الخلقة الجديدة للإنسان
في الإيمان المسيحي
الأب متى المسكين
كتاب: الخلقة الجديدة للإنسان
في الإيمان المسيحي.
المؤلف: الأب متى المسكين.
الطبعة الأولى: 1997.
(مقالات سبق نشرها في مجلة مرقس عامي: 1996 و1997. أما مقال: “قيامة المسيح إعلان ميلاد الخليقة الجديدة في الإيمان المسيحي”، فقد سبق نشره في كتاب: “القيامة والصعود” بعنوان: “القيامة والعمل الروحي بالنسبة للخليقة الجديدة”).
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 8341 / 97
رقم الإيداع الدولي: 977-240-058-8
مطبعة دير القديس أنبا مقار - وادي النطرون.
ص. ب 2780 - القاهرة.
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف.
المحتويات
صفحـة
مقــدمــــة
خلقة الإنسان الأولى من تراب الأرض
وخلقته الثانية من فوق
الجسد والروح في الإيمان المسيحي
الخليقة الأولى والخليقة الثانية في الإيمان المسيحي
ومراحلها من قبل تأسيس العالم حتى النهاية
قيامة المسيح
إعلان ميلاد الخليقة الجديدة في الإيمان المسيحي
المعمودية بالمفهوم الروحي كمدخل للخليقة الروحانية الجديدة
أعظم أسرار الكنيسة وبابها المفتوح في السماء
إنسان المعمودية الجديد والكنيسة،
والكنيسة وجسد المسيح، وجسد المسيح ونحن
الإفخارستيا والإنسان الجديد
الإنسان الجديد
الطريق إليه والتعامل معه
هل الإيمان بالمسيح يحتِّم علاقة شخصية بالمسيح؟
الترائي قدَّام الله
مقدمــة
vtvtv
حينما نتكلَّم عن ميلاد المسيح وموته وقيامته، فنحن نتكلَّم عن أمور حدثت فينا ولنا.
لأن قولنا إن المسيح قد وُلِد، هذا يعني لاهوتياً أن الكلمة ابن الله أخذ جسداً لنفسه من العذراء القديسة مريم. وقد اصطفاها عذراء وقديسة لتكون عيِّنة البشرية التي أخذها لنفسه طاهرة ومقدَّسة، ثم أنها حملت من “الروح القدس”، فتبيَّن أن المولود منها هو “ابن الله” حسب قول الملاك.
ولكن شخص الكلمة ابن الله غير محدود، بل هو مطلق وطبيعته لانهائية. لذلك لمَّا أخذ جسده من العذراء واتَّحد به، نال الجسد صفات ابن الله في اللامحدودية. هذا بالذات يجعلنا نفهم أن الجسد الذي أخذه المسيح من العذراء القديسة مريم والروح والقدس، هو أكثر من أن يكون جسداً محدوداً لفرد واحد، إذ حُسِبَ أنه جسد يضم ويجمع في ذاته البشرية كلها.
لذلك لَمَّا صُلِب المسيح وهو حامل خطايانا، قال بولس الرسول إننا صُلِبنا معه جميعاً، ولَمَّا مات قال إننا متنا جميعاً معه، ولَمَّا قام قال إننا قمنا جميعاً معه، ولَمَّا جلس في السماء قال إننا جلسنا معه في السموات.
كل هذا منبعه سر التجسُّد العجيب لأن طبيعة اللاهوت فيه اتَّحدت بطبيعة الناسوت
فينا، فصار للمسيح كل ما لطبيعة اللاهوت الذي له من صفات وكل ما لطبيعة الناسوت
فينا من الصفات بآن واحد - طبيعة واحدة لشخص واحد - دون
امتزاج ولا افتراق ولا تغيير.
هذا يعني أن المسيح احتوى البشرية كلها في ذاته بميلاده العجيب، وهذا تسحَّب بالضرورة على الصليب والآلام والموت والقيامة. فنحن كلنا صُلبنا معه وهو صُلِب معنا، وذلك من أجلنا، لأن الموت والآلام والعقوبة هي من نصيبنا ومن استحقاقنا نحن، وهي ليست لائقة به بتاتاً؛ فهو القدوس الطاهر الذي بلا خطية، أما نحن فقد نلنا من آدم طبيعتنا البشرية وفيها نصيب اللعنة والموت الأبدي كميراث للخطية.
هـذا الموت وهـذه اللعنة في هذه الطبيعة رفعها المسيح عنا بموته وقيامته كما يقول بولس الرسول: » الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها، ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح - بالنعمة أنتم مخلَّصون - وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع «(أف 4:2- 6)، أي أننا قد انتقلنا من طبيعة ميِّتة بالخطية في آدم إلى طبيعة حيَّة بالبر في المسيح. هذا هو موضوع إيماننا وفخر رجائنا، لأنها عطية موهوبة مجاناً يتحتَّم علينا أن نقبلها بفخر وثقة . اسمع بقية القول: » ليُظْهِرَ في الدهور الآتية غِنَى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح يسوع. لأنكم بالنعمة مخلَّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد. «(أف 7:2-9)
ويقول بولس الرسول، معتبراً أن المسيح مات وهو يحتوي كل البشرية في جسده، هكذا: » إن كان واحد قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذاً ماتوا. «(2كو 14:5).
يُلاحَظ هنا أن المسيح ليس واحداً كأي واحد، بل هو واحد كلِّي مطلق بلاهوته الذي
أضفى على الجسد هذه الكلِّية المطلقة الفائقة. فأصبح كل مَنْ يؤمن بالمسيح يكون
قد مات معه وقام، أي استوفى عقوبة آدم وتبرَّأ من
الخطية، ونال القيامة التي هي حالة الإنسان الجديد في المسيح المعتبَرَة خليقة
جديدة؛ لأن الكل يموت مع المسيح وهو بحال الإنسان العتيق، والكل يقوم في المسيح
وهو بحال الإنسان الجديد: »
أحيانا مع المسيح... وأقامنا معه.
«(أف
5:2و6)
ويعلل بولس الرسول ذلك بقوله: » من أجل محبته الكثيرة التي أحبَّنا بها «و“بمقتضى غِنَى رحمته”. فنحن الذين حُسِبنا أمواتاً موتاً أبدياً بمقتضى الذنوب والخطايا، صرنا بالإيمان الذي هو عطية الله وليس من أعمالنا، أحياءً الآن مع المسيح حياة أبدية وبحال القيامة كخليقة جديدة داست معه الموت والخطية.
هذا هو إيماننا المسيحي، الذي بتمسُّكنا به في ثقة، تسري فينا قوة وروح الإنسان الجديد، لنعمل ونشهد بصدق الله ومحبته.
(يونية 1997)
خلقة الإنسان الأولى من تراب الأرض
وخلقته الثانية من فوق
+ «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة.»
(2كو 17:5)
rtltr
الخليقة الأولى من تراب الأرض:
+ » وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم: أثمروا واكثُروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلَّطوا... «(تك 26:1-28)
+ » وجَبَلَ الرب الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حيَّة. «(تك 7:2)
+ » وقال الرب الإله: ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له مُعيناً نظيره... فأوقع الرب الإله سُبَاتاً على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإله الضِّلْع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه الآن عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي، هذه تُدعى امرأة لأنها من امْرِءٍ أُخِذَتْ. «(تك 18:2و21-23)
الذي يهمنا من هذه القصة، قصة الخلق الأول للإنسان، أن الإنسان خُلق أولاً من
تراب الأرض، وقد نفخ فيه الله نسمة حياة من عنده أو من فِيْهِ،
فصار آدم نفساً حيَّة. بمعنى أن آدم هو “نفسٌ” من الله حيَّة في جسد أصله من تراب
الأرض، أي أن آدم مكوَّن من نفس وجسد ترابي، وهذه النفس هي التي نسميها “روح”.
وباختصار نقول إن الإنسان في آدم - كل إنسان - روح وجسد.
ولكن واضح أن الروح من الله، لذلك ينبغي أن نقول إن الإنسان هو روح أهم من أن
يكون جسداً، خاصةً أن الجسد هو من تراب الأرض، أما الروح فمن الله.
كذلك من الواضح أن تكون النفس أو الروح في الإنسان هي التي خُلِقت على صورة الله كشبهه. ومن البديهي أنها كانت كذلك يوم خُلِقت، ولكن بعد أن أوقع الله العقوبة على الإنسان وأخذ اللعنة، تمزَّقت الصورة واختفى الشبه، هذا بالنسبة للنفس أو الروح.
على أن علاقة التراب الذي صار حيًّا (كجسد للإنسان) بالروح التي كانت على صورة الله كشبهه، كانت كالطبعة بالنسبة للأصل أو الصورة بالنسبة للجوهر. فكان الجسد يحمل صورة النفس([1])، ولكن لَمَّا سقط آدم وتمزَّقت صورة الله التي لنفسه وضاع الشبه، تغيَّرت طبعة الجسد وتشوَّهت الصورة جداً حتى أصبح لا يُرى في صورة الجسد للإنسان أية ملامح من عند الله، خصوصاً لو ارتقينا بمعنى الصورة من حيث البهاء والمجد والحكمة والهيبة والقداسة. ولهذا انقطعت مع الله وشائج المحبة والأُلفة والصداقة والطاعة المطلقة ومعها الحكمة والقداسة والبرارة. وذهب الإنسان غريباً وحيداً بائساً يَنْعى حظَّه على الأرض بدون الله، وعرف معنى الخطية والعصيان ومعاداة الله.
الخليقة الثانية من فوق:
ولكن الله خلق الإنسان أصلاً ليكون له حبيباً وصديقاً كخليقة تسبِّحه وتمجِّده، وتبنَّاها لتبقى عنده دائماً. فلما سقط آدم وطُرد من أمام وجه الله وعاد إلى الأرض التي منها أُخذ جسده » لأنك تراب وإلى تراب تعود «(تك 19:3)، صمَّم الله أن ينفِّذ خطة خلقته الأولى للإنسان، وبدأ يعمل على إعادة خلقته (الميلاد الثاني)، ولكن على الأساس الذي لا يمكن أن يخطئ فيه الإنسان للموت أو يعصاه أو يموت أو يفترق عنه. فهذه المرة صمَّم أن يخلقه، لا على صورته كشبهه فقط، بل من روحه وجسد ابنه بحال قيامته من بين الأموات خَلَقَه؛ وليس من تراب الأرض، بل من روحه ومن برِّه وقداسته في الحق! ليليق هذه المرة أن يحيا أمامه في القداسة بلا لوم في المحبة يمدح مجد نعمته إلى أبد الآبدين.
ولقد اكتشف القديس بولس - كما استُعلن له من أسرار الله عن خلقته للإنسان - أن هذه الخلقة الروحية التي قصدها الله أن تكون من طبيعة ابنه بحال قيامته من بين الأموات كانت قائمة في تدبير الله قبل أن يخلق الإنسان من تراب الأرض، بل وقبل أن يؤسِّس العالم المادي؛ وأن خلقة الإنسان من تراب الأرض لم تأتِ كخطأ في حسابات الله، بل كدرجة أولى في الخلق يتدرَّج فيها الإنسان من خليقة مادية إلى خليقة روحانية، وينتقل من حالة الضعف والفساد إلى حالة الكمال والبر، شأن كل أعمال الله التي يبتدئها من الصفر ليبلغ بها إلى القمة، لأن هذا معنى كمال الخلقة عند الله.
لذلك نسمع القديس بولس بعد أن كشف سر أصول ومبادئ تدبير خلقة الإنسان عند الله
يقول هذا: »
مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويَّات
في المسيح. كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين وبلا لوم قدَّامه في
المحبة، إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع
المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته، لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في
المحبوب. «(أف
3:1-6)
واضح لكل ذي عقل وانتباه من قول القديس بولس: «كما اختارنا فيه “قبل” تأسيس العالم»، كما هو واضح أيضاً من القول: » إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته « كما هو واضح كذلك من قصد الله الفائق في الكمال في قول بولس الرسول: «لنكون قديسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة... لمدح مجد نعمته»؛ أن هذا لا يتفق إطلاقاً مع الخلقة الترابية التي سقطت من الوجود أمامه بحسب طبيعتها الترابية.
ولكن لا يمكن أن يفوت علينا هنا في هذا الاستعلان المدهش القول: «باركنا بكل بركة روحية... في المسيح»، و» “اختارنا فيه” قبل تأسيس العالم « وعيَّننا » للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه « هذا يخص أصل التدبير لمنتهى خلقة الإنسان الروحية، وليس الخلقة الترابية.
إذن، واضح للغاية أن خلقتنا الروحية الكاملة والنهائية التي وضع الله خطوطها الأولى في أصل تدبيره - قبل خلقتنا الترابية - هي ذات صلات وثيقة جداً بالمسيح الذي هو الابن الكلمة، لأن هذا كان قبل تأسيس العالم، قبل الخليقة كلها وقبل الزمن! بهذا نفهم أن خلقة الإنسان الكاملة والروحية هي أرفع وأهم وأعظم من كل خليقة أخرى، إذ كانت في تدبير الله منذ البداية قبل تأسيس العالم والأرض بكل خلائقها.
ولكن ما معنى “باركنا في المسيح” و“اختارنا في المسيح” وتبنَّانا بالمسيح قبل
تأسيس العالم؟ فالمسيح معروف قبل تأسيس العالم أنه “الكلمة” ابن الله! أليس هذا
هو المعنى والقصد البعيد الذي يدل عليه سفر التكوين عند خلقة
الإنسان الأولى الترابية، أنَّ الإنسان
خُلِق على صورة الله وشَبَهه التي جاءت بالجمع:
»
على صورتنا كشبهنا «
والمعنى المترتِّب على ذلك بالضرورة أن الإنسان خُلِق على صورة ابن الله كشبهه؛
والذي يؤكِّد هذا قول بولس الرسول: إنه
»
سبق فعيَّننا
(الله) للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه
«(أف
5:1). فنحن خُلِقنا، في تدبير الله، قبل تأسيس العالم، لنكون أبناءً لله في الابن
الوحيد وعلى صورة الابن في البر وقداسة الحق!! وعلى شبهه في المجد والبهاء
»
سبق فعيَّنهم ليكونوا مُشابهين صورة ابنه
«(رو
29:8)!!
وطبعاً هذا ينطبق على روح الإنسان وليس على جسده الترابي الذي دخل في حيِّز العالم كمرحلة دُنيا في خلقة الإنسان، وأصبح ينبغي أن نتخلَّص منها عندما تكمل لنا وسائل وأسباب استعلان الخليقة الروحانية الجديدة.
فلما جاء المسيح (ابن الله بالجسد) ليُعلن بدء استعلان ملكوت الله الذي هو موطن الإنسان الروحي في كمال خلقته، بدأ - بآن واحد - يعلن عن ضرورة خلقة الإنسان الثانية التي ستأتي من طبيعة الابن بحال قيامته من بين الأموات حتى يؤهَّل بها الإنسان لدخول ملكوت الله.
وقد عبَّر المسيح عن هذه الخلقة الجديدة للروح بالميلاد الجديد أو الثاني أو الميلاد من فوق:
+ » الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يُولَد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله. «(يو 3:3)
ثم عاد المسيح يوضِّح كيفية هذا الميلاد الثاني أو الجديد للروح بقوله:
+ » الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يُولَد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. «(يو 5:3و6)
ولهذا الميلاد الثاني من فوق تجسَّد ابن الله الكلمة وأخذ صورة الإنسان
بالضرورة التي تمزَّقت وتشوَّهت عن أصلها، وأصلها هو ابن الله الكلمة نفسه،
ليُعيد خلقتها على صورة مجده. وطبعاً حينما يُعيد الخلقة يُعيدها إلى الأصل
الروحي للإنسان الذي تشوَّه، مع تحفُّظ ألاَّ تصيبها الخطية أو الموت هذه المرة،
وبالتالي يُسقِط من حسابه الجسد الترابي الذي كان بالضرورة سبب النقص في الخلقة
الأُولى، لأنه تراب وإلى التراب يعود بحسب اللعنة التي طالته:
»
لأنك ترابٌ وإلى ترابٍ تعود.
«(تك
19:3)
ما هو التمزُّق الذي أصاب الصورة، والتشوُّه الذي ألَمَّ بالشبه؟
قلنا سابقاً إن جسد الإنسان مخلوق أصلاً على غير فساد، فليست الخطية التي أخطأها آدم نابعة من الجسد. فالجسد خليقة الله، وخليقة الله لا تُخلَق خاطئة، فحاشا ليد الله أن تصنع خطأً أو شرًّا. ولكن كما قلنا إن حرية إرادة الإنسان التي خُلِق عليها ومعرفته التي خُلق بها كانت معصومة من الخطأ طالما كانت طائعة وملتزمة بتدبير إرادة الله ومعرفته. ولكنها حُرَّة لأن تطيع وتلتزم أو لا تطيع ولا تلتزم، فهذا هو معنى الحرية الكاملة الصحيحة. فلما أغوى الشيطانُ آدمَ وحواءَ للعمل ضد إرادة الله وضد المعرفة التي أوصاهما بها الله، انقطعت الصلة بين إرادة ومعرفة الله وإرادة ومعرفة الإنسان، فَفَقَدَ آدم الصَّوْن والحماية، وتعرَّت إرادته ومعرفته وسقطت. وهكذا تعرَّى من برِّه وقداسته أمام الله. هذا هو تمزُّق الصورة، وتشوُّه الشبه الذي كان له، الذي أفقده - في الحال وبالضرورة - التأهُّل أن يبقى مع الله، فطُرِد للتوّ وحُرِم من الحياة مع الله.
كيف تعود الصورة إلى أصلها، وينطبق الشبه على أصله؟
واضح أن الضربة التي أصابت نفس الإنسان، أي روحه، إثر المخالفة وعصيان أمر الله
بسبب الطاعة للشيطان، كانت فقدان الصلة بين حرية إرادة الإنسان ومعرفته، وبين
إرادة الله والمعرفة التي هي النور الإلهي. فأصبح الإنسان لا يعرف الحق ولا
يريده، وإن عرفه لا يقوى على عمله. وها هو القديس
بولس يصف الإنسان قبل عملية الفداء التي أكملها المسيح:
+ » لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أُبغضه فإيَّاه أفعل... لأن الإرادة حاضرة عندي (حرية الإرادة)، وأما أن أفعل الحُسْنَى فلستُ أجد (انقطاع الإرادة عن الله). لأني لست أفعل الصالح الذي أُريده، بل الشر الذي لست أُريده فإيَّاه أفعل. «(رو 15:7و18و19)
هكذا وقع الإنسان تحت عبودية الشيطان، إذ فَقَدَ صلته بالله على مستوى الإرادة والمعرفة، وصار جسده مطيَّة للشيطان.
إذن، إن أراد الله أن يعود الإنسان إليه ويسلِّم له إرادته وينفتح وعيه وبصيرته الروحية لمعرفة الله والحق، فيتحتَّم أن يعيد الله صياغة أو خلقة الإنسان الذي تشوَّهت صورة الله وشبهه فيه ليصير على صورة الله من جديد وعلى شبهه. ولكي لا يعود يخطئ أو يستخدم حرية إرادته أو معرفته في عصيان الله، رأى الله أن يأخذ هذه المرَّة من طبيعة المسيح ويخلق كيان الإنسان الروحي من جديد أو خلقته الجديدة فيصير كيانه الجديد كله قائماً في الله، يريد ما يريده الله، ويعرف ما يعلنه له الله. أو كما يقول القديس بولس يعرف حتى «أعماق الله»:
+ » بل كما هو مكتوب: ما لم تَرَ عين، ولم تسمع أُذن، ولم يخطر على بال إنسان، ما أعدَّه الله للذين يحبونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأن الروح يفحص كل شيء حتى “أعماق الله”. «(1كو 9:2و10)
وفي موضع آخر يقول إنه أُعطِيَ لنا أن نمتلئ بكل ملء الله:
+ » وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله. «(أف 19:3)
إلى هذا الحدِّ يبلغ وعي الإنسان الروحي الجديد.
ولكن لكي يعيد الله خلقة روح الإنسان ليكون على صورته وشبهه كان يلزم أولاً أن يرفع عنه العقوبة بالموت الأبدي واللعنة التي أوقعته تحت غضب الله؛ الأمر الذي استحال بسببه على الإنسان أن يتحرَّك وهو تحت اللعنة والغضب أو يعود إلى الله بإمكانياته المحكوم عليها.
هذا استلزم من الابن الوحيد أن يتجسَّد بجسد إنسان، إنما بدون خطية. فيأخذ جسداً من العذراء القديسة مريم ومن الروح القدس، أي جسداً طاهراً قدوساً، ثم يضع عليه خطايا البشرية، كما حوكم كخاطئ ولم يدافع، وقَبِلَ العقوبة والصلب كخاطئ، وتألَّم كخاطئ ومات. وهكذا أكمل في جسد الإنسان عقوبة الموت. ولما عُلِّق على الصليب قَبِلَ اللعنة في الجسد أيضاً، وهكذا برَّأ الجسد من العقوبة ومن اللعنة حينما أكملها فينا. لذلك عندما مات المسيح بالجسد لم يُمسَك في الموت، بل قام وداس الموت، لأنه بموته أكمل عقوبة الخطية فقام، وبقيامته أبطل الموت. هكذا بموت المسيح بجسد الإنسان، وبقيامته به مبرَّءًا ومبرَّراً، خلق للإنسان فيه جسداً روحياً جديداً لا يخطئ ولا يستطيع أن يخطئ، كما يقول القديس يوحنا في رسالته الأولى (9:3)، لأنه من طبيعته وليس من التراب بعد. على أن الجسد الذي قام به المسيح من بين الأموات جسد روحاني له كل ما لجسد الإنسان من الخواص الإنسانية الطبيعية ما عدا الخطية، وبالتالي عدم قابلية الموت لأنه جسد القيامة من الموت الذي وُهِبَ لنا بسر المعمودية: » لأن كُلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح «(غل 27:3). وهذا هو الجسد الروحاني الجديد الذي خلقه لنا المسيح لنلبسه في المعمودية بسرِّ المسيح.
وهكذا يَصْدُق القديس بولس حينما يقول:
+ » ... مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها. «(أف 10:2)
+ » لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً. «(أف 15:2)
فالعماد هنا هو سر الخلقة الجديدة من الماء والروح كقول الرب، والخلقة الجديدة خُلِقت في المسيح بنوع من الاتحاد فائق الوصف، يمنحنا صفات ومخصَّصات المسيح: » وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. «(أف 24:4)
وهكذا بالمعمودية استطاع المسيح أن يورِّثنا طبيعة جسده المُقام من الموت، غالباً الخطية ودائساً الموت، في الوقت الذي أمات فيه الجسد العتيق الذي صلبه على الصليب، ومات وخطيته فيه: » عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِب معه ليُبطَل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية «(رو 6:6)، » وإن كان المسيح فيكم، فالجسد (الجسد العتيق)([2]) ميِّت بسبب الخطية، وأما الروح (الإنسان الجديد) فحياة بسبب البر. «(رو 10:8)
هذا أيضاً ما تمَّ في المعمودية التي نُمارِس فيها شركة حقيقية في موت المسيح وقيامته بالإيمان: » إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه. «(كو 9:3و10). فالذي أكمله المسيح على الصليب، وهبه لنا في سرِّ المعمودية، سواء موت الإنسان العتيق أو قيامة وحياة الإنسان الجديد الروحاني.
وبهذا يكون قد استرد المسيح لنا صورته وشبهه في البر وقداسة الحق، وذلك في
الإنسان الجديد الذي خلقه الله غالباً الخطية، بل ولا يستطيع أيضاً أن يخطئ لأنه
من طبيعة جسد القيامة:
»
كل مَنْ هو مولود من الله (بسر المعمودية) لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبُتُ فيه
(متَّحد بالمسيح)، ولا يستطيع أن يُخطئ لأنه مولود من الله (من طبيعة المسيح
القائمة من بين الأموات).
«(1يو
9:3)
هكذا تأهَّل الإنسان رسمياً لميراث الله في الحياة الأبدية بالتبنِّي لضمان الاتحاد بالمسيح ابن الله: » الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنَّا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح. «(رو 16:8و17)
منهج الإنسان الجديد الذي وضعه المسيح ليحيا به كل إنسان
في الحياة الحاضرة ويرث به ملكوت الله:
المحبــــة:
- تغليب المحبة على المنفعة الذاتية.
- تغليب المحبة على حقوقي الخاصة: راحة / كرامة / رزق / مستقبل.
- تغليب المحبة على انحياز الفكر والضمير نحو الأصول والواجب دون المحبة.
- تغليب المحبة على الخوف الذي يعترض عمل المحبة من تهديد بالإساءة أو الضرر.
- تغليب المحبة على الخوف من العوز والفقر والمرض والموت.
إنكار الذات:
- تسليم الحياة برمتها ليدبِّرها المسيح دون همٍّ أو قلق.
- السير وراء المسيح بطاعة مذعنة دون تفكير إلاَّ في كيفية إرضائه.
- قبول كل ما يأتي عليَّ من ضيقات واضطهادات وأمراض وأحزان بسكون، ليكمِّل بها الله إرادته ومشيئته في حياتي، دون سؤال ولا شكوى ولا تذمُّر إنما بصبر وشكر.
اتِّباع الرب:
- السير وراء المسيح بطاعة مذعنة واتِّباع طرقه: في الصلاة، في السهر طول الليل، في الصوم، في خدمة الفقراء والخطاة، في احتمال الظلم، في معاملة الأعداء، في السير نحو الصليب بثبات وهدوء وشجاعة؛ باعتبار أنه » إن كنَّا قد مُتنا معه فسنحيا أيضاً معه «(2تي 11:2)، فلا خوف ولا خسارة في الموت.
ختــام:
منهج الإنسان الجديد كخليقة سماوية تحيا ملتصقة بالمسيح على رجاء الحياة الأبدية لا يختلف إن كان الإنسان راهباً، أو كاهناً، أو موظفاً، أو تاجراً، أو صاحب أعمال، أو جندياً، أو عاملاً، أو عبداً مسخَّراً، أو ملكاً.
وفي النهاية نود لو نثبِّت قلب القارئ وإيمانه، أنه بحسب كل ما سجَّلناه من حقائق لا يستطيع تعليم ما، قديماً كان أو جديداً، أن يقنعنا لكي ننكر أو نحتقر طبيعة الإنسان الجديد الذي خلقه المسيح فينا لنحيا به ونرث الملكوت؛ هذه الطبيعة التي ورثناها منه بقيامته من بين الأموات في » البر وقداسة الحق « فهي ليست صفات ولا مواهب ممنوحة بل طبيعة مخلوقة: » الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق «(أف 24:4)، وهي تتحقَّق فينا بأن يتصوَّر المسيح نفسه في أعضائنا: » يا أولادي الذي أتمخَّض بكم أيضاً إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم. «(غل 19:4)
(يناير 1997)
الجسد والروح في الإيمان المسيحي
nvVvn
أول مَنْ وضع هذه الثنائية في الإيمان المسيحي هو المسيح نفسه، حينما كان يتكلَّم عن ملكوت الله مع نيقوديموس أحد رؤساء السنهدريم اليهودي، إذ قال له فيما يختص بملكوت الله:
1 - » الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولَد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله. «(يو 3:3)
ولكي يشرح كيفية الولادة من فوق قال:
+ » الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولَد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. «(يو 5:3)
بمعنى، لكي يدخل الإنسان ملكوت الله (فوق) يلزم أن يولد من فوق، مشيراً إلى عمل السرِّ الإلهي الفائق.
2 - ثم لكي يفرِّق المسيح بين إنسان يولد من الجسد وإنسان يولد من الروح، قال:
+ » المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. «(يو 6:3)
وهكذا أدخل المسيح على الإنسان العادي (الخاطئ) إمكانية ولادة أخرى ثانية من
الروح، فصار الإنسان نفسه المولود من الجسد مولوداً أيضاً من الروح. ولكن المسيح
فرَّق بوضوح بين الميلاد من الجسد والميلاد من الروح حين قال إن الميلاد من الجسد
أعطى الإنسان طبيعة جسدية، إذ قال: «جسدٌ هو»؛ ثم عاد وأعطى
الإنسان نفسه حينما يولد ثانية من الروح طبيعة الروح، إذ قال: «هو روح».
لماذا أعطى المسيح هذا الميلاد الثاني من الروح؟
واضح أن الإنسان مخلوق من تراب، إذ نفخ فيه الله من روحه، فصار حيًّا. فهو تراب أو مادة حيَّة، ولكنه كان مخلوقاً على صورة الله في المعرفة وفي المشيئة الحرَّة. فحدث أن استخدمهما في عصيان الله وعمل الممنوع عن معرفةٍ وإرادةٍ حرَّة. فتشوَّهت معرفته وسقط من السيادة على إرادته، ونزل إلى الأرض ليعمل فيها. وهكذا صار الإنسان نهباً للشيطان الذي أوحى إليه وهو في النعيم أن يعصى الله بدافع شرير بعد حوار غير حذر؛ إذ في عملية استدراج، بادر الشيطان حواء الأضعف في الإنسان: » أحقاً قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة «(تك 1:3)؟ فتسرَّعت حواء دون العودة إلى رجلها بنوع من حرية الذات، مع أنهما كانا واحداً، وتكلَّمت عن نفسها وعن آدم ظلماً: » فقالت المرأة للحية: مِنْ ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمسَّاه لئلا تموتا «(تك 2:3و3). فألقى الشيطان فخه المسموم أمام عقلها وذكَّرها بحرية إرادتها وقال: » فقالت الحية للمرأة: لن تموتا (هكذا)، بل الله عالمٌ أنه يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفَين الخير والشر «(تك 5:3). هذا الكلام صحيح تماماً، ولكنه مطعوم بالسم، أين هو؟
صحيح أن الله أعطى الإنسان حرية إرادة ومعرفة، ولكن كانت الحرية مربوطة بالله،
والمعرفة مستمدة منه، طالما كانا طائعَيْن خاضعَيْن. ولكن إن هما عصيا أمر الله،
فالمعرفة تنقطع صلتها بالله، والحرية الشخصية تفقد تأمينها، ويصيران تحت سلطة
الشيطان. لم تنتبه حواء للفخ ولا للسم الموضوع في الكلام الصحيح:
»
فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون (الحواس بدون حراسة العقل
المتَّصل بالله، والحرية بلا مدبِّر أو موجِّه)، وأن الشجرة شهية للنظر. فأخذتْ
من
ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل. فانفتحت أعينهما وعلما أنهما
عريانان...
«(تك
6:3و7)
هذا كان مدخل خطية آدم، إذ بعصيان الله تعرَّى من نعمة الحفظ في حرية الله وتدبيره. وهكذا صار الإنسان بجسده الترابي فاقداً حريته المحفوظة في الله، ومعرفته المستمدة من الحق. صحيح أن له إرادة حرَّة، وصحيح أن له معرفة، ولكنه أصبح غير قادر على حفظ حرِّيته من سيطرة الشيطان، ولا أصبح قادراً على معرفة الحق الذي يحفظه بلا خطية.
فماذا يعمل الله للإنسان الذي انحاز بجسده لشهوات التراب، وانقطعت عنه معرفة كل ما فوق؟ وأصبحت حياته تنتهي نهاية واحدة أسماها آباء العهد القديم: » طريق الأرض كلها «(1مل 2:2)، أي الموت. هكذا تحتَّم للإنسان أن يُخلق خلقة ثانية جديدة، إنما هذه المرَّة من فوق من الروح وليس من التراب.
خلقة الإنسان الجديد الروحاني من فوق:
والقصد من الخلقة الأولى للإنسان من تراب الأرض، هو أن الله أراد أن توجد أمامه خليقة من الأرض تسبِّحه وتحيا معه وترتقي إليه. فلما أخفقت الخليقة الأولى في ذاتها الترابي، صمَّم الله هذه المرَّة أن يخلقها من طبيعة ابنه القائم من بين الأموات، الروحانية غير القابلة للموت أو الفساد! فأرسل “كلمته” الذاتي حاملاً فكر الله، وبنوَّته، ومشيئته، وفعله.
+ واضح هنا أن الله عزم أن يمنح الإنسان هنا كلمته، أي معرفته، ليفتح معرفة الإنسان على معرفة الله:
» عرَّفتهم اسمك (شخصك) وسأُعرِّفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم. «(يو 26:17)
+ وعِوَض بنوَّتهم لآدم التي كانت سبب الخطيئة ومصدرها، عزم أن
يعطيهم حقَّ التبنِّي لله، أي أن يكون الله أباهم:
» الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. «(رو 16:8)
+ وعِوَض حرية آدم التي استولى عليها الشيطان، أعطاهم “حرية مجد أولاد الله” (رو 21:8):
» فإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً. «(يو 36:8)
وهكذا وُلِدَ “الكلمة” ابن الله بالجسد، وأخذ “شِبه” جسد الخطية (رو 3:8)، ولكن بدون الخطية، مما يُثبت أن الجسد (اللحم والدم) ليس فيه خطية بحدِّ ذاته. فالخطية كامنة في الإرادة المحرومة من تدبير الله، والمعرفة المنقوصة البعيدة عن معرفة الله؛ اللتين تداخل فيهما الشيطان وأفسدهما.
ثم حمل الكلمة ابن الله المتجسِّد (المسيح) خطايانا في جسده على الخشبة، فأصبح قابلاً للموت وتحت العقوبة كإنسان، وهو أصلاً بلا خطية كإله. ومات بالجسد، فأكمل العقوبة في الجسد، وداس الموت وقام بالجسد، ذات الجسد - جسدنا - الذي صُلب به لأجلنا، قام بلا خطية وغير قابل للموت في وضعه الروحي السماوي. وهكذا سلَّمنا جسده القائم من بين الأموات ليكون جسدنا الجديد الروحي، فأصبح المسيح بذلك أبانا الجديد، آدم الثاني، الروح من السماء، عِوَض آدم الأول الترابي الذي من الأرض:
+ » صار آدم، الإنسان الأول، نفساً حيَّة، وآدم الأخير روحاً مُحيياً...
الإنسان الأول من الأرض ترابي. الإنسان الثاني الرب من السماء...
وكما لَبِسنا صورة الترابي، هكذا لنلبس([3]) صورة السماوي. «(1كو 45:15و47و49)
وسلَّمنا المسيح جسده الروحي هذا في سر المعمودية الذي فيه نولَد جديداً بالروح له وعلى شكله في البر وقداسة الحق، معتبرين أننا مولودون من الله:
+ » وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه. الذين وُلِدوا ليس من دمٍ، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله! «(يو 12:1و13)
+ » لا بأعمال في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس. «(تي 5:3)
+ » كل مَنْ يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد وُلِد من الله. «(1يو 1:5)
+ » مولودين ثانية، لا من زرع يفنى، بل ممَّا لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد. «(1بط 23:1)
+ » لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. «(غل 26:3و27)
+ » إن كنتم قد سمعتموه وعُلِّمتُم فيه كما هو حقٌّ في يسوع، أنْ تخلعوا من جهة التصرُّف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. «(أف 21:4-24)
+ » لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذْ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه. «(كو 9:3و10)
وهكذا منحنا الله أعظم عمل بعد خلقتنا الأولى الترابية، وهو خلقتنا الثانية الروحية من فوق، من الماء والروح بالميلاد الثاني، في الإنسان الجديد المخلوق في المسيح، ومن طبيعة المسيح القائم من بين الأموات، الذي من طبيعته أن يتجدَّد فينا بالروح القدس: » من مجد إلى مجد كما من الرب الروح. «(2كو 18:3)
وهكذا صار الإنسان مكوَّناً من عنصرين: الإنسان القديم الخاطئ الترابي المحكوم عليه بالموت والقابل للخطية؛ والإنسان الجديد الثاني الروحي من السماء على صورة المسيح ومن طبيعته القائمة من بين الأموات، والذي لا يسود عليه الموت، وهو ليس تحت ناموس الخطية بل تحت ناموس روح الحياة في المسيح، لا تسود عليه الخطية لأنه ليس تحت نيرها، بل هو تحت النعمة وقيادة الروح القدس. بل ويؤكِّد القديس يوحنا أنَّ مَنْ يؤمن بالمسيح ويعتمد له، يولَد من الله ميلاداً جديداً، لا يخطئ، ولا يستطيع أن يخطئ، فهو من طبيعة المسيح وتحت قيادة الروح القدس:
+ » كل مَنْ هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يُخطئ لأنه مولود من الله. «(1يو 9:3)
+ » نعلم أن كل مَنْ وُلِدَ من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه (بالنعمة)، والشرير لا يمسُّه. «(1يو 18:5)
وهنا نشأ التصارع فينا لحساب المسيح والله الآب:
+ » لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد، وهذان يُقاوِم أحدهما الآخر، حتى تفعلون ما لا تريدون. «(غل 17:5)
+ » وإنما أقول: اسلكوا بالروح فلا تكمِّلوا شهوة الجسد. «(غل 16:5)
+ » ولكن إذا انقدتم بالروح فلستم تحت الناموس. «(غل 18:5)
+ » لأن مَنْ يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً، ومَنْ يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية. «(غل 8:6)
+ » إن عشتم حسب الجسد فستموتون، ولكن إن كنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستحيون. لأن كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله. «(رو 13:8و14)
ولكن يعطينا بولس الرسول تأكيداً أن كفة الإنسان هي الأقوى، لأن
الإنسان الجديد محكوم بالنعمة ومقيَّد بالروح، ولا يعمل الجسد العتيق في حضرته
إلاَّ خلسة:
+ » فإن الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة. «(رو 14:6)
وهنا يتضح أن الجسد العتيق لا يزال له الفرص أن يعمل حسب شهوات التراب، ولكن يؤكِّد لنا بولس الرسول أن “الجسد ميت”، أي في حكم الموت مع الخطية التي تعمل:
+ » وإن كان المسيح فيكم (وهذا بالإيمان وبسر العماد والتناول)، فالجسد ميِّت بسبب الخطية، وأما الروح (الإنسان الجديد) فحياةٌ بسبب البر (الذي ناله بقيامة المسيح من بين الأموات). «(رو 10:8)
بل ويؤكِّد لنا القديس بولس أيضاً، أن دم المسيح قد طهَّرنا حقاً وبالفعل من أعمال الجسد التي اعتبرها أعمالاً ميتة، وأنهى عليها في الضمير:
+ » فكم بالحري يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يُطهِّر ضمائركم من أعمال ميِّتة لتخدموا الله الحي! «(عب 14:9)
ويفوق الكل القديس يوحنا، عندما يُنادي ببوق النعمة لكي نحصل على حقِّنا في استعلان الحياة الأبدية التي صارت لنا، ونتمسَّك بالشركة التي وُهبت لنا باستعلان الحياة الأبدية في الآب وفي المسيح:
+ » الذي رأيناه وسمعناه نُخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 3:1و4)
وهذا لا ينفي أن تكون لنا خطايا بالجسد، ولكن يؤكِّد لنا القديس يوحنا أن هذه الخطايا تحت شفاعة المسيح وهي مُلغاة بالكفَّارة:
+ » ... ودم يسوع المسيح ابنه يُطهِّرنا من كل خطية. إن قلنا إنه ليس لنا خطية نُضِلُّ أنفسنا وليس الحقُّ فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهِّرنا من كل إثم. «(1يو 7:1و8و9)
+ » إن أخطأ أحدٌ فلنا شفيعٌ عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفَّارة لخطايانا. «(1يو 2:2)
ومن روح القديس يوحنا ومن مضمون تعبيره وكلامه، نفهم أنه من حقِّنا الأول أن نشعر أننا نحيا في الحياة الأبدية التي أُظهِرَت من أجلنا في المسيح يسوع، وأنه بمقتضاها نحن شركاء حتماً مع الآب والمسيح. وهذا هو نصيب الإنسان الجديد الروحاني المخلوق على صورة خالقه في البر وقداسة الحق، هذا حقُّه، هذا عمله، هذا فرحه وإكليله. ولكن هذا لا ينفي أننا نخطئ، ولكن خطيتنا تحت محاصرة النعمة وغفران الدم. على أنه يستحيل أن تقوى خطايا الجسد الميت، التي هي أعماله الميتة، وتنال من نصيبنا في شركتنا مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح، أو تُنقص من فرحنا الكامل قيد أُنملة، أو تستطيع أن تعيد رُعبة الموت لضمائرنا التي طهَّرها دم المسيح بروح أزلي.
مصدر الصراع بين الجسد والروح:
سبق أن قلنا إن الجسد لا يُحسب - بحد ذاته كلحم وعظام - أنه مصدر الخطية أو الشر فهو خليقة الله، والله منزَّه عن أن يخلق الشر. ولكن طبيعة الخطية التي ورثناها من آدم هي “الحرية الساقطة” من مصدرها الإلهي الذي كان يحفظها ويدبِّرها، وما يتبعها من إرادة ومشيئة مسيبة لا ضابط لها، ثم معرفة مفصولة عن الله منحطَّة. هذه كلها صارت لعبة في يد الشيطان.
وبناءً على ذلك أصبح لا نفع للجسد ولا منفعة فيه طالما هو مسيَّر تحت هذه القوى المسيبة.
ومن هنا كان - كما سبق وقلنا - تصميم الله أن يخلقنا من جديد خلقة روحانية بالميلاد من فوق، مفصولة نهائياً عن مصدر الخطية ومفاعيلها وآثارها. لأنه ميلاد من الله من طبيعة جسد القيامة الذي للمسيح الذي أبطل الخطية وألغى الموت عن الإنسان الجديد الذي قام به. لذلك كان قول القديس يوحنا صادقاً ويتحتَّم الالتفات إليه، أنَّ: «المولود من الله لا يخطئ ولا يستطيع أن يخطئ». هذا هو الإنسان الجديد الذي ورثناه من المسيح كآدم الثاني؛ الذي وإن صحَّ أن يُقال إنه أبونا الجديد عِوَض آدم، إلاَّ أنه أعطانا التبنِّي معه وفيه لله الآب، لذلك دُعِيَ أخانا البكر (رو 29:8)، بكر القائمين من بين الأموات (كو 18:1)، مع أننا محسوبون أننا مخلوقون فيه وعلى صورته.
والذي ينبغي أن نقف عنده ونتمسَّك به هنا، أن جسدنا الروحي الجديد لا يخطئ ولا يموت، إذ هو قائم في المسيح يسوع ومتَّحد به: » فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ «(غل 20:2)، » وأما مَنْ التصق بالرب فهو روح واحد «(1كو 17:6)، » أنتم فيَّ وأنا فيكم «(يو 20:14)، » مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير «(يو 54:6)، » مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل مَنْ كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. «(يو 25:11و26)
وواضح أن الصراع بين الجسد العتيق والجسد الجديد الروحاني([4])
ليس في طبيعة كل منهما، ولكن في الإرادة والمعرفة. فالجسد العتيق تتحكَّم فيه
شهوات التراب (العالم) التي خضع لها آدم أبوه، ودائرة معرفة الجسد العتيق مربوطة
في الماديات وحدودها العقل. فكل ما هو غير معقول أو فائق مثل الروحيات، جهالة
عنده. وعند العامة يقولون إن الله عُرف بالعقل. هذا غش وكذب، فالله لا يُعرف
إلاَّ بالإيمان، والإيمان يكون بالوعي الروحي في الإنسان.
فالصراع، في الواقع، على أشدّه بين العقل في الجسد العتيق، والوعي الروحي المفتوح
في الإنسان الجديد المتَّصل بالله، ولا يمكن أن يتقابلا أو يتوافقا إلاَّ تحت
سلطان الخضوع لله والتسليم له. لذلك يتحاشى أهل الفطرة والبسطاء الدخول في
المعارف الإلهية العالية التي لا يستوعبها إلاَّ الوعي المفتوح على الله، ويكتفون
بالخضوع والتسليم بالمسلَّمات دون مناقشة.
ونجد هذه الحقيقة واضحة عند التلاميذ، إذ ظلُّوا غير قادرين على استيعاب حقيقة المسيح والتعرُّف على شخصه إلاَّ بعد أن فتح المسيح ذهنهم (لو 45:24) بنوع من الامتياز الروحي، وذلك بواسطة الروح القدس تمهيداً لقيام الجسد الروحي الجديد بالميلاد الثاني الذي تمَّ جهاراً يوم الخمسين. وهكذا انحصر الصراع بين الجسد العتيق والإنسان الجديد الروحاني، بين الوعي بالحق الإلهي والغش والتزييف الذي يصنعه الجسد العتيق، إذ يصوِّر الشهوات والرذائل على أنها حق وهي كذب وخداع. فأصبحت الحرب الحقيقية بين الروح والحق، وبين الكذب والخداع المادي. فالجسد يصوِّر المجد الدنيوي والعظمة والرئاسات والملذَّات والشهوات والغِنَى والجنس، وكل المناقص من غش وتزوير واختلاس وسرقة وقتل، على أنها في لحظتها أمور ضرورية وهامة ولابد منها؛ وينبري الإنسان الجديد المتَّسم بالبر وقداسة الحق، بإدراكه للحق وباستنارة النعمة، بالحكم عليها جميعاً بالكذب والغش والتفاهة، وينأى عنها ويقاومها ويدفع الثمن.
وأخيراً، يصير للإنسان الذي خضع للجسد العتيق الندامة والحزن، ويرتمي في التراب بانتظار حساب الدينونة؛ في حين أن الإنسان الذي انتصر فيه إنسانه الروحي، وتجلَّى في البر وقداسة الحق المخلوق عليها، يكون له الغلبة والانتصار والفرح الكامل وانتظار المجد العتيد:
+ »
لأن كل الذي ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله... فإنْ كنَّا أولاداً
فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح.
«(رو
14:8و17)
طبيعة الإنسان الجديد الروحاني:
طبيعة الإنسان الجديد هي من طبيعة المسيح القائم من بين الأموات، روحانية مبرَّرة مؤهَّلة لشركة الحياة الجديدة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح؛ وإذا تنشَّطت بالإنجيل والصلاة، فإنها تؤهَّل للانفتاح لإدراك أسرار الكلمة والإحساس بالحق ومعرفة أسرار الله ومقاصده.
وهي المؤهَّلة بالنعمة التي فيها أن تكون هيكلاً حقيقياً للروح القدس، يسكن فيها ويقودها ويرتاح فيها ويعلِّمها ويكشف لها حقائق المسيح حسب وعد المسيح. وهي مؤهَّلة للرؤى والمناظر والإعلانات عن غير استعداد منها ولا إعداد، بل هي مواهب ممنوحة بلا كيل. وهي التي رآها القديس بولس أنها المؤهَّلة لتكون أعضاءً في جسد المسيح، وهي بالفعل التي تتزيَّن بها الكنيسة في أشخاص أبرارها وقديسيها على ممر الدهور.
وعن طريق طبيعة الإنسان الجديد التي هي من طبيعة المسيح، يؤكِّد بولس الرسول أنها منفتحة على محبة المسيح الكاملة، وبالتالي فهي مستحقة أن تمتلئ بكل ملء الله:
+ » وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله. «(أف 19:3)
وهي معدَّة من الله والمسيح لكي تكون إنساناً واحداً في المسيح يتفاوت في التغيير في الصورة من مجد إلى مجد، ولكن الطبيعة واحدة، فيصبح الجميع واحداً متكاملاً:
+ » لبنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى إنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح. «(أف 12:4و13)
فإن كان هذا هو أمرنا الذي ننتهي إليه: اتحاد إلى إنسان كامل له ملء قامة المسيح؛ فانظر، أيها القارئ العزيز، كيف أن محبة بعضنا البعض واجبة، بل هي ضرورة بدونها لا تكمل الصورة!
+ » بل صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس (لنا جميعاً): المسيح! «(أف 15:4)
ولكن محبة الله أو محبة الآخرين بالجسد العتيق غش وادِّعاء كاذب، لأن المحبة الحقيقية هي وحدها التي تكون من طبيعة الله الذي هو المحبة الحقيقية، والجسد الجديد الروحاني وحده - وليس العتيق - هو الذي له طبيعة المحبة الحقيقية. والمحبة الحقيقية لا تنبع من العاطفة ولا الواجب ولا الشجاعة. فقد يموت حبيب بدافع حبِّه لحبيبته، وقد يموت خادم بدافع من أمانته، وقد يموت جندي بدافع من شجاعته؛ أما الإنسان الروحي الذي يحب، فهو يحب بدافع حبِّه لله ومن أجل الله، مستعدٌ أن ينكر ذاته ويموت، لأن محبة الإنسان الروحي هي من ذات طبيعة محبة الله، وهي امتداد لها وفعلها.
أما الجسد العتيق فهو من دافع عواطفه الخاصة أو بدافع واجبات أو مُثُل إنسانية، يحب ويبذل ويموت من أجل الآخرين، ولا يكون لحبِّه عائد سماوي. أما محبة الإنسان الروحاني فمن طبيعته الروحانية، يستمد حبَّه من الله للآخرين دون أي عائد أو نفع له وخارجاً عن أي دافع غرائزي أو إنساني. لذلك فميزانه الحسَّاس الذي يكشف طبيعته هو الوصية » أحبوا أعداءكم «
+ » ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. «(رو 8:5)
+ » ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه. «(رو 10:5)
+ » الذي أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي. «(غل 20:2)
هذه عينات من المحبة بحسب طبيعة المسيح التي ورثناها منه بالإيمان به
والمعمودية باسمه. فإذا سألتني: ما هي علامة الإنسان المسيحي الروحي الحقيقي؟
أقول لك: إنه يحب أعداءه!!
ونوع المحبة الحقيقية التي من عمق طبيعة الإنسان الجديد، هي كما يقولها القديس بطرس:
+ » طهِّروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الرياء، فأحبوا بعضكم بعضاً من قلب (الذي هو الإنسان الجديد) طاهر بشدَّة. مولودين ثانية، لا من زرع يفنى، بل ممَّا لا يفنى، بكلمة الله الحيَّة الباقية إلى الأبد. «(1بط 22:1و23)
أما ذِكره: » عديمة الرياء « فهو لكي يستبعد عواطف وميول الجسد العتيق.
الإنسان الجديد هو الذي يُعطي الإنسان المسيحي
الذات التي يرث بها الملكوت:
الإنسان الجديد الروحي الذي نلناه بالإيمان بالمسيح وبالمعمودية باسم المسيح، هو الذي يمنحنا لقب أبناء الله المولودين من الله، وبالتالي هو الذي به نرث الملكوت مع المسيح:
+ » الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح. «(رو 16:8و17)
ويقول أحد العلماء اللاهوتيين البارزين لدى الكاثوليك والبروتستانت، وهو العالِم الفرنسي أوجست ساباتييه (1839 - 1901م):
[إن خلاصنا سيكتمل حينما تتخلَّص الروح (الإنسان الجديد) من قيود الجسد المادي.]([5])
وهذا الكلام هو صدى لما يقوله بولس الرسول:
+ » إن نُقِض بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السموات بناءٌ من الله، بيتٌ غير مصنوع بيدٍ، أبديٌّ. فإننا في هذه أيضاً نئن مُشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء (الإنسان الجديد المخلوق على صورة الله في البر وقداسة الحق)... ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هو الله، الذي أعطانا أيضاً عربون الروح (الجسد الجديد). فإذاً نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مُستوطنون في الجسد (العتيق)، فنحن متغرِّبون عن الرب... فنثق ونُسَرُّ بالأَوْلَى أن نتغرَّب عن الجسد ونستوطن عند الرب. «(2كو 1:5-8)
وهذا تسجيل بديع لبولس الرسول الذي يُشبِّه حياتنا الآن بالجسد، أننا عائشون في خيمة أرضية عندما نخلعها نلبس مسكننا الذي من السماء، الذي هو الإنسان الجديد (الروح)، الذي مثَّله وكأنه فينا كعربون للحياة الأبدية مع الله.
الجسد الجديد لا يدخل الدينونة:
واضح كما قلنا إن الجسد الجديد مولود من الله. وبحسب القديس يوحنا، المولود من
الله لا يخطئ ولا يستطيع أن يخطئ، لأن له طبيعة من الله، وروح الله (زرْعه) كائن
فيه. وهذا يجعله منفصلاً كلِّية عن مفهوم الخطية وناموسها الذي يعمل في الجسد
المادي فقط، بل وبمنأى تماماً عن عقوبة الموت بالجسد التي أخذها آدم وورَّثها
لبنيه. لذلك يتعيَّن، بكل ثقة، أنه يستحيل أن يدخل الدينونة كما قال بولس الرسول:
»
لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع
«(رو
1:8). ونحن في المسيح يسوع حقًّا بالإيمان والمعمودية والتناول من جسده ودمه من
واقع الكفَّارة والخلاص. وحتى ولو أضفنا الجزء الذي أسقطته الأبحاث اللاهوتية
لعدم وجوده في المخطوطات القديمة، القائل مكمِّلاً الآية السابقة:
»
السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح
«
فهو
يشرح معنى »
الذين هم في المسيح يسوع «وليس
مُضافاً إليها.
إذن، أصبح الإنسان المسيحي الذي يحيا بإيمانه وبحسب مواهب الإنسان الجديد في التعلُّق بالله والعبادة والصلاة ومحبة الآخرين بالقلب وبالروح؛ لن يدخل الدينونة، وهو من الآن محسوب أنه في المسيح يسوع، يعيش شركة الحياة الأبدية معه كالعربون، وله الرجاء أنه سيحيا معه إلى الأبد، وله ميراث الملكوت كابن لله في المسيح.
بل ويزيد القديس يوحنا هذا اليقين حينما يقول لشعب كنيسته: » أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهَر بعد ماذا سنكون (هناك). ولكن نعلم أنه إذا أُظهِرَ (المسيح) “نكون مثله”، لأننا سنراه كما هو «(1يو 2:3). هنا يؤكِّد القديس يوحنا أننا سنقف بإنساننا الجديد الذي أخذناه في المعمودية بلِبْس المسيح، حينما نخلع العتيق بالموت الجسدي لنتقابل مع المسيح فوق، وأنه حينما يظهر المسيح أي يُستعلن لنا هناك، “سنكون مثله” من واقع ما أخذناه هنا، لأننا مخلوقون على صورة الله في البر وقداسة الحق. أما أنه تعقيباً على قوله: “سنكون مثله”، فقد أعطى السبب قائلاً: » لأننا سنراه كما هو « فهذا يعني أننا حينما نراه أمامنا فسيكون هو هو كما هو فينا.
هذا إبداع رؤيوي إيماني فائق القوة والعزاء.
(نوفمبر 1996)
الخليقة الأولى والخليقة الثانية
في الإيمان المسيحي
ومراحلها من قبل تأسيس العالم حتى النهاية
vUVUv
أصل خلقة الإنسان بحسب ما صرَّح به الوحي المقدَّس على لسان القديس بولس في رسالته إلى أهل أفسس هو أن يصبح لله خليقة إنسانية تقف أمامه وتُسبِّح إنعاماته بحسب الآيات:
أ - «مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويَّات في المسيح» (أف 3:1):
من هذه الآية يكشف الوحي عن أول سر من أسرار الخلق للإنسان، إذ تسجَّل في المقاصد الإلهية أن يحظى الإنسان بكل بركة روحية في السماويات كخليقة باركها الرب بركة مطلقة أي أبدية. فقوله: » بكل بركة روحية في السماويَّات « يعني بركة سماوية كلِّية أي مطلقة كعمل من أعمال الله الفائقة والدائمة. وبها تنكشف لنا خليقة الإنسان حائزة على كل المواهب والنِّعَم الإلهية السمائية. لاحِظ هنا الغياب الكامل لمفهوم الأرض والخلقة الترابية.
ثم أضاف الوحي “في المسيح”، وهكذا تحدَّد أن يكون هذا الامتياز الكبير لهذه البركات ليس للإنسان في حدِّ ذاته مستقلاً؛ بل تكون البركات السماوية ممنوحة في شخص يسوع المسيح. وواضح أنَّ تواجُد الإنسان في المسيح - الذي هو ابن الله - متَّحداً به، يعطيه هذه الامتيازات السماوية.
ب - «كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة»:
هنا توضيح قوي للآية السالفة، أي أن بركة الله للإنسان بالبركة الروحية السماوية في المسيح، هي على أساس أن الله “اختارنا في المسيح”، أي أن اختيار الله للإنسان هو أيضاً على أساس أن يكون متَّحداً بالمسيح، ولا يزال هذا كله في محيط مشورة الله قبل تأسيس العالم أي قبل الزمن.
ولكن قبل تأسيس العالم كان المسيح هو “الكلمة”. إذن، فخلقة الإنسان تحدَّدت في الابن المبارك لتكون متَّحدة به، وبالتالي وريثة في البركة معه، وبالتالي مقدَّسة وبلا لوم فيه.
ويحدِّد الوحي مكان تواجُد هذه الخليقة، أنها “قدَّام الله”، أي في حضرته. وهذا يكشفه سفر الرؤيا: » من أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدمونه نهاراً وليلاً في هيكله «(رؤ 15:7). أما العلاقة الجوهرية التي تربط هذه الخليقة السماوية الواقفة أمام الله بالله، فهي علاقة المحبة.
وهذا تحصيل حاصل، فالعلاقة الجوهرية التي تربط الابن بالله الآب هي المحبة، والمعنى أن هذه الخليقة بسبب اتحادها بالابن تدخل بالضرورة دائرة حب الله. كل هذا ولا يزال هو تصوُّر خلقة الله للإنسان قبل تأسيس العالم.
ج - «إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته»:
وهذا أيضاً توضيح ما بعده توضيح للآية السالفة في مفهومها الذي استنبطناه من واقع
الآية، إذ يقول هنا إن الله سبق فعيَّننا للتبنِّي قبل تأسيس العالم، أي حدَّد
علاقتنا الشخصية به لنكون أبناءً لله. ولكن إذ يستحيل على أي خليقة أن تأخذ درجة
الابن لله بالفعل وليس تجاوزاً، لذلك تحتَّم أن تأخذ درجة التبنِّي باتحادها
بالابن، ليكون التبنِّي بالوساطة وعلى حال الديمومة
والقداسة والمحبة الإلهية. ولكي يؤكِّد القديس بولس الرسول أنها حالة تبنٍّ لله
نفسه، يقول الوحي إن هذا التبنِّي هو “لنفسه”، بمعنى أنه تشوُّق إلهي عارم في ذات
الله لكي يكون له أولاد يتبنَّاهم لنفسه. وقد ترجم الوحي هذا الشوق بقوله: “حسب
مسرة مشيئته”؛ وهو تعبير يكشف حالة مسرَّة دفينة في قلب الله. فالله سُرَّ وشاء
أن يتخذ من البشر أولاداً بالتبنِّي، متَّحدين في المسيح ابنه، وواضح أنها مسرَّة
أبوية.
د - «لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب»:
وأخيراً يكشف لنا الوحي عن عمل الإنسان الأساسي، أو الغرض الحقيقي عند الله من خلقته ومباركته وتقديسه واتحاده بالابن وتبنِّيه لله حسب مسرَّة الآب؛ إذ يقول إن وظيفته الأساسية لدى الله تكون في وقوفه أمامه “لمدح مجد نعمته” بشبه الملائكة، ولكن في درجة أعلى بقدر ما يعلو البنون عن الخدم!
بهذا يكون الوحي قد أعطانا صورة واضحة أشد الوضوح عن تصوُّر الله لخلقة الإنسان في الأساس، وهو أن تكون خليقـة سماويـة ومباركة ومقدسة ومتَّحدة بالابن، ومخلوقة لتقف أمام الله - أي في حضرته - لتسبِّح وتمدح مجد نعمته، وهي حائزة على مسرَّة مشيئة الله؛ وأن موضوع التسبيح ومدح مجد نعمة الله هو ما سوف يقوم به الابن من عمليات فدائية وخلاصية جبَّارة معنا وفينا، التي يسمِّيها الوحي “النعمة التي أنعم بها علينا في المحبوب”، أي في الابن المسيح. هذه الصور البديعة كلها هي تصوُّرات الله فيما قبل الخلق وقبل تأسيس العالم، وقد كشفها الوحي المقدس لنكون على بيِّنة من أصل ومستوى خلقتنا العالي جداً الذي صحَّحه الله من عمق مسرَّة مشيئته ومن عمق حبِّه للابن الوحيد، ليكون الإنسان بالنهاية أقرب وأحب خليقة تقف أمامه وهي في حال الاتحاد مع الابن، لتسبِّحه وتمدح مجد نعمته.
بدء خلقة الإنسـان:
لم يبدأ الله بخلقة الإنسان من طبيعة السماء وبركاتها، ولا على مستوى الاتحاد بالابن، بل بدأ خلقة الإنسان من التراب ليرقى به على درجات، حتى بالنهاية ينقله النقلة الأخيرة من الأرض إلى السماء. فهذا هو الله ومستوى حكمته وطول أناته وإتقانه، ولابد أن خليقته بالنهاية تنطق بهذا وتشهد له من صميم كيانها وخبراتها.
الدرجة الأولى:
كانت خلقة الإنسان من التراب كما قصَّ الوحي بالتدقيق في سفر التكوين: نفخ فيها الله، فصار الإنسان نفساً حيَّة.
وصمَّم الله أن تكون خلقة الإنسان على صورته كشبهه، وذلك ليس على مستوى الظاهر، بل باعتبار ما سيكون في صميم كيانه الذي يُستعلن في النهاية.
وكان الإنسان، بحسب تعليق الله في سفر التكوين، أنه “وجده حسناً جداً”.
ولكن للأسف الشديد نحن لا ندري أيَّ حُسنٍ كان للإنسان؟ ولماذا كلمة “جداً”؟ لأنها من فم الله تساوي شيئاً كثيراً جداً، إذ عندما نعود إلى أنفسنا لا نجد ذلك الحُسن ولا “جداً”. إذن، فقد كانت خلقة الله الأولى صورة قريبة الشبه فعلاً من الله وذلك بسبب نفخة الله، لأنها منه، وبسبب هذه اللياقة أبقاه الله معه في جنة الله التي يصفها القدَّاس الإلهي أنها كانت هي درجة من الحياة الأبدية: “سقطنا من الحياة الأبدية، ونُفينا من فردوس النعيم”.
آدم في الفردوس:
كانت طبيعة آدم الترابية حائزة على صفات روحية ومميزات خاصة عالية تؤهِّله
للتواجد مع الله والحديث إليه والسمع له؛ بل وقبول المعرفة وانفتاح
الوعي. واللغة التي كان يخاطب بها الله لم تكن بالفم أو باللسان، والكلام الذي
يسمعه من الله ليس بالأُذن وحاسة السمع؛ بل كان هذا كله بالتخاطب الفكري والسماع
الداخلي، وهي من المواهب الراقية التي تنتمي إلى الروح أكثر منها إلى الجسد. كذلك
المشاعر والعواطف، سواء التي يُعبِّر بها الإنسان، أو التي يستقبلها لم تكن
حسيَّة جسدية إلاَّ فيما يلتقطه الجسد من انفعالات النفس الروحية.
أما الضمير الذي تربَّى للإنسان في وجوده مع الله والتعلُّق به والتأثُّر بمحبته، فهو مركز من المراكز السرِّية جداً في كيان الإنسان الذي هو صورة مصغَّرة لتقدير الحق عند الله وميزان العدل الحسَّاس الذي انطبع في وجدان الإنسان من دوام قربه وسماعه لله وشدة تأثير توجيهات الله التي تُرجمت عند الإنسان كقواعد للتفكير والتعبير والسلوك.
وباختصار، كان الضمير جزءًا من التخليق الذي ورثه الإنسان كأحد أعظم المواريث التي خرج بها الإنسان من لدن الله، وما زال يعيش بها على الأرض في ارتفاع وهبوط وتجلٍّ وضياع، لم تزده التعاليم أكثر مما كان في أصوله، ولكنه ضعف وتضعضع بطول الزمان والبعد عن الله.
ولكن يقف الضمير عند الإنسان عامة في مستواه الراقي دائماً وعلى ممر العصور،
كأعظم شاهد على ميراثه الروحي من الفردوس الضائع، وكصورة باهتة تشهد من داخله عن
قُربٍ كان له مع الله، وعن علاقة شديدة مع القدوس الأعلى، تقدِّم شهادتها في بعض
النماذج البشرية كأعظم ما تكون الشهادة في كل عصر وفي كل جنس بلا تفريق، توحي
بذاتها للوعي المفتوح عند الإنسان بعودة حتمية إلى ذات المنبع لاستئناف القصد؛
كما توحي بنوع النهاية التي سيكون عليها هذا الضمير بل والخليقة كلها، حينما
تُرفع عنها
أسباب هذا الانحدار المريع، وتستعيد جمال القصد وكماله.
وعلى مستوى الضمير كأحد المواريث التي خرج بها الإنسان من الفردوس، الوعي الروحي، وهو جهاز حسَّاس دقيق للغاية للتفكير والاختزان الروحي، يشتغل العقل على نمطه، ولكن لا يُجاريه في القوة والعمق والدقة والاختزان الذي يفوق الزمن ويتخطَّى اللحم والدم. وهو حينما ينشط في الإنسان بفعل الانشغال بالروحيات، يستطيع أن يستوعب الإدراكات العُليا التي تأتيه أو التي يستشفها من العالم الآخر، أو حتى من ما وراء الطبيعة، سواء كانت دينية أو موسيقية أو فنية. فهذه لغة الوعي الروحي للإنسان، ومن أعظم مواريثه التي خرج بها من لدن الله. والوعي الروحي الديني أو الأدبي أو الموسيقي أو الفني حقيقة تنطق من أين أتى الإنسان وإلى أين هو ذاهب. وهي تبلغ في مستواها عامة فوق المعقول كطفل في الثامنة يعزف مقطوعات أعظم موسيقار في العالم، أو صبي في العاشرة يقرض الشعر، أو فتاة قديسة تتكلَّم بالإلهيات وتحكي عن المستقبلات. هذه كلها مذَّخرات من خزانة الوعي الروحي للإنسان كعنصر من عناصر خلقته التي احتفظت ببريقها ولم يستطع الزمن أن يمحوها. وهذه أيضاً تحكي ليس عمَّا كانه الإنسان، بقدر ما تحكي عمَّا سيكونه حينما يبلغ القصد من خلقته البديعة التي تُحاكي الله.
وسواء الضمير والوعي الروحي، أو - فيما سبق - التخاطب الفكري مع الله دون الكلام، والسماع الداخلي والمشاعر والعواطف الروحية؛ فهذه كلها من مواريث خلقة الإنسان الأساسية التي حازتها من نفخة الله لتحاكيه في كل شيء ولا علاقة لها بالتراب. فحينما يفقد الإنسان جسده الترابي بالموت، تبقى فيه هذه المذَّخرات الروحية لتنضم إلى مكوِّنات الخليقة الروحية الجديدة للإنسان.
ولكن كان بديهياً ألا تقوى خليقة ترابية على التوافق مع الله في حياة دائمة. فبعد مُدَّة لا يُعرف مداها ثبت عجز الخليقة الترابية، فلم تستطع أن تحتفظ بمستواها كخليقة شبه الله وعلى صورته؛ إذ استخدم آدم نفس حرية الإرادة والمعرفة التي وهبها له الله على مستوى صورته كشبهه، استخدمها في التعدِّي على وصية الله، أي على مشيئته وإرادته، بقصد أن يكون آدم وحواء كالله حاصلَيْن على معرفة الخير والشر. وهكذا فَقَدَ كلاهما حالة الخضوع التي فيها كانا يستمدان من الله المشيئة والمعرفة الخيِّرة دون اجتهاد، فسقطا من مستوى طبيعتهما الخيِّرة المطلقة، ودخلا مجال المعرفة الشريرة ولم يخرجا منها.
ولكن لم يحدث هذا كأنه كان غريباً عن معرفة الله، أو كأنَّ خلقة الله للإنسان كانت خاطئة بحدِّ ذاتها أو معيبة - حاشا - ولكن الله خلقها من تراب وآزرها بنفخته، لكي يكون الترقِّي من قِبَل الله وبإرادته وقوَّته، وإلاَّ يصبح طموحاً لو جاء من ذات الإنسان. كما أن الترقِّي عندما يجيء بإرادة الله يكون هو التحوُّل ممَّا للإنسان إلى ما هو لله. ولكن الذي حدث لآدم أنه بعصيانه انفصل عن الله وسقط عنه؛ بل وسقط من مستوى طبيعته المتقنة المتزنة، فَفَقَدَ إمكانية الترقِّي، وبالتالي استُهدِف إلى التدهور.
وبناءً على ظهور هذا العجز والقصور في الخلقة الترابية لم تقوَ على البقاء في مستوى الحياة مع الله، فكان يتحتَّم نزولها إلى ما دون مستوى طبيعتها التي أهَّلتها أن تحيا في الفردوس مع الله، إذ فقدت امتياز وجودها معه.
الدرجة الثانية في سُلَّم خلقة الإنسان:
كانت عقوبة الموت واللعنة التي وقع فيها آدم نتيجة لعصيانه هي في الحقيقة على
مستوى خلقة التراب دون إجحاف من الله. فالموت هو في واقعه وحقيقته عودة إلى
التراب. إذن، فعقوبة الموت كانت هي بعينها النزول إلى التراب. وأما
اللعنة فهي بعينها النزول من مستوى الحياة مع الله أو الخروج من حضرة الله أو
البُعد عنه، وهذا صنعه الإنسان بيديه بعصيانه لله. فكان الموت بمفهوم العودة إلى
التراب رحمة من الله حتى لا يبقى الإنسان عائشاً عجزه وقصوره إلى الأبد. فالموت
بحدِّ ذاته كان يحمل أملاً ورجاءً أنه بعد أن يستنفد الإنسان عجزه وقصوره يمكن أن
يرفعه الله إلى الدرجة التي ليس فيها عجز أو قصور. علماً بأن العجز والقصور هو
الذي حتَّم بالموت وبالبعد عن الله أو اللعنة، وقد قَبِلَ كل هذا لكي بعد أن
يستهلك عجزه وقصوره، أي يبلغ نهايتهما، يمكن أن يرفعه الله ليعود إلى مستواه
الأول، ويرفع عنه الموت واللعنة بالضرورة.
وقد انقسمت الدرجة الثانية، وهي النزول إلى التراب إلى مرحلتين، ومنها يظهر كيف تدهورت طبيعة الإنسان الترابية واستبدَّ بها العجز والقصور.
المرحلة الأولى:
والتي بدأت بآدم وحواء، وامتدَّت إلى نسلهما، ونسمع عن هذا النسل سمعاً عجيباً يتوه فيه العقل. فنسمع عن آدم أنه عاش 930 سنة ومات، وعاش شيث بن آدم 912 سنة ومات، وعاش آنوش بن شيث 905 سنة ومات، وعاش قينان بن آنوش 910 سنة ومات، وعاش مهللئيل بن قينان 895 سنة ومات، وعاش يارد 962 سنة ومات، وعاش أخنوخ 365 سنة ولم يمت بل إن الله أخذه، وكانت أيام متوشالح ابنه 969 سنة ومات.
وهكذا سارت الأعمار على هذا المستوى حتى نوح، فجاء الطوفان وأهلك الله كل ذرية آدم بسبب “شر الإنسان”، واستبقى الله نوحاً وامرأته وبنيه ونساء بنيه، وعاش نوح 950 سنة ومات. وهكذا انتهى جيل الأجداد بني آدم العمالقة.
ويستوقفنا هذا المستوى العجيب من أعمار هؤلاء الأجداد، فهي تدور حول
التسعمائة سنة. فأيُّ إنسان كان هذا الإنسان، ما طوله وما وزنه؟ وأيُّ مخٍّ له
يقوى أن يعمل تسعمائة سنة؟ وبأي خلايا يعيش، والقلب أي قلب هذا وأي عضلات له وأي
شرايين هذه التي تظل تضخ الدم تسعمائة سنة دون أن تبلى أو تمرض؟ نعم إن هذا
الإنسان لعجيبٌ حقًّا. ويلزم أن نعيد أفكارنا وحساباتنا بخصوص هذه الدرجة من
الخليقة الترابية. كيف يعيش الإنسان ما يقرب من ألف سنة، والعالم من الميلاد حتى
الآن مجرد ألفي سنة!؟
نفهم من هذا أن الدرجة التي هبط إليها آدم فور خروجه من حضرة الله كانت تحمل آثاراً واضحة غاية الوضوح من الصورة المتقنة والحسنة جداً التي خلق الله الإنسانَ عليها في البدء. فمجرد أن يسمع أي عالم أنثروبولوجي اليوم عن إنسان عاش 969 سنة يخرج عن وعيه، وأقل نعت ينعت به هذه الخلقة هي أنها فائقة جداً على كل مستويات العقل وتصوُّراته وقادرة أن تنسف كل حسابات المستوى الطبي الذي تعمل عليه وبه أجهزة الإنسان الآن، وأنها من طبيعة تفوق العقل. هذا حقٌّ، لأنها كانت لا تزال تحمل بصمات خالقها قبل أن يبلوها الزمن ويستهلكها الإنسان بحماقاته.
المرحلة الثانية:
وبدأت بإبراهيم، حيث تناقص العمر بدرجة منحدرة انحداراً شديداً، إذ كان عمره 175
سنة ومات. وظلت بعد ذلك تتناقص الأعمار بغاية السرعة حتى صارت في متوسطها أيام
داود النبي 70 سنة، ومع الشدة فثمانون، أفخرها تعب وبليَّة (مز 10:90). وهكذا
بدأت الطبيعة الترابية تتآكل، إذ استهلكتها السنون والأمراض والجهالات، ولكن
الزمن كان أقوى العوامل لبلوغ الإنسان آخر انحداره، حيث بلغت الطبيعة الترابية
للإنسان أضعف منتهاها، وأصبح العجز العام والقصور فيها يمنع استمرارها في الحياة.
وبلغ شخص الإنسان المرتبط بهذه الطبيعة الترابية في انحدارها والذي يمثل العجز
والقصور فيها إلى منتهى التدنِّي في الأخلاق
والسلوك والبُعد عن الله، أي اللعنة. وتآكلت كل صفاته الطبيعية، حتى تلقَّفه الله
ليصنع فيه مشيئته حسب تدبيره الأزلي، ويمدّه بآخر درجة من درجات ترقِّيه، وذلك
بنقله نقلة كاملة من الطبيعة الترابية إلى الطبيعة السماوية ببركاتها الأبدية في
المسيح.
بدء مراحل الصعود بالطبيعة البشرية من التراب إلى السماء،
أو على الأصح خلقتها الجديدة
أصبح الآن واضحاً أنه يتحتَّم أن تأتي قوة تغيير هذه الطبيعة أو تجديدها من خارجها ومن الله نفسه، بحسب قصد الله الأزلي وحسب خطته التي وضعها من قبل تأسيس العالم؛ وذلك بأن لا يقف الإنسان المختار والمعيَّن للحياة أمام الله وحده، بل أن يكون “في المسيح يسوع” بحسب التدبير: » اختارنا فيه (في المسيح) قبل تأسيس العالم « وهنا يتضح منذ البدء الارتباط الأساسي والدائم في خلقة الإنسان بشخص المسيح حتى ينال القدرة والتأهيل أن يحيا أمام الله في السماء ويسبِّحه، على أساس “النعمة” التي سينعم بها الله علينا في المسيح يسوع. فأساس الخلقة للإنسان هي نعمة الله في المسيح.
البداية “قبل تأسيس العالم”:
أول شيء لكي يرتفع الإنسان بطبيعته من التراب إلى التواجد في السماء، يلزم أن
يتخلَّى نهائياً عن الطبيعة الترابية التي حملها وعاش بها مثقَّلاً قروناً طويلة
من الزمان بسبب عقوبة الموت واللعنة، لكي يمكنه أن يأخذ خلقة جديدة لطبيعة جديدة
وذات بشرية جديدة، ذلك في المسيح ومن طبيعته. ونحن قد سمعنا وتحقَّقنا أن الإنسان
بُدئ في التدبير لخلقته «قبل تأسيس العالم»، أي قبل الزمن، أي في الأزلية. كما
أننا سمعنا وتحقَّقنا أن خلقة الإنسان هي على
أساس التواجد الدائم والأبدي في المسيح في السماء:
»
باركنا بكل بركة روحية في السماويَّات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس
العالم، لنكون قديسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة
«(أف
3:1و4). لذلك أصبح من البديهي أن يبدأ تدبير الله “من المسيح” و“قبل تأسيس
العالم”، أي في الأزلية، حيث المسيح كان هو “الكلمة” الذاتي لله (أي الناطق
والفاعل لذات الله، حيث الكلمة هي نطق وفعل). وهكذا تعيَّن قبل تأسيس العالم أن
يكون “الكلمة” هو مسئول الخَلْق للإنسان، وأن من طبيعته ومن ذاته يخلقه.
“ولما جاء ملء الزمان”:
“جاء ملء الزمان” معناها أن زمان الإنسان على الأرض في تغرُّبه عن الله، وهو في طبيعته الترابية يشقى، قد بلغ المنتهى في تدبير الله - دون أن يلحظه الإنسان - بمعنى أن الإنسان قد استوفى عقوبته ولعنته على الأرض، وجاءت ساعة الرِّضا والخلاص ليبدأ الله عملية إصعاد الإنسان من التراب، أو خلقته الخلقة الجديدة بحسب تدبيره الأزلي.
وهذا يفيد أن مقابل الحركات التي ستبدأ على الأرض كان يتحتَّم بحسب التدبير أن تبدأ حركات مماثلة في السماء بالنسبة “للمسيح” أي مع “الكلمة”، لأن لحظة البدء على الأرض يلزم أن تكون السماء قد أكملت ترتيبها ليحدث البدء، أي بدء الخلقة في السماء والأرض معاً وبآنٍ واحد. لأنه - كما سبق وقلنا - فإن خلقة الإنسان الروحية في السماء هي قائمة “في المسيح” أي “في الكلمة”.
الذي حدث في السماء إعداداً للخلقة الجديدة للإنسان:
أما القائد والرائد الذي يدلُّنا على معرفة الذي حدث في السماء فهو بولس الرسول، إذ يقول الوحي على لسانه في موضعين:
الأول: »
فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً (يقصد هنا
الكلمة في السماء) الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خُلسة أن يكون مُعادلاً لله.
لكنه أخلى نفسه (˜autÕn
™kšnwsen)،
آخذاً صورة عبد، صائراً في شِبه الناس.
«(في
5:2و6)
الثاني: » ولكن لَمَّا جاء ملءُ الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة. «(غل 4:4)
إذن، واضح أمامنا أنه لكي يُرسِل الله ابنه أي الكلمة وهو قائم دائم في صورة الله، لَزِمَ لهذا الابن لكي ينزل على الأرض ويأخذ صورة إنسان أن يُخلي ذاته. والإخلاء هو تفريغ الذات، والقصد أنه أفرغ ذاته من مجد الألوهة (وليس ترك اللاهوت) حتى يستطيع أن يلبس جسد إنسان ويظهر به أمام الناس فيروه ولا يرتعب منه أحد، ويستطيع أن يعيش كإنسان دون أن يفقد جوهر لاهوته وفاعليته؛ أي يعمل أعمال الله ويُرَى كإنسان وهو الإله. فكان إخلاء الابن لذاته هو أول حركات الخلقة للبشرية الجديدة التي تمَّت في السماء.
الذي حدث في الأرض إعداداً للخلقة الجديدة للإنسان:
أما على الأرض، فقد أحدث الله حركات تاريخية كبيرة وعديدة إعداداً لنزول الابن وظهوره على الأرض. ويستحيل علينا أن نجمعها هنا، ولكن نختصرها للغاية. فالله أقام إمبراطوراً للرومان غزا جميع أقطار الأرض وأخضعها لروما، ونشر اللغة اليونانية والرومانية بالإلزام، وأصلح الطرق في جميع البلاد والمدن حتى أن أي تاجر مسافر يعبر جميع البلاد بأمواله آمناً حتى يصل روما، وأقام المحاكم الرومانية في جميع أقطار الأرض، فكان أن ساد الأمن والعدل. وهكذا استعدَّت الأرض لاستقبال الملك السمائي القادم من قِبَل الله.
بدء ظهور الخلق السماوي: “أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة”:
كنَّا قد عرفنا أن “الكلمة” ابن الله أخلى ذاته من مجد الألوهة استعداداً
للنزول على الأرض ليأخذ جسد إنسان يظهر به ليكمِّل فيه عملية خلقة الإنسان
الجديد.
وبالفعل أخذ الكلمة جسداً له مولوداً من الروح القدس ومن عذراء قديسة، ودعاه الملاك قبل أن يولَد: “القدوس ابن الله”. وظهر كإنسان وعَبَرَ على جميع مراحل نمو الإنسان. هنا، في الحقيقة، كان الابن الكلمة هو النموذج الأعلى والأسمى والأقدس للإنسان الجديد منذ ولادته حتى صعوده إلى السماء. لذلك سُمِّي بآدم الثاني أو آدم الجديد أبي الخليقة الجديدة للإنسان.
واضح أنه يمكن أن تُحسب طبيعته طبيعة بشرية لأنها مأخوذة من الإنسان (من عذراء قديسة)، ولكنها تُحسب بكل تأكيد ويقين أنها طبيعة إلهية بآنٍ واحد، فصاحبها هو ابن الله، فهي سماوية وطاهرة وقدوسة. والذي يقيمها وإن كان يُرَى أن له صورة الإنسان؛ ولكنه، في الحقيقة وفي غير المنظور، هو الكلمة ابن الله والقائم في صورة الله.
إلى هنا يكون الله قد صنع عيِّنة سماوية للإنسان الجديد كنموذج أعلى وأكمل وأقدس للبشرية الجديدة التي بدأت تنفصل عن تراب الأرض، وأُعِدَّتْ بقوة إلهية سماوية للحياة مع الله في السماء متَّحدة بالابن القدوس.
ولكن كان الفرق بين طبيعة الكلمة المتجسِّد وطبيعة الإنسان الترابي فرقاً شاسعاً
جداً كالفرق بين تراب الأرض وقداسة السماء والله، أو بين السالب والموجب. وهذا
الفرق يتضح حينما ندرك أن ابن الله طبيعته سمائية قدوسة؛ بينما طبيعة الإنسان قد
بلغت إلى درجة من العجز والقصور، وتراكم فوقها عَبْرَ آلاف السنين خبرات النجاسة
والفجور والشهوات الدنسة والولع بكل المُوبِقَات، بالإضافة إلى انحطاط الأخلاق
والسلوك من قتل وكذب وبغضة وعداوة وسلب ونهب وشراسة وكل دنايا الأخلاق والجهالات.
هذه كلها
انعجنت بها الطبيعة البشرية وملكت على الشخصية الإنسانية. فكان لابد قبل أن يلبس
الإنسان طبيعته الجديدة القدوسة السمائية، أن تُفرَّغ الطبيعة البشرية من عجزها
وقصورها وكل ما آل إليها من خبرة التراب في العالم، كما يُفرَّغ الإنسان ذاته
أيضاً من هذه المواريث بكل خبراتها التي لحقت بشخصه، أي تُفرَّغ الطبيعة وصاحب
الطبيعة معاً وبآنٍ، لكي تأخذ الطبيعة الجديدة مِلْئها السماوي وكذلك تأخذ ذاتاً
سماوية يرث بها الإنسان السماويَّات.
فكان على ابن الله المتجسِّد أن يعمل هذين العملين معاً للإنسان الترابي: يرفع عن طبيعته الترابية وعن ذاته الترابية عجزها وقصورها الترابي وما اختزنه الإنسان في نفسه من هذه الخبرات؛ حتى يستطيع أن يعطيه من جسده الجديد الإلهي ومن ذاته القدوسة طبيعة جديدة وذاتاً جديدة لها كمالها السماوي الذي يمكن أن تقف به أمام الله.
وبالفعل رَضِيَ الابن الكلمة المتجسد بتدبير الآب، أن يأخذ في طبيعته وفي نفسه كل مناقص وفضائح وعيوب وقصور الطبيعة البشرية التي اقتنتها لنفسها طول غربتها عن الله وهي على الأرض تحت العقوبة؛ كما يأخذ لنفسه نفس العقوبة بالموت واللعنة الواقعة على الطبيعة البشرية الترابية وعلى الذات البشرية القائمة عليها والمسئولة عنها. وهكذا تقرَّر في التدبير الإلهي أن يقف الابن بهذه الحال وعليه هذه العقوبة أمام الله، لا نائباً عن البشرية أو ممثِّلاً لها، بل حاملاً إيَّاها في جسده وفي نفسه، لينال معها (من أجلها) الحكم بالموت وجزاء اللعنة.
كيف استطاع ابن الله المتجسِّد أن يأخذ في جسده وفي نفسه
خطايا الإنسان وموته ولعنته؟
نعلم، ومنذ أول خدمة المسيح، كيف ظهرت خطة الله في تقديم ابنه حاملاً جسد الإنسان
وخطيته ذبيحةً على الصليب. فقد كشف المعمدان خطة الله
كأول استعلان عن عمل المسيح: »
هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم
«(يو
29:1)، بمعنى أن يكون ذبيحة خطية عن العالم. وقد صدَّق المسيح على ذلك مراراً
بقوله إنه سيتألم ويُصلب ويموت وفي اليوم الثالث يقوم، بمعنى أن المسيح بحسب
تدبير الآب رَضِيَ أن يكون كفَّارة عن خطايا وذنوب الإنسان ليفديه، بأن يأخذ معه
عقوبة الموت واللعنة في جسده وفي نفسه على الصليب، وبهذا يكمِّل فداء الإنسان.
علماً بأن الخطة كانت جاهزة قبل تأسيس العالم كما رآها القديس بطرس بالروح:
+ » عالمين أنكم افتُديتم لا بأشياء تَفْنَى، بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم، كما من حَمَلٍ بلا عيب ولا دنس، دم المسيح، معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم، ولكن قد أُظْهِرَ في الأزمنة الأخيرة من أجلكم. «(1بط 18:1-20)
ولكن أهم ما يعنينا هنا في عملية الفداء العُظمى التي قام بها المسيح ابن الله المتجسِّد، سواء بحمله خطايا الإنسان أو قبوله حكم الموت معها (من أجلها) أن المسيح قام بها ليس عن الإنسان، بل في الإنسان ومن أجل الإنسان الذي يحمل جسده ويحمل نفسه، لأن ابن الله لم يُصلب ولا قَبِل الموت عن نفسه - حاشا - بل إن ابن الله، إذ قد أخذ جسد الإنسان وكان قدوساً وبلا خطية، ثم حمَّل هذا الجسد القدوس جميع خطايا وذنوب وعصيان الإنسان؛ فصار ابن الله حاملاً الجسد العتيق الترابي للإنسان ذاته بكل معنى ويقين، ووقف أمام الله مسئولاً عنه باعتباره أنه هو الإنسان صاحب الطبيعة الترابية بخطاياها، وبآن واحد في اعتبار الله أبيه أنه هو هو الابن الذي نزل ليكمِّل خلقة الإنسان في ذاته، كيف؟
ما حدث في جثسيماني:
ما حدث في جثسيماني كان هو المرحلة الحاسمة من مراحل الفداء الخفية بين الآب
والابن، لأننا رأينا في الإخلاء الذي أجراه الكلمة الذاتي في نفسه
أول عمل من أعمال الفداء التي قام بها ابن الله لخلق طبيعة جديدة للإنسان سماوية،
يحيا بها في السماء. أما في العمل الثاني بلا منازع فكان التجسُّد، حيث إن الكلمة
ابن الله بعد أن أفرغ ذاته من مجد لاهوته (وليس من لاهوته)، اتَّخذ لنفسه جسد
عبد، أي إنسان، واتَّخذه لنفسه إلى الأبد. فكان التجسُّد أعظم حدث تمَّ على مستوى
السماء والأرض وربط الإنسان بالله إلى الأبد.
والآن نأتي إلى المرحلة الحاسمة من الفداء: كيف يفدي المسيحُ الإنسانَ من الموت واللعنة؟ وهنا نسمع المسيح وهو يصلِّي في جثسيماني إلى الآب » بصراخ شديد ودموع «كما يقول سفر العبرانيين (7:5). وكما تصفه الأناجيل الثلاثة أنه كان يصلِّي » بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض «(لو 44:22)! مصرِّحاً أمام تلاميذه أن نفسه قد بلغت من الحزن حدّ الموت! » نفسي حزينة جداً حتى الموت «(مت 38:26)، ثم انكشف السبب الذي زلزل هكذا نفسية المسيح ابن الله الكلمة المتجسِّد؛ إذ ظهر أن محور طلبة المسيح وتوسُّله الشديد إلى ثلاث مرات بصلاة وركوع هو لكي يُجيز الآب عنه «هذه الكأس».
أما ما هي هذه الكأس؟ فقد عجز علماء اللاهوت عن التعرُّف على » هذه الكأس « إذ قالوا إنها كانت رعبة الموت، وأن المسيح جاء في النهاية وارتعب من الموت!! وهذا التفسير معيب لا يتناسب قط مع المسيح. فالمسيح ليس أقل من الشهداء الذين كانوا يسخرون من الموت ومن الجلادين ويقدِّمون أجسادهم للنار وللوحوش بفرح بسبب قوة الرجاء والحياة التي فيهم. فهل يقشعر المسيح من الموت ويتخاذل ويصرخ بدموع إلى الآب أن ينجيه من الموت؟ فلماذا، إذن، أخلى ذاته؟ ولماذا تجسَّد؟ وبحسب قوله: » لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة!! «(يو 27:12)
أما الحقيقة فهي أن هذه الكأس تعبِّر عن كيف سيشرب المسيح خطايا البشرية وعارها، ويظهر علناً على الصليب حاملاً فضيحتها من زنا وقتل وتجديف على الله. فأمام حَمْل الصليب كان عليه أن يقرِّر: هل يقبل أن يكون صانع كل هذه الخطايا حتى يمكن أن يُصلب ويموت؟ وإلا لو كان المسيح تقدَّم بجسده على أنه هو القدوس فكيف يُحكَم عليه بالموت؟ بل وكيف يموت؟ ولا يموت إلاَّ مَنْ كان خاطئاً. وكيف يقبل اللعنة على الصليب إلاَّ مَنْ كان مجدِّفاً على الله؟! والآن كيف يقبل ابن الله المتجسِّد كلِّي القداسة والمجد أن يقف أمام أبيه كإنسان زانٍ ونجس وقاتل ومجدِّف، ناهيك عن كل الخطايا الأخرى؟ كيف والعلاقة بين الآب والابن لا تسمح، فسمة الابن الأولى والعُظمى هي الطاعة لأبيه. فكيف يقف أمامه كمجدِّف؟! والطبيعة الواحدة للآب والابن تتَّسم بالقداسة، وكيف يقف الابن أمام الآب نجساً زانياً؟! إلى هنا ونعود إلى الصلاة والركوع والصراخ والدموع، لماذا كانت؟ والتوسُّل لثلاث مرات أن يعبر عنه هذه الكأس!
واضح هنا أن طبيعة الابن وذاته القدوسة وَجَفَتْ وارتعبتْ بحكم قداستها من أن
تقف أمام الآب مجدِّفة. وظل الابن رافضاً كأس خطايا الإنسان وفضيحته أن تُنسب
ذاتياً للابن، فهذا يطال علاقته بالآب فكيف يقبل؟؟ ولكن يدخل هنا عنصر التجسُّد،
أي وضع الابن الجديد أمام الآب حاملاً أصلاً ما ليس له، وهو جسد الإنسان. فمشيئة
الابن يدخلها عنصر ما ليس له، إذ يدخل فيها حال الجسد البشري الذي يلبسه، الذي
امتنع عليه قبول هذه الخطايا وهو القدوس. وهنا بلغت المضادة أقصى توترها. وبعد
رفض الآب لثلاث مرات أيضاً وهو يرفض اعتذار الابن وتمنُّعه، سلَّم الابن
المتجسِّد المشيئة للآب، وقَبِلَ المسيح أن يشرب كأس خطايا البشرية طاعة للآب
فقط: »
لتكن لا إرادتي بل إرادتك «(لو
42:22). وكان هذا هو الفداء الأعظم، أو أعظم ما في الفداء.
إذن، فجثسيماني تقع في خريطة الفداء مكان البؤرة شديدة اللمعان.
هنا تبدأ المضادة دخولها عملياً على حياة المسيح. كيف يمارِس المسيح حكم الموت واللعنة مع (من أجل) البشرية كلها!! إلاَّ بحكم إدانة رسمية عالمية موثَّق عليه من الأرض كلها بكل شعوبها. فأولاً من قضاة الناموس القوَّامين على الناموس الذي يقضي وحده بالموت أمام الله، ثم يتحتَّم لكي يُنفَّذ حكم الموت أن يصدِّق عليه كل الأمم ممثَّلين في محكمة عالمية لها قاضيها الرسمي، وبعد مناقشة واتهام وثبوت التهمة حتى يموت أمام العالم. وهذا ما تمَّ، إذ بعد جثسيماني بل وأثناءها قُبض على المسيح، وبعدها مباشرة بدأت المحاكمات. وكان أهم عنصر في المحاكمات الذي تاه عن عقول معظم الشُّرَّاح والمفسرين، موقف المسيح الصامت وهو يسمع الاتهامات سواء أمام مجلس السنهدرين في جلستين: واحدة مسائية والأخرى صباحية، أو أمام هيرودس، أو أمام بيلاطس:
أمام رئيس الكهنة: » فقام رئيس الكهنة في الوسط وسأل يسوع قائلاً: أما تُجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟ أما هو فكان ساكتاً ولم يُجِبْ بشيء. «(مر 60:14و61)
أمام هيرودس: » وسأله بكلام كثير فلم يُجِبْه بشيء. ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد. «(لو 9:23و10)
أمام بيلاطس: » فسأله بيلاطس أيضاً قائلاً: أما تُجيب بشيء؟ انظر كم يشهدون عليك! فلم يُجِبْ يسوع أيضاً بشيء حتى تعجَّب بيلاطس. «(مر 4:15و5)
واضح أن أمامنا هنا خطة المسيح التي تمسَّك بها أن لا يرد ولا يدافع عن نفسه
قط أمام كل الاتهامات، بل إنه لم يراجع القضاة، الأمر الذي تعجَّب
منه بيلاطس، وتعجُّبه كان لأنه قاضٍ ويُدرك أن صمت المتهم عن الدفاع عن نفسه
لينفي عن نفسه جميع الاتهامات معناه ثبوت التهمة أي ثبوت كل أنواع الخطايا التي
نُسبت إليه أنه اقترفها بالفعل ولم يرد عليها. وبناءً عليه يكون قد أصبح الحكم
عليه بالعدل، لأنه قَبِلَ أن تُنسب إليه هذه الخطايا.
والآن يتضح أمام القارئ أن المسيح أخذ عملياً كل خطايا الإنسان: فهو مجدِّف على الله، ومُفسد للأُمة، وصانع شر؛ ولكن أخطرها أنه يجدِّف على الله التي عقوبتها الصَّلْب كملعون. ولذلك بارتفاع المسيح على الصليب راضياً وبإرادته أثبت بالفعل والحق ما قاله القديس بطرس إنه: «حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة» (1بط 24:2)، وصُلِب بمقتضاها ومات! كذلك: » المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب: ملعون كل مَنْ عُلِّق على خشبة. «(غل 13:3)
هنا الفداء يأخذ أقوى معناه، بل أقوى فعله؛ إذ مات المسيح حاملاً خطايا الإنسان واللعنة على الصليب، ونزل إلى القبر ودُفن وبَقِيَ في حالة الموت ثلاثة أيام ليُحسب موته موتاً كاملاً، وذلك بجسده حاملاً البشرية بكل خطاياها ولعنتها وكل عارها.
ولكن يتحتَّم أن ينتبه كل إنسان أن الخطايا واللعنة التي حملها المسيح في جسده
ومات بها، ليست خطاياه، فهو بقِيَ كما هو القدوس الذي بلا خطية. لذلك تحتَّم أن
يقوم من بين الأموات بجسد بشريته نفسه الذي مات به، ولكن بعد أن أكمل في جسد
بشريته عقوبة الإنسان بالموت واللعنة. وهكذا قام بجسد البشرية وقد سقطت جميع
الخطايا عنه، وسقط الموت واللعنة أيضاً. فأصبح جسد بشريته جديداً طاهراً قدوساً
غالباً الخطية والموت والهاوية، وإذ ارتفع عن الأرض أوضح بالبرهان المنظور نوع
القوة الإلهية الرافعة من الموت والتراب،
وقد انفصل نهائياً عن الأرض والتراب. ولَمَّا صعد المسيح بالجسد -
الذي مات به وقام - إلى السماء، برهن بالبرهان العملي المنظور كيف بعد
القيامة سيرتفع بنا المسيح لنستوطن السماء معه وفيه.
تسليم المسيح جسد القيامة الجديد الذي غَلَبَ به الموت والهاوية
إلى كل مَنْ يؤمن بالمسيح:
كان هذا ختام العمليات الكبرى للفداء التي قام بها الكلمة ابن الله المتجسِّد، حينما ارتفع بالجسد الذي أخذه من البشرية قائماً به من بين الأموات باعتباره جسد البشرية الجديد، باعتباره النموذج الأعظم للبشرية الجديدة التي خلقها المسيح في جسده من ذاته وشخصه وعلى صورته ولها كل علاقته بالآب: » أيها الآب البار، إن العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتُك، وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني. وعرَّفتُهم اسمك وسأُعرِّفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم «(يو 25:17و26). وهكذا أعدَّ المسيح البشرية الجديدة للصعود والحياة مع الله في السماء.
والآن جاء دور تسليم عيِّنة كاملة من جسد المسيح هذا القائم من بين الأموات بمجد الله، وذلك في المعمودية بالسر الإلهي الذي هو “سر الخلق الجديد” غير المنظور للإنسان أو “سر ميلاده الثاني من فوق بالروح من المسيح” لكل مَنْ يعترف ويؤمن ويشهد بموت المسيح وقيامته على الصليب. ما معنى هذا؟
معناه أن المسيح بالتجسُّد والموت والقيامة، خلق في نفسه الإنسان الجديد كاملاً
قديساً طاهراً حائزاً على البنوَّة لله في الابن الكلمة الذي هو الابن الوحيد قبل
التجسُّد كما هو بعد التجسُّد. فأقنوم الابن تجسَّد بكل ما له، غير أنه أفرغ ذاته
من مجده الإلهي حتى يستطيع أن يتجسَّد وحتى يُرَى للناس كإنسان. وعلى الصليب أكمل
فدية الإنسان وهيَّأه بالسر الإلهي، لكي يتقبَّل
الإنسان جسداً روحياً جديداً من جسد المسيح القائم من الموت عِوَض جسده العتيق
الترابي الذي أماته المسيح على الصليب. وها هو في المعمودية يشترك الآب والابن
والروح القدس في خلع الجسد العتيق بطبيعته الترابية عن الإنسان وإلباسه الخليقة
الجديدة:
+ » إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله (في المعمودية)، ولبستم الجديد (الإنسان الجديد) الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه. «(كو 9:3و10)
أما إذا استغرب الإنسان هذا العمل الفدائي كخلقة جديدة فعلية، فَعَلَيْه أن يسمع من المسيح ما علَّم به نيقوديموس عندما استغرب استعلان الميلاد الثاني من فوق من الماء والروح، فردّ عليه المسيح قائلاً: » المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. لا تتعجَّب أني قلتُ لك: ينبغي أن تُولَدوا من فوق. الريح تهبُّ حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كل مَنْ وُلِدَ من الروح «(يو 6:3-8). أي أن الخلقة الجديدة للإنسان، وهي الميلاد الروحي الثاني للإنسان من الماء والروح في المعمودية، هي عمل فائق على الطبيعة لا يُرَى لأنه يحدث بقوة الله الخالقة بالسر الإلهي في الخفاء شأن كل أعمال الروح.
وكما يقول الوحي على لسان بولس الرسول إن الذي يحدث في المعمودية بالنسبة للإنسان
هو هو بعينه ما حدث على الصليب؛ فعندما مات المسيح بالجسد، مات الإنسان العتيق
بطبيعته العتيقة، أي الذات البشرية العتيقة المسئولة عن الجسد العتيق. وكما قام
المسيح بجسد البشرية الجديد الغالب الخطية والموت والهاوية والعالم، هكذا أقام
الله لنا بالروح الإنسان الجديد بطبيعة جديدة مأخوذة سرًّا من قيامة المسيح بكل
صفاتها الجديدة التي قام بها من بين الأموات، حيث تتغيَّر الذات: “أنا الإنسان”
الترابية التي كانت مربوطة بالجسد العتيق، لتأخذ صورة ذات المسيح
القائم من بين الأموات:
+ » ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح. «(2كو 18:3)
+ » وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب (مثل) الله في البر وقداسة الحق. «(أف 24:4)
+ » سيغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده. «(في 21:3)
ولكن يهمنا جداً أن لا يغيب عن بالنا قط أن هذه الخلقة الجديدة للإنسان ليست حرَّة ولا مستقلة بذاتها، بل “مخلوقة في المسيح” ومتَّحدة به ولا تستطيع أن تنفصل عنه أو تفارقه قط. فاتحادها بالمسيح هو أعظم عنصر فيها، وهو الضامن لخلاصها ودوامها وترائيها في السماء أمام الله تسبِّحه كخليقة سماوية إلى الأبد:
+ » مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها. «(أف 10:2)
وبهذا نكون قد وصلنا إلى آخر مرحلة من مراحل الفداء، وبلغنا الخلقة الجديدة
للإنسان التي قصدها الله في نفسه قبل تأسيس العالم:
»
كما اختارنا فيه (في المسيح) قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين وبلا لوم قدَّامه
في المحبة، إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته
«(أف
4:1و5). أما البركة الروحية التي باركنا الله بها في السماويَّات، فهي التي
نعيشها الآن جزئياً وننتظر كمالها بفارغ الصبر عندما ننفض عنَّا الجسد العتيق
النفضة الأخيرة([6])
بانتظار القيامة
العتيدة أن تكون حينما يتجلَّى فينا الإنسان الجديد في بهاء نور المسيح.
أما تواجد الخليقة الجديدة للإنسان بصورة دائمة وأبدية في السموات مع المسيح وفيه حسب قصد الله الأزلي الذي أعلنه، فتقول الآية بالحرف الواحد:
+ » أقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات في المسيح يسوع، ليُظهر في الدهور الآتية غِنَى نعمته الفائق، باللطف علينا في المسيح يسوع. «(أف 6:2)
ويضيف إليها القديس يوحنا:
+ » أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهَر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو (فينا). وكل مَنْ عنده هذا الرجاء به يُطهِّر نفسه كما هو طاهر. «(1يو 2:3و3)
انظر الآن أيها القارئ، كيف أن خلقة الإنسان كانت منذ الأزل قبل تأسيس العالم ولا زالت ولا تزال شغل الله الشاغل. وانظر وتأمل، كم تنازل، كم بذل، كم ضحَّى ليخلق الإنسان بالنهاية خلقة سماوية مباركة بكل بركة روحية في السماويَّات. وانظر مدى الدقة في الخطوات التي تمَّت في الخلق وبعد الخلق هذه الألوف من السنين. وكيف أدَّت كل مرحلة إلى المرحلة التي تليها بكل قصد وحكمة، لتبلغ في النهاية إلى مقصدها المحفوظ في السموات قبل تأسيس العالم، لتحيا مع الله بحالٍ من القداسة والمحبة يليق بخليقة روحانية تقف أمام الله تسبِّحه وتمدح مجد نعمته إلى أبد الآبدين.
(فبراير 1997)
قيامة المسيح
إعلان ميلاد الخليقة الجديدة في الإيمان المسيحي
oVoVo
+ » لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها. «(أف 10:2)
يُلاحَظ من هذه الآية، وبحسب موضعها في الرسالة، أن العمل الصالح هنا هو هاجس الخليقة الجديدة وشاغلها الشاغل؛ وليس هو الواسطة أو الوسيلة التي تؤدِّي إلى الخليقة الجديدة. ومع أن طبيعة الخليقة الجديدة التي صارت لنا بالقيامة هي من عمل النعمة المحض، ولم تستلزم منَّا عملاً مسبقاً ولا حتى سؤالاً أو صلاة، إذ أنها أُعطيت لنا كهبة عامة ونحن مغروسون بالجهالة في صميم الخطية والتعدِّي؛ إلاَّ أننا بمجرد أن نحصل على هذه الخليقة الجديدة وندخل في مجالها الحي نُطالَب في الحال بالأعمال اللائقة بها:
+ »
وأنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا، التي سلكتم فيها قبلاً حسب دهر هذا
العالم، حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية، الذين
نحن أيضاً جميعاً تصرَّفنا قبلاً بينهم في شهوات جسدنا، عاملين مشيئات الجسد
والأفكار، وكنَّا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضاً؛ الله الذي هو غني في
الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبَّنا بها، ونحن أمواتٌ بالخطايا أحيانا مع
المسيح، بالنعمة أنتم مُخلَّصون، وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات في
المسيح يسوع، ليُظْهِرَ في الدهور الآتية غِنَى نعمته الفائق باللطف علينا في
المسيح يسوع. لأنكم بالنعمة مُخلَّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله.
ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد. لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال
صالحة قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها.
«(أف
1:2-10)
ويُلاحَظ من الآية الأخيرة أن الأعمال المفروض أن نسلك فيها هي أعمال تتبع منهجاً خاصاً سبق الله فأعدَّه وأوصى به في الإنجيل، فهي ليست تبع هوى كل إنسان، وإنما تتبع ترتيباً أو تدبيراً خاصاً تستطيع الكنيسة أن تقدِّمه بالروح حسب قياس قامة كل إنسان في النعمة.
على أن مجموع هذه الأعمال الصالحة تهدف لغاية واحدة هي ذات أهمية عُظمى تتعلَّق بموقف الإنسان الجديد المولود من الله بالنسبة للحياة الجديدة أو روح القيامة التي نالها. فكل الأعمال الصالحة تنصبُّ مباشرة في الشهادة لهذه الحياة في هذا الدهر، وتعمل لاستعلانها كنور للسائرين في الظلمة ولتمجيد الله الخالق والمُعطِي لها.
فالخليقة الجديدة، إن كان قد سمح الله لها أن تعمل في الزمان الحاضر وفي هذا
الدهر، مع أنها ليست من طبيعة هذا الزمان ولا تتناسب مع هذا الدهر؛ فذلك لكي تكون
شهادة دائمة على موت الرب وقيامته، لأنها في الحقيقة فوق مستوى فكر هذا الدهر.
لذلك أصبح من الضروري الإعلان الدائم عن صدق مواعيد الله التي تمَّت في صميم
الزمان بشهادة مسنودة ببرهان الروح والقوة. فالإنسان الجديد مخلوق أساساً
للشهادة، والشهادة بالروح هي بحدِّ ذاتها عمل صالح
»
مخلوقين... لأعمال صالحة «(أف
10:2)؛ بحيث لو كفَّ الإنسان الجديد عن الشهادة لملكوت الله وحياة الدهر الآتي
بسيرته وسلوكه، يصبح وكأنه يلغي وجوده الروحي أو يطمر وزنته في التراب إذ يتجاهل
ميراثه
الأبدي، وهو العلَّة التي من أجلها خُلِق ويعيش ليشهد لها كل يوم، لأنه
»
إن كنَّا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح.
«(رو
17:8)
وهذا المنهج الحتمي للأعمال الصالحة الهادفة في النهاية لتمجيد الله والمفروضة على الإنسان الجديد القائم من بين الأموات، هو في الحقيقة مُطابق تماماً لمنهج المسيح نفسه. فالمسيح قام من بين الأموات بمجد الآب ولتمجيد الآب في نفس الوقت: » حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدَّة الحياة «(رو 4:6)، أي نسلك في الحياة الجديدة كقائمين من بين الأموات، شهادة لمجد الآب: » أنا مجَّدتك على الأرض «(يو 4:17)، » أنا أظهرت اسمك للناس. «(يو 6:17)
ولكي يتضح أكثر هذا المنهج العملي المفروض على القائمين في جدة الحياة، يعود القديس بولس الرسول وينبِّهنا إلى أن المسيح نفسه إنما يحيا الآن لله، وهكذا ينبغي أن تكون حياتنا نحن أيضاً لله: » لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله. كذلك أنتم أيضاً احْسِبُوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية، ولكن أحياءً لله بالمسيح يسوع ربنا «(رو 10:6و11)، أي أن هدف الحياة الجديدة هو الشهادة لتمجيد الآب.
وهكذا يتحدَّد أمامنا أكثر الهدف من الأعمال بالنسبة للإنسان الجديد القائم من بين الأموات بسرِّ المسيح، فسواء كان عمل أو فكر أو إرادة أو نية «فافعلوا كل شيء لمجد الله» (1كو 31:10). فكما أن المسيح بعد القيامة هو «لمجد الله الآب»، هكذا كل مَنْ كان في المسيح كخليقة جديدة هو كله لمجد الله الآب.
وهذا الهدف المحدد من المنهج العملي المفروض على الخليقة الجديدة التي نالت
القدرة على العمل الصالح بقيامة المسيح من بين الأموات، وبانسكاب
روح القيامة الذي هو روح القداسة والتجديد، إنما يردُّ ردًّا واضحاً صريحاً على
عجز الخليقة الأولى العتيقة التي عجزت تماماً عن إتمام أي عمل صالح لتمجيد الله،
وكانت سبب تجديف وإساءة لاسم الله العظيم.
فالآن أصبحت وظيفة الخليقة الجديدة هامة وخطيرة بالنسبة لِمَا أخفقت فيه الخليقة العتيقة التي تسببت في فضيحة الإنسان وإهانة الله وتشويه صورته التي وهبها لنا بالخلقة. لذلك أصبحت المسئولية الملقاة على إنسان الله الجديد المولود من فوق والحامل لطبيعة الخليقة الجديدة مسئولية عُظمى لإعادة العلاقات الصالحة مع الله وإعادة كرامة صورته إلى وضعها الأكمل، وذلك تجاه نفسه، وتجاه الله، وتجاه الآخرين أيضاً.
فأولاً: تجاه نفسه:
فهو بعمله الصالح إنما يرد أولاً على ما عمله من الشرور التي تسببت في تشويه صورة الله التي فيه من جهة تلوث الفكر والإرادة والضمير والجسد؛ فأصبح العمل الصالح بمثابة إعادة صورة الله الصحيحة في الإنسان الجديد » المخلوق بحسب الله... حسب صورة خالقه «(أف 24:4، كو 10:3)، » أنتم عبيد للذي تطيعونه، إما للخطية للموت أو للطاعة للبر، فشكراً لله، أنكم كنتم عبيداً للخطيئة، ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلَّمتموها. وإذ أُعْتِقْتُم من الخطية صرتم عبيداً للبر. أتكلَّم إنسانياً من أجل ضعف جسدكم. لأنه كما قدَّمتم أعضاءكم عبيداً للنجاسة والإثم للإثم، هكذا الآن قدِّموا أعضاءكم عبيداً للبر للقداسة. «(رو 16:6-19)
وثانياً: تجاه الله:
فهو بعمله الصالح إنما يمجِّد الله؛ بينما بتعدِّيه وجهالته السابقة في طبيعته
العتيقة كان سبباً في التجديف على اسم القدوس: «لكي يروا أعمالكم
الحسنة، ويمجِّدوا أباكم الذي في السموات» (مت 16:5). هنا العمل الصالح يدخل
صميمياً في مفهوم الصلاة والخدمة الروحية والتسبيح العلني لتمجيد الله، حيث يأخذ
الإنسان الجديد بأعماله الصالحة مكانة ثابتة وسط صفوف الخدَّام السمائيين المنوط
بهم خدمة العلي وتمجيد اسمه القدوس، وهذه غاية من غايات الخلقة الجديدة.
وثالثاً: تجاه الآخرين:
وأخيراً، فإن العمل الصالح للخليقة الجديدة هو في صميمه موجَّه نحو الآخرين، وهو بمثابة كرازة بالعهد الجديد، وبشارة بالقيامة، وإظهار لفعلها المجدِّد المُفْرِح الذي دخل كيان الطبيعة البشرية، فأعاد خلقتها، ونقلها من سلطان الظلمة إلى ملكوت ابن الله. ولسان حال كل مَنْ يشهد للقيامة من نحو الآخرين هو: “لأُخبِر بفضل الذي دعاني من الظلمة إلى نوره العجيب” (1بط 9:2)، حيث تهدف أعمال الإنسان الجديد ليس لإرضاء ذاته، بل الآخرين في وجه يسوع المسيح الذي لم يُرْضِ ذاته قط بل الآب من أجلنا. وهذا في الواقع لا يحتاج إلى إقناع أو اجتهاد ذاتي؛ بل إنَّ كل مَنْ يدخل بهجة القيامة، ويذوق صلاح الرب، وتستنير عين قلبه بمعرفة محبة المسيح، ويعيش أفراح حياة الدهر الآتي، لا يمكن أن يسكت لأنها تصير كنارٍ في عظامه!!
ماهية العمل الصالح بالنسبة للإنسان الجديد القائم مع المسيح:
العمل الصالح بالنسبة للإنسان العتيق أمر شاق عسير ويكاد يكون مستحيلاً. فمهما جاهَدَ الإنسان في طبيعته فلن يكون عمله الصالح أكثر من مقاومة مريرة ضد الخطية ودوافعها الشريرة، أو مجرد أعمال ظاهرية لا تتعدَّى أثر الجسد أو النفس: » يقدِّس إلى طهارة الجسد!! «(عب 13:9)
أما بالنسبة للإنسان الجديد، فالعمل الصالح يتعدَّى الوجه السلبي للجهاد
ضد الخطية ليشمل خدمة البر والقداسة، أو بعبارة إنجيلية ليس هو “خلْع الإنسان
العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور” “مع أعماله” (أف 22:4، كو 9:3) الذي هو مجرد
تسديد ديون باهظة تورَّط فيها الإنسان بسبب الجهالة وغرور الذات، ولكن العمل
الصالح يتجاوز الخلع إلى اللِّبس:
»
ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه.
«(كو
10:3)
المعرفة الكاملة للمسيح كأساس العمل الصالح للإنسان الجديد:
لا ينبغي أن نفصل المعرفة وحدها ونشرح صلتها بالقيامة، لأنه لا توجد معرفة صالحة صادقة بدون عمل حتى ولا عند الملائكة.
إن المعرفة الروحية بحسب الخليقة الجديدة أو العهد الجديد، هي معرفة موهوبة وليست مكتَسَبَة من الخبرة الشخصية. وهذه هي طبيعة الحق، فالحق الإلهي هبة مُنِحَت للإنسان الجديد: » ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه «(كو 10:3)، حيث “المعرفة” هي في الأصل اليوناني تحمل معنى كمال المعرفة الحقة!! ومعنى ذلك أن يصير الإنسان الجديد أكثر فأكثر على صورة خالقه إنما بقدرٍ يتجدَّد كل يوم بواسطة المعرفة الجديدة الخاصة بالمسيح الذي هو النموذج الكامل الأعلى لصورة الله التي استُعلِنت لنا جهاراً.
وهنا يمكن المماثلة النظرية مع الخلقة العتيقة؛ فكما خلق الله الإنسانَ على صورته أولاً فشوَّهها الإنسان بالخطيئة حتى لم تَعُدْ للإنسان ملامح البر أو القداسة أو الحق، هكذا عاد الله وأعاد خلقة الإنسان روحياً على أساس البر والقداسة والحق في شخص يسوع المسيح، الذي هو باكورة الخليقة الجديدة ورأس الإنسان الجديد، الحامل لصورة الله الجوهرية في الإنسان بمجدٍ وإعجازٍ بسرِّ الكمال الفائق الذي لا يُنطق به!!
وبذلك تصبح معرفة المسيح هي اللبن العقلي الذي نغتذي به فننمو حتى نصل إلى أن يتصوَّر المسيح فينا الذي هو صورة الله. ولكن يعلِّمنا بطرس الرسول أن المعرفة لا تنمِّي الإنسان الجديد إلاَّ إذا كانت خالية من كل غش، حيث الغش هنا ينصب على المعرفة العتيقة، وهنا التركيز قائم على جِدَّة المعرفة أو المعرفة الجديدة الخالية من كل شوائب فكر الإنسان العتيق التي كانت ترتكز على مهارة وجهد الذات الإنسانية وخداعها المضلل سواء بالخطية أو العلم الكاذب الاسم، حيث المعرفة الجديدة تكون صادقة وحقَّة بقدر تطابقها على المسيح وروح القيامة، لذلك يتحتَّم أن تكون مُستمَدَّة من الروح القدس والإنجيل «يأخذ مما لي ويخبركم!!» (يو 14:16)
+ » فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمَّة (هنا خلْع الإنسان العتيق مع أعماله المنبثقة من الذات المخادعة. ويُلاحَظ أنها كلها صفات عقلية شريرة)، وكأطفال مولودين الآن (بقيامة المسيح)، اشتهوا (الإرادة الجديدة التي تستمد شهوتها من برِّ المسيح وليس من لذة الخطية) اللبن العقلي (أي الكلمة = أي معرفة المسيح) العديم الغش لكي تنموا به، إن كنتم قد ذُقْتُمْ أن الرب صالح. «(1بط 1:2-3)
ويُلاحَظ هنا أن مضمون كلمة “كأطفال” يشير إلى أن المعرفة ليست من نوع المهارة الذاتية أو الجهد الفني الشخصي، إنما مجرد عطش وطلب ودموع واشتهاء كاشتهاء الطفل للبن أُمه. وهنا بطرس الرسول يتفق تماماً مع بولس الرسول في أن الخليقة الجديدة تنمو وتتجدَّد بالمعرفة الحقة الكاملة للمسيح التي هي بمثابة طعام الحق عديم الغش (أي الخالية من غرور الذات والخطيئة). وهنا تصبح كل معرفة جديدة صادقة للمسيح مستمدَّة من الكلمة هي بمثابة نمو للإنسان الجديد، وتجديداً متواصلاً لصورة الله فيه!!
هنا معرفة المسيح هي غذاء سرِّي لقلب الإنسان الجديد وضميره وعقله ينمو
به كل يوم ويتحرَّك ويفكِّر ويسلك، فتزداد شهوة الإنسان إلى العمل الصالح
»
اشتهوا اللبن العقلي «بقدر
مذاقة صلاح المسيح »
إن كنتم قد ذُقتم أن الرب صالح
«
هنا المعرفة الروحية ترتفع إلى مستوى التذوُّق للحق كالأكل والشرب بالنسبة
للروح!!!
تجدُّد المعرفة الحقيقية وتغيُّرها من مجد إلى مجد صفة أساسية:
التجدُّد والتغيُّر من مجد إلى مجد من أهم خصائص المعرفة الروحية الصادقة. فالمعرفة الكاذبة ينسخ بعضها الآخر:
( أ ) أما صفة التجدُّد المستمر: » ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة «(كو 10:3)، فهي ضرورة حتمية بسبب الاحتكاك المتواصل بالجسد العتيق والمعرفة الغاشَّة التي تؤثِّر في المعرفة الروحية للمسيح، فتضعفها وتؤذيها وتطمس نورها؛ إما بالخطيئة التي تتربَّص دائماً بفكر الإنسان، وإما بالمعرفة الكاذبة الاسم التي تتطاول على معرفة الروح وتنسب إليها العجز والقصور باطلاً.
( ب ) أما صفة قبول التغيُّر المستمر: فناتج أصلاً من ديمومة وامتداد الحق الإلهي ولانهائية كمال المسيح » المذَّخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم «(كو 3:2 - اقرأ الأصحاح الثاني من رسالة كولوسي لأنه في غاية الأهمية هنا).
ولأن “معرفة محبة المسيح فائقة المعرفة” بالنسبة للإنسان، وستظل كذلك حتى بعد العبور الكامل للحياة الأخرى، لذلك أصبح التغيُّر من مجد إلى مجد صفة حتمية في النظر العقلي أو التطلُّع الروحي بالرؤيا العقلية لمجد المسيح: » ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف (بدون برقع الجهالة الذي تضعه الخطية على العقل فتطمس نوره). «(2كو 18:3)
من المعرفة الصادقة إلى العمل الإيجابي الصالح:
+ » فكما قَبِلْتُم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه، متأصِّلين ومبنيِّين فيه، ومُوَطَّدين في الإيمان، كما عُلِّمْتُم، متفاضلين فيه بالشكر. «(كو 6:2و7)
إذا قبلنا المسيح قبولاً روحياً كاملاً، واستضاءت معرفتنا به عن طريق الكلمة بالإنجيل، نجد أن المعرفة تولِّد إيماناً وطيداً مساوياً للمعرفة الصادقة (لأن المعرفة هنا هي في حقيقتها صلة سرية شخصية بالروح القدس، كنتيجة للشركة)، وحينئذ يبدأ العمل الصالح بدَفْع الإيمان كقوة منبثقة من مصدر سرِّي داخلي لا ينضب، وكحرارة منبعثة من مصدر داخلي تتجدَّد كل يوم بالمعرفة أي بالكلمة.
لذلك بعد أن نوفي المعرفة الحقة كل واجباتها، أي نكون على مستوى الشركة السرية مع المسيح “الحق” بالحب الشخصي والصلاة، نصبح أهلاً للعمل الصالح بدافع يقينية الشركة هذه وثقة الصلة الروحية المستمدَّة من المسيح بالإنجيل.
ويمكننا تقسيم العمل الصالح إلى قسمين كبيرين يلتحمان معاً في النهاية ليكوِّنا عملاً واحداً منسجماً:
القسم الأول: ويشمل جميع الأعمال الصالحة المفروض علينا تأديتها والسلوك فيها، لتجمعنا معاً نحن المؤمنين، كل المؤمنين، لنكون جسداً واحداً وروحاً واحداً حتى نصبح أهلاً للاتحاد بجسم المسيح.
القسم الثاني: ويشمل جميع الأعمال الصالحة التي يقدِّمها لنا الله كوسائط أو كأعمال نعمة مملوءة بالأسرار لتجمعنا وتوحِّدنا بالمسيح.
أولاً: القسم الأول: العمل الصالح كجهد مبذول من جهة الإنسان
لتكوين الوحدة المفروضة بين المؤمنين:
وقبل أن نشرح هذا الاتجاه من الأعمال الصالحة يلزم أن نعلم أولاً أن هذه الأعمال المفروض علينا تكميلها - بهدف تكميل الوحدة أو الاتحاد معاً لنكون جسداً واحداً وروحاً واحداً، حسب تعبير بولس الرسول - هي مبنية أساساً على صفات وخواص ومواهب ممنوحة من الله للخليقة الجديدة، ومغروسة في صميم طبيعتها، أي أن الأعمال الصالحة المفروض علينا تكميلها والسلوك فيها سبق الله وأعدَّ لنا مستلزماتها المفروضة، وشق لنا مسالكها في طبيعتنا الجديدة. لذلك أصبحت أولاً: مفروضة علينا، وثانياً: إذا أكملناها لا نُعتبر ذوي فضل، لأن كل إلهاماتها وقوتها ودوافعها موضوعة فينا بالروح القدس لتكون من صميم خلقتنا، وثالثاً: أصبح من الضروري أن نكمل واجباتها أولاً قبل أن نستحق ممارسة القسم الثاني السرِّي من الأعمال الصالحة الممنوحة لنا بالنعمة من داخل الأسرار.
وهنا يتضح أمامنا عمق الصلة بين المعرفة والعمل، وذلك بالنسبة للخليقة الجديدة المهيَّأة للحياة الروحية السرية مع المسيح، لأن كل عطية يعطيها المسيح وكل موهبة روحية يمنحها لنا بالروح القدس في حياتنا الجديدة أو في إنساننا الجديد؛ فهي حتماً تكون حسب قياس معين ومحدَّد يتناسب تناسباً دقيقاً غاية الدقة مع إمكانية وضرورة وكيفية اتحادنا بالآخرين لصالح الوحدة النهائية اللازمة والمحتَّمة بالنسبة لجميع المفديين والمخلَّصين، أي أن أساس جميع المواهب والعطايا الروحية التي يمنحها المسيح لنا هي لكي تؤهِّلنا لوحدة كاملة متكاملة مع الآخرين أولاً ثم مع المسيح بالتالي كجسد واحد بمعنى الكلمة([7])!!
لذلك أصبحت الطبيعة الإيجابية للعمل الصالح بالنسبة للإنسان الجديد محددة أمام عيوننا تحديداً لا مفرَّ منه، وهو أن العمل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُحسب عملاً صالحاً بالنسبة للخليقة الجديدة أو في ضوء القيامة إلاَّ إذا كان لحساب الوحدة ومنتهياً إليها: الوحدة التي تجمعنا معاً، ثم الوحدة التي تجمعنا مع المسيح. وبذلك يصبح قول بولس الرسول لأهل أفسس ذا قيمة كبيرة لنا في هذا المجال:
+ » فأطلب إليكم، أنا الأسير في الرب، أن تسلكوا كما يحق للدعوة التي دُعيتم إليها؛ بكل تواضع، ووداعة، وبطول أناة، مُحتملين بعضكم بعضاً في المحبة. مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام. جسدٌ واحدٌ، وروحٌ واحدٌ، كما دُعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلِّكم. ولكن لكل واحد منَّا أُعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح. «(أف 1:4-7)
إذن، هذه هي روح العهد الجديد أو روح الدعوة الجديدة لكل إنسان في المسيح. وهذه هي روح العمل الصالح للخليقة الجديدة التي تعمل لحساب النهاية الواحدة السعيدة.
ثانياً: القسم الثاني: العمل الصالح كنعمة ممنوحة مجاناً من الله:
+ »
صعد أيضاً فوق جميع السموات، لكي يملأ الكل. وهو أعطى البعض أن يكونوا رُسُلاً،
والبعض أنبياءَ، والبعض مُبشِّرين، والبعض رعاة ومُعلِّمين، لأجل تكميل
القدِّيسين، لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح، إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية
الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح... الذي منه
كل الجسد مُرَكَّباً معاً، ومُقترناً بمؤازرة كلِّ مفصلٍ، حسب عملٍ، على قياس كل
جزء، يُحَصِّلُ
نُموَّ الجسد لبنيانه في المحبة.
«(أف
10:4-16)
الحياة الأرثوذكسية داخل الكنيسة، حينما يجتمع الشعب كله مع الإكليروس في وحدة الصلاة والتسبيح والشكر، تُعتبر استعلاناً لحالة الوحدة المستقبلة، تُعاش الآن زمنياً، أي أن وحدة الكنيسة الآن في جامعيتها المتَّحدة بالصلاة هي أصلاً شركة مواهب بالروح، تُمارِس العمل الصالح حسب قياس الموهبة الصالحة الممنوحة لكل إنسان في المسيح كطبيعة الخليقة الجديدة وللكنيسة كلها، حيث كل واحد يعمل للبنيان حسب الموهبة التي منحه الله إيَّاها. وهكذا فإن العبادة العامة تضمن بكل ثقة ويقين نمو بنيان الكنيسة لحساب الملكوت على أساس تعدُّد المواهب التي تعمل لوحدة كل إنسان في جسد المسيح!! العبادة الأرثوذكسية هنا هي شركة مواهب تعمل لسرِّ الخلاص، عمل المواهب هنا هو عمل الصلاح الفائق الذي هو تاج كل الأعمال طُرًّا.
لذلك يلزم ألاَّ ننسى أبداً أن الموهبة هي أساس العمل الصالح للخليقة الجديدة. ويقول بولس الرسول أيضاً: » لكي يخلق الاثنين في نفسه (شركة) إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً (العمل الصالح) «(أف 15:2). وبهذا المعنى يتحوَّل مفهوم العبادة والصلاة والتسبيح إلى مفهوم العمل الصالح، باعتبارها أعمالاً جماعية تُعمَل بوحي المسيح، بروح واحد، لمجد الله، لتخدم معنى الوحدة. وبهذا تكون كل أعمال العبادة من ذات طبيعة الخليقة الجديدة وكعمل أساسي لها، لقيام ودوام وتثبيت وحدة المؤمنين في جسد واحد بالمسيح الرأس منذ الآن!!
+ »
امتلئوا بالروح، مُكلِّمين بعضكم بعضاً
بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مُترنِّمين ومُرتِّلين في قلوبكم للرب. شاكرين
كل حين على كل شيء في اسم ربنا يسوع المسيح، لله والآب. خاضعين بعضكم لبعض
في خوف الله. «(أف
18:5-21)
وهنا تظهر هذه الأعمال التي هي في صميم العبادة وترتيبها، أنها أعمال موحاة من الروح القدس، ونتيجة مباشرة للامتلاء منه سبق الله فأعدَّها لنسلك فيها. وهنا يلزمنا أن نشرح أكثر كلمة “نسلك فيها”، فكلمة peripatšw في الأصل اليوناني تفيد أن ينظِّم الإنسان نفسه بمقتضاها، أن يقود الإنسان نفسه فيها، أن يحدد الإنسان سلوكه بحسب أصولها؛ وكلها تفيد معنىً واضحاً دقيقاً يمكن جمعه هكذا: إن الله سبق فرتَّب لنا أعمالاً روحية تتناسب مع صلاحه ومع طبيعتنا الجديدة التي نأخذها من المسيح بالروح القدس، وتتناسب مع مواهب الروح التي سكبها ويسكبها علينا لنُمارِس هذه الأعمال (العبادة) على الدوام، حتى تصبح سلوكاً محدَّداً وحياة متوافقة وخاضعة بسرور لمشيئة الله وتدبيره؛ وهذا ليس حسب هوى نفوسنا وذواتنا. لذلك يلزم فيها من جهة الجسد عملية القمع والضبط والخضوع حتى تصير الطبيعة الروحية غالبة والعبادة الصالحة هي السائدة، كما سنرى في العمل الصالح من الوجهة السلبية الأخرى تجاه الخطايا والجسد.
إن قمة أعمال العبادة التي يُمارِسها المؤمنون معاً، كجماعة متَّحدة وبنفس
الوقت كأفراد، لتخدم طبيعة الوحدة وتعلنها وتنشِّطها بصورة دائمة، هي سر
الإفخارستيا؛ حيث يجتمع الجميع كجسد واحد وبروح واحدة حول جسد واحد وروح واحد،
وإذ يأكلون الجسد الواحد بروح الفرح والمحبة، يصيرون بسرِّ المسيح القائم من بين
الأموات جسداً واحداً فعلاً وكنيسة واحدة قائمة من بين الأموات. وبهذا يُعتبر سر
الإفخارستيا قمة الأعمال الصالحة التي سبق الله فأعدَّها ورتَّبها لنسلك فيها، أو
بحسب التعبير اليوناني: أن ينظِّم الإنسان نفسه بمقتضاها، ويقود نفسه بحسب ما
يتضمنه من معنى مُستخلِصاً منه قوة لسلوكه في الوحدة التي يقوم عليها سر
الإفخارستيا بالدرجة الأولى: «كأس البركة التي
نُبارِكها، أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟
فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد»
(1كو 16:10و17). هنا سر الشركة اسم على مُسمَّى، دخول فعلي في حياة جديدة مثل سر
الشكر تماماً.
وبهذا يُعتبر سر الإفخارستيا هو استعلان سر الملء أو سر الوحدة للخليقة الجديدة، حيث يجتمع الكل في جسد واحد حي هو جسد المسيح المُقام من بين الأموات، فهو استعلان سر الخلاص النهائي للبشرية كلها حينما يجمع المسيح كل شيء في نفسه: « الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل، وهو رأس الجسد... لأنه فيه سُرَّ أن يحلَّ كل الملء. » (كو 17:1-19)
وبالنهاية تكون جميع ثمار الأعمال الصالحة التي نقدِّمها لله هي في حقيقتها متاجرة رابحة، أو الربح الناتج من المتاجرة بالمواهب الممنوحة للطبيعة الجديدة التي وُلِدنا بها ثانية بقيامة المسيح. والله إذ يتقبَّل منَّا هذا الربح الناتج من وزناته يردّه إلينا على هيئة فيض نعمة، انسكاب بركة ومحبة: « الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر، سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح» (رو 17:5). ولكن هذا الفيض الإضافي من النعمة يدفع الإنسان الجديد لمزيد من العمل والشهادة والبذل، وهكذا يختمر العالم كله بخمائر صغيرة من مواهب الله المنسكبة على الخليقة الجديدة.
والأعمال الصالحة المفروض علينا تأديتها كخليقة جديدة في المسيح يسوع، بحسب ما أعطانا المسيح من مواهب، أو على حدِّ تعبير بولس الرسول: «فأنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد... قاسماً لكل واحد بمفرده، كما يشاء » (1كو 4:12و11)؛ تنقسم هي أيضاً إلى نوعين من الأعمال يلتحمان معاً في النهاية ويصيران عملاً واحداً يهدف إلى وحدة المؤمنين:
النوع الأول: يشمل الأعمال السلبية التي نشهرها كأسلحة جديدة تُسلِّحنا بها طبيعتنا الجديدة لنُقاوِم بها طباعنا وأخلاقنا وسلوكنا التي للإنسان العتيق الذي كانت تتحكَّم فيه الخطايا والأهواء وشهوات الغرور.
والنوع الثاني: يشمل الأعمال الإيجابية التي تظهر كطباع أو أخلاق أو فضائل أو مميزات الإنسان الجديد المُلهَم بالنعمة التي هي أصلاً صفات وأفكار المسيح فينا.
وقد شدَّد المنهج الإنجيلي على حتمية البدء بالأعمال السلبية ضد الإنسان العتيق.
أولاً: النوع الأول السلبي:
الأعمال السلبية المفروضة علينا كجهد مبذول من جهتنا
كخليقة جديدة ضد سلوكنا القديم:
هذا النوع يعتبر في طبيعته جهداً سلبياً موجَّهاً ضد الإنسان العتيق وأخلاقه، الذي كانت الخطايا تتسلَّط عليه سابقاً.
أسبقية الجهاد السلبي:
هذا الجهاد السلبي، وإن كان يمشي جنباً إلى جنب مع الجهاد الإيجابي أي إظهار صفات الإنسان الجديد، إلاَّ أنه يتحتَّم أن يتم الجهاد السلبي أولاً، وهذا يوضِّحه بولس الرسول باختصار هكذا:
1 - » هذا وإنكم عارفون الوقت، أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم (وهي ساعة قبولنا الحياة الجديدة بكل حرارتها ومعرفتها وقوتها وغيرتها)، فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنَّا. قد تناهى الليل وتقارَب النهار (ليل جهالة الخطية، ونهار معرفة النعمة)، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور. «(رو 11:13و12)
الخلع أولاً، ثم اللِّبس.
2 - » أن تخلعوا من جهة التصرُّف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. «(أف 22:4-24)
3 - » إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه. «(كو 9:3و10)
ما هي أعمال الإنسان العتيق؟ وكيفية سقوطنا فيها؟
وكيفية قيامتنا الجديدة منها؟
أعمال الإنسان العتيق:
لقد حدَّد العهد الجديد أعمال الإنسان العتيق في مواقف عدة نلخِّصها كالآتي:
1 - » وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذاك يُنجِّس الإنسان، لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل، زنا، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف. «(مت 18:15و19)
» وأما الزنا وكل نجاسة أو طمع فلا يُسَمَّ بينكم كما يليق بقدِّيسين، ولا القباحة، ولا كلام السفاهة والهزل التي لا تليق، بل بالحري الشكر. فإنكم تعلمون هذا أن كلَّ زانٍ أو نجس أو طمَّاع - الذي هو عابدٌ للأوثان - ليس له ميراث في ملكوت المسيح والله. لا يغُرَّكم أحد بكلام باطل، لأنه بسبب هذه الأمور يأتي غضب الله على أبناء المعصية. فلا تكونوا شركاءهم. لأنكم كنتم قبلاً ظلمة، وأما الآن فنور في الرب. «(أف 3:5-8)
» لأن الأمور الحادثة منهم سرًّا، ذكرها أيضاً قبيح. «(أف 12:5)
2 - » أميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزنا، النجاسة، الهوى، الشهوة الرديَّة، الطمع الذي هو عبادة الأوثان، الأمور التي من أجلها يأتي غضب الله على أبناء المعصية، الذين بينهم أنتم أيضاً سلكتم قبلاً، حين كنتم تعيشون فيها. وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل: الغضب، السَّخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم. لا تكذبوا بعضكم على بعض. «(كو 5:3-9)
3 - » لنسلك بلياقة كما في النهار، لا بالبَطَر والسُّكر، لا بالمضاجع والعَهَر، لا بالخصام والحسد. بل البسوا الرب يسوع المسيح، ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات. «(رو 13:13و14)
4 - » وأعمال الجسد ظاهرة: التي هي زنا عهارة نجاسة دعارة عبادة أوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزُّب شِقَاق بدعة حسد قتل سُكر بَطَر... إن الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله... لا نكن مُعجبين نُغَاضِب بعضنا بعضاً، ونحسد بعضنا بعضاً. «(غل 19:5-21و26)
» لأن مَنْ يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً. «(غل 8:6)
» إن عشتم حسب الجسد فستموتون. «(رو 13:8)
5 - » لأنه كما قدَّمتم أعضاءكم عبيداً للنجاسة والإثم للإثم، هكذا الآن قدِّموا أعضاءكم عبيداً للبر للقداسة... فأيُّ ثمرٍ كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن؟ لأن نهاية تلك الأمور هي الموت... لأن أُجرة الخطية هي موت. «(رو 19:6و21و22)
6 - » ليُرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خُبث. «(أف 31:4)
7
- »
الروح الذي حلَّ فينا يشتاق إلى الحسد؟ ولكنه يُعطي نعمة أعظم (الآن).
«(يع
5:4و6)
8 - » من أين الحروب والخصومات بينكم؟... تشتهون ولستم تمتلكون... تقتلون وتحسدون... تخاصمون وتُحارِبون... تطلبون ولستم تأخذون، لأنكم تطلبون رديًّا لكي تنفقوا في لذَّاتكم... أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله... لا يذُمَّ بعضكم بعضاً أيها الإخوة، الذي يذُمُّ أخاه ويدينُ أخاه يذُمُّ الناموس ويدينُ الناموس... فَمَنْ أنت يا مَنْ تدين غيرك؟ «(يع 1:4- 12)
9 - » ... مملوئين من كل إثم وزنا وشر وطمع وخبث، مشحونين حسداً وقتلاً وخِصاماً ومكراً وسوءًا، نمَّامين مُفترين، مُبغضين لله، ثالبين مُتعظِّمين مُدَّعين، مُبتدعين شروراً، غير طائعين للوالدين، بلا فهم ولا عهد ولا حُنُوٍّ ولا رِضىً ولا رحمة. «(رو 29:1-31)
* * *
ويُلاحَظ هنا أن كل أعمال الإنسان العتيق تنقسم إلى قسمين أساسيين:
القسم الأول: أعمال موجَّهة ضد الله:
وهي تنصب كلها في أعمال الزنا والنجاسة والتجديف وعبادة الأوثان القديمة والحديثة، حيث الزنا والنجاسة هما تسليم الجسد والنفس للروح النجس عِوَض تسليمه لروح الله للقداسة. هنا الجسد يصير متَّحداً بالروح النجس عِوَض طبيعته المتأصِّلة على أساس اتحاده بروح الله، ويصير متعبداً للنجاسة عِوَض أن يكون عابداً بالقداسة: «ولكن الجسد ليس للزنا بل للرب، والرب للجسد!!!!» (1كو 13:6)، » لأن الله لم يدْعُنا للنجاسة بل في القداسة. «(1تس 7:4)
أما التجديف وعبادة الأوثان التي هي محبة المال والقنية والاعتداد بالذات وتأليهها، فهي بمثابة تقديم العقل والفكر والضمير لسيد العالم وإله هذا الدهر، ويصير الإنسان متعبِّداً للعالم عِوَض الله: » وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين وأعداء في الفكر، في الأعمال الشريرة، قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت، ليُحضركم قدِّيسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه. «(كو 21:1و22)
القسم الثاني: أعمال موجَّهة ضد الإنسان:
وهي تعــدٍّ على حقوق الغير وعلى كرامتهم وسمعتهم وإيذاء نفوسهم، وهذه كلُّها تعمل لتفكيك الوحدة والصلة بين الإنسان وأخيه الإنسان على كل المستويات.
وهكذا نرى أن أعمال الإنسان العتيق الشريرة سواء الموجَّهة ضد الله أو الموجَّهة ضد الإنسان الآخر، إنما تعمل لهدف واحد شرير وتنتهي عند هذا الهدف، وهو تفكيك وحدة الإنسان بالله وتفكيك وحدة الإنسان بالإنسان.
كيفية سقوطنا في أعمال الإنسان العتيق الشريرة:
1 - » لأنهم لَمَّا عرفوا الله لم يمجِّدوه أو يشكروه كإله، بل حمقوا في أفكارهم، وأظلم قلبهم الغبي... لذلك أسلمهم الله أيضاً في شهوات قلوبهم إلى النجاسة، لإهانة أجسادهم بين ذواتهم. «(رو 21:1و14)
2 - » الذين استبدلوا حق الله بالكذب، واتَّقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق. «(رو 25:1)
» فلو كنت بعد أُرضي الناس، لم أكن عبداً للمسيح. «(غل 10:1)
» لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان. «(رو 26:1)
3 - »
وكما لم يستحسنوا أن يُبْقُوا الله في معرفتهم، أسلمهم الله إلى
ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق.
«(رو
28:1)
4 - » الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط، بل أيضاً يُسَرُّون بالذين يعملون. «(رو 32:1)
5 - » الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح، الذي هو صورة الله. «(2كو 4:4)
6 - » فأقول هذا وأشهد في الرب، أن لا تسلكوا في ما بعد كما يسلك سائر الأُمم أيضاً ببُطل ذهنهم، إذ هم مظلمو الفكر، ومُتجنِّبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم. الذين - إذ هم قد فقدوا الحِسَّ - أسلموا نفوسهم للدعارة ليعملوا كل نجاسة في الطمع. «(أف 17:4-19)
7 - » كي لا نكون في ما بعد أطفالاً مُضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم، بحيلة الناس، بمكر إلى مكيدة الضلال. «(أف 14:4)
8 - » لا تعطوا إبليس مكاناً. اغضبوا ولا تخطئوا. لا تغرب الشمس على غيظكم. «(أف 27:4و26)
9 - » وأنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا، التي سلكتم فيها قبلاً حسب دهر هذا العالم، حسب رئيس سلطان الهواء، الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية. «(أف 1:2و2)
10 - » فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق، لا كجهلاء بل كحكماء، مُفتدين الوقت لأن الأيام شريرة. «(أف 15:5و16)
»
من أجل ذلك لا تكونوا أغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرب.
«
(أف 17:5)
11 - » لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا. ولأجل هذا سيُرسل إليهم الله عمل الضلال، حتى يُصدِّقوا الكذب، لكي يُدان جميع الذين لم يُصدِّقوا الحق، بل سُرُّوا بالإثم. «(2تس 10:2-12)
* * *
وهكذا يمكن تلخيص الأسباب كالآتي:
( أ ) عرفوا الله (ذكاء وعلم) ولم يمجِّدوه (عبادة وصلاة)، وهكذا يُحسب ذكاؤهم وعلمهم أنه حماقة فكر وظلمة قلب. والنتيجة أنهم أُسلموا إلى شهوات قلوبهم ليعملوا النجاسة. وهكذا يكون تعظُّم الفكر واحتقار أمور الله كالصلاة والعبادة، هي النتيجة الحتمية للتخلية الإلهية كجزاء طبيعي. وبالتخلية تنعمي البصيرة في الحال، فلا يرون الحق الإلهي، فيسقطون راضين في خداع الشهوة والباطل.
( ب ) لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم (أي انتقلوا من صف الله إلى صف العالم) ç أُسلِموا إلى ذهن مرفوض (خالٍ من نور الله)، لأن غياب الله ظلمة في الفكر والقلب.
( ج ) عرفوا حكم الله ولم يخشوه، بل فرحوا أيضاً بالمخالفين ç لذلك أسلِموا إلى الدينونة وإلى قساوة قلب غير تائب، لأن مقاومة الحق تؤدِّي إلى قساوة شيطانية مُرَّة ضد التوبة.
( د ) المتشكِّلون بفكر وعمل هذا الدهر
ç
ينعمي ذهنهم
ç
لا يُقبلون على الإنجيل، وإذا قرأوه لا يجدون فيه أي شيء نافع أو منير لهم،
لأن القلب إذا ذهب وراء العالم انقفل الذهن تجاه الإنجيل.
( هـ ) متجنِّبون عن حياة الله (أي يهربون من كلمة الوعظ ومكان العبادة)، والنتيجة تكون حالة جهل بالله ç ذهن يعمل في الباطل، والنتيجة أن يفقدوا الإحساس الروحي.
( و ) طفولية التفكير في الروحيات ç محمولين بكل ريح تعليم بلا تمييز، والنتيجة ç اضطراب نفسي، والنتيجة ç سقوط في مكيدة الضلال.
( ز ) إسكان الشيطان في الفكر وفي النفس بسبب الدوام في حالة غضب، والنتيجة ç تسلُّط الخطية والتفنُّن في التعدِّي.
( ح ) مجاراة روح العالم وأهل العصر (حسب دهر هذا العالم) = (حسب رئيس سلطان الهواء) = والنتيجة ç السقوط تحت قيادة روح المعصية.
( ط ) السلوك بدون تدقيق وبدون الرجوع لكلمة الله، والنتيجة ç الدخول في حالة جهالة هي غباء حقيقي ç ضياع العمر في الباطل.
( ي ) الانصداد عن محبة الحق (استهتار) وعلامتها ç يفرحون بالضلال ويصدِّقون الكذب ç ويسرُّون بالإثم.
ويُلاحَظ أن جميع أسباب السقوط في جميع أعمال الإنسان العتيق الشريرة تتعلَّق كلها بالمعرفة. فإما تعالٍ على الحق، وإما رفضه، وإما تجاهله، وإما الجهل به. وهكذا ترتبط الخطية بالمعرفة رباطاً أكيداً منذ البدء.
* * *
ثانياً: النوع الثاني الإيجابي:
أعمال الإنسان الجديد المميِّزة والمتَّصلة بالمسيح،
وأهمها المواظبة على الصلاة والتناول كطعام القيامة:
اجتماع المؤمنين باستمرار للاشتراك في كل طعام، وبالأخص القدَّاس، هو في حقيقته السريَّة تواجُد متواتر مع المسيح القائم من بين الأموات “اصنعوا هذا لذكري”، تواجُد مشترك. فهو الذي يدعونا لنتصل به اتصالاً فعلياً شمولياً، وليس اتصال معرفة هنا، أو اتصالاً بالفكر؛ بل اتصال بجسد ودم المسيح، ليدخل المسيح بشخصه في واقع الإنسان بكل عمقه وامتداده، لا لنتواجد معه فقط، بل ليتواجد هو معنا حسب مسرَّة مشيئته: » لأنه حيث اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم «(مت 20:18)، ونحن لا ندعوه ليتواجد معنا فقط، بل إذا خُتم الاجتماع بالتناول من الجسد والدم، فإنه يكون بمثابة دخول سرِّي فينا حيث نأكل ونشبع من وجوده ومن قيامته، لأن الجسد والدم يحملان قوة وفعل الفداء والحياة لنمو وثبوت الأعضاء في جسد المسيح السرِّي القائم من بين الأموات: » اثبتوا فيَّ وأنا فيكم. «(يو 4:15)
هنا العمل الصالح الذي أعدَّه لنا الرب بنفسه هو في الحقيقة طعام القيامة السرِّي
النازل من السماء كل يوم ليعمل عمله ويفعل فعله العميق غير المنظور في خليقتنا
الجديدة، ويثبِّت الأعضاء الجُدد في الجسد ويوحِّدهم جميعاً، ليكون لهم وللجسد
كله مصدر حب وفرح وإلهام كقوة متجدِّدة وشكل واحد بالروح:
»
فإن كان عضو واحد يتألَّم، فجميع الأعضاء تتألَّم معه. وإن كان عضو واحد يُكرَّم،
فجميع الأعضاء تفرح معه «(1كو
26:12). كل فرد يأخذ من الملء والملء يزداد بصورة مستمرة بانسكاب مواهب الله
الجديدة على الجسد كله: »
وأما أنتم فجسد المسيح، وأعضاؤه أفراداً
«(1كو
27:12). وبالنهاية يصبح كل فرد - بسبب امتلاكه لصفات ومميزات
الإنسان الجديد - له كل ما للجسد من كرامة ومجد حتى مجد الرأس، والجسد
له كل ما للأفراد في وحدة متناظرة فائقة هي أصلاً وبالأساس وحدة حب وبذل وانسجام
وترفُّق، وهي الصفات التي لها القدرة الإعجازية على التجميع لبلوغ حالة تمجيد
لله: »
أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد... وأنا
ممجَّد فيهم. «(يو
22:17و10)
كيف أن استعلان العمل الصالح يمجِّد الله:
+ » فليُضئ نوركم هكذا قدَّام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجِّدوا أباكم الذي في السموات. «(مت 16:5)
هنا التمجيد الذي يقصده المسيح ليس التمجيد اللفظي، وإنما انعكاس النور الذي ينبعث من الأعمال الصالحة التي يعملها الإنسان الجديد فيكشف مجد الله للعالم. العالم بطبيعته المادية وبتركيبه المنطقي العلمي لا يعرف الله ولا يستطيع أن يعرفه من ذاته: » ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله (أمور الروح) لأنه (لأنها) عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه (يعرفها) لأنه إنما يُحكم فيه روحياً. وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحْكَم فيه من أحد «(1كو 14:2و15). والأمور الطبيعية والمنطق العلمي بحدِّ ذاته يمكن أن يؤدِّي إلى معرفة الله وإنما بتوسُّط الروح القدس الذي يكشف الصلة بين الخالق والمخلوق، ولكن العالم من نفسه أو الإنسان الطبيعي بتركيبه الطبيعي ليس فيه روح الله، لأن الروح القدس هو عطية الله الجديدة للإنسان: » روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم. «(يو 17:14)
إذن، أصبحت الأعمال الصالحة المعمولة بالروح القدس وبواسطة الإنسان الجديد
المخلوق جديداً بالقيامة من بين الأموات، هي بمثابة الصلة الوحيدة بين
عالم الماديات ومنطق الطبيعة وبين الله خالقها. فالعمل الصالح المعمول بالنعمة هو
برهان الروح الوحيد لإظهار الله كخالق وكشف قوته المختفية وراء الطبيعة
والماديات. وهذا هو مجال تمجيد الله الوحيد، ولكن يلزم هنا أن يكون العمل الصالح
قد بلغ قوته وكماله في جمع المتفرِّقين إلى واحد ولَمِّ شمل الأعضاء جميعاً في
جسد واحد يتحرَّك بصورة إعجازية فائقة على مستوى الطبيعة في المحبة والأُلفة
والبذل والفداء، حيث يصبح أيضاً وعاءً صالحاً يسكب الله فيه قوته الفائقة للمنطق
العقلي، فتصبح الكنيسة بجملتها وبحدِّ ذاتها كوحدة مجتمعة شاكرة مسبِّحة مستقبِلة
لعطايا ومواهب الروح القدس، برهاناً على وجود الله وعمله وصلاحه، وتكون بوحدتها
القوية غير المنحلة هي معجزة العالم الجديد الشاهد لله وسبب تمجيده إلى الأبد.
ولكن الذي يعطِّل شهادة الكنيسة لله كخليقة جديدة في العالم في كل زمان ومكان هو فُرقتها وانقسامها، سواء في العقيدة الواحدة أو من جهة انقسام العقائد كلها، أو من جهة السلوك المادي. العالم الآن غريب عن الله، بسبب تغرُّب الكنيسة عن طبيعتها وظهورها بهذه الصورة المنقسمة المتفرِّقة المتشايعة لهذا الزمان ولنفسها، وليس لله. فالكنيسة غير منظورة جيداً كعمل صالح، وغير موجودة كشهادة لله حيَّة وفعَّالة بالنسبة للعالم، وفُرقة الكنيسة وانقسامها وانشغالها بالماديات يجرِّدها من جوهر العمل الصالح، ويجعل تصرُّفها يظهر وكأنه من صميم الطبيعة الأرضية. هذا تعيشه الكنيسة دون أن تدري أنها بذلك تبرهن للإنسان الطبيعي على عدم وجود الله في العالم!
(1971)
المعمودية بالمفهوم الروحي
كمدخل للخليقة الروحانية الجديدة
أعظم أسرار الكنيسة وبابها المفتوح في السماء
nvlvn
أول مَنْ كشف هذا السر العظيم وربطه ربطاً محكماً بملكوت الله هو المسيح، عندما جاء إليه نيقوديموس ليلاً في أورشليم مضمراً أن يسأله عن ملكوت الله الذي يبشِّر به، فابتدره المسيح: «الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولَد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله.» (يو 3:3)
التعبير هنا سرِّي وبديع، فالذي يولَد من فوق هو وحده الذي يرى ما فوق!
ولَمَّا تعذَّر على نيقوديموس فهم إمكانية الولادة مرة أخرى، إذ ظنها أنها
ولادة جسدية ثانية، انتقل المسيح في الحال ليكشف له ولأول مرة “الولادة من
الروح”: «الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولَد من الماء والروح لا يقدر أن
يدخل ملكوت الله» (يو 5:3). والكلام هنا أيضاً منطقي وبديع، فلأن ملكوت الله
ملكوت روحي، أصبح لا يمكن أن يدخله إلاَّ المولود من الروح. ولكي يقطع المسيح خط
الرجعة على نيقوديموس فلا يعود يفكِّر في الجسد، قال له: «المولود من الجسد جسد
هو، والمولود من الروح هو روح» (يو 6:3). هنا السر عميق، فالمسيح يشير إلى ولادة
روحية جديدة غير الولادة الجسدية العتيقة. فبالولادة الأولى لَبِسَ الإنسان
الجسد، وبالولادة الثانية لَبِسَ الإنسان الروح. وصارت ذات الإنسان جسداً
بالميلاد من الجسد، وروحاً أيضاً
بالميلاد من الروح. »
أما الجسد فلا يفيد شيئاً «(يو
63:6) من جهة ملكوت الله، لأنه من التراب أصلاً وإلى التراب يعود بالموت؛ أما
الإنسان الثاني الروحاني المولود من الروح القدس والماء فهو إنسان السماء،
الإنسان الذي من فوق، المخلوق ليرى ويدخل ملكوت الله ويحيا.
وهكذا عبَّر المسيح عن المعمودية أنها الباب المفتوح في السماء ليدخل منه كل مَنْ وُلِد من الماء والروح القدس.
السر الأول والأعظم في الكنيسة:
لقد استؤمنت الكنيسة وحدها على سر التعميد، لأنها الآن محسوبة أنها تعمل عمل ملكوت الله على الأرض وتكمِّله، كما استؤمنت على الروح القدس وإعطائه، فأصبح من حقِّها وواجبها معاً أن تلد للمسيح أولاداً وبناتٍ للملكوت. فالآن إن كان بدون أن نولَد من فوق لا نرى الملكوت، وبدون أن نولَد من الماء والروح لا ندخل الملكوت، هذا يعني مباشرة أن الكنيسة تحتفظ بسرِّ رؤية الملكوت والدخول فيه، المطلب الأول والأعظم للإنسان، وذلك بواسطة التعميد الذي فيه يولَد الإنسان من جديد ميلاداً روحياً بإنسان جديد يحيا فيه بانتظار الخروج من الجسد العتيق ليستوطن ملكوت الله.
الاتصال الثابت والدائم في المسيح:
وإنسان المعمودية الجديد الذي يولَد به الإنسان روحياً ميلاداً سرِّياً من فوق، لا يحيا داخل الإنسان بمفرده تحت سطوة الإنسان العتيق. ولكن لأنه يولَد من طبيعة المسيح القائمة من بين الأموات، فهو يولَد منه ويظل متصلاً به اتصالاً دائماً ووثيقاً، لا يفكُّه من المسيح إلاَّ خطية إنكار المسيح أنه ابن الله الذي تجسَّد وصُلِب وقام من بين الأموات:
+ »
مَنْ اعترف أن يسوع هو ابن الله، فـالله يثبت فيه وهو في الله. ونحن قد عرفنا
وصدَّقنا المحبة التي لله فينا. الله محبة، ومَنْ يثبت في المحبة، يثبت في الله
والله فيه.
«(1يو
15:4و16)
+ » مَنْ هو الكذَّاب، إلاَّ الذي يُنكر أن يسوع هو المسيح! هذا هو ضد المسيح، الذي ينكر الآب والابن. «(1يو 22:2)
+ » والآن أيها الأولاد، اثبتوا فيه، حتى إذا أُظْهِرَ يكون لنا ثقة، ولا نخجل منه في مجيئه. «(1يو 28:2)
+ » كل مَنْ يثبت فيه (حالة شركة روحية بالإنسان الجديد) لا يخطئ. كل مَنْ يخطئ لم يبصره ولا عرفه (هنا البصر والمعرفة تعبير عن الإيمان القلبي بالإنسان الجديد وليس العقلي). «(1يو 6:3)
إنسان المعمودية الجديد له صورة المسيح وطبيعته:
+ » لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع، لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها. «(أف 10:2)
+ » وتلبسوا الإنسان الجديد (بالمعمودية) المخلوق بحسب الله (على صورته) في البر وقداسة الحق. «(أف 24:4)
+ » إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله (بالإيمان والتوبة والاعتراف والعماد)، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه. «(كو 9:3و10)
+ » لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. «(غل 27:3)
هنا حالة وجود والتصاق دائم بالمسيح كقول القديس بولس: » مَنْ التصق بالرب فهو روح واحد «(1كو 17:6)، الذي أسماه القديس يوحنا شركة روحية دائمة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.
ولكن الذي يسترعي انتباهنا في هذه الآيات أنها تصوِّر لنا بالفعل حالة خلقة
داخلية روحية جديدة للإنسان يحياها، وله صورة الله وطبيعة القيامة في
المسيح التي لا يسود عليها الموت بعد والمهيَّأة للارتفاع.
على أن المعمودية يتم فيها بالسر موت الإنسان العتيق مع أعماله:
لأن إجراء سر المعمودية في إيمان الكنيسة يُعتبر لاهوتياً بمثابة الموت مع المسيح على الصليب والدفن في القبر ثلاثة أيام بثلاث غطسات باسم الآب والابن والروح القدس:
+ » نحن الذين متنا عن الخطية، كيف نعيش بعد فيها؟ أم تجهلون أننا كل مَنْ اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدُفِنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جِدَّة الحياة. «(رو 2:6-4)
والذي نود أن نركِّز عليه، وهو الذي دفعنا للكتابة، هو أن إجراء المعمودية كسرٍّ ليس مجرد طقس وتمثيل، بل هو بالإيمان حالة مشاركة واقعية بالروح مع المسيح في آلامه وصلبه وموته ثم قيامته. فبمجرد أن يُعرَّى الإنسان من ملابسه وينزل ليُدفن في الماء تحت يد الأسقف (أو الكاهن)، فهذا هو الاعتراف الفعلي بالتجرُّد من العالم وأعماله. وحينما يُطلب من المعتمد أن يجحد الشيطان علناً، فإن ذلك يُحتسب له مشيئة شخصية وعهد. وحينما يخضع برأسه ويُدفن في الماء ثلاث مرات، يُعتبر أنه شارك بروحه وقلبه الداخلي (الإنسان الآخر الجواني) في عملية الموت والنزول إلى القبر والبقاء فيه ثلاثة أيام بمعنى تكميل حقِّ عقوبة الموت.
ولا يظن الإنسان بسذاجة أن هذه تمثيلية فاقدة فعلها، بل هي تُحسب فعلاً إرادياً
موازياً لإرادة الصلب عند المسيح وموته ونزوله إلى القبر. على أن ما عمله المسيح
على الصليب وفي القبر، هو بالإيمان فعل إلهي أكمله ابن الله وجعله فعلاً مفتوحاً
ليشترك فيه كل إنسان بإيمانه القلبي وسيرته الروحية. فقوة أفعال المعمودية هي
بعينها قوة أفعال ابن الله الوحيد على الصليب من أجل كل مَنْ يؤمن. لأن ابن
الله لم يكن بحاجة أن يُصلب ويموت، فهو القدوس البار الذي لم يفعل خطية ولا وُجد
في فمه غش؛ إنما خضع تحت مشيئة الآب ليصنع بإرادته هذه الأفعال ليخلِّص بها
الإنسان من الخطية والموت. فأصبح كل مَنْ يؤمن بها ويُثْبِت إيمانه بفعل
المعمودية، يدخل شريكاً فيها ويتقبَّل كل نتائجها.
خلع الإنسان العتيق:
+ » إذ خلعتم (بالمعمودية والمشيئة والنية) الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه. «(كو 9:3)
+ » إن كنتم قد سمعتموه وعُلِّمتم فيه كما هو حق في يسوع، أن تخلعوا من جهة التصرُّف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجدَّدوا بروح ذهنكم. «(أف 21:4-23)
+ » قد تناهى الليل وتقارَب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور... البسوا الرب يسوع المسيح، ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات. «(رو 12:13و14)
هنا يستنهض القديس بولس الإحساس بقوة عمل المعمودية فينا.
+ » وبه أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيدٍ (المعمودية في المسيحية توازي الختان في اليهودية)، بخَلْع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقمتم أيضاً معه بإيمان عمل الله، الذي أقامه من الأموات. وإذ كنتم أمواتاً في الخطايا وغَلَف جسدكم، أحياكم معه، مسامحاً لكم بجميع الخطايا. «(كو 11:2-13)
هنا يشبِّه القديس بولس خلع الإنسان العتيق في المعمودية بما يتم في ختانة
اليهود ومعناها، إذ تعني التخلُّص من الجزء النجس في الإنسان تعبيراً عن تطهير
الإنسان. فأصبحت في المعمودية التي توازي فعل الختان اليهودي، التخلُّص من
الجسد العتيق جملة بكل أعماله، وأسماه: «خلع جسم خطايا البشرية»، الذي تمَّ لنا
لاهوتياً بشركتنا في موت المسيح ودفنه:
»
مدفونين معه في المعمودية «
ما يحقِّق لنا إيمانياً صحة اعتقادنا بأننا في المعمودية نشترك في صلب المسيح
وموته، الذي وصفه بولس الرسول بكل صحة لاهوتية هكذا:
+ » وإن كان المسيح فيكم (بالمعمودية)، فالجسد (العتيق) ميِّت بسبب الخطية (التي أبطلها المسيح في الجسد)، وأما الروح (الإنسان الجديد) فحياة بسبب البر (الذي هو بر الله في المسيح، الذي وهبه لنا بجسد قيامته). «(رو 10:8)
+ » لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع (بالقيامة من بين الأموات في الجسد الجديد) قد أعتقني (أي خلَّصني) من ناموس الخطية والموت (الذي يعمل في الجسد العتيق). «(رو 2:8)
ويلتفت بولس الرسول ويكلِّم المؤمنين بالمسيح الذين اعتمدوا وخلعوا جسد الخطايا الذي كان واقعاً تحت الناموس وحكم الموت بالناموس، ولبسوا الإنسان الروحي الجديد الذي لا علاقة له بالناموس أو الخطية أو الموت الأبدي هكذا: » وأما أنتم فلستم في الجسد (العتيق) بل في الروح (الإنسان الجديد)، إنْ كان روح الله ساكناً فيكم (بالإيمان والمعمودية والمسحة). «(رو 9:8)
هذا يعني أن خلع الجسد العتيق مع أعماله هو أصلاً عمل المسيح على الصليب وفي
القبر من أجلنا، ونحن نلناه معه بالإيمان وفي شركة المعمودية والدفن في الماء.
ويوضِّح بولس الرسول معنى ذلك بأننا أُعتقنا من ناموس الخطية والموت العامل في
أعضاء الجسد العتيق، فحتى إن كان لا يزال يعمل في الجسد العتيق، ولكن لا قوة ولا
سلطان للخطية أو الموت على الإنسان الجديد الروحي الذي أخذناه بالمعمودية، والذي
يُحسَب أنه قام من الموت مع المسيح وداس الخطية استعداداً لارتفاعه إلى فوق، حيث
وُلِد وأخذ طبيعته
لميراث الحياة الأبدية مع المسيح الساكن فيه. ويؤكِّد ذلك أيضاً بقوله:
»
لا شيء من الدينونة الآن (على أي خطية) على الذين هم في المسيح يسوع
«(رو
1:8)، أي الذين اعتمدوا ومات فيهم الإنسان العتيق مع أعماله التي صارت أعمالاً
مائتة، ولبسوا الإنسان الجديد المحسوب أنه خليقة جديدة على صورة خالقها في البر
وقداسة الحق.
استعلان البنوَّة لله للإنسان الجديد في المعمودية:
+ » وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه. الذين وُلِدوا ليس من دم، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله (وُلِدوا). «(يو 12:1و13)
+ » انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله. من أجل هذا لا يعرفنا العالم، لأنه لا يعرفه. «(1يو 1:3)
+ » أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهَر بعد ماذا سنكون... «(1يو 2:3)
+ » كل مَنْ هو مولود من الله (بالمعمودية بالروح وبالإيمان) لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله. «(1يو 9:3)
+ » كل مَنْ يؤمن أن يسوع هو المسيح (منطوق اعتراف المعمودية) فقد وُلِدَ من الله. «(1يو 1:5)
حين اعتمد المسيح شهد له الله الآب من السماء أنَّ:
»
هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت
«(مت
17:3). وهكذا كل الذين يولدون لله من الماء والروح يشهد لهم الروح فيهم:
»
إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف (روح الناموس)، بل أخذتم روح التَّبني
الذي به نصرخ يا أَبَا الآب! الروح
نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله.
«(رو
15:8و16)
+ » شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه (بميلاد الماء والروح كخليقة جديدة). «(يع 18:1)
هنا الولادة بكلمة الحق إشارة واضحة إلى فعل الخليقة الجديدة بكلمة الله.
+ » مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي حسب رحمته الكثيرة ولَدَنا ثانية لرجاءٍ حيٍّ، بقيامة يسوع المسيح من الأموات. «(1بط 3:1)
هنا تعبير جميل أن الميلاد الثاني هو لرجاء حيّ يبقى محفوظاً في السموات.
+ » مولودين ثانية، لا من زرع يفنى، بل ممَّا لا يفنى (بالمعمودية)، بكلمة الله الحيَّة الباقية إلى الأبد. «(1بط 23:1)
هنا تعبير القديس بطرس بأن الميلاد الثاني هو من “زرع الله” sperma الذي لا يفنى، كناية عن الروح القدس، وهو عامل التوليد في الإنسان (الجديد) عِوَض “زرع الإنسان” الذي هو سائل الإخصاب sperma. وهو نفس التعبير الذي نسمعه عند القديس يوحنا أن المولود من الله لا يخطئ، لأن زرع الله ثابت فيه (1يو 9:3)، بمعنى أن الروح القدس لا يفارِق الإنسان الجديد الذي ولده في المعمودية بالماء، بل يبقى متَّحداً به ليمدَّه بالحياة الدائمة (الأبدية). فالإنسان الجديد حيٌّ بالروح القدس وحياته ممتدة في الأبدية.
+ » وكأطفال مولودين الآن (بعد المعمودية مباشرة وهم كبار)، اشتهوا اللبن العقلي (كلمة الإنجيل) العديم الغش لكي تنموا به. «(1بط 2:2)
وقوله: “كأطفال مولودين”، مع أنه يكلِّم شعب الكنيسة وكلهم كبار رجالاً ونساءً
الذين اعتمدوا بعد الإيمان مباشرة، يوضِّح مقدار التماثل في الميلاد الروحي
الثاني. وقوله عن اشتهاء اللبن العقلي هو كناية عن مقدار شهوة الأطفال الرضَّع
لرضاعة لبن الأم بنهم. فهو يدعونا أن نشتهي اللبن العقلي وهو
كلمة الإنجيل التي ننمو بها روحياً بوعي عميق كما ينمو الطفل بدوام اشتهاء رضاعة
اللبن. و“عديم الغش” تعبير عن مصداقية الإنجيل والتعليم الرسولي.
لِبس الإنسان الجديد:
واضح أن “لِبس الإنسان الجديد” هي عملية متوازنة، فبقدر ما نخلع العتيق مع أعماله الشريرة، نلبس الجديد بأعماله الصالحة التي سبق الله فأعدَّها لنا لكي نسلك فيها (أف 10:2). وإن كان بولس الرسول يؤكِّد هذا: » لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدَّد يوماً فيوماً «(2كو 16:4)، ولكن هذا إنما يكون بحسب شعورنا وملاحقتنا للجسد العتيق الذي لا يكف عن اشتهاء مشيئاته.
أما بحسب حقيقة عمل الله العجيب في سر المعمودية، فالإحلال والإبدال يكون كاملاً، لأن خلقة الإنسان الجديد بالروح تتم مرة واحدة وتكمل في ذاتها ولا يبقى على الإنسان إلاَّ اكتشاف مدى كمال العمل العظيم الذي أكمله الله له. فعطايا الله كاملة، والإنسان الجديد مخلوق على صورة خالقه في البر وقداسة الحق، وعلى الإنسان أن يؤمن ويستوعب الحق الذي عمله الله فيه.
وإن عَسُر على العقل البشري أن يُدرك عظمة هذا العمل، فذلك لأنه ليس خاضعاً للعقل أو المنطق وهو لا يُفهم قط على مستوى الاستحقاق، لأن الأصل في خلقة الإنسان الجديد للإنسان هو لينتقل به من الأرض إلى السماء ويحيا في ملكوت الله، فهو عمل مشيئة الله الكاملة من طرف واحد: » شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه. «(يع 18:1)
ولا يمكن ولا يصح أيضاً قياس عمل بر الله باستحقاقنا لهذه الخليقة الجديدة. فهذا
أمر لا يجوز مجرد التفكير فيه، لأن مدى البذل الذي بذله الآب لابنه، ومدى العذاب
الذي لاقاه الابن في خلاصنا وإلباسنا هذه الخليقة الجديدة
لنحيا بها أمام الله في المسيح، لا يمكن أن يُقاس ولا يمكن أن يُقيَّم بشيء آخر
أو حتى يُفهم بالعقل والمنطق. ولكن الذي يمكن، بل الذي يلزم علينا إدراكه، هو
قيمة هذا الإنسان الجديد وعظمة خلقته الفائقة للعقل والمنطق. لأن كلما أدركنا
عظمة هذا العمل ومجده كلما اقتربنا من حقيقة محبة الله وسرِّه المجيد.
حقيقة هذا الإنسان الجديد المخلوق لنا في سر المعمودية
«لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح» (غل 27:3)([8]):
أقصى ما يمكن أن يشتهيه الإنسان ويتمناه بعد أن يكون قد عرف المسيح جيداً وآمن به وأحبَّه، أن يقترب إليه ويحسّه أو يراه ويسمع صوته. لماذا؟
لأن المسيح هو الذي أثار طمعنا في ذلك، إذ بعد أن عرفنا أنه هو “الكلمة” الذي عند الآب وأنه هو صورة الله ورسم جوهره غير المنظور، وأنه كائن في الله: » وكان الكلمة الله «(يو 1:1)؛ عاد وسمح الله أن يتجسَّد ابنه ويولد من امرأة (عذراء) ويصير إنساناً مثلنا تماماً (ما خلا الخطية). من هنا ثارت فينا شهوة عارمة أن نتعرَّف على المسيح أخينا البكر ونقترب إليه ونراه، لأنه حامل سر الله وصورته وجوهره ومجده!! وحاملنا بآن واحد. والذي جعل شهوتنا في التعرُّف عليه والاقتراب إليه تزداد، أننا تيقَّنا أنه إنما تجسَّد لكي يرفع عنَّا ثقل الإنسان العتيق مع أعماله وخطاياه، الأمر الذي مرَّر حياتنا وجعلنا نيأس من أن نحيا بالقداسة والبر أمام الله.
إذن، فتعرُّفنا على المسيح عن قرب ورؤيتنا له في ذاته واتصالنا به سيكون ضماناً
لحياة القداسة والبر أمام الله كونه هو القدوس البار. هذا لسان حالنا
وحقيقة ضمائرنا التي كشفها الله وأعطانا إيَّاها قبل أن نسألها وبدون أن نفكر
فيها أو نتصورها.
إذ بعد أن أكمل المسيح كل أعمال الفداء والكفَّارة لمغفرة الخطايا بالموت على الصليب وبقائه في القبر ثلاثة أيام ليوفِّي عقوبة الموت ولعنته عنا، أقامه الله من بين الأموات ورفعه فوق أعلى السموات وأجلسه عن يمينه - كعمل كامل كمالاً فائقاً - للإنهاء على خطايانا وعقوبة الموت واللعنة وفك غضب الله عنا ومنح صلاحية البنوَّة لنا لكي نصبح أولاد الله، ووهبنا ميراثاً مع المسيح في ملكوته والحياة الأبدية.
بعد كل هذا ظلَّ الإنسان في حاجة واقعية فعلية للاتحاد بالمسيح نفسه لضمان سريان عمله الفدائي والخلاصي فينا، وسريان روحه وبره ونعمته لروحنا؛ حتى به، وبالاتحاد به، نضمن دوام خلع إنساننا العتيق الذي مات معه على الصليب، كما نضمن دوام لبس الإنسان الجديد الذي خلقه لنا من جسد قيامته بروحه. وهذا هو ما عمله الله فينا في سر المعمودية!! إذ جعل إنساننا الجديد الروحي يلبس المسيح الرب الروح، وهو أصلاً ليس غريباً عنه، لأنه سبق وخلقه على صورته في البر وقداسة الحق. فأصبح لِبْس المسيح بمثابة اتحاد بطبيعة المسيح القائم من بين الأموات، وليس مجرد نوال صفات المسيح. وأصبح الإنسان الجديد يستمد منه برَّه الذاتي وقداسته الذاتية.
تقول في نفسك هذا كثير وفوق العقل والمعقول، ولكن هذه هي عطية الله والمسيح. ويتحتم أن تكون فوق العقل والمعقول، لأن الله عظيم والمسيح كذلك، ويلزم أن تكون عطاياه عظيمة وبلا حدود. اسمع القديس بولس وهو يصف عمق وامتداد خطة الله في عطاياه العظيمة:
+ »
مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في
السماويَّات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين وبلا لوم
قدَّامه في المحبة. إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة
مشيئته. «(أف
3:1-5)
لذلك لا يستغرب القارئ حينما يسمع بولس الرسول يقول:
+ » مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ. فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. «(غل 20:2)
هكذا ملأ المسيح إنساننا الجديد حتى أصبح للإنسان أن يقول إن المسيح يحيا فيَّ.
إنها بحسب تدبير نعمة الله ورحمته، عملية تعويض عظمى، هي حلم الإنسان أن يفرِّغه الله من إنسانه الخاطئ العتيق ويُلبسه إنساناً جديداً على صورة الله في البر وقداسة الحق. هذا هو الإيمان المسيحي!!! فنحن خليقة جديدة في المسيح: » مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها! «(أف 10:2)
الإنسان الجديد مخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق:
هنا خلقة الإنسان الجديد تجيء على أساس طبيعة الله: “بحسب الله”
kat¦ QeÒn،
وقد تُرجمت بالإنجليزية the
likeness of God،
في البر وقداسة الحق (أف 24:4). ذلك مقابل خلقة الإنسان العتيق «الإنسان العتيق
الفاسد بحسب شهوات الغرور» (أف 23:4). عملية مبادلة يقوم بها الله من داخل سر
المعمودية، دون أن نشعر بها أو ندركها، ولكنها عمل خلقة فائق على ملاحقة العقل
وتصوُّراته. ولا نعرف عن دقائق عمل الله في هذا التبادل إلاَّ في النهاية حينما
يَسْتَعلِن لنا الله عمله، أننا خليقة لإنسان جديد بحسب الله في البر
وقداسة الحق، في مقابل
»
الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور
«
العملية تمت في الكنيسة بالمعمودية بالتوازي مع ما عمله المسيح على الصليب وفي القبر وفي القيامة. فسرُّ المعمودية تسنده قوة الموت على الصليب، وقوة القيامة من بين الأموات! وكلا العمليتين سرِّي للغاية لا يُدرَك عملهما إلاَّ بالاستعلان الروحي. لذلك أصبح الإيمان بموت المسيح وقيامته يُجازَى أو يُحقَّق للمؤمن عملياً في سرِّ المعمودية!! حيث في الموت أنهى المسيح على جسد الخطية وفساده، وفي القيامة استَعْلَن البر والقداسة والحياة الأبدية: » الذي أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا. «(رو 25:4)
بالجسد الجديد فينا نحصل تلقائياً على شركة مع المسيح:
«قد لبستم المسيح» (غل 27:3):
نحن الآن أمام حصيلة الإيمان المسيحي وليس أعماله. فالإيمان بالمسيح، أنه ابن
الله الذي أتى بالجسد وأكمل لنا الفداء بالموت على الصليب والخلاص والحياة
الأبدية بالقيامة من بين الأموات، يحقِّق لنا من داخل سر المعمودية استحقاق
الشركة مع المسيح. على أن الإيمان بالمسيح ونوال الخليقة الجديدة بالمعمودية عند
القديس بولس هو بعينه عند القديس يوحنا استعلان الحياة الأبدية التي كانت عند
الآب وأُظهرت لنا في شخص يسوع. وهكذا فإن هذا الاستعلان، استعلان الحياة الأبدية،
يحقق لنا الشركة التي تتم لنا مع المسيح في المعمودية؛ حيث استعلان الحياة
الأبدية كاستعلان النور، يجعلنا في حالة شركة فيه([9])،
وكاستعلان الحق - أي معرفته - يجعلنا في الحق والحق فينا.
هكذا
نعمة استعلان الحياة الأبدية التي في المسيح تجعلنا في شركة طبيعية مع المسيح
والآب:
+ » فإن الحياة أُظْهِرَت (في المسيح)، وقد رأينا ونشهد ونُخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظْهِرَت لنا (في المسيح). الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 2:1-4)
وهذه هي أعظم وأهم مميزات الإيمان المسيحي التي يحصل عليها كل مَنْ آمن بقلبه واعتمد باسم المسيح.
الإنسان الجديد لا يخطئ ولا يجوز الدينونة:
لأن طبيعة الإنسان الجديد المولود ثانية بالروح هي من طبيعة جسد المسيح المُقام من بين الأموات، وهي متَّحدة بها، فأصبح الإنسان الجديد بحسب القديس يوحنا ذا طبيعة لا تخطئ ولا تستطيع أن تخطئ؛ وبالتالي لا يدخل الدينونة بحسب القديس بولس: » كل مَنْ هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله. «(1يو 9:3)
واضح أن طبيعة الإنسان الجديد روحية: » إن كان أحد لا يولَد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله «(يو 5:3)، وهي طبيعة سماوية: » إن كان أحد لا يولَد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله. «(يو 3:3)
إذن، فميراث الإنسان الجديد، وهو ملكوت الله، يمنع كليَّة أي صلة بطبيعة الخطية التي هي أصلاً من الجسد الترابي وتنتهي إليه: » لأنك ترابٌ وإلى ترابٍ تعود. «(تك 19:3)
وهذه الرؤية الصافية للإنسان الجديد عند القديس يوحنا، كونه لا يخطئ
بسبب طبيعته المخلوقة على صورة خالقه في البر وقداسة الحق والمتصلة به، بل ولا
يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله وروح الله (زرعه) ثابت فيه -
يقابلها عند القديس بولس رؤية لاهوتية أخرى للإنسان الجديد، كونه أخذ طبيعة
روحانية انفكّ بها الإنسان من الارتباط بالناموس القديم، وبالتالي بالخطية
والدينونة. وهكذا أصبح الإنسان الذي آمن بالمسيح واعتمد ونال مسحة الروح القدس
وحاز على خلقة الإنسان الجديد الروحي، غير قابل للدينونة التي ستأتي على الخطاة
الذين لم يؤمنوا وعاشوا في الإنسان العتيق، إنسان الخطية، وهو يقول:
+ » فإني أُسرُّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن (الإنسان الجديد الروحي). ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي (الإنسان العتيق) يُحَارِب ناموس ذهني (ناموس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق)، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. «(رو 22:7و23)
هنا أخطر موقف للإنسان المسيحي بعد أن حاز على خلقة الإنسان الجديد الروحي، يظل ناموس الجسد العتيق - ويقصد به أهواء وشهوات الإنسان العتيق مع عاداته القديمة - تعمل وتشتد في محاصرتها للإنسان الجديد حتى تسبي الإنسان، أي تطغى عليه وتفرض سلطان الخطية. هنا يقف القديس بولس موقف الحائر المخذول ويصرخ: » ويحي أنا الإنسان الشقي! مَنْ ينقذني من جسد هذا الموت؟ «(رو 24:7)
ولكن تنفرج الرؤية الإيمانية عند القديس بولس ويرى نفسه أن الله لم يتركه تحت
سطوة الجسد العتيق وعاداته وخطاياه التي تجرُّه قسراً إلى الخطية، إذ أعطانا
بالمسيح يسوع معيناً آخر خلقه فينا من روحه وجسده القائم من بين الأموات غالباً
الخطية ومُبطلاً الموت والناموس جملة، وهو “الإنسان الجديد المخلوق فينا بحسب
الله في البر وقداسة الحق”. هذا يستمد ناموسه من الروح
ومن المسيح، ويعمل البر لحساب القداسة والحق، لا كصفات، ولكن كطبيعة تغذيها
النعمة من الله. هنا أدرك بولس الرسول التعادل المدهش الذي دخل فيه الإنسان
بالإيمان بالمسيح، إذ في مقابل الإنسان العتيق بعاداته المستحكمة وخطاياه التي
تطغى على ملكات الإنسان وتسبيه إلى الخطية، وُجِدَ الإنسان الجديد المخلوق بطبيعة
القيامة وبروح الله وعلى صورة خالقه في البر والقداسة والحق، يعمل منتصراً لحساب
الله والبر والقداسة والحق، فيلغي سلطان الجسد العتيق وينتصر على إيحاءاته
الباطلة، وإليك:
+ » أشكر الله بيسوع المسيح ربنا، إذ أنا نفسي
1. بـذهني (الإنســان الجديـد المسيطر على الذهــن الروحي) أخدم ناموس الله،
2. ولكن بالجسد ناموس الخطية. «(رو 25:7)
والنتيجـة:
+ » “إذاً” لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع (بالإيمان والمعمودية). «(رو 1:8)([10])
ولمـــــاذا؟
يعود القديس بولس ويعطي هو نفسه الإجابة: » لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع (الذي خُلق به الإنسان الجديد الروحي فينا) قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. «(رو 2:8)
هنا يُلاحَظ أن كلمة “أعتقني” تأتي في مقابل كلمة “يسبيني” السابقة،
والعتق من ناموس الخطية هنا لم يأتِ بأعمال الإنسان، بل بسبب عطية الله المجانية
بلِبْس الإنسان الجديد الحائز على ناموس روح الحياة. فبقدر ما أن الجسد العتيق
بخصاله وعاداته وتعهُّده السابق مع الخطية كان له القدرة أن يسبيني إلى ناموس
الخطية؛ إذا بناموس روح الحياة (النعمة) في المسيح يسوع، الذي استقر في أحشائي مع
الإنسان الجديد، قد أصبح له القدرة الأعلى من قدرة الجسد العتيق في أن يعتقني
أصلاً من ناموس الخطية والموت.
هذا يعني أن الله أعطانا هذا الجسد الجديد الروحي فينا، بالإيمان بالمسيح وبالمعمودية، بقدراته الروحية الجديدة الفائقة، ليبطل به سيادة وتجبُّر الإنسان العتيق فينا، ليس في أعيننا وفي إحساسنا؛ بل أمام الله وعدله الفائق في البر والرحمة.
ولكــن:
لا تزال الميزة العظمى التي نلناها بالإيمان المسيحي بسبب حصولنا بالإيمان وسر المعمودية على هذا الإنسان الجديد (الذي يمثِّل شخصيتنا وذاتنا الحقيقية أمام الله كما تسميه الترجمة الإنجليزية The new self، أي الذات أو الأنا “الإجو” الجديد للإنسان المعمَّد)، هذه الميزة هي أننا أُعفينا من الدينونة العتيدة نهائياً: «لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع». وإذا أخذنا فرضاً ببقية الآية (وهي غير موجودة في المخطوطات القديمة، وأُسقطت نهائياً من الترجمة الإنجليزية)، والتي تقول: » السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح « فهي تُفهم على أنها تشرح القول » الذين هم في المسيح يسوع «وليست مُضافة إليه.
والشرح بهذه الروح الإيجابية الذي يطيِّب قلب الإنسان، أُهمل في التعليم،
وقلَّ مَنْ ينتبه إلى حقِّه الإلهي في هذا الوعد. مع أنه حق مجاني لا يحتاج إلى
سعي أو جهد، فهو هبة. وهو عند القديس بولس على وزن ما جاء في الإنجيل: «مَنْ آمن
واعتمد خَلَصَ» (مر 16:16)، حيث الإيمان يتحتَّم أن يكون بالقلب.
الموازنة بين المعمودية والصليب:
بولس الرسول هو الذي التفت إلى هذه الموازنة الخطيرة: » أم تجهلون أننا كل مَنْ اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدُفِنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جِدَّة الحياة. «(رو 3:6و4)
بمعنى أن سرَّ المعمودية هو على غرار سر الإفخارستيا: مشاركة فعلية واتحاد!!
فكما أعطانا المسيح عملية([11]) سر الإفخارستيا ليكون لنا على مدى الدهر الفرصة الحية العملية أن نشترك اشتراكاً سرِّياً واقعياً، إنما بالروح، في ذات جسد المسيح ودمه المسفوك على الصليب باعتباره ذبيحة فداء ندخل في صميمها ونتحد بها لنحيا بها حياة جديدة أبدية؛ هكذا أعطانا عملية(4) سر المعمودية ليكون لنا شركة عملية حيَّة فعلية في عملية صلبه وموته ودفنه بالكامل، وبالتالي يكون لنا فعاليتها ونتائجها التي ذكرها على التو بعد ذِكر الموت والدفن: » حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جِدَّة الحياة « بمعنى أننا إذا شاركناه في موته ودفنه بالمعمودية، يكون لنا الحق بالتالي أن نشاركه في قيامته التي قامها بمجد الآب، وبالضرورة نحيا معه في حياة القيامة الجديدة الأبدية.
ولكن، ما هو أصل وسبب إعطائنا سر المعمودية؟
المسيح لا ينقل لنا عملية صلبه وآلامه وموته ودفنه وقيامته كمجرد هبة أو أمر أو وثيقة نطقها فكانت! وإنما حقيقة ذلك عميقة ومدهشة، لأن المسيح لم يُصلب ويتألم عن نفسه! فهو لم يخطئ ولا كانت له أي علاقة بالخطية حتى يُعاقَب وتحل عليه العقوبة ويحل عليه الموت! لولا أنه لمَّا لَبِسَ جسدنا أولاً بالميلاد من العذراء القديسة ومن الروح القدس، ثم ارتضى وسلَّم نفسه للسنهدريم وقَبِلَ أن يُحاكمه على خطايا كاذبة وهمية من صنع فكر الرؤساء وشهود الزور، ولم يعترض لا على القضاة (وهم غير مؤهلين) ولا اعترض على التهم التي لفَّقوها عليه، ثم ارتضى أيضاً ووافق وسلَّم نفسه للمحكمة الرومانية ولم يعترض ولم يرد على الاتهامات ولا دافع عن نفسه نهائياً؛ فبهذا السلوك يكون قد وافق على جميع التهم الموجَّهة ضده وجميع الخطايا التي نُسبت إليه، وبالتالي قَبِلَ بالحكم وما يلزم من الآلام. ولهذا حُسِبَ له أنه قَبِلَ وحمل خطايانا في جسده على خشبة الصليب ليموت بمقتضاها.
إذن، فالآلام التي جاءت عليه هي أصلاً آلامنا التي نستحقها. كذلك الموت وتكميله بالدفن هو في الحقيقة موتنا. لهذا اعتُبِرت أعمال الآلام والصلب والموت والدفن مشاركه منه في عقوبتنا، أو في الحقيقة نحن الذين اشتركنا معه بطبيعتنا الجسدية الخاطئة لكي يستطيع بعد أن يكمِّلها معنا ولنا بقيامته من بين الأموات كابن الله، أن يقيمنا معه بلا خطية مبرَّئين بلا عقوبة ولا غضب، بل ومصالَحين مع الله الآب بطبيعتنا الجديدة المخلوقة لنا فيه.
ولكي يسلِّمنا المسيح هذه الطبيعة الجديدة المخلوقة فيه بالقيامة من بين الأموات
الخالية من الخطية والمعتوقة من الدينونة؛ دبَّر لنا عملية المعمودية كعمل روحي
سرِّي، يُجرِي فيه وبواسطته تسليم هذه الطبيعة لنا على صورة خالقها في البر
وقداسة الحق، بأن أعطانا أن نلبسه لبساً بالروح ليصير هو قائماً حيًّا فينا ونحن
فيه على صورته في البر وقداسة الحق. لذلك حُسِبت المعمودية بكل
أعمالها السرِّية المجانية موازية تماماً لكل أعمال الفداء التي عملها الآب في
ابنه ولها كل مفاعيلها ونتائجها، بل وكرامتها ومجدها.
ومرة أخرى تكشف لنا الآية كل هذا الحق:
+ » أم تجهلون أننا كل مَنْ اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدُفِنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جِدَّة الحياة. لأنه إن كنَّا قد صرنا متَّحدين معه بشِبه موته (على الصليب، وفي المعمودية)، نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا: أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية. لأن الذي مات قد تبرَّأ من الخطية... فإن الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة. «(رو 3:6-7و14)
- فكما أبطل المسيح الخطية بموته، أُبطلت الخطية بالمعمودية.
- وكما أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ معه، هكذا صُلِبَ الإنسان العتيق في المعمودية ومات.
- وكما أن بموت الصليب قد نلنا الفداء والبراءة من الخطية، هكذا بموت المعمودية قد نلنا البراءة من الخطية.
- وكما بعد الموت والدفن قام جسد المسيح بمجد الآب وبرِّه ونحن فيه، هكذا في المعمودية نأخذ بعد شركة الموت والدفن مع المسيح قوة قيامته بمجد الآب وبرِّه، أي نقوم مبرَّرين وبلا لوم أمامه في المحبة والنعمة.
بل ويؤكِّد بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس أن كل مكاسب الصلب والموت والدفن وما بعدها أيضاً من القيامة والارتفاع بالمجد إلى أعلى السموات وإخضاع كل القوات السمائية، قد أُعطيت لنا في شخص الكنيسة هكذا:
+ » وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين، حسب عمل شدَّة قوته الذي عمله في المسيح، إذ أقامه من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويَّات، فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة، وكل اسم يُسمَّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً، وأخضع كل شيء تحت قدميه، وإيَّاه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكلَّ في الكلِّ. «(أف 19:1-23)
أي أن كل مكاسب المسيح، إن بموته أو قيامته، صارت للكنيسة أو بالحري لنا. على أن أهم عملية في الفداء بالكفَّارة على الصليب كانت موت إنسان الخطية، وقيامة الإنسان الجديد الروحي، وهذه يحقِّقها سرُّ المعمودية: بخلع الإنسان العتيق الذي صُلب ومات مع المسيح، ولِبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق أي المسيح نفسه. هذه العملية السرية الهامة جداً، وهي خلع الإنسان العتيق ولبس المسيح أي الإنسان الجديد، صارت أعظم عمليات الإيمان بالمسيح التي تجرى مجاناً وسرًّا بواسطة المعمودية، التي يخرج منها الإنسان جديداً ليحيا مع المسيح في جدَّة الحياة، أي الحياة الأبدية في شركة كاملة سرِّية مع المسيح بالروح القدس.
من هنا يشدِّد طقس العماد بضرورة خلع الملابس التي تشير إلى الإنسان العتيق ونزول الإنسان عرياناً تماماً للغطس تحت الماء بشبه الدفن ثلاث مرات على اسم الثالوث القدوس، ثم بمجرد خروجه من الماء يُعطى ثوباً أبيضَ جديداً يلبسه إشارة إلى الإنسان الجديد. وهذه وإن كانت إشارات إلاَّ أن مرادفها على الصليب كانت حقائق خطيرة وذات مفاعيل إلهية.
وكما استُعلن الموت والقيامة في عملية الفداء والخلاص التي أكملها المسيح من
أجلنا؛ كذلك، وعلى نفس المستوى، استُعلن في المعمودية موت الإنسان العتيق في
الإنسان ولِبس الإنسان الروحي الجديد. لهذا أصبح الإيمان بهذا -
بالصليب وبالقيامة - هو بذاته الإيمان بذلك في المعمودية على نفس
القوة والفاعلية، لأن جوهر الإيمان وفاعليته هو في تصديق استعلان الله في الصليب
والمعمودية. وهذا يتم بواسطة الوعي الروحي للإنسان الجديد.
وعي الإنسان الجديد المؤسَّس على الإيمان والرجاء والمحبة:
وظيفة الوعي (الذهن المفتوح) للإنسان الجديد هو الارتباط الوثيق بخالقه، ويتم بناءً على ثلاث مواهب مُنحت له لهذا الغرض أي لتكميل الاتصال والاتحاد بالله والمسيح:
1 - قوة الوعي الأولى للإنسان الجديد هي الإيمان ويتوقف على تصديق استعلانات الله: الأمر الذي يُنشئ في الحال للذات البشرية الجديدة الإحساس ببر الله يسري فيها كدالة، كما يشعر الابن بقربه من أبيه وصلته الذاتية كابنٍ لأب. بمعنى أنه بمجرد أن يصدِّق الإنسان بحاسة الإيمان لإنسانه الجديد الروحي في الداخل أن الله أحبنا واستعلن لنا الحياة الأبدية في ابنه، فإن الجزاء المباشر من الله هو إعطاؤنا هذه الحياة الأبدية في ابنه، بل وإعطاؤنا ابنه بذاته ليكون لنا حياة جديدة فيه، وبالتالي لننال نفس الدالة مع الآب ذاته: » أما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح «(1يو 3:1)، لماذا؟ (بلغة القديس يوحنا) لأننا صدَّقنا محبة الآب التي لنا، وصدَّقنا عطيته لنا في ابنه، وهي الحياة الأبدية.
2 - قوة الوعي الثانية للإنسان الجديد هي الرجاء: ويعطينا الرجاء
الثقة بالله وترقُّب تنفيذ وعوده بيقين وكأنه قد حدث. ويكون نتيجة هذه الثقة في
وعود الله أن يحفظ حقوقنا فيها ويسبق ويعطينا أن نتذوَّقها كالعربون وكأننا
نعيشها، فترتفع درجة فرحنا بالله للغاية:
»
فرحين في
الرجاء. «(رو
12:12)
3 - قوة الوعي الثالثة للإنسان الجديد هي المحبة: وتعطينا أن يظهر الله في حياتنا كأول كل شيء وأهم من كل شيء، وتختفي ذواتنا وراءه فيُرَى الله فينا ولا نُرَى نحن. ويصير اسمه محبوباً عندنا كأعظم هدية نقتنيها، فيجازينا هو بمحبته الفائقة عن الوصف كمحبة الآب لابنه: » والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أُحبه، وأُظُهِر له ذاتي «(يو 21:14)، » لأن المحبة هي من الله، وكل مَنْ يحب فقد وُلِد من الله ويعرف الله. «(1يو 7:4)
ومن مفاعيل هذه القوة الروحية الثلاثية الأبعاد في الإيمان والرجاء والمحبة التي للإنسان الجديد، أن ينمو الإنسان المسيحي في معرفة الله وحبه وطاعته بلا عائق، ويتربَّى على الخضوع والطاعة الكاملة. وهكذا إذا استخدم الإنسان الجديد مواهبه الممنوحة من الله للإيمان والرجاء والمحبة، يتقدَّس الإنسان ويصير من خاصة الله، لا بالأعمال التي يعملها، بل باستخدام المواهب والقوة الكائنة فيه.
هذه الثلاثة: الإيمان والرجاء والمحبة، هي من صميم طبيعة الإنسان الجديد التي وُهبت له لتهيئ له حياة الشركة الدائمة مع الله. وإن كانت المحبة أعظمهن، فالإيمان أولهن الذي يفتح الباب على أسرار وعطايا الله الفائقة، لأن: » بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه «(عب 6:11). على أنه من العسير أن توجد واحدة منها بمفردها. فالإيمان والرجاء والمحبة، هي مثلث النعمة المتَّجه برأسه إلى فوق، ذو الثلاثة أضلاع المتحدة في نقطة واحدة، هي العين الرائية.
(ديسمبر 1996)
اصطلاحات تخرج إلى النور:
إنسان المعمودية الجديد والكنيسة،
والكنيسة وجسد المسيح،
وجسد المسيح ونحن
nvUvn
ميلاد الإنسان ثانية من الماء والروح أي المعمودية حسب قول المسيح، هو امتداد سرِّي فائق لقيامة المسيح بجسد الإنسان وهو في حالة روحية جديدة ممجَّدة، وقد سقطت عنه عقوبة الموت وانتصر ضد الشيطان والخطية.
هذا الإنسان الروحي الجديد المحسوب أنه خليقة جديدة في المسيح أصبح عضواً حيًّا فعَّالاً في الكنيسة، وأصبحت الكنيسة به كنيسة الإنسان الجديد القائم من بين الأموات مع المسيح، والمتَّحد به. وعلى القارئ أن ينتبه حينما نتلـو أمامـه ما قاله القديس بولس بوحي الروح عن الكنيسة، وهو - بآن واحد - يصف ما تمَّ للإنسان الجديد في المعمودية هكذا:
+ » أحبَّ المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يُقدِّسها، مطهِّراً إيَّاها بغسل الماء بالكلمة، لكي يُحْضِرَها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غَضْنَ (الغضن هو تجاعيد الوجه من جراء الشيخوخة) أو شيء من مثل ذلك، بل تكون مقدَّسة وبلا عيب. «(أف 25:5-27)
والقديس بولس يتكلَّم بمثل هذا الكلام عن الإنسان الذي خرج من المعمودية له هذه
الصفات عينها، هكذا: »
وهكذا كان أُناسٌ منكم (منجَّسين
بكل خطية). لكن اغتسلتم، بل تقدَّستم، بل تبرَّرتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا.
«(1كو
11:6)
واضح هنا أن القديس بولس حينما يتكلَّم عن الكنيسة الجديدة الروحية، كنيسة العهد الجديد، فهو إنما يتكلَّم عن إنسان المعمودية الجديد. فنحن الكنيسة الجديدة التي أحضرها الله لنفسه من عمق الخطية والموت والهاوية في شكلها البشري الجديد، الذي هو تماماً شكل المسيح القائم من بين الأموات بذات طبيعته.
لذلك حينما يقول بولس الرسول ويكرِّر القول إن “الكنيسة هي جسد المسيح”، فهو هنا لا يتجاوزنا، بل يحيط بنا ويحصرنا في حقيقة الكنيسة وحقيقة جسد المسيح. والصلة بين الكنيسة وجسد المسيح تبدو واضحة صارخة في سر المعمودية: » لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح «(غل 27:3). ففي المعمودية يتسربل كل مؤمن بالمسيح شخصياً، بمعنى أن المسيح يصير فيه واهب الحياة الجديدة ونور المعرفة والحق. هذا هو الذي جعل القديس بولس يصرِّح ويقول: » فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ «(غل 20:2). وعلى القارئ أن يُلاحِظ تركيز القديس بولس علىكلمة “أنا”، إذ ينفي أن تكون هي منبع الحياة الجديدة، بل المسيح صار هو “الأنا” الكبرى فينا - الذي هو الإنسان الجديد - وكأن المسيحيين كخليقة جديدة لهم “أنا” واحد هو المسيح.
ولكي يستبعد بولس الرسول بفم الوحي الإلهي أي تصوير نظري أو شكلي للإنسان الجديد المخلوق على صورة المسيح ومن طبيعته، يقول: » لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه «(أف 30:5). بهذا التأكيد والوضوح يستعلن لنا القديس بولس ماهية الإنسان الجديد المخلوق فينا بالمعمودية الذي هو بعينه أساس الكنيسة.
ولكي يزداد القارئ ثقة واطمئناناً أنه حقاً من لحم المسيح ومن عظامه، الذي
هو جسد المسيح المُقام من الموت، فلنَعُدْ إلى القيامة والعليَّة وكيف دخلها
المسيح والأبواب مغلقة ووقف في الوسط! ولما ارتاع التلاميذ وحسبوه روحاً، راجعهم
بشدة أنه هو هو مسيح الصليب بجسده ولحمه وعظامه وجروحه فيه، قائلاً:
»
جسُّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما تَرَوْنَ لي.
«(لو
39:24)
إذن، فقيامة المسيح كانت بجسده، بلحمه وعظامه، إنما في حالة تجلٍّ فائق لا تُرى بالعين أو تحس باليد، إلاَّ إذا شاء الرب وأعلن نفسه بأن يُخفِّض من درجة شفافيته، وبآنٍ واحد، يرفع من قدرة الرؤية الاستعلانية في حواس التلاميذ، فيرَوْنه على حقيقته الروحية ويلمسونه فيؤمنون.
بهذا المعنى الواقعي المحدَّد والمؤكَّد، نحن جُبلنا في المعمودية جُبلة جديدة روحانية من لحم المسيح ومن عظامه وفي حالة ممجَّدة وتجلٍّ فائق لا يُرى بالعين أو يُلمس باليد، فهو جسد حقيقي روحاني جوَّاني غير منظور ولا محسوس. فحينما قال القديس بولس: » لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه « فهو يتكلَّم عن خليقتنا الجديدة في المعمودية التي أعطتنا عضوية حقيقية غير منظورة في جسده غير المنظور القائم من بين الأموات بنفس الروح والتجلِّي. هذه حقائق روحية مجيدة تحتاج لوعي عميق.
انظروا، أيها الإخوة، المصدر الجديد لجبلتنا الجديدة الروحانية التي أعطتنا حالة شركة قوية فعَّالة، إنما غير منظورة في المسيح، وأصبحنا حقاً وفعلاً أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه. وليت القارئ يلتفت إلى عمق ودقة القول، فبولس الرسول لا يقول: “أعضاء في جسمه”، بل «أعضاء جسمه». والمعنى هنا خطير، إذ يقصر جسم المسيح علينا فقط ويحدِّد أعضاء جسمه بنا فقط!
فهنا تمثيل المسيح شمولي، فالقول إننا «أعضاء جسمه»، ينطبق تمام الانطباق على
قول بولس الرسول: “نحن جسده”! هذا قول قاطع مانع يجمعنا في المسيح
في اتحاد ووحدة كيانية غير منظورة.
كما لاحظنا في قول الوحي على لسان القديس بولس بالنسبة للمسيح والكنيسة قوله: » لكي يُحْضِرها لنفسه كنيسة مجيدة « وللحال طار ذهننا إلى ذات القول من فم الله بالنسبة لحواء الأولى هكذا: » فأوقع الرب الإله سُباتاً على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإله الضِّلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه الآن عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي. «(تك 21:2-23)
هكذا كما كانت حواء الأولى من عظم آدم ولحمه، خلقها الله من جسم آدم وأحضرها له ليكونا واحداً؛ هكذا، وبالمثل وبمنتهى الدقة والترتيب، أوقع الله المسيحَ في سُبات القبر والموت يوم السبت وجسدنا فيه، وقد مات وأكمل العقوبة، وقام المسيح وجسدنا فيه لملء الحياة المُقامة والمجيدة. وهكذا أخذنا إنساننا الجديد منه، من لحمه ومن عظامه. فأخذه المسيح وغسله بالمعمودية وطهَّره وقدَّسه، وأحضره لنفسه كنيسة مجيدة، واتَّحد به كعريس وعروس.
وهكذا تهيَّأت البشرية الجديدة أن تُزفَّ إلى عريسها السمائي كخليقة روحانية مبرَّرة تُفرِح قلب الله. وإذ صرنا من لحم وعظام المسيح القائم من بين الأموات جسداً روحياً فيه روح القيامة باستعدادٍ للانطلاق إلى المجد، لهذا فالمسيح هو آدم الثاني الجديد أبو الخليقة الجديدة، ونحن خليقته » مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها. «(أف 10:2)
فنحن الآن نحمل صورة المسيح المُقام في جسدنا الجديد، ليس من جهة الشكل، ولكن من
جهة طبيعة القداسة والبر: »
وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب (like
بشبه) الله في البر وقداسة الحق
«(أف
24:4). وواضح أن هذه الصفات طبيعية وهي ذات الطبيعة التي قام بها المسيح من بين
الأموات
لحسابنا، وهي طبيعة عديمة الموت والفساد، ولا يمكن أن تخطئ لأنها انفصلت نهائياً
عن طبيعة الناموس والتراب، وهي الطبيعة التي تؤهِّلنا الآن للحياة الأبدية التي
نعيش عربونها الآن بالاتحاد بالمسيح روحياً إلى أن يحين انطلاقها بعد أن يسقط
عنها الجسد العتيق الترابي. وبولس الرسول يصف بصورة زاهية نوع وعمق العلاقة التي
تربطنا الآن بالمسيح هكذا:
+ » فإنه فيه (في المسيح) يحلُّ كل ملء اللاهوت جسدياً. (1) وأنتم مملوؤون فيه، الذي هو رأس كل رياسة وسلطان. (2) وبه أيضاً خُتِنْتُم ختاناً غير مصنوع بيدٍ، بخَلْع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية، (3) التي فيها أُقِمْتُم أيضاً معه، بإيمان عمل الله، الذي أقامه من الأموات. وإذ كنتم أمواتاً في الخطايا وغَلَف جسدكم، أحياكم معه، (4) مسامحاً لكم بجميع الخطايا. «(كو 9:2-13)
(1) » وأنتم مملوؤون فيه»:
هذه هي طبيعة الإنسان الجديد، لها ملء جسد المسيح المملوء لاهوتياً. فعِوَض أنْ كنا مملوئين خطيةً وغشًّا وإثماً وشهوات العالم، أصبحنا مملوئين روحياً فيما هو للمسيح. هذه هي القيمة العالية جداً للميلاد الجديد من الماء والروح الذي جعلنا نمتلئ بملء المسيح ابن الله، بطبيعة منتسبة إلى الله لها السماء موطناً. وهكذا ابتعدنا نهائياً عن الطبيعة الترابية.
(2) «وبه أيضاً خُتِنْتُم ختاناً غير مصنوع بيدٍ»:
هنا الكلام منصبٌّ على كيفية تخلُّص المسيح من جسد الإنسان العتيق بالموت، إذ يوصف بأنه خلعه خلعاً ليسلِّم لنا قيامته كإنسان جديد قد خلع عنه الجسد العتيق بخطاياه، وذلك بعد أن أكمل عقوبة الموت به. وقد وصفه القديس بولس في مكانٍ آخر أنه أماته، أي أمات الجسد العتيق بخطاياه فيه:
+ »
وإن كان المسيح فيكم، فالجسد (العتيق) ميِّت بسبب الخطية (أي أخذ
حكم الموت وانتهى فيه)، وأما الروح (وهو تعبير عن الجسد الروحاني الجديد) فحياة
بسبب البر (أي أخذ برَّ المسيح الذي حصل عليه بقيامته).
«(رو
10:8)
وقد اعتبر بولس الرسول أن تخلُّص المسيح من الجسد العتيق بموته وقيامته كان بمثابة ختانة حقيقية غير مصنوعة بيد، وهو تشبيه في غاية الإبداع. فنحن - بناءً عليه - مختونون في المسيح، بمعنى انقطع عنَّا الجسد العتيق قطعاً سرِّياً بالنعمة، وهذه هي حقيقة الطهارة في العهد الجديد. فعندما نسمع عن التطهير في العهد الجديد فهو يعني التخلُّص من أعمال الجسد العتيق:
+ » فكم بالحري يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يطهِّر ضمائركم من أعمال ميِّتة (أعمال الجسد العتيق الميت) لتخدموا الله الحي. «(عب 14:9)
(3) «التي فيها أُقمتم أيضاً معه»:
واضح أننا تقابلنا واتَّحدنا بموت المسيح في سر المعمودية بالدفن في الماء ثم أقامنا معه بإنسان جديد قد خُلِع عنه جسم خطايا البشرية في الإنسان العتيق، وذلك بإيمان عمل الله الذي أقام المسيح من بين الأموات لأجلنا.
(4) «مُسامحاً لكم بجميع الخطايا»:
لأننا لَمَّا دخلنا معه في عهد المعمودية لنوال الخليقة الجديدة على أساس إيماننا الوثيق بموته وقيامته من أجلنا، أعطانا سر قيامته في إنساننا الجديد، وقد سامحنا بجميع الخطايا المنسوبة للإنسان العتيق الذي أكمل فيه العقوبة بالموت ومحا كل خطاياه. وهكذا مُحِيَت خطايانا إلى الأبد من حسابنا، لأن أعمال الله بلا ندامة.
انظروا، أيها الإخوة، فالمسيح بنفسه وعَبْرَ آلامه وجروحه وصليبه وموته هو الذي
خلع عنَّا الجسد العتيق مع خطيته وحُكْمَ الموت الصادر ضده وجميع
أعماله، ودفنها بعيداً عنَّا في قبر الماضي الذي لا يعود، وأقامنا معه، سواء
حينما قام من الموت أو عندما أقامنا بعد الدفن في ماء المعمودية لعمل سر الخلق
الجديد الذي له. الأول على الصليب على مستوى الفعل المنظور الرهيب، والآخر في
الماء بسر الخلق الجديد المهيب.
لقد عَبَرَ بنا المسيح الموت والجحيم والهاوية وأخرجنا معه بقوة ومجد عظيمَيْن، كان يستحيل علينا إذا دخلنا الموت أن نخرج من عقاله، وكان من المستحيل إذا دخلنا الفساد أن نخلص منه لأن عبوديتنا تحت الخطية والموت حُكْمٌ لا رجعة فيه.
أخذ المسيح جسدنا أولاً من العذراء ومن الروح القدس طاهراً قدوساً، ولكن كان يتحتَّم لكي يموت أن يحمل خطايانا في جسده على الخشبة، الأمر الذي أرعبه رعبة أشد من هول الموت. فقد نازع أباه إن أمكن أن يجيز عنه هذه الكأس، كأس خطايا البشرية ليشربها. وهناك فرق هائل بين كأس خطايا البشرية وكأس الموت. فأما كأس الموت، فقد جاء ليشربه عن رضى؛ أما كأس خطايا البشرية فكيف يشربه ويقف قدَّام أبيه كالعاصي والمجدِّف والزاني والشرير؟ كيف والعلاقة التي تربطه بالآب لا تسمح، فهي علاقة قداسة وحب مطلق في بنوَّة غير منفصلة؟ هنا أقصى مضادة تفوق قامة كل حكمة، لم يحلّها إلاَّ أن يستسلم الابن لمشيئة أبيه لأنه أراد!!!
وهكذا انتهى الابن الوحيد في نزاعه في جثسيماني مع أبيه بقوله: “لتكن مشيئتك لا مشيئتي”. حيث إن مشيئة الآب أن يلبس الابن عار البشرية ويحمل كل خطايانا، والآب راضٍ حتى وإن مسَّته في شيء!! هذه الفدية تبلغ أقصى خطورتها، والفادي - وهو الله - يشترك مع الفدية بشيء!
بهذه النية تقدَّم المسيح إلى رؤساء الكهنة وتحمَّل المهانة والمساءلة والحكم أنه
مجدِّف، فقَبِلَ دون مناقشة. ولما أحالوه لبيلاطس أُضيف إلى الاتهامات أنه صانع
شر ومُضل الأمة وناقض الناموس والهيكل، فقَبِلَ ولم يُدافع، وصَدَر الحكم وسيق
إلى الصليب وهو حامل كل الاتهامات محقَّقة وثابتة، وصعد إلى خشبة العار ليحمل مع
كل الخطايا لعنة الصليب كمجرم منبوذ. بهذا قيل إنه حَمَلَ خطايانا! وقَبِلَ الموت
بإرادته كعقوبة ثبتت عليه بناءً على خطايا تحمَّلها كلها كخاطئ. والخطية خطيتنا
والعار عارنا والموت عقوبتنا!!
وعندما قام من بين الأموات بعد أن أكمل العقوبة التي استحقها الإنسان، أقامنا معه في جسد قيامته وقد سقطت عنه كل خطايا الإنسان العتيق مع موته، وسلَّمنا جسد قيامته في المعمودية بلا خطية ولا موت ولا لعنة، مبرَّرين ببر طاعته وقيامته. وهذا هو الفداء!!
لم يمُتْ عنا بل مات ونحن فيه، إذ مات بجسد بشريتنا وعليه خطايانا، أي مات حاملاً جسدنا العتيق في نفسه. فإن كان قد أخذ موتنا على نفسه فحباً وكرامة وطاعة لأبيه. لذلك فقد مات لأجلنا وقام لأجلنا ليهبنا قوة موته لإلغاء الخطية والموت، ويهبنا قوة حياته في القيامة من بين الأموات. وهذا هو الفداء!!
فدانا من الموت بموته، ونجَّانا من الفساد بقيامته. رفع عنَّا العار واللعنة بارتفاعه على الخشبة، ليكمل معنا كل العقوبة التي فُرضت علينا التي أخذها في جسده وألغاها بقوة قداسته وارتفاع لاهوته وعمق بنوَّته، فقام بذراع قوية ومجد وانتصار. وهذا هو الفداء.
فلولا موته معنا لابتلعنا الموت إلى الأبد ولا نجاة. ولولا قيامته لافترسنا الفساد ولا رجاء. ولولا جبروت لاهوته لأطبقت علينا الهاوية ونزلنا إلى الجحيم ولا صعود. وهذا هو الفداء.
دفع ثمن خطايانا بجلد الظهر بالسياط ولطم الوجه والبصاق وضرب الرأس
وغرس الأشواك، هُزْءٌ وراء هُزْءٍ، وامتهان واحتقار وافتضاح. وهكذا أكمل تأديبنا
عليه! لنفوز نحن بغفران الخطايا. وذاق غصَّة الموت لنذوق نحن نُصرة الحياة. وهذا
هو الفداء.
كنَّا تحت الغضب الإلهي بسبب العصيان، ولم يكن مَنْ يُصالح حتى جاء الابن الوحيد ولَبِسَ عصياننا كالثوب ودخل المحاكمة وهو عالم بفداحة الثمن المدفوع. ولَمَّا ارتفع المسيح على الصليب احتجب عنه وجه الآب، فذاق مرارة الغضب الإلهي ولم يحتمل فصرخ: » إلهي إلهي لماذا تركتني «(مت 46:27). وكانت الصرخة هي صرختنا، إذ دخلت البشرية لحظتها في ظلمة المحاق، نطقها المسيح بلساننا ليُعلن أن القضاء قد تمَّ واقتبل المسيح معنا الغضب الإلهي، فسُمع له من أجل تقواه ولطاعته حتى الموت كذبيح، ولولا أنه الابن الوحيد ما خرجنا من تحت الغضب الإلهي إلى الأبد. وهكذا حصل لنا المسيح على المصالحة بعد دفع الثمن عاراً ورعبة ودماً، وبالنهاية أدخلنا تحت التدبير كبنين. وهذا هو الفداء.
والآن، هل عرفت، أيها القارئ العزيز، كم كلَّف الله والمسيح هذا الإنسان الجديد الذي هو بمثابة الخلقة الأخرى الروحية للإنسان التي جعلها على صورته، من طبيعة جسد قيامته مخلوقة في البر وقداسة الحق، ليرث بها الحياة الأبدية مع الله؟
فإن كان ثمنها هو هكذا - حقيقةً - باهظاً للغاية، فلأنها
خليقة فائقة في طبيعتها، مُؤَمَّن عليها من الموت والفساد، بل ومؤازرة بالنعمة
ومؤيَّدة بالبر وقداسة المسيح. وهذه الطبيعة عينها التي للبشرية الجديدة أحبَّها
المسيح نفسه، أحبَّها حبًّا يقول الكتاب عنه إنه حب عريس لعروس. ويكفي أننا علمنا
أنها من لحمه ومن عظامه. هكذا صارت طبيعتنا الجديدة هي عينها جسد المسيح، هو لها
الرأس بغير انفصال، وقد جلس بها عن يمين الآب الموضع الكريم الذي
اشتراه بدمه وأعدَّه لها بروحه لتحيا به أمام الله.
هذا هو خلاصة الإيمان المسيحي. قدَّمناه إليك لتدرك حقيقة مسيحيتك التي ورَّثتك هذه الخلقة الجديدة مجاناً، لا يفصلها عن الله لا خطية ولا موت ولا هاوية، لأنها تسلَّحت بنعمة القيامة من بين الأموات لتحيا بروح القيامة منتصرة، لها برّها الخاص الذي ورثته من قيامة المسيح مجاناً!!
فإن كان يطغى الجسد العتيق عليك بلا وجه حق ويُحزن نفسك بسبب ضعف أو خطية، فانتبه! هذا تزييف من الشيطان، لأن الجسد العتيق ميِّت وأعماله ميِّتة، وهي كلها واقعة ومحصورة تحت الاعتراف بها أمام الله لتتلاشى في الحال. فخطايا الجسد العتيق لم يَعُدْ لها قوة وسلطان الخطايا الأولى، لأن جميع خطايانا دخلت تحت البراءة الرسمية بدم المسيح. فهي لن تنال من علاقتنا بالله والمسيح، ولن تؤثِّر في نصيبنا المحفوظ لنا في السماويَّات مهما كانت، إلاَّ إذا تنازلنا نحن بإرادتنا عن نصيبنا السماوي وازدرينا بالدم.
وعلى المؤمن المسيحي أن يُدرك موقفه الجديد من الله كخليقة جديدة مؤَمَّن عليها من السقوط، غالبة الموت والخطية والهاوية. فلا يستهين بحقوقه، لأن الثمن المدفوع في فدائه تحمَّله الله بنفسه ولا يستطيع شيء في الأرض ولا في السماء أن يخطفه من يد الله والمسيح.
ارفع رأسك أيها الإنسان المسيحي، فأنت بواقعك الجديد كمؤمن اعتَمَدَ وقَبِلَ الفداء صرتَ أعلى من الموت، أعلى من الخطية، أعلى من الهاوية، وأعلى من هذا العالم. وليست قوة في الوجود بمستطيعة أن تفصلك عن محبة المسيح الذي أحبك واشتراك بدمه.
ولكن يتبقَّى أن يتعرَّف الإنسان المسيحي على الفداء معرفة ذاتية واقعية من خبرته
وحياته. فالفداء سيبقى منطوقاً إيمانياً وحسب، والإنسان الجديد كحقيقة
تمَّت وكملت لنا من واقع الطقس والإيمان وحسب؛ إلى أن يتقبَّل الإنسان حقيقة
المسيح المصلوب القائم من بين الأموات في صميم حياته ويحدث التغيير، فإذا أحسَّ
الإنسان بالتغيير في حياته واضحاً يكون هذا هو الفداء!!
فالفداء عمل قام به المسيح ليستقر بالنهاية في دخوله شخصياً في حياة الإنسان، ليبدأ به الإنسان حياته في المسيح، ويذوق فيه كل خبرات الإنجيل، ويتطلَّع بثقة إلى مستقبله السعيد.
وكل ما تقبَّلته من المسيح واستقرَّ في حياتك الجديدة، مع الحب الذي تشعر به نحوه، وكل التغييرات التي جزتها منذ أن تعرَّفت عليه، والمبادئ التي صرت تتمسك بها وتعيش عليها، مع الفرح والسلام؛ فهذا هو إنسانك الجديد. وبمنتهى الاختصار، فإنسانك الجديد هو صاحب هذا التغيير الذي تمَّ في داخلك.
أما علاقة الفداء بالخلاص فقد أوضحها القديس بولس في هذه الآية:
+ » إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع، وآمنتَ بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خَلَصْتَ. لأن القلب يُؤْمَن به للبر، والفم يُعْتَرَف به للخلاص. «(رو 9:10و10)
هنا واضح أن الإيمان بالقلب هو عمل الإنسان الجديد، حيث يكون الإيمان من واقع الاتحاد، فالإيمان بقيامة الرب يسوع من بين الأموات هو الإيمان بعمل بر الفداء. فعندما يقبل الإنسان الجديد بر الفداء بالإيمان، يكمل له الخلاص من الإنسان العتيق وأعماله والغضب الواقع عليه. فالإيمان ونوال بر الفداء يأتي أولاً وفي القلب، والاعتراف بالخلاص يأتي بعد ذلك بالفم للشهادة، كنتيجة للفداء.
(يناير 1997)
الإفخارستيا والإنسان الجديد
rVvVr
لقد كشف المسيح بكل وضوح عن طعام جديد روحاني يتعاطاه الإنسان الجديد المخلوق على صورة الله » في البر وقداسة الحق «(أف 24:4)، ليحيا به وتدوم حياته إلى الأبد، عِوَض الطعام المادي الذي يتعاطاه الإنسان العتيق ويموت. وقد أوضح المسيح ذلك في قوله:
+ » 1. الحق الحق أقول لكم: مَنْ يؤمن بي فله حياة أبدية.
2. أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المَنَّ في البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء، لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت. أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إنْ أكل أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد.
3. والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. «(يو 47:6-51)
يتدرَّج المسيح في هذا القول بذِكْر الحقائق الآتية:
1
-
إنَّ مَنْ يؤمن بالمسيح، ينال الحياة الأبدية، الذي يشرحه إنجيل القديس يوحنا في
موضع آخر بقوله:
»
الحق الحق أقول لكم: إنَّ مَنْ يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية،
ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة
«(يو
24:5). وهذا في الحقيقة هو حال الإنسان الجديد الذي سمع خبر البشارة، وآمن واعتمد
للمسيح، ويكون هو الذي وُلِد ثانية من فوق ومن الماء والروح، وصار مهيَّأً لدخول
ملكوت الله حسب كلام المسيح لنيقوديموس:
»
الحق الحق أقول لك: إن كان أحد
لا يُولَد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو،
والمولود من الروح هو روح.
«(يو
5:3و6)
2 - يعود هنا المسيح ويقدِّم نفسه باعتباره الخبز الحي الجديد الذي نزل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت بعد، بل يحيا إلى الأبد حتى وإنْ مات بالجسد. وواضح هنا أن الذي يغتذي بالمسيح هو الإنسان الجديد المخلوق جديداً “من فوق” و“من الماء والروح”، الذي خلقه المسيح في نفسه بقيامته من بين الأموات، ونلناه بالإيمان والمعمودية.
3 - عاد المسيح وحدَّد بوضوح شديد كيف سيُعطي نفسه خبزاً ليأكل منه الإنسان الجديد ليحيا إلى الأبد بأن حدَّد أن الطعام الروحي للإنسان الجديد سيكون جسده الذي يبذله عن حياة العالم. وهنا يدخل المعنى في تصوير مستيكي أي سرِّي شديد الشفافية، بمعنى أن المسيح سيُقدِّم جسده على الصليب ذبيحة حيَّة مقدَّسة للآب عن خلاص العالم. وهذه الذبيحة الحيَّة المقدسة لكي يتم عملها في الإنسان، بإعطاء الخلاص والغفران والحياة والبر، يتحتَّم أن يأكل منها الإنسان لكي يكون شريكاً في فعلها الإلهي السرِّي الفائق. ولكي يُعطي المسيح لكل إنسان الفرصة والحق ليأكل منها في كل مكان وإلى مدى جميع الأزمان، قام يوم الخميس المبارَك برسم طقس ذبح الجسد على العشاء الفصحي مع تلاميذه بأن أخذ خبزاً عادياً وشكر وبارك وكسر، وأعطى لتلاميذه برسم الجسد المكسور على الصليب يوم الجمعة قائلاً بسر رهيب: “هذا هو جسدي المكسور من أجلكم (على الصليب)، خذوا كلوا منه كلكم”. ثم عاد وأخذ الكأس الرابع في طقس عشاء الفصح الممزوج خمراً وماءً، وشكر وبارك وأعطاه لتلاميذه قائلاً: “هذا هو دمي المسفوك من أجلكم (على الصليب)، اشربوا منه كلكم”.
وهكذا حقَّق المسيح، بالفعل الإلهي السرِّي في الخبز والخمر، الوجود المستيكي الإلهي للجسد الحقيقي المذبوح على الصليب والدم المسفوك عليه.
وهكذا حقَّق المسيح بالفعل الإلهي السرِّي ذبيحته الفصحية بجسده بواسطة الخبز والخمر. حتى أن كل مَنْ أكل من هذا الخبز الفصحي السرِّي وهذا الخمر الفصحي السرِّي، يكون قد أكل بالفعل السرِّي المسيح نفسه في حالة الذبيحة الفصحية التي قدَّمها للآب لمغفرة الخطايا وحياة أبدية لكل مَنْ يتناول منه.
ثم عاد المسيح ليوثِّق هذا الأكل والشرب الفصحي من جسده ودمه كعهدٍ أبدي معنا، فقال باختصار ووضوح: » مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير «(يو 54:6). ولكي يرفع عن ظنِّ الإنسان أنه يأكل خبزاً ساذجاً وخمراً ممزوجاً ساذجاً، عاد فأكَّد: » لأن جسدي مأكلٌ حقٌّ ودمي مشربٌ حقٌّ «(يو 55:6). والمعنى هنا عميق، إذ يفرِّق المسيح بين أكل الخبز الساذج وشرب الخمر الساذج، وبين أكل الجسد الإلهي وشرب الدم الإلهي. فهنا الخبز الفصحي المتحوِّل إلى جسد المسيح الذي استودع فيه المسيح قوة وحياة جسد الكلمة المُحيي، لم يَعُدْ أكلاً ساذجاً يأكله الإنسان بالجسد ويموت، بل مأكلا حقًّا. و“الحق” هو ما لا يتغيَّر ولا يزول، والله وحده هو الذي لا يتغيَّر ولا يزول، بمعنى أن الذي يأكل الجسد ويشرب الدم الكائن بالقوة الإلهية في سرِّ الخبز المكسور والخمر الممزوج إنما “يأكل الحق” و“يشرب الحق”، وهو أعمق تعبير سرِّي عن استيعاب لاهوت المسيح الكائن في الجسد والدم الفصحي العامل لغفران الخطايا والحياة الأبدية، الذي عبَّر عنه المسيح بعد ذلك تعبيراً مُبدِعاً بقوله: » مَنْ يأكلني فهو يحيا بي «(57:6)، الذي في صميم معناه قال بولس الرسول: » لا أحيا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ. «(غل 20:2)
وهكذا أعطى المسيح عهداً أبدياً موثَّقاً أن كل مَنْ يأكل من الخبز المكسور
الفصحي والخمر الممزوج الفصحي، الذي نعبِّر عنه بسرِّ الإفخارستيا، يكون قد أكل
المسيح بحال ذبيحة فصحية على الصليب، الذي صار ضميناً لخلاص الإنسان غفراناً
وحياةً أبدية. لذلك يسمَّى خميس الفصح بـ “خميس العهد”، وهو العهد الجديد كقول
المسيح العلني: “كذلك الكأس أيضاً بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هي العهد الجديد
بدمي الذي يُسفك من أجلكم.” (لو 20:22)
كما أعطى المسيح استعلاناً جديداً لفاعلية الأكل من الجسد والشرب من الدم الفصحي بقوله: » مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه «(يو 56:6). هذا الثبوت المتبادَل بالفعل السرِّي مع المسيح بواسطة الاشتراك في الجسد والدم، هو ما يُعبَّر عنه لاهوتياً بالاتحاد السرِّي. الذي عبَّر عنه القديس يوحنا في رسالته الأولى هكذا: » أما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح «(1يو 3:1). كما عبَّر عنه المسيح بقوله: » أنتم فيَّ، وأنا فيكم «(يو 20:14)، وقوله: » ليكون الجميع واحداً، كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا... «(يو 21:17)، » أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكمَّلين إلى واحد. «(يو 23:17)
بهذا ندرك أن الطعام الجديد الروحي الذي أحدره لنا المسيح من السماء كخبز حي إلهي، وهو جسده ليُطعم به الإنسان الجديد ليحيا وتدوم حياته إلى الأبد؛ هو جوهر العهد الجديد. فنحن الذين أكلنا الجسد وشربنا الدم، دخلنا في صميم العهد الجديد وجوهره الذي صنعه الله الآب معنا بدم ابنه الوحيد الذي شربناه من يده، فتغلغل الابن في أحشائنا ودخلنا نحن في عمق أعماقه وصرنا في وحدة أمام عين الآب أهَّلتنا للبنوَّة وميراث الابن الوحيد.
فالإفخارستيا - طعام الحق هذا - للإنسان الجديد، قد رفعته
من الأرض إلى السماء، ومن حال الخلقة الترابية التي تدبُّ على الأرض كإحدى
الدبابات إلى
وجود سمائي وكيان روحاني يتراءى أمام الله في حالٍ من البر والقداسة لمدح مجد
نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب، وهذا كله كان حسب مسرَّة مشيئة الآب.
غير أن في المعمودية يخرج الإنسان الجديد بمفرده حاملاً المسيح فيه حسب قول بولس الرسول: » لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح «(غل 26:3)، » وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق «(أف 24:4). أما في سر الإفخارستيا فيخرج المؤمنون متَّحدين في شركة معاً ومع المسيح: » كأس البركة التي نُبارِكها، أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح؟ فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد «(1كو 16:10و17)
لهذا يُقال للمؤمن إنه عضو واحد متميِّز في جسد المسيح حسب موهبة الروح التي أخذها من الله ليخدم بها الجسد. ولكن يُقال عن المؤمنين معاً إنهم جسد المسيح الواحد أي كنيسته.
كذلك فإنسان المعمودية الجديد من فوق، هو روح ثابت لا يتغيَّر ولا يزول، على صورة خالقه. أما الإفخارستيا فهي سرُّ التجديد الدائم للإنسان، يتجدَّد فينا بقدر ما يَفْنَى الخارج يوماً فيوماً، حيث يتغيَّر الإنسان إلى صورة خالقه في المجد من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح، كلما أكلنا الجسد وشربنا الدم ودخلنا مجدَّداً في سرِّ الشركة مع المسيح وسلكنا بالروح.
(يونية 1997)
الإنسان الجديد
الطريق إليه والتعامل معه
rVlVr
صحوة على الطريق:
ربي، كيف تُهتُ عنك هذه السنين كلها وأنت تحيا فيَّ، في إنساني الذي وهبتني!
كيف كنتُ أعيش موتي، فالبعد عنك ألا يكون هو البعد عن الحياة؟
لقد عشتُ موتي غير عالم أن الحياة فيَّ، ينبض بها قلبي في إنساني الذي وَهبتَ.
أسلمتُ فكري للناس وأمور الدنيا، فانحجب وعيي عن المسيح الذي في قلبي. وما فهمتُ قولك: » يا ابني أعْطِني قلبَك، ولْتُلاحِظْ عيناك طُرُقي. «(أم 26:23)
حتى أدركتُ أن هنا في قلبي يسطع نور وجهك عليَّ في إنساني الذي وَهبتَ!
فإن كان موسى قد وجدها قمة المنتهى أن يسير وجهك أمامه، فيا لنصيبنا الذي لا يُحدُّ، أن يستقر وجهك في كياننا ويضيء علينا!
قلتَ: » مَنْ كان حيًّا وآمن بي، فلن يموت إلى الأبد «(يو 26:11)، فأدركتُ أنك أنت الحياة فيَّ، وها أنا بك أحيا فكيف يأتيني الموت؟
وإن أتاني الموت، فسأبقى كما أنا حيًّا بك، فماذا للموت فيَّ؟
إنساني الذي وهَبتَ الذي خلقته لي يوم قيامتك، واستودعته قلبي يوم
أن اعتمدتُ؛ أدركتُ فيه قيامتي، وتسمَّعتُ في نبضاته نبضات قلبك، وتعرَّفتُ فيه
على نور وجهك.
فمَنْ ذا بقادرٍ أن يفصلني عنك؟ مَنْ ذا الذي يستطيع أن يخلع قلبك من قلبي، أو يُطفئ نور وجهك عن وجهي، أو يفكَّ حياتك من حياتي؟
إن اقترب الموت مني، فسأسخر منه، لأني أمسكتُ بالحياة الأبدية لَمَّا أمسكتَ أنت بي.
وإن استطاع الموت أن يُفني الخارج فيَّ، فبالداخل وطأتُه يوم وطأتَه أنت بقدميك.
وإن طالني الفناء وأحنى ظهري الزمن، فقيامتك رفعتْ رأسي وطالت روحي الأبد.
فإن كنتُ أحمل إنساني الجديد في قلبي، فالمسيح أصبح يحملني!
كيف أتعامل مع إنساني الجديد؟
أي كيف أتعلَّم أن أكون كاملاً كقول الرب لإبراهيم أول ما قال: » سِرْ أمامي وكُنْ كاملاً «(تك 1:17). فهذه هي أول وصايا الله وفرائضه! وأول ما ينبغي أن يسمعه الإنسان ويطيعه، لأن في ذلك حياته! فإذا ما بدأ الإنسان أن يتغيَّر عن ماضي حماقاته ونزق صباه، ويكفّ عن أعمال الصغار، ويبدأ يتعلَّم كيف يتكلَّم برزانة، ويفكر ويدبِّر بحكمة لتصبح آراؤه سديدة وأعماله حكيمة، وكان في سعيه جادًّا بعزيمة ونيَّة مستقيمة تعاهدتْ مع الله أن لا تنظر إلى الوراء؛ يبدأ يحس الإنسان أن هناك قوة علوية تعينه وتشجِّعه وتدفعه إلى الأمام وإلى فوق، فيظن أن السماء ارتضت أن تكون له معيناً.
ولكن الحقيقة المذهلة، أن المعونة والقوة إنما هي آتية من الداخل، من القلب، من
الإنسان الجديد الذي وجد في السعي إليه فرصة أن يُعلن عن ذاته وعن المسيح الذي
فيه. وعندما يرى القوم ما آل إليه حال الإنسان من الترقِّي
والرزانة ظنوه ونعتوه أنه إعلاء للذات، وإن بهرتهم حكمة الإنسان سَموه
السوبرمان”. ولكن الحقيقة أن الإنسان لا يعدو أن يكون قد عثر على ذاته، ذاته
المخلوقة بحسب الله في البر وقداسة الحق، وبدأت تنضح بمواهبها على الإنسان
العتيق، فأضفت عليه مسحة ممَّا هو ليس في طبيعة الإنسان!
فمواهب الإنسان الجديد المتأصِّلة في خلقته كلها سماوية، فإن أُعطي لها أن توجد وتعمل فهي لا محالة رافعة الإنسان لِمَا هو فوق طبيعة الإنسان.
وهي بذاتها قوة قادرة أن تردع الإنسان العتيق ليأخذ طريقه إلى الوراء، عن إرغام، ليوسِّع المكان للإنسان الجديد كي يمارِس حقَّه في الإعلان عن الروح الذي فيه. وبانحصار الإنسان العتيق في أضيق حدود حركته ورجوعه إلى الوراء تخمد شهواته وتتوارى حماقاته، ويصبح تراجعها واضحاً للإنسان والعيان، يشهد لبدء عمل الإنسان الجديد لحساب الله والخلود.
وقد يأتي هذا التحوُّل للإنسان بجهد كثير ومعاناة ومحاولات يسندها الصبر والعناد،
وصلوات ذات صراخ ودموع وعنف وآلام وكآبة وحزن كثير، فهي عملية المخاض المزدوجة
القوة: فهي مخاض الموت للقديم بتشبُّثه المستميت في المقاومة، ومخاض ميلاد الجديد
الذي يحمل نقلة كبرى يتحمَّلها الإنسان بصعوبة لأنه يولَد على صورة خالقه في البر
وقداسة الحق. ولكن القوة الدافعة لطرد القديم، والقوة الجاذبة لإخراج الجديد،
تفوق قدرات الإنسان حيث يعمل الإنسان ضد نفسه وكأنه يميت ذاته. فلولا كفاءة
الإنسان الجديد المخلوق حقًّا على صورة خالقه لتعسَّر الميلاد أو استحال. ولكن
الله خلقه ليحيا ويسود ولا يحجزه عن حق الحياة حاجز. فقوة حياة الإنسان الجديد
تجرف أمامها أعمال العتيق بنصرة وجبروت يحسُّها الإنسان نفسه ويتعجَّب أين كان
هذا السند ولماذا هكذا توارى؟ وكأنه كان أسيراً تحت قيود. ويبتدئ يحس الإنسان
ويتسمَّع صدى صوتٍ يناديه من أعماقه وكأن في داخله مَنْ يدعوه للعبور.
ولكن قد يأتي أيضاً هذا التحوُّل كما اختبره كثيرون ليس بعد جهد أو عناء، ولكن مرَّة واحدة، وكأنها صحوة من نوم عميق، حيث يكون الجسد الجديد قد قارَب المولد وصار ينتظر دفعة تأتيه بنعمة الله عند لحظة اشتعال الإيمان القلبي. فيقوم ويصير ظاهراً للناس وموضع سؤالٍ وتعجُّب. ويُقال إن فلاناً تجدَّد أو تغيَّر، ويحسُّ هو في نفسه وشكله وجسمه وكأنه قد حدث له أمرٌ واضحٌ جديدٌ، فيتغيَّر صوته ولهجته وابتسامته، وفرحه الهادئ يملأ قلبه ووجهه وكيانه، وهدوءه يملأ حياته كلها؛ علامات تنطق أنه قد حدث فعلاً ميلادٌ جديدٌ بالروح، حيث تدخل الإنسانَ طاقاتٌ روحيةٌ جديدةٌ يظنها آتية إليه من فوق مع أنها نابعة من الداخل، من صميم خلقته وميراثه السماوي.
سمة واحدة للإنسان الجديد:
وسواء كان التحوُّل أو التجديد الذي يظهر به الإنسان - وقد صار
إنساناً جديداً حقًّا - جاء بعد جهد وعناء وصلاة ومثابرة، أو جاء
كانتفاضة قام بعدها الإنسان وقد تغيَّر كل شيء فيه، نجد أن أحوال وظروف الإنسان
الجديد في النماذج المتعددة قريبة الشبه جداً بعضها مع بعض. فالإنسان الجديد في
وضعه العام عند الجميع هو صورة روحية للمسيح أو بحسب التعبير الذي قاله بولس
الرسول: الكل قد صار لابساً المسيح. فالبساطة والفرح والحكمة والإلهام والنعمة
والوعي المفتوح والكلام الروحي ذو التأثير الإلهي في النفوس، يكاد يكون سمةً
عامةً لكل الذين تعرَّفوا على إنسانهم الجديد وعاشوا به. وهذه شهادة صدقٍ لحقيقة
الميلاد الثاني من فوق التي فجَّرها المسيح في عالمنا، وأثبت بها أن مجيئه إلى
العالم وتجسُّده والفداء الذي أكمله بآلامه وصليبه وذبيحة نفسه وموته وقيامته،
إنما هي أصلاً وبصورة شاملة وكاملة ونهائية لخلقة الإنسان خلقة جديدة روحية من
فوق، تمهيداً للنقلة الإلهية التي سيجوزها الإنسان ليحيا
في الحياة الأبدية مع الله للأبد.
وهكذا نرى ونشعر ونؤمن ونشهد بالخلقة الجديدة التي نلناها سرًّا في المعمودية، وكانت مختفية في القلب وكنَّا نحن لاهين عنها إلى أن بلغنا إلى الحال الذي يؤهِّلنا لاستلامها، واستدعيناها فخرجت للوجود ليراها كل بشر ويشهد بحقيقتها.
وبهذه الخلقة الجديدة تُستعلن الكنيسة الحقيقية صاحبة هذه المواهب التي كانت مخفية، وقد أُظْهِرَت واستُعلِنَت في كل الذين حازوا نعمة استرداد خلقتهم الجديدة الروحية.
وإليك أيها القارئ العزيز دعوة أن تكون واحداً من هؤلاء الذين قد تزيَّنوا بالمسيح ليكونوا عروساً متجلِّية بمجد الابن.
عودٌ إلى القلب ومذَّخراته الإلهية:
وبشيء من العمق الروحي الواعي، نرى في هذا القلب الجديد سر الباب الحقيقي وسر الطريق. ألم يَقُل بولس الرسول: » لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح «(غل 27:3)؟ فإن كان المسيح قائماً حقًّا في الإنسان الجديد الروحاني، ففيه بكل يقين سر الباب وسر الطريق، وهكذا من داخل هذا الإنسان تتم حتماً المقابلة وتتم اللُّقيا ويتم الاتحاد والشركة: » ويكون فرحكم كاملاً «(1يو 4:1)!! أليست هنا وفينا الحياة الأبدية بعينها؟ فإن كنَّا قد حُزنا على حضرة المسيح ووجوده، فقد حُزنا على الحياة الأبدية والشركة مع الآب وابنه يسوع المسيح، وكمل فرحنا بحسب كرازة القديس يوحنا وشهادته، التي أكَّد فيها أنه نال هذا بالفعل!
+ »
فإنَّ الحياة أُظْهِرَتْ، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند
الآب وأُظْهِرَت لنا. الذي رأيناه وسمعناه (ولمسته أيدينا)
نُخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه
يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً.
«(1يو
2:1-4)
وهنا يتحقَّق ويصدق ويتبارك جداً ربنا يسوع الذي قال: » ها ملكوت الله داخلكم. «(لو 21:17)
إذن، فليس بالفكر والدرس والاجتهاد نعثر على المسيح أو نجد الملكوت والحياة الأبدية. فهذه متاهة عشناها قروناً وآن الوقت لندرك أن المسيح فينا والحياة الأبدية كائنة في قلوبنا. فماذا نقول؟ نقول: عودة إلى القلب وحصر الإيمان والصلاة والرجاء في القلب، لأن في القلب يُستعلن لنا الإنسان الجديد، الخليقة الجديدة التي من فوق من السماء، وقد حازت حضور المسيح والروح والحياة الأبدية.
فالذي عثر على إنسانه الجديد فقد عثر على الفداء والخلاص والحياة الأبدية ونهايةكل شيء، ولم يَعُدْ يُعْوِزه شيء من أعمال الله. وها هو الله قد وضع في قلبنا سر الخلق الجديد بكل مواهبه وعطاياه. فيا للغنى ويا للمجد!
فلا تعد تلوم ولا تئن وتشكو، فالله لم يكن مقصِّراً أبداً معنا ولا تركنا نواجه
الحياة بأجسادنا العتيقة وخلقتنا الترابية. فلم يكن الله ظالماً لكي يطالبنا
بالسماويات وكل أدواتنا وأسلحتنا من التراب. لم يطالبنا الله أن نتعرَّف عليه
ونؤمن به ونطيعه ونحبه بإمكانياتنا الترابية الفاسدة والعاجزة؛ ولا هو طالبنا
بالصلاة الدائمة والسهر واليقظة، وأسلحتنا كلها ترابية مكسورة؛ ولا هو طالبنا
بمحبة الإخوة من قلب طاهر بشدة أو محبة الأعداء، وكل ما نعرفه عن المحبة هو محبة
الأجساد النابعة من الغرائز الحيوانية الترابية. ولكنه - وهذه شهادة
حق - قد سبق ومنحنا في القلب خلقة إنسانية جديدة كل الجدة،
ليست من تراب الأرض بعد، بل هي خلقة سماوية
من ذات طبيعة جسد المسيح
القائم من بين الأموات الذي غلب به الخطية وداس الموت ودحر الشيطان، وارتفع به من
الأرض وعالم الموت والفناء، وهي خلقة بها كل مواهب الروح وأسلحة النعمة وروح
الصلاة والحب الإلهي الكامل وتواضع الطفولة.
إذن، فقد سلَّحنا المسيح بجسده وروحه ونصرته وحبِّه، واستودع هذه الخليقة في قلوبنا، وختم عليها إلى اليوم الذي نتعرَّف عليها فنحيا! وهكذا نجد أنه أعطانا أكثر مما يطالبنا به.
إذن، فنحن لسنا بعد غرباء عن الآب، ولم تَعُدْ السماء بعيدة والمسيح فينا، بل صارت موطناً لنا ينتظرنا بأكثر مما ننتظره، ونصيبنا فيه محفوظ مع الميراث.
لا تضيِّعوا العمر عبثاً!
ها هوذا الواقع يظهر أمامنا جليًّا. فالله لم يخلقنا لنعيش في هذا الجسد العتيق العاجز البائد نبكي على ماضينا وعلى وقتنا الضائع في مشاغل كاذبة وهمية، ونتألَّم من عجزنا وقصورنا وخطايانا الوهمية التي غُفرت، ونندب حظنا عندما نقرأ الإنجيل؛ فنجد هوَّة تفصلنا عن هذه المُثل العُليا وعجزاً يقعدنا عن أن نكمِّل وصاياه الكبيرة والصغيرة، وبيننا وبين الطهارة والقداسة حاجز من اليأس لا نتخطَّاه. نطوِّب القديسين والقديسات، ونلعن أيامنا التي تفرُّ أمامنا والتي فرَّت فارغة لا تحمل ثمرة نحملها أو نقدِّمها إلى الله. نبكي موتنا وموتانا وندفن آباءنا وأُمهاتنا، وإخوتنا وأخواتنا يلفُّهم اليأس ويلفُّنا، مدَّعين بكلمات لا نؤمن بها ولا نثق من مضمونها أننا نستودعهم ليذهبوا إلى أحضان القديسين والقديسات ويرثوا السموات، في حين أن قول الإنجيل إن “الفاسد لا يرث عـدم الفساد” يقف ليشهد ضد مــا نقول ونتـوهَّم. فهـذا إنمــا هـو حق فقط - محجوز ومحفوظ - لأصحاب الإنسان الجديد والخليقة الجديدة التي موطنها السماء.
وهكذا يضيع العمر عبثاً في حين أننا لو رفعنا أعيننا لَوَجَدْنا النماذج الحية الجديدة التي تعيش في جدَّة الحياة، والتي انتقلت قبل أن تنتقل، من الجسد العتيق وأعماله الميتة إلى الجسد الجديد الروحي، ولها سمات المسيح وشهادة الحياة الأبدية في فمها، والرجاء يملأ عينيها، والبساطة والمحبة تشع من كل كلمة وكل عمل. هؤلاء يملأون أيامهم عملاً وشهادة وصلاة روحية فعَّالة تنطق بحلول الروح القدس وتمجِّد الله، يقضون أيامهم بفرح، ويرحلون وإكليل الابتهاج على رؤوسهم. وهكذا يمجِّدون الله بحياتهم ومماتهم.
إذن، فالله ليس بظالم أن يحبسنا في هذا الجسد العتيق وخلقته الترابية، وأمام أعيننا مَنْ تخطَّوه عياناً بياناً واستردوا خلقتهم الجديدة المذَّخرة لنا في القلب، الذي وصفه الله أنه هيكل الله وروح الله ساكن فيه؛ فالله ينتظر انتهاء عهد الجهالات وفروغ الوقت الضائع وبدء حركة المخاض بصراخ الصلاة والدموع، لكي يُستعلن فينا هذا الإنسان الجديد ونقبله، فيكمل فينا الوعد، ونستلم بروحنا العهد، ونحيا في ملء حقيقة الإنجيل بحسب تدبير الله الذي خلقه فينا لتمجيده وتقديم العبادة والشكر والفرح.
نعم! هذه هي الحياة التي وهبها لنا الله في خليقتنا الروحية الجديدة التي لنا، ودفع لنا ثمنها ببذل ابنه للموت على الصليب، وقيامته لنحيا فيه ومعه في ذات القيامة.
(يناير 1997)
هل الإيمان بالمسيح
يحتِّم علاقة شخصية بالمسيح؟
nvlvn
عنصر العلاقة الشخصية بالمسيح يشكِّل في الإيمان المسيحي أعظم وأخطر الأركان التي تقوم عليها حياة الإنسان في المسيح يسوع.
لأنه إما ينحصر الإيمان في المدارك العقلية ليبقى المسيح شخصية أخرى يقترب منها العقل وقتما يشاء ويتأمل ويناظر ويصف ويتحدث عن شخص اسمه يسوع المسيح، حتى ولو بلغ أنه هو ابن الله، والله ظهر في الجسد، وأنه المخلِّص والفادي، ولكن كل ذلك من مدارك العقل والحفظ والاستذكار؛ وإما يكون الإيمان عن شهادة الروح والإحساس بالانطباع الكياني الذي أنشأه المسيح في الإنسان الجديد الجواني عن الابن الوحيد المحبوب وحيد الآب، الذي طبع بصمات جروحه على الصليب في هيكل جسدنا الجديد ووهبه روح قيامته، فصار للمسيح وجود وكيان مذبوح حيٌّ قائم من بين الأموات في أغوار خلقتنا الجديدة، التي عنها صرخ القديس بولس بإحساس يقيني وشهادة صدق علنية، لنوع الاتحاد السرِّي الذي دخل به الرب الروح في حياة القديس بولس ليقول: » فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ «(غل 20:2)، توثيقاً لشهادة المسيح الإلهية الصادقة: » أنتم فيَّ وأنا فيكم «(يو 20:14)، » اثبتوا فيَّ وأنا فيكم. «(يو 4:15)
هذا هو واقع إيمان الروح وليس العقل المدرِك لماهية ابن الله. فالإيمان
بالمسيح يكون على درجتين:
الأولى: الدرجة الإنسانية العقلانية الذكية الفاهمة لماهية الرب الإله التي يمكن أن نكتب عنها الكتب ونتكلَّم ونتحدث باستفاضة عن كيان إلهي آخر نراه من بعيد ونحكي عنه.
والثانية: الدرجة الروحانية التي عن وعي الروح ترى الرب الروح وتحسُّه، لا إحساس الآخر، ولكن الإحساس الذي يتلاشى فيه “الأنا” أي الذات، فمنه هو أستمد إحساسي بذاتي، إذ لا وجود لي إلاَّ به وفيه: » الذي من أجله خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح، وأُوجد فيه «(في 8:3و9). واضح من كلام القديس بولس أنه خسر كل الأشياء ولم يبقَ له شيء إلاَّ المسيح! هذا الذي ملأ كيانه ووجدانه، فلم يَعُدْ يفكِّر أو يحس بشيء إلاَّ في المسيح. هنا إيمان القديس بولس بالمسيح جعل المسيح كل شيء للقديس بولس حتى نفسه.
هذا الإدراك الروحي الواعي بشخص المسيح المالئ الكل لا يمكن أن يدركه العقل على الإطلاق، لأن العقل يدرك الآخر ولا يدرك نفسه، والإيمان الروحي بالمسيح جعل المسيح هو نفسي، لم أعُدْ آخر للمسيح ولا المسيح عاد آخر بالنسبة لي: » وأما مَنْ التصق بالرب فهو روح واحد «(1كو 17:6)، وبالتالي: » مَنْ سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عُرْي، أم خطر أم سيف؟... إني متيقِّن أنه لا موت ولا حياة... تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع. «(رو 35:8-39)
فالمسيح هو الكل الذي يملأ الكل: » الكل في الكل «(أف 23:1)، ولا يستطيع إنسان فرد أن يستوعبه إلاَّ بقدر ما يملأه، ويستحيل أن يستوعبه أحد مهما بلغ من الإيمان به إلاَّ بقدر ما يشترك فيه ويتَّحد.
فالمسيح يستعلن نفسه لي بقدر ما يسعه إيماني وتدركه روحي. وخارجاً عن نفسي وعن روحي لا أدرك المسيح إلاَّ بعقلي باعتباره آخر. وفرق بين أن يستعلن المسيح نفسه لي، وأن أدركه أنا بعقلي. فما يستعلنه المسيح من نفسه لي هو حصيلة إيماني واتحاده بي بنعمته. أما إدراكي أنا للمسيح بعقلي فلا علاقة له بإيماني ولا يوصِّلني إلى الاتحاد به، بل يظل خارجاً عني إلى أن أقبله بإيماني فيستعلن نفسه لي، وباستعلان الروح أدركه.
إذن، أصبح الإيمان بالمسيح هو حقيقة صلتي بالمسيح وصلة المسيح بي. فالثبوت في المسيح وثبوت المسيح فيَّ المعبَّر عنه بالاتحاد بالمسيح الذي هو الشركة المقدسة بالروح والحياة في المسيح، هو معيار الإيمان الصحيح والعملي: » أما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. «(1يو 3:1)
هنا معرفة المسيح والإيمان به هي معرفة ذاتية وليست فكرية: » لأنكم إن لم تؤمنوا أني “أنا هو” تموتون في خطاياكم «(يو 24:8). هنا الإيمان بالمسيح إيمان بذاته أنه “الكائن بذاته”، وهو لقب يهوه في القديم. والإيمان بذات المسيح لا يأتي بالمعرفة العقلية، بل بقبوله الشخصي باعتباره أنه هو حياتنا الجديدة، حياتنا الحقيقية، التي كانت مخفية عند الآب وأُظْهِرَت لنا بحسب خبرة القديس يوحنا الاستعلانية للمسيح الكلمة:
+ » الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة (المسيح). فإن الحياة أُظْهِرَت، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية (المسيح) التي كانت عند الآب (“والكلمة كان عند الله” يو 1:1) وأُظْهِرَت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به، لكي يكون لكم شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 1:1-4)
بهذا يدخل بنا القديس يوحنا إلى مبدأ لاهوتي خطير وجديد: أن استعلان “الكلمة” هو استعلان الحياة الأبدية التي كانت مخفية عند الله الآب وأُظهِرت لنا بظهور المسيح. هنا يشدِّد القديس يوحنا على كلمة “لنا”. فظهور الحياة الأبدية كان خاصاً بنا، إذ احتوانا كظهور الشمس لنا، حيث تصبح الشمس فينا ونحن فيها دفئاً ونوراً.
وهكذا ظهور المسيح لنا يزداد خصوصية، لأن يوحنا الرسول يقول: إن الحياة التي كانت عند الآب “أُظهِرَت” خاصة لنا بإرادة الآب. فالحياة الأبدية استُعلنت لنا خاصة. هذه الخصوصية الشديدة والفريدة هي التي وصفها القديس يوحنا بـ “الشركة” مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.
عملية الاستعلان هنا تشمل حتماً عمليات الاختيار والتقديس والتبرير معاً. هنا يُجْمِل القديس يوحنا كل لاهوت القديس بولس من فداء وخلاص ومصالحة وتبرير وتبنٍّ في عمل واحد فريد: استعلان الحياة الأبدية التي كانت عند الآب، وهي “الكلمة”، استعلنها خصيصاً لنا فاحتوانا الكلمة احتواءً، فصرنا في هذه الحياة الأبدية وهي فينا، وبالتالي في المسيح والآب، وصرنا شركاء حياة في الآب وفي ابنه يسوع المسيح. هذا هو منتهى الخلاص.
وهذا يتوافق مع منتهى محبة الله ونعمته، وهي عينها التي سكبها على القديس بولس الرسول مرة واحدة، إذ بعد أن آمن واعتمد قام يشهد للمسيح في المجامع أن هذا هو ابن الله. لقد غمرته الحياة الأبدية مرة واحدة فصار فيها يحيا سر الشركة مع الآب وابنه يسوع المسيح بلا تعليم. وكل ما عرفه بولس الرسول هو ما عرفه المولود أعمى هكذا: أنه كان أعمى والآن يبصر!
ومن هنا جاء معنى الفرح الكامل، لأن سرَّ الفرح الكامل هو اندفاق الحياة
الأبدية دون ترقُّب أو معاناة أو أي أداء من
طرفنا. وهذا معنى الاختيار والتعيين
المجانيَّيْن حسب غِنَى نعمة الله. فالأعمى نال نعمة النور الكامل لمجرد الإرادة:
»
يا سيدي (أريد) أن أُبصر «(مر
51:10)، فأبصر “وبحسب إيمانك ليكن لك.” (راجع مت 29:9)
هنا القديس يوحنا لم يقلِّل من قيمة الفداء والكفَّارة لأنه وصفها كتأمين للحياة الأبدية بعد نوالها: » يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفَّارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً «(1يو 1:2و2). الصليب هنا مع الفداء والكفَّارة جاء لتأمين الحياة الأبدية التي نلناها لَمَّا استُعلنت في شخص يسوع المسيح، لتأمين الشركة والثبوت فيها. ولقد سبق وأشار المسيح أنه هو القيامة والحياة: » أنا هو القيامة والحياة. مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا «(يو 25:11). وأمَّنت مرثا على هذا بقولها: » قالت له: نعم يا سيد، أنا قد آمنتُ أنك أنت المسيح ابن الله، الآتي إلى العالم «(يو 27:11) إشارة إلى الاستعلان. فالمسيح استُعلن أنه الحياة الأبدية قبل الصليب: » أنا هو الطريق والحق والحياة. «(يو 6:14)
لذلك احتسب القديس يوحنا أن الصليب والموت والكفَّارة جاءت لتوثيق وضمان الحياة الأبدية التي كانت عند الآب في الكلمة واستُعلنت لنا بالتجسُّد، ونلنا بمقتضى ظهورها شركة فيها بالروح مع الآب والابن التي نادى بها القديس يوحنا: » الذي رأيناه وسمعناه نُخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 3:1و4)
وهكذا اعتبر القديس يوحنا أن استعلان أو ظهور يسوع المسيح ابن الله هو نفسه الوعد
الذي وعدنا به الله: »
وهذا هو الوعد الذي وعدنا هو به: الحياة
الأبدية «(1يو
25:2). وظهور المسيح الذي هو ظهور الحياة الأبدية هو برهان عمل محبة الآب:
»
بهذا أُظْهِرَت محبة الله فينا: أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي
نحيا به «(1يو
9:4). على أن عمل الحياة الأبدية فينا الذي هو عمل محبة الله نحونا في المسيح
يسوع أسبق من عمل الكفَّارة، فهو أحبَّنا أولاً ثم كفَّر عن خطايانا بموت ابنه:
»
في هذا هي المحبة: ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا، وأرسل ابنه
كفَّارة لخطايانا «(1يو
10:4). فالتكفير عن الخطايا جاء لضمان قيام الحياة الأبدية.
لذلك جُعِلَ الميلاد الثاني من الماء والروح، أي الميلاد من الله، هو بمثابة الدخول إلى الحياة الأبدية حيث ليس خطية: » كل مَنْ هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله «(1يو 9:3). ذلك باعتبار أن الخطية من أعمال إبليس: » مَنْ يفعل الخطية فهو من إبليس، لأن إبليس من البدء يخطئ «(1يو 8:3)، وأن المسيح قد جاء لينقض إبليس وأعمال إبليس: » لأجل هذا أُظْهِرَ ابن الله لكي ينقُض أعمال إبليس «(1يو 8:3). لذلك تنحصر هنا الخطية في معنى “العمل ضد الله”، كونها من عمل إبليس. ولهذا يصبح حقاً أن المولود من الله لا يعمل خطية أي لا يعمل عملاً ضد الله، لأن زرع الله - أي روح الحياة - فيه، ويستحيل أن روح الحياة في المسيح يعمل ضد الله.
ثم عاد القديس يوحنا يفرِّق بين خطية مميتة ليس لها غفران (1يو 16:5و17) وهي
إنكار المسيح ابن الله أنه جاء بالجسد، أي إنكار استعلان الحياة الأبدية؛ وخطية
أخرى غير مميتة وهي كل خطية لا يدخل فيها إنكار المسيح ابن الله أو استعلان
الحياة الأبدية بالتالي. هذه لا يخلو منها أي إنسان:
»
إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا
«(1يو
8:1). ثم أدخل كل الخطايا التي ليست موجَّهة ضد الله وإنكار الابن وإنكار الحياة
الأبدية تحت الغفران بالاعتراف:
»
إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتى يغفر لنا خطايانا ويُطهِّرنا من كل إثم
«(1يو
9:1)، »
ودم يسوع المسيح ابنه يُطهِّرنا من كل خطية.
«(1يو
7:1)
على أن القديس يوحنا يطالبنا أن لا نخطئ، وبهذا جعل الخطية مسئولية الإرادة، ولكن عاد وأدخل الخطية تحت قوة الكفَّارة التي لدم المسيح بواسطة شفاعة المسيح عند الله الآب: » يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفَّارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً. «(1يو 1:2و2)
وبهذا يكون القديس يوحنا قد ضمن بقاءنا في الحياة الأبدية في شركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح بصورة ثابتة، إذ أخضع الخطية تحت سلطان الشفاعة والغفران، فأصبحت حياتنا مؤمَّنة ضد الموت والهلاك، بل مكفول لها الثبات في المسيح والفرح الكامل.
والحياة الأبدية عند القديس يوحنا في معيارها اللاهوتي تُساوي الخلاص عند القديس
بولس. ولكن إن كان كل شيء عند القديس بولس ينتهي بالخلاص سواء الكفَّارة والفداء
أو المصالحة والتبنِّي، إلاَّ أن عند القديس يوحنا فإن كل شيء يبتدئ بالحياة
الأبدية وينتهي إليها. لذلك نجده في إنجيله يبدأ بالحياة الأبدية:
»
فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس
«(يو
4:1)، وينتهي إنجيله بأن غاية الإنجيل هي أن يكون لنا حياة باسمه:
»
وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم
حياة باسمه «(يو
31:20). كذلك يبتدئ رسالته الأولى بالحياة الأبدية:
»
التي كانت عند الآب، وأُظهِرَت لنا
«(1يو
2:1)، وينتهي من الرسالة بالحياة الأبدية أيضاً:
»
ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة
الأبدية. «(1يو
20:5)
وهو يؤكِّد أننا نلنا الحياة الأبدية بالإيمان باسم يسوع المسيح. وأن المسيح يؤمِّن لنا الوجود في هذه الحياة الأبدية بشفاعته لدى الآب إزاء خطايانا باعتباره أنه قدَّم نفسه كفَّارة لخطايانا، بل ولخطايا كل العالم أيضاً. لذلك فإنه يؤكِّد لأولاده أن خطاياهم قد غُفرت ليعيشوا “بضمير عدم الخطايا” تأكيداً لما كتبه القديس بولس الرسول في رسالة العبرانيين: » فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يُطهِّر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي. «(عب 14:9)
والقديس يوحنا يسلِّح ضمائرنا بحالة غفران أكيد مهيَّأ لنا لدى المسيح: » إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتى يغفر لنا خطايانا ويطهِّرنا من كل إثم «(1يو 9:1). وهذا التأكيد المتزايد من جهة رفع إحساسنا بالخطية من جهة الضمير يجيء عند القديس يوحنا تكراراً وبتركيز حتى لا يختل إحساسنا وتمتُّعنا بشركة الحياة الأبدية مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح، وليكمل فرحنا.
فالاستمتاع بالخلاص عند القديس بولس يجيء عند القديس يوحنا استمتاعاً بالحياة الأبدية والشركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. وإن كان الإيمان هو حارس الخلاص عند القديس بولس، فالمحبة هي حارسة الحياة الأبدية والشركة مع الآب وابنه يسوع المسيح عند القديس يوحنا. وإن كانت الخطية عند القديس بولس قد أبطلتها النعمة، فالخطية عند القديس يوحنا قد غلبتها المحبة.
فالخلاص عند القديس بولس طريقه صاعد من الأرض إلى السماء، ومن الإنسان إلى الله. أما الحياة الأبدية عند القديس يوحنا فهي استعلان من الله ليغمرنا، فنرى أنفسنا في شركة الحياة مع الآب والابن، ولسان حالنا هو: » أني كنت أعمى والآن أُبصر. «(يو 25:9)
والحياة الأبدية عند القديس يوحنا يحكمها عنصران من عناصر الروح: المعرفة والمحبة. و“المعرفة” هي بنت الاستعلان، لأن استعلان كلمة الله الذي كان عند الآب وأُظهِرَ لنا يعني في الحال التعرُّف على الآب، والتعرُّف على الآب يولِّد المحبة: » لا أعود أُسمِّيكم عبيداً، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكني قد سمَّيتكم أحبَّاءَ لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي. «(يو 15:15)
وهكذا صار جوهر الحياة الأبدية: “حب ومعرفة”، والمعرفة كُنِيَ عنها بالنور وبالحق أيضاً. ويلذ للقديس يوحنا أن يقرن المحبة بالنور: » مَنْ يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه عثرة. وأما مَنْ يبغض أخاه فهو في الظلمة، وفي الظلمة يسلك، ولا يعلم أين يمضي، لأن الظلمة أعمت عينيه «(1يو 11:2). فلو قلنا إن النور هو الله وهو الحق، يظهر بوضوح جداً هدف القديس يوحنا. لأن الذي يحب يثبت في الله والحق، والذي يبغض يخرج خارج الله، في الظلمة حيث لا طريق ولا باب ولا رؤية.
بل إن: » كل مَنْ يحب فقد وُلد من الله «(1يو 7:4)، لأن المحبة المسيحية هي صفة الإنسان الجديد، الخليقة الجديدة المولودة من الله على شكله، فأصبح الحب مقياساً حسَّاساً لحدوث عملية الولادة الثانية من فوق أي الخليقة الجديدة بالروح.
والحب عرفناه أنه ابن المعرفة، والمعرفة عرفناها أنها بنت الاستعلان. هذا يعني أن الحب الذي أحب به أخي هو حب استعلاني!! وما معنى هذا؟ هذا يعني أن حب أخي هو اكتشاف أو استعلان حقيقة إلهية تجذبني نحو أخي، فيصير حبنا هو انجذاب ثنائي متَّجه نحو الله تغذِّيه معرفة جديدة إلهية. بهذا يتأكَّد أن حبي لأخي هو في النور ويتغذَّى به. هذا يُكنى عنه بالحب في الله، في المسيح، في الروح، في الحق، في النور، في الحياة الأبدية.
فالحب حياة، والحياة حب أحياه ويحياه معي أخي. إذن، فالبغضة موت وقتل، موت لنفسي ونفس أخي معي، لأني حرمت نفسي وحرمته من الحياة: » كل مَنْ يبغض أخاه فهو قاتل نفس. «(1يو 15:3)
فارق شاسع بين الحب الجسدي بكل أشكاله، وبين الحب الروحي. الحب الجسدي تعلُّق نفس بنفس، هذا مآله للموت؛ والحب الروحي تعلُّق نفسين بالمسيح، وهذه هي الحياة الأبدية، والجسد الواحد. وهذا هو الذي حدث لَمَّا أُظهِرَت الحياة الأبدية التي كانت عند الآب، فقد أُظهِرَت المحبة التي تجمع بين الذين قبلوها، فصارت الشركة مع الله ومع ابنه يسوع المسيح، وصار الفرح الكامل.
وهكذا كان بظهور الحياة الأبدية، ظهور الشركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح؛ لأن بظهورها كان ظهور حب الآب الذي يجمع، والنور (معرفة الآب) الذي يوحِّد. وهذه هي النتيجة المباشرة لاستعلان الآب بالابن: » وعرَّفتهم اسمك وسأُعرِّفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم «(يو 26:17)، «ليكون الجميع واحداً، كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا.» (يو 21:17)
هذا هو “الاستعلان” الذي أتى به الابن من عند الآب، أي معرفة الآب في ذاته ومحبته المنسكبة في الابن، وهذه هي الشركة التي يتكلَّم عنها القديس يوحنا التي كانت لهم مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح، وسر الفرح الكامل. هذا طرحه المسيح على الرسل، والرسل طرحوه بذات الحب وذات النور والمعرفة فينا لتكون لنا شركة معهم في الآب وابنه يسوع المسيح، هذه التي طلبها المسيح من الآب في آخر لحظة من حياته على الأرض: » ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم. «(يو 26:17)
فإنْ انسكب حب الآب الذي يحب به الابن فينا، وصار المسيح الابن فينا، صرنا حتماً وبالضرورة في اتحاد غير منفصم مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.
من هنا يجيء حل اللغز العجيب والمدهش في قول القديس يوحنا: » أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله، ولم يُظهَر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا أُظْهِرَ نكون مثله، لأننا سنراه كما هو «(1يو 2:3). لأنه إن كانت محبة الآب للابن قد صارت فينا، وصار فينا المسيح الابن ذاته، فهل من شيء بعد لا يجعلنا مثله؟ فإن كان هو موجوداً فينا، وحب الله الآب للابن فينا، فقد صرنا مثله. ولكن الآن ونحن بالجسد يصعب أن نتصوَّر ذلك، ولكن هناك حيث لنا الخليقة الجديدة يكون فعلاً إذا أُظهر المسيح “نكون مثله، لأننا سنراه كما هو فينا”!!!
ليس هذا قول ادِّعاء من يوحنا الرسول، لأن في الحقيقة الابن هو الذي أخذ شكلنا وصار مثلنا كإنسان بالجسد، فاغتنم الفرصة ليغيِّر شكلنا ومثالنا إلى شكله ومثاله بالروح أي بالجسد الجديد، الخليقة الروحانية، الإنسانية الجديدة المخلوقة على صورة الله: » وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله (كالله) في البر وقداسة الحق «(أف 24:4)، » ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه. «(كو 10:3)
من هنا يجيء القول المتقن أننا بالنهاية: “سنكون مثله، لأننا سنراه كما هو فينا”!!!
هذا الأمر يعالجه القديس بولس على درجات، إذ يلاحظ القارئ في قول الآية:
»
وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله (كالله) في البر وقداسة الحق
«(أف
24:4)، أن هذا يتم بالميلاد الثاني من الماء والروح المحسوب أنه “ميلاد من فوق”،
للذين “وُلِدوا من الله”. هذا يؤكِّد لنا أننا الآن بحق
معموديتنا نحمل هذا الإنسان الجديد المحسوب أنه خليقة جديدة روحانية بحسب الله
«في البر وقداسة الحق»، وهما الصفتان الأساسيتان لإمكانية اتفاق هذه الخليقة
الجديدة مع خالقها لتبلغ الاتحاد أو الشركة بالروح. ثم يعود القديس بولس ويؤكِّد
أن الإنسان الجديد هذا أو الخليقة الروحانية الجديدة فينا الآن إنما تتجدَّد
بالمعرفة (استعلان الله الآب) لتكون على صورة خالقها تمهيداً لبلوغ حالة الشركة
مع الآب والابن.
وهذه الحقيقة العظمى أهملها العلماء والدارسون للأسف المرير. ونحن نتعجب لماذا نحتقر عمل الله العظيم هذا كونه يُلبسنا الإنسان الجديد المخلوق على صورة الله في البر والقداسة ليكون لنا الحق في حالة الشركة المجانية مع الله الآب وابنه يسوع المسيح.
ولكن إن اكتفينا بجسدنا المادي هذا الذي نعيش فيه، وأهملنا خليقتنا الروحية الجديدة فينا التي نلناها بالمعمودية والمسحة ونفخة الروح القدس، والتناول من الجسد والدم الأقدسين، والتي هي على صورة الله والمسيح في البر وقداسة الحق؛ فنحن نكون حينئذ أشقى خليقة، ويكون المسيح قد تعب من أجلنا عبثاً.
والخطورة في إهمالنا مواهب الخليقة الجديدة فينا أن ذلك يحرمنا من الشركة مع الآب والابن يسوع المسيح، لأنه بدون الإنسان الجديد فينا لا يكون لنا علاقة حقيقية مع المسيح، وبالتالي مع الآب. لأن الإيمان المسيحي لا يصدر من مركز الإنسان المادي أي العتيق لأنه لا يستطيع. لأن فيما يقوله القديس بولس: » لأنك إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع، وآمنتَ بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خلَصْتَ «(رو 9:10) فما معنى: “إن آمنتَ بقلبك”؟ ما هو القلب؟ لأن قلب الإنسان هو مركز الحق والصدق والأمانة والشرف في الإنسان، وليست هذه صفات الإنسان المادي، بل هي صفات الإنسان الروحي فينا.
فالإيمان هو عمل الإنسان الجديد، لأن الإيمان بالمسيح لا يخص ولا يمت للإنسان الترابي بصلة. فالخليقة الجديدة هي خليقة المسيح وعلى صورته، وهي التي تعبِّر عن إيمانها وحبها وصلتها بالمسيح خالقها، ويكون إيمانها صحيحاً وواقعياً. أما الاعتراف بالفم فهو من نصيب الحواس: » الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة «(1يو 1:1). وهكذا يأتي الاعتراف بالفم من نصيب الحواس والعقل.
ولكن المهم عندنا أن الإيمان المسيحي مصدره الإنسان الجديد المخلوق على صورة الله في القداسة والحق، لذلك يُحسب الإيمان للإنسان أنه عمل كبير جداً وهام للغاية: » إن آمنتِ ترين مجد الله. «(يو 40:11)
فإذا وضعنا الإيمان بالمسيح في وضعه الصحيح على أنه تعبير الإنسان الجديد فينا المولود من الله على صورته في القداسة والحق، يعبِّر به عن صلة حب وقُرْبَى واتحاد وشركة، هذا يكون هو الإيمان الحقيقي الذي يورِّث الحياة الأبدية، بل هو يكون منطوقاً من واقع الإحساس بالوجود في الحياة الأبدية في حالة شركة مع الآب وابنه يسوع المسيح، حيث يكون لنا الفرح الكامل، الضائع منَّا الآن بسبب عدم صحة إيماننا بالمسيح، إذ اقتصر على إدراك العقل لصفات الابن اللاهوتية دون إحساس واقعي وشركة أو محبة صادقة.
وكان من نتيجة عدم صحة إيماننا بالمسيح على مستواه الروحي من واقع إحساس الإنسان الجديد المولود من الله، أننا لازلنا نشعر أننا خطاة وأننا نعيش في إنساننا العتيق غرباء عن الله والمسيح، في حين أن أهم صفة للإنسان الجديد المولود من الله أنه لا يخطئ:
+ »
نعلم أن كل مَنْ وُلِد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه،
والشرير لا يمَسُّه. نعلم أننا نحن من الله، والعالم كله قد وُضِعَ في الشرير.
ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع
المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية.
«(1يو
18:5-20)
لقد ضاع منَّا الإحساس أننا مولودون من الله، وأننا مسلَّحون ببر المسيح، والشرير لا يمسُّنا، وأن لنا بصيرة لنعرف الحق، وأننا في الحق وفي الحياة الأبدية لأننا في المسيح يسوع نعيش، هذا كله ضاع منَّا بسبب ضياع مفهوم أن الإيمان بالمسيح هو عمل الإنسان الجديد المولود من الروح، وأن الإيمان الحقيقي هو حالة حب واتصال بالمسيح، وليس مجرد تصوُّر عقلي نحفظه بفمنا ونتلوه بلساننا، ووعينا الروحي غائب، وحقيقة المسيح غائبة عنا.
أما قوله في نهاية الأصحاح الخامس أننا: » نعلم أن كل مَنْ وُلِد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه (أو هو محفوظ بالروح)، والشرير لا يمسُّه «(1يو 18:5)؛ فهذا هو حال الإنسان الجديد فينا، لأنه خليقة جديدة على صورة الله في القداسة والحق. وفي آية أخرى يقول إنه: » لا يفعل خطية، لأن زرعه (زرع الله) يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله «(1يو 9:3). فالخطية أصبحت من أعمال الإنسان العتيق، جسد الموت، وحتى هذه تحت الغفران بالاعتراف. ولكن الذي يؤكِّد عليه القديس يوحنا أن المولود من الله لا يفعل خطية، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله، بمعنى أنه كائن في الله، وزرع الله أي روح الله فيه، وأيضاً كلمته أي المسيح: » إن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية، وأما الروح (الإنسان الجديد) فحياة بسبب البر. «(رو 10:8)
وقول القديس بولس: »
أما البار فبالإيمان يحيا «(رو
17:1)، هذا القول
عند القديس يوحنا له وزن عالٍ جداً، لأن مَنْ هو البار؟ البار هو الذي نال برَّ
المسيح بالإيمان بموت المسيح وقيامته من بين الأموات، كما يقول بولس الرسول
مكمِّلاً الآية السالفة: »
لأن القلب يُؤمَن به للبر، والفم يُعتَرف به للخلاص
«(رو
10:10). فالذي يؤمن بقيامة المسيح ينال بر المسيح:
»
الذي أُسلِم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا
«(رو
25:4)، لأن المسيح لما مات ومتنا معه أُلغيت عنَّا عقوبة اللعنة والموت، ولما قام
المسيح وهبنا برَّه الذاتي كمَنْ أطاع أباه حتى الموت لحسابنا.
إذن، فالبار الذي آمن بقيامة المسيح يحيا مع المسيح في برِّه، وهذه هي الشركة عند القديس يوحنا، الشركة مع الآب وابنه يسوع المسيح مصدر كمال الفرح المسيحي.
فالحياة بـبرِّ الإيمان عند القديس بولس هي شركة الحياة مع الآب ومع المسيح ابنه عند القديس يوحنا. ولكن الغريب في المقارنة هنا أن المصدر الأول الذي يشعل حياة بر الإيمان عند القديس بولس هو “الإيمان”، ولكن مصدر الإشعال في شركة الحياة الأبدية عند القديس يوحنا هـو الاستعلان الإلهي المجاني: » الحياة أُظْهِرَت « » الحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهِرَت لنا «(1يو 2:1). فالله ظهر في الجسد، ووهب لنا الحياة الأبدية مجاناً!
وعند القديس بولس كل مَنْ يؤمن يصير ابناً لله (غل 26:3)، أما عند القديس يوحنا فـ » كل مَنْ يحب فقد وُلِد من الله. «(1يو 7:4)
ولكن لا فرق، فالذي يؤمن يؤمن بإنسانه الجديد المولود من الله.
والذي يحب يحب بإنسانه الجديد المولود من الله.
فكل ما أتى به القديس يوحنا هو أنه جعل للمحبة قوة الإيمان. وهذا يجعلنا نختم
بالقول أن الإيمان هو فعل محبة. وإيماني بالمسيح يعني أني منعطف نحوه
وممسك بحبه، وبحبِّي للمسيح أثبت أني ابن الله حقاً:
+ » كل مَنْ يحب فقد وُلِد من الله. «(1يو 7:4)
+ » الآب نفسه يحبكم، لأنكم قد أحببتموني. «(يو 27:16)
+ » والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأُظهِر له ذاتي. «(يو 21:14)
الحب هنا عند القديس يوحنا يجيء في موضع الإيمان عند القديس بولس.
إذن، فشهادة الإيمان بالمسيح لا تكفي!!! لابد من المحبة!!! » يا سمعان بن يونا: أتحبُّني؟... ارْعَ غنمي. «(يو 17:21)
وبالنهاية يتحقق لدى القارئ ما قلناه أولاً: إن الإيمان بالمسيح يُحتِّم علاقة شخصية بالمسيح.
والآن، هل أنت مؤمن بالمسيح حقاً؟
(أكتوبر 1996)
الترائي قدَّام الله
+ «كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة.» (أف 4:1)
rtltr
«لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة»:
أنْ نكون قديسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة، ليست شرطاً، بل هي إحدى مكوِّنات الإنسان الأساسية الداخلة في صميم خلقته حسب قصد الله قبل تأسيس العالم. بمعنى أن هذه هي إرادة الله أن يكون الإنسان “قديساً وبلا لوم في المحبة” من واقع خلقة الله للإنسان، لكي يؤهَّل للوقوف قدَّام الله، لا عن سعي واجتهاد ولكن كهبة مغروسة في طبيعتنا الجديدة!
وقد عاد القديس بولس وأوضح هذه الحقيقة علناً بالنسبة للأمم الذين آمنوا بالمسيح، أنه قد صارت لهم هذه الطبيعة الجديدة بعمل المسيح هكذا: » وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين وأعداء في الفكر، في الأعمال الشريرة، قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت، ليُحضركم قدِّيسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه، إنْ ثبتُّم على الإيمان، متأسِّسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل... «(كو 21:1-23). إذن، فقد أخذناها كهبة من المسيح.
والآن، وإذ قد نلنا بالفعل هذه الخليقة عينها التي كانت في مقاصد الله الأزلية
قبل تأسيس العالم وأخذناها - بالميلاد الثاني من فوق من الماء والروح
- علينا أن نتحسَّس هذا الحال عندما نقف أمام الله - بشيء
كثير من تجاوز
الواقع الضعيف الذي نحن فيه بسبب ثقل الجسد العتيق الجاثم فوق صدر الإنسان الجديد
الروحي الذي نحسُّه في القلب - ولكن في فترات الحرارة الروحية يمكن أن
نتذوَّق هذا الحال عندما نحس بنعمة الاقتراب من الله كمجرد تذوُّق ولكن إلى
لحظات، لأننا في الواقع نعيش الآن بالروح في الجسد الجديد كالعربون وليس
بالتمليك. فهنا دائماً سَبْق تذوُّق لِمَا سننتهي إليه كقيام دائم هناك حينما
تُرفع العوائق: الجسد العتيق والزمن.
ولكن على كلِّ حالٍ، فذلك ليس منَّا، ولكن هي المواهب الممنوحة للإنسان الجديد الروحي حينما تأخذ فرصتها أثناء الصلاة، باعتبار أن مواهب الإنسان الجديد هي عينها حصيلة نعمة المسيح التي يعمل بها الإنسان الجديد. على أن قربنا من الله أو تقرُّبنا إليه سببه أصلاً أن “الرب قريب” من الإنسان! وأن الإنسان الذي آمن واعتمد وقَبِلَ خلقته الجديدة بالميلاد الثاني في المعمودية قد لَبِسَ المسيح حسب قول بولس الرسول في (غل 27:3). وبالتالي أخذ ما للمسيح، فتمَّت فيه الآية التي تقول: » فيه (المسيح) يحلُّ كلُّ ملء اللاهوت جسديًّا. وأنتم مملوؤون فيه. «(كو 9:2و10)
ومع أن الترائي أمام الله هو حال الإنسان الجديد الدائم، وهو نعمة المسيح عينها العاملة فينا أن نوجد قريبين من الله وواقفين أمامه بحال القداسة وبلا لوم في المحبة، إلاَّ أنها في البداية لا تملأ أبداً مساحةً معقولةً من الزمن، بل هي لمجرد لحظة خاطفة لا تتكرر عن خبرة أو جدارة أو استحقاق، ولا تُحسَب كأنها تبدأ منَّا وكأننا نحن الذين نقترب إليه حتى ولو وقفنا أمامه ساعات. لأن حركة الاقتراب هي مبادرة تأتي من الله أولاً، لأنه مصدر التأهيل الذي يوقفنا أمامه بحال القداسة وبلا لوم في المحبة، إذ يُستعلن الله نفسه كآب، وفي الحال نستمد منه روح البنوَّة ونقف بحال القداسة وبلا لوم في المحبة بقوة آتية منه كموجات تتغلغلنا وتحيط بنا كالسحابة النيِّرة التي غطَّت التلاميذ لحظة التجلِّي.
ولكن بعدها ينتهي كل شيء ونرتد إلى حال الضعف، حيث يصبح حال القداسة وبلا لوم في المحبة مجرد شهوة وتمنِّي وحال بعيد المنال، لأن مبادرة الله في القُرْبى - “الرب قريب” - واستعلان أبوَّته هي إلى لحظة، نحس فيها أننا اقتربنا وصرنا وقوفاً أمامه ونلنا حال التبنِّي وصرنا في قداسة وبلا لوم في المحبة.
ولولا أننا مستورون في المسيح ما استطعنا إطلاقاً أن نوجد بقربٍ من الله، أو نوجد أمامه. فالمسيح في اقترابنا من الله يكون هو اليد التي يستر بها الله نفسه لكي لا نرى وجهه. هكذا، ومن خلال المسيح، نرى وراءه الذي هو مجده (خر 18:33-23): » ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح «(2كو 18:3). وهذا يكفينا لأن: » الذي رآني فقد رأى الآب. «(يو 9:14)
ونحن نستمد من الوقوف أمام الله، ونحن مستورون في المسيح، ما يكفينا ليشدِّد كياننا الجديد الذي نحبو به وتنشحن ملكاته وتتجدَّد طاقاته، ليُمارِس وجوده وسط معاكسات العالم وثقل الجسد العتيق ومشاغباته، لأنها أيام غربة لا استيطان، يكفينا فيها من الصلاة مؤونة للعبور.
بالإضافة إلى أنه تجيئنا من المسيح دعوة سمائية تُنعش رجاءنا لتُزيد من الطمع والجرأة لمزيد من الوقوف أمام الله والتمادي في الاقتراب منه، وذلك من فم المسيح الذي يقول: » الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا... لأن الآبَ طالبٌ مثل هؤلاء الساجدين له (بالروح) «(يو 24:4و23). هذه ذخيرة نضمها إلى مقدَّرات الإنسان الجديد وإمكانياته التي غرسها الله فيه ليكون له الوقوف قدَّام الله بحال القداسة وبلا لوم في المحبة!
لأنه عندما يقول المسيح إن الله طالب هؤلاء الساجدين له بالروح، نُدرك في
الحال أن دعوة الاقتراب من الله والمقابلة قد حدَّدها الله رسمياً من طرفه هو،
كدعوة شخصية يطلبها الله بنفسه، وهي بحد ذاتها تجعل تقرُّبنا من الله بالصلاة
والسجود بالنسبة لنا الآن يرتفع عن مستوى الشهوة والتمنِّي أن يكون لنا وقوف أمام
الله، والاقتراب منه في الصلاة، إلى حال المطالبة الرسمية الآتية من فم الله، ليس
للوقوف أمامه وحسب؛ بل والدخول إليه والسجود له بالروح والحق.
وكَوْن المسيح يؤكِّد أن الله يطلب الساجدين له: “بالروح والحق”، فإنه يهدف بكل يقين أن يدعو الإنسان الجديد الذي له الروح والحق في المسيح ليخرج إلى الوجود الواعي ليُمارِس علاقته الأساسية بالله منذ الآن كأمرٍ، الذي هو أكثر من وصية، فهو مطالَبة من الله.
فأصبحنا الآن حينما نتقدَّم إلى الله ونتراءى أمامه بالصلاة، فنحن في الواقع نلبِّي دعوة عُليا وليس هو اجتراء منَّا. هو تلبية لمطالبة الله بالاقتراب إليه والسجود أمامه بالروح والحق، أي بدالة الخليقة الجديدة التي خلقها لنا في المسيح، فنصبح ولنا ثقة بالدخول إليه باطمئنان النفس من جهة القبول والاستحقاق الموهوب لنا بحال من القداسة وبلا لوم في المحبة، لأن ترائينا أمامه هو من واقع شركة في المسيح ابنه عن اختبار وتبنٍّ لتكميل مشيئة الله، إنه طلب أبوي ننفِّذه كأبناء بدالة المسيح.
ولكن الذي يسترعي انتباهنا جداً هو: لماذا يطلب الله الساجدين له بالروح والحق؟
إن هذه أول مرَّة في حياتنا نسمع أن الله يطلب منَّا شيئاً لنفسه؟ الرد على هذا
السؤال يأتي من الوحي المقدس على فم بولس الرسول بالقول:
»
إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرَّة مشيئته
«(أف
5:1). إلى هذا الحدِّ بلغ إلحاح الله أن نتراءى أمامه كأولاد أو كبنين “لمسرة
مشيئته” أو مسرة نفسه. هذه المسرة التي تبلغ أَوَجها عندما نسمع أن الله طالِبٌ
هؤلاء البنين بحال السجود أمامه بالروح والحق، هذا أمر يُذهل العقل. فالله
المتعاظم
في مجده الذي تخرُّ أمامه ألوف ألوف وربوات ربوات الملائكة بالسجود والتسبيح
لمجده، يتجاوز هذه الضجة العُليا ليرنو إلى الإنسان الذي استراحت أحشاؤه فيه،
ويدعوه دعوةً ويطلب منه مطالبةً، أن يتراءى أمامه ليسجد أمامه بالروح والحق من
أجل مسرَّة نفسه! إنَّ في هذا لعجب شديد!
ولكن من هذا نفهم كيف ولماذا يُسربلنا الله بالقداسة كما بيديه، ويرفع عنَّا كل لوم في المحبة لكي نقترب إليه ونتراءى أمامه، وذلك لنكمِّل مسرة مشيئته فينا!! وبهذا الأمر تستريح نفوسنا جداً، لأنه كيف ومن أين نكتسب قداسة وبلا لوم في المحبة لنقف أمام الله؟ ولكن الله الذي يعرف ما يطلبه، كما يعرف ما هو واقع حالنا الترابي، سبق فغرس في أصل صورة خلقته الأولى للإنسان هذه “القداسة وبلا لوم في المحبة”، حسب قوله: «المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق» (أف 24:4) كطبيعة نفخر بها أمام ملائكة الله.
هذا كله يُحتِّم علينا ويُلزمنا إلزاماً أن نعيد تفكيرنا وعقيدتنا عن الصلاة، والاقتراب إلى الله والترائي أمامه، والسجود له بالروح والحق بإنساننا الجديد، بعد أن اكتشفنا أنها هي مسرَّة الله، والله نفسه هو الداعي إليها، والمطالِب بها لنفسه هو! » حسب مسرَّة مشيئته «
هذا يجعل من الاقتراب إلى الله والترائي أمامه والسجود له بالروح والحق عملاً مُلحًّا لحساب الله ولمسرة نفسه، لا يكون إلى لحظات؛ بل ينبغي أن تُكرَّس له الحياة والسنون والعمر كله، لأن هذا يسرّ قلب الله! إذ تصبح الساعات والصلوات هي في الحقيقة أعمالاً نكمِّل بها رضا الله بعودة الأولاد كل حين إلى صدر أبيهم يسعدون به ويسعد بهم! » دَعُوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم... إن ملائكتهم في السموات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السموات. «(مت 14:19؛ 10:18)
كما أن هذا يجعل تقصيرنا في الاقتراب إلى الله، خشيةً منه، أو خجلاً منَّا، أو بداعٍ كاذب من الخطية وعدم الاستحقاق؛ تصبح كلها أعذاراً مخترعة ليست من الله، ولا هي من مشيئة الله، ولا تمتُّ إلى واقع عمله وتقديسه لنا بصلة؛ بل هي مماحكات الإنسان العتيق الهارب من وجه الله غشًّا وزوراً وخداعاً، لأن الإنسان الجديد فيه يصرخ طالباً وجه الله! حيث يُحسب غياب الإنسان عن الله كغياب ابن طال به الضلال، وكأنه بعينه غياب المحبة البنوية عن قلب الأب وقسوة الابن الجاهل ضد مشاعر الأُبوَّة في التمادي بزيادة الضلال والبعاد عن قلب الأب الراجي عودة الابن الصغير إليه كل حين.
هذا يكشف أمامنا قوة كفاءة الخلقة الجديدة للإنسان من جهة تجهيزها بمؤهِّلات الوقوف أمام الله حسب قول الآية: » المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق «(أف 24:4)، للترائي أمامه والسجود لـه بالروح والحق، والذي هو بحد ذاته أساس العلاقة الخاصة جداً التي تربط الإنسان الجديد بالله، علاقة تقوم على تمكين الخليقة الجديدة من إمكانيات القداسة وعدم اللوم في المحبة لتجعلها بحال الاستعداد الدائم للوقوف أمام الله للتسبيح ومدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب لتكميل مسرَّة مشيئته!
ومن هذا نفهم لماذا ترتاح النفس التي بدأتْ تعرف طريقها إلى الصلاة؛ لماذا هذه الفرحة والسعادة التي تغمر القلب في وقفته أمام الله والسجود أمامه، وكأن موجة من المسرَّة السريَّة تجتاح النفس وتزداد بزيادة التعمُّق في الصلاة والاستمرار في الوجود والترائي أمامه؟ إذ يكون في ذلك مسرَّة لمشيئة الله، يرتد صداها على النفس، فتغمرها مسرَّة الله الآب وهي لا تدري مصدرها، مع أن الإنسان لا يقدِّم شيئاً ولا يرى في نفسه أي استحقاق للوجود أمام الله. فمن أين هذه السعادة والغبطة الطاغية على النفس؟ ولكنها هي مسرَّة المشيئة العلوية، ارتدَّت على النفس فاحتوتها في حنو الأُبوَّة الفائق!
ثم أليس هذا معناه أن الإنسان الجديد، أو أن الخليقة الجديدة للإنسان في المسيح يسوع، خُلِقت بكفاءتها الروحية العالية لتبقى مع الله دائماً، الأمر الذي نُمارِس عربونه الآن في هيئة علاقة سجود وعبادة وترائي أمام الله بالقداسة بلا لوم في المحبة إلى لحظات، كعربون لشركة حقيقية مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح، نُمارِسها اليوم بالصلاة والسجود؟
بهذا ينكشف لنا سر إلحاح المسيح على ضرورة الصلاة التي أكمل نموذجها البديع بالذهاب إلى الجبال للصلاة طول الليل! فـ “اللحظة” عندنا في الصلاة، عبَّر عنها المسيح بـ “طول الليل في الصلاة”، ليوضِّح لنا مدى الإمكانية الموهوبة لنا فيه! فحينما طلب أن “نُصلِّي كل حين”، فمعناه أن نجعل اللحظة لحظات في اختبار وقوفنا أمام الله؛ وحينما قال: “صلُّوا ولا تملّوا” (انظر لو 1:18)، فالقصد هو أن يربط اللحظات معاً لنتذوَّق فيها معنى الشركة وبركاتها؛ وحينما أعطى مثلاً لكيفية الصلاة بلجاجة، فهو يفتح أمامنا الدخول بجراءة لننال الاستجابة؛ وحينما تحدَّث عن الصلاة بصراخ، كشف عن حرارة الروح حينما تخرج عن الحدود.
وبهذه الأمثلة، رسم المسيح صوراً للنفس البشرية في حال تلاقيها مع الله، وهي تحاول أن تغلب ذاتها لتدوم في وجودها أمام الله رغم كل عائق، لتكمِّل مسرَّتها أو بالحري مسرَّة الله، لأن لنا في هذا تكميلاً للشركة مع الآب وابنه يسوع المسيح ليكمل فرحنا ومسرَّة الآب بنا.
“لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة”:
“في المحبــة”:
هكذا وضع الله في صميم خلقتنا أعزَّ عنصر عنده، لأن بهذا العنصر الإلهي يشدّ الله
خليقة الإنسان إليه ويربطها بنفسه، دون أن يدري الإنسان، فيصبح
وقوف الإنسان أمام الله هو “في المحبة”. أما القداسة وبلا لوم، فتحتويها المحبة
الإلهية المغروسة في طبيعة الإنسان الجديد كغريزة روحية. وكم نشكر الله ونحمده
على هذه النعمة العجيبة والفريدة، أن يجعل في طبيعة الإنسان المخلوق بحسب الله في
البر وقـداسة الحق، غـريزة المحبة الإلهية عاملـة فيه بـدفعٍ سريٍّ مـن الله،
وليس كاجتهاد من قِبَل الإنسان. هكذا يصبح الإنسان الروحي في تقدُّمه إلى الله
منعطفاً بشدة نحو الله بالحب العامل في كيانه دون أن يدري، ولكن بعلامات واضحة
صارخة حينما يلتهب قلب الإنسان في الصلاة والترائي أمام الله التهاباً يُخرجه عن
وعيه، بصراخ ودموع لا يفهمها ولا يعرف مصدرها أو سببها. ولكن هي يقظة المحبة
الإلهية المغروسة في القلب لم تستطع أن تعبِّر عن نفسها بالكلام فلجأت إلى الصراخ
والدموع كانفعالات للتعبير عن الفرح الطاغي الذي غمر النفس كردِّ فعلٍ لاستعلان
أُبوَّة الله حينما يتقابل حب الابن مع حب الآب بلا مانع. تلك هي لحظة التقابل
والترائي الحي أمام الله: »
بهذا أُظْهِرَتْ محبة الله فينا، أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي
نحيا به. في هذا هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا، وأرسل
ابنه كفَّارة لخطايانا
«(1يو
9:4و10)، »
المحبة هي من الله. «(1يو
7:4)
بهذا نتأكَّد أن اقترابنا من الله، ووقوفنا أمامه، وسجودنا وحبَّنا؛ هذا كله لم
يتركه الله ليكون مبادرة خالصة من جهتنا، لأن هذا صعب وممتنع علينا بكل تأكيد،
لأننا اختبرنا كيف أنه في حالة التراخي وغياب الروح، كم يكلِّفنا الاقتراب من
الله بالصلاة والسجود من مشقة، وكأننا نقف ضد أنفسنا لنكمِّل صلاتنا وسجودنا،
وتظل النفس تُقاوِم في محاولتها للهرب من الصلاة وعزوفها عن الوقوف أمام الله.
ولكن عندما تبدأ الخليقة الجديدة فينا تمارس وجودها، ويستيقظ الإنسان الجديد
الروحي ويبدأ نشاطه وعمله، نجد أن رهبة التقدُّم إلى الله قد زالت في الحال،
والتهرُّب من الصلاة توقَّف فجأة، وحلَّ محل هذا وذاك
ميل شديد نحو الصلاة، وكأن قوة هائلة تدفعنا للاستمرار في الصلاة والسجود. هذه هي
محبة الله فينا.
وإذا ما غاب الإنسان عـن الصلاة لطارئ أقعده لفترة بعيـداً عـن الصلاة، يحس أن صوتاً يُناديه - هذه هي محبة الله فينا - كما يحس بانعطاف داخلي يجذبه بشدة للعودة إلى الله - هذا كله هو جذب محبة الله فينا - وإذا عاد الإنسان ليقف أمام الله يحس وكأن الله كان واقفاً بانتظاره، وهكذا يستأنف صلاته بلهفة ويُمارِس سجوده وتقديم حبه إلى الله كابن غاب عن أبيه ويلقاه أخيراً، فيرتمي في أحضانه.
من هذا يتبيَّن أن عنصر الحب الإلهي المنغرس في نفس الإنسان الجديد هو العامل الأساسي في العلاقة التي تربط الإنسان بالله. فإذا غاب هذا العنصر بطغيان الجسد العتيق، أصبح الوقوف أمام الله للصلاة أو السجود أو حتى الحديث، مشقَّة تحتاج إلى صراع مرير يخرج منه الإنسان مغلوباً، إذ يختصر الصلاة معتذراً بأعذار وهمية كلها كاذبة لا وجود لها ليتهرَّب من الوقوف أمام الله!
وبهذا تنكشف المحبة أنها العنصر الإلهي الذي غرسه الله في طبيعة الإنسان الجديد أصلاً، لكي حينما يأخذ هذا العنصر المبارك في النهاية أقصى عمله وقوته وتُستعلن مواهبه، فحينئذ سيأخذ الإنسان وجوده الدائم مع الله في علاقة أبدية لتسبيح يدوم في رابطة حب أبدي.
ويعطينا المسيح صورة عالية جداً وعجيبة عن هذا الحب الأبوي الذي يربط الإنسان بالله هكذا: » أيها الآب البار، إن العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتُك، وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني. وعرَّفتُهم اسمَك وسأُعرِّفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم «(يو 25:17و26). هذا ما لا يستطيع الإنسان أن يتصوَّره، أن الله الآب يعطينا من محبته للابن التي هي أقدس ما في علاقة الآب بالابن.
“... قدِّيسين وبلا لوم”:
واضح أننا قدَّمنا عنصر “المحبة” على القول: “قدِّيسين وبلا لوم”، لأن المعنى يقتضي ذلك، وأيضاً الواقع العملي. فأنْ نكون “قديسين وبلا لوم” بدون المحبة، فهذا لا يؤهِّل إلى الاقتراب والتواجد أمام الله، لأن عنصر المحبة هو القطب الجاذب للنفس البشرية ويُحرِّكها بل ويجذبها بدالة إلى مَنْ تحبُّه. لذلك، ومن واقع التركيب اللفظي، فـ “القداسة وبلا لوم” هي هنا صفات تتبع المحبة: » ... قدِّيسين وبلا لوم... في المحبة «
أما معنى قداسة المحبة، فهي انحصارها في الله وحده. وقد أعطى المسيح مفهوماً أن تكون المحبة لله وحده - أي مقدَّسة له - بأن تكون من كل القلب وكل النفس وكل الفكر، فلا يتبقَّى للقلب أو النفس أو الفكر حب آخر لأي أحد أو أي شيء آخر إلاَّ لله وحده. هنا تختفي من قلب الإنسان محبة الشهوات التي للجسد والعالم، وتخمد من النفس حركات الانعطاف بالحب النفساني نحو النفوس الأخرى مهما كانت. وأخيراً، تبطل الأفكار والتصوُّرات التي يغواها الإنسان وينشغل بها الليل والنهار بعيداً عن الله. وبهذا تتقدَّس المحبة من كل القلب والنفس والفكر لله وحده، حيث ينال الإنسان دالة الوقوف أمام الله كابن خاص لأبيه!
أمـا قوله: “بـلا لوم”، فاللوم هنا هو لوم الضمير - المستمد من لوم
الناموس - والضمير هنا هو الذي يمثِّل صوت الله داخل الإنسان كشاهد
لناموس الله من داخل الإنسان، وكرقيب على كل أعمال الإنسان وأحواله وتصرُّفاته،
وهو الذي يوحي للإنسان إن كان يمكنه أن يقف أمام الله ويسجد ويصلِّي، أو لا يمكن،
لأسباب يعرفها الضمير ويقف حائلاً ضد الإنسان إنْ هو اقترب من الله. هذا الضمير
أعطاه الله شاهداً يحكم على الإنسان من داخل الإنسان ذاته، إن كان مؤهَّلاً أو
غير مؤهَّلٍ للوقوف أمام الله للصلاة
والسجود.متى ارتفع من الضمير سبب الملامة، وبالحري الملامة كلِّها، وحلَّ ما
يشجِّع الضمير على الوقوف أمام الله، أصبح الإنسان لا يعيقه شيء من داخله عن
الوقوف للصلاة أمام الله.
غير أنه من واقع خبرة الإنسان في كل حياته على الأرض، فإنَّ كل إنسان مهما ذاع صيته وذاعت قداسته، لم يؤتَ ضميراً بلا لوم على الإطلاق. فكل قديس مهما علت قداسته وُجِد بالنهاية قارعـاً صدره معترفـاً بعدم استحقاقه للوقـوف أمـام الله بــلا لوم. إلى أن جـاء المسيح وحَمَلَ خطايا وعجز وقصور الإنسان من كل نوع، وكفَّر عنها بذبيحة نفسه، فطهَّر الإنسان نفساً وجسداً وروحاً، وطهَّر ضمير الإنسان من كل لوم ومن كل الأعمال الميِّتة: » فكم بالحري يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قدَّم نفسه لله بلا عيب، يُطهِّر ضمائركم من أعمال ميِّتة لتخدموا الله الحي «(عب 14:9). كذلك حينما يقول الوحي إننا مخلوقون على صورة الله في البر وقداسة الحق، يكون “البر” هنا معناه: رفع كل الملامة عن الإنسان، لأن البار هو حتماً بلا لوم أمام الله. وهكذا بخلقتنا الجديدة انزاح عنَّا لوم الضمير ولوم الناموس إلى الأبد، لنقف أمام الله بلا قلق نُمارِس الحب والصلاة والقُرْبى. فعِوَض اللوم، غرس الله فينا الدالة وحبَّه الأبوي.
“... قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه”:
“قـدَّامـــه”:
أي أمامه. إنَّ أحرج الأعمال التي أُعطِيَ للإنسان أن يعملها في حياته على الأرض، أن يتراءى أمام الله. فهيبة رؤية ا لله تزلزل كيان الإنسان، بل وكيان أي خليقة روحانية مهما بلغ سموها. فإشعياء النبي يذكر خبرةً جازها في رؤيا توضِّح معنى الوجود أمام الله أو هيبة حضرته:
+ » في سنة وفاة عُزِّيَّا الملك، رأيتُ السيد جالساً على كرسيٍّ عالٍ ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السَّرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة: باثنين يُغطِّي وجهه، وباثنين يُغطِّي رجليه، وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال: قدوس قدوس قدوس ربُّ الجنود، مجده ملء كل الأرض. فاهتزَّت أساسات العَتَبِ من صوت الصارخ وامتلأ البيت دُخاناً. فقلتُ: ويلٌ لي إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكنٌ بين شعب نجس الشفتين، لأن عينيَّ قد رأتا الملك رب الجنود. «(إش 1:6-5)
وبعد تجربة إشعياء، فمَنْ ذا الذي يستهتر بالاقتراب من الله والترائي أمامه ورؤياه؟ ولكن بالرغم من كل ذلك، خلق الله الإنسان وفي صميم طبيعته القداسة وأن يكون بلا لوم في المحبة، كتأهيلٍ له ليقف أمام الله! وقد سمعنا من فم المسيح أن الله بناءً على مؤهِّلات الطبيعة الجديدة التي وهبها للإنسان، يطلب الساجدين أمامه بالروح والحق. إذن، فالله أهَّلنا بالقداسة وأن نكون بلا لوم في المحبة للوقوف والترائي أمامه، وطالبنا بالسجود له، إذ رفع عن الإنسان رُعبة الوقوف أمامه، وأعفاه من رهبة هيبته، لكي يستطيع الإنسان أن يقترب إليه ويُمارِس حبه وعواطفه كابن من نحو الله كآب. وبآنٍ واحدٍ، تكمل لمشيئة الله المسرَّة ببنوَّة الإنسان في المسيح.
ولنا من خبرتنا في ممارستنا لدالة المحبة البنوية أمام الله حينما ندخل إليه
بالصلاة مفعمين بمشاعر المحبة، ما يبدِّد كل رهبة أو خوف من الترائي أمام الله
للدرجة التي إن غبنا كثيراً عن وقفة الصلاة أمامه يلتهب قلبنا بالحنين إلى العودة
للوقوف أمامه، وتشدُّنا محبته للمثول أمامه بإحساس العوز إلى المحبة التي نشتاق
أن تستكمل ذاتها بالوجود أمامه والإحساس به. فطالما نحن بدون صلاة بعيداً عن
الوقوف أمامه، نشعر وكأن المحبة فينا عاطلة ونُعاني نقصاً في كياننا لا يكتمل
إلاَّ بالوجود في حضرة الله. وفي الأيام التي ينشط فيها الإنسان الجديد، تخطفنا
مرات عديدة حرارة
مفاجئة تدفعنا دفعاً لنقف أمام الله في الصلاة، وربما تعاودنا عدَّة مرَّات في
الساعة الواحدة ولا نبلغ أبداً حدَّ الشبع.
واضح هنا معاناة الإنسان الجديد في تغرُّبه عن الله من جرَّاء سبي الزمن في العالم الحاضر والجسد العتيق الذي يعرقل حركات الروح ويبدِّد حرارة المحبة. ولكن لنا في تواتر المرات التي يُنعم بها الله علينا بالوقوف أمامه في صلاة وسجود بالروح والحق، واغترافنا من محبته بلا شبع؛ تعويضاً يُنْسينا ألم الغربة.
كلمة في الختام:
سألني صديق: أنا أريد منك بحق الصداقة، قل لي في كلمة واحدة: ما هو الإنسان الجديد؟
قلت له: “القيامة”.
فنحن متنا مع المسيح بخطايانا وأخذنا معه اللعنة على الصليب، فكملت علينا العقوبة التي باشتراكه معنا فيها كملت على كل مَنْ يؤمن بالمسيح، ثم قمنا معه بقيامته وقد سقطت عنا عقوبة الموت واللعنة، ونلنا معه وفي جسده القائم من الموت جسد الإنسان الجديد الذي نحيا به مع المسيح أمام الله إلى الأبد. فجسد الإنسان الجديد هو جسد القيامة من بين الأموات: » إن كنتم قد قُمْتُم مع المسيح فاطلبوا ما فوق... «(كو 1:3)، » وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات «(أف 6:2)، » ونحن أمواتٌ بالخطايا أحيانا مع المسيح. «(أف 5:2)
(فبراير 1997)
دير القديس أنبا مقار
برية شيهيت
الخلقة الجديدة للإنسان
في الإيمان المسيحي
الجزء الثاني
الأب متى المسكين
كتاب: الخلقة الجديدة للإنسان
في الإيمان المسيحي.
(الجزء الثاني)
المؤلف: الأب متى المسكين.
الطبعة الأولى: 2000.
(مقالات سبق نشرها في مجلة مرقس عامي: 1998 و1999، ومقـالات أخــرى لم يسبق نشـرها).
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 9812 / 2000
رقم الإيداع الدولي: 977-240-088-×
مطبعة دير القديس أنبا مقار - وادي النطرون.
ص. ب 2780 - القاهرة.
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف.
المحتويات
صفحـة
مقــدمــــة
الخليقة الجديدة للإنسان أو الميلاد الثاني 5
الخليقة الجديدة “في المسيح” 8
الخطية والناموس والفداء
والإنسان الجديد والسر المكتوم 22
الخليقة الجديدة والأُخرويات في المزامير والأنبياء 31
الإنسان الجديد ومفاعيل الروح القدس
التي دبَّرها الله لبنيانه وعمله 44
الإنسان الجديد ومدح مجد نعمة الله 61
مخاض الإنسان الجديد 67
الختان في العهد القديم، والخليقة الجديدة في العهد الجديد 74
كشف سر ابن الله المملوء سرًّا
والخلقة الروحية الجديدة للإنسان 81
الخليقة الجديدة ووحدة البشرية والحياة الأبدية 89
استعلانات الله 93
الفصل الأخير:
التســليم 107
مقدمـة
الخليقة الجديدة للإنسان
أو الميلاد الثاني
›vVvš
سألني صديق: هل يمكن أن تُلخِّص لي موضوع الخليقة الجديدة التي تقول عنها أنها الميلاد الثاني للإنسان؟ فقلتُ له:
لقد تولَّى نيقوديموس عني وعن البشرية كلها هذا السؤال لَمَّا تعثَّر في خطوات الخوف والريبة ليُقابل المعلِّم ويسأله هذا السؤال بصورة أخرى أهم، وهي: كيفية الدخول إلى ملكوت الله؟ ومَنْ هو الذي يُؤهَّل لهذا الشرف الأسمى؟
فأجابه المعلِّم وقال: » الحق الحق أقول لك: إن كان أحدٌ لا يُولَد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله «(يو 3:3). فبرهن نيقوديموس عن عدم استعداده للفهم، وأسقط من إجابة المسيح كل ما فيها عدا عبارة “يُولَد الإنسان ثانية”، وردَّ عليه بسؤال جاهل: » كيف يمكن الإنسان أن يُولَد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أُمه ثانيةً ويُولَد؟ «(يو 4:3)
فعَلِم الرب صعوبة الأمر على ذهن اليهودي وأعطاه كيفية الميلاد من فوق، ولكن
والإنسان هنا على الأرض، فقال له:
»
الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يُولَد من الماء
والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله
«(يو
5:3). ولكي يقطع المسيح خط الرجعة على تفكير نيقوديموس حتى لا يفكِّر في إمكانية
الولادة الثانية من الجسد، قال له:
»
المولود من الجسد جسدٌ هو، والمولود من الروح هو روحٌ
«(يو
6:3)، بمعنى أن الميلاد الثاني هو ميلاد روحاني ولا يمتُّ للجسد بصلة.
ولكي يرفع التعجُّب من فكر نيقوديموس، قال له: » لا تتعجَّب أني قلتُ لك: ينبغي أن تُولَدوا من فوق. الريح تَهُبُّ حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. «(يو 7:3و8)
يقصد المسيح بذلك أمراً هاماً وخطيراً، وهو أن الميلاد الثاني من فوق، الذي يكون من الماء والروح، أي المعمودية، هو عمل فوقاني يتم فيه ميلاد الإنسان ثانية بالروح على الأرض، إنما بسرٍّ فائق لا يستطيع الفكر أن يتتبَّعه.
إلى هنا يكون نيقوديموس قد سمع تفسير الميلاد الثاني من فوق وهو يتم على الأرض بالماء والروح، ولكن بسرٍّ لا يُنطق به.
ويهمنا هنا أن نشرح للقارئ بأكثر مما شرحنا، أن موضوع الميلاد الثاني للإنسان من فوق هو الموضوع الأساسي الذي جاء المسيح ليُتمِّمه للإنسان في نفسه أولاً، وقد تمَّمه أولاً باتحاده بجسدنا الذي أخذه من العذراء القديسة مريم ومن الروح القدس ليضمن مسيرتنا معه من البداية حتى النهاية، وبميلاد جديد روحاني من فوق هتفت له الملائكة يوم تمَّ مهلِّلة بالمجد لله في الأعالي والسلام على الأرض. بمعنى أن بهذا الميلاد تمَّ بالفعل مجد الله، وسلام الإنسان، ومسرة بعد عداوة وأحزان، ملأت كل الدهور السالفة. فكان ميلاد المسيح ونحن فيه، أول صورة للإنسان الجديد المولود من فوق.
وإذا سِرنا مع المسيح في حياته، ونحن معه، حتى مماته وقيامته من بين الأموات، نراه
أول إنسان جديد يقوم من موت اللعنة الأبدي الذي
حلّ على آدم وذريته. فكانت قيامة المسيح أول صورة للخليقة الروحية الجديدة
للإنسان.
ودعاه القديس بولس “بكر الأموات”، باعتباره المولود الأول للإنسان القائم من بين
الأموات، ونحن معه قمنا بقيامته ليُقدِّمنا إلى الله أبيه كخليقة جديدة للإنسان.
ثم بصعود المسيح إلى أعلى السموات وجلوسه عن يمين الآب بجسده الروحاني المُقام ونحن فيه، يكون هو أول مَنْ افتتح ملكوت الله ودخل، ومعه البشرية الجديدة المُفدَّاة.
من هذا يتبيَّن لك، أيها القارئ العزيز، أن خلقة الإنسان الجديد أو ميلاده الثاني من فوق أو من الماء والروح، هي شُغْل الآب الشاغل الذي اختارنا في المسيح قبل تأسيس العالم منذ الأزل، وهي مضمون النبوَّات قبل المسيح، وهي المسيح، وهي الإنجيل، وهي ملكوت الله.
وإن أردتَ مزيداً من تفسير، اقرأ كتاب: “الخلقة الجديـدة”، بجزئيه.
(1999)
الخليقة الجديدة
“في المسيح”
+ » إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. «(2كو 17:5)
™lVl˜
هذه ليست مقالة تُقرأ في ساعة، ولكن بيان عقيدة مسيحية، تقوم عليها حقيقة الخلقة الجديدة للإنسان، بموت المسيح وقيامته، أي أن الإنسان في المسيحية: هو خليقة جديدة روحانية تعدُّه للحياة الأخرى الأبدية في ملكوت الله.
وهذا البيان يجمع كل ما يخص هذه الخلقة الجديدة الروحانية، ليس لكي يفهمها القارئ؛ بل ليستوعبها جيداً لتستقر حقيقتها في أعماقه، لأنها هي حياته بطولها وعرضها وعمقها وارتفاعها، وضعناها للقارئ المتعطِّش لتغيير حياته واكتشاف حقيقة ما قاله بولس الرسول: » فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ. فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. «(غل 20:2)
هذا سنوضِّحه في نهاية هذا البيان.
الخليقة الجديدة ترادف وجودنا في المسيح، ووجود المسيح فينا. فالإنسان الجديد هو المسيح فينا أو هو نحن في المسيح. والآن ما هي النتائج المتعدِّدة الأوجه المترتبة على وجود المسيح فينا، ووجودنا في المسيح؟
1 - لأننا “في المسيح” فنحن شركاء آلامه:
+ » بل كما اشتركتم في آلام المسيح، افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مبتهجين. «(1بط 13:4)
+ » لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً. «(2كو 5:1)
+ » إن كنَّا نتألَّم معه لكي نتمجَّد أيضاً معه. «(رو 17:8)
2 - ولأننا “في المسيح” فنحن شركاء موته أيضاً:
+ » إن كان واحدٌ قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذاً ماتوا. «(2كو 14:5)
+ » فإن كنَّا قد مُتنا مع المسيح، نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه. «(رو 8:6)
+ » لأنه إن كنَّا قد صرنا متَّحدين معه بِشِبْه موته، نصير أيضاً بقيامته. «(رو 5:6)
+ » عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِب معه ليُبْطَل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية. «(رو 6:6)
+ » لكي يذوق بنعمة الله الموت من أجل كل واحد. «(عب 9:2)
+ » ولكن الآن في المسيح يسوع، أنتم (الأمم) الذين كنتم قبلاً بعيدين، صرتم قريبين بدم المسيح... لكي يخلق الاثنين (الأمم واليهود) في نفسه إنساناً واحداً جديداً، صانعاً سلاماً، ويُصالِح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب. «(أف 13:2و15و16)
+ » حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع، لكي تُظْهَر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. «(2كو 10:4)
3 - ولأننا “في المسيح” فنحن شركاء قيامته:
+
»
لأنه إن كنَّا قد صرنا متَّحدين معه بشِبْه موته، نصير أيضاً بقيامته.
«
(رو 5:6)
+ » ونحن أمواتٌ بالخطايا أحيانا مع المسيح. «(أف 5:2)
+ » وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع. «(أف 6:2)
بهذا يكون المسيح قد أكمل شهوة نفسه، إذ ضمن اتحاد المؤمنين بجسده وقبولهم معه الموت، ثم اجتيازهم معه القيامة التي قاموها وهم مبرَّأون من الخطية والموت، وأصبح لهم نصيبٌ في الجلوس معه عن يمين الله.
4 - وإن كنَّا “في المسيح” وجُزْنا معه الموت، فما هي نتيجة ذلك؟
+ » ... أن إنساننا العتيق قد صُلِب معه ليُبْطَل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً (ثانية) للخطية. «(رو 6:6)
+ » لأن الذي مات قد تبرَّأ من الخطية. «(رو 7:6)
+ » كذلك أنتم أيضاً احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. «(رو 11:6)
+ » فإن الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة. «(رو 14:6)
+ » وإذ أُعْتِقْتُم من الخطية صرتم عبيداً للبر. «(رو 18:6)
+ » أما الآن فقد تحرَّرنا من الناموس، إذ مات (الجسد العتيق على الصليب مع المسيح) الذي كُنَّا مُمْسكين فيه، حتى نعبد بجِدَّة الروح لا بعِتْق الحرف. «(رو 6:7)
+ » كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يُقدِّسها، مُطهِّراً إيَّاها بغسل الماء بالكلمة. «(أف 25:5و26)
وإن كنَّا قد شاركنا “في المسيح” موته، فقد أخذنا منه الحياة (أولاً):
+ » وَعْد الحياة التي في يسوع المسيح. «(2تي 1:1)
+ » فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ. «(غل 20:2)
+ » أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به. «(1يو 9:4)
+ » ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. «(رو 11:6)
+ » لكي تُظْهَر حياة يسوع أيضاً في جسدنا. «(2كو 10:4)
+ » ونحن مُصالحون نخْلُص بحياته. «(رو 10:5)
+ » وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. «(كو 2:3)
+ » هكذا ببرٍّ واحد صارت الهبة إلى جميع الناس، لتبرير الحياة. «(رو 18:5)
+ » ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. «(رو 2:8)
+ » لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح. «(في 21:1)
+ » وهذه الحياة هي في ابنه. «(1يو 11:5)
+ » مَنْ له الابن فله الحياة. «(1يو 12:5)
+ » كما ملكت الخطية في الموت، هكذا تملك النعمة بالبر، للحياة الأبدية، بيسوع المسيح ربنا. «(رو 21:5)
+ » سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح. «(رو 17:5)
وأخذنا (ثانياً) الخلاص الموضوع لنا في المسيح منذ الأزل مجاناً:
+ » فبالأَوْلَى كثيراً ونحن متبرِّرون الآن بدمه نخلُص به من الغضب. «(رو 9:5)
+ » لأنه إن كُنَّا ونحن أعداء قد صُولحنا مع الله بموت ابنه، فبالأَوْلَى كثيراً ونحن مُصالحون نخلُص بحياته. «(رو 10:5)
+ » لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل، وبه الكل، وهو آتٍ بأبناءٍ كثيرين إلى المجد أن يُكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام. «(عب 10:2)
+ » هكذا المسيح أيضاً، بعد ما قُدِّم مرَّة لكي يحمل خطايا كثيرين، سيظهر ثانيةً بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه. «(عب 28:9)
+ » ونحن أمواتٌ بالخطايا أحيانا مع المسيح، بالنعمة أنتم مُخلَّصون. «(أف 5:2)
+ » مع كونه ابناً تعلَّم الطاعة مِمَّا تألَّم به. وإذ كُمِّلَ صار لجميع الذين يُطيعونه سبب خلاص أبدي. «(عب 8:5و9)
+ » الذي خلَّصنا ودعانا دعوة مقدَّسة، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية. «(2تي 9:1)
+ » لا بأعمال في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلَّصنا بغُسْل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغِنَى علينا بيسوع المسيح مخلِّصنا. «(تي 5:3و6)
+ » مِنْ ثَمَّ يقدر أن يُخلِّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدَّمون به إلى الله، إذ هو حيٌّ في كل حين ليشفع فيهم. «(عب 25:7)
+ » كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة، وهو مخلِّص الجسد. «(أف 23:5)
5 - وإن كنَّا “في المسيح” وقد جُزْنا القيامة معه، فما هي نتيجة ذلك؟
+ » وهذه هي الشهادة أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه. مَنْ له الابن فله الحياة، ومَنْ ليس له ابن الله فليست له الحياة. «(1يو 11:5و12)
+ » وَلَدَنا ثانية لرجاء حيّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات. «(1بط 3:1)
+ » أبطل الموت (بموته)، وأنار الحياة والخلود (بقيامته). «(2تي 10:1)
+ » أحياكم معه مُسامحاً لكم بجميع الخطايا. «(كو 13:2)
+ » أقامه من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويَّات... وإيَّاه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكلَّ في الكلِّ. «(أف 20:1و2و23)
+ » وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات في المسيح يسوع، ليُظهِرَ في الدهور الآتية غِنَى نعمته الفائق، باللطف علينا في المسيح يسوع، لأنكم بالنعمة مُخلَّصون، بالإيمان... لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح... «(أف 6:2و7و8و10)
وهكذا لم تكمل مسرة الآب، ولم يكمل عمل المسيح حسب مسرة الآب، إلاَّ بعد أن ضمن أن تجلس الخليقة الجديدة معه في السموات وعن يمين الآب. وبهذا كمل الوعد الذي رسمه الآب في الأزل وأكمله المسيح في نهاية اكتمال الزمن، لنكون مبارَكين بكل بركة روحية في السماويَّات في المسيح، وقد عيَّننا الله للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته (أف 3:1-5).
وإن كنَّا قد شاركنا المسيح في قيامته، فقد أخذنا منه البر:
لأن المسيح اكتسب لنا البرَّ بطاعته للآب حتى الموت موت الصليب. لذلك رفَّعه الله وأعطاه اسماً فوق كل اسم (في 8:2و9).
+ » مع كونه ابناً تعلَّم الطاعة مِمَّا تألَّم به. وإذ كُمِّل صار لجميع الذين يطيعونه، سبب خلاص أبدي. «(عب 8:5و9)
+ » لأنه إن كان بخطيةِ الواحد (آدم) قد مَلَكَ الموت بالواحد، فبالأَوْلَى كثيراً الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر، سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح. «(رو 17:5)
+ » فإذاً كما بخطيةٍ واحدةٍ (العصيان) صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، هكذا ببرٍّ واحد صارت الهبة إلى جميع الناس، لتبرير الحياة. «(رو 18:5)
+ » لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد (آدم) جُعِلَ الكثيرون خطاة، هكذا أيضاً بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبراراً. «(رو 19:5)
+ » حتى كما مَلَكَت الخطية في الموت، هكذا تملك النعمة بالبر، للحياة الأبدية، بيسوع المسيح ربنا. «(رو 21:5)
+ » متبرِّرين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدَّمه الله كفَّارة بالإيمان بدمه، لإظهار برِّه، من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله. لإظهار برِّه في الزمان الحاضر، ليكون بارًّا ويُبرِّر مَنْ هو من الإيمان بيسوع. «(رو 24:3-26)
+ » ونحن متبرِّرون الآن بدمه نخلُص به من الغضب. «(رو 9:5)
+ » وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. «(أف 24:4)
بلوغ الإنسان “في المسيح” حالة شركة مع المسيح:
إن كنَّا - كما رأينا - قد متنا مع المسيح وقمنا مع المسيح وجلسنا مع المسيح في جسده المُقام في السماويَّات، أَلاَ تكون هذه حالة شركة مع المسيح؟
+ » وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح، ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 3:1و4)
+ » الذي رأيناه وسمعناه نُخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. «(1يو 3:1)
+ » أمين هو الله الذي به دُعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا. «(1كو 9:1)
+ » لأننا قد صرنا شركاء المسيح، إنْ تمسَّكنا ببداءة الثقة ثابتة إلى النهاية. «(عب 14:3)
+ » أنه بإعلان عرَّفني بالسر... أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل. «(أف 3:3و6)
+ » قد وَهَبَ لنا المواعيد العُظمى والثمينة (ليست أرضية تفيض لبناً وعسلاً)، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية. «(2بط 4:1)
+ » كأس البركة التي نُباركها، أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح؟ «(1كو 16:10)
بلوغ الإنسان “في المسيح” حالة الجسد الواحد:
إن كانت شركتنا في المسيح وسعتها الموت والحياة والقيامة والجلوس عن يمين الآب، أليس هذا معناه أننا قد بلغنا فعلاً الجسد الواحد في المسيح؟
أ - » هكذا نحن الكثيرين: جسدٌ واحدٌ في المسيح، وأعضاء بعضاً لبعض، كل واحد للآخر. «(رو 5:12)
ب - » لأننا جميعاً بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسد واحد (وصحتها في اليونانية: في جسدٍ واحد)، يهوداً كنَّا أم يونانيين، عبيداً أم أحراراً، وجميعنا سُقينا روحاً واحداً. «(1كو 13:12)
الآيتان أ وب يُقابلان في كلام المسيح:
أ - » أنا حيٌّ فأنتم ستحيون. في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم فيَّ، وأنا فيكم. «(يو 19:14و20)
ب - » أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكمَّلين إلى واحد. «(يو 23:17)
بهاتين الآيتين أ وب يشير المسيح إشارة قوية للتعبير عن: أ = الحياة
فيه وفي الآب، ب = الوحدة فيه وفي الآب. وهذا نفسه ما أشار إليه بولس
الرسول:
ففي الآية ( أ ): صار “الكثيرون” واحداً في المسيح، والآية (ب): “اعتمدنا في جسد
واحد، وسُقينا روحاً واحداً” للحياة في المسيح.
+ » لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه. «(أف 30:5)
+ » ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. «(1كو 15:6)
+ » وأما أنتم فجسد المسيح، وأعضاؤه أفراداً. «(1كو 27:12)
+ » صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت، ليُحضركم قدِّيسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه. «(كو 21:1و22)
وإن كنَّا “في المسيح” جسداً واحداً، أليس هذا معناه أننا صرنا هيكلاً للرب:
كان في القديم إذا اجتمع الشعب في الهيكل الحجري يحلُّ الله فيه، فإن كان المسيح هكذا قد حلَّ فينا أَلاَ يكون هذا هيكلاً روحياً للآب غير مصنوع بيدٍ؟
+ » فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: إني سأسكن فيهم وأسير بينهم، وأكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً. «(2كو 16:6)
+ » أَمَا تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. «(1كو 16:3)
+ » الذي فيه كل البناء مُركَّباً معاً، ينمو هيكلاً مقدَّساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً، مسكناً لله في الروح. «(أف 21:2و22)
+ » كونوا أنتم أيضاً مبنيِّين كحجارة حيَّة بيتاً روحياً، كهنوتاً مُقدَّساً، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح. «(1بط 5:2)
+ » لأن هيكل الله مقدَّس الذي أنتم هو. «(1كو 17:3)
+ » أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم. «(1كو 19:6)
+ » متأصِّلين ومبنيين فيه. «(كو 7:2)
+ » مبنيِّين على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. «(أف 20:2)
والمسيح كان هو الذي نبَّه قلوبنا، كوننا فيه هيكلاً روحياً حينما قال:
+ » انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أُقيمه... وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده. «(يو 19:2و21)
الارتقاء بالخليقة الجديدة “في المسيح”: الكنيسة، ونحن أعضاء جسمه:
رأيناها في المسيح جسداً واحداً، ورأيناها فيه هيكلاً مقدَّساً للرب. ولكن بولس الرسول اعتماداً على نبوَّات كثيرة رآها أيضاً عذراء عفيفة (2كو 2:11)، كما رآها عروساً (أف 25:5-27)، ووافقه القديس يوحنا في سفر الرؤيا إذ رآها عروس وامرأة الخروف: » وتكلَّم معي قائلاً: هلمَّ فأُريك العروس امرأة الخروف «(رؤ 9:21). ولكن العجيب حقًّا أنه عاد فرآها » أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند الله، لها مجد الله... وعليها أسماء رسل الخروف الاثني عشر... ولم أرَ فيها هيكلاً، لأن الرب الله القادر على كل شيء، هو والخروف هيكلها... وتمشي شعوب المُخلَّصين بنورها. «(رؤ 10:21-24)
وفهمنا أنها الكنيسة، جسد المسيح، الخليقة الجديدة، الإنسان الجديد معاً. ويصف القديس بولس كيف قدَّسها المسيح وأخذها لنفسه، كما يأخذ الرجل امرأته ليتَّحد بها:
+ » لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة، وهو مخلِّص الجسد.
... كما تخضع الكنيسة للمسيح...
كما أحبَّ المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها،
لكي يُقدِّسها مطهراً إيَّاها بغسل الماء بالكلمة،
لكي يُحضرها لنفسه كنيسة مجيدة، لا دنس فيها ولا غَضْنَ (تجاعيد الشيخوخة)
أو شيء من مثل ذلك،
بل تكون مُقدَّسة وبلا عيب! «(أف 23:5-27)
هنا الغسل كان بالماء والدم، دم الكلمة الخارج من جسد المسيح المصلوب بشهادة يوحنا الرسول:
+ » لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دمٌ وماءٌ. والذي عاين شهد، وشهادته حقٌّ، وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم. «(يو 34:19و35)
وهذه هي ذخيرة الكنيسة: الماء للمعمودية، والدم للإفخارستيا. هنا غسل الماء ودم الكلمة، يقول القديس بولس إنه للتقديس ورفع الشوائب جميعاً لتصبح الكنيسة عروساً مجيدة تصلح للاتحاد بالمسيح؛ وصار هو عريسنا وصرنا نحن عروسه » لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه « ويعود ويشير بالسرِّ: » من أجل هذا يترك الرجل أباه وأُمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً. هذا السرُّ عظيمٌ، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة «(أف 31:5و32). وهكذا بالمفهوم المستيكي صار المسيح عريس دم للكنيسة التي هي جسده، الذي هو نحن!!!
هذه الوحدة الفائقة السرِّيَّة التي كملت بين الخليقة الجديدة والمسيح، حينما مُسِحَت بدمه وهي معه على الصليب، أكملت ما اشتهاه المسيح قبل أن يتألَّم وعبَّر عنه في صلاته الأخيرة: » كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا. «(يو 21:17)
ولكن ما معنى أن المسيح يحيا فيَّ، وهي خلاصة هذا البيان؟
معناه واضح، وهو أنني متُّ حقًّا، متُّ كعقوبة آدم وبنيه العامة، التي تحمَّلها
المسيح بالجسد. وهنا الجسد الذي أخذه المسيح بالتجسُّد هو جسدي أنا وجسدك أنت، جسد
البشرية، أخذه من العذراء ومن الروح القدس، أي بدون
رجلٍ، أي بدون بذرة آدم، أي بدون خطية؛ ولكن لَمَّا حاكمه اليهود بمساعدة بيلاطس
الحاكم الروماني ونسبوا إليه جميع الخطايا، فلم يُدافع عن نفسه بل سَكَتَ،
فحُسِبَتْ عليه جميع الخطايا وحكموا عليه بالصَّلْب وهي أشد عقوبة للموت لا تُجرَى
إلاَّ على الذين جدَّفوا على الله، إذ يُحسَب في الناموس اليهودي أنه ملعون
ويتحتَّم قتله صلباً، فَقَبِلَ كل هذا وصُلِب ومات.
ولكن الجسد الذي وُضِعَ عليه كل الخطايا - كما قلنا - هو جسد البشرية، جسدي وجسدك. فهكذا مات ومتنا معه لأننا شركاء معه في هذا الجسد. ولَمَّا قام من بين الأموات حُسِبنا نحن أيضاً أننا قمنا معه بروح القيامة، أي بروح الجسد الجديد الذي دفع ثمن كل الخطايا بعقوبة الموت وهو روح الحياة الجديدة الأبدية، أخذناه في جسد المسيح، جسد القيامة. أي أننا صرنا بخليقتنا الجديدة هذه، الجسد الجديد للإنسان الجديد الذي اعتُبِر خليقة روحية جديدة في المسيح وصار المسيح فينا، وحياتنا أصبحت هي حياة المسيح فقط لأننا مُتنا بموت المسيح، أي أننا لا نحيا الآن في خليقتنا العتيقة بل في خليقتنا الجديدة والمسيح يحيا فينا. هذه الحقيقة هي تاج المسيحية.
ولكننا لا زلنا نعيش الآن في جسد يحيا ويتحرَّك، فما هذا الأمر؟
الحياة التي نحياها الآن هي في الجسد الزائل لزمنٍ زائلٍ، الذي يُعتبر في حُكْم الفناء، وهو الجسد العتيق الذي حُكم عليه بالموت مع المسيح ثمناً لخطاياه (أي خطايا الجسد العتيق). فهو جسد محكوم عليه بالموت الأبدي أي حُكْم الفناء مثل العالم الذي هو منه. فهو معدوم القيمة بحياتنا فيه([12]).
ولكن المسيح لا يحيا في جسدنا الميت، هذه استحالة، ولكنه يحيا في جسدنا
الروحي الذي قام معه، الجسد الجديد المحسوب أنه خليقة روحانية جديدة. ونؤكِّد أن
هذا الجسد الجديد هو خليقة روحانية، وأنه جسد روحاني لا يُرى بالعين ولا يُحسّ،
ولكنه قائم في المسيح مُخْفَى فيه، والمسيح قائم في المجد ومخْفَى عن عيوننا. اسمع
ما يقوله بولس الرسول عن هذا الجسد الجديد:
+ » لأنكم قد مُتُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أُظْهِرَ المسيح حياتنا، فحينئذ تُظْهَرون أنتم أيضاً معه في المجد. «(كو 3:3و4)
إذن، كيف نتعرَّف على جسدنا الجديد، بل بالحري: كيف نتعرَّف على المسيح الذي فينا؟
هذا ما كان يشغل بال بولس الرسول جداً، اسمعه يقول:
+ » بسبب هذا أحني رُكبتيَّ لدى أبي ربنا يسوع المسيح، الذي منه تُسمَّى كل عشيرة في السموات وعلى الأرض. لكي يُعطيكم بحسب غِنَى مجده، أن تتأيَّدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن (الإنسان الجديد)، ليحلَّ المسيح بالإيمان في قلوبكم... «(أف 14:3-17)
هذه الآية هي تاج اللاهوت عند القديس بولس.
فتماماً كما كان التلاميذ محتاجين إلى الروح القدس لكي ينطلقوا للتبشير: » لكنكم ستنالون قوة متى حلَّ الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً «(أع 8:1)؛ هكذا نحن قد رأى بولس الرسول أنه يلزم أن نتأيَّد بالقوة بالروح في الإنسان الباطن، أي في الإنسان الجديد المُخْفَى فينا، ليحلَّ المسيح بالإيمان في قلوبنا.
إذن، ما نحتاجه لكي نتعرَّف على المسيح الذي فينا، هو أن نتأيَّد بقوة روحية توهَب لنا من غِنَى مجد الله الآب، لكي يشتعل إيماننا بالروح ويحس بحلول المسيح في القلب، ليس القلب اللحمي بل القلب الذي ينبض بكلمة الله.
لماذا هذا الاهتمام البالغ بالإحساس بحلول المسيح في القلب؟
لأن هذا هو سر امتلاك الخلاص. كيف؟
أن تسكن فينا كلمة الله بغِنَى، التي على أساسها وفيها يعمل الروح القدس ويُمهِّد لحلول المسيح بالإيمان، كيف؟
بالصلاة الحارة، والتعلُّق الشديد بالرب يسوع، والدموع وسهر الليالي:
+ » فكم بالحري الآب الذي من السماء، يُعطي الروح القدس للذين يسألونه. «(لو 13:11)
(1999)
الخطية والناموس والفداء
والإنسان الجديد والسر المكتوم
™lUl˜
الطبيعة البشرية الترابية خليقة مادية ساقطة تتَّصف بالسالبية. والسالبية في الطبيعة الترابية تقوم على أساس العدمية بالنهاية، أي الموت والفناء، لأنها طبيعة مخلوقة سقطت خارج الله الثابت وحده والدائم الأبدي. وهي وإن كانت تستمد وجودها من الله، لكنها أخفقت في أن تعيش تحت طاعته فأخرجها الله من حضرته وسلَّمها لبلاء الزمن.
وصفات السالبية تقوم على أساس التعدِّي لتحيا، فلكي تعيش يلزمها أن تتغذَّى، والتعدِّي يعتمد على القوة الغضبية التي تظهر في الافتراس. فالإنسان يفترس الثور والخروف والحمامة ليأكلها، ويفترس السمكة أيضاً ليأكلها، بل ويفترس النبات ليأكله ليتغذَّى وإلاَّ يموت وينتهي إلى العدم.
والافتراس هو تعدِّي حياة على حياة أخرى، أي أن السالبية لا تعيش إلاَّ بالقتل. ويشمل التعدِّي كل المناقص الأخلاقية من خيانة وتربُّص ومخاتلة وسرقة وكذب وقتل.
X X X
أول علاج قدَّمه الله للطبيعة البشرية الساقطة لضبط السالبية فيها هو الناموس الذي رتَّبه الله مع موسى، وهو القانون الأخلاقي ليرتقي بالإنسان ليحدَّ من سالبيته ويقرِّبه نحوه إن أطاع.
والناموس طبيعته روحية، ويقوم على العدل، وغاية أعمال الناموس في مقاصد الله هي توعية الإنسان والكشف عن الأعمال السالبية: » بالناموس معرفة الخطية «(رو 20:7)، » بل لم أعرف الخطية إلاَّ بالناموس «(رو 7:7). وهكذا بالناموس دخل القانون الروحي حياة الإنسان ليكشف مدى سالبيته ويضبطها.
ويقول عنها بولس الرسول: » الناموس روحي، وأما أنا فجسديٌّ مَبيعٌ تحت الخطية «(رو 14:7). وهذا يعتبر أقصى حالة إذلال للإنسان حينما يُستعبد للخطية، وذلك بسبب بُعده المباشر عن الله الذي هو القوة الإيجابية العظمى.
والسالبية هنا داهمت الإنسان من جراء انجذابه لقوى أخرى سالبية وهو الشيطان، حينما أطاعه وأكل من الشجرة التي حرَّمه الله أن يأكل منها. لذلك يقول بولس الرسول: » لأني لست أعرف ما أنا أفعله (الخطية)، إذ لست أفعل ما أُريده، بل ما أُبغضه فإيَّاه أفعل «(رو 15:3). وهذا تعبير مرير لخضوع الإرادة لإيحاء الشيطان وسطوته.
هنا الناموس فضح الأعمال السلبية أي الخطية التي للطبيعة البشرية الترابية والإرادة المنحرفة معها، ولم يفضحها وحسب؛ بل وضعها تحت حكم العدل، فكل تعدٍّ صارت له عقوبة أو موت.
وبذلك يكون الناموس قد أكمل العمل الذي وضعه الله له، أي الحكم على الأعمال السلبية أنها في نظر الله، بحسب عدل الناموس، خاطئة جداً ويتحتَّم أن يدرك الإنسان ذلك. ولكن الحكم على الخطية أنها خاطئة جداً بالناموس في نظر الله هو تحصيل حاصل أنها تستحق الموت. وهكذا أقنع الله الإنسانَ أن الموت الذي يموته هو عقاب عادل. وهذا يعني أن الطبيعة التي اتَّسمت بالسالبية ينبغي أن لا تعيش.
وهكذا وقف الناموس يُنادي بحتمية تغيير الطبيعة البشرية الترابية. كما ويشير إشارة سرِّية بليغة بحتمية خلقة جديدة للإنسان تخلو نهائياً من السالبية أي الخطية حتى يتوفَّر لها البقاء والحياة أمام الله.
وهكذا انتهى الناموس إلى نقطة حرجة جداً وهي: لكي نتخلَّص من الخطية يتحتَّم تغيير الطبيعة البشرية الترابية من الأساس لأنها واقعة بطبيعتها تحت عقوبة الموت. الأمر الذي صرخ منه بولس الرسول حينما أدرك هذه الحقيقة: » ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يُحارِب ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. وَيْحِي أنا الإنسان الشقي! مَنْ يُنقذني من جسد هذا الموت؟ «(رو 23:7و24). هنا صرخة بولس الرسول ليست من أجل الخطية، بل من “جسد هذا الموت” أي الطبيعة البشرية السالبة. وهنا بولس الرسول يتطلَّع ليس للخلاص من الخطية بل الخلاص من “جسد الموت” أي الطبيعة الخاطئة، وإلى جسد آخر أي طبيعة أخرى لا تعمل فيها الخطية.
ولكن من سياق أنين بولس الرسول نجد أنه لا يشتكي فقط من الجسد الخاطئ المحكوم عليه بالموت، الذي سمَّاه جسد الموت، بل وأيضاً من انحياز إرادته وراء الجسد الخاطئ إذ يقول: » لستُ أفعل ما أُريده، بل ما أُبغضه فإيَّاه أفعل «(رو 15:7). إذن، ليس الجسد وحده، بل ومعه الذات البشرية التي تربَّت مع الجسد وآخت سلبيته وشاركته في عمل الخطية، بل وصارت الذات البشرية ضليعة في صفات التعدِّي ومناقص القوة الغضبية وتنفيذ كل مخطَّطاتها. وهكذا هو يصرخ من جسد هذا الموت، ومن إرادة الذات المشتركة معه في كل تعدٍّ.
هنا الفصل واضح بين السالبية، أي عمل الخطية كفعل، وبين الطبيعة البشرية الساقطة
ومعها الذات البشرية المسئولة. فالتركيز الذي يسلِّط عليه
القديس بولس في طلب الإنقاذ ليس الخطية، بل أنا والطبيعة التي فيَّ:
»
مَنْ ينقذني من جسد هذا الموت «
ولكن صرخة بولس الرسول ليست جديدة على الله، بل كانت معروفة لديه هناك في الأزمنة
الأزلية وقبل تأسيس العالم، حينما شرع الله في خلقة الإنسان فجعل هذه الخلقة في
نهايتها أي في كمال نضوجها بمنأى عن شكوى بولس الرسول هذه، حينما جعل أساس الخلقة
أن تكون متَّحدة بطبيعة فائقة منزَّهة عن السالبية والخطية، طبيعة ابنه الكلمة
المتجسِّد، متخطِّية مناقص الخلقة الترابية الأولى. وهذا استطاع بولس الرسول نفسه
أن يكتشف أصوله الأولى في السرِّ المكتوم فيقول:
»
إذ
سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرَّة مشيئته
«(أف
5:1). كما اكتشف أن اختيارنا كان من البدء منذ الأزل وهو في المسيح أيضاً:
»
كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة
«(أف
4:1). فصورة خلقة الإنسان في ذهن الله منذ الأزل هي أن يكون قدِّيساً أي بلا أدنى
شائبة خطية؛ وبلا لوم، أي بمنأى عن أي انحراف وفي حالة محبة كرباط من الله.
وهكذا كان اختيار خلقتنا بالأساس أن تكون طبيعتنا متَّحدة بالمسيح على أساس الفداء المرصود قبل الزمن وقبل الخليقة الترابية كما لمحها بطرس الرسول بشفافيته الرائعة في قوله: » عالمين أنكم افتُديتم... بدم كريم، كما من حَمَلٍ بلا عيب ولا دنس، دم المسيح، معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم، ولكن قد أُظْهِرَ في الأزمنة الأخيرة من أجلكم «(1بط 18:1-20). فالفداء واقع أزلي في تدبير الله.
لذلك واضح جداً أن كل ما حدث للخليقة الأولى الترابية من مناقص كان واقعاً تحت خط الفداء الذي وُضِعت خطوطه قبل الخليقة الترابية نفسها. فبمجرد أن سقط آدم، دخل هو وذريته تحت العد التنازلي لظهور الفادي في ملء الأيام.
لذلك حرصت الأناجيل أن تضع خيطاً سرِّيًّا يربط بين المسيح وآدم، كما صنع القديس لوقا في إنجيله، فهو لم يتتبَّع المسيح حتى آدم إلاَّ لكي يكشف تحقيق الفداء لوعد الله بمَنْ سيسحق رأس الحية. كذلك القديس متى نجده يربط بين المسيح وإبراهيم أول مَنْ أخذ الوعد من ذرية آدم بمجيء النسل الذي تتبارك به كل ذرية آدم! وهذا أيضاً ليس جزافاً، بل لكي يربط بين الوعد بالبركة وبين الفداء الذي ستتم فيه كل بركات الله لكل الأمم كوعد الله لإبراهيم.
أما المسيح فقد كشف عن الفداء الذي وضع خطته الأولى منذ الأزل مع الآب يوم أن ارتفع على الصليب ليُكمِّل الفداء بذبيحة نفسه. أما أول تصوير للفداء قاطبة، فكان على فم الله في مخاطبة الإنسان الساقط عن نسل يأتي يسحق رأس الحية: » هو يسحق رأسكِ، وأنت تسحقين عقبه «(تك 15:3). وقد تمَّ على الصليب بأن سحق المسيحُ الشيطانَ، وإن كان الثمن سَحْق العقب كناية عن موت الجسد.
وأعجب ما يُقال هو إن هذا الفداء الذي احتوى الإنسان وهو في أردأ حالاته كان مجاناً، إذ لم يطلب الله من الإنسان الساقط إلاَّ الإيمان بالفداء الذي تمَّ: » متبرِّرين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح... بالإيمان بدمه. «(رو 24:3و25)
وبولس الرسول يحكي كيف اختاره الله ليكشف له عن سر المسيح أي سر الفداء، الأمر الذي بحسب تعبيره كان مكتوماً ومخفياً منذ الأزل، مختوماً عليه ضمن أسرار خلاص الله للإنسان قبل إنشاء العالم:
+
»
لي
أنا أصغر جميع القديسين، أُعطيت هذه النعمة، أن أُبَشِّر بين الأمم بغِنَى المسيح
الذي لا يُستقصَى، وأُنير الجميع في ما هو شركة السر
المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح.
«(أف
8:3و9)
+ » الذي في أجيال أُخَر لم يُعَرَّف به بنو البشر، كما قد أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح. «(أف 5:3)
+ » وللقادر أن يُثبِّتكم، حسب إنجيلي والكرازة بيسوع المسيح، حسب إعلان السر الذي كان مكتوماً في الأزمنة الأزلية. «(رو 25:16)
+ » التي صرتُ أنا خادماً لها، حسب تدبير الله المُعطَى لي لأجلكم، لتتميم كلمة الله. السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال، لكنه الآن قد أُظْهِرَ لقديسيه، الذين أراد الله أن يُعرِّفهم ما هو غِنَى مجد هذا السر في الأمم، الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد. «(كو 25:1-27)
+ » نتكلَّم بحكمة الله في سرٍّ: الحكمة المكتومة، التي سبق الله فعيَّنها قبل الدهور لمجدنا. «(1كو 7:2)
وهكذا في استعلان جريء واضح قدَّم لنا القديس بولس من مواهب الله عليه مفردات هذا السر الذي كان مكتوماً في الأزلية، مرافقاً لتدبير الله في خلقة الإنسان وسَبْق علمه بالسقوط الذي ستعانيه الخلقة الترابية، وكيفية المعالجة بالفداء والارتقاء بالطبيعة البشرية لتحتل مركز البنوية لدى الله، وترث مع المسيح ما لله! وقد سمَّاه بولس الرسول: » غِنَى المسيح الذي لا يُستقصَى «(أف 8:3)، بمنح الشركة فيه والذي عبَّر عنه أنه » المسيح فيكم رجاء المجد. «(كو 27:1)
وبتعبير آخر يكشف بولس الرسول عن عدم اعتماد الله على أي قدرات للإنسان في تدبير
خلاصه ودعوته:
»
الذي خلَّصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي
أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية
«(2تي
9:1). على أن قصد الله في منحنا دعوة مقدسة
لقبول خلاص مذهل مجاني، انكشف تماماً عندما بذل ابنه على الصليب ليخلِّص كل مَنْ
يؤمن به: »
وإنما أُظهِرَت الآن (مقاصد الله ونعمته) بظهور مخلِّصنا يسوع المسيح، الذي أبطل
الموت (أي ألغى كل مناقص الخليقة الترابية الأولى) وأنار الحياة والخلود بواسطة
الإنجيل (أي منح الحياة الأبدية والخلود للإنسان الجديد)
«(2تي
10:1). وهكذا انكشف السر المكتوم منذ الأزل بإعطاء الإنسان الحياة الأبدية والخلود!
إذن، فصراخ بولس الرسول: » مَنْ ينقذني من جسد هذا الموت « كان مسموعاً ودخل في تدبير الله منذ الأزل ووُضِعَ له الحل الذي عثر عليه بولس الرسول في الحال، إذ ردَّ على نفسه: » أشكر الله بيسوع المسيح... إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع([13]). «(رو 25:7؛ 1:8)
وهكذا أصبح صراخنا من جسد هذا الموت مرفوضاً ومحسوباً أنه إنكار وتجاهل لِمَا أكمله الله منذ الأزل وأتمَّه المسيح على الصليب وأُعطِيَ لنا مجاناً، إذ لَمَّا تجسَّد ابن الله الكلمة كان القصد المباشر في تدبير الله الأزلي هو منحنا خليقة جديدة لحياة جديدة فيها الشكر والفرح وليس الأنين والشكوى. وبطرس الرسول يهتف في المقابل: » قد وَهَبَ لنا المواعيد العُظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية «(2بط 4:1). وقد اتفق كبار الشُّرَّاح في أن المواعيد العُظمى والثمينة هي اشتراكنا في استعلان المسيح ومجده.
ولكن نطلب أن ينتبه القارئ، إذ ليس كما فات على كثيرين من رجال الكنيسة في العصور
القديمة أن التجسُّد كان مقصده الوحيد غفران الخطايا، بل كان مقصده الحقيقي كما
أوضحنا هو إعطاء خليقة جديدة، ميلاد من الروح
عِوَض ميلاد من الجسد، يسمو بطبيعته عن مناقص الخلقة الترابية الأولى بخطاياها.
ونعيد القول والتنبيه أن التوقُّف عند غفران الخطية الذي شغل الكثيرين من رجال الكنيسة في العصور القديمة كعمل أساسي لتجسُّد المسيح يُعتبر انتقاصاً خطيراً من قصد الله الأساسي في إرسال ابنه وتجسُّده الذي كان بالأساس هو إعطاء البشرية خلقة جديدة بالروح من جسد المسيح المُقام: » ولدنا ثانية لرجاء حيّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات «(1بط 3:1)، أي إعطاء البشرية جسداً جديداً هو جسد المسيح القائم من بين الأموات: «وأما أنتم فجسد المسيح» (1كو 27:12)، » وإيَّاه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده «(أف 22:1و23). وبمعنى واضح أن بخلقتنا جديداً من جسد المسيح » لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه «(أف 30:5)، نكون قد أخذنا تأميناً أبدياً من السقوط والانحراف والموت:
+ » الله الذي هو غنيٌّ في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها، ونحن أمواتٌ بالخطايا أحيانا مع المسيح، بالنعمة أنتم مخلَّصون (مجاناً)، وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات في المسيح يسوع، ليُظْهِرَ في الدهور الآتية غِنَى نعمته الفائق، باللطف علينا في المسيح يسوع. «(أف 4:2-7)
ونحن هنا نحاول بكل الجهد أن نلفت نظر القارئ على التركيز في عملية التجسد التي أكملها المسيح بالقيامة من بين الأموات كأعلى مرحلة تكشَّف سرها الأعظم لتلاميذه في العليَّة، حينما أراهم يديه ورجليه قائلاً: » انظروا يديَّ ورجليَّ: إني أنا هو. جُسُّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما تَرَوْنَ لي. وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه. «(لو 39:24و40)
ما
معنى هذا؟ معناه أن قيامة المسيح تمَّت بذات الجسد وذات الشخص “إني
أنا هو”، إنما بحالة فائقة تُرى أو لا تُرى حسب قوة الإيمان وانفتاح البصيرة. وهذا
يعني أن قيامتنا في جسد المسيح هي قيامة روحية بجسد جديد من لحمه ومن عظامه، لأن
جسده الجديد هو نحن! هو الكنيسة!!
»
لأنكم قد مُتُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله
«(كو
3:3)، فقيامتنا مخفية في جسد المسيح. وهذا هو منتهى قصد الله ونعمته منذ قبل تأسيس
العالم: أن نأخذ خلقة روحية جديدة مقرّها السماء لا الأرض:
»
وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات
«(أف
6:2)، وهذا ما يستعلنه لنا بطرس الرسول في قوله:
»
شركاء الطبيعة الإلهية!! «(2بط
4:1)
لذلك نقول إن عدم التعرُّف على قصد الله من تجسُّد ابنه وما صار لنا بقيامته من بين الأموات بسبب انشغالنا الخاطئ بالتركيز على غفران الخطايا، ضيَّع علينا التمسُّك بأهم منجزات التجسُّد والفداء والقيامة من بين الأموات، وهي الخليقة الجديدة للإنسان في جسد المسيح المُقام من بين الأموات ونحن فيه؛ كما ضيَّع علينا حالة الفرح الدائم الذي وعد به المسيح عندما نكتشف وضعنا بعد قيامته من بين الأموات الذي مصدره بكل تأكيد خلقتنا الجديدة ومقرُّها الجديد في السماء: » ولا ينزع أحد فرحكم منكم «(يو 22:16)، » الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي، بقيامة يسوع المسيح من الأموات. «(1بط 3:1)
ففرحتنا الأولى والعُظمى يتحتَّم أن تكون أننا صرنا خليقة جديدة بإنسان جديد يحيا قيامة المسيح ويترقَّب الوطن السمائي ورؤية المسيح: » أمسك بالحياة الأبدية التي إليها دُعيِتَ... «(1تي 12:6)
(20 أغسطس 1998)
الخليقة الجديدة والأُخرويات
في المزامير والأنبياء
›vWvš
الخليقة الجديدة والأُخرويات في المزامير:
الأُخرويات يُقصد بها حوادث الدهر الآتي أو مستقبل الزمان، والحديث فيها قديم قِدَم المزامير والأنبياء. ونقصد نوعاً خاصاً من المزامير، وهي التي كانت تُسمَّى بمزامير “الملك”، وهي تسابيح تُقال في موسم خاص تمجيداً ليهوه، وتُسمَّى مزامير تجليس يهوه على عرشه. وكان هذا اليوم يُسمَّى عيد يهوه (لا 39:23و41)، وبه تُفتتح السنة الجديدة أي رأس السنة العبرية ويأتي في عيد الحصاد، وكان يُعيَّد له لثمانية أيام (لا 33:23) في منتصف الشهر القمري حيث كان مطلع المزمور:
+ » لك ينبغي التسبيح يا الله في صهيون، ولك يُوفَى النَّذر... كلَّلتَ السنة بجُودِك وآثارُك تقطر دسماً. «(مز 1:65و11)
ومزامير تتويج الملك هذه، أغلبها كان قبل السبي، ولكن بعضها كُتب بعد سنة 536 ق.م، وهي سنة الرجوع من السبي. وظلَّت تُعيِّد بها إسرائيل حتى في خرائب أورشليم كما يحكي إرميا النبي (مرا 19:5)، لأنها كانت تحمل كل أمجاد التراث.
أما بداية التعييد بهذا العيد، فيذكرها سفر القضاة، وذلك فيما قبل قيام المملكة الفردية:
+
»
هوذا “عيد الرب” في شيلوه من سنة إلى سنة شمالي بيت إيل شرقي
الطريق الصاعدة من بيت إيل إلى شكيم.
«(قض
19:21و20)
كما يذكره أيضاً صموئيل النبي:
+ » وكان هذا الرجل (ألقانة) يصعد من مدينته من سنة إلى سنة ليسجد ويذبح لرب الجنود في شيلوه. «(1صم 3:1)
وما يهمُّنا من مزامير التتويج ليهوه تخصُّصها في ثلاثة مواضيع على درجة كبيرة من الأهمية: الأول: تجديد الخليقة، والثاني: الخلاص، والثالث: مجيء يهوه.
أولاً: تجديد الخليقة:
كان تجليس يهوه على عرشه فرصة لتمجيد أعماله في الخليقة، لأنه في مفهوم إسرائيل أن يهوه أقام الخليقة من أجل إسرائيل، فهي تعتبر فرصة تجليسه السنوية تذكاراً جيداً حتى تستمر أعمال الله في تجديد هذه الخليقة من سنة إلى سنة: السماء بشمسها وقمرها ونجومها، والأرض بجبالها وبحارها وأنهارهـا، والأمطار لإرواء الأوديـة، والجبال لنمو الزراعات والفواكه التي يقتات منها الشعب. فتذكار تجديد الخليقة كان محسوباً أنه واجب تذكره أمام يهوه.
+ » تُرسِل روحك فتُخْلَقُ، وتُجدِّد وجه الأرض. «(مز 30:104)
+ » لك النهار ولك أيضاً الليل. أنت هيَّأتَ النور والشمس. أنت نَصَبتَ كل تخوم الأرض، الصيف والشتاء أنت خلقتهما. «(مز 16:74و17)
+ » تعهَّدتَ الأرض وجعلتها تفيض، تُغنيها جداً. سواقي الله ملآنة ماءً. تُهيِّئ طعامهم لأنك هكذا تُعِدُّها. أرْوِ أتلامها، مهِّد أخاديدها. بالغيوث تُحلِّلها، تُبَارِك غلَّتها. كلَّلتَ السنة بجودك وآثارك تقطر دسماً. تقطر مراعي البرية وتتنطَّق الآكام بالبهجة. اكتست المروج غنماً والأودية تتعطَّف بُرًّا، تهتف وأيضاً تُغَنِّي. «(مز 9:65-13)
+
»
أنت متسلِّطٌ على كبرياء البحر، عند ارتفاع لُججه أنت تُسَكِّنها. أنت
سحقت رَهَبَ مثل القتيل... لك السموات، لك أيضاً الأرض. المسكونة ومِلْؤها أنت
أسَّستهما. الشمال والجنوب أنت خلقتهما. تابور وحرمون باسمك يهتفان.
«(مز
9:89-12)
+ » الأرض أعطت غلَّتها، يُباركنا الله إلهنا. «(مز 6:67)
+ » الذي بيده مقاصير الأرض وخزائن الجبال له. الذي له البحر وهو صنعه ويداه سبكتا اليابسة. «(مز 4:95)
وُيلاحَظ أن التعييد لتجليس يهوه ملتحم بالسنة الجديدة، والسنة زراعية بموسميها: القحط والجفاف والعطش الذي يهدِّد الأرض، ثم موسم الأمطار وإحياء الطبيعة من بعد موات، ثم الزراعة والحصاد وقطف الزيتون والكروم. فالسنة يُمثِّل نصفها الأول الموت، ونصفها الثاني الحياة والنماء. فهذا ترك أثره في حياة الشعب وظلت الطقوس تخدمه بمحافل رهيبة حتى يتحنن يهوه ويجدِّد وجه الطبيعة والأرض. وهنا نركِّز ذهن القارئ:
فالتجديد الذي شمل كل مظاهر الطبيعة كخلقة جديدة تتجدَّد كل سنة برحمة يهوه في عيد جلوسه هو الذي انتهى إلى تجديد خليقة الإنسان نفسه؛ الأمر الذي تمَّ بموت المسيح خالق الخليقة، ثم بحياة المسيح حامل الخليقة الجديدة. وكان التعييد لتجديد الخليقة الطبيعية في ذِكرى جلوس يهوه السنوي هو الذي صار التعييد ليسوع المسيح لقيامته سنوياً الذي نعيِّده ونحن خليقة جديدة بالتسبيح لمجده.
هكذا خدمت الاسخاتولوجية بإشاراتها المتعددة لتجديد الخلقة الطبيعية كل سنة، مفهوم تجديد الخلقة البشرية في النهاية. فالأولى كانت تُقام في ذِكرى جلوس يهوه السنوي في عيد يهوه؛ أما الثانية وهي الخليقة الجديدة للإنسان فقد دشَّنها لنا المسيح بقيامته وجلوسه عن يمين الآب.
ثانياً: الخلاص:
كانت أيضاً فرصة تجليس يهوه على عرشه تذكاراً للخلاص الذي صنعه يهوه لشعبه، وهو خلاص متعدِّد الأشكال، سواء من العبودية في مصر أو من الملوك الأعداء أو من الظلمة وقواتها المعادية أو من الطبيعة الهائجة.
فصارت المزامير تُسبِّح للخلاص بلا هوادة، ولكن بصورة تحمل الخلاص فوق الزمن كعمل يهوه الفائق. فكان هذا بدوره يكوِّن اسخاتولوجية الخلاص الكبير كعمل آتٍ يكمِّل مفهوم الخلاص بكل صوره.
+ » يا رب خلِّص. ليستجِب لنا الملك في يوم دعائنا. «(مز 9:20)
+ » يا رب بقوَّتك يفرح الملك، وبخلاصك كيف لا يبتهج جداً. «(مز 1:21)
+ » لأنك أنت خلَّصتنا من مُضايقينا وأخزيت مبغضينا. بالله نفتخر اليوم كله، واسمك نحمد إلى الدهر. «(مز 7:44و8)
+ » قُمْ عوناً لنا، وافْدِنا من أجل رحمتك. «(مز 26:44)
+ » ارحمني يا رب. انظر مذلَّتي من مُبغضيَّ يا رافعي من أبواب الموت. لكي أُحدِّث بكل تسابيحك في أبواب ابنة صهيون مُبتهجاً بخلاصك. «(مز 13:9و14)
+ » نترنَّم بخلاصك، وباسم إلهنا نرفع رايتنا. «(مز 5:20)
+ » لكي يُعرف في الأرض طريقك، وفي كل الأُمم خلاصك. «(مز 2:67)
+ » قدَّام أفرايم وبنيامين ومنسَّى، أيقظ جبروتك وهَلُمَّ لخلاصنا. يا الله أَرْجِعْنا وأَنِرْ بوجهك فنخلُص. «(مز 2:80و3)
+
»
يا إله الجنود ارجِعَنَّ، اطَّلِعْ من السماء وانظر وتعهَّد هذه الكرمة، والغرس
الذي غرسته يمينك، والابن الذي اخترته لنفسك... لتكن يدك على رَجُل يمينك وعلى ابن
آدم الذي اخترته لنفسك، فلا نرتدَّ
عنك. أَحْينا فندعو باسمك. يا رب إله الجنود أرجِعنا. أَنِرْ بوجهك فنخلُص!
«
(مز 14:80-19)
+ » ألا تعود أنت فتُحيينا، فيفرح بك شعبك. أَرِنا يا رب رحمتك، وأعطِنَا خلاصك. «(مز 6:85و7)
+ » أعلن الرب خلاصه، لعيون الأُمم كشف برَّه... رأت كل أقاصي الأرض خلاص إلهنا. «(مز 2:98و3)
وذِكْر الخلاص بكل أنواعه كثير جداً في مزامير عيد يهوه، وهو يعلو فوق الزمن لأنه خلاص مصدره يهوه. لذلك ظلَّت المزامير تردِّده ويعيش الشعب رجاءه سنةً بسنةٍ وعيداً لعيد حتى انفجر نوره:
+ » الشعب الجالس في ظلمة أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور. من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات. «(مت 16:4و17)
وهكذا خدمت اسخاتولوجية الخلاص في مزامير تجليس يهوه الخلاص بإلحاح ورجاء وتذلُّل، عارضة حال الإنسان وبؤسه أمام يهوه حتى تحنَّن وأرسل المخلِّص! فلم يأتِ الخلاص من فراغ، بل خدمته إسرائيل بالدموع كل أيام حياتها، ولكن من خلال ضباب كثيف.
وها الخليقة الجديدة بنت الخلاص الذي خدمته إسرائيل على طول حياتها، تحيا في نوره بلا ذهب ولا فضة: » لأنك إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع، وآمنتَ بقلبك أن الله أقامه من الأموات، خَلَصتَ «(رو 9:10). وهكذا صار الخلاص ملء الأرض.
وهكذا كان الخلاص مطلباً أساسياً مطلوباً في “عيد يهوه” السنوي. فمع أنه كان قد
حقَّقه لهم بصورة علنية باهرة في خروجهم من مصر وعبورهم البحر الأحمر وتيه سيناء
الذي كمل لهم بتسكينهم في أرض كنعان، إلاَّ أنهم ظلُّوا
يُعيِّدون لِمَا فات ويطلبون ما هو آتٍ من الخلاص.
وهكذا انكشف لنا صدق تعييدهم وصدق رجائهم الذي تمَّمه الله لهم ولنا ولكل الشعوب بالخلاص الذي أكمله يسوع المسيح بالموت والقيامة، الذي به نقل خلقتنا الأولى من التراب إلى ملكوت السموات؛ فصارت لنا السماء موطناً عِوَض الأرض، وورثنا المواعيد العظمى والثمينة والشركة في الطبيعة الإلهية، والوقوف أمام الله قديسين وبلا لوم في المحبة كمطلب الآب.
والعجب أننا وعلى نمط تعييد شعب إسرائيل للخلاص، وبعد أن حصلنا على الخلاص الذي أورثنا الطبيعة الإلهية والسماء موطناً، لا زلنا ننتظر تكميل الخلاص الذي تمَّ، مما يثبت أن عقيدة شعب إسرائيل وإيمانه الذي استمده من الله هو على صحة ونحن نكمِّل ما بدأوه.
ثالثاً: مجيء يهوه:
كان تعييد شعب إسرائيل لتجليس يهوه على عرشه كل رأس سنة يقوم أيضاً على أساس أن يهوه أتى ويأتي وسيأتي. فالتعييد ليهوه وإن كان يتمم لهم كل ما يطلبونه من تجديد الخلقة كما يرونها ويعيشونها، سواء في الطبيعة بمعناها الشامل من سماء وأرض وبحار وأنهار وجبال وما تحتويه جميعاً، أو بمعناها الملموس من أمطار وخيرات وزراعات وثمار وبهائم الحقل، وكل ما يرجونه من خلاص سواء من أعداء ظاهرين أو خفيين أو قسوة طبيعية وزمان؛ إلاَّ أنهم كانوا يطلبون وينتظرون ويترجّون “مجيء يهوه”، إنْ في صورته الزمانية كل عيد رأس سنة، أو في صورته غير الزمانية كإله يحكم ويدين ويغفر ويحب. وإليك المزامير:
+ » يأتي إلهنا ولا يصمت. نارٌ قدَّامه تأكل وحوله عاصفٌ جداً. «(مز 3:50)
+
»
أمام الرب لأنه جاء، جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل
والشعوب بأمانته. «(مز
13:96)
+ » أمام الرب لأنه جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة. «(مز 9:98)
ويصف المزمور كيفية القضاء والدينونة التي ستتم:
+ » من السماء أسمعتَ حكماً. الأرض فزعت وسكتت، عند قيام الله للقضاء لتخليص كل ودعاء الأرض. سلاه. «(مز 8:76و9)
كما أن الجماعة المجتمعة بحضرة يهوه في عيده تجدها فرصة سنوية لتقدِّم اعترافها الجماعي ولكن بصيغة المفرد:
+ » من الأعماق صرختُ إليك يا رب. يا رب اسمع صوتي، لتكن أُذناك مصغيتين إلى صوت تضرعاتي. إن كنتَ تراقب الآثام يا رب يا سيد فمَنْ يقف. لأن عندك المغفرة لكي يخاف منك... لأن عند الرب الرحمة، وعنده فِدًى كثيرٌ. وهو يفدي إسرائيل من كل آثامه. «(مز 1:130-3و7و8)
+ » إليك رفعتُ عينيَّ يا ساكناً في السموات. هوذا كما أن عيون العبيد نحو أيدي سادتهم، كما أن عيني الجارية نحو يد سيدتها، هكذا عيوننا نحو الرب إلهنا حتى يترأَّف علينا. ارحمنا يا رب ارحمنا، لأننا كثيراً ما امتلأنا هواناً... «(مز 1:123-3)
ونحن نتعجَّب على هذا الطقس البديع الذي يقف فيه الشعب كله يعيِّد لمجيء يهوه ليطرح أمامه كل آماله ورجاءه واعترافه. ثم يطلب مجيئه أيضاً بتكرار لا يملّ على مدى الأجيال.
حتى جاء الرب فعلاً في وحي المزمور مجيئاً هو في حقيقته صورة حيَّة لمجيئه الأخير
لنا بتصوير محكم لكي يَجُبّ بجسده كل ذبائح إسرائيل؛ ويفعل مشيئة
الله - التي أخفق إسرائيل فعلها - حسب ترتيب الله فيما قبل
الدهور والأزمان، هناك كما نواها الله في الأزلية. وفي المزمور يتكلَّم الابن
الوحيد لأبيه هكذا بصورة نبوية:
+ » بذبيحة وتقدمة لم تُسَرَّ. أُذُنَيَّ فتحتَ([14]). محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلتُ هأنــذا جئتُ بدَرْج الكتاب مكتوبٌ عني، أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُرِرْتُ. وشريعتك في وسط أحشائي. «(مز 6:40-8)
وكان هذا المزمور الوصلة الحيَّة التي ربطت القديم بالجديد حينما حقَّق فعلاً ابن الله الوحيد مجيئه إلى العالم في اكتمال الزمن متجسِّداً بهيئة عبد، وكان جسده حقًّا عِوَضَ كل الذبائح جميعاً، إذ قدَّمه على الصليب ذبيحة عن خلاص كل العالم، وذاق الابن فعلاً الموت من أجل كل واحد!
والعجيب حقًّا أننا - ومثل الطقس القديم - لا نزال نترجَّى مجيئه!! ننتظر مجيئه بفارغ الصبر، ليُلبسنا نحن المخلَّصين ثوب البهاء والمجد، ويضع علينا إكليل البر فنصلح أن نكون عروساً:
+ » فإنَّ سيرتنا نحن هي في السموات، التي منها أيضاً ننتظر مُخلِّصاً هو الرب يسوع المسيح، الذي سيُغيِّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده، بحسب عمل استطاعته أن يُخضِعَ لنفسه كل شيء. «(في 20:3و21)
+ » نُشْهِدُكُم لكي تسلكوا كما يَحِقُّ لله الذي دعاكم إلى ملكوته ومجده... وتنتظروا ابنه من السماء... الذي يُنقذنا من الغضب الآتي. «(1تس 12:2؛ 10:1)
+ » وإله كل نعمة الذي دعانا إلى مجده الأبدي في المسيح يسوع، بعد ما تألَّمتم يسيراً، هو يُكمِّلكم، ويُثبِّتكم، ويُقويكم، ويُمكِّنكم. «(1بط 10:5)
+ » والقادر أن يحفظكم غير عاثرين، ويُوقِفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج. «(يهوذا 24)
+ » متى أُظْهِرَ المسيح حياتنا، فحينئذ تُظْهَرون أنتم أيضاً معه في المجد. «(كو 4:3)
+ » لأنه لاقَ بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل، وهو آتٍ بأبناءٍ كثيرين إلى المجد، أن يُكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام. «(عب 10:2)
+ » ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون إكليل المجد الذي لا يَبْلَى. «(1بط 4:5)
+ » كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللذين بهما قد وَهَبَ لنا المواعيد العُظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية. «(2بط 3:1و4)
+ » فإني أنا الآن أسكب سكيباً، ووقت انحلالي قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيراً قد وُضِعَ لي إكليل البر، الذي يهبه لي في ذلك اليوم، الرب الديَّان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً. «(2تي 6:4-8)
هذا هو الخلاص الذي نطلبه ونترجاه من المسيح بعد أن أكمل خلاصنا بالآلام كما يقول بولس الرسول: » إن كنَّا نتألَّم معه (في خلاصنا الحاضر الذي لن يكمل لنا إلاَّ بالآلام معه)، لكي نتمجَّد أيضاً معه (في خلاصنا المنتظر الموضوع أمامنا). «(رو 17:8)
فنحن الآن نعيش الخليقة الجديدة في ملء خلاصنا الذي تمَّ بدم المسيح
وقيامته. ولكن لا تزال حياتنا الجديدة غير منظورة، بل مستترة كالمسيح القائم من بين
الأموات: »
لأنكم قد مُتُّمْ وحياتكم مستترة مع المسيح في الله
«(كو
3:3). فكما يقول القديس بولس: »
متى أُظْهِرَ المسيح حياتنا، فحينئذ تُظْهَرون أنتم أيضاً معه في المجد.
«(كو
4:3)
هذه هي اسخاتولوجية الإيمان المسيحي، التي نعيش نحن أيضاً في رجائها، كما كان شعب إسرائيل في رجاء اسخاتولوجية تحقَّقت فينا.
وإذ نعود الآن إلى مزامير تجليس يهوه على عرشه في عيده السنوي لندرس قوة العقيدة والإيمان والمنطق في هذه المزامير في تطلُّعها الاسخاتولوجي لمجيء يهوه للخلاص بصورة دائمة ومتكررة مدى كل أجيال إسرائيل الملتزمة بالعيد والطقس؛ نُدرك تماماً أن الإيمان الذي تقوم عليه إيمانٌ حقيقي، والتطلُّع الذي كان الشعب يتطلَّع إليه من وراء بؤس الزمن هو حقًّا تطلُّع إلهي بكل معنى، وكان تسبيحهم وتهليلهم بالآلات والصفوف تعبيراً نودُّ من كل القلب أن نحاكيه، لأنه كان نابعاً من ثقة وبساطة قلب وفرح حقيقي.
الخليقة الجديدة والأُخرويات عند الأنبياء:
ولعل الأنبياء كانوا أكثر توضيحاً واستعلاناً لِمَا كان الشعب يسبِّح له ويرجوه من جهة المجيء والخلاص المنشود. فنسمع إشعياء يقول عن اليوم الذي طالما ذكرته المزامير والذي فيه يترجون مجيئاً أكثر وضوحاً وخلاصاً أكثر شمولاً:
+ » وتقول في ذلك اليوم أحمدك يا رب لأنه إذ غضبت عليَّ ارتدَّ غضبك فتُعزيني. هوذا الله خلاصي فأطمئن ولا أرتعب لأن ياه يهوه قوَّتي وترنيمتي وقد صار لي خلاصاً. فتستقون مياهاً بفرح من ينابيع الخلاص.
وتقولون في ذلك اليوم: احمدوا الرب، ادعوا باسمه، عرِّفوا بين الشعوب بأفعاله،
ذكِّروا بأن اسمه قد تعالى، رنِّموا للرب لأنه قد صنع مفتخراً.
ليكن هذا معروفاً في كل الأرض. «(إش
1:12-5)
+ » ويُقال في ذلك اليوم: هوذا هذا إلهنا انتظرناه فخلَّصنا. هذا هو الرب انتظرناه، نبتهج ونفرح بخلاصه. «(إش 9:25)
وهنا نجد أن رنَّة النبوة تكاد تقول إنه قد جاء كل المجيء المرجو، وقد خلَّص كل الخلاص المنتظر. فالتغيير هنا تغيير مستقبلي حاضر أو قد حضر. إلى هذا الحدِّ كان النبي كثير الشفافية عن أيامنا هذه التي نحياها في الخلاص والفرح والبهجة والترنُّم. والرب حاضر في وسطنا بل وفينا.
بل هوذا إشعياء النبي نفسه يرى وكأنه معنا وكأن كل شيء قد صار، فيتكلَّم عن الخلاص الذي حدث مرة واحدة وفي يوم عجيب واحد، بل وفي شخص إلهي واحد، بموته وقيامته؛ فخرجت الخليقة الجديدة إلى الوجود بخروج جسد المسيح المُقام من بين الأموات، وأُعلنت وشاعت، وآمن وأخذ وعاش بها الإنسان من كل شعب ولسان وأُمة، كل مَنْ اعتمد مؤمناً وأخذ الجسد واستقى الدم، فتقدَّس وتبرَّر ودخل عهد القيامة وصار مواطناً سماوياً. هكذا يقول إشعياء:
+ » هل تمخض بلاد في يوم واحد، أو تولَد أُمَّة دفعة واحدة،
فقد مخضت صهيون بل ولدت بنيها...
افرحوا مع أورشليم وابتهجوا معها يا جميع محبيها. «(إش 8:66-10)
ثم يعود إشعياء ويتسمَّع النبوَّة من فم الرب، وقد تكلَّم بما هو قد أزمع أن يكون في تجديد وجه السماء والأرض تجديداً يكون القديم فيه في خبر كان الذي نُسِي:
+ » لأني هأنذا خالقٌ سموات جديدة وأرضاً جديدة، فلا تُذكر الأولى ولا تخطر على بال،
بل افرحوا وابتهجوا إلى الأبد في ما أنا خالقٌ،
لأني هأنذا خالقٌ أورشليم بهجةً وشعبها فرحاً. «(إش 17:65و18)
وهذا هو الخلق الجديد الذي نعيش فيه وقد صارت أرض الشقاء تحت أرجلنا أرض بشارة بحياة جديدة وأخبار سارة، أخبار تدوم إلى الأبد، حقائق معاشة:
+ » ما أجمل على الجبال قَدَمَي المُبشِّر المُخبر بالسلام، المُبشِّر بالخير، المُخبر بالخلاص... «(إش 7:52)
وقد هتفت الملائكة من السماء يوم ميلاد المخلِّص أنَّ: » المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرَّة «(لو 14:2). فقد دشن الرب يسوع أرضنا بالسلام يوم مولده! أما السماء فقد أصبحت لنا موطناً، وقد رفع المسيح جبلتنا الجديدة لتصير معه في السماء وتجلس أيضاً عن يمينه: » أقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات. «(أف 6:2)
وتمادى هذا النبي البارع في إتقان الرؤيا، فاستعلن ثوب الخلاص الذي ألبسنا الله وكيف زيننا بإكليل البر:
+ » فرحاً أفرح بالرب. تبتهج نفسي بإلهي، لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البر. مثل عريس يتزيَّن بعمامة، ومثل عروس تتزيَّن بحُليها. «(إش 10:61)
وقد تمَّت الزينة على يدي بولس الرسول نبي العهد الجديد حينما مخض بنا مخاض الإنجيل لنولد على يديه بشبه المسيح (غل 19:4) لنصلح أن يخطبنا له عذراء عفيفة (2كو 2:11): » هذا السرُّ عظيمٌ، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة «(أف 32:5). ويبدو أنه قد استُعلن لإشعياء النبي ما لبسناه يوم اعتمدنا للمسيح:
+ » لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. «(غل 27:3)
وهكذا التحمت اسخاتولوجية المزامير باسخاتولوجية الأنبياء، فرأى الموهوبون في العهد القديم المواعيد العُظمى والثمينة، فآمنوا بها ورأوها من بعيد وترجوها وحيَّوها وماتوا ولم ينالوا، ولكنهم أقرُّوا أنهم غرباء ونزلاء على أرض شقائهم، فكانوا يطلبون وطناً أفضل (عب 13:11و16). هذا الذي نلناه ونعيشه، لا في ضباب الرؤيا كما رأوا، ولكن في تمام الصحو والتحقيق، كما يقول بطرس الرسول:
+ » بل قد كنَّا مُعاينين عظمته. لأنه أخذ من الله الآب كرامةً ومجداً، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسْنَى: هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سُرِرْتُ به. ونحن سمعنا هذا الصوت مُقبلاً من السماء، إذ كنَّا معه في الجبل المقدَّس. «(2بط 16:1-18)
وهذا أيضاً القديس يوحنا الذي رأى ولمس وشاهد وشهد، بل أخذ وأعطانا لنفرح:
+ » الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة (الرب يسوع). فإن الحياة أُظْهِرَت، وقد رأينا ونشهد ونُخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظْهِرَت لنا (في الرب يسوع). الذي رأيناه وسمعناه نُخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 1:1-4)
فإن كنَّا نحن أيضاً نكتب هذا لك، عزيزي القارئ، فلكي يكمل فرحك، وتعطي تسبيحاً؛ لا بتسبحة الرجاء والتمني التي كانت لهم في القديم، بل تسبحة الغلبة والخلاص.
(20 سبتمبر 1998)
الإنسان الجديد ومفاعيل الروح القدس
التي دبَّرها الله لبنيانه وعمله
nvVvn
حينما نتكلَّم عن الإنسان الجديد، فنحن نتكلَّم عن الخليقة الجديدة التي أُعطيت للإنسان كأعظم نعمة تقبَّلها من الله. فبعد أن كان خليقة آدمية محكوماً عليها بالموت، صار خليقة روحانية سماوية لها إرث الحياة الأبدية مع المسيح. وهي كلَّفت الله تجسُّد ابنه الوحيد، أي اتحاده بجسدٍ بشري بميلاده من الروح القدس ومن العذراء القديسة مريم؛ وبهذا التجسُّد صار المسيح شريكاً معنا بالجسد، مما أهَّله أن يحمل خطايانا في جسده على الصليب ويبطلها بموته، بعد أن تقبَّل حكم الموت وعقوبته معنا ومن أجلنا على يد اليهود وبيلاطس البنطي. وهكذا غُفِرت خطايانا ورُفِع حكم الموت عنَّا. ولَمَّا قام المسيح من الموت، قام بجسده الذي أخذه منَّا - أي ونحن فيه - إذ صرنا نحن أيضاً شركاءه في ذات الجسد بعد أن داس الموت، وقبلنا معه الحياة الأبدية:
+ » لأنه إن كنَّا قد صرنا مُتَّحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ معه ليُبْطَل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية... فإن كنَّا قد متنا مع المسيح، نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه (بقيامته). «(رو 5:6-8)
ولكن أن نحيا مع المسيح الآن كخليقة جديدة فقد تمَّ هذا بميلادٍ جديد بتدخُّل الروح القدس الرب المُحيي:
1 - بالمعمودية التي سمَّاها المسيح أولاً وأصلاً “الميلاد من فوق”،
أي
نُحسب أننا وُلدنا ثانية لنصير خليقة جديدة سماوية، أعضاؤها أفراد صاروا بالمعمودية
أعضاءً روحانية في جسد المسيح القائم من الموت، لأن المعمودية تمَّت لحساب جسد
المسيح القائم من الموت:
»
لأننا جميعاً بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ... وجميعنا سُقينا روحاً
واحداً... وأما أنتم فجسد المسيح، وأعضاؤه أفراداً.
«(1كو
13:12-27)
هذا معناه أن الإنسان الجديد هو عضو في جسد المسيح، وقد وردت في رسالة كولوسي بمعنى جميل: » وليَمْلِك في قلوبكم سلام الله الذي إليه دُعيتم في جسدٍ واحد، وكونوا شاكرين. «(كو 15:3)
ومن هنا جاءت الحقيقة أن الكنيسة هي جسد المسيح وهو رأسها (أف 22:1و23). فليس مستغرباً أن المسيح يطلب من الآب أن يُرسِل الروح القدس للإنسان ليكون معزِّياً آخر، بعد أن يرتفع هو إلى السماء ليقيم الروح مع الإنسان على الأرض ويؤنس غربته: » وأنا أطلب من الآب فيُعطيكم معزِّياً آخرَ ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكثٌ معكم ويكون فيكم. «(يو 16:14و17)
ويُلاحظ القارئ أن المسيح يذكر أن الروح القدس سيكون ماكثاً معهم، ويكون فيهم.
وهنا ماكثٌ معهم تعني شركة في الحياة يلازم فيها الروحُ القدس الإنسانَ ويُعلِّمه
ويرشده وتكون عينه عليه. وتعتبر شركة الروح القدس تاج الإيمان المسيحي، تهتف بها
الكنيسة على لسان الأسقف قبل بدء كل قدَّاس:
»
نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمـين
«(2كو
14:13). وقد أعادت الكنيسة صياغتها بحسب منطوق الإيمان هكذا: “محبة الله الآب،
ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، وشركة وموهبة الروح القدس،
تكون مع جميعكم”. ويرد الشعب: “ومع
روحك أيضاً”.
ثم يكون فيهم أيضاً، وهنا معنى الاتحاد بالروح حيث التقديس به، وهو يسوق الإنسان ليُقدِّمه لله. وفي هذا يحكي بولس الرسول إلى أهل غلاطية مؤكِّداً: » ثم بما أنكم أبناء، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً: يا أَبَا الآب. إذاً لستَ بعد عبداً بل ابناً «(غل 6:4و7). هنا يصف بولس الرسول كيف ينطق الروح القدس في قلوبنا شاهداً لأرواحنا أننا أولاد الله: » الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. «(رو 16:8)
وأما سُكنى الروح القدس في قلوبنا فأصبحت عقيدة ثابتة قائمة في الكنيسة: » أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم «(1كو 16:3)، ويزيد القديس بولس تأكيداً: » لأن هيكل الله مقدَّسٌ الذي أنتم هو «(1كو 17:3). وقد قامت عقيدة القيامة من بين الأموات لأجسادنا المائتة على هذا الأساس: » وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم «(رو 11:8). وهذه يشرحها بولس الرسول أيضاً من ناحية أخرى لأهل رومية قائلاً: » نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا، متوقِّعين التبنِّي فداء أجسادنا «(رو 23:8). والكلام هنا ثمين جداً، إذ أن التبنِّي الذي أخذناه بحلول روح المسيح فينا ستظهر قوته يوم القيامة، إذ سيكون له قوة فداء أجسادنا؛ بمعنى أنه عِوَض أجسادنا الترابية الميتة، يعطينا أجساداً روحية تحيا إلى الأبد. وهكذا يتم حرفياً قول المسيح إننا نصير خليقة جديدة مولودة من فوق لتحيا فوق بالنهاية.
2 - بدء عملية إعطاء الروح القدس كهبة بصفة دائمة عامة:
هذه بدأت يوم الخمسين حسب وعد مخلِّصنا لتلاميذه المجتمعين في العلِّية:
+ » إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلَّم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلَّم به، ويُخبركم بأمور آتية. ذاك يمجِّدني، لأنه يأخذ مِمَّا لي ويُخبركم. كل ما للآب هو لي. لهذا قلت إنه يأخذ مِمَّا لي ويُخبركم. بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضاً ترونني، لأني ذاهب إلى الآب. «(يو 12:16-16)
وهنا نبدأ بالموعد الأول:
+ » وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلَّم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلَّم به ويُخبركم بأمور آتية «
هذه أول وظائف الروح القدس بعد ارتفاع المسيح. فأخطر ما واجه التلاميذ بعد ارتفاع المسيح أمامهم علانية هو معرفة ما قد تمَّ، لأن اعتماد التلاميذ قد انتقل من المسيح إلى الروح القدس الآن، فكان على التلاميذ أن يعطوا جواباً عمَّا حدث، وبالحق!
وأول ما أربك الجموع المتزاحمة - وكان عيد الخمسين لا يزال قائماً والذين في الشتات موجودين ورأوا:
أ - حلول الروح القدس، وكانت الساعة الثالثة من النهار، فتساءلوا ما عسى أن يكون هذا، وكان آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سُلافة، أي شُرب الخمر الرديئة التي تذهب بالعقل. فكانت صيحة بطرس الرسول أول شهادة بالحق، وكان الروح القدس أميناً، إذ أخذ من المسيح ما حدث بالحق وأعلنه لهم هكذا:
+
»
هؤلاء ليسوا سُكَارَى كما أنتم تظنون، لأنها الساعة الثالثة من النهار. بل هذا
ما قيل بيوئيل النبي، يقول الله: ويكون في الأيام
الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبَّأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رُؤى
ويحلم شيوخكم أحلاماً. وعلى عبيدي أيضاً وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام
فيتنبَّأون. «(أع
15:2-18)
ب - » أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قِبَل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مُسلَّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أَثَمَة صلبتموه وقتلتموه. الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت، إذ لم يكن مُمْكِناً أن يُمْسَك منه... فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعاً شهودٌ لذلك. «(أع 22:2-24و32)
ج - » وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سَكَبَ هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه. «(أع 33:2)
د - » فلْيَعْلَم يقيناً جميع بيت إسرائيل أنَّ الله جعل يسوعَ هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربًّا ومسيحاً. «(أع 36:2)
وكان هذا هو أول دفاع قام به الروح القدس على فم القديس بطرس مُعلناً فيه أربع حقائق هامة:
أولاً: إن حلول الروح القدس يوم الخمسين كما رأوه هو تحقيق نبوَّة يوئيل النبي تماماً.
ثانياً: شهادة صادقة عن صلب المسيح وموته حسب مشورة الله السابقة، ثم أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت.
ثالثاً: وإذ ارتفع بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الآب سَكَبَ
الروح القدس الذي رأوه يوم الخمسين. وهنا يُحقِّق الروح القدس على فم القديس بطرس
فعلاً ما سبق أن قاله المسيح بالضبط:
»
ومتى جاء المعزِّي الذي سأُرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من عند الآب
ينبثق، فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء.
«(يو
26:15و27)
رابعاً: وهنا أول وأقوى شهادة للروح القدس على فم القديس بطرس عن لاهوت المسيح أن الله جعل يسوع هذا ربًّا ومسيحاً.
وكان نُطْق بطرس الرسول بالروح القدس في الدفاع عن الإيمان المسيحي بأركانه الأربعة:
الأول: تحقيقاً لنبوَّة يوئيل النبي بانسكاب الروح القدس، وقد تمَّ يوم الخمسين كأول امتلاء بالروح القدس وأول نموذج للامتلاء في الكنيسة.
الثاني: تحقيق صلب المسيح وموته على الصليب وقيامته من الموت ناقضاً الموت، أي إلغاء هذا العدو الذي دوَّخ البشرية.
الثالث: تحقيق موعد الآب الذي طلبه المسيح من الآب بانسكاب الروح القدس للملء.
الرابع: لاهوت المسيح.
هذه كلها مكاسب الإنسان الجديد الموهوبة له من الروح القدس.
والآن نأخذ هذه الحقائق المسيحية ونرى كيف طُبِّقت في الإيمان المسيحي لكل إنسان
بحسب سفر الأعمال والرسائل. ونكتفي هنا بالأولى والثالثة معاً وهي لتحقيق انسكاب
الروح القدس للملء. وكانت هذه الحقيقة التي أتمَّها الروح القدس بأمر الآب واستدعاء
المسيح أقوى وأشمل عمل للروح القدس في
طبيعة الإنسان حيث أنشأ فيها المفاعيل الآتية:
أ - انفتاح وتجديد الفكر والقلب لمعرفة الإيمان بالمسيح: » لا بأعمال في برٍّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلَّصنا بغُسْل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغِنَى علينا بيسوع المسيح مخلِّصنا. حتى إذا تبرَّرنا بنعمته، نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية «(تي 5:3-7)، » حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب «(لو 45:24). وجرت هذه على التلاميذ كأول نموذج لنا » لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعْطَى لنا. «(رو 5:5)
ب - » ونحن لم نأخذ (في العماد والمسحة) روح العالم، بل الروح الذي من الله، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله، التي نتكلَّم بها أيضاً، لا بأقوال تعلِّمها حكمة إنسانية، بل بما يُعلِّمه الروح القدس، قارنين الروحيات بالروحيات. «(1كو 12:2و13)
وقد وصفها القديس بولس بهذا الوصف: » كما هو مكتوب: ما لم تَرَ عين، ولم تسمع أُذُن، ولم يخطر على بال إنسان، ما أعدَّه الله للذين يُحبونه. فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. «(1كو 9:2و10)
بهذا الوصف أصبحت إمكانيات الإنسان الجديد في المعرفة شيء يفوق العقل والوصف، وقد
وصفها القديس بولس أيضاً في رسالته إلى أهل أفسس بقوله العجيب الذي لا يمكن لإنسان
في العالم أن يُصدِّقه: »
بسبب هذا أحني ركبتيَّ لدى أبي ربنا يسوع المسيح... لكي يعطيكم بحسب غِنَى مجده،
أن تتأيَّدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن (الإنسان الجديد)، ليحلَّ المسيح
بالإيمان في قلوبكم، وأنتم متأصِّلون ومتأسِّسون في المحبة، حتى تستطيعوا أن
تُدركوا مع جميع القديسين... وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا
إلى كل ملء الله!!! «(أف
14:3-19)
مَنْ يصدِّق هذا! نعم هذه هي عطية الروح القدس للإنسان الجديد حينما يتأيَّد بالقوة في الداخل. إلى هذا الحدِّ تبلغ معرفة الإنسان الجديد، فلا يعود شيء قط من أسرار الله ومحبته ونعمته يخفى على الإنسان الجديد. هذا يأتي بالصلاة من القلب!
وقد سبق وتنبَّأ إشعياء على عمل الروح القدس في الإنسان حينما انسكب أولاً على المسيح كعربون: » ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. «(إش 2:11)
ج - تحقيق قول الرب عن عمل الروح القدس مع الإنسان بأنه » يمكث معكم «(يو 16:14)، الذي يحقِّق وعد الله لموسى بأن يسير معهم (خر 14:33-16)، ولذلك دعا الربُّ الروحَ القدس الباراكليت أي المعزِّي:
+ » الروح والعروس يقولان تعالَ. «(رؤ 17:22)
+ » لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة. «(أع 28:15)
يتضح هنا ملازمة الروح القدس للتلاميذ الأوائل بصورة واضحة فعلية. وهو الذي
عبَّرت عنه الكنيسة بتلقيب الروح القدس بـ “روح الشركة”، وتعني روح التلازم الدائم
والسهر الدائم على الإنسان الذي عرفه المزمور 32 بالقول:
»
أُعلِّمك وأُرشدك الطريق التي تسلكها. أنصحك، عيني عليك
«(مز
8:32). وهذه قمة الرعاية فهي تكميل لقول المسيح ووظيفته أنه “الراعي الصالح”،
ويزيدها لقب “الباراكليت” بصفة التعزية والدفاع. وبهذه الصفة “الشركة” يدخل الروح
القدس ضمن الثالوث في عمله للإنسان حسب الآية (2كو 14:13) التي اتخذتها الكنيسة
تعبيراً تفتتح به قدَّاساتها: “محبة الله الآب،
ونعمة الابن الوحيد ربنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح، وشركة وموهبة الروح القدس،
تكون مع جميعكم” (القداس الإلهي). وبهذه الصفة يدخل الإنسان مع الروح القدس في شركة
واعية للمحبة الصادقة المتبادلة، والدعاء الدائم للمعونة والتوعية والإلهام وفتح
بصيرة الإنسان، لإدراك ما يُرضي الله الآب ويُفرِّح الابن الوحيد بحياة العبادة
الصادقة بالروح والحق التي يطلبها الله:
»
الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق، لأن الآب طالِبٌ مثل هؤلاء الساجدين
له «(يو23:4).
ويدخل فيها الإرشاد والنُّصح لاختيار الطريق الأفضل والكلمة النافعة والشهادة في
وقتها.
د - «ويكون فيكم»: وهذا تأكيد لمفهوم روح السُّكنى الدائمة، حيث تبلغ الشركة أقصاها ونبلغ نحن حالة التبنِّي، حيث الروح القدس هو «روح التبنِّي» (رو 15:8)، » وأما كل الذين قبلوه (المسيح) فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه «(يو 12:1)، وتزيدها تأكيداً: » إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته «(أف 5:1). وهذه الآية تكشف عن سابق قصد الله من تبنِّي الإنسان لنفسه لمسرَّته الشخصية. وهكذا يكون انسكاب الروح القدس للملء عملية متوافقة مع مسرَّة الله الآب، وهي كفيلة أن تُدخِل النفس في مسرَّة الله أيضاً، وهي - بآنٍ واحد - عملية التحام أيضاً في المسيح: » ثم بما أنكم أبناءٌ، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً: يا أَبَا الآب «(غل 6:4). لذلك يُعتبر سُكنى الروح فينا عامل شهادة وجذب نحو الآب، ويعطي دالة الأُبوَّة التي بها نشعر أننا قد صرنا حقًّا أبناء ومن أهل بيت الله!
هـ - إعطاء مسحة الروح القدس:
+
»
وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يُعلِّمكم
أحدٌ، بل كما تُعلِّمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء، وهي
حقٌّ وليست كذباً. «(1يو
27:2)
+ » وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء. «(1يو 20:2)
المسحة هنا على مثال مسحة العهد القديم التي كانت تشير إلى عمل الله السرِّي، ولكن هنا تفيد الروح القدس علانية مثلما جاءت في (أع 26:4و27): » واجتمع الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه، لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع، الذي مسحته... « هنا المسحة هي التي عبَّر عنها المسيح نفسه بأنَّ » روح الرب عليَّ، لأنه مسحني «(لو 18:4)، » يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة... «(أع 38:10). وقد جاءت أيضاً بوضوح: » ولكن الذي يُثبِّتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا، هو الله الذي ختمنا أيضاً، وأعطى عربون الروح في قلوبنا «(2كو 21:1و22). ويتفق العلماء المحدثون أنها تشير إلى عمل الروح القدس بصورة علنية كما كانت تظهر أعمال الله في القديم في الذي يمسحه الروح.
والقديس يوحنا في الآية الأولى (1يو 27:2) يشجِّع المؤمنين الذين نالوا عطية الروح القدس أنهم صاروا بدرجة مقدسة مُلهمة كالأنبياء في القديم، يعرفون الحق مباشرة من الروح القدس ولا شيء يستطيع أن يكذب عليهم لأنه روح الله وروح الحق الذي يُعرِّف بكل الحق.
ومن الخبرة نعلم أن الذين يحل عليهم الروح القدس يكونون فعلاً ممسوحين ولهم روح الحق ولا يستطيع أحد أن يكذب عليهم، كما يقول القديس يوحنا: » وهي حقٌّ وليست كذباً « خصوصاً وأن القديس يوحنا في رسالته الأولى يُعالج مشكلة الضد للمسيح الكذَّاب وأبي كل كذَّاب. وبالنسبة للإنسان المتجدِّد (المولود جديداً من الروح)، فبحلول الروح عليه يصير قوة حصينة للحق والشهادة للحق.
+ » ويكون في ذلك اليوم أن حِمْلَهُ يزول عن كَتِفِكَ ونيره عن عنقك ويزول النِّير بسبب المسحة. «(إش 27:10 حسب السبعينية)
= » نيري هيِّن وحِمْلي خفيف. «(مت 30:11)
والمسحة هي تكريس المؤمن للخدمة بالروح على مثال مسحة العهد القديم التي كانت تُعطَى للمختارين ومعها قوة للكرازة أو الخدمة والنطق بالروح بصفة خاصة. والممسوح بالروح مُرسل من الله ويتكلَّم باسم الله: » الذي ... قد مسحنا هو الله. «(2كو 21:1)
و - روح تقديس:
بحلول الروح القدس على الإنسان المولود من الماء والروح، يهبه روح تقديس، كما يقول القديس بولس: » الله اختاركم من البدء للخلاص، بتقديس الروح وتصديق الحق «(2تس 13:2)، وهي الصفة المباركة التي ينالها المؤمن بالمسيح في الكنيسة. فالكنيسة هي مجتمع القديسين، والذي يثبت لنا أننا نلنا هذا هو قول بولس الرسول: » لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت «(رو 2:8)، وكذلك أيضاً: » الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس «(أف 13:1)، » الذي به خُتمتم ليوم الفداء. «(أف 30:4)
إذن، فروح التقديس أصبح بالنسبة للإنسان الجديد حقيقة ثابتة كختم وكعربون فداء
ينتظره، كفيل بأن يهب جسده الترابي الميت جسداً روحياً سماوياً لائقاً بسُكنى
السماء، كما يقولها بولس الرسول:
»
بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا، متوقِّعين
التبنِّي فداء أجسادنا «(رو
23:8)، »
وهكذا كان أُناس منكم. لكن اغتسلتم، بل تقدَّستم، بل تبرَّرتم باسم الرب يسوع
وبروح إلهنا «(1كو
11:6). وأخيراً يحذِّر الروح، كما يقول بولس الرسول:
»
اتبعوا السلام مع الجميع، والقداسة التي بدونها لن يرى
أحد الرب. «(عب
14:12)
ز - روح صلاة والمداومة عليها:
العمل الأول والأعظم الذي يقوم به الروح القدس للإنسان الذي يتبنَّاه جديداً هو أن يعلِّمه كيف يُصلِّي:
+ » كذلك الروح أيضاً يُعين ضعفاتنا، لأننا لسنا نعلم ما نُصلِّي لأجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنَّاتٍ لا يُنطق بها. ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القدِّيسين. «(رو 26:8و27)
+ » مصلِّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح، وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة، لأجل جميع القديسين. «(أف 18:6)
والذين يعرفون الصلاة يعرفون تماماً أنه من الصعب، بل ربما من المستحيل، الصلاة بمداومة وبلا انقطاع بدون مؤازرة الروح القدس، حيث تكون الصلاة صلاة في الروح!! وهنا يظهر قيمة كلام المسيح:
+ » الله روح. والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا. لأن الآب طالِبٌ مثل هؤلاء الساجدين له. «(يو 24:4و23)
+ » تأتي ساعة، وهي الآن (بعد حلول الروح القدس)، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. «(يو 23:4)
+ » لأننا نحن الختان، الذين نعبد الله بالروح، ونفتخر في المسيح يسوع، ولا نتكل على الجسد. «(في 3:3)
والعجيب أن الروح يدفعنا للصلاة، والصلاة تلهب الروح في قلوبنا.
ح - تقديم الشكر متواصلاً:
+
»
بل امتلأوا بالروح... شاكرين كل حين على كل شيء في اسم ربنا
يسوع المسيح، لله والآب.
«(أف
18:5-20)
فالشكر المتواصل نهاراً وليلاً هو علامة فعالية الروح القدس في الإنسان الجديد، لأن كل شيء يُنظر بالروح أنه هبة الله.
+ » اشكروا في كل شيء، لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم. «(1تس 18:5)
وكأن موهبة الإنسان الجديد الأكثر فعالية في نظر الله الآب هي الشكر الدائم.
+ » نحن أيضاً نشكر الله بلا انقطاع. «(1تس 13:2)
+ » لأن جميع الأشياء هي من أجلكم، لكي تكون النعمة وهي قد كَثُرَت بالأكثرين، تزيد الشكر لمجد الله. «(2كو 15:4)
من هنا نفهم أن كل شكر بزيادة هو لمجد الله.
+ » لا تهتموا بشيء، بل في كل شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر، لتُعلم طلباتكم لدى الله. «(في 6:4)
وكأن وجود الشكر في الصلاة هو ختم استجابة.
+ » واظبوا على الصلاة، ساهرين فيها بالشكر. «(كو 2:4)
وكأن الشكر يلهب السهر.
ط - يعطي قوة للخدمة:
لا تقوم الخدمة إلاَّ على رجال يصلُّون لكي تُحمل الخدمة على الصلوات:
+ » أطلب إليكم أيها الإخوة، بربنا يسوع المسيح، وبمحبة الروح، أن تجاهدوا معي في الصلوات من أجلي إلى الله. «(رو 30:15)
علماً بأن الذي يطلب صلوات الآخرين على أساس محبة الروح هو بولس الرسول نفسه!
+ » وبينما هم يخدمون الرب ويصومون. قال الروح القدس: أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه. «(أع 2:13)
+ » احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه. «(أع 28:20)
+ » لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً، بل هو برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس. لأن مَنْ خدم المسيح في هذه فهو مرضيٌّ عند الله، ومُزكَّى عند الناس. «(رو 17:14و18)
+ » ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة، يخدم بها بعضكم بعضاً، كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة. «(1بط 10:4)
وهكذا يُحسب كل مَنْ أخذ موهبة الخدمة من الروح القدس وكيلاً على نعمة الله، أي يخدم لحساب النعمة.
+ » لأن الله ليس بظالمٍ حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه، إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم. «(عب 10:6)
+ » ظاهرين أنكم رسالة المسيح، مخدومة منَّا، مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحي. لا في ألواح حجرية بل في ألواح قلب لحمية. «(2كو 3:3)
وهكذا تُسجَّل خدمة الآخرين بروح الله الحي.
+ » الذي جعلنا كُفاة لأن نكون خُدَّام عهد جديد. لا الحرف بل الروح. «(2كو 6:3)
+ » فكيف لا تكون بالأَوْلَى خدمة الروح في مجد؟ «(2كو 8:3)
ي - يشهد للمسيح:
+
»
ومتى جاء المُعزِّي الذي سأُرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من عند الآب
ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي
من الابتداء. «(يو
26:15و27)
ووضحت شهادة الروح القدس للمسيح جداً يوم الخمسين، إذ بدأها الروح القدس ببطرس الذي سبق وأنكر معرفته للمسيح! وأعطاه قوة للشهادة أمام ثلاثة آلاف من يهود الشتات.
+ » وليس أحد يقدر أن يقول: يسوع ربٌّ إلاَّ بالروح القدس. «(1كو 3:12)
وهذا يعني أن الشهادة بالروح حتمية وعمومية.
+ » ولكنه لكل واحد يُعْطَى إظهار الروح للمنفعة. «(1كو 7:12)
بمعنى استقطاب كل أنواع الخدمات لتكون بواسطة الروح القدس.
+ » ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسماً لكل واحد بمفرده، كما يشاء. «(1كو 11:12)
هنا يتدخل الروح القدس ليختار ما يهبه للأفراد.
والروح القدس يطرح كلمة الشهادة بقوة في ألسنة القديسين والأنبياء:
+ » تكلَّم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس. «(2بط 21:1)
وهو أيضاً يشهد للمسيح بأن يُغيِّر كل ما لنا ليصير على مثال المسيح:
+ » نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجدٍ إلى مجدٍ كما من (بواسطة ¢pÒ) الرب الروح kur…ou pneÚmatoj. «(2كو 18:3)
+ » لأني أعلم أن هذا يؤول لي إلى خلاص بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح. «(في 19:1)
+ » مَنْ له أُذُن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. مَنْ يغلب فسأُعطيه أن يأكل من شجرة الحياة (المسيح) التي في وسط فردوس الله. «(رؤ 7:2)
+
»
ونحن شهودٌ له بهذه الأمور، والروح القدس أيضاً، الذي أعطاه الله
للذين يطيعونه. «(أع
32:5)
+ » أما هو فَشَخَصَ إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله، ويسوع قائماً عن يمين الله. «(أع 55:7)
] ] ]
أما مفردات عمل الروح القدس في الإنسان الجديد فلا تقع تحت حصر. فالمسيح وَعَدَ التلاميذ أنهم بحلول الروح القدس سينالون قوة (أع 8:1)، فما بالك بالذي وُلِد من الروح والروح يسكن فيه. والمسيح لَمَّا قال إنه هو النور، والنور يضيء في الظلمة، هذا بعمل الروح القدس. لذلك قال: » أنتم نور العالم «(مت 14:5)، وكذلك قال القديس يوحنا إن الظلمة لا تُدرِك النور (يو 5:1). فلا الشيطان ولا كل أعماله يمكن أن يقتحم إنسان الله الجديد لأنه يحيا بقوة الله. ولَمَّا قال المسيح إن الأعمال التي يعملها هو يعملونها هم أيضاً وأكثر منها (يو 12:14)، هذا لأن الروح القدس يُعطي القوة العاملة بالمسيح. كذلك فإن الروح القدس يجعل كلمة المسيح والإنجيل ذات قوة وفاعلية، ومَنْ ينطقها يكون هو نفسه رسالة حيَّة من الله: » ظاهرين أنكم رسالة المسيح... مكتوبة لا بحبر بل بروح الله الحيّ. «(2كو 3:3)
ومن أهم علامات حلول روح المسيح، الفرح الدائم الذي وَعَدَ به: » اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً «(يو 24:16). والقديس بطرس يقول كمجرِّب: » لأن روح الله والمجد يحلُّ عليكم «(1بط 14:4). وهكذا كما نشترك في الآلام مع المسيح، نفرح لأننا سنشترك معه أيضاً في المجد (1بط 13:4). والإنسان الجديد محسوب أنه ابن روح الموعد القدوس (أف 13:1). ويؤكِّد بولس الرسول مصلِّياً: » كي يُعطيكم إله ربنا يسوع المسيح، أبو المجد، روح الحكمة والإعلان في معرفته، مستنيرة عيون أذهانكم. «(أف 17:1و18)
كل هذه النِّعم والعطايا هي ميراث الإنسان الجديد في هذا العالم، موهوبة مجاناً، مُضافاً إليها عمل الروح القدس الذي وضعه الله فينا كالعربون الذي ينتظر المؤمن كيف يهبه في اليوم الأخير جسداً روحياً سماوياً يحيا به إلى الأبد. ويقول بولس الرسول إن الله نفسه هو الذي منح الإنسان الجديد هذه المنحة: » ولكن الذي يُثبِّتنا معكم في المسيح، وقد مسحنا، هو الله الذي ختمنا أيضاً، وأعطى عربون الروح في قلوبنا. «(2كو 21:1و22)
(21/12/1998)
الإنسان الجديد
ومدح مجد نعمة الله
nvVvn
واضح من استعلان بولس الرسول من جهة تدبير الله الأزلي قبل تأسيس العالم، كيف باركنا الله كخليقة جديدة في المسيح بكل بركة روحية في السماويَّات (أف 3:1). ولكن وَضَع علينا خدمة سماوية كخدمة الخلائق الروحية العُليا، إذ جعل غاية خلقتنا الجديدة التي نالت كل بركة روحية في السماويَّات أن تقف أمام الله بحالة قداسة وبلا لوم في مفاعيل المحبة التي رفعت عن خلقتنا الأولى كل عوائق القداسة وكل ملامة (أف 4:1).
ولكن الأكثر تركيزاً في تعيين حدود ونوع الخدمة هو ما أوضحه بولس الرسول بقوله إن الله وهبنا حسب سَبْق تدبيره حالة تبنِّي لله في المسيح: » إذ سَبَقَ فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرة مشيئته «(أف 5:1). وكان القصد من هذا التبنِّي السعيد لله الذي نلناه بواسطة يسوع المسيح هو لكي يكون لنا قدرة وسلطان ودالة أمام الله لمدح مجد نعمته؛ لأنه بأي كيفية وبأي استحقاق نستطيع أن نقف أمام الله لنمدح مجد نعمته إن لم يهبنا حالة البنين ليكون نطقنا بالمدح عن وعي وصدق الأبناء!؟
وهنا نرجع لنفحص حالة التبنِّي التي أنعم الله بها علينا، فنكتشف أنها هي بعينها حالة الخلقة الجديدة التي وهبها لنا الابن الوحيد المتجسِّد، يسوع المسيح، من جسده وفي جسده القائم من بين الأموات!
هذه الخليقة الجديدة التي نالت في المسيح وبالمسيح حالة التبنِّي للآب صارت مقدَّسة حقًّا وبلا لوم في المحبة، وهي القادرة كونها ملتحمة بالمسيح وناطقة بفمه أن تمدح عن جدارة مجد نعمة الله هذه التي أنعم بها علينا في المحبوب.
وهنا لا يقتصر الحمد على “نعمة الله”، بل يزيد ليكون الحمد على “مجد نعمة الله”، لأنها نعمة متفوقة جداً في المجد، إذ اعتبرتنا - نحن أنفسنا - لا متبنِّين فقط، بل متبنِّين في المسيح الابن المحبوب؛ أي صارت لنا نفس دالة الابن المحبوب التي عبَّر عنها المسيح من جهته قائلاً: » وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني «(يو 22:17). وهذه إحدى أسرار الخلقة الجديدة التي نلناها، كونها حائزة على “شركة في مجد الابن”.
ولكي نفهم القصد المبارك من هذه الشركة يقول المسيح: » وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مُكمَّلين إلى واحد «(يو 22:17و23). هنا يضمُّنا الابن بحالة سريَّة جداً إلى شركة في المجد الخاص به توطئة إلى تكميل الوحدة معه بحال لا يعطِّل الوحدة القائمة بينه وبين الآب. وطبعاً القصد من ذلك هو نيل مخصَّصات الابن التي تؤهِّلنا للحياة الأبدية أمام الله، وأهمها المحبة التي ركَّز عليها المسيح في صلاته الأخيرة للآب في إنجيل القديس يوحنا: » وعرَّفتهم اسمك وسأُعرِّفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم. «(يو 26:17)
لاحِظ هنا كيف يربط المسيح بين أن يكون في خليقته الجديدة حب الآب له، وبين أن يكون المسيح فينا. فهو قد سبق وأعطانا المجد الذي أعطاه له الله الآب لنكون واحداً فيه، والآن يلح على الآب أن يكون لنا أيضاً حب الآب الذي أحبَّ به الآبُ الابنَ.
واضح هنا جداً الذخيرة الإلهية التي احتوتها الخليقة الجديدة في المسيح، إذ
حازت بنوع فائق الوصف على “المجد الذي للمسيح” و“الحب الذي للمسيح”. من هنا أصبح من
واجبات الخليقة الجديدة للإنسان - كما يذكر بولس الرسول بحسب استعلان
الله الأزلي - مدح مجد نعمة الله التي أنعم بها علينا في المحبوب، من
واقع التبنِّي الذي سبق الله فعيَّننا له بيسوع المسيح، لا كعطية وإنعام خارجاً عن
نفسه، بل كما حدَّدها بولس الرسول أنها لنفس الله ولمسرَّة مشيئته.
فنحن كأبناء متبنِّين، لنا في نفس الله مكانة خاصة؛ بل وفي دائرة مسرَّة مشيئته نعيش. من هنا تصبح قدرتنا في مدح مجد نعمة الله التي أنعم بها علينا في المحبوب مستمدة من الله كأخصاء، لنا في الله موضع مسرَّة، وتجعل لمديحنا واقعاً وكياناً في دائرة ما لله.
والذي يزيد من قيمة مديحنا لمجد نعمة الله أنه مطلب الله لنفسه ولمسرَّته الذي من أجله وهبنا نعمة التبنِّي بيسوع المسيح. فنحن الخليقة الجديدة في المسيح ذات وجود مطلوب أمام الله، وذات اعتبار، ومديحنا هو لمسرَّة مشيئته. والمجد الذي أعطانا المسيح هو عينه المجد الذي أعطاه له الآب، وقد أعطاه لنا، لا ليزيد من قدرنا، بل ليزيد من قدرتنا على الالتحام به، وهو نفسه الذي يُنشئ فينا قدرة المديح لمجد الآب. فنحن لا نمدح من فراغ ولا من أنفسنا، فإن كان لائقاً وواجباً أن نمجِّد الآب، فهذا من فيض نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب، ومن شركة المجد الذي أعطانا المسيح؛ فإذا امتنعنا نكون قد عطَّلنا نعمة الله وخذلنا مجد المسيح.
هذا ما سُرَّ الله أن يعمله لنا منذ الأزل وقبل تأسيس العالم، واستطاع المسيح الابن
المحبوب أن يكمِّل كل مسرة مشيئة الآب من نحونا، فكلَّفه ذلك طاعةً حتى الموت، موت
الصليب؛ فكان رد الآب أن أقامه وأقامنا معه وتمَّت
كل مشيئة الآب ومسرته نحونا.
نعم لقد صار، وصار في يدك، ومسرَّة مشيئة الله فيك، إذ قد وهبك التبنِّي لنفسه شخصياً حتى يسمع منك مديح مجد نعمته التي أنعم بها عليك في المحبوب، الذي طالب إسرائيل في القديم أن تسمع له ولم تسمع؛ هو نفسه يترجَّى أن يسمع منك، لا لأنه كان محتاجاً لإسرائيل قديماً ولا هو محتاج لك الآن. ولكن وضح وضوح الشمس أن إسرائيل هي التي كانت محتاجة إليه وكان ذلك هيِّناً عليها، فرَفضت؛ فرُفضت ونزلت إلى المذلة والتراب. فالآن انظر، فأنت المحتاج أن تُسْمِعه صوت مديحك، وهذا هيِّن عليك لو أردتَ. تسبِّحه تسبحة مجد يدوم، لا عن تفضُّل، بل عن حاجة تُفصح بها عن هويَّتك الجديدة.
نعم، لقد صار هذا وصار لنا ما سُرَّ الآب أن يكون لنا. نعم، صرنا أبناء الله الآب بالتبنِّي في المسيح يسوع، أي أننا اشتركنا في بنوَّة المسيح للآب. فكما أخذ جسدنا أخذنا جسده، وأصبح يحيا فينا ونحن نحيا فيه. والمسألة مسألة إيمان حيّ، لأن الأمر قد صار وانتهى على الصليب وبالقيامة. فعطية الآب عطية عامة لأن المسيح ذاق الموت بنعمة الله من أجل كل واحد (عب 9:2)، فنفض عن كل واحد فينا الإنسان العتيق الترابي، وخلق لنا في جسده القائم من بين الأموات خليقة جديدة لإنسان جديد لكل واحد فينا أيضاً. فالمسألة مسألة إيمان حيّ بالذي تمّ من أجل كل واحد.
وفي هذا يقول المسيح (ونرجو تصحيح الآية على الأصل اليوناني):
+ » لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تُصلُّون، فآمنوا أنكم نلتموه Óti ™l£bete = that you have received it، فيكون لكم.« (مر 24:11)
هنا الإيمان بعمل الله باعتبار أنه تمّ، لأن الإيمان هو الثقة بما يُرجى، فإذا
وثقنا بكلام المسيح وفِعْل الآب ننال ما صنعه الآب والمسيح من أجلنا.
وهكذا نستطيع أن نقول بملء الثقة إننا خليقة جديدة، وإننا أبناء الله الحيّ في المسيح؛ وهذا يقتضي منَّا كأبناء أن نقدِّم تسبيح الحمد لمجد نعمة الآب التي أنعم بها علينا في المحبوب.
نقول: كيف وبماذا أمدح مجد نعمة الله؟ أقول لك: إنها طبيعة الخليقة الجديدة، وقد صار لك لسان الابن الذي وُلِد جديداً لله من جسد المسيح. والمسيح يقول: » أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني « فعطية المسيح لنا قائمة فينا، لأن مجد الابن صار من صميم طبيعتنا. فكما يقول سفر العبرانيين: » فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع... لنتقدَّم بقلب صادق في يقين الإيمان، مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير، ومُغتسلة أجسادنا بماء نقي... فلنقدِّم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه مُعترفة باسمه «(عب 19:10و22؛ 15:13)، وكما يقول المزمور: » أَفْغِرْ فاك فأملأه «(مز 10:81). فتسبيح الله هو عمل الله، ومدح مجد نعمته هو من عمل النعمة. يكفي أنك أصبحت شريك الابن في ما له لتُسبِّح الله أباه وتعطيه ما له.
لقد شاركنا السمائيين لَمَّا أقامنا المسيح وأجلسنا في السماويات معه، فأصبحت السموات موطننا، ولغتها لغتنا، وتسبيحها تسبيحنا. والكنيسة تعيش حقيقة السماء وتسبيحها حينما تهتف هتاف الحياة والنصرة حينما تقول:
[الذي أعطى الذين على الأرض تسبيح السيرافيم، اقبل منَّا نحن أيضاً أصواتنا مع غير المرئيين، احسبنا مع القوات السمائية. ولنقل نحن أيضاً مع أولئك إذ قد طرحنا عنَّا كل أفكار الخواطر الشريرة، ونصرخ بما يُرسله أولئك بأصواتٍ لا تسكت وأفواهٍ لا تفتر، ونبارك عظمتك.]
(القداس الغريغوري)
هكذا لَمَّا لَبِسَ ملك السماء جسدنا وقام بنا صاعداً وافتتح لنا السموات وأدخلنا إلى أبيه، لم نَعُدْ غرباء عن تسبيح السمائيين إذ قد صرنا ضمن صفوفهم. فقد تحقَّق عمل الله الآب فينا الذي وضعه في الأزمنة الأزلية أن نكون حقًّا قدِّيسين وبلا لوم أمامه، إذ عيَّننا سابقاً للتبنِّي في المسيح لنفسه حسب مسرَّة مشيئته. وها الكنيسة تحقِّق هـذا الوعد وتمدح مجد نعمته - كمطلب الآب - تلك النعمة التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة في المحبوب.
والقديس بولس يسبق هو أيضاً ويستعلن سر الكنيسة وما أدركته في المسيح كما وضعه الله منذ الأزل ويقول: » لكي يُعرَّف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات، بواسطة الكنيسة، بحكمة الله المتنوعة، حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا «(أف 10:3و11). إذن، فهي حقائق لخليقة سماوية.
فليس سرًّا بعد أننا نعيش خليقة جديدة لها السموات موطناً، وتسابيحها تسابيح السيرافيم لمدح مجد نعمة الله التي أنعم بها علينا في المحبوب. فكل ما أراده الله كان.
(19 سبتمبر 1998)
مخاض الإنسان الجديد
«يا أولادي الذين أتمخَّض بكم أيضاً
إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم»
(غل 19:4)
nvVvn
واضح من كلام بولس الرسول أن “تصوُّر المسيح فينا” إنما يُقصد به ميلاد الإنسان الجديد الذي هو على صورة خالقه يسوع المسيح. وهذا المبدأ اللاهوتي في التجديد يقوم على آيتين: الأولى: » لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها «(أف 10:2)؛ والآية الثانية التي تكشف انطباق صورة الإنسان الجديد على صورة المسيح: » ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه «(كو 10:3). أما تحديد الصورة فهي محدَّدة بالبر وقداسة الحق حسب الآية: » وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتَلْبَسُوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. «(أف 23:4و24)
وأيضاً واضح من الآيتين الأخيرتين أن الصورة التي للإنسان الجديد إنما تأخذ تحديدها في البر وقداسة الحق عن طريق “التجديد للمعرفة”، وذلك بتجديد روح الذهن أو تجديد الذهن روحياً » وتتجدَّدوا بروح ذهنكم «
وكما رأينا أن الإنسان في المعمودية يلبس المسيح باعتباره الإنسان الجديد:
»
لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح
«(غل
27:3)، كذلك هنا أيضاً نجد أن عملية تجديد الذهن إنما تؤدِّي إلى لِبْس المسيح
كالذي تمّ في
المعمودية، إنما هنا عن إرادة وفهم ومعرفة روحية: «وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا
الإنسان الجديد»، بمعنى أن المسيح الذي لبسناه بالسر في سر المعمودية نستعلنه
بالمعرفة بتجديد روح ذهننا.
وهذه قضية بولس الرسول معنا، أي أنه يتمخَّض بنا مخاض الألم ووجع الولادة حتى يتصوَّر المسيح فينا، وذلك بإعطاء كل ما يخص تجديد الذهن بالروح للتعرُّف على شخص المسيح الذي سكن فينا بالمعمودية، باعتباره الإنسان الجديد أو الخلقة الجديدة بالروح التي منحها لنا الله بواسطة ابنه الوحيد.
والسؤال الآن: ما هي هذه الآلام التي تشبه آلام المخاض عند الولادة حتى يتصوَّر المسيح فينا؟ يلزمنا هنا أولاً أن نعود إلى التساؤل: مِمَّا يولد الإنسان بالجسد؟ نجد أنه من التصاق رجل بامرأة ليكونا بالزيجة جسداً واحداً. فإذا عُدنا إلى الروح نجد أنها تبدأ بالالتصاق بالرب يسوع حسب الآية: » وأما مَن التصق بالرب فهو روح واحد «(1كو 17:6). ثم نأتي إلى كيفية الالتصاق بالرب يسوع لنصبح معه روحاً واحداً، لأن هذا كفيل بالدرجة الأولى أن يعطينا شكل أو صورة المسيح في البر وقداسة الحق. على أننا لا ننسى أن أساس الموضوع كله في أن المخاض الذي يتم به تصوُّر المسيح فينا، هو عملية تخليق، كتخليق الجنين في البطن. فكما أن التصاق الرجل بامرأة يُنشئ جسداً واحداً ينتهي إلى خلقة جســد على صـــورة الرجل والمرأة؛ هكــذا الالتصاق روحياً - للإنسان الذي اعتمد بالمسيح - يُنشئ مع المسيح روحاً واحداً هو روحنا الجديدة أو إنساننا الجديد الذي على صورة خالقه. إذا فهمنا ذلك جيداً نعود إلى كيفية الالتصاق بالرب يسوع لنكون معه روحاً واحداً، لأنه سيكون فيها كل أمل ورجاء أن نأخذ صورة المسيح في البر وقداسة الحق.
ولا يمكن شرح الالتصاق بالرب لنكون معه روحاً واحداً، الذي يهبنا صورة المسيح خالقنا في البر وقداسة الحق، إلاَّ بالصورة التي قدَّمها بولس الرسول، وهي خطبة العذراء لرجل أي المسيح: » فإني أغار عليكم غيرة الله، لأني خطبتكم لرجل واحد، لأُقدِّم عذراء عفيفة للمسيح. «(2كو 2:11)
إذن، الالتصاق بالرب هو في حقيقته الروحية زيجة مقدسة حيث يتَّحد المسيح بنا اتِّحاداً روحياً صادقاً، فنصير بالتالي معه روحاً واحداً.
والآن، على أي أساس يقدِّمنا بولس الرسول إلى المسيح كعذراء عفيفة، بمعنى يُدخلنا إليه في زيجة مقدسة؟ لقد سبق وأفصح بولس الرسول عن ذلك في رسالته إلى أهل أفسس قائلاً: » من أجل هذا يترك الرجل أباه وأُمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً. هذا السر عظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة «(أف 31:5و32). والكنيسة نحن، ونحن جسده: » وبيته نحن. «(عب 6:3)
هنا القديس بولس يستمد لاهوته الحيّ من العهد القديم في تجلِّيات ورؤى إشعياء النبي فيما يخص شعب إسرائيل في مستقبله السعيد كإسرائيل الجديد الذي هو بعينه الكنيسة، حينما رفع رؤياه إلى ما بعد رذل إسرائيل التي خانته مُخاطباً إيَّاها: » أين كتاب طلاق أُمكم «(إش 1:50)! ليرى الصليب وما بعده:
+ » لا تخافي لأنكِ لا تَخْزَيْن، ولا تخجلي لأنكِ لا تسْتَحِين. فإنك تنسين خِزْي صباكِ، وعار ترمُّلِكِ لا تذكُرينه بعد. لأن بعلك (زوجكِ) هو صانعك ربُّ الجنود اسمه، وولِيُّكِ قدوس إسرائيل إله كل الأرض يُدْعَى. «(إش 4:54و5)
وأيضاً:
+ » كفرح العريس بالعروس يفرح بكِ إلهُكِ. «(إش 5:62)
النبوَّة هنا منصبَّة على إسرائيل الجديد في فكر إشعياء الذي سبق وأنبأ بهذا العريس عينه حينما قال: » ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (الذي تفسيره الله معنا) «(إش 14:7)، أو حينما قال: » لأنه يولَد لنا ولد ونُعطَى ابناً، وتكون الرياسة على كَتِفِه، ويُدعى اسمه عجيباً، مشيراً، إلهاً، قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. «(إش 6:9)
وهكذا تنبَّأ إشعياء بزيجة يهوه لإسرائيل فوقعت النبوَّة عند القديس بولس ليستعلن سرها في المسيح العريس والكنيسة العروس، التي صارت جسده وجسده نحن، الذين يُخاطبنا القديس عن جسارة: » فإني أغار عليكم غيرة الله، لأني خطبتكم لرجل واحد لأُقدِّم عذراء عفيفة للمسيح «
أما من أين جاءته هذه الغيرة الإلهية؟ فهي لأن المسيح نفسه قد فدانا بدمه الذي سقانا إيَّاه فصار من جهته “عريس دم” لنا. فكيف لا يَغِير علينا القديس بولس غيرة الله نفسه، فالزيجة تمَّت باتحاد الجسد والدم.
إذن، فليس من فراغ يخطبنا القديس بولس للمسيح، فقد سبق المسيح ومسحنا بدمه بل وسقانا إيَّاه فدخلنا في عهد وسر الاتحاد. فأصبحت مشقة القديس بولس وعناؤه وصبره في كيف يفتح أعيننا لندرك سر دم المسيح فينا، الغاسل والمقدِّس والقائم فينا بمثابة عقد زواج؛ فكان أجمل تعبير عبَّر عنه القديس بولس في استعلان ما عمله المسيح بدمه من أجلنا أنْ قال: » يا أولادي، الذين أتمخَّض بكم أيضاً إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم « لأن اضطلاع القديس بولس باستعلان المسيح فينا هكذا “بدم صليبه”، هو بعينه مخاض الميلاد لإنساننا الجديد حاملاً صورة المسيح الذي تمَّ بالفعل على يدي القديس بولس على مدى الأربع عشرة رسالة.
“إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم”:
لاحِظ أن مخاض القديس بولس سيستمر حتى يتصوَّر المسيح فينا. أما هذا المخاض فهو حمْل همِّ استعلان سرِّ الدم، دم ابن الله على الصليب لنُمسح به ونتطهَّر ونصير عذراء عفيفة للمسيح. نُمسح به لتضمحل قوة الخطية منَّا إلى الأبد، فيُنحَّى الإنسان العتيق ويُترك للإنسان الجديد مجال التخليق بسقي الدم. ودم صليب المسيح دم فدية، فدية من حبوس وقيود موت الخطية للإنسان العتيق إلى سعة الحياة في المسيح للإنسان الجديد لقبول حياة المسيح فيه، فيتجدَّد على صورته في القداسة والبر، لأن هذا هو قانون العهد الجديد: » وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كُلُّكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا. «(مت 27:26و28)
أما كيف يتشكَّل أو يتصوَّر المسيح فينا، فواضح أنه كما يتشكَّل ويتصوَّر الجنين في بطن أمه بواسطة الدم الذي يمتصه من أمه بواسطة الحبل السُّرِّي حتى يكتمل شكله ونموه إلى التمام ليولد؛ هكذا حينما نستقي بالروح - ونحن مجرد أجنَّة بالإيمان - دم المسيح، الذي حياته فيه، فنستمد منه بالروح القدس حياة المسيح وكل ما للمسيح حتى يتصوَّر المسيح فينا حيًّا. وهذه هي وظيفة بولس الرسول الذي أمدَّنا بالروح والإنجيل كل ما للمسيح بالاستعلان حتى اكتملت مداركنا وأخذنا الشكل فينا كسرٍّ.
أما ما هو اكتمال الشكل الذي للمسيح فينا فهو “البر وقداسة الحق” حسب الآية:
»
وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة
الحق «(أف
23:4و24). وهذا كل امتياز عمل بولس الرسول الذي لم يُدانيه فيه إنسان آخر باعترافه،
لا عن فخر بل عن حق وتحقيق: »
بسبب هذا أنا بولس، أسير المسيح يسوع لأجلكم أيها الأمم، إن
كنتم قد سمعتم بتدبير نعمة الله المُعطاة
لي لأجلكم. أنه بإعلان عرَّفني بالسرِّ... الذي
بحسبه حينما تقرأونه، تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح... أُعطيت هذه النعمة...
وأُنير الجميع في ما هو شركة السر - المكتوم منذ الدهور - في
الله خالق الجميع بيسوع المسيح.
«(أف
1:3-4و8و9)
واضح أن القديس بولس قد أُعطي نعمة خاصة من الله هي استعلان سر المسيح وقوته وإعلانه لإنارة عقولنا وتمكين قلوبنا لاستيعاب شركة السر في الله كمخلوقين جديداً في المسيح يسوع! فهنا خلقة جديدة لنا بدم المسيح صيَّرتنا شركاء في المسيح والله كمخلوقين في المسيح - وهو سر استلمه بولس الرسول وسلَّمه لنا - بحسب الله في البر وقداسة الحق كعطية فائقة موهوبة تتم بواسطة الاستعلان الذي يستقر على مستوى الحقيقة والفعل في أعماق كياننا الروحي الجديد، فيعمل عمله بتجديد روح ذهننا، أي ذهن الإنسان الجديد الروحي الذي إذا اكتمل بالإنجيل كفيل بأن يلبسنا المسيح نفسه الذي هو الإنسان الجديد المخلوق بحسب تدبير الله بمنح برِّه الشخصي وقداسة الحق الذي فيه: » وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق «
الدعوة هنا لذوي الإيمان والثقة في ما يقوله الروح على فم القديس بولس بالاستعلان. والسرُّ هنا سر اجتراء على الله بالحب في قداسة الحق بالإيمان بحسب ما وعد الله ودعا وضَمِنَ ما وعد به بالمسيح. هنا يتحتَّم أن ينبري الإيمان وجراءة الضمير، لأن بعد ما كشف القديس بولس السر المكتوم الذي هو “الشركة في الله بالمسيح” قالها صريحة صارخة: » الذي به لنا جراءة وقدوم بإيمانه عن ثقة «(أف 12:3)، أي أنها أصبحت من نصيب الإيمان والجراءة. والأمر هنا لا يحتاج إلى تفسير أكثر من هذا ، فالذي له جراءة وقدوم بإيمانه عن ثقة هو هو الذي سيدخل في سر التجديد بروح ذهنه ويلبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق، ليؤهَّل إلى الشركة العُليا في الله خالق الجميع بيسوع المسيح.
والقديس بولس لا يتركنا إلى إيماننا دون إلهاب وتأييد معتمداً على غِنَى مجد الله، إذ يُصلِّي ويسجد: » لكي يُعطيكم بحسب غِنَى مجده، أن تتأيَّدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن (الجديد)، ليحلَّ المسيح بالإيمان في قلوبكم «(أف 16:3و17). والقصد هو أن «تمتلئوا إلى كل ملء الله» (أف 19:3). لأن هذه هي الشركة في الله بالخلقة الجديدة في المسيح يسوع. إنها أمر يزلزل الفكر؛ أما الواثقون بوعد الله والماسكون بسر المسيح - الذين استقوا الدم - والذين لهم جرأة نحو الله بدالة صليب ابنه ودمه، فيتخطون العقل ويلقون رجاءهم على الله فيدخلون. وهنا نكون قد بلغنا: “ادخل إلى فرح سيِّدك”.
(أبريل 1998)
الختان في العهد القديم،
والخليقة الجديدة في العهد الجديد
+ » لأنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغُرْلَة، بل الخليقة الجديدة. «(غل 15:6)
qlVlq
كان الختان في العهد القديم هو “عهد الله في لحم إبراهيم” وأبنائه من بعده: » فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً «(تك 13:17). وكان الختان في مفهومه التقديسي ينحصر في قطع الغُرْلَة من عضو التذكير للطفل ابن ثمانية أيام، أي كان بتعبير بولس الرسول: خلع نجاسة الجسد بالمفهوم الجسدي.
ولكن الختان في العهد القديم لم يُعطِ أية هبة أو قوة أو نعمة على حياة أو سلوك القداسة، لأن الخطية كانت رابضة في الجسد تعمل بسلطان فوق استطاعة إرادة الإنسان، فكان الإنسان مستعبَداً للخطية كما يقول بولس الرسول:
+
»
فإننا نعلم أن الناموس روحي، وأما أنا فجسديٌّ مَبِيعٌ تحت الخطية. لأني لستُ
أعرف ما أنا أفعله، إذ لستُ أفعل ما أُريده، بل ما أُبغضه فإيَّاه أفعل... فالآن
لستُ بعد أفعل ذلك أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ... فإن كنتُ ما لستُ أُريده إيَّاه
أفعل، فلستُ بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فيَّ... ويْحِي أنا الإنسان الشَّقي!
مَنْ يُنقذني من جسد هذا
الموت؟ أشكر الله بيسوع المسيح ربِّنا...
إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع... لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع (بالقيامة من بين الأموات) قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. «(رو 14:7-25؛ 1:8و2)
هنا إعطاء روح الحياة في المسيح يسوع بالقيامة من بين الأموات تخطَّى الجسد بالخطية الساكنة فيه، وتخطَّى بالتالي عملية الختان في الجسد التي لم تُعطِ أية قوة ضد الخطية، بل تخطَّى ناموس موسى.
والمقابل الذي له في الختان بديع، لأن إبراهيم كان في الغرلة لمَّا آمن بالله، والله حسب له إيمانه برًّا وهو لا يزال في الغرلة، ثم أعطاه الله من عنده علامة الختان كتصديق من طرفه لبر إيمان إبراهيم. وهذا يقوله بولس الرسول بوعي بديع في رسالته إلى أهل رومية: » لأننا نقول إنه حُسِبَ لإبراهيم الإيمان برًّا. فكيف حُسِبَ؟ أَوَهُوَ في الختان أم في الغُرْلة؟ ليس في الختان، بل في الغُرْلة! وأخذ علامة الختان ختماً sfrag‹da لبرِّ الإيمان الذي كان في الغُرْلة «(رو 9:4-11). هكذا أصبح الختان في لحم إبراهيم بمثابة ختم أو إمضاء أن إبراهيم حاز على حالة البرِّ من قِبَل الله دون أن يكون له أي أعمال ناموسية.
هكذا في عطية الخليقة الجديدة للإنسان الذي يؤمن بالله وما عمله في المسيح، إذ بذله للموت حاملاً خطايانا في جسده مكفِّراً عن خطايانا جميعاً بدم صليبه، فألغى خطية الإنسان ووفَّى عقوبة الموت واللعنة، فقام الإنسان فيه من الموت خليقة جديدة غالبة الخطية والموت ووارثة الحياة الأبدية معه: » لأنكم قد مُتُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. «(كو 3:3)
فأصبح الإيمان بالمسيح وبموته وقيامته بالنسبة لنا الآن - ونحن في
الجسد العتيق مائتين في خطايانا منجَّسين بأعمالنا:
»
ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع
المسيح - بالنعمة أنتم مُخلَّصون - وأقامنا معه، وأجلسنا معه
في السماويَّات في المسيح يسوع، ليُظهِرَ في الدهور الآتية غِنَى نعمته الفائق
باللطف علينا في المسيح يسوع. لأنكم بالنعمة مُخلَّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم.
هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد
«(أف
5:2-9) - هذا الإيمان بالمسيح يُحسب لنا كحالة برٍّ من الله
كبرِّ المسيح، ثمنه هو الخليقة الجديدة عينها التي قام المسيح حاملاً لها. فهو
يُحسب بمثابة ختم بر الإيمان في حال الختان الذي ناله إبراهيم وهو في الغرلة أي في
حالة نجاسة جسدية بدون أعمال! لأن الذي حدث بموت المسيح وقيامته هو أنه ألغى الجسد
العتيق بكل خطاياه جملة:
»
... أن إنساننا العتيق قد صُلب معه...
«(رو
6:6)، »
أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ أما شوكة الموت فهي الخطية
«(1كو
55:15و56)، إذ أماته موتاً، وأمات الخطية فيه والعقوبة المفروضة عليه قديماً بخطية
آدم. وهكذا بالقيامة من بين الأموات انتهى زمن الجسد العتيق وخرج من تحت غضب الله
باعتباره خليقة ترابية عجزت عن أن تُرضي الله. وقام المسيح بجسده الذي قام به من
بين الأموات ونحن فيه، بعد أن وفَّى العقوبة واللعنة بالموت مصلوباً، وبعد أن صالح
الإنسان الآدمي بالله، بأن أعطاه جسداً جديداً كخليقة ثانية روحية من السماء من
جسده، من لحمه وعظامه، الذي أراه لتلاميذه بعد القيامة. وهكذا وُلِدت الخليقة
الجديدة للإنسان بقيامة المسيح من بين الأموات لحياة أبدية.
وهكذا حلَّ الإنسان الروحاني الجديد كخليقة جديدة أمام الله محل الختان الذي أُبطل مع الإنسان العتيق.
ولكن ظلَّ الختان كعملية خلع الجزء النجس من جسم الإنسان شديد التأثير في ذهن
القديس بولس كتشبيه استخدمه للتعبير عن خلع الإنسان العتيق بجملته وخطاياه ونجاساته
فيه، بأخذ الخليقة الجديدة بقيامة المسيح من بين
الأموات: »
إذ
خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة
خالقه. «(كو
9:3و10)
ويُلاحظ هنا أن الإنسان الذي خلقه المسيح جديداً بقيامته من بين الأموات هو على صورة خالقه التي بالروح القدس تزداد من مجد إلى مجد، علماً بأن صورة الله التي أخذها آدم في خلقته الأولى قد تفتتت وانطمست بسبب الخطية.
وقد كان الختان في نظر القديس بولس - كيهودي - شديد الأثر في نفسه حتى اعتبر الخليقة الجديدة بجملتها كختان جديد غير مصنوع بيد، سماوي، ألغى بمفعوله ختانة الجسد: «وبه أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيدٍ، بخلع جسم خطايا البشرية» (كو 11:2). كما اعتبر بولس الرسول أن المعمودية بالماء والروح القدس لها نفس الأثر الذي صنعه الموت، والذي صنعته قيامة المسيح من بين الأموات فينا: » مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقِمتُم أيضاً معه بإيمان عمل الله، الذي أقامه من الأموات «(كو 12:2)، باعتبار أن الدفن في ماء المعمودية يمنحنا نفس الموت السرِّي في موت المسيح، ثم قيامتنا من الدفن في الماء تمنحنا نفس سر القيامة مع المسيح.
ونحن لو نظرنا إلى موضوع الخليقة الجديدة بفكر القديس بولس اليهودي أصلاً وهو يضعه في المقابل المَلْغي للختان، نُدرك العمق الواقعي اللاهوتي للخليقة الجديدة في مجال العهد، لأن الختان كان يُمثِّل القيمة القصوى لأي إنسان يهودي بالنسبة إلى تبعيته ليهوه العظيم أو كفرد من الشعب المختار، بحيث أن غير المختون كان محسوباً أنه لا يدخل العهد ولا ينتسب لإبراهيم أب الآباء بالتالي، فيكون غير المختون مرفوضاً من الله ومن الشعب. هنا نجد أن القيمة اللاهوتية والاجتماعية للختان في العهد القديم قد بلغت أقصاها.
على هذا القدر والمستوى صارت الخليقة الجديدة عند القديس بولس. فهي
علامة العهد الجديد، وهي بحد ذاتها تبعية مطلقة ليهوه ومانحة لهويَّة الإنسان عامة،
كل مَنْ آمن وقَبِلَ موته مع المسيح وقيامته معه. وليس هذا فقط، بل إن الخليقة
الجديدة في المسيح يسوع استطاعت أن تلغي لا الختانة فقط، بل والعهد القديم (من حيث
رموزه وذبائحه وفرائضه وأحكامه). هذا هو مضمون قول بولس الرسول إنه ليس ختانة في
المسيح يسوع بل خليقة جديدة.
وتمتد هذه المقولة الهامة جداً في اعتبار بولس الرسول لتفكَّ الحصار المضروب على الأمم ليكونوا شركاء في ميراث الابن الوحيد لله وليكونوا شعباً مختاراً لله بلا تفريق، وهو السر الذي كان مكتوماً وكشفه الله لبولس الرسول ليكرز به بإنجيله الجديد بين الأمم أن لا ختان ولا سبت ولا ناموس بعد، وهوذا الكل قد صار جديداً، كل مَنْ يؤمن بموت المسيح وقيامته، ليقبل غفران خطاياه، بتمزيق الصكّ المكتوب على بني آدم جملة الذي سمَّره المسيح على الصليب بتسمير الجسد، ووفَّى عن كل مَنْ آمن به عقوبة الموت واللعنة، ووهبه الخليقة الجديدة للإنسان بالقيامة من بين الأموات.
وبناءً عليه أصبح كل مَنْ يؤمن ولا يقبل الخليقة الجديدة، يبقى عليه غضب الله، وتبقى عليه بالتالي خطاياه وعقوبة اللعنة والموت، ولا تنفعه ختانة ولا غرلة. وفي المقابل يصبح مَنْ يؤمن ويصدِّق المسيح وينال فيه الخليقة الجديدة بشركة الموت والقيامة المحسوبة أنها الختانة الجديدة من غير يد لخلع جسد الخطية مع أعماله ولِبْس الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه، يكون له افتخار ليس كافتخار اليهودي بختانته، بل افتخار مَنْ صار بهذه الخليقة الجديدة أعلى من كل خليقة سماوية أخرى ولكن في المسيح.
والأمر الذي نود جداً أن نبرزه أمام القارئ في المقابلة التي وضعناها بين الختان
لإبراهيم والخليقة الجديدة في المسيح، هو المجانية المفرطة في مفهومها التي جاءت في
اللغة اليونانية بمعنى الهدية
dwre£n.
فكما أعطى الله لإبراهيم الختان مجاناً كختم أو “إمضاء إلهي” للبر الذي منحه إيَّاه
بسبب إيمانه بالله، هكذا تماماً مَنَح الله الإنسانَ في العهد الجديد خليقته
الجديدة مجاناً لكل مَنْ يؤمن بالمسيح، جزاءً لإيمانه.
ومرة أخرى لينتبه القارئ من مطلع الآية أن البر الذي وهبه الله للإنسان المؤمن هو مجاني كعمل نعمة:
+ » متبرِّرين مجاناً dwre£n بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح، الذي قدَّمه الله كفَّارة (ذبيحة تكفير على الصليب) بالإيمان بدمه،
لإظهار برِّه (برّ الله بيسوع المسيح للإنسان المؤمن في العهد الجديد)،
من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار برِّه (برّ الله للإنسان الجديد) في الزمان الحاضر (العهد الجديد) ليكون (الله) بارًّا ويبرِّر مَنْ هو من الإيمان بيسوع. «(رو 24:3-26)
وينتهي بولس الرسول من هذه المقارنة سواء في إعطاء البر لإبراهيم، لأنه آمن بالله وأُعطِيَ الختانة كختم، أو إعطاء البر لأي إنسان في العهد الجديد يكون قد آمن بدم المسيح، ومنحه الخليقة الجديدة كختم بر، هكذا:
+ » فأين الافتخار؟ قد انتفى! بأيِّ ناموس؟ أبناموس الأعمال؟ كلاَّ! بل بناموس الإيمان. «(رو 27:3)
إلى هنا يكون قد انتهى القديس بولس نهاية بارعة في موازنة الختانة في العهد القديم بالخليقة الجديدة في العهد الجديد. ويكمل قائلاً:
+ » ولكن لم يُكتب من أجله (أي من أجل إبراهيم) وحده أنه حُسِبَ له (الإيمان برًّا)، بل من أجلنا نحن أيضاً، الذين سيُحسب لنا، الذين نؤمن بمَنْ أقام يسوع ربنا من الأموات. الذي أُسْلِمَ من أجل (غفران) خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا (بإعطاء الخليقة الجديدة) «(رو 23:4-25)
وماذا يريد أيضاً أن يقول لنا القديس بولس من جهة الموازنة بين الختان والخليقة الجديدة؟ القديس بولس يريد أن يقول إن إبراهيم لَمَّا آمن بالله أنشأ بؤرة حيَّة لمجد الله متركِّزة في شخصه هو، جازاه عنها الله بأن منحه حالة برٍّ dikaiwsÚnhn، أي تزكية أمام الله كمَنْ اختُبِر ونجح في الاختبار.
هكذا مَنْ يؤمن بالمسيح أن الله قدَّمه ذبيحة كفَّارة للتكفير عن خطايا الإنسان على الصليب، وأنه أقامه من الموت حيًّا لتبرير الخطاة أي تزكيتهم أمام الله؛ بهذا الإيمان يُنشئ الإنسان بؤرة حيَّة لمجد الله متركِّزة في شخصه هو، يكون هو نفسه عملها، أي يتقبَّل عمل موت المسيح في جسده للتكفير عن خطاياه، ويتقبَّل عمل التبرير في قيامته، بمعنى أنه يتزكَّى أمام الله: «الذي أُسْلِم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا. » (رو 25:4)
والمعنى جديد وقوي، وهو أن الإيمان بالمسيح يُنشئ في الإنسان شركة حيَّة في عمل المسيح:
الإيمان بالموت يُنشئ في الإنسان شركة في الموت، والإيمان بالقيامة يُنشئ في الإنسان شركة في القيامة.
هذا هو جزاء الإيمان في المسيح كجزاء الإيمان عند إبراهيم.
الإيمان في الحالتين أنشأ برًّا، ارتد عمله على الإنسان.
البر عند إبراهيم استُعلِن بالختان كعمل للبر، والبر عند المسيح استُعلِن في الخليقة الجديدة كعمل برٍّ:
+ « لإظهار برِّه في الزمان الحاضر، ليكون بارًّا ويُبرِّر مَنْ هو من الإيمان بيسوع. » (رو 26:3)
(3 أغسطس 1998)
كشف سر ابن الله المملوء سرًّا
والخلقة الروحية الجديدة للإنسان
nvlvn
لقب “ابن الله”: متى ابتدأ؟ ولماذا؟ وما عمله؟ وهل لعمله نهاية؟ وماذا يكون بعدها؟
ابتدأ هذا اللقب بتلميحات نبوية كثيرة، ولكن استُعلِن بالتجسُّد، والتجسُّد بقصد عملية الخلاص. فابن الله اسم لم يُعرَف إلاَّ بميلاد المسيح. لذلك لا يُعرَف خارج المسيحية، بل هو تجديف عند غير المسيحيين أن يقال إن لله ابناً، لأن ابن الله هو أعلى من عالم الميتافيزيقا، أي أعلى من عالم الإنسان وعالم ما هو خارج الإنسان. لذلك لا يمكن أن يُدرَك في ذاته، ولكن لا يُدرَك إلاَّ في الله. كذلك ابن الله لا وجود له خارج الآب، فلا يُعرَف ولا يُفهَم إلاَّ إذا عرفنا أن الله محبة. ومحبة الله للعالم هي التي جعلت الله يبذل ابنه حتى لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يو 16:3).
فـالله هو الحب الكامل في ذات كاملة واحدة وحدانية مطلقة، ليس بالواحد العددي، لأن
وحدانية الله لا يدخلها التركيب قط، فهي وحدانية صافية صفاء النور والحب، وكل ما
عدا الله مركَّب. فالإنسان والملاك والعالم وكل ما للإنسان وما للعالم مركَّب، حتى
الواحد العددي مركَّب؛ فإذا رسمت واحداً على ورق فهو ليس واحداً قط بل هو مركَّب من
عدة نقط، اتَّحدت فكوَّنت الواحد. فالوحدة والواحد في العالم تركيب، لذلك يصعب على
ذهن الإنسان - وهو مركَّب - أن يُدرِك وحدانية الله الفائقة
المعرفة. هذا هو الله
عند الإنسان المسيحي: واحد مطلق لا تدنو منه أية شائبة تركيب. فلا كثرة ولا ثنائية
ولا أي تقسيم يجوز في اللاهوت.
ولكن ذات الله الواحدة وحدانية مطلقة هي كاملة كمالاً مطلقاً بالحب، فهي ذات مُحِبَّة ومحبوبة بآنٍ واحد. لأنه لو أن الذات مُحِبَّة فقط يكون قد أعوزها أن تُحَبَّ، ولو كانت محبوبة فقط يكون قد أعوزها أن تُحِبَّ. لذلك فالله ذات كاملة بالحب المطلق مُحِبَّة ومحبوبة، وهذا هو كمال المحبة الذي يجعل الله هو المحبة المطلقة التي ينبثق منها كل فعل محبة لكل مَنْ يُحب ولكل محبوب. فالأبوَّة في الله هي القوة المُحِبَّة، والبنوَّة في الله هي القوة المحبوبة؛ والمُحِب مُشخَّص بالآب، والمحبوب مُشخَّص بالابن، وهما المحبة المطلقة.
فـالله إذ أحبَّ العالم، وبالحري الإنسان الخاطئ المتألِّم والمعذَّب على الأرض، والذي يشقى بعداوته وإثمه وشرِّه، ولأنه خلق الإنسان على صورته أصلاً لكي يبلغ ملء الكمال؛ أنزل محبته المُشخَّصة في بنوَّته المحبوبة، فتجسَّد - دون أن يُفارِق الابنُ الآبَ، لأن الآب والابن هما المحبة الواحدة المطلقة غير المنقسمة قط، وبقِيَ الابن على الأرض في جسد إنسان وهو كما هو في الآب([15]) ملء السموات والأرض، كالقوة المحبوبة في الله - وذلك لكي بعملية الفداء وبتبنِّي قضية الإنسان، يضمه إليه فيصبح الإنسان داخل القوة المحبوبة لله، وذلك بالاتحاد بالابن.
فالآن، إن كنَّا قد أدركنا أن الله محبة كاملة مطلقة، مُحِبَّة ومحبوبة، مشخَّصة
بالآب والابن، لَزِمَ أن ندرك أن محبة الله هذه ديناميكية أي فعَّالة، الذي يتحتَّم
أن يكون لها عمل أي فعل. وهنا انفتح أمامنا سر هذا العمل أو
الفعل حينما قال المسيح: »
هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون
له الحياة الأبدية. «(يو
16:3)
ما معنى هذا؟
معناه أن محبة الله الفعَّالة بعد أن خلقت الإنسان على صورة الله كفعل من أفعال محبتها، عادت وصممت أن تُكمِّل خلقة الإنسان بأن ترفعه من مستوى الخلقة الأدنى الترابية التي عجزت عن أن تبلغ كمال قصد خلقة الله بأن تكون على صورة الله، وتمنحه خلقة ثانية جديدة بالروح. هذه الخلقة الجديدة الثانية الروحية استلزمت عملية فداء عُظمى دخل فيها ابن الله عندما تجسَّد أولاً آخذاً كل ما للإنسان المخلوق أصلاً من التراب - ليس بأن أضافه عليه بل بأن اتَّحد به اتحاداً كليًّا غير مفترق - وجاز به الآلام المستحقة كلعنة، ثم جاز به الموت وهي العقوبة النهائية التي منعته من الاستمرار في الحياة، ثم قام المسيح بالإنسان نفسه الذي اتَّحد به ومات به إنساناً جديداً روحياً، بعد أن عَبَرَ به هوَّة الموت، كإنسان جديد متَّحد بالمسيح، لا يسود عليه الموت بعد بل يحيا إلى الأبد حياةً هي بعينها حياة المحبة الإلهية الكاملة؛ وهكذا دخل الإنسان مجال الحب الإلهي الكامل.
وهكذا أكمل الابن هذه المهمة العُظمى وأدخل الإنسان دائرة محبة الله وضَمِنَ له الحياة الأبدية، ولكن لا يزال دور الخلاص ينتظر استعلان كمال خلاصنا وفدائنا حينما يُستعلن المسيح مرة أخرى، لكي يجمع ابن الله الذين يؤمنون به ويوحِّدهم بنفسه لتُقبَل البشرية كلها فيه وتدخل نصيبها الأبدي مع الله:
+ » أنا أمضي لأُعِدَّ لكم مكاناً، وإنْ مضيتُ وأعددتُ لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إليَّ، حتى حيث أكونُ أنا (في حضن الآب) تكونون أنتم أيضاً. «(يو 2:14و3)
+
»
وعرَّفتهم اسمك وسأُعرِّفهم، ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به،
وأكون أنا فيهم. «(يو
26:17)
+ » ومتى أُخْضِعَ له (الله) الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع (لله) للذي أخضع له الكل، كي يكون الله الكلَّ في الكلِّ. «(1كو 28:15)
إذن، لقب ابن الله لقب أو اسم خلاصي بالدرجة الأولى. فالابن نزل من عند الآب ليصنع خلاصاً للإنسان، بمعنى لكي يرفع عقوبة الموت واللعنة. لذلك عُرِف المسيح بأنه ابن الله، وهو يعمل أعماله الخلاصية. فكل مَنْ نال الخلاص يؤمن بأن المسيح الذي صنع الخلاص هو ابن الله، وتَوضَّح المسيح أنه ابن الله بقوة وعلناً بالقيامة من بين الأموات كما يقول بولس الرسول:
+ » بولس، عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولاً، المُفْرَز لإنجيل الله، الذي سبق فَوَعَدَ به بأنبيائه في الكتب المقدسة - عن ابنه - الذي صار من نسل داود (بل من نسل إبراهيم) من جهة الجسد، وتعيَّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة، بالقيامة من الأموات «(رو 1:1-4)، وصعوده إلى السموات علناً، وبرؤية تلاميذه.
إذن، فكل مَنْ يؤمن بابن الله يكون قد نال كل عمل الخلاص، وأقواها هو كونه قد نال روح القيامة - في إنسانه الجديد - الذي سيُحيي أجسادنا ويُقيمنا مع المسيح في اليوم الأخير؛ ولكنه يُعطينا من الآن حياة جديدة على الأرض لإنسان جديد مهيَّأ لميراث الحياة الأبدية. فالذي يؤمن بالابن يكون له الخلاص والحياة، والذي لا يؤمن بالابن يمكث عليه غضب الله (يو 36:3)، أي يبقى تحت لعنة آدم وعقوبة الموت.
ولكن لماذا قرَّر الله ووافق الابن أن يأخذ جسداً طاهراً من العذراء ومن الروح
القدس؟ بل ولماذا قرَّر أن يحيا في طفولته تحت طاعة أبويه، ويخضع
للتعليم وينضج قليلاً قليلاً من الطفولة إلى الصبوة إلى الفتوة ثم إلى الشباب
والرجولة؟
لقد قرَّر الله ووافق الابن، لأن هذه هي إرادة الله من أجلنا أن يرفع جنسنا من مستوى الخليقة الترابية في آدم إلى خليقة جديدة على مستوى الروح وليس التراب، أي نولَد من الروح ونأخذ جسداً جديداً: » الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يُولَد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح. «(يو 5:3و6)
فالجسد الذي أخذه المسيح هو البشرية الجديدة حقاً، مولودة من الروح القدس ومن العذراء التي قدَّسها الله بالروح القدس لكي يأخذ منها جسداً مقدساً. هذا الجسد هو في الحقيقة جسدنا الجديد. وابتدأ المسيح يتدرَّج بهذا الجسد ليكون بالفعل خليقة جديدة بأعمال وأفكار جديدة وحياة جديدة. لذلك كانت أهم أعمال المسيح هي إقامة الميت الذي بَقِيَ في القبر أربعة أيام حتى أنتن، لماذا؟ لأن هذه هي النقلة العُظمى التي سينقلنا بها من الموت ونتانته إلى حياة جديدة بالروح. كذلك جميع الآيات الأخرى: فمثلاً شفاء جميع أنواع الأمراض! ذلك ليُعطينا فكرة حيَّة عن الإنسان الجديد الذي سيحيا مع الله، والذي يبتدئ خبرته هنا على الأرض بأنه منزَّه عن المرض (فالذي يمرض هو الإنسان العتيق). كذلك تحويل الخمس خبزات إلى خبز هو من الكثرة حتى يُشبع خمسة آلاف! لكي يعطينا قناعة أن الحياة الحقيقية الجديدة للإنسان الجديد لا تقوم على الخبز بل على كلمة الله التي أشبع بها في الحقيقة الخمسة آلاف، والتي كان يمكن أن يُشبِع بها العالم كله.
ولكن، لماذا سمح المسيح للشيطان - عن إرادة وقصد - أن يأتي
ويجرِّبه، لأنه مكتوب:
»
ثم أُصعِد يسوع إلى البرية من الروح ليُجرَّب من إبليس
«(مت
1:4)؟
ذلك لكي يدخل بالإنسان الجديد في مصارعة مع قوات الظلمة والشر. ووجدنا أنه غلب
الشيطان في كل التجارب باللجوء إلى المكتوب، أي كلمة الله، حتى يُعطي الإنسان
الجديد هذه القوة عينها، لكي بالمكتوب يغلب، أي بالإنجيل وبكلمة الله. ثم يعطينا
فكراً كيف سنحيا في الحياة الجديدة كإنسان جديد يحيا بكلمة الله:
»
مولودين ثانية، لا من زرع يفنى، بل مِمَّا لا يفنى، بكلمة الله الحيَّة الباقية إلى
الأبد. «(1بط
23:1)
وهكذا على طول حياة المسيح على الأرض، رسم رسماً تخليقياً عملياً للإنسان الجديد بحياته الجديدة في وضعه على الأرض. ثم لكي يقطعه نهائياً من جذر مرارته الشرير، مات به موتاً حقيقياً يؤمِّنه ضد الخطية والموت والفناء، ليخلقه خلقة جديدة روحية وسماوية أبدية. وقام به من بعد موته ووهبه حياة أبدية مع الله، فَفَقَدَ جذره المرّ، وضرب له المسيح جذراً جديداً موطنه السماء، يشرب ويأكل ويحيا ويتحرَّك بمشيئة الله وبقوة كلمة الله الحيَّة التي منها وُلِدَ؛ حيث تصبح حياتنا الآن بالنسبة للإنسان الجديد هي حياة مستمدة من الله والإنجيل بالروح، تسير على خُطى المسيح، لا كنموذج نراه من بعيد ونقلِّده، بل كحقيقة حيَّة فينا وفي داخل أرواحنا، لأن المسيح لم يأخذ جسداً من خارج جسدنا، بل أخذ جسدنا هذا بعينه وسكن فيه بروحه القدوس ولاهوته، ثم أعطاه لنا بعينه لَمَّا قام بنا. فالمسيح الآن يحيا فينا بروحه: » أنتم فيَّ وأنا فيكم «(يو 20:14). هذه حقيقة حياتية قبل أن تكون معلومة لاهوتية.
إن بيت لحم هي مهدنا الجديد الذي منه تقبَّلنا إنساننا الجديد. والناصرة مسرح شبابنا. والجليل هو موطن جهادنا وصدامنا مع الناموس والقوَّامين عليه. هذا هو امتحان إيماننا كل يوم، فكل مشكلة روحية يخلقها لنا الناس والعالم، يردُّ عليها المسيح الذي فينا الذي ناقش وحاور وغلب من أجلنا ليعطينا بنفسه وبروحه الغلبة. لقد بنى لنا المسيح بنفسه وفي نفسه إنساننا الجديد الذي يغلب بالمكتوب.
أما الموت على الصليب أي على مستوى اللعنة والتشهير، فهذا يلزم أن يكون عملنا كل يوم بل حياتنا. والمسيح أوصى بذلك أن نحمل صليبه ونتبعه حتى الجلجثة لأن هذا هو الطريق الوحيد الموصِّل إلى القيامة والصعود إلى الموطن الجديد السمائي الذي وُلِدنا له ونعيش الآن من أجله. ونحن لا نبذل جهداً من عندنا لكي نحمل الصليب أو نصعد عليه في النهاية. فالمسيح الذي فينا قد حمله من أجلنا ليُهذِّب ويُدرِّب أكتافنا على حمله. فالإنسان الجديد فينا له نفس أكتاف المسيح التي حملت الصليب، أما الصعود عليه فهو لا يتبع قوتنا أو مشيئتنا، لأن المسيح قَبِلَ هذه الوصية من الله رأساً لتكون لنا: » هذه الوصية قَبِلْتُها من أبي «(يو 18:10)، وهي أن يكون له سلطانٌ أن يضع حياته بمشيئته بل ويقيمها بمشيئته. ونحن إذ لنا نفس فكر المسيح ومشيئته، نضع حياتنا بالإيمان كما وضعها هو، ونُقيمها بالإيمان وكأنها قائمة قبل أن نموت. فنحن نموت بإرادتنا على أساس، لا أننا سنقوم، بل أننا قمنا. فالقيامة التي نحياها تجعل الموت على الصليب، إذا جاء، كأنه من صميم حياتنا ورجائنا، بل وهدف حياتنا؛ فإن متنا فللرب نموت أو قد متنا، وإن عشنا فللرب نعيش لأننا أصبحنا للرب نحيا أو نموت (رو 8:14). لأن المسيح نفسه الذي مات من أجلنا هو فينا، وهو نفسه الذي قام هو فينا. فموتنا وقيامتنا هي بعينها موت المسيح وقيامته. وصعودنا إلى السماء مضمون قبل الموت، لأن المسيح أَصْعَدَ إنساننا الجديد الذي فينا الآن معه!! » فإن كنتم قد قُمْتُمْ مع المسيح فاطلبوا ما فوق، حيث المسيح جالسٌ عن يمين الله (ونصيبنا معه وفيه). «(كو 1:3)
ومرة أخرى، يلزمنا جداً أن ننتبه أن موتنا أصبح ليس منا ولا لنا، بل من المسيح وله. وهو قوة حياتنا الأبدية، وعليه يتوقَّف نصيبنا السماوي المحفوظ لنا. فينبغي أن نتوقَّعه بالصبر، بل نقبله بالسرور، بل ونطلبه لأنه هو بالحقيقة حياتنا الأبدية.
فـإن كنا نؤمن بالمسيح، وقــد قبلنا الخلاص الأبــدي ونعيش فيه، فالموت - كما قال القديس بولس - » هو ربح «(في 21:1)، لأن بالموت يتم مشتهى قلوبنا الذي طالما نتمناه أن نترك كل شيء ونتبعه. فالموت هو مشتهى المؤمن بالمسيح؛ لأنه في لحظة وفي طرفة عين، نودِّع الأرض والعالم، وندخل إلى فرح السيد، لنتعرَّف على زمرة القديسين الذين ينتظروننا لنكون مع المسيح: » ذاك أفضل جداً! «(في 23:1)
(كُتبت سنة 1978، ووُجِدت في أوراق مدشوتة سنة 1998)
كلمة في الختام:
أليس هذا فعلاً هو كشف سر ابن الله المملوء سرًّا؟
وأليس هذا هو الذي يحقِّقه بطرس الرسول حينما يقول:
+ » الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب «(1بط 9:2)؟
وكذلك ما يقوله بولس الرسول:
+ » ونحن أمواتٌ بالخطايا أحيانا مع المسيح (بالروح) «(أف 5:2)؟
وأيضاً أليس هذا هو عينه الذي قاله بطرس العجيب:
+ » الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر «(1بط 24:2)؟
ثم أخيراً أليس هذا هو هو الذي قاله بولس الرسول:
+ » مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدَّها لكي نسلك فيها «(أف 10:2)؟
الخليقة الجديدة
ووحدة البشرية والحياة الأبدية
rvVvr
كيفية اتحادنا بالمسيح في جسد واحد:
» لأننا أعضاء جسمه،
من لحمه ومن عظامه. «(أف 30:5)
هذا سرٌّ نشتاق إليه،
ولكن لا نستطيع أن نفهمه.
ليس كل ما نعرفه نستطيع أن نفهمه،
وسبب ذلك هو أن السرَّ يفوق إمكانيات ومدركات العقل البشري.
كيف نكون كلنا جسداً واحداً في المسيح؟
بل و» من لحمه ومن عظامه «.. إلى هذه الدرجة؟
لكن الذي يساعدنا على قبول هذه الحقيقة،
هو أن الرب القائم من بين الأموات قال:
» جسُّوني وانظروا، فإنَّ الروح ليس له لحم وعظام كما تَرَوْن لي. «(لو 39:24)
إذن، جسد القيامة له لحم وعظام،
ونحن مخلوقون من جديد من ذات جسد المسيح القائم من بين الأموات.
فيحقُّ لنا بالتالي أن نكون » من لحمه ومن عظامه « كما كانت حواء من لحم ومن عظام آدم.
كيف، إذن، نكون جسداً واحداً في المسيح([16])؟
هذا اتحاد أعظم وأكمل من مجرَّد اتحاد عريس بعروس.
هذا تعبير عن عودة البشرية إلى » إنسان واحد «(أف 15:2)،
إلى » إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح. «(أف 13:4)
هنا يعيد المسيح للبشرية وحدتها الأصلية التي كانت لها قبل الخطية،
لأن البشرية قبل الخطية كانت إنساناً واحداً هو آدم المخلوق على صورة الله،
ولم يأتِ التناسل والتكاثر إلاَّ بعد الخطية وحُكْم الموت وكنتيجة لهما.
فالخطية فتَّتتْ الطبيعة البشرية الواحدة إلى آلاف القِطَع([17]).
فلما رَفَعَ المسيح خطايا البشرية كلها وأبطلها على الصليب،
كانت النتيجة الحتمية أن تعود البشرية المُفتَّتة من آدم إلى وحدتها الأصلية،
لأن سبب الانقسام، وهو الخطية، قد رُفِع من الوسط.
ولكن كيف يصير المسيح فينا ونحن فيه؟
كيف نصير واحداً في الآب وفي الابن؟
هل ندخل إلى عمق كيان الله؟ إلى عمق الثالوث؟
كيف يدخل الجزء (أنا) في المطلق الكامل دون أن يفقد الجزء وجوده
الخاص؟
هذا سرٌّ يعجز الشرح اللاهوتي عن الاقتراب إليه.
لكن القديس يوحنا يُقدِّمها في منتهى البساطة:
» أما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.
ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 3:1و4)
الفرح الكامل هنا دليل على أننا لن نفقد وجودنا الخاص بدخولنا في المطلق الكامل،
لأن الفرح شعورٌ يستقر في الذات.
والشعور الذاتي لن ينعدم بدخولنا في المطلق!
فكيف يدخل الجزء المحدود في المطلق غير المحدود دون أن يفقد وجوده؟
التجسُّد أساس الاتحاد:
في التجسُّد أخذ منَّا المسيح جسداً محدوداً ووحَّده بكيانه الإلهي غير المحدود،
فخرجت البشرية في المسيح من المحدود إلى اللامحدود،
وهكذا احتوى المسيحُ البشريةَ وكل بشري([18]).
فالمسيح أخذ وجوداً زمنياً ووحَّده بوجوده الأزلي غير الزمني.
وبذلك وضع أساس الاتحاد بين الزمني واللازمني، وبين المحدود واللامحدود،
وأخرج الوجود البشري المحدود من محدوديته وأعطاه إمكانية الاتحاد بغير المحدود.
ولكن ظلَّت هذه الإمكانية محقَّقة في كيان المسيح الشخصي فقط،
حتى يوم الصليب حين أخذ المسيح خطايا البشرية كلها في نفسه ومات بها ثم قام.
فخَلَق البشرية فيه من جديد بقيامته، بطبيعة جديدة مأخوذة منه،
لها نفس إمكانية الاتحاد بين المحدود واللامحدود، وبين الزمني واللازمني:
» أنتم فيَّ وأنا فيكم. «(يو 20:14)
فالتجسُّد كان بداية لَمّ شمل البشرية المفتَّتة من آدم بسبب الخطية،
لَمّ شملها في ابن الله الذي وحَّدها في نفسه.
فلما رُفِعَتْ الخطية بالصليب،
عادت البشرية المفتَّتة إلى صورتها الأصلية بشبه خالقها.
فبالقيامة، أي بخلق البشرية من جديد من طبيعة المسيح،
يتحقَّق سرُّ توحيد الزمني باللازمني والمحدود باللامحدود.
الصليب حقَّق غاية التجسُّد:
التجسُّد كان بداية احتواء البشرية في ابن الله الوحيد.
هذا الاحتواء مُنح مبدئياً للإنسان في شخص المسيح نفسه لَمَّا تجسَّد،
لكن الخطية عوَّقت اكتماله.
غير أن هذا الاحتواء تحقَّق للبشرية كلها بالكمال لَمَّا لَبِسَ المسيح خطيتها في جسده،
ومات بها فأخلاها من الموت والانقسام وفكَّها من محدوديتها،
وأعطاها إمكانية الاتحاد باللازمني واللامحدود في المسيح.
فالصليب حقَّق، إذن، للبشرية كلها الاتحاد الذي تمَّمه المسيح في شخصه بالتجسُّد،
وبالقيامة دخلت البشرية خلقتها الجديدة وتهيَّأت للحياة الأبدية مع الله.
(مساء عيد القيامة - عام 1999)
استعلانات الله
من شاكيناه(*) العهد القديم لإنسان الخطية،
إلى شاكيناه العهد الجديد للإنسان الجديد
nvVvn
بعد خروج آدم من لدن الله وطرده من الجنة، فَقَدَ في الحال إدراكه الداخلي بالوعي المفتوح لرؤية الله ومعاينته والشركة معه. وصار آدم وكل ذرِّيته يعيشون بإدراكهم الحسِّي ورؤيتهم القائمة على الحواس فقط؛ وكانت أكبر خسارة، إذ انقطع تدرُّجه في المعرفة والحياة مع الله. وخرج ليحيا معتمداً على حواسه الجسدية يتحسَّس بها في نور الشمس ليتعرَّف على ظواهر الأمور من دون الله. وهكذا انقطعت صلته بالله وتدنَّت معرفته إلى أقصى حدٍّ.
لكن الله لم يشأ للإنسان أن يتباعد كليًّا عنه حتى لا يتغرَّب الإنسان فيفقد معرفته بالله. فابتدأ في مناسبات معروفة هامة يظهر للإنسان في مظهر يراه بعينيه؛ فكان يُعلِن له مجده على هيئة نار متعدِّدة الأشكال والوظائف توضِّح وجود الله وجبروته لتأسيس شعور الهيبة والمخافة والتوقير.
وقد رصدنا هنا جميع الظروف التي تراءى فيها “مجد” الله للإنسان بشكل من أشكال النار. فأولاً ظهر لإبراهيم كمصباح نار الله حينما بلغت عتمة المعرفة أقصاها، ثم ظهر لموسى كعلَّيقة مشتعلة بالنار، ثم ظهر لبني إسرائيل كعمود نار يصير بالنهار سحابة مظلِّلة وبالليل نوراً للسير والهداية.
وهكذا سيرى القارئ، إذا أطال باله، مدى محاولات الله للإعلان عن ذاته وتقرُّبه للإنسان على مدى الأزمان، ليحتفظ الإنسان بمستوى واضح من معرفة الله معرفة خارجية قائمة على الحواس:
ظهوره لإبراهيم: بمناسبة إقامة أول ميثاق معه عندما بلغت الظلمة أقصاها:
+ » ولما صارت الشمس إلى المغيب، وقع على أبرام سُبات، وإذا رُعْبة مُظلمة عظيمة واقعة عليه... ثم غابت الشمس فصارت العتمة، وإذا تنُّور دخان ومصباح نار يجوز بين تلك القِطَع. في ذلك اليوم قَطَعَ الرب مع أبرام ميثاقاً. «(تك 12:15و17و18)
ظهوره لموسى: الإعداد للخروج بالشعب من مصر، وكان ذلك في حوريب جبل الله:
+ » وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مديان. فساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب. وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عُلَّيقة، فنظر وإذا العُلَّيقة تتوقَّد بالنار والعُلَّيقة لم تكن تحترق. فقال موسى أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم، لماذا لا تحترق العُلَّيقة. فلما رأى الرب أنه مال لينظر ناداه الله من وسط العُلَّيقة، وقال: موسى موسى. فقال: هأنذا. فقال: لا تقترب إلى ههنا. اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة. «(خر 1:3-5)
ويُلاحَظ كلمة “موضع” فهي نفس الكلمة التي تُستخدَم في التعبير عن الهيكل أو خيمة الاجتماع أو هيكل الكنيسة أي موضع الله. وكان حديث الخروج من مصر العبودية بداية لتكوين شعب الله ليقطن أرض كنعان.
ظهوره للشعب أربعين سنة: قيادة الشعب نهاراً وليلاً حتى عبروا سيناء:
+ » وكان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار ليضيء لهم، لكي يمشوا نهاراً وليلاً. لم يبرح عمود السحاب نهاراً وعمود النار ليلاً من أمام الشعب. «(خر 21:13و22)
+ » ها أنا مُرسِلٌ ملاكاً أمام وجهك ليحفظك في الطريق، وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته. احترز منه واسمع لصوته ولا تتمرَّد عليه، لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه. «(خر 20:23و21)
ظهوره لإعطاء لوحي الشهادة والشريعة والوصية التي كتبها الله لهم كبداية تعليم الشعب:
+ » وحلَّ مجد الرب على جبل سيناء وغطَّاه السحاب ستة أيام. وفي اليوم السابع دُعِيَ موسى من وسط السحاب. وكان منظر مجد الرب كنارٍ آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل. «(خر 16:24و17)
ظهوره فوق خيمة الاجتماع “المسكن” على الدوام طالما هم غير مرتحلين،
بدء اتصال دائم بين الله والشعب:
+ » ثم غطَّت السحابة خيمة الاجتماع، وملأ بهاء الرب المسكن. فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع، لأن السحابة حلَّت عليها وبهاء الرب ملأ المسكن. وعند ارتفاع السحابة عن المسكن كان بنو إسرائيل يرتحلون في جميع رحلاتهم. وإن لم ترتفع السحابة لا يرتحلون إلى يوم ارتفاعها، لأن سحابة الرب كانت على المسكن نهاراً، وكانت فيها نارٌ ليلاً أمام عيون كل بيت إسرائيل في جميع رحلاتهم. «(خر 34:40-38)
ظهوره عند تدشين أول هيكل (سليمان)، ظهور الله أثناء العبادة:
+ »
ولما انتهى سليمان من الصلاة، نزلت النار من السماء وأكلت المحرقة
والذبائح، وملأ مجد الرب البيت. ولم يستطع الكهنة أن يدخلوا بيت الرب، لأن مجد الرب
ملأ بيت الرب. وكان جميع بني إسرائيل ينظرون عند نزول النار، ومجد الرب على البيت.
«(2أي
1:7-3)
ظهور الشاكيناه أي مكان سُكنى الله في قدس الأقداس بالخيمة والهيكل،
بدء سُكنى الله بين الناس منفرداً:
+ » وكلَّم الرب موسى بعد موت ابني هارون عندما اقتربا أمام الرب وماتا. وقال الرب لموسى: كلِّم هارون أخاك أن لا يدخل كل وقت إلى القدس داخل الحجاب أمام الغطاء (الهيلاستيريون ƒlast»rion) الذي على التابوت لئلا يموت، لأني في السحاب أتراءى على الغطاء. «(لا 1:16و2)
+ «وأجعل مسكني في وسطكم ولا ترذلكم نفسي. وأسير بينكم وأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً.» (لا 11:26و12)
+ » فلما دخل موسى إلى خيمة الاجتماع ليتكلَّم معه كان يسمع الصوت يُكلِّمه من على الغطاء الذي على تابوت الشهادة من بين الكروبَيْن فكلَّمه. «(عد 89:7)
+ » هل سمع شعبٌ صوتَ الله يتكلَّم من وسط النار، كما سمعت أنت، وعاش. «(تث 33:4)
+ » إنك قد أُرِيتَ لتعلم أن الرب هو الإله. ليس آخر سواه. من السماء أَسْمَعَكَ صوته ليُنذرك، وعلى الأرض أراك ناره العظيمة، وسمعتَ كلامه من وسط النار. «(تث 35:4و36)
الشعب يستعفي من سماع صوت الرب من وسط النار:
+
»
هذه الكلمات (الوصايا العشر) كلَّم بها الرب كل جماعتكم في الجبل من وسط النار
والسحاب والضباب وصوت عظيم... وكتبها على
لوحين من حجر وأعطاني إيَّاها. فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار
تقدَّمتم إليَّ جميع رؤساء أسباطكم وشيوخكم. وقلتم هوذا الرب إلهنا قد أرانا مجده
وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار. هذا اليوم قد رأينا أن الله يكلِّم الإنسان
ويحيا. وأما الآن فلماذا نموت، لأن هذه النار العظيمة تأكلنا. إن عُدْنا نسمع صوت
الرب إلهنا أيضاً نموت، لأنه مَنْ هو مِن جميع البشر الذي سمع صوت الله الحي
يتكلَّم من وسط النار مثلنا وعاش. تقدَّم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلهنا
وكلِّمنا بكل ما يُكلِّمك به الرب إلهنا، فنسمع ونعمل.
«(تث
22:5-27)
وعد الله بمجيء مَنْ يكلِّمهم باسمه (لا بالنار ولكن بالنعمة):
+ » يُقيم لك الرب إلهك نبيًّا من وسطك من إخوتك مثلي، له تسمعون. حسب كل ما طلبتَ من الرب إلهك في حوريب يوم الاجتماع قائلاً: لا أعود أسمع صوت الرب إلهي ولا أرى هذه النار العظيمة أيضاً لئلا أموت. قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلَّموا. أُقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك، أجعل كلامي في فمه فيُكلِّمهم بكل ما أُوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلَّم به باسمي، أنا أُطالبه. «(تث 15:18-19)
تعقيب:
واضح أنه بسبب فقدان آدم وبنيه الوعي الداخلي والتعرُّف الروحي على الله بعد طرده
من لدن الله كأثر حتمي لانقطاع الصلة التي كانت تربطه بالله، صلة الروح والمعرفة
بالروح لإدراك الله؛ قَصَرَ الله استعلانه لبني آدم على المعرفة الخارجية الحسية
بالعين والسمع، وجعل النار الإلهية المنظورة هي وسيلة استعلانه، فأخذت أشكالها التي
رصدناها. وقد استنفد الله كافة الاستعلانات الممكنة بِمَنْ هو الله، حتى صارت سكناه
الدائمة في قدس
الأقداس من فوق تابوت العهد حيث يسمعه ويراه رئيس الكهنة مرة واحدة في السنة، التي
عرفناها أنها هي “الشاكيناه”.
وكان لاستعفاء الشعب من سماع صوت الله من داخل النار، لأنه أرعبهم وطلبوا أن يُعيَّن موسى لكي يعرف ما يريده الله ويخبرهم به هو؛ كان له استجابة سريعة عند الله بأن وعدهم بإرسال نبي كواحد من إخوتهم من وسطهم يكون اسم الله فيه، هو يكلِّمهم. وليُلاحظ القارئ هنا أنه جاء فعلاً وسُمِّي “الكلمة”. هذا يكلِّمهم ليس بنار بعد، بل كما يُكلِّمون هم بعضهم بعضاً، لأنه واحد من إخوتهم.
ومن هنا بدأ تصميم الله على إرسال ابنه الوحيد متجسِّداً ومتأنِّساً كواحد منهم، ولكنه يحمل اسم الله أي ذاته وشخصه. على أن لا تكون النار فيما بعد واسطة الاستعلان، ولكن “الكلمة” الإلهية بجلالها ومجدها وفاعليتها، مما يستلزم بالضرورة انفتاح وعي الإنسان الداخلي لإدراك حكمة كلمة الله وعمقها وصفاتها كنور للقلب والفكر، يبدِّد ظلمات جهالته ويكشف له الحق والحياة.
وهكذا بدأ استعلان الله على مستوى داخل الإنسان، أي وعيه الروحي، حيث يصبح هنا استعلان الله ليس بنار بعد، بل بالنور الحقيقي غير المنطفئ وغير المصنوع، نور الله نفسه الكاشف الخفيات، ليضيء قلب الإنسان وفكره وحياته، ويستعلن له كل أمور الله والحياة الأبدية التي سيُدعَى إليها للحياة مع الله حيث يدخل الإنسان في شركة دائمة أبدية مع الله. لأن استعلان الله هو معرفة الحق أو الحياة الأبدية أو معرفة الله المطلقة الذاتية، فهي تصبح معرفة استيعاب كل ما لله. فمعرفة الحق الأبدي هي بعينها الحصول عليه وامتلاكه أو الاتحاد به والشركة معه. لأنه يستحيل أن يعرفه أحد إلاَّ إذا صار يعيه وعياً كلِّيًّا، أي يحوز عليه. لذلك فكل مَنْ لا يعرف الحق لا يحوزه ولا يشترك فيه، وهكذا الله.
هنا النور الحقيقي في تعريف أو استعلان الله - الذي صار بواسطة إرسال ابنه متجسِّداً - هو أعظم تعبير واستعلان لله. والنور الحقيقي هو الحق الكلِّي وهو الحياة الأبدية. فكل مَنْ أدرك نور الله أو أدركه نور الله أدرك الحق والحياة الأبدية.
هكذا بدأ القديس يوحنا في إنجيله ليُقدِّم لنا المسيح الذي أرسله لنا الله ليُكلِّمنا عن الله كلام الاستعلان. يقول القديس يوحنا: إن المسيح كان في البدء أو منذ البدء عند الله، بل وكان هو “كلمة الله الذاتي”، فهو الله أيضاً، وهو النور الحقيقي الذي ينير كل العالم من داخل وعي الإنسان، والنور يضيء الظلمة والظلمة لا تدركه قط.
وهكذا يكون الله قد انتقل من استعلان ذاته بالنار وبالعين الخارجية للإنسان إلى استعلان ذاته بالنور الحقيقي الذي لا يُدركه إلاَّ القلب الحقّ والروح الحقّ للإنسان. وهذا هو الإيمان بالله الذي يُعطي الإنسان أن يصير ابناً لله أي يدخل في شركة معه، تلك التي تكون بانفتاح وعي الإنسان الداخلي وقبول الله.
وهكذا أصبح باستعلان الله للإنسان بالمسيح يسوع، بـ “الكلمة”، بالنور والحق؛ ينفتح أمام الإنسان طريق العودة إلى الحياة مع الله كشركة في النور والحق والحياة الأبدية. والقديس يوحنا يُقدِّم لنا خبرته في التعرُّف على المسيح باعتباره الحياة الأبدية التي كانت عند الله وأُظهِرَت لنا:
+ » فإن الحياة أُظهِرَت (ووضح ذلك 100% بقيامة المسيح من بين الأموات)، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهِرَت لنا. الذي رأيناه وسمعناه (كاستعلان لله والمسيح) نُخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح. ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً. «(1يو 2:1-4)
وهذا يعني أن القديس يوحنا وباقي التلاميذ الذين استعلن الله ذاته لهم في ابنه يسوع المسيح، وقبلوه وصاروا أولاداً له؛ دخلوا معه في حياة الشركة الأبدية للحياة الأبدية. وهذا هو منتهى قصد ومشيئة وإرادة الله في عودة الإنسان إليه جديداً كخليقة جديدة بوعي قلبي مفتوح نحو الله.
استعلان يوم الخمسين،
ثم استعلان الله الأخير لبولس الرسول - استعلان من السماء:
بعد تكميل استعلان الله بيسوع المسيح وقيامته وصعوده إلى السماء، تمَّ حلول الروح القدس كألسنة من نار - نازلة من السماء حاملة الروح القدس - منقسمة على رؤوس الحاضرين، لتستعلن آخر صورة لسُكنى الله فيما بعد التوراة؛ لا في خيمة من قماش ولا هيكل من حجارة بعد، بل في هياكل بشرية صارت من لحم ابنه وعظامه. لذلك سَرَّ الله أن يسكن فيها بروحه ويجد له إقامة: » أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم «(1كو 16:3)، وهذا حقٌّ: » لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه «(أف 30:5). فمن اللائق جداً أن يأتي روح الله ويسكن فيها.
وهكذا تمَّت الخلقة الجديدة للإنسان الجديد من فوق كقول الرب. وصارت هي “الشاكيناه” الجديدة لسُكنى الله! مَنْ يصدِّق هذا!!! » كما قال الله: إني سأسكن فيهم وأسير بينهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً «(2كو 16:6). فصار الإنسان آيةً لاستعلان مجد الله. ولَمَّا سكن الروح القدس في هيكل الإنسان صار استعلان الله بالكلمة بواسطة الإنسان!!! هذا هو الإنسان الجديد.
واستعلان مجد الله في الإنسان في يوم الخمسين هو استعلان خاص علني ومنظور حدث بعد
اختيار نخبة ممتازة وممحَّصة. أما استعلان مجد الله في الإنسان على طقس بولس الرسول
الذي تمَّ بعد ذلك بواسطة المعمودية، حيث
يحل روح الله القدوس بالسرِّ في الإنسان، ويحل وجه يسوع أيضاً سرًّا في الإنسان؛
فهذا يكون استعلاناً لمجد الله بواسطة المعمودية بالسرِّ بحلول وجه يسوع المسيح
سرًّا، وهو استعلان سرِّي غير منظور للجميع لسُكنى مجد الله في الإنسان عامة.
وكان بنو إسرائيل يعتبرون سُكنى الله بينهم “الشاكيناه” منتهى المحاباة لشعبهم دون الشعوب. فماذا نقول نحن بعد أن أتى الله بمجده وجعل مسكنه فينا؟
تكلَّم الله من السماء وعيَّن بولس الرسول إناءً مختاراً يحمل اسمه إلى أمم وملوك، ورآه بولس الرسول رؤيا العين الخارجية - وبآنٍ واحد - بانفتاح الوعي الداخلي ليُعرِّفه أنه هو المسيح ابن الله الذي يضطهده، ويقبل منه الرسولية كآخر رسول. رآه بوجهه المبارك يلمع فوق قرص الشمس بلمعان أكثر من الشمس ذاتها. وهذا يميِّز رؤيا الوعي الداخلي بالروح عن رؤيا العين لطبيعة الشمس المعروفة. فكان استعلان الله في وجه يسوع المسيح متكلِّماً من السماء، هو آخر حدث لاستعلان الله. وهنا إضاءة وجه المسيح في السماء تعطينا نوعاً جديداً من الشاكيناه، أي رؤية “سُكنى الله” التي كانت في قدس الأقداس متكلِّماً لرئيس الكهنة مرة في السنة للتكفير عن خطايا الشعب في ذبيحة المحرقة المدعوة ذبيحة الكفَّارة التي كانت تقدَّم مرة واحدة في السنة، وكانت في الحقيقة تعبيراً تصويرياً ونبوَّة عن ذبيحة أخرى أعلى وأجلَّ وهي ذبيحة المسيح على الصليب.
كذلك، فالشاكيناه كانت مجرد تصوير عن معقولية سكنى الله مع الناس، إنْ في خيمة أو
في هيكل؛ الأمر الذي حدث بصورته المجيدة بحلول روح الله والمسيح في داخل الإنسان
الجديد للسكنى لتصير هي الشاكيناه الحقيقية لمجد الله، حيث نحن
الشاكيناه
»
ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف... نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد، كما
من الرب الروح
«(2كو
18:3). فمن شاكيناه الله في العهد القديم لإعطاء الغفران لإنسان الخطية إلى شاكيناه
إعطاء مجد الله في العهد الجديد. فكانت الشاكيناه المسيحية، التي محورها الكرازة
بالخلاص لأمم الأرض، هي آخر استعلان مُعطَى للإنسان الجديد المنفتح لاستقبال معرفة
الله وقبول آخر وصاياه. هذه الحقيقة يلزم أن تكون حقيقة إيمانية بالدرجة الأولى.
ملخَّص:
أولاً: بدأ استعلان الله بعد طرد آدم من الفردوس بواسطة أشكال النار المتعدِّدة، متكلِّماً لجميع الأجيال المحصورة فقط في إبراهيم وفي نسله بني إسرائيل، ممثِّلاً لأمم الأرض، باعتبار أنها استعلانات توثِّق القُرْبَى بين الله والإنسان الخاطئ البعيد عن الله، إلى أن بلغت نهايتها بصورة الشاكيناه، وهي سُكنى الله في قدس الأقداس لقبول رئيس الكهنة حاملاً دم ذبيحة المحرقة لغفران خطايا الشعب كله، وسماع كلمة الغفران من يهوه من فوق غطاء التابوت من بين الكاروبَيْن مرة واحدة في السنة، غفراناً عن خطايا السهو فقط.
ثانياً: وانتهت هذه الاستعلانات بميلاد ابن الله يسوع المسيح وقبوله خطايا العالم، كل الخطايا في جسده على الخشبة، وموته تكميلاً لعقوبة الله الواقعة على آدم ونسله، وتكميلاً للمصالحة بين الإنسان والله بصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمين الله حاملاً البشرية الجديدة في جسده المُقام. وظل الرب يسوع يكمِّل استعلان الله بعد قيامته بواسطة الروح القدس الذي هو موعد الآب، وذلك في مختاريه بعد يوم الخمسين بعمل القلب.
ثالثاً:
وآخر استعلان للرب يسوع برؤيا العين الخارجية تمَّ لبولس الرسول وهو في أقصى
حالات التحدِّي لله وتكميل خطايا المقاومة لله بقتل المؤمنين باسم يسوع
المسيح. كان ذلك تعبيراً عن مدى استعلان الله للإنسان الخاطئ وهو في عمق خطاياه
لقبول معرفة الله والإيمان به وقبوله الخلاص مجاناً. فكانت رؤية بولس الرسول هي
“الشاكيناه الجديدة” القائمة في السماء المتكلِّمة بالدعوة للخلاص الدائم للإنسان
الجديد لكل مَنْ يقبل ويسمع الدعوة المجانية:
»
مِنْ ثمَّ أيها الملك أغريباس لم أكن مُعانداً للرؤيا السماوية، بل أخبرت أولاً
الذين في دمشق وفي أورشليم حتى جميع كورة اليهودية، ثم الأمم، أن يتوبوا ويرجعوا
إلى الله عاملين أعمالاً تليق بالتوبة.
«(أع
19:26و20)
o o o
والآن، هل تحقَّق تدبير الله وغرضه الأسمى من سكناه فينا، ونستعلنه بالحق كشاكيناه صادقة؟
نحن نحتاج إلى التدرُّب على محادثة المسيح من القلب ولو أثناء العمل أو الكتابة أو حتى القراءة. فالإحساس بوجود المسيح لا يلزم أبداً أن يكون في الهدوء أو أثناء الصلاة فقط، لأن المسيح له حضرة بهية تسيطر على الجو كله كالنور أو الرائحة العطرية يمكن أن يحيا فيها الإنسان وهو مشغول أو حتى وهو نائم. وحضرة الرب حقًّا وفعلاً مضيئة، فهو الشاكيناه التي كان يدخل فيها رئيس الكهنة ليتوسل عن الشعب. فهي حضرة مضيئة بنور سماوي ليس من أي نوع نعرفه. وهو غير منظور ولا محسوس للعين، ولكن محسوس جداً للنفس. والشاكيناه هي الذُّكصا الكبرى أو المجد الأعظم الذي رآه وسمعه إشعياء النبي أنه مِلء كل الأرض بسبب التجسُّد المزمع أن يكون. هذا هو المجد الذي نستحوذ عليه بحبنا الخالص من القلب الخالص، فيملأ حياتنا وفكرنا وروحنا.
كان رئيس الكهنة يدخل إليه مرة واحدة في السنة؛ لكن قد صار لنا وجود معه بصورة
دائمة. وليس هذا فحسب، بل صار هو الذي يشملنا بحضرته
وبنوره الذي يسيطر على كياننا فيملأنا عزاءً ونعيماً وسروراً. فقط يلزم أن نكون على
مستوى حضرته ونور مجده، ولا يكون هذا إلاَّ بالوجود في حالة حب شديد خالص من القلب
والفكر والنفس. فالحب هو ذبيحة العهد الجديد التي نتقدَّم بها إلى الله وندخل إليه
ونتراءى أمامه؛ فيستعلن لنا مجده أي حضرته المضيئة التي نعيش فيها لحظات من عمرنا
الأبدي، فننسى أنفسنا وهمومنا، بل وينسحب من قلبنا ومن فكرنا الإحساس بالزمن
والعالم. فأنْ نكون مع المسيح أو يكون المسيح معنا، فهذا هو كل العهد الجديد،
“عمانوئيل”، الذي في حضرته وبدون جهد منَّا تصير شريعته في داخلنا مكتوبة على ظهر
قلبنا.
كانت الشاكيناه هي مجد الله في إسرائيل، كما قال بولس الرسول: » الذين هم إسرائيليون، ولهم التبنِّي والمجد والعهود والاشتراع «(رو 4:9). هذا المجد هو مجد الشاكيناه أي حضرة الرب، وكانت في وسطهم. لأن كلمة “شاكيناه” هي أصلاً من السكنى أي سكنى الله وسط شعب إسرائيل. وأول مَنْ عرفها ودخل فيها موسى، لأنها كانت هي العلَّيقة ذاتها المشتعلة بحضرة الله كناية عن المسيح في تجسُّده القادم. فالعلَّيقة هي أول رمز للحضرة الإلهية المضيئة. فأنْ نقتني نحن الشاكيناه بالحق، فهذا قمة المنتهى. إسرائيل لم ينتفع أبداً بسكنى الله في وسطه. والخوف كل الخوف أن نفقد نحن هذه العطية العُظمى، شاكيناه العهد الجديد، عمانوئيل الله معنا!!! سرُّ تطويب العذراء مريم، أنها حملت الشاكيناه في بطنها تسعة أشهر ولم تحترق، بسبب طهارتها وبساطة قلبها الفائق.
ويعطينا القديس أنطونيوس شهادة حيَّة ملتهبة من حياته وخبرته، ينقلها إلينا كرسالة نورانية تضيء عالمنا، حينما قال عن عطية الروح القدس باعتباره نار الله الموهوبة من الله بواسطة المسيح لتلاميذه ولنا حسب الوعد:
[ذلك الروح الناري العظيم الذي قبلته أنا، اقبلوه أنتم أيضاً! وإذا أردتم
أن تقبلوه ويسكن فيكم، قدِّموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا أفكاركم
إلى السماء في الليل والنهار. واطلبوا باستقامة قلب هذا الروح الناري، وحينئذ يُعطى
لكم...] (الرسالة الثامنة)
هذه شهادة حيَّة لقديس متَّقد حقًّا بنار الله، ومن سكنى الروح فيه يتكلَّم ويشهد. حقًّا كان القديس أنطونيوس صورة للشاكيناه الجديدة التي صارت لنا بوعد! مَنْ يقبل فلْيقبل.
وهكذا ومجاناً أُعطِيَ لنا أن نحمل الشاكيناه أينما كُنَّا وحيثما وُجِدْنا، لا تسعة أشهر بل العمر كله. كان كل المطلوب من موسى أن يخلع نعليه ليدخل الأرض المقدسة ويتراءى أمام الحضرة المضيئة المشتعلة. والمطلوب منا أن نخلع جسدنا العتيق بالجملة حتى نوهَب هذا الوجود الفائق في حضرة المسيح، لأن حضرة المسيح لا تنحصر في مجرد التواجُد أمامه، بل إن سرَّ الشاكيناه في المسيحية أنه لا يرتاح إلاَّ في قلب الإنسان. فالعلَّيقة المشتعلة موضعها قلب الإنسان، لأنه هو الخيمة الجديدة أو المسكن الجديد الذي يحلّ فيه المسيح ويضيء ويشتعل. لذلك أصبح التزاماً على الإنسان أن يكون قلبه مُعَدًّا كالعليَّة، ومفروشاً باستعداد الإفخارستيا السريَّة التي فيها يكسر المسيح الخبزة السريَّة مع الإنسان. وهو القول السرِّي الذي قاله الروح: إن المسيح باستعداد الوقوف على قلب الإنسان ويقرع؛ فإذا انفتح القلب، يدخل ويتعشَّى مع الإنسان ويتعشَّى الإنسان معه (رؤ 20:3). فصحْن الإنسان (الذي يأكل فيه) هو همُّه وأمله ورجاؤه، يجترُّه كل يوم وكل ساعة. أما صحْن المسيح فهو عزاؤه وفداؤه ومسحة روحه القدوس. هكذا يُشارِك المسيحُ الإنسانَ، ويشترك الإنسان مع المسيح. هو تبادُل الأعواز مع العطايا ممزوجة بالمحبة التي تجعل همومنا مقبولة عنده، وعطاياه مبهجة لقلوبنا جداً. وهذا هو عمانوئيل الله معنا، وهذا هو الوعد: » أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر «(مت 20:28). إنه وعد الحياة المسيحية الذي نعيش عليه، ولولاه لقتلتنا غربة العالم وانقطاع العزاء والمحبة.
وفي الحقيقة، إنها هي هذه الغربة عينها وهمّ هذا العالم، اللذان جعلا المسيح يُعطي وعده هذا ويُهيئ حضرته لدوام بقائها معنا، طالما دعوناها بنداء الحب وذرف الدموع. فشعور الإنسان بالغربة في العالم، وإحساسه بالخوف الدائم من لصوص الكنوز القلبية، وتوجُّعه من أجل الكنيسة التي باتت متغربة عن عريسها؛ هو الذي يعطي المسيح الإحساس بضرورة المجيء والسُّكنى حتى يُنشئ في قلب الإنسان خيمته السماوية، ليُشعِر الإنسان أنه مواطن سماوي مهما تألَّبتْ عليه مواجع الأرض والناس والزمان. وهذا هو الذي قال عنه المسيح: إن خرافه يعرفها بأسمائها وإنه يجمعها إلى حظيرته ويطعمها نعمته وسلامه، فتدخل وتخرج وتجد مرعى. هكذا نعيش مع الراعي الصالح الذي نَصَبَ خيمته بشبه حظيرة داخل قلوبنا، ندخل إليه في سلامه ونخرج محمَّلين بالعطايا.
لكن إن استثقلنا غربتنا وتآلَفنا مع العالم، بمعنى: إن خرجنا نطلب عزاءنا من أفواه الناس، وشبعنا من خبز الشركة الدنيوية؛ لا يجد المحبوب سبباً للمجيء إلينا. لا كأنه يُعادينا، ولكن كأنه يستثقل نفسه علينا، إذ يحس أنه ضيف غريب أو كمسافر ليس له مكان للمبيت. ولكن، للذين كرَّسوا القلب له وزرعوا فيه صليبه، حتماً يأتي.
(مايو 1999)
الفصل الأخير
التسليم
vUWUv
الآن بعد أن علمت، أيها القارئ العزيز، حقيقة الخليقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي، وتأكَّدت أن كل ما قيل هو الذي قاله المسيح في الإنجيل والرسائل في موضعها المذكور، وهو ما قاله بولس الرسول عن فم المسيح الذي استُعلِن له وأعطاه الدراية الكاملة بسرٍّ المسيح، ونقله إلينا في موضعه كقوله:
+ » بسبب هذا أنا بولس، أسير المسيح يسوع لأجلكم أيها الأُمم (والأُمم هم نحن بالتالي وبالضرورة)، إنْ كنتم قد سمعتم بتدبير نعمة الله المعطاة لي لأجلكم (نعم، سمعنا وقرأنا وتأكَّدنا). أنه بإعلان عرَّفني بالسرِّ. كما سبقتُ فكتبتُ بالإيجاز. الذي بحسبه حينما تقرأونه، تقدرون أن تفهموا درايتي بسر المسيح (نعم، فهمنا وتأكَّدنا بدرايتك الفائقة بسر المسيح، يا بولس الرسول)... أن الأمم (أي نحن) شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح بالإنجيل. «(أف 1:3-6)
والآن عليك، أيها القارئ، أن تدرك إدراكاً واعياً أن فهمك لكل هذا وكل ما جاء في
كتاب: “الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي” (بجزئيه)، هو عديم القيمة إلاَّ
إذا استلمته استلاماً من فم الرب يسوع، كما استلم بولس الرسول:
»
لأنني تسلَّمتُ من الرب ما سلَّمتكم...
«(1كو
23:11)، وكما استلمه القديس لوقا:
»
كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء مُعاينين وخدَّاماً للكلمة...
«
(لو 2:1)، وأيضاً هذه الآية التي تمعن في التفريق بين التعليم والتسليم:
»
وما تعلَّمتموه، وتسلَّمتموه، وسمعتموه، ورأيتموه فيَّ، فهذا افعلوا، وإله
السلام يكون معكم.
«(في
9:4)
ويلزم أن تفرِّق، أيها القارئ، بين يسلِّم أو سلَّم parad…dwmi وبين يعلِّم، فتسليم الحقيقة أو الإيمان أو الوصية هي إيداعها في الوعي أو في القلب المفتوح كاختبارٍ حيٍّ أو فعل وعمل يرقى إلى مستوى الاختبار الشخصي، وهذا غير الفهم أو المعرفة. فالفهم أو المعرفة يكون بالفكر وأقصاه يكون تصديقاً، ولكن التسليم هو أخذ الحقيقة والاشتراك فيها والحصول عليها كما حدثت كفعل إلهي فائق.
فبولس الرسول كان يسلِّم الحقائق الإلهية، وأهمها موت الرب وقيامته، بمعنى أنه يجعل الأمم في أي مدينة يكرز فيها بالإنجيل أن يقبلوا بالروح هذه الحقيقة الإلهية، بمعنى أن يحصلوا عليها، أي يكونوا شركاء فيها بالروح، ثم كان يعود ويُرسل لهم الرسائل الخاصة ويشرح لهم معنى الموت والقيامة روحياً ليُدركوا بالفهم ما أدركوه بالفعل.
ولكن بالنسبة لنا أصبح الفهم يأتي أولاً بالوعظ والتعليم، وللحزن والمرارة يكتفي المؤمنون بالفهم والتعليم ويعتبرونه أنه الإيمان.
ولكن فرق بين أن نفهم الإيمان، وأن نحصل على فعله أو نشترك في عمله. فأنت تؤمن بالموت والقيامة بالفهم ويمكنك أن تشرح ما هو الموت والقيامة، بل ويمكنك أن تعلِّم بها وتُفهِّمها للآخرين دون أن تنال فعل الإيمان، أي تقبُّل فعل موت المسيح وقيامته أي تشترك فيهما؛ الأمر الذي على أساسه قيلت الآية: » لأنكم قد مُتُّم (مع المسيح) وحياتكم مُستترة مع المسيح في الله «(كو 3:3). بمعنى أن المؤمن الحقيقي بالمسيح قد أصبح “ميِّتاً”، ولكن حياته الجديدة مخفية عنه، أي “مستترة مع المسيح”، كما أن المسيح الحي مستتر عنَّا أي غير منظور.
ولكن المسيح حينما كسر الخبز أعطى بيده كلاًّ من الرسل كسرة خبز قائلاً: » خذوا كلوا هذا هو جسدي «(مت 26:26)، ولَمَّا ذاق أعطى الكأس أيضاً لكل واحدٍ قائلاً: » اشربوا منها كُلُّكم، لأن هذا هو دمي «(مت 27:26و28). بمعنى أنهم صاروا شركاء في جسده ودمه الذي مات والذي قام، فصاروا شركاء في موته وقيامته، أي أنهم ماتوا معه وقاموا معه.
وكنيستنا القبطية المرتشدة بالروح القدس تعلِّم وتسلِّم أن المسيح نفسه هو الذي يقسِّم “قربانة الحَمَل”، وهو الذي يناول كل واحد بيده ويسقيه من الكأس بيده. أي أن المسيح يسلِّمنا موته وقيامته، لنكون شركاء موته وقيامته. وهذا يُطابق ما قاله بولس الرسول إننا متنا معه وقمنا معه.
ولكن في هذا القول الشق الأول منه فهم، وهذا ما ظلَّ يشرحه بولس الرسول على مدى كل رسائله. أما الشق الثاني فهو تسليم فعلي لجسده المكسور ودمه المسكوب أي موته الذي صنعه المسيح يوم الجمعة وأكمله فجر الأحد.
فكلمة “خذوا” سواء كانت في الجسد أو في الدم
l£bete
تعني بكل دقة التسليم بالعطاء، يقابلها قول المسيح عند ظهوره بعد القيامة في
العليَّة قوله: “اقبلوا” عطية الروح القدس، وهي باليونانية نفس كلمة: “خذوا”
l£bete،
والاثنتان تعطيان صيغة “التسليم” باليد وبالفم والنفخ، حيث التسليم بالنفخ هو أقصى
حالات التسليم، وأوله وأعظمه كما كان في خلقة الله لآدم الأول حينما “نَفَخَ” في
أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حيَّة. يقابلها في العهد الجديد نَفْخ المسيح في
تلاميذه “الروح القدس” لقبول الحياة الأبدية، وما يقابلها في المعمَّدين بنفخة
الكاهن في أنف المولود من الماء والروح ثانية، ميلاداً جديداً لقبول حياة للإنسان
الجديد المولود بالسر الإلهي بفعل قيامة المسيح من بين
الأموات حسب الآية: »
ولدنا ثانية لرجاء حيّ، بقيامة يسوع المسيح من الأموات
«(1بط
3:1). فالكاهن في المعمودية يُجري الموت والقيامة، أي سر الميلاد الجديد، الذي تمَّ
بقيامة المسيح من بين الأموات، من لحمه ومن عظامه.
وهناك التسليم بالسمع وهو أول حالات التسليم التي جاءت في العهد القديم: “اسمع يا إسرائيل” (شمَّاع)، والكلمة لها دويها في المفهوم الإسرائيلي حيث كانت أول عملية تسليم من الله لشعب: » اسمع ¥koue يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد... «(تث 4:6). حيث تأتي اسمع بصورة الأمر، وحيث أمر الله هو بمثابة خلق للوعي والانفتاح والاستجابة. لذلك يقدِّس شعب إسرائيل جداً قول “اسمع”، لأن فيه بدء حياتهم أمام الله. وهكذا يدخل أمر الله “اسمع” كأول محاولة تسليم للشعب لأمر الله ليكون دستور حياتهم.
وهكذا دخلت قوة السمع عند الإنسان أمام الله كوعاء مطيع ومُصْغٍ لأمر الله. لهذا نسمع عالي الكاهن يلقِّن صموئيل الصغير أن يقولها بمجرد سماع الله حتى يتكلَّم معه الله بما يريد: » تكلَّم يا رب لأن عبدك سامع «(1صم 9:3). والمعنى: “إني على أتمّ الاستعداد "لتسلُّم" أمرك”. وبهذا يدخل السمع كوعي روحي صادق كواسطة “تسليم”. وهذا يردِّده المسيح صريحاً وواضحاً: » الحق الحق أقول لكم: إن مَنْ يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة «(يو 24:5). وهذه في المقابل الأكبر والأعظم لـ » اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد « فهنا “السمع” للمسيح له الحياة الأبدية والانتقال المباشر من الموت إلى الحياة الحقيقية الدائمة.
-
فماذا يمكن أن يعمل المسيح كمعلِّم ليسلِّم الحياة الجديدة للإنسان الجديد، فهو
أعطانا جسده ودمه وقال: »
مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية
«(يو
54:6)، وعاد وكرَّر أن: »
مَنْ يأكل جسدي
ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه «(يو
56:6)، ويحيا به: »
فمَنْ يأكلني فهو يحيا بي «(يو
57:6). وقد حدَّد نوع المادة التي نكسرها باسمه ونأكلها مجتمعين بالخبز العادي الذي
يُحيي الجسد الآدمي، وقد حوَّله بقوة الحياة الأبدية التي فيه إلى خبز للحياة
الأبدية، ليتحوَّل الخبز اليومي لنا إلى خبز سمائي، لأنه هو الخبز الحي الأبدي
النازل من السماء ليأكل منه الإنسان ولا يموت (يو 60:6)!
- وها نحن قد أكلنا الخبز الحي السمائي لنأخذ الحياة التي له ونصير فيه، والتسليم هنا تسليم شخصي. فإذن، نحن نحيا فيه وهو يحيا فينا. وهذا هو الإنسان الجديد الذي خلقه بقيامته من بين الأموات. وهذا هو الإنسان الجديد، الخليقة الجديدة، التي وُلدنا منها بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات بلحمه وعظامه، فصرنا لحماً من لحمه وعظماً من عظامه مخفياً فيه، ولكن متَّحداً بأبيه!
- » ولدنا ثانية لرجاء حيّ بقيامة يسوع المسيح من الأموات «(1بط 3:1). وهكذا فالمولود من الروح يكون، كما قال المسيح، كالهواء لا تعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب (يو 8:3)؟!
- وكما قال بولس الرسول: » لأنكم قد مُتُّم (بجسده الذي مات على الصليب) وحياتكم مُستترة مع المسيح في الله «(كو 3:3). فأنت تحيا في الإنسان الجديد بلحم المسيح وعظامه الذي قام من بين الأموات، المستتر عن عيوننا وهو قائم في الله!!
وهنا يبرز عامل “الرجاء” الذي اكتسبناه من الإيمان بالمسيح:
»
الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حيّ، بقيامة يسوع المسيح من الأموات
«(1بط
3:1). أي أننا نعيش رجاءً حيًّا في كل لحظة، أننا وُلِدنا كخليقة جديدة في
المسيح لحظة أن قام من بين الأموات وظهر في العليَّة وكشف عن لحمه وعظامه، مبرهناً
أنه قام بجسد جديد، بلحمٍ جديد وعظامٍ جديدة لا يقوى عليها الموت بعد، مخفية أي
مستترة عن العيون ظاهرة أمام الله وكل الخلائق السماوية.
وإذ لنا هذه الخليقة الجديدة للإنسان الجديد يتحتَّم علينا أن نفهم أنها أعلى من الملائكة ورؤساء الملائكة والسلاطين والقوات التي للدهر الآخر كقول بولس الرسول بتأكيد:
+ » يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح، أبو المجد، روح الحكمة والإعلان في معرفته، مستنيرة عيون أذهانكم، لتعلموا ما هو رجاء دعوته، وما هو غِنَى مجد ميراثه في القديسين، وما هي عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين، حسب عمل شِدَّة قوته الذي عمله في المسيح، إذ أقامه من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويَّات (وأجلسنا معه)، فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة، وكل اسم يُسمَّى ليس في هذا الدهر فقط بل في المستقبل أيضاً، وأخضع كل شيء تحت قدميه، وإيَّاه جعل رأساً فوق كل شيء (لِمَنْ؟؟؟) (لِمَنْ اكتسب هذه المعاني والتفوُّق الفائق فوق كل الخلائق السماوية؟؟؟): للكنيسة، التي هي جسده (التي هي نحن)، ملء الذي يملأ الكل في الكل. «(أف 17:1-23)
انظر الآن، أيها القارئ، إن إنساننا الجديد المخلوق بقيامة المسيح من بين الأموات المعبَّر عنه بالكنيسة هو أعلى من كل الخلائق السماوية لأنه جسد المسيح.
ثم عُدْ معي وتأمل ما قد صار للكنيسة التي هي جسده الجديد، التي هي الإنسان الجديد، كيف يقول بولس الرسول إنها تبشِّر السمائيين بهذه الخليقة الجديدة:
+ » أُعطيت هذه النعمة، أن أُبشِّر بين الأمم (شركاء الميراث والجسد الجديد) بغِنَى المسيح الذي لا يُستقصَى، وأُنير الجميع في ما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور (أن الأمم شركاء في الميراث والجسد) في الله خالق الجميع (للإنسان الجديد) بيسوع المسيح. لكي يُعرَّف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويَّات، بواسطة الكنيسة (أي نحن الخليقة الجديدة للإنسان الجديد)، بحكمة الله المتنوعة، حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا (فينا). الذي به (أصبح) لنا جراءة وقدوم بإيمانه عن ثقة (إذ قد صار لنا كل غِنَى المسيح وميراثه في الآب). «(أف 8:3-12)
الآن، انظر أيها الإنسان المسيحي، كيف صرت خليقة جديدة بقيامة المسيح من بين الأموات، من لحمه ومن عظامه، لتكون أنت آية القيامة التي قامها المسيح، وقد ملكت كل ميراث المسيح في الآب: » الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنَّا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح «(رو 16:8و17). فليس ميراث أسرة ولا ميراث عالم ولا ميراث أرضيات بعد، بل ميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ لنا في السموات (1بط 4:1).
غاية القصد في الخليقة الجديدة وبلوغها قمة المنتهى
لقد قصد الله أن يهب للإنسان خلقة جديدة يخلع فيها آدميته ويلبس المسيح:
»
لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح
«(غل
27:3)، هذا هو الإنسان الجديد الذي يتجدَّد:
»
إذ
خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة
خالقه «(كو
9:3و10). هذا هو الإنسان الجديد الذي أُعْطِيَ لنا أن نلبسه:
»
وتتجدَّدوا بروح ذهنكم،
وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق.
«(أف
23:4و24)
لم تكن هذه الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي هبة طارئة عليه أو زيادة تكريماً له، بل كانت من أولى أساسيات خلقة الإنسان التي كانت في قصد الله منذ قبل إنشاء العالم والزمن، اسمع:
+ » مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويَّات في المسيح. كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة، إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته، لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. «(أف 3:1-6)
يتبيَّن من هذا أن خلقتنا أساساً قامت لتكون في المسيح، أي خارجاً عنه لا يكون لنا وجود، وأن الله عيَّننا قبل الزمن لنكون أولاده بالتبنِّي بيسوع أي باتحادنا في الابن، وذلك كان لمسرَّة نفسه ومشيئته.
هذا يعني أن خلقتنا الجديدة التي صارت لنا في النهاية بواسطة يسوع المسيح، هي أصلاً منتهى قصد الله منذ الأزل، وقبل إنشاء العالم والزمن، وقبل خلقة آدم والإنسان الترابي. فقد كان في صميم قصد الله النهائي من خلقة الإنسان أن يلبس صورة السماوي:
+ » وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضاً صورة السماوي (الذي أخذنا عربونه في الإنسان الجديد). «(1كو 49:15)
وقد جاءت خلقة الترابي آدم وبنيه أولاً، وكان سقوطه وحرمانه من الوجود مع الله
وطرده من أمامه ليس خطأ في حسابات الله، ولكن ثمناً للحرية التي أعطاها خلقته
الآدمية الأولى، لأن آدم استخدم حريته التي أعطاها له الله
في أن يأكل من الشجرة المحرَّمة أو لا يأكل، ولكن اشترط عليه أن لا يأكل منها، ويوم
أن يدوس على شرط الله ويستخدم حريته ويأكل منها موتاً يموت، فأكل واكتسب اللعنة
وعقاب الموت. وهكذا كشف الله، كخالق حكيم، عوار الطبيعة الترابية التي انحازت بحرية
إرادتها وسمعت لمشورة الشيطان. وكان عقاب الموت حكمة، لأنه لو عاش الإنسان بدون
عقاب الموت بعد أن داس أمر الله واستمع لمشورة الشيطان، لبَقِيَ كل حياته عاصياً
متمرداً مخالفاً لله، وصديقاً خادماً لمشورة الشيطان. فعقوبة الموت للطبيعة
الترابية أعطت فرصة للإنسان ولله أن يخلِّصه من عقوبة الموت بأن يهبه طبيعة جديدة
من لدنه منزَّهة عن الخطية والخطأ والعصيان وسلطان الشيطان، بميلاد جديد للإنسان،
ميلاداً روحياً سماوياً لخليقة جديدة ثانية روحية للإنسان.
هذا تمَّ بعد أن هذَّب الله الإنسان بالوصايا والتأديبات الكثيرة بواسطة ملوك وأنبياء كثيرين لمدد من آلاف السنين، ليتهيَّأ لقبول هذه الطبيعة الجديدة السماوية.
وأخيراً، وبسبب محبة الله الكثيرة لبني الإنسان الذي خلقه أصلاً حسب مسرَّة نفسه
- ليقف بالنهاية أمامه لمدح مجده في حالة قداسة وبر وبلا لوم -
أرسل الله كلمته، أي فعله الخالق، وتجسَّد في جسد إنسان أخذه من عذراء قديسة وبلا
أب، واتَّحد لاهوته بهذا الجسد الطاهر، فأصبح جسده لانهائياً بلاهوته، إذ اتحد
الزمني باللازمني والمحدود باللامحدود، فكان بدء الإنسان الجديد. واحتوى كل البشرية
جميعاً: »
لأنه فيه سُرَّ أن يحل كل الملء (لاهوتياً)، وأن يُصالح به الكل لنفسه، عاملاً
الصلح بدم صليبه «(كو
19:1و20)، فوُلِد الكلمة، وكان اسمه يسوع، له كل مجد الآب ولكن مخفياً عن أعين
الناس. وحَمَل هذا الإنسان “يسوع” كل خطايا الإنسان - وهو القدوس الطاهر
- عن رضا وقبول لَمَّا اتهمه رؤساء الكهنة جميعاً بكل أنواع الخطايا
أمام المحكمة
الرومانية، ولم يُدافع عن نفسه ولا عارَض المشتكين عليه، ولا عارَض حكم القاضي
الروماني، بل قَبِلَ الحكم بالصلب.
وهكذا حَمَل خطايا الإنسان في جسده على الخشبة - خشبة الصليب - وقَبِلَ “حكم الموت” كخاطئ وهو بريء من كل خطية وله طبيعة سماوية إلهية قدوسة وبلا لوم. لذلك بعد أن أكمل عقوبة الموت لثلاثة أيام، قام من بين الأموات. وكما احتوى جسده كل البشرية، احتوى كل خطاياها بموته فأكمل عقوبة الموت عن كل البشرية. وكما احتوى كل البشرية في موته، احتوى كل البشرية في قيامته، ولكن بشرية بلا عقوبة ولا حكم موت بعد؛ إذ صالح البشرية الخاطئة - المحكوم عليها بالموت - بالله الآب بواسطة الصليب. هذه البشرية الجديدة التي قامت في جسد المسيح القائم من بين الأموات هي الإنسان الجديد المخلوق جديداً.
وقد حدث أن المسيح لَمَّا قام من بين الأموات، دخل في العلِّيَّة التي كان مجتمعاً فيها التلاميذ الذين أغلقوا على أنفسهم الأبواب خوفاً من رؤساء الكهنة واليهود بعد أن مات معلِّمهم ودُفن، فلمَّا ظهر أمامهم يسوع المسيح حسبوه روحاً، فتقدَّم المسيح:
+ » وفيما هم يتكلَّمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم، وقال لهم: سلامٌ لكم. فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحاً. فقال لهم: ما بالكم مضطربين، ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم. انظروا يديَّ ورجليَّ: إني أنا هو. جُسُّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعِظام كما تَرَوْنَ لي. وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه. «(لو 36:24-40)
هذا يعني أن المسيح قام من بين الأموات، وبالرغم من أنه كان غير منظور لكثيرين،
ظهر لتلاميذه في العليَّة وهي مُغلَّقة الأبواب وأراهم يديه ورجليه وطبعاً آثار
المسامير، وأضاف أنه “أنا هو” أي نفس المسيح قبل الموت، وأراهم
بصورة خاصة أنه بلحمه وعظامه؛ أي أنه قام من بين الأموات ليس بالروح فحسب ولكن بلحم
وعظام كإنسان جديد له صفات جديدة يُرى ويُحس إذا شاء، ولا يُرى ولا يُحس إذا أراد.
هذا هو الإنسان الجديد الذي قام من بين الأموات إنساناً جديداً يحمل في جسده
المُقام كل البشرية التي ماتت بموته وقامت جديداً بقيامته. لذلك يُقال عن حق
وحقيقة: »
مباركٌ الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء
حي، بقيامة يسوع المسيح من الأموات، لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في
السماوات لأجلكم «(1بط
3:1و4). هذا يعني أننا أخذنا خليقتنا الجديدة في المسيح عندما مات وقام. فعند
قيامتنا معه اعتُبِرَ هذا أنه بمثابة ميلاد ثانٍ جديد لنا ندخل به الحياة الأبدية
في المسيح. وقـد تـأكَّد لنا من قول المسيح بعد القيامة أنه بلحمه وعظامه، أننا
وُلدنا جديداً من لحمه ومن عظامه كما يقول بولس الرسول: «لأننا أعضاء جسمه من لحمه
ومن عظامه.» (أف 30:5)
معنى هذا أن الجسد الجديد للخليقة الجديدة للإنسان المولود بقيامة المسيح من بين الأموات هو جسد حقيقي، لحمه من لحم المسيح المُقام، وعظمه من عظام المسيح المُقام، تماماً كما قال آدم في الخلقة الترابية الأولى عن امرأته التي خلقها الله من أحد أضلاعه: » فأوقع الرب الإله سُباتاً على آدم فنام (ومقابله أن المسيح وقع في سبات الموت). فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي، ولحم من لحمي. «(تك 21:2-23)
وكوننا لحماً من لحم المسيح وعظماً من عظامه بالقيامة من بين الأموات؛ فقد حقَّقه
لنا المسيح بإعطائنا جسده ودمه في سر التناول لنأكله ونشربه فنصير لحماً من لحمه
وعظماً ودماً من عظمه ومن دمه. وهذا هو القول أن مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت
فيَّ وأنا فيه، بمعنى الاتحاد غير المنفصم:
»
أنتم فيَّ
وأنا فيكم «(يو
20:14)، و»
مَنْ يأكلني فهو يحيا بي. «(يو
57:6)
فبسر الإفخارستيا يعطينا الرب أن نأكله ونثبت فيه ونحيا فيه، وهو يحيا فينا، وهذا هو بعينه الإنسان الجديد، المولود بقيامة الرب من بين الأموات والمخلوق حسب صورة خالقه. ومعروف أن المسيح هو الإله الحق القدوس، لذلك يقول بولس الرسول: » وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق «(أف 24:4). وإلى هنا نكون قد وفَّينا قصد الله في خلقتنا قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة.
قمة المنتهى
التي للخليقة الجديدة التي قصدها الله للإنسان
ليس جزافاً أن تنتهي خلقتنا الجديدة في الإنسان الجديد على صورة واحدة هي صورة خالقنا: » إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه، حيث ليس يوناني ويهودي، ختان وغُرْلة، بربري سِكِّيثي، عبد حُر، بل المسيح الكل وفي الكل «(كو 9:3-11). ولقد أُعطِيَ للإنسان بالروح أن يمتد حتى يبلغ نفس هذه الصورة عينها: » ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، كما في مرآة، نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها، من مجد إلى مجد، كما من الرب الروح. «(2كو 18:3)
فالإنسان الجديد ولو أنه مخلوق على صورة المسيح لأنه منه، من لحمه ومن عظامه، ولكن
قد أُعطِيَ للخليقة الجديدة أن تمتد لتطابق صورة خالقها في المجد لأنها مخلوقة
لتكون على صورته تماماً؛ لذلك أُعطِيَ لها أن تمتد لتبلغ غاية المسيح منها. ففي
الآية السالفة جُعِلَ مجرد النظر الروحي المثبَّت في المسيح بكل قوة وإخلاص قادراً
أن يرتفع بنا من مجد إلى مجد، شريطة أن يكون بدون برقُع، الذي هو الناموس
والوصايا والقوانين والتقاليد الميتة والتراث البشري عديم الروح؛ وذلك بعمل الروح
وهو رب المجد.
وفي موضع آخر يجعل النمو نحو رأس الخليقة الجديدة وصورتها هو عمل المحبة الصادقة: «بل صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح.» (أف 15:4)
ويعوزني هنا جداً أن أشرح ماهية المحبة، وكيف تعمل وتربط وتمتد؛ لأن الأصل في الإنسان الجديد، كخليقة روحانية جديدة للإنسان، هو أنه على صورة خالقه. فإن كان لكل منَّا صورة المسيح، فمن أين تأتي البغضة؟ ومن أين يأتي الخصام والانقسام، وهي أسلحة الشيطان الموروثة في الإنسان العتيق المتآخي مع الشيطان؟ فإن كانت صورة المسيح هي “مجد الله” حقًّا، فكل صورة له لابد أن تشع بالمحبة أو بالحب الجاذب، كل واحد منَّا يرى أخاه المثل الأعلى الذي يتمنى أن يكون. وهكذا نتسامى في رؤيتنا بعضنا لبعض، ومن هذا الامتداد والتسامي في مجد الرب نزداد قُرْبَى ونزداد أُلفة وحباً واتحاداً. هذا هو عمل الإنسان الجديد المخلوق على صورة واحدة هي صورة مجد الله في وجه يسوع المسيح.
فغاية الإنسان الجديد حسب خلقته على صورة واحدة وحيدة هي صورة مجد خالقه، مآلها حتماً إلى اتحاد بالضرورة بحسب جاذبية الحب والجمال في وجه المسيح الذي نشابهه في كل شيء حسب قول القديس يوحنا في رسالته:
+
»
والآن أيها الأولاد، اثبتوا فيه، حتى إذا أُظْهِرَ يكون لنا ثقة، ولا نخجل منه
في مجيئه. إنْ علمتم أنه بارٌّ هو، فاعلموا أن كل من يصنع البر مولود منه. انظروا
أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله... أيها الأحباء، الآن نحن أولاد الله،
ولم يُظْهَر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم أنه إذا
أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو!
«(1يو
28:2و29؛ 1:3و2)
وإلى هنا يحط القلم على قمة المنتهى للإنسان الجديد وغاية الله منه التي أفصح عنها القديس بولس في قوله:
+ » لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبدٌ ولا حُرٌّ. ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع. «(غل 27:3و28)
+ » إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله. إلى إنسان كامل (خليقة جديدة)، إلى قياس قامة ملء المسيح! «(أف 13:4)
حيث يكون المسيح قد أعاد للبشرية وحدتها الكاملة في الإنسان الجديد الكامل وصورتها الكاملة لله بعد أن تفتَّتت صورة الله التي كانت في آدم بسبب العصيان والخطية.
وهنا الثقل منتهى الثقل على حب الله المعادِل الذي بذل الابن من أجل أن ينجمع الإنسان أخيراً بالحب الأبوي في بنوَّة على قياس المسيح في المسيح: » وسأُعرِّفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم. «(يو 26:17)
هذا هو دعاء الابن للآب لحظة ما قبل الصليب!
(فجر 28 يولية 1998)
([1]) لذلك معروف في علم الباراسيكولوجي أن النفس أو الروح لَمَّا تغادر الجسد تظل تحمل صورة الإنسان بدقة، فهي أصل الخليقة. لذلك يسمِّيها العلماء الأرشتيب archetype، فهي الجوهر، أما الجسد فهو الصورة. والصورة زائلة، أما الجوهر فباقٍ.
([2]) الجسد العتيق يُعبِّر عن الخلقة الترابية التي قبلت اللعنة والموت، حيث يُدعى الإنسان كله بالإنسان العتيق.
الجسد الجديد يُعبِّر عن الخلقة الجديدة التي أخذناها من جسد المسيح القائم من الموت التي قبلت منه القيامة من بين الأموات والحياة الأبدية، حيث يُدعى الإنسان كله إنساناً جديداً أو خليقة جديدة روحانية أو إنساناً في المسيح يسوع.
([3]) بحسب المخطوطات الأقدم التي تُعطي معنى أصح (انظر الإنجيل اليوناني الإنجليزي تحت الخط Interlinear).
([4]) انظر هامش (2)، صفحة 16
([5]) A. Sabatier, cited by Fernand Prat, The Theology of St. Paul, Vol. II, p. 70.
([6]) «استيقظي استيقظي البسي عِزَّكِ... انتفضي من التراب، قومي اجلسي يا أورشليم، انحلِّي من رُبُط عُنُقكِ.» (إش 1:52و2)
([7]) اقرأ هنا (أف 1:4-7) ثم مباشرة (أف 10:4-13)، فهي في غاية الجمال.
([8]) “اعتمدتم بالمسيح”: الاعتماد بالمسيح أو للمسيح يعني التبعية، فإن اعتبرت الكنيسة المعمودية كختم، فهو ختم تبعية مطلقة للمسيح. والمعنى الروحي أن المعمودية موت، تقديم الذات ذبيحة. فالقول: “اعتمد للمسيح”، يعني أن الذبيحة لحساب المسيح: “متنا له”.
([9]) وفي ذلك يقول القديس إيرينيئوس:
[كما أن الذين يرون النور يكونون هم أنفسهم داخل النور ويشتركون في لمعانه، هكذا أيضاً الذين يرون الله يكونون داخل الله ويشتركون في ضيائه. ولكن ضياء الله هو ضياء محيي، ولذلك فالذين يعاينون الله يشتركون معه في الحياة.] (ضد الهرطقات 5:20:4)
([10]) كما سبق وقلنا، فإن هذه الزيادة «السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح»، إنما تُقبل فقط على أساس أنها تشرح معنى «الذين هم في المسيح يسوع» وليست مضافة إليها، لأن «الذين هم في المسيح يسوع» لا يمكن أن يعيشوا حسب الجسد، كما أنهم حتماً يعيشون حسب الروح.
([11]) نقول هنا عملية سر الإفخارستيا وعملية سر المعمودية، لأنهما يدخلان في صميم عملية الخلق الروحي السري للإنسان الجديد في المسيح يسوع بالقيامة من بين الأموات.
([12]) كجوهرة روحية سماوية في غلاف من طين، الغلاف سيقع حتماً في الأرض ويفنى، والجوهرة الروحية السماوية تطير إلى موطنها السماوي.
([13]) آية: «السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح»، لا تعني أن الخلاص والفداء الذي تمّ كان حسب سلوك الإنسان.
([14]) فَتْح الأُذُن هو في المفهوم الإسرائيلي تسجيلٌ يُعمَل للرجل علامةً على صيرورته عبداً (خر 6:21).
([15]) أو كما يشخِّص المسيح نفسه ذلك بقوله إنه «الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب...» (يو 18:1)، الذي هو مكان الاحتفاظ بالمحبوب على قدر مستوى فهم ذهن الإنسان.
([16]) الإفخارستيا، بمعنى تناول جسد ودم المسيح، حقَّقت هذه الشركة التي أكملها المسيح بتجسُّده وموته وقيامته: «من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه... فمَنْ يأكلني فهو يحيا بي. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير.» (يو 56:6و57و54)
([17]) يقول القديس أغسطينوس: [ لقد سقط آدم، وبذلك تحطَّم وملأ بأشلائه العالم كله.]
(In Psalm 95, PL 37:1236)
ويقول القديس ميليتو أسقف ساردس (القرن الثاني الميلادي):
[ لقد (تجسَّد المسيح) لكي يعيد الحياة للإنسان، ويجمع أعضاءه التي شتَّتها الموت. لأن الموت كان قد قسَّم الإنسان!] (SC 123,238)
([18]) لذلك كل مَنْ أنكر يسوع المسيح يكون قد أنكر وجوده نفسه، وتنكَّر للحياة الأبدية، وأغلق على نفسه في لعنة آدم.
(*) “شاكيناه” هو النطق العبري لكلمة “سُكنى”. وكانت هذه تُقدَّس تقديساً عظيماً عند بني إسرائيل، لأنها تعبِّر عن سُكنى ا معهم.