وجه الانسان وكلام الله
يتضمّن هذا القسم المحاضرات التي تُليت في الأيام البيبليّة
الثانية، حسب الترتيب الذي وردت فيه:
1- الفقر والغنى في الكتاب المقدّس
2- الوصية الجديدة بحسب التقليد اليوحناويّ
3- المحبّة والحقّ، السلام والعدل، تلاق وعناق
4- الحريّة في الكتاب المقدّس
5- المرأة في العهد القديم
6- الكتاب المقدس وحقوق الإنسان
7- هل من عنف في الكتاب المقدس
8- البقيّة الباقية.
الفقر والغنى في الكتاب المقدس
مقدّمة:
الموضوع جميل جدّاً وقابل للتأوين والتأويل. موضوعنا هو موضوع الفقر والغنى
والأغنياء والفقراء. وقد وعدنا يسوع أنّ الفقراء يبقَون معنا في كلّ حين. سنتكلّم
عن نوعين من الفقراء: الفقراء المهمّشون والمشرّدون والبائسون الّذين فقدوا معنى
حياتهم ومعنى الآخر ولم يعد لهم همّ سوى أن يجدوا اللّقمة الممزوجة بالعرق والدم.
وهناك الفقراء الّذين عرفوا أن اللقمة الممزوجة بالعرق والدم أو اللقمة التي تؤخذ
مع كأس وكيف لا تكفيان. هناك شيء أبعد. وهذان النوعان من الفقراء سيبقون معنا في
كلّ حين.
يبدأ تأمّلنا بعرض سريع لموضوع الفقر والغنى في الكتاب المقدس ثم ننتقل الى تأوين
لهذا الموضوع ونختم بخلاصة.
الفقراء في الكتاب:
العهد القديم:
لا يُغفل الكتاب المقدس الفقراء بل يُعطيهم مكانة هامّة في كلمة الله. الفقير هو
أولاً الذي لا يملك شيئاً، حتى ما يكفيه للقوت والكسوة. وتختلف المواقف من الفقير
في الكتاب المقدس. يتّهمون الفقير بالكسل بالتراخي، باللهو... لذا هو فقير،
وبالتالي هو مزدرىً (راجع الكتب الحكمية) والفقير يُعتبر من الذين لم يُرضوا الرّب.
لأنّ خيرات الدنيا هي علامة بركة الرّب. وهذه الفكرة تنبع من كون وحي العهد القديم
لم يعرف حياة ما بعد الموت إلاّ متأخّراً.
أمّا موقف الأنبياء فيختلف عن هذين الموقفين اللّذين يحتقران الفقير. النبيُّ يرى
الفقر كنتيجة لخطيئة المجتمع الفاسد ولظلم وجشع التاجر والحاكم والغني.. فالغنى لم
يعد علامة بركة الرّب، لا بل إنّ الأغنياء هم الّذين جنَوا على الفقير وأغرقوه في
بؤسه. ألم يظلم فرعون الغني شعب العهد القديم في مصر؟ أليس بؤسهم هو نتيجة ترف
فرعون واستغلالهم. الفقر هو علامة من علامات خطيئة الشعب فالفقير يفضح خطيئة
الإنسانيّة أو المجتمع. فاتّهام الفقير سهل على الغني كي يُريح ضميره. من هنا كلّ
صرخات الأنبياء بوجه الجشعين والطامعين ومن هنا إعلانهم بأنّ الفقير هو دينونة
للشعب وبأنّ "غضب الرّب: على الشعب هو وجود الفقير الذي أوجده الغني والملك. والملك
هو في المبدأ ممثّل لملوكية الرّب على شعبه.
مع الأنبياء وفي المزامير وفي كتب الشريعة الخمسة وخاصة في تثنية الإشتراع كلام عن
صرخة الفقير التي يسمعها الرّب. فالرّب يسمع صرخة الفقير كما سمع صرخة »دم هابيل«.
فهو يلفت نظر الغني كي لا يترك قميص الفقير عنده الى غروب الشمس لأنّ صوت يصل الى
مسمعي الرّب. فقد تكون أنت سبب فقره. هو مظلوم. قد تكون أنت الظالم وقد يكون
مجتمعك. على أيّ حال فأنت متضامن مع مجتمعك.
بدأنا هنا نلمس أنّ ملجأ الفقير هو الرّب وليس الإنسان. فصرخة الفقير هي للرّب. فهل
يطلب أحد الإنصاف من ظالمه أو ينصّب ظالمه ليقضي له. من هنا صرخة الفقير الى الذي
أخرج شعبه من أرض مصر بذراع قويّة.
إنطلاقاً من هذا الكلام نصل الى موضوع ثانٍ هو موضوع "فقراء الرّب". هؤلاء هم
الجماعة الّذين اختاروا الفقر. قد يكونون، ولكنّهم اكتشفوا أن "ليس بالخبز وحده
يحيا الإنسان". اكتشفوا أنّ الحياة أبعد من الحياة وأنّ القضيّة أبعد من القضايا
وأنّ الجوع أبعد من الجوع الى العالم. فقد اختبروا أنّ الوعد بالنسل لم يكن كافياً
وأنّ الأرض لم تكف وأنّ المؤسسة لم تكف فاسحق كاد يُذبح والأرض ضيّعت في مصر أو في
أشور أو في بابل، لم يعد هناك ملك ولا هيكل في بابل. ... ماذا بقي؟ بقيت كلمة
الرّب. اكتشف "فقراء الرّب" أنّ عليهم أن يُلغوا غنى المستغني وأن لا غنى حقيقيّاً
إلاّ بالعلاقة. حلم الإنسان الأوّل كان أن يغتني بالإستغناء عن الله. هذا حلم لا
يتحقق أبداً. ليس الغني انتفاء الحاجة كما تصوّره أغنياء العالم. فالغني المكتفي
بذاته، الذي لم يعد يشعر بحاجة الى غيره هو الإنسان الذي يستغني في نهاية المطاف عن
الله ويكتفي بذاته التي تصل الى العزلة التامة في القبر. وهذا الغنى هو على ضوء
يسوع المسيح أصعب حالات الفقر كما سنرى. ففقراء الرّب هم الذين اكتشفوا أنّهم أغنى
بكثير من أن يستغنوا وأنّ الغنى ليس في الطمع، إنّه في العلاقة. ومن خلال العلاقة
مع الرّب يكتشفون أهميّة تضامنهم مع إخوتهم الّذين حرّرهم الرّب بذراع قويّة.
العهد الجديد:
يبدأ إنجيل متى بتطويب المساكين بالروح في العظة على الجبل، في أوّل عظة رسميّة
ليسوع. جاء "المسيح" خاصة من أجل هؤلاء (راجع لوقا 4 وما قرأ يسوع من أشعيا في مجمع
الناصرة). جاء يسوع يطوّب "المساكين بالروح" أي فقراء الرّب. فهؤلاء الفقراء هم
أوّل من تكلّم عنهم يسوع ولم يتعامل معهم بفوقية بل ساواهم بنفسه. فهو مثلهم ليس له
موضع يسند إليه رأسه. وقد فعل بطرس ويوحنّا ما فعله يسوع. أعطوا المخلّع ما أعطاه
يسوع ولم يُعطوه فضّة. أمام الفقير تجلّى يسوع الفقير الذي يعرف أنّ غناه الحقيقي
هو في علاقته بأبيه وهو لا يبحث عن فتى آخر. وستتجلى هذه العلاقة في مفهوم الحبّ.
كثيرة الأمثلة حول الفقراء من مثل فلس الأرملة والغني ولعازر... لن أستغرق في عرض
هذه الأمثلة.
ويسوع يدعونا الى الفقر، الى التجرّد... الأمثلة كثيرة... ولكن، هل من تناقض بين
هذه الدعوة للتجرّد من قبل يسوع وما يقوله بولس عن رغبته بأن لا يثقّل على سامعيه
بل يعمل بيده ويربح معيشته. المهمّ في كل ذاك أن يكون همّ الإنسان لا ما يعمل بل أن
يكون همّه أن تصل كلمة الله الى الإنسان. هذا هو الفقر الحقيقي. أنت لا تهتمّ إلاّ
بواحدة: أن تستقبل كلمة الله وأن تعلنها. أتعب وأشقى أو آكل عند من استضافني، لا
أملك "حريّتي" في أن أتصرف كما أريد، فقد قرّرت حريّتي أن أكون خادم الكلمة. ثروتي
الحقيقيّة هي علاقتي بالرّب وبالإنسان الذي يحبّه الرّب.
على الصليب صرخ يسوع "إلهي إلهي لم تركتني". وهذه الصرخة وردت في مزمور ثقة لكنّها
تعبّر عن شعور إنسان متألّم يختبر فعلاً أنّه متروك. ألا يعيش كل واحد منّا هذه
الخبرة في حياته؟ الفقير يعيش هذه الخبرة أكان فقره بسبب خطيئة البشريّة أم بسبب
اختياره للفقر الروحي. موقف يسوع على الصليب وصل الى نهاية الفقر فاستودع روحه بين
يدي أبيه. فهو في الاضطهاد يسلّم ذاته للآب وللذين يحبّهم يسوع ولم يكتشفوا بعد
قيمة هذه المحبة. فأنت لأنّك تحبّ "وتشحد" المحبّة. فالآخر الذي يذهب ببطرس الى
الصليب هو الروح والمضطهد.. الرائع أنّ الذي لم "يشتلق" على الحبّ يلتقي بمن هو
الحبّ عندما تعرف أن تكون فقيراً.
تأوين وخاتمة:
وأعود الى سفر التكوين: "لا يحسن أن يكون آدم وحده، فلنصنع له عوناً بإزائه".
"شكراً لك يا سيّدي لأنّك كشفت للرجل فقره، وشكراً لك يا سيّدي لأنّك كشفت للمرأة
فقرها. أشكرك سيّدي لأنّك أغنيت المرأة، أشكرك سيّدتي لأنّك أغنيت الرّجل. ما يؤسف
سيّدتي، ما يؤسف سيّدي، أنّكما استغنيتما عن الله، ولكن لا تخافا، سيُداس رأس
الحيّة".
لعازر الفقير مطروح على باب الغني. لمّا صرخ الغني "أرسل لعازر الى بيت أبي..." ألا
يقول لنا أنّ لعازر كان موسى والأنبياء على باب الغني؟ كان كلمة الله على باب
الغني. أليس لعازر يسوع الجائع والعطشان والغريب والعريان والمريض والمحبوس الذي
ينتظر افتقادنا له؟ تعالوا نبحث على كلّ جوع وعطش وعري وغربة ومرض وأسر فينا وفي
الآخر ونقول لكلّ آخر (الله والإنسان) نقول له: "إذا لم تشبع فأنا جائع جائع وإذا
لم أشبع فأنت جائع، إذا لم ترتوِ فأنا عطشان، وإذا لم أرتوِ فأنت عطشان. ..."
الخوري داود كوكباني
الوصيّة الجديدة بحسب التقليد اليوحنّاويّ
مقدّمة
خلفيّة الأيّام البيبليّة التي اخترناها لهذه السنة هي حقوق الإنسان أو مفهوم
الإنسان من خلال البيبليا. اخترتُ في هذه المحاضرة التكلّم على ناحية معيّنة من
العلاقات الإنسانيّة، لا بل على أساس هذه العلاقات، ألا وهي "المحبّة". موضوع
المحبّة سهلٌ وصعبٌ في آنٍ معًا: سهلٌ من حيث الطَرح والمضمون، صعبٌ من حيث التطبيق
وتفنيد الحالات التي تُطبّق المحبّة فيها.
أساس المحبّة اللاهوتيّ هو أنّ كلّ إنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، ومُخَلَّص
بيسوع المسيح. فمَن أنا كي لا أُحبَّ صورة الله في الإنسان؛ ومَن أنا كي لا أُحبَّ
مَن أحبَّه المسيح ومات من أجله؟ أمّا أساس المحبّة الإنسانيّ فينتج عن وحدة
العائلة البشريّة والتضامُن فيها. نستخلص سريعًا من هَذَين الأساسَين أنّ المحبّة
هي حقُّ كلّ إنسانٍ وواجبُه. ولكن ماذا نعني بالمحبّة؟
إذا أردنا التوقّف على المستوى البيبليّ للمحبّة فقد نُلاحظ وجود بعض الوصايا
المتناقضة. فالوصيّة "أحبّوا أعداءَكُم" التي نسمعها في عظة الجبل في إنجيل متّى
غائبة في التقليد اليوحنّاويّ؛ لا بل نرى في الإنجيل والرسائل المنسوبة إلى يوحنّا
دعوة إلى كره العالم وكلّ ما في العالم. في الواقع، إنّ دراسة اللاهوت الخاصّ لكلّ
إنجيل يُفهِمنا سبب هذه الاختلافات.
الموضوع الذي يستوقفنا هنا هو مفهوم المحبّة في التقليد اليوحنّاويّ. والسؤال الذي
يُطرح هو: هل هناك عدّة مفاهيم للمحبّة؟ ما هو مضمون الوصيّة الجديدة التي يُعطيها
يسوع؟ يبدو أنّ نظرة إنجيل يوحنّا ورسائله إلى المحبّة نظرة مُميّزة. سوف نعرض هذه
النظرة بعد التطرّق سريعًا إلى مفهوم المحبّة الكلاسيكيّ الذي يظهر في سائر كتب
العهد الجديد.
1- نظرة سريعة إلى مفهوم المحبّة في العهد الجديد (باستثناء الكتابات اليوحنّاويّة)
قد يبدو غريبًا للبعض التكلّم على مفهوم المحبّة. هل هُناك تعبير عن المحبّة سوى
الأعمال؟ أليسَت أعمال الرحمة هي أعمال المحبّة؟ ألا يتجلّى مفهوم المحبّة من خلال
الابتعاد عن عمل الشرّ والسعي إلى عمل الخير؟
تتحدّث الأناجيل الإزائيّة عن المحبّة الموروثة من العهد القديم: "أحبب قريبك
كنفسك" (لا 19: 18)؛ إنّها الوصيّة الثانية التي تأتي بعد وصيّة المحبّة الموجّهة
إلى الربّ والتي ترتبط بها مُباشرة. "أحبب الربّ إلهَك بكلِّ قوّتك...". تتجلّى
محبّة الإنسان للربّ من خلال تطبيق وصاياه. فالبيبليا عامّة بعيدة عن النظرات
الفلسفيّة المجرّدة؛ إنّها تتحدّث عن الحقائق الإلهيّة بتجلّياتها التاريخيّة.
فالمحبّة بالتالي تُفهم عمليًّا وتطبيقيًّا.
أمّا مفهوم القريب في وصيّة محبّة القريب التي ترتبط بالعهد القديم فقد أخذ أبعادًا
متعدّدة. فبعض الربّينيّين فسّروا القريب بالذي هو من الدين اليهوديّ؛ فتُصبح
المحبّة مقتصرة على أتباع هذا الدين. وقد توسّعت هذه الوصيّة حتّى حُدِّدَت
كالتالي: أحبِب قريبَك وأبغض عدوَّك. هناك بعض الربّينيّين الذين رأوا في الدعوات
الواردة في العهد القديم إلى الاهتمام بالغرباء والنزلاء نوعًا من المحبّة الواجبة
لتجسيد اهتمام الربّ بشعبه يوم كانوا نُزلاء في أرض مصر. فتوسّعت بالتالي فكرة
القريب ومحبّته. هُنا تُطرح مسألة جديد يسوع في هذا المجال. في الواقع، يسوع لم
يوسّع فقط مفهوم القريب، بل سعى أيضًا إلى قلب المقاييس: القريب لا يُحدَّد بالنسبة
إليّ (أي أن أكون أنا المحور)؛ أنا أكون قريب الآخر (أي أن يُصبح الآخَرُ نقطة
الثقل).
بالإضافة إلى هذا التحوّل الجوهري في العلاقة بالقريب هناك توسيع هذه المحبّة إلى
الأعداء. لن ندخل في هذا المفهوم الصعب وفي كيفيّة تطبيقه. هل أُحبب عدوّي وهو آتٍ
ليقتلني؟ هل أُصلّي لأجله كي يبقى عدوًّا لي؟ كيف يُمكِنُني أن أحوّل الخدَّ الآخر
للذي صفعني على الخدّ الأوّل؟ هل مسيحيّة يسوع استسلام وخنوع؟
قد يُجيبُنا الرسول بولس على هذه الأسئلة في الفصلَين الثاني عشر والثالث عشر من
الرسالة إلى أهل رومة واللذين يستحقّان دراسة مفصّلة. يدعو الرسول بولس إلى المحبّة
الأخويّة وإلى تجنّب الشرّ والتمسّك بالخير مع جميع الناس؛ أمّا عمل الخير مع
العدوّ فيُعطيه صورة تكديس جمر نار على رأسه: قد يُفهم ذلك كدينونة للعدوّ أو كخجل.
أمّا نشيد المحبّة في الفصل الثالث عشر من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس وإطاره
الكتابيّ فيُشكّلان صورة واضحة عن المحبّة التي هي أعظم الفضائل.
بكلمة واحدة، لقد حاولت التقاليد القديمة، ولا سيّما اليهوديّة منها، اختصار
المحبّة بما نُسمّيه القاعدة الذهبيّة التي عُبِّر عنها بشكلَين سلبيّ وإيجابيّ:
"ما تُريد أن يعمله الآخرون لك، اعمله أنتَ لهم" أو "لا تعمل للآخرين ما لا تُريد
أن يعمله الآخرون لك". تظهر إذًا المحبّة من خلال تجلّياتها التطبيقيّة (راجع مثلاً
مقاييس دينونة ابن الإنسانِ لجميع الأمم). وفي التقاليد الإزائيّة خاصّة تظهر هذه
المحبّة في معظم الأحيان وكأنّها محبّة من طرف واحد (راجع مثلاً مسألة محبّة
الأعداء). أمّا من جهة التعبير اليوحنّاويّ بشأن المحبّة فإنَّه يتوقّف عند
المُبادلة في المحبّة: "أحبّوا بعضكم بعضًا". هذه المُبادلة في المحبّة تجعلنا نطرح
مسألة حقل تطبيق المحبّة بحسب يوحنّا، لا بل تضطرُّنا إلى النظر في مفهوم يوحنّا
للمحبّة وتحديده لها.
2- المحبّة في التقليد اليوحنّاويّ
أ- ملاحظات عامّة (ورود المحبّة في إنجيل يوحنّا)
يتحدّث إنجيل يوحنّا عن المحبّة بشكلٍ موسّع في كلام يسوع الوداعيّ وفي صلاته للآب
(يوحنّا 13-17). هذا القسم من إنجيل يوحنّا موجّه كلّه للتلاميذ، وبالتالي وصيّة
المحبّة: "أحبّوا بعضكم بعضًا". أمّا في القسم الأوّل من الإنجيل (أي قبل الفصل 12)
فهناك أقوال سريعة ولكنّها أساسيّة لمفهوم المحبّة عند يوحنّا. الاعتبار الأوّل
والجوهريّ يأتي على لسان يسوع في لقائه مع نيقوديموس: "هكذا أحبّ الله العالم حتّى
وهب ابنه الأوحد، فلا يهلِكَ كلّ مَن يؤمِن به، بل تكون له الحياة الأبديّة. والله
أرسل ابنه إلى العالم لا ليدين العالم، بل ليُخلِّص به العالم" (يو 3: 16-17).
فالجوهريّ هو أنّ يسوع يبني وصيّته الأخيرة على هذا الإيمان الأساسيّ: محبّة الله
للعالم. وبين هَذَين الحبَّين يأتي حبُّ يسوع ليكون رمزًا (بالمعنى العميق السرّيّ)
لمحبّة الآب ومثالاً ومصدرًا لمحبّة التلاميذ بعضهم لبعض. هكذا نفهم معنى محبّة
يسوع للعازر (يو 11) الذي أحياه بعد موته ومحبّته للتلميذ الحبيب الذي شاء أن يبقى
إلى أن يجيء من خلال شهادته. لن نتوقّف على الأبعاد الأولى للمحبّة سننحصر فقط
بمضمون وصيّة المحبّة بين التلاميذ.
هناك ذكر مزدوج لوصيّة المحبّة في إنجيل يوحنّا: 13: 34- 35؛ 15: 12- 17. الوصيّة
المذكورة في الفصل 15 لا توصف بالجديدة ولكنّ مضمونها يتشابه مع الوصيّة في الفصل
13 حيث يُذكَر واضحًا بأنّها جديدة. أضف إلى ذلك ذكر الوصيّة الجديدة في رسالة
يوحنّا (1يو 2: 7- 8)؛ لكنّ دراستنا ستنحصر في إنجيل يوحنّا. لن يختلف مضمون
الوصيّة الجديدة في الرسالة الأولى إلى يوحنا عن مضمونها في الإنجيل. سوف ندرس
الإطار الكتابيّ لكلّ ذكر لوصيّة المحبّة ولمضمونه.
ب- يوحنّا 31: 43- 53
يبدأ الفصل 13 من إنجيل يوحنّا بذكر غسل يسوع أرجل تلاميذه. ثمّ يأتي ذكر خيانة
يهوذا الإسخريوطيّ مع كشف يسوع الواضح لهويّة الخائن للتلميذ الذي كان يسوع يُحبّه.
دفع الحديث على تسليم يهوذا يسوع إلى فتح إطار إسكاتولوجيّ: إطار التمجيد على
الصليب. تعرض الآيات 31- 33 التي تسبق مباشرة الوصيّة الجديدة تمجيد ابن الإنسان
ومسألة رحيله. سوف يُستكمل الحديث على رحيل يسوع في الآيات 36 ي مع إضافة ذكر
استعداد بطرس للموت في سبيل يسوع. يأتي إذًا ذكر الوصيّة الجديدة في الفصل 13
كخاتمة لغسل الأرجل من جهة، وليدخل في إطار رحيل يسوع وتخلّي بطرس عن نفسه من أجل
يسوع من جهة أخرى.
دراسة لنصّ غسل الأرجل تُظهر معنَيَين لعمليّة غسل الأرجل. يأتي المعنى الأوّل من
خلال جواب يسوع على اعتراض بطرس: "إن كنتُ لا أغسلك فلا نصيب لك معي" (آ 8). فغسل
الأرجل هو علامة الوصول إلى حيث موجود يسوع؛ إنّه الطريق للوصول إلى الاتّحاد به.
من هنا نفهم لماذا اعتبر إنجيل يوحنّا أنّ غسل الأرجل يقوم بمثابة تأسيس سرّ
الإفخارستيّا.
أمّا المعنى الثاني فيُستنتج من إعلان يسوع في ختام غسل الأرجل: إعطاء مثال يقتدي
به التلاميذ. ما هذا الاقتداء إلاّ القيام بالمحبّة. يظهر هذا التوضيح من خلال
بُنية الآية 34 التي نحن بصددها:
وصيّةً جديدةً أعطيكم
أحبّوا بعضكم بعضًا
كما أنا أحببتكم
هكذا أنتم أحبّوا بعضكم بعضًا
بالتالي، يمكننا أن نستنتج من هذين المعنيَين أنّ عمل المحبّة هو الاتّحاد بيسوع.
قول يسوع: "كما أنا أحببتكم" يُفهم ليس فقط من خلال الصليب، بل أيضًا وخاصّة من
خلال التجسّد أي الاتّحاد بالطبيعة البشريّة. حبّ الله للعالم جعله يُرسل ابنه
ليتّحد بالبشريّة ويُخلِّصها. المحبّة إذًا ليست أعمالاً بل حالة، حالة متبادلة بين
التلاميذ، حالة الشراكة مع بعضهم البعض ومع معلّمهم. هذه الشراكة، وإن كانت
داخليّة، فهي منفتحة على الناس أجمعين. إنّها خاتمة الوصيّة الجديدة: "فإذا أحببتم
بعضكم بعضًا، يعرف الناس جميعًا أنّكم تلاميذي" (آ 35). الشهادة الحقيقيّة تأتي
نتيجة الشراكة مع يسوع وضمن الجماعة المسيحيّة. من هنا نفهم مبدأ المُبادلة (بعضكم
بعضًا) ودخول الوصيّة الجديدة ضمن الحديث على ذهاب يسوع وعلى تمجيده وعلى اتّباعه
إلى حيث سيكون. فالمحبّة تُبقي التلميذ باتّحاد كلّي مع المعلّم وتجعله يسير في هذا
الزمن بتخلٍّ كلّي صوب الاتّحاد الكامل في المكان الذي يذهب يسوع لإعداده.
ج- يوحنّا 15: 12- 17
قد نستغرب إيراد إنجيل يوحنّا لوصيّة يسوع نفسها مرّة ثانية في الفصل 15: "هذه هي
وصيّتي: أحبّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم" (آ 12). دراستنا لإطارها الكتابيّ سوف
تكشف لنا السبب. يدخل ذكر هذه الوصيّة ضمن قسم من الفصل 15 (آ 1- 17) مُحدَّد
بتضمين: "حَمْل ثمار". أمّا القسم الثاني من الفصل 15 فيُركّز على شهادة التلاميذ
ليسوع في العالم.
15: 1- 3 تُظهِر أنّه من الطبيعيّ أن يكون التلاميذ-الأغصان متّحدين
بالمعلّم-الكرمة كنقطة ارتكاز. لكنّ الموضوع المطروح هو موضوع "حمل الثمار": كلّ
غصن منّي لا يحمل ثمرًا يقطعه".
15: 4- 6 هي آيات كريستولوجيّة تُركّز على أنّ الثبات المُتبادل بين التلميذ ويسوع
يؤدّي إلى ثمر كثير، وأنّه بدون يسوع لا يقدر التلميذ أن يفعل شيئًا.
15: 7- 11 هي آيات لاهوتيّة تكشف أنّ الطلب ضمن الثبات بيسوع يُستجاب؛ ولكنّها
تُركّز على مصدر المحبّة. في الآية 9 يُجذِّر يسوع محبّته للتلاميذ بمحبّة الآب له.
والآبُ هو أيضًا مصدر وصايا يسوع لأنّ يسوع لا يتكلّم من عنده بل بما سمعه من الآب.
وصايا يسوع في صيغة الجمع تُصبح وصيّته في صيغة المُفرد عندما تكون الوصيّة وصيّة
المحبّة.
15: 12- 17 يحدُّها تضمين بواسطة الوصيّة: "أحبّوا بعضكم بعضًا". هذه الوصيّة
تُمهّد، كما هي الحال في الوصيّة الواردة في الفصل 13، للحديث على تضحية الإنسان
بنفسه (آ 31). وضع التلميذ ليس إذًا وضع العبد بل وضع الحبيب. بل أكثر من ذلك، يدعو
يسوع التلاميذ "أحبّائي" ويشترط لهذه الحالة العملَ بما يوصيهم به.
ملاحظة: يتحدّث القسم الثاني من الفصل 15 على بغض العالم وخطيئته مُمهّدًا لدور
البارقليط، روح الحقّ، الذي يشهد ليسوع والذي يجعل التلاميذ يشهدون لأنّهم بشركة
محبّة بيسوع منذ البدء. إنّه اكتمال الدور الثالوثيّ للمحبّة ولإعطاء الثمر
وللشهادة.
إذا كان للصيغة الأولى لوصيّة المحبّة (الفصل 13) دور التركيز على المحبّة كشراكة
فإنّ الصيغة الثانية (الفصل 15) تأتي لتُركّز على أهمّيّة إعطاء ثمر ضمن هذه
الشراكة. يبقى أن يُحدَّد مفهوم الثمر. يبدو أنّ الثمر داخل الجماعة يأتي من خلال
الصلاة إلى الآب ضمن الجماعة المسيحيّة (آ 7 وآ 16)؛ (رسالة يوحنّا الأولى تتحدّث
بشكل صريح عن النظر إلى حاجة الأخ) أمّا الثمر الخارجيّ فهو الشهادة للعالم على
أساس الشراكة.
خلاصة القول، وصيّة المحبّة في إنجيل يوحنّا محصورة بالجماعة المسيحيّة. قد يرجع
سبب هذا الحصر إلى الاضطهادات (طرد المسيحيّين المُرتدّين من اليهوديّة من
المجامع)؛ تستعمل الجماعة المحبّة لِتُعبِّرَ عن هويّتها. قد يرجع أيضًا إلى
انقسامات داخل الجماعة؛ تأتي وصيّة المحبّة لتكون دعوة إلى الوحدة. بالمُقابل، ليست
الجماعة المسيحيّة جزيرة: إنّها من العالم وإن كانت ليست من العالم. دورها الرساليّ
ينبع من عمل البارقليط الذي يجعلها تشهد من خلال عيش المحبّة، أي الوحدة مع يسوع.
وفي صلاة يسوع للآب (17: 21- 23) تظهر هذه الوحدة وسيلة لجعل العالم يؤمن؛ أي أن
يتغيّر وجه العالم فلا يعودُ العالَمُ عالمًا بالمفهوم السلبيّ للكلمة. هذه هي قوّة
الوحدة بين المؤمنين. قوّة الشهادة الناتجة عنها تنبع من أنّ هذه المحبّة-الوحدة
ليست أعمال خير أو مبادئ أخلاقيّة خارجيّة بل لأنّها تتجذَّر في وحدة الآب والابن.
خاتمة
إذا كان التقليد اليوحنّاويّ يُركّز على البُعد اللاهوتيّ للمحبّة كشراكة فإنّ سائر
تقاليد العهد الجديد تُركّز على البُعد الأخلاقيّ (المسلكيّ) للمحبّة. إنّه التكامل
بحدِّ ذاته. في الواقع إنَّ الرسول بولس يجمع بين التقاليد الإزائيّة والتقليد
اليوحنّاويّ بشأن وصيّة المحبّة. يتوجّه الرسول بولس إلى أهل رومة بقوله: أحبّوا
بعضكم بعضًا كإخوة، مُفضّلين بعضكم على بعض في الكرامة... ساعدوا الإخوة القدّيسين
في حاجاتهم، وداوموا على ضيافة الغرباء. باركوا مُضطهديكم، باركوا ولا تلعنوا..."
(رو 12: 10- 14). بهذا القول يلتقي الرسول بالتقليد اليوحنّاويّ بشأن المحبّة
المُتبادلة، وبالتقليد الإزائيّ بشأنّ محبّة الأعداء. أمّا فكرة المحبّة-الشراكة
التي تظهر في التقليد اليوحنّاويّ فيُعبّر عنها الرسول بولس بقوله إلى أهل كورنثوس:
"لا تقترنوا بغير المؤمن في نير واحد. أيُّ صلة بين الخير والشرّ؟ وأيّ علاقة
للنورِ بالظلام؟ وأيّ تحالُفٍ بين المسيح وإبليس؟ وأيُّ شَرِكةٍ بين المؤمِن وغير
المؤمن؟" (2كور 6: 14- 15).
ختامًا، وبالعودة إلى موضوع أيّامنا البيبليّة الثالثة، نرى أنّ المحبّة في
التقاليد الإزائيّة تُعلن صراحة أنّ كلَّ إنسان من واجبه أن لا يستثنيَ أحدًا من
حبّه -حتّى ولو كان عدوًّا- ومن حقِّ كلِّ إنسان أن يُكونَ محبوبًا. أمّا المحبّة
في التقليد اليوحنّاويّ فتكشف من خلال الشهادة التي يجب أن تؤدّيها للعالَم أنَّ
كلَّ مؤمِن من واجبه أن يتّحد بيسوع وبالجماعة المسيحيّة ليوصِل الشهادة الحقيقيّة،
وأنَّ كلَّ إنسانٍ من حقِّه أن تصلَه البشارة المسيحيّة.
الأب أنطوان عوكر
المحبة والحق، السلام والعدل: تلاق وعناق!
توطئة
من يسمع عنوان المحاضرة أو يقرأه –"الرحمة والحق تلاقياً"- تتبادر إلى ذهنه مشاعر
متنوّعة واعتبارات مختلفة، ولنقل بإيجابية اعتبارات متكاملة، قد تبلغ حدّ اعتماد
الموقف أو الاعتقاد بذلك، منها ما يلي:
- أوّل ما يوحي به العنوان هو أنه ذو بُعد اجتماعي وإنسانيّ؛ هذا صحيح إلى حدّ
كبير، لأن المقهور والمظلوم، والمنبوذ والشريد، واليتيم والأرملة، والمسكين
والغريب، كلهم يشعرون بأن "الرحمة والحق" هما مخرجهم وفرجّهم وخلاصُهم.
- ويوحي أيضاً ببُعد آخر ذي طابع قانونيّ بحت، حيث يسمح "تلاقي الرحمة والحقّ"
بالسموّ والاتقاء بالعمل القانوني القاطع إلى نوع من القضاء العادل الممزوج
بالرحمة، كما يفعل الله الكليّ الرحمة والحنان بعدما يغضب ليحيي وليس لينتقم أو
يُبيد.
- لكن للعنوان بُعد أهم وأعمق من السابقين، ألا وهو البعد البيبلي واللاهوتي
والروحي، الذي لا بدّ وأن ينتج عنه الاعتبار أن السابقان. فـ "الرحمة والحقّ
يتلاقيان" فقط بعد زوال نقيضيها اللذين هما علّة كلّ فوضى وتشتّت وبلبلة ورحيل عن
بيت الآب بعيداً، وبعد أن يبادر "الربّ الحنون الرحوم الطويل الأناة" إلى "غسلي
كثيراً من أثمي، وإلى تطهيري من خطاياي" (مز 51)؛ لكنه لا يفعل ما لم يحترم حريتي
أولاً، وهو الذي زيّنني وميّزني بها أساساً.
ممّا تقدّم، ننطلق لعرض بعض الأقكار التي توطئ للتوسع في موضوعنا، وهي التالية:
كما يتوق المؤمن التقيّ الورع، المخلي ذاته حتّى الامّحاء كمعلّمه، إلى ربّه وإلهه
وسيّد حياته وخالب قلبه،
كذلك يشتاق المظلوم إلى العدل،
والمُستعبد إلى الحرية،
ومُعاني قهرَ الحرب وإبادتها المتنوّعة إلى السلام،
وضحية الكره إلى المحبّة المُحيية،
وصريعُ البغض إلى خمور نار الغضب المُفنية،
والمنبوذُ إلى ذراعين مفتوحتَين تقبّلانه،
والمحكوم عليه بالرجم أو الطرد أو اللعن إلى قلب يهمس في السامعتين كلمة الحبّ،
فيهوي الشرّ، ويسلم فاعله، ويصبح الجميع "مملوئين نعمة وحقاً، وبالطبع فرحاً
وسلاماً!
إذا حصلَ ما تقدّم وأوردنا، فليعلم القارئ "أن ملكوت الله" عندها "هو حقاً في داخل"
هؤلاء، (لو 17: 21)، وأن أنشودة الملائكة يوم هل النور على وجه المعمورة (رج أش 60:
21ي) صارت أنشودتهم، فإذا "المجد لله في العلى" معتقدهم، "وعلى الأرض السلام"
منشودة وعملهم"، و"الحق والعدل منطقة حقويهم" (أش 11: 5)، وإذا "سيوف الإبادة
ورماحُ" الإهلاك في أيديهم "سكك، وأسنّتهم مناجل" (أش 2: 4)، ليس لحصد الناس
وإفنائهم، بل لجمعهم حصاداً للرب (مت 9: 37- 38؛ لو 10: 2) الذي يشاء حياة الانسان،
حتّى الانسان المنافق، لا موته "ليست مرضاتي يموت المنافق لكن بتوبته عن طريق
فيحيا" (حز 33: 11؛ رج حك 11: 26؛ 12: 13؛ 2 بط 3: 9؛ يو 6: 33).
وإذا فعل بنو الأرض () ما أسلفنا، فليعلم المراقب النّبيه الفطن أن الذي "اشتهى" أن
يُقيم في هياكل من قلوب من لحم (إر 32: 38؛ 1قو 3: 16؛ 2 قو 6: 16؛ أف 2: 21)، صار
في ضيافتهم، وأنهم، إن "ارتكضوا فرحاً" (رج لو 1: 44)، فلأن زائرهم هو ربّ بيتهم،
لا بل ربّهم بالذات! وليدرك القارئ أيضاً أن ما "يرى ويسمع" هو ما سبق و"رآه وسمعه"
قديسون عظماء، هم أنبياء الله وعبيدهم ومختاروه، وأن "الرحمة والحقّ تلاقيا، والعدل
والسلام تلاثما" (مز 85: 11)، لذا يمكن عندها أن تدفق من القلوب والعقول "أنهار ماء
حي" (يو 7: 38) "للعطاش إلى البرّ" (مت 5: 6)، ولمن له عينان تبصران وأذنان تسمعان
(رج مت 131: 6؛ الخ).
لنتبيّن كيف يصبح للمجبول من تراب الأرض (تك 2: 7) والمشدود إليها، الرغبة والشهية،
والقدرة والقوة على أن "تتلاقى الرحمة والحقّ"، و"يتلاثم العدل والسلام" (مز 85:
11) فيه هو وبه وله. لنتبيّن بالأحرى في كل هذا هويّة الفاعل الإلهي وفعله، هو الذي
يؤتي من عليائه "روح الفهم والحكمة" (أش 11: 2)، و"القدرة على القول لجبل: انتقل
وارتم في البحر فيكون ذلك" (مت 21: 21).
من أجل أن يتحقّق هذا الحلم المنشود، هناك إذن مسيرة، تبدأ بفك التحالف بين المعصية
والموت، وبكسر قيود العهد بين الحرب والظلم، ثم بـ "خلع الانسان القديم" (أف 4: 22؛
رج روم 6: 6)، والانتقال إلى "لبس الانسان الجديد" (أف 4: 24). لنستعرض هذه الأمور
بالإيجاز.
1- المعصية والموت تحالفا
الخطيئة هي بلبلة في الذات وعند الآخر، كما أنها اعتداء على "النظام الصحيح" (رج تك
1- 2) الذي ثبّته منظّم الكون وما من فيه، وهي، في الوقت عينه، إهانة لكرامة الله
وجلالته طبعاً. تُقاس أهميّة هذا الذنب الناتج عن تخريب وعن إهانة كهذين، استناداً
إلى عظمة مَن توجّهان إليه، تماماً كما في الحق البشري وفي القوانين القضائية.
يتطلّب عدل الله وجلالته اللامتناهيان إذاً تكفيراً عظيماً. لكنّ الانسان "الذي
ينتهي"، والمحدود في الزمان والطاقة، هو غير قادر على تقديم تكفير غير متناهي، حتى
عندما حلّت الضربات التأديبية بالبشرية بكاملها (رج تك 6- 9؛ 11). لذلك قرّر الله،
وفي شخص ابنه، بأن يكسب الفدية اللامتناهية، التي هي أهل لأن تُرضي عدله الذي هو
لحياة الانسان. فيسوع صار ضحية عن البشرية الخاطئة، إذ حملَ بدلاً عنها عار الصليب
(عب 11: 26؛ 13: 13)، واحتمل العقاب مكانها، من أجل أن تدخل من جديد في نعمة
الشراكة مع الله".
كذلك هو الأمر بالنسبة إلى الانسان الذي يتعرّض لاعتداء من الآخر أو يأتي هو فعلاً
مماثلاً. فلا يمكن بالتالي فكّ التحالف بين الموت والمعصية من دون العودة إلى شريعة
الرب، التي ترعى حياة الانسان، وتحفظ له حقوقه، وتحمي كرامته، وتعيد التحالف بينه
وبين الربّ الإله.
2- الظلم والحرب تعاهدا
إن الدخول في عالم الظلم، وارتكاب المظالم، وشنّ الحروب بين الشعوب، وذرّ الخصومات
بين الناس، كلّها من نتاج روح الشرّ، وثمارها معروفة لدى الجميع، ألا وهي الطرد
أولاً من جنة الرب، ثم حلول الخراب والدمار، فنتصار الموت والفناء.
من أجمل كلمات الكتاب المقدس هي كلمة "العهد"، التي تضج بأسمى المعاني العقائديّة
واللاهوتيّة، التي تدّل على الرباط الوثيق، رباط الحبّ بين الله والانسان (رج
هوشع)، بمبادرة مجانية منه. لكن، كم تصبح هذه الكلمة حمالة سوء عندما ترسم أمام
ناظرينا حلفاً بين الظلم والحرب، وكأني بهما اثنان يتعاهدان، ولكن ضدّ إرادة الله!
بالطبع يشكل هذا التعاهد ضريبة قاسية للعدل والسلام، وهما عطيتان يهبهما لبني البشر
الرب العادل، "إله السلام" (روم 15: 33؛ 16: 20؛ كول 5: 23؛ عب 13: 20)، و"صانع
السلام" (أي 25: 2؛ أش 45: 7)، و"رئيس السلام" (أش 9: 6). هذا يعني أنه لا يمكن أن
نتكلم عن "تلاقي العدل والسلام" ما لم يتمّ وضع حدّ للظلم والحرب. كم هو صحيح القول
بأنه، "عندما يقع الظلم، تضيق الأرض"!
3- التوبة قبل الرحمة والحق
مما تقدّم، ننطلق إلى الفكرة التالية، ألا وهي أن التوبة، أو العودة عن ارتكاب
الشر، خاصة المظالم والحروب، هي الشرط الأساسي والمسبق للكلام على "الرحمة (أو
المحبة) والحق". فهذان الأخيران لا يتحققان ولا يلتقيان إلاّ بمنّة منه تعالى،
أولاً، وبمجهود بشرى صادق ومتواصل وثابت، ثانياً. إن عودة الله إلى الانسان، يجب أن
تلاقيها عودة مماثلة من هذا الأخير إلى الله؛ فالأرض التي لُعنت بسبب المعصية (تك
3: 17) تستعيد البركة، وتدفق الخيرات عندما يعود الله إليها. لكن قبل الإقرار
بالخطيئة، لابدّ للمصليّ من أن يبدأ أولاً بأن "يدعو باسم الرب" (تك 4: 26)، ويتذكر
ثانياً صفات الله، التي يوردها خر 34/6-7 قائلاً: "يهوه، يهوه، إله رحيم ورؤوف،
طويل الأناة كثير الرحمة والأمانة، يحفظ الرحمة لألوف، ويحتمل الإثم والمعصية
والخطيئة". مقابل واقع الخطيئة، هناك رحمة الله اللامتناهية.
إذا ما قارنّا بين "تلاقي الرحمة والحق"، من جهة، كما في مز 85، مثلاً، وبين
فقدانها من جهة ثانية، كما في مز 51، مثلاً، لتبيّن لنا أننا أمام نوع من التوازن
بين الخوف والرجاء، بين الإقرار بالخطايا ورفع التسبيح، بين شقاء الانسان وبهاء
صورته وعظمته. هنا يبان لقاء الرحمة الالهية، والندامة البشرية، من جهة ثانية،
وينتج عن ذلك غفران للخطيئة، وولادة جديدة للتائب، على أساس رحمة الله وحقه، وعدله
وسلامه.
يُبرز المزمور 51 كيف أن "المعصية" (3 ب)، و"الإثم" (4 أ)، و"الخطيئة" (4 ب)، وهي
المفردات الثلاثة التي يستعملها كاتب المزمور، تُخرج فاعلها من جنة الله ومن حضرته،
وتمنع عنه البركة والخيرات السماوية، موديةً به، وطارحة إياه في صحراء الهلاك
والفناء، في "الظلمة وظلال الموت" (مز 107: 10 و14؛ أش 42: 7؛ رج لو 1: 79). و"لن
يخرج الخاطئ الأثيم الشرير من هناك قبل أن يفي أخر فلس" (مت 5: 26؛ لو 12: 59) من
الدين المتراكم عليه، لولا عدل الله الخلاصي، هو "الذي قاس المياه بكفّه، ومسح
بشبره السماوات، وكال بالثلث تراب الأرض، ووزن الجبال بالقبان والتلال والميزان"
(أش 40: 12)، ولكنه الذي يرمي ميزانه بعيداً عندما يكون الموزون الترابي صنع يديه
(تك 2: 7)، ولولا خافقه الحنون الكليّ الرحمة الذي يدبّ من جديد روحه في الرميم
المبعثر كما كان قبل أن تلمّه وتجمعه يدا البادع الخالق.
يتدفّق شعاع النعمة بعد الإقرار بالخطيئة، ونوال الغفران، والتطهّر، لا بل بعد
العودة إلى الحق والحقيقة، أي إلى من هو "الحق" و"عنده الحقيقة"، إلى الاعتراف به
دون سواه إلهاً جباراً قادراً، لا على البطش واللاإفناء، بل على أن يبيد الموت،
ويقيم من التراب. إنه الرحمة –الـ"حسد"، الذي يجعل المولود من جديد على صورته
ومثاله (تك1: 26- 27)، مملوءاً على مثاله رحمة وحقاً، يدفقها، من دون سؤال، "على
الأخبار والأشرار"، هو"الذي يُشرق شمسه" من دون تمييز ولا تمنين ولا حساب، "على
الطالحين كما على الصالحين" (مت 5: 45)، ولا عجب فهو الذي صرّح يوماً قال: "الخطأة
والزواني يسبقونكم إلى ملكوت السماوات" (مت 21: 31- 32).
عندما يولد "القلب النقيّ" (مز 51: 12) في التائب، لا بل عندما يخلق الربّ هذا
القلب في العائد و"عظامه ذليلة" (مز 51: 10)، وعندما "يجدّد في أحشائه روحاً
مستقيماً" (مز 51: 12)، يتحوّل مَن كان يؤال الخنازير (لو 15: 15)، وحتى يشاركها في
المقام، إلى "قائم" يشترك و"الحمل المنتصر" (رؤ 14: 1 ي) في "المجد والكرامة" (مز
8: 6)، وهما "إكليل" (مز 8: 6) هامته التي زيّنه بها مزيّن البرايا. وعندها أيضاً
يتحوّل "مولود الروح" (يو 3: 6) نفسه "قربان رضى" (مز 51: 18 و21) "يرتفع ويتسامى
جداً" كـ" عبد يهوه" (أش 52: 13) "المختار الذي سُرّت به نفس الرب" (أش 42: 1 ي)،
وعندها "يتنسّم الرب رائحة الرضى" (تك 8: 21)، فيعمّ الأرض وبينها السلام الذي
أهدته السماء للأرض يوم هلّ النور من الأعالي، إذ أنشدته الملائكة صدّاحة، مالئة
رحاب الكون والوجود فرحاً عظيماً، وعندها ينتشر العدل الذي إليه، أجيالاً تلو
الأجيال، تاقت الانسانية الجريحة بالخطيئة والظلمة والمظالم، ولا عجب فإن المسيح هو
هنا، عمانوئيل، الله معنا!
فإن كانت الخطيئة تشكل انتقاصاً للكمال وسيراً نحو الهاوية، فان سلام الله هو ملء،
يهبه لأنمه "يتحنّن" و"يرحم" (مز 51: 3)؛ فـ"الرحمة" تعبّر ضمناً عن أمانة الله
المُحبّة لعهده، وهي واحد من التعابير الأساسية في اللاهوت المزموري خاصة وفي لاهوت
العهد عامة؛ تملأ "الرحمة" الأرض (مز 33: 5؛ 119: 64)، وهي متسامية ولا متناهية
كالسماء (36/6؛ 57/11؛ 108/5)، تنزل على الانسان وتستقر عليه (33: 22؛ 86: 13؛ 89:
25؛ 117: 2؛ 199: 41)، تحيط بالمؤمن (32: 10)، تتبعه (23: 6)، وتشبعه (90/14). في
المزمور 51، الرحمة هي في أساس إعادة بناء العلاقة بين الله والانسان.
مقابل كلمة "حق" في مز 85: 11، لدينا في مز 51: 6 مفردات قضائية متقاربة: "برّ"
الله، وهو قبل كل شيء صفة إلهية شخصية تحمل في طياتها الخلاص والمحبة (انظر مز 51:
16). إنها حقيقة الله بالذات التي، من خلال اعتراف المصلّي، تتجلّى بكل صفاتها.
الله "بار" أو "عادل" عندما يصدر حكمه، و"مصيب" في قضائه. باعتراف المصلّي أن الله
"بار"، يرفع دعواه إلى "العدل" الالهي الخلاصي، إلى الرحمة التي تسامح التائب، وليس
إلى العدل الذي يحكم على الخاطئ. يقرّ الخاطئ بأنه من حق الله أن يعاقب (مز 28: 22؛
سي 36: 4)، ولكنه في الوقت ذاته يعلم أن الله البار والعادل، هو، تجاه القلب
التائب، مخلّص (إقرأ روم 1-3). لا تلغي عدم أمانة الانسان أمانة الله: الله أمين
لكلمته ويبقى كذلك إلى الأبد.
إن الاعتراف العميق بالخطيئة يتحوّل إلى نداء لنوال نعمة الله التي تجعل الانسان
يعبر من اللعنة إلى الربكة (أنظر تك 3: 17؛ 4: 11: لعنة البشرية؛ تك 12: 2- 3: بركة
البشرية الجديدة). تفوق قدرة المحبة قدرة الخطيئة: "حيثما كثرت الخطيئة تفاضلت
النعمة" (روم 5/20). عند ذلك يزهو الفرح في كيان المصلي (مز 51: 10)، نتيجة
للغفران، وتتم عملية خلق جديدة (آ12). بعد الآن ستكون الحياة الجديدة بالروح، فـ
"تتلاقى الرحمة والحق" من جديد في "الانسان الجديد".
نعم لن يكون "عدل ولا سلام، لا رحمة ولا حقّ"، ما لم تعدل البشرية عن سوئها إلى
الرب إلهها، وما لم تتحوّل إلى جماعة ليتورجية ملتئمة أفقياً برباط السلام،
وعامودياً بروح العبادة والاعتراف والتسبيح والتمجيد.
4- المحبّة والحقّ تلاقيا (مز 85: 11)
مُدهش أنّ الأرض هي الأولى في الاستقادة من النعمة التي تُستعاد. هذا يحصل لأنها
كانت هي الضحية الأولى لغضب الله. الجفاف والضربات الزراعية الأخرى هي غالباً وقت
رثاء وطني (إر 14: 1- 10؛ يؤ 1- 2). هكذا، إذ يُعطي الله حياةً للأرض، فهذا يعني أن
ارادته هي أن يُعيد بناء مصير يعقوب (مز 14: 7؛ إر 30: 18؛ أي 42: 10).
توجّه هذه الكلمات انتباهنا من جديد نحو قيمة الرمزية المكانية، والمتضمن بين
"أرضك" (مز 58: 2؛ رج لا 25: 23؛ يش 22: 19) وبين "ارضنا" (مز 85: 13، تبديل في
الضمير المتصل يُطبّق بطريقة مرهفة على المصطلح "شعب" أيضاً في خر 32: 7- 14).
ولادة الانسان الروحية يستتبعها بذات الفعل تجدّد وجه الأرض.
يتكلّم المزمور 85 على "عودة " اسرائيل، كما أيضاً على "عودة" الله في الماضي (مز
85: 2- 4)، وهاتان الحركتان التصاعدية والانحدارية يؤمّنان ما يلزم لتواصل الحياة،
بعد عودة النظام، وتجلى الرحمة، واستتاب الحق، ووسيادة العدل، وانتشار السلام.
"لي الأرض"، يهتف الله أكثر من مرة في البيبليا (أش 14: 25؛ إر 2: 7؛ حز 36: 5؛ يؤ
1: 6)؛ بنوع خاص، له "الأرض المقدّسة" (حك 11: 3؛ زك 2: 16؛ 2 مك 1: 7)، أرض
الميعاد، الأرض التي فيها يتجلى جلال الله ومجده. الأرض هنا، في الواقع، هي موازية
لاسرائيل الذي يقبلها من الله لاستغلالها، ولأن الأرض والشعب، والمكان والزمان،
يلتئمان في الوحدة، أي المحبة، والرضى "رصه"، والحنو الذي يبديه الله تجاه الأرض،
هي ذاتها التي يبديها تجاه شعبه. الأرض التي تتبارك من جديد هي علامة خلق جديد،
وخروج جديد، وعمل خلاصي جديد، كما سيردد أشعيا الثاني من خلال لاهوته حول "الخروج
الثاني" (مثلاً: أش 43: 16- 21).
إن تصفية الماضي من العبودية ومن الخطيئة هي ثمرة محبة الله التي غلبت عدله، كما
يؤكد مز 85: 4. يصف الفعل العبري "شوب" "عودة" الله عن نار غضبه، نار لا يمكن أحداً
سواه أن يطفئها (أش 1: 31)، وهذا التوقيف لغضبه، هو انطلاقة فجر جديد.
إنّ الله "الراجع"، أي النادم على غضبه، "يُعيد" بناء اسرائيل، كما يُعيد إليها
أيضاً بهاءها (أنظر مز 80: 4 و8 و20). ولأن حوار المحبة بين الله والانسان
يتفعّلبالتمام، كون طريقاً "الرجوع تتلاقيان، لابدّ للغضب الإلهي من أن يخمد، إذ لا
يمكن للاستيلاء الالهي أن يتواصل إلى ما لا نهاية. أما إيجاباً، فيتمّ التأكيد على
أن الله، بعد غضبه العابر، "يعود" "شوب" يهب الحياة والفرح.
نصل هكذا، ومن جديد، إلى الانسجام، الذي لا خلل فيه، والمملوء حياة، فتتعانق السماء
والأرض، وتتلاثمان في عرس كامل، إذ لم تعودوا في صؤاع، كما من قبل. هكذا يصبح هناك
حالة انسجام دائمة بدلاً من حال اختلاف، بعدما تمّ التفكير، وحلّ الخلاف مع الله
بالذات.
هكذا تتجلّى "المحبة" (رج أيضاً 17: 7؛ 62: 3) و"الأمانة" أنهما هما شريكتنا في
خلاص الانسان، كما أن "العدالة" أيضاً تلعب دوراً حاسماً في تصويب الأخطاء (رج
أبضاً 24: 5؛ 65: 6)، وليس التنديد بها فقط، بهدف العودة إلى الطريق المستقيم، طريق
الحياة.
5- العدل والسلام تلاثما
يقول الأب ليونّيه: ليس "العدل" الذي "يُظهره الله في الوقت الحاضر" عندما "يعرض
يسوع المسيح كأداة تكفير بدمه هو" (روم 3: 21- 26)، عدلاً انتقامياً وعقابياً، بل
عدل خلاصي، يُعادل أمانة الله تُجاه وعوده الخلاصيّة"... إنها "عدالة خلاصيّة
تتخطّى عدالته التوزيعيّة، لكن من دون إلغاء هذه الأخيرة". بالطبع إن "العدل" الذي
يمارسه الله على الجلجلة هو العدل الذي يُخلّص؛ لكن تعابير "اللعنة" (غل 3: 13)،
و"الدينونة" (روم 8: 3)، وخاصةالغضب" (روم 5: 9) ليست كلمات "تمّ تخطّيها، أو أنها
لا تتلاءم مع إرادة مصالحة الله المحبّة". فمن أجل أن يحرّرنا يسوع، مات "بدلاً عن
الخطأة"، و"رُفع" (يو 3: 14) على الصليب.
وحده مَن هو من دو خطيئة، وبالتالي لا يُثير غضب الله، ولكن مَن "حسن لله أن يسحقه
بالآلام، فقدّم حياته كفّارة" (أش 53: 9- 10)، "يمكنه أن يسير تحت وطأة الغضب
فيخمده".
"محبة وحق"
إنّ الـ "بريت"، أي العهد، هو حاضر في الفعل التأسيسي لقبائل اسرائيل كشعب، حاضر في
كلّ التاريخ السابق للآباء، وفي كلّ تاريخ اسرائيل اللاحق، ودائماً كضمانة علنيّة
لوعود الربّ الخلاصيّة تجاه اسرائيل، بواسطته، تجاه كل الخطأة (رج إر 3- 11)، وهو
يظهر في البيبليا وفي الفكر البيبلي، وكأنه الشيء الفريد لإبراز علاقات بين الله
والانسان.
بطريقة ما، لا بل وبطريقة أفضل جوهرياً، العهد هو الفكرة "الحاملة" للخلاص. به يبدو
مرتبطَين، في الواقع، الخيران الإلهيان الأعظمان، "السلام" ("شالوم") (حز 34: 25؛
37: 26؛ إش 54: 10؛ عد 25: 12؛ ملا 2: 5)، و"الرحمة" (الـ "حسد") (أش 54: 8 و10؛ مز
106: 45؛ رج أش 54: 7 ي؛ إر 3: 12 ي؛ 31: 3؛ مي 7: 18؛ أش 63: 7 ي؛ مز 90: 14؛
الخ.). ليس "عهد" الرب، في الحقيقة، سوى "عهد سلام" ("بريت شالوم") (حز 34: 25؛ 37:
26؛ الخ)، "سلام" هو عطيّة فقط من "رحمته" ("حسد"، تث 7:9 و12؛ 1 مل 8: 23؛ الخ).
إنه "العهد" الذي، في الفكر البيبلي، يبدو وكأنه أساس كلّ العطايا الأخرى.
إنّ إعلان السلام هو إذاً موجّه إلى منّ هو مؤمن أصيل، أي إلى شعب الله الحقيقي،
إلى بقيّة اسرائيل، يرغب اله في تثبيت الشراكة معه. يشعر هذا الشعب عندها بالقرب
الإلهي (مز 22: 12)، قرب خلاصيّ (أش 51: 5؛ 56: 1) يغمر الأرض بالفرح. نعلم قيمة
الـ "شكينة" الجديدة، أي سكنى المجد في صهيون بعد رحيله عنها قّبيل انهيار عام 586
ق.م. ومع رحيل الله، "تباعد الحق عنها"، والعدل لم يعد يمكن بلوغه، وحلّت الظلمة
بدل البهاء" (أش 59: 9، وكلّ البركات التي كانت متجذّرة في مجد الله الحاضر في
الهيكل تبخرت. أما الآن، وبعد التوبة عن الإثم والعصيان، وبعد العودة المتبادلة،
صار هناك فرح عظيم: لقد قرّر الله أن يدخل صهيون من جديد بمجده، وأن يعود من جديد
ماطناً في أورشليم عن طريق سكناه في وسط شعبه (سي 24). من السهل العودة إلى كلمات
أشعيا الثالث: "قومي، توشحي بالنور، لأن نورك وافى، ومجد الربّ أشرق عليك..." (أش
60: 1- 2). من هذا الحضور التمجدّد يتطلق عالم جديد أبعاده الأفقيّة والعاموديّة هي
كلّياً خاضعة لـ "أوامر" الله (مز 43: 3؛ 89: 15؛ أش 58: 8؛ 59: 14- 16).
يرتبط "الحسد"، وهي الفضيلة المميّزة للعهد، بالـ أمت، أي "الحقيقة-الأمانة"، إلى
حدّ أنهما يشكّلان صيغة ثابتة، كمن نرى في الصيغة الليتورجية المحفوظة في خر 34: 6:
"الرب رحيم...، طويل الأناة، غنيّ بالـ "حسد" والـ"إمت" (عد 14: 18؛ يؤ 2: 13؛ يون
4: 2؛ مز 86: 15؛ 103: 8؛ 145: 8؛ نح 9: 17). يتصوّر الكاتب أنّ هاتين الفضيلتين
"تتلاقيان" في عناق، مُطلتَين العنان حبّ تتوضّح في الفضيلتين الأخريين، الـ "صدق"
والـ "شلوم"، العدل الخلاصي والسلام المسيحاني. يُعاد هكذا بنيان مشروع الانسجام
الذي كان في أساس الخلق (تك 2؛ أش 11)، ويتوحّد الخط العامودي، أي الأرض – السماء،
في نشيد كمال وبهاء. الـ "إمت" تُفرخ"؛ قد يكون الفعل تلميحاً مسيحانياً إلى كلمة
"نبت" يرتفع من الأرض ويرتفع نحو العلاء محاولاً أن يلتقي "العدل" الذي ينزل من
السماء نحو الأرض. يشبه العالم الذي سيولد التصميم الذي شاءه الله منذ البدء، "ملك
الحق، والعدل، والمحبّة، والسلام".
لقد صار العالم في سلام، وأصبح مُعداً لاستقبال تجلي الربّ الذي يهيمن الآن على أفق
العالم الجديد والذي هو مرمى كل أمل (مز 85: 14). يفتح العدل الدرب، فيأتي الرب إلى
العالم كينبوع فرح وسلام.
هكذا، وكما جاء في أش 9: 1- 2: "الشعب الذي كان يسلك في الظلمات، أبصر نوراً
عظيماً؛ على أولئك الذين كانوا يقطنون في أرض مظلمة، أضاء نور. ضاعفت الفرح، أكثرت
السرور. يفرحون أمامك كما يكون فرح عند الحصاد، وكما يكون فرح عندما يتمّ تقاسم
الغنيمة". هذا هو نشيد السلام الذي جاء به ميلاد المسيح.
خاتمة، لا بل إطلالة وانطلاقة!
إنّ السلام المسيحاني، وهو خلاصة كلّ فرح وكلّ خير (مز 9 و11)، والخلاص المتلألئ
(مز 85: 10؛ أش 51: 5؛ 56: 1)، والصلاح، والأمانة، والعدل، والخير (مز 85: 11- 14)،
أي أوصاف الله الخلاصيّة المشخصنة، وازدهار الطبيعة، هي علامات هذا الإطار العجيب
لاسرائيل الجديد المخلّص. يعود إلى أورشليم مجد الله (مز 85: 10)، أي حلوله
("شكينه") في الهيكل، ويجب أن يوازي هذا الرجوع "اللاهوتي"، "الرجوع البشري
الانساني" بالتوبة من كلّ القلب. يولد هكذا عالم جديد تلتقي فيه محبّة الله المشغوف
بالانسان وأمانته، كما "يتلاثم العدل والسلام"، و"الحقّ ينبت"، كما في ربيع متجدّد،
و"العدل" يُطلّ من السماء ليبدأ مسيرَه على الأرض سوياً مع الخلاص: "أمامك يسير
العدل، ومجد الله يتبعك" (أش 58: 8).
الربّ يتكلّم بالسلام، والسلام ليس فقط توقف الحرب، ولكنه عطية الغنى والسعادة
والخير والغلال. الرب يعلم أن الخلاص التام والبناء التام قريبان. سيرجع الرب
قريباً ومعه الرحمة والحق، والعدل والسلام؛ سيرجع الرب إلى شعبه، ويتزوّجه بالحق
والعدل والرأفة والرحمة، يتزوجه بأمانة ى تتبدّل (هو 21: 9- 20). مع هذه الصفات
التي ستأتي في اسرائيل سيكون للشعب الغلال الوفيرة. سيحلّ مجد الرب (أش 44: 4 و7)،
وستقطر السماوات من فوق، وتمطر الغيوم العدل (أش 54: 8).
تختصر عبارة "الرحمة والحق تلقائياً" إذاً مسيرة خلاص من العبودية إلى الحرية، من
الرحيل غلى الرجوع، من البُعد إلى القُرب. نحن أمام خلاص تحقق في الماضي، وآخر
نهائي تنتظره في نهاية الأزمنة. إن عودة الانسان غلى الله، وعودة الله إلى الانسان
هما في أساس تلاقي الرحمة والحق.
الحرّية في الكتاب المقدّس
حين نقرأ الكتاب المقدّس، ونسأله عن الحرّية، تبدو الصورة قاتمة. فمنذ البداية،
تسمع المرأة العقاب الذي ينزل بها: سيود عليك زوجُك (تك 3: 16). ويخبرنا سفر
التكوين عن ابراهيم الذي امتلك الخدم والعبيد والقطعان (تك 12: 5). ويقول عه أيضاً
حين كان في مصر: "صار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال" (آ16). جُعل
العبيد والجواري بين فئات الحيوانات، لأنهم يُشرون ويباعون كما تُشرى البقر والجمال
وتُباع. وإذا وصلنا إلى العهد الجديد، نسمع بولس يقول في الرسالة إلى أفسس: "أيها
العبيد، أطيعوا أسيادكم في هذه الدنيا بخوف ورهبة وقلب نقيّ كما تُطيعون المسيح"
(6: 5). وفي الرسالة إلى تيطس يطلب الرسول من تلميذه: "علّم العبيد أن يطيعوا
أسيادهم، وينالوا رضاهم في كل شيء، وأن لا يخالفونهم" (2: 9). فإذا كان الوضع على
هذه الحال، فلماذا الكلام عن الحرّية؟ وهنا أسارع إلى القول بأن الكتاب المقدّس هو
مشروع حرية يُدعى فيها كلُّ انسان لأن يدخل فيه ويكتب فصلاً من فصوله، على ما حدث
مثلاً في تحرير العبيد الذي ما زال مشكلة حتى اليوم حيث يُسرق الناس عامة، والنساء
والأولاد خاصة، فيباعون عبيداً. أمّا كلامنا، فيدور حول ثلاثة محاور: في البيت
والأسرة، في المجتمع، في الشعب والوطن.
1- في البيت والأسرة
المبدأ الأساسيّ الذي يُطلقه الكتاب المقدّس في هذا المجال، هو كلام الربّ في
الخلق: "صنع الله الانسان على صورته ومثاله. ذكراً وأنثى صنعهم" (تك 1: 27). الرجل
والمرأة كلاهما على صورة الله. وللواحد ما للآخر على مستوى العقل والارادة
والحرّية، وهذا أمر ظلّ مثار جدال في القرون الوسطى المسيحيّة حين تساءل المعلّمون:
هل للمرأة نفس مثل الرجل؟ وهذا المبدأ يبقى هو هو حتّى بعد الخطيئة. فالكاتب الملهم
يفتتح نسل البشر بهذه العبارة: "يوم خلق الله الانسان، على مثال الله خلقه، ذكراً
وأنثى خلقهم وباركهم وسمّاهم بشراً يوم خلقهم" (تك 5: 1). هذا الكلام سيستعيده يسوع
في جداله مع الفريسيين حول الزواج والطلاق (مت 19: 4).
ولكن، هل طُبّق هذا المبدأ في المجتمع، كما يصوّره الكتاب المقدّس، على مستوى
المرأة، وعلى مستوى الأولاد؟ كلا، بعد أن سلب الرجلُ المرأة حرّيتها فصارت سلعة
تباع وتُشترى، وتكون في خدمة الرجل وحاجاته، وسلب الولدَ حرّيته فصار يتصرّف به
وكأنه ملك من أملاكه، سواء كان ابناً أو ابنة.
منذ البداية، مع لامك، ابن قايين، أخذ الرجل يعدّد زوجاته. له امرأتان، عادة وصلّة
(تك 4: 19). فحقوق الرجل ليست حقوق المرأة التي لا يمكنها حتّى أن تختار زوجها.
فرقة زوجة اسحاق لم ترَ زوجها. بل ذهب عبد ابراهيم إلى أرض بعيدة وجاء بها وكأنها
سبيّة من السبايا. ويلفت نظرنا ما حدث ساعة وصولها أمام اسحق. سألت الخادم: "من هذا
الرجل الماشي في البرية للقائنا" (تك 24: 65)؟ لا شكّ في أن رفقة جاءت مع جواريها
(آ61)، ولكنها تركت بيتها بعد أن دفع طالبُ يدها المال إلى أخيها وأمّها (آ53).
بهذه الصورة تزوّجت راحيل وليئة من يعقوب. بل إن يعقوب كان ضحيّة عمل غشّ. أراد أن
يتزوّج راحيل، بعد أن اشتغل سبع سنوات من أجلها، فإذا ليئة زوجته الأولى: وُضعت
امرأة مكان أخرى، دون أن يكون لهذه أو تلك حريّة اختبار زوجها. ولا نطيل الحديث، بل
نذكر أن داود كان له عدد من الزوجات من أجل نفسه ومن أجل مشاريعه السياسيّة.
ويعدّدهن الكتاب أكثر من مرّة (مثلاً، 2 صم 3: 1- 5). وقال الكتاب أيضاً عن سليمان
إنه أحبّ نساء غريبات، أو بالأحرى جمع الجواري من أجل معاهدات سياسيّة مع الموآبيين
والعمونيين والادوميين... (1 مل 11: 1).
هذا يعني أن المرأة كانت بدون إرادة في البيت، بعد أن صارت بعض متاع الرجل.
والعبارة المعروفة هي التي نقرأها في الوصايا العشر: "لا تشته امرأة قريبك ولا عبده
ولا جاريته ولا ثوره ولا حماره، ولا شيئاً ممّا له" (خر 20: 17). كل هؤلاء له،
والمرأة معهم. أما بدايات التحرّر فهي بعيدة. على مستوى العلاقات الجنسيّة، حُلّت
بعض الشيء من خضوعها التام لزوجها، وعلى مستوى العلاقات البيتيّة تحرّرت بعض الشيء
من العبوديّة. أقلّه فترة أربعين يوماً لكي تبكي زوجها (تث 21: 13).
وستكون الطريق طويلة قبل أن نصل إلى نشيد الأناشيد حيث الحبّ هو الذي يسيطر، وحيث
الحبّ يكوّن الحرية المتبادلة على مستوى الأخذ وعلى مستوى العطاء. قالت العروس: أنا
لحبيبي وحبيبي لي. وساعة لم تستقبله حين جاء عندها، لم يهدّد حرّيتها بالقوّة، بل
يقول الكتاب: مضى الحبيب وراح. هو ما حطّم الباب، بل حطّم قلبها. فقامت بملء
حرّيتها، في الليل، وشرعتْ تبحث عمّن يحبّه قلبها.
وما قلناه عن المرأة نقوله عن الولد. فالوالد يستطيع أن يبيع ابنته (خر 21: 7) كما
يبيع أي سلعة لكي يفي ديونه. لاشكّ في أن الكتاب حدّ بعض الشيء من حرّيته: لا
يبيعها لغريب (آ 8). وسوف نرى يفتاح ينذر ابنته لتُذبح كأنها شاة أو عنزة، بعد أن
جاء منتصراً من الحرب. لم يكن للابنة الوحيدة أن تجادل. بل كل ما طلبته: "أمهلني
شهرين فأذهب إلى الجبال وأبكي بتوليّتي أنا ورفيقاتي" (قض 11: 37). فأعطيتْ لها
الحريّةُ بأن تذهب على أن تعود. فالحريّة التي أُعطيت لها هي حريّة الموت. وسوف
يتوسّع التقليد اللاحق في هذا الاستعداد لدى بنت يفتاح، فيسميّها "شيلة" أي تلك
التي رفعها والدها وذبحها. والشيء نفسه حصل لاسحق الذي أخذه أبوه ليذبحه. فهو مُلك
الوالد يفعل به ما يشاء. وما على الوالد إلاّ أن يعمل المستحيل، فلا يحرّك حتى
رجليه لئلاّ تصبح الذبيحة غير مقبولة (تك 22: 1 ي).
لا شكّ في أنه ستكون ثورات من قبل البنين على آبائهم. ترك اسماعيل أباه ومضى إلى
البريّة، وعيسو أختار المرأة التي يريدها هو، لا تلك التي يريدها له أبوه. فخاب أمل
اسحاق ورفقة (تك 26: 35). ويبقى ابشالوم ذاك الرافض لحكم والده الذي طال طويلاً.
فأخذ استقلاليّته، وتصرّف كأنه ملك وبدأ يقضي في الناس (2 صم 15: 1- 6). في هذا
الاطار، نفهم أن يكون الكتاب تأخّر في الكلام عن الله عي أنه أب، والخيرات التي
أمامه لا تشجّع على ذلك. فما هي العلاقة بين الأبوّة والبنوّة إن لم تكن علاقة
الحريّة والحوار؟ ما استطاع يوناتان أن يتحاور مع أبيه شاول الذي طلب قتله في يوم
من الأيام لأنه عصى أوامره، فطلب "أباً" آخر يختاره بحريته، وهو داود (1 صم 20: 1
ي). لا شك في أن يوناتان قال لداود: "أبي لا يفعل أمراً كبيراً ولا صغيراً من غير
أن يكاشفني به" (آ 2). ولكن يبقى الشرعُ واضحاً: الولد الذ يلا يطيع والديه يُقتل.
وكاد شاول يطبّق هذا "القانون"، لو لم يتدخّل الشعب وينقذ الابن من سلطة الوالد (1
صم 14: 45). خضوع الوالد لأبيه، خضوع المرأة لزوجها. هل نستطيع في هذا الإطار أن
نتكلّم عن الحريّة في الحياة اليوميّة، داخل الأسرة؟ وأين صار المبدأ الأساسيّ حيث
كل انسان على صورة الله ومثاله؟ هنا نتذكّر بشكل خاص أن العهد القديم هو مسيرة
الانسان إلى الله، وبما أن الانسان خاطئ، فالكتاب يتحدّث عن خطايا اقتُرفت وليس
آخرها حين باع ابراهيم امرأته وزنى لوط مع ابنتيه. في أي حال، تلك صورة عن مجتمعنا
الذي يجب أن يميّز بين الحرية الحقّة التي تُنمي الانسان وتلقه من كل عبوديّة، وبين
تحرّر يصل في النهاية إلى الفلتان والاباحيّة فينتقل الانسان من عبوديّة فُرضت عليه
إلى عبودية اختارها لنفسه.
2- في المجتمع
المبدأ المسيطر في المجتمع هو التضامن إلى درجة يصبح فيها الانسان عضواً في جسد، لا
يتحرّك إلاّ إذا تحرّك الجسد ككلّ. إن مسؤوليّته محدّدة في إطار القبيلة: عليه أن
يحسّ إحساسها ويشعر شعورها. بل إن تزوّج فهو يتزوّج من داخل القبيلة. وإذا أصابته
مصيبة وبحث عن خطأ لديه يعاقبه الله بسببه، فإن لم يجده عنده يطلبه في القبيلة.
وهكذا يكون الانسان من أجل المجتمع الذي يحركه بعضُ الأشخاص النافذين: هم الشيوخ
ورؤساء القبائل (تث 5: 23)، مع الكتبة والقضاة (يش 8: 33). ما الذي يعطي هؤلاء
السلطة على الشعب؟ امتلاك الأراضي الشاسعة، مع أن الكتاب شدّد على أن موسى (وبعده
يشوع)، قسم الأراضي بالتساوي (عد 26: 53؛ يش 13: 7). أو الغنى الصارخ الذي يسمح
للوجيه بأن يكون له العدد الكبير من العبيد والجواري. وهناك العنف والقتل. منذ
البداية، قتل قايين أخاه هابيل (4: 8). ووسّع لامك ابن قايين شريعة الانتقام إلى ما
لا حدود له: سبعة وسبعون قتيلاً مقابل قتيل واحد. بالعنف استولى ابيمالك بن جدعون
على السلطة بعد أن قتل إخوته (قض 9: 5). وثبّت سليمانُ ملكه على الدم المسفوك، وفي
النهاية قتل أخاه أدونيا.
فما قيمة الانسان في هذا الوضع؟ لا شيء. هو يسير مع الناس دون أن يستطيع أن يُبرز
شخصيّته. وما يدّل على هذه الأمور هو أن جميع سكّان المملكة عبيد للملك، بمن فيهم
الموظّفون الكبار. وسليمان استَعبد في النهاية مملكته كلها. سوف يحاول النصّ أن
يبرّره بعض الشيء، فيقول إنه استعبد أبناء الغرباء (2 أخ 2: 16؛ 8: 7) من أجل بناء
قصور له، وهيكل لربّه. نقرأ في سفر الملوك الأول أنه سخّر ثلاثين ألف رجل، ثم سبعين
ألفاً ما عدا الذين أقامهم وكلاء على الأعمال (5: 27- 32). حاول الشعب أن يثور فما
استطاع في حياة هذا الملك، بل بعد مماته. وكانت تلك أول ثورة من ثورات العبيد. أراد
حبعام بن سليمان أن يحافظ على سياسة والده (1 مل 12: 14)، فانقسمت البلاد بقيادة
يربعام الذي هرب إلى مصر في أيام سليمان، وعاد في الوقت المناسب.
كانت نحاولات تحرّر في المجتمع، ولكنها قُمعت بسرعة. بالقتل حيناً. وبالهرب حيناً
آخر. ذاك كان وضع يربعام الذي هرب إلى مصر بعد أن لاحقه سليمان (1 مل 11: 26؛ 12:
20). ورزون الذي ثار على ملك صوبة، حليف سليمان (11: 23- 25). ويفتاح نفسه الذي كان
"رجلاً جباراً". طرده إخوته وقالوا له: "لا ميراث لك في بيتنا" (قض 11: 1- 2).
ولكنهم سيعودون إليه بعد أن احتاجوه ليخلّصهم. هذا على مستوى الرجل. أما المرأة فلا
تستطيع أن تأخذ دوراً في المجتمع إلاّ إذا كانت أرملة مثل يهوديت، أو مثل دبّورة
التي كانت زوجة لفيدوت دون أن نعرف إن كان زوجها بعدُ حياً أو مات.
ونحن نرى إلى أي حدّ يسحق المجتمعُ الانسان، فيربطه بأبيه وجدّه. لهذا كانوا
يقولون: "الآباء أكلوا الحصرم وأسنان البنين تضرس" (إر 31: 29). وهكذا اعبروا أن
الانسان مسيّر، فلا حريّة له، ولا هو مسؤول عن أعماله. فأجاب إرميا: "كل واحد
بخطيئته يموت، وكل انسان بالحصرم الذي يأكله تضرس أسنانه" (آ30). هذا يعني أنه
مسؤول عن عمله ولا سيّما إذا كان شراً. في هذا المجال نقرأ ما يقوله سفر التثنية
القريب جداً من تعليم إرميا: "جعلتُ أمامك الحياة والسعادة، الموت والتعاسة" (تث
30: 15). فالانسان يختار الحياة والبركة إذا شاء، وذلك حين يحفظ وصايا الله. وهو
إذا شاء، يزوغ قلبه فتطاله اللعنة وتغيب عنه البركة (آ 16- 19). يبقى عليه أن
يختار. نشير هنا إلى أن سفر التثنية يتضمّن وصايا في صيغة المخاطب المفرد: أنت. كما
في صيغة المخاطب الجمع: أنتم. فهذه تدلّ على طبعة قديمة، يوم كان الانسان جزءاً من
المجتمع. أما الصيغة الثانية، فتجعل الفرد أمام مسؤوليته. هذا ما نفهمه عند حزقيال
الذي أورد أيضاً العبارة حول "الحصرم"، فقال بلسان الربّ: "ما بالكم تردّدون هذا
المثل في أرض اسرائيل: "الآباء أكلوا الحصرم وأسنان البنين ضرست"؟ حيٌّ أنا، يقول
الربّ. لن تُردّدوا بعد الآن هذا المثل" (8: 2- 3). وتابع النبيّ: الأب أمامي
والابن أمامي. برّ الأب لا يخلّص الابن إن كان الابن لا يختار طريق الربّ. وشرّ
الأب لا يُهلك الابن، إذا شاء الابن أ يسير في وصايا الله. وكانت النتيجة: "الخير
يعود على صاحبه بالخير، والشرّ يعود على صاحبه بالشرّ" (آ 20).
وهكذا انفتحت الطريق أمام الحرية الفردية التي يعيشها الانسان في وسط المجتمع بحيث
لا يصبح خروفاً في قلب قطيع لا يعرف إلى أين يتوجّه، بل يلتصق بالذي يسير أمامه ولو
كان إلى الهلاك. في هذا الخطّ سار كتّاب الأسفار الحكميّة: رفض أيوب حكمة الحكماء
التي ربطت كل "مصيبة" بشرٍّ صنعه الانسان. ورفض حكيم سفر الجامعة سعادة قصيرة
المنظر، فرأى مشاريع الانسان تبقى باطلة. أما الذي عاش هذه الحرية بشكل خاص، فهُم
الأنبياء. نذكر هنا ميخا بن يملة الذي دعاه الملك لكي يتنبأ له: هل يذهب إلى الحرب
أم لا؟ قال له الوفدُ الذي أرسله الملك: "بصوت واحد تنبّأ الأنبياء... فليكن كلامك
مثل كلامهم" (1 مل 22: 13). ولكن متى كانت الكثرة على حقّ تجاه الفرد، ولا سيّما
إذا كان ذاك الفرد ينتظر أن يقول ما يقوله له الربّ (آ 14)؟ قال ميخا الحقيقة
للملك، فلطمه على فكه نبيٌّ كاذب، ووضعه الملك في السجن مع قليل من الخبز والماء (آ
27). وميخا هذا كان سلف إرميا الذي ألقيَ في جب موحل (إر 38: 6) فكاد يموت (آ 10)،
لأنه رفض أن يكون امتداداً لصوت سيّده. وبرزت شخصيّة عاموس حين حطّم التقاليد فمضى،
وهو ابن الجنوب، إلى الشمال. أرادوا أن يؤثروا على حرّيته، فربطوا كلام بسبل
المعيشة: "اذهب إلى أرض يهوذا، وهناك تنبّأ وكل خبزك" (عا 8: 12). ونقول الشيء عينه
عن أشعيا الذي رفض الارتباط بالعائلة المالكة، وعن ارميا الذي صار نبياً مع أنه من
عائلة كهنوتيّة في جوار أورشليم.
والمجتمع عرف اجمالاً فئتين من الناس: الأحرار والعبيد. أما العبد فلا حقوق له. لا
حرّية له. يلتصق بالأرض ويبع الأرض ولو تبدّل مالكُها. ذاك كان وضع الضياع التي
أعطاها سليمان للملك حيرام (1 مل 9: 10- 14). أوهو يلتصق بصاحبه، فلا يتركه إلاّ
إذا دًفعتْ الفدية عنه. في الممالك الكبرى، كان العبيد أسرى الحرب. أما في فلسطين،
فالعبد شخص باع نفسه بسبب دَيْن عليه. في هذا المجال، ميّز الشرع بين عبد عبرانيّ
وعبد غريب. أما الغريب فيبقى حتّى موته عند سيّده، الذي يرث أولادَه أيضاً. أما
العبد العبرانيّ فيخدم سيّده حتى السنة السابعة، السنة اليوبيليّة، وبعدها تعود
إليه حرّيته. ولكن الشعب لم يعمل بهذا الشرع، بعد أن سيطر عليه حبّ المال والتسلّط.
والمثل اللافت نجده في سفر إرميا. خاف العظماء من عقاب يُهيّأ لهم، فحررّوا عبيدهم.
ولكن حين زال الخطر، "عادوا وأرجعوا العبيد والاماء الذين أطلقوهم أحراراً، إلى
العبوديّة" (34: 10- 11).
في المسيحيّة، لم يعد من تمييز بين غريب وقريب، كما علّمنا يسوع في مثل السامري
الصالح (لو 10: 29- 37). ولم يعد تمييز بين عبد وحرّ، كما نقرأ في الرسالة إلى
غلاطية (3: 28). ولكن الواقع ظلّ غير ذلك. فالعبد الذي ترك سيّده فيلمون، ومضى إلى
بولس الذي عمّده إلى سيّده، بل أرجعه الرسول الذي لم يدعُ إلى ثورة العبيد، كما فعل
سبارتاكوس فترك وراءه عشرات آلاف القتلى، كما لم يدعُ إلى ثورة المرأة على الرجل.
وسوف تشدّد الرسالة إلى تيطس على دور الشهادة التي يشهدها العبدُ للمسيح حين يكون
أميناً لسيّده (2: 10). هكذا "يعظّمون في كل شيء تعاليم الله مخلّصنا". لاشكّ في أن
بولس طلب من فيلمون أن يعامل عبده أونسيمس، منذ الآن، كأخ لا كعبد (فلم 16). ولكن
المبدأ هو أن على العبد أن يحتمل حالته السيئة ليخزى الذين يعيبون حسن سيرته في
المسيح (1 بط 2: 16). وقال الرسول: "من الأفضل أن تتألّموا وأنتم تعملون الخير" (آ
17). والمثال هو المسيح (آ 18). نفهم كل هذا في إطار عالم رومانيّ عرف الآلاف من
العبيد، فاكتفى بولس أن يقدّم المبدأ الأساسي الذي ردّده أيضاً في الرسالة إلى
كولسي (3: 11)، علّه يكون الخميرَ في عجين بشريّة ما زال قسم كبير منها يعيشون في
العبودية، ولا يعرفون الحريّة التي يتخلّون عنها من أجل لقمة العيش.
3- في الشعب والوطن
ما قلناه في نهاية القسم الثاني يذكّرنا بخبرة العبرانيين في سفر الخروج. تحرّروا
من عبودية مصر، وصاروا في صحراء سيناء مع قطعانهم، قبل أن يسمعوا نداء الحريّة من
عند الربّ على الجبل المقدّس. ولكنهم ما زالوا يحنّون إلى مصر، وبالتالي إلى
العبوديّة. عطشوا، فتذكّروا مياه مصر مع نهر النيل الذي ألّهوه. وتاقوا إلى شيء آخر
غير المنّ الذي عافته نفوسهم في النهاية. "هناك، في مصر، كنا نجلس عند قدور اللحم
ونأكل من الطعام حتّى نشبع" (خر 16: 3). ونقرأ تشكياً آخر في سفر العدد: "نذكر
السمك الذي كنا نأكله في مصر مجاناً، والبطيخ والكرّاث والبصل والتوم. والآن،
فنفوسنا يبست. لاشيء أمام عيوننا غي المنّ" (11: 5- 6). وحين نعرف أن المن هو عطيّة
الله التي ترافق الشعب، فترمز إلى السعادة لم يعرفها أولئك الذين كانوا يعملون
عبيداً في أرض مصر، نفهم معنى سفر الخروج.
فهذا السفر وضع في صورة واحدة ما يعيشه شعب مصر وشعب بابل، وما عاشه الشعب العبراني
في أيام سليمان الذي هو صورة واضحة عن فرعون حين استعبد شعبه من أجل أعمال السخرة،
وما يعيشه الآن أبناء يهوذا وأورشليم بعد أن أخذهم البابليون إلى بلاد الرافدين
ليعملوا هناك في الأراضي أو الأبنية. وهكذا كُتب سفر الخروج من أجل الشعب العبراني
ومن أجل كل شعب يبحث عن الحريّة، بحيث لا يرضى بوضعه مهما كانت الحياة سهلة في ظلّ
المحتلّ. والخبرة التي عاشها هذا الشعب بقيادة موسى الذي يعني اسمه المخلّص، ستكون
المثال الذي يستقي منه المؤمنون على مدّ تاريخهم، بحيث يصبح كل خلاص، مهما كان
صغيراً، صورة عن ذاك الخلاص الأول الذي كان في أساس تكوين شعب جعله الله لنفسه
منطلقاً من مزيج متعدّد المشارب دعاه الكتاب "الأوباش" (عد 11: 4) الذين جُمعوا من
هنا وهناك (خر 12: 38).
في هذا الاطار، يفتح سفر اشعيا عيوننا على شعوب أخرى تنتظر خلاص الله: شعب مصر.
"إذا صرخ المصريون إلى الربّ في ضيقهم، أرسل لهم مخلّصاً ومحامياً فينقذهم.. ومع أن
الربّ ضربهم بقساوة، فإنه يشفيهم حين يرجعون إليه ويستجيب لهم" (19: 20، 22). وهكذا
يكون شعب أشور مباركاً، بالرغم ممّا حمل من ظلم ودمار. وكذلك شعب مصر. فالربّ يريد
الحرية لمختلف الشعوب، حيث يحترم كلّ شعب الشعب الآخر. وهذا واضح في سفر عاموس حيث
يحكم الله على شعب استعبد شعباً يعيش بقربه. ورأى النبيّ في دمار ناله العمونيون أو
الأدوميون، عقاباً من عند الله لشعب سحق الناس بدون رحمة، فطاردهم بالسيف، وشقّ
بطون الحبالى، وأمرّ النوارج على أجساد المقاتلين (عا 1- 2).
في أي حال، تبقى خبرةُ الخروج من مصر رغم المخاطر الذي فيه، وأوّلها عبور البحر
الذي يمثّل عالم الشرّ، الخبرةَ الأساسيّة التي فهم الشعب فيهاأن عليه أن يتّكل على
الربّ ويستسلم لعونه مهما كانت الظروف. أما الغريب عن الوطن فلا يمكن أن يحمل الخير
إلى الوطن. مضى يربعام إلى مصر، وجاء بالعون من هناك، فسيطر على شمال البلاد، ولكن
هذه السيطرة لم تدم طويلاً. وتواصلت الثورات إلى أن انتهت مملكة السامرة في يد
الأشوريين، بعد أن عرفت ضيق الحرب مع الأمم المجاورة. وأراد الملك حزقيا أن يستند
إلى الخارج ليساعدوه ضد هجمة ممالك مجاورة تحالفت عليه. فقيل له: هذه القبة
المرضوضة، لا تستطيع أن تستند إليها. فإن استندتَ، غرزتْ في كفك وثقبتها (أش 36:
6). أما أحاز فهرب من الأراميين والسامريين والصيدونيين، والتجأ إلى الأشوريين،
فكان هذا اللجوء تنازلاً عن الكرامة، وتجريداً من كنوز الهيكل، وبناء مذبح يسبه ذاك
المبنيّ في أشور. فقال اشعيا: إن لم تؤمنوا لن تأمنوا (7: 9). إن لم يكن لكم إيمان
بالله، ثم بنفوسكم، فلن تعرفوا الأمان والسلام.
وسيطرت على فلسطين الممالك العديدة من البايلبيين، إلى الفرس، إلى الاسكندر، إلى
بطالسة مصر وسلوقيّي انطاكية، إلى الرومان. كانت ثورة خاصة على السلوقيّين لم
تتوقّف مع تحرير الهيكل وأقداسه. ولكن المقاومة الحقيقة من أجل الحريّة، كانت تلك
التي طلبت العودة إلى الأرض رغم التهجير الذي أصاب النخبة في البلاد، فرفضت أي
تعامل مع المحتلّ. هنا نسمع مز 137 الذي هو نشيد المنفى.
على أنهار بابل هناك جلسنا
فبكينا عندما تذكّرنا صهيون (= أورشليم).
على الصفصاف في وسطها،
علّقنا كناراتنا.
هناك طلب منّا الذين سبَونا
أن ننشد لهم،
والذين عذّبونا،
أن نفرّحهم:
"أنشدوا لنا من أناشيد صهيون".
كيف ننشد نشيد الربّ
في أرض غريبة؟
إن نسيتك، يا أورشليم،
فلتنسني يميني!
ليلتصق لساني بحنكي،
إن غابت عني ذكراك.
وهناك مقاومة أخرى من أجل الحريّة، هي البقاء رغم المضايقة التي يحسّ بها الشعب.
هذا ما فعله الفريسيون الذين ظلّوا صامدين رغم ما أصابهم من اضطهاد. وحين ُمرّت
أورشليمُ سنة 70 ب م. كان تعلّقهم بكلام الربّ وشريعته أكبر قوّة في وجه الرومان
الذين حاولوا قتل الروح في الشعوب التي سيطروا عليها، ودعوا الناس إلى عبادة أشخاص
مثل نيرون وكاليغولا، لا بعد مماته وحسب، بل في حياتهم. أما يسوع فلم يأخذ موقفاً
سياسياً. ولما سُئل عن دفع الجزية لقيصر، كان تشديده على حقوق الله في حياة الانسان
(مت 22: 5- 22). ومن هذا المنطلق، يعرف الانسان واجباته. يبقى أن يسوع شدّد على
الحريّة الداخليّة التي بها رفض أن يدخل في المنطق اليهوديّ وطريقة ممارسته
للشريعة. فتابع بولس الرسول في خطّ معلّمه، فتحرّر من الشريعة كما طلب من المؤمن أن
يتحرّر من الخطيئة، لأن من يفعل الخطيئة يكون عبداً للخطيئة كما قال يسوع في إنجيل
يوحنا (8: 34).
خاتمة
الكلام عن الحرية في الكتاب المقدّس حديث طويل، وهو يفترض قراءة النصوص ووضَعها في
إطارها الحضاريّ، مع إبراز الهدف من كتابها. أما السمة المسيطرة فهي نقص في
الحريّة، وتطلّع إلى تلك الصورة الأولى التي بُني الانسان بحسبها، فوصلت بنا إلى
الذي "هو صورة الله الذي لا يُرى" (كو 11: 5)، الذي لأجله خُلق شيء، الذي صارت
النُظم والمؤسسات في خدمته، بعد أن كان السبت له ولم يكن يوماً للسبت وكأنه مطلقٌ
يسجد أمامه. كما انطلق الانسان من عالم شوّهته الخطيئة فوصلت به الأمور إلى عبادة
الحيوانات من طيور ودواب وزخرفات (روم 1: 23)، فتطلّع إلى خليقة تتحرّر من
عبوديَّتها لتشارك أبناء الله في حرّيتهم ومجدهم. لهذا فالخليقة كلها تنتظر، تئن،
تتألم، ونحن معها نئنّ في سبيل الحرية منتظرين من الله التبنّي وافتداء أجسادنا
(روم 8: 21- 23).
الخوري بولس فغالي
المرأة في العهد القديم
إنّ دراسة موضوع المرأة في الكتاب المقدّس يحتّم علينا البحث عن فكر الله الأصيل
والتمييز بين ما هو عابر وتقاليد وعادات شعب العهد القديم وأبناء الكنيسة الأولى من
جهة وبين المثال الذي يقدّمه الله إلى البشرية من جهة أخرى. ومن الضرورة بمكان أن
نتتبع الموضوع في كل الكتاب المقدّس ولا نتوقّف عند نصّ معين دون الباقي. فالمثال
الذي يفصح عنه الله لا يتحقّق إلا في الأزمنة الأخيرة المتمثّلة في إنجيل ربّنا
يسوع المسيح. وبالطبع ننطلق من وحدة الكتاب المقدّس من حيث أنه ملهم من الروح القدس
والله هو المؤلّف الأول للعهدين القديم والجديد، وأعطاه للكنيسة كتاباً مقدّساً.
ولكي نعطي حقّ قدرها، لا ننسى دور الكتاب الملهم في الكتاب المقدّس وهو ينتمي إلى
مكان وزمان معينين.
من هذا المنطلق وُجب علينا أن نقسم البحث إلى قسمين، في القسم الأول نستعرض الوضع
الشرعي والواقعي للمرأة في عالم الكتاب المقدّس عبر التاريخ، وفي القسم الثاني
نتوقّف عند المعطيات اللاهوتية الأساسية في العهد القديم.
أولاً: الوضع الشرعي والواقعي للمرأة
لا تختلف عقلية عالم البيبليا عن عقلية العالم القديم إجمالاً بما يخصّ تفوق الرجل
على المرأة حتى ولو لم يكن هناك من تمييز أكيد وواضح لهذا المبدأ عند شعب العهد
القديم.
1- في القطاع العائلي
أ- العائلة الأبويّة
العائلة في العهد القديم كانت قبلية، تتطلّب أن تكون المرأة من قبيلة الرجل حتى لا
تكون متطفلة. فالزواج من امرأة غريبة كان مقبولاً لأنه كان يُعتبر خطراً على
الايمان والأخلاق اليهوي (راجع قضاة 3: 6؛ 1 ملوك 11: 1- 8؛ 16: 31- 32؛ خروج 34:
16؛ تثنية 7: 3-4).
يحتّم الطابع الأبويّ للعايلة أن يبقى النسل حسب الخطّ الذكوريّ وليس حسب الخط
الأنثوي. والأبناء الذكور، حتى بعد الزواج، يبقون مع زوجاتهم وأبنائهم، في البيت
الأبويّ. ويبقى جميعهم تحت سلطة الأب: الزوجة أو الزوجات، الأبناء الغير متزوّجون
والمتزوجون مع زوجاتهم وأبناءهم.
ب- تعدّد الزوجات والمساكنة من غير زواج
ما يقوّي أولويّة الرجل في المجتمع هو تعدّد الزوجات الذي كان محدوداً في عصر
الآباء (كان ليعقوب زوجتان، راحيل ولَيئة: تكوين 2: 21- 30؛ وكان لعيسو ثلاثة:
تكوين 26: 34؛ 28: 9) بينما تكثّف في زمن القضاة والملوك.
كبر أم صغر عدد النساء في بيت الحريم، كان علامة رفاهيّة اجتماعية واقتصاديّة، مما
يسيء إلى حقوق المرأة ويضرّ الحبّ الزوجيّ والسلام العائلي، فاتحاً المجال للحسد
والخصومة بين الزوجات المتعدّدات (تكوين 16: 4- 5؛ 29: 30- 30: 24؛ صموئيل 1).
منذ القرن السادس ق م. ينتشر أكثر فأكثر نظام الزواج بامرأة واحدة. ويسوع ينهي بشكل
واضح ونهائي نظام تعدد الزوجات: كل من طلّق امرأته وتزوّج غيرها فقد زنى، ومن تزوّج
التي طلّقها زوجها فقد زنى" (لوقا 16: 18). في مجتمع يقبل بنظام تعدد الزوجات، من
المستحيل أن يُقال في الذي تزوّج أنه زنى عندما يتّخذ له زوجة ثانية.
تعدّد الزوجات يعطي المجال لمساكنة من غير زواج، يكون سببها إيجاد النسل. في هذه
الحال غالباً ما تسمح الزوجة نفسها بالمساكنة وتكون هذه خادمتها التي لا يحق لها أي
علاقة زوجية مع رجل آخر (راجع تكوين 16).
ت- الطلاق
هناك ظلم آخر للمرأة في عائلة العهد القديم وفي زمن العهد الجديد ألا وهو الطلاق
الذي يحقّ للرجل وحده إقراره. الكتب التاريخيّة لاتعكي أي مثل واضح عن طلاق حقيقي.
التشريع اليهودي يفترض استعمال الطلاق (أحبار 21: 7؛ 14؛ 22: 13؛ عدد 30: 10). يمنع
تثنية الاشتراع الطلاق في حالتين (تثنية 22: 12- 19 و22: 13). تثنية 24: 1- 4 يُمنع
الذي طلّق زوجته أن يتزوّج منها ثانية إذا بدورها تزوجت من أحدهم وهذا الأخير
طلّقها أو توفي. لا تتوفّر المعلومات عن انتشار عادة الطلاق لدى اليهود. ولكن الآية
الواردة في تثنية 24: 1: "إذا اتخذ رجل امرأة وتزوجها، ثم لم تنل حظوة في عينيه،
لأمر غير لائق وجده فيها، فليكتب إليها كتاب طلاق ويسلّمها إياه ويصرفها من بيته"،
هذه الآية أفسحت المجال لتفاسير عديدة لدى علماء الشريعة في زمن العهد الجديد.
بالنسبة لشاماي: خلاعة أو أخلاق غير سليمة، بالنسبة لهلّل مجرّد طبخة محروقة؛
بالنسبة لعقيبا: إذا وجد الرجل امرأة أجمل من زوجته. وبما أن البنين يبقون في البيت
الأبوي، يحرم الطلاق المرأة مع أبنائها وطبعاً من حبّ زوجها الدائم. هنا يجدر
بالذكر النبي ملاخيا الذي ينفرد بتنديد الطلاق، ونبوءته ترجع إلى القرن الخامس ق م.
ولما أتى يسوع أعلن بسلطته الالهية عدم انحلال الزواج (لو 16: 18)، لأن ما جمعه
الله فلا يفرقه الانسان" (مرقس 10: 9).
ث- الزنى
(أحبار 20: 10 وتثنية 22: 22). يعتبر الزنى إساءة إلى حقّ زوج على زوجته أو خطيب
على خطيبته. يزني الرجل، لا فرق إن كان متزوجاً أو أعزباً، عندما يبني علاقة مع
امرأة مخطوبة أو متزوجة. تكون المرأة المخطوبة أو المتزوجة زانية عندما تبني علاقة
مع أي رجل، متزوجاً أو أعزباً. مما يعني أن الأمانة في الحبّ الزوجي مطلوبة تقريباً
فقط من المرأة. وإذا كان من شك في الزنى هناك تشريع يخصّ الاختصاص من المرأة وليس
الرجل من الرجل (عدد 5: 11- 31). ولكن يسوع سوف يعلّم أن الأمانة تلزم الزوج
والزوجة على السواء: "من طلّق امرأته وتزوّج غيرها فقد زنى عليها. وإن طلّقت المرأة
زوجها وتزوّجت غيره فقد زنت" (مرقس 10: 11).
تعدد الزوجات والمساكنة الشرعية والطلاق والمفهوم الخاص للزنى هو أمورتبرّر على
أساس الأولويّة المطلقة لحقوق العائلة والنسل على الحقوق الفردية. لذلك كانت النساء
تُحرم من الإرث حتى لا تتقلّص أملاك العائلة تدريجياً مع انتساب المرأة إلى عائلة
مختلفة. ولذلك أيضاً كان الأب يتدخّل بسلطته عند اختيار العريس لعروسه، كما تبرّر
هذه الأمور شريعة أخي الزوج (تثنية 25: 5- 10).
ج- الحبّ قبل وخلال الزواج
ولكن رغم كل ما ذكرناه من عقلية قبلية لدينا أمثال في الكتاب المقدّس عن حبّ حقيقي
يسبق الزواج ويهيأ له. لدينا مثل وحيد عن مبادرة امرأة في الحبّ وهو ما يُذكر عن
مكيال، ابنة شاوول التي "أحبّت داوود" (1 صموئيل 18: 20). كما أحبتّه بعد الزواج
(18: 28) وخلّصته من الموت (19: 11- 17). بالنسبة للرجل ترد المبادرة في عدة أمثال
من الكتاب المقدّس. هكذا مثلاً بالنسبة ليعقوب الذي أحبّ راحيل ابنة خاله (تكوين
29: 17- 19)، فيقبل أن يخدم أباها لابان سبع سنوات للزواج منها، "وكانت هذه كأيام
قليلة من حبّته لها" (تكوين 2: 20)؛ وبعد خدعه لابان له يقبل أن يخدمه سبع سنوات
أخرى للزواج منها (تكوين 29: 27- 28). وهذه قصّة طوبيا الذي أحبّ سارة، حباً
شديداً، وهي من نسل ابيه، وعلق بها قلبه (راجعطوبيا 6: 19). وهناك أمثلة عديدة عن
حبّ يدوم بعد الزواج أيضاً: إسحق أحبّ امرأته رفقة (تكوين 24: 67) وألقانا الذي
أحبّ حنّة رغم أنها لم تلد له أبناء وكان يعزّيها هو بنفسه قائلاً: "يا حنّة، ومالك
باكية ومالك لا تأكلين، ولماذا يكتب قلبك.؟ ألست أنا خيراً من عشرة بنين؟" (1
صموئيل 8).
2- في القطاع الاجتماعي
لا يتغيّر الوضع بالنسبة إلى المرأة إذا انتقلنا من المجال العائلي إلى المجال
الاجتماعي. تبقى قاصرة تحت وصاية الأب أو الزوج الذي يحق له أن يقبل وأن ينقض
نذورها كما يتبيّن لنا في عدد 30: 4- 17.
في الحقبات القديمة كان للمرأة بعض الحرية الاجتماعية. تخرج من البيت دون غطاء على
رأسها، تتكلّم مع الرجال في المجتمع، تذهب لستقي الماء من البئر، تقود الخراف إلى
بئر لتشرب، وتلتقط السنابل وراء الحصادين (راجع سفر راعوت).
في الفترة اليونانية والرومانية تتغيّر الأمور لتصبح المرأة أكثر انغلاقاً، خاصة
بين عامة الناس. لا يسمح لها الخروج بدون غطاء على الرأس وأن تتكلّم مع أي كان في
الشارع (كتوبوت 7: 6). لا تستطيع أن تذهب إلى المدرسة للتعلّم ولا للتعليم (سوتاه
3: 4).
ولكن يجدر بالذكر الكثير من النساء اللواتي لعبن دوراً مهماً، سلباً أو إيجاباً، في
تاريخ الخلاص. مريم النبيّة، أخت هارون، تنشد للرب وت}لّف جوقة مع النساء للترتيل
والرقص (خروج 15: 20- 21). دبوّرة النبيّة، زوجة لفيدوت، كانت تقضي لشعبها مثل باقي
القضاة (قضاة 4). يقومون بدور سلبي ضدّ عبادة الربّ مثل إيزابيل زوجة أحاب (1 ملوك
16: 29- 34) وعتليا زوجة زوجة يورام وأم أحزيا (راجع 2 ملوك 11). وفي المقابل لدينا
يهوديت وإستر بطلتين لعبتا دوراً مهماً لخلاص الشعب في روايات حكمية.
ومن خلال هذا الاستعراض السريع لوضع المرأة نستنتج أن المجتمع بسبب بنيته الأبوية
ترك المرأة في مستوى أدنى بالنسبة للرجل. وفي خضم هذه الرؤية الاجتماعية يطلّ علينا
نور الوحي الالهي ليعطينا المفهوم اللاهوتي للانسان وبالتالي للمرأة.
ثانيا: النظرة اللاهوتية للمرأة في العهد القديم
في دراسة هذا الموضوع البيبلي، كما في كل المواضيع، لا يمكن أن ننسى تعليم الكنيسة.
العهد القديم له دور تربوي بالنسبة للمسيحي رغم نقص الكمال فيه وصفته التحضيرية
للعهد الجديد. كما علينا أن نأخذ الكتاب المقدّس كوحدة فلا نقرأ النصوص دون وضعها
في المسار الخلاصي ومركزه المسيح.
1- "على صورة الله كمثاله" (تكوين 1: 27)
خلق الله الانسان (الآدم) ذكراً وانثى. النصّ واضح بالنسبة إلى مساواة الرجل
والمرأة في مخطّط الخالق. هذا ما أراده الله والوضع لا يتغيّر إلا بعد الخطيئة.
الانسان، ذكر وأنثى، خُلق على صورة الله حتى إذا ما عاش في شركة وحوار معه، مثّل
سيادته على كلّ المخلوقات. من الجدير بالذكر أن رواية الخلق الأولى تذكر الفرق على
المستوى الجنسي لا الاجتماعي فلا تقول إن الله خلق الرجل والمرأة بل خلقهما ذكراً
وأنثى، بحيث أن الازدواجية الجنسية هي في جوهر "الأدم". وبما أن الله خلق الانسان
باختلافه الجنسيّ نستطيع أن نستنتج المساواة التامة بين الرجل والمرأة من حيث
الكرامة. المرأة مثل الرجل لها دور سياديّ تجاه سائر المخلوقات خلق الآدم، ذكراً
وانثى، على صورة الله، لذلك هناك مساواة في الدعوة والرسالة بين الرجل والمرأة.
2- "بنى من ضلعه" (تكوين 2: 22)
ينفرد هذا النصّ في الكتاب المقدّس، لا بل يبدو أنه الوحيد من نوعه مقارنة مع الأدب
المشرقيّ القديم، في رواية أصل المرأة. الكاتب الملهم يشدّد على كرامة المرأة من
خلال سياق النصّ في مراحل ثلاثة. أولاً عندما يفكّر الربّ الإله أنه لا يحسن أن
يكون الانسان وحده (2: 18)، ثانياً عند مرور الحيوانات أمام الانسان دون الوصول إلى
الغاية المرجوة (2: 19- 20)، وأخيراً خلق المرأة. الانسان، الرجل والمرأة، هو
بطبيعته أعلى من الحيوانات. أما المساواة في الطبيعة والكرامة فيعلّمها الكاتب
المقدّس من خلال "بناء" المرأة من ضلع رجل. وبهذا يريد أن يفسّر التجاذب الجنسيّ
وعنى كلمة "إيشه" (مرأة) من المصدر "إيش" (رجل).
4- "فلأصنعنّ له عوناً يناسبه" (تكوين 2: 18)
في الرواية الأولى للخلق رأى الله أنّ ما صنعه هو حسن. في تكوين 21: 8 يقول الله
أنه لا يحسن أن يكون الانسان وحده. على الانسان أن يحيا في مجتمع يناسبه. والجماعة
الأساسية هي العائلة. الرجل وحده ناقص، يحتاج لأن يكمّل ذاته من خلال المرأة، فهي
"عون يناسبه". وكذلك المرأة تبقى ناقصة ولا تكتمل إلا بالرجل. التعليم اللاهوتي
للنص يريد أن يبيّن أيضاً معنى الزواج إذ "يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته،
فيصيران جسداً واحداً". هكذا يكون لدينا شركة بين كائنين متساويين بالطبيعة
والكرامة ويعرف كل منهما أن اختلاف الآخر يغنيه ويكمّله. في الزواج يحقّق الرجل
ذاته من خلال المرأة وكذلك المرأة أمام الرجل.
5- "وعرفا أنهما عريانان" (تكوين 3: 7)
لا يجب أن ننسى الطابع الحكمي واللاهوتي للنصّ الذي من خلاله يريد الكاتب الملهم
تفسير أصل الواقع المعاش وطبيعة الأمور. هناك خطيئة ارتكبت في البدايات من قبل
الابوين الاولين. موضوع الخطيئة هو محاولة معرفة الخير والشر بدون الله. فصار لهما
الخير شراً والشر خيراً. وبهذا فقدا السعادة باستقلالهما عن الله واحتلّ الواحد
منهما مكان الله في حياة الآخر، ذلك الذي بمحبتّه وهب الواحد للآخر وكان حجر أساس
لاتحادهما. أما نتيجة ذلك الخطأ الفادح هو فقدان السعادة والانسجام والسلام مع الله
ومع الذات ومع الشريك: "فعرفا أنهما عريانان" (تكوين 3: 7). وبدل السلام والمحبة
بين الشريكين حلّ التسلّط الأنانيّ على الآخر وسيادة القويّ على الضعيف: "إلى رجلك
تنقاد أشواقك وهو يسودك" (تكوين 3: 16).
6- "وأخطبك إلى الأبد" (هوشع 2: 21)
في البدتيتن رسم الله للبشر مثالاً زوجياً وجاءت الخطيئة لتشوّهه. هع وبعده إرميا
وحزقيال وأشعيا الثالث يطرحون مثالاً آخر كنموذج أصليّ يفوق الأول بكثير، بطله
الربّ الاله ولا يصير إلى كماله إلا في آخر الأزمنة. انه رمز الخطوبة الذي يصوّر
علاقة الربّ بشعبه من خلال الواقع الزواجيّ.
بالمقارنة مع صورة العهد، يحمل الرمز الزواجي بين الرب وشعبه بعد الحبّ والحنان في
الواقع كأنه محصور بالشرعية القانونيّة. إنه حبّ الزوج الذي يبحث عن العطاء بدل
الأخذ. حبّ جيّاش حتى البطولة التي تعرف الغفران والأمانة رغم كلّ الصعوبات.
وبالمقابل الزوجة التي تمثّل اسرائيل، هي ضعيفة وتقع بسهولة في تجربة الخيانة. وفي
نهاية الأمر يحمل هذا الرمز معنى الحبّ الذي لا يصل إلى غايته إلا بالمصالحة
والعلاقة الشخصية التي لا تُحدّ.
الرمز الزواجي لدى الأنبياء ومضمونه علاقة الربّ بشعبه ومن خلاله بالبشرية جمعاء،
لابدّ إلا أن يوحي بالاحترام الكبير الذي يكنّه شعب العهد القديم للمرأة. وهذا ما
نتأكد منه في صورة صهيون التي تتمخّض حتى تلد بينها (أشعيا 66: 7)، صهيون والدة
الأمم: "كلّ إنسان وُلد فيها" (مزمور 87: 5). لذلك تزداد شخصية المرأة تقديراً من
خلال تشخيص الحكمة مثل امرأة (حكمة 8: 1- 9 وسيراخ 24). هذا ما يتّضح لنا بنوع خاص
عندما تُعطى صورة الأم إلى الربّ نفسه:
"أتنسى المرأة رضيعها
فلا ترحم ابن بطنها؟
حتى ولو نسيت النساء
فأنا لا أنساك" (أشعيا 49: 15).
(راجع اشعيا 66: 13؛ مزمور 131: 2؛ سيراخ 4: 10).
7- "حلدة النبية" (2 ملوك 22: 14)
رغم استثنائهم من الكهنوت، لا تعيش المرأة على هامش العبادة خارج الجماعة المقدّسة.
فهي تشترك الاحتفالات والأعياد، تقدّم الذبائح والنذور. بعض النساء يخدمن كحارسات
عند باب خيمة الموعد (خروج 38: 8؛ صموئيل 2: 22) ويحضّرن الأنسجة والأدوات المقدّسة
للهيكل وربّما كان لهنّ دور في الصلوات والاحتفالات في الهيكل كالترميم والتطوافات
وما شابه.
يعطي الكتاب المقدّس لقب "نبيه" إلى خمس نساء: مريم أخت موسى (15: 20)، دبورة (قضاة
4: 4)، نوعاديا النبية الدجّالة (نحميا 6: 14)، زوجة أشعيا 8: 3) وحلدة (2 ملوك
22)، إمرأة شلوخ بن تقوة بن حرحاس، حافظ الثياب. حلدة عاصرت النبي إرميا وكان لها
دور مهم في الاصلاح الديني الذي قام به يوشيا اللك. وأخيراً نذكر نبوءة يوئيل الذي
يؤكد أن الهبة النبوية سوف تُلهم النساء أيضاً في العصر المسيحانيّ (يوئيل 3: 1-
2).
8- "حبيبي لي وأنا له" (نشيد 2: 16)
في نشيد الأناشيد تظهر كطرامة المرأة ومساواتها مع الرجل من خلال قصيدة حبّ بين
عروسين شابين. لمرات ثلاث تعبّر العروس عن انتماء واقتصار حب الحبيب لها: "حبيبي لي
وأنا له" (2: 16؛ راجع 6: 9 و7: 11). بهذا تتأكد وحدة الرباط والمساواة بين الحبيب
والحبيبة، بين الرجل والمرأة. لا بل تظهر واضحة ديمومة هذا الرباط من خلال حبّ دائم
(راجع نشيد 8: 6- 7). نحن أمام تطوّر مهم فيما يخصّ وضع المرأة في المجتمع والذي
ينيره تقدّم الوحي الإلهي. لدينا تقدير واضح للعلاقة الشخصية والمحبّة والمساواة
بين الرجل والمرأة في الرباط الزوجيّ.
العلاقة الزوجيّة الممثة في هذا السفر تعبّر عن تصوّر سليم للعلاقة بين الرجل
والمرأة. هذا التصوّر الذي لا بد أنه قد اغتنى بخبرة وإيمان شعب الله عبر عبر تاريخ
الخلاص، تنطلاقاً من البدايات في جنة عدن مروراً بخبرة العهد بين الله وشعبه والذي
لا يكتمل إلا في زمن العهد الجديد.
خاتمة
تعليم العهد القديم عن المرأة غني ويساعدنا مثل المربي للوصول إلى ملء الوحي بيسوع
المسيح وبشارة العهد الجديد. مثل يسوع يجدر بنا الانطلاق من المفهوم اللاهوتي
للانسان وبالتالي للمرأة، لنميّز إرادة الله وخطّته في الخلق والخلاص وبين ما هو
نتيجة للشر والخطيئة وقساوة القلب.
متساوية بالطبيعة والكرامة مع الرجل. خُلقت المرأة على صورة الله كمثاله لتكون مع
الرجل مندبة للخالق على كلّ المخلوقات. هي شريك متساو مع الرجل في الرباط الزوجيّ
وفي المجتمع. بالخطيئة التي ارتكبتها، بمسؤولية متساوية مع الرجل، تتنكّر لوضعها
كخليقة فتتعكّر العلاقة مع الرجل.
تأتي رمزية الزواج بين الله وشعبه لتصلح ما تهدّم مانحة للمرأة مثالاً تتبعه يفوق
الأول ويتحقّق جزئياً في نشيد الأناشيد.
على الصعيد الديني تُستثنى المرأة من الكهنوت ولكن يُعطى لها هبة فائقة ألا وهو
النبوءة.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ المصادر، يتبيّن لنا تطوّر في احترام وتقدير
المرأة. كالتطوّر من امرأة تكمّل الرجل (تكوين 2) إلى امرأة متساوية مع الرجل من
حيث أنها خلقت على صورة الله، كمثاله (تكوين 1).
مع يسوع نصل إلى ملء الوحي فنشهد تحولاً كبيراً بالنسبة للمرأة. لا يسعنا هنا سوى
التذكير بأن تعليم العهد القديم لا يكتمل فهمه إلا على نور العهد الجديد. وحده
القائم من بين الأموات أوحى لبولس بالمساواة بين الرجل والمرأة أمام الله: "فليس
هناك يهودي ولا يوناني، وليس هناك عبد أو حرّ، ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في
المسيح" (غلاطية 3: 28).
الأب نجيب ابراهيم الفرنسيسكاني
الكتاب المقدس وحقوق الإنسان
الأخت باسمة خوري
ولدت شرعة حقوق الانسان من الناحية التاريخية خارج الكنيسة، وقد رفضها الجميع لمدة
طويلة، وساندها العديد من المؤمنين وغير المؤمنين. وفي النضال لتطبيق هذه الشرعة
يستند المناضلون الى نصوص قانونية والى تصريحات عالمية هي نتيجة سنوات عديدة وظروف
تاريخية وحوارات واتفاقات. ولا يحاول المناضلون الاستناد في ذلك الى النصوص
الكتابية كما انهم لا يحاولون تبرير التزاماتهم الإنسانية من خلال كلمة الله. لا بل
على العكس من ذلك، في هذا العالم الذي كبر فيه الوعي الإنساني وكثُر فيه الحديث عن
الحق والحقوق، وتنامت فيه الإرادات لرص الصفوف والعمل على تنفيذ الشرائع التي ترعى
حقوق الإنسان كل الإنسان، تبدو الصفحات الأولى في الكتاب المقدس عائقاً أمام
المؤمنين. فكيف يمكننا أن نقبل بكتاب مقدس يجب أن يكون المعقل الأول للدفاع عن حقوق
الإنسان في حين أن صفحاته لا تخلو من جرائم تقشعر لها الأبدان، ومن مكائد تطال
الأخوة كما تطال الأعداء؟ وكم مرة سمعنا مؤمنين ينادون بطيّ صفحات العهد القديم
لأنه يتكلم عن إله قاس، قاتل لا يرحم، إله لا يشبه إله يسوع المسيح بأي صورة من
الصور؟ فما هي قصة حقوق الإنسان في الكتاب المقدس، وكيف نفهم كل هذه الجرائم التي
تزخر بها صفحات الكتاب ؟ وهب نجد في هذا الكتاب شرعة تحمي حقوق الإنسان؟
إنسانية العهد القديم
في فجر الإنسانية والإنسان في بدء تطوّره الثقافي والعلمي والفلسفي، كان وعي
الإنسان في طور الولادة، وعياً بسيطاً غير ناضج؛ إنه وعي الإنسان الأول لأبسط قواعد
الأخلاق : سعي لاستمرارية العيش ولو على حساب حياة الآخر. في هذه الفترة من الحياة
الإنسانية، كان الإنسان بربرياً جاهلاً إن عقلياً أو نفسياً أو أخلاقياً، وعلى هذا
الأساس يجب أن نفهم أولى الصفحات البيبلية.
نتذكر مثلاً قايين الذي افتتح شريعة الغاب حيث يتخلّص الأقوى من الأضعف، أو نتذكر
معاصري نوح الفاسدين لدرجة أنهم أوصلوا الله نفسه لقطع الرجاء منهم ؛ نتذكر أهل
بابل المتكبرين الى حدّ انهم ارادوا وضع أنفسهم مكان الله ذاته فوصلوا الى الفشل
الذريع والإنقسام الكامل والإقتتال فيما بينهم. في خضم هذه المتاهات، يظهر إبراهيم
وكأنه منارة في ليل حالك، وحيداً بين جماعات فاسدة وهمجية يرمز اليه الكتاب المقدس
بمدينة سادوم، التي لم يستطع الله أن يجد فيها عشرة أبرار بحيث ينقذها من الدمار
لأجلهم؛ ولا تبدو مدينة عامورة أفضل حالاً : انهما صورة المجتمع في ذلك الوقت.
ويصل الشر الى عائلة إبراهيم بالذات، فنرى لوطاً يعرض بناته فريسة لسكان سادوم، ثم
نراهما يوصلان أباهما للسكر فيناما معه ليؤمّنا ذرية تبقى ! نحن نتفهّم طبعاً دوافع
فعلتهما بحسب القيم التي كانت سائدة في تلك الأيام، ولكن هذا ما يدفعنا للتأكيد بأن
إنسانية ذلك الوقت كانت لا تزال في طور الهمجية.
في نهاية حياة إبراهيم، نفهم أن ممارسة ذبائح الأطفال كانت طبيعية لدرجة أن إبراهيم
كان يظن بأن الله يطلب منه إكمال هذه الممارسة، الى أن فهم أن هذا الطلب كان
امتحاناً لإيمانه فقط (تك 22: 1). وكيف نفهم ضرب الإحتيال الذي قام به يعقوب
بمعاونة أمه رفقة ضد أخيه عيسو ؟ أليست سرقة دور البكر جريمة حقيقية ؟ صحيح أن الله
يحوّل الشر الى عناية إلهية لخير البشرية، لكن عمل يعقوب كان قد تسبب بنفور دائم
بينه وبين أخيه.
وننتقل الى الجيل الأصغر فنرى أن التعدي على دينا ابنة يعقوب كان السبب في ثأر همجي
لم يطل الفاعل وحسب بل أدى الى هجوم إخوتها على كل مواطني الفاعل وقتلهم دون أي
تردد وبكل برودة أعصاب. إن في ذلك تأكيد جديد على غياب أي قانون يحكم في الخلافات،
ويكون الحق الفاصل لحل المشاكل بين الناس في تلك الحقبة من التاريخ؛ هذا ما جعل من
الهمجية قوة بلا حدود كما يظهر من ردة فعل يعقوب أمام جرائم أولاده، فلا يلومهم إلا
على طيشهم القادر أن يؤدي الى خطر ممكن على حياته (تك 34: 30).
وهذا ليس الحدث الوحيد، فسفر التكوين يخبرنا عن بطولات أبناء يعقوب ضد ...أخيهم
يوسف. لقد أراد هؤلاء أن يقتلوا أخاهم (تماماً كما قتل قايين أخاه هابيل) واستطاع
روبين أن ينجيه من الموت في اللحظة الأخيرة بمساعدة أخيه يهوذا، ولكن يتأكد لنا أن
في قلوب "الآباء" الثمانية الباقين قتلة لا يتورّعون عن تصفية أخيهم.
في تلك الأيام ... لم يكن لحق الإنسان بالحياة وجود، فنشهد مشروع إبادة جماعية من
قبل المصريين تجاه العبرانيين الذين تكاثروا في مصر، فيأمر الفرعون بقتل كل صبي
عبراني عند ولادته (خر1: 15- 16). إن قسوة الإنسان لا تقتصر على البالغين بل تقتل
الأطفال الأبرياء الذين لا قدرة لهم على الدفاع عن أنفسهم : هذه هي قمة الهمجية.
المبادرة الإلهية لإنسانية أكثر إنسانية
في هذا الوقت ستشهد البشرية خطوة كبيرة في طريق تقدّم الوعي الأخلاقي الإنساني محو
العدالة والتفتيش عن حق الإنسان وذلك من خلال القابلات اللواتي عصين أمر الفرعون
ولم يقتلن الأطفال رغم الخطر الذي كان محدقاً يهن، وذلك لسبب واحد "كن يخفن الله"
(خر1: 17). إن خوفهن الله هو اول دفاع جماعي ومنظّم عن حق الطفل بالحياة. ،حده خوف
الله أوقف قتل الضعيف، وبفضلهن عاش موسى.
ولكن القاتل لم يستسلم فأمر برمي الأطفال بالنهر فكان هذا مصير موسى. وهنا تظهر
بادرة أخرى لحماية الحياة وقد أتت هذه المرة من إبنة الفرعون بالذات التي تجاهلت
أمر والدها الفرعون فانتشلت الطفل المحكوم بالموت غرقاً، وأدخلته قصر الفرعون ليحيا
ويتعلّم (خر 2: 6).
ثم أتى دور موسى ليأخذ مكانه في الحرب ضد الجرائم وفي الدفاع عن حق الضعيف في وجه
القوي. فبعد دفاعه هن عبراني ضعيف ضد مصري قوي، دافع عن عبراني أقوى واضطر بسبب
دفاعاته هذه للهرب من مصر الى صحراء سيناء في بلاد مدين. هنا أيضاً نراه يدافع عن
نساء يستقين أمام رجال أخذوا مكانهن لأنهم الأقوى (خر 2: 17). لقد بدأت رياح
التغيير تهبّ على شريعى الغاب القاضية بحق القوي على الضعيف. فبعد الدفاع عن حق
الطفل بالحياة، بدأ الدفاع عن حق المرأة بالمساواة وحق الأضعف بالعدالة. ولكن للأسف
لم يكن باستطاعة موسى وهو المطرود من بلده أن يقوم بالكثير تجاه شعبه المستعبَد في
مصر، ولا تجاه الضعفاء في أي مكان. إن قوة الإنسان وحدها غير قادرة على تغيير واقع
الجريمة والظلم.
هنا تدخّل الله الذي لم يكن موسى يعرفه حتى الآن. تدخّل في حياة موسى اليائس الخائف
الذي فشل في محاولاته المتعددة لمحو الجريمة والظلم من الإنسانية. تدخّل الله في
العلّيقة المشتعلة ليعرّف عن ذاته "أنا إله أبيك، إله إبراهيم واسحق ويعقوب ... لقد
رأيت آلام شعبي في مصر، وسمعت صراخهم ... ونزلت لأخلّصهم من أيدي المصريين ولأخرجهم
... والآن أني ارسلك الى الفرعون لتخرج شعبي ... (خر 3: 12- 18). نحن لا نجد في هذه
الآيات فصلاً بين الحرية الجسدية والحرية الروحية (خر 3: 12- 23)، وحرية العبادة
(خر 10: 24- 26). إن الدفاع عن الحياة الروحية مساوية للدفاع عن الحرية الجسدية.
لقد عاش الناس حتى الآن في ظل همجية القوي الذي يحق له قتل الضعيف، ونموا في ظل
قانون غير موجود يعطي الضعيف الحق باغتصاب حق الأضعف. في صفحات الكتاب المقدس
الأولى صورة عن البشرية في طورها الأول والتي تجهل معنى الأخلاقية الإنسانية
الحقّة. مع هذه البشرية نواكب مسيرة التحوّل اإنساني.
مع موسى نشهد تدخّل الله في حياة الإنسان الساعي نحو الوعي الأخلاقي والعدالة
والحق. لقد قرر الله ان يتدخّل، ولكنه لم يفعل ذلك إلا عندما فهم الإنسان انه،
بعيداً عن القوة الإلهية، يبقى عاجزاً عن إحقاق العدالة. ويبدو ان وعي موسى لضعفه
جعله قادراً على أن يكون رسول الله للفرعون وللشعب "من أنا لأذهب الى الفرعون
وأُخرج أبناء إسرائيل؟" فيجيبه الله "أنا اكون معك" (خر 3: 12). ومنذ ذلك الوقت أخذ
الله على عاتقه همّ موسى الأول بالدفاع عن الضعفاء، والذي لم يكن بمقدوره أن يحققه.
بمبادرته، أراد الله ليس فقط أن يفهمه أنه يأخذ المبادرة لإحقاق العدالة، بل انه
يأخذ المبادرة الأولى لتحرير الشعب، وأن موسى سيكون الناطق بإسم الإرادة الإلهية.
وتظهر نصوص حدث الخروج استحالة تحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان بعيداً عن الله،
كما تؤكد أن مساعدة الرب والاعتراف بعمله الخلاصي، هو ما يحقق الحرية التي يحلم بها
الإنسان.
فلنعترف دون خوف بأنه طالما بقيت مطالبتنا بإحقاق حقوق الإنسان ملحدة، بعيدة عن
العلاقة بالله، فسوف تبقى كلمات بالهواء، أو نصوصاً قانونية لن تصل إلا الى
اختلافات بابلية أو الى ظلم أكبر يحل مكان الظلم الأصغر، أي عدالة الأقوى.
مع تجلّي الله لموسى على جبل سيناء، ظهرت مرحلة جديدة هي بالحقيقة خطوة عظيمة الى
الأمام. منذ تجلّي سيناء، أصبح احترام الحقوق الأساسية للإنسان أمراً مفروغاً منه.
أعطى الله لموسى الوصايا العشر. بهذه الوصايا نقل الله شعبه من وضع الضعيف المحميّ
، الى وضع المسؤول. اختاره ليكون مثالاً أمام الشعوب الأخرى، اختاره ليخرج من
قوقعته واطمئنانه، ليقوم بواجباته بالدفاع عن حقوق الآخرين كل الآخرين.
إن معنى الوصايا العشر يكمن في إخراج الإنسان من وضع الدفاع عن نفسه الى موقع
المهتم بواجباته تجاه الله وتجاه الآخرين. فكلما تمّم البشر واجباتهم، غابت
انتهاكات الحقوق. إن الله لم يعطِ هذه الواجبات الأساسية للشعب الظالم بل للشعب
الضحيّة، لأن الإلتزام الأخلاقي يأخذ دور الأولوية أمام المطالبة بالحقوق ما إن
يصبح الإنسان بمعزل عن الخطر. إن واجبات الإنسان الآمِن أكثر بكثير من حقوقه التي
يطالب بها.
إله العهد القديم، إله محرِّر
يكشف الله عن ذاته من خلال العهد القديم على انه الإله الذي يحرر، الإله الذي
يعاهد، انه إله الحياة وإله الفقراء. وقد إكتشف شعب الله مع الوقت ومن خلال خبراته
العديدة ، وجه هذا الإله الذي سيأتي ليحقق هذا الوحي كمن يبحث في العتمة.
يأخذ الله الكلام للمرة الأولى في سفر الخروج، ليشجب التحقير والظلم الذي يتعرّض له
شعبه: "لقد رأيت مذلّة شعبي في مصر وسمعت صراخه... إذهب الآن، اني أرسلك الى فرعون،
لتخرج شعبي من مصر..."(خر 3: 7- 10)، عندها كشف الله عن اسمه، وعن قراره بالتدخل في
التاريخ بإسناده الى موسى مهمة تحرير شعبه. سيبقى يهوه الى الأبد "من يخرجنا من مصر
بيد قوية وذراع ممدودة" ( تث 6: 20- 25؛ 26: 4- 9 ؛ عا 3: 12...) هذه الذكرى ستقوّي
شعب اسرائيل على مدى تاريخه. "إن الله لا يريد عبيداً إنه يريدنا أحراراً"
الله هو إله العهد
دعا الله الشعب الذي حرّره من العبودية ليكون شعبه. دعاه ليحمل مسؤوليته، اعترف
بكرامته وجعل منه شريكاً له. إن لنا في تاريخ اسرائيل الطويل المنسوج من الأخطاء
وعبادة الوثن والحروب والعنف...درساً يدعونا الى عدم اليأس من الإنسان. إن الله
يدعو هذا الإنسان وبشكل دائم كي يتحرر من العبودية ليكون شعب الله.
ولكن لكي يحيا العهد، يحتاج هذا الشعب الى قانون يعلّمه :
احترام الحياه "لا تقتل"
احترام مقتنيات الغير "لا تسرق"، "لا تزن"، "لا تشهد بالزور"
احترام الأضعف العبد، الغريب، الأرملة واليتيم.
يطلب منه ان لا ينام قبل أن يدفع لأجيره أجرته، والى عدم الاحتفاظ بالرداء المرهون
لفترة الليل... (خر 21و22؛ لاو 19؛ تث 42). ويربط الأنبياء والمزامير بشكل دائم
الأمانة لله الحق باحترام شريعة العهد.
الله هو إله الحياة
يصف لنا سفر التكوين فرح الله العظيم أمام ظهور الحياة " ورأى الله ذلك أنه حسن".
وكان تتويج عمل الخلق هذا، بأن "صنع الله الانسان على صورته ومثاله" (تك 1: 26).
هذا النص هو تشريع بيبلي لمختلف المفاهيم المسيحية المختصة بحقوق الانسان وهو ما
عبّرت عنه الشرعة المسكونية بمناسبة الذكرى الثلاثين لإعلان حقوق الانسان بقولها
"علينا ان نعتبر كل كائن بشري حتى المحتقر في عيون الناس، على أنه صورة الله ذاته"
.
الانسان، رجلاً وامرأة ، هو المخلوق الوحيد الذي يقول الكتاب المقدس انه خلق على
صورة الله. هذا ما يعطيه كرامة ليست لغيره من المخلوقات. لقد وضعه الله في مقابله ،
يتوجه اليه ويكلّمه ويسند اليه مهمة الاهتمام بالخلق. وأجمل تعليق على آية من سفر
التكوين (2: 26) هو المزمور 8
ما الانسان حتى تذكره؟
ابن آدم حتى تفتقده؟
ولو كنت نقصته عن الملائكة قليلاً
بالمجد والكرامة كللته
سلّطته على أعمال يديك، وجعلت كل شيء تحت قدميه
إن الله هو دون أدنى شك غير المدرك، من لا نستطيع أن نراه ولا أن نسمّيه، ولا أن
نضع يدنا عليه: "ليس بمقدورك أن تراني، لأنه لا يمكن لإنسان أن يرى الله دون أن
يموت" (خر 33: 20) لكن كل مخلوق على صورته ومثاله هو أيضاً غير مدرَك، هو آخر علينا
احترام حياته :" عن دم كل انسان أطلب حساباً من أخيه الانسان. من يسفك دم الانسان
يسفك الانسان دمه. فعلى صورة الله صنع الله الانسان" (تك 9: 5-6). نحن لا نستطيع
احترام الله إن كنا لا نحترم من هو على صورته. "لا أحد يستطيع أن يحب الله وهو لا
يحب أخاه" يقول القديس يوحنا.
إقترح الله على شعبه سبل الحياة ( تث 30: 15 ؛ إر 21: 8؛ أمثا 2: 19؛ مز 16: 11)
وهذه السبل ليست إلا سبل العدالة لأن "العدالة هي طريق الحياة" (أمثا 11: 19).
واحترام الحياة هو احترام كل ما يسمح بالحياة . هذا ما أعلنته شرعة لاهوتيي العالم
الثالت في نيودلهي 3891 عدد 25 بقولها " ان الايمان بإله الحياة هو ايمان بالمحبة
وبالعدالة وبالسلام وبالحقيقة وبملء الوجود البشري. هو أيضاً شجب لكل أسباب عدم
أنسنة شعوب العالم الثالث، ومواجهة كل ما يهدد او يطفيء حياة البشر".
الله هو اله الفقراء
يصدح صوت الفقراء في كامل العهد القديم والله يسمع. والفقير في لغة العهد القديم هو
من لا يملك مصدراً لعيشه، وهو خاصة من ليس له ملجأ ولا معين يدافع عنه في وجه الغني
أو القوي الذي يظلمه ويستغله. هو الأرملة واليتيم والفاعل المياوم والعامل الغريب
والأعمى والمعاق الخ.
تقوم مسؤولية الملك في كل الشرق القديم عادة في "إحلال العدالة" لهؤلاء الفقراء، أي
حمايتهم وفي حال الضرورة الأخذ بثأرهم ضد ظالميهم. إن دور السلطة السياسية تكمن في
حماية الصغار، لأن الآخرين قادرون على حماية أنفسهم. ولكن في اسرائيل الله هو
الملك، وإن كان ملكه لم يظهر بملئه بعد بانتظار زمن المسيح أو الأزمنة النهائية،
فإن ذلك لا يعني أنه غير موجود. فالاهتمام بالفقراء هو هم الله الأول، المحتقرون
والبؤساء والمرضى هم جميعاً المفضّلون عند الله، ليس بسبب استحقاقاتهم بل لأن الرب
في جوهره إله محامٍ "ينصف المظلومين، ويرزق الخير للجياع، ويطلق الأسرى. يحرس
الغرباء ويعين الأيتام والأرامل" (مز 641: 7). ولأن هذا هو اهتمام الله فإنه يشكل
واجب المسؤولين أولاً، وواجب كل مؤمن أيضاً "لا تظلم الغريب ولا تضايقه، فأنتم كنتم
غرباء في أرض مصر. لا تسء الى أرملة ولا يتيم فإن أسأت اليهما وصرخا اليّ أسمع
صراخهما فيشتد غضبي" (خر 22: 20- 23). ومقياس الأمانة للعهد هو الاهتمام بالفقير.
هذا ما يذكّر به الأنبياء دون ملل، في معرض شجبهم للظلم كما لعبادة الوثن (راجع
عاموس 3: 13- 16؛ 10: 1- 2...).
حدود العهد القديم
من خلال الوصايا العشر طلب الله من الشعب أن يعترفوا به أوّلاً ذلك لأنه يعرف أن من
يبتعد عنه يبتعد في الوقت عينه عن كل أخلاقية، لأنه هو مصدر الأخلاق ومنبع الحياة.
لكن هذه الوصايا تحوّلت مع الوقت الى شريعة جامدة قاسية، فأُفرغت من معناها، وأصبحت
جثة بلا روح.
هنا تأتي الخطوة الإلهية الأعظم في طريق تطوّر الوعي الإنساني بحسب الكتاب المقدس،
والمتجسّدة بحياة يسوع المسيح، وموته وقيامته، ورسالة من آمنوا به وبتعليمه بتأثير
من الروح القدس. لقد أعلن يسوع منذ البداية أنه لم يأت لينقض ما سبقه بل ليتممّه
(متى 5: 17- 19). علّم يسوع بسلطة، دون عنف ولا ضعف، وقد شرح ان الإلتزام الأخلاقي
الذي يرضي الله لا يقوم بالأعمال بل يبدأ بالنوايا. من هنا فإن جرائم القتل والزنى
... تبدأ أولاً في الداخل قبل أن تظهر للعيان. كذلك الأمر بالنسبة للصلاة والصوم
والصدقة وكل الفضائل الأخرى فإنها ليست مراءاة ليراها الناس. مع يسوع لم يعد هناك
تشريع ممكن لأنه نقلنا من المستوى القانوني الى مستوى حقوق الإنسان، ومن مستوى
الشريعة الموسوية أو المستوى الأخلاقي الى مستوى المحبة أي المستوى الروحي، هذا ما
يرمز اليه مثَل فعَلة الساعة الحادية عشرة، ومثَل الإبن الضال، وما يعلّمنا إياه
الرب من خلال عفوه عن المرأة الزانية، وبطلبه من بطرس الغفران سبعين مرة سبع مرات.
لقد رافق الله مسيرة الإنسان من الحياة الوحشية التي تطالب بحياتها على حساب حياة
الآخر، الى الدفاع عن حق الضعيف في وجه القوة، ثم الى وضع قوانين تحفظ حقوق الأضعف،
ومن ثم الى تحمّل مسؤولية القيام بواجباته تجاه الآخرين قبل المطالبة بحقوقه
الخاصة، حتى أنه تجسّد ليوضح للإنسان الأول ان المحبة تقوى على القانون، وأن حق
الإنسان الأول هو أن يكون محبوباً مغفوراً له.
يسوع آدم الجديد
يسوع آدم الجديد هو "صورة الله الذي لا يرى ، بكر الخلائق كلها" (كول 1: 15). مع
يسوع أصبحت دعوة كل إنسان ان يصير "مطابقاً لصورة الإبن" (رو 8: 29).
يسوع يظهر محرِّراً لشعبه
يسوع هو موسى الجديد (راجع الهرب الى مصر، عظة الجبل، التجلي...). انه الآتي ليعلن
البشرى السارة للفقراء، الآتي لينادي بالحرية للأسرى، وليعلن الوقت الذي فيه الله
يقبل شعبه (لو 4: 18- 19). وليست الشفاءات التي تممّها يسوع إلا آيات تظهر تحقيق
الوعود. فبين كشف الرب عن ذاته وبين التحرير علاقة وثيقة.
إن إعلان الإنجيل يحرر، لإنه يخلق أزمنة جديدة ويضع الانسان في مسيرة مع آخرين. لقد
دخل الله في التاريخ ليرسلنا لنحرر شعبه وليكتب التاريخ معنا.
إن الرجاء بالدخول يوماً الى الأرض الموعودة حيث "لا يكون حزن ولا صراخ ولا ألم"
(رؤ 21: 4) ليست أفيون الشعب، إنه كسر للقدر وخلق لدينامية الهية. اليوم هو يوم
بناء هذه الأرض. إن للتاريخ معنى ونحن قادرون على أن نكون صانعيه.
يسوع نفسه هو البشارة الجديدة
بيسوع أصبح الله مشابهاً للبشر، به أُبرم العهد بين الله والبشرية. صار يسوع واحداً
منّا، كأحد الذين لم تحترم حقوقهم. هنا يكمن الخلاص، لأن اللقاء مع الله يكمن في
اللقاء مع الجائعين والعطاش، مع العراة والمرضى، مع الغرباء والمسجونين "كل ما
تعملونه لأحد هؤلاء الصغار، فلي تعملونه" (متى 25).
قدّم بيلاطس يسوع المرذول والمحكوم عليه بالموت والمكلَّل بالشوك للعالم قائلاً :
"هذا هو الرجل". ويرد عليه صوت قائد المئة وكأنه صدى "كان هذا حقاً ابن الله".
أن نرى في كل انسان محتقر ومعذَّب ومرذول ابناً للّه ، هل هناك سبب طاريء أكثر من
ذلك للدفاع عن حقوق هذا الانسان؟ وقد وثق الله في الوقت عينه، بهذا الانسان مهما
كان خاطئاً "قصبة مرضوضة لا يكسر ، وعوداً مدخناً لا يطفيء" (متى 12: 20).
يسوع الى جانب الفقراء
"هو الذي في صورة الله ... أخلى ذاته آخذاً صورة العبد" (فيل 2: 6- 7). في معرض
رفضه لمسيحانية القوة، لم يركّز يسوع رسالته على السلطة السياسية ولا على الأغنياء
والقوة الاقتصادية، ولا على القوى المسلّحة، حتى ولا على السلطة الدينية. لقد أتي
ليخدم، فوضع ذاته في خدمة الأصغر. هذا ما نراه من خلال اختياره للرسل، ومن خلال
ممارساته اليومية مع الجموع، والمرضى والخطأة. ولكي يشبّه ملكوته، أعطى مثلاً
الأطفال، والكنعانية التي تطلب فتات طاولة الأبناء، والأرملة التي أعطت فلسها،
والسامري الذي جعل من نفسه قريباً للرجل المتروك على قارعة الطريق، والعشّار
والخاطئة. أعاد لكل شخص كرامته. قدّر ايمان الكنعانية، وقدرة الأطفال على دخول
الملكوت، وكرم الأرملة الفقيرة وبذل السامري لذاته، قدَّر حقيقة السامرية ورغبتها،
كما قدَّر حب الزانية. أخرج من شفاهم من عزلتهم : تبعه ابن طيما الأعمى الجالس وحده
الى جانب الطريق مع الجموع؛ وأرسل البُرص الى الكهنة ليُظهروا شفاءهم والمسكون
ليبشر مدينته. من الرعاة الى اللص التائب، كل المنبوذين مدعوون لأن يصبحوا من
تلاميذه. مات يسوع ليشهد بأي جدية يجب علينا احترام الآخر وتحرير الضعيف، مات يسوع
كي تحلّ العدالة، وموته أكبر شهادة على عدم انسانية مجتمعاتنا البشرية، موته شهادة
لنا تؤكد انه من المستحيل احقاق واحة من السعادة والراحة ان استخففنا بالآخر أو
سمحنا باستغلاله.
لقد طوّب يسوع الفقراء ليس لكونهم فقراء، بل لأنهم لا يظلمون. طوّب المضطهدين ليس
لأنهم مضطهدون بل لأنهم لا يضطهدون. من خلال التطويبات التي تؤكد أن الضعيف والفقير
والمظلوم هم ورثة الملكوت، يظهر التناقض مع مجتمعاتنا العنيفة، لا تبرر التطويبات
الألم والأسى بأي شكل من الأشكال، بل تعلن أن الانسانية ما زالت هدفاً يجب أن نعمل
لتحقيقه. فعدم الانسانية موجود والانسانية هي في طور التحقيق، فإن كانت ولادتها
عسيرة ومؤلمة فذلك لأن عدم الانسانية يحيط بنا من كل جانب.
إن صليب يسوع هو نبوءة تعلن ان الانسانية تولد من التأمل في ولادة صعبة. لا يمكن
للانسانية أن تكون شيئاً تلقائياً، طبيعياً. انها نتيجة جهد دائم من أجل السيطرة
على العنف الذي يملك على كل علائقنا الانسانية.
خاتمة
لا يمكن لحقوق الانسان ان تتحقق دون أن تمر بعمل جاد لأنسنة المجتمعات، ولبناء عالم
أكثر عدالة كل من موقعه. لكننا لا نستطيع أن نحققه إلا سوياً، مع الآخرين، مع أكبر
عدد ممكن من الناس.
إن كلمة الله لا تتركنا نرتاح. انها نور، وقوة، وتحدٍ للسير دائماً قُدماً، من أجل
الدفاع عن كرامة هذا الانسان، رجلاً وامرأة وطفلاً، هذه الانسانية الغالية جداً في
نظر الله. بدفاعنا عن حقوق الانسان، نكون تلامذة من أراد ان تكون لنا الحياة وافرة
(يو 10: 10) لأنه نبع الحياة (يو 4: 14)، وخبز الحياة (يو 6: 35)، وهو من يعطي
الحياة للعالم (يو 6: 33، 15)، وقد وضع في قلوبنا الرغبة في أن نرى حياة كل من
أخوتنا محترمة مصانة.
فالانسان مدعو من خلال القيامة أن يصبح إنساناً جديداً. لقد شفيت الانسانية بقيامة
المسيح فصار الانسان في مسيرة للولادة الجديدة. بالقيامة تغيّرت كل القيم القديمة
القائمة على التمييز والحواجز أمام الحياة فلم "يعد هناك يهودي ولا يوناني، لا عبد
ولا حر، لا رجل ولا امرأة، لأنكم جميعاً واحد بالمسيح يسوع" (غلا 3: 28). إن
الكنيسة هي جماعة الانسان الجديد والعالم الجديد الذي دشّنته القيامة. والتحدي
اليوم هو ممارسة العالم الجديد.
هل من عنف في الكتاب المقدّس؟..."
يتضمّن العهد القديم أكثر من ست مائة مقطع نرى فيها شعوباً وملوكاً وأشخاصاً يدمرون
بعضهم بعضاً ويتنازعون. كما أننا نرى إله العبرانيين بالذات يأمر أكثر من مرة
بالمجازر، ويشجع على الحرب، فيسبّب غضبه أكثر من ألف مرة الدمار أو الانتقام.
إنّ عدد المصطلحات المرادفة للعنف يبلغ المائة تقريباً في الكتاب المقدس كلّه:
فنستطيع القول من دون مبالغة بأن موضوع العنف يشكل أحد المحاور الرئيسية في الكتاب
المقدس.
سنعالج أولاً موضوع العنف في العهدين القديم والجديد، ثم نتطرق إلى مفهوم "السلام"
كجواب ممكن على مأساة العنف.
العنف في العهد القديم
يفتتح الكتاب المقدس تاريخ العنف البشري مع جريمة قتل: وهي جريمة قاين (تك 4: 1-
8). في الواقع يكشف هذا الحدث رغبة قاين في أن يكون محبوباً ومباركاً مثل أخيه
هابيل. وهذا الحدث يفسّر منهجية العنف: إن أردنا أن نتملك شيئاً ما، نتمثل بصاحبه،
وإذا رغب اثنان في الشيء نفسه، تدخّل العنف.
وإذا استعرضنا تاريخ تكوين شعب إسرائيل، نلاحظ أنّ:
لم يتم احتلال أرض كنعان من دون عنف وتدخل عسكري ومجازر (يشوع 10: 4؛...). أما
الحكم الملكي، فيحلّ فيه النظام العسكري، ويشنّ داود الملك حروباً هدفها الانتشار
وتثبيت الحدود، كما سيفتتح انشقاق الملكتين، بعد وفاة سليمان، تاريخ عنف، داخل
إسرائيل بين الشمال والجنوب، وخارجها ضد الأعداء والدول المجاورة. وسيؤدي هذا العنف
إلى دمار السامرة، ثم أورشليم. وسيستمر تاريخ الدمار هذا حتى أيام الاحتلال
اليوناني، لا بل الروماني.
لكن عنفاً آخر يواكب أيضاً تاريخ الشعب: وهو العنف الناتج من استغلال الفقراء
والمساكين، من نبذ الأرامل واليتامى، من عبادة الأوثان ورفض الطاعة لله. هو العنف
الذي تسببه الخطيئة، خطيئة الشعب الذي يتمرّد على الله ... ليثير "غضبه".
إن قمّة العنف عند البشر هي أن يلقوا على الله صورة عنفهم الشخصي...
يذكر الكتاب المقدس 168 مرة الغضب الإلهي. وسببه هو تصرف الإنسان الخاطئ (مز 78:
40). لكن غضب الله يأتي كنتيجة عدله وحبته، تلك المحبة الإلهية التي يترجمها الكتاب
المقدس ب "الغيرة الإلهية". يرد 30 مرة التعبير "أن إله غيور"، فيحذّر من عبادة
الأوثان وفسخ العهد بين الله وشعبه. إن هذا التصرف يجعل الله يعاقب شعبه، فيوجه
عنفه ضده وضد الأمم التي تتعدى عليه.
يدخل هنا مفهوم الحرب "المقدسة"، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدعوة إسرائيل الإلهية
إلى أن يكون شعب الله المختار. ونرى أولى تطبيقاتها في الأحداث العسكرية التي رافقت
الخروج من مصر: ستُعتبّر هذه الحروب حروباً مقدسة: حروب من أجل الله وحروب الله.
فهي لا تسعى إلى نشر الإيمان، بل هدفها أن تؤمن استمرارية الشعب وبقاءه. يحارب
إسرائيل إذاً بصفته شعب الله: فالله هو المستولي على جيشه (خروج 14: 41؛ 1 صم 7:
26)؛ وهذا يعني أنّ الله نفسه يتحرك في وسط المعركة (تث 23: 14).
فمن هو هذا الإله الذي يحارب وينتقم (مز 137: 8- 9)؟ والذي يقبل سفك الدم ويباركه؟
(أش 34: 5 ي؛ ار 49: 17؛ يوء 4: 19؛ ملا 1: 3 ي).
ستأخذ صورة العنف يوماً بعد يوم، مع الأنبياء، بعداً روحياً: يؤكد الأنبياء أن
العنف لن يبقى من دون عقاب إن لم يوضع حدّ له (هو 4: 1- 3؛ عا 5: 22- 24).
ويشدَّد العنف، وإن حُكم عليه، يبقى مقترناً بوجه العقاب والجزاء.
وستبرز أيضاً نظرة مختلفة للعنف في صورة الله الذي يشارك الانسان في معاناته ويتأثر
بها. فيرتبط مصيره بمصير شعبه: هو بالتالي الزوج المنبوذ والأب المهان والصديق
المغشوش. لكنه مستعد دائماً للسماح: "أنت استعبدتني بخطاياك وأسأمتني بآثامك. أنا
أنا الماحي معاصيك لأجلي وخطاياك لا أذكرها" (أش 43: 24- 25). ويقول زكريا:
"سينظرون إلى الذي طعنوه" (زك 12: 10)، وهو يتكلم عن مرسل من عند الله، عن ملك
وراعٍ متواضع وبلا عنف؛ سيحتقره إسرائيل وينبذه (زك 9: 9)؛ لا بل سيعتبر الله نفسه
مهاناً من خلال مرسله: "من يمسّكم يمسّ حدقة عيني" (زك 2: 12؛ 11: 13).
ستتبلور هذه النظرة بصورة مأسوية مع نشيد الكرم، حيث تصف أربعة أناشيد (أش 42: 1- 4
(+ 5- 9)؛ 49: 1- 6؛ 5: 4- 9 (+ 10- 11)؛ 52: 13- 53: 12) وجه شخص ذي مصير مميز:
يتألم هذا الشخص بسبب رسالته النبويّة؛ فيعاني العنف من قبل البشر الذين يعذبونه
(أش 50: 6)، ومن قبل الله الذي جعل عليه خطيئة البشر (53: 1- 11). وسيبدو هذا العنف
وكأنّه عنف "استبدالي": يتألم الخادم من أجل الآخرين ومكانهم: "طعن بسبب معاصينا
وسحق بسبب آثامنا، نزل به العقاب من أجل سلامنا وبجرحه شفينا" (53: 5، 12).
سيجسد أخيراًَ هذا الواقع الأليم شخص يسوع المسيح: سيتوضح بتعليمه وأعماله، لا بل
يلقي موضوع العنف جواباً حاسماً.
العنف في العهد الجديد
من البديهي أن يقال إنّ العنف مذكور في العهد الجديد: مقتل الأطفال الأبرار (متى 2:
13- 28)، استشهاد يوحنا المعمدان (مر 1: 27)، رواية الالآم والصلب، اعتقال الرسل في
أعمال الرسل، الاضطهادات التي عاناها بولس...
لكن بالمسيح تعالج جذور العنف: ليست جريمة القتل فقط ممنوعة، بل كل كلمة عنيفة وكل
شتيمة أيضاً (متى 5: 22)؛ وحب الأعداء يحلّ محل شريعة العين بالعين والسن بالسن
(متى 5: 38- 47).
أما اعنف لا مكان للمساومة: هناك وسيلة واحدة لتقبّل هذا النداء وهي التتلمذ للمسيح
(مر 10: 17- 52). لكن هذا التتلمذ يدعو إلى شنّ حرب عنيفة على سيّد هذا العالم (يو
12: 31؛ 14: 30؛ 16: 10)، في سبيل إنشاء ملكوت الله وإقامة السلام الحقيقي.
ستتميّز حياة يسوع الأرضية بهذه المقاومة:
يستخدم يسوع القوة، لا بل العنف ضدّ الأغنياء (لو 6: 24- 26)، والفرنسيين (متى 23:
1- 36)، وضد باعة الهيكل (مر 11: 15- 17)؛ يقاوم أعداءه (متى 26: 53، لو 22: 38؛ يو
18: 6)، وينجو من حيلهم (مر 8: 11)، ومن اعتدائهم عليه (لو 4: 29،...).
لكن، عندما سيشتعل العنف بصورة حاسمة عند البشر، لن يحاول يسوع التهرب منه، بل
سيخضع له معلناً حبه للبشر حباً ملئه التواضع والمسامحة.
إن الموت لا يلغي العنف، لكن اجتيازه سيجعل المسيح ينتصر عليه: "آخر عدوّ يبيده هو
الموت، لأنّه أخضع كل شيء تحت قدميه" (1 كور 15: 26- 27).
مع موت المسيح، يكتشف البشر أن لا عنف عند الله، بل أنّ الله يدين العنف بلا قيد
ولا شرط.
أمام الصليب، كل محاولة عنف تفشل...
لكنّ السلام المسيحاني الذي يفتتحه شخص يسوع المسيح لن يلغي روح المقاومة والعنف في
حياة الكنيسة والمؤمنين. والبرهان على ذلك تلك المصطلحات العسكرية الواردة في كتب
العهد الجديد (يو 15: 18- 21؛ 2 كور 10: 4؛ 1 تيم 1: 18؛ فل 2: 25)؛ وحتى في ذكر
"الأسلحة" (1 تس 5: 8)؛ يصف أفسس 6: 10- 17 بوجه خاص هذا الصراع بأنّه ضد الشيطان
وحيله. وتلك الأسلحة هي أسلحة العدل (2 كور 10: 4)؛ أسلحة النور (روم 13: 12)،
والتي تضمن النصر للكنيسة.
ليس هذا الصراع موجّهاً نحو الخرج فقط، ضدّ عدو معتد، بل هو موجّه أيضاً إلى تجاوز
حدود الإنسان الداخلية، من أجل تحقيق مشيئة الله بصورة أكمل. إنّ هذه المقاومة
تحركها فضيلة أو قوة تتخطى المنطق العسكري، فهي "قوة من عُل" (لو 24: 49)، ينالها
المسيحي الذي "يستطيع فعلاً كل شيء" إنّما "بالذي يعطيه القوة": يسوع المسيح (فل
14: 14).
يصف العهد الجديد يسوع المسيح بأنّه "إله السلام" (7مرات عند بولس)، و"رب السلام"
(2 تس 3: 14)، و"جاء وأعلن بشارة السلام" (أف 2: 17). فما هو مفهوم هذا السلام
ومضمونه البيبلي؟ وهل يشكل ردّاً مباشراً على مأساة العنف؟
السلام البيبلي
إنّ السلام في مفهوم العبرانيين هو أولاً هبة أساسية من الله. كما هي.
فعلى الصعيد الشخصي، يحتوي مصطلح السلام مفهوم "الخير"، الخير الذي يرافق الصحة
الجسدية والهناء العائلي. وهذا الوضع "الخيري" هو ثمرة بركات إلهيّة تصحب وتحمي
المؤمن والبار طول أيام حياته: فيعيش بسلام يترجمه في انسجامه التام مع الطبيعة ومع
نفسه ومع الله.
أما على الصعيد الاجتماعي وال "ياسي، فالسلام يخصّ الشعب كلّه، وضمانه هو في غياب
العنف والحرب أو التهديد بهما.
لكن الأمن الخارجي لا يكفي: فالسلام مرتبط أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالعدالة. وهذا ما
سينادي به الأنبياء (عاموس وأشعيا وإرميا): "إنّ نتيجة العدالة هي السلام" (أش 32:
17). لكنّه سلام لا يمكن تحقيقه في زمن البشر. فالسلام الحقيقي هو هبة نهائية
–بالمعنى "الأخيري"- من الله. هو سلام لا يستطيع الإنسان أن يختبره الآن إلا إذا
دخل في زمن انتظار وإيمان: على أعقابه، ستكفّ الحرب بين الأمم (أش 2: 1- 5؛ مي 4:
1- 4؛ أش 9: 1- 8)، ويتمّ اتحاد الشعوب الديني والشامل حول مدينة الله، أورشليم (أش
66: 22- 24). يرتبط هذا السلام الأخيري بشخص "المسيح" وعمله. "سيكون هو السلام" (مي
5: 4)؛ ويصفه أشعيا ب "ملك السلام" الذي سيتّسم "ملكه العظيم" ب "سلام لا ينتهي"
(أش 9: 5- 6)؛ وسيعزز العدالة بين الأمم (42: 1- 4)، ناشراً الخلاص حتى أقاصي الأرض
(أش 49: 6)؛ وبصفته "عبد الرب"، سيعمل بخضوع تام لله، خضوع يقوده إلى تضحية كاملة
"من أجل خلاصنا" (أش 53: 5).
وسيتحقق هذا السلام المشيحاني مع مجيء يسوع المسيح.
تعلن بشرى السلام، منذ بداية الإنجيل، في نشيد الملائكة للرعاة: "المجد لله في
الأعالي وعلى الأ{ض السلام" (لو 2: 14). السلام الذي لا يعني بالضرورة إزالةالحروب
أو المحن، إذ سيقول المسيح: "لا تظنوا إني جئت لألقي على الأرض سلاماً" (متى 10:
34؛ لو 12: 15).
لكنه سلام مقترن بعمل خلاصي: "ولد لكم اليوم مخلّص" (لو 2: 11)؛ وهذا الخلاص يحلّ
خصوصاً في مغفرة الخطايا: "هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم" (متى 1: 21)؛ سلام مرتبط
إذاً بعمل تبرير ومصالحة، مصالحة الله مع البشر.
إنّ عبارة "إذهبي بسلام" التي يوجهها يسوع إلى المرأة النازفة (مر 5: 24)، أو إلى
المرأة الخاطئة (لو 7: 50)، تحمل هذا المضمون الخلاصي؛ وهذا ما يبرز بقوة تتجاوز كل
إدراك في تحية القائم من بين الأموات: "السلام لجميعكم" (لو 24: 36؛ يو 20: 19- 20؛
26). هو سلام مرتبط بالحياة، ملء الحياة، وهو بذلك يعاد إلى الموت؛ وبه سيتمّ
الانتصار الكامل والأخير على "كل قوات العدو" (روم 16: 20).
إنّ هذا السلام يدعو إليه المسيح علناً في التطويبات عندما يقول: "طوبى لفاعلي
السلام": ليس هنا أن نحلم بعالم وهمي، لكن أن نقوم ب "عمل" بنّاء في عالم تهزّه
التناقضات والأنانيّات.
ومحرّك هذا السلام هو المحبة... كما ستظهر بقوة في تعاليم يسوع وأعماله. المحبة
التي ليست "عواطف فارغة"، بل طاقة فعّالة وبنّاءة. طاقة تستطيع أن تحوّل الإنسان
الأناني والعنيف إلى الإنسان يعيش المسامحة، وقادر بالتالي على أن يحوّل العالم من
العدوانيّة والدمار إلى... عالم تضامن وأخوّة.
الأب سمير بشارة اليسوعي
البقيّة الباقية
تمهيد:
لماذا اخترنا هذا الموضوع في إطار الأيام البيبليّة "كرامة الإنسان وكلمة الله؟"
اخترناه لسببين: الأول لأن كرامتنا الحقيقيّة هي أن نكون من البقيّة الأمينة التي
تناضل لتحقّق رغبة الربّ يسوع.
الثاني: لأنّ موضوع البقيّة مطروح على الضمير الانساني العام هذه الأيام ولأن
كثيراً من المؤمنين يتساءلون، وربّما يخافون من الواقع الذي يقلّص الأعداد ويجعلهم
أقليّة.
البقية الباقية ليست طبعاً لا الأقلية ولا الفضلة التي بقيت للربّ. نتطرّق في هذا
البحث، الذي يستعرض كلّ الكتاب المقدّس، إلى مفهوم الكلمة عبر الكتاب وتطوّر معناها
منذ الخلق إلى الأنبياء وصولاً إلى وجه السيّد الذي اختصره. ونحاول أن نستنتج
أساسات المعنى الذي يطرحه يسوع المسيح لبقيّة العهد الجديد.
مفهوم كلمة بقيّة
نجد في الكتاب المقدّس عدّة معان لمفهوم كلمة بقيّة:
أ- نجد مرادفاتها ككلمة سلالة وسائر والبقيّب بالمعنى العادديّ (تك 45: 7؛ عز 3:
8؛ 4: 3، 7، 9، 10، 17؛ نح 2: 16؛ 4: 8، 13: 6: 1، 14؛ 10: 29؛ 11: 1، 20؛ 1 مك 3:
35) أو البقيّة من كميّة المال (عز 7: 18، 20). ولكنّ المعنى العميق للبقيّة لا
نجده غلاّ بعد أن تعرّض الشعب لخبرة الانكسار الكبير أمام أشور وبابل وعاش خبرة
السبي. من هنا مفهوم البقيّة الناجية والمختارة فيما بعد.
ب- البقيّة الناجيّة: هي البقية التي نجت من كارثة ونجاتها هي على الصعيد الجسدي
والزمني.
القبائل الضعيفة أمام قوّة السلطة التي تجتاحها وهي بدون حماية. من هنا نشوء
الالتجاء إلى قوّة إلهية تدافع عنها فتحافظ على المجموعة وتعطيها فرصة البقاء
والاستمرار في العدد والقوّة والغنى.
كل النصوص السومرية والأكادية والحثيّة والأوغاريتيّة والمصريّة تأتي عى ذكر ما
فعلته الحروب الخاضعة فأخضعت شعوباً ومحت أخرى وبقيت بقيّة. ونرى آثارها في مختلف
الأنواع الأدبية: التاريخي والنبويّة وكتب العبادة والرسائل والإحصاءات الرسمية،
والأساطير... ويرى المسّرون أن أصل فكرة البقيّة يأتي من السياسة الأشوريّ التي
كانت تستحق وتبيد الشعوب التي تهزمها. أما البعد الدينيّ لكلمة بقيّة فهو يتلخّص
يتجاذب بين قناعتين: 1) أن الكارثة هي قصاص من قبل الله. 2) وأن البقيّة هي الجسر
بين تشاؤمية ترى مستقبل (الشعب) إسرائيل الذي يتعرّض للكارثة وبين تفاؤلية تعد
الشعب بالسعادة والازدهار.
ج- البقية المختارة: وهي البقيّة المختارة بالنعمة، أي النخبة الديني في واقع الشعب
السوسيولوجيّ. وهي الفئة الحيّة في نظر الله والوحيدة التي تمثّل الكلّ وتحمل
مستقبل إسرائيل الدينيّ. هذه البقيّة المختارة تعيش إلى جانب الآخرين من بني
إسرائيل وهم موتى روحياً.
كلمة بقيّة في العهد القديم
أ- نصوص التقاليد القديمة
مع نصّ الخلق، نحن أما شموليّة في الفعل وفي نوعيّته وفي أبعاده. يقول الكتاب: "قال
الله: لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلّط على سمك البحر وطير السماء
والبهائم وجميع وحوش الأرض وكل ما يدبّ على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته،
على صورة الله خلق البشر، ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم الله، فقال لهم: أنموا
واكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوا وتسلّطوا.... ها أنا أعطيكم كل عشب... وكل شجر..."
(تك 1: 26- 29). خلق الله كل شيء وأعطى كل شيء. وفعله الشامل لا يستبقي شيئاً ولا
ينتظر أن يبادل إلاّ بالشموليّة. ولكن واقع الخطيئة غيّر انتظار الله ولم يبقى له
سوى بقيّة.
وبالنسبة إلى نصّ الطوفان (ت 6: 5- 7)، نوح هو البقيّة بالنسبة للبشريّة كلها،
فاسرائيل كشعب لا يوجد بعد. والتقليد اليهويّ يعرض منذ البداية مفهوم البقيّة على
أنها في قلب التدبير الإلهيّ للبشرية كلها.
أما في نصّ تشفّع ابراهيم لسدوم وعمروة (تك 18: 23- 32) هنا أيضاً هذا النصّ
اليهويّ يضع أساسات مفهوم البقيّة المختارة. ليس المقصود شعب إسرائيل لكن أمّة
وثنيّة، فإما أن يخلص الجميع أو أن يهلك الجميع ولا نزال في مفهوم المسؤولية
الجماعية، لكنّ عدداً صغيراً من الأبرار، عشرة، يكمن أن يُعطي الخلاص لجماعة خاطئة.
نرى البُعد التمثيلي (representative)،
والفدائي (erdemptrice)
لعدد صغير.
ونصّ يوسف مع إخوته: "فقد أرسلني الله قدامكم ليجعل لكم بقيّة في الأرض وليستبقي
لكم نجاة عظيمة" (تك 45: 7) يتكلّم أيضاً عن بقيّة تُخلّص بأمانة واحد من خلال
آلامه.
ب- أما في باقي الكتاب المقدّس:
نقرأ في سفر القضاة عن جدعون الذي يُحضّر للمعركة، فأخذ ثلاثين ألفاً من الشعب.
فتدخّل الربّ ليقول له إن عدد الذين معه كثير "لئلاّ يفتخر عليّ بنو اسرائيل
ويقولوا "أيدينا خلّصنا" (قض 7: 2). وطلب الربّ من جدعون أن يُترك الرجال إلى الماء
ليشربوا، وقال له: "كل من شرب بلسانه كما يشرب الكلب أقمه ناحية، وكذلك كل من ركع
على ركبتيه ليشرب" (قض 7: 5). وقال له الرب: "هؤلاء الثلاثمئة رجل الذين شربوا
بأيديهم أخلّصكم" (قض 7: 7).
مع إيليا النبيّ (1 مل 19: 18 المذكورة في روم 11: 4).
الشعب تخلّى عن العهد وألغى العبادة لإله إسرائيل وبقي إيليا وحده (1 مل 19: 10،
14). وإيليا يذهب إلى حوريت حيث يتجلّى الله ويُفهمه أنه ليس وحده الباقي أميناً
كما كان يظنّ. الله أبقى له 7000 رجل لم يركعوا أمام البعل. هذا الرقم 7000 صغير
ولكنه يرمز إلى الملء. وتدبير الله يكمّل مع هذه البقيّة الناجيّة وليس مع كل
الشعب.
مع عاموس النبيّ نحن أمام نظريتين لكلمة بقيّة واحدة سلبيّة ترى عظمة الكارثة التي
تقلّص عدد الشعب (3: 12) وتُنذر بنهايته (4: 2، 3، 11) وتنذر حتى بنهاية البقيّة
(9: 1)؛ وواحدة إجابيّة ترى أن الدمار ليس شاملاً (9: 8- 10) وترى إمكانية الخلاص
الذي يمكن للرب أن يُعطيه. (راجع 5: 15، 3) ويخلّص بقيّة يوسف إن تابت ويعد بمستقبل
مجيد لشعب موحّد ويعد بخلق جديد (9: 11- 15) فالخلاص ليس حقاً للشعب على الله بل
نعمة منه هذه النظرة الإيجابية سوف تتطوّر لتصبح قناعة نبويّة يعلنها عاموس: وحدهم
الأشرار يبيدون (9: 8- 10) ويُبنى من جديد مجد مملكة داود (9: 11- 15؛ راجع هوشع 2:
20- 25).
مع إشعيا كلمة بقيّة عند النبيّ إشعيا لا تزال موضوع جدل بين مفسّري الكتاب المقدّس
منهم مَن يظنّ أنها غير موجودة عند النبي ومنهم يؤكد أنها تحتلّ المركز الأساسي في
نبوءته.
بالنسبة لأشعيا، كلمة بقيّة ليست فقط مستعملة لشعب إسرائيل فبابل له بقيّة (14: 22)
والفلسطينيّن (14: 30) وموآب (15: 9؛16: 14) وأرام (17: 3) وقيدار (21: 17). ولكنّ
هذه البقيّة هي أيضاً سوف تهلك أو على الأقل تصير أقليّة إشعيا يؤكد أن لإسرائيل
بقيّة (6: 13) وأنها الودعاء (14: 28) وأنّ بيت داود هو المختار (28: 16- 17) وأنّ
الهيكل أيضاً مختار وهو مكان سكنى يهوه في صهيون (8: 18).
ويؤكد أيضاً بقيّة ستعود رغم ضياع الملك والشعب وتهديدات أشور. فالله المثلّث
التقديس هو قدّوس اسرائيل وهو يسكن في صهيون وسط شعبه (6: 1، 8: 18) البقيّة تشارك
في قداسة الله (4: 3؛ 6: 3؛ 10: 17- 22، 37: 4)، وقربى الله من شعبه تميت الأشرار
وتتطلّب تطهيراً وندامة (6: 5؛ 1: 11- 18). وهذه الندامة يعبر عنها بالإيمان الذي
يجعل الشعب يصمد وينجو من الكارثة التي تعاقب الشرّ (7: 9؛ 28: 16). والبقيّة هي
جماعة التائبين والمؤمنين التي يحمّلها النبيّ مسؤولية مستقبل العدالة والاستقامة
والأمانة لصهيون (1: 26- 27)، وهي جماعة عبيد الربّ (65: 8)، "قال لي أنت عبدي
اسرائيل الذي به أتمجّد" (49: 1- 6). إسرائيل هو الجزء الحيّ من الشعب والمدعوّ لأن
يغيّر الشعب الخاطئ. هذه الدعوة يصوّرها إشعيا وكأنها تحققت بشخص وحيد، سري يجسد في
ذاته هذه البقيّة الروحيّة المختارة وكل شعب إسرائيل ويتمّم باسمه ولأجله عمل
الخلاص (النشيد الرابع) الذي يمتدّ إلى أقصي الأرض (الأول والثاني).
هذا العبد (53) ليس اسرائيل بما أن دعوته هي جمع شمل اسرائيل (49: 5) وتعليمه (50:
4- 10) وصبره (50: 6) وتواضعه (53: 7) يجعلاه قادراً على تقديم نفسه وتحقيق تدبير
الله من خلال آلامه (53: 4- 10) وتبرير الخطأة من كلّ الأمم (53: 11، 8).
أنبياء القرن السابع
ميخا يرى البقية في الشعب المُنقّى والمُطهّر لأيام المسيحانية والذي صار أمّة
عظيمة (4: 7) وهو سبب بركة أو لعنة للشعوب بحسب موقفهم منه مثل دور ابراهيم ونسله
(تك 12: 3).
صفنيا يرى أن تأديب الربّ يُبقي على بقيّة متواضع وفقيرة تجد ملجأه في اسم الربّ
ولا تقترف ظلماً ولا كذباً (3: 12- 13). وهذا التجديد في الإيمان يطاول الوثنيّين
أنفسهم (3: 9، 19).
إلتمسوا الربّ يا جميع ودعاء الأرض الذين عملوا بأحكامه. أطلبوا العدل. أطلبوا
الوداعة. فلعلّ الربّ يستركم في يوم غضبه" (2: 3). وأبقي في وسطكم شعباً بائساً
ومسكيناً فيتّكلون على اسم الربّ. بقيّب إسرائيل إثما ولا يتكلّمون بالكذب ولا يوجد
في أفواههم لسان غش لأنهم يرعون ويربضون ولا مُخيف. ترنّمي يا ابنة صهيون، اهتف يا
اسرائيل، فرحي وابتهجي بكل قلبك يا ابنة أورشليم" (3: 12- 14).
بالنسبة إلى إرميا: تأديب الربّ في الماضي والحاضر جعل إسرائيل بقيّب (6: 9؛ 24: 8؛
39: 9) ويصل حجتى إلى القول إن هذه البقيّة أيضاً سوف تستحق (15: 9). ويتكلّم عن
الشعب المسبيّ الذي صار بقيّة وعن حالته التي تشبه الموت (8: 3). وهذه البقيّة
تُعطى وعد الغفران والحياة من جديد (23: 3؛ 31: 7؛ 5: 20).
قبل إرميا كانت كلمة بقيّة تشير إلى جزء الشعب الذي بقي في أرضه المقدّسة نسبة إلى
الذين ماتوا أو سبوا إلى بابل. وهذه البقيّة كانت تحمل الرجاء في وعود الله لها.
أما إرميا فهو يُعطي دور حمل الرجاء للذين هجّروا إلى بابل (24: 5- 7 مقارنة مع 24:
8- 9) ليس أن المسبيّين يفوقون إخوتهم في القداسة، لكن لأن الله سيحقّق فيهم هذا
التحوّل الداخليّ الذي سيوصلهم إلى التوبة (24: 5- 7)، مع إرميا يتعمّق مفهوم
البقيّة: لا يزال يسمّي البقيّة جماعة الناجين من السبي والباقين في الأرض المقدّسة
(40: 11؛ 42: 15؛ 44: 12؛ 6: 9؛ 15: 9) ويسمّي البقيّة أيضاً جماعة المسبيّين
والحاملين الرجاء المسيحاني (24: 1- 10) والمجد المستقبليّ (23: 3؛ 31: 7؛ 11: 23؛
40: 11).
إرميا يذهب بعيداً: يقول إن باراً واحداً يكفي لخلاص أورشليم: "سأجعلك في وجه هذا
الشعب سوراً من نحاس حصيناً، فيحاربونك ولا يقدرون عليك، لأني معك لأخلّصك وأنقذك
يقول الربّ" (15: 20).
حزقيال
حزقيال يعطي كلمة بقية للناجحين الباقين في الأرض المقدّسة (9: 8؛ 11: 13) ولكن
خبرة السبي (سنة 587) جعلته يفهم أنّ الناجحين ليسوا أفضل من الذين ماتوا (6: 8؛
12: 15؛ 14: 21). وحدها الدينونة تفضل البقيّة عن سائر الشعب (20: 35- 38؛ 34: 17-
20). وينسب أيضاً صفات البقيّة للمسبّين ويُنبئ بتوبتهم التي تفعلها نعمة الله (6:
8- 9). وغالباً ما لا نجد حتى بقية عند حزقيال (6: 12؛ 5: 10؛ 17: 21) لكنّ المشكلة
الأساسية عند حزقيال هي نوعيّة هذه البقيّة: هل هم صالحون (9: 4؛ 14: 12- 20) أو
خطأة (14: 21- 23؛ 12: 16؛ : 8- 9)؟ بالنسبة إلى مفهوم المسؤولية الشخصية التي أنبأ
عنه، يظهر أنّ الصالحين وحدهم يخلصون (3: 1- 21؛ 18: 1- 23؛ 10- 20). البقيّة عند
حزقيال هي جماعة الأبرار الموسومين بعلامة (9). ويأتي خلاص البقيّة بنعمة من الله
الذي يعطي لشعبه قلباً جديداً وروحاً جديداً (3: 24- 32).
سفر التثنية
يجمع ما تركه إرميا وحزقيال ويؤكّد أنّ الشعب يصير بقيّة صغيرة لأنّه خطئ (4: 27)
نسبةً لما أورده في الفصل 28: 1- 14 "وان سمعت سمعا لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل
بجميع وصاياه التي أنا أوصيك بها اليوم، يجعلك الرب إلهك مستعلياً على جميع قبائل
الأرض وتأتي عليك جميع هذه البركات وتدركك إذا سمعت لصوت الرب إلهك.
يقيمك الرب لنفسه شعباً مقدساً كما حلف لك إذا حفظت وصايا الرب إلهك وسلكت في طرقه.
فيرى جميع شعوب الأرض أن اسم الرب قد سمي عليم ويخافون منك. يفتح لك الرب كثرة
الصالح السماء ليعطي مطر أرضك في حينه وليبارك كل عمل يدك فتقرض أمما كثيرة وأنت لا
تقترض. ويجعلك الرب رأساً لا ذنباً وتكون في الارتفاع فقط ولا تكون في انطاط إذا
سمعت لوصايا الرب إلهك التي أنا أوصيك بها اليوم لتحفظ وتعمل".
طاعة الشعب هي التي توصله إلى الازدهار والسعادة وخيانته توصله إلى التعاسة والعدد
القليل بعد أن كان مثل نجوم السماء.
بعد السبي
النبي يوئيل يستعمل لغة العبادة ليتكلّم عن البقيّة فيقول إنها مباركة تدعو اسم
الربّ (3: 5) وتتقدّس بالصوم "اضربوا بالبوق في صهيون قدّسوا صوما نادوا باعتكاف.
اجمعوا الشعب قدّسوا الجماعة احشدوا الشيوخ اجمعوا الأطفال... ليبكِ الكهنة خدّام
الرب بين الرواق والمذبح ويقولوا: اشفق يا رب على شعبك ولا تسلم ميراثك للعار حتى
تجعلهم الأمم مثلاً. لماذا يقولون بين الشعوب أين الههم؟"
أمّا في سفري عزرا ونحميا فكلمة بقيّة تعني الأعداد المتبقيّة من سلسلة المواليد
(عز 3: 8؛ 4: 3، 7، 9، 10، 17؛ نح 2: 16؛ 4: 8، 13؛ 6: 1، 14؛ 10: 29؛ 11: 1، 20)
أو البقيّة من كميّة المال (عز 7: 18، 20).
ولكنّها أخذت منحىً لاهوتياً في صلاة عزرا (9: 8، 13، 15) وعنت البقيّة التي رحمها
الله ونجّها لتعود وتبني أورشليم والهيكل: "ما نحن إلاّ عبيد، وفي عبوديّتنا تتركنا
يا إلهنا، بل جعلت ملوك الفرس يرحموننا ويمنحوننا حياة حتى نبني هيكلك ونرمّم
خرابه، ونجد لنا ملجأ وأمانا في يهوذا وأورشليم" (عز 9: 8- 9).
النبي حجّاي يتكلّم عن البقيّة الحاليّة والبقيّة المستقبلّية. شعب الله صار بقيّة
صغيرة بسبب خطيئته ولكن البقيّة هي ثمرة رحمة الله التي أبقتها. وهذه البقيّة هي
خاطئة وإن لم تتب فهي تزرع كثيراً وتحصد قليلاً، تأكل ولا تشبع، تشرب ولا ترتوي،
تكتسي ولا تدفأ والذي يأخذ أجرة يلقيها في كيس مثقوب (حج 1: 6).
أمّا زكريا النبي فيقول إنّ الله لا يضنُّ بهذه البقيّة ولكنّه يطلب منها العدل
والحق والأخوة والأمانة ليُنعم عليها بوعود العهد والخلاص (8: 11- 12 و16- 17) "أما
الآن فلا أعمل بقيّة شعبي كما في تلك الأيام، يقول الرب القدير. بل يزرعون زرعهم
بسلام، فيعطي الكرم ثمرة والأرض غلّتها والسماء نداها، وأورّث بقيّة هذا الشعب جميع
هذه الخبرات... وهذه هي الأمور التي يجب عليكم أن تعلموها: كلّموا بعضكم بعضاً
بالحق واقضوا في محاكمكم بالعدل ليحلّ السلام، ولا تفكّروا شراً في قلوبكم، والواحد
على الآخر، ولا تحبّوا يمين الزور. فهذه جميعاً أكرهها، يقول الربّ".
والبقيّة المستقبليّة يتكلّم عنها عوبديا "وفي جبل صهيون تكون النجاة، وهو يكون
مقدّساً، ويرث بيت يعقوب ميراثهم. يرث العائدون من السبي من بني إسرائيل ما
للكنعانيّين إلى صرفة... ويصعدون على جبل صهيون منتصرين ليدينوا جبل عيسو ويكون
الملك للربّ". (عو 17، 20- 21).
يميّز كاتب سفر المكابيين بين كثيرين من بني إسرائيل الذين تبعوا دين الملك أنطوخوس
وذبحوا لأصنام ولم يحفظوا الشريعة وبين الاسرائيليين المُخلصين الذين بقوا أمناء
للعهد "فكان عليهم الاختباء والبحث عن أماكن يلجأون إليها (1مك 1: 43، 53). هذا
النصّ يحدّد أن اسرائيل هم الذين يُطيعون شريعة الله مهما كانت الظروف والضغوطات.
دانيال أيضاً يضع اللذين يعرفون إلههم في مواجهة مع الذين يخالفون العهد (11: 32-
35).
أما سفر المزامير فيجعل من كلمة إسرائيل مرادفاً لكلمة أنقياء القلوب "الله صالح
للمستقيمين، صالح لأنقياء القلوب" (73: 1). والشعب هو الفقراء والمساكين "هلّلويا
له في جماعة الأتقياء... الربّ يرضى عن شعبه ويمنح المساكين خلاصه" (مز 149: 1، 4).
والأنقياء هم المختارون.
جماعة قمران ترى أن الشعب خاطئ والربّ أبقى له بقيّة مختارة، وهذه البقيّة هي جماعة
قمران، الجزء الوحيد من شعب إسرائيل الذي بقي أميناً، بينما بقيّة الشعب فمصيرها
الزوال. ويرى كتّاب قانون الجماعة أن الخطأة سيضمحلّون بالدينونة الآتية، ووحدها
جماعة الأسينيّين تبقى، وهي البقيّة الناجية. ولكن في الزمن الحاضر، فالبقيّة
والخطأة يعيشون معاً. والبقيّة المختارة هي التي تبقى بعد دينونة الله.
بالنسبة لقمران الخطأة في إسرائيل لم يكونوا يوماً مختارين. وهذه النظرة كانت على
الأرجح منتشرة أيام يسوع. وكانت جماعات كثيرة تدّعي أنها البقيّة وأنها إسرائيل
الحقيقيّ.
صفات البقيّة في العهد القديم:
تجد نعمة في عينيّ الربّ (تك 6: 8)، لا تجثو للبعل ولا تقبّله (1مل 19: 18)، تشرب
دون أن تركع (قض 7: 6)، هي صغيرة (إش 1: 9)، تدعى مدينة العدل والقرية الأمينة...
تُفدى بالحق وتائبوها بالبرّ (إش 1: 25- 28)، وإن قطعت فلها ساق... وساقها زرع
مقدّس (إش 6: 13)، تنجو من الغضب (إش 7: 9)، تصبر وتنتظر الربّ (إش 10: 21)، تكون
قليلة صغيرة لا كبيرة (إش 16: 14)، يكون الرب إكليل جمال وتاج بهاء لها (إش 28: 5)،
تحتمي في صهيون التي أسّسها الربّ (إش 14: 32)، محمولة من الرحم على الربّ (إش 46:
3)، يرسلهم الربّ إلى الأمم فيخبرون بمجده (إش 66: 19)، تسبّح وتقول خلّص شعبك (إر
31: 7)، تخرج بنون وبنات من ينظر طريقهم وأعمالهم يتعزّى من ينظر طريقهم وأعمالهم
يتعزّى (حز 14: 22)، تبغض الشرّ وتحبّ الخير وتثبّت الحق (عا 5: 15)، البرّ إلههم
يتعهّدهم (صف 7: 2)، وديعة (صف 2: 3).
شعباً بائساً مسكيناً يتوكّلون على اسم الربّ... (صف 3: 12)، لا يفعلون إثماً ولا
يتكلّمون بالكذب ولا يوجد في أفواههم لسان غشٍ (صف 3: 13)، لا تضيّع الهدف (خروج
32: 28؛ عدد 17: 14؛ 21: 6؛ 25: 9)، عنها غيرة على الربّ (حجاي 1: 14)، عنيدة
وأمينة، ترجو وتصبر.
مع يسوع ومنطق العهد الجديد
نقرأ كلمة بقيّة 6 مرّات في العهد الجديد، أربعة منها تأتي بمعنى آخرين (بقيّة
العذارى، متى 25: 11؛ بقيّة أصوات الأبواق، 8: 13؛ بقيّة الناس الذين لم يُقتلوا،
رؤ 9: 20؛ بقيّة الأموات، رؤ 20: 5).
ولكنّ المعنى العميق للكلمة تجسّد وتوضّح في وجه الربّ يسوع.
نقرأ هذا المعنى من خلال كلّ الإنجيل، ولنا محطة مهمة نتوقف عندها وهي مثل
الكرّامين كما رواه الإنجيليّ مرقس: "فما بقي للرجل سوى ابنه الحبيب. فأرسله إليهم
في آخر الأمر وقال: سيهابون ابني. لكنّ الكرّامين قالوا في ما بينهم: ها هو الوارث،
تعالوا نقتله فيعود الميراث إلينا. فأمسكوه وقتلوه ورموه في الخارج الكرم" (مرقس
12: 6- 8).
نقرأ، من خلال هذا المثل، التدبير الذي رافق البشرية منذ أن أوجدها الربّ بمبادرته
المحبّة والمجانية. خلق الله كل شيء وسلطنا على كل شيء وأنتظر أن نعترف به خالقاً
ومعطياً ومحباً، ونحن بادلناه بالتحدي ونكران الجميل وودنا لو أننا نأخذ مكانه
ونصير آلهة لأنفسنا. وعبر خبرة الشعب أيضاً، لم يبق له إلاّ بقيّة لم تبحث للبعل
ولم تحنِ الركب لتشرب ولم تضع لها آلهة وتعبدها. والسيّد لم ييأس منّا ولا قطع
الرجاء، بل بقي يرسل لنا الكلمة بفم أنبيائه الأمينين. وصارت دائرة الخليقة تصغر
تدريجياً إلى أن حُشرت بوجه ابنه الحبيب فأرسله وصار هو البقيّة، وحقق شخصه ملء
رغبة الآب لنا في الحياة والفداء والسلام. وولدت من موته البقيّة الجديدة المتتلمذة
لإنجيله.
ويعود الفضل إلى القديس بولس، وهو الفرّيسيّ والعالم بالشريعة، في توضيح مفهوم
البقيّة في العهد الجديد. نقرأ في الفصول 9- 11 من رسالته إلى أهل روما دراسة
لاهوتية كتابية تعرض الأسئلة التي تطرحها الكنيسة الناشئة وتحلّلها وتربطها بالكتاب
وتصل إلى وجه المسيح الذي بتجسّده وتعليمه كشف البرقع وصار للبقيّة مفهوماً آخر
ودوراً آخر.
ينطلق القدّيس بولس من ملدأ أن كلّ بني إسرائيل ولا كل الذين من نسل إبراهيم هم
أبناء إبراهيم (9: 6- 7). فالإنتماء إلى نسل إبراهيم ضروريّ ولكنّه غير كافٍ.
والإيمان بيسوع المسيح هو غاية الشريعة (10: 4) والغاية هنا بمعنى النهاية وبمعنى
الهدف. والشريعة هي الكلمة، والكلمة هي قريبة منك (10: 6- 8؛ تث 30: 14) وهي المسيح
الذي تستطيع لقياه دون أن تكون بحاجة للصعود إلى السماء ولا للنزول إلى الجحيم سبيل
الوصول إليه هو الإيمان (10: 9) والاعتراف به يجعل الناس إسرائيل الحقيقيّ.
العدد القليل من اليهود الذين آمنوا بيسوع المسيح هو البقيّة المختارة بالنعمة داخل
الشعب سليل الآباء الذي لا يزال موجوداً. وهذه البقيّة تمثّل كلّ إسرائيل وهي
البواكير وهي أيضاً الجذور (11: 16) التي تعطي القداسة لبقيّة الشعب الذي سيخلص
(11: 25- 32).
يُقارن بولس بين البقيّة من مرحلة الأنبياء وبين يهود القرن الأوّل الذين آمنوا
بالمسيح ويسميّهم "الذين اختارهم الله" (1: 7 أ)، وسيمّي الذين لم يؤمنوا بالمسيح
"الآخرين" (11: 7 ي). وبعد أن أعطاهم الأولويّة في بداية الرسالة "لليهوديّ أولاً
ثمّ لليونانيّ" (1: 16)، يعود ويضعهم بعد الأمم في معرض كلامه عن عدم إيمانهم:
"نقول إنّ الأمم الذين ما سعوا إلى البرّ تبرّروا هذه الخطوة الأولى يضع فيها
القديس بولس مفهوم البقيّة على بساط البحث.
ويستنتج: أنّ شرط استمرارها من نسل إبراهيم هو أن تؤمن بيسوع المسيح.
وينتقل إلى تحليل آخر يعرضه في صورة الزيتونتين (رو 11: 13- 34): زيتونة طبيعيّة
وهي إسرائيل وزيتونة بريّة وهي الأمم، تلك حال العالم قبل الخلاص الذي حقّقه يسوع
المسيح. قُطعت الأغصان التي لم تؤمن وطُعّمت الأغصان البريّة لتشارك الفروع الباقية
في الأصل الذي يمثّل اليهود المؤمنين بيسوع المسيح.
ويستنتج من خلال هذا التحليل تطوّراً نوعيّاً أنّ البقيّة ليست فقط من شعب إسرائيل
بل هي مجموعة الذين آمنوا من اليهود ومن الأمم. ومن هنا فلا تفتخر الفروع على الأصل
لأنّه هو الذي يحملها ولا الأصل يفتخر لأنّه كفر (11: 18- 19). والله قادر أن يطعّم
من جديد الذين سقطوا (11: 23).
فَهِمَ بولس أنّ وجه السيّد هو تجسّد البقيّة ومنطقها الجديد وأرضها المقدسة وشرط
بقائها. وكان استنتاجه الثالث: كلام عن الشريعة الجديدة التي علّمها يسوع (الفصول
12- 15): شريعة النعمة التي تتلخّص بكلمة المحبّة، أخذها من كتاب اللاوين (لا 19:
15) وكتبها بعبارات العهد الجديد "لا يكن عليكم لأحد دَين إلاّ محبّة بعضكم لبعض،
فمَن أحبّ غيره أتمّ العمل بالشريعة" (رو 13: 8- 10).
ماذا يطرح يسوع المسيح؟ هل من بقيّة؟
1- عاشها وحقّقها في شخص: أخلى ذاته واتّخذ صورة العبد، صار شبيهاً بالبشر.. (فيل
2: 7- 9)
يسوع جاء من البقيّة المنتظرة أخذ المكان الأخير واختار أن يولد من الفقراء
وكالفقراء (يو 2: 1- 20) ويبشّر الفقراء (لو 4: 18). وعاش بين تلاميذه كالخادم (يو
13) وقَبِلَ أن يُعامل كلصّ (لو 22: 37) ويموت على الصليب (مر 14: 24). حقّق في
شخصه كلّ ما قاله الأنبياء عن العبد (إر 1: 5؛ 15: 20؛ 11: 19؛ إش 53) وصار بكراً
لأخوة كثيرين (رو 8: 29؛ 1كو 15: 20).
1- في تعليمه: طرح يسوع في تعليمه نوعيّةً تجعل كلّ الناس من أهل بيت الله، قال
إنّنا أبناء والأبناء يقيمون في البيت لا الأجراء (يو 8: 31- 35). في منطق العهد
الجديد مفهوم البقيّة ليس عدديّاً ولا الفضلة بل نوعيّة وجود وحضور.
البقية هم الذين يقبلون: "أمّا الذين قبلوه، المؤمنون باسمه، فأعطاهم سلطاناً أن
يصيروا أبناء الله، وهم الذين ولدوا لا من دم ولا من رغبة جسدٍ ولا من رغبة رجلٍ،
بل من الله" (يو 1: 12- 13). والبقيّة تتخطّى كونها من أبناء إبراهيم، لأنّ الله
قادرٌ أن يجعل من الحجارة أبناء لإبراهيم (مت 3: 9)، لأنها من سلالة يسوع النسل
الحقيقيّ لإبراهيم (غل 3: 15: 29).
قال لها إنها نور وإنها ملح (متى 5: 13- 4)، وكِلا الرمزين يفتحان آفاقها على
النوعيّة ويُبطلان مفهوم الاعداد والكميّة. فلا النور تستطيع حصيه متى وضعته في
الأكل ليعطيه نكهته. وقال إنها خميرة، والخميرة صغيرة وصامتة وفاعلة في الانحجاب
والتفاعل الصبور وتخمّر العجين كلّه (متى 13: 33). وهي القطيع الصغير الذي يشجّعه
(لو 12: 32)، وحبة الحنطة تقبل الموت لتعطي حبّاتٍ كثيرات (يو 12: 24). وهي موكب
المساكين الصانعين السلام (متى 5: 1، 9)، والأرملة التي أعطت فلسها (لو 21: 2)، وهي
الخبز لأنّها جسده المكسور والمُعطى لحياة العالم (لو 22: 19). وقال بولس رسوله
إنّها رائحة المسيح الطيّبة (2 كور 2: 14- 15)، والرائحة أيضاً، أنت تفرح بها وتنعش
من خلالها ولكنك لا تعرف كمّها ولا يمكنك وضع يدك عليها.
مع المسيح صار الأتقياء، وصانعوا الرحمة، من أي دين كانوا ومن أيّة خلفيّة فكريّة
أو عرقيّة أو إنسانية، صاروا هم البقيّة التي يجد فيها فرحة ووجهه. مع المسيح
انفتحت إلى الأبد وإلى ما لا نهاية، آفاق الانتماء إليه، وصار شرط الانتماء إليه أن
تكون في جوّه، جوّ منطق الحبّ الذي علّمه في شخصه وفي حياته. هذه هي البقيّة اليوم
التي ينتظر منها أن تغّير وجه العالم.
ماذا يطلب منها؟
يطلب منها أولاً أن تؤمن بما ينتظره منها وتجتهد في تحقيقه لأنّ الزمان سيّء (2 تيم
3: 1)، وأن تكون باكورة (يع 1: 18). يطلب منها أن تكون أحكم من أبناء هذا العالم
(لو 16: 8) لأنّها كالخراف بين الذئاب (لو 10: 3).
يطلب منها ألاّ تخاف الذين يقتلون الجسد (متى 10: 28) بل أن تعطي برهان الرجاء (1
بط 3: 15)، وأن تقف وترفع رأسها أمام الاضطهاد لأنّ خلاصها قريب (لو 21: 28).
يطلب منها أن تكون وجهه المضاعف في وجوه الناس والمختفي فيهم.
يطلب منها أن تكون طعمة وطعماً وتطعيماً: الطعمة كلّمنا عنها المعلّم لمّا قال إنها
على صورة الخبز الطيّب الذي ينضج في النار والملح الضروريّ لتمليحه والخميرة التي
تُخمّر العجين، والنور الذي يجعل الأشياء الموجودة مرئيّة ويقوي على كل العتمة.
وكلّ هذه الرموز التي شبّهنا بها هي قائمة في علاقتها مع العالم: نحن لا نأكل
الخميرة وحدها ولا الملح وحده ولا نقعد نتغزّل بالنور بل نحتاجه لنرى.
أما الطُعم، وهو الجزء من الأكل أيضاً نضعه لنصطاد، فصورته تأتي قبول السيّد أن
يصير طعماً للموت ويُميته. ويقول الذهبيّ الفم إنّ الجحيم تمرمرت لمّا ذاقت جسد
الربّ وألغيت وماتت. على هذه الحال يريدنا المعلّم طعماً للموت والشرّ والعنف
والظلم. وهنيئاً لنا إذا "أكلونا" لأننا ما فعله السيّد معه وعلى مثاله.
وصورة التطعيم تأتي من تفسير بولس الرسول لإخوته في روما (روم 11: 17). ويقول إنّ
الزيتونة البريّة تُطعّم على الأصل الطبيعيّ. المطلوب منّا هو أن نكون أولاً من
الأصل الطبيعيّ، أبناء الإيمان بيسوع المسيح الذي هو الأصل. ومطلوب منّا أن نطعّم
الأغصان البريّة حتى لا يبقى في الدنيا أي غصن برّي في العالم غريباً من بيت الآب.
والرموز الثلاثة فيها وجع: وجع الإمحاء (صورة الأكل) ووجع الجرح (صورة التطعيم).
وهذا أساس إيماننا: نحن أحبّاء يسوع الذي قَبِلَ أن يُجرَح ليشفي جراحنا. من هنا
وفقط من هنا، نحن لا نعود نخاف قلّة العدد وتُلغى كلمات اليأس من قاموسنا لأنّنا
نصير رائحة الطيّبة (2 كور 2: 1- 15)، والرائحة هي نوعية لا يمكن حبسها ولا عدّها!
يطلب منها ألاّ تحسب نفسها فوق الآخرين لأنّها خميرة والخميرة تفعل من الداخل وفي
الصمت، وإلاّ تشتهي احتواء الآخرين واستردادهم فتحبِسَ ذاتها في تقوقعات عرقيّة
ودينيّة بل أن ترى الخليقة، كلّ الخليقة التي تئنُّ وتتمخّض ليتصوّر فيها وجه
المسيح (روم 8: 22).
يطلب منها أن تكون من الذين يقبلون بمنطق جاذبية النعمة. وجاذبية النعمة تتطلب قبول
الفراغ وتُترجمه إلى لغة الدهر الآتي. فتصير السلطة أخوّة، والتكديس عطاء وشركة،
والتملّك تخلّ، والعددية نوعيّة. ولغة الملكوت هذه تصيّر الدنيا بداية للملكوت.
ويطلب منها أن تفهم وتؤمن أنه وحده الحيّ الباقي إلى الأبد (مز 102: 26- 27؛ مز
110: 4؛ إش 9: 6؛ دا 7: 14؛ رؤ 11: 15)، وهي تبقى إن أقامت فيه وأقام فيها، كما
صلّى بولس الرسول من أجل الكنيسة في أفسس:
"أتوسل إليه أن يقوّي بروحه على مقدار غنى مجده الانسان الباطن فيكم، وأن يسكن
المسيح في قلوبكم بالإيمان، حتى إذا تأصّلتم ورسختم في المحبّة، أمكنكم في كلّ شيء
أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعلو والعمق، وتعرفوا محبة المسيح
التي تفوق كلّ معرفة، فتمتلئوا بكلّ ما في الله من ملء" (أف 3: 16- 19).
القسم الثاني
المقالات
1- ساراي وهاجر وابرام، علاقة مثلّثة من العنف.
2- اختبار العنف، درب إلى الرقّة والسلام
3- وجه الإنسان في العهد القديم
4- الإنسان الجديد في العهد الجديد
5- العدالة والقضاء في الكتاب المقدس
ساراي وهاجر وابرام علاقة مثلّثة من العنف
حين نقرأ الفصل السادس عشر من سفر التكوين، نكتشف ثلاثة أشخاص ساراي أو سارة، أي
الأميرة، لما لها من مركز في قلب زوجها. ابرام الذي سيصبح ابراهيم، أي أبا شعوب
كثيرة، على ما قال الله له: بك تتبارك جميع قبائل الأرض. هاجر، الأمة المهاجرة،
التي ظلّت غريبة في بيت سيّدها. الزوج ابراهيم. الزوجة ساراي. الأمة ستصبح زوجة
لفترة محدودة، هاجر. وكل هذا يدور حول ولادة اسماعيل الذي أراد الكاتب الكهنوتيّ أن
يعيد له مكانته في إطار وطنيّ يريد أن يبعد سائر الأمم عن علاقة مع الإله الواحد.
اسماعيل هو نسل إبراهيم، شأنه شأن اسحق. واسحق لم ينل الوعد وحده، بل وُعد ابنُ
هاجر أيضاً بنسل كبير أيضاً: "كثيراً أجعل نسلك حتى لا يُحصى لكثرته" (تك 16: 10).
وهذا النسل قال فيه الملاك لهاجر: "أنتِ حبلى وستلدين ابناً فتسمّينه اسماعيل" (آ
11).
في إطار هذه الأيام البيبلية التي شدّدت على احترام الشخص البشريّ، على كرامته وعلى
حرّيته على دور كل شخص بمفرده، أردنا أن نقدّم لمحة عن علاقة مثلّثة عرفها الشرق
الأوسط القديم، حيث للرجل أكثر من امرأة. وهذا الوضع لم يكن اسثنائياً. من لا يعرف
قصة الأختين راحيل وليئة مع يعقوب زوجهما، وحنّة (أم صموئيل) وفنّنة مع أبيمالك،
حيث كانت صاحبة الأولاد تُغضب المحبوبة وتهينها لأنها عاقر (1 صم 1: 5- 6)؟ هذا لا
يعني أن الكتاب المقدّس يوافق على هذا الوضع، مهما كانت التبريرات اللاحقة. ففي مثل
هذه الزواجات يسيطر العنفُ، لا عهدٌ بين رجل وامرأة يقول فيهما الله كما في البدء:
"يصير الاثنان جسداً واحداً" (تك 2: 24).
1- العلاقة بين ابرام وساراي
يبدأ خبر هذه العلاقة منذ تك 11- 12، مع زواج يرافقه عقمُ المرأة، فيقول الكتاب
ويكرّر: "وكانت ساراي عاقراً". ثم يضيف: "لا ولد لها" (11: 30). هي لا تفعل شيئاً،
بل تكتفي بأن تكون في حال من الحالات، فتتميّز عن المرأة العاديّة ولكن يُذكر
اسمُها بشكل لافت، ساعت اختفى اسم جدّاتها، بنات سام، اللواتي ولدن البنين والبنات.
فشالح هو الذي ولد عابر، ولا تُذكر امرأته (111: 4). وعابر ولد فالح... وتتواصل
السلسلة حتّى ناحور، جدّ ابرام، الذي "ولد بنين وبنات" (آ 25). فالاسم يدلّ على
الشخص، ولا سيّما لدى المرأة التي تسمّى زوجة ذاك الرجل، بانتظار أن تصبح أم فلان.
كأن تصبح المرأة "أم اسحق" بعد أن كانت "زوجة ابراهيم". وهكذا يصبح اسمها كما تضيع
هويّتها، بعد أن تضيع تقاسيم وجهها وراء برقع كما كان الوضع مع رفقة، زوجة اسحق
(24: 65)، وتُجعل في خدمة رجل تنقاد له (3: 16).
أول مشهد نقرأ فيه العلاقة بين ساراي وابرام، يحصل عند وصولها إلى مصر (12: 10).
وجّه ابرام إلى ساراي صلاة. "أعرف أنك جميلة المنظر. فإذا رآك المصريون سيقولون:
هذه امرأته، فيقتلونني ويُبقون عليك. قولي إنك أختي، فيُحسنوا معاملتي بسببك
ويُبقوا على حياتي لأجلك" (آ 11: 12).
ما قاله ابرام لساراي يجعلنا نفكّر بما قاله آدم لامرأته دون أن يسمّيها: "هذه عظم
من عظامي، ولحم من لحمي. هذه تُسمّى امرأته، فهي من امرئ أُخذت" (2: 23). نلاحظ هنا
النقض الكبير في العلاقة. أولاً، لا يكلّم آدم امرأته في صيغة المخاطب، كما في
حوار، بل يكلّم نفسه. ثانياً، يجعل نفسه في الوسط، وكأنه هو أصل المرأة، "خالقها"،
بعد أن أُخذت منه. وهذا مع أن الراوي يقول إن الربّ أخذ الضلع من آدم وبنى المرأة،
وإن ذاك الذي جبل الرجل، بنى المرأة. ثالثاً، فُصلت المرأة عن الرجل، فلم يعد جزءاً
منه، ويجب أن تعود إليه كشيء يمتلكه، أو أمة اشتراها بماله. ومع ذلك، فهي امرأة من
امرئ، وعظم من عظم، ولحم من لحم، لا يريدها مميّزة عنه، بل تابعة له من دون شخصيّة
محدّدة. وفي النهاية، سيكون اسمُها حواء، أي تلك التي تلد، تُعطى الحياة. فكل امرأة
هي حواء. وبالتالي لا تتميّز عن أختها في علاقتها بزوجها وأولادها. هي في الخدمة
البسيطة، في امّحاء لوجودها الخاصّ وشخصيّتها بما فيها من غنى على جميع المستويات.
وقبلتْ حواء بوضعها. جعلها الله تجاه الرجل، من أجل الحوار (رج "ن ج د" في
العبريّة)، فصارت بجانب الرجل، كبعض متاعه.
ونعود إلى ابرام في ما قاله لامرأته. فهناك تقدّم بالنسبة إلى آدم. فأبرام لا
يتكلّم عن امرأته، في صيغة الغائب، بل يكّلمها في صيغة المخاطب: أعرف أنك أنت...
قولي أنت... تكلّم ابرام وانتظر الجواب. بل توسّل إلى ساراي. غير أن سارة لا تجيب،
لا تقول شيئاً، بل تطيع صامتة، مع أن ابرام يطلب منها أن تنكر أنها زوجته. هذه الذي
تركت شعبها وبيت أبيها ونسيتهم (مز 45: 11)، كما ترك الرجل أباه وأمّه (تك 2: 24)،
يُطلب منها الأن أن تعود إلى بيت أبيها وكأنها ما تزوّجت، أن تحسب نفسها فتاة يمكن
أن تتزوّج، وجمالُها الذي يلاقي جمال زوجها (مز 45: 12) صار موضع تجارة.
واعترف ابرام نفسه لماذا طلب من ساراي ما طلب: هكذا يُحسنون إليه. يستطيع أن يبقى
على قيد الحياة بفضل امرأته (تك 12: 13). تلك العلاقة التي أرادها الله للإنسان
لئلاّ يبقى وحده، فيمضي إلى الموت، حطّمها ابراهيم لينجو بحياته. نلاحظ هنا منطق
العنف (عند الرجل) بما فيه من أنانيّة كما نلاحظ موقف الضعف الذي لا يسمح للمرأة أن
تدافع عن نفسها وتكون أمام الرجل، لا جزءاً منه وامتداداً لشخصه، إن لم يكن رداً
على حاجاته ومخاوفه. قلق ابرامُ من المجهول (إذا رآك المصريون)، وترك دوره كزوج مع
ما في هذه العلاقة من محدوديّة، من أجل ما ظنّه خيراً له، دون التطلّع إلى الآخر.
ما تجرّأت ساراي أن تجيب زوجها. أخذوها من بيتها، وتفّق الخير على ابرام: "غنم،
بقر، عبيد، إماء، أتن، جمال" (12: 16). وكل هذا "بسببها"، من أجل سارة وكرامة
عينيها. ولكن النتيجة هي أن الأميرة صارت أمَة وجارية، بل صارت سلعة في التبادل.
ولكنّ النصّ يفتح نافذة رائعة، إن نحن قرأناه في حرفيّته، لا كما في الترجمات التي
لا تُبرز المعنى. ففي آ 16: بسببها، وفي آ 17: بسببها. ولكن يختلف الشخص عن الآخر.
في المرّة الأولى هو ابرام. وفي المرّة الثانية، فرعون. اللفظ العبريّ في آ 16: ب ع
ب و ر ه. عبر سارة. بواسطة سارة. وهكذا عبر ابرام بواسطة امرأته، فنال كل هذا
الخير. صارت المرأة وسيلة ناجحة. أما اللفظ العبري في آ 17 فهو: د ب ر. أي الكلمة.
هذا يعني أن ساراي التي لبثت صامتة، أمام ابرام، تكلّمت أمام فرعون. دافعت عن نفسها
أمام الله، وطلبتْ منه، فضرب فرعون وأهل بيته. ودافعت عن نفسها أمام فرعون. ما زالت
"امرأة ابرام" (آ17). دلّت على شخصيّتها، ورفضت كذبَ زوجها. فتفهّم فرعونُ وضعَها،
وأعاد المرأة إلى زواجها (12: 18- 19). وللمرأة الأولى أخذت ساراي مكانها بجانب
زوجها. فنقرأ في 13: 1: "فصعد ابرام... هو امرأته ولوط...". أما في 12: 1 فنقرأ:
"فرحل ابرام وذهب معه لوط". ذُكر الرجل دون المرأة. وبعد ذلك يقال: "أخذ ابرام
ساراي امرأته".
نلاحظ في هذا الخبر كيف يحكم الكاتب الملهم على من كلّمه الربّ ووعده بالبركة (12:
2). بدا فرعون أفضل منه، فقرأ الأحداث وفهمها كنداء من الربّ. بالبركة (12: 2). بدا
فرعون أفضل منه، فقرأ الأحداث وفهمها كنداء من الربّ وبشكل خاص سمع لسارة، كلّمها
وما فرض عليها إرادته إلى النهاية. أما ابرام فاتخذ قراره، ولم يتنظر جواب امرأته،
وربّما دموعها. فكّك ابرام الرباط الزوجيّ حفاظاً على حياته، وطلباً لمنافع ماديّة.
أما فرعون فأعاد هذا الرباط. ويبقى العامل الأهمّ ساراي، التي تكلّمت. فلو ظلّت
صامتة في خنوعها وإذلالها والمتاجرة بها، لما كان تصرّف الفرعون كما تصرّف، وهو
يجهل أن ساراي هي امرأة ابرام. ولكن الإنسان لا يتعلّم فيقع في الخطأ عينه. فمع أن
ابرام ذُلّ، وطُرد كما يُطرد سارق، عاد إلى الخبرة عينها مع أبيمالك، ملك جرار.
فاحتال وراء قرابة بعيدة، مستنبَطة أو حقيقيّة، وقال: سارة "هي أختي" (تك 20: 2).
وانكشفت الحقيقة في تدخّل إلهيّ. فخاف أبيمالك ورجاله خوفاً عظيماً (آ 8) من الله،
ساعة قال لهم ابراهيم: ظننتُ أن لا وجود لخوف الله في هذا المكان" (آ 9). وما حصل
لإبراهيم سيحصل لإسحق. خاف أن يقول: هي امرأتي. فقال: هي أختي (تك 26: 7). استعدّ
اسحق هو أيضاً أن يضحيّ برباط الزواج وعلاقته مع امرأته رفقة، بسبب الخوف. أما
أبيمالك فأعلن: "من مسّ هذا الرجل أو امرأته فموتاً يموت" (آ 11).
2- بين هاجر وساراي
هنا نعود إلى تك 16: 1- 16. كيف بدت ساراي تجاه هاجر؟ منذ آ 1، نقرأ: "وأما ساراي،
امرأة ابرام، فلم تلد له". نلاحظ هنا الانتقال. في 11: 30 ب قرأنا: "لا ولد لها".
فالأمُّ تجد ملء شخصيّتها حين يكون له ولد. أما هنا (16: 1) فنقرأ: "لم تلد له".
فالولد لا يكون لها، بل لرجلها. فالولد يخصّ ابرام، وساراي أيضاً تخصّه، لهذا تصرّف
بها كما تصرّف في مصر. ما زالت الطريق طويلة أمامه قبل أن يفهم فرادة علاقته مع
ساراي، سواء ولداً أم لا.
بما أن لا ولداً لابرام، سوف يُفعل المستحيلُ لكي يكون له هذا الولد، دون الأخذ في
الاعتبار بشخص ساراي. هنا يبرز شخص هاجر التي ترتبط بابرام عبر ساراي سيّدتها. هي
إشارة إلى ما ناله ابرام بسبب امرأته من "عبيد وإماء" (12: 16). ولكن ما يلفت
الانتباه، هو أ، هذه الأمة لها اسم، هاجر. والراوي في هذا الخبر يُسمّي هذه الأمّة
دوماً باسمها، ليدلّ على أنه يرى فيها المرأة تجاه الرجل. رج آ 3، 4، 15، 16. هنا
نشير إلى ما قاله رابي راشي (1040- 1105، مفسّر التلمود)، بأن هاجر كانت ابنة
فرعون. فاستعاد ما يقول مدراش ربا: "حسب رابي شمعون بر يوحاي (تلميذ رابي عقيبة،
القرن الثاني)، كانت هاجر ابنة فرعون. فالملك الذي رأى داخل بيته معجزات تمّت من
أجل سارة، أخذ ابنته وأعطاها إياها قائلاً: "خيرٌ لابنتي أن تكون خادمة في هذا
البيت من أن تكون من سيّدة في موضع آخر". ثمّ توضح النصوص أن هاجر أعطيت كتعويض عن
الإساءة التي حصلت لسارة حين أخذها الفرعون.
الوضع صعب بالنسبة إلى سارة. فاتخذت المبادرة لتؤمّن النسل لزوجها. وقد تكون خافت
على نفسها. فدعت زوجها كي يشاركها في مواجهة هذا الوضع. قدّمت الواقع: هي عاقر.
ولكنها فسّرت هذا الواقع، فجعلت الله معنياً بشكل مباشر بهذا الأمر: إن هو وعد
أبرام بنسل، وإن كانت زوجة ابرام لم تعطه ولداً، فهذا يعني أن الربّ لا يريدها أن
تكون أم أولاده. تلك هي وجهة. غير أن هناك وجهة أخرى تتعلّق بساراي في حياتها
كامرأة: إن كان الربّ منعها من الولادة، فهذا المنع ليس سلبياً فقط، ولا دلّ على
الحرمان. فالعقر يمكن أن يحمل لها ثمار حياة في علاقتها ابرام.
وبعد أن فسّرت ساراي وضعها، قدّمت حلاً. وهكذا احتلفت عن ابرام الذي وضع ثقته في
الربّ (15: 6). فوجدت الحيلة: "جارتني، لعلّ الربّ يرزقني منها بينين" (16: 2).
فقدّمت جواباً بشرياً اعتاد عليه الشرق القديم. وسوف تمارسه راحيل وليئة، امرأتا
يعقوب، فتقول راحيل حين تلدُ بلهةُ جاريتُها ليعقوب ابنا: "سمع الله لصوتي ورزقني
ابناً" (تك 30: 6). إن المشكلة من عند الله. والوعد من عند الله. ومع ذلك، لم تصبر
ساراي، فوضعت أملها في الوسائل البشرية. وما الذي دفعها إلى مثل هذا العمل؟ هنا
نعود إلى الأصل: ا و ل ى. ا ب ن ه. م م ن ه: أي لعلّي ابني منها. أو لعلّه يكون لي
ابن منها. إذن، هناك معنيان يتكاملان. إذا كانت ساراي ترجو أن يكون لها ابن بفضل
جارتها، فلأنها ترجو أيضاً أن "تُبنى" كامرأة بفضل هذه الأمومة البدليّة. ونتذكّر
خبر الخلق في تك 2: 2 حيث يقال أن المرأة بُنيت (و ي ب ن). أخذ الربّ الضلع وبنى
المرأة. بناها في ذاتها قبل أن تكون أماً. ثم إن مبادرة البناء لا تعود إلى المرأة،
بل إلى الله الذي جعل المرأة تجاه الرجل.
وإذا طلبت سارة ما طلبت، فبالنظر إلى شهوتها. وهي أن يكون لها ولد مهما كان الأمر
فاستعملت هاجَر كوسيلة لتصل إلى هدفها. بل استعملت ابرام نفسه بقدر ما ابرام هو
عنصر في مخطّط ساراي. في أي حال، لا يسرع ابرام في القيام بما طلبتْ منه. فالنصّ
يقول: "أخذت ساراي، امرأة ابرام، هاجر المصريّة، جاريتها، وأعطتها لابرام لتكون له
زوجة" (16: 3). هل سألتها رأيها؟ لا شكّ في أنها لم تفعل. بل تركت الشهوة تلعب
دورها. ولكن مثل هذا الموقف سيعود بالشرّ على ساراي.
في هذا الإطار، سقطت ساراي وارتفعت هاجر. استعملت الأميرةُ العنف، فارتدّ عليها.
استعملتْ هاجرَ كغرض. أخذتها كشيء من الأشياء. وأعطتها لابرام. غير أن هذا العمل
منح الجارية وضعاً لم تكن لتحلم به من قبل. شدّد النصّ فقال: هي المصريّة. هي جارية
ساراي، فصارت زوجة ابرام، وبالتالي السيّدة، في ما يتعلّق بابرام "زوجها". أملتْ
ساراي أن تُبنى، فإذا هي تُذلّ وتنحدر. وحين أحسّت بالنتائج الملموسة لهذا الاذلال،
حاولت أن تستعيد المبادرة.
3- ابرام بين هاجر وساراي
ما نلاحظ في حيلة ساراي، هو أن أبرام الذي نعمَ بما قدّمته له ساراي (له زوجة)، لا
يفعل شيئاً. أخذت هاجر، فنظر إليها تفعل. أعطته هاجر، فما تحرّك ولا تكلّم ولم يعمل
ما يعمله الرجل العديّ الذي يُدخل امرأة أخرى في قلب علاقته مع امرأته. كان
بالامكان أن يقول النص: "أعطتها لابرام فأخذها زوجة له". كلا. بل تركها تفعل. يبدو
أنها استسلم للقدر، بعد أن وصل اليأس إلى قلبه. فلتفعل ساراي. المهمّ أن يكون له
ولد. وهكذا التقتْ شهوةُ الرجل مع شهوة المرأة. هذا الذي آمن بالربّ فبرّره الله
لايمانه (15: 6)، ترك الأمور تسير مجراها البشريّ، لا مجراها الالهيّ.
في آ 4، صار ابام فاعل الأعمال، بعد أن كانت ساراي صاحبة المبادرة وهو ينفّذ لها ما
تطلب في انفعال يُدهش القارئ. "دخل على هاجر"، كما يدخل الرجل على امرأته. طلبتْ
منه ساراي أن "يدخل على جارتيها"، أما هو "فدخل على هاجر". أخذت ساراي "هاجر
المصرية جاريتها" وأعطتها له، أما هو فأقام علاقة مع "هاجر". نحن هنا أمام ذهاب
الرجل إلى امرأته، ى أما امتلاك شيء أُعطيَ لابرام. فوجود الاسم مهمّ جداً وهكذا لم
يتّحد ابرام بالغريبة ولا بالجارية، بل بهذه المرأة التي اسمها هاجر. وحين دخل
ابرام في "لعبة" ساراي، لم يفعل كما فعلتْ، ولم يعتبر الجارية غرضاً يؤخذ ويُعطى.
بل رأى فيها شخصاً يُحترم. فكأني بهذا العنف الذي تصرّفت به ساراي، لم يجد تجاوباً
عند الرجل. وهذا ما سوف يغيظها جعلتْ زوجها أمام الأمر الواقع والخطر المهدّد.
وأدخلت بالقوّة، لا بالاقناع، امرأة في علاقتها مع زوجها، فكانت النتائج قاسية
جداً، بحيث ستقول لابرام: "غضبي عليك" (16: 5).
كرّم ابرام هاجر حين دخل عليها، فحبلت. هنا نعود إلى الفعل العبريّ في جذره القريب
ممّا في اللغة العربيّة: ق ل ل. قلّت ساراي في عين الجارية، قلّلت من قيمتها.
استخفّت بها. اختقرتها. افتخرت هاجرُ بأنها الزوجة التي حبلتْ تجاه العاقر التي لم
تستطع أن تحبل. استعملت ساراي هاجرَ كوسيلة تُحقّق بها رغباتها، فأخذت الجارية
ثأرها. ارتقى وضعُها، بعد أن صارت زوجة ابرام، شأنها شأن ساراي، وتفوّقت على
السيّدة حين حبلت وكان لها ولد تُبنى به. أجل، لم تعد هاجر "شيئاً" يؤخذ ويُعطى.
صارت شخصاً يقيم علاقة مع شخص آخر في إطار الزواج.
وهكذا صارت الأميرة، القويّة "ج ب ي ر ه" ضعيفة، وانتصرتْ عليها جاريةٌ أخذتها هي
وأعطتها لزوجها. ذاك هو معنى أول: صارت ساراي محتقرة في عيني سيّدتها. غير أن هناك
معنى آخر: صارت السيّدة محتقرة في عينيها، فرأت في حبل الجارية صفعة لها. لعب
الحسدُ في قلب ساراي، فاستفادت هاجر من هذا الوضع في حبل الجارية صفعة لها. لعب
الحسدُ في قلب ساراي، فاستفادت هاجر من هذا الوضع وجعلت سيّدتها تحسّ في قلب ساراي،
فاستفادت هاجر من هذا الوضع وجعلت سيّدتها تحسّ باستخفافها بها. إلاّ إذا كانت
السيّدة تجعل في الجارية احتقاراً تُسقطه على نفسها.
تألمت سارة من عقمها. ولعب الحسدُ في قلبها من هذه الجارية. فمن المسؤول عن هذا
الوضع؟ ليست الجارية التي كانت بين يدي السيّدة غرضاً أخذته وقدّمته لزوجها. إذن،
هو ابرام. فكانت صرختها: العنف الذي يحيط بي، يأتي منك. ذاك هو معنى العبارة "غضبي
عليك".
ولكن ما هو هذا العنف الذي تتكلّم عنه ساراي؟ ولماذا توجّه كلامها إلى ابرام، لا
إلى هاجر؟ ولماذا تلجأ إلى الله، ذاك الذي تجاهلتْه حين بحثتْ وحدها عن حلّ لعقمها،
فحطّمت حياتها الزوجيّة؟ اللفظ العبريّ "ح م س" يعني العنف، الظلم، الغضب... ولفظة
"عنفي" تعني العنف الذي تحسّ به ساراي، تدلّ على الغضب الذي تشعر به بعد أن صارت
الحالة إلى ما صارت. كما تعني العنف الذي تحسّ به، أو الظلم الذي تتحمّله بسبب
زوجها، ومع "ح م س" نقرأ "ع ل" (على في العربية) الذي يدلّ على عداوة، كما يدلّ على
السبب. لهذا نستطيع أن نقرأ: أنت سبب العنف الذي يصيبني. والعنف الذي يصيبني،
ياليته يقع عليك. نلاحظ هنا في حياة ساراي وابرام، ما يمكن أن نقرأه في مسيرة آدم
وحواء، وبالتالي في مسيرة آدم وحواء، وبالتالي في مسيرة الرجل مع امرأته والمرأة مع
زوجها. كان التناغم تاماً. ولكن حين جاءت الخطيئة، تهرّب كل واحد من المسؤولية
وجعلها في الآخر. وقد يكون الآخر بريئاً. قد يكون أنه لم يفعل شيئاً فخضع لإرادة
شريكه. ذاك كان وضع ابراهيم. ومع ذلك، اعتبرت سارة أنها ضحيّة عنفه. في الواقع، حين
يغيب الله، يسود العنف، ويصبح الانسان ذئباً لأخيه الإنسان. بعد الخطيئة الأولى
وغياب الله من حياة العائلة التي خرجت من الفردوس، وبالتالي أضاعت حضور الله، قتل
الأخ أخاه. وفي تك 16: 1 ي، بعد أن تركت ساراي، ثم ابرام، مخطّط الله، وبنيا
مخطّطاً على قياسهما، فهِما خطأَهما. أرادا أن يصيرا "آلهة" كما قالت الحيّة،
يعرفان ما يجب أن يُعمل. سيطر العنف في حياتهما، بانتظار أن يصل إلى هاجر التي
اكتفت بأن تطيع سيّدتها وتخضع لإرادة ابرام.
هنا نتوسّع في العبارة "غضبي عليك" في خطّين متكاملين.
الخطّ الأوّل يقدم المعنى الذي يتّضح أمام القارئ للوهلة الأولى. اعتبر ابراهيم هذه
الجارية كامرأة له في كل معنى الكلمة، في علاقة من الاحترام. وها هي الآن تحمل
ولداً في حشاها. وفسّرت سارةُ النظرة المتعالية، سواء كانت حقيقيّة أو خياليّة، لدى
جاريتها. في هذا المعنى، غضبت ساراي على ابرام، لأنها رأت في الإكرام المقدّم
للجارية التي "تزوّجها"، ضرراً لها هي السيّدة. فكأنّي بها لم يُعد لها حقّ على
جاريتها.
على هذا المستوى، نشدّد على أن الألم، عند ساراي، شوّه النظرة إلى الأمور. تناست
الزوجة أنها "أخذت" هاجر، وحسبْتها شيئاً من الأشياء، حين قدّمتها لزوجها (آ 3).
وها هي الآن تقول إن هذه الجارية هي أساس حياة حميمة من الاحترام، تَقبّل فيها
أبرامُ هاجر. "دفعتُ جاريتي إلى حضنك" (آ 5). تخيّلتُ عنها وأعطيتُك إياها، وها
أنتى تنسى زوجتك وتمارس العنف الخفيّ معي. تتركني فتظلمني. وحين نسيت ساراي إلى
نفسها أن العلاقة بين هاجر وابرام، تتركني بفضلها هي، دلّت على ما في تصرفها من
وجهة بغيضة. جعلت من هاجر أداة لتحقيق رغبتها، وما فكّرت يوماً بجاريتها، كانسانة
يحقّ لها الاحترام.
وأنهت ساراي كلامها: "الربّ يحكم بيني وبينك" (آ5). هي تطلب أن يكون الله حكَماً.
اعتبرت أنها على حقّ، فطلبت من الربّ أن يحكم ويدلّ المخطئ على خطأه من أجل إقامة
العدالة، بل هي أملت أن يحكم الربّ لصلحها، بعد أن صارت ضحيّة العنف الذي مارسه
ابرام تجاهها.
والخطّ الثاني يكشف مدلولاً متشعّباً: أملت ساراي أن "تُبنى" (آ 2) كامرأة. وإذا
ترك ابرام امرأته تتصرّف كما تشاء، بدا وكأنه لا يحترم ساراي أكثر من هاجر. فحين
قبل أن يرتبط مع الجارية بعلاقة زوجيّة، بدا وكأنه لم يستطع أن يؤكّد أنه زوج هذه
المرأة، فما عارض رغبتها، وما فهم الشوق العميق الذي عبّر عن نفسه لدى ساراي التي
طلبت ما طلبتْ. فلو أراد ابرام أن يبني ساراي كامرأة، لوجب عليه أن يرفض لها طلبها
المباشر في أن يكون له ولد. هذا يفترض قبولاً لواقع يُفهمه أن لا نسل له،
واستعداداً لنزاع مع ساراي تجاه وضعها كامرأة عاقر. لو تصرّف بهذه الصورة، لكان دلّ
على احترام عميق لها. ولكنه دلّ على هاجر، واحترامها كما لم يحترم ساراي المتألمة.
في هذه المعنى، بدا ابرامُ سببَ الظلم الذي تتحمّله امرأتُه، التي لم تُبنى في
علاقتها الزوجيّة كشخص في حوار، فصارت مثلها مثل الجارية، بل أقّ من الجارية، بعد
أن حبلتْ الجارية وظلت هي عاقراً.
في هذا الخطّ الثاني، يتّخذ نداء ساراي إلى الربّ مفهوماً جديداً. فنحن تصرّف ابرام
كما تصرّف، فنسي الرغبة العميقة عند امرأته، ولبث على مستوى الرغبة العميقة عند
امرأته، ولبث على مستوى الرغبة السطحيّة، كان لساراي الحقّ أنّ تطلب من الربّ أن
يحكم بينها وبين زوجها. فمنذ البداية، أراد الربّ أن تكون العلاقةُ بين الرجل
وزوجته، علاقةَ وحدةٍ يلتصق ( د ب ق في العبريّة) فيها الواحد بالآخر (تك 2: 24).
أما وقد تمّ الانفصال، فليحكم الربّ.
واستسلم ابرام مرّة ثانية لساراي، فدلّ على أنه لم ينفصل عن امرأته. قال: "هذه
جاريتك في يدك" (آ 6). أجل، ليست هاجر زوجة ابرام، كما أرادت ساراي في وقت من
الأوقات (آ 3). بل هي الجارية وتبقى كذلك. والزوجتن هما ابرام وساراي. ولكن ابرام،
في الواقع، غسل يديه وكأن شيئاً لم يكن. رفض أيضاً أن يأخذ مسؤوليّته تجاه هذه صارت
زوجته وحبلت منه. "فافعلي بها ما يحلو لك" (آ 6). أي ما ترينه موافقاً ولكن لا
تعامليها معاملة سيّئة، بل "سيّبة" (في العبريّة هـ ط ي ب).
والمعاملة الطيّبة في بظر ساراي تعني إذلال هاجر وقهرها (ر ج "ع ن ه" في العبريّة،
عنا في العربيّة). وإذ عنّت سارة جاريتها، رسمت عند غيرها العذاب الذي أحسّت به في
نفسها، في وقت من الأوقات. وهكذا، بعد أن كانت هاجر وسيلة خلاص لسيّدتها، صارت كبش
محرقة. نلاحظ هنا منطق العنف الذي لا يسمح بالحوار، والخطأ الكبير يعود على ابراهيم
الذي قطع الحوار مع امرأته وتركها تفعل كما تشاء، وكأنه عالم في النهاية أين ستكون
نهايتها. فيا ليته نبّهها إلى ما هي واصلة إليه! ويا ليته رفض طلبها، مهما كانت
نتائج هذا الرفض! ولم يكن حوار بين السيّدة وجاريتها. بل استعملت ساراي هاجر كوسيلة
لإرضاء رغبتها. ولما وصلت إلى ما أرادت، استغنت عن هذه الوسيلة، كما استعدّ ابرام
أن يعود كما في البداية، دون أية مراعاة لتلك التي قبلت لأن تكون معه في حياة
حميمة. كانت هاجر غرضاً من الأغراض، فاخذتها ساراي وأعطتها لزوجها. أحسّت أنها صارت
انسانية بين الناس حين صارت زوجة ابراهيم. أما الآن، فتُذلّها سيّدةٌ ظالمة سيطرت
المرارةُ عليها. فما بقي لها سوى الهرب ومبارحة (رج "ب ر ح" في العبريّة، آ 8 ب)
المكان. مثل هذا العنف كاد يقودها إلى الموت. ولكن ملاك الربّ أعادها إلى الحياة.
ونسلُها سيكون كبيراً بحيث لا يُحصى لكثرته (آ 10). بدا الله وكأنه غائب في تك 16:
1 ي. وتصرّف الأشخاص الثلاثة، ساراي وابرام وهاجر، كل من منطقة البشريّ، وتوالت
الحيلُ حيث القويّ يسيطر على الضعيف، والسيّد على العبد. وفي النهاية، أحسّت هاجر
بحضور الربّ: "رأيتُ الله الذي يراني" (آ 13). وتوجّهت في صلاتها إليه. وسارة التي
عرفت في محاولتها الفشل التام، فما نالت ولداً، بل اكتشفت رغبة ظلّت دفينة عندها،
وبُعداً عن الحوار مع زوج يخاف أن يعارض امرأته، ستلتقي هي أيضاً بالربّ وتعيد
ابراهيم معها.
خاتمة
تلك هي قرائتنا لمثلّث العنف لدى ساراي وهاجر وابرام. غاب الله، ففُتحت الطريق أمام
المحاولات البشريّة والحِيَل المتعدّدة. منذ الخطيئة الأولى، كان انقطاع بين الرجل
والمرأة. الرجل يسود زوجته. والزوجة تتبع بعلها بعد أن يدفعها اشتياقُها ورغبتها.
لا هي سيّدة نفسها، ولا هو سيّد نفسه. كلاهما يخضعان للعنف، فينسيان الحوار الذي
فيه يأخذ كلّ واحد مكانه تجاه الآخر، لا بجانب الآخر، ولا وراء آخر. وحين يغيب واحد
أو يُغيّب، يضع الحوار. هكذا غُيّبت ساراي في مصر، فصارت وسيلة في يد زوجها، الذي
اغتنى بسببها ونجا بحياته من الموت. زمتى عادت؟ ساعة جاءت الكلمة التي تعبّر عن عمق
الإنسان. كلمة توجّهت إلى الله الذي يحامي عن الضعفاء، وكلمة توجّهت إلى فرعون الذي
أعادها إلى زوجها. وغاب أبرام أمام امرأته، فما أخذ مسؤوليته تجاهها ولا تجاه
جاريتها، بل نسي إيمانه واتكاله على الله، واستسلم لحيلة امرأته. عندئذ عرفت
الجارية العنف مرّتين، ولن تخرج من وضعها إلاّ حين تحسّ بحضور الله الذي رآها في
عذع البرية المقفرة التي هي صورة عن عزلتها وألمها بين امرأة ممرمرة وزوج لا يهمّه
إلاّ إشباع رغبته في أن يكون له ابن. أما ساراي التي جعلت نفسها خارج مخطّط الله،
بعد أن توقّفت عند عقمها على المستوى البشريّ، وتخلّت عن دورها لجارية ستعطي نسلاً،
فهي ستعود بمبادرة من لدن الربّ. "قال الله لابراهيم: "أما ساراي امرأتك فلا تسمّها
ساراي، بل سارة. وأنا أباركها، وأعطيك منها ابناً. أباركها فيكون منها أمم وشعوب،
ويخرج من نسلها ملوك"" (تك 17: 15- 16). غاب الله فسيطر العنف. عاد الله، فحلّ
السلام، واتّخذ كل واحد مكانه في مشروع الله الذي يختلف عن مشاريع البشر، وهو مشروع
لا يستعبد أحداً ولا يُذلّ أحداً، فيكون الرجل تجاه المرأة، والسيّد تجاه العبد،
والوالدون تجاه أولادهم، "لأن الأرض تمتلئ من معرفة الربّ كما يمتلئ البحر بالمياه"
(أش 11: 9).
الخوري بولس الفغالي
اختبار العنف درب إلى الرقّة والسلام
"... وعرف آدم حوّاء امرأته فحملت وولدت قايين... ثمّ عادت فولدت أخاه هابيل" (تك
4: 1- 2). وكبر الولدان واختار كلّ منهما مهنة مختلفة عن الآخر. "فكان هابيل راعي
غنم، وأخوه يحرث الأرض" (تك 4: 2). "وكان بعد أيّام أن قدّم قايين من ثمر الأرض
تقدمة للربّ. وقدّم هابيل أيضًا شيئًا من أبكار غنمه ومن دهنها" (تك 4: 3- 4). قبلت
قرابين الواحد وهي علامة اختياره ولم تقبل قرابين الآخر. "فنظر الربّ إلى هابيل
وتقدمته، وإلى قايين وتقدمته لم ينظُر" (تك 4: 4- 5). ودعا قايين أخاه هابيل إلى
الذهاب معه إلى الحقل، "فلمّا كانا في الحقل، وثب قايين على هابيل أخيه وقتله" (تك
4: 8)..
منذ الصفحات الأولى للكتاب المقدّس، نكتشف أنّ العنف يسيطر على حياة البشر
وتصرّفاتهم. فعندما يثور الإنسان أو يحسد أخاه أو يحقد عليه ولا يعود قادرًا على
ضبط نفسه، عندئذٍ يظهر العنف كقوّة سلبيّة تفقد صاحبها السيطرة على الذات، فينتقم
بشكل مأساويّ، ولا يلبث الإنسان أن يصبح هو نفسه ضحيّة عنفه وتهوّره.
من هو الرجل أو المرأة أو الطفل الذي لم يختبر العنف في حياته يومًا؟ من منّا لم
يعنّف أحدًا ولم يعنّفه أحد؟ وماذا يخبرنا الكتاب المقدّس عن العنف الذي يسيطر على
الخليقة كلّها؟
تعالوا، في خطوة أولى نتصفّح البيبليا متوقّفين على المشاهد التي تتطرّق إلى موضوع
العنف. ولن نتوقّف فقط عند العنف البيبليّ في العهد القديم، بل ندخل أيضًا إلى عالم
العهد الجديد. فالعنف مسألة تطال العهدين معًا. بعدها ننتقل إلى البحث عن أصل العنف
وخاتمته غير المنظورة. وأخيرًا، نتوقّف عند موقف يسوع من الشريعة، التي تهدف إلى
وضع حدّ للعنف.
1. العهد القديم:
نعرف أخبارًا كثيرة عن العنف في العهد القديم. هناك جرائم فرديّة: قايين يقتل أخاه
هابيل. الملك داود يقتل أوريّا الحثّي ليتّخذ أرملته زوجة له. الملك آحاب وزوجته
إيزابيل يقتلان نابوت اليزرعيليّ بالمكر والحيلة ليستوليا على أرضه. منسّى يهرق
دماء الأنبياء في شوارع أورشليم. وهناك جرائم جماعيّة: يضطهد الفرعون بني إسرائيل
فيقتل الأطفال الأبرياء المولودين حديثًا. يتنبّأ النبيّ عاموس بنفي الشعوب وإحراق
المدن بالنار. يأمر داود بقتل سبعة أبرياء من ذرّيّة شاول إرضاءً للجبعونيّين.
ولا ننسى تلك الجرائم العديدة التي ارتُكبت باسم الله وتتميمًا لإرادته القدّوسة.
وما حادثة الاستيلاء على بلاد كنعان سوى الحدث الأمثل في هذا المجال. ففي ختام
التوصيات لما دُعي بالحرب المقدّسة، نقرأ في سفر التثنية ما يلي: "وأمّا مدن هؤلاء
الأمم التي يعطيكم إيّاها الربّ إلهكم ملكًا لكم، فلا تبقوا أحدًا منها حيًّا بل
تُحلَّلون إبادتهم، وهم الحثّيّون والأموريّون والكنعانيّون والفرّزيّون
والحوّيّون، كما أمركم الربّ إلهكم..." (02: 61ي)
تغيّرت هذه النظرة، ابتداءً من القرن الثاني قبل المسيح. فلم يعد هناك عمليّة غزو
واستيلاء بل أصبحت المعارك والحروب دفاعًا عن الدين والذات. يجب المحافظة على دين
الآباء الذي يحاول أنطيوخُس إبيفانيوس، خليفة الإسكندر، القضاء عليه. عندئذٍ، جاوب
شعب إسرائيل، الأمين لشريعته ولإلهه، بطريقتين: إمّا بالاستشهاد وإمّا بقيام حرب
ضروس، تحت قيادة الأخوة المكابيّين. وما عمليّة الاستشهاد سوى عمل بطوليّ أقدم عليه
أبناء إسرائيل الأمينين لشريعة آبائهم. نذكر هنا مقتل الأخوة السبعة مع أمّهم (2مك
7)، الذين أقبلوا إلى الموت برباطة جأش وبطولة لا مثيل لهما في تاريخ شعب الله، على
أن لا يخونوا شريعة الله، وإن لم يبلغوا إلى درجة الغفران فيغفروا للملك
والجلاّدين، كما فعل اسطفانُس.
وفي عهد الرسل، وبعدما انتصر تيطُس الإمبراطور على ثورة اليهود، اعترف الرومان
أنّهم لم يلتقوا قطّ أعداءً بهذا العناد.
لماذا يمرّ تاريخ الخلاص بهذه الدرب الصعبة؟ لأنّ الخلاص هو مسيرة يمكن اتّباعها من
عصر إلى عصر، تتكرّر بدايتها دائمًا في كلّ حقبة. تحمل البيبليا الشكّ، ولكنّ الشكّ
يقود الإنسان إلى الحقّ واليقين. والبيبليا، بإظهارها العنف البشريّ كما هو، لا
سيّما لدى أولئك الذين ينقذهم الله، تزيل عن هذا العنف هدفه الأساسيّ. فينشأ رفق
ولين من هذا الحقل هما الأكثر تصديقًا من غيرهما، إذ لا يمكن إدراجهما في باب
الخنوع أو الخضوع.
2. قصّة يسوع والعنف الذي ولّده
يجب أن نلفت النظر أن العنف لم يمّح في قصّة يسوع. لا نذكر هنا فقط العنف الذي أخذ
يتفاقم ضدّ يسوع إلى أن أودى به إلى الموت على الصليب. نذكر العنف الذي أحدثه حضوره
وتعليمه. أحد المفاتيح للعنف في الأناجيل، بحسب الكتّاب، هو سوء فهم معنى الملكوت.
فمن يتكلّم عن ملكوت يتكلّم عن ملك، ومن يتكلّم عن ملك، يتكلّم عن قائد جيش. هناك
توتّر أخذ يتفاقم بين الرجاء الذي تولّد، عند إعلان الملكوت، لدى شعب خالٍ من
سيادته منذ زمن بعيد، وبين ضرورة تخلّي هذا الشعب عن العودة إلى أفكار تقليديّة
متعلّقة بمفهوم الملكوت، لأنّ الملكوت الذي ينادى به هو ملكوت سماويّ.
فالمحيط المقرّب من يسوع لم يفهم معنى الآية "البسطاء يرثون الأرض، والمساكين
بالروح لهم ملكوت السماوات". وظهر تفكير أسرة يسوع، هي أيضًا، من هذا المنطلق، فلم
يفهموا تصرّف يسوع واعتبروا أنّه "فقد صوابه" (مر 3: 21). وانقسم الرأي حول يسوع
بين الذين قبلوه والذين رفضوه، "فتخلّى عنه من تلك الساعة كثير من تلاميذه وانقطعوا
عن مصاحبته، فقال يسوع لتلاميذه الاثني عشر: وأنتم، أما تريدون أن تتركوني مثلهم؟"
(يو 6: 66- 67). وأخيرًا، عند الصليب، أخذ الناس يهزأون به، وقد علّقت على أعلى
الخشبة آية مكتوب عليها: "ملك اليهود". ولا ننسى مشهد تلميذي عمّاوس، اللذين التقيا
بيسوع القائم من بين الأموات، وكانوا يقولون له: "وكنّا نأمل أن يكون هو الذي يخلّص
إسرائيل" (لو 24: 21). وهنا يذكّرنا لوقا بأناجيل طفولة يسوع، فيوم ختانة الطفل
يوحنّا، هتف والده زكريّا قائلاً: "أقام لنا مخلّصًا قديرًا، خلاصًا لنا من
أعدائنا، ومن أيدي جميع مبغضينا" (لو 1: 71). وهذا النشيد هو صدى لنشيد آخر، رفعته
مريم يوم زيارتها نسيبتها أليصابات: "أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتّضعين" (لو
1: 52).
لم يجمع يسوع مناصرين حوله لو لم يكن لدى هؤلاء هذا الأمل المنتظر. وبالرغم من ذلك،
نرى يسوع لم يستعمل العنف يومًا في الأناجيل ما عدا تلك المرّة التي طرد فيها
الباعة من الهيكل، "فقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام" (مت 21: 12). واستغلّ
الفرّيسيّون هذه الحادثة ليحاكموه ويحكموا عليه بالموت. وفي المقابل، نجد كلام يسوع
ليس فقط جازمًا، "ليكن كلامكم نعم نعم، أو لا لا" (مت 5: 37)، بل عنيفًا أيضًا.
فعندما اكتشف يسوع أنّ شعبه لم يفهم معنى دعوته إلى التوبة لأجل ملكوت سماويّ، منع
بقساوة الذين شفاهم من أن يخبروا أحدًا بشيء: "فانتهره يسوع وصرفه، بعدما قال له:
إيّاك أن تخبر أحدًا بشيء... ولكنّ الرجلّ انصرف وأخذ يذيع الخبر وينشره في كلّ
مكان." (مر 1: 43- 45). ولم يكتفِ بذلك تجاه المرضى، بل انتهر أيضًا التلميذ الأوّل
أي بطرس قائلاً له: "ابتعد عنّي يا شيطان" (مت 16: 23)، عندما حاول بطرس أن يثنيه
عن عزمه بتقديم ذاته ذبيحة على الصليب قائلاً له: "لا سمح الله، يا سيّد، لن تلقى
هذا المصير" (مت 16: 22). ألم يقل يسوع في موضع آخر، "يصعب على الغني أن يدخل ملكوت
السماوات"؟ وزاد قائلاً: "بل أقول لكم: مرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول
الغنيّ ملكوت الله." (مت 19: 23- 24). وعند كلامه على الوصايا قال: "إذا جعلتك يدك
اليمنى تخطأ، فاقطعها وألقها عنك، لأنّه خير لك أن تفقد عضوًا من أعضائك ولا يذهب
جسدك كلّه إلى جهنّم" (مت 5: 30).
من ناحية أخرى، يتكلّم يسوع أيضًا على اللاعنف، فنقرأ في عظة الجبل: "طوبى للمساكين
بالروح، طوبى للساعين إلى السلام، طوبى للمحزونين..." (مت 5) ويختم كلامه فيقول:
"لا تقاوموا الشرّير" (مت 5: 39).
هذا بالنسبة لكلام يسوع وتعليمه، أمّا بالنسبة لتصرّفه، ولا سيّما بإقباله إلى
الموت على الصليب، فالقدّيس بولس يعتبر الصليب "حماقة عند الذين يسلكون طريق
الهلاك" (1كور 1: 18). بينما الأناجيل تعتبر الصليب فُرض على يسوع بسبب الناس
الخاطئين، وإن أقبل يسوع إليه بكلّ حريّة واندفاع وطاعة لأبيه السماويّ، بل حبًّا
للبشر. وما صلب المسيح سوى نقطة من بحر: يخبرنا المؤرّخ اليهوديّ يوسف فلافيوس أن
ثورة قام بها اليهود ضدّ السلطة الرومانيّة أودت إلى صلب ألفين من اليهود. فيعتبر
المسيح الذي أقبل إلى الموت بإرادته وبطاعته لمن أرسله، مشارك في هذا العنف
الجماعيّ.
وهكذا نجد أنّ البيبليا تضمّ حوادث عنف كثيرة، منذ أيّام القضاة ويشوع بن نون إلى
أقسى عنف تحمّله مسيح إسرائيل. في تحليل أوّل، ترسم لنا البيبليا في مجال العنف،
خطًا بين متناقضين: بين ممارسة العنف وبين قبول العنف. وتركّز البيبليا على الإفراط
في ممارسة هذا العنف. من جهة، نجد إفراطًا في عدوانيّة، يقابله إفراطًا في القبول
بمحبّة. ألا يمكننا أن نقول إنّ هناك عنفًا واحدًا بوجهين، عنف فساد وعنف توبة؟
3. أخبار البدايات
كلّما اقتربنا من غرض معيّن، نكتشف تعقيداته، ونكتشف فيه مفاجآت. من هنا، يجب أن
نقرّ أنّ البيبليا تستعمل طريقة الألغاز في تعابيرها لإيصال فكرة ما، أي ما نظنّه
تفاصيل هامشيّة يمكن أن يكون ذا أهميّة كبرى، ولا سيّما في ما يختصّ بأخبار
البدايات التي، بطابعها الغامض، يجعلها قريبة من الأساطير. لذلك لا يمكننا أن نُسقط
شيئًا من أخبار البدايات، بل يجب أن نكتشف ما تخفيه من حقائق ومدلولات لا تظهر
للعين المجرّدة.
هناك أوضاع لنماذج متعدّدة أصليّة للعنف في البيبليا، هي التي قادت العالم إلى
الطوفان، أيّام نوح (تك 6: 13): "قال الله لنوح: جاءت نهاية كلّ بشر، فالأرض امتلأت
عنفًا على أيديهم". نتعجّب هنا أوّلاً، من هذه النهاية القريبة جدًّا من البداية،
فليس هناك سوى أجيال عشرة بين بداية التاريخ البشريّ ومجيء الطوفان. وثانيًا، يرى
التقليد الكنسيّ في هذه النهاية المبكرة استباقًا للنهاية السابقة لأوانها أي
النهاية الأخيرة: "كما حدث في أيّام نوح كذلك يحدث عند مجيء ابن الإنسان..." (مت
24: 37- 39)، هي يوم القيامة. وما يدهشنا هو ذلك النظام الذي تسلّمه نوح للعالم
كلّه، نظام البداية الثانية.
نقرأ في حادثة الطوفان، أنّ الله أعطى الإنسان أن يأكل من جميع حيوانات الأرض وطيور
السماء، وجميع أسماك البحر. أعطاهم كلّ شيء. ولكنّ لحمًا بدمه لم يسمح لهم بأكله،
لأنّ حياة كلّ حيّ بدمه. (تك 9: 2-4). هذا النظام الجديد للعالم قريب جدًّا من
النظام الأوّل الذي فيه سمح الله للإنسان أن يأكل من كلّ شجر الجنّة ما عدا شجرة
معرفة الخير والشرّ. وأقام الله عهدًا أوّل مع نوح وبنيه بأنّه "لن ينقرض ثانية
بمياه طوفان أي جسد حيّ ولن يكون طوفان آخر لخراب الأرض" (تك 9: 11). نستخلص نوعًا
من التوازن: هناك شيء أعطي بسبب العنف، وشيء آخر استردّ للسبب ذاته. وما استردّ هو
رمزيّ: فالحساب الذي يطلبه الله عن الدماء المسفوكة من كلّ حيوان أو إنسان ليس سوى
رسالة بل حكمة يطلقها الله: "من سفك دم الإنسان يسفك الإنسان دمه" (تك 9: 6). هذه
الحكمة تقدّم طابع التوازن المماثل الذي يدشّن عملاً تعويضيًّا، لضبط العنف والحدّ
منه. لكنّ هذا العنف يظهر هكذا منذ بداية النظام الجديد عندما أعلن الله: "سيخافكم
ويرهبكم جميع حيوانات الأرض وطيور السماء..." (تك 9: 2).
ما يميّز هذا النظام الجديد هو الاتّفاق على مسلك العنف. كعنوان للبداية، صمّم
الكاتب الملهم هذا الاتّفاق لينير ويبني ما يتبع. شرّع هذا الاتّفاق بسلطان إلهيّ.
هناك رباط بين علاقة الإنسان بالحيوان وبين العلاقات الإنسانيّة، لا سيّما العنيفة
منها، التي ستتجلّى على مرّ التاريخ. فها هي بذور الحروب الكنعانيّة بدأت تنبت، وهي
مشروعة لأنّ الله أمر بها. في روح التقليد الذي ينقل شريعة نوح، نجد تدشينًا
انتقاديًّا إلى ما سيجري من التعتيم للعدالة الكاملة، في مجمل أحداث البيبليا. إنّه
يقرّ، بتدهور المقدرة الإنسانية على تحقيق العدالة. لم تعد نظرة نوح وبنيه تسمح له
أن يرى صورة الله كما هي في الواقع. لكن، فقط من خلال الصورة الوحيدة التي يستطيع
الإنسان أن يسجّلها. لذلك نجد أنّ الكاتب يعرف جيّدًا أنّ الصورة المعطاة لله تخفي
وراءها صورة أكثر دقّة وصحّة. هو ذاته يهيّئنا إلى أنّ مشاهد العنف المنسوبة لله في
التاريخ المقدّس لا تعكس صورته إلاّ من خلال عنف الإنسان. والكاتب الملهم نفسه الذي
يعطينا هذه النظرة، يبرهن عنها من خلال ما دوّن في تك 1، الذي يجب أن يدخل البيبليا
يومًا في عالم من اللطافة والرقّة.
4. الرباط بين البدايتين
إذن، هناك بداية جديدة مع نوح، بل هناك أساس يستعيد ما هو أكثر تأسيسًا، نجده في
البداية الأولى، وهو قصّة الخلق في الفصل الأوّل من سفر التكوين، ويعود إلى المرجع
ذاته أي التقليد الكهنوتيّ. هذا الرباط بين البدايتين سيكون مفتاح البيبليا كلّها.
في كلا المرجعين تك 1 وتك 9، نجد أنّ للعنف مكانًا مهمًّا. ففي تك 1 نقرأ أنّ
الإنسان مخلوق على صورة الله، وهذا يمنحه نظامًا أوّل (نظام آدم سابق للنظام المدعو
نظام نوح): "ها أنا أعطيتكم كلّ عشب يبزر بزرًا على وجه الأرض كلّها، وكلّ شجر يحمل
ثمرًا فيه بزر، هذا يكون لكم طعامًا. أمّا جميع وحوش الأرض ... فأعطيها كلّ عشب
أخضر طعامًا" (تك 1: 29- 30). هناك تناقض واضح بين النظام الأوّل والنظام الثاني.
في النظام الأوّل، ليس على الحيوانات أن ترهب الإنسان، لأنّ الإنسان لا يقدم إلى
قتلها لكي يأكل. فإذا تسلّط الإنسان على الحيوان فتسلّطه بلا عنف بل هو تسلّط مسؤول
فيعطي كلّ حيوان اسمًا له. فهو على "صورة الله" لأنّه على مثاله سلّطه الله على
الأرض كلّها إذ كان مسلّطًا عليها قبل أن يخلق الإنسان. الإنسان على صورة الله يعني
أنّه ليس على صورة الحيوان بل هو متميّز عنه ويفوقه في الإرادة والإدراك. فهو مؤسّس
على الرقّة والسلام: مسلّط على الأرض، أي إنّه مسؤول عن السلام فيها.
نلاحظ هنا، أنّ هذه الحالة الأولى لا يمكنها أن تدعى "حالة طبيعيّة"، ولا يمكن أن
تكون اصطلاحًا عقليًّا بين البشر. يمكننا أن نعطي هذه الحالة اسم "حالة الخلق"، أي
أنّها معطاة لنا كموضوع إيمانيّ: ليس واضحًا أن نكون صورة الله وليس واضحًا أيضًا
أن تمارس هذه الصورة سلطتها بالرقّة والسلام. وبالرغم من ذلك، نجد أن هذا النظام هو
أقدم من النظام الثاني، وهو الأقرب من جوهرنا. أن نكتشف ذلك بواسطة الإيمان يعني أن
نكتشف ذواتنا بطريقة أعمق ونكتشف أن عنفنا ناتج عن تشويه للصورة الإلهيّة، دون أن
يدمّرها. إذا كانت الصورة الصالحة هي التي أعطانا الله إيّاها فهذا يعني أن الرقّة
ليست هي اللاعنف بل أنّ العنف هو اللارقّة، وهذا ما يبدّل كلّ المفهوم الفلسفيّ،
كلّ نظريّة حول العنف واللاعنف. وهنا نكتشف أنّ هذا الرباط بين طوفان نوح والطوفان
النهائيّ مال عن دربه برباط آخر، ينطلق هذا الرباط أوّلاً من السلام ليبلغ في
النهاية الأخيرة إلى السلام.
بعض الأحداث حول السلام النهائيّ تؤكّد شرحنا هذا عن البداية. هكذا تكلّم الله مع
هوشع، في القرن الثامن (حقبة سابقة لكتابة تك 1): "وأقطع عهدًا معهم في ذلك اليوم
مع وحش البريّة وطيور السماء وزحّافات الأرض، وأكسر القوس والسيف وأدوات الحرب من
الأرض وأجعلها تنام في أمان" (هو 2: 20). وتأتي الرؤى لتثبّت هذه النظريّة: فالأمم
المتصارعة متمثّلة بحيوانات عظيمة مفترسة، وابن الإنسان الذي أعطي سلطانًا ومجدًا
وملكًا، هو يأتي لينتصر عليها ويجعلها تعبده. وابن الإنسان هذا يمثّل شعب قدّيسي
الله الذين سيكون ملكهم ملكًا أبديًّا. (دا 7)
اتّخذ يسوع دور ابن الإنسان عندما استعمل هذا التعبير ليقصد به مخلّص الأزمنة
الأخيرة. وهكذا يندرج يسوع في سياق الفصول الأولى من سفر التكوين ويصلح "حالة
الخلق".
وهكذا تكتمل صورتنا حول الخطين المنحنيين: ينتهي العنف كما بدأ، ويصبح لا وجود له
في نهاية الأزمنة، بالرغم من طغيانه على مجمل التاريخ المنظور. تأتي الرقّة بعد
العنف لأنّها كانت قبله، ولكنّ هذه الرقّة تظهر من خلال الإيمان، في بداية التاريخ
وفي النهاية حيث يتجلّى ابن الإنسان منتصرًا على الشرّ والعنف. وليس هذا كلّ شيء
فالرقّة الأخيرة تتخطّى إلى أقصى حدّ الرقّة الموجودة في البداية. إنّها تقوم بعمل
أكبر من إصلاح صورة الله. فالله الذي تحمّل عنف الإنسان لم يستطع أن يمحوه إلا
عندما أتى لا ليحاكمه بل ليتغلّب عليه. فمن خلال العنف المغفور نجد رقّة أكبر، إلى
حدّ الذهول، لا سيّما عندما يكون ابن الله نفسه هو الذي يحمله.
5. يسوع والشريعة
هذه النظرة ليست تفاؤليّة، لأنّها لا تشجّع أيّ خداع حول استمراريّة العنف أو
خطورته. وهي ليست إنهزاميّة كما يمكن أن تتصوّره صورة المنحني الذي يتجاوز تاريخ
الطوفان الأوّلي إلى الطوفان النهائيّ، لأنّها تدلّ إلى العبور بواسطة صليب المسيح
الذي به تمّ الانتصار الفريد على العنف بالمحبّة. هذه الوسيلة في الانتصار على
العنف لم تظهر فجأة: فالأناجيل تتوافق في التعليم أنّ الموت المؤلم الذي قاساه ابن
الإنسان أعلنت عنه الكتب المقدّسة، وربطت الأناجيل بين تعبير "ابن الإنسان" المنتصر
على الشعوب المهيّأة للحرب على الحيوانات المفترسة (دا 7)، وبين النبوءة التي
تتكلّم عن "العبد المتألّم" (أش 52: 13- 53: 12). والمسيح نفسه يحضّر تلاميذه إلى
هذا الموت، مستندًا إلى ما جاء في الكتب. لمّح المسيح إلى ذلك أكثر من مرّة وأعطى
تلاميذه علامات كثيرة عن تلك النهاية. فلا وسيلة أمامنا لكي يكلّمنا صليب المسيح،
إلاّ إذا شرحه المسيح بحياته كلّها، بواسطة تعليمه وعلى مراحل هذا التعليم.
وهذا التعليم يعيد التاريخ إلى هاتين البدايتين، ما قبل وما بعد الطوفان. يعلن
المسيح عن شريعة حيث مبدأ الاتّزان يشبه عن قريب مبدأ شريعة نوح. فحين يتكلّم عن
العنف أو عدمه، يستند إلى شريعة العين بالعين والسنّ بالسنّ التي تتشارك مع شريعة
نوح التي هي حلّ وسط. "قيل لكم: "العين بالعين والسنّ بالسنّ. أمّا أنا فأقول لكم
لا تقاوموا الشرّير" (مت 5: 38 ي). نجد هناك، في قلب موضوع شريعة العين بالعين أنّ
تلك الشريعة لها هدف معيّن هو قمع العنف بالحدّ منه بواسطة مبدأ متّزن. فقلّة منّا
من قلعت سنّه يكتفي بقلع سنّ عدوّه. لا تمارس تلك القاعدة دون محكمة تجبر ذلك. ونحن
نعلم أنّ محاكم اليوم كما في الأمس، تستند إلى خطّ معتدل بين العقوبة المفروضة وبين
الأضرار المسبّبة. فشريعة العين بالعين وشريعة نوح لهما هذا الشيء الموحّد: هناك
شيء سلّم إلى العنف، وهناك شيء آخر يحدّ منه. بعدما قال يسوع أنّه لم يأتِ لينقض
الشريعة بل ليكمّلها (مت 5: 17)، أعلن عن عدالة أخرى، عدالة الارتقاء: "إن كانت
تقواكم (البرّ - العدالة) لا تفوق تقوى معلّمي الشريعة والفرّيسيّين، لن تدخلوا
ملكوت السماوات" (مت 5: 20).
لا نتطرّق فقط إلى شريعة سيناء في عظة الجبل، لكن إلى مبدأ الاعتدال بين قوّة
"تيّار" معيّن وقوّة "سدّ" مشترك لكلّ الشرائع. ويسوع الذي لم ينقض الشريعة، لم
يطعن بالمحاكم، ولم يحلّ الشرطة ولم يقفل السجون: "وإذا خاصمك أحد، فسارع إلى
إرضائه ما دمت معه في الطريق، لئلاّ يسلّمك الخصم إلى القاضي والقاضي إلى الشرطيّ
فتلقى في السجن" (مت 5: 25 ي). وراح إلى أبعد من ذلك: "من أراد أن يخاصمك ليأخذ
ثوبك فاترك له رداءك أيضًا". (5: 40)
كلّ هذه الأوامر أو الأحكام (لا تقاوم الشرّير، من ضربك على خدّك در له الآخر، ...)
التي تجتمع في عظة واحدة، يجب أن نسمعها جيّدًا لنكتشف عظمة سلطتها وقوّة انتشارها.
ثمّ يجب عدم الوقوع في الغلط لما تفرضه. "كان يتكلّم كمن له سلطان" (7: 29) وهذا ما
صدم الجموع. ومن الخطأ أن نرى في هذا المجال تلألؤًا لأيّ تحريض في الاختيار لنمط
حياة أكثر فرضًا أو لفتًا للنظر. "كونوا كاملين" (5: 48) فالكلمة ملقاة هنا،
ولكنّنا لا ننتظر أن نرى الكمال المعطى كمبدأ حيث عدم تطبيقه يؤدّي إلى السقوط. فمن
يسمع ولا يضع ذلك موضع التنفيذ يقول يسوع مثل بنّاء بنى بيته على الرمل... (مت 7:
27) فالخيار إمّا الوقوع في كارثة وإمّا وضع عظة الجبل موضع التنفيذ. يوجد هنا ثورة
بمعنى أنّه عودة إلى مخطّط عرض القانون. في السابق، كما في التثنية (فصل 30)، تضع
الشريعة خطًّا للمشاركة: الحياة لمن يسير بموجبها والموت لمن يتجاوزها. مع يسوع،
الشريعة القديمة، وكذلك هذا الخيار، محفوظة ولكن لتفصل بطريقة أخرى. إنّها تفصل بين
تصرّفين: بما أنّها معطاة، ليس هناك من خيار سوى الخضوع لما تفرضه أو تخطّيه.
فالخضوع لما تفرضه يعني القضاء على الذات (تدمير الذات)، وتخطّيه ليس له من نهاية
لأنّه يقود إلى الحياة. إذا أبعدت هذه النظرة إلى التوازن، لا يعود الموت عقوبة
المخالِف لكن النهاية المنطقيّة لعنفه، ولا تعود الحياة مكافأة على المحبّة فقط، بل
هي الحقيقة في ملئها. فالكلمات الأخيرة من عظة الجبل: "وكان سقوطه عظيمًا" تجعلنا
نفهم أنّ تعليم يسوع، لا يعني فقط مثالاً مقدّمًا إلى النخبة، بل يركّز أيضًا على
أنّ هذا التعليم هو الطريق الوحيد والأوحد الذي يقود الإنسان وأهل بيته إلى الحياة،
وأهل البيت هم العالم، الذي تسكنه الإنسانيّة كلّها. إذن تعليم المسيح هو أكثر من
مثال. فالإنسانيّة المرسلة إليها هذه الرسالة، المتطرّفة إذا أردنا، هي شرط لا بدّ
منه للخلاص، لأنّ الإنسانيّة مدعوّة لتعيش هذا التطرّف في المحبّة والرقّة إلى أقصى
حدّ. بعض الشهود فهموا دائمًا هذا، لكنّ السنوات التي نعيش فيها هي تحوّل تاريخيّ
بسبب الوضوح الحديث الذي تحمله: فالعظة على الجبل تعني ما يجب أن نعيشه معًا
وجميعًا، تحت طائلة الفناء معًا. يسوع يوقّع ويدشّن التطوّر التاريخيّ، هو الذي لم
يأتِ "ليحمل السلام بل السيف" (مت 10: 34)، سيف الشريعة الجديدة الذي أتى يسوع
ليكشفه.
التأثير (الصدمة) الذي أحدثته كلماته يمكن أن يقود إلى عدم الانتباه إلى إحدى
الأوجه غير المنوّه عنها. هذه الكلمات تدلّ إلى وجهة معيّنة، وتخفي نهايتها. من
الملاحظ، وهي المتطرّفة، أنّها لا تفرض على التلميذ أن يبذل حياته. أن يدير خدّه
لمن يضربه، لا تقصد شخصًا يريد القتل. هي وجه من الاعتدال. وحده الاعتدال يمكن أن
يؤكّد بلوغ النهاية القصوى التي يجب المضي إليها.
نعود إلى القول إنّ ما يرمز إليه كلام يسوع لا يمكن أن يتوقّف عند الشريعة، دون أن
يستفيد منها ليحدّد ما يفرضه، فيبرّر نفسه بقوله: "لم أرتكب الفحشاء"، ولا بقوله:
"من يظنّ أنّه قادر أن يتوقّف هنا يهوي إلى عنف أكبر. من يمضِ إلى الأبعد لا يعرف
أين يصل". فالإنسان، ولا سيّما المجتمع، ليس له من خيار سوى وجهتين اثنتين - تصرّف
واحد بهدف مختلف - هما المحبّة التي تنمي والكراهية التي تدمّر. لهذا السبب أحبّ أن
أتكلّم عن عنفين، الفساد أو الارتداد (التوبة). بشكل خاصّ، عندما نتكلّم عن
المجتمع، لا يمكن أن نقف جامدين أمام هذين النقيضين، ولو كان المجتمع يستغل الفرصة
من الشريعة ليبرّر أعماله.
بصريح العبارة، إحدى الطرق التي قام بها يسوع لكي لا ينقض الشريعة المعطاة
للأقدمين، هي أنّه لم يستبدلها بشريعة أخرى. فما يريد أن يوصله كلام يسوع الذي لا
يستند فقط إلى الشريعة القديمة والدائمة، لا يمكنه أن يتوقّف عند كلام المسيح ذاته
كما يتوقّف عند شريعة. من المستحيل أن نصف بالشريعة مجموعة ما يفرضه يسوع في عظته
على الجبل - مثل أعطاء الخدّ الأخر، وقلع العين - وغيرها: هي مفهومة بمعنى تنفي كلّ
تفسير حرفيّ وإلاّ فهي تقيّدنا. أمّا طابعها المبالغ به فيساعدنا على التسامح. فهي
تعبّر بطريقة تدفع بالمخيّلة بعيدًا عن صور البرّ والتقوى إلى الواقع، وتفتح الطريق
نحو زيادة في البرّ والتقوى غير مقبولة اجتماعيًّا ولا نراها بالعين المجرّدة،
فنغمر بصور الخير. فالمحبّة موجودة على برنامج بعيدًا عن الشريعة، مكمّلة لها دون
أن تلغيها.
إذا تكلّمنا عن "شريعة المحبّة"، وإن في الكتاب المقدّس، فبمفارقة، فلا شريعة تفرض
المحبّة. لنبتعد قليلاً عن المرجع المتّاويّ إلى نبع آخر مغاير، يمكننا أن نلخّص
تعليم مار بولس حول الشريعة بكلمات قليلة: "كلّ شريعة تعرّض للتجربة". فالتجربة
ليست فقط في التعدّي على الشريعة، بل في الانغلاق في حرفيّتها، والوقوف عندها. لم
يتوقّف يسوع عن نزع القناع عن هذه الورطة. يجب عدم الخطأ فيها: فشريعة المحبّة ليست
دون أخطار، وهي تجرّبنا أيضًا بطريقة تدفعنا أن نردّ برقّة ولطافة، كتصرّف نقيض
للعنف، على تصرّف بعيد عن المسيحيّة.
عندما أعطى الله الإنسان بعد الطوفان، أن يكون خوفًا على الحيوانات، تحمّل وقبل
مسؤولية عنفنا. رافقنا الله ورضي بأن يكون على الصورة التي رسمتها أعيننا عنه: سكب
الله على الإنسان العنيف دومًا حوار الصورة التي يستطيع أن ينالها. مارس هذه
الرقّة، فلبس هو نفسه عنفنا بانتظار أن يصبح الضحيّة بواسطة ابنه حتّى الموت. وبعد
صورة القوّة التي اتّخذها، لبس صورة الضعف، وهاتان الصورتان هما صورتان متناقضتان.
هناك صور عن العنف، وصور عن الضعف، ولكن لا نجد صورًا عن المحبّة.
يدشّن يسوع عصرًا جديدًا، فهو يحرّرنا. لنركّز في الختام، على طابع مهيب لهذه
الحريّة. فعظة الجبل، بما فيها من مغالاة، تدمّر صور البرّ وصور المحبّة إذ تدفعها
إلى أقصاها. لكنّنا لا نعرف بعد كيف نجعلها موضع التنفيذ، ما نعرفه أنّه يجب العمل
بها الآن. فكلمة "مستعجل" حول طابع العصر الجديد، تتضمّن النموّ في الشدّة.
والمستعجل ما هو ساعة بعد ساعة أكثر استعجالاً. فما هو مستعجل لمدى طويل لا يعود
كذلك. فحريّتنا تجاه الورطة بين الموت والحياة ظاهرة: يتدخّل الله، لنقرأ، تك 6- 9،
ليدمّر خليقته، والإنسان الآن هو الذي يدمّرها، ولم يبقَ أمامه سوى تدمير نفسه. ألم
يبدأ بعد؟
الخوري أنطوان الدويهي
وجه الإنسان في العهد القديم
من هو الإنسان؟ ذاك هو السؤال الذي نطرحه حين نقرأ الكتاب المقدس. فهذا الذي خُلق
كل شيء من أجله، كما يقول آباء الكنيسة، سقط وسقطت معه الخليقة. ولكن الرب أراد أن
يعيد الإنسان إلى عظمته. تلك هي المسيرة التي نسيرها في أسفار العهد القديم، منذ
أسفار الشريعة الخمسة إلى الأنبياء والحكماء. هي في الواقع عمليّة تجديد وبناء تصل
بنا إلى عتبة العهد الجديد.
1- الإنسان الأول جديد الخلق
تأتي الكائنات إلى الوجود نداء من الله بحسب ترتيب يزداد مقاماً حتى يصل إلى
الإنسان، صورة الله وملك الخليقة. "روح الله" (تك 1: 4) هو ما يجعل حياة الإنسان
وحياة جميع الكائنات ممكنة. "صنع الله" الخلق (1: 7- 25) وتوّجَهُ بـ "الإنسان" على
صورته كمثاله (ش 1: 26). فعلاقة الإنسان مع الله تُميّزه عن الحيوانات. فالإنسان هو
شخص. و"اليوم السابع" (تك 2: 3) سنّة الله، أعطاه الله، ليقتدي الإنسان به. وتمتاز
روايةُ خلق الإنسان عن خلق العالم، ولا تكتمل الا بخلق المرأة وبظهور الزوجين
البشريين الأولين (تك 2: 4- 8، 18- 24).
الإنسان، في الأصل: "آدم"، أي: الآتي في الأرض (تك 3: 19). وهو اسم جمع سيصبح
الإنسان الأول، آدم (تك 4: 25، 5: 1 و3).
"شجرة معرفة الخير والشر" (تك 2: 9): هذه المعرفة امتياز يحتفظ الله به. وإذا
يغتصبه الإنسان، تكون الخطيئة (تك 3: 5، 22). فالمعرفة ليست التمييز الخلقي الذي
كان الإنسان يملكه، بل ادّعاء الإنسان القدرة بنفسه على الحكم في ما هو خير وما هو
شرّ، أي المطالبة بحكم ذاتي خُلقي يُنكر به الإنسان أنه خليقة. وهكذا أقام الإنسان
نفسه قاضياً في الخير والشرّ (تك 21: 7؛ 3: 22)، وهذا امتياز من امتيازات الله.
"كلمة إنسان" (تك 21: 6) تدل على الرجل والمرأة، كما هو الحال في 3: 24. و"اللحم"
(2: 21). في الأصل: "بسر"، هو العضل وهو الجسم كله، وهو الرابط العائلي (تك 2: 24).
"الحية" (تك 3: 1) تمثّل ما يعادي الإنسان. وإن 3: 15 يُنبئ بقيام عداوة بين
الإنسان والله، وتلمّح إلى انتصار الإنسان في النهاية.
الإنسان قابل للموت بطبيعته (تك 3: 19)، ولكنه يطمح إلى الخلود (تك 3: 22).
وتدل كلمة "روح" (تك 6: 17) على أن الإنسان عطية من الله (6: 3).
و"قلب الإنسان" (تك 8: 21) هو باطن الإنسان والمميّز عمّا يُرى ولا سيما عن "الجسد"
(2: 21). وهو مصدر القوى التي تصدر عنها الأفكار والمشاعر والأقوال والقرارات
والعمل. والقلب هو مركز الضمير الديني والحياة الخلقية. فالإنسان يبحث في قلبه عن
الله، ويصغي إليه، ويخدمه، ويسبّحه، ويحبّه.
يعلم الله أن قلب الإنسان لا يزال شريراً (8: 21)، لكنه يخلّص خليقتَه، ويذهب بها
إلى حيث يشاء، بالرغم من الإنسان نفسه. بعد الطوفان يبارك الله الإنسان ثانية
(نوح)، ويجعله ملكاً على الخليقة (تك 9: 1)، كما كان في البدء (تك 1: 28).
2- العهد الجديد مع إبراهيم
يقطع إبراهيم جميع روابطه الأرضية، ويمضي إلى بلد مجهول، مع امرأته العاقر (تك 11:
30). هذا أول فعل إيمان من إبراهيم (تك 12: 4- 9). ولرواية إبراهيم في أرض مصر (تك
12: 10- 20) طابع خلقي غير مكتمل، وحياة الزوج تفضّل في هذه الأخلاقية على شرف
المرأة. كان شرف المرأة في ذلك الزمان أق قيمة (12: 13) من واجب الضيافة المقدس
(19: 8).
والكذب الوارد ذكره في اختلاس يعقوب لبركة اسحق (تك 27)، في إطار أخلاقية لا تزال
غير كاملة، يقيّد بطريقة غامضة عملَ الله الذي فضّل باختياره الحرّ يعقوب على عيسو
(25: 23).
"وبارك ابرام الله" (14: 19). الإنسان يبارك الله ويسبّح عظمته ورأفته، ويتمنّى أن
يراهما في رسوخ وامتداد (24: 48).
عدّ الله إيمان إبراهيم "براً" (تك 15: 7). إن "البار" هو الإنسان الذي يُرضي الله
باستقامته وخضوعه. وإيمان إبراهيم يوجّه سلوكه وهو مبدأ عمله.
"والعهد" (تك 17) يفرض على الإنسان هذه المرة واجبات تعود إلى الكمال الخلقي (17:
1)، وصلة دينية بالله (آ 7 و19). و"الختان" (تك 17: 3) "علامة" تذكّر الإنسان
بانتمائه إلى الشعب المختار وبالواجبات الناتجة عن ذلك. وإن تك 19 (تدمير سدوم)
يثبت لنا ما في الدين من الكتاب المقدّس من طابع خلقيّ وما للربّ من سلطان شامل.
وفي رواية "إبراهيم في جرار" (تك 20) التي ترتبط بالتقليد الالوهيميّ تجاه النص
اليهوهي في 12: 10- 20، نكتشف إشارات كثيرة تدل على أخلاقية أكثر تطوراً.
وفي هذا الخطّ، تبدو مسيرة يوسف علامة على العناية الالهيّة التي لا تدمّرها
مخطّطات البشر، والتي تحوّل شرّ نواياهم إلى خير.
3- رسالة موسى الجديدة
افتقاد الله (خر 3: 16) يعني تدخّلاته في مصير الإنسان والشعوب بالإحسان (خر 4:
31). "اتخذكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (خر 6: 7). إن هذين التعبيرين المتلازمين
يعبّران عن العلاقات الجديدة القائمة بين الله وشعبه في إطار العهد والاختبار.
الكلمات العشر أو الوصايا العشر، هي علامة العهد في سيناء (خر 20: 1- 21). تتناول
جميع مبادئ الحياة الدينية والأخلاقية. وهي بذلك قلب الشريعة الموسوية.
يليها "كتاب العهد" (خر 20: 22- 32: 33) الذي تتوزّع أحكامه على الشرع المدني
والجزائي (21: 1- 22: 20) وقواعد العبادة (20: 22- 26 و28- 31 و23: 1- 19)، والآداب
الاجتماعية (22: 21- 27 و23: 1- 9).
قال الله لموسى في الجبل: "لا يراني الإنسان ويحيا" (خر 23: 20): الهوّة القائمة
بين قداسة الله وضعف الإنسان عميقة جداً، بحيث إن الإنسان يموت حتماً إن رأى الله
(خر 19: 21)، أو سمعه (خر 20: 19). وإذا بقي الإنسان على قيد الحياة بعد رؤية الله،
فهو يشعر بدهشة ملؤها عرفان الجميل، ترافقها المخافة.
4- الإنسان يتجدّد بالتكفير
التكفير (لا 1: 4) ذبيحة يستطيع بها الإنسان الذي أهان الله بمخالفته العهد أن ينال
الغفران.
و"الطاهر" هو ما يمكّن الإنسان الاقتراب من الله، و"النجس" أو الدنس هو ما يجعل
الإنسان غير أهل لعبادة الله، بل يحرمه منها (لا 11- 16). ففي "برص البيوت" (لا 14:
33- 56)، يأخذ الكاهن "لذبيحة خطيئة البيت، عصفورين وعود أرز وقرمزاً وزوفى" (لا
14: 49). ليس لـ "الخطيئة" هنا أي بُعد خُلقيّ. فنجاسة البيت تمثّل هنا نجاسة
الإنسان وهو ينجو منها بذبيحة تطهّره من الخطيئة. وإن "شريعة القداسة"، الواردة في
سفر اللاويين (ف 17 ي)، ميزة الله. الأخلاقية في شعبه قد وصفت هذا المفهوم القديم،
فأصبح الإنفصال عن الدنس إعراضاً عن الخطيئة. ثم أضيفت إلى الطهار الطقسية طهارة
الضمير.
والسنوات المقدسة، والسنة السبتية (لا 25: 1- 7)، والسنة اليوبيليّة (لا 25: 8- 17)
تشمل، بالاضافة إلى إراحة الأرض المزروعة، إعتاقاً للأشخاص والأموال على وجه عام.
فكل إنسان يعود إلى عشيرته ويستردّ ملكه: "وإلى ملك آبائه يعود" (لا 25: 41). وكل
هذا باسم العهد.
5- الإنسان الممتحن يجدّده الإيمان والألم
لا يعادي الإنسانُ الله عن قصد، ولكنه يشكّ في نجاح عمله في خلق الإنسان (أي 1: 6):
"طوبى للإنسان الذي يوبّخه الله. فلا تنبذ تأديب القدير" (أي 5: 17): فالمصائب التي
حلّت بأيوب هي إذاً تأديب وعبرة أليمة ولكنها مفيدة. وهذا ما سيقوله أليهو (أي 33:
19).
"إن الغمام يتبدّد ويعبر. وكذا الهابط إلى مثوى الأموات لا يصعد" (أي 7: 9). من
المستحيل أن يصعد الإنسان من "مثوى الأموات"، و"الهاوية" (26: 6) التي "تحت الأرض"
(28: 11)، و"الحفرة" (40: 13 ب). وهذا ما يوافق الاعتقاد الشائع: "الإنسان يضّجع
فلا يقوم" (14: 12 أ).
العدل الإلهي يسود الحق (أي 9- 10). "فكيف يكون الإنسان باراً أمام الله؟" (9: 2
ب). الإنسان مسؤول عن كل أعماله أمام الله. على الإنسان أن يتمكّن، باستعمال عضويّ
لحريّته، من العيش في سلام مع الله وبانسجام مع الكائنات والأشياء (10: 13): "أجعل
نفسي في كفيّ" (13: 14 ب). هذا التعبير المثلي يعني أن الإنسان يخاطر بحياته،
ويراهن على كلّ ما عنده.
"الإنسان مولود المرأة، قليل الأيّام كثير الشقاء" (14: 1): هي مرثاة شعرية في شقاء
الإنسان. يرى أيوب (7: 1)، هي تعاسته الشخصيّة، حالة الإنسان بجملتها، فتستمدّ
مرافعتُه من ذلك برهاناً، وهو أن قساوة الله على هذه الخليقة الضيّقة أمرٌ لا
يُفهم. يتذرع أيوب بنجاسة الإنسان عذراً (14: 4). هذه النجاسة تؤدّي إلى ضعف خلقيّ
ميل إلى الخطيئة (4: 17- 19). إنها أصل الخطايا الجسيمة التي تؤدّي إلى "الإثم"
(15: 13).
يشير الكتاب المقدّس أكثر من مرّة إلى العجرفة التي أظهرها الإنسان في بدء العالم
(20: 6؛ راجع تك 11: 4). وهذا التقليد المطبوع بالأولى بطابع الصور القديمة، ينسجم
مع تقليد تك 3: 1 ي، الذي ينسب زلّة الإنسان إلى الكبرياء (أي 24: 13). "هل قلتُ
للإبريز: أنت سندي" (31: 24 ب)؟ هي كبرياء الغنيّ الذي يظنّ أنه يستطيع أن يستغني
عن الله.
"لايدرك الإنسان الحكمة" (أي 28): هنا يُشدد بحكمة تُجسّدُ العناية الإلهيّة، ولا
يُدركها الإنسان. وهذا الإنسان، بالرغم من جهوده واكتشافاته، يصطدم دائماً بسرّ
حكمة تتجاوزه. إن الله هو الذي يعطي الحكمة.
"دفاع أيوب عن نفسه" (أي 31). تمسّك بالبراءة، فبلغت أخلاقيّةُ العهد القديم ذروة
صفائها، حتى إنها مهّدت الطريق مباشرة إلى الأخلاقية الانجيلية. فأجاب الربّ أيوب
من العاصفة وقال: "إني سائلك فأخبرني" (38: 1 و3 ب). هنا تُعكس الأدوار: فالربّ
يتّهم، ويدعو أيوب إلى الدفاع عن نفسه.
في الخاتمة، قال الله لأليفاز التيماني: "إني أرفع وجه (أيوب)" (42: 8): أي أرفع
شأنه، وأعيد إليه اعتباره.
6- الإنسان من جديد على جبل الله المقدّس
لما بنى سليمان الهيكل على رابية صهيون، أصبح هذا الموضع الجبلَ الوحيد الذ يسكن
الله فيه (مز 2: 6) والذي "يصعد" الإنسان إليه ليصغي إلى الله ويعبده. وللذين
يقولون "من يرينا الخير"، يجيب: "أطلع علينا نور وجهك، يا ربّ" (مز 4: 7). بما أن
الإنسان لا يستطيع أن يرى الله (خر 33: 20+ 34: 29- 35)، فالله "ينير بوجهه" فقط
(مز 13: 17 و44: 4 و80: 4). ويشير المزمور إلى عظمة الله: "أيها الربّ سيدنا، ما
أعظم اسمك في الأرض كلها" (8: 2). بما أن الإنسان مخلوق على صورة الله، فهو شريكه
في سيادته (مز 20: 2؛ 54: 3، 8). "أقوال الربّ أقوال طاهرة، فضّة مصهورة في بوتقة
من تراب" (12: 7): أي عندما يُخرجها الإنسان من التراب، ينقّيها الرب، لأن كلامه
صدق لا يشعر به الكذب.
إن مطلع مز 24 (آ 1- 6) يبدو أنه يعود إلى زمن لاحق لداود (راجع مز 15): إن خالق
الكون هو أيضاً الصديق الذي يرحّب بالانسان البار. أمّا مز 34: 12- 23، فهو تعليم
على طريق الأمثال حول مصير الإنسان البار والإنسان الشرير. في "نور وجه" (27: 1 و36
و89: 16 وأي 29: 3)، يجد الإنسان نور السعادة والأمان والازدهار (119: 17) وكل هذا
يمنحه الله البار، وفقاً لمعتقد الحكماء حول المكافأة الزمنيّة (مز 128).
الله هو الذي يمجّد الأبرار (73: 24؛ 91: 15). كلّ إنسان يولد دنساً (51: 7؛ أي 14:
4؛ رج أم 20: 9) هي ذريعة تعدّ من الظروف المخفّفة التي يراعيها الله (رج 1 مل 8:
46). يبقى الله أن يَنفذُ إلى أعماق الإنسان، لأنه وحده يستطيع أن يغيّره (51: 8):
"قلباً طاهراً فيّ يا الله، وروحاً ثابتاً جدّد في باطني" (51: 12). هذا العمل
محصور بالله الذي يخلق من العدم شيئاً جديداً ورائعاً (تك 1: 1؛ خر 34: 10). و"روحك
القدوس لا تنزعه مني" (51: 13 ب): تدلّ هذه الكلمة على مبدأ الحياة الأخلاقية
والدينية. وهي في داخل الإنسان، كلمة صادرة عن الله.
أما مز 90، فهو صلاة رجل حكيم أطّلع على الكتب المقدّسة (تلمح إلى التكوين وأيوب
وتثنية الاشتراع)، فتأمل في ضعف الإنسان وقصر الحياة بسبب الخطيئة. فالحكمة التي هي
مخاطبة الله، عن معرفة الإنسان لضعفه (أم 1: 7؛ مز 90: 12 ب). وشريعة الربّ التي
"نعلّمه" (94: 12)، هما الوحي والتعليم الأخلاقيّ.
وبدا مز 126 كنشيد المراقي التي يتلوها الحجّاج وهم صاعدون إلى أورشليم: في نظر
العائدين من الجلاء ومقاومة مصاعب التجديد (رج نح 5: 1 ي)، تمثلّ العودة من بابل
مجيء العصر المسيحانيّ. سيكون المسيح نور الأمم (132: 17). فالمسيح الداوُدي هو في
آن واحد كاهن وملك (مز 110: 1 ي). أما مز 127 فيعلن أن عمل الإنسان معرَّض للفشل لم
يُنعم الله عليه بالخصب الذي هو علامة عن بركة الله (حك 3: 13). ومز 139 هو تأمل في
علم الله المُطلق. فالله يعرف الإنسان مصيرَه قبل أن يولد (139: 16؛ رج 22: 11؛ 71:
16)، بينما يبقى السرّ غير مفهوم بالنسبة إلى الإنسان.
7- الإنسان يتجدّد بالحكمة فيخلد
في سفر الأمثال، الإنسان كلّه، بروحه وجسده، يكون "حكيماً"، وهذا ما يوافق العقلية
البيبليّة التي تحافظ على وحدة الكائن البشريّ.
فمن هو الحكيم؟ إن تصفّحنا الكتاب المقدّس، رأينا أن هذه الكلمة تدلّ على الإنسان
الذي يبرع في أعمال متنوعة جداً على مستوى الفنون والصناعة. أما في سفر الأمثال
فيكون التشديد على شخص الإنسان وخليقته.
الحكمة تقاوم العشرة الرديئة (ف 2). هي تأتي من عند الله (آ 6)، ولكن الإنسان
يستعدّ لقبولها برغبة في الإطّلاع لا تفسد (آ 3- 4)، وبالانقياد لتعليم الأكبر سناً
(آ 1- 2). لهذا فالزنى (آ 17)، أي خيانة الله، يذهب الإنسان إلى مثوى الأموات (آ
18؛ 5: 5- 6؛ 7: 26- 27). فالخطوة الأولى في ممارسة الحكمة هي الاقتناع بواجب
اكتسابها وبالتضحية من أجلها (4: 7).
الجهل يقلّد الحكمة (9: 13- 18). كما أن هناك طريقين، طريقاً للخير وطريقاً للشرّ
(4: 18- 19 تث 30: 15- 20؛ مز 1: 1 ي)، هناك نداءان للإنسان ومأدبتان دُعي إليهما،
وعلى الإنسان أن يختار. "للعاقل سبيل حياة إلى فوق" (15: 24): وقد فُهم في وقت لاحق
أن المقصود هو "السبيل المؤدّي إلى السعادة السماويّة". "للإنسان إعداد القلب، ومن
الرب جواب اللسان" (16: 1). الإنسان بالتفكير والله بالتدبير.
"إن الحكمة روح يحبّ الإنسان" (حك 1: 6 أ): غالباً ما يرد "القلب" و "الكليتان"
معاً (حك 1: 6؛ مز 7: 10؛ 26: 2) للدلالة على مجمل قوى الإنسان الباطنية. "إن الله
لم يضع الموت" (حك 1: 13). يُحيلنا المؤلِّف هنا إلى رواية تك 2- 3، ليستخلص منها
مقاصد الخالق وهي أن الإنسان قد جُعل للخلود، وما من شيء في الخليقة بامكانه أن
يُحبط الإرادة الإلهية، بل إن "المخلوقات" تساعد على خلاص الإنسان. "لأن البرّ
خالد" (حك 11: 5). فمن مارس "البرّ" (10: 1) نال الخلود. خطأُ الكافرين أنهم "لم
يعرفوا أسرار الله" (2: 22)، أي مقاصد الله الخفيّة المختصّة بمصير الإنسان الخالد.
"جعله الله صورة ذاته الإلهية" (2: 23). هكذا عالج المؤلف بطريقته موضوع الإنسان
المخلوق على صورة الله (تك 1: 26).
فالأبرار "رجاؤهم كله مملوء خلوداً" (3: 4): للرجاء شأن جوهري في حياة الأبرار،
وموضوعُه الخلود. يستعمل المؤلّف الكلمة هنا بمعنى خلود النفس، ولكن أيضاً للدلالة
على الخلود البعيد في جوار الله على أنه مكافأة على البرّ (1: 15؛ 2: 23). ولا شكّ
أن الفعل "تلألأ" (3: 7) يعني دخول النفوس البارة في المجد الأبديّ. "فالذي يحتقر
الحكمة والتأديب شقيّ" (3: 11). هي عبارة مأخوذة من سفر الأمثال (1: 7). فكلمة
"حكمة" تدلّ هنا على الحكمة العمليّة التي تحمل الإنسان على العيش وفقاً للفضيلة.
وتدلّ "الفطنة" (3ك 15) على معرفة الخيرات الحقيقيّة، وهي معرفة تجعل الإنسان يحيا
حياة الفضيلة وتضمن المطابقة للمتطلّبات الإلهيّة (رج 4: 9؛ 6: 15؛ 7: 7؛ 8: 6؛ 18؛
21). وهي أصل ثابت (12: 3)، وقضيبٌ يُخرج ثماراً للأبد (حك 11: 5؛ 2: 23).
فالحكمة تأتي لملاقاة الإنسان (حك 6: 12- 21): إن كلمة "الحكمة" تدل الآن، لا على
تعليم فقط (آ9)، بل على الحقّ الإلهيّ الذي يسطع بالحكمة وينادي الإنسان في باطنه
(آ 13). إن الاجتهاد في حفظ شرائع الحكمة لا يكفي ليجعل الإنسان غير قابل للفساد،
لكنه يولّد حقاً فعلياً لا نزاع فيه لأنه ينال الإنسان من الله عدم الفساد السعيد
أو الخلود (2: 23؛ 3: 4).
"إنك أشفقتَ على أولئك أيضاً لأنهم بشر" (12: 8): تُشدّدُ هذه الآيةُ على سرعة زوال
الإنسان (تك 8: 31؛ مز 78: 39؛ 103: 14- 15)، كما على كرامته الجوهريّة (تك 1: 26-
27 ومز 8: 5- 7) التي تمكّنه من الحصول على علاقات مميّزة مع الحكمة الإلهية (أم 8:
22، 31).
8- الإنسان يتجدّد بالعلاقة
"ملك اليوم غداً يموت" (سي 10: 10): يبدو أن النص يؤكّد قلّة فائدة الجهود لإنقاذ
الإنسان المكتوب له الموت. "يترك ذلك لغيرة ويموت" (11: 19): فالفكرة واحدة وهي
قلّة الخيرات التي يكدّسها الإنسان بكثير من الجهد والتي يُحرم منها يوم موته. إن
ضعف الإنسان عند ابن سيراخ يُبرز عظمة الله (18: 7).
كان الدين اليهوديّ في عهد متأخّر يهتمّ بتبرير تدخّلات الله لمعاقبة الناس. أما
"رحمة الله" الشاملة وطابعها التربويّ، اللذين يشدّد عليهما سي 18: 3، فهما أكرٌ
جديد في العهد القديم. والإسادة بعظمة الله، والمقارنة بضعف الإنسان، موضوع يدعون
المرتّل قائلاً: "أنشدوا للربّ نشيداً جديداً" (42: 10 أ): يمتاز هذا "النشيد
الجديد" (آ 10؛ رج مز 96: 1؛ 98: 1؛ 149: 1)، بأسلوبه الغنائي الذي يصف انتصار
الربّ. فالأرض كلّها مدعوّة إلى الاشتراك في التسبيح.
9- الإنسان يتجدّد تحت نظر الله
"شبعتُ من محرقات الكباش، وشحم المسمّنات" (أش 1: 11). فأياً كانت الظروف، لابدّ من
نبذ الكبرياء وعبادة الأوثان على جميع أنواعها ورفض الأسلحة والمناورات السرية التي
يظنّ الإنسان أنه يتهرّب فيها من نظر الله. وليست أورشليم مركز يهوذا واسرائيل
والمملكة الداودية القديمة فقط، بل هي أيضاً، كما ورد في تقليد قديم تناوله أشعيا
وحدّده، مركز العالم الذي تتّجه إليه جميع الأمم (أش 2: 1- 6؛ 60: 1 ي؛ 62: 1؛ 65:
16- 25).
يضع الله الرحيم حداً لخطيئة الإنسان ويُرجعه إلى علاقة حقيقيّة معه (أش 1: 10) وما
من ذنب يقضي على مغفرة الله (مز 130). والشرط الذي يضعه الله هو الإقرار والندامة
(أش 5: 15؛ مز 19: 13؛ 25: 11، 18؛ 32: 5، 51: 19- 20) اللذان يحملان الإنسان على
التحوّل الباطني (أش 31: 18).
إن قداسة الله 0أش 6: 3)، "قدوس اسرائيل" (1: 4؛ 5: 9، 24؛ 10: 17، 20؛ 41: 14، 16،
20)، تقتضي من الإنسان أن يكون هو نفسه مقدّساً، أي منفصلاً عمّا ليس مقدّساً (لا
17: 1)، ومطهّراً من الخطيئة (أش 6: 5- 7)،ومشاركاً لله في "برّه" (1: 26؛ 5: 16).
فحكمُ الله يتمّ بحسب برّه (26: 7- 10). إن بصيرة الربّ تكشف مقاصد السوء (29: 15-
16)، وهو ينقذ البائسين والمساكين من أيدي أعدائهم ويُحلّ البرّ (أ 17- 21).
حينئذ "يسكن الذئب مع الحمل" (11: 6): لقد حطَّم تمرّدُ الإنسان على الله (تك 3: 1
ي) الإنسجام الذي كان قائماً بين الإنسان والطبيعة 0تل 3: 17- 19)، وبين الإنسان
والإنسان (تك 4: 1 ي). فإن العصر المسيحاني يحمل السلام، والسلام الدائم (أش 9: 6؛
23: 17؛ 60: 17- 18). أمّا المحن التي تحلّ بالشعب فتمهّد الطريق لانبعاث جديد (26:
16- 19).
"تقدموا إليّ واسمعوا" (أش 48: 16): يبدو أن النبيّ هو الذي يتكلّم ليقول قولاً
جديداً (آ 17- 19): ماذا كان مصير شعب إسرائيل لو كان اميناً. هذا، وان رسالة العبد
المتألم لا تقتصر على الشعب الإسرائيلي ليجمع شمله (49: 5)، بل تشمل الأمم ليُنيرها
(آ 6). وعظُه جديد مدهش (آ 2) وهو يأتي بالنور والخلاص (آ 6). "أيفلت الأسير من
الطاغي؟" (49: 24): يبدو التحرّر مستحيلاً على الإنسان، ولكن الله هو سيّد
المستحيل. سيجدّد الربّ عجائب الماضي وانتصاره على قوات الخواء الأول وعبور البحر،
ليعيد المنفيّين إلى صهيون (51: 9- 11). يتكلّم الربّ المعزّي (51: 12- 16) ليشدّد
عزيمة شعبه (40: 1). فيجب ألا يخاف أي إنسان، وإن كان قوياً، لأن الربّ ، وهو سيّد
الخليقة، يحمي شعبه، ويشدّد على مجانيّة الخلاص الذي يأتي به إلى شعبه مجاناً (52:
5). "ويجمعكم إله إسرائيل"(52: 12). يتمّ الخروج الجديد بحماية الله كما تمّ الخروج
الأول (خر 14: 9). "وبرأفة أبديّة أرحمكِ (يا أورشليم)" (54: 8).
ويدعو الله "أورشليم الجديدة" (54: 11- 17) إلى الاشتراك في خيرات العهد الجديد (آ
1- 5)، "الخيرات التي وُعد بها داود" (55: 3). ويكلّم الله فيُقيم عهداً أبدياً
(59: 21؛ 61: 89)، هو العهد الجديد.
خاتمة كتاب التعزية كله (55: 12- 13) هو استئناف موضوع الخروج الجديد من مصر، وفرح
العودة، وتحوّل البريذة إلى أرض خصبة (راجع 43: 19؛ 44: 3- 4).
لذلك هكذا قال السيّد الربّ (65: 13): "إني هكذا أخلق سموات جديدة وأرضاً جديدة"
(65: 17). إن النبي يتوقّع تجديداً كاملاً. وأما كلام الدينونة على أورشليم (66: 5-
17)، فهو امتداد للرؤيا الواردة في الفصل 65 حول الدينونة المقبلة، لكنه يتناول
موضوعاً جديداً يعبّر فيه عن آمال شعب الله.
10- بعد أن فشل العهد القديم (إر 31: 32)، في تجديد الإنسان، ظهر التدبيرُ الإلهي
في ضوء جديد. بعد كارثة لن تترك إلاّ "بقية" (أش 4: 3)، سيُقطع عهد جديد أبديّ (إر
31: 31)، كما في أيام نوح (أش 54: 9- 10). ولا يقيمه الله الا بتغيير قلب الإنسان
(إر 31: 31- 34). أما جدّة العهد فتكون في ثلاثة أمور: 1) المبادرة الإلهيّة في
غفران الخطايا (إر 31: 34؛ مز 51: 3- 4). 2) المسؤولية والمكافأة الشخصيّة (آ 29).
3) عبادة الربّ عبادة باطنية: لا تبقى الشريعة محض نظام خارجي، بل تصبح إلهاماً
يؤثّر في "قلب" الإنسان (آ 33؛ 34: 7؛ 32: 39)، تحت تأثير روح الله الذي يهب
للإنسان قلباً جديداً (مز 51: 12؛ رج إر 4: 4)، قادراً على معرفة الله.
11- الإنسان المؤمن مسؤول عن تجدّده
بعد تمهيد (با 3: 5- 9)؛ توجِّه أورشليمُ الكلامَ إلى المدن المجاورة وإلى أبنائها
المشتتين (آ 9- 29). ويجيبها الإنسان المؤمن بالتجديد المسيحانيّ (4: 30- 5: 9):
"الله يعيدهم إليك محمولين بمجد كعرش ملكيّ" (با 5: 6): ذاك هو موضوع الخروج الجديد
(رج أش 40: 3).
وان حزقيال جعل من نفسه بطل المسؤولية الشخصية (حز 14: 12- 23) والمدافع عن هذه
النظرية الجديدة. ليس خلاص الإنسان أو هلاكه منوطاً بأجداده أو بأقربائه، بل ولا
بماضيه الشخصي. فالاستعدادات الباطنيّة وحدها تؤخذ في الحسبان عند الربّ. الإصطدام
بالواقع يستدعي تقدّماً جديداً سيأتي به الوحي بوجود مكافأة بعد الموت. إن تشديد
حزقيال على مجانية احسانات الله التي أنعم بها على شعب إسرائيل، لا نظراً إلى
ندامته، التي تأتي بعد قطع عهد جديد (16: 92)، بل بمجرّد عطفه هو، يمهّد إلى وحي
العهد الجديد. فلا تثقّل على الإنسان جرائمُ أجداده. فبإمكانه أن يتحرّر من ثقل
ماضيه الشخصي. وهكذا يبرز النبيّ معنى التوبة الشخصيّة بحصر المعنى. فإن حالة النفس
الحاضرة وحدها تؤثّر في حكم الله (18: 21؛ رج 14: 12).
ولكن الروح سيكون لكل واحد، على وجه خفيّ، مبدأَ تجدّد باطني يمكّنه من حفظ الشريعة
الإلهيّة بأمانة (حز 11: 19؛ 36: 26- 27؛ 37: 14؛ مز 51: 12؛ أش 32: 15- 19). فيكون
مبدأ العهد الجديد (إر 31: 31)، ويُخرج، كالماء المخصب، ثمارَ برّ وقداسة (أش 44:
3)، تضمن للناس حظوةَ الله وحمايتَه (حز 39: 24، 29). وفي النهاية، أعلن الله في حز
37، كما أعلن في إش 26: 19، التجديد المسيحاني لشعبه بعد محنة الجلاء.
12- الإنسان يتجدّد بالإيمان والحبّ
إن سفر دانيال يشير إشارة خاصة إلى عظمة إيمان يستحق أن يخاطر الإنسان بحياته في
سبيله (143: 1 ي؛ 5: 1 ي؛ و14: 29).
نظر دانيال في رؤياه ليلاً "فإذا بمثل ابن الإنسان" (دا 7: 13): إن اللفظة الأرامية
الأصيلة "بارناشا"، مثل اللفظة العبرية "بن آدم"، ترادف أولاً كلمة انسان (رج مز 8:
5). يخاطب الله "قديمُ الأيام" (7: 0) النبيَّ في سفر حزقيال بهذا الاسم. ولكنّ
لهذه العبارة في دا 5: 13، معنى خاصاً رفيعاً. فهي تدلّ هنا على إنسان يفوق الصفة
البشريّة.
إن النبيّ هوشع يندّد بما في إسرائيل من فساد خلقيّ شديد (هو 4: 1- 2؛ 6: 7- 10؛ 7:
1). يتنظر الربّ تعبيراً عن توبة حقيقيّة وبراهين عن الحبّ تثبّتها أعمال الحياة.
يتجاوز هوشع المناظرة السلبيّة في هذا العدد: "إني أشفيهم من ارتدادهم" (هو 14: 5).
أليس في قدرة الله وحده أن يمكّن الإنسان الخاطئ أن يحيا حقيقة الحبّ هذه؟ ذلك ما
يعبّر عنه هوشع في 2: 20- 22: إلى العدل والحقّ اللذين في العهد القديم، يضيف الربّ
العطف والحنان، وسيقيم بينه وبين شعبه نمطاً جديداً من العلاقات في صدق وأمانة
باطنية عميقة تُعبّر عنها في هذا النص عباراتُ إلفة الحبّ، وهو حبّ لا يقاومه شيء،
لأنه سيكون صاحب الكلمة الأخيرة كما كان صاحب المبادرة الأولى (9: 10؛ 11: 1). فلن
يكتفي بالانتصار على الغضب (11: 6- 9)، بل سيمحو الخطيئة نفسها (14: 5).
سيتمّ التجديد المسيحاني في البرّ والقداسة (2: 21- 22). فإن الله يمحو تماماً ماضي
الزنى الذي عرفه شعب إسرائيل فيجعله خليقة جديدة (2: 21). وما يعطيه الله لشعبه في
هذه الأعراس الجديدة لا ينحصر في خيرات ماديّة (2: 10)، بل في الاستعدادات
الباطنيّة التي لا بدّ منها ليكون الشعب بعد اليوم أميناً للعهد. نحن هنا أمام
مبادئ: العهد الجديد الأبديّ "("للأبد" في أ 21)، والشريعة المكتوبة في القلوب،
القلوب الجديدة، والروح الجديد (إر 31: 31- 34 وحز 36: 26- 27).
تعبّر الكلمة "ح س د"، "الأمانة" (2: 22) أولاً عن فكرة الارتباط واللالتزام في
العلاقات الانسانيّة. فهي في الله تستدعي ما في الإنسان أيضاً، تستدعي بذل
النفسوالصداقة الواثقة والاتكال والحنان، والـ "برّ"، والمحبّة التي تتجلّى في
الخضوع لمشيئة الله بسرور، وفي محبة القريب (هو 4: 2؛ 6: 6).
إن "معرفة الربّ" عند هوشع (2: 22) ترافق ال "ح س د" (2: 21- 22؛ 4: 2؛ 6: 6). فليس
المقصود مجرّد معرفة عقليّة. وكما أ، الله "يعرّف" الإنسان "بنفسه" بالارتباط به
بعهد ويكشف محبّته الدائمة (2: 121) باحساناته، كذلك فالإنسان "يعرف الله". مثل هذا
الموقف يقتضي "الأمانة" لعهده والاعتراف باحساناته والمحبة له (2: 22؛ رج أي 21:
14؛ أم 2: 5؛ أش 11: 2؛ 58: 2).
يصف هوشع الحالة السائدة متخذاً نقيض الحالة المثاليّة التي ستكون للشعب المجدّد
(2: 21- 25): الإنسجام بين الإنسان والخليفة (2: 20، 23).
13- الإنسان يتجدّد بالتجرّد والصلاة والعدالة
موضوع تجرّد الإنسان التام هو موضوع رئيسيّ في نبوءة يوئيل، وهو الشرط لخلاص
الإنسان. إنه مرتبط بالموضوع الثاني الرئيسي الآخر، "يوم الربّ"، (يوء 1: 15؛ 2: 1-
2؛ 3: 4؛ 4: 14) الذي يرادف، عند الإنسان، تجرّداً تاماً.
هذا التجرّد هو، في رأي النبيّ، شرط لـ "رجوع" تام، لتوبة لا تقوم على الطقوس فقط
وهي صيغ ظاهريّة لسير باطنيّ (1: 13- 14 و2: 15- 17)، بل على توجيه جديد للشخص
بأسره (2: 12- 14). فبعد أن يتجرّد الإنسان من كل شيء، لا يسعه إلا أن يسلّم أمره
إلى الله ويعتمد على نعمته، "فيرجع الربّ ويندم" (2: 14).
من كان متجرداً أو تائباً، بشّرته أقوالُ الخلاص التي تتوالى في صفحات الكتاب (2:
18- 27؛ 3: 5؛ 4: 18- 21) بحياة متجدّدة تمتماً (2: 21).
إن قول النبي في 4: 1- 3، يتجدَّد تحققُه في يوم الربّ بقيض الروح على كل إنسان (رج
حز 26: 27). يُفيض الله روحه على الجميع بدون تمييز بين طبقو وطبقة (2: 12).
فيدعوهم إلى التجدّد الباطنيّ (راجع حز 111: 9- 20 و36: 26- 27).
ويفيدنا عاموس النبيّ بأن لصلاة الإنسان فعاليّة عظيمة حتى إنها تبلغ إلى تحريك
مشاعر الله وإلى إرجاعه عن بعض أحكامه. وما ينال الإنسان من كرامة، يناله من كرامة
الله (عا 2: 7). لذلك كان "يوم الربّ" يوم تجديد شعب إسرائيل (9: 11؛ 11: 11؛ 12:
1؛ 30: 26؛ رج يؤ 3: 4؛ 4: 1).
ويذكّ عاموس مظاهر العبادة (5: 21- 27)، أو الرياء الديني: يظنّ الإنسان أنه أتمّ
ما عليه لله لأنه مارس بعض الرتب الطقسية (ذبائح وصوم)، مهملاً أبسط وصايا العدالة
الإجتماعية ومحبة القريب (أش 1: 10- 16 و29: 13- 14؛ و58: 1- 8؛ مي 6: 6؛ مي 6: 5-
8؛ وإر 6: 20؛ ويؤ 2: 13؛ زك 7: 4- 6؛ رج مز 40: 7- 9؛ 50: 5- 15؛ 51: 18- 19).
خاتمة
تلك خطوة أولى للتعرّف إلى الإنسان في الكتاب المقس، بعهده القديم. كيف انطلق من
النعمة إلى الخطيئة، وها هو يعود صاعداً في طريق النعمة، فيتجدّد أو بالحري يجدّده
الله قلباً وحياة، قولاً وعملاً. ولكنّنا نبقى، في التوراة، على مستوى ناقص، وهو لا
يكمل إلاّ بالمسيح. هذا ما نعالجه حين نتحدّث عن وجه الإنسان في العهد الجديد.
الأب لويس الخون
الإنسان الجديد في العهد الجديد
إن الإنسان الذي سقط في الخطيئة "قد خسر الراحة التي له في الكلمة الله، ثم
استعادها في الكلمة الإنسان. ولهذا، وفي الوقت المناسب، بينما كان الكلمة يعلم
مايجب عمله فقد صار إنساناً، "وولد من امرأة". جاء المسيح "ليعرّف الإنسان، بادئ ذي
بدء، بمحبة الله له وبواجب الاضطرام حباً لمن سبق فأحبّه، وليفهمه الحبَّ للقريب
على مثاله، وعملاً بوصيته، وهو الذي صار للإنسان قريباً، وأحبّه يوم كان الإنسان
يتيه بعيداً عنه". تلك هي الطريق التي تعرّفنا إلى وجه الإنسان في العهد الجديد.
1- الإنسان الجديد هو تلميذ التطويبات
الفقير بالروح والذي هو من أهل الرفق، والجائع والعطشان إلى البرّ، وطاهر القلب (أي
باطن الإنسان، وأعمق ما فيه، فكره وذاكرته وشعوره وارادته)، والساعي إلى السلام
(متى 5: 3- 9)، كلهم يشكّلون الإنسان الجديد الذي هو الملح في الطعام والنور في
العالم (متى 5: 13- 16).
2- الإنسان الجديد هو الطاهر في الباطن
"لا ينجّس الإنسانَ ما يدخل الفم، بل ما يخرج من الفم ينجّس الإنسان" (متى 15: 11):
ينتقل يسوع من طهارة البدن وبعض المآكل، إلى طهارة الباطن. طهارة الباطن أهمّ من
طهارة الخارج، ولا مآكل نجسة في ذاتها. الشرّ الكائن في قلب الإنسان هو ما ينجّس
الإنسان فكراً وقولاً وعملاً، وهو ما يفسد علاقته بأخيه الإنسان.
3- الإنسان الجديد هو المسيح
"الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا" (يو 1: 14). "لقد انكشفت حقيقة الإنسان، يقول
ايريناوس، فقط، عندما صار كلمة الله إنساناً. فابن الله الذي صار في شعبه إنسان جعل
الإنسان شبيهاً به. وعندئذ جمُل الإنسانُ وطاب بعين الآب، وتوقع ما قالته البيبليا
في صفحاتها، عن خلق الله للإنسان على "صورته".
الإنسان هو صورة الله غير المنظور. هو من أرانا وجه الله في وجه بشر. وهو من رآه
رأى الآب. وهو "الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). وهو "الكرمة الحقيقية" (يو 15:
1). وهو الإنسان الذي شابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة (روم 8: 3؛ 2 كور 5: 21):
"من منكم يمكنه أن يثبت عليّ خطيئة واحدة". هو الإنسان الكامل، والأعمال التي عملها
لم يعملها آخر. هو الذي قيل عنه: "إذا جاء المسيح، ألعلّه يأتي من الآيات أكثر ممّا
صنع هذا الرجل" (يو 7: 31). والتعاليم التي علّمها لا مثيل لها في أي حضارة لأي شعب
في أي زمان وكان! فيسوع يبقى، على الأجيال، مثال الإنسانيّة الكاملة. وهو واهب
الحياة الجديدة التي تقودنا إلى أن نعرفه ونعرف الآب الذي أرسله (يو 17: 3). وهو
"الراعي الصالح" (يو 10). "وفي يده جعل الآب كل شيء" (يو 3: 35). وما أتى إلى
العالم دياناً، بل مخلصاً (يو 12: 47). وأحبّ خاصته "كلّ الحبّ" (يو 13: 1)، وغسل
أرجل تلاميذه، وجعل من نفسه "قدوة" (يو 13: 14- 15). "فإن الرب يسوع المسيح، الإله
الإنسان، هو بالوقت عينه دليل محبة الله لنا، ومثال بيننا للتواضع البشري لكي يشفي
صلفنا العاتي بنقيضٍ له أقوى منه".
و"هاهو الإنسان" (يو 19: 5): يسوع في نظر الإنجيلي، يسوع مثال الإنسان الحق. ومن
إنسان الذلّ والهوان، سيخلق إنساناً جديداً. فمن يثبت فيه، هو الإنسان الكامل، يثبت
في الإنسانية الكاملة. ومن يصحبه يُصبح نظيره وسفيره.
4- الإنسان الجديد يُعرف بالمحبة
"وصية جديدة أعطيكم! أن تحبّوا بعضكم بعضاً. يعرف الناس جميعاً أنكم تلاميذي" (يو
13: 34- 35): الوصية هي جديدة لأن يسوع عاشها بنوع جديد وفريد في حياته وموته
وقيامته، وجعل المحبة البشرية الأخويّة امتداد لمحبة الاله لنا. مثال حبِّنا بعضنا
لبعض هو حبّ يسوع نفسه لنا، مع ما يرافق هذا الحبّ من خدمة وبذل (يو 15: 13).
والمحبّة الأخويّة أصدق علامة وأكبر برهان على مقدر حبّ الله للبشر. وهي أيضاً
جديدة بما بلغ بها يسوع من كمال: أمر تلاميذه بحبّ الأعداء (متى 5: 43- 47)، وجعل
حب القريبين في حبنا لله (متى 22: 34- 40؛ مر 12: 28- 34)، وجعل من هذه المحبّة
الأخويّة علامة الأزمنة الجدية.
5- الإنسان الجديد هو المتضامن مع يسوع، آدم الثاني البارّ (روم 6: 1- 23)
"بالإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم" (روم 5: 12): يقصد بولس بكلامه الإنسانَ
التاريخيّ الأول آدم، وبعده مجيء "الآتي" (5: 14)، المسيح، الذي نقض بطاعته عصيان
الإنسان الأول. في لوح إيجابي، يصف بولس تضامن البشرية الوثيق الحرّ مع آدم الجديد،
مع المسيح في سرّ العماد المقدّس (6: 1- 14)، وفي خدمة البرّ (آ 15- 23).
يشدّد بولس في روم 6، على الفاصل الجديد النهائي الذي حدث "في المسيح يسوع" (آ 11).
يصير المُعمّد في المسيح خليقة جديدة، وإنساناً جديداً، وعضواً جديداً في جسد
المسيح السري. "دُفنّا معه في الموت، بالمعمودية" (آ 4): هي المسيح عن إنسان عتيق
خاطئ ليعود فيحيا مع المسيح، إنساناً جديداً مبرّراً.
"إن إنساننا العتيق صلب معه، لكي نبطل جسد الخطيئة" (روم 6: 6): "الجسد" لا يعني
الجسد بدون النفس، بل يعني الإنسان كله، الذي يحيا بالجسد، ويعمل به، كون الجسد
إطار وجود الإنسان، وأداة عمله، ومكان حضوره في العالم، وعلاقته بالكون، والناس
والله. والتعبير "جسد الخطيئة" يعني الجسد الذي ملكت عليه الخطيئة واستعملته، فإذا
هو الإنسان العتيق المذكور في الآية عينها.
"نؤمن أنّنا سنحيا أيضاً معه" (روم 6: 8): تلك الحياة الجديدة التي تبدأ سرياً
وواقعياً، في حياة المؤمن هنا (6: 4، 11)، وتكتمل في قيامة الأموات هناك (6: 5، 8)،
هي حقيقة لا يعرفها إلا الإيمان وحده.
يشدد بولس على أن "الموت" أجرٌ عادل لخطيئة الإنسان، أما "الحياة الأبديّة" فـ
"موهبة" مجانيّة من الله للإنسان في الرب يسوع المسيح. فلا يسع إنساناً، مهما سمت
أعماله، أن يستحقّ الحياة الأبديّة.
6- الإنسان الجديد محرّر بالروح
من لوح سلبيّ يصف شقاء الإنسان المقيّد بالشريعة (روم 7)، ينقلنا بولس إلى لوح جديد
إيجابيّ، يصف خلاص الإنسان المحرّر بالروح القدس (روم 8). "إن شريعة روح الحياة"
التي يعطيها "المسيح يسوع" (روم 8: 2)، تجدّدُ المؤمنَ، وتخوّله الطاعة لإرادة
الله، لا قسراً، بل طوعاً، وفقَ شريعة روحيّة جديدة. "الروح" هنا، هو أيضاً روح
المؤمن، وقد تجدّد بالروح القدس الساكن فيه (روم 5: 5؛ 1: 9). يشدّد الرسول على
نظام "الروح" الجديد.
"إن ما عجزت عنه الشريعة... أنجزه الله" (روم 8: 3): عجزت شريعة موسى عن أن تكون
مبدأ خلاص للإنسان. "أنجزه الله"، "في الجسد": بموت الجسد، فقدت الخطيئةُ أداةً بها
تسلّطت على الإنسان. "سلوك روح لا سلوك جسد" (روم 8: 4): سلوك الجسد هو الإنسان
الخالي من روح الله، الإنسان العتيق الخاطئ. "الجسد" (8: 10)، في الإنسان الخاطئ،
صائر إلى الموت (5: 13). أما الروح القدس، في الإنسان المبرّر، فهو مبدأ حياة
أبديّة (6: 9)، في الإنسان الجديد. الجسد "ميت"، فلا سلطان للخطيئة عليه (8: 10 و6:
6 و7: 8)، والروح مبدأ حياة أبديّة. تبدأ القيامة (8: 11)، منذ الآن، بحياة جديدة
تجعل المؤمن ابناً لله (8: 14).
"وفق الجسد... أعمال الجسد" (8: 13): يستعمل بولس حرفياً لفظة "لحم" في التعبير
الأول، ولفظة "جسد"، في التعبير الثاني. في كليهما يعني العيش وفقَ الإنسان العتيق"
(6: 6). "ينقادون للروح" (8: 14): الروح ليس للإنسان المؤمن "معلماً" فحسب، بل هو
مبدأ حياته الجديدة في المسيح (5: 5). "الروح يشفع لنا" (8: 26).
7- الإنسان الجديد يحيا حياة جديدة مع المسيح
هكذا تكون السيرة المسيحية.
كان الهيكل أقدس مكان للعبادة. صار جسد يسوع القائم من الموت هو المكان الجديد
الأوحد لحضور الله ولعبادته الحقّة. وبما أن المؤمنين بالمسيح هم أعضاء حية في جسده
السري، يسكن فيهم روح الله بنوع جديد، بحيث تحلّ الجماعة المسيحية محلّ الهيكل
أيضاً، فتصبح مكانَ العبادة الروحيّة الحقيقية الجديدة.
"قدّموا أجسادكم" (روم 12: 1): "الجسد" هو الكيان الانساني الكامل، وهو الإطار
الطبيعي الحسيّ لوجود الإنسان وعمله وعلاقته بالله والناس والعالم.
"عبادتكم الروحية" (12: 1): تعبير يميّز العبادة الخارجيّة الشكليّة من العبادة
الداخلية الحقيقية التي تلزم الإنسان كلّه (1: 9).
وإذا اتحد جسم المسيحي بالذي اتخذ "جسداً بشرياً" (كو 1: 22)، واشترك بالعماد في
موت يشبه موت المسيح (روم 6: 5- 6)، فإن عقله يتجرّد ويتحوّل (روم 1: 2؛ أف 4: 23).
إنه يعرف كيف يحكم (روم 14: 5)، في ضوء الروم الذي يعبّر عن اختياراته: أليس له فكر
المسيح ذاته؟ (1 كور 2: 16).
8- الإنسان الجديد "هو في المسيح"
"فمن هو في المسيح، هو خلق جديد: لقد ذهب العتق، وصار خلق جديد" ( 2كور 5: 17):
حرفياً "صار شيئاً جديداً". خلق الله بالمسيح كلَّ شيء (يو 1: 3)، ثم جدّد في
المسيح خلقاً أفسدته الخطيئة، فصار محور هذا الخلق كله إنساناً جديداً، يحيا حياة
جديدة (روم 6: 4 و12: 1- 21)، حياة برّ وقداسة، بميلاد ثانٍ جديد من سرّ العماد
المقدس (روم 6: 4). ولن ينفكّ آخذاً في النموّ، حتى يبلغ إلى مقدار قامة المسيح.
على المسيحيّ أن ينبذ "الأنسان العتيق" (أف 4: 22)، وأن يلبس "الإنسان الجديد" (أف
2: 5؛ 4: 24؛ كو 2: 20؛ 3: 5- 17)، فيصبح "خليقة جديدة" (2 كور 5: 17؛ غل 3: 27؛
روم 13: 14).
9- الإنسان الجديد يثمر "ثمر الروح"
يحيا الإنسان إما على حسب الجسد، وإما على حسب الروح (روم 5: 5؛ 7: 5 وغل 5:16).
الأول يعمل "أعمال الجسد" (غل 5: 19- 21): كل هذه الأعمال تصدُّ الإنسان عن بلوغ
هدف دعوته الحقّة. "وأمّا ثمر الروح فمحبة، وفرح، وسلام، وأناة، ولطف، وصلاح،
وأمانة، ورفق، وعفّة" (غل 5: 22- 23). فكل إنسان مؤمن في الرب يسوع، لم يعد وجوده
مسخَّر للجسد، بل هو انتصار دائم للروح على الجسد (غل 5: 16- 25؛ روم 8: 5- 13).
والتعبير "لباس البرّ" (أي 29: 14؛ مز 132: 9؛ 59: 17)، يعني التغيير الحذريّ، الذي
يحقّقه المؤمن المعمّد في حياته الجديدة. والروح القدس يجدّد عقل المؤمن (أف 4:
23)، ليصبح إنساناً جديداً، حتى في قواه العقلية نفسها، "صانعاً بيديه الصلاح" (أف
4: 28)، سالكاً سلوك أولاد النور (أف 5: 6- 21).
ينبغي أن يموت الإنسان باستمرار، عن "الإنسان العتيق"، باتحاده بيسوع المسيح الذي
مات مرة من أجل الجميع، من أجل حياة جديدة. تتجدد على صورة الخالق (كو 3: 9- 10).
حينئذ نكون قد أدركنا سرّ المسيح، سرّ حياتنا الجديدة التي حدّثنا عنها بولس في
رسالته إلى تلميذه تيطس (تي 2: 11- 3: 7). إن حملنا (رؤ 7: 14): ينزل إلى "كعب"
الجحيم ليفتّش عن الإنسان (1 بط 3: 19). فـ "في يسوع المسيح الله لا يتكلّم فقط مع
الإنسان، بل يسعى في طلبه". الله يسعى في في طلب الإنسان (1 بط لو 15: 1- 7)ز وإذا
كان الله يسعى في طلب الإنسان المخلوق على صورته وكمثاله، فإنما يفعل ذلك لأنه يحبه
حباً أبدياً في الكلمة ويريد أن يرفعه في المسيح إلى منزلة الابن، يريد أن يتبنّاه.
اله إذا يسعى في طلب الإنسان لأنه يخصّه بنوع مميز عن سائر المخلوقات. هنا نلمس
النقطة الجوهرية التي يميّز المسيحية عن سائر الأديان التي عبّر فيها الإنسان منذ
البدء عن سعيه في طلب الله".
الخاتمة
الإنسان الجديد هو إنسان مؤمن بيسوع، يسير في النور، بإيمان ومحبة ورجاء. الإنسان
الجديد المفتدى بدم المسيح، أصبح خليقة جديدة بعد أن حرّره المسيح. فـ "الحياة
الجديدة بالمسيح" هي من "العناصر الأساسية للتبشير بالإنجيل"، التي يجب ترسيخها في
"ذاكرة المؤمن".
الأب لويس الخوند
العدالة والقضاء في الكتاب المقدّس
مفهوم العدالة مفهوم أساسيّ في وجود الإنسان. فبها يتعلّق تنظيمُ المجتمع البشريّ
والنظرة إلى الإنسان، إلى كلّ إنسان. وخبرة العدالة أو اللاعدالة والظلم، ترتبط
ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الله، بحيث راح الناس ينكرون وجود الله أمام الظلامات التي
تحلّ بالمساكين في الأرض. مقابل هذا، أراد الناس أن يكون الله ذلك العادل، منذ هذه
الأرض، فيعاقب الظالمين الجشعين والقاتلين المستبدّين. لهذا كان الكتاب المقدّس
وحياً عن العدالة كسمة أساسيّة في علاقة الإنسان بالإنسان، وفي علاقة الله
بالإنسان. والله نفسه هو ذاك الذي لا يرضى الظلم لشعبه، لمؤمنيه، سواء جاء من خارج
البلاد، أو من قلب المجتمع. الله هو العادل في أحكامه، وعلى مثاله يتصرّف المؤمن،
لا انطلاقاً من حسابات بشريّة، بل ممّا يطلبه الربّ على مثال ما نقرأ في سفر
اللاويين: "كونوا قدّيسن، لأني أنا الربّ إلهكم" (19: 1).
بعد أن نتكلّم عن حقوق الإنسان في المجتمع التوراتيّ، نتوقّف عند ممارسة العدالة
والقضاء في أرض فلسطين، كما نكتشفها في الكتاب المقدّس. وننتهي في كلام عن الظلم
الذي سيطر على مجتمع ارتبط بعهد مع الله، فقال فيه النبي ميخا: "اسمعوا يا رؤساء
يعقوب، يا قضاة بيت اسرائيل، يا من تمقتون العدل، وتعوّجون كل استقامة، ويبنون
صهيون بالدماء، مدينة أورشليم بالجور. فرؤساؤهم يحكمون بالرشوة، وكهنتها يعلّمون
بالأجرة، وأنبياؤها يتنبأون بالفضّة" (3: 9- 11).
1- حقّ الإنسان وما يتوجّب له
إن أراد مجتمع من المجتمعات أن يعيش بحسب العدالة، وجب عليه أن يسنّ القوانين،
فيعرف الفرد ما له وما عليه. هذا ما فعله الشعب العبرانيّ على مدّ تاريخه، فأعطى
لنفسه تشريعاً وأحكاماً تنظّم حياة الأفراد والمجموعات. أما الأساس فشرائع الأمم في
هذا المحيط الشرقيّ، بعد أن كيّفها الكتاب المقدّس حسب الوضع الجغرافيّ والاقتصادي
والسياسيّ والدينيّ (رج 2 مل 17: 18). ماذا نقرأ في أسفار الشريعة؟ وماذا نجد في
الشرق القديم؟
أ- مجموعة القوانين
هناك ثلاث مجموعات من القوانين، ترتبط بالحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة دون أن
تنسى ما يتعلّق بشعائر العبادة والاحتفال بالأعياد الدينيّة في المعبد: شريعة
العهد، الشرعة الاشتراعيّة، شريعة القداسة.
أولاً: شرعة العهد (خر 20: 22- 23: 19)
سُمّيت هذه المجموعة شرعة العهد، لأنها أُدرجتْ في قلب خبر العهد الذي عقده الله مع
شعبه على جبل سيناء (خر 19، 24). فنحن نقرأ في خر 24: 7: "وأخذ (موسى) كتاب العهد،
وتلاه على مسامع الشعب". فقالوا: "كل ما تكلّم الربّ به نعلمه ونأتمر به". إن هذه
الشرعة تعكس العلاقات الاجتماعية التي عرفها شعبٌ من الرعاة، وهو ينتقل شيئاً
فشيئاً إلى حياة ثابتة في الريف بانتظار المدن. أمام اقتصاده فيرتبط بتربية المواشي
(خر 21: 28- 22: 14). تُذكر الأضرار التي يسبّبها ثور من الثيران. كما تُذكر سرقة
ثور أو خروف. ونقرأ في 22: 9- 14: "وإذا سلّم أحد إلى آخر حماراً أو ثوراً أو
خروفاً ما ليحفظه له...". ثم "وإن استعار أحد من آخر بهيمة...". أما الزراعة فهي
مساعد ضعيف. وإن ذُكرت، فبالنظر إلى المواشي. "إذا رعى أحد حقلاً أو كرماً، فأطلق
مواشيه لترعى في حقل غيره..." (22: 4).
ويُذكر البيت بعد أن ترك الناس الخيام (22: 6- 7)، كما يُذكر الفقراء من يتامى
وأرامل وغرباء، ويُشجب الربى، ويُطلب من الأقوياء أن يتضامنوا مع الضعفاء. "لا تتبع
الكثرة إلى السوء، ولا تسايرها في الدعاوى خلافاً للحقّ، ولا تهدر حقّ المسكين في
دعواه... لا تضايق الغريب. فأنتم تعرفون حقيقة ما يشعر الغريب، لأنكم كنتم غرباء في
أرض مصر" (23: 2- 9). ويتوجّه في كلامه إلى القضاة: "لا تأخذ رشوة، فالرشوة تعمي
أبصار القضاة وتكذّب أقوال الصادقين" أو: تعطّل حقّ الأبرياء (23: 8). إلى مثل هذه
الشرعة استند الأنبياء، ولا سيّما عاموس، فندّدوا بالمظالم في مجتمع أراد له الربّ
المساواة. "ويل لكم! تحوّلون العدل إلى علقم، وتُلقون الحقّ إلى الأرض" (5: 7).
ثانياً: الشرعة الاشتراعيّة (تث 12- 26)
سُمّيت بهذا الاسم لأنها تشكّل قلب سفر تثنية الاشتراع. أما جذورها فمحيط اللاويين
والأنبياء في مملكة الشمال. وهي تعكس مجتمعاً من الحضر يقيم بشكل خاص في المدن، مع
سلطة مركزيّة فيها الملك والكهنة والقضاة والأنبياء. الأرض هي أساس الغنى، والمال
يتوزّع في التجارة. إذن، لابدّ من تنظيمه. فهناك أناس يجب أن ندفع لهم حقّهم: "لا
تهضم أجرة مسكن ولا بائس من اخوتك بني اسرائيل، أو من الدخلاء (المهاجرين) الذين في
أرضك ومدنك. بل ادفع إليه أجرته في يومه قبل أن تغيب عليها الشمس" (24: 14- 15).
ونقرأ في آ 10: "إذا أقرضت أحداً قرضاً، فلا تدخل بيته لتأخذ منه ثوبه الذي رهنه
لك". وهناك تشريع على الديون التي يتمّ الاعفاء منها (15: 1)، وعلى العبيد الذين
يُطلَقون أحراراً بعد خدمة وصلت إلى السبع سنين (15: 12). مثل هذا العبد لا يُطلق
فارغ اليدين، بل يزوّد بالقمح والزيت والمواشي (آ 14). ويطلب المشترع الابتعاد عن
قساوة القلب التي تجعل المؤمن يبخل على اخوته المحتاجين (15: 7).
ثالثاً: شريعة القداسة (لا 17- 26)
تشدّد هذه الشريعة، أو هذه الشرعة، عى قداسة لله، وبالتالي على قداسة الشعب، الذي
لا يتصرّف الوثنيّون. "كما يعمل أهل مصر التي أقمتُم بها لا تعملوا، وكما يعمل أهل
أرض كنعان التي أُدخلكم إليها لا تعملوا، وفي فرائضهم لا تسلكون" (لا 18: 3). فكيف
تكون القداسة التي يطلبها الله؟ هي لا تنحصر في شعائر العبادة، بل تدعو المؤمن لكي
يحترم قريبه بحسب الوصايا. "لا تسرقوا، ولاتغدروا، ولا يكذب بعضكم على بعض... لا
تظلموا أحداً. لا تحتفظوا بأجرة الأجير عندكم إلى الغد... لا تجوروا بالحكم.. بل
احكموا للآخرين بالعدل" (لا 19: 11- 15).
ب- شرائع الشرق القديم
وثائق عديدة اكتُشفت في الشرق، فتوزّعت بين القرن الحادي والعشرين والقرن الثاني
عشر ق. م. هناك شرائع أورنامو (2000- 2094) مؤسّس أور الثالثة. وشرائع ليفيت عشتار
(1934- 1924) التي ارتبطت بسلالة مدينة إيسين. وشرائع مدينة أشنونا التي ازدهرت منذ
بداية الألف الثاني حتّى زمن حمورابي. وشرائع حمورابي الذي ملك في بابل سنة 1792-
1750. وشرائع أشورية وُجدت في أشور، وقد جُعت في أيام تغلت فلاسر الأول (1114-
1076).
أخذت أسفارُ موسى الكثير من هذه النصوص البيبليّة، كما أخذت من تشاريع كنعانيّة
سبقتها في زمن. فالمجتمع الشرقيّ هو هو. وفيه لا تنفصل الأمور الدينيّة عن الأمور
الاجتماعيّة. ونحن نكتفي بمقابلة قوانين التوراة مع شرعة حمورابي مثلاً.
تقول شرعة العهد عن تحرر العبيد ما يلي: "إذا اقتنيتَ عبداً عبرانياً، فليدخل خدمتك
ستّ سنين، وفي السابعة يخرج حراً بلا ثمن" (خر 21: 2؛ رج تث 15: 12). ونجد المبدأ
عينه عند حمورابي، مع تخفيف عدد السنين: "إن أُجبر أحدٌ على بيع زوجته أو ابنه أو
ابنته... فهم يعملون ثلاث سنوات في بيت ذاك الذي اشتاهم أو اقتناهم. ويتمّ تحريرهم
في السنة الرابعة".
وفي ما يتعلّق بعقاب السارق، القساوة هي هي عند حمورابي، كما في شرعة العهد. "إن
وُجد وهو يسرق فضُرب وقُتل، فدمه مهدور" (خر 22: 1). وقال حمورابي: "إن ثقب الإنسان
بيتاً، يُقتل أمام هذا الثقب ويُعرض على الأنظار. وإن أُخذ إنسانٌ وهو يقوم بأعمال
السلب، فليُقتل قتلاً".
وما يلفت النظر بشكل خاص، تشابه الترتيبات حين يجعل أحد الناس وديعة لدى جاره. قال
حمورابي: "إذا سّم فضّة أو ذهباً أو أيّ شيء آخر أمام شهود، فأنكره ذاك الآخر،
يُفحم هذا الإنسان ويعطي ضعف ما أنكره". وتوسّعت شرعة العهد في هذا الموضوع فقال:
"إذا سلّم أحد إلى آخر فضّته أو أمتعته ليحفظها له، فسُرقت في منزله، فإن قُبض على
السارق عوّض ضعفين..." (خر 22: 6- 8).
ج- ثلاث حالات
الحالة الأولى تتعلّق بالغريب والأرملة. وضعُهم مأساويّ لأنهم لا يمتلكون أرضاً
يقيمون عليها فتؤمّن لهم كرامة في المجتمع. لهذا، يكونون ضعفاء وبالتالي عرضة
للاستغلال. هنا نتذكّر المثل الإنجيلي الذي يصف وضعاً عرفه المجتمع ويعرفه اليوم:
"كان في إحدى المدن قاضٍ ى يخاف من الله ولا يهاب الناس. وكان في تلك المدينة أرملة
تتردّد إليه وتقول له: أنصفني من خصمي. فكان يرفض طلبها" (لو 18: 2- 4).
الأرملة يدافع عنها الوليّ. هذا ما فعل بوعز حين تزوّج راعوت، وإلاّ تكون عرضه
لجميع الأخطار في مجتمع يكرّم القويّ الغنيّ والمقتدر. وحظّ اليتيم ليس أفضل من حظّ
الأرملة. لا حماية له البتّة. وإن ترك والده ديوناً، بعد موته، صار الابن عبداً
للمداينين. هذا ما نقرأه في سفر الملوك الثاني: "وتضرّعت أرملة... إلى أليشع. قالت:
"زوجي مات، يا سيّدي، وهو مديون... وجاء المرابي، ليأخذ ابنيَّ عبدين له بدلاً من
ديونه" (4: 1). حالف الحظ تلك الأرملة وابنيها، فنالوا مساعدة. والآخرون؟ طلبتْ
شرعةُ العهد الاساءة إلى اليتيم أو أرملة. "فإن أسأت إليهما وصرخا إليّ أسمع
صراخهما، فيشتدّ غضبي وأقتلكم بالسيف، فتصير نساؤكم أرامل وأبناؤكم يتامى" (خر 22:
21- 22) وفي آ 20، قال المشترع: "لا تظلم الغريب، ولا تضايقه، فأنتم كنتم غرباء في
مصر".
الحالة الثانية تتعلّق بالعبيد الذين كانوا موضوع تجارة في جميع الأمم (عا 1: 6-
9). فأسيرُ الحرب يصبح عبداً في يد الذي أسره. والفقير الذي يتغلّب عليه الفقير،
يبيع نفسه لكي يفي ديونه. ولكن العبد لا يبقى كذلك مدى الحياة. يجب أن يحرّر بعد
فترة من الزمن. وإن هو رفض أن يترك سيّده، يصبح واحداً من البيت، بحيث لا يُشرى بعد
ولا يُباع (خر 21: 5). هذا العبد هو أخ من أخوتك، كما سيقول سفر التثنية (14: 12).
وللشاري الحقّ على عمله، لا على شخصه. والمرأة في هذا المجال تشبه الرجل، بحيث لا
يحقّ للسيّد أن يتدخّل في حياتها الخاصّة.
والحالة الثالثة، تتعلّق بالقروض والرهن التي تجعل المقترض بتصرّف من أقرضه. طلبت
شرعةُ العهد أن لا يعامَل الأخ والقريب كالغريب. "وإن أقرضتَ مالاً لمسكين من شعبي،
فلا تعامله كالمرابي، ولا تفرض عليه ربي" (خر 22: 24). وبالنسبة إلى الرهن، يعامل
المؤمنُ الفقيرَ بالرحمة. فإن صرخ هذا إلى الربّ بعد أن حُرم من كسائه الذي ينام
فيه خلال الليل، يستجيب له الربّ الحنون (خر 22: 26). ثم لا يمكن أن يُرهن ما هو
سبيل عيش مثل الطاحون أو الرحى. من ارتهنهما، بدا وكأنه يرتهن حياة العيال (تث 24:
6). أما شريعة القداسة فربطت هذه الممارسة بمحبّة القريب ومخافة الله (لا 25: 36-
38).
2- ممارسة العدالة
كان للشعب العبراني نظم قضائيّة، شأنه شأن كل مجتمع. غير أن التوراة لا تعطينا سوى
معلومات قليلة عن تنظيم المحاكم وإجراءات القضاء. فما يهمّها قبل كل شيء، نظرة خاصة
عن العدالة، دون التوقّف عند التفاصيل.
أ- من المحاكمات إلى القاضي والحاكم
في إطار الحقّ والعدل، نتوقّف عند ثلاثة أفعال ترسم لنا وضع القضاء في الكتاب
المقدس. وذلك في خطّ ما قال سفر صموئيل الثاني عن داود: "مارس الحقّ والعدل في كلّ
شعبه" (2: 8- 15)، وما قال ارميا عن الملك يوشيا: "دافع عن الحقّ والعدل، فعرف
السعادة" (22: 15). وسوف يقول عاموس للآيتين للصلاة إلى المعبد: "يجري العدل
كالمياه، والحقّ كنهر لا ينقطع" (5: 24).
أولاً: دان وحاكم
قال داود لشاول الذي يلاحقه ويطارده: "فليكن الربّ دياناً يحكم بيني وبينك، ولينظر
إلى دعواي ويدافع عنها، وينقذني من يدك" (2 صم 24: 16). الله هو الديّان ويدافع عن
حقّ الضعيف. والإنسان يمارس، باسم الله، عمل "الديّان" على الأرض. يحاسب المخطئ
ويحكم عليه، ويدلّ على حقّ البريء.
قال سفر الأمثال: "الصدّيق يدين الوضيع" (29: 7). أي يعترف بضعفه. أخذ بعين
الاعتبار وضعه، ويحكم له بالعدل. وقال أيضاً في تحذيره إلى الملك والعظماء: "لا
يليق بالملوك أن يشربوا الخمر، ولا بالعظماء أن يُدمنوا المسكر، لئلا يسكروا ينسوا
حقوق الناس، ويهملوا دعوى المساكين" (3: 4- 5). فمن يحكم في أمور الناس، يجب عليه
أن يكون عارفاً بقضاياهم، واعياً لواجبه، ولا سيّما تجاه المساكين في الشعب. وفي
الفصل عينه، قال الحكيم للملك: "افتح فمك، واحكم بالعدل، وأنصف المسكين والبائس".
ثانياً: قضى وحكم
جاء في الشرعة الاشتراعيّة أمراً ربطه الكاتب بموسى: "أقيموا لكم قضاة وحكّاماً في
جميع مدنكم التي يعطيكم الربّ إلهكم، وبحسب أسباطكم يقضون فيما بين الشعب قضاء
عادلاً" (تث 16: 18). نلاحظ أولاً قرب "القاضي" من "الحاكم". فاللفظ العبري "ش ف ط"
قريب ممّا عُرف لدى الفينيقيين في قرطاجة. أي القاضي. ذاك الذي يقضي في الناس، يعمل
من أجلهم ويُنجز. هو يقدّر الأمور ويصنعها ويتولّى إدارتها. واللفظ الآخر (حكاماً)
هو "ش ر ط". يعود إلى سطر العربيّ أي كتب. هذا يعني أن هؤلاء الحكام تعلّموا،
تدرّبوا على عملهم في مدارس مصر أو فينيقية. رافقوا الشعب في مصر (خر 5: 6- 19)،
وفي البريّة (عد 11: 16؛ تث 20: 9)، وتسلّموا القضاء في مدن فلسطين. ومن كلمة سطر
تتفرّع لفظة "سيطر" كما نقرأ في سفر الأمثال عن النحلة: "فمن غير قاضٍ ولا رقيب،
ولا سيّد يسيطر عليها...". أما سفر الأخبار الثاني، فقسم الوظائف في المملكة:
"أرميا الكاهن رئيس عليكم في جميع أمور الدين. زبديا بن يشمعئيل، حاكم يهوذا، رئيس
عليكم في جميع أمور المملكة. واللاويون معاونون لكم في أعمالكم" (19: 11).
هذا القاضي هو الذي يميّز في خلاف، حيث الشرّ والخير ليسا بواضحين، حيث لا يُحدّد
خطأ هذا وحقّ ذاك. فالمسؤول يحكم بين عادل وظالم. بين بريء ومخطئ. وهكذا يُعيد
الحقّ إلى نصابه، بعد أن اعوجّ والتوى. هو ينطق بلا شكّ من الشريعة، ولكن همَّه
الأول لا يقوم في تطبيق نصوصه تطبيقاً دقيقاً يصل به إلى الجور لا إلى العدالة، بل
في إعادة علاقات متناسقة بين الأفراد من أجل وحدة الجماعة. هنا نفهم أن العدالة
ليست فقط نهجاً يحافظ على مصلحة كل واحد بمفرده. بل هي خير الجميع. وهدفُها خلق
علاقات شخصيّة متبادلة. ومن أجل الحفاظ على هذه التبادليّة. يُطلب من القاضي أن لا
يحابي الوجوه، وأن لا يقبل الرشوة "لأن الرشوة تعمي أبصار الحكماء" والحكّام. (تث
16: 19).
ثالثاً: دافع عن حقّه
الفعل الثالث الذي يربطنا بعالم القضاء والعدالة هو "ر ي ب": خاصم، جادل. هو يربط
باللفظ العربي: راب، أي شكّ. والريبة هي الشكّ والظنّ والتهمة. نحن هنا في جوّ
المحاكمة. فنقرأ مثلاً عن اشالوم في صفر صموئيل الثاني: "كل من كانت له دعوى (ر ي
ب) يريد أن يحتكم إلى الملك، يدعوه أبشالوم إليه... فيقول له "أنظر. قضيّتك صالحة،
ولكن لا أحد عند الملك يسمع لك"... ليت من يجعلني قاضياً في هذه البلاد، فيجيئني كل
من له قضيّة أو دعوى فأنصفه" (51: 2- 4).
مثل هذا الدفاع عن الحقّ، يبدأ بكلام يرافع فيه الإنسان عن حقّه، وفيه يدخل الفن
الخطابيّ لفضّ النزاع بين شخصين أو مجموعتين. الكلام له دوره في هذا المجال. أو هو
يُصلح ذات البين. أو يدعو المحكمة للانعقاد. أو يقدّم الاتهام أو الدفاع. والكلام
في النهاية هو إعلان حكم يُصدره القاضي. ما زال الأمر على مستوى الكلمة التي تقال
في مكانها، لا خوف من استعمال النزاع الذي يؤدّي إلى المشاجرة. ويا ليت الكلمة تكون
هي الفصل!
ولنا مثال على ذلك في النزاع بين يعقوب ولابان (تك 31: 17- 32: 1). كاد الأمر يصل
بالمتنازعين إلى العنف. نقطة الانطلاق: هربَ يعقوبُ ولم يُعلم لابان الذي لم يكن
موافقاً على تصرّفه. "وخدع يعقوب لابان الأرامي، ولم يخبره بفراره" (آ20). فكانت
مواجهة كلاميّة، اتّهم فيها الواحدُ الآخر. قال لابان: "لم تدَعْني أقبّل حفدتي
وبناتي. فأنت بغباوة فعلت" (آ 28). فأجابه يعقوب: "خفتُ أن تغضبني بنتيك منّي"
(تستردّهما) (آ 31). بعد ذلك، احتدّ يعقوب وخاصم لابان (آ 36). فأجاب لابان (آ 43).
وكان عهد بين الاثنين مع شاهد يشهد على ما وعد به الواحد الآخر.
في مثل هذا الـ "ر ي ب"، يسمع الواحد للأخر، يناقش ما قيل. فما يمكن أ، يكون نزاعاً
بالأيدي، يصبح جدالاً على مستوى الفضاء ، بل حواراً. هذا يعني أن الواحد يكون
مسؤولاً عن كلمته، وهذا أساس ضروريّ من أجل علاقة بحسب الحقّ والعدل. والهدف
الأساسيّ ليس التغلّب على المخطئ ورميه أرضاً وسحقه في خطأه حتّى تدميره. الهدف هو
إقناع الآخر من أجل حياة متناغمة في الجماعة. مثل هذه المرافعة تنتهي بالمصالحة
والتسامح، بعد أن عرف الواحد خطأة واستعدّ الآخر لأن يغفر. وإن طُلب من القاضي أن
يدخل، فلكي يعيد العلاقة بين متخاصمين، لا ليزيد الشقّ شقاً. لهذا، فالعمل القضائيّ
لا يمكن إلاّ أن يكون عادلاً. والاتهام الأكبر ليس فقط في أن يُخطئ القاضي في
الحكم، بل أن يرفض أن يَحكم. في هذا الوضع، يبقى الضعيف مسحوقاً في ضعفه، والفقير
مضايقاً في ديونه. هنا نفهم كلام ابراهيم في حواره مع الله: "أديّان كل الأرض لا
يدين" (تك 18: 25)؟ ألا يقوم بعمله كالقاضي العادل؟ والاتهام الثاني يظهر حين يعوّج
القاضي الحكم، ولا سيّما بالنسبة إلى الغريب واليتيم والأرملة.
ب- المسؤول عن القضاء والعدالة
تحدّثت التوراة، في معرض كلامها عن السلطات القضائيّة، عن الأشخاص الذين يلعبون
دوراً في هذا المجال. كان حضور الشيوخ فاعلاً على مدى تاريخ الشعب العبرانيّ. فهم
قريبون من الشعب، يعرفون أموره، كما يهمّهم أن يحافظوا على وحدة الجماعة التي
يُسألون عنها. ولكن الدور المسيطر هو دور الملك المسلّط على الشعب: به يرتبط القضاة
والكهنة. مسؤولية كبيرة، والشرّ الذي يمكن أن يسبّبه خطير جداً بحيث يزعزع أساس
مملكته. وما يلفت النظر هو أن سليمان بدأ مُلكه في حكم قضائيّ بين امرأتين، دلّ فيه
على حكمته، كما دلّ على نزاهة تترفّع عن الأفكار المسبقة أو النظرات المغرضة.
أولاً: الشيوخ
حين نقرأ النصوص التي تتحدّث عن الشيوخ، نفهم أننا لسنا في مجتمع يدويّ، بل حضريّ.
فالشيوخ (ز ق ن ي م، أي أصحاب اللحى)، يشكّلون رؤساء البيوت، أو الأسرة في المعنى
الواسع، فيكوّنون مجلس العشيرة والقبيلة والتجمّع الريفيّ أو المدينيّ. هم الحكماء.
ورأيهم يوازي الشريعة المكتوبة. في هذا قال ارميا النبي: "فالشريعة لا تُحرم من
كاهن، ولا حسن المشورة من حكيم، ولا كلمة الوحي من نبيّ" (18: 18). ويتحسّر حزقيال
على يوم يفقد فيه الشيوخ الحكمة والكاهن الشريعة (7: 26).
تنوّعت سلطةُ هؤلاء الشيوخ وتأثيرهم، حسب طبيعة الجماعة التي يقيمون فيها، وحسب
التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية. أما وظائفهم على مستوى القضاء
فتكتشفها من خلال شرائع نقرأها في سفر التثنية. على مستوى القتل. إن أبغض أحد قريبه
"وضربه ضربة قاتلة فمات، ثم هرب إلى إحدى تلك المدن (= مدن الملجأ)، فعلى شيوخ
المدينة، أن يرسلوا مَن يأخذه من هناك ويسلّمه إلى يد وليّ القتيل ليقتله" (19: 11-
12). هي قساوة بالنسبة إلى القاتل، فيُمنع سفك الدم من الأرض. والحالة الثانية:
"إذا وُجد قتيل على الأرض...، ولا يعرف أحد من قتله... يخرج شيوخكم وقضاتكم..."
(21: 1- 2). وإن كان في البيت ابن عقوق متمرّد ر يسمع لكلام أبيه ولا لكلام أمّه،
"يخرجانه إلى شيوخ المدينة التي يقيمون بها" (21: 18- 20).
يؤدّب الشيوخُ المذنبين بقساوة. ولكنهم يعرفون كيف يدافعون عن الضعيف. "إذا تزوّج
رجل امرأة وضاجعها ثم أبغضها فنسب إليها علّة وأذاع عنها سمعة سيّئة" (22: 13- 14)،
كيف يتصرّف الشيوخ؟ يأخذون "ذلك الرجل ويؤدّبونه" (آ 7). ونقول الشيء عينه عن شريعة
السلفيّة، أي واجب الرجل بأن يتزوّج امرأة أخيه ليقيم له نسلاً. "إن رفض... فعليها
أن تذهب إلى محكمة الشيوخ... فيستدعونه ويكلّمونه..." (25: 7- 8).
ثانياً: امتدّ دورُ الشيوخ، فلم يتوقّف عند الجماعات التي عاشت في فلسطين، بل رافق
الذاهبين إلى الشتات. وما عرف عملُهم موضعاً مخصّصاً لذلك. فلاجتماع يتمّ عند باب
المدينة (تث 25: 7)، أي الساحة العامة التي فيها يلتقي الناس. ويكون الشيوخ عشرة
على الأقل لكي يشكّلوا "محكمة". في هذا المجال نقرأ ما في سفر راعوت: "وصعد بوعز
إلى باب المدينة (= المحكمة)، وجلس هناك... ثمّ استدعى عشرة رجال من شيوخ المدينة"
(4: 1- 2). ورفع إليهم قضيّته.
مع تأسيس الملكيّة، أخذ الشعب العبرانيّ الوظيفة الملكيّة من ايديولوجيّة الشرق
القديم. ورأى فيها أصل السلطة القضائيّة. فمسؤوليّة الملك الكبرى هي إقامة العدالة.
فملوك سومر، في العراق، لقّبوا أنفسهم: راعي العدالة، ملك الاستقامة، منظّم العدالة
في سومر واكاد، ذاك الذي جعل العدالة تزدهر.
اعتبر ليفيت عشتار نفسه الراعي الذي كُلّف من قبل الآلهة بإعطاء العدالة للبلاد
والرفاهيّة. يُزيل التشكّي من الأفواه، ويُبعد الشرّ والعنفَ، ويُظهر الحقّ
والاستقامة. وقال حمورابي: "أنا حمورابي، الملك الغيور الذي يخاف الآلهة، يُبرز
العدالة في البلاد، ويُفني الشرّير والرديء، بحيث لا يظلم القويّ الضعيف... حين
أرسلني الإله مردوك لأقضي بالحقّ في الناس وأعلِّم البلاد السراط المستقيم، جعلتُ
الحقّ والعدل في فم البلاد، ومنحتُ الرفاه للناس". وقالت نصوص أوغاريت عن الملك
دانيل، إنه جلس عند باب المدينة فدافع عن الأرملة وأبرز حقّ اليتيم. أجل، العدالة
أساس الملك، واحترام حقوق الناس متطلّبات مفروضة على الملك والذين يحيطون به.
أما في شعب إسرائيل، حيث بدا داودُ الملك المثالي (2 صم 8: 15)، فقد عُرف بحزمه
واستقامته في ممارسة الحقّ والعدل. وتبعه ابنه سليمان، الذي جمع رجالُه ما في شفر
الأمثال: "فعلُ الشرّ يمقته الملوك، لأن العرش بالعدل يثبت" (16: 12). "حين يحكم
الملك للفقراء بالحقّ، يثبت عرشُه إلى الأبد" (29: 14). وتأكّد أليهو أن مبغض الحقّ
لا يسود: "فالديّان العادل يدين الملوك للؤمهم، ويوبّخ العظماء بسبب شرورهم" (أي
34: 17- 18). ويُنشد اشعيا الملكَ الآتي وكلُّه أمل بأن "سلطتنه يزداد قوّة، وتكون
مملكته في سلام دائم. يوطّد عرش داود ويثبّت أركان مملكته على الحقّ والعدل من الأن
إلى الأبد" (9: 6).
ثالثاً: القضاة والكهنة
حين يمارس الملك الحق والعدل، يمنح ملكه شرعيّة آتية من عند الربّ. فمثل هذه
الممارسة هي مشروع الله، وليست فقط واقعاً بشرياً وسياسياً. في هذه الحال، تكون
عدالة الملك صورة عن عدالة الله. لهذا، أنشد المزمور الثاني والسبعون: "اللهم، أعط
حكمك للمك، وعدلك لابن الملك": علّم الملك كيف يحكم، كيف يكون عادلاً. مثل هذه
العدالة لا تكتفي بتطبيق القوانين والشرائع، بل هي عمل خلق وحياة بحسب كلام الله.
تزيل الشواش والدمار والكذب، وتنعش أشخاصاً يحملون كلام الحقّ، فتتوافق أعمالُهم مع
أقوالهم، وحياتُهم مع مبادئ يعلنونها في المجتمع.
ولكن كيف يقضي الملك في الشعب؟ بواسطة القضاة. فيعود الكتاب المقدّس إلى أخبار تروي
كيف فوّض موسى سلطة القضاء إلى شيوخ الشعب. نقرأ في سفر الخروج كيف لعب موسى (الذي
هو صورة بعيدة عن الملك) دور القاضي. "فوقف الشعب أمامه من الصباح إلى المساء" (خر
18: 13). أما العدالة التي يمارسها، فهي تلك التي يمارسها الله نفسه، ولكنه لا يقدر
وحده أن يفعل. لهذا قيل له: "اختَر من الشعب كلّه رجالاً أكفاء يخافون الله وأمناء
يكرهون الرشوة، وولِّهم على الشعب... فيحملون الحمل معك ويخفّفون عنك" (خر 18: 21-
22). تلك هي الصفحات التي ينتظرها الناس في القاضي. هناك الكفاءة التي يراها (ح ز ه
في العبرية) موسى، بحيث يكون القاضي قديراً (ح ي ل في العبرية. كما في السريانية
والعربيّة) في حياته الخاصة فيتغلّب على كل المغريات، وفي المجتمع بحيث يرفض الرشوة
والهدايا. ويتحلّى بمخافة الله، لا برعدة تشبه رعدة العبيد أمام الآلهة. هو يحترم
الله، ويراعي متطلّبات الضمير، ويكون خاضعاً لوصايا الله. هو رجل إيمان وأمانة وصدق
(ا م ت في العبرية). لا يحكم فقط بما يسمع وما يرى، بل يجعل كل شخصه في حكم يُصدره.
أما سفر التثنية فيشير إلى صفات أخرى عند القضاة: يكونون حكماء، عقلاء، مختبرين.
وقد قال لهم موسى: "اسمعوا دعاوي بني قومكم والنازلين بينكم، واحكموا بالعدل بينهم.
لا تحابوا أحداً في أحكامكم، اسمعوا للصغير كما تسمعون للكبير، ولا تجوروا على أحد،
لأن الحكم لله" (1: 16- 17). ويشدّد سفر العدد على أن القضاة يشاركون موسى في عطيّة
الروح (11: 10- 17). فهل يتركون روح الله يتكلّم فيهم، أم يُؤخذون يروح العالم وما
فيه من بحث عن المال والعظمة وممالقة الحاكم الذي يدعوا الشرّ خيراً والخير شراً،
الظلام نوراً والنور ظلاماً، الحلو مراً والمرّ حلواً" (أش 5: 20)؟ هنا نتذكّر ما
قاله الملك يوشافاط للقضاء الذين عيّنهم: "فكّروا في ما تعلمون. فأنتم لا تحكمون
حسب البشر، بل حسب الربّ الذي يكون معكم حين تمارسون القضاء" (2 أخ 19: 6). سلطتُكم
من سلطة الله، وطريقُكم تستوحي طريق الله.
3- الظلم في القضاء
بعد أن نلقي نظرة إلى المجتمع الذي يرسمه الكتاب المقدّس، نتوقّف عند اتهام الربّ
لشعبه الذي يمارس الظلم، ويضيّق على المساكين، ويستغلّ الغرباء، ويتاجر باليتيم
والأرملة.
أ- المجتمع العبرانيّ
أين يمكن أن تداس العدالة بشكل عام؟ على مستوى أرض يملكها انسان من الناس. على
مستوى مال يُحرم منه الفقير والضعيف. هنا نتذكّر ما حدث لنابوت اليزرعيليّ. حظّه أن
أرضه كانت بجانب قصر الملك. أراد الملك أخاب أن يوسّع الساحات، فطلب من نابوت: "لا
سمح الربّ أن أعطيك ميراث آبائي" (1 مل 21: 2). ولكن من يقاوم الملك؟ وإن حاول
الملك أن لا يكون ظالماً، فعرض على نابوت أن يبادله بكرم أفضل منه أو يدفع له الثمن
نقداً (آ 2)، فالملكة ستعرف كيف تفعل. جاء شهود زور وقالوا إن نابوت "جدّف على الله
وعلى الملك". فأخرج نابوتُ خارج المدينة، فرُجم، ونزل أخاب إلى الكرم وامتلكته (آ
16).
نلاحظ أن الأرض التي يمتلكها نابوت، يتعلّق بها ولا يتخلّى عنها مهما كان الثمن. من
أجل هذا، جاء التشريع دقيقاً في مسائل الحدود. قال سفر التثنية: "لا تضمّ حدود أحد
من بني قومك التي حدّدها الأولون في ملكك الذي تملكه في الأرض التي يعطيك الربّ
لتمتلكها" (19: 14). وكان قاسياً تجاه الذين يتلاعبون بالأملاك. فقال: "ملعون من
يضمّ تخم جاره" (تث 27: 17). ووافق جميع الشعب قائلاً: آمين. في هذا المجال، قال
سفر الأمثال: "لا تُزح الحدود القديمة، تلك التي وضعها آباؤك" (22: 28).
وهناك مشاكل تبرز بين ملاّك وملاّك. خلاف على الآبار، كما كان الأمر بين اسحق
وأبيمالك (تك 26: 19 ي). أو تعريض حياة الجيران وممتلكاتهم بسبب بئر حُفرت: "إن فتح
أحد بئراً، أو حفرَ بئراً تركها مفتوحة بدون غطاء، فوقع فيها ثور أو حمار، فليدفع
صاحب البئر ثمن الثور أو الحمار إلى صاحبه، والحيوان الميت يكون له" (خر 21: 33-
34). وتُطرح مشاكل على متوى الماشية: "إن تناطح ثوران فقتل أحدهما الآخر، فليبع
صاحباهما الثور الحيّ ويقتسما ثمنه. وكذلك الثور الميت يقتسمانه. فإن كان معروفاً
أنه ثور نطّاح من قبْل وما ضبطه صاحبُه، فليعوّضه ثوراً بدل ثوره، والثور الميت
يكون له" (خر 21: 35- 36).
هذا في الريف، حيث لم تكن الفوارق كبيرة بين الناس. ولكن مع بناء المدن، صارت
الملكية الخاصة ينبوع خلافات اجتماعيّة عميقة جداً، ولا سيّما بعد القرن الثامن،
فظهر الغنى عبر بيوت كبيرة وقصور فخمة. فندّد عاموس بهذا الترف والبزخ على عيون
الفقراء: "تبنون بيوتاً من حجر منحوت" (9: 11). يكون لكم "البيت الشتويّ مع البيت
الصيفي... وبيوت العاج" (3: 15). من أين كل هذا المال؟ يدوسون الفقير، ويأخذون منه
ضريبة القمح. يرِّفون حقّ البائسين في المحاكم (5: 10- 12). ويُنشد أشعيا كرم الربّ
فيه "يضمّون بيتاً إلى بيت، ويصلون حقلاً بحقل حتّى لا يبقى مكان لأحد، فيسكنون
الأرض وحدهم" (5: 8).
ب- ويل، ويل
تجاه هذه الظلم لاجتماعيّ الذي يتمّ بمرأى من الملك الذي أكثر النساء والخدم، وسلّح
الجيوش وبنى القصور، فاقتدى به العظماء، واستفاد الموظّفون الكبار من وضعهم فاقتنوا
ثروة كبيرة، لا بدّ للربّ أن يتدخلّ، ولا سيّما بواسطة الأنبياء. مثلُ هذا المجتمع
العائش على دوْس العدالة، وسَحْق الغريب واليتيم والارملة والمسكين، لا يمكن أن
يدوم. وإن هو دام، فهو يمتلئ بغضاً وحقداً، فيخسر تناغمه ووحدته، خصوصاً حين تزول
الحريّة "فيبغضون القاضي بالعدل في المحاكم، ويمقتون المتكلّم بالصدق" (عا 5: 10).
في المجتمع أخذت الفضة تلعب دورها، تكدّست ثروات. وبسبب الضرائب وصعوبات الحياة،
يستقرض الفقير فيخسر أرضه بانظار أن يبيع نفسه وأولاده ليفي ديونه. فما أجمل أن
يتدخّل الملك الذي استغاثت به امرأة "ليعيد لها بيتها وحقلها" (2 مل 8: 3) اللذين
خسرتهما في وقت المجاعة. فقال الملك لأحد رجاله: "رُدَّ لها جميع ما يخصّها وكل
غلال حقلها، من يوم أن غابت عن هذه الأرض حتى الآن" (آ 6).
تحدّثنا عمّا فعله آخاب بنابوت حين أخذ له أرضه. هي سلطة مطلقة يتمتّع بها الملك
والذين حوله. وهذا ما يقود إلى استغلال الشعب، وليس من يدافع سوى الأنبياء، أي
الذين يتكلّمون باسم الربّ ولا يخافون. فقال ميخا: "ويل للذين يعدّون العدّة للاثم،
وفي مضاجعهم يفتعلون الشرّ: في نور الصباح يصنعونه لأنه في متناول أيديهم. يشتهون
حقولاً فيغتصبونها، وبيتاً فيستولون عليها. يظلمون الرجل وأهل بيته، والإنسان وما
ملكت يداه" (2: 1- 2). أين الحاكم لا يدافع؟ أين القاضي لا يقضي؟ هل كُمّت الأفواه،
أم أن الجميع تأمروا على الفقير، فجاء كلام سفر الجامعة قاسياً: "ويل للبلاد، إذا
كان ملكها ولداً، وأمراؤها يأكلون ويشربون حتى الصباح" (10: 16). وتمنّى تجاه هذا
الوضع فقال: "هنيئاً للبلاد، إذا كان ملكُها سليل الأحرار وأمراؤها يأكلون طعامهم
في وقته، للقوّة لا للسكر" (آ 17). وسوف يرى الأنبياء في كل ما يحلّ بالبلاد من
خراب أو دمار بفعل الحروب، عقاباً من الله بسبب هذه المظالم التي تصيب الشعب، فلا
يتدخّل الملك ولا الأمير ولا القاضي. رسم عاموس الوضع، ثم هدّد: "تضطجعون على أسرّة
من عاج، وعلى فراشكم تتمرّغون. تأكلون الخراف من الغنم والمعلوف من العجول. تبعبعون
على صوت العود، وتنسبون إلى أنفسكم آلات الطرب مثل داود. تشربون الخمر بالطاسات
وتمسحون شعر رؤوسكم بالزيتون، ولا تذوبون حزناً على هلاك يوسف (أي مملكة الشمال
بعاصمتها السامرة). لذلك تكونون أول من أسبيهم (يهجّرون، وهذا ما تمّ سنة 721 ق م)
فتزول عربدةُ المترّغين" (6: 4- 7).
ولن يكون أشعيا أقلّ عنفاً تجاه الظالمين: "بيوت كثيرة تصير خراباً. بيوت كبيرة
فخمة تبقى بغير ساكن" (5: 9). هذا ما تفعله الحرب. "عشرة فدادين كرماً لا تخرج إلاّ
خابية خمر، وكَيْل بذار واحد لا يُخرج إلاّ قفّة" (آ 10). هذا ما يفعله القحط
والجفاف. وتتوالى الويلات للمبكرين صباحاً في طلب المسكر، للذين يجذبون الاثم بحبال
الباطل، للذين هم حكماء في أعين أنفسهم، للذين يبرّرون الشرّير في القضاء أو في
الحكم بشكل إجماليّ، لأجل رشوة، ويحرمون البريء حقّه (أش 5: 11- 23).
احتُقرت حقوقُ الناس، فما عاد للعدالة من وجود، وانحصر عمل القضاة في طاعة الحاكم،
والتجاوب مع رغباتهم مع جمع المال والسلطة. "يبيعون الصدّيق بالفضة والبائس بنعلين،
ويمرّغون رؤوس الوضعاء في التراب" (عا 2: 6- 7). وهكذا فسدت العلاقاتُ الاجتماعيّة
المبنيّة على التبادل والحوار والتعاون. فنظّم كل واحد حقّه كما يشاء، وفرض نفسه
ولا من يحاسب، بل لا يجسر أحد أن يحاسبه. فهتف الربّ بلسان ميخا: "هل أنسى كنوز
الشرّ والقفف المملوءة بالباطل؟ هل أبرّر موازين النفاق وكيس معايير الغشّ؟
الأغنياء امتلأوا جوراً، والأوباش نطقوا بالزور، وتفوّهت ألسنتهم بالمكر" (6: 10-
12). ويأتي التهديد: "فحلّلتُ لنفسي ضربكم وتدميركم لأجل خطاياكم. تأكلون ولا
تشبعون، ويبقى جوعكم في جوفكم. تخزنون ولا تنقذون، وما تنقذون أعطيه للسيف. تزرعون
ولا تحصدون. تدوسون الزيتون، ولكنكم لا تُدهنون بالزيت. وتعصرون العنب خمراً ولكنكم
لا تشربون" (آ 13- 15). مثل هذا المجتمع ذاهب إلى الخراب، في حرب يذهب فيها الملك
إلى السبي، ومعه العظماء والقوّاد والوجهاء.
هل تبقى الصورة قاتمة؟ كلا. فالنبيّ أشعيا يعلن يوماً يعرف فيه المساكين العدالة:
"يزداد المساكين فرحاً بالربّ ويبتهج البؤساء... لأن الطغاة يهلكون، والساخرين
يزولون، ولا يبقى أثر ولا يبقى أثر للمواظبين على الشرّ. أولئك الذين على كلمة
يتّهمون الآخرين، وينصبون شراكاً على باب القضاء لمن يقضي بالعدل، ويحرّفون دعوى
البريء بأباطيلهم" (29: 19- 21). هي المأساة يراها الأنبياء، والجور يتجذّر في
المجتمع، بحيث ما عادوا يأملون بمجتمع أكثر عدالة. قال ارميا: "طوفوا في شوارع
أورشليم، أنظروا واستخبروا وفتّشوا! هل تجدون في ساحاتها إنساناً، إنساناً واحداً،
يصنع العدل ويطلب الحق" (5: 1)؟ ولكن هل يستطيعُ ذلك انسانٌ ترك معرفة الله ووصاياه
فما عاد يعرف أن يتوب (هو 5: 4)، إنسان فاسد في قلبه؟ لهذا قال ارميا أيضاً: "هل
يغيّر الحبشيّ بشرت والنمر جلده المرقّط؟ إذن، تقدرون أنتم أن تصنعوا الخير بعد أن
تعوّدتم على الشرّ" (13: 23). فلا يبقى سوى النداء الذي أطلقه عاموس: "أبغضوا
الشرّ، وأحبّوا الخير، وأقيموا العدل في المحاكم، فلعلّ الربّ الإله القدير يتحنّن
على من تبقّى" (5: 15).
خاتمة
تلك كانت مسيرتنا في دنيا العدالة والقضاء على ضوء ما يقوله الكتاب المقدّس.
توقّفنا عند العهد القديم لما فيه من غنى كبير وصور واقعيّة هي حاضرة اليوم في
مجتمعنا. فكأن التشريع القديم كُتب لنا، ويا ليتنا نطبّقه في مجتمعات يسيطر فيها
حبّ المال وما يجلبه من مكاسب. وكأن ما قاله الأنبياء يتوجّه إلينا ويدعونا إلى
معرفة الربّ التي هي أساس الحياة في مجتمع أكثر عدالة، في مجتمع يتوق إلى الوحدة
والتناغم بين مختلف فئاته. ولكن الطريق صعبة، طويلة، بل تبدو للبعض مستحيلة، لأننا
أخذنا بروح العالم، لا بروح الله. لهذا تبقى كلمة الله وحدها السراج الذي ينير
دربنا ويوجّه خطاتا. ويا ليتنا لا نحوّل هذا النور إلى ظلمة!
الخوري بولس الفغالي
الخاتمة
تلك كانت مسيرتنا في الأيام البيبليّة الثانية التي جاءت في عنوان: وجه الإنسان
وكلام الله. أما شعارها فكان: ما الإنسان حتى تذكره؟ نقّصته عن الإله قليلاً (مز 8:
4- 5).
انطلقنا من وضع من العنف يعيشه العالم اليوم، من حالة يُداس فيها الإنسانُ وحقوقه،
ولا سيّما الضعيف، سواء كان امرأة أم ولداً، غريباً أم فقيراً. فالإنسان الذي لا
يملك القوّة ولا الجاه ولا المال، يُسحق سحقاً. فهل يرضى الله بذلك وهو الذي يسمح
صراخ المساكين ويأتي لنجدتهم؟ كلا. ولكن المؤمن يشتكي بعض المرات من تأخر الربّ.
ماذا ينتظر لكي يفعل؟ ذاك هو سرّ الله. ولكنه سيفعل حقاً: هذا هو إيماننا العميق
والرجاء الذي يملأ حياتنا.
حاولنا أن نقدّم ومضات في هذا المضمار، منطلقين ممّا نعيشه، فنقرأه على ضوء كلام
الله. لا شكّ في أن ما قيل في الأيام البيبليّة لم يكن كافياً. لهذا أضفنا بعض
المقالات. ومع ذلك، لم نستفد الموضوع. فنحتاج إلى أكثر من أيام بيبليّة. قد نعالج
وضع المرأة ونستنير بوجه مريم العذراء التي هي المرأة في خط حواء المرأة الأولى.
وقد نتحدّث عن الأرض في علاقتها بالإنسان، سواء على مستوى البيئة، أو العدالة
الإجتماعيّة، أو التعلّق بالأرض. فمن انقطعت صلاته بالأرض، انقطعت وصلة حياته، فصار
مقلوعاً. صار كشجرة بدون جذور لا تعتّم أن تيبس. وفي هذا الإطار، يمكن الكلام عن
الرموز العديدة المرتبطة بالأرض، كالماء والهواء والتراب والنار، وأمور أخرى عديدة.
في كل هذا، يبقى الكتاب المقدس نوراً لخطانا وسراجاً لحياتنا. فكلام الله هو الذي
يعطينا المعرفة الحقّة. وكل كلام آخر لا بدّ أن يكون منقوصاً، لما فيه من بحث عن
رغبة دفينة أو مصالح شخصيّة. وتأتي كلمات البشر بقوّة، فنودّ، في شرّنا، أن نطفئ
صوتَ الله بحيث لا نعود نسمعه. نودّ أن تجعل ضميرنا الذي هو صوت الله مكبّلاً. تودّ
أن تخدّره بحيث تمنع عنه كل ردة فعل. من أجل هذا يدعونا الكتاب إلى ختانة الأذن
فننفتح ونسمع. إلى ختانة العين بحيث لا تبقى عمياء. إلى خيانة القلب بحيث يفهم
ويبحث عن الطريق التي يقدّمها الربّ، والتي لا تتّضح إلا إذا قبلنا أن نسير، فنترك
أريحا ونذهب صعداً إلى أورشليم. أما هكذا فعل طيما ابن طيما؟
كان هذا الكتاب محطّة في فكرنا خلال الأيام البيبليّة الثانية. ونحن نرجو أياماً
أخرى تحمل الفكر الكتابي إلى المؤمنين. ففي النهاية، كلام الله يقود إلى الحياة
وإلى العمل. فيا ليتنا نتجاوب معه.