القرآن والكتاب المقدس

في نور التاريخ والعلم

 

 

مقدمة

 

لماذا نحتاج إلى كتاب لنردَّ على كتاب؟

 

ما هو ذلك الكتاب الذي نتحدث عنه رغم مرور أكثر من عشر سنوات على صدوره؟

 

وأي كتاب هذا الذي ينتزع طبيباً من ممارسة مهنته لمدة ثلاث سنوات يتفرَّغ أثناءها لكتابة رد عليه؟

 

إنه كتاب تجده تقريباً في كل مكتبة في المشرق والمغرب العربيين، كما تجده بيد أي شاب مصري في أمريكا، يستخدمه ليؤثر في الفتاة التي يريد أن يرتبط بها وهو الكتاب الذي يلي كتب القرآن والحديث في جامع ريجنت بلندن وهو يحتل مكانة كبيرة حتى أنه تُرجم من لغته الأصلية الفرنسية إلى الإنكليزية والعربية والإندونيسية والفارسية والصربكرواتية والتركية والأوردوية والكجوراتية والألمانية.

 

كانت أول مرة سمعت فيها عن هذا الكتاب (الذي كتبه طبيب فرنسي) من شاب تونسي قال لي: (هل سمعت عن كتاب الدكتور موريس بوكاي: (القرآن والتوراة والإنجيل والعِلم)؟ إنه يحوي الكثير عن الكتاب المقدس والقرآن يقول إن القرآن خالٍ من الأخطاء العلمية).

 

وعندما فحصت كتاب دكتور بوكاي لنفسي وجدته يقول: (بفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعتُ أن أحقّق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وُجهة نظر العلم في العصر الحديث) (ص 13) ووجدتُه يقول إن في الأناجيل (أموراً متناقضة لا تتفق والعِلم الخيال والهوى في عملية تحريرها التعديلات غير الواعية التي أُدخلت عليها) (ص 13) ويقول إن المتخصصين في دراسة الكتاب المقدس يتغافلون هذه، وإن ذكروها (يحاولون أن يستروها ببهلوانيات جدلية) (ص 14).

 

وواضح أن المسلمين يهتزّون طرباً بكتاب د بوكاي لأنه، إن كان صحيحاً، يعزّز ثقتهم في القرآن، ويكون بمثابة شاهد ثانٍ على صحّته  ولو أنه يُحزِن المسيحيين لأنه يغفل الأدلة القوية على صحة الكتاب المقدس فهو لا يذكر مثلاً نبوات الكتاب التي تحقَّقت.

 

وينكر د بوكاي أن الأناجيل من كتابة شهود عيان، وبكلمات قليلة يُسقِط ذكر نسخ الإنجيل القديمة، تاركاً قارئه يظن أنه لا يوجد ما يشهد لصحة نصوص الإنجيل الذي بين أيدينا اليوم بل إنه يشبّه الإنجيل ب(أغنية رولاند) التي (تجمع حقيقة صحيحة بضوء زائف) وتتناسب هذه الأفكار مع ما يدَّعيه معظم المسلمين من أن المسيحيين حرَّفوا إنجيلهم، وأنه لا يوجد شاهد صادق على ما قاله المسيح أو فعله.

 

ومع أن هذه التهمة مزعجة، إلا أني اعتدتُ عليها لكثرة ما سمعتُها من المسلمين الذين تحدَّثتُ معهم لسنوات طويلة في شمال أفريقيا، وظننت أنها ما عادت تزعجني ولكني كنت مخطئاً، فقد زرت المتحف البريطاني بلندن عام 1983 لأرى واحدةً من أقدم مخطوطات الكتاب المقدس وهي (السينائية) التي ترجع إلى عام 350م وما أن رأيتُها حتي خُيّل لي أني أسمع أصوات من قالوا لي مئات المرات: (حرَّفتم كتابكم!) صارخين بذلك في وجهي مجتمعين، فانفجرتُ باكياً وإلى الآن وأنا أكتب هذه الكلمات تدمع عيناي! أردت أن أمد يدي من وراء الزجاج لألمس المخطوطة بيدي، كما تمنيت أن ألمس إخوتي الذين كتبوها منذ 1600 سنة، فقد شعرت بالوحدة معهم، رغم أنهم ماتوا منذ أمدٍ بعيد لقد كان أمامي برهان ملموس على أن الإنجيل باقٍ كما هو بغير تغيير وبالطبع لم يسمحوا لي أن ألمس المخطوطة، فاكتفيت بالتقاط صورة لها، تراها في موضع آخر من هذا الكتاب، وانصرفت.

 

وهذا الكتاب بين يديك الآن ليس مجرد رد على تقييم د بوكاي لكلٍ من القرآن والكتاب المقدس ولكنه أكثر من ذلك: إنه محاولة لدراسة المواجهة بين الإسلام والمسيحية على مستوى عميق، عقلياً وعاطفياً فالمسلمون مثلاً يقولون إن محمداً سيكون شفيعهم، وهي فكرة عاطفية مريحة، لأنه لا يوجد من يريد أن يقف وحيداً في اليوم الأخير ولكن هل هناك برهان قرآني على فكرة شفاعة محمد؟

 

يقول المسيحيون إن المسيح مات نيابةً عن ذنوب العالم كله، وإنه الآن حي ليشفع في كل الذين يضعون ثقتهم فيه كمخلّصٍ لهم فهل يوجد برهان إنجيلي على صحّة قولهم هذا؟

 

ويدَّعي المسلمون أن الكتاب المقدس تحرَّف فهل يوجد برهان من القرآن أو من الحديث أو من التاريخ على صدق هذه الادّعاء؟

 

وإن كان الكتاب المقدس والقرآن يتناقضان، فكيف يميز المرء الصحيح منهما؟ وكيف نؤمن بصحة نبوَّة نبي ما؟

 

وسأعرّفكم مَن أنا حتى أحاول دراسة هذه الأمور؟

 

أولاً: مهنتي الطب، وثانياً:  تعلمتُ اللغة العربية في شمال أفريقيا، وثالثاً: أني درست القرآن والكتاب المقدس ومع ذلك فإن بعض نقاط هذا البحث تخرج عن دائرة معلوماتي، لذلك لجأت إلى المتخصصين في ميادين كثيرة: بدءاً من عِلم الفلك إلى الجيولوجيا، وحتى عِلم الأجنَّة، لأتحاشى الأخطاء بقدر الإمكان كما لجأت لعلماء اللغة العربية كما استشرت كثيرين من أصدقائي ليُقيّموا دراستي ولكني أتحمَّل وحدي مسئولية ما كتبت.

 

 

افتراضات أساسية

تحدثت في الفصلين الأول والثاني عن افتراضات أساسية، وعن التحيُّز الطبيعي عند كل كاتب وإني أفترض أساساً أن الكتاب المقدس وثيقة تاريخية صادقة، وأن بشارة الإنجيل المفرحة هي صحيحة وفي بحث معاني القرآن والإنجيل حاولت أن أقبل المعاني الواضحة للنصوص، كما فهمها سامعوها عندما سمعوها أول مرة، وأن أتحاشى فرض معاني من عندي غير موجودة في النص وللقارئ أن يقرر مقدار نجاحي في محاولتي هذه.

 

وقد قال لي صديق إن اختياري للتعبير (افتراض أساسي) ليس اختياراً موفَّقاً، خصوصاً في الفصول التي تحدَّثتُ فيها عن العلوم، واقترح أن أستخدم التعبير (افتراض مسبَّق) أو (مسلَّمات) ولكني فضَّلت ما اخترت، لأنه يسير في خُطى فكر الفيلسوف البريطاني (وليم أوف أوكام) (عام 1300م) والذي قال: (لا يجب أن نضاعف الافتراضات الأساسية عن الطبيعة الجوهرية للأشياء بدون سبب) وهو يعني أن نحذف كل افتراض زائد.

 

وفي كل مرة  نفترض فيها (افتراضاً أساسياً) مهما كان صغيراً نكون قد بدأنا شيئاً جديداً، يكون علينا معه أن نفكر في شرح جديد ممكن ونجد أنفسنا دوماً نفترض افتراضات جديدة لنجد حلاً للمشاكل، كما سنرى في الفصل الأول من جزء 3 من هذا الكتاب أن أصحاب نظرية (النقد العالي) افترضوا أن موسى لم يعرف الكتابة وفي الفصل الثاني من جزء 1 يفترض د بوكاي أن كلمة (دخان) في القرآن تشير إلى الغازات البدائية، بينما يفترض بعض العلماء المسيحيين أن كلمة (ماء) في التوراة يمكن أن تُستخدَم بذات المعنى وفي الفصل الثاني من جزء 4 نرى الدكتور بوكاي يفترض عدة افتراضات أساسية في مناقشته للسماوات السبع ولا خطأ في محاولته هذه ولا خطية، ولكن علينا أن نقلّل من هذا ما في وسعنا.

 

والآن تعالوا بنا نعيد دراسة كتاب (القرآن والتوراة والإنجيل والعِلم).

القسم الأول

تمهيد

 

الفصل الأول

بعض الافتراضات الأساسية عن المفردات

 

كل مؤلف وقارئ وشخص يشترك في مناقشة، يجيء عادةً إلى الكتاب أو المناقشة بأفكار يعتقد أنها صحيحة، ربما يمكنه أن يفحص صحّتها بمقاييس ثابتة، كما في العلوم، أو أن يفحصها بالحفريات أو بالرجوع إلى الوثائق التاريخية  ولكن كثيراً ما يستحيل فحص صحة الأفكار التي نقول إنها (افتراضات أساسية) فمثلاً قد أعتقد أن المادة حقيقية، وأن الورق الذي طُبع عليه هذا الكتاب حقيقي وعندما درست الفلسفة قال أستاذنا الجامعي إن الفيلسوف زينو كان يعتقد أن العالم وهم، فرفعتُ يدي في براءة وسألت: (ولكن كيف استمتع بالحياة إن كان يعتقد أنها وهم؟) وأجاب الأستاذ: (ألا يقدر أن يستمتع بالوهم؟) ونظرياً يمكن للإنسان أن يستمتع بوهم، فأحلام يقظتنا أوهام! ولكن مشكلتي هي أني كنت أفترض أن العالم حقيقة.

 

ويفترض اليهود والمسيحيون والمسلمون أساساً أن الله موجود، وأنه خلق العالم الذي نلمسه ونقيسه من لا شيء ولكن عندما تختلف افتراضاتنا الأساسية نواجه المشاكل فمثلاً ذات مرة جاءني مريض مغربي لأفحصه ولما سألته عن وظيفته قال إنه من علماء الدين، فتحدثنا قليلاً عن الإنجيل، ودعاني لأزوره في بيته لنكمل الحديث ولما فعلتُ وردَت في حديثنا كلمة (المسيّا) من يوحنا 1:41 فقلت: (تجيء هذه الكلمة من أصلٍ عبري، وتُرجِمت في العربية (المسيح) فقال: (لا! بل هذا اسم آخر من أسماء محمد إنه يحمل أسماء كثيرة) وبعد مناقشة قلت له: (إذاً لنرجع للقاموس لا بد أن عندك قاموس المنجد) فقال: (لا! هذا غير ممكن) فسألت: (لماذا لا؟) فأجاب: (لأنك أنت الذي كتبتَ هذا القاموس) فسألته باستنكار: (كيف تقول إني كتبته؟ لا شأن لي بكتابته!) فقال: (لقد فعلتَ، فإن كاتبه مسيحي) وانتهت المناقشة ولم يكن في المغرب وقتها قاموس يُباع إلا (المنجد) الذي جهَّزه مؤلفون كاثوليك في لبنان، ولكن عالِم الدين المغربي رفض أن يعترف بصحته وهذا يعني أننا لا نقدر أن نحتكم للقاموس في معنى أية كلمة نختلف على معناها وسبب ذلك أننا قد اختلفنا في افتراضنا الأساسي عن صحة القاموس.

 

معنى المفردات:

واضح من المثل الذي ضربته أننا يجب أن نتفق على معاني المفردات قبل أن نبدأ أي مناقشة علمية أو دينية ذات فائدة وكتب د بوكاي فصلاً كاملاً عن كلمة (العَلَقَة) كما كتب أربع صفحات عن الكلمات اليونانية (لاليو) و(أكوو) و(باراكليتوس) فكيف نحدد معاني الكلمات؟ ومن هو الحَكَم على المعنى الصحيح والمعنى الخاطئ لأية كلمة؟ وكيف يجهّزون قواميس اللغات؟

 

والإجابة هي: أنت وأنا نجهّز قواميس اللغات، وذلك باستخدامنا للكلمات في فترة معينة من الزمن ويقوم علماء اللغة بدراسة الاستعمال الشفاهي أو المكتوب لكلمةٍ ما، ومنه يحددون معنى الكلمة ولما كنا سندرس مفردات من الكتاب المقدس والقرآن، فسأضرب أمثلة من المفردات المكتوبة وقد شرح الدكتور هاياكاوا أستاذ اللغات بجامعة سان فرانسيسكو طريقة تجهيز قاموس بقوله (1 - أرقام الهوامش في نهاية القسم):

 

(لكي يحدد محرّرو القاموس معنى كلمة ما، يبدأون بقراءة واسعة لكتاباتٍ من الفترة التي سيغطي القاموس مفرداتها، ويختارون الكلمات الهامة والنادرة ويكتبونها على كارتات، ثم يكتبون الجُمل التي وردت بها تلك الكلمات لتتضح لهم القرينة مثلاً يكتبون كلمة (دلو) والجملة التي جاءت فيها الكلمة: (دلو مزرعة إنتاج اللبن يجيء لبيوتنا بمزيد من اللبن) (جاءت الجملة في كتاب إندميون كيتس ج 1 ص 44 و45) ثم وبعد إكمال هذا العمل يجدون لكل كلمة مئتي أو ثلاث مئة استعمال في جُمل مختلفة- كل جملة على كارت ولكي يحدد محرّر القاموس معنى أو معاني الكلمة، يضع الكارتات أمامه، ويقدم كل كارت منها استخداماً للكلمة ذا أهمية أدبية أو تاريخية، فيقرأ الكارتات بتأنٍ ويستبعد بعضها، ويعيد قراءة البعض الآخَر، ويقسم الكارتات حسب ما يعتقد أنه المعاني المختلفة للكلمة، ثم يحدد معنى أو معاني الكلمة في نور أن كل معنى يجب أن يُبنى على ما يحدده الاقتباس الذي أمامه.

 

ويقول الأستاذ هاياكاوا:

(لا يحدد مؤلف القاموس بنفسه معاني الكلمات كما يروق له، بل هو يسجل بقدر إمكانه معاني الكلمة كما حدده المؤلفون في الماضي القريب أو البعيد فمؤلف القاموس مؤرخ وليس مشرّعاً).

استعمال الكلمة يحدد معناها

ونقدم هنا مثلاً لتحديد معنى كلمة (وِزْر) و (الوازرة) من الجذر (وَزَرَ) وذلك من استعمالها في جُمل وقد وردت (وزر) بتصريفاتها المختلفة في القرآن 24 مرة فلندرس ورود الكلمة في سورة طه 20:87 وذلك في منتصف الفترة المكية، تصف وزر بني إسرائيل في عبادة العجل الذهبي:

(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ).

 

فإذا جئنا بكارت كتبنا عليه كلمة (وزر) بحسب المعنى الوارد في هذا الاقتباس، لحدَّدنا أن معناها (الثِقل) المفروض عليك أن تحمله: (حُمِّلنا)

ثم لنتأمل سورة محمد 47:4 (ويرجع استعمالها للسنة الأولى للهجرة) فقد أُمِر المسلمون أن يحاربوا الكافرين حتى يُخضِعوهم:

(فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ).

وكلمة (وزر) هنا جاءت بمعنى آخر، فهي تشير للذين جُرحوا وماتوا في الحرب، وربما تشير إلى الآلام النفسية التي أصابت أهلهم.

ولنناقش معاني أخرى لكلمة (وزر) كما جاءت في آيات قرآنية أخرى، ولنكتب كل استعمال على كارت خاص:

سورة فاطر 35:16 و18 (والآيتان من العهد المكي الأول) (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ... وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)

سورة النجم 53:36-41 (وهي أيضاً من العهد المكي الأول) (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى)

سورة طه 20:100-102 (وهي من العهد المكي الوسيط) (مَنْ أعَرْضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)

سورة الأنعام 6:31 (وهي من العهد المكي المتأخر) (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)

سورة الأنعام 6:164 (من العهد المكي المتأخر) (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)

سورة الزُّمَر 39:7 (من العهد المكي المتأخر) (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)

سورة النحل 16:25 (من العهد المكي المتأخر) (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ)

سورة الإسراء 17:13-15 (من السنة الأولى للهجرة) (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اِقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)

فإذا قارنا هذه الآيات اتَّضح لنا أن كلمة (وزر) تُستعمَل لنوعٍ آخر من الأحمال فإذا رفضت رسالة الله وقع على كاهلك حمل وإذا كفرت سيكون هناك يومُ حسابٍ تنوء تحته بالحِمل ويحمل كل إنسان حمل نفسه يراه مكتوباً في كتاب يقرأه بنفسه، ويحمله على ظهره، كما أن الله يعلم بذات الصدور (أي القلوب) ومن كل هذه الأفكار يتضح لنا أن الوزر يعني الخطأ.

 

فإذا قمت بدراسة هذه الآيات يتضح لك أن قبيلة قريش في شبه الجزيرة العربية كانت تستخدم كلمة (وزر) لتعني حِملاً ثقيلاً جسدياً أو نفسياً كما أنهم استعملوها للخطية أو الكفر.

 

وإذا درست كلمة (وزر) في (معجم اللغة العربية المعاصرة) تأليف (هانزير) 2 ستجده يقول إن معناها: حمل ثقيل ثِقل مرهق خطية جريمة مسئولية.

 

وهكذا تجد أن معنى كلمة (وزر) ليس فقط (مسئولية) ولكنه أيضاً خطية وحمل ثقيل.

 

أما إذا درست (وزر) في قاموس فقهي فستجد المزيد من المعاني: فالخاطئ لا يقدر أن يساعد خاطئاً آخر، مهما كان قريباً له وكل خاطئ سيجد عقابه مسجلاً في كتاب وإذا أضللت أحداً نالك عقابٌ مضاعف ولكن لا يوجد في هذه الآيات ما يؤكد أن من لا وزر له يقدر أن يشفع في المخطئ.

 

 

اللغة دائمة التغيُّر

أكّد عالِم اللغة السويسري فرديناند دي ساسير (ويُعتبَر أب علماء اللغويات) في محاضرات له عامي 1910 و1911 هذه الحقيقة بقوله لتلاميذه:

(تنحلّ اللغة أو بالحري تتطور تحت تأثير عوامل تطول الصوت والمعنى ولا مفرّ من هذا التطور، ولا توجد لغة تقاوم هذا ونقدر أن نرى هذا التغيير واضحاً بمرور الزمن) 3

 

ويكرر عالِم اللغة الفرنسي أندريه مارتينيه الفكرة نفسها في كتابه (مبادئ عامة في علم اللغة) (نُشر عام 1964) فيقول:

(نلاحظ أن اللغات تتغيّر باستمرار دون أن تتوقف عن أداء وظيفتها وكل لغة ندرسها نجدها في حالة تحوُّل (حتى في وقت دراستها) ويصدق هذا على كل لغة في كل وقت)

ويوضح د لويس سولومون أستاذ اللغة الإنكليزية في كلية بروكلين في كتابه (علم دلالات الألفاظ والفطرة السليمة) أنه بسبب هذا التغيير المستمر توجد طريقة واحدة لمعرفة معنى أي كلمة، فيقول:

(المعنى المعتَرَف به لأية كلمة في زمن معيَّن هو المعنى الذي استخدمه لها من استعملوها في ذلك الزمن) 4

وبإيجاز نقول: يتغير معنى بعض الكلمات بمرور الزمن، بينما يبقى معنى البعض الآخر بدون تغيير واليوم إذا عرَّفنا كلمة قد نحتفظ بمعناها القديم، وقد نعطيها معنى جديداً واستعمالنا وحده هو الذي يحدد المعنى القديم أو يعطي المعنى الجديد.

 

الاشتقاق الخاطئ في الدراسات المعنيَّة بأصل اللغة وتاريخها

قال الدكتور سولومون:

(الاشتقاق الخاطئ في دراسة أصل اللغة وتاريخها هو الذي ينادي بأن المعنى القديم للكلمة هو وحده المعنى الصحيح، والذي ينادي بأن المعاني المتأخرة فسادٌ يجب استئصاله بأول فرصة ممكنة)

وعليه فإننا يجب أن نجد معنى الكلمة في استخدام الناس لها، لأننا نخدع أنفسنا لو حاولنا تعريف الكلمة بالرجوع إلى الأصل القديم، فهذا الرجوع للقديم لا يعطينا المعنى المعاصر، كما أن المعنى الحديث لا يعطينا المعنى القديم فإذا وردت كلمة مرة واحدة في وثيقة واحدة أو على لوح فخاري واحد يعود تاريخه إلى 500 سنة مضت، فإن المعاني القديمة (أو الحديثة) للكلمة قد تساعدنا في تخمين معنى تلك الكلمة، ولكنه لا يؤكد ذلك ويجب أن نفحص استعمالات كلمة ما لنعرف ما قصده بها المسيحيون في القرن المسيحي الأول، أو ما قصده المسلمون بها في القرن الهجري الأول.

 

ولكن د بوكاي لا يتفق مع هؤلاء المتخصصين في علم اللغة، فيقول في أحد كتبه 5:

(هناك قانون عام برهن صحّته الكاملة بالنسبة للمعارف الحديثة: فالمعنى الأصلي لكلمة ما، المعنى القديم، هو الذي يعطي بوضوح كامل ما يتفق مع المعارف العلمية، بينما المعاني المشتقَّة تقود لمعاني خاطئة أو باطلة)

غير أن قانون د بوكاي هذا يؤدي بنا إلى الباطل! ولنعطِ مثلاً من كلمة (طائر) فقد جاء في سورة الإسراء 17:13 (وترجع للسنة الأولى للهجرة) (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ (أي ما كُتب عليه) فِي عُنُقِهِ) ولكن المعنى الأصلي القديم لكلمة (طائر) هو (ذو الجناح) وكان العرب والرومان يحاولون معرفة المستقبل من اتجاه طيران الطيور، كفأل حسن أو سيء فإذا استخدمنا قانون د بوكاي لصار معنى آية الإسراء 17:13: (ربط الله ذا جناح كل إنسان في عنقه)! وهذا يفسد معنى الآية.

 

وكمثَلٍ آخر لفساد قانون د بوكاي نقدم اسم طائر (الرَّخَم) وهو نوع من الطيور يحتفظ بزوج واحد مدى الحياة، وجاء ذكره في سفر التثنية 14:17 وبالرجوع إلى جذر الكلمة في اللغة العبرية نجد أنه يعني (رحمة) ومن المرعب أن نترجم آية سفر التثنية أن (الرحمة) تطير في الجو لترى جثةً تنهشها! ولكن ربط المعنى القديم بكل كلمة يؤدي إلى الخلط بين الطائر والرحمة! وهكذا لا يقدر أحد أن يقول إن المعنى الأصلي القديم للكلمة هو الذي يتفق مع المعارف العلمية.

 

ونقدم مثالاً ثالثاً من كلمة (كحول) المأخوذة من جذر كلمة تعني (كُحل) لتكحيل العيون، وقد أَخذت الكلمة عند الرومان بعد ذلك معنى (النقاء) وعندما أُنتِج الكحول أول مرة بالتقطير كان نقياً، فأطلقوا عليه اسم (كحول) والكحول والكحل من ذات الجذر ومن الحماقة أن نتساءل: أي المعنيين يتفق مع المعارف العلمية!

 

وأقتبس ما قاله عبد الله يوسف علي الذي ترجم القرآن للإنكليزية:

(لكل كاتب ومفكر جادّ الحق أن يستخدم كل معارفه وخبرته في خدمة القرآن، ولكن لا حقَّ له أن يخلط نظرياته واستنتاجاته، مهما كانت معقولة، ليفسّر النص الكامل كل الكمال وتقوم صعوباتنا في تفسير النص إلى أسباب عدّة أذكر منها:

(1)  اكتسبت الكلمات العربية معاني أخرى غير التي فهمها الرسول وصحابته وكل لغة حية تجوز في تغييرات وقد أدرك المفسرون الأقدمون ذلك، ويجب علينا أن نقبل ما وصلوا إليه وعندما يختلفون في ما بينهم، علينا أن نستخدم حسَّنا التمييزي والتاريخي لنتبنَّى التفسير الذي نرضاه ولكن ليس لنا أن نبتكر معاني للألفاظ)

وهذا يعني أننا يجب ألّا نخترع معانٍ جديدة للكلمات لأننا نواجه صعوبات في الفقرة التي ندرسها.

 

أهمية القرينة

ذكرنا أن القرينة تساعدنا أن نفهم الكلمة من استعمالاتها والآن ندرس أهمية القرينة في تحديد معنى كلمة أو عبارة أو جملة وردت في وثيقة  رأينا أن الكلمة تحمل أحياناً أكثر من معنى، كما قلنا إن كلمة (وزر) تحمل معنى الخطأ، والثقل، والمسئولية فإذا سألَنا أحدٌ عن (الوزير في الوزارة) فإننا لا نجد عندنا جواباً هل نقول خطية الوزارة، أو ثقل الوزارة! هنا نحتاج لدراسة القرينة، لأنها تصحح لنا المعنى ويقول الأستاذ ساسير:

(اللغة نظام تتوقف فيه المصطلحات بعضها على بعض، فيكون المصطلح بلا قيمة بدون وجود المصطلح الآخر) 6

ويقول الأستاذ سولومون:

(لا تُستعمَل الكلمات بمعزل عن بعضها، فكل كلمة تتأثر بقرينتها من كلمات تحيط بها في الجملة أو الفقرة أو الخطاب كله فلنفهم استعمال كلمة عام 1787 يجب أن نلاحظ ما قصده بها مستخدموها عام 1787) 7

قدَّم د داود رهبار في كتابه (إله العدل) عدة أمثلة لأهمية القرينة 8، فقال إن سورة الصافات 37:96 تقول: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) وهذا يحتمل معنيين: (أ) الله خلقكم وما تقومون به، و (ب) الله خلقكم وما تصنعون فكيف نميّز بينهما؟ نحتاج للعودة للقرينة فإذا رجعنا لآية 37:91-96 وجدنا المعلومات التالية:

 

(فَرَاغَ (أي مال إبرهيم بحيلة) إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا (أهل المدينة) إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) - تقومون به أو تصنعونه؟ توضح القرينة أن الله خلقهم وخلق أعمالهم ولقد عزل الإمام الغزالي الآية من القرينة فجعل المعنى (ما تقومون به) فيكون الله نفسه خالق البشر وكل ما يقومون به!

 

جميع القرائن

ولكي ندرس كل القرائن نحتاج أحياناً أن نجمع الجُمَل من فصول أخرى، أو كل الإشارات الواردة في الكتاب كله وكمثال لذلك نذكر مقالاً للكاتب الأردني الأستاذ حسن عبد الفتاح كَتْكَت نُشر في مجلة (منار الإسلام) (يناير وفبراير 1981) عنوانه (عُرف الرسول من قبل مولده) اقتبس فيه برهاناً على دعواه ما جاء في التثنية 18:18 و19 قول الله في التوراة (أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ وَيَكُونُ أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ) ثم اقتبس جزءاً من التثنية 34:10 (وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى) ثم لخَّص كلامه بأن: (أ) وعد الله أن يقيم نبياً آخر مثل موسى (ب) ولم يقُم نبي مثل موسى ثم استنتج الأستاذ كتكت أنه لما لم يقُم نبي مثل موسى في بني إسرائيل، تكون كلمة (إخوتك) تعني نسل إسمعيل وليس نسل إسحق، وتكون هذه نبوة عن محمد.

 

ولنعرف إن كان استنتاج الأستاذ كتكت صحيحاً يلزمنا أن نعرف كيف استعملت التوراة التعبير (إخوتك) وكيف وصفت موسى ولما ندرس التوراة نجد معلومات أخرى عن الموضوع فلو درسنا التثنية 18:15-18 لوجدنا (15 يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي لَهُ تَسْمَعُونَ 16‚حَسَبَ كُلِّ مَا طَلَبْتَ مِنَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي حُورِيبَ (أي جبل سيناء)  يَوْمَ الِاجْتِمَاعِ قَائِلاً: لَا أَعُودُ أَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلهِي وَلَا أَرَى هذِهِ النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضاً لِئَلَّا أَمُوتَ 17‚قَالَ لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا 18‚أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ) ومن هذه القرينة نفهم أن موسى كان يكلم بني إسرائيل الذين سمعوا صوت الله على جبل سيناء، ووعدهم أن يجيب طلبهم وهذا يعني أن (إخوتك) تعني بني إسرائيل وحدهم الذين كانوا حاضرين (يوم الاجتماع) كما أن الأصحاح السابق (تثنية 17:14 و15) يوضح لنا أكثر ما هو المقصود بالعبارة  (من بين إخوتك) فيقول:

(مَتَى أَتَيْتَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَامْتَلَكْتَهَا وَسَكَنْتَ فِيهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَجْعَلُ عَلَيَّ مَلِكاً كَجَمِيعِ الْأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلِي فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكاً الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِكَ تَجْعَلُ عَلَيْكَ مَلِكاً لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ عَلَيْكَ رَجُلاً أَجْنَبِيّاً لَيْسَ هُوَ أَخَاكَ) وهذا يوضح أن الأخ إسرائيليٌّ وليس إسماعيلياً.

والفكرة نفسها موجودة في سورة الأعراف 7:65 و73 (وَإِلَى عَادٍ (أرسلنا) أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ... وَإِلَى ثَمُودَ (أرسلنا) أَخَاهُمْ صَالِحاً) ويقول محمد حميد الله (مترجم القرآن إلى الفرنسية): (الكلمة العربية أخ تعني الشقيق أو عضو القبيلة) وهذا هو نفس معنى ما اقتبسناه من التثنية: شقيق أو من القبيلة نفسها.

 

والآن لنتأمل ما جاء في التثنية 34:10-12 وتقول: (وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهاً لِوَجْهٍ، فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ الَّتِي أَرْسَلَهُ الرَّبُّ لِيَعْمَلَهَا فِي أَرْضِ مِصْرَ بِفِرْعَوْنَ وَبِجَمِيعِ عَبِيدِهِ وَكُلِّ أَرْضِهِ) وتوضح التوراة هذا أكثر في سفر العدد 12:6-8 (فَقَالَ (الرب) اسْمَعَا كَلَامِي إِنْ كَانَ مِنْكُمْ نَبِيٌّ لِلرَّبِّ، فَبِالرُّؤْيَا أَسْتَعْلِنُ لَهُ فِي الْحُلْمِ أُكَلِّمُهُ وَأَمَّا عَبْدِي مُوسَى فَلَيْسَ هكَذَا، بَلْ هُوَ أَمِينٌ فِي كُلِّ بَيْتِي فَماً إِلَى فَمٍ وَعَيَاناً أَتَكَلَّمُ مَعَهُ).

 

فما أوضح الضوء الذي تكشفه القرينة في هذه الآيات لمعنى كلمة (مثلك) لقد كان موسى فريداً، وحتى كتابة سفر التثنية لم يكن قد قام نبي مثله عرفه الرب (وجهاً لوجه) وكلّمه (فماً لفم) ويؤيد القرآن التوراة في هذا فيقول في سورة النساء 4:163 و164 (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ (يا محمد) كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعَقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً... وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) فقد أفرد ذكر موسى وميَّزه عن محمد وسائر الأنبياء، لأن الله كلم موسى (تكليماً) أي مباشرة.

 

لقد كان محمد نذيراً لقومه من عُبّاد الوثن في مكة، ولكن القرآن لا يقول إنه أجرى معجزات كموسى، ولا كلّم الله محمداً فماً لفم ومنذ موسى لم يتميّز نبيٌّ بالميزتين الفريدتين لموسى إلا المسيح، الذي أجرى معجزات عديدة سجّل الوحي منها نحو خمسين أما معرفته لله (وجهاً لوجه) فهو كلمة الله الذي كان في البدء عند الله وفي (حضن الله) (يوحنا 1:1 و18).

 

فإذا قلنا إن التثنية 18:18 و19 تتنبّأ بمحمد نكون قد أهملنا القرينة التي جاءت في التوراة وفي القرآن.

 

الخاتمة

هناك إذاً سبيل واحد لتحديد معنى كلمةٍ استُعمِلت في عصر الإنجيل أو القرآن، هي أن نأتي بنماذج من استعمالات هذه الكلمة في كتاباتٍ تعود إلى القرن الأول الميلادي أو القرن الأول الهجري، من شعرٍ ورسائل ومكاتبات حكومية وهذا يتطلب اكتشاف وثائق جديدة مثل ألواح نوزي التي تعود للقرن الخامس عشر قبل الميلاد، التي ساعدتنا لنفهم العادات زمن إبرهيم الخليل.

 

ثم أننا إن أردنا أن نقتبس من التوراة أو القرآن أو أي كتاب آخر، فإننا نحتاج للقرينة وليس فقط للكلمات وكمسيحي يجب أن أقتبس من التوراة والقرآن بذات الأمانة التي أقتبس بها من الإنجيل، وهكذا يجب أن يفعل المسلم مع التوراة والإنجيل ذلك أن تغيير معنى كلمة من الوحي الإلهي أو نزعها من قرينتها أمر خطير، لأنه يعني أني جعلتها تقول ما أريده أنا لا ما يريده الله، وعلى أقل تقدير هذا (تحريف للمعنى) وهو نوع من الشِرك، لأني أكون قد أشركت أفكاري مع أفكار الله.

 

الفصل الثاني

افتراضات أساسية تميَّز بها كتاب الدكتور بوكاي

 

قال د بوكاي إنه توخَّى الموضوعية المطلقة في ما كتب، وإنه بدون أي فكر مسبَّق فحص الوحي القرآني، وأعاد الفحص نفسه على التوراة والإنجيل بذات الروح الموضوعية، وإنه بدأ من الحقائق وليس من المفاهيم الغيبية، وافترض أن المرء يمكن أن يكون استنتاجياً يأخذ المعرفة من الحق، وليس استقرائياً يرى ما يريده في النص (ص 13).

 

ولكن ما يقوله د بوكاي يناقض مكتشَفات القرن العشرين في العلوم الإجتماعية، فلا يوجد ما يُقال عنه (وذلك بدون أي فكر مسبَّق وبموضوعية تامة) ويوضح (توماس كون) في كتابه (تركيب الثورات العلمية) 9 أن تفسير الحقائق العلمية يتوقف على بِنية المفسّر الغيبية، وقال إن فلاسفة العلم برهنوا مراراً أنك يمكن أن تحصل على نظريتين علميتين مختلفتين مبنيتين على ذات المعلومات! وفي عام 1905 اقتبس (جيمس أور) كتابات اللاهوتي الألماني (بيدرمان) الذي قال إن الواجب هو دراسة النصوص بدون أفكار وافتراضات مسبَّقة، ولكن الواقع أن كل طالب يجيء إلى المباحث التاريخية بنوعٍ من التعريفات التي تعيّن الحدود، يراها الطالب افتراضات عقائدية مسبَّقة) 10

 

وعندما يقول د. بوكاي إنه موضوعي فإنه يتجاهل افتراضاته المسبَّقة ولذلك سنُوضح أربعةً من افتراضاته المسبقة، وهي:

 

1.     العلم هو مقياس كل شيء

2.     يجب أن يتكلم الكتاب المقدس لغة القرن العشرين

3.     للقرآن أن يتكلم لغة عصره

4.     افتراضات أخرى عن الكتاب المقدس

 

1- العلم هو مقياس كل شيء:

يفترض د بوكاي أن التوافق بين العلم والدين هو المقياس الأول الذي يحدد صحة النصوص الدينية وفي هذا الافتراض بعض الحق ولكن ما هو مستوى التوافق المطلوب؟ وما هو مستوى الصحَّة العلمية اللازمة؟ كلنا يعلم أن (الصحّة العلمية) نالها تغيير كثير، ود بوكاي يعترف بهذا ويقول: 

(إننا عندما نتحدث هنا عن حقائق العلم فإننا نعني بها كل ما قد ثبت منها بشكل نهائي وهذا الاعتبار يقضي باستبعاد كل نظريات الشرح والتبرير التي قد تفيد في عصرٍ ما لشرح ظاهرة، ولكنها قد تُلغَى بعد ذلك تاركةً المكان لنظريات أخرى أكثر ملاءمة للتطور العلمي وإن ما أعنيه هنا هو تلك الأمور التي لا يمكن الرجوع عنها، والتي ثبتت بشكل كافٍ بحيث يمكن استخدامها بدون خوف الوقوع في مخاطرة الخطأ، حتى وإن يكن العلم قد أتى فيها بمعطيات غير كاملة تماماً) (ص 12)

وتعريف د بوكاي للعلوم مقبول للمناقشة، ولكنه يعطيك الانطباع أن العلم محدود بالفيزياء الفلكية وعِلم الأجنَّة والمائيات ولكن عندما نتأمل جذر كلمة (عِلم) (هو أمر يحب د بوكاي عمله) نرى أنها تشمل كل ما نعلمه من معرفة، من علم الآثار والتاريخ والجيولوجيا، كما أن هناك معلومات دينية عن النبوات وتحقيقها ويقول د بوكاي:

(هذه المواجهة مع العلم لا تتناول أية قضية دينية بالمعنى الحقيقي للكلمة) (ص 12)

ونحن نختلف معه في هذا، فإن هدف كل كتابة وقراءة في أي كتاب هو البحث عن الحقائق الدينية وأهم سؤال ديني هو: (هل هناك إله؟) ثم (كيف أعرفه وأنشئ علاقة معه؟) وسنجد كتباً في علم الأحياء أو الكيمياء صحيحة علمياً، ولكنها لا تذكر اسم الله أبداً وفي بعض الأحيان تتعارض المعارف العلمية والدينية، وكمثال لذلك ما بحثه د بوكاي عن النجوم والكواكب والشهب الثاقبة التي تنقضّ فتثقب ما تنزل عليه، فقد اقتبس من سورة الصافات 37:6 (وهي من العصر المكي الأول) (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) ولا مشكلة في هذا، ولكن قراءتنا للآيات التالية ترينا مشكلة دينية تقول الآيات 7-10 من سورة الصافات (وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ).

 

وهنا نرى الشهب الساقطة (وهي مادية) في مواجهة مع أشخاص روحيين، فالله يضرب الشيطان بالشهاب الثاقب الله روح، والشيطان روح، والله الروح يضرب الشياطين الروحية بنيازك مادية (سنناقش هذا بتفصيل في جزء 4 فصل 2) ثم يقول د بوكاي: (ولكن المعنى يصبح مبهماً عندما يشرك القرآن اعتبارات ذات طابع روحي صرف بمفاهيم مادية يسيرة على فهمنا، وقد استنرنا اليوم بالعلم الحديث) (ص 182) ثم يقول: (كل هذه التأملات تبدو خارج موضوع هذه الدراسة) (ص 183).

 

ولا شك أن سورة الصافات 6-10 تواجهنا بصعوبة، لا يكفي أن يُقال معها (يصبح المعنى مبهماً) أو (خارج موضوع هذه الدراسة) فإن كتاباً يحمل عنوان (القرآن والتوراة والإنجيل والعِلم) كان يجب أن يتعامل مع هذه الصعوبة ويوضحها.

 

ولهذا السبب لا أقول إن كتابي هذا يتوقف عند الشئون العلمية، أما الأمور الروحية فتخرج عن نطاقه فكتابي يعالج العلوم، كما يعالج المشاكل الأساسية التي تواجه المسيحيين والمسلمين في نقاشهم معاً سأناقش: ما الذي يقوله القرآن عن الكتاب المقدس؟ هل حقاً تحرّف الكتاب؟ كيف يعرف المسلم أن القرآن لم يتحرف؟ ما هي مكانة الحديث؟ ماذا يقول القرآن والكتاب المقدس عن الشفاعة؟ كيف نميّز النبي الصادق؟

 

د بوكاي لا يقيس القرآن والكتاب المقدس بالمقياس ذاته.

 

2- يفترض د بوكاي ضرورة أن يتكلم الكتاب المقدس لغة القرن العشرين:

يحكم د بوكاي على الكتاب المقدس بمقاييس القرن العشرين، فيقرأه كوثيقة علمية فإذا ظهر له أن فقرة تحتوي على معلومات غير مقبولة علمياً يقول إنها ليست وحياً! وكل ما يبدو له في الكتاب المقدس (غير معقول) أو (غير محتمل) يكون برهاناً على خطإ الكتاب وهو يدَّعي أنه ما لم يتفق الكتاب المقدس مع العلم الحديث فإنه لا يكون كلام الله، ولا حتى وثيقة تاريخية صحيحة وهو لا يقبل تفسيراً يصحح رؤيته الشخصية وكل محاولة للتوضيح هي (ذلك الذي أخفاه هؤلاء المعلّقون تحت بهلوانيات جدلية حاذقة غارقة في الرومانسية المديحية) (ص 285).

 

ويطلقون على طريقة د بوكاي هذه في التقييم اسم (أسلوب الهجوم) لأنك ترى فيها التحيُّز ضد كل وثيقة، مع بذل الجهد ليجعل كل ما يعنّ له يبدو (خطأً).

 

3-  للقرآن أن يتكلم بلغة عصره:

يقول د بوكاي إن العلم الحديث هام جداً، وهو المقياس المضبوط الذي يشهد لصحَّة القرآن ويبدو أن د بوكاي يقيس الكتاب المقدس والقرآن بذات المقياس، لكن ببعض التفريق:

 

فبعد اقتباس الآيات 27-33 من سورة النازعات يقول: (إن وصف نِعم الله الدنيوية على الناس، ذلك الذي يعبّر عنه القرآن، في لغة تناسب مزارعاً أو بدوياً من شبه الجزيرة العربية، مسبوق بدعوة للتأمل في خلق السماء) (ص 162).

 

إذاً لم يعُد نقص الدِّقة العلمية عيباً كما يدَّعي د بوكاي على الكتاب المقدس! لقد اعتبر كلمات سورة النازعات امتيازاً ممنوحاً لأهل قريش البدو أو المزارعين الذين عاشوا قبل عصر العلم الحديث، فكلمهم القرآن بلغة تناسبهم! وهذا ما نسمّيه (أسلوب التوفيق) بين العلم والكتب المقدسة

وبناءً على هذا الافتراض يقول د بوكاي إنه لا توجد (صعوبات) في القرآن، مع أنه يقول (إن تفسير كل كلمة لكل من تلك الآيات أمر عسير) (ص 221) وقد سبق أن قال إن (الشهب الثاقبة) مبهمة، ولكن لا توجد فيها (صعوبات ولا ترجيحات ولا احتمالات).

 

وفي صفحة 146 من كتابه يقول د بوكاي:

(من هنا ندرك كيف أن مفسّري القرآن (بما في ذلك مفسرو عصر الحضارة الإسلامية العظيم) قد أخطأوا حتماً وطيلة قرون في تفسير بعض الآيات التي لم يكن باستطاعتهم أن يفطنوا إلى معناها الدقيق إن ترجمة هذه الآيات وتفسيرها بشكل صحيح لم يكن ممكناً إلا بعد ذلك العصر بكثير، أي في عصر قريب منا ذلك يتضمن أن المعارف اللغوية المتبحرة لا تكفي وحدها لفهم هذه الآيات القرآنية، بل يجب بالإضافة إليها امتلاك معارف علمية شديدة التنوّع ذلك يعني أن إنسان القرون السالفة لم يكن باستطاعته إلا أن يتبيّن في هذا الجزء من الآيات معنى ظاهراً قاده في بعض الأحوال إلى استخراج نتائج غير صحيحة، وذلك بسبب عدم كفاية معرفته في العصر المعني به).

ولكي يتحاشى د بوكاي هذه التفاصيل (الدقيقة) حاول أن يخترع معاني جديدة للكلمات العربية لتتفق مع العلم الحديث وقد فرح كثيرون من دارسي العلوم المسلمين بجهود د بوكاي، غير أن افتراضه أن المفسرين المسلمين القدامي المتبحّرين في اللغة العربية ونحوها ومعانيها كانوا أقل قدرة على فهم القرآن من المحدثين (خصوصاً الأوربيين) يبدو فخراً فارغاً فقد نزل القرآن بلسان عربي مبين ليفهمه القريشيون ونعتقد أن د بوكاي أوجد لنفسه تفسيره الخاص!

 

النتيجة

يعرف كل قارئ أنه يقدر أن يعثر في أي كتاب على ما يريد العثور عليه! ولو قرأنا القرآن أو الكتاب المقدس بافتراض مسبَّق أنهما مليئان بالأخطاء فسنجد تلك (الأخطاء الكثيرة) لأننا نتبع (أسلوب الهجوم) أما إذا درسناهما بقلب مؤمن، واثقين أن كلمة الله وعلومه متفقان فإننا نتبع (أسلوب التوفيق) وسنجد وقتها أخطاء قليلة إن كنا نلوي ذراع العِلم أو نضغط على تفسير الكتاب المقدس.

 

ولقد اتّبع د بوكاي (أسلوب الهجوم) مع الكتاب المقدس، بينما اتّبع (أسلوب التوفيق) مع القرآن وكنموذج لذلك معالجته لأيام الخليقة، فيقول في الفصل الأول عن الكتاب المقدس (ص 45):

(إن إدراج مراحل الخلق المتعاقبة في إطار أسبوع لايقبل الدفاع من وجهة النظر العلمية، فمعروف تماماً في أيامنا أن تشكيل الكون والأرض قد تم على مراحل تمتد على فترات زمنية شديدة الطول وحتى إذا كان مسموحاً لنا، كما هو الأمر بالنسبة للرواية القرآنية، أن نعتبر أن المقصود فعلاً هو فترات غير محددة وليس أياماً بالمعنى الحقيقي، فإن النص الكهنوتي يظل غير مقبول، حيث أن تعاقب الأحداث فيه يناقض المعلومات العلمية الأصلية).

وكلام د بوكاي هذا يعني احتمال أن يكون (يوم) الكتاب المقدس (حقبة غير محدودة) ولكن د بوكاي عندما يناقش الموضوع مرة أخرى في الفصل الثالث عن القرآن يقول: (إن كلمة (يوم) كما يُفهم من التوراة تعرّف المسافة الزمنية بين إشراقين متواليين للشمس، وذلك بالنسبة لسكان الأرض) (ص 158) فهو يقول إن يوم الخلق في الكتاب المقدس هو 24 ساعة، وهي غلطة كبيرة.

 

وفي الصفحة نفسها يناقش د بوكاي الكلمة العربية (يوم) ويقتبس آيتين قرآنيتين ليوضح أنها قد تعني حقبة زمنية، فيقول إنه جاء في سورة السجدة 32:5 (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) ثم يقول: والقول إن الخلق حدث في ست حقب هو ما تقوله سورة المعارج 70:4 (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ).

 

ويبدو كلام د بوكاي مقنعاً حتى نقرأ الآيات في قرينتها، ففي السجدة 32:4 و5 (من العهد المكي الوسيط) نقرأ: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سَتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) وتقول سورة المعارج 70:4 (وهي من العهد المكي الأول) (تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) وعندما ننظر إلى القرائن نرى أن هذه (أيام روحية) تختص باليوم الأخير، وعروج الملائكة والروح ولا نقدر أن نجزم كيف فهم أهل قريش معنى كلمة (يوم) - هل هو حقبة أو 24 ساعة؟ ولكن نقول: إن كانت كلمة (يوم) في اللغة العربية قد تعني (حقبة) فلماذا لا تعني الكلمة (يوم) الواردة في الكتاب المقدس معنى (حقبة) أيضاً؟ جاء في 2 بطرس 3:7-9 (وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ الْكَائِنَةُ الْآنَ فَهِيَ مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً لِلنَّارِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلَاكِ النَّاسِ الْفُجَّارِ وَلكِنْ لَا يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، أَنَّ يَوْماً وَاحِداً عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ.. لكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لَا يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ) فاليوم هنا روحي، هو اليوم الأخير، ولا خلاف بين هذا وبين المعنى القرآني وفي كتاب (تكوين 1 وأصل الأرض) يقول الكاتبان (نيومان وإكلمان) 11:

(لا نحتاج إلى دراسة مطوَّلة لمعنى كلمة يوم في العبرية، فهي كثيراً ما تعني الزمن الذي تشرق فيه الشمس، وهو نحو 12 ساعة (تكوين 1:5 و14أ) كما تعني يوماً وليلة أي 24 ساعة (تك 1:14 ب والعدد 3:13) وقد تعني حقبة زمنية (تك 2:4 والجامعة 12:3))

فلماذا يُغفل د بوكاي ذكر هذه الحقائق؟ لقد ورد ذكر ستة أيام الخلق ويوم الراحة السابع في تكوين 1 وبعدها يقول تكوين 2:4 (هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الْإِلهُ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ) وكلمة (يوم) هنا تعني كل زمن الخليقة وفي الجامعة 12:3 يقول: (فِي يَوْمٍ يَتَزَعْزَعُ فِيهِ حَفَظَةُ الْبَيْتِ، وَتَتَلَوَّى رِجَالُ الْقُوَّةِ، وَتَبْطُلُ الطَّوَاحِنُ لِأَنَّهَا قَلَّتْ، وَتُظْلِمُ النَّوَاظِرُ مِنَ الشَّبَابِيكِ) وهذا كلام رمزي، يمكن ترجمته تفسيرياً كالآتي: (سيأتي يوم تصطك فيه ركبتاك من كِبر السنّ، وتصبح ساقاك ضعيفتين  إلخ) وتجيء كلمة (يوم) هنا وصفاً لمرحلة الشيخوخة.

 

وقول د بوكاي إن كلمة (يوم) العربية يمكن أن تشير إلى حقبة ليس جديداً، فقد سبقه القديس أغسطينوس إلى ذلك في القرن الرابع وقال إن يوم الخليقة عظيم ورائع حتى إنه لا ينقسم بشروق الشمس، بل بتقسيم الله إنها أيام إلهية لا شمسية.

 

جاء في كتاب (العلم الحديث والإيمان المسيحي) 12 (نُشر عام 1948) أن يوم الخليقة هو حقبة زمنية، سُمّي (نظرية يوم الدهر) وكتب مفسر يهودي معاصر هو أندريه نِهِر 13 يقول:

(في تكوين 1 جاءت كلمة يوم بثلاثة معانٍ في آية 4 يتطابق اليوم مع النور، وبالحري تُطلق كلمة يوم على النور، ولكلمة يوم معنى كوني أما في آية 14 فإن كلمة يوم تحمل معنى فلكياً، من شروق الشمس إلى شروقها التالي أما المعنى الثالث فهو حقبة تتلوها حقبة أخرى وعليه فإن أيام الخليقة ليست 24 ساعة، بل حقب متتالية)

من كل هذا نرى أن د بوكاي اختار أسلوب الهجوم، وأغفل كل هذه النقاط المضادة لفكره، ليبرهن وجود تناقض بين الكتاب المقدس والعِلم (الماء) و(الدخان).

 

ونقدم نموذجاً آخر لأسلوب الهجوم وأسلوب التوفيق كما جاء بكتاب د بوكاي من جانب، وكتاب (تكوين وأصول الأرض) للكاتبين نيومان وإكلمان من جانب آخر، والذي أوضحا فيه حقائق تبرهن أن قصة الخلق كما جاءت في سفر التكوين تتوافق مع العلم الحديث نتأمل أولاً آية من الكتاب المقدس عن الماء، استخدم د بوكاي معها أسلوب الهجوم، واستخدم الكاتبان نيومان وإكلمان معها أسلوب التوفيق:

الماء: التوراة، تكوين 1:1و 2

(فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَانَتِ الْأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللّهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ).

أسلوب الهجوم من د. بوكاي:

أسلوب التوفيق من د نيومان ود إكلمان 14:

(نستطيع أن نقبل تماماً أن في مرحلة ما قبل خَلق الأرض، كان ما سيصبح الكون كما نعرفه غارقاً في الظلمات ولكن الإشارة إلى المياه في تلك المرحلة أمر رمزي صرف وربما كان ترجمة لأسطورة وسنرى في الجزء الثالث من هذا الكتاب أن هناك ما يسمح بالاعتقاد بوجود كتلة غازية في المرحلة الأولى لتكوّن الكون إن القول بوجود الماء في تلك المرحلة غلط) (ص 41).

لكلمة (ماء ومياه) معنى أوسع مما تراه العين أول وهلة، فهي تصف سوائل متنوعة فكلمة ماء تعني البول (2 ملوك 18:27) وتعني المني (إشعياء 48:1) وتعني حالة الماء كبخار أو قطرات (2 صموئيل 22:5 وأيوب 26:8 و36:27 و28 وإرميا 51:16) أو كثلج (أيوب 37:10 و38:30) فمعناها في تكوين 1:2 غير محدد: قد يكون بخاراً أو سحاباً أو قطرات أو ثلجاً، أو أي سوائل أخرى على كلٍّ من هذه كان يمكن أن (روح الله يرفّ) ويتفق هذا مع النظريات العلمية، فالغيمة السديمية قد تحتوي على بخار وهناك احتمال أن (المياه) تعني كيماويات داخلة في تكوين السحب.

 

ويتكون الماء من أوكسجين وهيدروجين، ولكن السحب تتكون من الهيدروجين والهليوم وثاني أكسيد الكربون والأزوت والأوكسجين والكلمة العبرية (مياه) تحتمل كل هذا المعنىوالآن لنتأمل آيات قرآنية استخدم معها د بوكاي  أسلوب التوفيق:

الدخان: سورة فصلت 41 آيات 9-11

(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).

أسلوب التوفيق الذي استخدمه د بوكاي:

أسلوب الهجوم:

قال د بوكاي: (هذه الآيات الأربع من سورة فُصلت تقدم جوانب متعددة سنعود إليها: نعني الحالة الغازية الأولية للمادة السماوية (ص 160) وجود كتلة غازية ذات جزيئات فكذلك يجب تفسير كلمة (دخان) إذ يتكون الدخان عموماً من قوام غازي حيث تعلق به  بشكل أكثر أو أقل ثبوتاً جزيئات دقيقة قد تنتمي إلى حالات المواد الصلبة أو حتى السائلة مع درجة في الحرارة قد تقل أو تكثر (ص 163) إذا أخذنا كمثال (وهو المثال الوحيد الممكن اعتباره) تكوين الشمس ونتاجها الثانوي أي الأرض، نجد أن العملية قد تمت من خلال تكاثف السديم الأولي وانفصالهما، وذلك بالتحديد ما يعبر عنه القرآن بشكل صريح عندما يشير إلى العملية التي أنتجت ابتداء من الدخان السماوي (رتقاً ثم فتقاً) إننا نسجل هنا التطابق الكامل بين المعطية القرآنية والمعطية العلمية) (ص 171).

 

تقول هذه الآيات إنه في مرحلة من الزمن كانت السماء دخاناً، والدخان يحتوي على جزيئات عضوية قد تنتمي إلى حالات المواد الصلبة وهذا خطأ محض،لأنه في الزمن الغازي الأولي لم تكن هناك مواد عضوية ثم أن السديميات التي يُفترض أنها سابقة للكواكب السيارة خفيفة الكثافة جداً ولا يمكن أن يعلق بها شيء وهذا يعني أنها جزيئات غازية دقيقة تتعلق بها ذرات ترابية بسيطة ولو كانت هذه الآيات تتحدث عن حالة غازية بدائية لكانت الأرض والسماء معاً دخاناً، ولكن هذه الآيات تقول إنه كان هناك جبال وأقوات في الأرض، بينما كانت السماء دخاناً! لا بد إذاً أن تكون في هذه الآيات أخطاء فلكية.

 

فما هي نتيجة هذه الدراسة الصغيرة؟  يقول (نيومان وإكلمان) إن الماء (كما ورد في تك 1:2) قد يعني غازات بدائية، ولكن د بوكاي يقول إن هذا خطأ محض.

 

ويقول بوكاي إن الدخان في سورة فصلت 11 يعني الغازات البدائية ويقول أسلوب الهجوم إن هذا خطأ محض.

 

ولعل المزيد من معرفتنا للغتين العبرية والعربية، والمزيد من المعرفة في عِلم الفيزياء الفلكية تمكننا من تقييم التفسيرين لنقرر أيهما أكثر صحة من الآخر، ولكن الهدف من دراستنا هذه أن نُظهر تأثير التحيُّز فلو سمح بوكاي لنفسه أن يقول إن الدخان يعني الحالة الغازية البدائية، فليس له أن ينكر على نيومان وإكلمان أن يقولا إن (الماء) يمكن أن يعني الحالة الغازية، والعكس صحيح.

 

ومن الواضح أننا لن ننجو من التحيُّز، فلكلٍ منّا إيمانه واقتناعاته، يريد أن تثبت صحتها وصحة اقتناعات المؤمنين من أمثاله ويميل كل منا إلى ترجيح كفة ما يعتنقه وعلينا أن نعترف بتحيُّزنا، ونقبل المناقشة من (الآخَر) ومعه، فإنه عندما يقول مسيحي أو مسلم إنه على صواب وإن العِلم في جانبه يكون قد أضاء النور الأحمر وصار خطيراً، لأنه يعاني من الوهم، ولا يدري مقدار تعصُّبه وبُعْده عن العِلم!

 

لو أني اقتبست نصف آية لأبرهن ما أعتقد أنه صواب أكون قد انحرفت عن الحق ولو أني تردَّدت عن اقتباس آيات تتعارض مع فكري أكون قد لويت ذراع الحق وعلينا أن نترك أسلوب الهجوم، فلا نقول إن شيئاً ما كله خطأ وكله مرفوض، وإن الذي يختلف معنا قد ضل تماماً وعلينا أن نعترف بتحيّزنا، ثم نحاول أن نأخذ في اعتبارنا كل الحقائق، وأن نكون عادلين في أحكامنا، وهذا ما قاله المسيح: (فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ) (متى 7:12) وهو ما قالته التوراة (تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ) (لاويين 19:18).

 

4- افتراضات أخرى عن الكتاب المقدس:

يفترض د بوكاي أن (نظرية الوثائق) عن أصل وتطوّر التوراة صحيحة وقد تطورت هذه النظرية في صورتها النهائية عام 1890 وقامت على الاعتقادات التالية:

  1. هناك تطور ديني من تعدد الآلهة إلى وحدانية الله، فتكون التوراة نتاج استنباط الحساسية الدينية عند بني إسرائيل، ولا شأن لها بإعلان الله عن نفسه بواسطة ملاك أو بواسطة الروح القدس.

  2. لما كانت العادات الواردة عن حياة إبرهيم في التوراة غير واردة إلا في المصادر التوراتية فقط (مثل زواج إبرهيم من أخته غير الشقيقة سارة، وطرد هاجر زوجته التي كانت خادمته بناءً على طلب سارة) ولما كان الحثيون غير مذكورين إلا في التوراة، تُعدُّ هذه الحقائق التوراتية عن حياة إبرهيم وإسحق ويعقوب حقائق غير تاريخية، وتكون مجرد قصص أو أساطير.

  3. كان موسى وبنو إسرائيل عاجزين عن الكتابة، لأنها لم تكن قد عُرفت بعد.

  4. إذاً لم يكتب موسى الأسفار الخمسة الأولى من التوراة سنة 1400 أو 1300 ق م كما تقول التوراة والقرآن، ولكن كتبها مؤلفون مجهولون بعد ألف سنة من ذلك التاريخ، أي عام 400 ق م، ونسبوها إلى موسى وتُعرف هذه النظرية باسم (نظرية الوثائق).

  5. لا يؤمن أصحاب (نظرية الوثائق) بالمعجزات التي أجراها موسى والمسيح، ويكفرون بفكرة النبوة وبأن الله يوحي كلمات للبشر، فلم يكلم الله موسى ولا المسيح ولم يلقّنهم تعاليمه للبشر وفي هذا هجوم على التوراة والإنجيل، كما أنه هجوم على القرآن.

ويمكننا أن نقول إن الكفر بالمعجزات والنبوّة هو أساس هذه النظرية وقد اقتبس د بوكاي آراء بعض اللاهوتيين الكاثوليك الذين يؤمنون بهذه النظرية وأنا لا أقطع بأنهم ينكرون احتمال حدوث المعجزات، لأني لم أقرأ كل ما كتبوه كما أن د بوكاي لا ينكر المعجزات، لأنه قال في مقدمة كتابه إن المسيح وُلد من عذراء (ص 6)، غير أن بعض اللاهوتيين البروتستانت قاموا بتطوير هذه النظرية وافترضوا استحالة حدوث المعجزات وإني أتفق مع د بوكاي في غضبه من بعض رجال الكنيسة، كاثوليك وبروتستانت، الذين يقتبسون أقوال موسى والمسيح لشعب الكنيسة  وكأنهم يؤمنون بالوحي، بينما هم يكتبون البحوث الفقهية التي ينكرون فيها الوحي!

 

وأنا أرفض (نظرية الوثائق) وسأذكر (في جزء 3 فصل 1) أسباب هذا الرفض، ولكن لنفحص أولاً ما يقوله القرآن عن الكتاب المقدس، لأن هذا سيعطينا أساساً بمقتضاه يحكم القارئ لنفسه على مدى صحة أو خطأ (نظرية الوثائق) فلو صدَقت (كما يدَّعي د بوكاي) لكانت هجوماً على القرآن كما هي على التوراة والإنجيل.

القسم الثاني

الكتاب المقدس في نور القرآن والحديث

 

الفصل الأول

ما يقوله القرآن عن الكتاب المقدس

 

كلما اقتبس مسيحيٌّ آية من الكتاب المقدس ليبرهن ما يؤمن به لمسلم، يبادره المسلم فوراً بالاتّهام (ولكنكم حرَّفتم كتابكم) ويقتبس المسلم آيات يقول إنها تبرهن اتّهامه ولذلك أردتُ أن أخصصهـذا الفصل لبحث ما يقوله القرآن عن توراة موسى وزبور (مزامير) داود وإنجيل المسيح.

 

وفيهـذا الفصل سندرس الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكتاب المقدس في قرينتها وقد تكون القرينة آية أو أكثر أو بعض آية وقد بدأ المسلمون يرون ضرورة دراسة الآية أو الكلمة في قرينتها، ففي مقدمة كتاب (إله العدل) يقول الدكتور داود رَهْبَر 1 (وكان رئيس كرسي الدراسات الأوردية والباكستانية في جامعة أنقرة بتركيا من 1956-1959): (لو أننا أردنا أن نبني أساساً للفقه الإسلامي والتفسير القرآني، فيجب أن يكون الأساس الأول لهذه الدراسة معرفة ما فهمه الرسول وصحابته داخل قرينتهم التاريخية) ثم مضى يقول إن مفسري القرآن لم يربطوا ولم يقارنوا الآيات الواردة عن موضوع واحد قبل أن يكتبوا تفاسيرهم وأعطى مثلاً من تفسير البيضاوي لعبارة (الأرض والسماء) حيث قال البيضاوي إن الأرض جاءت أولاً، لأنك عندما تتسلّق تصعد من الأسفل إلى الأعلى ويمضي د رهبر فيقول: (ولكن لما درستُ الآيات التي أوردت ذكر السماء قبل الأرض وجدت أن البيضاوي يناقض نفسه، وكأنه نسي ما سبق أن قاله!) ثم قال د رهبر إنه أول مسلم يقوم بدراسة مترابطة للقرآن، ويعقّب: (ما جدوى أن تدرس عبارتين أو ثلاثاً عن موضوع، بينماهـناك ثلاث مئة عبارة أخرى في نفس الموضوع متروكة بغير دراسة؟  على علماء المسلمين أن يُحسّنوا تحليلهم وتنظيمهم ليجمعوا كل ما جاء بالقرآن عن نفس الموضوع وقد قمت بهذاهـنا للمرة الأولى) 2.

وفيهـذا الفصل سأبدأ بالآيات القرآنية التي تتحدث عن التوراة في زمن المسيح، ثم أذكر الآيات التي تحدثت عن التوراة والإنجيل في زمن محمد، وأختم بالآيات التي تتحدث عن التحريف:

 

أ. آيات قرآنية تشهد لصحة التوراة زمن المسيح.

  1. عام 7 للهجرة (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً). سورة مريم 19:12

  2. عام 2 أو 3هـ الملاك جبرائيل يحدّث العذراء مريم عن المسيح قبل ميلاده فيقول (وَيُعَلِّمُهُ (الله) الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) (سورة آل عِمران 3:48)

  3. عام 7هـ (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ... صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ). (سورة التحريم 66:12

  4. عام 2 أو 3هـ (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم... وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) (سورة آل عمران 3:49 و50)

  5. عام 3هـ (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاة) (سورة الصف 61:6)

  6. عام 10هـ (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِهـُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (سورة المائدة 5:46)

  7. (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) (سورة المائدة 110)

فبحسبهـذه الآيات يؤمر يحيى (يوحنا المعمدان) أن يأخذ الكتاب (أ - 1) وصدّقت مريم بكلمات ربها وكتبه (أ - 3) ووعد الله من قبل مولد المسيح أن يعلّمه التوراة (أ - 2) وصدّق المسيح على التوراة ( أ - 4 و5) وفي زمن محمد يشهد الله أنه علّم المسيح التوراة (أ - 6 و7) وهذا يعني أن التوراة كانت موجودة وصحيحة في زمن المسيح ولما كانت مريم قد آمنت بكتب ربها، فلا بد أن أسفار الأنبياء الذين بعثهم الله لليهود كانت وقتها موجودة وصحيحة.

 

ب. آيات قرآنية تشهد أن مسيحيين أتقياء عاشوا في الفترة ما بين المسيح ومحمد.

  1. عام 10هـ (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ... وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ... وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ (تلاميذ المسيح) أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي (المسيح) قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (مستسلمون)) (سورة المائدة 5:110 و111)

  2. عام 2 أو3هـ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (مستسلمون) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ (المسيح)) (سورة آل عمران 3:52 و53)

  3. عام 3هـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (سورة الصف 61:14)

  4. عام 8هـ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (سورة الحديد 57:26 و27 قارن بما جاء في سورة المائدة 82).

ونتعلم منهـذه الآية أنه بالرغم من أن الرهبانية لم يكتبها الله عليهم، إلا أنهم مؤمنون أتقياء، آتاهم الله أجرهم وقد بدأ نظام الرهبنة في القرن الرابع الميلادي، ولو أنه كانهـناك رهبان متوحدون في القرن الثالث وقد نظم القديس أنطونيوس الرهبنة في مصر عام 305م، وبدأت الرهبنة في شبه جزيرة سيناء في نفس الوقت تقريباً.

  1. آية مكية (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدا  وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مَائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً). سورة الكهف 18:10 و25

قال عبد الله يوسف علي (في ترجمته للقرآن إلى الإنكليزية تعليقاً على سورة الكهف): إنهـذه قصة سبعة شبان مسيحيين من أفسسهـربوا من الاضطهاد واختبأوا في كهف، فلم يستيقظوا إلا بعد 309 سنة وقال إن تاريخ قصتهم يعود إلى ما بين عام 440 و450م، وقال إن الخليفة الواثق (842-846) أرسل بعثة تبحث عن مكان اختبائهم ويذكر حميد الله (في ترجمته للقرآن إلى الفرنسية تعليقاً على سورة أهل الكهف) احتمال صحة ما ذكره عبد الله يوسف علي، ولكنه يرجّح أن القصة تعود إلى ما قبل العصر المسيحي، ولو أن الأستاذ توفيق الحكيم في قصته (أهل الكهف) يقول: إنهم مسيحيون.

  1. العصر المكي الأول (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْهـُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (سورة البروج 85:4-9)

ويقول حميد الله (في ترجمته للقرآن إلى الفرنسية) إنهـذه الآيات تشير إلى ذي نواس، ملك اليمن اليهودي الذي اضطهد المسيحيين في القرن السادس الميلادي وأحرق أحياء منهم من رفضوا اعتناق اليهودية، وقد بنى الخليفة عمر جامعاً كبيراً باليمن تكريماً لهم ويقدم عبد الله يوسف علي الفكرة نفسها ضمن ثلاثة احتمالات لتوضيح القصة.

فالاقتباسات الثلاثة الأولى تقول إن الله أوحى لأتباع المسيح أن يتبعوه، فصاروا أنصار الله، ويقول الاقتباس الرابع إنه قد بقي منهم كثيرون أمناء للحق أثناء فترة الرهبانية التي بدأت في القرن الرابع الميلادي ويقول الاقتباس الخامس إنه كانهـناك مسيحيون مخلصون لله والحق في أفسس (تركيا الحالية) عام 450م وفي اليمن في القرن السادس م، وقد قبلوا أن يُحرَقوا في سبيل إيمانهم ولا شك أن مؤمنين مخلصين في تركيا واليمن لا بد تركوا نسخاً من كتبهم ووثائقهم المقدسة ولو كان ما عندهم مختلفاً عما عندنا اليوم لاكتشفناه، كما جاء في الاقتباس الخامس.

 

ج. آيات قرآنية تشهد أن نسخاً من التوراة والإنجيل كانت موجودة وصحيحة زمن محمد.

 

  1. من العهد المكي الأول (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (التوراة والإنجيل)) (سورة سبأ 34:31)

  2. من العهد المكي الأول (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِهـُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (التوراة والإنجيل)) (سورة فاطر 35:31)

  3. من العهد المكي المتأخر (وَمَا كَانَهـَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ). سورة يونس 10:37

  4. من العهد المكي المتأخر (مَا كَانَ (القرآن) حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (سورة يوسف 12:111)

  5. من العهد المكي المتأخر (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) (سورة الأنعام 6:154-157)

  6.  من العهد المكي المتأخر ( أَلَمْ تَرَ (يا محمد) إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلوُن فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ) (سورة غافر 40:69-71)

  7. من العهد المكي المتأخر (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ). سورة الأحقاف 46:12

  8. (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (التوراة) يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ) (سورة الأحقاف 46:29 و30)

  9. عام 2هـ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ (التوراة)) (سورة البقرة 2:91)

  10. عام 2 أو 3هـ (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُهـُدىً لِلنَّاسِ) (سورة آل عمران 3:3 و4)

  11. عام 5 أو 6هـ (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ (من اليهود) وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ (يا محمد) وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ... إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعَقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً) (سورة النساء 4:162 و163)

  12. عام 9هـ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟) (سورة التوبة 9:111)

  13. عام 10هـ (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ (يا محمد) الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ (التوراة والإنجيل) وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (سورة المائدة 5:48)

وهذه الاقتباسات تبرهن أن التوراة والإنجيل كانا صحيحين وموجودين زمن محمد، والقرآن يفصّل كتب موسى (ج - 7) لأن أهل مكة لم يفهموا كتب طائفتين من قبلهم، وكانوا عن دراستهم غافلين، ولو أنهم درسوا تلك الكتب لاهتدوا (ج - 5) فالقرآن يشرح التوراة والإنجيل اللذين لا ريب فيهما (ج - 3) كما أن القرآن يحافظ ويهيمن عليهما (ج - 13).

وقال المكيون إنهم لن يؤمنوا بالقرآن ولا بما سبقه (ج - 1) وقال بعض اليهود إنهم لن يؤمنوا إلا بكتابهم مع أن القرآن مصدّق لما معهم (ج - 9) وسيعاقب الله الذين يرفضون القرآن وما سبقه من كتب (ج - 6) أما الراسخون في العلم من اليهود فيؤمنون بالقرآن وبالتوراة (ج - 11) كما أن الجن يؤمنون بالتوراة والقرآن (ج - 8).

وتقول سورة التوبة (وهي آخر ما أُنزل على محمد) إن وعد الله حق في التوراة والإنجيل والقرآن (ج - 12).

ولا بد أن القارئ لاحظ تكرار التعبير (بين يديه) وهو تعبير يعني (في محضره) أو (في حوزته) أو (متوافر له) فقد جاء في سورة سبأ 12 أن الجن عملوا (بين يديه) بمعنى (أمامه) أو (تحت بصره وإشرافه).

إذاً جاء القرآن ليؤيد ما سبقه من التوراة والإنجيل وليشهد له وهذا يؤكد وجود نسخٍ صحيحة منهما بين يدي محمد.

 

د. آيات قرآنية تشهد أن محمداً اقتبس واستشهد بالتوراة وبالإنجيل.

  1. من العهد المكي المبكر (أَفَرَأَيْتَ (يا محمد) الَّذِي تَوَلّى وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (سورة النجم 53:33-38)

  2. من العهد المكي الوسيط (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِّيٍ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (سورة الشعراء 26:192-197)

  3. من العهد المكي الوسيط (وَقَالُوا لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) (سورة طه 20:133) ويقول البيضاوي: إن الصحف الأولىهـي التوراة والإنجيل وكل الكتب السماوية.

  4. من العهد المكي الوسيط (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (سورة الأنبياء 21:7)

  5. من العهد المكي الوسيط (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (سورة الأنبياء 21:105)

وهذه الآية اقتباس من مزمور 37:29 (الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الْأَبَدِ) فإذا تأملنا سورة الأنبياء 7 و105 لوجدنا أن الله في زمن محمد يُملي من سفر المزامير.

  1. من العهد المكي المتأخر (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟) سورة الزخرف 43:44 و45

وقال البيضاوي والجلالان في تفسير (واسأل مَن أرسلنا من قبلك): أي اسأل من يعرفون كتبهم وعقائدهم وهذا يعني أن تلك الكتب والعقائد كانت معروفة زمن محمد.

  1. من العهد المكي المتأخر (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ). سورة يونس 10:94

  2. من العهد المكي المتأخر (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (سورة النحل 16:43 و44)

  3. من العهد المكي المتأخر (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ (يا محمد) بَنِي إِسْرَائِيلَ) (سورة الإسراء 17:101)

  4. (قُلْ آمِنُوا بِهِ (بالقرآن) أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا (يا أهل مكة) إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً... وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً). الإسراء 17:107 و109

  5. من العهد المكي المتأخر (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً (يا محمد) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (سورة الرعد13: 43)

  6. من العهد المكي المتأخر (رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَهـُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (سورة الأعراف 7:156 و157)

  7. من العهد المكي المتأخر (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (سورة الأعراف 7:159)

  8. من العهد المكي المتأخر ( وَقَطَّعْنَاهُمْ (اليهود) فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ... أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ... وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (سورة الأعراف 7:168-170)

  9. عام 2هـ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) (سورة البقرة 2:113)

  10. عام 2 أو 3هـ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (سورة آل عِمران 3:23)

ويقول المفسرون: إن سبب نزولهـذه الآيةهـو أن جدالاً حدث بين اليهود ومحمد بسبب تحكيمهم له، فطلب منهم الرجوع إلى كتابهم.

  1. (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (سورة آل عمران 3:79)

  2. (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلّاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَهـُمُ الظَّالِمُونَ) (سورة آل عمران 3:93 و94)

  3. عام 5 أو 6هـ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً) (سورة النساء 4:60)

  4. عام 6هـ (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الّزُرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (سورة الفتح 48:29).

  5. عام 10هـ (وَكَيْفَ يَحَكِّمُونَكَ (اليهود) وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) (سورة المائدة 5:43)

  6. عام 10هـ (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَهـُمُ الظَّالِمُونَ) (سورة المائدة 5:45)

والقرآن يقتبس هـنا من شريعة موسى كما جاءت في الخروج 21:23-25 ويحذر القرآن يهود المدينة من عدم الحكم بما أنزل الله في التوراة.

  1. عام 10هـ (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَهـُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة المائدة 5:47).

  2. عام 10هـ (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ... قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (سورة المائدة 5:65-68)

والآيات التي اقتبسناها أعلاه شهادةٌ لوجود التوراة والإنجيل زمن محمد، يعرفها المسلمون والمسيحيون واليهود والوثنيون على السواء فالذي تولى من غير المؤمنين يعرف صحف موسى وإبرهيم (د - 1) وقد أتتهم بيّنة ما في الصحف الأولى (د - 3) ومحمد يستشهد بمن عنده علم الكتاب (د - 11) والقرآن في زُبُر (كتب) الأولين، يعلمه علماء بني إسرائيل (د - 2) ومن الذين جاءتهم المعرفة السابقة قبل الإيمان به، (د - 10 و14) والمسيحيون واليهود معاً يقرأون الكتب ويدرسونها (د - 15 و17) وهناك يهود صالحون يهتدون بالحق ويحكمون به (د - 13) وكذلك بين المسيحيين (د - 24) ويُطالب القرآن أهل مكة أن يسألوا أهل الكتاب إن كانوا لا يعلمون (د - 4 و8) كما يُطالب محمداً أن يسأل الرسل الذين سبقوه، بمعنى أن يسأل من يعرفون عقيدتهم وكتبهم (د - 6) ويُطالبه أن يسأل الذين يقرأون الكتاب من قبله إن كان في شك (د - 7) وأن يسأل بني إسرائيل عن معجزات موسى التسع (د - 9) وعلى اليهود أن يحكموا بما جاء بالتوراة (د - 22) ويقتبس القرآن من المزامير (الزبور) (د - 5) ويقول (عندهم في التوراة والإنجيل) (د - 12) وفي آخر سورة نزلت على محمد، وهي سورة المائدة، يقول لليهود وللمسيحيين إنهم ليسوا على شيء حتي يقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم (د - 24).

 

جاء في أسباب نزول 68 من سورة المائدة (لجلال الدين السيوطي): روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال:

(جاء رافع وسلام بن مشكم ومالك ابن الصيف، فقالوا: يا محمد، ألستَ تزعم أنك على ملّة إبرهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا؟

قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم بما فيها، وكتمتم ما أُمِرتم أن تبينوه للناس.

قالوا: فإنّا نأخذ بما في أيدينا، فإنّا على الهدى والحق، فأنزل الله (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزِل إليكم من ربكم)

ويدلّ هـذا الحديث على أن محمداً آمن بالتوراة كما كانت بين يدي يهود المدينة عام 10هـ، كما أن مسلمي القرنين الهجريين الأول والثاني عرفوا بوجود توراة وإنجيل صحيحين بين أيديهم في شبه الجزيرة العربية.

 

وقد يقول مسلمو اليوم إن التوراة والإنجيل الموجودين بين يدي يهود ونصارى القرنين الهجريين الأول والثاني مختلفان عماهـو موجود اليوم ونحن نسألهم: أين ذهبت النسخ الصحيحة؟ لا بد أن المسلمين الصالحين يحتفظون بنسخة سليمة في أكثر من مكتبة من مكتبات العالم الإسلامي، ولو لهدف أن يعاونوا اليهود والمسيحيين أن يقيموا التوراة والإنجيل! ولكن المسلمين لم يحتفظوا بشيء من التوراة والإنجيل والحقيقة أنهـناك توراة واحدة بلا تغيير بين يدي اليهود والمسيحيين، وأنهـناك إنجيلاً واحداً صحيحاً بين يدي المسيحيين.

 

هـ. آيات قرآنية تقول إن التوراة والإنجيل صحيحان، ولو أنها لا تؤكد بوضوح زمن هـذه الصحّة.

 

في بدءهـذا الفصل ذكرتُ أننا يجب أن ندرس كل الآيات التي جاءت في موضوعٍ ما قبل أن نصل إلى نتيجة مؤكدة في ذلك الموضوع وهناك 55 آية قرآنية أخرى تتحدث عن التوراة والإنجيل، ولو أنها لا تؤكد وجودهـذه الكتب في زمن محمد، لذلك أوردتُ شواهدها فقط، وأورد آية واحدة منهاهـي سورة النساء 4:136 (وتعود إلى عام 5 أو 6هـ): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ (التوراة) الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ).

 

ولا يظهر من هـذه الآية إن كان محمد يأمر المسلمين أن يؤمنوا بالتوراة الموجودة في عصره، أو أن يؤمنوا بالتوراة التي أعطاها الله لموسى ولكن اليهود حرَّفوها! وإليك شواهد تلك الآيات بحسب ترتيب نزولها:

 

سورة المدَّثر 31 والأعلى 18 والفرقان 35 وفاطر 25 وسبإ 23 و24 والقمر 43 والصافات 114-117 ومريم 28 و29 والأنبياء 48 والعنكبوت 27 و46 و47 والسجدة 23 وغافر 53-55 وفصلت 45 والشورى 15 والجاثية 16 و17 و28 و29 والأحقاف 10 وهود 16 و17 والقصص 43 و48 و49 و52 و53 والمؤمنون 49 والرعد 36 والإسراء 2 و4-7 و55 والأنعام 20 و114 و124 والبيّنة 1 والبقرة 1-5 و53 و87 و121 و136 و144 و145 و176 و213 و285 وآل عمران 65 و81 و84 و99 و119 و183 و184 و187 والجمعة 5 والنساء 51 و54 و131 و136 و150-153 و171 والحديد 25 والمائدة 62 و85 و86

 

وللقارئ أن يطالع هـذه الآيات، ويأخذ كلها أو بعضها للمناقشة، إن رأى أنهـذا يغيّر النتيجة التي وصلنا إليها.

 

و. آيات قرآنية تبيّن أن المسيحيين كانوا مختلفين، وكانوا يحاربون بعضهم بعضاً.

 

  1. من العهد المكي المتأخر (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) (سورة الشورى 42:13 و14)

  2. من العهد المدني المبكر (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) (سورة البينة 98:4)

  3. عام 2هـ (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (سورة البقرة 2:253)

  4. عام 2 أو 3هـ (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (سورة آل عمران 3:19)

  5. عام 10هـ (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (سورة المائدة 5:14 و15).

وتقول هـذه الآيات إن المسيحيين تفرَّقوا (و - 1 و2) بغياً منهم (و - 2 و4) واختلفوا وأوقع الله العداوة والبغضاء بينهم (و - 5) فاقتتلوا (و - 3) ونسوا ميثاقهم وأخفوا من كتابهم (و - 5) وصاروا في شك منه مريب (و - 1) ويتفق التاريخ مع القرآن فيهـذا، فقد أعلنت الكنيستان الرومانية والبيزنطية أن الكنيسة المصرية قد انحرفت عن الحق، فحرمتهما الكنيسة المصرية بدورها! ولكن رغمهـذا لم يغيّر أي فريق من كتابهم شيئاً ولم يكونوا مؤتلفين متوافقين ليتفقوا معاً على أي تغيير يُجرونه في كتابهم لم يغيّر الكافرون منهم، وبالطبع فإن المؤمنين منهم لن يغيّروا منه شيئاً.

 

ز. آيات قرآنية تقول إن اليهود رفضوا القرآن وحاولوا تغييره، وإنهم أخفوا آيات من كتابهم ولووا تفسيرها.

  1. من العهد المكي المتأخر (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ (الأنبياء من نوح إلى المسيح المذكورين في الآيات السابقة 84-86) فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَاهـَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَهـَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْهـُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ... وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (التوراة) وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (سورة الأنعام 6:89-92)

  2. من العهد المكي المتأخر (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ (اختلف اليهود) وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) (سورةهـود 11:110 - الفكرة نفسها موجودة في سورة يونس 10:93)

  3. عام 2هـ (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ... آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ (التوراة) وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ؟) (سورة البقرة 2:40-44)

  4. عام 2هـ (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) (سورة البقرة 2:85)

  5. (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (التوراة) وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ... بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) (سورة البقرة 2:89 و90)

  6. (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (التوراة) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (التوراة) نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (سورة البقرة 2:97 و101)

  7. (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواهـُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ؟) (سورة البقرة 2:140)

  8. (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَريقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (سورة البقرة 2:146)

  9. (إِنَّ (اليهود) الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) (سورة البقرة 2:159)

  10. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) (سورة البقرة 2:174)

  11. عام 2 أو 3هـ (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟) سورة آل عمران 3:69-71

  12. (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً) (سورة آل عمران 3:75)

  13. (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (سورة آل عمران 3:199)

فيهـذه الآيات اتهامات كثيرة لليهود، فقد اختلفوا في التوراة وكانوا في شك منها مريب (ز - 2) وهم يكشفون بعض الآيات ويخفون الكثير مما يعلمون (ز - 1) ولكن خطأهم الأكبرهـو موقفهم الرافض للقرآن (ز - 3 و4) وهم يكفرون بآيات الله (ز - 11) يبيعونها ويشترون بها ثمناً قليلاً (ز - 3 و10 و13) وهم يخفون شهادة كتبهم للقرآن (ز - 3 و7 و8 و9 و10 و11) ويلبسون حق القرآن بالباطل (ز - 3 و11) ويقبلون من القرآن ما يروق لهم ويرفضون البعض الآخر (ز - 4) أو ينبذونه وراء ظهورهم (ز - 6)

 

ولكن القرآن يشهد أن التوراة موجودة عند اليهود (ز - 3 و5 و6) وهو مصدّق لها (ز - 1 و6) والتوراة شهادة عندهم من الله (ز - 7) وهم يشهدون لها (ز - 11) وعندهم العلم (ز - 8 و11) وهم يتلون كتبهم ويدرسونها (ز - 3)

 

وأفضل تلخيص لما ذكرناههـو قول سورة البقرة 2:40-44 (الذي أوردناه في ز - 3) (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ... آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ (التوراة) وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ؟)

 

هنا يشهد القرآن لصحة التوراة التي بين يدي اليهود يتلونها وكان اليهود يأمرون الناس بالبر ولكنهم لا يمارسونه لأنهم يُلبِسون الحق بالباطل ويكتمون الحق ولو أن من أهل الكتاب من يؤمن بالتوراة والإنجيل، والأمين الذي إن تأمنْهُ بقنطار يُؤدِّه لك (سورة آل عمران 75)

 

ولكن في كلهـذه الآيات لا توجد ولو آية واحدة تقول إنه حتى اليهود غير المؤمنين حرَّفوا كتبهم ولن يقبل المسلمون قول من قد يقول إن اليهود الذين أسلموا مثل عبد الله بن سلام ومخيرق قد حرَّفوا التوراة.

 

ح. آيات قرآنية تتحدث عن التحريف.

 

هناك أربع آيات قرآنية تقول إن اليهود حرَّفوا الكلم، وهناك آية واحدة تقول إنهم يلوون ألسنتهم وهم يقرأون كتابهم وسنتأمل الآنهـذه الآيات في قرائنها:

  1. عام 2 أو 3هـ (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَاهـُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَهـُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَاهـُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (سورة آل عمران 3:78)

وهذا يعني أن اليهود لووا نطق الكلمات وهم يقرأونها، ليفهم السامعون معنى يختلف عن المعنى الأصلي ولكن الآية تقول إن ذلك ماهـو من الكتاب، وماهـو من عند الله.

  1. عام 10هـ (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً... فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (سورة المائدة 5:12 و13)

فهؤلاء اليهود أصحاب القلوب القاسية نقضوا الميثاق وحرَّفوا الكلِم عن مواضعه، ونسوا عمداً جزءاً من شريعتهم وهذا يعني أنهم كانوا يُخفون بعض الآيات، ويقرأون البعض الآخر منفصلاً عن قرينته، كما فعلوا مع (آية الرجم) وهذا ما يُسمّى (التحريف المعنوي) أي تحريف المعنى، وهو يختلف عن (التحريف اللفظي) الذي يعني تغيير الألفاظ ولكن اليهود لم يغيروا شيئاً من النص، كما اتَّضح هـذا لنا في ج ود وه وح - 6 التي سنذكرها أدناه.

وذكر القرآن (قليلاً منهم) كانوا صالحين، لم يحرفوا الكلم عن مواضعه، ولم ينسوا ما ذُكِّروا به من كلمات التوراة.

  1.  عام 2 أو 3هـ (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) (سورة آل عمران 3:113 و114)

أما الآيات الثلاث التالية، فأعتقد أن القرآن يتَّهم فيها بعض اليهود، بأنهم حرَّفوا كلمات محمد وهو يتلو القرآن ويشرحه، وليس بتحريف التوراة.

  1. عام 2هـ (أَفَتَطْمَعُونَ (أيها المؤمنون) أَن يُؤْمِنُوا (اليهود) لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْهـُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَهـَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (سورة البقرة 2:75-79)

فهناك فريق من اليهود (وليسوا كلهم) سمعوا القرآن وقالوا للمسلمين (آمنا) ثم حرّفوا كلام القرآن بعد أن عقلوه وعندما اجتمعوا ببعضهم وبخ أحدهم الآخر قائلين: لماذا تحدثونهم بكلمات التوراة، فإنهم سيستخدمونها ضدكم؟

  1. عام 5 أو 6هـ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيَّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً مِنَ الَّذِينَهـَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بَأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) (سورة النساء 4:44-47)

فالاتهام هـنا موجَّهٌ ضد بعض اليهود الذين يحرّفون الكلِم ومن الأمثلة المعطاة نرى أنهم كانوا يحرفون كلام محمد ويوضح عبد الله يوسف علي (مترجم القرآن للإنكليزية) ذلك فيقول في تفسيره لهذه الآيات:

 

(كان من مكر اليهود أنهم يلوون الكلمات والتعبيرات ليسخروا من جدية تعاليم الإسلام، فبدل أن يقولوا (سمعنا وأطعنا) يقولون بصوت عال (سمعنا) ثم بصوت خفيض (وعصينا) وكان يجب أن يقولوا باحترام (نسمع) ولكنهم يقولونهـامسين في سخرية (غير مُسمَع) ومع أنهم ادّعوا أنهم يحترمون المعلم إلا أنهم استخدموا كلمة مبهمة ظاهرها طيب، بنية سيئة فكلمة (راعِنا) عربية تقدم الاحترام، ولكن بليّ اللسان في نطقها يصير معناها سيئاً وهو (خُذنا لمحل الرعي) أو في العبرية (أنت السيء فينا)

  1. عام 10هـ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَهـَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْهـَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا... فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يَحَكِّمُونَكَ (اليهود يا محمد) وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بَالْمُؤْمِنِينَ .

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَاهـُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِين َهـَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ (أيها اليهود) وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَهـُمُ الْكَافِرُونَ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَهـُمُ الظَّالِمُونَ.

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِهـُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَهـُمُ الْفَاسِقُونَ.

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ (يا محمد)،  مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) (سورة المائدة 5:41-48)

وتقدم هـذه الآيات الفكرة نفسها، فبعض اليهود سمّاعون للكذب، يسمعون من كاذبين عن محمد ما لم يقُله، ويحرّفون الكلِم من بعد مواضعه، ويقولون لبعضهم: إن قال لكم محمد كذا وكذا فاقبلوه، واحذروا منه غير ذلك فلا حديثهـنا عن التوراة، بل المقصود أنهم يحرفون ما يقوله محمد أو يرفضونه وحتى لو كنتُ مخطئاً في تفسيريهـذا، فإن التحريفهـنا تحريف المعنى وليس تحريف الألفاظ.

والآيات المقتبسة في قسم (ح) تعلّمنا الحقائق التالية:

  1. لم يؤمن بعض اليهود، أو كثيرون منهم، أو أغلبهم ولكن البعض آمن بالله وأرادوا أن يطيعوه تعالى.

  2. يصدّق القرآن على ما جاء بالتوراة التي بين يدي اليهود.

  3. يقول القرآن (عندهم التوراة، فيها حكم الله).

  4. (النفس بالنفس والعين بالعين) مقتبسة من سفر الخروج بالتوراة كقصاص مقبول، إلا من تنازل عنه وتصدّق به.

  5. مطلوب من أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه.

وتعلن (آيات التحريف) أنه في زمن محمد كانهـناك أهل كتاب صالحون معهم كتبهم يقرأونها ويطيعونها فما بين أيديهم من التوراة والإنجيل صحيح.

 

الخلاصة

دراستنا للآيات القرآنية السالفة في قرينتها أكّدت لنا النتائج التالية:

 

آيات قسم أ: كانت التوراة موجودة زمن يوحنا المعمدان (يحيى)، وزمن العذراء مريم والمسيح وتلاميذه، وذلك في القرن المسيحي الأول.

 

آيات قسم ب: يصدّق القرآن على وجود مؤمنين مسيحيين حقيقيين في بدء العهد النُّسكي (300-350م) و لا بد أنهـؤلاء الصالحين لم يحرّفوا كتابهم ولو فعلوا لأدانهم القرآن.

 

آيات قسم ج: يصدّق القرآن على الكتب السابقة له، والتي بين يديه، ويقول إنهـذه الكتب مع أهل مكة، ولكنهم يحتاجون للقرآن لأنهم لا يفهمون لغة الكتب السابقة.

 

آيات قسم د: يشير القرآن إلى التوراة والإنجيل بالتقدير الكامل، فيقتبس منهما، ويأمر اليهود أن يجيئوا بالتوراة ليحكم بينهم بحسب ما جاء فيها، ويأمرهم أن يقرأوا التوراة والإنجيل التي بين أيديهم.

 

آيات قسم هـ: تَقاتَل المسيحيون ونسوا جزءاً من كلام الله، ولكن لا يوجد ما يقول إنهم حرّفوا كتابهم.

 

آيات قسم و، ز: يتَّهم القرآن بعض اليهود بتحريف المعنى، لأنهم أخفوا المكتوب في كتابهم، وتناسوا النصوص التي لم تعجبهم، ورفضوا القرآن وألبسوه بالباطل، وباعوا آيات الله بثمن قليل، وحرّفوا كلمات محمد ولكن لا توجد آية واحدة تقول إنهم (حتى الأشرار منهم) حرّفوا نصوص التوراة وواضح أن الصالحين منهم لن يحرفوا كتبهم، ولن يسمحوا لغيرهم بتحريفها.

 

ويقول القرآن: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (سورة الأنعام 6:34) ويقول أيضاً (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) (سورة يونس 10:64) وهذا يعني أن الله يضمن سلامة وحيه من عبث الأشرار، ليظل يهدي إلى صراطٍ مستقيم.

 

وخلاصة ما درسناه من آيات القرآن أن نسخاً من التوراة والإنجيل كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية زمن محمد ولم يحدث أن عالِماً مسلماً جاءنا بنسخة محفوظة في المكتبات الإسلامية من التوراة والإنجيل تخالف ما عندنا اليوم ولم توجد حفريات أركيولوجية أعطت خلاف ما عندنا اليوم.

 

من هـذا كله يتضح أن الكتب المقدسة الموجودة في مكة زمن محمد مشابهة تماماً للكتب المقدسة التي بين أيدينا اليوم.

الفصل الثاني

ما يقوله الحديث عن الكتاب المقدس

 

درسنا في الفصل السابق شهادة القرآن لصحّة التوراة والإنجيل ولكن هذه ليست نهاية دراستنا، فإن عند المسلمين مصدراً آخر للعقيدة هو (الحديث) وينقسم الحديث إلى: حديث قدسي، وهو كلام الله غير المدوَّن في القرآن، وحديث نبوي وهو ما قاله نبي المسلمين أو فعله، وقد رواه صحابته وهناك السُّنَّة، وهي الممارسات المسجلة عن النبي وكانت كلمة (السُّنة) و(الحديث) أول الأمر مترادفتين، ولكن كلمة (السنة) أصبحت تحمل معنى دينياً آخر، فبالإضافة إلى أن أقوال النبي وأفعاله كانت تُتلى لفائدة المؤمن الدينية، أصبحت قانوناً دينياً يُمارَس في حياة كل يوم وأصبحت السنَّة مصدراً ثانياً للتشريع إلى جوار القرآن ويعتبر المسلمون أن الأحاديث التي جمعها كلٌّ من البخاري ومسلم (ويدعونهما الشيخين) هي أصحّ الأحاديث.

 

ويقول المسلمون إن القرآن يقدم العقائد الأساسية، بينما يوضح الحديث الشرائع الغامضة في القرآن، ولذلك لا يمكن فهم الدين بدون الاثنين معاً

ولكن الصعوبة التي تواجه الباحث هي معرفة مدى صحة أي حديث، فقد رُويت عن محمد أحاديث كثيرة عبر السنين، أدرك معها المسلمون أن ليست كل هذه الأحاديث  صحيحة، فقام الفقهاء بدراسات مضنية لتحقيق الصحيح من الضعيف من المدسوس! وقد درس الإمام البخاري 600 ألف حديث قبل منها 7397 حديثاً فقط على أنها صحيحة (ويقول البعض إن الصحيح كان 7295 فقط) فإذا استبعدنا الأحاديث المكررة وجدنا مجموع الأحاديث 2762 حديثاً.

 

ولكن لماذا نجد حديثاً كاذباً أو ضعيفاً أو مدسوساً؟ أظن الإجابة تكون: إما لإكرام الإسلام، أو إكرام رسوله، أو لإثبات فكرة ما قال الأستاذ فضل الرحمن في كتابه (الإسلام):

(بنموّ التمزُّق الداخلي بين الممارسات الصوفية من جانب وقوة الإسلام الأصولي من جانب آخر، جاءت مجموعة جديدة من الأحاديث لقد أراد الصوفيون أن يعززوا موقفهم، فاختلقوا أحاديث خيالية، لا صحة لها تاريخياً وعزوها إلى النبي) ثم قال: (وهكذا ترى أن المواقف الفقهية بالنسبة للحرية الإنسانية والصفات الإلهية (إلخ) نُسبت إلى النبي نفسه)

ويبقى السؤال الملحّ: أية أحاديث هي الصحيحة؟ عندما وجَّهتُ هذا السؤال إلى أحد المسلمين قال لي: (أَقبل الحديث الذي يبدو لي معقولاً) وقال لي مدرّس مسلم: (لقد سألت نفسي هذا السؤال منذ عشر سنوات، وحتى اليوم لم أجد له جواباً) وقرر بعض المسلمين أن يرفضوا الحديث تماماً، ولعل عذرهم في ذلك أن بعض معلّمي الدين الإسلامي لا يزالون يستخدمون الأحاديث المشكوكة التي تتناسب مع أغراضهم وقد اختار الإمام محيي الدين النووي أربعين حديثاً  في القرن السابع الهجري، وذكر في مقدمة كتابه سبب ذكرها:

(عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري (حذفنا العنعنة، وفيها عبد الملك بن هارون) أن رسول الله قال: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة  في زمرة الفقهاء والعلماء) وفي رواية أخرى (بعثه الله فقيهاً عالِماً)

ولكن الغريب أن الإمام النووي يقول بعد ذلك:

(واتفق الحفّاظ على أنه حديث ضعيف، فيه عبد الملك بن هارون، قال عنه ابن معين إنه كذاب وضعَّفه النووي في خطبة الأربعين النووية) (مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني، حديث رقم 258)

فإن كان (حديث الأربعين) معزوّاً إلى رواية كل هؤلاء الأبطال، ثم يكون ضعيفاً، فماذا يكون موقف صاحب المعرفة الدينية العادية من الحديث القدسي أو النبوي؟ أعتقد أنه أقل ما يكون، سيجد نفسه في حيرة! كتب الدكتور أحمد النشاش في مجلة (منار الإسلام) (يناير وفبراير 1981) مقالاً بعنوان (المسيح الدجال بين الحقيقة والخيال) اقتبس فيه كتابات كُتّاب معروفين توضح معايير قياس صحة الحديث قال: (بعد أن قال الأستاذ عبد الرزاق نوفل أن لا ذكر للمسيح الدجال في القرآن، وبعد أن برهن أن الأحاديث فيه موضوعة، تساءل: كيف إذاً نتمسك بالأحاديث التي لا تساندها آيات قرآنية؟ ثم اقتبس من الدكتور مصطفى محمود قوله إن المسلمين يأخذون عقيدتهم عن مصدرين هما الكتاب (القرآن) والسنّة، لا يفرّقون بينهما، لأن السّنّة وحي واقتبس تأييداً لقوله سورة النجم 53:3 و4 (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) والنتيجة أننا يجب أن نقبل كل حديث صحيح، سواء اتفق أو اختلف مع القرآن ويعالج الدكتور أحمد النشاش مشكلة أخرى: ماذا عن الحديث الصحيح الذي يناقض آية قرآنية؟ يقول: هذه مسألة أخرى، تحتاج إلى تفسير الحديث، وهل هو سابق للآية أم الآية سابقة له).

 

من هنا نرى أن الأستاذ نوفل يطلب أن يسند القرآن الحديث، بينما يرى الدكتور مصطفى محمود أن هذا ليس ضرورياً، لأن كل ما نطق به الرسول سواء كان قرآناً أو حديثاً هو وحي يوحى فإذا تعارض القرآن والحديث فيجب أن تُجرى دراسة متأنية.

 

ولا شك أن هناك أحاديث صحيحة، وهناك أحاديث تتشابه مع أقوال الكتاب المقدس ويقول الأستاذ حميد الله (في مقدمة ترجمته للقرآن إلى الفرنسية) إن كل ما جاء في (صحيح البخاري) صحيح، ويقول:

(لنفترض أن البخاري قال: سمعتُ من أحمد بن حنبل أنه أخذ عن عبد الرزاق عن معمر عن همام الذي سمع من أبي هريرة أن الرسول قال كذا وكذا لقد اكتُشفت في أواخر الحرب العالمية الثانية مخطوطات عن همام ومعمر وعبد الرزاق (ولو أن الأستاذ حميد الله لا يعطي تاريخ تلك المخطوطات) وعندما نبحث المصادر السابقة للبخاري نجد أنها لم تكذب، ولا حوت أساطير زمانها، ولكنه بنى عمله على أسانيد مكتوبة صحيحة)

ولكن بالرغم من دفاع الأستاذ حميد الله عن الحديث، يبقى عدم التأكّد في فكر كل مسلم.

 

الإنجيل كأحاديث

عندما يقرأ المسلمون إنجيل المسيح كما رواه كلٌّ من متى ومرقس ولوقا ويوحنا، يقول بعضهم: (هذا مجرد حديث، وهو ليس كالقرآن) وأفهم من قولهم هذا أن القرآن شريعة سماوية توضح أسلوب الحياة، أما معظم الحديث  فيروي حياة نبيّهم، خصوصاً فيما يختص بأسباب نزول الآيات القرآنية وهم يعتقدون أن الإنجيل يجب أن يكون كالقرآن يقولون إن الروايات التاريخية من الإنجيل: (هذا مجرد حديث) بمعنى أنه ليس وحياً إلهياً، أو أنه في درجة ثانية وكمثال لذلك لنتأمل الإنجيل كما رواه لوقا 8:19-21 (19 وَجَاءَ إِلَيْهِ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ لِسَبَبِ الْجَمْعِ 20 فَأَخْبَرُوهُ: (أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً يُرِيدُونَ أَنْ يَرَوْكَ) 21 فَأَجَابَ: (أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللّهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا) وكما أفهم من المسلمين أنهم يعتبرون آية 21 وحدها من إنجيل المسيح ويقولون (بطريقة الحديث):

(عن يعقوب أخ المسيح غير الشقيق (عليه السلام) في مناسبة وحي لوقا 8:21 (أمي وإخوتي وأنا ذهبنا طالبين رؤية المسيح، ولكننا لم نقدر أن نصل إليه بسبب الجمع فقال له أحدهم: أمك وإخوتك واقفون خارجاً يريدون أن يروك، فنزلت آية 21) (روى هذا الحديث لوقا ومرقس في كتابهما، ومعهما متى ويوحنا) وهم أفضل من روى الحديث.

وإليك مثال آخر من تعليم المسيح عن الطعام جاء في مرقس 7:15(لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الْإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لكِنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الْإِنْسَانَ) وهذا يكون قرآناً وفي كتاب آخر نجد الحديث التالي:

(عن بطرس، أحد الحواريين الاثني عشر، رضي الله عنه وأرضاه، أن تعليم المسيح عن الطعام الوارد في مرقس 7:15 و20-23 نزل كالآتي:

(جاء بعض الفريسيين والكتبة من أورشليم، ورأوا بعضنا يأكل بأيدٍ غير مغسولة، فسألوا المسيح: لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ، بل يأكلون بأيدٍ غير مغسولة؟

فدعا المسيح كل الجمع وقال لهم: اسمعوا مني كلكم وافهموا ليس شيء من خارج الإنسان  (الآية) ثم صرف الجمع، ودخلنا البيت فسألناه عن المثَل، فأجاب: أفأنتم هكذا غير فاهمين؟ أما تفهمون أن كل ما يدخل الإنسان من خارج لا يقدر أن ينجسه، لأنه لا يدخل إلى قلبه بل إلى الجوف، ثم يخرج إلى الخلاء ثم أُوحي إليه فقال: إن الذي يخرج من الإنسان ذلك ينجس الإنسان (الآية)) روى هذا الحديث مرقس، عن بطرس، ورواه متى أيضاً.

ويتضح من هذا أن الإنجيل (كما هو بين أيدينا اليوم) لا يحقق توقّعات المسلم، فكلمات المسيح وحدها هي الوحي، وما عدا ذلك فهو ملاحظات توضيحية إنها كالحديث الذي يمكن الطعن في صحته، وهو أقل درجة من نص الوحي ولقد رأينا أن بعض المسلمين يعتقدون أن الحديث ليس في مرتبة الوحي.

 

وواضح أن اعتقاد المسيحيين في الوحي يختلف عن اعتقاد المسلمين فيه ونحن المسيحيين لا نقول إن أقوال المسيح هي وحدها الوحي، ولا نقول إن التوضيحيات هي كالحديث ولكننا نقول إن كل ما هو في الإنجيل موحى به من الله، سواء كان أقوال المسيح أو الرواية التاريخية التي نطق المسيح فيها بتعاليمه.

 

وقد تحيّرتُ وأنا أقرأ في القرآن قصص الأنبياء فهل أعتبرها في درجة الحديث؟ إنه يروي كيف عصى آدم ربه وغوى، وكيف نجا نوح من الطوفان، وكيف نجا موسى من الغرق والموت، وكيف وُلد المسيح وهو يروي الأخبار المفرحة التي أُعلِنت لإبرهيم بولادة إسحق بالتفصيل في ثلاثة أماكن: من العهد المكي الأول في سورة الذاريات 24-37 ومن العهد المكي المتأخر في سورة هود 69-83 ومن العهد نفسه في سورة الحِجْر 51-77 كما أن السورة 28 تحمل اسم (سورة القَصَص) فلماذا نسمع الشكوى من أن الإنجيل يحوي قصصاً؟

 

حل المشكلة

لقد تحيّرت وأنا أرى البعض يعلّقون على الحديث أهمية قصوى، بينما البعض الآخر يراه عديم الفائدة ثم قرأت ما قاله الأستاذ فضل الله في كتابه (الإسلام):

(لو أننا رفضنا الحديث كله فإننا نزيل الأسس التاريخية للقرآن بضربة واحدة) (ص 66)

وقد يختلف البعض مع هذه العبارة، ولكن لو تأملوها بعناية لوافقوا معها فالقرآن يحوي مواد تاريخية، ولكن ليس به إلا القليل عن حياة محمد وغزواته إلخ فلو رفضنا الحديث كله فلن نعرف كيف صام محمد أو تعبَّد في الغار، ولا كيف جاءه أول الوحي، ولا كيف هاجر للمدينة ومع أن موقعة بدر هامة جداً في التاريخ الإسلامي إلا أن اسمها ورد في القرآن مرة واحدة في سورة آل عمران 123 (وتعود إلى سنة 2 أو 3 ه) ولنعرف ما حدث وأهمية ذلك نحتاج للحديث وفي الجزء الثالث من هذا الكتاب فصل 3 سنرى أن كل معلوماتنا عن أصل القرآن جاءت في الحديث.

 

وهكذا نكتشف أنه ليتأكد المسلمون أن القرآن وحي يوحى، يحتاجون للرجوع إلى الحديث الذي هو أقل تأكيداً من القرآن، وبه المشكوك فيه! وعلى كل مسلم (بمن فيهم الذين يصغّرون من شأن الحديث) أن يقرروا إن كانت شهادة أبي بكر وعمر وعثمان وسائر من اقتُبست أقوالهم في الحديث صحيحة، وإن كانت قد نُقلت عنهم بأمانة، تكفي ليصدّقوا ما قالوه عن الوحي القرآني.

 

على أن إدراكنا لأهمية الحديث القصوى تُرينا أنه لا حقَّ للمسلم أن ينتقد الروايات الواردة في التوراة والإنجيل، لأنه إن كان برهان وحي القرآن يجيء من الحديث الذي اختلفوا في صحته، فعلى أي أساس يرفض المسلم حقيقة موت المسيح ليفدينا من خطايانا، وهي مؤيَّدة بالروايات التي تشبه أسلوب الحديث، والواردة في وحي الإنجيل نفسه؟

 

معلومات توضيحية في وحي الإنجيل

يؤمن المسيحيون أن رُواة الإنجيل كتبوا ما كتبوه بوحي الروح القدس، الذي قادهم ليختاروا (الحديث) الذي يوضح الوحي، كما قادهم ليسجلوا ما اقتبسوه من كلمات المسيح فهناك روايات تاريخية لحديث الملاك جبرائيل للعذراء مريم، وعن ميلاد المسيح العذراوي، وعن المعجزات التي أجراها المسيح ليبرهن صدق إرساليته وأنه فعلاً (كلمة الله)، وعن موته لأجل خطايانا وقيامته من بين الأموات، ثم ارتفاعه للسماء وقد تسجَّلت هذه بوحي الروح القدس، كما تسجلت شريعة المسيح في الموعظة على الجبل، وكما تسجلت تعاليم المسيح عن كيف يريدنا الله أن نحيا فنحن نؤمن أنه قبل كل فصل في الكتاب المقدس يمكن أن نكتب (قال الله).

 

لماذا نعالج أمر الحديث؟

قد يسأل القارئ: لماذا نعالج أمر (الحديث) في كتاب يتحدث عن القرآن والكتاب المقدس والعِلم؟ والإجابة: لأن القرآن هو أحد مصادر العقيدة عند المسلم، والحديث مصدر آخر ولعل عنوان كتاب د بوكاي كان يجب أن يكون (القرآن والحديث، والتوراة والإنجيل، والعِلم).

 

ولذلك لا يكفي أن ندرس ما قاله القرآن عن التوراة والإنجيل، بل يجب أن ندرس ما قاله الحديث أيضاً عنهما، لنرى إن كان يساند الاتهام الموجَّه لليهود والمسيحيين أنهم حرَّفوا كتبهم المقدسة.

 

كما أن بالحديث اقتباسات تختص بالعِلم، ويدرك د بوكاي هذا فيناقشه في فصل قصير يبدأ بصفحة 273 من كتابه، ويقول إنه حتى الأحاديث الصحيحة تحوي أخطاء علمية كبيرة ومن شأن هذا أن يثير في الذهن صعوبات فقهية وفكرية معاً وسنناقش فيما بعد مثلاً من خطأ علمي في الحديث.

 

صحة الكتاب المقدس بشهادة (الحديث)

رأينا في الفصل السابق أن بالقرآن نحو مئة إشارة للتوراة والإنجيل، فلا غرابة أن تجيء أحاديث كثيرة عنهما.

عن أبي هريرة (قال رسول الله: يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يُضلونكم ولا يفتنونكم) (مشكاة المصابيح حديث 154 - رواه مسلم)

وعن أبي هريرة أن أهل الكتاب كانوا يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام، فقال رسول الله: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، ولكن (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) (سورة البقرة 2:136) (مشكاة المصابيح حديث 155 - رواه البخاري)

 

واضح  أن محمداً لم يؤيد ولم يناقض تفسير أهل الكتاب لكتابهم، ولا علّق على نص التوراة ولم يعرف المسلمون إن كان تفسير اليهود لكتابهم يتفق مع نصوص التوراة أو لا يتفق.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله لأُبي بن كعب: كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأ أمَّ القرآن، فقال رسول الله: والذي نفسي بيده ما أُنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُعطيته) (مشكاة حديث 2142 - رواه الترمذي)

وعن جابر أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله بنسخة من التوراة فقال: يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله يتغير فقال أبو بكر : ثكلتك الثواكل! أما ترى ما بوجه رسول الله؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً فقال رسول الله: والذي نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتَّبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوَّتي لاتَّبعني) (مشكاة حديث 195 - رواه الدارمي)

عن سلمان، قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرتُ ذلك للنبي، فقال: (بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) (المشكاة حديث 4208 - رواه الترمذي وأبو داود)

ومحمدٌ هنا لا يمنع قراءة التوراة ولا ينكر وجودها وسكوته برهان على وجودها ولنتأمل الحديث التالي:

عن خيثمة بن أبي سبرة، قال: أتيت المدينة فسألت الله أن ييسّر لي جليساً صالحاً، فيسَّر لي أبا هريرة، فجلست إليه فقلت: إني سألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوُفّقتَ لي فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من الكوفة، جئت ألتمس الخير وأطلبه فقال: (أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ونعليه، وحذيفة صاحب سر رسول الله، وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه، وسلمان صاحب الكتابين؟ يعني الإنجيل والقرآن) (مشكاة حديث رقم 6224 - رواه الترمذي)

واضح أن الحديث يعرّف الكتابين بأنهما الإنجيل والقرآن، لا التوراة والإنجيل، وهذا يؤكد وجود إنجيل صحيح يقرأونه.

عن زياد بن لبيد، قال: ذكر النبي شيئاً فقال: (ذاك أوان ذهاب العلم) قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونعلّمه أبناءنا ويقرأه أبناؤهم، ويعلّمونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: (ثكلتك أمك زياد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أوَليس هذه اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما؟) (مشكاة، حديث 277 - رواه أحمد وابن ماجه)

ويوضح هذا الحديث أن محمداً قال إن اليهود والنصارى يقرأون كتبهم، ولم يذكر أنها محرّفة ولا منسوخة وربما كان يشير إلى اليهود والنصارى العرب الذين لا يفهمون لغة التوراة العبرية ولغة الإنجيل اليونانية ونحن نسأل: كم عدد الذين يقرأون كتبهم المقدسة ويفهمونها؟

 

ولكن ماذا عن حديث بدء الوحي (فانطلقت به (بمحمد) خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي) (بخاري جزء 1 ص 2) وهذا يعني أن الكتاب كان موجوداً معروفاً بين العرب.

 

وجاء في الحديث أن التوراة تنبأت عن محمد

عن عطا بن يسار قال: لقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفات رسول الله في التوراة، فقال: (أجَل والله، إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ القلب ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يأخذه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، يفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صُماً وقلوباً غُلفاً) (السيرة النبوية لابن كثير 1:327 - رواه البخاري)

وقد جاءت هذه النبوة في سفر إشعياء بالتوراة، ويرجع تاريخها إلى 700 سنة قبل المسيح، و1300 سنة قبل محمد، وهي مقبولة شرعياً من عطا بن يسار، وتقول: (هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ، مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي وَضَعْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلْأُمَمِ لَا يَصِيحُ وَلَا يَرْفَعُ وَلَا يُسْمِعُ فِي الشَّارِعِ صَوْتَهُ قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لَا يُطْفِئُ... أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلْأُمَمِ، لِتَفْتَحَ عُيُونَ الْعُمْيِ، لِتُخْرِجَ مِنَ الْحَبْسِ الْمَأْسُورِينَ، مِنْ بَيْتِ السِّجْنِ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ) (إشعياء 42:1-3 و6 و7).

 

ولما كان عندنا شاهدان: نبوة إشعياء التوراتية، وكلمات الحديث، وهما متوافقان، ندرك أن نبوة إشعياء لم تتحرف وقد أعلن الإنجيل أن النبوة تحققت في المسيح، فهو الذي لم يكن صخّاباً، وهو الذي عفا وغفر، وهو الذي فتح عيون العمي (متى 12:18-21)

عن ابن صخر العقيلي، قال: حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله، فلما فرغت قلت لألقَينَّ هذا الرجل فلأسمعَن منه قال: فتلقّاني الرسول وأبو بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرأها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم فقال له رسول الله: (أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟) فقال برأسه هكذا - أي لا فقال ابنه: (إي والذي أنزل التوراة إنّا لنجدك في كتابنا صفتك ومخرجك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله) فقال رسول الله: (أقيموا اليهودي عن أخيكم) ثم ولي كفنه والصلاة عليه (السيرة النبوية لابن كثير 1:232)

لقد اختلف الفتى مع أبيه في تفسير التوراة، ولكن لم يقل أحد إن التوراة محرّفة ولا منسوخة!

عن عبد الله بن عمر، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله فذكروا له أن رجلاً وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله (ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟) قالوا: نفضحهم ويُجلَدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم، فإن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم فأمر بهما النبي فرُجما (المشكاة حديث رقم 3559 - رواه البخاري ومسلم)

لقد طلب محمد التوراة فجيء بها، وسمع ما حكمت به، ثم قضى بحسب حكمها ولم يقل أحد إن التوراة محرفة ولا منسوخة وهذه حادثة يشير القرآن فيها إلى أن اليهود أخفوا الألفاظ، وذلك في قراءتها دون أن يغيّروا نصَّها.

وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى أن الحق لليهودي، فقضى له فقال له اليهودي: والله لقد قضيتَ بالحق فضربه عمر بن الخطاب بالدرة، ثم قال له: وما يدريك (أني قضيت بالحق)؟

فقال له اليهودي: إنّا نجد (في التوراة) أنه ليس قاضٍ يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملَك وعن شماله ملَك يسددانه ويوفقانه للحق ما دام يريد الحق فإذا ترك الحق عرجا وتركاه (الموطأ - أنس بن مالك ص 448)

لقد استمع عمر بن الخطاب لاقتباس اليهودي من توراته ولم يرفض كلمات التوراة، ولم يقل إنها من كتاب محرّف ولا منسوخ وفي الحديث السابق وهذا الحديث نرى محمداً وعمراً يقبلان كلام التوراة الذي عند يهود عصرهم باعتبار التوراة صحيحة وموقَّرة على أن هناك حديثاً واحداً يشذّ عن هذه القاعدة، رواه البخاري عن ابن عباس ولقد كان ابن عباس في الرابعة عشرة من عمره يوم مات محمد، ثم ولّاه علي بن أبي طالب على البصرة:

قال ابن عباس:

(كيف تسألون (أيها المسلمون) أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله أحدث؟ تقرأونه محضاً لم يُشَب، وقد حدّثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أُنزل إليكم) (صحيح البخاري ج 9 ص 136)

هذا هو الحديث الوحيد الذي يشير للكتب السابقة للقرآن باعتبارها محرّفة، من بين أحاديث عديدة تشير إلى وجود توراة وإنجيل سليمين صحيحين بين المسلمين الأوائل.

 

وصحيح أن اقتباسنا من الحديث لن يغير شيئاً من موقف المسلمين الذين لا يضعون الكثير من الثقة في الحديث، ولكننا نزيد أن (مشكاة المصابيح) لا تحوي حديثاً واحداً سلبياً عن الكتب السابقة للقرآن، كما أن كل الأحاديث جاءت إيجابية ما عدا حديث ابن عباس.

 

ويمكن أن يُقال إن نفراً من اليهود الجهلة أو الأشرار ربما حرفوا نسخة كانت معهم، تحدث عنها ابن عباس ولكن سائر النسخ بقيت صحيحة، شهدت لها سائر الأحاديث لقد كان الشيخ ورقة يكتب الكتاب من الإنجيل بالعبرانية، ولم يكن ما أخذ عنه أو ما كتبه محرفاً وقال محمد إن اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل، ولم يقل إنهما محرفان وحكم بما جاء في التوراة التي بين يديه برجم اليهوديين الزانيين.

 

ونصل إلى النتيجة التي وصلنا إليها من دراسة الآيات القرآنية، فالقرآن والحديث يقولان إن توراةً وإنجيلاً صحيحين كانا بين يدي محمد في مكة والمدينة.

القسم الثالث

الكتاب المقدس والقرآن كتابان متشابهان في جمعهما

 

الفصل الأول

نظرية الوثائق وتأثيرها على التوراة والقرآن

 

درسنا في القسم الأول (فصل 2) بعض الافتراضات، كان آخرها افتراض د بوكاي أن (نظرية الوثائق) في أصل التوراة وتطويرها نظرية صحيحة، وهي تُسمى أحياناً (نظرية النقد العالي) أو تُسمى باسم الرجلين اللذين أسساها، وهما (جراف، وولهاوزن) عام 1880م، وقد بُنيت على الافتراضات التالية:

  1. حدث تطوّر وارتقاء في الدين من تعدُّد الآلهة إلى التوحيد، وعلى هذا تكون التوراة نتاج التطوّر الطبيعي للأحاسيس الدينية عند الشعب اليهودي ولا دخل في ذلك للوحي الإلهي عن طريق الملائكة أو الروح القدس.

  2. لم يرِد للعادات المذكورة في حياة إبرهيم ذِكرٌ خارج التوراة (مثل زواجه من أخته غير الشقيقة، وطرد إبرهيم لجاريته هاجر بناءً على طلب سارة) كما لم يرد ذكر الحثيين خارج التوراة فتكون أحداث حياة إبرهيم وإسحق ويعقوب وسائر الآباء بلا أساس تاريخي، بل هي مجرد قصص أو أساطير.

  3. لم يكن موسى وبنو إسرائيل يعرفون الكتابة، لأنها لم تكن قد عُرفت بعد.

  4. إذاً لم يكتب موسى الأسفار الخمسة الأولى من التوراة سنة 1400 أو 1300 ق م، كما تقول التوراة والقرآن ولكن كتبها أو جمعها كُتّاب مجهولون بعد ذلك بمئات السنين.

وبحسب هذه النظرية يكون أول الذين كتبوا شخصٌ أطلق على الله اسم (يهوه) عام 900 ق م ومعناه (السرمدي) الذي بلا بداية ولا نهاية ويقولون إنه كتب تكوين أصحاحي 1 و2 مع أجزاء أخرى ويقولون إنه جاء كاتب ثانٍ أطلق على الله اسم (إلوهيم) وكتب أجزاء كثيرة من التوراة ثم جاء كاتب ثالث نسج هاتين الكتابتين معاً في قصة واحدة نحو سنة 650ق م ويقولون إنك تقدر أن تميّز بين إنتاج الكاتبين الأوَّلين بملاحظة إطلاق اسم (يهوه) أو (إلوهيم) على الله.

 

ولم يكن هذا الدليل كافياً بحد ذاته للتفريق بين إنتاج الكاتبَين، فأخذ هؤلاء النقاد المتطرفون بعين الاعتبار عاملي (الأسلوب) و(الأفكار اللاهوتية) والتي ظنوا أنها تساعدهم للتمييز بين نصَّي (يهوه) و(إلوهيم) أما السفر الخامس من التوراة (وهو التثنية) فيقولون إنه كُتب سنة 621 ق م وهذا بالطبع كذبة كبيرة ثم تدَّعي النظرية أن بعض الكهنة أضافوا وثيقة رابعة تبدأ بقصة الخلق في تكوين 1 ، ثم قاموا بإعادة ترتيب التوراة في صورتها الحالية نحو عام 400 ق م، بعد نحو ألف سنة من حياة موسى وأطلقوا على هذه النظرية اسمJEDP وقد جاءت من الحروف الأولى من Jehovah, Elohim, Deuteronomy, Priestly

 

واضح من هذا التقديم المختصر لنظرية الوثائق أنها تشكك في صحة وحي التوراة ولو صدَقت لكان العهد القديم خدعة أدبية كبيرة!

  1. ولم يكن أصحاب (نظرية الوثائق) يؤمنون بالمعجزات التي أجراها موسى والمسيح، ولا بمعجزة إعلان الله عن ذاته بالوحي، فلا كلّم الله موسى ولا تكلم بواسطة غيره ولو أن هؤلاء المتطرفين درسوا أيضاً القرآن لرفضوا أن يكون الله قد أوحى بشيء إلى محمد، لأن الكفر بالمعجزات والوحي هو الاعتقاد الأساسي من وراء هذه النظرية وقد خصّص د بوكاي عدة صفحات من كتابه ليقدم هذه النظرية، ونتيجة لذلك أعلن أن الكتاب المقدس مليء بالمتناقضات والحقائق غير الأكيدة ولما كان المسلمون يقولون إن المسيحيين حرّفوا كتابهم، فإن أقوال د بوكاي (الذي يجيء من خلفية مسيحية، والذي يؤكد نفس أقوالهم) ستزيدهم بما يقولون اقتناعاً، وستملأ نفوسهم بالانشراح.

وأذكر أن أستاذ الدين في جامعة ووستر المشيخية بأمريكا (أثناء دراستي التمهيدية لدراسة الطب) علّمنا هذه النظرية كحقيقة واقعة فسأله زميلٌ لي:

 

(ولكن لو صدَقت النظرية لكان الكتاب المقدس عارٍ عن الصدق) فأجابه (وكأنه يخاطب صبياً في السادسة من عمره): (يمكنك أن تصدّق الكتاب المقدس إن شئت ذلك).

 

ولما لم أكن وقتها أمتلك حقائق تدحض ما قاله الأستاذ من أن موسى لم يكتب التوراة، (مع أن المسيح قال إنه كتبها) قبلتُ ما قال، مما زعزع ثقتي في التوراة كوحيٍ إلهي، فرفضتُ المسيحية وأصبحت (لاأدرياً) لم أكن ملحداً، لكني لم أكن أدري ماذا أعتقد في الله ولكن شكراً لله (الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ) (1تيموثاوس 2:4) أنه لم يتركني في جهلي، بل قادني إلى من علّموني الحقائق التي تثبت صحّة كتب التوراة والأنبياء، والتي أشارك القارئ فيها في هذا الفصل.

 

تأثير هذه النظرية على القرآن

في القسم الثاني (فصل 1) رأينا كيف يعلن القرآن وجود توراة صحيحة بين يدي مريم العذراء ويوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا) والمسيح وبالرغم من أن البعض يختلفون معي في أن تلك النسخ مطابقة للنسخ التي بين أيدينا اليوم، إلا أن تلك الآيات القرآنية تقدّم حقائق نتفق عليها كلنا فالقرآن يقول إن إبرهيم شخصية تاريخية وقد كلّمه الله، ويقول إن الله أعطى موسى الألواح التي كتبها له (قَالَ (الله) يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) (سورة الأعراف 144 و145 - من العهد المكي المتأخر) وقد يسأل سائل: ماذا يفيدك هذا الاقتباس هنا؟ والإجابة: إن كانت قصص إبرهيم وإسحق ويعقوب في التوراة أساطير، فتكون كذلك في القرآن! وإن كانت الكتابة مجهولة زمن موسى (1400 ق م) فلم يكن ممكناً لموسى ولا لغيره أن يقرأوا (الألواح) التي حوَت من كل شيء موعظة، وتفصيلاً لكل شيء، ويكون القرآن موضع انتقاد أصحاب (نظرية الوثائق)!

 

لذلك سنلقي نظرة متأنية على نظرية الوثائق لنرى ماذا يقول أصحابها عن المعجزات:

 

استحالة الوحي والمعجزات

أبدى الأستاذ أ كيونن (أحد معتنقي هذه النظرية) رأيه في القُوى الخارقة للطبيعة، قال:

(إن كنا نعزو جزءاً من حياة بني إسرائيل إلى التدخل الإلهي المباشر، ونقبل (ولو لمرةٍ واحدة) أن هناك وحياً خارقاً للطبيعة، فإن رؤيتنا الكلية تختل ولن تكتمل هذه الرؤية إلا إذا افترضنا حدوث تطور طبيعي لكل هذه الظواهر) وقال أيضاً: (القول إن الله يتدخل في حياة الآباء الأولين يكوّن في نظري أحد العوامل الرئيسية ضد صحة الأحداث التاريخية)

في الاقتباس الأول يقول كيونن: إن أية حادثة خارقة للطبيعة تُخِل برؤيتنا المتكاملة، وفي الاقتباس الثاني يعلن أن من يصدق أن الله تكلم مع إبرهيم وهاجر وإسحق ويعقوب، يبرهن أن أسفار موسى الخمسة غير تاريخية.

 

أما يوليوس ولهاوزن، أحد مؤسسَي النظرية فيسخر من حدوث المعجزات زمن الخروج، وفي سيناء يوم أعطى الله موسى الألواح، ويقول: (مَن يقدر أن يؤمن بهذا؟) 1 ولا زال بعض الأساتذة اليوم يؤمنون بهذه النظرية بسبب إنكارهم للمعجزات وقد كتب الأستاذ لانجدون جيلكي من جامعة شيكاغو سنة 1962 يصف قصص التوراة عن الخروج يقول: (هناك أعمال وأقوال يظن العبرانيون أن الله فعلها وقالها، ولكننا ندرك بالطبع أنه لا فعلها ولا قالها) ويقول عن عبور البحر الأحمر: (نحن ننكر الطبيعة المعجزية لهذه الأحداث، ونقول إن سببها ريح شرقية)2

هذه النظرية تفترض الآتي:

 

أ. لم يكلم الله إبرهيم.

ب. لم يتلقَّ موسى من ربه ألواحاً.

ج. لم تحدث معجزة شق مياه البحر الأحمر وعبور بني إسرائيل على اليابسة وغرق فرعون وجيشه.

 

ولم يغفل الأستاذ (عبد الله يوسف علي) هذه النقاط، فقال: (إن فكر مدرسة النقد العالي فكر مدمّر (رينان) يشك في حقيقة أن موسى شخص تاريخي ويعتقد أنه شخص أسطوري ونحن نرفض الفكر الذي لا يؤمن أن الله أوحى لأنبيائه).

 

وهكذا يتضح لنا أن إنكار النبوّة وتاريخية شخصية موسى يشكل هجوماً على القرآن كما يشكله على الكتاب المقدس.

 

الشك وتحديد التاريخ

أدّى شكُّ أصحاب هذه النظرية إلى شكٍ في تاريخ وثائق التوراة ولنأخذ مثلاً من حياة النبي دانيال تقول التوراة إن دانيال أُمر أن يسجل محادثاته مع الملك البابلي نبوخذ نصر ويقول رجال علم التاريخ ورجال علم التاريخ الكتابي إن هذا يعود إلى عام 600 ق م، فيكون أن دانيال كتب سفره عام 600 ق م ولكن أصحاب (نظرية الوثائق) يعترضون لماذا؟ لأنه بالإضافة إلى المعجزات المذكورة في سفر دانيال، يذكر الأصحاح 8:20 و21 من السفر نبوّةً مفصَّلة عن أحداث سياسية ستحدث بعد 300 سنة تقول النبوة: (أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ وَالتَّيْسُ الْعَافِي مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الْأَوَّلُ) وقد أوحى الله لدانيال بهذه النبوة في عهد بيلشاصر، حفيد نبوخذ نصر وهي تقول إن مادي وفارس ستهزم بابل، ثم تنهزم أمام اليونان وقد تحقّقت النبوّة أيام الإسكندر الأكبر عام 330 ق م، أي بعد دانيال بنحو 300 سنة.

 

ولكن أصحاب تلك النظرية لا يؤمنون بمعجزة النبوة فماذا كان موقفهم من هذه النبوة القوية؟ قالوا: (لما كانت (النبوة) قد تحققت عام 330 ق م، فلا بد أن شخصاً آخر كتبها بعد عام 330 ق م، بعد أن تمّت الأحداث، ثم عزاها إلى دانيال ليصدقها الناس) وهم يقصدون أنه: لما كانت المعجزات مستحيلة لا يكون دانيال قد تنبأ بالمستقبل، ويكون عَزْو الكتاب للنبي دانيال تزويراً.

 

ويقتبس د بوكاي من كتابات أصحاب هذه النظرية قولهم إن سفر دانيال (رؤية مربكة من وجهة النظر التاريخية ويقول البعض إنها مؤلَّف يرجع إلى القرن الثاني ق م في عصر المكابيين) (ص 36) ولكن الذي أوقع الارتباك في نفوس أصحاب النظرية هو صِدق النبوة وتحقيقها!

 

وهناك سبب آخر أربك أصحاب النظرية: لقد تنبأ دانيال في أصحاح 9:25 و26 (عام 600 ق م) بخراب هيكل أورشليم، وتحققت هذه النبوة عام 70م بعد صعود المسيح إلى السماء بثلاثين سنة ولقد تنبأ دانيال (1) بأن أورشليم والهيكل سيُعاد بناؤهما، و(2)أن المسيح سيأتي، و(3) يُقطع المسيح وليس له (ليس لأجل نفسه)، و(4) شعب رئيس آتٍ يُخرب المدينة والقُدس وهذا ما فعله تيطس الروماني عام 70م.

 

ولا يملك أصحاب نظرية الوثائق، ولا د بوكاي تعليقاً على نبوات دانيال هذه التي تحققت بعد زمن المكابيين بقرنين من الزمان وسنناقش في فصل قادم بعض النبوات التي تحققت، برهاناً على صحّة التوراة.

 

1. الارتقاء والتطوّر في الدين

استخدم دارون نظرية التطور والارتقاء في علم الأحياء، واستخدمها هيجل في علم التاريخ، واستخدمها أصحاب نظرية الوثائق في الدين، وقالوا إن الدين بدأ إيماناً بالأرواح زمن الإنسان البدائي، ثم تطوّر إلى إيمانٍ بالإله الواحد بل إن ولهاوزن حاول أن يطبق نظرية هيجل في التاريخ ليبني نظاماً لتطوّر الديانة اليهودية في شبه الجزيرة العربية في عصر ما قبل الإسلام.

 

ويشرح ج رايت رأي ولهاوزن وغيره من النقاد المتطرفين، في كتابه (دراسة الكتاب المقدس اليوم وغداً) فيقول:

(البناء الذي أقامه جراف وولهاوزن لتاريخ إسرائيل الديني أكّد أن صفحات التوراة تعطينا نموذجاً كاملاً للتطور الديني من عبادة الأرواح في زمن الآباء إلى التوحيد، عندما جاءت صورة التوحيد النقية في القرنين 6 و5 ق م وقد عبد الآباء (إبرهيم وأولاده عام 1800 ق م) الأرواح في الأشجار والأحجار والينابيع والجبال إلخ وكان إله بني إسرائيل في عصر ما قبل الأنبياء (1000 ق م) إله قبيلة، يمتد سلطانه إلى أرض فلسطين فقط وكان الأنبياء هم مخترعي التوحيد) 3

وهم يعنون بهذا أن العبادة اليهودية بدأت بعبادة الأرواح، ثم تبعتها عبادة آلهة قَبَلية، وأخيراً ارتقَت إلى عبادة الإله الواحد ثم قالوا إن الإنسان يقدر أن يحدد تاريخ أي قطعة أدبية بأن يدرس درجة تقدم التعليم الديني الذي تورده، وحكموا بأنه يستحيل أن الأفكار الرفيعة عن الله التي تعزوها التوراة لإبرهيم وغيره من الآباء تكون من نتاج أفكار إبرهيم وسائر الآباء، لأن فكرة الوحدانية أسمى من تفكيرهم ويصف ولهاوزن فكرة أن الله الواحد خلق العالم أنها (فكرة لاهوتية تجريدية غير مسموع بها وسط شعب ناشئ) 4

 

ثم يقولون إنهم لما افترضوا أن بالدين تطوراً وارتقاءً، فلا يناسب أن يُقال عن إبرهيم: (وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الْأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي) (تكوين 22:18) لأن فكر إبرهيم الديني لم يكن قد تطور إلى مثل هذه الدرجة من الرقي، فلا بد أن هذه العبارة كُتبت بعد ذلك بألف سنة.

 

فإذا صدق كلام هؤلاء النقاد المتطرفين (الذي قَبِله د بوكاي)، فماذا عساهم يقولون عن قول إبرهيم في سورة الأنعام 6:79 (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَر السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)؟ لا بد سيقولون إنه نتاج فكر متأخر بعشرة قرون، لأنه لا يمكن أن يكون إبرهيم قد نطق بهذه الكلمات، وقد كان يعبد الأرواح في الشجر والحجر!

 

وقد ثبت من البحوث الحديثة زمن الشعوب البدائية خطأ نظرية التطور في الدين، فإلى جانب عبادة أرواح الأجداد والأوثان كانت القبائل البدائية تتعبد للإله الخالق الأسمى خالق السماوات والأرض، وعندهم مبررات لضياع الاتصال بهذا الخالق الأسمى. 5

 

وهكذا كان هذا حال قبيلة قريش بمكة أيام محمد، فقد كان اسم والده (عبد الله) وكان القريشيون يؤمنون أن الله هو الأعلى وبقية آلهتهم أدنى، يشفعون لهم عند الله.

 

وهكذا نرى براهين قرآنية ضد نظرية الوثائق وضد فكرة التطور في الدين، فقد عرف الناس ربهم الواحد الخالق الأعلى منذ البدء، ولكن خطاياهم حجبته عنهم.

 

2. عادات إبرهيم الاجتماعية

قال أصحاب نظرية الوثائق (التي اقتبسها د بوكاي) إن عادات إبرهيم مجرد أساطير وروايات ولكن (ألواح نوزي) (عام 1500 ق م) ذكرتها:

 

أ. وردت قصص عن زوجات عقيمات طلبن من أزواجهن إنجاب أطفال لهن من جواريهن، كما فعلت سارة مع جاريتها هاجر وهناك عقد زواج تمّ في نوزي، تقول فيه العروس (كلِم نينو) إنها تضمن لعريسها (شنّيما) جارية تصبح زوجةً له في حالة عجزها عن إنجاب طفل له وتعِد (في تلك الحالة) ألّا تطرد وليد الجارية من البيت 6 (الأمر الذي فعلته سارة)

 

ب. وصف النقاد المتطرفون انتصار إبرهيم على كدرلعومر وملوك ما بين النهرين بأنه أسطورة، وأن أسماء مدن السهل الخمس: سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم وصوغر بأنه خرافة (وردت قصة انتصار إبرهيم في تكوين 14) 7 ولكن سجلات إبلا (سنتحدث عنها في القسم التالي) أشارت إلى كل مدن السهل، وفي إحدى اللوحات جاءت قائمة أسمائها بنفس الترتيب التوراتي بل إن الرواية التوراتية في تكوين 14 تحتوي على كلمات وعبارات نادرة الاستعمال، لم ترد في سائر الكتابات العبرية فمثلاً كلمة (هانيخ) (ومعناها: تابع مسلّح) لم ترد في التوراة إلا هنا، وصفاً للشاب الذي نشأ في بيت إبرهيم وتدرب على حمل السلاح، ولكنها وُجدت في (نصوص اللعن) الفرعونية في القرنين 19 و18 ق م، أثناء حياة إبرهيم، ووُجدت أيضاً في القرن 15 ق م في الكتابة المسمارية من تعنك في فلسطين. 8

 

يقول تكوين 29 إن (لابان) خال يعقوب (حفيد إبرهيم) وحماه في الوقت نفسه، تبع يعقوب لأنه ظن أن يعقوب سرق آلهته أو (ترافيمه) وتساءل المفسرون: لماذا كلّف لابان نفسه كل هذه المعاناة ليستعيد أصنامه بينما كان يمكنه أن يستبدلها بغيرها؟ غير أن لوحات نوزي كشفت أن زوج الابنة الذي يحصل على أصنام الأسرة يكون له الحق في الحصول على كل ممتلكات حميه وقد أظهرت الحفريات الحديثة سبب قلق لابان، فامتلاك الترافيم يعني القدرة على المطالبة بملكية الثروة 9!

 

وقال كورش جوردون، الذي كفر بنظرية الوثائق بعد تخصصه في دراسة تاريخ وعِلم آثار الشرق الأوسط:

(أثبتت ألواح نوزي المكتوبة بالحروف المسمارية أن عادات عصر الآباء إبرهيم وإسحق ويعقوب إلخ هي صحيحة ومن قبل عصر موسى، ولا يمكن أن يكون مخترعها J , D,E, أو P) (10)

3. الحِثيون المفقودون

قال النقاد المتطرفون إنه طالما لم يرد للحثيين ذكر خارج نصوص التوراة، فلا بد أن التوراة مخطئة وقد سمعتُ هذه العبارة أثناء دراستي في كلية ووستر عام 1946 رغم أن هوجو ونكلر كان في عام 1906 قد اكتشف (بوغاز كوي) (في تركيا) وهي عاصمة الحثيين! وقد وجد ونكلر في سجلات الألواح الفخارية معاهدة حربية بين الحثيين والمصريين يرجع تاريخها إلى عام 1300 ق م تقريباً كما أنه تم اكتشاف لوح يسجل معركة حامية الوطيس بين رمسيس الثاني والحثيين في قادش على نهر الأورنتس عام 1287 ق م 11

 

4. لم تكن الكتابة معروفة زمن موسى

قال ولهاوزن عام 1885:

(كان لبني إسرائيل شريعتهم، لكنها لم تكن مكتوبة) 12 وقال هرمان شولتز عام 1898: (بخصوص شخصية الرواة (وليس الكتبة) في عصر ما قبل موسى، فإن البرهان كافٍ، لأنهم عاشوا في عصر ما قبل الكتابة) 13

ولكن في عام 1902 اكتشف عالِم حفريات فرنسي، تحت إشراف الأستاذ جاك ده مورجان، شريعة حمورابي في موقع سوسا القديمة، شرقي ما بين النهرين، محفورة على أحجار، يرجع تاريخها إلى ما بين 1700 و2000 ق م، في 282 جزءاً وتحوي الكثير مما يشبه شريعة موسى ثم توالت الاكتشافات التي برهنت أن الكتابة كانت معروفة قبل زمن موسى وإليك بعض ما اكتُشف من كتابات في جبل سيناء:

 

أ. في عام 1917 اكتشف عالم المصريات البريطاني (ألان جاردنر) كتابات كنعانية في جبل سيناء مؤلفة من صُوَر نحو عام 1500 ق م، برهنت أن الكتابة كانت معروفة من قبل أيام موسى. 14

 

ب. منذ عام 1925 اكتُشف أكثر من 4000 لوح، تعود إلى ما بين 1500 و1400 ق م في بلدة نوزي بالقرب من نينوى القديمة بالعراق.

 

ج. في عام 1929 اكتُشفت ألواح في يوغاريت وراس شمرا في الساحل السوري الشمالي تعود للقرنين 14 و13 ق م، وهو عصر موسى، ويشبه أسلوبها أسلوب الشعر العبري التوراتي، كترنيمة مريم وقت الخروج (خروج 15) وترنيمة دبورة (قضاة 5) من القرن 12 ق م.

 

د. بدأت عام 1933 حفريات في ماري في سوريا، ووُجدت آلاف الكتابات المسمارية التي يرجع تاريخها إلى عام 1700 ق م.

هـ. في عام 1964 اكتُشفت خرائب إبلا شمال سوريا، وحتى عام 1974 اكتُشف فيها أكثر من 17 ألف لوح مكتوب يرجع إلى عام 2200 ق م.

و. وأخيراً جلستُ أنا نفسي في ميدان الكونكورد باريس عام 1961 تحت مسلة مصرية غطت جوانبها كتابات هيروغليفية ترجع إلى زمن رمسيس الثاني.

 

وكتب الأستاذ وليم ألبرايت عام 1938 عن أنواع الكتابات المختلفة التي وُجدت في الشرق القديم في عصر ما قبل موسى، قال:

(نقول في هذا الصدد إن الكتابة كانت معروفة جيد المعرفة في فلسطين وسوريا أثناء عصر الآباء، المعروف بالعصر البرونزي الوسيط، 2100-1500 ق م، نعرف منها على الأقل خمسة أنواع: (1) الهيروغليفية المصرية التي استخدمها الكنعانيون لكتابة أسماء الأشخاص والبلاد، (2) الأكادية المسمارية، (3) الأبجدية المقطعية في فينيقية، (4) الأبجدية الطولية في سيناء، (5) الأبجدية المسمارية في يوغاريت والتي اكتُشفت عام 1929) 15

5. مزيد من البراهين التي تتطلّب قراراً 16

وأقتبس هنا بعض ما كتب الأستاذ جوش مكدويل في كتابه (مزيد من البراهين التي تتطلّب قراراً):

 

قال النقاد المتطرفون إن الشرائع الواردة في أسفار الخروج واللاويين والتثنية من التوراة متقدمة وأكثر تعقيداً من إدراك موسى ثم اكتُشفت (قوانين حمورابي) الشبيهة بشريعة موسى في (تعقيدها) كُتبت قبل عصر موسى بنحو 300 أو 500 سنة.

 

وقال أولئك النقاد إن الرحلات التي قام بها إبرهيم (كما يقول التكوين 11 و12) من أور الكلدانيين بالعراق إلى فلسطين كانت غير معروفة في تلك الأيام ولكن رجال الحفريات في (ماري) ببابل اكتشفوا لوحة تحمل اتفاقية من عصر إبرهيم يؤجر فيها صاحب عربة عربته لمدة سنة، بشرط ألّا يستعملها المستأجر  للسفر إلى كتيم (شمال فلسطين) على شواطئ البحر الأبيض المتوسط كما اكتشفوا لوحة أخرى تقول إن رجلاً اسمه أباراما دفع الإيجار، وهذا يثبت أن (أبرام) اسم إبرهيم الأول كان مستعملاً زمن إبرهيم.

 

وقد اعتبر النقاد المتطرفون أن الخيمة التي أمر الله موسى أن يقيمها بمقاييس خاصة معقدة (خروج 36) محض خيال، وقالوا إنها أكثر تقدماً من العصر الموسوي ولكن الاكتشافات أظهرت أن المصريين القدماء عام 2600 ق م عملوا خيمة متنقلة من عصي وأعمدة للأركان وسقف، لتستخدمها الملكة وكانوا ينصبونها في أي مكان يريدون، كما كان بنو إسرائيل يفعلون.

 

وقال ولهاوزن إن المرايا التي يقول الخروج 38:8 إن النسوة اليهوديات أعطينها لموسى لعمل حوض الاغتسال (المرحضة) عُرفت في وقت متأخر عن عصر موسى ولكن الحفريات برهنت وجودها في مصر بين عام 1500 و1400 ق م. 17

 

وفي ضوء كل هذه الاكتشافات الحديثة نأسف أن نقرأ للدكتور بوكاي اقتباسه من إدموند جاكوب قوله (يُحتمل أن ما يرويه العهد القديم عن موسى والآباء الأولين لا يتفق إلا بشكل تقريبي مع المجرى التاريخي للأحداث) (ص 21) وما أبعد الفرق بين هذا الاقتباس الظالم وما نقتبسه عن نلسون جلويك رئيس الكلية اللاهوتية اليهودية في سنسناتي بأمريكا، وهو واحد من أعظم ثلاثة رجال متخصصين في الحفريات في عالمنا اليوم يقول:

(في كل أبحاثي الحفرية لم أجد شيئاً واحداً يناقض أية عبارة وردت في كلمة الله (يعني التوراة)) 18

6. تتكون التوراة من مجموعة وثائق كُتبت بعد موسى بزمن كبير.

قرأنا في أول هذا الفصل اقتراح جراف وولهاوزن بوجود أربع وثائق على الأقل نُسجت منها التوراة الحالية وجاء بعدهم من ادَّعى أن عدد تلك الوثائق 10 أو 12 أو 15 وبنوا ادّعاءاتهم على أساس استعمال المفردات وأشهر هذه الأقسام هو استعمال أسماء الجلالة المختلفة: (إلوهيم) المستخدمة في التكوين 1 و(يهوه) المستخدمة في تكوين 2 و3 ثم أطلقوا على من استخدم اسم الجلالة (إلوهيم) E.

 

وأطلقوا على من استخدم اسم الجلالة (يهوه)  وقالوا إنه جاء كاتب آخر ليروي القصة نفسها بسياق مختلف، ثم جاء (محرر) استخدم كل هذه ونسج منها قصة واحدة وقدموا نموذجاً لذلك قصة اسحق، ومعنى اسمه (ضحك) (ونجد القصة في تكوين 17:15-19):

(15 وَقَالَ اللّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: (سَارَايُ امْرَأَتُكَ لَا تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ 16‚وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضاً مِنْهَا ابْناً أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَماً، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ) 17‚فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: (هَلْ يُولَدُ لِابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟) 18‚وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلّهِ: (لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!) 19‚فَقَالَ اللّهُ بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ (بمعنى يضحك)).

ثم كلم الله إبرهيم مرة أخرى وكرر الوعد له على مسمع من سارة، كما نقرأ في التكوين 18:10-15:

(10‚ َقَالَ (الله): (إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ) وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ - 11‚وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْأَيَّامِ، وَقَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ 12‚فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: (أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ!) 13‚فَقَالَ الرَّبُّ لِإِبْرَاهِيمَ: (لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟.. 15‚فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: (لَمْ أَضْحَكْ) (لِأَنَّهَا خَافَتْ) فَقَالَ: (لَا! بَلْ ضَحِكْتِ)

وهناك فقرة كتابية ثالثة عن الضحك، حدثت وقت ولادة إسحق، وردت في تكوين 21:1- 6:

(1‚وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ، وَفَعَلَ الرَّبُّ لِسَارَةَ كَمَا تَكَلَّمَ 2‚فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لِإِبْرَاهِيمَ ابْناً فِي شَيْخُوخَتِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللّهُ عَنْهُ 3‚وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ابْنِهِ الْمَوْلُودِ لَهُ الَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ سَارَةُ (إِسْحَاقَ) 4‚وَخَتَنَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَهُ اللّهُ 5‚وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ... 6‚وَقَالَتْ سَارَةُ: (قَدْ صَنَعَ إِلَيَّ اللّهُ ضِحْكاً كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ يَضْحَكُ لِي )

فماذا فعل النقاد المتطرفون بهذه الآيات الواضحة؟ قالوا إن هناك ثلاث قصص مختلفة نسجها (محرر) فيما بعد في قصة واحدة جاءت الأولى من الكاتب الكهنوتي، وجاءت الثانية من وثيقة J وجاءت القصة الثالثة من وثيقة E

 

ولكن لماذا يبدو غريباً أن يضحك إبرهيم وسارة أولاً غير مصدّقَين أنه سيكون لهما ولد، ثم تضحك سارة بعد أن يعطيها الله الولد؟ ألا ترى أن هؤلاء النقاد تطرفوا حتى دخلوا دائرة اللامعقول؟

 

وقد لخّص هنري بلوتشر كل هذا بأسلوب رشيق، قال:

(عندما يُصدِر النقاد الغربيون أحكامهم على محتوى الكتاب المقدس يضعون في اعتبارهم عاداتهم المعاصرة وقرّاءهم الغربيين، ويهملون كل ما يعرفونه اليوم عن بيئة الشرق وعاداته، ومنها الكتابة المستخدمة في أزمنة التوراة، فقد كان الأقدمون يحبون التكرار، ويستخدمون العبارات العمومية الطابع، ويستبدلون الكلمة بما يرادفها، خصوصاً مع اسم الجلالة وهكذا ترى أن نصوص التوراة تتوافق مع أسلوب كتابة أزمنة كتابتها) 19

ماذا لو استخدمنا النقد المتطرف مع القرآن؟

اسم الجلالة (الله) ومخاطبته (اللهم) في اللغة العربية يوازي الاسم العبري (إلوهيم) كما أن الاسم العربي (الرب) يوازي العبري (أدوناي) الذي استخدمه اليهود بعد فترة بديلاً للاسم (يهوه) وعندما ندرس القرآن لا نجد الاسم (رب) في إحدى عشرة سورة، هي: النور، الفتح، الحجرات، المجادلة، الصف، الجمعة، المرسلات، الغاشية، التين، الهمزة، الإخلاص كما أن اسم (الله) لم يرد في ثماني عشرة سورة، هي: القمر، الرحمان، الواقعة، القلم، القيامة، النبإ، المطففين، الفجر، الليل، الضحى، الشرح، الزلزلة، العاديات، الفيل، قريش، الكوثر، الفلق، الناس وهناك عشر سور قصيرة من العهد المكي الأول لم يرد فيها اسم الجلالة أبداً، كما هو الحال في سفر أستير بالتوراة وإليك جدولاً باستخدام اسم الجلالة (الله) و(رب) في السور: الفتح، الحجرات، ق، الذاريات، الطور، النجم، القمر، الرحمان، الواقعة، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحَنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن وقد اخترت هذه السور السبع عشرة لأني ذكرتُ ثمانٍ منها في القائمة أعلاه:

 

ملحوظة: معنى ع م م في هذا الجدول: (العهد المكي المبكر).

 

رقم

   تاريخها

مرات

عدد

تكرارها

مرات

تكرارها

السورة

 

ذكر (الله)

الآيات

في الآية

ذكر (الرب)

في الآية

48

   6 هـ

19

29

0.65

-

-

49

   9 هـ

27

18

1.50

-

-

50

ع م م

1

45

0.02

2

0.04

51

ع م م

3

60

0.05

5

0.08

52

ع م م

3

49

0.06

6

0.12

53

ع م م

6

62

0.10

7

0.11

54

ع م م

-

55

-

1

0.02

55

ع م م

-

78

-

36

0.46

56

ع م م

-

96

-

3

0.03

57

  8 هـ

32

29

1.10

3

0.10

58

  5-7 هـ

40

22

1.81

-

-

59

  4 هـ

29

24

1.21

1

0.04

60

  8 هـ

21

13

1.61

4

0.31

61

  3 هـ

17

14

1.21

-

-

62

  2-5 هـ

12

11

1.09

-

-

63

4-5  هـ

14

11

1.27

1

0.09

64

1 هـ

20

18

1.11

1

0.06

 

 

وعندما نتأمل هذا الجدول نكتشف أن الاسم (رب) استُخدم 36 مرة في سورة الرحمان، وردت 31 مرة منها مع كلمة (آلاء) وكلمة (آلاء) قليلة الورود بالقرآن، وردت في سورة الرحمان وثلاث مرات أخرى، مرة منها في سورة النجم (وهي من العهد المكي المبكر) ومرتان في سورة الأعراف (وهي من العهد المكي المتأخر) وعندما نفحص سورة النجم آيتي 19 و20 نجد أنها السورة الوحيدة التي تذكر أسماء الأصنام: اللات والعزى ومناة.

 

وأفترض أن عندنا ناقداً متطرفاً يؤمن بنظرية الوثائق، يتعامل مع هذه الفقرات القرآنية كما تعامل مع الفقرات التوراتية فيقول: (لاحظوا أن اسم الجلالة (الله) لا يُستخدم كثيراً في العهد المكي، فقد جاء بمعدل مرة كل عشر آيات أما في العهد المدني فإن هذا الاسم يُستخدم على الأقل مرة في كل آية، ماعدا في سورة الفتح ثم أن كلمة (آلاء) وأسماء الأصنام الثلاثة لم ترد إلا في الآيات المكية، فلا بد أنه كان هناك كاتب مكي مبكر نسمّيه R لأنه استخدم اسم الجلالة (رب) وهو لا يزال يهتم بالأصنام ثم جاء كاتب ثانٍ نسمّيه A لأنه استخدم اسم الجلالة (الله) لأن التوحيد النقي كان قد بدأ يظهر وواضح أن أسماء الأصنام الثلاثة في سورة النجم لا تتمشى مع السياق، فلا بد أن كاتباً ثالثاً أضافها في مرحلة متأخرة، ونسمّيه Q لأنه أحد القرّاء).

 

ثم يقول لنا هذا الناقد المتطرف: (ولاحظوا معي كيف أن القرآن يورد أربع مرات قصة زيارة الضيوف المكرَّمين لإبرهيم ليبشروه بابن في عمره المتقدم وتقول السورة المكية المبكرة الذاريات 24-30 إن زوجة إبرهيم العجوز العقيم لم تصدق فلا بد أن الكاتب R هو صاحب هذه الرواية وفي العهد المكي المتأخر تروي سورة الحِجْر 15:51-56 أن إبرهيم لم يصدق، وقال: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ؟) ولما كانت هذه السورة من العهد المكي المتأخر، فلا بد أن تأثير كاتبها A يكون قد بدأ! وفي سورة هود 69-74 من العهد المكي المتأخر نسج الكاتب Q القصتين معاً وأضاف أن زوجة إبرهيم ضحكت وهناك ما جاء في سورة الصافات 99-103 من العهد المكي الوسيط، وهي تهتم بتقديم إبرهيم ابنه ذبيحة لله وذِكر الذبيحة يعني استخدام وثيقة أخرى نسمّيها Z).

 

وهكذا يرى القارئ بوضوحٍ بالغ مقدار التجنّي على النصوص الذي ارتكبه النقاد المتطرفون، الذين تبنَّى د بوكاي أفكارهم ونشرها في كتابه، وهي أبعد ما تكون عن العِلم الصحيح هل يُعقَل أن يُقال إن القرآن مكوَّن من تجميع أربع وثائق كتبها R, A, Q, Z ؟  هذا ما كان يحدث للقرآن لو صدق د بوكاي ومن أخذ عنهم!

 

الخاتمة

في نور كل ما ذكرناه يكون مستحيلاً لأي باحث مُخْلص أن يقبل (نظرية الوثائق) العتيقة المهجورة ولن يقبلها إلا الكافر متحجر القلب وقد نلتمس العذر لجراف وولهاوزن لأن الاكتشافات والحفريات الحديثة لم تكن متوافرة لديهم ولكن لماذا يقبلها علماء معاصرون مثل د بوكاي؟ يقول هنري بلوتشر: (إنهم يقبلونها لأنهم يشاركون ولهاوزن عداءه لكل ما هو معجزي خارق للطبيعة) 20

 

ولا يوجد أي برهان على صدق نظرية الوثائق لا دليل من التاريخ ولا من الإسناد على وجود J, E وغيرهما مما يُقال إنهم أصحاب الوثائق، فلم يرَهم أحد! ويقول الأستاذ كتشن المحاضر بجامعة ليفربول:

(لقد نشأت نظرية النقد الأدبي بخصوص J, E, P, D من فراغ، وهي بلا قيمة لو قارنّاها بالطريقة التي كان الناس يكتبون بها زمن الكتاب المقدس إنها نظرية وهمية لا تتماشى مع بيئة الكتاب المقدس في الشرق الأوسط وعندما يُعاد تقييم كتابات التوراة في ضوء المحيط الذي تصفه التوراة، سنجد أنها متناسبة مع قرائنها أما النظريات المبنيّة على افتراضات وهمية لا يساندها الواقع القديم فهي لا بد ساقطة) 21

وقد وصل العالِم اليهودي أومبيرتو كاسوتو إلى النتيجة نفسها في كتابه (نظرية الوثائق) الذي خصص فيه ستة فصول للرد على أهم خمس حُجَج يستخدمها النقاد المتطرفون ليؤيدوا بها نظريتهم أن موسى لم يكتب التوراة وقد شبَّه الحجج الخمس بخمسة أعمدة يقوم عليها البيت، ثم يقول:

(لم أبرهن أن الحجج الخمس واهية، ولا أن أي واحد منها فشل في أن يسند البناء، ولكني برهنت أنها ليست أعمدة بالمرة، وأنه لا وجود لها إلا في عقول أصحابها، وأنها محض خيال) 22

ثم أن نظرية الوثائق تفترض أن كل اليهود منذ أيام موسى إلى زمن المسيح كانوا كذابين، ولم يكن فيهم واحد يخاف الله فيحتفظ بنسخة سليمة من التوراة الصحيحة ولكن القرآن لا يوجّه مثل هذا الاتهام ليهود مكة والمدينة وقد رأينا في الفصل الأول قسم 2 أن منهم كثيرين مخلصون في إيمانهم، وتقول سورة الأعراف 7:159 (وهي من العهد المكي المتأخر): (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ).

 

لقد اتّبع البعض نظرية الوثائق وصدقوا أن موسى لم يكتب التوراة لأنهم افترضوا أموراً باطلة وهم يدرسون الكتب المقدسة فإذا درسنا الكتاب المقدس والقرآن دراسة تحليلية فلنتَّبع أسلوب الناقد العبقري كولريدج، الذي وضع القانون القائل:

(عندما نجد غلطة في كتابة كاتبٍ مُجيد، فلنفترض أولاً أننا لم نفهم، قبل أن نفترض أننا فهمنا أن الكاتب جاهل!)

وقال أرسطو: (لنضع الشك في مصلحة الوثيقة، ولا تأخذنا الكبرياء فنقف في صف الناقد)

الفصل الثاني

نقد صيغة العهد الجديد اللغوية، وتأثير هذا على الإنجيل والقرآن

 

نشأت في ألمانيا فكرة (نقد الصيغة اللغوية) لتحاول أن تحلل الإنجيل على أساس صِيَغه الأدبية، كما فعلت (نظرية الوثائق) بتوراة موسى وقال ناقدو الإنجيل إنه مؤلَّف من وحدات مستقلة وسلسلة أحداث مرويَّة شفاهاً ويقول النقاد إنه في السنوات الثلاثين، بين صعود المسيح وتدوين الإنجيل الأول، تغيَّرت تلك الوحدات المستقلة (التي سمّوها بريكوبس pericopes) وأخذت صيغة الأدب الشعبي، شأنها في ذلك شأن الخرافات والقصص والأساطير والأمثال ولم يكن تكوين تلك الوحدات وحفظها تحت حكم الله، بل تحت حكم احتياجات الجماعة المسيحية فعندما كانت تواجه (الجماعة) مشكلة ما، كانوا يتذكرون مثلاً شائعاً من أمثال المسيح، أو يختلقون مثلاً من عند أنفسهم وهذا يعني أنهم افتروا على المسيح ما لم يقُله ليجدوا حلاً لمشاكلهم الخاصة.

 

وقدّم د بوكاي تلخيصاً وافياً لهذه الفكرة (ص 91-98) والتي يمكن أن نسميها (نظرية) لأنها تفتقر للبرهان ولكن يبدو أن د بوكاي لم يدرك أن أصحاب هذه الفكرة كانوا كافرين بالخوارق والمعجزات، ينكرون أن الله يكلم البشر بالأنبياء بواسطة الملائكة أو الروح القدس، ولم يصدقوا أن المسيح جاء برسالة سماوية في الإنجيل وقد قال أحد قادتهم (هو رودلف بولتمان):

(أية حقيقة تاريخية تتضمن فكرة القيامة تكون غير قابلة للتصديق) (23)

وقال دافيد شتراوس:

(لا يمكن أن نسمح بإعلان حقيقة كالقيامة) (24)

ويقول أصحاب هذه الفكرة إن الرواة الأربعة لتاريخ المسيح (الأناجيل الأربعة) لم يكونوا شهود عيان لما فعله المسيح أو قاله، ولكنهم جمعوا أقوال مصادر سابقة وقال أحدهم (وهو مارتن ديبليوس): (لم يكن هناك شاهد عيان واحد ممن كتبوا عن المسيح) (25) ولخّص إدوارد إلوين أفكار بولتمان في قوله:

(من هو هذا الرجل يسوع؟ إنه رجل مثلنا وليس أسطورة لم يُجرِ معجزة لا بريق مسياوي له ولكنه جدَّد الاحتجاج ضد أنبياء العهد القديم وقاوم التقيُّد الحرفي بالدين والعبادة الباطلة لله وقد سلّمه اليهود للرومان الذين صلبوه أما ما عدا هذا من معلومات عنه فهو خرافي وغير أكيد) (26)

المصادر

وعلى العكس من هؤلاء العلماء المنحرفين يوجد في كل مكان علماء دين ومؤمنون جادون يؤمنون أن المسيح شخصية تاريخية ويعرفون تاريخه ولا يعني هذا أن المسيحية تنكر أن هناك مصادر شفاهية ومكتوبة من شهود عيان، فالبشير لوقا قال هذا في فاتحة إنجيله: (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الْأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَّوَلِ بِتَدْقِيقٍ، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ) (لوقا 1:1-4)

 

ولا بد أن نبي الإسلام أخذ عن (مصادر) وهو يروي قصة الفتية المسيحيين الذين ناموا 309 سنة في سورة الكهف 18:9-26 وقد يقول قائل: ولكن الله أمر محمداً أن يضمّن القصة وحياً بالقرآن فنقول: هذا هو عين ما نقصده نحن المسيحيين بقولنا إن الروح القدس (ساق) البشير لوقا ليكتب ما كتب.

 

وعندما يقتبس د بوكاي (ص 97) أقوال (نقّاد الصيغة اللغوية) ويدّعي وجود (لوقا الوسيط) و(مرقس الوسيط) مستقاةً من وثيقة ق ووثيقة ج، ثم يقول إن كل شيء خرافي وغير أكيد، فإنه يشترك مع هؤلاء النقاد المتطرفين في إنكار ثلاثة أمور متيقّنة زمن كتابة الإنجيل:

  1. وجود تلاميذ المسيح وقت تدوين الأناجيل، وكان بوسعهم أن يصححوا ما يُكتب ويُقال عن المسيح.

  2. وجود شهود أحياء رأوا معجزات المسيح، التي شاهدها العشرات والمئات والآلاف، لما أقام لعازر من القبر، وأطعم الخمسة الآلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، وفي غيرهما من المعجزات.

  3.  وجود أعداء للمسيحيين الأولين كان يمكن أن يهاجموا أية قصة مختلَقَة (27)

الكفر بصحة الحديث الشفاهي

واضح من ادعاءات نقّاد الصيغة اللغوية أنهم لا يؤمنون أن أحداً يقدر أن يحفظ الأحاديث الشفاهية وينقلها صحيحة وعلى ذلك يكون تلاميذ المسيح الأولين عاجزين عن حفظ كلمات المسيح وقصص معجزاته بعد مرور 30 أو 35 سنة من حدوثها وإن كان النقاد الأوربيون المتطرفون قد شكوا في قوة ذاكرة تلاميذ المسيح، فما هو عذر د بوكاي في شكه وقد التقى بآلاف المسلمين الذين يحفظون القرآن كله عن ظهر قلب؟ إننا لا نقبل منه اتفاقه مع بعض الغربيين الكافرين!

 

(الجذور) - مثال معاصر

في رواية (الجذور) للكاتب (أليكس هالي) نجد تجسيداً لقدرة الإنسان على الحفظ تقول الرواية إنه في سنة 1767 كان جدّ هالي الأكبر، واسمه كُنتا كنتِه Kunta Kinte يسكن في (غامبيا) بأفريقيا واتَّجه للغابة يفتش عن شجرة يصلح خشبها لعمل طبلة، فاختطفه تاجر عبيد وباعه عبداً في أمريكا ولما كان (كُنتا) فخوراً بجذوره الأفريقية، فقد كان يصرّ على أن تذكر عائلته اسمه الأفريقي الحقيقي، كما علّم ابنته أن كلمة (نهر) في لغته القديمة هي Kamby Bolongo بمعنى (نهر غامبيا) وأن كلمة (قيثارة) هي Ko . وباستخدام هذه المعلومات تمكن (هالي) أخيراً من الوصول إلى قريته (جوفور) الأصلية في غامبيا وتعرّف على قبيلة (كنتِه) وكان بين أهلها حُفّاظ لتاريخ قبيلتهم اسمهم griots كأنهم سجلات ووثائق حية شفاهية، حتى أن الواحد منهم يقدر أن يتحدث ثلاثة أيام متوالية يروي تاريخ قبيلته دون أن يكرر شيئاً مما ذكره. (28)

 

وعندما وصل هالي إلى جوفور بدأ أحد هؤلاء الحفاظ يروي تاريخ قبيلة كنته منذ جاء جدودهم من مالي وروى أسماء الأبناء والبنات والزيجات مع حوادث تاريخية لتحديد زمن كل حادثة وبعد ساعتين من الحديث قال: (ونحو هذا الزمن جاء جنود الملك وكان اسم أكبر الأبناء كُنتا، فذهب للغابة ليحضر خشباً ومن وقتها لم يعُد أحد يراه) وانفجر هالي بالبكاء، وقال إن هذه هي الحادثة العظمى في حياته ثم ذهب هالي إلى لندن وفتش في سجلات جنود الملك الذين ذهبوا إلى غامبيا، ووصف الحفاظ الأفريقيين بأنهم كانوا صادقين في كل ما ذكروه حتى شعر بالخجل وهو يحاول أن يستوثق من مدى صدق رواياتهم وبالبحث في سجلات لندن عرف اسم السفينة التي أقلّت جده لأمريكا، ثم عرف أن السفينة رست في (نابلس) (كما كانت جدته تنطق اسم (أنّابوليس)).

 

لقد ظلت تلك الحادثة التاريخية محفوظة في ذاكرة الحفّاظ لمئتي سنة على جانبي الأطلنطي، بواسطة سلسلة من الأفريقيين المدرّبين، ومجموعة رجال وسيدات غير مدربين بأمريكا.

 

فإن قدر بعض الرجال والسيدات أن يحفظوا تاريخ قبيلتهم صحيحاً لمئات السنين، وإن تمكن المسلمون الأوائل أن يحفظوا القرآن في صدورهم نحو أربعين سنة حتى جمعه عثمان، فلماذا يدّعي أحدٌ أن المسيحيين عجزوا عن حفظ أحداث وكلمات المسيح لمدة تتراوح بين 20 و60 سنة حتى تم تدوينها بين عامي 50 و90م؟ وإن كان المسلمون قدروا أن يحفظوا 111 آية هي سورة يوسف، فكيف لا يحفظ المسيحيون 111 آية هي الموعظة على الجبل (متى 5-7)؟ وإن قدر المسلمون أن يحفظوا وينقلوا الأحاديث عن غزوة بدر وأُحُد صحيحة، فكيف يدَّعي أحدٌ أن المسيحيين عجزوا عن نقل أحداث الصليب والقيامة صحيحة؟ ومن يجرؤ أن ينكر أن طلحة بن عبيد الله أنقذ حياة محمد في موقعة أُحد؟ هكذا لا يمكن لأحد أن ينكر أن التلاميذ رأوا المسامير تُدقّ في يدي المسيح، وأنهم أكلوا معه سمكاً مشوياً جهّزه لهم بيديه عندما رأوه حياً بعد قيامته كما رأوه يُصلب ويموت ويُدفن.

 

تأثير نقد الصيغة اللغوية على القرآن

وإني أدعو قرائي المسلمين ليفكروا قبل أن يقبلوا أفكار النقاد المتطرفين للإنجيل من أصحاب (نقد الصيغة اللغوية) كما قبلها د بوكاي، الذي يعتقد أن المسيحيين عجزوا عن حفظ أقوال المسيح لمدة 30 سنة! إن صاحب هذه الفكرة سينكر أيضاً أن صدور الحفاظ المسلمين قدرت أن تحفظ آيات القرآن مدة 40 سنة منذ نزلت السور المكية الأولى حتى دوَّنتها لجنة عثمان عام 26 ه هل يمكن أن يُقال إن السور وقتها صارت خرافات غير مؤكدة؟!

 

إن كان المسيحيون قد اخترعوا (بريكوبس) لتناسب احتياجاتهم، فسيوجه النقاد الكافرون نفس الاتهام: إن المسلمين فعلوا الشيء نفسه، فاخترعوا وأضافوا ما يناسب احتياجات الأمة الإسلامية من آيات وأحاديث! وإن كانت القيامة من الموت أمراً لا يقبله العقل، وإن كان فتح عيني الأكمه مستحيلاً، فيكون قول سورة المائدة 5:110 (عام 10 ه) خطأً! (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) وإن كان الميلاد العذراوي مستحيلاً فإن ما جاء بسورة مريم 19:19-21 يكون خطأً، فكيف يقول جبريل إن الله سيهب لمريم العذراء غلاماً زكياً دون أن يمسها رجل؟ ويكون قول سورة التحريم 66:12 خطأً أيضاً (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) وإن كان الله لا يوحي لأنبيائه بالروح القدس فإن القرآن يكون قد أخطأ في ما جاء بسورة البقرة 2:87 و253 (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ).

 

مذهب التشكيك الديني

ويواجهنا سؤال: لماذا يخترع النقاد المتطرفون فكرة (نقد الصيغة اللغوية) ويستمرون يقولون إنهم (مسيحيون)؟ إن هذا يثير حيرة المسيحيين الحقيقيين الذين يؤمنون بما أوحى إليهم ربهم، والذين يعلمون أنه على إجراء المعجزات قدير فهل يوجد بين من يقولون إنهم (مسلمون) من يكفرون بالوحي وبالمعجزات؟

 

لعل القارئ سمع عن المصلح الباكستاني (السير سيد أحمد خان) الذي كان يؤمن أن الله قد خلق العالم لكنه لا يتدخل في مجريات الطبيعة، كما أنه يعتقد أن الله لا يتدخل في أمور الناس أبداً ولم يكن يؤمن بميلاد المسيح من عذراء، لأن مثل هذا الميلاد (لو حدث) يكون تدخلاً من الله في مسار الطبيعة ولكي يصالح معتقداته مع القرآن قال إن القرآن عندما يتكلم عن عذراوية مريم إنما يعني أنها لم تكن على صلة جسدية إلا مع رجل واحد هو زوجها وأي قارئ للقرآن يرى فساد رأي السير سيد خان، الذي كان ينادي بأن القرآن خالٍ من الخطأ، لكن المفسرين المسلمين يخطئون. (29)

 

ولقد وقف المسلمون الوهابيون ضد أفكار سيد خان، كما يقف كثيرون من المسيحيين المخلصين ضد أصحاب فكرة (نقد الصيغة اللغوية) وضد (نظرية الوثائق) باعتبارهما كذباً من أعمال الشيطان ونكرر ما قلناه إن النظريتين تهاجمان التوراة والإنجيل والقرآن معاً، فإن هذه الكتب الثلاث تقول إن المسيح أجرى المعجزات البينات.

الفصل الثالث

مقارنة التطوُّرات التاريخية للقرآن والإنجيل

 

فحصنا في القسم الثاني رأي القرآن والحديث في تحريف الإنجيل بقصدٍ سيء، ووجدنا أن لا دليل فيهما على حدوث تحريف، بل إنهما يؤكدان وجود توراة وإنجيل صحيحين مع محمد في مكة والمدينة في القرن الهجري الأول.

 

وفي ستة أجزاء من هـذا الفصل سنعالج (الاتهام بالتحريف) من زاوية أخرى، فنقارن تطور نصوص الكتاب المقدس لنرى إن كان هـذا الاتّهام صحيحاً فإن صحَّ وجود تحريف، فأين ومتى جرى ذلك.

 


أ. التطوّر الأوَّلي للقرآن والإنجيل


 

أبدأ هـذا النقاش بأن أفعل مع المسلم ما يفعله معي سأتظاهر أني أدَّعي أنه ما دام القرآن لا يحتوي ما أعتقده، فلا بد أن المسلمين (أو جدودهم) قد حرَّفوا القرآن ليجعلوه يقول ما يعجبهم!

فماذا يقول المسلمون في هـذا؟ وكيف يردّون هـذه التهمة الظالمة؟

سيقولون أولاً: لقد أوحى الله بالقرآن فإذا طلبت منهم البرهان على هـذا سيخبرونني كيف تجمَّع.

 

أدوار القرآن الأولى

قال لي المسلمون الذين ناقشتُهم إن أول آيات القرآن نزلت على محمد قبل الهجرة بنحو أربعة عشر عاماً (نحو سنة 609م) وخلال 14 سنة كانت ثُلثا آيات القرآن قد أُنزلت وقد كتبوها على الرقاع (ورق يُصنع من الجِلد)، واللخاف (حجارة بيض رِقاق)، وأكتاف الأنعام، والعُسُب (جريد النخل يُكشَط خوصه)، وصدور الرجال.

 

ولما سألت عن عدد المسلمين الذين هـاجروا من مكة إلى المدينة مع محمد، قال البعض إن عددهم 75 وقال آخرون إنهم 150 مسلماً ولا يذكر القرآن عددهم، لكن سورة الأنفال 8:26 (من سنة 2 هـ) تقول: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وبالإضافة إلى المهاجرين من مكة كان هـناك مسلمون بالمدينة، كما كان بعض العبيد في مكة قد أسلموا، ولكنهم عجزوا عن مصاحبة محمد إلى المدينة ولعل العدد يكون فعلاً 150 مسلماً.

 

ويواجهنا سؤال: كيف تتأكد أن نقل القرآن جاء صحيحاً، مع أنه لم يكن هـناك سوى 150 مسلماً مُخْلصين لإسلامهم؟ ربما ضاعت بعض الرقاع بما عليها من آيات وكيف تضمن عدم حدوث تحريف؟

 

ستقول لي: (لقد حفظوا القرآن في صدورهم، وكان بعض المهاجرين موجودين مع محمد لما تلا السور ثم أن محمداً كان معهم يصحّح ما قد يخطئون فيه) ومع أني لا أختلف معه في هـذه الإجابة، إلا أن المسلم لا يملك برهاناً على ما يقوله، فليست لديه سورة واحدة أصلية من التي كُتبت على الجلد أو الأكتاف! فالمسألة إذاً مسألة إيمان، لا برهان مادي عليه هـذا افتراض أساسي.

 

من الهجرة إلى موت محمد

انتصر نحو 300 جندياً مسلماً في موقعة بدر (سنة 2 أو 3 هـ) على جيش كبير من المشركين وقال عبد الله يوسف علي في تفسيره لسورة آل عمران 3:13: (تكوَّنت القوة المسلمة من نحو 313 رجلاً معظمهم غير مسلّحين وكان عدد رجال مكة أكثر من ألف، كلهم مسلحون) فإذا قلنا إن كل جندي مسلم كان متزوجاً وعنده ولدان، لكان عدد المسلمين وقتئذٍ نحو 1500 أو أكثر.

 

وفي عام 6 هـ اتَّجه محمد إلى مكة لأداء الحج ومعه 1400 رجلاً، وعُقد صلح الحديبية مع المكيين ونعتقد أن عدد المسلمين وقتها يكون قد بلغ ستة أو ثمانية آلاف مسلم وبعد الاستيلاء على مكة عام 8 هـ زاد عدد المسلمين إلى عشرات الآلاف وعند موت محمد سنة 10 هـ كان عددهم نحو 140 ألفاً وقد نزل باقي القرآن (الثلث الباقي) في أول عشر سنوات من الهجرة.

 

وهنا نسأل: كيف يعرف القارئ المسلم أن القرآن ظل صحيحاً في هـذه السنوات العشر؟ ربما لم يذهب المهاجرون إلى مكة أبداً! ربما لم تكن هـناك موقعة بدر! كيف يبرهن أن القرآن لم يتحرَّف؟

 

وسيجيب المسلم: ولكنهم كانوا يحفظون القرآن في حياة محمد وبعد موته ظل 200 أو 250 مسلماً ممن حاربوا في بدر على قيد الحياة: شهدوا المعركة وسمعوا كلمات محمد ولن أختلف مع المسلم في ذلك، ولكني سأطالبه بنسخة من القرآن تعود إلى سنة 10 هـ قطعاً إنه يؤمن أن القرآن الذي بيده الآن مماثلٌ لما حفظه المسلمون في سنواتهم الأولى وهو يؤمن بالأحاديث التي توضّح جمع القرآن، وتذكر موقعة بدر وصلح الحديبية.

 

أول جمع للقرآن

والآن لندرس الطريقة التي جُمعت بها سُور القرآن وآياته المتفرّقة في كتاب واحد روى البخاري (عن زيد بن ثابت، باب جمع القرآن ج 6 ص 225 طبعة دار الشعب، القاهرة) أنه بعد نحو سنة من موت محمد قام زيد بجمع القرآن بأمر من الخليفة أبي بكر:

(أرسل إليَّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقُرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثيرٌ من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلتُ لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟

قال عمر: هـذا والله خيرٌ فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عمر قال زيدٌ: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتَّهمك، وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله، فتتبَّعِ القرآنَ فاجمعْهُ فوَالله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال: هـو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر.

فتتبَّعت القرآن أجمعه من العُسُب (سعف النخيل) واللِّخاف (الحجارة البيضاء) وصدور الرجال حتى وجدت آخِر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحدٍ غيره (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنِتُّم) حتى خاتمة سورة التوبة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر)

وجاء في الإتقان للسيوطي (باب جمع القرآن وترتيبه) (أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعُدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه).

وبقدر ما نعلم، كانت تلك نسخة القرآن الرسمية الوحيدة حتى تولى عثمان الخلافة وكان أُبيّ بن كعب في المدينة وابن مسعود في الكوفة بالعراق يمتلكان نسخة كاملة من القرآن، لكن الغالبية العظمى من المسلمين كانت تعتمد على ما في صدور الرجال. ويمكن أن نقول إنه لمدة أربعين سنة (من 13 قبل الهجرة حتى 27 هـ لما تولى عثمان) اعتمد نقل القرآن على الرواية الشفاهية.

 

ونعود نسأل القارئ المسلم: كيف تعرف أن القرآن بقي خالياً من التحريف أثناء هـذه الأربعين سنة؟ ربما نسي أحدٌ شيئاً منه ربما أكلت بهيمة بعض آيات!

عن عبد الرحمن بن عوف (خطب عمر في الناس، فقال:

ألا وإن ناساً يقولون ما الرجم في كتاب الله، وإنما فيه الجَلد، وقد رجم رسول الله ورجمنا بعده ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتُّها كما نزلت به) (ابن كثير، تفسير سورة النور آية 2)

وقال ابن ماجة عن عائشة:

(نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها) (ابن ماجة حديث 1944 ج 1 ص 626- دار إحياء الكتب العربية، دت)

وقد يطعن القارئ في صحة هـذه الأحاديث، خصوصاً حديث عائشة ولكن حتى لو صدقت هـذه الأحاديث، فإنه لو نسي مسلم آيةً أو أكلها داجن، لتذكّرها سائر الصحابة والأنصار ولو أخطأ أحد في اقتباس آية لصحَّحوها له.

 

انتشار الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية

وسيقول لي القارئ المسلم أيضاً إنه خلال هـذه السنوات السبع والعشرين بعد الهجرة انتشر الإسلام في أقطار عديدة، إذ فُتحت سوريا عام 13 هــ، وفي عام 14 بلغت جيوش المسلمين بلاد الفرس، وفُتحت مصر عام 19 (641م) وبلغت الفتوحات عام 25 هــ أرمينيا وكان كثيرون من جنود المسلمين يحفظون القرآن وأسباب نزول آياته وفي نور هـذا كله يستحيل أن يتمكن أحدٌ من تحريف القرآن الذي بلغت كلماته أنحاء الدنيا من مصر إلى فارس، ومن تركيا إلى جزيرة العرب.

 

ولن أختلف مع القارئ المسلم، ولكني أقول له: أنت تقول هـذا لأنك تؤمن بالقرآن، لكنك لا تملك النسخة الأصلية التي دوّنها زيد بن ثابت (بين يديك). ولا يوجد في إيمان المسلم بقرآنه ما يناقض العقل وعندما نتَّجه لبحث تطور الإنجيل، سنجد انطباق القوانين نفسها.

 

أدوار الإنجيل الأولى

قبل أن ندرس كيفية جمع الإنجيل ندرس معنى كلمة (إنجيل) إنها كلمة معرَّبة عن اليونانية (إيفانجليون) وتعني (الخبر المفرح) وقد صارت كلمة (إنجيل) معروفة للعرب أما الخبر المفرح فهو أن المسيح مات مصلوباً ليدبّر وسيلة مغفرة خطايا كل من يؤمن أنه المخلّص المتألم لأجله ونحن نقول إنه (بذل نفسه عنا) و(سفك دمه لأجل فدائنا) وإنه (فصحنا الذي ذُبح لأجلنا) وإنه (حمل الله الذي يرفع خطية العالم) وقد علّم المسيح هـذا ليلة احتفاله بالفصح مع تلاميذه، فقد (وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: (اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، لِأَنَّ هـذَا هـُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا) (متى 26:27 و28) وسنطلق على هـذه الفكرة (العقيدة أ).

 

ونؤمن أن هـذا الفداء ممكن لأن الله الواحد الخالق، الآب والابن والروح القدس، شاء أن الابن، كلمة الله الأزلي، يتجسَّد ليقوم بعمل الفداء ويرتكز إيماننا هـذا على ما قاله المسيح عندما مثل للمحاكمة أمام رئيس الكهنة، فسأله: (أأنت المسيح ابن المبارك؟) فأجاب: (أنا هـو) (مرقس 14:61 و62) فقد دعا نفسه (ابن الله) وسنطلق على هــذه الفكرة (العقيدة ب).

 

ويهمّنا أن نوضح هـنا أن الله تعالى علوا كبيراً على أن تكون له (صاحبة) ونحن نؤمن بقول القرآن في سورة الأنعام 6:101 (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فولادة (ولد) من (صاحبة) كفرٌ عظيم لكننا نؤمن أن المسيح كلمة الله ذو وحدة أزلية مع الآب وكل ما جدَّ عليه هـو اتخاذ جسدٍ إنساني بالميلاد من العذراء.

 

وسأعتبر العقيدة (أ) والعقيدة (ب) (العقيدة الإنجيلية) وفي تأملنا في التطور التاريخي للإنجيل سنتتبَّع النقل الشفاهي لهذه العقيدة الإنجيلية حتى تدوينها كتابةً.

 

وقد نشأ معنى جديد لكلمة (إنجيل) هـو أنه (التسجيل المكتوب لحياة المسيح وموته وقيامته) وقد كان المسيح يعرف القراءة والكتابة ، فقد جاء عنه في لوقا 4:16 (دَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ) ولكن المسيح لم يكتب (الإنجيل) بنفسه، إنما دوَّن قصة حياته على أرضنا أربعة رجال ملهَمين من الروح القدس وهو ما نعرفه ب (الإنجيل حسب البشير متى) أو (الإنجيل حسب البشير لوقا) وبمرور الوقت بدأ المسيحيون يطلقون على هـذه الروايات الأربع للإنجيل: (الأناجيل الأربعة) وهذه التسمية توحي أن لكل واحد من هـؤلاء الأربعة إنجيله، ولكن هـذا ليس صحيحاً، فنحن نؤمن أن المسيح جاءنا بخبر مفرح واحد هـو خلاصنا من خطايانا وهذا هـو الإنجيل الواحد الذي يرويه الأربعة.

 

وهناك تسمية أخرى هـي (العهد الجديد) وهو كتاب يشمل الروايات الأربع للإنجيل الواحد، بالإضافة إلى رسائل النصح والعقائد التي كتبها رُسُل المسيح للجماعات المسيحية المختلفة.

 

والكلمة القرآنية (إنجيل) تعني كتاباً مكتوباً، ولكنها لا تجزم إن كان هـذا الكتاب هـو سيرة المسيح وتعاليمه، أو إن كانت تعاليم رسل المسيح متضمَّنة فيه.

 

ولنرجع إلى السؤال الرئيسي: كيف وصلَنا الإنجيل المكتوب؟ نحن أيضاً نقول إنه أُعطي لنا من عند الله، وقد (كتبه أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس) فإذا سُئلنا: كيف تعرفون هـذا؟ نُجيب أيضاً بأن نوضح كيف تطوَّر الإنجيل تاريخياً.

 

بدء الإنجيل

يؤمن المسيحيون أن المسيح بدأ يعظ بالإنجيل عندما بلغ الثلاثين من العمر، فيقول لوقا 3:23 (وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلَاثِينَ سَنَةً).

 

والمشكلة التي يواجهها المسيحيون في هـذه التواريخ المبكرة تشبه تأريخ المسلمين لأحداث حياة محمد قبل الهجرة، فقد كان المسيحيون مكروهين مضطهَدين لمدة 300 سنة بعد صعود المسيح للسماء، فلم يحتفظ الرومان بسجلات دقيقة لتاريخ المسيحيين غير أن هـناك حادثتين في الإنجيل تعاوناننا على تحديد وقت ميلاد المسيح: أولاهما: أن هـيرودس الكبير كان الملك وقت ميلاد المسيح (متى 2:1) وثانيتهما: أن بيلاطس كان الحاكم عندما بدأ المسيح خدمته العلنية (لوقا 3:1 و23).

 

ويقول التاريخ المدني إن هـيرودس الكبير مات عام 4ق م، وإن حكم بيلاطس بدأ عام 26م فإن كان ميلاد المسيح عام 4ق م قبل موت هـيرودس، وبدء خدمته العلنية وهو في عمر الثلاثين عام 26م في بدء ولاية بيلاطس لأورشليم، نكون محقّين إن قلنا إن المسيح وُلد عام 4 ق م، وبدأ خدمته الجهارية عام 26م أما التقويم الميلادي فقد وُضع عام 550م، ولا بد أن به خطأً قدره أربع سنوات.

 

وأخذ المسيح يتجوَّل في أورشليم يكرز بالإنجيل، فسمعه كثيرون يدعوهم لاتّباعه وقد تبعه بعضهم وبعد بضعة شهور اختار اثني عشر ليدرّبهم تدريباً مكثَّفاً (لوقا 6:13) وندعوهم التلاميذ الاثني عشر، أو الرسل الاثني عشر، لأنه أرسلهم ليعلنوا للبشر جميعاً أخبار الإنجيل السارة ويسمّيهم القرآن (الحواريين) ويتحدث عنهم بتوقير كبير باعتبارهم (أنصار الله) الذين (أوحى) إليهم أن يؤمنوا (سورة آل عمران 3:52 و53 وسورة المائدة 5:110 و111)

 

ولقد ترك هـؤلاء الرجال كل شيء وتبعوا المسيح ترك بعضهم مهنة صيد السمك، وترك متّى وظيفته كجابي ضرائب، ورافقوا المسيح ثلاث سنوات ونصف في كل مكان ذهب إليه، يسمعون مواعظه ويشاهدون معجزاته وقال بابياس (الذي جمع الأحاديث المسيحية وسجَّلها بين عامي 120 و130م): (سجَّل متّى أحاديث المسيح باللغة العِبرية) وأعتقد أن متى جمع أحاديث المسيح أثناء حياة المسيح على الأرض، ولو أنه رتَّبها في صورتها النهائية بعد صعود المسيح للسماء (كما فعل زيد بن ثابت بالقرآن) وكان أولئك الحواريون حاضرين وقت ارتفاع المسيح، فنقرأ في أعمال 1:9 (وَلَمَّا قَالَ (المسيح) هـذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ )

 

وقد كانت أمُّ المسيح وإخوته شهوداً لتعاليم المسيح وأعماله ويمضي سفر الأعمال فيقول: (حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، الَّذِي هـُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ الْغَيُورُ وَيَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ هـؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ قَامَ بُطْرُسُ فِي وَسَطِ التَّلَامِيذِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ مَعاً نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ فَقَالَ.) (أعمال 1:12- 16)

 

من هـذه الرواية نرى أن أحد عشر تلميذاً كانوا موجودين (لأن التلميذ الثاني عشر وهو يهوذا الإسخريوطي الذي خان المسيح كان قد انتحر) كما كان هـناك 120 مؤمناً قوي الإيمان بالمسيح قد تركوا بيوتهم بسبب إيمانهم.

 

شهود آخرون

بالإضافة إلى التلاميذ الاثني عشر كان مئات آخرون قد سمعوا تعاليم المسيح وشاهدوا معجزاته فذات يوم شفى مرضى وأخرج شياطين، واجتمع حوله خمسة آلاف، عدا النساء والأولاد، فأشبعهم من خمس خبزات وسمكتين، وفاضت اثنتا عشرة قفة من الخبز وأقام المسيح ثلاثة أشخاص (على الأقل) من الموت، أوّلهم ابن أرملة في قرية نايين، وثانيتهم فتاة في الثانية عشرة من عمرها، ابنة قائد يهودي كبير، وثالثهم لعازر من أعيان بيت عنيا وقد شهد القرآن لمعجزات المسيح بقوله (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) (سورة آل عمران 3:49)

 

وبناءً على المعلومات الواردة في الإنجيل أجرى المسيح ما بين 900 و1000 معجزة، شاهدها نحو 15 ألف شخص، ولا بد أن نحو 85 ألف آخرين من أهل المرضى الذين نالوا الشفاء عرفوا بالمعجزات وشهدوا قدرة المسيح المعجزية، وهذا يشكل خُمس عدد سكان فلسطين وقتها وهذا يساعدنا لندرك ما حدث بعد ذلك، فبعد صعود المسيح بعشرة أيام كان العيد اليهودي المعروف بيوم الخمسين، وفيه وعَظ التلاميذ (العقيدة الإنجيلية) فقبلها وآمن بها نحو 3000 نفس في يوم واحد ويدوّن سفر الأعمال هـذا الحدث فيقول: (وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ (الرسل) مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الْأَحَدَ عَشَرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ لَهُمْ: ‚(أَيُّهَا الرِّجَالُ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هـذِهِ الْأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللّهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللّهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ هـذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللّهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ اَلَّذِي أَقَامَهُ اللّهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَه الموت) (أعمال 2:1 و14 و22- 24)

 

وواضح من كلام الرسول بطرس أنه كان متأكداً أن سامعيه يعرفون سيرة المسيح ومعجزاته، ولن ينكروا ذلك وعندما انتهى من وعظه سألوه وسائر الرسل: (ماذا نفعل أيها الرجال الإخوة؟) فأجاب: (تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ... فَقَبِلُوا كَلَامَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلَاثَةِ آلَافِ نَفْسٍ) (أعمال 2:38 و41)

 

كان هـذا أول إعلان جهاري للإنجيل العقائدي، بعد صعود المسيح للسماء بعشرة أيام، نحو سنة 30م وقد آمن بالمسيح يومها نحو ثلاثة آلاف نفس.

 

والآن دعنا نثير نفس الأسئلة التي أثرناها بخصوص القرآن: كيف نعرف أن نقل الإنجيل كان صحيحاً بينما لم يكن هـناك إلا 120 مؤمناً يحبون المسيح؟ ربما ضاعت بعض أوراق البردي من مجموعة متّى وهم يسافرون مع المسيح في أنحاء فلسطين وربما التهمت بهيمة شيئاً من مجموعة يوحنا وهم نيام في أحد البيوت كيف نعرف أنه لم يحدث تحريف؟

 

وسنجيب أن تلاميذ المسيح حفظوا كلماته صحيح أن المسيح لم يعطِ أمراً مباشراً بكتابة الإنجيل، ولكن هـناك سببان لاعتقادنا أن التلاميذ حفظوا الإنجيل، أولهما أن اليهود كانوا يحفظون كتبهم بكل تدقيق، وكان التلميذ اليهودي يحفظ تعاليم معلّمه، وتقول المشنا (التلميذ الصالح يشبه الحوض المطلي الذي لا تتسرب منه نقطة واحدة) وثانيهما أن المسيح قال: (وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، وَأَنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟ كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلَامِي وَيَعْمَلُ بِهِ، يُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى بَيْتاً، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الْأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ النَّهْرُ ذلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى الصَّخْرِ وَأَمَّا الَّذِي يَسْمَعُ وَلَا يَعْمَلُ، فَيُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ دُونِ أَسَاسٍ، فَصَدَمَهُ النَّهْرُ فَسَقَطَ حَالاً، وَكَانَ خَرَابُ ذلِكَ الْبَيْتِ عَظِيماً) (لوقا 6:46-49) فإن كنتَ تلميذاً للمسيح فإنك ستحفظ كلماته وتطبّقها على حياتك حتى لا تخرب.

 

ثم نجيب أن تلاميذ المسيح كانوا حاضرين وهو يُلقي تعاليمه وكان المسيح معهم نحو أربع سنوات، آخرها قبل أن يلقي بطرس موعظته بعشرة أيام فلو حدث خطأٌ لصحَّحه المسيح فوراً وعلى ذلك فحتى لو لم تكن معنا مخطوطة متّى الأولى، ولو لم يكن لدينا تسجيل لموعظة بطرس الأولى، فإننا نؤمن أن ما عندنا صحيح هـذا افتراض أساسي.

 

من صعود المسيح إلى أول مخطوطة مكتوبة

في الشهور التالية لصعود المسيح أخذ عدد المسيحيين يزيد وبعد معجزة الشفاء التي أجراها الله باسم المسيح على يدي بطرس ويوحنا (وَكَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلَافٍ) (أعمال 4:4)

 

وقد ألقى اليهود القبض على الرسل، لكن المسيحيين (وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي الْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللّهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلَامِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدّاً فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الْإِيمَانَ). أعمال 5:42 و6:7

 

انتشار المسيحية خارج فلسطين

عندما أعلن بطرس العقيدة الإنجيلية (يوم الخمسين) سمعه يهودٌ من أمم كثيرة (وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ سَاكِنِينَ (مقيمين للاحتفال بالعيد) فِي أُورُشَلِيمَ فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلَامِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ، وَالرُّومَانِيُّونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلَاءُ، كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ) (أعمال 2:5 و9- 11) وقد آمن كثيرون من هـؤلاء لما سمعوا وعظ بطرس وغيره من الرسل ولما عادوا إلى بلادهم في إيران والعراق وتركيا وجزيرة العرب كرزوا في بلادهم لشعوبهم برسالة الإنجيل.

 

وحدث اضطهاد على المسيحيين في فلسطين استُشهِد البعض فيه، وتفرق البعض في اليهودية والسامرة (فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ) وكرز فيلبس المبشر لوزير المالية الحبشي، فحمل معه الإنجيل للحبشة (أعمال 8) واضطهَد شاول (الذي آمن في ما بعد وعُرف باسم بولس) المسيحيين، وسافر إلى دمشق ليلقي القبض عليهم وهذا يعني أن المسيحية قد بلغت سوريا (أعمال 9) وقد وصل المضطَهَدون إلى فينيقية (صور وصيدا) وقبرص ورجال قبرصيون وقيروانيون (من ليبيا) ذهبوا إلى أنطاكية في شمال سوريا (الآن جنوب تركيا) (أعمال 11:19 و20) ويذكر أعمال 11 حدوث مجاعة أيام حكم كلوديوس قيصر (الذي كان حاكماً عام 41 م) فنفترض أن الإنجيل كان قد انتشر في كل هـذه البلاد خلال فترة تتراوح بين 12 إلى 15 سنة وهكذا انتشرت العقيدة الإنجيلية في تركيا واليونان وعندنا ما يثبت أنها وصلت روما عام 49م، ففي تلك السنة بدأ الإمبراطور كلوديوس يضطهد اليهود والمسيحيين، كما كتب المؤرخ سيوتنيوس عام 120م (كان اليهود يُحدِثون اضطرابات مستمرة لأن اسم المسيح كان يُثيرهم، فطردهم كلوديوس من روما) وقدم البشير لوقا الخبر نفسه (فَوَجَدَ (بولس) يَهُودِيّاً اسْمُهُ أَكِيلَا، بُنْطِيَّ الْجِنْسِ، كَانَ قَدْ جَاءَ حَدِيثاً مِنْ إِيطَالِيَا، وَبِرِيسْكِلَّا امْرَأَتَهُ - لِأَنَّ كُلُودِيُوسَ كَانَ قَدْ أَمَرَ أَنْ يَمْضِيَ جَمِيعُ الْيَهُودِ مِنْ رُومِيَةَ فَجَاءَ إِلَيْهِمَا) (أعمال 18:2) (30)

 

وهذا يعني أن كثيرين من الرومان اعتنقوا المسيحية وقتها، وأثار وعظهم غضب اليهود فأثار اليهود الاضطرابات ففي سنة 49م كانت المسيحية قد انتشرت غرباً على الأقل إلى روما، ولا بد أن عددهم بلغ مئات الآلاف.

 

وهناك عبارة أخرى في سفر الأعمال تقدم تاريخاً محدداً: (فَأَقَامَ (بولس) سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ يُعَلِّمُ بَيْنَهُمْ (في كورنثوس) بِكَلِمَةِ اللّهِ وَلَمَّا كَانَ غَالِيُونُ يَتَوَلَّى أَخَائِيَةَ، قَامَ الْيَهُودُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى بُولُسَ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى كُرْسِيِّ الْوِلَايَةِ) (أعمال 18:11 و12)

 

وفي مطلع هـذا القرن اعترض البعض على ما كتبه البشير لوقا، وقالوا إنه لم يكن هـناك حاكم باسم (غاليون) في كورنثوس ولكن اكتُشفت كتابة على حجر في دلفي باليونان، ترجع لعام 52م، تقول (لما كان لوسيوس جونيوس غاليون صديقي حاكماً في أخائية) ومن مراجع أخرى تبيَّن أنه تولى الحكم في أول يوليو (تموز)، ولمدة سنة فيكون المؤرخ المقدس صادقاً، وتكون إقامة بولس في كورنثوس قد تمت عام 52م.

 

وفي عام 55م لما كان بولس في أفسس كتب رسالة لكنيسة كورنثوس (نسميها رسالة كورنثوس الأولى) ويتفق علماء الكتاب المقدس على هـذا التاريخ، ولنفحص في ذلك نصَّين:

(بُولُسُ، الْمَدْعُوُّ رَسُولاً لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللّهِ... إِلَى كَنِيسَةِ اللّهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ... نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ مِنَ اللّهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. أَمِينٌ هـُوَ اللّهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا) (1كورنثوس 1:1 و2 و3 و9)

أما النص الثاني فيقول: (وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ بِالْإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضاً تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلَامٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ إِلَّا إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثاً! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الْأَّوَلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ... وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الْآنَ وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ وَآخِرَ الْكُلِّ... ظَهَرَ لِي) (1كورنثوس 15:1-8)

ومن هـذا نرى أن بولس يؤمن بالعقيدة (أ) أن المسيح مات من أجل خطايانا، وقام من الموت في اليوم الثالث. وهو يؤمن بالعقيدة (ب) أن المسيح ابن الله.

 

وقد وعظ بهذه (العقيدة الإنجيلية) لأهل كورنثوس شفاهاً لما كان بينهم عام 52م ليخلصوا وها هـو يسجل كتابةً في رسالة عام 55م نفس ما وعظ به شفاهاً.

 

والأغلب أن متّى دوَّن أقوال المسيح كتابة أثناء وجود المسيح على أرضنا، لأن لوقا يقول: (كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقَّنة عندنا) (لوقا 1:1) لكن رسالة كورنثوس الأولى هـي أول جزءٍ من (العهد الجديد) يمكن أن نحدّد تاريخ كتابته ويقول بعض علماء الكتاب إن (إنجيل مرقس) و(رسالة يعقوب) كُتبا عام 50م، إلا أن هـذا اجتهاد لا يقدرون أن يبرهنوه ولكننا متأكدون أن بولس سجّل في النصَّين اللذين اقتبسناهما أعلاه (العقيدة الإنجيلية) المتداولة بين الكنائس شفاهاً، فجعل منها (إنجيلاً مكتوباً) ظل متداولاً بلا تغيير حتى يومنا هـذا.

 

Papyrus p46 from 200 A.D. (145 years after the original)

صورة 1

 

ويجد القارئ في الصورة 1 جزءاً من 1كورنثوس 14 و15 من مخطوطةٍ على ورق البردي محفوظة في مكتبة (تشستر بيتي) في دبلن بأيرلندا، يرجع تاريخها إلى عام 200م، وهي النص الأساسي الذي أخذنا ترجماتنا الحديثة عنه.

 

ويواجهنا السؤال ثانيةً: كيف نعرف أن الإنجيل حُفظ سليماً بدون تحريف أثناء سنوات نقله شفاهاً؟ ربما نسي أحدٌ منه شيئاً ربما لم يُقِم المسيح لعازر من الموت، وربما لم يقُل أبداً إنه (القيامة والحياة) ربما لم يصعد المسيح أبداً للسماء.

 

ونجاوب ثانيةً: لا يمكن أن يكون قد حدث تحريف خلال أول 25 سنة بعد صعود المسيح، لأن التلاميذ حفظوا كلامه فإن نسي أحدهم يذكّره زميله كما أن التلاميذ الأقربين للمسيح، وهم يوحنا وبطرس ويعقوب وغيرهم كانوا أحياء، ويمكنهم منع أي تحريف وكان آلاف ممن شاهدوا المعجزات أحياء، فلا يمكن إدخال تحريف على الإنجيل الذي انتشر حتى روما (على الأقل) غرباً وإلى سوريا والعراق شرقاً، ومن تركيا إلى جنوب ليبيا.

 

ونحن نؤمن أن الرسالة إلى كورنثوس صحيحة حتى لو لم تكن النسخة الأولى منها (بين أيدينا) ونؤمن أن ما سجّله لوقا من تاريخ الكنيسة في سفر الأعمال هـو تسجيل صادق، لأن الروح القدس أرشده ليكتبه، كما أن تأريخ المؤرخين الرومان والحفريات يؤيدان تأريخ لوقا.

ب. الجمع الأخير للقرآن والإنجيل


 

القرآن الذي جمعه زيد بن ثابت ولجنته

في القسم السابق رأينا كيف تجهّزت النسخة الأولى من القرآن في عهد الخليفة الأول أبي بكر وكانت هـناك نسخ أخرى من القرآن مع بعض الصحابة، حسب ما سمعوه من محمد، أو بنَسْخه ممن كانت لديه نسخة منه وكان عبد الله بن مسعود واحداً من أشهرهم، وكان خادماً شخصياً للنبي وحضر بدراً وأُحداً، وكان يقول إنه حفظ سبعين سورة من فم النبي مباشرة، ويقول الحديث إنه كان من أول من علّموا الناس تلاوة القرآن ومعروف أن مصحف ابن مسعود كان يختلف في ترتيب سوره، ولم يكن يحتوي على (المعوَّذتين) (سورتي الفلق والناس).

 

وكان هـناك مصحف آخر مع أُبيّ بن كعب، وهو أنصاري كان كاتب محمد في المدينة وكان مصحف أُبيّ يحتوي على سورتين غير موجودتين في مصحف عثمان هـما سورتا (الخلع والحفد) وآية عن طمع الإنسان أوردها بعد آية 24 من سورة يونس وكان مصحف أُبيّ مستخدَماً في سوريا قبل ظهور مصحف عثمان وكان أُبيّ أحد مساعدي زيد في تجهيز مصحف عثمان.

 

وبالإضافة إلى ابن مسعود وأُبيّ، يذكر التاريخ الإسلامي والحديث وجود مصحف علي بن أبي طالب مرتباً حسب ترتيب نزول الآيات، فكان يبدأ بسورة العلق (رقمها 96) ويذكر السيوطي في (الإتقان) مصحف ابن عباس الذي كان يحتوي على سورتي الخلع والحفد، كما يذكر مصحف أبي موسى المستعمل في البصرة والذي كان يحتوي على سورتي الخلع والحفد والآية التي تتحدث عن طمع الإنسان (راجع المصاحف للسِّجستاني، باب اختلاف المصاحف).

 

جاء في صحيح البخاري (جزء 6 ص 226 طبعة دار الشعب بالقاهرة، وفي (كتاب المصاحف) للسجستاني طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1985، وفي مقدمة تفسير الطبري، طبعة دار الفكر، بيروت 1984 ص 26) أن حذيفة بن اليمان قدِم على عثمان بن عفان، وكان يغزو مع أهل العراق قبل أرمينية وأذربيجان في غزوهم ذلك الفوج ممن اجتمع من أهل العراق وأهل الشام، ويتنازعون في القرآن حتى سمع حذيفة من اختلافهم ما ذعره.

فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هـذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في الكتب وقال: غزوت أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة أُبيّ بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق، فتكفّرهم أهل العراق وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فتكفّرهم أهل الشام).

ثم يقول البخاري: (فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان،فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هـشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلغة قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به فذاك زمان حُرقت المصاحف بالعراق بالنار).

وجاء في صحيح البخاري (جزء 6 ص 226):

(قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت قال: فقدتُ آيةً من الأحزاب حين نسخنا المصحف، فقد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه (سورة الأحزاب 23) فألحقناها في سورتها بالمصحف).

والآن وقد رأينا أسلوب زيد بن ثابت في جمع سور القرآن، تعالوا نر كيف جُمع الإنجيل، وسنركز على إنجيل لوقا لأننا نملك معلومات أوفر على أسلوبه في الجمع.
 

تسجيل أحداث الإنجيل

خلال السنوات السبع والعشرين بعد صعود المسيح كان الرسل يبنون مواعظهم على: (أ) النبوات التي وردت عن السيد المسيح في توراة موسى ومزامير داود وكتابات سائر أنبياء اليهود، ثم: (ب) شهادات الرسل الذين قالوا بتحقيق تلك النبوات.

 

وبمرور الوقت أرشد الروح القدس البشيرين الأربعة ليسجلوا كتابةً أحداث حياة المسيح وتعاليمه ولكنهم لم يسجلوا تاريخ عملهم (كما هـو الأمر مع القرآن) ولذلك لا نعلم بالتحديد متى بدأوا كتابتها ولقد ذكرنا بابياس الذي جمع الأحاديث المسيحية، وقال إن البشير متّى كان أول من سجّل أقوال المسيح، وإن البشير مرقس سجّل ما قاله له الرسول بطرس، وإن البشير لوقا كان رفيق الرسول بولس، وإن البشير يوحنا كتب بشارته في أفسس بعد أن تقدّم به العمر.

 

ويعاوننا التاريخ المسيحي بتقديم تواريخ تقريبية للكتابة ويذكر المؤرخ الروماني تاسيتوس المسيحيين في مجال كتابته عن حريق روما أثناء حكم الامبراطور نيرون عام 64م فيقول:

(لا تقدر كل النجدة التي يقدمها الإنسان، وكل العطايا التي يسبغها الحاكم، وكل الأضاحي المقدَّمة للآلهة أن تنجي نيرون من العار الذي لصق به نتيجة أمره بإحراق روما ولكي يُسكِت الإشاعة اتَّهم باطلاً وعاقب بعذابات شديدة الجماعة المعروفة بالمسيحيين المكروهين بسبب جرائمهم المنكرة والمسيح الذي يحمل المسيحيون اسمه كان قد قُتل في عهد بيلاطس البنطي، والي اليهودية أثناء حكم طيباريوس ولكن خرافته انتشرت من جديد، ليس في اليهودية وحدها حيث نشأ هـذا الشر، بل وفي روما أيضاً) (31)

ومن كتابة تاسيتوس يتضح أن الرومان صدّقوا أن المسيح مات في عهد بيلاطس كما يقول الإنجيل، كما يتضح الاضطهاد القاسي الذي حلّ بالمسيحيين ويقول التقليد المسيحي إن الرسولين بطرس وبولس قُتلا في هـذا الاضطهاد ولما لم يذكر البشير لوقا خبر موتهما في نهاية سفر الأعمال، فقد قال بعض علماء المسيحية إن سفر الأعمال لا بد كُتب قبل حدوث ذلك الاضطهاد، أثناء السنتين اللتين قضاهما لوقا مع بولس في روما ولو صدق هـذا فإن سفر الأعمال يكون قد كُتب عام 62 أو 63م، وتكون بشارة لوقا قد كُتبت نحو عام 60م أثناء انتظار لوقا محاكمة بولس في فلسطين.

 

كفاءة لوقا كجامع للمعلومات

يقول الرسول بولس عن لوقا إنه (الطبيب الحبيب) (كولوسي 4:14) فهذه الشهادة، بالإضافة إلى الأسلوب الراقي لكتابة لوقا باليونانية، يعلنان عن درجة ثقافة لوقا العالية وقد صحب لوقا بولسَ في مناسبتين على الأقل: مرة لفترة قصيرة من ترواس في تركيا إلى فيلبي في اليونان (أعمال 16:10-40) ومرة ثانية لعدة سنوات سافر خلالها مع الرسول بولس من فيلبي إلى أورشليم، وانتظر مع بولس سنتين مدة سجنه في أورشليم، ثم قضى معه سنتين أخريين أثناء سجنه في روما (أعمال 20:6-28:31) وأثناء وجود لوقا مع بولس في فلسطين سنحت له الفرصة أن يلتقي بكثيرين ممن عرفوا المسيح، مثل يعقوب (أخي الرب) غير الشقيق ويصف لوقا هـذا اللقاء بالقول: (وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايِخِ) (أعمال 21:18) ولقد كان يعقوب هـذا يعلم كل شيء عن ميلاد المسيح العذراوي، وكيف عمل مع يوسف في النجارة وينفرد لوقا بذكر المناقشة التي دارت بين المسيح وشيوخ اليهود في أورشليم لما كان المسيح في الثانية عشرة من العمر (لوقا 2:41-50) وهي حقيقة يسهل عليه أن يعرفها من يعقوب هـذا.

 

ونقرأ في 1كورنثوس 15:7 أن المسيح بعد قيامته ظهر ليعقوب، ولا بد أن لوقا سأل يعقوب عن هـذا الظهور وما قاله المسيح له أثناءه.

 

وبالإضافة إلى شهادة يعقوب، فربما كانت العذراء مريم حية، ويكون أن لوقا سألها شخصياً عن الميلاد العذراوي، لأنه الوحيد الذي أورد كلمات الملاك جبرائيل لها: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللّهِ) (لوقا 1:35 و36)

ولا بد أن لوقا سأل مئات الأشخاص الذين رأوا معجزات المسيح، أثناء إقامته مدة السنتين اللتين كان بولس فيهما مسجوناً في فلسطين ولا بد أنه التقى ببعض (الخمسمئة أخ) الذين ظهر المسيح لهم بعد قيامته، دفعةً واحدة (1 كورنثوس 15:6)

 

كما أن البشير لوقا كان يعرف البشير مرقس لأنهما كانا مع بولس في وقت واحد ويقول بولس في نهاية رسالته إلى كنيسة كولوسي: (يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ الْمَأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ابْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا... يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ). كولوسي 4:10 و14

 

ولقد رأينا في حديث بابياس أن البشير مرقس كتب بشارته عن فم بطرس وبمقارنة بشارتي مرقس ولوقا نكتشف أن لوقا لا بد قد اطّلع على بشارة مرقس واتَّخذها كأحد مراجعه وربما حصل على بشارة مرقس من كاتبها مباشرة أثناء سجن بولس وكل هـذه شواهدٌ تبرهن أن لوقا تحقَّق من كل ما حصل عليه من معرفة بأقوال المسيح وأعماله من شهود عدول، كما فعل زيد بن ثابت ورفاقه في تحقيق صحّة آيات القرآن

أسلوب لوقا في جمع مادة بشارته.

 

وما حدث مع القرآن حدث مع الإنجيل، فقد جمع كثيرون أقوال المسيح وأعماله وهذا ما يقوله البشير لوقا في فاتحة بشارته: (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الْأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ) (لوقا 1:1-4)

 

يبدأ لوقا بالقول إن كثيرين جمعوا أقوال المسيح ووصفوا معجزاته، كما سمعوها من معاينيها ومن خدّام الكلمة و(الكلمة) هـنا تشير إلى المسيح (كلمة الله) ويقول لوقا إنه تتبَّع كل شيء بالتدقيق (على فم شاهدين على الأقل كما تأمر التثنية 19:15 في عدد الشهود) ثم سجَّل أخباره المفرحة لحاكم اسمه (ثاوفيلس) والآن دعونا نلقِ نظرة سريعة على سائر البشائر:

 

بشارة مرقس

كان مرقس أحد سكان أورشليم، ولا بد عرف بطرس وسائر الرسل منذ حداثته ثم كان مع بطرس في روما، لأن بطرس يقول: (تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ (الكنيسة) الَّتِي فِي بَابِلَ (روما) الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي) (1بطرس 5:13) وهذه الآية تؤكد وجود مرقس مع بطرس واستقاءه الحقائق منه وربما روى بطرس البشارة بالأرامية وكتبها مرقس (ككاتبٍ له) باليونانية، ويقول العارفون بالأرامية واليونانية:

(توجد أدلة غير قليلة في بشارة مرقس على أن المادة الأصلية كانت أولاً بالأرامية، لأن لغة البشارة اليونانية، في بعض الأماكن، تحتفظ بوضوح بالتعبيرات الأرامية) (ف ف بروس في كتابه (وثائق العهد الجديد، هـل هـي صحيحة؟)) (32)

ويقول التقليد المسيحي إن بطرس استُشهد أثناء اضطهاد الإمبراطور نيرون للمسيحيين، والذي بدأ عام 64م ويقترح د بوكاي أن مرقس ربما سجّل ما حفظته ذاكرته بعد موت بطرس، وذلك عام 70م ولكن لما كان الأغلب أن لوقا كتب بشارته عام 60م، وقد اتَّخذ من بشارة مرقس مرجعاً له، فإن معظم علماء الكتاب المقدس المحافظين، مع آباء الكنيسة الأوَّلين (أمثال أوريجانوس وإيرينيموس وأكليمندس الإسكندري) يعتقدون أن مرقس كتب بشارته عام 50م

 

وكما سنرى، فإن اختيار د بوكاي لعام 70م موعداً لكتابة بشارة مرقس لا يعتمد على دليل من داخل البشارة أو من خارجها، ولكنه يتبع (افتراضاً أساسياً) قام عليه (نقد الصيغة اللغوية) الذي يفترض عدم وجود معجزات ولا وحي.

 

بشارة متّى

لا نعرف تاريخاً محدداً لكتابة بشارة متّى وكما سنرى، فإن الرسائل والكتابات المسيحية الأولى التي لدينا قد اقتبست منها ويقول بابياس إن متّى كان أول من سجّل تعاليم المسيح.

 

ولقد كان متى جابي ضرائب، استجاب لدعوة المسيح له ليتبعه وكانت وظيفته تتطلّب في حاملها أن يعرف اللاتينية والأرامية ليسجل الضرائب المطلوبة، وربما يعرف اليونانية، لغة التجارة في وقته وهذا يعني أنه يملك الإمكانيات التي تؤهّله لتسجيل أقوال المسيح وقال بابياس إنه سجل تعاليم المسيح باللغة العبرية (الأرامية).

 

ولقد تبع متّى المسيح من بلد لآخر يصغي إلى تعاليمه ويسجلها، دون أن يحدد تاريخ إلقاء تلك التعاليم (كما لم يسجل أحدٌ تاريخ نزول آيات القرآن) وتسجيل التاريخ لا يعنينا كثيراً، فليس مهمّاً أن نعرف أين ومتى قال المسيح (فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هـُوَ كَامِلٌ) (متى 5:48)

 

ثم جاء شخصٌ آخر فعل ما فعله لوقا، وجمع مجموعته من أعمال المسيح وأقواله، فأخذ من بشارة مرقس المنقولة عن بطرس، ثم ترجم ما كتبه متّى إلى اليونانية، وأضاف إليه ما أخذه عن مرقس وكان أشهر ما قدَّمه (الموعظة على الجبل) (متى 5-7) التي يتحدث المسيح فيها عن الصلاة والصوم والطلاق والزنا بالقلب، وغير ذلك من المواقف الروحية القلبية، مع أصعب ما أمر المسيح به، وهو قوله: (أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ) (متى 5:44 و45) ولقد نفَّذ المسيح هـذا الأمر لما صلى من أجل أعدائه الذين صلبوه وقال: (يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ) (لوقا 23:34)

وواضح من الأمر (لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات) أنه يتحدث عن بنوية روحية معنوية، لا جسدية حرفية.

 

وتنفرد بشارة متّى بذكر بعض أحداث حياة المسيح، كزيارة الحكماء الذين جاءوا من المشرق، وسجدوا للمسيح الطفل في المذود، وذلك لأن متى كتب بشارته لليهود الذين يعرفون النبوات التي جاءت في توراتهم عن قدوم حكماء وسجودهم للمسيح، في سفر إشعياء 60:3

 

بشارة يوحنا

يُقال إن يوحنا كتب بشارته في مرحلة متأخرة من عمره بين عامي 90 و95م، ولكن لا توجد في بشارته أية إشارة إلى تاريخ كتابتها وقد بدأ علماء الكتاب أخيراً يُرجِعون زمن كتابتها إلى تاريخ مبكر عن ذلك وقال وليم أُلبرايت (وهو من أشهر رجال الحفريات) في كتابه (اكتشافات حديثة في بلاد الكتاب المقدس): (يمكن أن نقول بتأكيد إنه لا يوجد أساس قوي لتأريخ كتابة أي سفر من العهد الجديد بعد عام 80م) (33)

 

لماذا وضع د بوكاي هـذه التواريخ؟

 

اقتبس د بوكاي كتابات بعض علماء العهد الجديد، واختار التواريخ التالية للبشارات الأربع: متّى: 80م مرقس: 70م لوقا: 70-90م يوحنا: في التسعينات وتلاحظ أن كل هـذه التواريخ جاءت بعد عام 70م لماذا؟ لأن أورشليم أُخرِبت عام 70م، ويسجل متى ومرقس ولوقا نبوَّة المسيح بخرابها وخراب هـيكلها يسجل مرقس: (وَفِيمَا هـُوَ (المسيح) خَارِجٌ مِنَ الْهَيْكَلِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ: (يَا مُعَلِّمُ، انْظُرْ مَا هـذِهِ الْحِجَارَةُ وَهذِهِ الْأَبْنِيَةُ؟) فَأَجَابَ يَسُوعُ: (أَتَنْظُرُ هـذِهِ الْأَبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ؟ لَا يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لَا يُنْقَضُ) (مرقس 13:1 و2)

 

وقد اقتبس د بوكاي أقوال علماء العهد الجديد الذين يؤمنون بنظرية الوثائق ونقد الصيغة الأدبية، اللذين درسناهما في فصلي 2 و3 من هـذا الجزء وعرف أن أصحاب هـاتين الفكرتين لا يؤمنون بالوحي ولا بالمعجزات ولذلك وضعوا تاريخ كتابة البشائر بعد عام 70م فتكون أورشليم قد أُخرِبت قبل الكتابة، مما ينفي أن البشائر حملت النبوات المسبَّقة بخراب أورشليم!

 

ذكرنا أن البشائر لا تسجل تاريخ كتابتها، فربما كُتبت في السنوات العشر الأولى بعد موت المسيح، وقد قال د جون روبنسون في كتابه (إعادة تأريخ العهد الجديد) الذي نشره في لندن عام 1976 إن كل كتب العهد الجديد كُتبت قبل عام 70م (34)

 

وقد أعطانا د بوكاي رسماً بيانياً (ص 97) يبرهن أن للبشر يداً في تحريف الكتاب المقدس ويقدم الرسم البياني التالي جمع مادة البشائر كما وصفنا في هـذه الصفحات:

 

Diagram 1--The Collection of the Gospel

 رسم بياني - 1 جمع البشائر (قريباًً سنضيفه باللغة العربية)

 

واضح من هـذا الرسم أني أوافق على تأريخ د بوكاي وحتى لو اتفقنا مع تواريخه، فإن كل علماء العهد الجديد يؤمنون أن كثيراً من أسفار العهد الجديد كُتبت بين سنة 52 و70م، كما يتفقون أن عام 95م شهد كتابة العهد الجديد كله، ويتفقون أن كل من كتبوا العهد الجديد كانوا مؤمنين ب (العقيدة الإنجيلية) وأضع التنبير على التاريخ 52-70م لأنه يشكل مدة 26-44 سنة بعد بدء خدمة المسيح العلنية ونحن نذكر أن عثمان أرسل مصحفه للآفاق نحو عام 26 هـ، أي بعد نحو 40 سنة من بداية دعوة محمد لقومه وفي هـذه نرى التشابه بين تأريخ العهد الجديد وتأريخ القرآن.

 

ويواجهنا السؤال مرة أخرى: (ولكن كيف تعرف؟)

 

ونجاوب: نؤمن أن التلاميذ كانوا أبراراً صالحين يريدون معرفة الحق السماوي وأن يطيعوه ويقول القرآن إنه أُوحي إليهم، وإنهم أنصار الله كما نؤمن أنه كان هـناك شهود عيان كثيرون لمعجزات المسيح وتعاليمه، يمكنهم أن يشهدوا للحق ويُزهِقون الباطل ونؤمن أن الروح القدس أرشدهم وألهمهم ليكتبوا الصواب صحيح أننا لا نملك النسخة الأصلية، ولكننا نؤمن أن بين أيدينا كتاب الله: التوراة والإنجيل.

 

احتياطات عثمان لحفظ وحدة نصوص القرآن

ذكرنا في هـذا القسم بعض الأحاديث عن كيفية جمع القرآن بإشراف زيد بن ثابت، والتي ورد في أحدها: (حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به فذاك زمان حُرقت المصاحف بالعراق بالنار)

 

لقد قرر عثمان ألا يكون هـناك اختلاف في القرآن، فأحرق كل النسخ ما عدا نسخة زيد أحرق نسختي علي وأُبيّ بن كعب وروى السِّجستاني أن بعض العراقيين طلبوا من ابن أُبي أن يريهم مصحف أبيه، فقال لهم إن عثمان (قبضه) وقد أمر عثمانُ ابنَ مسعود في العراق أن يحرق نسخته، ولكن ابن مسعود رفض ذلك ولا بد أنها أُبيدت بعد موته ولو أن عثمان لم يحرق المصاحف لبقيت أربع نسخ (أو أكثر) تشهد لصحّة القرآن، فهي شهادة شاهدِي عيان وسامعين بالآذان لما قاله محمد ولقد رأينا أن التوراة تطلب شاهدَين، ولكن عثمان لم يُبقِ إلا على شاهد واحد

وإني أسأل القارئ المسلم: على أي أساس تبرهن لنفسك (ودعْكَ من بَرْهَنة ذلك للمسيحيين) أنه لم يحدث تحريف لفظي لنصوص القرآن؟ وما هـو رأي د بوكاي في ما فعله عثمان؟ يكتب بوكاي في كتابه (الرجل) (ص 163) جملة صاغها بتدقيق: (نعلم أن الإسلام انتشر بسرعة كبيرة بعد موت محمد إلى مناطق بعيدة عن منشئه، بين أقوام لم تكن أغلبيتها تعرف العربية، فاتَّخذوا بعض الاحتياطات الخاصة حتى لا يعاني النص القرآني من هـذا التوسع)

 

ولو أن أحد المسيحيين كتب عبارة كهذه، أما كان د بوكاي يتَّهمه بالدفاع البهلواني وإخفاء الحقائق وخداع المؤمنين!

 

ويدين د بوكاي المسيحيين بقسوة ويتهمهم ب ( استبعاد لكثيرٍ من المؤلفات وربما كان ما حُذف مائة إنجيل) (ص 99) ولو أنه لا يقدم برهاناً على ما يقول ومعروف أنه لم تكن لدى المسيحيين الأولين أية سلطة سياسية حتى تولى قسطنطين الحكم عام 324م فلم يكن بإمكانهم أن يستبعدوا مؤلفات أو يحذفوا مئة إنجيل! صحيح أن بعض الكتب المقدسة المسيحية أُحرقت، ولكن هـذا كان تنفيذاً لأوامر غير المسيحيين، ففي عام 303م أمر الإمبراطور الوثني دقلديانوس بإحراق كتب المسيحيين القانونية والأبوكريفية، ولكن الكنيسة لم تفعل هـذا.

 

وفي عام 393م انعقد سنودس (مجلس كنسي أعلى) في هـِبو بشمال أفريقيا، أقرَّ قائمة بأسماء الكتب القانونية التي اعتبرها مكتوبة بإشراف الرسل ولما كنا نعلم أن المخطوطتين الفاتيكانية والسينائية قد كُتبتا قبل اجتماع هـذه السنودس ب 40-50 سنة، وكلاهما تحتويان على 27 سفراً، ندرك أن المسيحيين الأولين قد قبلوا هـذه الأسفار السبعة والعشرين نتيجة مناقشة حرة، في وقت لم تكن الكنيسة تملك فيه أية قوة سياسية تفرض رأيها!

 

وكان يجب على د بوكاي أن يذكر هـذا، خصوصاً وأنه أغفل ما فعله عثمان ومع ذلك فهو يقول: (ولا نستطيع إلا أن نأسف مع الأب بومار على اختفاء كمٍّ ضخمٍ من الكتب التي اعتبرَتها الكنيسة مزوَّرة) (ص 100) ومع ذلك فهو لا يأسف على إحراق عثمان نسخ المصاحف الأصلية، ولا يتكرم حتى بذكر ذلك، ويكتفي بذكر (احتياطات عثمان الخاصة)! لقد قال المسيح: (وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ... وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ!) (متى 7:3 و4) إن ما ينتقد به د بوكاي الكتاب المقدس قشَّة بالنسبة لما فعله عثمان بنُسخ القرآن التي كانت بيد كبار الصحابة.

 

ونضيف أن العدد الوفير من (الأناجيل والرسائل) التي ذكرها د بوكاي (وسنشير إلى بعضها في قسم (د)) تورد كلها (العقيدة الإنجيلية) باستثناء إنجيل برنابا، الإنجيل المزيف الذي يناقض القرآن والأناجيل الصحيحة (انظر كتابنا (إنجيل برنابا إنجيل مزيف) لعوض سمعان)

مصير نسخة القرآن الأولى والفريدة.

 

ولكن ماذا كان مصير النسخة الأولى من القرآن التي جُمعت بأمر أبي بكر، والتي أعادها عثمان إلى حفصة بعد أن وعدها بذلك؟ يقول السجستاني: (أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان (حاكم المدينة) كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كُتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها قال سالم:

فلما تُوفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر (شقيق حفصة) ليرسلنَّ إليه بتلك الصحف فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشُققت فقال مروان: إنما فعلتُ هـذا لأن ما فيها قد كُتب وحُفظ بالمصحف، فخشيتُ إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هـذه الصحف مرتاب، أو يقول إنه قد كان شيء منها لم يُكتَب) (ص 32)

وبتدمير مصحف حفصة ومصحف ابن مسعود بالكوفة تكون مصادر القرآن الأساسية قد ضاعت، بدون الاحتفاظ بنسخ منها ولكن في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ويُطلق عليها (فترة الاجتهاد) كان علماء الإسلام يفضّلون قراءة على قراءة أخرى من قراءات الصحابة ولكن الأصوليين لم يقبلوا هـذا، حتى أن العالِم البغدادي المشهور (ابن شَنَبُوذ) (245-328 هـ) أُجبر أن ينكر علناً قراءاته من النسخ القديمة إذ يروي الطبري في تاريخه (ج11 ص 291 دار المعارف، القاهرة، دت) أن الوزير ابن مقلة أحضر ابن شنبوذ في شهر صفر عام 323 هـ وقال له: (بلغني أنك تقرأ حروفاً في القرآن بخلاف ما في المصحف، وكان ذلك بحضرة ابن مجاهد وأهل القرآن فاعترف بقراءة ما عُزي إليه من الحروف، ومنها (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ ... فَامضوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (سورة الجمعة آية 62:9 ، وهي في المصحف الحالي (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله)) وأغلظ ابن شنبوذ للوزير والجماعة، ونصر ما عُزي إليه ثم استُتيب عن قراءة الحروف، فتاب منها).

 

وإن كان د بوكاي يكرر أن المسيحيين غيّروا وحرَّفوا إنجيلهم، فماذا يقول في ما عمله عثمان ولجنته وما عمله مروان؟ ألم يغيّروا في القرآن ما شاءوا أن يغيروا؟ وهذا عين ما قالته حميدة بنت أبي أويس، قالت: (قرأ عليَّ أبي وهو ابن ثمانين في مصحف عائشة (إن الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمَنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً، وعلى الذين يصلّون في الصفوف الأولى) وذلك قبل أن يغيّر عثمان المصحف) (القرآن المجيد، دروزة، ص 58).

 

لقد قدمنا رسماً بيانياً (رقم 1) عن جمع البشائر، وسنفعل الشيء نفسه مع القرآن في الرسم البياني (رقم 2) لنشرح مصادر ونقل القرآن كما كشفته لنا الأحاديث المذكورة أعلاه.

 

Diagram 2--The Collection of the Quran

رسم بياني 2 - جمع القرآن (قريباًً سنضيفه باللغة العربية)

 

وكان يمكن أن يكون هـذا الرسم البياني أكثر تعقيداً لو أضفنا مصحف أبي موسى الأشعري الذي كان مستخدماً في البصرة ولكن ما قدمناه  يرينا التشابه بين جمع الإنجيل وجمع القرآن.

 

ونعود نوجّه السؤال: كيف تعرف إن كان القرآن الذي بين يديك الآن يماثل تماماً القرآن الذي نزل على محمد؟

 

خاتمة

بالرغم من إحراق عثمان للمصاحف يؤمن المسلمون أن لا اختلاف يُذكر قد جرى لعقائد القرآن الأساسية فكيف يقول أحدٌ إن تغييراً قد حدث للعقائد الإنجيلية الأساسية؟

 

وإن كان القرآن الذي جاء بعد الإنجيل بستمئة سنة يختلف مع الإنجيل، فعلى المسلمين أن يجدوا حلاً آخر للمشكلة غير اتهام الإنجيل بالتحريف لقد افترضوا أساساً أن الإنجيل تحرف، دون أن يقدموا برهاناً واحداً على ذلك.

 

ويتفق المسيحيون مع المسلمين على ما جاء في سورة يونس 64 (لا تبديل لكلمات الله).

ج. قراءات مختلفة في القرآن والكتاب المقدس


 

قراءات مختلفة في القرآن

بالرغم من المجهود الهائل في منع القراءات المختلفة، إلا أن اختلافاً كبيراً منها ظهر، أحصى ابن مسعود منه أكثر من 1700 اختلافاً.

  1. فهناك اختلافات نتجت عن خطإ غير مقصود (طبعاً) من النسّاخ.

  2. وقد يكتب أحدهم ملاحظة على الهامش، فيُدخِلها أحد النسّاخ بعد ذلك في النص.

  3. وهناك اختلافات بسبب سماح محمد بقراءة القرآن على سبعة أحرف.

وإليك بعض الاختلافات في قراءة سورة الفاتحة:

 

في الآية 3 (مَالِكِ يومِ الدّين) قُرئت (ملك يوم الدين) وقرأ أبو حنيفة (مَلَكَ يومَ الدّين) وقرأ أبو هـريرة (مالكَ).

 

في الآية 5 (إيّاك) قُرئت (إياك) (بتخفيف الياء) و(أَيّاك) و(هَيّاك).

 

في الآية 6 (اهدِنا الصراط) قرأ عبد الله (أَرشِدنا) والصراط تُكتب بالصاد وبالسين و(صراط الذين أنعمتَ عليهم) قرأ ابن مسعود (من أنعمت).

 

في الآية 7 (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قرأ عمر وعلي (وغير الضالين).

 

وفي آخر سورة الفاتحة (آمين) قال أبو حنيفة إن الواجب عدم الجهر بها، لأنها ليست من القرآن.

 

Sura 24:34-36 from a Qur'an from 150 A.H. without Vowels and without Dots to differentiate the Letters.

صورة 2

أيات من القرآن 24: 34-36 سنة 150 هـ من غير تنقيط

  1. وهناك اختلاف في القراءات نشأ عن أن تنقيط كلمات القرآن جاء بعد نحو 150 سنة من كتابته قال السِّجستاني في كتابه (المصاحف) إن (الحسن وابن سيرين كانا يكرهان نقط المصحف، وإن الحسن ومحمد كانا يكرهان نقط المصحف بالنحو) (ص 158 و159) ولك أن تتخيل كيف يمكن تمييز حرف الباء بدون تنقيطها هـل هـي تاء، أم ثاء، أم نون، أم ياء، أم باء؟ وكذلك الأمر في الجيم والحاء والخاء، والدال والذال، والراء والزاي، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، والعين والغين، والفاء والقاف! والصورة رقم 2 التي تراها هـي لآيات من سورة النور، من مصحف يرجع تاريخ كتابته إلى نحو عام 150 هـ، محفوظ بالمتحف البريطاني بلندن، وأظنها أقدم نسخة معروفة للقرآن.

وإليك السطر السابع من الصورة كما تجده في المصحف أعلاه:

 

بعد وضع النقط:

 

بعد وضع النقط والتشكيل:

 

تقول الآية 35 من سورة النور 24: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ) فكيف نعرف المقصود من الفعل المبني للمجهول (يوقَد) بدون تنقيط؟ إن بدأ بالياء، يكون عائداً على الكوكب وإن بدأ بالتاء يكون عائداً على الزجاجة!

 

صحيح أن أكثر من 99% من القراءات المختلفة (بسبب غياب التنقيط والتشكيل) لا تؤثر في المعنى لكن لنتأمل آية 60 من سورة المائدة 5: (قُلْ هـَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) يبدو من القراءة السطحية أن الفاعل للفعل (عَبَدَ) هـو الله ولكن من المستحيل أن يعبد اللهُ الصنمَ المعروف بالطاغوت! وهناك 19 قراءة مختلفة لهذه الآية: سبع منها لابن مسعود، وأربع لأُبيّ بن كعب، وست لابن عباس، وواحدة لعُبيد بن عُمير، وواحدة لأنَس بن مالك وإليك قراءات ابن مسعود السبع لهذه الآية:

 

ومَن عَبَدوا الطاغوتَ

وعَبَدةَ الطاغوتِ

وعُبَدَ الطاغوتُ

وَعَبُدَ الطاغوتُ

وَعُبُدَ الطاغوتِ

وعُبِدَتِ الطاغوتُ

عُبَّدَ الطاغوتَ

 

في هـذه القراءات جُعل الفعل في صيغة الجمع ليكون المعنى أن القردة والخنازير هـم الذين عبدوا الطاغوت وجُعل الفعل في صيغة المبني للمجهول ليُعبَد الطاغوتُ من قِبَل القردة والخنازير وجعل (عبد) اسماً ليكون المعنى أن القردة والخنازير من عَبَدَةِ الطاغوتِ.

 

وتأكيداً لهذا نجد عائشة تجيب عند سؤالها عن لحن القرآن (إن هـذان لساحران) (سورة طه 63) وعن قوله (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) (سورة النساء 162) وعن قوله  (إن الذين آمنوا والذين هـادوا والصابئون والنصارى) (سورة المائدة 69) قالت: (يا ابن أختي، هـذا من عمل الكتّاب، أخطأوا في الكتاب) (السجستاني (كتاب المصاحف) ص43).

 

فإذا استعرتُ لغة د بوكاي في ص 100 من كتابه لقلتُ:

 

(ولا نستطيع إلا أن نأسف على اختفاء كمٍّ ضخمٍ من المصاحف التي اعتبرها عثمان مزوَّرة فدمّرها، فقد كان لها أهمية تاريخية ولو أن تلك المصاحف بقيت بقراءاتها المختلفة لاستطعنا بسهولة أن نجلو صعوبة قراءة (عبد الطاغوت).

 

خاتمة

وبعد كل ما ذكرناه، لنرجع إلى سؤالنا: كيف تعرف أنه لم يحدث تحريف في القرآن خلال 163 سنة، بين نزول أول الوحي وأقدم مخطوطة لمصحف معروف لدينا؟ ماذا عن اختلاف القراءات؟ كيف تعرف أَيَّها نزلت على محمد؟

 

وسيكون الجواب إن هـذه الاختلافات تافهة، وإن زيد بن ثابت ولجنته كانوا أمناء لا يقصدون أي تحريف، وإن عدم تنقيط حروف القرآن وتشكيلها يرجع إلى حفظ القرآن في صدور الرجال، وإنه في عام 150 هـ كان هـناك أحياء سمعوا عن حياة محمد وتعاليمه، وتلقّوا القرآن مباشرة من آبائهم وممن عرفوا محمداً وصحابته معرفة شخصية ولهذا فلا يمكن أن تكون قد حدثت تغييرات تؤثر على المعنى أو تحرّف العقيدة القرآنية وهذا ما يقرره الأستاذ حميد الله (مترجم القرآن للفرنسية) فيقول: (لقد جمعتُ الاختلافات ودرستُها بعناية، فوجدتُ أن أيّاً منها لا يؤثر على المعنى العام، الذي نُقل لنا بأمانة).

 

أما وقد بلغنا هـذه النتيجة بخصوص القرآن، فلندرس ما هـو معروف باختلاف قراءات الإنجيل.

 

اختلافات في قراءات الإنجيل

كما أن للقرآن قراءات مختلفة، كذلك الحال مع الإنجيل وقد خصَّص د بروس متزجر (أستاذ لغة العهد الجديد وآدابه في كلية لاهوت برنستون) فصلاً من كتابه (نص العهد الجديد) (33) شرح فيه أسباب تلك القراءات المختلفة، ومنها:

 

1. اختلافات بسبب أخطاء الكتَبة والنسَّاخ:

أ. اختلاف من عين الناسخ: فالحروف اليونانية (سيجما) و(إبسيلون) و(ثيتا) و(أوميكرون) متشابهة، فكانت عين الناسخ تخطئ فتكتب إحداها بدل الأخرى وطبعاً لو جاء حرف مكان آخر تغيّرت القراءة.

 

وكان سطر يسقط أحياناً، لأن سطرين متتاليين ينتهيان بنفس الكلمة، فتقفز عين الناسخ من السطر الأول إلى السطر التالي له، ويسقط أحدهما والقارئ اللبيب يدرك إمكانية حدوث هـذا، لأننا لا زلنا نقع فيه ونحن ننقل (مثلاً) اقتباساً من كتاب.

 

ب. اختلاف من أُذُن الناسخ: أحياناً كان ناسخٌ يملي وسائر النسّاخ يكتبون فكانت أذن أحدهم تخلط بين كلمتين متقاربتين، فيكتب إحداهما بدل الأخرى.

 

اختلاف يرجع إلى أن الناسخ يحفظ جملة، فيكتبها بدل الجملة الصحيحة، لأنه لا ينقل، بل يكتب من الذاكرة.

 

ولا تشكّل هـذه الأخطاء خطورة، ويمكن التغلّب عليها بمقارنة المخطوطات ببعضها.

 

2. اختلافات بسبب دخول كلمات من هـامش المخطوطة القديمة إلى متن المخطوطة الجديدة:

يحتوي هـامش المخطوطة القديمة عادةً على تعليقات من قارئها ليوضّح لنفسه كلمة صعبة، كما قد يضيف ملاحظات تعينه على معرفة فقرة معينة فكان الناسخ يُضيف الهامش التوضيحي إلى النص الأصلي ومثال ذلك ما نجده في خاتمة إنجيل لوقا، إذ تُختم المخطوطة القديمة بالقول (وكانوا (التلاميذ) كل حين في الهيكل يباركون الله) وكانت إضافة على الهامش تقول (يسبحون) فأدخل الناسخ يسبحون مع يباركون، فجاءنا النص (وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله).

 

3. اختلافات بسبب إضافة:

ومثال لذلك أن ناسخاً كتب كلمات المسيح في متى 9:13 (لأني لم آتِ لأدعو أبراراً بل خطاة) فظنها ناقصة، وأضاف إليها (إلى التوبة) لأنها هـكذا جاءت في لوقا 5:32

وفي رومية 13:9 ذكر الرسول بولس أربعاً من الوصايا العشر، فأضاف الناسخ وصية خامسة من ذاكرته (لا تشهد بالزور)

 

Codex Vaticanus from 350 A.D., showing John 8:46 to 9:14, including the healing of a man born blind.

صورة 3

المخطوطة الفاتيكانية سنة 350 م يوحنا 8: 46 الى 9: 14

أمانة النسّاخ

وكما رأينا مع القرآن، فإن ترك النسّاخ للفقرات الصعبة في المتن دليل واضح على أمانتهم ودقّتهم في عملهم ولولا تقواهم لغيّروا ما بدا لهم أنه يسبب المشاكل وهناك دليل على أمانة الناسخ في المخطوطة الفاتيكانية (وترجع لعام 350م)، فقد كان لكل أجزاء الرسائل البولُسية أرقام، وُضعت يوم كانت رسالة العبرانيين موجودة بين رسالتي غلاطية وأفسس ثم نُقلت رسالة العبرانيين إلى مكانها الحالي (بين رسالتي فليمون ويعقوب) ووضع ناسخ الفاتيكانية رسالة العبرانيين في مكانها الجديد، ولكنه أبقى الترقيم القديم، كما وجده في النسخة التي نقل عنها، رغم معرفته أن الترقيم يجب أن يتغيّر بسبب تغيير مكان رسالة العبرانيين ومن الغريب أن المخطوطة الفاتيكانية هـي المخطوطة الوحيدة التي هـاجمها د بوكاي في كتابه، فقال:

(إن صحة أي نص، حتى أكثر النصوص احتراماً، قابلة دائماً للنقاش إن المخطوطة المعروفة باسم Codex Vaticanus تعطي مثالاً على ذلك فطبعتها المطابقة للأصل التي أعادتها الفاتيكان عام 1965 تحتوي على تنبيه من محرريها يخبرنا أنه بعد مرور قرون عدة على النسخة حبَّر أحد النسّاخ كل الحروف، ما عدا التي رأى أنها خطأ وهناك عبارات من النص ما زالت فيه الحروف الأولى، وهي بُنّية اللون، تُرى بشكل واضح، وتصرّ على البقاء وتتباين مع بقية النص الذي كُتب بحبر بني غامق ولا شيء يسمح بتأكيد أن ترميم النص كان أميناً) (ص 101)

أما متزجر، الذي قضى عمره يدرس المخطوطات، وكتب كتاباً عن هـذا الموضوع، فإنه يذكر تحبير النسخة الفاتيكانية، ولكنه يصل إلى نتيجة تخالف النتيجة التي وصل إليها د بوكاي، فيقول:

(يعتبر علماء كثيرون النص الذي تحتويه النسخة الفاتيكانية مماثلاً بطريقة ممتازة لنصوص العهد الجديد الإسكندرية والنسخة الفاتيكانية هـي أثمن مخطوطات الكتاب المقدس باللغة اليونانية)

ومع أن د بوكاي يقول (لا شيء يسمح بتأكيد أن ترميم النص كان أميناً) إلا أنه لا يقدم دليلاً واحداً على اتهامه هـذا، ولا مثالاً واحداً عن خطإ في الترميم، ولا أعطانا النسبة المئوية للخطأ! لكنه اكتفى بأن يفترض أن الترميم لم يكن أميناً  تاركاً لغيره مسئولية إيجاد البرهان على الاتهام!

 

فإذا نظرنا ملياً إلى الصورة رقم 3 سنجد آثار الحروف الأولى التي تمَّ ترميمها، وهذا يعني أننا نملك الأصل كما نملك الترميم ولو أن القارئ يعرف اللغة اليونانية لاكتشف بنفسه صدق ما نقول.

 

والمشكلة أن هـجوم د بوكاي على الكتاب المقدس يمكن أن يوجَّه إلى كل وثيقة ، بما في ذلك القرآن الذي ترى صورته (رقم 2) (فصحَّة أي نص، حتى أكثر النصوص احتراماً، قابلة دوماً للنقاش) فليُثبِت لنا د بوكاي إذاً أن هـذه النسخة الأولى الكاملة من القرآن هـي نسخة صحيحة وحتى يفعل ذلك سنظل نؤكد أن النسخة الفاتيكانية (صورة 3) صحيحة تماماً، كما يؤكد كل مسلم مخلص أن صورة 2 للقرآن صحيحة تماماً.

 

مزيد من البراهين على أن النساخ نسخوا الأسماء والكلمات غير العادية بدقّة وأمانة

نقل النُّساخ أسماء البلاد والملوك، عِبرية وأجنبية، بأمانة ودقة كاملتين، برغم موت أولئك الملوك ودمار تلك البلاد قبل النسخ بمئات السنين ويعترف د بوكاي بهذا فيقول (اسم رمسيس لم يُحفظ إلا في التوراة وفي بعض الكتب اليونانية واللاتينية التي شوّهت الاسم قليلاً أو كثيراً أما التوراة فقد احتفظت بمنتهى الدقة باسم رمسيس، وهي تذكره أربع مرات في أسفار موسى الخمسة) (ص 262)

 

وإليك مثالاً آخر: في 1صموئيل 13:21 الذي كان يُترجَم (عندما كلّت حدود (كلمة حدود في اللغة العبرية هـي pim) السكك والمناجل والمثلّثات والأسنان والفؤوس) ولم تكن كلمة (حدود) pim العِبرية معروفة وقتها، فخمَّن المترجمون معناها من القرينة وبعد وقت اكتشف رجال الحفريات قطعة عملة مكتوب عليها pim وهي تساوي ثُلثي مثقال، فأُعيدت ترجمة النص في نور المعرفة الجديدة ليصبح (وكانت كلفة التحديد ثلثي مثقال للسكك والمناجل، وثلث مثقال للفؤوس)

 

وواضح أن كلمة pim ليست هـامة، ولا تؤثر في العقيدة بشيء، ولكن النسّاخ نقلوها بأمانة مدة ألفي سنة (1000 ق م إلى 1000م) دون أن يعرفوا معناها بالتحديد ولا شك أن القارئ أدرك أن الاختلافات في القراءة (في التوراة والإنجيل والقرآن) ليست هـامة ولا أساسية، ولا تؤثر بالمرة على جوهر الرسالة فما الفرق بين يباركون الله، أو يسبحون الله، أو يسبحون ويباركون الله؟ (لوقا 24:53) وما الفرق بين أن المسيح غسلنا من خطايانا أو حررنا من خطايانا؟ إن (العقيدة الإنجيلية) في الحالتين باقية لم تتأثر!

 

ويوجد اليوم أكثر من 5300 مخطوطة قديمة من العهد الجديد أو أجزاء منه باليونانية فقط، فلا غرابة أن تكون هـناك آلاف الاختلافات التافهة في القراءات وهناك كتيب عنوانه (خمسون ألف خطإ في الكتاب المقدس) وهو محض هـراء، كما لو قلنا إن بالقرآن خمسة آلاف خطإ فقد استخدم المؤلف كلمة (خطإ) بدل تعبير (اختلاف قراءات) ولم يخبر القارئ أن هـذه الاختلافات تم إصلاحها بمقارنة المخطوطات وقد ارتكب د بوكاي الخطأ نفسه في قوله: (بهذا تتَّضح ضخامة ما أضافه الإنسان إلى العهد القديم وبهذا أيضاً يتبيَّن القارئ التحوّلات التي أصابت نص العهد القديم الأول من نقلٍ إلى نقلٍ آخر، ومن ترجمة إلى ترجمة أخرى، بكل ما ينجم حتماً عن ذلك من تصحيحات جاءت على أكثر من ألفي عام) (ص 19)

 

ولكننا لا نتعامل مع ألفي عام، فإن الإنجيل الذي بين أيدينا مترجم من نُسخٍ تمَّ نسخها في القرون 2-4م، فنحن لا نترجم ما كتبه ناسخ قام بالنسخ في القرن التاسع مثلاً، بل نترجم من الفاتيكانية (350م) ومن برديات تعود إلى عام 200م

 

وقد قضى العالِمان وستكوت، وهورت 28 عاماً (1853-1881) (36) يجهّزان نسخة يونانية للعهد الجديد من أقدم النسخ المعروفة لهما، فوجدا 60 فقرة (سبعة منها في الأناجيل الأربعة) اعتبرا أن فيها أخطاء بدائية (الخطأ البدائي معناه الاختلاف مع نسخة أقدم) فما أبعد الفرق بين هـذا وبين الاتهام بوجود 50 ألف خطإ!

 

ومنذ 1881 اكتُشفت مخطوطات وبرديات، برهنت أن اعتماد وستكوت وهورت صحَّة الأصل كان في محله.

 

وقال محررو الترجمة الإنكليزية المنقَّحة (عام 1946):

(واضح للقارئ المدقق أنه في عام 1946 كما في عامي 1881 و1901 لم تتأثر أية عقيدة مسيحية بتنقيح الترجمات، لسبب بسيط هـو أن آلافاً من اختلاف القراءات في المخطوطات لم يتطلّب تنقيح العقيدة المسيحية)

ولخَّص متزجر عام 1968 الحالة الحاضرة بقوله:

(من المتَّفَق عليه أن محرري النسخة الإسكندرية كانوا علماء أكفاء مدرَّبين في التقليد العلمي الإسكندري وقد أيَّدت المخطوطتان السينائية والفاتيكانية (وتعودان إلى منتصف القرن الرابع الميلادي) صحة النص الإسكندري وباكتشاف البردية p (انظر صورتها رقم 9 في الجزء التاسع من هـذا الكتاب فصل 4) وبردية  p  (انظر صورتها رقم 5 في هـذا الفصل) وترجعان إلى أواخر القرن الثاني الميلادي وأوائل القرن الثالث تَبَرْهَن أن هـذا النص يعود إلى نسخة أقدم ترجع إلى بدء القرن الثاني)

وهذا يعني أن المخطوطة تعود إلى 170 سنة بعد صعود المسيح، وإلى 110-120 سنة بعد كتابة بشارة يوحنا في ذلك الوقت كان هـناك مسيحيون أحياء سمعوا (العقيدة الإنجيلية) من آبائهم، ومن رجال عرفوا الرسل معرفة شخصية.

 

وهذا برهان هـام يؤيد اعتقادنا أن النص الذي بين أيدينا اليوم هـو النص الذي أعطاه لنا رسل المسيح.

 

خاتمة

هناك براهين كثيرة من الحديث ومن مفسري القرآن تبرهن وجود اختلافات متنوعة في قراءات مصاحف الصحابة، مما يناقض القول إن المصحف الحالي نسخة ضوئية من الأصل ولكن اختلاف القراءات هـذا لا يزعج أحداً، فلم يحدث تحريف ولا تغيير في رسالة محمد.

 

ولا يمكن أن يقول أحد إن الإنجيل الذي بين أيدينا اليوم هـو صورة ضوئية من الإنجيل الأصلي ولكن اختلاف قراءاته لا يغيّر شيئاً من رسالة المسيح الأصلية.

د. مقارنة الصراع والنزاع في أوائل العهد المسيحي بالصراع والنزاع في أوائل العهد الإسلامي


 

ركّز د بوكاي في الفصل الثاني من كتابه على الصراع الداخلي في الجماعة المسيحية الناشئة، ليبيّن تأثير هـذا النزاع على صحّة الرسالة الإنجيلية ويمكن أن نلخّص ما قاله في ما يلي:

  1. كان هـناك نزاع بين فريق اتّبع عقيدة بولس، وفريق اتّبع عقيدة (اليهود المتنصّرين) بقيادة الرسولين بطرس ويوحنا ومعهما يعقوب أخي يسوع.

  2. كُتب كثير من أسفار العهد الجديد كنتيجة لهذا الصراع.

  3. خسر فريق (اليهود المتنصرين) في النزاع وأُطلق على كتبهم اسم (الأبوكريفا) فقاومتها الكنيسة وخُبّئت.

ويعلّق د بوكاي على هـذه النقاط الثلاث بقوله:

 

1. (بين اللحظة التي غادر المسيح فيها هـذه الأرض (30م) وحتى منتصف القرن الثاني (150م) كانت هـناك معركة بين اتجاهين: بين ما يمكن تسميته بالمسيحية البولُسية وبين يهودية المتنصّرين ولم يحلّ الاتجاه الأول محل الثاني إلا بشكل شديد التدرّج لكن يهودية المتنصرين كانت تمثّل حتى عام 70م غالبية الكنيسة، وكان بولس منعزلاً وكان رئيس الجماعة يعقوب قريب يسوع وكان معه في البداية بطرس ويوحنا ويمكن اعتبار يعقوب كعمود اليهود المتنصرين الذي ظل عن إرادة ملتزماً بخط اليهودية أمام المسيحية البولسية.

 

وإذا كان بولس أكثر وجوه المسيحية موضعاً للنقاش، وإذا كان قد اعتُبر خائناً لفكر المسيح، كما وصفته بذلك أسرة المسيح والحواريين الذين بقوا بأورشليم حول يعقوب، فذلك لأنه قد كوَّن المسيحية على حساب هـؤلاء الذين جمعهم المسيح من حوله لنشر تعاليمه) (ص71-73)

 

وكل من يقرأ ما كتبه د بوكاي بغير وعي سيظن أن الإنجيل الأصلي قد أُخفي في هـذا الصراع، ليظهر عليه تعليم بولس الذي خان المسيح!

 

ويقول د بوكاي في نقطته الثانية إن أسفاراً كثيرة من العهد الجديد تمت كتابتها كنتيجة لهذا النزاع، فيقول:

 

2. (فيما يخص الأناجيل، فليست هـناك مجازفة كبيرة في أنه لولا جوّ الصراع بين الطوائف التي وُلدت بسبب انشقاق بولس، لما حصلنا على الكتابات التي في حوزتنا اليوم إن هـذه (الكتابات الخصامية) (كما يصفها الأب كانينجيسر) قد ظهرت في فترة صراع حاد بين الطائفتين، وانبعثت من حشد كتابات عن المسيح) (ص 73)

 

ثم يتقدم د بوكاي إلى نقطته الثالثة فيقول:

 

(ففي هـذا العصر شكلت المسيحية البولُسية بعد نصرها النهائي مجموعة نصوصها الرسمية (أي القانون) الذي يستبعد كل الوثائق الأخرى التي لم تكن توافق الخط الذي اختارته الكنيسة) (ص 74)

 

وصحيح أن بعض أسفار العهد الجديد تحمل آثار نزاعٍ عقائدي، ولكن يجب أن نثير سؤالين:

 

هل صحيح ما يقوله د بوكاي إن ذلك الصراع كان بين الرسول بولس وباقي رسل المسيح؟

هل يثبت هـذا النزاع أن أسفار العهد الجديد لم تُكتَب بوحي الروح القدس؟

هل اختلف بطرس ويوحنا ويعقوب مع الرسول بولس في مسائل أساسية؟

 

يعلن العهد الجديد أن هـؤلاء الرسل كانوا أصدقاء، على اتفاق تام في العقيدة:

 

أ. يقول الرسول بولس: (ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضاً إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا... صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلَانٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الْإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الْأُمَمِ... لِئَلَّا أَكُونَ أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا (بطرس) وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ... غَيْرَ أَنْ نَذْكُرَ الْفُقَرَاءَ وَهذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ) (غلاطية 2: 1 و2 و9 و10)

 

ب. نقرأ عن رحلة بولس الأخيرة إلى أورشليم في أعمال 21:17-20 قبل موته بنحو خمس سنوات: (وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا الْإِخْوَةُ بِفَرَحٍ وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايِخِ فَبَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئاً فَشَيْئاً بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ اللّهُ بَيْنَ الْأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ فَلَمَّا سَمِعُوا كَانُوا يُمَجِّدُونَ الرَّبَّ)

 

ج. ثم نقرأ في الرسالة الثانية لبطرس الرسول: (وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلَاصاً، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا الْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضاً بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَهُ، كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضاً، مُتَكَلِّماً فِيهَا عَنْ هـذِهِ الْأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضاً، لِهَلَاكِ أَنْفُسِهِمْ) (2بطرس 3:15 و16)

 

ويظهَر من هـذه الآيات أن بولس سافر إلى أورشليم ليرى إن كانت تعاليمه مطابقةً لتعاليم بطرس ويوحنا ويعقوب، كما يظهَر أيضاً أنه كان على علاقة طيبة بيعقوب حتى نهاية حياته، ويسمّي الرسول بطرس رسائل بولس (كتباً) مقدسة.

 

ونقرأ في غلاطية 2:11-16 عن مواجهة بين بولس وبطرس، وبَّخ فيها بولس زميله بطرس غير أن ما كتبه بطرس بعد ذلك يُظهِر أن هـذا الاختلاف كان اختلافاً موضوعياً، وحُسم.

 

فلماذا يتغافل د بوكايّ هـذه الآيات؟ لو أني أخفيتُ بعض آيات القرآن أثناء نقاش، ألا يكون هـذه إساءةً للحق وإخفاءً للبراهين؟ كأني أقول إنه كان هـناك خلاف بين أبي بكر وعمر وعثمان، رغم أن السُّنة تقول خلاف ذلك!

 

نعم كانت هـناك منازعة، ولكنها كانت بين بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب في جانب، والجماعة (اليهود المتنصرين) في الجانب الآخر

تأثير هـذا النزاع على العهد الجديد.

 

نجد في سفر أعمال الرسل ورسائل بولس ثلاثة مستويات للنزاع:

 

أ. نزاعاً بين بولس وعابدي الوثن فقد اعتنق وثنيون كثيرون المسيحية نتيجة وعظ بولس، فتحوّلوا (من الأوثان الميتة ليعبدوا الله الحي) وتوقَّفوا عن شراء الأصنام الفضية والذهبية، فغضب الصياغ لأن مكسبهم تهدّد، وأجبروا بولس أن يترك البلد (أعمال 19)

 

ب. نزاعاً بين الرسل واليهود الذين رفضوا الإيمان بالمسيح ويفيدنا أعمال 12 أن يعقوب شقيق يوحنا قُتل بالسيف، وأن بطرس أُلقي في السجن ونقرأ في أعمال 14:19 (ثُمَّ أَتَى يَهُودٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَقْنَعُوا الْجُمُوعَ، فَرَجَمُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ)

 

ج. نزاعاً بين بطرس ويوحنا وبولس من جانب واليهود المتنصرين من جانب آخر وهذا ما يتحدث عنه د بوكاي وإن المرء يسأل نفسه: من هـو اليهودي المتنصّر؟ ألم يكن بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب يهوداً تبعوا المسيح فصاروا مسيحيين؟ فما هـو الفرق بينهم وبين اليهود المتنصّرين؟

 

إيمان اليهود المتنصّرين

كانوا يؤمنون ب (العقيدة الإنجيلية) ولكن د بوكاي يشير إلى دراسات الكاردينال دانيلو في (اليهود المتنصرين) مرات عديدة، ويقول في ص 37 :

(إن المسيحية التي كانت أولاً يهودية مسيحية والتي درسها جيداً كتّاب محدثون مثل الكاردينال دانيلو، قد تلقَّت بشكل طبيعي جداً ميراث العهد القديم الذي ارتبطت به وثيقاً كتب الأناجيل، وذلك قبل أن يجري عليها التحوُّل الذي حدث بتأثير بولس)

وفي ص 71 يقول:

(إنه (دانيلو) يضع خطوط تاريخ المسيحية ويسمح لنا بتحديد ظهور الأناجيل، وذلك في سياق يختلف تماماً عن ذلك الذي تقول به المعلومات الموجَّهة لعامة الجمهور)

وتوحي كتابة د بوكاي للقارئ أن الكاردينال دانيلو قد وجد في كتابات اليهود المتنصرين عقيدة مخالفة للعقيدة المسيحية ولكن الذي يقرأ كتابات دانيلو يكتشف أن ما وصل إليه من نتائج يختلف عمّا يقوله د بوكاي يقول دانيلو في كتابه الفرنسي (لاهوت اليهودية المسيحية) (37) الذي يعالج كل وثيقة تم اكتشافها حتى عام 1964:

(كان هـدف كتابنا هـذا أن نفحص كل وثيقة وصلتنا من اليهود المتنصرين زمن المسيحية الأولى لنرسم صورة للاهوت اليهودي المسيحي (ص 405) ويهتم هـذا اللاهوت بالتاريخ الكوني، من بدء الكون حتى سماء الله الأبدية ويدور محوره حول ما لا يمكن قياسه من أحداث التجسّد، وحلول المسيح في جسد بشري، وكيف أخفى هـذا مجد المسيح) (ص 405)

ولهذا فإن الفداء أمر كوني، فقد امتد عمل الكلمة (المسيح) إلى كل منطقة في الكون الروحي، من (الهاوية) (شئول) إلى السماء السابعة، ولمس كل مخلوق والصليب هـو المحور المزدوج للكون، فقد مدَّ ذراعيه ليوحّد كل أمم الناس، ورفع رأسه لتتَّصل السماء والأرض) (ص 407)

 

وهنا، ومبكراً جداً، وفي بعض الأحيان إلى ما وراء العهد الجديد (يقصد ما قبل الإنجيل المكتوب) نجد وجود المسيح الإلهي السابق، الابن والكلمة ونجد الشخص الإلهي: الروح القدس ونجد الميلاد العذراوي ونجد عقيدة الكنيسة المكوَّنة من المؤمنين من كل الأمم هـذه وأمور أخرى لا تترك مجالاً للشك أن كل مظاهر الإيمان المسيحي بكل تعبيراته كانت وقتها كما هـو اليوم) (ص 408)

 

ومن هـذا نرى أن الكاردينال دانيلو يؤكد أن اليهود المتنصرين كانوا مشتركين في (العقيدة الإنجيلية) عن الله والمسيح مع الرسول بولس، بل إن دانيلو يقتبس أقوال الرسول بولس في عشرة أماكن من كتابه (على الأقل) ليشرح عقائد اليهود المتنصرين.

 

الخلاف بين الرسل واليهود المتنصّرين

إن لم يكن النزاع بسبب الاختلاف حول الإيمان بالمسيح كمخلّص، فلماذا الاختلاف إذاً؟ يفيدنا العهد الجديد أن النزاع بدأ لما آمن بعض الوثنيين بالمسيح، فثار سؤال: هـل يُطلب منهم، علاوة على الإيمان بالمسيح المخلّص أن يُختَتنوا ويمارسوا مطالب الشريعة اليهودية؟ هـل يُطلب من الوثني أن يتهوَّد ليكمل إيمانه المسيحي؟

 

قال بولس: لقد دفع المسيح بكفارته دَيْن كل خاطئ يؤمن به، كهدية مجانية من نعمة المسيح وهذا يكفي.

 

وقال اليهود المتنصّرون: صحيح أن كفارة المسيح تسدّد دَيْن الخطية، ولكن المرء يجب أن يطيع الشريعة الموسوية.

 

ويصف أعمال 15:1 تعليمهم بالقول: (وَانْحَدَرَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ الْإِخْوَةَ أَنَّهُ (إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى، لَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا).

 

وبسبب هـذا النزاع سافر بولس وبرنابا إلى أورشليم ليناقشوا الأمر مع باقي الرسل، وقال بطرس في تلك المناقشة (لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللّهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلَامِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلَا نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟ لكِنْ بِنِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنْ نَخْلُصَ كَمَا أُولَئِكَ أَيْضاً) (أعمال 15:10 و11) ويمكن أن نشرح كلمات بطرس هـذه بقولنا: (نحن كيهود لا نَخْلُص لمجرّد أننا يهود، لكننا نخلص بقبول المسيح فنصبح مسيحيين فليس لازماً للوثني قبل أن يصير مسيحياً أن يمارس فروض الديانة اليهودية) وقد وصل المجمع المسيحي إلى هـذه النتيجة، وقرر عدم وجود داعٍ لختان الوثني الذي يريد اعتناق المسيحية وتجد المناقشة كاملة في رسالة بولس لكنيسة غلاطية وفي سفر أعمال الرسل 10-15 وفيها ترى التوافق الكامل بين بطرس ويعقوب وبولس وقد رفض بعض (اليهود المتنصّرين) قرار اجتماع أورشليم، واعتبروا بولس مسئولاً عن القرار الذي اتُّفِق عليه، واضطهدوه لذلك كثيراً.

 

الإسلام والوحي السابق له

يبدو أن العلاقة بين الإسلام والوحي السابق له لم تكن موضوع دراسة المسلمين الأوَّلين، ولا أعرف سبباً لذلك فمن البديهي أن يسأل المرء: إن لم يكن القرآن قد نسخ أوامر التوراة والإنجيل، فهل تلك الأوامر تظل مُلزمة للمسلم؟ ومثال لذلك الأمر بختان الصبي في اليوم الثامن لمولده، كما أمر الله إبرهيم: (أَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ.. يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ... فَيَكُونُ عَلَامَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ) (تكوين 17:9-12)

 

ويقول القرآن إنه دين إبرهيم، ولكن المسلمين يختنون أولادهم عادة في ما بين الشهر الثالث والسادس من عمرهم، وهذا يخالف وصية الختان في اليوم الثامن.

 

ولنفترض جدلاً أن هـناك فريقين إسلاميَّين يتحاوران، يقول أحدهما: (يجب أن يتم الختان في اليوم الثامن كما أمر الله إبرهيم) بينما يقول الآخر (لم يعد هـذا مُلزماً) هـكذا كان النزاع المسيحي أول الأمر، ولو أنه كان أكثر جوهرية في:

(هل نخلص بمجهودنا في تنفيذ شريعة موسى؟) أم أننا (نخلص فقط بنعمة الله ورحمته، بعد أن سدد المسيح كل شيء عنّا على الصليب؟)

كتب الأبوكريفا

ثم نعالج اعتراض د بوكاي الثالث بخصوص المخطوطات المرفوضة، المعروفة بالأبوكريفا، وهي كلمة أصلها يوناني apokryphos وتعني (المخبّأ) ويدّعي د بوكاي أن تسمية هـذه الوثائق بالأبوكريفا يرجع إلى أن الكنيسة (خبّأتها) ويقول:

 

(كان هـناك تداول كثير من الكتابات عن المسيح، غير أنه لم يُعتدّ بها ككتابات جديرة بصفة الصحّة، كما أوصت الكنيسة بإخفائها ومن هـنا جاء اسم الأناجيل المزورة (أبوكريفا) (ص 99)

 

ولقد صدَق د بوكاي في أن (أبوكريفا) معناها (المخبَّأ) ولكنه لم يوضح ما يقصده بمعنى الكلمة المستخدَم ففي ذلك الزمن استخدمها الغنوسيون (أي: العارفون بالله) اسماً لكتاباتهم في القرنين الأول والثاني الميلادي، فكتاب (أبوكريفا يوحنا) معناه (أسرار يوحنا) وادّعى الغنوسيون أنهم يملكون معلومات سرية لا يعرفها غيرهم، واعتقدوا أن خلاصهم يجيء من المعرفة التي أعلنها لهم (العارف) (وهو عادة السيد المسيح) بالإضافة إلى (عارفين آخرين).

 

ويختلف الغنوسيون عن المسيحيين والمسلمين في أنهم يسخرون في كتاباتهم من (الله الخالق) لأنه أعمى، لا يدرك أن هـناك إلهاً روحاً أطهر أعلى منه ففي (أبوكريفا يوحنا) يوصف الله الخالق بأنه (ضعيف، غير تقي في جنونه، لأنه يقول: أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلي (إشارة إلى إشعياء 46:9) لأنه جاهل بقوته وبالمكان الذي جاء منه) (من مخطوطة نجع حمادي رقم 2 ص 11 سطور 18-22).

 

وفي القرن الرابع الميلادي أُطلقت الكلمة على الكتب التي لا تُقرأ علناً في الكنائس، ويتحدث المؤرخ الكنسي يوسابيوس عن (الكتب الأبوكريفية السرية ككتب مزوَّرة كتبها مبتدعون كفَرة) (عن الموسوعة البريطانية طبعة 15 عام 1982 ج 2 ص 973).

 

ومن هـذا نرى لا شيء يؤيد قول د بوكاي إن الكتب سُميت (أبوكريفا) لأن الكنيسة خبّأتها.

 

أمثلة من كتابات أبوكريفية يهودية مسيحية

من المفيد أن نذكر أن رفض الكنيسة لهذه الكتب لا يعني أنها تتَّفق مع العقيدة الإسلامية لقد رفضت الكنيسة (إنجيل بطرس الأبوكريفي،مع أنه يقول إن المسيح هـو كلمة الله الإلهي الذي مات على الصليب من أجل خطايانا رفضته لأنه أولاً لم يكن من كتابة الرسول بطرس، ورفضته ثانياً لأنه ينكر أن المسيح إنسان كامل، وأنه لم يشعر بألم وهو على الصليب وقال دانيلو عن (إنجيل بطرس) إن هـدفه هـو أن يعلن بقوة الجانب الإلهي في شخص المسيح ولسنا نظن أن مسلماً يرضى بهذا.

 

وهناك سفر أبوكريفي اسمه (أعمال بولس) يتفق مع العقيدة الإنجيلية في أن المسيح مات لأجل خطايانا، ولكنه يقول لقارئه (لا نصيب لك في القيامة إلا إذا كنت غير متزوج، لتحفظ جسدك من الدنس) ومعناه رفض الصلة الجنسية حتى بين المتزوجين وقد رفضت الكنيسة هـذا السفر لأنه يعارض تعليم المسيح، كما يتعارض مع ما ورد برسائل رسل المسيح وقد فُصل كاتبه من مكانه القيادي في الكنيسة بعد أن اعترف أنه زوَّر هـذا الكتاب علماً بأن منع الصلة الجنسية بين الزوجين كانت من تعاليم بعض اليهود المتنصرين، كما تجدها في (إنجيل توما) و(إنجيل المصريين).

 

وأذكر أخيراً (رسالة برنابا) اليهودية المسيحية، والتي كُتبت عام 120م، ونالت احتراماً كبيراً بين المسيحيين في القرنين الثاني والثالث بسبب تعاليمها الصحيحة عن المسيح، ولكنها رُفضت لأنها أولاً لم تكن من كتابة برنابا، وثانياً لأنها تقول إن شريعة موسى من وحي شيطان (38)، الأمر الذي يناقض أقوال المسيح وأقوال القرآن.

 

ويصحّ هـذا على كل الكتابات الأبوكريفية التي تحدث عنها دانيلو وأشار إليها د بوكاي فكلها تتحدث عن المسيح الرب المخلّص، ولكن الكنيسة رفضتها لوجود عقائد خاطئة بها، ولأن رسل المسيح لم يكتبوها.

 

أحاديث ضعيفة

ويواجه المسلمون مشكلة مشابهة في الأحاديث الضعيفة، وقد رأينا في القسم 2 فصل 2 أن البخاري اختار 2762 حديثاً صحيحاً من أصل 600 ألف حديث متداول وعند إعلان ضعف حديث، يقول المسلم إنه لم يأت من محمد ولا من أحد من الصحابة قد يكون نص الحديث سليماً عقائدياً، ولكن المسلمين يرفضونه بسبب الشك في إسناده وهذا ما فعله المسيحيون مع الكتب الأبوكريفية، فصارت غير قانونية.

 

خاتمة

لقد درسنا نقاط د بوكاي الثلاث، ووجدناها غير صحيحة إن النزاع الذي حدث في الكنيسة في القرن الأول لم يحدّ من فاعلية الروح القدس في إلهام الرسل، فهو الإله القادر، خالق السماوات والأرض فمن يقدر أن يبدّل أو يحرّف كلماته؟

 

هذا علاوة على أن كلام د بوكاي يناقض القرآن الذي يقول في سورة الصف 61:14 (وتعود إلى عام 3 هـ): (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) وقد رأينا في سورة الحديد 27 (وتعود لعام 8 هـ) أن مؤمنين مسيحيين صالحين كانوا موجودين وقت بدء الرهبانية عام 300م، بعد اختفاء (اليهودية المسيحية) بزمن طويل فبحسب القرآن لا يمكن أن تكون المسيحية التي انتصرت وانتشرت قد نالها التحريف بسبب الاختلافات والمنازعات العقائدية.

 

نزاع أثناء نزول القرآن

لو أننا أخذنا جدّياً فكرة أن النزاع يؤثر على الوحي، فإن هـذا يجعلنا نتساءل: ألم يكن هـناك نزاع بين المسلمين والمكيين أثناء وحي القرآن؟ ألم يكن هـناك صراع بين المسلمين واليهود؟ ألم يكن هـناك نزاع بين محمد والمنافقين ومُدَّعي النبوّة؟ نعم كان! لقد ذكر القرآن موقعة بدر بقوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة آل عمران 3:123) وفي السورة نفسها (آيات 140-180) يوبخ المؤمنين ويشجعهم بسبب ما جرى في موقعة أُحد ولقد رأينا في القسم 2 فصل 1 أربعين شاهداً تتحدث عن النزاع بين المسلمين واليهود، أحدها من العهد المكي المتأخر، في سورة الأنعام 6:124 (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ).

 

أما النزاع الذي جرى بين محمد والمنافقين فيشبه صراع المسيحيين الأوَّلين مع اليهود المتنصرين، ومنهم مسيلمة الذي قاد سفارة من قبيلته لتلتقي بمحمد عام 9 هـ وأعلنوا إسلامهم وفي العام التالي ادَّعى مسيلمة النبوة، وأخذ يحاكي القرآن وقدَّم لنا أبو الفرج هـذا النموذج:

لقد انعم الله على الحبلى ، اخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشى

بل إنه كتب لمحمد يقول: (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله) فردّ عليه محمد بالقول (إلى مسيلمة الكذاب) ومع ذلك فقد ظل نفوذ مسيلمة يزيد، ولم يتوقف نفوذه إلا بعد أن قتله خالد بن الوليد عام 11 هـ (بعد موت محمد بسنة واحدة).