثة الأولى في إطار من الصلاة المتواصل. كان المسيحيون الأوائل في
العلية "يواظبون جميعًا على الصلاة بقلب واحد، مع بعض النسوة ومريم أم يسوع ومع
إخوته" (1: 14). لا يعطينا أعمال الرسل أي تفصيل ليميّز مدة الصلاة المستمرة،
ولكننا نستطيع أن نفكر أن الرسل كانوا يستعملون طريقة الصلاة اليهوديّة التقليديّة.
نعلم أن يسوع قد علّمهم ما نسمّيه اليوم "الصلاة الربية". كانوا إذن يستعملون
نصوصًا من العهد القديم من مزامير ونبوءات وتبريكات ودعاءات وابتهالات صادرة عن قلب
هذه الجماعة الملتفة دائمًا حول مريم. تشبه هذه الصلوات ما نجده اليوم في العهد
الجديد: نشيد مريم (لو 1: 46- 55) ونشيد زكريا (لو 1: 68- 79) ونشيد سمعان (لو 2:
29- 32).
كان الرسل، بدون شك، يتبعون تعليم المسيح الذي دلّهم على أن يجدوا "وجهه" من خلال
تأملهم الشريعة والانبياء والمزامير (لو 24: 44- 46). أجل، إننا نقوم هنا بافتراضات
وتخيّلات مع أنّ لوقا لم يتكلّم عن شكل هذه الصلاة في العليّة.
* نجد صلاة جماعية أكثر وضوحًا عندما اجتمع الرسل لاختيار بديل عن يهوذا (أع 1: 24-
25). لم تكن هذه الصلاة داخليّة أو باطنية، ولكنها تظهر لنا صلاة "علنيّة". قد لا
تكون هذه الصلاة بصورتها الحالية هي نفسها التي وضعها لوقا على فم الجميع ("ثم
صلّوا فقالوا" آ 24)، غير أنها تعبّر عن طلب صريح يسأله المجتمعون من أجل نيّة
محددة. إنه "دعاء" بسيط، لا يحمل في طيّاته هيكلية احتفال ليتورجيّ موسّع. يذكرنا
هذا الدعاء، الذي ترفعه جماعة الرسل إلى "الرب العليم بقلوب الناس" (آ 24) ليختار
واحدًا من بين برسابا ومتّيا، بالابتهالات في "الطلبة الملحة" في القداس حسب الطقس
البيزنطي: "نطلب أيضًا الرحمة والحياة، والسلام والعافية والخلاص، لعبيد الله
الساكنين في هذه البلدة، وافتقادهم ومسامحتهم وغفران خطاياهم". تأتي هذه الطلبة بعد
دعاء "أيها الرب الضابط الكل...". الجماعة الليتورجية اليوم على مثال الجماعة
الأولى تذكّر الله بهويّته وتقول له: إنه بار وأمين في وعوده، وإنها تثق ثقة عمياء
بأن طلبها سيستجاب.
* لم يضع حدث العنصرة الذي ملأ قلوب التلاميذ، حدًا لصلاة الكنيسة الأولى، بل دفعها
إلى الأمام أكثر من ذي قبل. "وكانوا (ثلاثة آلاف معتمد) يواظبون على تعليم الرسل
والمشاركة وكسر الخبز والصلوات" (2: 42) وأيضًا "يلازمون الهيكل كل يوم بقلب واحد.،
ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بابتهاج وسلامة قلب، يسبّحون الله..."
(2: 46- 47). سار المسيحيون الاوائل في خطى الرسل: "كان بطرس ويوحنا صاعدين إلى
الهيكل لصلاة الساعة الثالثة بعد الظهر" (3: 1). لقد أقيمت هذه الصلوات والتسابيح
إما في الهيكل وإما في البيوت الخاصة، غير أنها لم تكن كلها احتفالاً افخارستيًا.
لقد كانت مؤلفة عمومًا من مزامير وتسابيح وأناشيد روحية، اغتذت منها الصلاة
المسيحية التي شجّع بولس عليها كنيسة كولسي: "رتّلوا لله من صميم قلوبكم شاكرين
بمزامير وتسابيح وأناشيد روحية" (3: 16).
تبقى الفصول الثلاثة الاولى شحيحةً في معطياتها عن طريقة صلاة المسيحيين الاوائل
وهم الذين "يعبدون الله بالروح والحق". أو عن طريقة استعمالهم للصلوات اليهودية
المختلفة. كانت حادثة شفاء المقعد على باب الهيكل المعروف "بالباب الحسن"،
والاختلاف الحاصل بين المسيحيين واليهود من جرَّاء هذه المعجزة، من الدواعي التي
حثّت لوقا على تقديم مثال لصلاة ليتورجية محدّدة. تظهر لنا هذه الصلاة موحاةً من
المزامير المقروءة ليس بمنظار يهود العهد القديم، ولكن مرتدية حلّة تلاميذ المسيح
والمؤمنين بالله في المسيح. يجذبنا إليها بالتالي اهتمام خاص لأنها تشكّل أول عمل
ليتورجيّ للجماعة المسيحيّة، للكنيسة الاولى التي ترفع صلاتها خارج نطاق الاحتفال
الافخارستيّ. يقول بيش: "إنها أطول صلاة جماعية في العهد الجديد... ولها طابع
مميَّز نموذجيّ".
2- صلاة الكنيسة الليتورجية الاولى
يبدأ النص الذي نتصدّى لقراءته ولتفسيره بالآية 24، وهو يبتدئ بالكلمات التالية:
"عند سماعهم ذلك...". لنفهم غنى هذه الصلاة، علينا أن نتذكّر هذه الكلمات التي توحي
لنا رواية الاحداث في الفصلين الثالث والرابع. لا بدّ إذن من قراءتهما!
لا ننظر فقط إلى النص الوارد في أسلوب رواية لوقا التي تحدِّثنا عن اعتقال بطرس
ويوحنا وتوقيفهما، ولكننا مجبرون على سماع مقولة الرسولين اللذين أطلقا من السجن
وهما يخبران "الاصحاب" "بكل ما قال لهما عظماء الكهنة والشيوخ". لقد انتبه هؤلاء
الاصحاب وأصغوا إلى رواية الاضطهاد الاول الذي تصدت له الكنيسة. يقول الأب زرويك إن
هذه العبارة تدلّ هنا على "الجماعة المسيحية". بينما يشدّد الأب ديبون على أن عبارة
"الاصحاب" تدلّ على "جماعة الرسل"، لأن الاثني عشر أكثر من جماعة المؤمنين محتاجون
إلى "الجرأة" ليعلنوا كلمة الله (آ 29 و31)، وهذا ما تدعوه إليه خدمتم وشهادتهم.
أجل، الرسل مدعوون إلى الصلاة إذا أرادوا أن ينالوا قدرة صنع المعجزات التي تخوّلهم
"حرية الكلام في إعلان كلام الله. يشعر الرسل بمقتضى مسؤوليتهم الرسولية التي
خوّلهم إياها الرب أن يصبحوا عبيدًا له بصفة مميزة".
يزيد على هذا التفسير الأب دونيس ريمو في قوله إن كلمة "عبيد" تعود بدون شك إلى مز
2. لا تدّل هذه العارة النادرة في سفر الأعمال على المؤمنين. تعود مرتين في الأعمال
فقط خارج هذا المقطع: أع 2: 18 وهو استشهاد ليوئيل 3؛ وأع 16: 17 على فم "جارية
يحضرها روح عرّاف". يعود استعمال هذه العبارة إلى تأثير مز 2 في أع 4. يتمّ الآن
للرسل ما قاله المسيح عن الاضطهاد الذي سيصيبهم. إنهم يختبرون ما كتبه بولس
لتيموتاوس: "فجميع الذين يريدون أن يحيوا حياة التقوى في المسيح يُضطهدون" (2 تم 3:
12).
أ- نص الرواية
نستطيع أن نجد ثلاثة أقسام في هذه الرواية التي تلخِّص موضوع الخلاف بين اليهود
وبين "المؤمنين" (4: 4 و17 و21).
1- الاعتقال (آ 1- 4): توقيف بطرس ويوحنا لأن عدد المؤمنين في ازدياد.
2- الحكم (آ 5- 20):
أ- الاستجواب (آ 5- 7): "بأي اسم فعلتما ذلك"؟
ب- جواب بطرس "وقد امتلأ من الروح القدس" (آ 8- 12): "باسم يسوع المسيح الناصريّ".
ج- المشاورة (آ 13- 17): "فلنهدّدهما بألاّ يعودا إلى الكلام على هذا الاسم".
د- القرار (آ 18): "نهوهما نهيًا قاطعًا أن يذكرا اسم يسوع أو يعلّما به".
هـ- جواب الرسولين (آ 19- 20): "لا نستطيع السكوت عن ذكر ما رأينا وما سمعنا".
3- إطلاق السراح بعد أن "هدّدوها ثانيةً" (آ 21- 23).
ب- الصلاة
تتألف هذه الصلاة من مراحل ثلاث: مقدمة، تلاوة مز 2، قراءة مسيحية للمزمور.
أولاً: مقدمة
وهي نفسها مؤلفة من ابتهال، ومن آية مزمورية، ومن عبارات طقسية.
* ابتهال
توجّه الجماعة الصلاة إلى الله وتلقّبه باسم "السيد". لا يدلّ هذا السيد على شخص
"يعلّم" تلاميذه، ولكن على شخص له حق الملكية ومسؤول عن عبيد يخدمونه. يبتهل
المؤمنون إلى الاله الذي هو سيد "داود العبد" (آ 25ب)، وسيد "العبد القدوس يسوع" (آ
27 و30). ويعترفون به لاحقًا "ربًا" (آ 29)، ويصبحون هم أيضًا "عبيده" أو "خدّامه"
(آ 29). تدلّ صورتا "العبد" و"الخادم" على أشخاص مرتبطين بسيد يقودهم وبملك يأتمرون
بأوامره.
هذه هي المرة الوحيدة التي يستعمل فيها لوقا عبارة "السيد" في سفر الاعمال. بينما
يلقي نصان آخران من العهد الجديد ضوءًا جديدًا على فهم معنى هذا الابتهال. نعرف أن
الشيخ سمعان يهودي نقي وبار ينتظر تعزية اسرائيل. ففي بدء النشيد الذي يرفعه سمعان
إلى الله، يسمّي نفسه عبدًا لله (لو 2: 29). لقد بقي مدة انتظاره في خدمة "سيده".
غير أنه يطلب "الآن" إلى سيده حرية الراحة بعد أن أتمّ عمله: "الآن تطلق...".
عندما رأى يوحنا في سفر الرؤيا (6: 10) الحمل يفضّ الختم الخامس، سمع "نفوس الذين
ذُبحوا في سبيل كلمة الله" يطلبون من "السيد القدوس الحق" العدل والانصاف. لا نجد
هنا ذكر عبيد السيد، ولكن على مثال سفر الاعمال حين تكون الكنيسة في اضطهاد بسبب
الكلمة، تعود إلى إلهها وتتضرع إلى سيدها، إلى الذي يملكها وبالتالي إلى الذي له
الحق عليها. إنه الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يهبها الحرية. فالابتهال الذي ترفعه
الكنيسة إلى الله، حين "أطلق" مجلسُ اليهود (4: 21 و23) الرسل الصوقوفين، يذكرنا
بنشيد سمعان الذي "سيطلقه" السيد، ويوحي بفكرة صلاة الشهداء الذين سينُصفهم الله في
يوم الدينونة. تتوجّه جماعة العبيد المضطهدين لأجل أمانتهم إلى الله الذي يعود إليه
كل شيء، إلى الذي يستطيع أن "يطلق" ويسمح بالعمل أو بالراحة: إنه سيد التاريخ، سيد
البارحة واليوم والغد!
* آية مزمورية
"أنتَ صنعت السماء والأرض والبحر، وكل شيء فيها". يعود موضوع الله الخالق تكرارًا
في سفر المزامير (راجع على سبيل المثال مز 89: 12). إنه من الهام جدًا أن نلحظ أن
الجماعة الموجودة في هذا الوضع اختارت مقدمةً لصلاتها الليتورجية آية من مزمور 146
الذي بدأ بالآية "سبحي يا نفسي الرب". يُعدّ هذا المزمور من مزامير "الهلّل"،
والتسابيح التي تتغنى بإيمان الشعب بالإله الاوحد الأزلي والقدير والخالق. يجعل
المزمور تعارضًا بين عبارتين "الاتكال على العظماء" و"وضع الرجاء في الرب". كما
يتعارض زوال "أبناء التراب" غير القادرين على الخلاص، مع عظمة الله الملك خالق كل
شيء الذي "يُجري الحكم للمظلومين ويحلّ قيود الأسرى" (مز 146: 6). فالذي يربط هاتين
الفكرتين، ويجعلهما مقدمة لصلاته، يعلم جيدًا معنى المزمور بكامله. يدلّ ذلك على أن
الجماعة التي تبتدئ صلاتها بهذا الهتاف "أنت صنعت السماء والأرض والبحر وكل شيء
فيها"، تعترف أن هذا الاله هو خالق كل شيء وإليه يعود كل شيء، وهو أيضًا الذي شفى
مقعد الباب الحسن، وهو الذي دعم عزيمة بطرس ويوحنا في الاجابة على أسئلة المجلس،
وهو الذي نجّاهما أيضًا. تركز الصلاة بالتالي على أن الايمان بالرب أجدر من الثقة
بالعظماء. يعني ذلك على أنه من الأفضل أن يعمل الرسولان عكس ما أمرهما مجلس اليهود.
نجد لاحقًا في أعمال الرسل أنّ برنابا وبولس استعملا آية المزمور نفسها عندما تحمّس
لهما شعب لسترة بعد شفاء "رجل كسيح مقعد من بطن أمه، لم يمش قط" (14: 8). لقد شدّد
الرسولان في لسترة على أن المجد والشفاء يعودان "إلى الله الحي الذي صنع السماء
والأرض والبحر وكل شيء فيها" (14: 15).
* عبارة طقسية
"أنت قلتَ بوحي الروح القدس على لسان أبينا داود عبدك". نجد هذه العبارة مرتين في
سفر الأعمال مدخلاً إلى نص نبوي مأخوذ إمّا من داود (أع 1: 16 مع نصوص مز 69: 26:
109: 8) وإمّا من أشعيا (أع 28: 25 مع نص أش 6: 9- 10). تعترف الجماعة بالتالي بأن
"الروح" هو مؤلف الكتاب المقدس، وهكذا تعود إلى كلام الله لتفهم على ضوء الايمان،
معنى تاريخها. تستند الجماعة إلى مشيئة الله التي تتجلى بصوت الروح القدس. إنها لا
تؤلّف بادئ ذي بدء صلاتها، لأنها تعلم جيدًا أن الروح وحده قادرُ أن يُصلي من
خلالها. تعي الجماعة إذن أنّ ما تردّده، هو ما قاله الله بوحي الروح والأنبياء.
يستعمل الكاهن في الليتورجيا اللاتينية الافخارستية، صيغةً مماثلة عندما يدعو الشعب
إلى تلاوة صلاة الكنيسة الاصلية، الصلاة الربية.
يؤلف معًا الابتهال وآية مز 146 والعبارة الطقسية نوعًا من مقدمة افتتاحية، أو
أنديوفنة تدلّ على سلوك الجماعة المصلية الديني. فالموازة الادبية التي نجدها بين
"أنتَ صنعتَ..." و"أنتَ قلتَ..." ليست نتيجة للبحتَ عن توازن، بل هي تشير إلى
أهميّة الصلة الوثيقة بين عمل الله وكلامه. فالسيد المالك كل شيء، والاله الخالق،
هو الله نفسه الذي يتكلم، لا يستطيع أحد أن يفصل بين عمله وكلامه. تدعو جماعة
"الخدّام المؤمنين" السيد الذي يعمل بكلامه. ذلك السيد الذي يظهر بكلامه الفعّال
وأعماله التي تُظهر سيادته.
ثانيًا: تلاوة المزمور الثاني
يؤلف هذا المزمور نواة الصلاة. نعرف أن المسيحيين الاوائل كانوا يصلون المزامير،
ولكننا لا نعرف كيف كانوا يصلّونها ليجدوا فيها "وجه" المسيح. نتساءل هنا: هل
"رتّل" الرسل الملتفّون حول بطرس ويوحنا المزمور أو"تلوه"؟ هل أخذوا المزمور بأكمله
أو الآيتين اللتين استشهد بهما لوقا فقط! عندما ندرس نص المزمور في الترجمة
السبعينية ونقرّبه من آ 27- 31، نجد في النصين موضوع "الخدّام"، مما يدفعنا إلى
التفكير بأن الرسل استعملوا المزمور بأكمله في صلاتهم لأنه يتطابق مع وضعهم الحالي.
بينما لم يورد لنا لوقا إلاّ بداية المزمور. نربط ذلك بطريقة استعمال آيات المزامير
في الانديفونة، أو قطع "هللويا"، أو آية المناولة المعروفة "بالكينونيكون" في الطقس
البيزنطي. مهما يكن من الأمر، فإننا نجد صفة مز 2 المميّزة حاضرة في هاتين الآيتين
وفي ذهن المجتمعين للصلاة. يذكرنا ذلك أيضًا بما توحيه كلمات "تعظّم نفسي الرب..."
في نشيد العذراء مريم، أو "ارحمني يا الله" في مز 51 عندما يريد المؤمن أن يصلي
اليوم هذه الصلوات.
يُصنّف مز 2 بين المزامير النبوية والمسيحانية. فهو يصف دراما الملك المسيح، ومعركة
الملك ضد الملوك الآخرين وانتصاره عليهم، وكذلك انتصار المسيح ضد العظماء، والابن
ضد الامم. ينتهي المزمور بدعوة إلى التوبة (آ 10- 11)، وبتهديدات آ 12أ، وبهتاف فرح
وبهجة للذي يثق بالله (آ 12). هذه المعلومات كافية لتدلّ على اختيار هذا المزمور
لصلاة الليتورجيا حين تعرّضت الجماعة للخلاف مع المجلس اليهودي.
ثالثًا: قراءة مسيحية للمزمور
هي صلاة حقيقة وواقعية (آ 27- 31). يلي الآيتين المأخوذتين من المزمور مقطع مؤلف
بأسلوب ابتهالي وعلى شكل صلاة. ترفع الجماعة صلاتها إلى "الله" وليس إلى "المسيح":
"عبدك القدوس"، "يدك"، "مشيئتك"، "أنظر"، "هبْ"، "باسطًا يدك". يساعدنا النص على أن
نعتبر مرحلتين في هذه الصلاة المسيحية التي انطلقت من المزمور: تأمل عن "حقيقة"
("حقًا") المزمور، أي المسيح الذي يتكلّم عنه المزمور (آ 27- 28). ابتهال عن
واقعيّة المزمور (الآن)، أي عن الكنيسة (آ 29- 30).
* حقيقة المزمور: "المسيح"
يبدو لنا هذا النص تفسيرًا للمزمور من خلال الصلاة التي رفعتها الجماعة، وهي تقرّ
بأن المسيح هو تتميم حقيقي لنبوءة المزمور. ترتجل الجماعة تأملها مستعملة العبارات
الهامة الواردة في المزمور، وتطبّقها على حدث موت يسوع المسيح وقيامته التاريخي.
يقول غرولو: "كانت قراءة المزمور المسيحانية شائعة في الكنيسة الرسولية". كما تعترف
الجماعة أن الاله الخالق والمعين والممجد في الآية المزموريّة، هو وحده سيد التاريخ
في النزاع بين يسوع واليهود، وهو الذي تكلّم بوحي الروح القدس وبفم داود.
- يقول المزمور: "العظماء تحالفوا" (آ 2)، وتستعيد الصلاة عبارة التحالف نفسها (آ
27).
- نجد عبارات المزمور "الأمم" و"الشعوب" نفسها في التأمل. يستعمل المزمور الأشخاص
بطريقة عامة، بينما يلبسون وجهًا معروفًا في القراءة المسيحية. تصبح الأمم والشعوب
"أمم وشعوب اسرائيل": يُسمّى الملوك والعظماء "هيرودس وبنطيوس بيلاطس": تُدعى الأرض
حيث قام الملوك على الرب "هذه المدينة" أي أورشليم؛ يأخذ مسيح الرب علامات "العبد
القدوس يسوع".
* واقعيّة المزمور: "الكنيسة"
بعد أن تأملت الجماعة الليتورجية سر المسيح، وهي الشاهدة له، ورفعت صلاتها إلى الآب
"السيد"، تبتهل "الآن"، في الحاضر إلى "الرب". ترد هذه الصيغة التقليدية للصلاة
اليهودية كثيرًا في صلوات العهد القديم بعد أن يعدّد المصلي عظائم الله وصفاته. هذا
الاله الذي وصفته الجماعة في البدء بإله "الخليقة" أي الخالق، تعود وتدعوه إله
"التاريخ". لا يقوم شيء بدون "مشيئته". هذا ما حصل في النص الذي نحن بصدده. بعد أن
تأمل المجتمعون أعمال الله من أجل شعبه وأحداث التاريخ، انتقلوا إلى الصلاة (رج 1
مل 8: 25؛ نح 9: 32؛ طو 3: 3؛ 2 أخ 6: 17؛ 2 مك 14: 36؛ 15: 23؛ أش 37: 20...). لقد
أبقت هذه الصلاة المسيحية الاولى هذا العنصر المميّز للصلاة اليهودية.
تشبه بُنية الصلاة التي نحن بصددها صلاةَ الملك حزقيّا: "يا رب القوات... أنت صنعت
السماوات والأرض... حقًا، يا رب، إن ملوك... والآن، أيها الرب الهنا، خلّصنا..."
(أش 37: 15- 20). يقول هينشين: "يعترف الجميع بأن نصّ أش 37: 16- 20 اليوناني يقدّم
لنا تشابهًا جزئيًا مع هذه الصلاة". نجد في مز 2: 1 عبارة مماثلة لهذا الابتهال:
"أيها الملوك الآن تعقّلوا..". لا يعني ذلك أن المزمور قد أثّر على نص سفر الاعمال،
لأن النص الاخير صلاة ابتهالية بينما المزمور مقطع نبوي يتوجّه الله من خلاله إلى
أعدائه.
يستعمل الكاتب في هذه الصلاة العبارات الواردة في رواية اعتقال بطرس ويوحنا ويسأل
الله أن يمنحه القوة لمجابهة السلطات:
- "أنظر تهديداتهم" تذكرنا بكلمات الرسولين "فلنهدّدهما" (آ 17) و"هدّدوهما ثانية"
(آ 21)، وبمؤامرات ملوك الأرض الواردة في مز 2.
- "هب لعبيدك أن يعلنوا كلمتك" تذكر بقرار الحكام: "ألاّ يعودا إلى الكلام" (آ 17)
وبردة فعل الرسولين بعد القرار: "لا نستطيع السكوت (أي أن لا نتكلم)" (آ 20).
- "بكل جرأة" تذكر "بجرأة" بطرس ويوحنا في آ 13.
- "الشفاء والآيات والأعاجيب" تذكّر "بالآية" التي أصبحت "مبينة" لسكان أورشليم
وعائقًا للمجلس اليهودي (آ 16).
- "باسم عبدك القدوس يسوع" تذكر كلمات المشاورة والقرار الذي أصدره المجلس: "ألا
يعودا إلى الكلام على هذا الاسم أمام أحد من الناس... أن يذكرا اسم يسوع أو يعلّما
به" (آ 17- 18).
تتوسّل جماعة الرسل إلى الله وتطبّق على نفسها آ 7- 9 من مز 2. نرى من خلال هذا
الوضع أنها المنتفعة الوحيدة من هذه النبوءة: "أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك". ترتكز
جماعة الاثني عشر الصغيرة على الوعد الذي حصل للعبد داود، صورة يسوع المسيح، وتجسّد
بالوقت نفسه هذا الوعد:
"سلني فأعطيك الأمم ميراثًا وأقاصي الأرض ملكًا
بعصا من حديد تكسّرهم وكإناء خزّاف تحطّمهم" (مز 2: 8- 9).
تعود هاتان الآيتان إلى المسيح "الغالب" (رؤ 2: 26- 27)، الذي يعمّم تطبيقه على
المسيحيين، لأنهم يشاركون في سلطانه الملكي وقد انتصر على الموت وقواه. تصبح هذه
الصلاة الليتورجية التي ارتجلها الرسل، مع اعتبار جميع المعطيات التي درسناها من
أحداث رواية الرسولين وعبارات المزمور: "تحالف حقًا في هذه المدينة هيرودس وبنطيوس
بيلاطس والوثنيون وشعوب اسرائيل على عبدك القدوس يسوع الذي مسحته، فأجروا ما خطّته
يدك من ذي قبل وقضت مشيئتك بحدوثه. "فانظر الآن يا رب إلى تهديداتهم، وهب لعبيدك أن
يعلنوا كلمتك بجرأة باسطًا يدك ليجري الشفاء والآيات والأعاجيب باسم عبدك القدوس
يسوع".
نلحظ أيضًا أهميّة بعض العبارات الواردة في جزئي الصلاة: "يدك، عبدك القدوس يسوع".
هذه "اليد" هي التي صنعت كل شيء، "السماء والأرض والبحر"، وهي التي قضت بحدوث كل ما
أراده الله (آ 27). تسمو هذه اليد على التاريخ، لأنها ظهرت فوق التاريخ بواسطة
المسيح "المضطهد والممجّد" (أع 2: 23؛ 3: 18). تطلب الجماعة إذن من سيدها أن يبسط
هذه "اليد" لحمايتها وتقويتها وأن يجدّد في كنيسته المضطهدة الأعاجيب التي صنعها
لشعبه خلال زمن الخروج (خر 3: 20؛ مز 136: 12). ستستمر يد الله ظاهرة في سموّها على
التاريخ بوساطة كنيسة مضطهدة من أجل اسم يسوع. ومنقذة باسم يسوع، وفيها يعمل الرسل
باسم يسوع. أصبح "يسوع العبد القدوس" الذي كان مركز الاضطهاد، الشخص الذي تُبنى
الكنيسة باسمه، والذي كان "الحجر الذي رذله البناؤون" أصبح "حجر الزاوية" (رسل 4:
11)، والذي كان موضوع عثرة أصبح ينبوع جرأة. تؤلف هذه النواة في الصلاة "الابتهال"
الذي تطلبه الجماعة ليتمّ "باسم يسوع عبدك القدوس". أجل باسمه تُعلن كما تُصنع
الآيات المرتبطة بها".
* ميزات هذه الصلاة الليتورجيّة
نعود إلى كاتب مز 2 الذي تغنّى بملك معاصر له قد منحه الله النصر والظفر. قد يكون
أيضًا أن اليهود الذين رتّلوا هذا المزمور في الهيكل قد تذكروا حدثًا تاريخيًا
خاصًا بهم، واسم ملك ومكان وتاريخ. تغيب هذه المعطيات التاريخية العالمية من
المزمور -الصلاة اليهودية- عندما يصبح المزمور "صلاة مسيحية" ويشير بالتالي إلى
واقع تاريخي ديني حاصل قبل إنشاء المزمور وبعده: إنه حقيقة وواقعية يسوع المسيح
وكنيسته.
تجتمع الجماعة المسيحية للصلاة من جراء هذه الأحداث التي قاستها. إنها تضع الله
أمام مسؤولياته، وتعبّر له عن ابتهالاتها مستعملة كلام الله نفسه. تنطلق من الواقع
اليومي لتتأمل حدث موت المسيح وقيامته (راجع ما فعله بطرس في أع 4: 10). يسمح لها
ما قاسته الجماعة من الصعوبات بأن تتعمق في سر المسيح. كما يساعدها الواقع الحياتي
أن تعود إلى الكتاب المقدس لتقارن بين أحداثها وبين حدث يسوع، وهكذا تصبح قادرة على
تفسير الكتاب "بالحق".
- لا تتلو الجماعة المزمور تلاوة بسيطة اعتباطية، ولم تخف أن تبتعد عن صيغة صلاته
التقليدية اليهودية عندما حوّلت بعض عباراته إلى مسيحية، ولكنها أرادت أن تعطي النص
معنى جديدًا يغذّي تقواها اليهودية. لم يكن عملها عمل ترجمة وتغيير لتجبر النص على
الكلام عن المسيح. لقد تأملت الكنيسة المضطهدة الاضطهاد الذي قاساه يسوع لتدرك
واقعها، واستندت بسخرية إلى سخافة هذا الاضطهاد لتتصدى للاضطهاد الذي تقاسيه. يُلقي
شك الصليب الذي يوصل إلى سر يسوع، مسيح الرب، الضوءَ على الكنيسة التي ترى نفسها
مضطهدة ومصلوبة، مع العلم بأنها خادمة الرب. إنها تقرأ سر الله في حدث اضطهادها،
مثل ما حدث في الثورة ضد يسوع. ومثل ما أوحاه مز 2. وبالتالي تستطيع الكنيسة
التأكيد بأن وحي سرّ الله ذاته يكتمل فيها. الآن نبوءة مز 2 قد تحقّقت في سرّ تواضع
يسوع ورفعه (أي الاضطهاد والمسحة). أجل، يظهر سر الله الموحى في يسوع أيضًا في
كنيسته.
- ترفع الجماعة صلاة ابتهالية خاصة. تعرف الجماعة أن سرّ الله الكائن في يسوع
مستمرّ في الظهور فيها لأنها وجه المسيح الحالي. فهي تطلب إذن بأن يتدخّل الله من
أجلها، وهي جماعة الخدّام، كما فعل الله من أجل ابنه، العبد القدوس (لنفكّر
بالعبارتين اليونانيتين). يظهر لنا جليًا أن الجماعة تستعمل في صلاتها كلمات
المزمور نفسها التي أنبأت بحدث اضطهاد يسوع. لأنها (الكلمات) تصف الاضطهاد الذي حلّ
بالجماعة. ثم تضعها في صيغة لغوية واقعية قريبة من الاحداث المأسوية. لا تكترث
أبدًا للصيغة الادبية في صلاتها! لقد أرغمها التشابه في الاوضاع أن ترفع صلاتها إلى
الله بالعبارات التي تشهد بالفهم الذي أعطاه الروح القدس إياها لتدرك سر الله في
المسيح وسر الله فيها.
إن هذا الفهم الذي اقتبسته الكنيسة من الروح، قد جعلها تتصرّف هذا التصرّف في
صلاتها، أي أن تتشبّه بسلوك المسيح نفسه في صلاته. لا تطلب أن ينتهي الاضطهاد، بل
بالاحرى أن توطّد ثقتها من خلال العجائب وأن تظهر شهادة قدرة يد الله في هذا
الاضطهاد، كما كانت آلام يسوع شاهدة لقدرة الذي أوقف من قبلُ كل شيء بيده ومشيئته.
أصبحت أحاسيس الاغتياظ والعجب والسخرية والخوف التي تكلم عنها مز 2 شعور أعضاء
المجلس اليهودي (أع 4: 2، 13، 14ب، 15، 19، 21؛ 5: 17- 26، 33، 40- 42)، بينما
تحولت "الجرأة" (4: 31) وهي ثمرة هذه الصلاة، إلى الذين "يعتصمون بالله" (مز 2:
12).
نستطيع أن نفصّل بنية هذه الصلاة الليتورجية الاولى والشاهدة على العبور من الصلاة
اليهودية إلى الصلاة المسيحية على الشكل التالي:
- رواية الواقع
- قراءة بعض الآيات المزمورية
- تأمل مسيحي وصلاة كنسية.
نتساءل هنا: هل تمّ كل شيء حسب الوصف الذي قدّمه لنا لوقا، وهل تمّت هذه الصلاة
الجماعية بصوت واحد كما أخبرنا الرسول: "رفعوا (كلهم) أصواتهم إلى الله" (آ 24)؟
لا نجد صعوبة بأن جماعة ليتورجية كثيرة العدد، بإشارة أحد أعضائها والمسؤول عن
الصلاة فيها، تستطيع أن تتلو (أو ترتل) انديفونة ثم مزمورًا. غير أنه أكثر صعوبة أن
نفكّر بأن الجماعة نفسها، حتى لو كانت مؤلّفة من الاثني عشر فقط، أن تتابع بقلب
واحد وصوت واحد ارتجال الابتهال الذي يلي قراءة المزمور. قد نستسيغ فكرة هذا
الارتجال إلى عضو من هذه الجماعة، "قد يكون بطرس" حسب رأي مونو. غير أن لوقا لا
يذكر شيئًا من هذا القبيل كما فعل قبل ذلك. لكننا نلحظ أن الذي ارتجل هذه الصلاة
استطاع أن يجعل جميع المصلّين يشعرون معه بأن هذه الصلاة كانت حقيقة ابتهال كل واحد
منهم وصلاتهم معًا (رج آ 31: "وبعد أن صلّوا" في صيغة الجمع). يقول الأب دوبون في
هذا الصدد عندما يشرح معنى الكلمة اليونانية التي تدلّ على "الاجماع": "إنهم
مجتمعون معًا ليس فقط في المكان الذي يجمعهم، ولكن أيضًا بسبب اتحاد قلوبهم". كذلك
تعود هذه العبارة في "أع 1: 14؛ 2: 46؛ 4: 24؛ 5: 12؛ 15: 25) ويفسّرها الأب دوبون
"الكّل معًا، وباتحاد العواطف".
لا يقدّم الذي يفسّر الكتاب المقدس في الجماعة هذا التفسير باسمه الخاص، ولكن باسم
الكنيسة. وبالتالي، تقرأ الكنيسة بواسطته الفصل الشريف لتجد فيه حقيقة سر المسيح
وواقعيته. كذلك، إن الذي يبتهل يصلي باسم الجميع، ويصبح صوته صوت الجماعة كلها. نجد
في هذه الطريقة عمل الروح القدس نفسه داخل الكنيسة حيث يعلّم الروح كل شيء للذين
يقرأون الكتاب المقدس ويتأملون في لغة الله من خلال الواقع. يرفع الرسل صلاتهم إلى
الله الآب، غير أنهم لا يضعون جانبًا دور يسوع عبده القدوس المركزي في تتميم مشيئة
الآب. هذه هي الصلاة المرفوعة إلى الله "باسم يسوع"، الصلاة الأكيدة المقبولة من
الله!
* الخاتمة (آ 31)
لا تؤلف آ 31 جزءًا من الصلاة، بل إنها بصورتها الإخبارية تشكّل خاتمة للمقطع
بأكمله. تطلعنا هذه الخاتمة كيف أن الصلاة قد أستجيبت وكيف أن العمل الليتورجي كان
موجّها، حسب نية المصلّين، إلى العمل الرسولي في خدمة الكلمة. تُعطينا هذه الآية
بطريقة تلخيصية المواضيع الواردة في مقدمة الصلاة وموضوع الابتهال الرئيسي.
تدعو الانديفونة الله الخالق، وسيد السماء والأرض. تلمّح آ 31 إلى ظهور إلهي حيث
يدلّ "الزلزال" على سيادة الله على الأرض وعلى وجوده وحضوره بين شعبه مثل الحاكم
والمحرّر. موضوع هام في كتاب المزامير. يرتبط الزلزال في كثير من الاحيان بموضع حكم
الله وتحريره لشعبه (رج مز 82: 5؛ 96: 9- 11) في الإطار الذي يذكّرنا بالخروج (مز
18: 8؛ 77: 19؛ 114: 7). سنجد ظهورًا إلهيًا مماثلاً مع زلزال وتحرير السجناء في أع
16: 26. يجيب الله حلاً بآية "الزلزال" إلى ابتهال الجماعة: "(أبسط) يدك ليجرى
الشفاء والآيات والأعاجيب..." (آ 30).
تعترف الصيغة الطقسية التي تسبق آيات مز 2 أن "الروح القدس هو مؤلف النبوءة التي
تتكلم عن الاضطهاد الباطل وبدون جدوى ضد المسيح. لقد تكلم هذا الروح بفم داود.
وتذكر آ 31 كيف أن هذا الروح نفسه دفع الرسل الذين تقبّلوه في العنصرة إلى إعلان
كلمة الله "بجرأة". ويجيب الله بفيض الروح إلى ابتهال الجماعة: "هب لعبيدك أن
يعلنوا كلمتك بكل جرأة" (آ 29): هذا الروح هو الذي يمنح الجرأة في خدمة الكلمة.
يجيب الله إذًا وبالوقت نفسه من خلال "الزلزال" ومن خلال خدمة الرسل المليئة
"بالجرأة".
تعود الإشارة إلى الله الخالق وسيد العالم في آ 24ب، 31أ، كما يعود ذكر الروح القدس
(آ 25أ و31ب) الذي تكلم بفم داود وسيتكلّم بفم الرسل (آ 25أ و31ج). نجد هذين
الموضوعين في بداية الصلاة وفي آية الختام ويؤلفان معًا، احتواء مضاعفًا. لا يعني
ذلك أنها عودة على بدء، لأننا نجد من خلال جواب الله عبورًا من الصلاة إلى العمل.
"تعبر" الجماعة من الصلاة في الروح، التي كانت تأمّلاً في كلمة الله وعمله التاريخي
في المسيح، إلى العمل الذي يمثل ثمرة هذا الروح، والثقة بسيادة الله على التاريخ
وإعلان كلمة الله. نقول مع أوربان فون فالده: "نلحظ أخيرًا أن تصميم الصلاة
"ثالوثي". نجد فيه أن الصلاة مرفوعة إلى الآب، وأن الروح القدس حاضر في القوّة
المحيية، وأن يسوع ظاهر في عبد الله القدوس... الذي باسمه يرفع الرسل صلاتهم
ويكرزون".
خاتمة
قد لا نجد في سفر الاعمال مثالاً آخر لصلاة ليتورجية موسّعة على هذا النحو. لا يعني
ذلك أن الكنيسة الاولى لم تستعمل مثل هذا النوع من الصلاة الجماعية، لأنه واضح، حسب
قول مونو، "أنّ كتاب الاعمال لا يستطيع أن يقول كل شيء. كما أنه لا يروي إلاّ بعض
المشاهد من حياة الكنيسة الجديدة المنشأ". يدفعنا ذلك إلى التفكير بأن اجتماعات
الصلاة التي نجدها في الاعمال (أع 5: 42؛ 6: 6؛ 12: 12...) كانت مؤلفة على النمط
نفسه. تغدو هذه الصلاة الليتورجية مجموعة مؤلفة من عناصر هامة مثل إرسال الروح
القدس، الجرأة المتأتية منه، ظهور الآيات والعجائب، التبشير بالكلمة، وتصبح بالتالي
"نموذجًا" لانتشار رسالة يسوع في سائر أجزاء أعمال الرسل. يزيد بييو غرولو: "نجد
بكل تأكيد في هذا النص اليوناني تصميمًا عامًا للصلاة. يفترض شكلها الحالي تأليفًا
دقيقًا أعطاه لها لوقا نفسه بعد الحادثة... ليست (الصلاة) بالتالي خطبة... بل إنها
في وضعها الحالي صلاة ابتهالية مُدرجة في رواية واسعة".
الفصل التاسع عشر
المعمودية والروح
منذ حلول الروح القدس على التلاميذ يوم العنصرة، وهم يدعون الناس إلى الالتفاف
حولهم ومشاركتهم هذه الهبة الإلهيّة باعتمادهم: "توبوا وليعتمد كلّ واحد منكم باسم
يسوع المسيح لتُغفر خطاياكم ولتنالوا عطيّة الروح القدس" (أع 2: 38).
يدعو مار افرام السرياني جميع الموعوظين، في عظته حول هذا الموضوع، فيقول:
"إنزلوا يا أخوتي والبسوا الروح القدس
من داخل مياه المعموديّة
واختلطوا مع الروحانيّين
خدّام الألوهيّة".
1- فعل المعموديّة
بفضل المياه الأسراريّة، يصبح المعمّد هيكلاً للروح القدس. يخبرنا أوسابيوس أن والد
أوريجانس كان يحبّ، أثناء نوم ابنه، أن يكشف له عن صدره، فيقبّله باحترام، كأنّ
روحًا إلهيًا قدّس أحشاءه، مظهرًا بذلك "فرح الأب بابنه المعمّد حديثًا".
إن كانت المناولة تجعل المؤمن يشترك بسرّ جسد المسيح ودمه متّحدًا به بواسطة جسده
السرّي أي الكنيسة، فالمعموديّة تضفي على المؤمن إشتراكًا فعليًا بسرّ الثالوث
الأقدس وبسرّ الكنيسة إذ يصبح ابنًا للآب، أخًا للابن الوحيد، وهيكلاً للروح القدس،
ويصبح عضوًا في الجسم الكنسيّ. بهذا المعنى يقول تيودورس المصيصيّ: "بالثالوث
الأقدس نؤمن ونعتمد فنصبح جسدًا واحدًا بعمل الروح القدس، يعمله فينا بالمعموديّة،
لأننا فيها نصبح أبناء الله وجسدًا واحدًا لربّنا يسوع المسيح".
بحسب تعاليم الكنيسة، تُدخل المعموديّة المؤمنين في حضور الروح وعمله، وبقدر
تفاعلهم مع روح الله يستمدّون لحياتهم المسيحيّة ثمارًا كثيرة. فالمعموديّة شرط
أساسي للحصول على الروح القدس. فهي التي تعطي هذا الروح: "هكذا في المعموديّة تصبح
المياه حشًا للذي يولد. لأنّ نعمة الروح القدس تجبل المعتمد بميلاد ثان وجّعل منه
شخصًا آخر"، كما يضيف تيودورس.
فالمعموديّة باتحادها بالروح هي فعل متعلّق بتدبير الله الخلاصيّ. هي فعل يدخل في
عمليّة الخلق الذي هو الآخر، فعل محبّة إلهيّة مجّانيّة. إذًا هي في صميم التاريخ
الخلاصي، بها يولد الإنسان ولادة جديدة بفعل الروح، ويتحوّل من إنسان إلى إنسان.
لقد أظهر تيودورس ذلك عندما قال: "عندما يعتمد المؤمن وينال النعمة الإلهيّة
الروحانيّة، يتحوّل كلّيًا إلى شخص آخر: من طبع مائت إلى غير مائت، من فاسد إلى
عديم الفساد، من متبدّل إلى ثابت، فيصبح كلّه إنسانًا آخر، فليس طبع الماء بل عمل
الروح القدس هو الذي يعطي النعمة في معموديّة الماء".
كذلك هيبوليتوس الروماني (253+) يقول: "أفاض علينا روح الحياة ووشّحنا بسلاح غير
فاسد. إذا تأله المعتمد بالماء والروح بعد ميلاده الثاني من الغسل، فسوف يرث السماء
بعد قيامة الأموات".
فالمعموديّة تجعلنا إذًا ورثة في ملكوت الله لأنّ المؤمن يصبح وارثًا الآب الأزلي،
لكونه صار ابنه بالتبنّي وأخا الابن الوحيد يسوع المسيح.
"داود مسحه صموئيل
ليكون ملكًا على الشعب
وأنتم ها إنّ الكاهن يمسحكم
لتصيروا ورثة في الملكوت" (مار افرام)
2- الروح والماء
بين الماء والروح علاقة وثيقة. كما الهواء والنار والنور لها علاقة بالأرض (التراب)
وكلّ ما يتعلّق بالجسد، كذلك ترمز المياه لعمل الله وروحه. فالمياه السائلة
والطاهرة والمطهّرة، هذه المياه التي تنزل من السماء للسقي وللإحياء، ولولادة
الحياة في الجفاف والعقم، ترمز لعمل سرّي يفوق الإنسان وتصوّراته، ترمز لعمل داخلي
ومحيي كعمل الله. فالأمطار هي صورة لمجانيّة الله وعطاياه الغزيرة. هذه الصفحات
يمنحنا إيّاها الروح عينه، في المعموديّة التي هي ولادة جديدة بالماء الذي يُرى،
والروح الذي لا يُرى. الماء هو رمز للروح الذي يبدّل طبعنا المائت ويجعلنا في حياة
جديدة نثمر ثمارًا جديدة، من فرح ومحبّة وسلام... يقول تيودورس: "ليس طبع الماء بل
عمل الروح، يعطي النعمة في معموديّة الماء... هذه النعمة تحلّ على المياه وتهيّئها،
بهذا الحلول المقدّس المهيب، لتصبح كاملة تُتمّ هذا كلّه، حشا مذهلاً لميلاد جديد.
فكلّ من ينزل فيه، تجبله نعمة الروح القدس جبلة جديدة فيولد ثانية في طبيعة بشريّة
أخرى سامية".
3- معموديّة الماء ومعموديّة الروح
"أنا أعمّدكم بالماء من أجل التوبة، وأمّا الذي يأتي بعدي فهو أقوى منّي... فهو
يعمّدكم بالروح القدس والنار" (مت 3: 11). يدعو يوحنّا للتوبة، لتغيير الحياة
وتجديد المسلك والقلب داعيًا الناس للمعموديّة. هذه "الغطسة" هي حمّام خارجي وتجديد
داخلي، تغيير حياة كفعل محضّر لمجيء المنتظر.
يقول تيودورس المصيصيّ: "لقد أظهر يوحنّا جليًّا أن ليس له أن يعطي الروح لأنّه لم
ينل سوى التعميد بالماء، بواسطة معموديّة التوبة لغفران الخطايا، أمّا ربّنا فيعطي
الروح القدس".
ويقول مار افرام:
"هو شهد لمخلّصنا،
بأنّه يعمّد بالنار والروح،
فها إنّ النار والروح يا أخوتي
في المعموديّة الحقيقيّة".
4- معموديّة يسوع
ما كان يبشّر به يوحنّا يتمّ أمامه لكن بطريقة لم يحلم بها. ها إنّ يسوع يُقبل إليه
ليعتمد على يديه. قال يوحنّا إنّ من يأتي بعده يعتمد بالروح القدس (مت 3: 11) وإنّ
الروح القدس ينزل ويستقرّ عليه (يو 1: 33) ذلك الذي يعمّد بالروح القدس والنار
ويغفر خطايا العالم. هذا الانسان أتى يعتمد على يد يوحنًا فكانت الدهشة بادية على
محيّاه وعلى لسانه: "أنا أحتاج أن أتعمّد على يدك، فكيف تجيء أنت إليّ" (مت 3: 14)؟
كتب القدّيس يعقوب السروجي متأمّلاً حول هذا الموضوع:
"دنا المسيح من يوحنّا ليعتمد منه،
رآه يوحنّا فردّ يده عن ربّ الناريّين،
حنى رأسه أمام الابن قائلاً:
أنا الواجب عليّ أن أعتمد منك أنت، لأنّك القدّوس.
خشي يوحنّا وخاف وارتعد من ابن الملك،
سجد له شاكرًا وهو يتضرّع بصوت عال:
أرجوك، ربّ، أنا لا أستحقّ الدنوّ منك،
فالهشيم أضعف من أن يضع يده على اللهب".
لقد اعترف يوحنّا أنّ معموديّته بشريّة بظهور الروح الذي ناله يسوع من الله، والماء
الذي سكبه يوحنّا عليه. يكرّس يسوع هذه المعموديّة التي لم تكن بالنسبة ليوحنّا سوى
رمز وتحضير للسرّ المسيحيّ. يتابع يعقوب السروجي تأمّله فيقول على لسان يوحنّا:
"لقد قلت لعروس النور خطّيبتك:
إنّ العروس سيّدك يعمّد بالروح القدس والنار.
باسمك كنت أعمّدها لتزدان بك،
فباسم مَنْ أعمّدك أنت القدّوس، لا أعلم؟
فكيف أرجع الآن عن كلمتي وأغيّر صوتي
فأعمّدك بالماء كالباقين، يا معمّد الجميع؟"
لقد تعمّد يسوع بالروح. أتى يسوع يعمّد لكنّه كان مقرّرًا أن يقبل عمادًا: "ليكن
هذا الآن، لأنّنا نتمّم مشيئة الله" (مت 3: 15). أتى يعطي الروح لكنّه كان عليه
أوّلاً أن ينزل في المياه الأرضيّة. أتى يسوع يهدم عالم الخطيئة، منغمسًا في حقل
الخاطئين. أتى يكرّس كنيسته بروح التقديس لذا يجب عليه أن يكون مدفوعًا من روح
القداسة ليجابه الشيطان (مر 1: 12)، ويعيش أيّامًا مع الأرواح الشرّيرة، ويكون
معرّضًا لتجاربها. لقد شرح يوحنّا الإنجيلي جيّدًا معموديّة يسوع، فالذي يستقر عليه
الروح هو "حمل الله الحامل خطايا العالم" (يو 1: 29).
لقد تعمّد يسوع على يد يوحنّا الذي قبل العماد من يسوع وهو لم يزل في الحشا. يوم
زارت مريم العذراء نسيبتها أليصابات الحبلى بابن في شيخوختها، امتلأت أليصابات من
الروح القدس واهتزّ ابنها فرحًا في داخلها (لو 1: 41). لقد نال يوحنّا نعمة الروح
من يسوع المسيح الذي كان متأنّسًا في حشا أمّه مريم.
تعمّد يسوع من يوحنّا الكاهن والنبي، ليصبح هو الآخر كاهنًا ونبيًا. لقد كرّسه
يوحنّا الكاهن، كاهنًا ونبيًا وملكًا بوضع اليد عليه بالمعموديّة كما فعل صموئيل
بشاول وداود النبي والملك. فالكاهن الأوحد قبل كهنوته من سلالة كهنوتيّة ليستطيع أن
يبدأ بشارته متمّمًا بذلك الإرادة الإلهيّة والشريعة اليهوديّة.
بالمعموديّة، ظهر يسوع للعلن، نبيًا يحمل بشارة الخلاص: "روح الربّ عليّ، لأنّه
مسحني وأرسلني لأبشّر المساكين، أرسلني لأنادي للأسرى بالحريّة، وللعميان بعودة
البصر إليهم، لأحرّر المظلومين، وأعلن الوقت الذي فيه يقبل الربّ شعبه" (لو 4: 18-
19) كما ظهر الملك الذي أتى ليملك على القلوب الوديعة: "إنّ مملكتي ليست من هذا
العالم" (يو 18: 36). "إنّي ملك. أنا ولدت وجئت إلى العالم حتّى أشهد للحقّ. فمن
كان من أبناء الحقّ يستمع إلى صوتي" (يو 18: 37). لقد أظهر يسوع نفسه أخيرًا أنه
الكاهن الذي أتى ليقدّم ذاته ذبيحة عن العالم: "هذا هو حمل الله الحامل خطايا
العالم" (يو 1: 29).
لقد اعتمد يسوع لا ليتقدّس بالمياه بل ليقدّس المياه ويجعلها تحمل بذار الإلوهيّة،
فيصبح كلّ من يعتمد باسمه أهلاً للحياة الجديدة في ملكوت الله السرمديّ.
5- الروح والمياه الأسراريّة
إذا كان هناك علاقة بين الروح والماء فذلك بواسطة يسوع المسيح. المياه لم تتغيّر
ولم تعرف فضيلة أخرى جديدة منذ التجسّد، والروح لم يُضَف إليها كقوّة مطهِّرة. لكن،
منذ نزول يسوع، الذي استقرّ عليه ملء الروح، في المياه بين الخطأة ليقوم مثلهم بفعل
التطهير، يعاد في كلّ مرّة فعلُ الكنيسة هذا فتنزل المياه الأسراريّة على رأس خاطئ،
وفي كلّ مرّة تنفتح السماء ويحلّ الروح على ابن جديد لله. بحصر المعنى، ليست المياه
هي التي تحمل وتعطي الروح لكنّ مياه المعموديّة، مياه الفعل الأسراري وكلامه،
المياه المسكوبة بواسطة الكنيسة تعيد عمليّة اعتماد ابن الله الذي صار انسانًا.
6- روح الابن
ماذا فعل الروح في معموديّة يسوع؟ يدعو الإنجيل كلّه إلى التأمّل بالآب يكلّم الابن
وبالآبن يجاوب أباه. لا شيء يمنع أن نضع الروح معهما، كوجه مماثل لهما. في الروح
الموجود في المعموديّة نقول ما قاله يسوع لتلاميذه: "هو يكلّمكم ويرشدكم إلى الحقّ
كلّه، يأخذ ما هو لي ويطلعكم عليه" (يو 14: 26). فالروح حاضر في الحوار الذي يدور
بين الآب والابن.
الروح هو الذي قاد يسوع إلى البريّة ليجرّب من الشيطان وينتصر عليه (مر 1: 12 ي)
والمسيح خاضع لمشيئة الله ولروحه القدّوس الحالّ فيه. لكنّ فعل الروح في المعموديّة
عنده شيء مميّز وخاصّ. فظهور الروح هو نتيجة لمخطّط الله. لأنّ يسوع أتى يطلب
المعموديّة، حلّ الروح القدس عليه لا ليضفي شيئًا جديدًا عليه بل ليشاركه كلمة الله
الآتية من السماء: "هذا ابني الحبيب الذي عنه رضيت" (مت 3: 17). ما أحضره الروح هو
الآب. فبالروح التقى الابن بالآب. ظهر الروح وكأنّه بيّن للابن اتّحاده بالآب،
وكأنّه يضع الابن في وضعه الحقيقيّ كابن للآب. فهو ابن بواسطة الروح. لقد أوضح لوقا
دور الروح هذا الذي يجمع الآب بالابن، عندما شكر يسوع أباه لأنّه أظهر ذلك
للمتواضعين وللبسطاء، وأخفاه عن الحكماء والفهماء (لو 10: 21). بواسطة الروح في جوّ
إلهيّ من القوّة والشفافيّة والتعلّق المتساوي بالمحبّة يلتقي الآب بالابن ويتّحدا.
لقد ظهر عمل الروح في معموديّة يسوع بهذا الرباط الذي يجمع الآب بالابن، هذا الرباط
الذي لا ينفصل أبدًا. لقد شعر يوحنّا أنّ نارًا تخرج من يسوع فتقدّست المياه. لم
يرَ حمامة تطير وتحلّ على رأس يسوع (فالروح لم يتجسد قط) بل شعر وكأنّ حرارة لا بل
نارًا حلّت على يسوع كما تحلّ الحمامة وتستقرّ. لقد ذكر مار يعقوب السروجيّ ذلك
عندما قال:
"خرج منه الروح القدس وحلّ على المياه،
فألهبتها حرارة قوّته.
أجّت ناره في الأمواج قبل نزوله،
فجاش النهر شوقًا إليه في اضطرام اللهب العظيم".
7- الروح والصليب
تستبق معموديّة يسوع منذ ظهوره الأوّل، كلّ ما هو المسيح وما هو دوره. هو ابن الله
لكنّه لا يظهر كذلك إلاّ بقدر ما يأخذ صورة العبد المتألّم. يعيد ولادة البشر
بالروح ويجعلهم أبناء الله. لذا يجب على ابن الانسان أن يغوص في عمق خطايا العالم.
منذ هذا اليوم الأوّل لظهوره، تظهر الآلام، آلام الفداء على الصليب. فيسوع أطاع
أباه منذ تجسّده مرورًا بالمعموديّة، وصولاً إلى الجلجلة: "تواضع، أطاع حتّى الموت،
الموت على الصليب" (فل 2: 8).
يذكّر بولس المؤمنين حقيقة أخذوها يوم معموديّتهم: "ألا تعلمون أنّنا حين تعمّدنا
لنتّحد بالمسيح يسوع تعمّدنا لنموت معه، فدفّنا معه بالمعموديّة وشاركناه في موته،
حتّى كما أقامه الآب بقدرته المجيدة من بين الأموات، نسلك نحن أيضًا في حياة جديدة؟
فإذا كنّا اتّحدنا به في موت يشبه موته، فكذلك نتّحد به في قيامته" (روم 6: 3- 5).
وهذا ثمرة تفكير عميق قام به القدّيس بولس. لكنّ الأناجيل تقول الشيء ذاته وإن
بطريقة أخرى. فالروح المعطى بالمعموديّة يأتينا من آلام المسيح.
لقد أظهر الإزائيّون أنّ على المسيح أن يتعمّد، وهذه المعموديّة هي آلامه، مظهرين
إياه الفادي وضحيّة خطايا العالم. وما مراده بقوله: "علينا أن نتمّم كلّ برّ" (مت
3: 15) سوى صدى لإعلانه آلامه: "على ابن الإنسان أن يصعد إلى أورشليم ليتألّم" (مت
17: 21).
يُظهر مرقس ولوقا الآلام كمعموديّة. يسأل يسوع ابني زبدى اللذين طلبا مكانًا لائقًا
في ملكوته: "أتقدران أن تشربا الكأس التي سأشربها، وأن تقبلا معموديّة الآلام التي
سأقبلها؟ فأجابا: نعم" (مر 10: 38). وهذا ما تمّ فعلاً، فيعقوب مات مقطوع الرأس
وأخوه يوحنّا مات شهيدًا (كما تقول بعض الشهادات). لقد قبلا معموديّة الآلام كما
قبلا من يسوع معموديّة الماء والروح يوم الغسل. فالمسيح أتى بنار، وكم يودّ أن تكون
قد اشتعلت (لو 12: 49 ي). فالمعموديّة والنار هما واحد. فالمسيح أتى يعمّد بالروح
والنار (لو 3: 17).
عن أيّ نار كان يتحدّث يسوع سوى عن نار العنصرة؟ فالمسيح لم يتكلّم كثيرًا عن الروح
الذي سيرسله. لقد ترك هذا الإعلان للأيّام الأخيرة، للساعة التي يحضّر بها تلاميذه
للحياة التي تنتظرهم بعد ذهابه (لو 12: 11 ي). فيقوم دور الروح في الأناجيل الأربعة
في مساعدة التلاميذ على عبور المحنة التي مرّ بها يسوع، وللإعلان، وللاعتراف أمام
العالم كلّه أنّ يسوع هو ابن الله المخلّص، هو الرّبّ والمسيح، داعين الناس إلى
التوبة أي أن يعيشوا معموديّتهم الخاصّة ورسالة التبشير بالإنجيل، ونشر الملكوت.
وتظهر العلاقة بشكل واضح أكثر في الإنجيل الرابع: "إن عطش أحد، فليجئ إليّ ليشرب.
من آمن بي، تفيض من صدره أنهار ماء حيّ" (يو 7: 37- 38). ويوحنّا الذي نال الروح
القدس يوضح ذلك: "عنى بكلامه الروح الذي سيناله المؤمنون به، فما كان الروح أعطي
حتّى الآن، لأنّ يسوع ما تمجّد بعد" (آ 39).
فالمعموديّة التي يعطيها يسوع هي الروح القدس. وفي التدبير الإلهي لا يستطيع أن
يعطي هذا الروح إلاّ بعد أن يشعر بطعم المرارة (يو 16: 7؛ 19: 30؛ 20: 22). أعطى
يسوع الروح ساعة موته لتكون الحياة لكلّ من يؤمن به. إنّ المقابلة التي جرت بين
يسوع ونيقوديمس، تُظهر بوضوح هذه العقيدة في إنجيل يوحنّا. فالمعموديّة هي "ولادة
ثانية" بالماء والروح ضروريّة لدخول ملكوت الله (3: 5) هذه الولادة معقولة لأنّها
عمل الروح. إنّ قوّة الروح هذه مستمدّة من ارتفاع ابن الإنسان على الصليب. لينزل
الروح من السماء "يجب أن يصعد إلى السماء ذلك الذي نزل من السماء، ابن الانسان
الموجود في السماء" (يو 3: 13). على الله أن يعطي العالم ابنه الوحيد (3: 16)، الذي
يجب عليه أن يعود إلى أبيه ليرسل المعزّي، أي الروح القدس (16: 7).
يُسرع الجميع إلى المعموديّة، عند سماعه بمجيء ملكوت الله لأنّه يبحث عن واقع جديد
ووجود جديد. أقبل يسوع أيضًا متكلّمًا بلغتهم ما يعرفه وحده لأنّ السماوات منفتحة
له ويرى ما في داخلها. فمصير الابن الوحيد والحبيب أن يُسلَم لخلاص العالم. فحضور
يسوع إلى المعموديّة جعلها تثمر حياة جديدة بالروح القدس، فتُغفَر الخطايا ويحلّ
صوت الآب عليه وتُرفَع آيات الشكر من الابن، بواسطة الروح القدس الذي يستقرّ عليه.
8- روح المسيح الممجّد
يكمّل الحاش (= الآلام) والقيامة ما قدّمته المعموديّة من روح بنويّة. إنّهما
ينهيان ما ظهر من علاقة بين يسوع والروح. إنّ الترابط بين الآلام والقيامة هو ذاته
بين نزول يسوع في مياه الإردنّ وظهوره كابن الله بحلول الروح القدس عليه.
"فلمّا رفعه الله بيمينه إلى السماء، نال من الآب الروح القدس الموعود به فأفاضه
علينا، وهذا ما تشاهدون وتسمعون" (أع 2: 33). كلّ علامات المعموديّة تُظهر هنا،
تضامن يسوع مع الناس ولاسيّما الخطأة. فمخطّط الله الخلاصيّ الذي ظهر بالإنجيل قاده
إلى الموت.
بقوّة الروح المعطى بالموت والقيامة وفي العنصرة، تشهد الكنيسة وتؤمن بهويّة
مؤسّسها الحقيقيّة: "مسيح وربّ" (أع 2: 36). بصفة إلهيّة. فكلّ الآيات التي حدثت
بعد حلول الروح القدس: التكلّم بلغات متعدّدة، وشفاء المرضى، وانتصار الشجاعة عند
التلاميذ على الخوف (أع 2: 4)، هذه العلامات كلّها تعود إلى حدث واحد رئيسيّ: موت
المسيح وقيامته مانحًا العالم الخلاص. من الآن وصاعدًا غفرت الخطايا (أع 2: 38؛ 3:
26...). هذه هي الركيزة الأساسية لبشارة الكنيسة. وللحصول على هذه المغفرة هناك
طريقة وحيدة: التوبة وقبول المعموديّة. هنا يأتي الروح الذي يمنحه يسوع لكلّ "من
آمن واعتمد". فالعمل الخلاصيّ الرئيسيّ الذي ظهر في معموديّة يسوع والذي تحقّق
بموته وقيامته، يظهر من جديد على كلّ من يقبل العماد: "توبوا وليعتمد كلّ واحد باسم
يسوع المسيح لمغفرة الخطايا". هذه هي مسيرة الخاطئ الذي يقتدي بالمسيح ويصلح سيرته.
"فتنالون إذّاك عطيّة الروح القدس". هذا جواب للكرم الإلهيّ الذي يتخطّى كلّ حلم
بالتطهير والتجديد، هو عطيّة الله ذاته.
إن كان المسيح خضع لمعموديِّتنا وجعلنا نعبر الطريق ذاته، فلكي يعطينا الروح الذي
ظهر عليه، ويعيد العلاقة التي قطعت بين الله والإنسان. وهنا يظهر بوضوح صدى إنجيل
متّى في خاتمته: "نلت كلّ سلطان في السماء والأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم،
وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (28: 18 ي).
9- روح الأبناء
روح الابن هو روح الأبناء. أقبل يسوع إلى المعموديّة كخاطئ فظهر ابنًا وحيدًا لله
بفضل الروح وعمله. كذلك المسيحيّون يظهرون أبناء الله على مثال الابن الوحيد.
لقد أظهر بولس هذا السرّ للملأ. منذ اليوم الأوّل، يعرف المسيحيّون بواسطة الروح،
أنّ وجودهم يحيي وجود يسوع. فهم يصلّون للآب بالكلمة ذاتها التي صلاّها معلّمهم
الإلهي: "أبًا، أيّها الآب" (غل 4: 6). فعمل الروح في المؤمن هو تغيير القلب الذي
يجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش كابن للآب. هذا العمل الروحي يدفع المؤمن أن يعيش
التوبة على حقيقتها، كما يتحرّك الولد لملاقاة والده: "كلّ من نال روح الله هو ابن
الله" (روم 8: 14). "والبرهان أنّكم أبناء الله، هو أن الله أرسل في قلوبنا روح
الابن فنصرخ أبّا، أيّها الآب" (غل 4: 6). بهذا الوضع كابناء، بواسطة روح الابن
الوحيد، تنهمر نعم الله على أبنائه. هم أبناء إذًا ورثة (غل 4: 7). "كلّ ما هو للآب
هو لهم". لذا كلّ ما بينهم هو مشترك.
بحصولهم على الروح القدس الواحد، هم جميعًا أبناء، وبالتالي هم جميعًا أخوة. عندما
يتكلّم بولس على المعموديّة بالروح، يفكر دائمًا بوحدة المسيحيّين: "جسد واحد وروح
واحدة..." (أف 4: 4 ي)، "كلّنا تعمّدنا معًا بمعموديّة واحدة" (1 كور 12: 3؛ غل 3:
26). فلا فرق بين واحد وآخر: "تعمّدنا بروح واحد لنؤلّف جسدًا واحدًا" (غل 3: 26
ي). كما أن المشاركة فيما بينهم حول طاولة واحدة في الإفخارستيّا، هي رمز لوحدة جسد
المسيح، كذلك المشاركة بالمعموديّة الواحدة هي رمز لحضور روح واحد في جميع
المسيحيّين.
إذا كانت المعمودية تدخلنا إلى حضن الثالوث، فهي تظهر لنا شخص الروح. في العهد
القديم يظهر الروح كقوّة إلهيّة تغيّر العالم وتحدث تبديلات جديدة. عمله الداخلي
يقود دائمًا إلى الخلق. هدفه إعلان مجد الله، ولكن يظهر الروح منبثقًا من الله
ومتّجهًا إلى العالم مظهرًا مشيئة الله حاملاً كلامه إلى أقاصي الأرض. الروح الذي
ظهر على يسوع والذي يحيي المعمّدين ليس فقط عمليًا وخلاّقًا، لكن دوره العظيم هو أن
يوجّه إلى الله جميع من يوحي إليهم أن يتقرّبوا منه. لا يأتي فقط من الله بل يتوجّه
إليه، يكلّمه. فالله هو الذي يوحي بالصلاة للمؤمن وهو الذي يقبلها وما ذلك إلاّ
بواسطة فعل الروح. به ينزل كلّ شيء وإليه يعود كلّ شيء. وهذا الوحي كلّه هو عمل ذلك
الذي صعد إلى الآب بالروح لأنّه أتى من الآب بالروح.
10- خاتمة
حاولنا في هذه الدراسة إلقاء بعض الأضواء حول العلاقة التي تربط الروح بالمعموديّة.
فالمعموديّة هي مدخل جميع الأسرار، بها يصبح الإنسان شخصًا جديدًا، فيعبر من حالة
الخطيئة إلى حالة النعمة. ويولد ولادة جديدة، ويضحي ابنًا لله الأزلي بالتبنّي،
أخًا للابن الوحيد، وهيكلاً للروح. فالروح القدس وحده هو الذي يبدّل الإنسان من
ماديّ إلى روحاني، فيدخله في شركة مع الثالوث الأقدس، وفي شركة مع الكنيسة، جماعة
المؤمنين، ويؤهّله لدخول ملكوت الله. أمّا معموديّة يسوع فكانت الفاتحة التي من
خلالها يستطيع المؤمن أن يلج في عمق الله ويتّحد به متمّمًا مشيئته على مثال
المعلّم الإلهي فيعبر معه من الموت إلى حياة لا نهاية لها.
الفصل العشرون
الروح يقدّسنا: في تعليم الآباء اليونان
إن سرّ الثالوث، حياة الله الحميمة، هو جوهريّ من أجل تقديس المسيحيّ. لهذا عاد
إليه الآباء منذ أصول المسيحيّة ليعبّروا عن دعوة الكنيسة وتقديسها. هذا مع العلم
أن اللاهوتيّين بدأوا حوالي سنة 360 يفكّرون بشكل واضح في شخصيّة الروح القدس
الالهيّة. كان هذا امتدادًا للأزمة الاريوسيّة.
كانت العبارات السابقة مرتجلة، طوعيّة، فما استطاعت أن تحيط بكل وجهات السرّ.
ولهذا، يكون من الصعب علينا أن نجد فيها منذ البدء كل الفطنة التي سيجدها التعليم
المستقيم في النهاية. ولكن الحريّة التي تحملها ثمينة جدًا. فهي تبرز تارة هذا
العنصر وطورًا ذاك، وكل هذا سيجمعه التقليد اللاحق.
في هذه الصفحات، نتوقّف عند ثلاثة أباء: ابريناوس، أسقف ليون في فرنسا (130- 202)
وصاحب "الردّ على الهرطقات". وأوريجانس (185- 252) ابن الاسكندريّة وقيصرية فلسطين
الذي سيموت في صور. وباسيليوس (329- 379) ابن قيصريّة الكبادوك في تركيا، وصاحب
المقال عن الروح القدس.
1- ايريناوس
شدّد الآباء على الرباط الحميم بين الروح ونفسنا. وهذا الرباط هو العنصر السامي في
شخصيّة المسيحي. فأبرز بعضهم مثل أغناطيوس الانطاكي ويوستينوس ابن نابلس في فلسطين،
في خطّ بولس الرسول، تعليمًا يعلن أن الانسان مكوّن من ثلاثة: الجسد، النفس، الروح.
وسيظلّ افراهاط الحكيم الفارسي في القرن الرابع متعلّقًا بهذا التعليم. لهذا، ما
عاد يعرف هؤلاء الآباء حين يقرأون نصّ رسائل بولس، هل هم أمام الروح الذي يقابل
الجسد أم الروح القدس الذي هو الاقنوم الثالث في الثالوث الأقدس.
فكّر ايريناوس عميقًا في هذا الموضوع فماهى بين روح المسيح وروح الله. فقد ظنّ بعض
الشرّاح أن بولس الرسول لجأ إلى اللفظة البيبليّة، لفظة "الروح" ليدلّ على قمّة
النفس التي رأى فيها الافلاطونيون والرواقيون القطب المعارض لميول الجسد، فسمّوها
العقل الموجّه. ولكن جديد القديس بولس لم يتوقّف عند الألفاظ. بل دلّ على خبرة
مسيحيّة لخلاص انبثق من سرّ الله الحميم، بحيث إن اختيار لفظة "بنفما" (الروح) لم
يكن صدفة واتفاقًا. في هذا الخطّ نتعرّف إلى ايريناوس، الذي شدّد على الروح الذي
يتقبّله الجسد أو بالأحرى اللحم والدم بما فيهما من ضعف.
أ- الروح الذي يتقبّله الانسان
حارب ايريناوس الغنوصيّين الذين ظنّوا أنهم يُبرزون أكثر من غيرهم الوجهة العلوية
(الفائقة الطبيعة) والبنفماتيّة للخلاص الذي جاء من أعلى الأعلى، من أبعد من الله
الخالق. فقد اعتبروا أن تعظيم الروح هو شجب الجسد. دلّ ايريناوس على روح متفائلة
وحبّ للمادة فعارض جميع الذين احتقروا المادة في العالم القديم. فأبرز جمال وقداسة
"المجبول" الذي خلقه الله من الطين الذي عالجه بيديه. إن إيريناوس يرى أن الروح
يقدّم نفسه لنا في الخليقة المادية. قال:
"الله يتمجّد في "مجبوله" الذي كيّفه على شكل ابنه ولياقاته. فبيدَي الآب أي بالابن
والروح، جبل الانسان على صورة الله: الانسان كله. لا جزء من الانسان. فالنفس والروح
قد يكونان جزءًا من انسان، ولكنهما لا يكونان انسانًا كاملاً. فهذا الانسان الكامل
هو مزج واتحاد تامّ لنفس يأخذها روح الآب، مع جسد كُوّن على صورة الله...
"نعرف في الكنيسة عددًا من الاخوة الذين نعموا بمواهب نبويّة. فبالروح هم يتكلّمون
في جميع اللغات، ويكشفون خفايا القلوب من أجل البناء، وينشدون أسرار الله. هؤلاء هم
الرجال الذين يسمّيهم الرسول روحيّين. إنهم كذلك بمشاركتهم في الروح، ولكن دون أن
يكونوا روحًا محضًا بعد أن يُلغوا الجسد. فإذا تركنا جانبًا المجبول الالهي، وإذا
أردنا أن نفهم الروح بطريقة مجرّدة ومنعزلة، لا ينبغي أن نتكلّم عن انسان روحي، بل
عن روح الانسان أو روح الله. ولكن حين يُفاض الروح في النفس ويتّحد بالمجبول، عند
ذاك نكون أمام انسان روحي وكامل بالنظر إلى فيض الروح. هذا هو "الانسان المخلوق على
صورة الله ومثاله". بدون ذلك، يبقى الانسان حيوانا، يبقى ناقصًا، يبقى لحمًا ودمًا.
لا شكّ في أنه "على صورة الله" لأنه مجبوله، ولكنه لم يحصل بعد على الشبه الذي هو
عمل الروح. اذن، هو ناقص. ثم إن أزلنا صورة الأرض احتقارًا للمجبول، لم نعد أمام
انسان، بل أمام جزء من انسان.
"وهكذا فالانسان الكامل ليس جسدًا جبله الله، ولا نفسًا. من جهة مجبول ومن جهة أخرى
النفس. إنهما جزءا الانسان. والروح أيضًا ليس الانسان. وقد سمّي "روح" لا "انسان".
فمزج ووحدة هذه العناصر الثلاثة يكوّنان الانسان الكامل".
ويتابع ايريناوس: "ثلاثة أمور تكوّن الانسان الكامل: الجسد، النفس، الروح، كما
قلنا. الواحد يخلّص ويكوّن. هو الروح. وآخر يتّحد وينال الشكل هو الجسد".
قد نستطيع أن نورد مقاطع أخرى، فنجد تكرارات، تنبع من يقين الكاتب الذي يريد أن
يُدخل هذه الفكرة في قلوب المؤمنين. ومع ذلك، فالفكر ينمو ويتطوّر. هكذا نعي وحدة
الحياة وسرّ الانسان الذي لا يكمل إلاّ بمشاركة شخصيّة مع الخالق، ولا يتحقّق إلاّ
حين يتجاوز نفسه: نفسه لا تكفيه من أجل سعادته. فيد الآب التي جبلتنا في آدم، تحلّ
علينا بواسطة النعمة في تواصل مع عمله التاريخيّ في الأنبياء والرسل والأسرار.
وحين يتحدّث ايريناوس عن الروح يكثر من العبارات المرادفة: فيض الروح. اتحاد
بالروح. مشاركة مع الروح. الروح يقيم في الجسد حيث جعل هيكله. ترتبط هذه العبارات
بالتقليد المسيحيّ السابق، ولكنها تدلّ على نموّ ملحوظ وتقدّم لافت في ما يتعلّق
بدور الروح في تقديس المؤمنين. وهذا النموّ يعود إلى تأمّل معمّق في فكر بولس
الرسول.
ب- الروح الذي مقبّله الكنيسة
شدّد ايريناوس أيضًا في ردّه على الغنوصيين، على لفظة أخرى غير علاقة روح الله
بالانسان. فإن اعتبر أن الروح القدس يرتبط ارتباطا حميمًا بكل مسيحي، فربطه ربطًا
شخصيًا بخالقه ومخلّصه، فهو يدلّ أيضًا على أننا نكون في الوهم إن اعتبرنا أننا
نستطيع أن نتبع دفع الروح دون الأخذ في الاعتبار الكنيسة، الكتب المقدّسة، الرسل.
قال:
"نحتفظ بالايمان كما تسلّمناه من الكنيسة. وهو يتجدّد باستمرار بفعل روح الله، مثل
شراب ثمين حُفظ في إناء ثمين، يجدّد الإناء الذي يحويه. فالكنيسة قد تسلّمت عطيّة
الله، كما سلّم الله النسمة إلى المجبول.
"قد رُتّبت في الكنيسة شركة المسيح أي الروح القدس الذي هو عربون لافسادنا، ومثّبت
إيماننا، والسلّم التي ترفعنا إلى الله. ففي الكنيسة، كما يقول القديس بولس، أقام
الله الرسل والأنبياء والمعلّمين والآخرين على التوالي. ولا يشارك في عمل الروح
هذا، أولئك الذين لا يرتبطون بالكنيسة. فحيث الكنيسة هناك روح الله. وحيث روح الله
هناك الكنيسة وكل نعمة".
وتوسّع ايريناوس في هذه الفكرة فلجأ إلى موضوع أخذه من الرواقيين هو موضوع روح
الحياة الذي يجمع في الوحدة كل أجزاء الكون. قال:
"نزل الروح على التلاميذ في العنصرة، فأعطاهم سلطانًا أن يُدخلوا كل الأمم إلى
الحياة وأن يدشّنوا العهد الجديد. لهذا أنشدوا مديحًا لله يوافق جميع الألسنة.
وهكذا أعاد الروح إلى الوحدة أعراقًا تشتّتت، وقدّم للآب باكورة جميع الأمم. كان
الرب قد وعد بأن يرسل البارقليط الذي يجعلنا نتّحد بالله، بل أقول "نلتصق" بالله.
فكما أن الحنطة الناشفة لا تستطيع أن تصير عجينة واحدة، خبزة واحدة، دون أن يرشّ
عليها الماء هكذا هو الأمر بالنسبة إلينا: لا تقدر كثرتنا أن تصير وحدة في المسيح
يسوع دون الماء الذي يأتي من السماء... فقد نالت أجسادنا بماء المعموديّة، الوحدة
التي تجعلها لافاسدة، ونالت نفوسنا هذه المياه بالروح القدس".
هذه المواضيع الرواقيّة التي استعادها بولس الرسول، قد وجدت نهاية مسيرتها في تلميح
إلى الأسرار. نحن هنا في منطق فكر يشدّد من جهة على ارتباط الروح بجسد أرضيّ
ومقدّس، ومن جهة ثانية على ارتباط بالكنيسة. لاشكّ في أن الهرطقة الغنوصيّة لا
تهدّد في ماديتها عالم اليوم، لأن المفارقة المسيحيّة تظلّ من جيل إلى آخر مناسبة
دهشة وشكّ. ومع ذلك فايريناوس يلفت نظرنا حين يجمع الألفاظ المتناقضة، الحريّة
المواهبيّة والأمانة لتنظيم الكنيسة وتقليدها. روحانيّة صوفيّة وثقة بالمادّة التي
خلقها الله الصالح. الطحين والماء.
2- أوريجانس وتلميذاه
نبدأ بأوريجانس ثم نكمّل مع غريغوريوس العجائبي وكيرلس الاورشليمي.
أ- الدور الخاص للروح في أوريجانس
اختلف ابن الاسكندريّة عن أسقف ليون الفرنسي، فكان ابن أهمّ مركز فكريّ في الكنيسة
خلال القرن الثالث، فولج قدر المستطاع في سرّ الله.
كانت نظرة أوريجانس متجرّئة، ففهمتها فئة وصلت إلى الأريوسيّة. ولكن الآباء
الكبادوكيين، ومنهم باسيليوس، سوف يكتشفون فيها العمق الايماني والروحانيّة. نكتفي
هنا بصفحة رئيسيّة نأخذها من "مقال المبادئ" الذي يحاول أن يدلّ على العلاقة بين
الروح والقداسة. استند أوريجانس إلى معلّم عبراني، فرأى في الابن الوحيد والروح
اثنين من السرافيم ينشدان قداسة الآب. قال:
"فكل معرفة للآب يوحيها الابنُ في الروح القدس بحيث إن هذين الحيّين اللذين يتحدّث
عنهما النبيّ هما سبب العلم الذي لنا عن الله. قال الرسول: "الله أوحاه بروحه"...
"والروح يفحص أعمال الله". وقال يوحنا: "يعلّمكم ويذكّركم بكل ما قلته لكم".
"يبقى أن نبحث عن السبب الذي لأجله يحتاج الانسانُ المولود من الله لأجل الخلاص،
إلى الآب والابن والروح القدس. هو لا يستطيع أن يدرك الخلاص إذا لم يكن الثالوث كله
حاضرًا، فيستحيل عليه أن يشارك الآب أو الابن بدون الروح القدس. إذا أردنا أن نناقش
هذه النقطة، يجب بلا شكّ أن نتوصّل إلى وصف عمل الروح القدس الخاص كعمل خاص بالآب
والابن.
"فالله الآب الذي يُسند الكون، يصل إلى جميع الخلائق حين ينقل إليها الوجود الذي
يملكه وحده لأنه ذاك الذي هو. والابن يدرك الكائنات العاقلة، المرتبطة باللوغوس.
فهو الثاني بالنسبة إلى الآب. والروح القدس يصل إلى القدّيسين. وهكذا تكون قدرة
الله كبيرة وقدرة الابن واسعة وقدرة الروح مقدّسة".
وإذ أراد أوريجانس أن يبرهن عمل الروح القدس هذا، جاء بعدّة أمثلة من الكتب
المقدّسة. هنا يقف على أرض ثابتة ويدلّ على سعة عمله في مجال التفسير. ولن نبحث
عمّن هو "الأعظم" في الثالوث، لأن عمل التقديس يوازي عمل الخلق والاستنارة
العقليّة. وهكذا توسّع أوريجانس في عمل الروح المقدّس كما يعلنه الكتاب المقدس،
فاجتذب إلى تعاليمه الأجيال اللاحقة. ونذكر بشكل خاص غريغوريوس العجائبيّ وكيرلس
الاورشليمي.
ب- الروح صورة الله عند غريغوريوس
كان غريغوريوس تلميذ أوريجانس فمثّل اليمين في حركة أطلقها، أي الجناح الرسولي
والرعائي. توسّع "مقال المبادئ" مطوّلاً في الأسئلة المختلف عليها. أما غريغوريوس
فترك لنا "قانون إيمان" يستند إلى إيمان الكنيسة، لا إلى الكتاب المقدّس بدرجة
أولى. وها هو البند الثالث الذي سيكون له تأثير كبير على تعليم الكبادوكيين:
"أؤمن بروح قدس واحد، أخذ من الله جوهره وتجلّى بالابن. صورة الله. الصورة الكاملة
لله الكامل. حياة وعلّة حياة للأحياء. ينبوع مقدّس، قداسة قائمة في ذاتها، منسّق
التقديس. فيه يظهر الله الآب الذي هو فوق الكل وفوق كل شيء. والله الابن الذي به كل
شيء. ثالوث كامل بدون انقسام ولا تحوّل. كامل في المجد، في الأزليّة، في الملك. في
هذا الثالوث، لا شيء مخلوقًا ولا شيء عبدًا ولا شيء مضافًا. ليس منه ما لم يوجد في
البدء فأدخل بعد ذلك. فالابن كان دومًا مع الآب، والروح مع الابن. ثالوث دائم وكامل
وغير متبدّل".
وطُرح سؤال: هل عبارة "ينبوع مقدَّس" التي لا نجدها في بعض المخطوطات، تعود حقًا
إلى القرن الثالث. ولكن التحليل الداخليّ يجعلنا نقول بصحّتها. وهناك رسالة كتبت
إلى فيلاغريس (أو: إوغريس) نسبها التقليد السرياني إلى غريغوريوس، تسند موقفنا. ولا
ننسى أن هذه العبارة تُقرأ مرارًا عند أوريجانس. وهي تتوافق مع القداسة القائمة في
ذاتها ومنسّق التقديس. كما تفسّر في معنى روحي (كما سيفعل باسيليوس) عبارةَ "حياة
وعلّة كل حياة". فالعبارة كلها تشدّد بقوّة على طابع الروح المقدَّس الذي أوصل إلى
الخلائق حياةَ الثالوث الحميمة.
أكدّ أوريجانس على الشخصيّة الالهيّة في الروح القدّس. وورث غريغوريوس هذا التعليم
مشدّدًا على انتماء الروح إلى الثالوث الأزليّ، مقدّمًا إياه على أنه "صورة كاملة
لله الكامل".
ج- عطايا الروح عند كيرلس الاورشليمي
ترك لنا كيرلس الاورشليمي (314- 387) العظات التي ألقاها على طالبي العماد وعلى
المعمّدين الجدد في بدء حياته الرعويّة سنة 348. كان كيرلس تلميذًا لاوريجانس، وقد
سبق الجدالات حول الروح القدس. ما كان ينتمي إلى الحزب النيقاويّ المتطرّف، بل إلى
المعتدلين والأمناء للعبارات التقليديّة المتعبّدة للروح القدس. توجّه إلى طالبي
العماد فنشّأهم على الايمان، واكتفى طوعًا بتعليم أولي وعام طبعه بطابع الراعي
الورع الذي يطلب خير رعيّته.
قال في العظة السادسة عشرة: "ولماذا دعا النعمة الروحيّة ماء؟ لأنه من الماء تأخذ
جميعُ الأشياء كيانَها. الماء يُنبت النبات والحيوان، لأنه من السماء يَهطل ماء
المطر ويَنزل بشكل واحد، ولكنه يُنتج أشكالاً كثيرة متنوّعة. عين واحدة تروي
الفردوس كله، ومطر واحد يسقي العالم بأسره، فيصير أبيض في الزنبقة، وأحمر في
الوردة... ويتنوّع بتنوّع الأشكال. وهو في النخلة يختلف عنه في الكرمة وفي كل
الأشياء، على أن طبيعته واحدة في حدّ ذاتها... هكذا الروح القدس. فهو واحد بسيط لا
يتجزّأ، يوزّع النعمة على كل واحد كما يشاء. وكما أن الخشب الجاف إذا ارتوى بالماء،
أزهر، كذلك النفس الخاطئة، بنعمة التوبة التي يمنحها الروح القدس، تنبت فروع برّ.
ومع أنه بسيط، إلاّ أنه يأتي بأشياء كثيرة حسنة، بإرادة الله وباسم المسيح. فيستخدم
لسان انسان للحكمة، وينير نفس الآخر في النبوءة. يمنح هذا سلطانًا لطرد الشياطين،
ويعطي ذاك هبة تفسير الكتب الالهيّة".
ويتابع كيرلس في العظة نفسها المكرّسة كلها للروح القدس كما نتحدّث عنه في قانون
الايمان (الروح القدس، المعزّي، الناطق في الأنبياء): "وإذا طرأت على خاطرك فكرةٌ
عن الطهارة أو البتوليّة، وأنت جالس، فهي من وحي الروح. ألا يحدث غالبًا أن تهرب
عذراء، وهي على عتبة الزواج، بوحي منه عن جمال البتوليّة".
كان كيرلس شبيهًا بايريناوس، فاحتفظ بفكرة حضور الله في كل واحد منا، وبتكيّفه مع
كل نفس. غير أنه شدّد أكثر منه على وحدة لا تنقسم في هذا الروح الوحيد. كما تأمّل
بإعجاب في رباط هذه المواهب الفرديّة بجماعة الكنيسة، فقال:
"الروح القدس عظيم وكليّ القدرة، وعجيب في هباته. تصوّروا كم عددنا الآن هنا، وكم
عدد أنفسنا. إنه يعمل في كل واحد منا بحسب ما يلائمه. وبما أنه في وسطنا، فهو يرى
تصرّف كل واحد وأفكاره ووجدانه، وما نقوله وما نفكّر فيه... أنظر إلى عدد
المسيحيّين الذين يؤلّفون هذه الجماعة، وعددهم في أبرشيّة فلسطين بأسرها. وانتقل
بذهنك من هذه الأبرشيّة إلى الامبراطوريّة الرومانيّة كلها، واعتبر من هناك العالم
بأسره: أمّة الفرس وشعوب الهند، الغوط والسرماط... اعتبر الأساقفة والكهنة والشماسة
والرهبان والعذارى والعلمانيين من كل شعب، وانظر إلى رائدهم وموزّع الهبات عليهم،
كيف أنه في العالم أجمع يهب للواحد الحشمة وللآخر البتوليّة المؤبّدة، لهذا الرحمة
ولذاك حبّ الفقير، ولسواه إخراج الشياطين. وكما أن النور بفيض من أشعّته ينير كل
شيء، كذلك الروح القدس ينير من لهم أعين. وإذا كان أحدٌ أعمى لا يستحقّ النعمة، فلا
يَلُم الروح القدس بل عدم إيمانه".
إن هذا الوصف الرائع لغنى النعمة يتواصل إلى دور الرئيس والمنير الذي يمارسه الروح
في عالم الملائكة. وهكذا توخّى كيرلس أن يعرّفنا بعظمة الروح، ويقود المؤمنين
العتيدين إلى سرّ طبعه الإلهيّ.
3- باسيليوس أسقف قيصريّة
أ- نظرة عامة
مع القديس باسيليوس (329- 379) وصل مجهود فهم الكنيسة اليونانيّة للروح القدس إلى
غايته. وهو حين تدخّل، كانت الاريوسيّة قد أوضحت مبدأها فيما يتعلّق بألوهيّة الروح
القدس. فبقي على الكنيسة أن تتعرّف إلى الروح القدس منطلقة من تقليدها. توصّل
باسيليوس إلى أن يربح ثقة الكنيسة إجمالاً، وأن يعزل تبّاع أريوس والرافضين
لألوهيّة الروح القدس، على أنهم الأقليّة. ما اكتفى باسيلوس بالألفاظ، بل بالإيمان
بالروح المقدِّس الذي يدخلنا حقًا إلى حياة الله. أما على مستوى العبارات فيكفيه
بأن لا يقال أن الروح القدس هو خليقة. واقتنع أن من عاش وفكّر داخل الكنيسة، فسرُّ
الخلاص سيفرض نفسه عليه في النهاية.
أما أسلوب باسيليوس فتميّز بوجهتين متكاملتين: من جهة، لا حجّة إلاّ الكتاب
المقدّس. ومن جهة ثانية، نجد عنده ثقافة أدبيّة وفلسفيّة خارقة. وإذ كان تلميذَ
أوريجانس، وضع كل هذا في خدمة فهم العقيدة. وفي حواره مع أصدقائه الرافضين للاهوت
الروح القدس، وعى أن "حرف" الكتاب المقدّس لا يكفي للتغلّب على الشكّ والارتياب.
فحياة الكنيسة كلها هي تفسير غير مكتوب لكلام الله. وهكذا وعى باسيليوس أهميّة
التقليد، ولاسيّما التقليد الليتورجيّ.
ونحن نتوقّف معه عند ثلاث محطّات: الروح ينبوع المعرفة. الروح ينبوع الحياة
الأبديّة. الروح ينبوع القداسة.
ب- الروح ينبوع المعرفة
نورد قانون إيمان بيبليًا كله، وقد كثّف فيه باسيليوس إيمانه الشخصي. قال: "نؤمن
بروح قدس واحد، البارقليط، روح الحقّ، الذي فيه ننال الختم ليوم الفداء. روح
البنوّة الذي فيه نهتف أبّا، أيها الآب. فهو الذي بعمله يوزّع المواهب الالهيّة لكل
واحد، كما يشاء، من أجل البناء. الذي يعلّم ويحرّك القلب على كل ما يسمع من قبل
الابن. الروح الصالح الذي يقود إلى الحقيقة كلها، الذي يشجّع جميع المؤمنين ليقودهم
إلى معرفة أكيدة، إلى اعتراف صحيح، إلى سجون في الروح والحقّ لله الآب ولابنه
الوحيد، ربنا وإلهنا يسوع المسيح".
ما يلفت النظر في هذا العرض، هو التشديد على معرفة الحقّ. لاشكّ في أن المعرفة
(غنوسيس) تبدو هنا كعنصر تقديس. ولكنها ليست باطنيّة في شيء على مثال ما عند
الغنوصيّين. بل نحن بالأحرى أمام وحي الله الآب في خطّ الاعتراف العماديّ والخدمة
المواهبيّة في الكنيسة. غير أنه يجب أن نقرّ بأن وجهة الاستنارة قد برزت أكثر من
وجهة العفّة أو المحبّة.
ج- الروح ينبوع الحياة الأبديّة
ونتوقّف الآن عند وثيقة استلهمت الافلاطونيّة الجديدة التي جعلت الوحدة فوق كل شيء:
عن الروح القدس. عاد هذا المقال إلى أفلوطين، فاكتشف عنده فلسفة دينيّة تساعد على
التعبير عن صوفيّة مسيحيّة، وتعطي معنى دقيقًا للعمل المؤلِّه الذي يقوم به الروح
القدس.
لم يكن مقال باسيليوس "عن الروح القدس" نسخة حرفيّة عن مبادئ أفلوطين. فالكاتب عرف
كيف يختار ويصحّح ويَحلّ محلَّ "طبيعة مشتركة" نعمةً تُمنح للإيمان بشكل سرّي
وشخصيّ. وحيث وعى الفيلسوف بأنه يشارك في الحياة الكونيّة، استلهم اللاهوتيّ
أوريجانس وغريغوريوس العجائبي، فتحدّث عن حياة الله، وعن القداسة التي تُعطى لنا.
الروح القدس هو الأول في نظام التقديس، وينبوع الحياة الأبديّة. فهو إذن يسمو سموًا
لا محدودًا على الذين ينالون من ملئه. يسيطر على المؤمن الهدوء والسلام فيشاهد
الروح ويراه مالئًا الكون، حاضرًا في كل شيء بفيض نوره العقليّ. كما أن أشعّة الشمس
التي تسقط على السحاب تجعله منيرًا لماعًا كالذهب، كذلك يفعل الروح حين يمتلك
الانسان، ويمنحه الحياة والخلود والتقديس والقيامة. كل كائن يحرّكه الروح القدس
بحركة أزليّة، يصبح كائنًا مقدّسًا، كائنًا حيًا دخل في الدائرة الالهيّة. هو الذي
كان ترابًا نال بعد أن سكنه الروح، كرامة الانبياء والرسل والملائكة، نال كرامة
الله.
كل الكائنات، ما عداه وحده، مقدّسون بالمشاركة سواء فكّرنا في الأبرار على هذه
الأرض، أو بالقوى السماويّة. كل واحد يتسلّم موهبته التي هي بالضرورة محدودة. هو
يحتوي كل ما هو مقدّس. لا يرى نفسه مقسومًا، بل يُحيي بقدرته كلها. فعلى مثال الله
الذي يرسله، يجد نفسه حاضرًا في كل مكان. فإذا كان كل قدّيس قد صار "إلهًا" حسب قول
الكتاب، فكم بالأحرى الروح الذي هو علّة التأليه. فهو يمتلك الكمال ولا يتطلّع إلى
أي تقدّم أو نموّ. كل ما فيه كامل: المحبّة، الفرح، السلام، المعرفة. فلا خير من
هذه الخيور يُوجد فيه بشكل عرض مضاف. فهو يملكها كلها بشكل أزليّ، هو روح الله
المنبثق من الله نفسه. خرج من الله كما من ينبوع، فصار أقنومًا حين خرج منه. هكذا
ينكشف الروح القدس الذي أفاضه الله بوفرة علينا بواسطة يسوع المسيح.
د- الروح ينبوع القداسة
إذا كان المقال عن الروح القدس للقديس باسيليوس كما نظن، فليس في أي حال كلمته
الأخيرة. ففي ملء نضوجه، في تموز 372، وخلال حوار أخويّ مع أخيه اوستاتيوس السبسطي،
جاء به من أجل التوقيع على الالتزام الذي أخذ به أصحاب الايمان المستقيم. ونحن نجد
قسمًا هامًا من هذا الحوار في ف 10- 27 حول الروح القدس. وفيها شدّد باسيليوس على
عمل التقديس الالهيّ الذي يفعله الروح.
"عندما بواسطة قوّة وضاءة، نحدق النظر في جمال صورة الله الذي لا يُرى، وبها نبلغ
إلى مشاهدة المثال الأعلى الباهرة، فإن روح المعرفة يكون حاضرًا هناك حضورًا
متواصلاً يمنح في ذاته لمحبّي مشاهدة الحقيقة، القوّة لرؤية الصورة، فلا يجعلها
واضحة لهم من الخارج، بل يقودهم إلى رؤيتها في ذاتها. فكما أنه لا يرى أحد الآب
إلاّ الابن، كذلك لا يقدر أحد أن يقول "يسوع ربّ" إلاّ في الروح القدس. فلا يقول
"بالروح" بل "في الروح" و"إن الله روح. فيجب على العباد أن يعبدوه في الروح
والحقّ"، كما هو مكتوب: "في نورك نعاين النور"، أي في إضاءة الروح...".
ويتابع القديس باسيليوس: "والمفهوم الثاني الذي لا يُردّ هو أنه كما يُرى الآب في
الابن، كذلك يُرى الابن في الروح. إذن، يعني السجود في الروح أن فعل ذهننا يصير
كأنه نور. ونعرف ذلك مما قيل للسامريّة التي لانخداعها بعادة محيطها، كانت تظنّ
السجود في مكان (محدّد). فأرشدها ربنا قائلاً: "يجب أن نسجد في الروح الحقّ".
وبقوله في الحقّ عنى نفسه بدون شكّ. إذن، إن قلنا السجود في الابن، فعلى أنه صورة
الله الآب. كذلك أيضًا السجود في الروح، على أنه في ذاته يُظهر لاهوت الربّ. وفي
السجود لا ينفصل الروح القدس عن الآب والابن. فإن كنت خارجًا عنه، فلا يمكنك أن
تسجد له مطلقًا. أما إذا كنت فيه، فلا حالة تفصلك عن الله، كما أننا لا نستطيع أن
نعزل النور عن الأشياء التي نشاهدها. فلا يمكن أن ترى صورة الله الذي لا يُرى إلاّ
في إنارة الروح".
ونورد أخيرًا الفصل التاسع الذي كتب سنة 375 ووجِّه إلى امفيلوك، أسقف ايقونيوم،
أكثر أصدقاء باسيل أمانة، خلال شيخوخته. قال: "لا يمكن سامع لفظة روح أن يتصوّر في
ذهنه طبيعة محدَّدة، أو خاضعة للتكييفات والتغييرات أو متشابهة في كل شيء مع
الخليقة. لكنه إذا ارتقى بأفكاره إلى أعلى العلى يفكّر حتمًا بطبيعة عاقلة، لا حدّ
لقوّتها وعظمتها، خارجة عن قياس الأزمان والدهور، لا تفسد حسناتها. نحو الروح يلتفت
كل محتاج إلى التقديس. إليه يتوق كل من يعيش في الفضيلة. كأن بنسيمه ينطفئ ظمأهم
وينالون الغوث لمتابعة السير نحو الهدف الخاص بطبيعتهم. هو متمّم نواقص الجميع ولا
ينقصه شيء البتّة. ليس هو كائنًا حيًا يحتاج إلى أن يستقي قوّته من الخارج، لأنه
منّسق الحياة. هو لا يزداد نموًا، بعد أن غُمر بكل عطاء. هو ثابت في ذاته، وكائن في
كل مكان. هو مصدر التقديس ونور عقلانيّ، يبعث بذاته نوعًا من الاستشراق في كل قوّة
عقليّة لكي ترى الحقيقة".
إن سموّ الروح الذي أبرزته شهادة الأرثوذكسية ضدّ حكمة الاريوسيّة الكاذبة وأوضحه
حوار باسيليوس مع أوستاتيوس السبسطي، جاء يرفد المعطى التقليدي غنى كبيرًا. فشخصيّة
الروح، وتمييزه عن الاقنومين الالهيّين الآخرين، ومساواته معهما، كل هذا قد توضّح
دون أن يُطمس حضورَه في الكنيسة وفي قلوب المؤمنين الذين استناروا بنوره.
خاتمة
لقد تعرّف التقليد اليونانيّ تعرّفًا كبيرًا إلى الدور الشخصيّ الذي يلعبه روح الله
في تقديس المسيحيين. ولكن قامت جدالات بين اللاهوتيين. فجاءت النصوص تبرز هذا
الدور. لا شكّ في أن عمل التقديس هو عمل يتمّ "خارج" الأقانيم الثلاثة. لهذا، فهم
يشاركون فيه معًا. ولكن يبقى أننا نستطيع في خط اللاهوت البولسيّ واليوحناويّ، أن
نشدّد على دور الروح الذي يدخلنا في حميميّة الطبيعة الالهيّة كأبناء يتبنّاهم
الله. يبقى علينا أن نستسلم لعمله. فيه ندعو الله أبًّا وبه نتعرّف إلى الابن في
حياته على الأرض كما في موته وقيامته.
الفصل الحادي والعشرون
العنصرة أو ولادة شعب جديد في التقليد السرياني
إذا كان كل شيء قد تمّ في المسيح، وإذا كان التاريخ البشري قد استعيد فيه، إلاّ أن
العمل ما زال هنا في مدى زمني لبشريّة يجب أن تتحرّر لكي تصبح قيامةُ المسيح
قيامتَها. لقد قدّم لنا المسيح ملء حياة الله، ولكنّه لم يفرضها علينا. فيبقى إذن
أن يأخذ كل إنسان هذه الحياة التي تتفجّر من القبر، بقرار حرّ. هنا يتحدّد موقع
العنصرة التي ينظر إليها التقليد السرياني نظرة خاصة جدًا، وإن ربطها رباطًا حميمًا
بسر الفصح. وهذا الارتباط لا يقلّل من قيمة العنصرة ولا من دورها. بل عكس ذلك. فنحن
هنا في منعطف جديد وحازم يطبع بطابعه العميق تاريخ الكون وخلاصه. إنه نقطة انطلاق
في حقبة يدخل فيها البشر دخولاً حرًا، بواسطة نشاط الروح الذي يفاض عليهم، في
المسيح القائم من الموت، ليكوّنوا معه جسدًا واحدًا.
1- العنصرة اليهودية والعنصرة المسيحية
إن هذه الطريقة في النظر إلى العنصرة لم تكن في البدء واضحة في تفكير المسيحية
الأولى وتعابيرها. ونشير على المستوى التاريخيّ وإن بشكل عاجل، إلى أن لفظة عنصرة
التي نجدها في العهد الجديد (أع 2: 10؛ 20: 16؛ 1 كور 16: 8) ليست خاصّة بالمسيحية.
فقد دلّت على عيد يهوديّ يُحتفل به خمسين يومًا بعد الفصح. أما موضوع هذا العبد فقط
تطوّر مع الزمن. كان في البدء احتفالاً زراعيًا. كان عيد الحصاد الذي فيه يسيطر
مناخ الفرح والشكر. وكان الشعب يقدّم للربّ بواكير الغلال (خر 23: 16؛ عد 28: 26؛
لا 23: 16 ي). وقد سُمّي أيضًا عيد الأسابيع (خر 34: 22)، لأنه يقع بعد الفصح بسبعة
أسابيع. بعد ذلك، صار وقتًا يتذكّرون فيه واقعًا تاريخيًا هو العهد الذي عُقد بعد
الخروج من مصر (ساعة عيّدوا الفصح) بخمسين يومًا (خر 19: 1- 16). لاشكّ في أن
العنصرة صارت تذكّرًا للعهد في القرن الثاني ق م، تذكّرًا للوقت الذي فيه أعطيت
الشريعة. وسوف تعمّم في بداية المسيحيّة كما تقول الشهادات الرابينيّة ونصوص قمران.
على المستوى المسيحيّ، يجب أن ننتظر نهاية القرن الثاني وبداية الثالث لنجد شهادات
متعلّقة بالعنصرة كعيد مسيحيّ. هي في ذلك الوقت، شأنها شأن العيد اليهودي، عيد فرح
وبهجة. ولكن ما كانت تدوم يومًا أو يومين كما في عيد الحصاد لدى اليهود، بل تمتدّ
على حقبة سبعة أسابيع تتبع الفصح. أما مضمونها فهو كل السرّ الفصحيّ الذي يتلخّص
بشكل خاصّ في انتصار المسيح على الشر وصعوده وتمجيده. نحن هنا في خط بواكير الحصاد،
أمام بواكير بشريّة افتداها الكلمة. وصورة البواكير هذه يطبّقها ايريناوس على
الجماعة الفتيّة التي كوّنها الروح يوم العنصرة وقدّمها باكورة للآب. وطبّقها أيضًا
أوريجانس (185- 254) على الروح الذي ناله الرسل. وبعد ذلك الوقت بقليل، سيطبّقها
أوسابيوس القيصري (265- 340) على الجماعة المسيحية الأولى التي وُلدت بحلول الروح،
فأدخلها المسيح إلى الله كتقدمة خاصة.
وسيتحدّث أوسابيوس في "حياة قسطنطين" (4: 64). ومثله "تعليم الرسل" الذي هو منحول
وُلد في الرها في القرن الثالث أو الرابع، عن تيّار جديد وُلد في ذلك الوقت فاعتبر
الصعود والعنصرة كفيض للروح يُحتفل بهما في وقت واحد، في اليوم الخمسين. هذا الواقع
الذي يُعتبر خروجًا على مطلع سفر الأعمال الذي يحدّد موقع الصعود أربعين يومًا بعد
القيامة، قد يكون رجع إلى أف 4: 7- 12 الذي يقدّم عطيّة الروح التي تحقّق الوحدة
الكنسيّة في تنوّع الدعوات والمواهب والخدم التي يثيرها في الجماعة الفتيّة، كثمرة
مباشرة لارتفاع المخلّص عن يمين الله.
في هذا الإطار، يبدو أن بداية هذه الظاهرة الجديدة قد وُلدت متأثّرة بمواسم الحجّ
في فلسطين وأورشليم، حيث أراد المؤمنون أن يتذكّروا أحداث حياة المسيح التاريخيّة
في الزمان والمكان اللذين فيهما حصلت. هذا ما تتحدّث عنه أتيرية في "يوميّات
سفرها". وهكذا ارتبط يوم الفصح بالقيامة. واليوم الاربعون بالصعود، وإن عُيّد في
اليوم الخمسين. غير أن يوم الخمسين سوف يرتبط بشكل نهائي بحدث العنصرة وحلول الروح
في العالم ودخوله في صيرورة البشر "ليجدّد الانسان على الأرض من أجل الله" كما قال
ايريناوس في "البرهان الرسولي" (رقم 6). وهنا أيضًا يرتبط فيض الروح في تقليد
الآباء، بالعهد وعطيّة الشريعة في سيناء. وكل هذا بتأثير من العالم الرابيني الذي
جعل من عيد الأسابيع عيد عطيّة الشريعة والوحي. وإن التقليد السريانيّ سوف يشدّد
بشكل خاص على التوازي بين العيد اليهوديّ والعيد المسيحيّ.
وهكذا بدت العنصرة في المسيحيّة الأولى، حقبة من سبعة أسابيع تتبع عيد الفصح وتوافق
عيد الحصاد كما في التوراة. أما مضمونها فالسرّ الفصحيّ كله. وبعد القرن الرابع،
صارت تدلّ بشكل خاص على اليوم الخمسين. وصار مضمونها حلول الروح كمقابل لعطيّة
الشريعة في سيناء.
2- نظرة الآباء إلى العنصرة
بعد أن صار عيد العنصرة، عيد حلول الروح، احتفالاً كبيرًا في المسيحيّة، بدأ الآباء
يتأمّلون في العيد بشكل خاص، ويتعرّفون إلى شخص البارقليط، كما إلى تدخّله وعمله في
العالم وفي تاريخ البشر بشكل حاسم جدًا. ولكن من الواضح أن هذا التفكير والشرح
اللاهوتيّ، هما إظهار على مستوى الكلمة والطقس لواقع أول عاشته جماعة المسيح
الجديدة واختبرته. وواقع العنصرة الحيّ هذا الذي هو في أصل الواقع الكنسيّ، يسبق
فكر الكنيسة وتعابيرها. فهي التي تشرف على رؤية لوقا، إبن أنطاكية، حين صوّر في سفر
الأعمال بداية المسيحيّة وامتدادها في الزمان وفي المكان. لهذا، سنحاول أن نكتشف
قدر المستطاع ما حدث يوم العنصرة. أن نكتشف العنصر الجديد في هذا الحدث الذي كان له
تأثير حاسم في حياة الكون.
إن الجديد الجذريّ في حدث العنصرة هو نزول أقنوم الروح القدس إلى عالمنا. في العهد
القديم وفي زمن التجسّد (ما عدا في ما يخصّ المسيح وأمه) كانت تصل مواهب الروح
وأعماله إلى العالم، وما كان يُعطى هو بذاته. إن موسى بركيفا (813- 903) الذي هو
أحد علماء السريان العظام في اللاهوت والليتورجيا، يشدّد على الطابع الشخصيّ لنزول
الروح في العنصرة. طُرح عليه سؤال: "هل نال الرسل الروح القدس شخصيًا، أم نالوا
فاعليته"؟ فأجاب:
"لقد نال الرسل شخص الروح. وبما أن الروح هو أعظم من عطاياه، فما ناله الرسل أعظم
ممّا ناله الأنبياء. وأن يكون الرسل قد نالوا شخص الروح نعرفه بما يلي: كما أعطي
المسيح في أقنومه للعالم، كذلك أعطي الروح للرسل. ومن كلمات ربنا الذي قال: "إن كنت
لا أنطلق لا يأتيكم البارقليط. ولكن إن انطلقت أرسله لكم" (يو 16: 17). وهذه الكلمة
أيضًا: "أرسل لكم بارقليطًا آخر يبقى معكم إلى الأبد" (يو 14: 16)، أي شخصًا آخر.
فلفظة "آخر" تدلّ على "الشخص" لا على العمل. ثم: "روح الحقّ الذي ينبثق من الآب"
(يو 14: 17؛ 26:15). أي ينبثق في ما يخصّ الطبيعة، ويعطيه الابن شخصيًا. وبعد ذلك:
"هو الذي لا يستطيع العالم أن يقبله" (يو 14: 17). لقد نال العالم بعض المرات وبشكل
مجتزئ عمله. ناله الأنبياء والكهنة والملوك والذين مُسحوا. وأخيرًا: "ذاك الذي لم
يعرفه العالم" (14: 17). أي ذاك الذي ما عُرف عملُه فقط. إذن، شخص الروح القدس
بالذات قد أعطي للرسل. قبل الصليب نال الرسل من المسيح نعمة الروح وعطيّته، شأنهم
شأن الأنبياء. ولكن بعد الصليب نالوا شخص الروح عينه حين غفروا الذنوب والخطايا،
حين ربطوا وحلّوا في السماء والأرض، وهذا ما لم يقدر الأنبياء أن يفعلوه. قبل
الصليب كان الرسل يشفون أمراض الجسد. وبعد الصليب شفوا أمراض النفس".
ينتج ممّا سبق أن العنصر الجديد في العنصرة هو تدخّل الروح ونزوله الشخصيّ إلى
العالم على مثال نزول الابن. لاشكّ في أن بركيفا كاتب متأخّر. ولكنه في الواقع صدى
لتقليد قديم. فقد كان إيريناوس يشدّد على تدخّل البارقليط فقال في البرهان الرسولي
(رقم 6) إن تعليم الايمان المسيحيّ الذي هو قاعدة البناء وأساس الخلاص يتضمّن "كبند
ثالث: الروح القدس الذي به تنبَّأ الأنبياء... والذي في نهاية الأزمنة أفيض بشكل
جديد على بشريّتنا لكي يجدّد الانسان على الأرض من أجل الله".
أما أوريجانس الذي يعارض في عظته حول سفر اللاويين بين "ظلّ" العهد القديم وواقع
الانجيل وحقيقته، فيصف مجيء الروح في الكنيسة يوم العنصرة على أنه تجديد لم يُرَ
مثله من قبل. فالروح هو هنا. و"حضوره ينقّي من كل نجاسة ويمنح غفران الخطايا". هنا
نقارب عبارة أوريجانس هذه مع البرهان الأخير الذي يقدّمه موسى بركيفا ليؤكّد أن
الرسل نالوا بعد الصليب شخص الروح، لا فاعليّته فقط. فسلطان غفران الخطايا أو ربطها
لا يتمّ إلاّ بفضل الروح الذي يفعل شخصيًا في الرسل. وهذا الحضور الشخصي ينقّي
الآثام ويمحوها.
ويتوسّع يوحنا الذهبيّ الفم في عظاته، في مجيء الروح يوم العنصرة مجيئًا جذريًا
وأصيلاً. وهذا المجيء يختلف كل الاختلاف عن عطيّة الروح للأنبياء وأبرار الشريعة
القديمة. غير أن الذهبيّ الفم لم يميّز بين شخص الروح وفعله. أما كيرلس الاسكندراني
الذي يحتلّ مكانة هامة في الكنيسة السريانيّة، فيستشّف هذه المسألة ويشدّد على
الوجهة الشخصيّة لحضور الروح في المؤمنين. وهذا ما لم يتمّ في الملهمين السابقين.
إليك ما يقول في عرض شرحه يو 7: 30 الذي يتحدّث عن الروح الذي ما أعطي بعد لأن
المسيح لم يكن بعد قد مُجّد:
"كان في الأنبياء القديسين استنارةٌ غنيّة جدًا من الروح القدس، تجعلهم جديرين بأن
يروا المستقبل ويعرفوا الأشياء. ولكن في مؤمني المسيح، لم تكن هناك فقط استنارة
الروح القدس، بل الروح القدس نفسه الذي يقيم ويسكن فينا. فنحن لا لنخاف من أن نؤكّد
هذا الأمر".
وهكذا نكون أمام واقع جديد وخارق هو مجيء البارقليط بيننا. وقد وعت الكنيسة هذا
المجيء منذ ولادتها. لهذا، ما توقّفت عن اعلانه ولم تتوقّف ولن تتوقّف على ما تقول
الليتورجيا السريانيّة في صباح العنصرة: "الروح الحيّ والقدوس، الذي هو مساو في
القدرة للآب والابن، نزل اليوم في العليّة وعلّم الرسل". وقال النصّ في صباح اليوم
عينه: "واحد من الأقانيم الالهية، الروح القدس، نزل في العليّة وحلّ على الرسل.
رأوه بشكل ألسنة من نار. علّمهم وأدّب غلاظتهم".
وبما أن لهذا الحدث طابعه الأصيل ودوره في التدبير المسيحي، ما اكتفت الكنيسة بأن
تحتفل به في صلاة الفرض التي تتلوها في عيد العنصرة. بل كرّست له باكرًا خدمة
ليتورجيّة خاصة تسمّى "السجدة"، وهي تتمّ في الساعة الثالثة التي تقدّس نزول الروح
هذا. إن تزمين حدث العنصرة نجده عند غريغوريوس النيصي، وهو في خطّ ليتورجيّة
أورشليم. فبحسب إتيرية، كانوا يحتفلون في صباح العنصرة بمجيء الروح، باجتماع في
كنيسة صهيون، حيث أكلوا العشاء السري، وحلّ الروح، وذلك في الساعة الثالثة. كانوا
يقرأون مقطعًا من سفر الأعمال حول نزول الروح. إذن، هذه الخدمة الليتورجيّة هي
تذكّر حدث العنصرة. ونحن لا نكتفي بالعودة إلى حدث من الماضي، بل بتأوين هو في
الساعة الحاضرة الوقت السامي والمميّز الذي فيه تجدّد الكنيسة اتحادها بالبارقليط
الذي يعطي ذاته لها. ويقينها بفيض الروح فيها هو كبير بحيث تحني ركبتها ويلامس
وجهها الأرض معارضة العادة الليتورجية التي تتمّ فيها الصلاة وقوفًا. فبحسب هذا
النشيد الذي يلي ويفسّر الفعلة الرمزية، لا تستطيع أن تحتمل مجيء البارقليط الذي
يحلّ عليها:
"لهذا وحتى يوم العنصرة، لا نسجد إلى الأرض في صلواتنا، وتجاه أعدائنا ننشد ونقول
مع المرتّل الالهي داود: هم عثروا وسقطوا ونحن قمنا وانتصبنا. ولكن حين كشف الروح
القدس عن نفسه، بحسب رضى الله، وظهر لنا في ألسنة من نار، نجثو على ركبتنا، لأننا
لا نستطيع أن نتحمّل منظره".
فهذا المقطع الذي نقرأه عند ساويروس الانطاكي، والذي نجد صداه عند موسى بركيفا يربط
السجود رباطًا وثيقًا بمجيء الروح إلى العالم، ويقدّمه على أنه فعلة طوعيّة بها
تدرك الجماعة المسيحيّة إدراكًا عميقًا الحضورَ الشخصي والشبهَ المحسوس للروح في
وسطها.
وهذا الادراك الكنسي يجد أساسه وسنده واندفاعه في تبديل جذريّ وفي مختلف المعجزات
التي أجراها الروح ساعة جاء وسط البشر. وهذه المعجزات العديدة تعلن بداية جديدة
تستعيد بدايات العهد القديم ومراحله المميّزة وتتجاوزها فتدلّ على أنها تختلف
اختلافًا جذريًا عمّا في العهد القديم. ثم إن هذه المعجزات على اختلافها وتنوّعها،
تلتقي بشكل عجيب لتكوّن الواقع العظيم، واقع العنصرة: العهد الجديد، الشعب
المسيحاوي الجديد، الكنيسة التي هي امتداد سرّ المسيح القائم من الموت وتأوينه
وظهوره تجاه الآب. وكل هذا يتمّ بفعل الروح.
الفصل الثاني والعشرون
المعجزات التي تمّت يوم العنصرة في التقليد السرياني
تحدّثنا في مقال سابق عن اختلاف جذري حول حضور الروح في العالم. مع العهد القديم،
كان حضور بواسطة عمله. أما في العهد الجديد، فحضور الروح حضور شخصيّ. وهذا الحضور
يجعلنا في بداية جديدة مع معجزات ومدهشات عديدة. ونحن سنصوّر في هذا الفصل مختلف
المعجزات التي أجراها البارقليط المرسَل من الآب بواسطة الابن، لكي نكتشف بداية هذا
العهد الجديد وتكوين هذا الشعب الجديد الذي يلتزم بإعلان حدث الفصح على المستوى
الشخصيّ كما على المستوى الجماعيّ.
ويتوزّع مقالنا في نقطتين: إلغاء الحكم، بابل الجديدة
1- إلغاء الحكم
في بداية العهد القديم وعلى أثر الخطيئة التي هي رفض لصداقة الله وحياته، قرّر الله
أن لا يُقيم روحه بعد في الانسان (تك 3:6). ومنذ ذلك الوقت، ما زالت البشريّة تختبر
على المستوى الفرديّ والجماعيّ العبوديّة والضيق والبغض والشرّ والموت. ولكن مع
مجيء الروح وُلدت عاطفة جديدة، خبرة تختلف كل الاختلاف عن سابقتها. وهذه الخبرة هي
خبرة حياة سعيدة وحرّة، خبرة حياة إلهيّة في يسوع المسيح، خبرة الشركة الاخويّة
والكنسيّة بفضل الروح الذي يضمّ البشر إلى القائم من الموت، ويجمعهم بعضهم إلى بعض.
نقرأ في صلاة السلام التي تحتفل بها الكنيسة السريانية في صباح الفصح ما يلي:
"امنحنا أيها المسيح في هذا اليوم المقدس والعظيم، يوم قيامتك وقد دفعتنا حرارة
روحك القدوس، أن نعطي بعضنا بعضًا قبلة مقدسة، وأن نرتبط في الروح بك وبعضنا ببعض
في وحدة روحيّة ولا جسديّة". هي بشريّة جديدة جاءت إلى الوجود. لها قلب واحد ونفس
واحدة (أع 4: 32). وهي تعي أن الحكم الذي أصدره الله في الماضي فكان ثقيلاً على
العالم، قد ألغي الآن وصار باطلاً. إن الكنيسة تنشد في ليلة الفصح: "اليوم ألغي
وبطُل الحكم الذي تلفّظ به الآب حين قال: لن يقيم روحي في الانسان".
ونستطيع أن نسمع أيضًا هذا الكلام الذي يعلنه الشماس بعد قراءة الانجيل في خدمة
"السجدة": "أيها الاله القدوس والبارقليط، أنت يا من في هذا اليوم، يوم العنصرة، أي
في يوم مجيئك، دمّرت الحكم الذي كان ثقيلاً علينا بسبب خطايانا (تك 6: 3): لن يقيم
روحي في الانسان، وأتممت وعد الابن، وأنرت الرسل وعلّمتهم، امنحنا نحن أيضًا بفضل
صلاة السجدة هذه التي تقدّم للآب والابن معًا بك يا روح الحق، أن نقطع رباطات
الخادع وحيله...".
ما قاله هذا النصان الليتورجيان حول الروح الذي عاقب البشريّة فتخلّى عنها، ثمّ عاد
ليقيم فيها أيضًا بعد تمجيد المسيح الذي صالح أباه مع الخليقة، نجده عند افرام
السرياني (306- 372) في نشيد يرد في صباح الأحد الأول بعد العنصرة: "الروح الذي ترك
البشريّة في الماضي، قد عاد الآن بفضل قيامة المسيح ليسكن فينا ويقيمنا من موتنا".
وهذا ما نستشفّه عند غريغوريوس النيصي حين يقول: "اليوم بعد أن تمّت العنصرة حسب
الدورة السنويّة، وفي هذه الساعة بالذات أي في الساعة الثالثة، نزلت النعمة التي لا
يعبّر عنها: اتّحد الروح من جديد مع البشر". وسيقدّم موسى بركيفا فيما بعد هذا
التفسيرفيقول إن إلغاء الحكم السابق بالروح هو سبب أول يدفع المسيحيين إلى اكرام
يوم العنصرة والاحتفال به. والسبب الثاني هو الشريعة الجديدة التي أعطيت للمسيحيين
في هذا العيد.
هذه النظرة التي نستخلصها من وعي لاهوتيّ متطوّر، تتجذّر وتفسَّر في طرح وطرح مناقض
داخل تاريخ الخلاص. نحن نعرف أن نتيجة هذا الحكم الالهي كانت الطوفان الذي دمّر كل
حياة وجعل الكون خاويًا خاليًا، وأفقده كل شكل وكل لون كما في زمن البدايات (تك 6:
5- 8: 14؛ رج 1: 2). ولكن بعد إلغاء هذا الحكم وعودة البارقليط الشخصيّة أعيد بناء
العالم الذي اهتزّ وتدمّر فأقام فيه الانسان. هذا ما نقرأه في صباح العنصرة: "اليوم
ألغي وبطل الحكم الذي أصدره الآب: لن يقيم روحي في الانسان. اليوم زُرعت الكنيسة
موضع الكرمة التي أعطت حصرمًا بريًا. اليوم أعيد العالم الذي دمّر وتثبّت باثني عشر
عمودًا خرجت إليه من العليّة".
ويمكن أن يقابَل خروج الرسل من العلية مع خروج نوح من السفينة. أمر الله نوحًا فخرج
من السفينة ليكون مع عائلته البشريّة الجديدة التي ستقيم أيضًا في الكون الذي دمّره
الطوفان (تك 8: 13- 19: 2) فتجعله مأهولاً. وأمر الروح، فخرج الرسل من العليّة
ليعيدوا بناء عالم جديد. هاجموا الشرير وأدخلوا الوثنيين وشعب الله القديم في العهد
الجديد. قيل: خرج الرسل من العليّة إلى العالم كالمنادين بالروح واقتلعوا جذور
الضلال وأسّسوا الكنائس.
وهكذا ظهر الجديد الذي حمله الروح وهو من يعمل عمل الله ويتصرّف تصرّف الله. "نزل
الروح القدس في هذا اليوم المقدس ليمتزج بالجنس البشري، فيصبح البشر به أبناء
الملكوت". يدعونا التقليد السرياني إلى اعتبار حدث العنصرة بمثابة خلق عالم جديد:
يصبح البشر أبناء الملكوت ويعودون إلى حالتهم الأولى، إلى الحريّة التي خسروها، إلى
صداقتهم وشركتهم مع الله. وهذا ما خسروه بكبريائهم. والروح الذي يعيد كل شيء ينزل
في اليوم العنصرة لكي يعطي الكون الذي أتلفه الشرّ شكلاً جديدًا، ويُسكن فيه بشريّة
متجلاّة: بشريّة أبناء الملكوت التي وُلدت في شخص رئيسها في أحد القيامة.
2- بابل الجديدة والوحدة المستعادة
غير أن هذه البشريّة الجديدة التي تكوّن الملكوت، لا تستطيع أن توجد حقًا إلاّ بفضل
وحدة قويّة وحميمة تربطها بالمسيح رئيسها وقائدها. فحدث بابل كان من أكبر الشقاءات
التي أصابت الجنس البشري بعد العقاب الذي أعلنه الله. فعلى أثر خطيئة كبرياء
جماعيّة تشبه خطيئة أبوينا الأولين، حطّم الله وحدة سكّان الأرض وقوّتهم، وبلبل
ألسنتهم، وشتّتهم على كل وجه الأرض. ومنذ ذلك الوقت، ما زال الانقسام ينخر الانسان
ويدمّر المجتمع. وقد حاول البشر في كل وقت وزمان أن يستعيدوا هذه الوحدة التي هي
أساس الديمومة والازدهار، ولكن عبثًا. غير أن الروح، الاله القويّ الذي حطّم في
الماضي وحدة البشر، هو الذي يعيد هذه الوحدة بنزوله في العالم. "القويّ الذي بلبل
الألسن في برج بابل، وقسّم القبائل التي تشتّتت في أربعة أقطار الأرض، قد صنع الآن
عملاً مدهشًا: علّم الرسل الذين انطلقوا إلى القبائل، فعادت القبائل إلى عبادة
الثالوث".
إذ أرادت الكنيسة السريانيّة أن تبرز عودة الوحدة التي هي صنع الروح، عادت إلى برج
بابل. انطلقت ممّا قاله لوقا بشكل ضمنيّ، ولكن حقيقيّ في سفر الأعمال، فتوسعت فيه
رابطة بين واقعين متعارضين.
* العليّة هي بابل جديدة. في الأولى تقسّمت الالسن وتبلبلت عقابًا للبشريّة. وُضع
حدّ لقوّة البشر وتشتّتوا في كل أنحاء الأرض. أما الآن فالعكس هو الذي حدث: "اليوم،
بمجيء الروح البارقليط، صارت العليّة بابلاً ثانية، ولكن الالسنة لم تنقسم عقابًا
كما في الماضي، بل بقوّة الروح القدس، استضاءت العليّة بنور النعمة لكي يتعلّم
الرسل من أجل كرازة الحقّ".
* تكثير الالسن وتقسيمها من أجل كرازة الحقّ، لم يكونا من أجل البلبلة كما في
الماضي. بل من أجل تسهيل الحوار الذي هو نقطة انطلاق نحو الوحدة.
فبعطيّة الروح انتهى اختلاف الالسن الذي يرمز إلى انقسام البشر وتمزّقهم، وحلّت
محلّه لغة جديدة مشتركة هي لغة الروح. فبفضل الروح، استطاع الرسل وسامعوهم أن
يتفاهموا، وإن اختلفوا شعوبًا وأعراقًا. لهذا تنشد الكنيسة في صباح العنصرة: "سُمع
شيء جديد يعارض الناموس الطبيعيّ: ساعة سُمع صوت الرسول الوحيد، فبنعمة الروح فهمت
جميعُ الأمم والقبائل والالسن في لغتها الخاصة ما قيل. استضاؤوا بهذا الصوت فأعلنوا
الثالوث الذي يجب أن تعبده جميع الشعوب".
وتكثير الالسنة هذه من أجل الرسالة، لا يتوخّى فقط تسهيل الحوار، بل تحقيق وحدة
الكون. تقسّمت الالسن بسبب تعاملها مع البشر. واليوم توحّدت وتصالحت بالروح في
تناسق إلهي من الايمان والاتحاد بحياة الله وقداسته. لهذا استطاع الناس من كل حدب
وصوب أن يمدحوا الرب بحسب نبوءة يوئيل.
هنا نقرأ مقدمة صباح الأحد الأول بعد العنصرة، التي تصوّر لنا الوحدة التي تمتّ
بفعل الروح. "أيها الروح القدس، المساوي للآب والابن في الجوهر، يا مقدّس الذين
يحبّون القداسة. أنت يا من نزلت وحللت على الرسل القديسين بشكل ألسنة من نار،
ووحّدت مختلف اللغات حين ضممتها بعضها إلى بعض وكوّنتها لتجدّد إيمان البشر. أنت
أيها الرب، ضمّنا الآن إلى قداسة مواهبك. أحرق فينا شوك الخطيئة وعوسجها لكي نمدحك
ونفرح بك أنت أيها الروح البارقليط والابن الذي منه تنبثق والابن الذي منه تناله،
في هذا الوقت وإلى دهر الداهرين. آمين". أجل، اجتمع البشر واستعادوا تناسقهم لإنشاد
عظائم الله. هنا نلتقي مع ايريناوس في كتابه عن الهراطقة (3: 17- 2)، وغريغوريوس
النازينزي في عظته الحادية والاربعين (المقطع 16، الباترولوجيا اليونانية 36:
449ج)، ويوحنا الذهبيّ الفم في عظته عن العنصرة المقدّسة (الآباء اليونان 50: 467).
وأخيرًا، إن هذه المصالحة بين البشر ووحدتهم تتمّان في يسوع المسيح الذي هو موضع
المصالحة الشاملة وهيكلها. فإذا كان الروح قد جمع الأمم، فما توخّى أن يعيد بناء
برج بابل الذي هو رمز الفوضى، بل أن يُدخل البشر في جسد المسيح القائم من الموت
ويوحّدهم مع المسيح في هذا الجسد. في العنصرة، جاء الروح يعيد بناء برج بابل الذي
لا يتزعزع بالحجارة الحيّة. بعد الآن، تجذّر أساس هذا البرج في العالم وكانت ذروته
معبد الثالوث الذي هو الكنيسة: "لا نرى اليوم برج بابل الذي تدمّر وخلق البلبلة، بل
برجًا روحيًا، برج الكنيسة المقدسة التي بُنيت وتثبّتت بنزول الروح البارقليط
وقدرته".
ينتج عن هذه اللوحة التي رسمها التقليد السرياني أن الروح، بعطيّة الألسن، قد أجرى
معجزة بناء الوحدة البشريّة. "أنار الذين في الداخل (أي الرسل) وعلّمهم، وجمع الذين
في الخارج (أي الأمم) في حظيرة واحدة، هي حظيرة المسيح". كوّن وبنى معهم جميعًا
جماعة المسيح الجديدة، وأفاض على رأس هذه الجماعة زيتًا مقدسًا ليوحّد الرأس
بالاعضاء في قوّة وحياة إلهيّة واحدة. وبمختصر الكلام تركت بابلُ، التي هي رمز
الكفر والفوضى والانقسام، التي لا تنفصل عن عالم الشرّ، المكان لوحدة متناسقة في
ملكوت يبنيه فيض الروح.
الفصل الثالث والعشرون
العنصرة والعهد الجديد في التقليد السرياني
اكتشفنا في فصل سابق كيف أعاد الروح الوحدة بمعجزة الألسن. ولكن لا بدّ من التشديد
على أن هذه الوحدة لا تتحقّق إلاّ بمشاركة الأقانيم الالهيّة الثلاثة. فالوحدة التي
حملها الروح ليست فقط اندماجًا بسيطًا بالكنيسة، جسد المسيح، بل لقاء شخصيًا بين
المؤمن ويسوع المسيح في تنوّع المخلّصين المختومين بختم الروح. فهذا الروح "يسكرنا
بشراب نعمته... ويُزيّنّا بغنى مواهبه" كما يمكّنّا بتقديس شخصيّ بأن نكون في جسد
المسيح ونلتقي به. ولكن يبقى أن الانسان يستطيع دومًا أن يرفض هذه الحياة الجديدة
التي يقدّمها الروح له وبالتالي أن يتمنّع عن كل لقاء مع المسيح وانفتاح على سرّه
الفصحيّ. وهنا تكمن دراما سرّ رفض المسيح لدى شعبه، ورفض هذا الشعب للروح. وهنا
يكمن أيضًا موضوع اختيار شعب جديد، هو الكنيسة التي هي جماعة أشخاص "يطلبون ملئهم
في الروح" (أف 5: 18).
1- رذل الشعب
إن رذل الله للشعب الذي عارض الروح القدس دومًا، كما قال اسطفانس (أع 17: 51) هو
عقاب رفضه للمسيح. ففي نص ليتورجيّة يوم الجمعة العظيمة، نرى الروح يترك أورشليم
ويسير في الطريق الذي سار فيه المسيح، دلالة على احتجاجه ضدّ العمل الشيطاني الذي
تمّ في المدينة المقدّس. "في الصباح، خرج المسيح من أورشليم الحمقاء وهو يحمل
صليبه. وخرج الروح أيضًا منها، وترك الهيكل قائلاً: الويل لك يا أورشليم، لأن
أبوابك أقفلت وأعيادك أبطلت". ونقرأ أيضًا نصًا آخر يبيّن لنا الروح ممزّقًا ستار
الهيكل كدليل على خروجه النهائي من البيت النجّس. "ترك الروح القدس البيت (=
الهيكل) الذي نجّسه النجسون. وشهد على ذلك ستار الباب الذي لم يشقّه أحد سوى الروح.
تعالوا جميعًا نسجد ونركع له".
قبل أن نتوقّف عند المدلول اللاهوتي لهذين النصين، نعرف أن الموضوع الذي عرضاه هو
قديم جدًا. فخروج الروح من الهيكل الذي يذكّرنا بمجد الله الذي يترك الهيكل (حز 10:
18- 19؛ 11: 22- 23)، قد يجد جذوره في العالم اليهودي المتأخّر الذي تحدّث عن ملاك
حرسَ الهيكل وتركَه ساعة دماره على يد تيطس الروماني سنة 70 ب م. واستعادت
المسيحيّة الأولى هذا التقليد وربطته بتمزّق ستار الهيكل ساعة موت يسوع. وحين مات
المخلّص، يقول التقليد المسيحيّ إن الملاك (أو الملائكة) ترك الهيكل. فهناك مؤلّف
يعود إلى القرن الأول وإلى محيط سرياني هوّ "وصيّات الآباء الاثني عشر" قد أعطى
نسخة عن هذا التقليد فجعل الروح يحلّ محلّ الملاك. إليك هذا النصّ كما نقرأه في
وصيّة بنيامين (9: 4): "سوف يتمزّق حجاب الهيكل وينزل الروح على الأمم كنار مفاضة".
هذا المقطع يجعلنا نستشفّ حدث العنصرة: لقد ترك الروح الهيكل ليهب نفسه للمؤمنين.
وهذه الفكرة تعبّر عنها بوضوح "ديدسكليّة (تعليم) الرسل". فنحن نقرأ في ف 12 الذي
وُلد في محيط سريانيّ وامتلأ بتمثّلات يهوديّة، ما يلي: "بما أنه ترك الشعب
اليهوديّ، لم يترك لهم سوى هيكل مدمَّر. مزّق حجاب الهيكل وأخذ منه الروح القدس
وأرسله إلى الأمم التي آمنت كما قيل في يوئيل: أفيض كل روحي القدس على كل البشر.
إذن، أخذ الروح من هذا الشعب قدرة الكلمة وكل خدمة، وجعلها في الكنيسة".
نلاحظ الإشارة الواضحة إلى الشعب في هذا المقطع من حدث العنصرة حيث يؤخذ الروح من
شعب لم يؤمن وأعطي للأمم التي آمنت. كما نلاحظ القرابة مع النصين اللذين ذكرنا
سابقًا. نحن هنا في الحقيقة أمام موضوع هامّ جدًا في الجماعات المسيحيّة الأولى
التي وُلدت في العالم اليهودي. فهو يعكس حقيقة وجوديّة في حياة الكنيسة، في حياة
الجماعات الساميّة. فقد كان هاجسها أن تبرّر على ضوء الخبرة الجديدة للروح الذي
أفيض في القلوب، طريقة حياتها الجديدة. وعت أنها شعب الله الجديد، شعب العهد
الجديد، حيث تحقّقت جميع مواعيد العهد القديم وآماله، فبرهنت ذلك لليهود مستندة إلى
ما هو أساسيّ لديهم، عنيت به الهيكل.
وإذا أردنا أن نفهم المعنى اللاهوتي لهذا البرهان ومرماه الفكري، نتذكّر ما كان
الهيكل بالنسبة إلى التقوى اليهوديّة، ونفهم الطابع الدراماتيكي الذي شكّله للشعب
العبراني خروج "الروح من أورشليم" ومن الهيكل بعد أن "مزّق الستار وألغى الأعياد".
هناك عقيدتان تميّزان العالم اليهوديّ. وحدة الله، واختياره لشعب خاص به. وقد كانت
أورشليم بهيكلها الموضع الذي تجتمعان فيه: فهناك يلتقي الله القدوس بشعبه في شكل
مميّز. وحين خرج الروح، وضع حدًا للعهد القديم، طلّق الزوجة الخائنة، وألغى وعد
سيناء.
كان الشعب اليهوديّ مملكة كهنة وأمّة مقدسة (خر 19: 6). وحين ترك الروح أورشليم
انتزع منها الخدمة الكهنوتيّة. نشير هنا إلى أن هذا الوعد قد وجد تحقيقه الكامل في
شعب الله الجديد، في الكنيسة، حيث يُدعى المسيحيّون "جيل مختار، كهنوت ملوكيّ، أمّة
مقدسة، وشعب مقتنى" (1 بط 2: 9). ونقرأ في النصوص الليتورجيّة: "حين خرج الروح من
هيكل تلك (أورشليم) التي صلبت المسيح، وشقّ حجاب الباب، دلّ على أن كهنوتهم (=
اليهود) قد انشقّ".
2- اختيار الشعوب والعهد الجديد
ولكن إذا كان الروح قد ترك شعبًا رفض أن يتقبّل البشارة وفضّل الظلمة على النور (يو
3: 19)، فلكي يقيم في المذابح والكنائس التي أسّسها الرسل. هذه الفكرة التي قرأناها
في "ديدسلكيّة الرسل" نجدها أيضًا في النصوص الليتورجيّة التي تشدّد على الروح الذي
يترك الشعب العبراني ليهب ذاته لجماعة المعمّدين الجديدة. "مال الروح عن مذبح (=
هيكل) هذا الشعب الذي صلب الابن، وجاء يقيم في مذابح وكنائس أسّسها الرسل". في هذا
المجال نقرأ حوارًا بين هيكل أورشليم والكنيسة، وهو يبدأ بهذه الكلمات: "أجاب
الهيكل وقال: الروح تركني".
وبعد ذلك تذكر الليتورجيا السبب الذي دفع الروح إلى مثل هذا التصرّف الجديد: إذا
كان البارقليط يقيم في كنيسة الأمم، فلأن الكنيسة اختيرت لتحلّ محلّ القديم الذي
ألغي الآن. "لنشكر الروح الذي دعا الأمم ورذل الشعب. وها هي تنشد مديحه بأصوات
هوشعنا" (الاربعاء السادس من الصوم، منسوب إلى يعقوب).
وهذا الاختيار للأمم التي تنفتح على المسيح وتتّحد به، كان قد أقرّه الآب في الأصل
وأنبأ به بواسطة أشعيا النبيّ. "هذا ما أعلنه أشعيا النبيّ للكنيسة المقدّسة
قائلاً: ها هي الأمم تجتمع من كل الأقطار وتأتي إليك. تحمل لك بنيك وبناتك الذين
تشتّتوا في عبادة الأصنام. واسم الربّ إلهك يملك في السماء وعلى الأرض. الروح القدس
يغسلك من نجاستك ويسكن في هيكلك المقدّس، والثالوث الاقدس يكون مخدومًا فيك" (صباح
الاسبوع 12 بعد العنصرة، رج أش 60: 1- 4). في هذا المجال نتذكّر أفراهاط في مقالته
السادسة عشرة التي فيها يعرض أن الأمم اختيرت محلّ الشعب العبراني وهذا أمر أنبأ به
الأنبياء.
ونقرأ أيضًا في صباح الاربعاء السادس من الصوم ما قاله يعقوب السروجي: "المجد للآب
الذي اختار الكنيسة، والسجود للابن الذي ترك الجماعة التي لم تقبله. والشكر للروح
الذي دعا الأمم ورذل الشعب". كما نقرأ عند ساويروس الانطاكي العظة 117 حول المرأة
الخاطئة (لو 7: 36- 50): ماهى بين سمعان الفريسي والمجمع (أي العالم اليهودي)، وبين
الخاطئة والكنيسة. رذل المجمعُ الكلمةَ الذي صار بشرًا، وآمنت الكنيسة به إيمانًا
حرًا في شخص تلك المرأة. "ساعة كانوا لا يصنعون شيئًا حول المائدة، ويرقدون على
سرير الطعام، ولا يأكلون كما يليق بأولئك الذين يرغبون بالالهيّات، ذاقوا وحالاً
شبعوا وجدّفوا. فيعقوب أكل وشبع والحبيب لبط (تث 32: 15). ودخلت إليه المرأة التي
خطئت، دخلت إلى البيت. والكنيسة جاءت بنفسها، وهي التي اجتمعت من الشعوب الذين في
المسكونة، وآمنت طوعًا بالمسيح الذي اتكأ إلى المائدة مع الظالمين وناكري الجميل".
وهكذا نكون الآن كما كان الامر في سيناء في الماضي: خُتم بعهد اختيارُ الشعب الجديد
بالروح. قال البابا سيريقيوس: "كما أن الحمل هو صورة الفصح، كذلك عطيّة الشريعة هي
صورة الكرازة الانجيليّة. ففي يوم واحد، يوم العنصرة، أعطيت الشريعة ونزل الروح
القدس على التلاميذ فقوّاهم لكي يعرفوا كيف يكرزون بالشريعة الانجيليّة".
ولكن هذا التقارب يُخفي اختلافات كبيرة. العليّة سمّيت جبل صهيون. غير أنه في سيناء
استحوذت الرعدة على الشعب الذي أحسَّ أنه مائت إن هو لمس أسفل الجبل. أما هنا،
فجميع المؤمنين يقتربون ويقفون على الجبل الذي لا يُدنى منه، بلا خوف ولا رعدة، بل
كأبناء الله الذين ينعشهم روح الحريّة ويقودهم فلا ينقادون للشريعة (روم 8: 14؛ 5:
18). لهذا يُنشد المؤمنون في صباح العنصرة: "لا نخف من عنف النار التي تحرق هذا
الجبل الذي لا يقرب منه، بل لنتقدّم ونقف على جبل صهيون، في مدينة الملك العظيم،
ومع الرسل الذين ارتدوا المجد ونهتف ونقول: يا جميع أعمال الربّ، سبّحوا الرب الاله
واشكروه وامدحوه وباركوه إلى الأبد".
من جهة، تسلّم موسى من الربّ شريعة على حجر تعني شعبه الذي يترأس عليه. أما في
العنصرة، فتسلّم سمعان بطرس شريعة من نار، تلك النار التي جاء المسيح يرميها على
الأرض وهي لا تزال تحرق الناس الذين ينتمون إلى جميع الشعوب بقيادة بطرس. "حين صعد
موسى على الجبل ليحمل لوحي الشريعة، كانت سيناء كلها مدخنة وتدوّي فيها أصوات عنيفة
(خر 19: 16- 20). وحين تسلّم سمعان بن يونا شريعة النار، ظهر الروح القدس وتوزّع
بشكل ألسنة من نار. قاد موسى شعبًا واحدًا، أما سمعان بطرس فقاد جميع الشعوب". وقال
موسى بركيفا: "يعيّد المسيحيّون العنصرة لأنه في ذلك اليوم أعطيت لهم الشريعة
الجديدة".
ومن جهة ثانية، دلّت شريعة موسى أنها لا تقدر أن تبرّر اسرائيل وتحييه. أما شريعة
الروح التي تدعو الانسان من الموت إلى الحياة، فقد أعطيت كدواء لعجز الأولى التي
كانت ينبوع لعنات للذين انتموا إليها. ثم هي أعطيت لتبرّر وتحيي. لا أمّة واحدة
وحسب، بل جميع الأمم أيضًا. هذا ما يقوله موسى بركيفا.
دُمّر العهد القديم، ولكن خُتم الجديد بالروح فدام إلى الأبد. فالايمان بالثالوث
الذي هو أساسه الذي لا يتزعزع، لن يحطّم ولن يُلغى بفضل الحضور الشخصيّ للبارقليط
في قلب المجاعة المسيحيّة. "حين خرج الروح القدس من هيكل تلك التي صلبته، وشقّ ستار
الباب، بيّن أن كهنوتهم إنشقّ. وحين دخل العليّة دون أن يشقّ الابواب (والابواب
مقفلة) أعلن لهم فعرفوا أن الايمان بالثالوث لن يحطّم أبدًا". هذا ما نقرأ في صباح
العنصرة. ونقرأ في مقطع آخر أن الروح يحمي الكنيسة من الانشقاقات. وأن الروح هو مع
الكنيسة حتى نهاية العالم. وفي صلاة الاسبوع الرابع بعد العنصرة: وديعة الايمان
يحفظها الروح من كل خطر. ويقول ساويروس الانطاكي في العظة 112: تأسّست الكنيسة على
إيمان آباء مجمع نيقية أي على الثالوث الذي دافع عنه هؤلاء الآباء بوجه الهرطقات.
ونقرأ في صلاة الساعة الثالثة للأحد الأول بعد العنصرة: "نسجد لك أيها الرب الاله،
يا روح القدس البارقليط، يا من تعزّينا وتصلّي فينا... أنت الذي ختمت عهد الكنيسة،
عروس الكلمة وابن الله، ووضعت فيها مواهب نعمك وفضائلك. أنت الذي علّمت العالم سرّ
الثالوث الأقدس المعبود، وكنت قائدًا لنا من أجل عبادته بالروح والحقّ".
بما أن العهد القديم بطُل ومعه جميع الفرائض والاعياد، بسبب العهد الجديد الذي يدوم
إلى الأبد، فهذا يعني أنه كان صورة للعهد جديدًا واعلانًا له. فقد سبق للأنبياء
وبيّنوا طابعه العابر وحاربوا فيه الوجهة القانونية الماديّة والعباديّة، وأعلنوا
عهدًا جديدًا روحيًا وشخصيًا، يتأسّس في الأزمنة الأخيرة، على اتحاد الرب مع هذه
البقيَّة وأمانته. وفي حدث العنصرة التي تُدشّن الأزمنة الاخيرة، أعلن الأنبياء أن
هذا العهد الجديد قد وجد ملء تحقيقه. فالروح بمجيئه قد ختم عهد أعراس المسيح مع
كنيسته: "يا لفرحة يوم الأحد! أي أسرار سامية تُخفى فيه! فيه القيامة التي بها
انتصر العريس السماوي على أعدائه وأبطل كل آمالهم. وفي يوم الأحد أيضًا انتصرت
عروسه الكنيسة المقدّسة وارتقت إلى الأعالي. فعهد أعراسها قد تمّ بمجيء الروح القدس
البارقليط فيها، وبامتداد في كل الأقطار والبلدان بفضل القهارمة الاثني عشر" (الذين
يعملون بقوّة الروح) (مساء الأحد السادس بعد العنصرة).
وهكذا يزول العهد القديم الذي هو "عقد" قانونيّ بين الله وشعبه، بين اللامنظور الذي
يفرض نفسه من الخارج على الانسان الذي يستمع إليه في الظلمة والرعدة، ويحلّ محلّه
العهد الجديد الذي هو وحدة حياة تتحقّق في لقاء حريّة وحبّ بين شخصين، بين عروسين
هما المسيح والكنيسة. وهذا العهد يختمه الروح.
لهذا، صارت الكنيسة اسرائيل الجديد الذي فيه تجد جميع المواعيد الماضية كمال
تفتّحها. هي "الشعب المقتنى والكهنوت الملكيّ وجماعة الأحرار الذين نقّاهم المسيح
بالماء وقدّسهم بالروح. فصارت الكنيسة منذ ذلك الوقت الكرمة الحقيقيّة التي غرست
على سواقي الروح الكهنوتيّة". نقرأ في القومة الأولى من ليل الاثنين المقدّس:
"المجد للآب الذي غرس كرمة اسرائيل. والسجود للابن الذي اقتلعها وشتّتها وسط الأمم.
والشكر للروح الذي بنى الكنيسة مكانها فأنشدت مديحه في كل آن".
والكنيسة هي العروس التي زيّنها الروح وجمّلها بزينة مواهبه المتنوّعة والمختلفة،
فينشد المؤمنون في مساء ثلاثاء الفصح: "اليوم نالت العروس الشريعة، نالت الكنيسة
المقدّسة أجمل زينة بفضل مواهب الروح القدس المتنوّعة. لقد امتلأت من بهجة القيامة
المحيية ومن نورها".
خاتمة
ذاك هو الكتاب الذي قدّمناه في سلسلة "محطات كتابيّة". الروح القدس روح الله. أو
روح القداسة الذي يهب القداسة للبشر والتجديد للخليقة على ما قيل في المزمور: تجدّد
وجه الأرض. هذا الروح هو روح الله كما أن الابن هو ابن الله. يولد الابن من الآب.
وينبثق الروح من الآب. هذا ما تقوله الأناجيل المقدسة التي أعطتنا الصورة الكاملة
عن العلاقة بين الأقانيم الثلاثة في قلب الثالوث الاقدس. الآب هو مصدر كل شيء. هو
الوالد والأب وهو يتميّز بالأبوّة. والابن هو المولود والابن، وهو يتميّز بالبنوّة.
والروح يتميّز بالانبثاق وإذا أردنا كلمة قريبة: الخروج كما النور من الشمس.
كتاب في ثلاثة أقسام تنطلق من العهد القديم فتصل إلى العهد الجديد وتحطّ بنا في
الكنيسة منذ بدايتها حتّى مسيرتها مع آباء الكنيسة كما عرفهم هذا الشرق. فالكتاب
المقدس ليس فقط حرفًا نفهمه ونردّده. إنه كلمة حيّة تعيشها الكنيسة يومًا بعد يوم
حسب ظروف الزمان والمكان. تعيشها في العمل. وتعيشها في الفكر اللاهوتيّ الذي جعلها
تكتشف منذ المجمع المسكوني في نيقية سرّ الثالوث الأقدس. ولن تزال تعيشها في
المؤمنين العديدين الذين يكيّفون انجيل المسيح مع الحضارات والقوميات، فيصبح
يونانيًا في بلاد اليونان، وصينيًا في بلاد الصين، وهنديًا في بلاد الهند.
من أجل هذا حاولنا في هذه السلسلة أن نقدّم المواضيع اللاهوتيّة التي تبني لنا
فكرًا مسيحيًا في هذا الشرق يتأسس على كلام الله، لا على فلسفة البشر. هذا مع العلم
أننا نستعمل مقولات العالم الحديث كما استعمل الكتاب المقدس ما وصل إليه من حضارات
الشرق القديم لكي يعبّر بها عن حقيقة حبّ الله لشعبه ولكل مؤمن من مؤمنيه.
"الروح القدس، روح الله". هو محاولة أولى. وسيليه "وجه الله في الكتاب المقدس".
ونحن نرجو أن يتبع الاثنين كتاب ثالث يرينا وجه يسوع. وهكذا نكتشف الثالوث من خلال
الأقانيم الثلاثة، من خلال الأشخاص الثلاثة الذين بهم نلنا العماد المقدس بعد أن
تتلمذنا، والذين بهم ننهي صلواتنا وأعمالنا على ما قال بولس الرسول في 2 كور 13:
12: "نعمة ربّنا يسوع المسيح، ومحبّة الله، وشركة الروح القدس معكم أجمعين".