علم اللاهوت النظامي

 

1 - ما هو علم اللاهوت؟

* هو علمٌ يبحث عن الله وصفاته وشرائعه وأعمال عنايته، والتعاليم التي يجب أن نعتقدها، والأعمال التي يجب أن نقوم بها. وهو قسمان: وَحْييٌّ، وطبيعي.

 

2 - لماذا سُمِّي علم اللاهوت «علماً» لا «معرفة»؟

* لأن العلم إدراك الكليات أو المركبات، والمعرفة إدراك المفردات والقضايا البسيطة. وبعلم اللاهوت نعرف العقائد الدينية وما بينها من العلاقات، حتى يستلزم التسليم بواحدةٍ منها التسليم بالأخرى.

 

3 – ما هو مصدر تلك العقائد؟

* نجدها متفرقةً في الكتاب المقدس، غير أن اللاهوتي يجمعها وينظمها ويبيّن علاقة بعضها ببعض وما بينها من الاتفاق. ولا يخفى ما في هذا من الصعوبة، والأهمية. وعلى هذا لا يكون الكتاب المقدس هو كتاب علم اللاهوت بل مصدره وأساسه، أي أن علم اللاهوت مأخوذٌ منه ومبنيٌّ عليه.

 

4 - لماذا لا نكتفي بأخذ تلك العقائد الدينية على ما أعلنها الله، دون التكلُّف ببيان علاقاتها واتفاقها؟

* (1) لأن طبيعة تفكير عقل الإنسان تتوقف على ترتيب وتنظيم ما تحقَّقه من الحوادث والحقائق. فإذا كان لا يكتفي بأحكام علمٍ دون جمعها على ترتيبٍ ونظام، فبالأَوْلى لا يُكتفى بدُرر الكتاب المقدس بدون نَظمها في عقدٍ واحد لفائدته.

(2) بالنظام يحصل الإنسان على معرفةٍ أفضل مما يحصل عليها بدونه. وهذا واضح في كل العلوم الطبيعية والعقلية والطبية وغيرها. فلا يمكن أن نتمكن من توضيح معلَنات كتاب الله للآخرين إلا بمعرفة تلك المعلنات مفردةً، ثم معرفة علاقتها بعضها ببعض. فلم تصل الكنيسة لمعرفة ما يتعلق بشخص المسيح إلا بعد معاناة الدرس المدقِّق زمناً طويلاً، وجمع كل التعاليم المتفرّقة المختصّة به في كتاب الله ومقارنتها معاً.

(3) لبيان الحق للناس وإقناعهم به. فالذي يقوم بخدمة الحق وتعليمه والدفاع عنه لا يقدر أن يُظهره واضحاً للناس ويُقنعهم به، كما لا يقدر أن يردّ على كل معاندٍ دون أن يجمع تعاليم الكتاب المقدس وينظمها.

(4) من مقاصد الله أن ينظم تعاليم كتابه بواسطة البشر. فكما أن الله لا يعلّم الناس علم الأحياء أو الكيمياء، بل يُظهر لهم الحقائق التي يتألف منها هذان العِلمان، كذلك لا يعلّمنا الله علم اللاهوت، بل أعلن لنا في كتابه الحقائق التي بتنظيمها ينتظم هذا العِلم. وكما أن الحوادث الطبيعية ترتبط ببعضها حسب القوانين الطبيعية، هكذا كل حقائق الكتاب المقدس ترتبط ببعضها وفقاً لطبيعة الله وطبيعة خلائقه. وكما شاء الله أن يتأمل الناس في أعمال الخليقة ويتعلمون علاقاتها واتفاقها، هكذا سُرَّت مشيئته أن ندرس كتابه لنرى أن حقائقه مثل النجوم، ليست أنواراً مستقلة، بل أجزاء من كونٍ عظيم منظم، لا يوصف سموُّه وجلاله.

 

5 - ما الذي يجب أن يُسلِّم به كل طالب علمٍ طبيعي قبل تنظيم مسائله؟

* لا بد له أن يُسلِّم أولاً ببعض المبادئ الأولية: 

(1) يركن إلى صدق حواسه، لأن الأمور الطبيعية تظهر له بواسطتها، فإن كذَّب حواسه لا يمكنه أن يتحقّق شيئاً من أمر الكون.

(2) صِدق قُواه العقلية، فيسلّم أنه يقدر أن يدرك ويقارن ويتذكر ويستنتج واثقاً بصحة هذه الأفعال.

(3) البديهيات التي لا تحتاج إلى دليل، كقولنا إنه لابد من وجود علَّة لكل معلول.

وبإقرار هذه المبادئ الثلاثة يمكن أن يتقدم إلى التأمل في مسائل العلم ويجمعها، وينظمها بعد أن يتحقّق من صحتها وكفايتها لإثبات ما يستنتجه منها أو يبنيه عليها من التعاليم. وعلى ذلك لا ينشئ هو المسائل من نفسه، ولا يزيد عليها، بل يرويها كما جاءت.

 

6 - ماذا يمكن استنتاجه من الحقائق بعد جمعها وترتيبها؟

* يستنتج منها الأصول أو القواعد، فمثلاً نستنتج من ملاحظة سقوط الأثقال على الأرض أن هناك قانون جاذبية، وأن جاذبية مادة ما تزيد بزيادة مقدار المادة. وأن ثبوت تلك القوانين في الماضي يبرهن ثبوتها على الدوام. ولما كانت جميع العلوم الطبيعية الصحيحة قد بُنِيت على ملاحظة الحقائق على هذا المنوال واستنتاج القواعد منها، ولما كان الكتاب المقدس خزانة الحقائق الدينية، كما أن الكون خزانة الحقائق الطبيعية للفيلسوف الطبيعي، فيحقَّ له أن يتصرف بجمع وتنظيم هذه كما يتصرف الفيلسوف بتلك.

 

7 - ما هي الأشياء التي يجب على اللاهوتي أن يسلِّم بها؟

* يجب عليه أن يسلم أولاً بكل المبادئ التي يجب على الفيلسوف الطبيعي أن يسلم بها، ثم ببعض الأوّليات التي لا يجدها في العلوم الطبيعية، كالتمييز بين الحرام والحلال، وأن الله لا يمكن أن يأمر بعملٍ يخالف الحق، وأنه لا يجوز ارتكاب السيئات لتأتي الصالحات، وأن الخطية تستوجب القصاص، وغير ذلك مما غرسه الله في فطرة الإنسان.

 

8 - ما هي الحقائق التي يجب على اللاهوتي أن يبحث عنها ويجمعها ويرتّبها؟

* هي الحقائق التي أظهرها الله في كتابه وفي الخليقة بخصوص ذاته الكريمة وعلاقتنا به، وكل ما نجده في الخليقة، وفي نفس تركيبنا أو خارجاً عنه مما يشهد لله ولعلاقتنا به. وبهذا يُقال إن الكتاب المقدس وحده يتضمَّن الديانة المسيحية الحقيقية، لأنه لما كانت الحقائق التي ينظمها اللاهوتي في علم اللاهوت بعضها واضح في أعمال الله خارج الإنسان، وبعضها الآخر واضح في طبيعة الإنسان، وبعضها الثالث واضح في ضمير المؤمنين الديني، أعلن الله لنا في كتابه (إما صريحاً أو ضمنيّاً) كل ما نقدر أن نتعلّمه منها في شأنه، دفعاً للخطإِ في ما نستنتجه من أعماله ومن شعورنا وطبيعتنا.

فعلم اللاهوت المسيحي هو الكلام في الله، وفي الإنسان، وفي العلاقة بينهما، وفي علاقته بالمخلوقات كافةً، ومعلَنات الوحي، ولا سيما شخص المسيح، ذلك الشخص السامي الفريد، الذي هو غاية تلك الإعلانات ومجدها.

 

9 - ما الذي يجب أن يراعيه اللاهوتي في بحثه عن الحقائق الدينية وجمعها؟

* هو نفس ما يجب أن يراعيه الفيلسوف في بحثه عن الحقائق الطبيعية وجمعها: 

(1) جمْع الحقائق الدينية، محترساً من أي خطإٍ، فيراجع القضية مراتٍ عديدة قبل أن يعلن صحتها، لأن الخطأ في العلوم الطبيعية ينشأ غالباً عن التسليم بقضايا وهمية كأنها يقينية.

(2) جَمْع كل الحقائق. فكما أن عدم مراعاة هذا الشرط في الطبيعيات حمل الناس على الظن عدة قرون أن الشمس تدور حول الأرض، وأن الأرض مسطحة، كذلك النظر في بعض الحقائق اللاهوتية دون غيرها، يوقع الناس في الضلالات التي شاعت في تاريخ الكنيسة، مثل التعاليم الفاسدة عن شخص المسيح ولاهوته.

 

10 – كيف نستخرج الكليات من الجزئيات؟

* نستخرجها بالتأمل المدقق في الحقائق المفردة بجملتها. ولما كانت مبادئ علم اللاهوت تصدر عن الحقائق كما هي، لا عن تصوُّرات العقل، كان تصوُّر اللاهوتي وتفسيره للكتاب المقدس بموجب هذا التصور مخالفاً لقوانين العلوم. ولذلك يجب عليه أن يعتبر أن أقوال الله وتعاليمه هي المصدر الوحيد لعلم اللاهوت. والأجدر به أن يدرس الكتاب المقدس بدون اعتقادات سابقة، ولا أغراض شخصية يريد أن يثبتها. بل يأتي بعقل منفتح وقلب سليم ليتعلّم ما يعلّمه الله في كتابه، قائلاً: «تكلَّمْ يا رب لأن عبدك سامع» (1صم 3: 9).

الفصل الثاني

موضوع علم اللاهوت

 

1 – ما هو تعريف علم اللاهوت؟

* يَبحث علم اللاهوت عن حقائق الكتاب المقدس وتعاليمه كما نبحث في العلوم الطبيعية عن حقائق الطبيعة وقوانينها. وكما أن غاية العلوم الطبيعية أن تجمع حقائق العالم الخارجي ومعرفة قوانينه وتنظيمها، كذلك غاية علم اللاهوت هي تنظيم حقائق الكتاب المقدس ومعرفة أصوله والتعاليم المتفرّعة منها. فعلم اللاهوت يُظهِر تعاليم الكتاب المقدس بنظامها وعلاقاتها الداخلية الروحية، ويستنتج فوائد أخلاقية دينية منها. ولذلك عرَّفه بعضهم بأنه تعليم الله في ما لله، ومُرشد النفس إليه.

 

2 - ما هي علاقة علم اللاهوت بالديانة؟

* علم اللاهوت من توابع الديانة ولوازمها. ومن فوائده جمع حقائقها وتنظيمها على أسلوبِ علميّ.

 

3 - ما هي أقسام علم اللاهوت الوحيي؟

* أربعة أقسام هي:

(1) علم اللاهوت التفسيري: وهدفه مطالعة الكتاب المقدس بكل دقّة وتأنٍ لتفسيره تفسيراً صائباً، ومعرفة كل فوائده، واستخلاص الحقائق التي يُبنى منها علم اللاهوت التعليمي.

(2) علم اللاهوت التعليمي: وهدفه ترتيب الحقائق المتحصّلة من علم اللاهوت التفسيري وتنظيمها.

(3) علم اللاهوت الدفاعي أو الجدلي: وغايته دفع الضلال والدفاع عن الحق، وهو يتم بدحض الآراء الخاطئة والهرطقات بأسلحة الحق وبراهين الصدق.

(4) علم اللاهوت التاريخي: وغايته بيان تقدُّم التعاليم اللاهوتية من قرنٍ إلى آخر، وما طرأ عليها من التغيير إلى أن بلغت حالتها الحاضرة.

أما كتابنا هذا فيحيط بهذه الأقسام الأربعة، لأنه يهدف إلى التفسير، والتعليم، والدفاع، والتاريخ. ويصح أن نسمّيه «علم اللاهوت النظامي» لأن غايته تنظيم علم اللاهوت، وأن يبيِّن الحق ويدفع الضلال.

 

4 - لماذا قسَّمنا علم اللاهوت إلى قسمين، وما هما؟

* لما كان الكتاب المقدس يتضمّن حقائق معلَنة فيه فقط، وحقائق معلنة فيه وفي الخليقة أيضاً، قُسم علم اللاهوت لقسمين عظيمين، هما اللاهوت الطبيعي واللاهوت الوحيي. فالطبيعي هو ما يبحث عن الأمور الطبيعية، أي المخلوقات كافةً سواء كانت مادية أو عقلية لاستخراج تعليمها في الله وعلاقتنا به. أما اللاهوت الوحيي فيبحث حقائق الكتاب الموحَى بها وفوائدها التعليمية.

 

5 - ماذا قيل في علم اللاهوت الطبيعي؟

* اختلفت الآراء فيه، فقال قوم إننا لا نقدر أن نتّكل على شهادة الطبيعة بوجود الله وصفاته، لأن الأمور الطبيعية لا تعلّمنا شيئاً يُوثق به عن الله. وقال آخرون إن شهادة الطبيعة واضحة جليّة لا نحتاج معها للوحي أصلاً.

 

6 - ما هو الرد على القول إن الأمور الطبيعية لا تعلّمنا شيئاً يوثق به عن الله؟

* (1) يؤكد الكتاب المقدس أن أعمال الله تُعلن وجوده وصفاته، ومن ذلك قول المرنم: «السموات تحدِّث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه» (مز 19: 1-4).

(2) يمكن أن يعرف الوثنيون الله من أدلة وجوده الواضحة في الطبيعة، ومن ذلك قول المرنم في مزمور 94: 8-10 وأعمال 14: 15-17 و17: 24-29. وأكد بولس هذه الشهادة بقوله: «معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم، لأن أموره غير المنظورة تُرى» (رومية 1: 19-21). ولا شك أن الله أعلن بأعماله عن وجوده وأزليته وقوته ولاهوته، وذلك جوهر علم اللاهوت الطبيعي.

 

7 – هل تُغني شهادة الطبيعة عن إرشاد الوحي؟

* لا يستطيع إنسان بدون إرشاد الوحي أن يعرف شروط الخلاص، فذلك يتوقّف على تعليم الكتاب المقدس الذي منه وحده نعرف حالتنا الطبيعية، واحتياجاتنا الروحية، وشروط الخلاص، ومَن الذي يناله. أما الذين يعتقدون أن أعمال الله وحدها تعلِّم ما يكفي لإرشاد الإنسان الساقط إلى الخلاص فهم العقليون والماديون، الذين ترفضهم كل الطوائف المسيحية. ولقد بحث البشر عن كيفية تبرير الخاطئ قروناً عديدة ولم يحصلوا على ما يفيدهم لا من ضمائرهم، ولا من الطبيعة الخارجية.

 

8 - ما هو الدليل من شهادة الطبيعة على أن الإنسان مسؤول أمام الله بغَضّ النظر عن الوحي؟

* هذا واضح من رومية 1: 20. ومن الأدلة التي تتّفق مع شهادة الوحي حالة الإنسان وعلاقته بالكون، فالإنسان بحواسه يبحث عن الأمور الطبيعية، وبوجدانه يبحث عما يختص بحياته الروحية، ويجد في الخارج والداخل ما لا يقدر أن يعلّله إلا في علاقته بخالقٍ مجيد يستحق الشكر والحمد والعبادة من الجميع على الدوام. وكلما دقَّق الإنسان في البحث يرى ما يشهد لمشيئة مبدعٍ عظيم خلق الكائنات لغاياتٍ فائقة ومقاصد سامية، ولا بد أنه صاحب العقل والحكمة والمشيئة والقدرة. وكلما نظر الإنسان في أحواله الداخلية تحقق أنه ذو مسؤولية روحية أمام حاكمٍ روحي عظيم، ينبغي أن يقدّم له الإكرام والطاعة والخدمة اللائقة. وعلى هذا يكون الله الخالق حاكماً أخلاقياً له حق التسلط على الإنسان. فإذا أشهد الإنسان ضميره وعقله، وأصغى إليهما بإخلاص نال منهما أوضح شهادة. وإذا أضفنا لشهادة الطبيعة شهادة الوحي وتعاليم المسيح وأعماله وفاعلية الديانة المسيحية في العالم اتَّضحت لنا عظمة مسؤولية الإنسان أمام الله.

 

9 - بماذا نردّ على الذين قالوا إن المعرفة اليقينية لا يمكن تحصيلها إلا بالحواس؟

* نرد عليهم بأمرين: 

(1) هذا القول لا دليل عليه.

(2) إنه يخالف الواقع، فيمكن أن ننال المعرفة اليقينية بوسائط أخرى كثيرة، منها الاختبار الروحي أو العقلي، والتأمل والتفكير والإصغاء لصوت الضمير، والغرائز التي غرسها فينا الخالق، وشهادة التاريخ. فإذا أهملنا هذه الوسائط كلها تعذَّر علينا معرفة الحقائق اللاهوتية، لأن علم اللاهوت مبنيٌّ على شهادة التاريخ للمسيح، والكنيسة المسيحية التي تأسست منذ مجيئه، وللنبوات وتحقيقها، وعلى شهادة الوحي لله ولتعاليمه ومقاصده، وشهادة كل مؤمنٍ لفعل الديانة المسيحية في قلبه، وشهادة ضمائرنا وعقولنا واختباراتنا المختلفة. فالمعرفة المبنيَّة على الشهادة الكافية هي يقينية.

 

10 - ما هو البرهان على أن علم اللاهوت الطبيعي يؤيد احتياجنا للوحي؟

* (1) يعلّمنا علم اللاهوت الطبيعي كثيراً عن وجود الله وصفاته وأعماله، ومقاصده، غير أنه لا يكفي لحلّ المشاكل وسَدّ احتياجاتنا. ولذلك رأى مطالعو كتاب الطبيعة لزوماً لكتابٍ أكثر إيضاحاً وتكميلاً له، هو كتاب الوحي، الذي بدونه تكون معاملة الله للبشر ناقصة من جهة التعليم والإرشاد وبيان إرادته، وخاصةً في تعليم الرحمة وإعلان طريق الخلاص من الخطية والدينونة.

(2) يتَّضح نقص علم اللاهوت الطبيعي أيضاً من ضعف تأثيره ونقص سلطانه على ضمائر البشر، لأننا لا نسمع منه أمراً صريحاً بأن ما يعلِّمه هو قول الرب كما يعلن هذا كتاب الوحي. فعلم اللاهوت الطبيعي ينشئ في قلوبنا شوقاً للوحي الكتابي.

 

11 - ما هي أقسام علم اللاهوت بحسب مواضيعه؟

* لعلم اللاهوت أربعة أقسام: 

(1) الثيولوجيا: ويبحث عن الله وصفاته. ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب في وجود الله، وصفاته، والتثليث، وعلاقة الله بالعالم في قضائه وأعمال الخليقة وعنايته بها.

(2) الأنثروبولوجيا: ويبحث في الإنسان. ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب عن أصل الإنسان، وطبيعته، وحالته قبل السقوط، وعن سقوطه، وماهية الخطية وما أحدثته خطية آدم في نفسه وفي نسله.

(3) السوتيريولوجيا: ويبحث في الخلاص. ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب عن شروط خلاص الإنسان من تجسُّد الفادي، وأنه إله وإنسان معاً، وعمله، وعمل الروح القدس في تخصيص الفداء للمؤمنين وتجديدهم وتبريرهم وتقديسهم، ووسائط النعمة.

(4) الإسخاتولوجيا: ويبحث في الآخرة، ويشمل كل ما يعلّمه الكتاب عن حالة النفس بعد الموت، وفي القيامة، ومجيء المسيح ثانيةً للدينونة العامة، ونهاية العالم، والسماء وجهنم.

وقد زاد بعضهم قسماً خامساً وسمّوه «الإكليزيولوجيا» وهو يبحث في الكنيسة، ويشمل تعليم الكتاب في ماهية الكنيسة وصفاتها وحقوقها ونظامها.

وقد بنينا كتابنا هذا على مبادئ ثابتة، نذكر منها: 

(1) إن الكتاب المقدس موحى به من الله، وإنه الدستور الوحيد المعصوم للإيمان والعمل.

(2) إن محور علم اللاهوت هو المسيح وعمله.

(3) إن الخلاص كما يقدِّمه الإنجيل هو من الله، بنعمة مجانية وبوسائط إلهية يستخدم الله البشر لإجرائها، غير أن فعلها العظيم هو بواسطة الروح القدس الذي ينير القلب ويجدّده ويقدسه.

(4) غاية المعرفة الدينية هي إصلاح الجنس البشري وبنيانه في الأخلاق والقداسة والسيرة اللائقة والخدمة الخيرية للعالم، وكل ذلك لمجد الله.

 

12 - كيف استخرجت الكنيسة الحقائق التعليمية اللاهوتية من الكتاب المقدس؟

* كان ذلك بالتدريج، ففي أزمنتها الأولى استخرجت التعاليم المختصّة بتثليث الله، وشخص المسيح. وفي القرون المتوسطة استخرجت التعاليم المختصة بالإنسان، ثم استخرجت بعد ذلك ما يتعلّق بالفداء، أي تعليم التبرير. ولا نقصد أن الكنيسة لم تعرف الحق بتمامه منذ نشأتها، بل أنها أخذت تلك الحقائق المهمة كمواضيع للبحث الدقيق بالتتابع.

 

13 – هل يسلِّم الجميع بأن علم اللاهوت يعتمد على حقائق الكتاب المقدس فقط، باعتباره القانون الوحيد المعصوم لإيمان المسيحيين وأعمالهم؟

* لا، فقد زعم العقليون أن للعقل سلطاناً في أمور الديانة أكثر مما للكتاب المقدس، أو معادلاً له، فنسبوا للعقل سلطاناً أكثر مما يحقّ له. وزعم الباطنيون أن للإنسان نوراً داخلياً فوق طبيعي، يفوق سلطانُه سلطانَ الكتاب أو يعادله. وزعم التقليديون أن سلطان كنيستهم (وقد اعتبروها معصومةً من الخطأ) بمنزلة سلطان الكتاب المقدس، وأثبتوا أن التقاليد جزء من الوحي. ولما كان الكتاب المقدس وحده هو المصدر المعصوم لمعرفة أمور الدين، وجب قبل دراسة علم اللاهوت أن نبيِّن بطلان آراء العقليين، والباطنيين، والتقليديين.

الفصل الثالث

اعتقادات العقليين

 

1 - ما هو ملخص تعليم العقليين؟

* يتلخص تعليمهم في أن للعقل السلطان الأول في أمور الدين، وينسبون للعقل سلطاناً فوق ما يحقّ له.

 

2 – ما هي أشهر آراء العقليين؟

* للعقليين آراء مختلفة، أشهرها ثلاثة: 

(1) إنكار الوحي، لأنهم يعتقدون أن العقل هو مصدر كل معرفة واعتقاد ديني.

(2) إمكانية الوحي، فالكتاب المقدس موحى به، غير أن حقائقه عقلية يمكن للعقل البشري أن يصل إليها ويدركها من تلقاء نفسه. وغاية الوحي هي أن يوضح ما يقدر العقل أن يعرفه ويدركه بدون الوحي.

(3) لا يقدر العقل أن يصل إلى بعض الحقائق الموحَى بها ويعرفها من تلقاء ذاته، فينبغي أن يُسلّم بها لأنها مُنزَلة. غير أن العقل عندما يعرفها يجب أن يفسرها، لأنه يقدر أن يدركها.

وحسب هذا الاعتقاد تكون كل حقائق الوحي موجَّهة للعقل لا للإيمان. والعقل يقدر أن يفسّرها كما يفسر غيرها من الأمور المألوفة. وهذا يحوِّل الديانة الإلهية إلى فلسفة عقلية، ليس فيها ما يفوق عقول البشر.

 

3 - لماذا أنكر بعض العقليين إمكانية الوحي؟

* لأنهم زعموا أنه لا يليق بعظمة الله أن يتدخَّل مباشرة في أمور العالم الجارية، لأنه (في رأيهم) تمَّم كل ما يليق أن يعمله في العالم لما أوجد المخلوقات وأعطاها قُواها وصفاتها. وهو لا يعمل شيئاً جديداً بعد ذلك. أما كل ما يحدث بعد الخليقة الأصلية فهو ناشئ عن القوانين الطبيعية بدون تدخل القدرة الإلهية. وزعموا أيضاً أن تدخُّل الله في أمور الكون بعد أن رتَّبه يُظهِر نقص ترتيبه، ويعني أن خالق الكون ومنظمه ناقص الحكمة والقدرة! ولذلك أنكروا إمكان الوحي.

 

4 - ما هي الأدلة على بطلان إنكار إمكانية الوحي؟

* هناك أربعة أدلة على ذلك: 

(1) إنه يناقض شهادة طبيعتنا الأخلاقية، لأننا نشعر دائماً أننا في حضرة الله الذي يرى أعمالنا ويرتّب أحوالنا، ويعمل دائماً في جميع أمورنا، تأديباً لنا أو دفاعاً عنا. وهو ليس إلهاً بعيداً عنا، بل هو قريب، به نحيا ونتحرك ونوجد. يحصي شعور رؤوسنا، وبدونه لا يسقط عصفور على الأرض.

(2) إنه يناقض شهادة وجدان البشر (نفوسهم وقُواها الباطنة). فكل الأمم يشعرون أنهم ملتزمون بالاعتراف بوجود إلهٍ قادر على كل شيء يعتني بكل أمور العالم.

(3) لأن كل البشر كانوا يتوقعون في كل القرون إعلاناً أو وحياً من الله، ويظهرون استعدادهم لقبول كل من يدَّعي ذلك حتى صاروا عُرضةً للغش من أنبياءٍ كذبة كثيرين. وبرهان ذلك أن الكتب الدينية ليست عند المسيحيين فقط، فإن عند غيرهم كتب كثيرة يعتقدون أنها مُنزَلة. فلو كان الوحي مناقضاً للعقل لما توقَّعه العالم أجمع واعتقد بوجوده. وإذا كان الله قد وهب النطق للبشر ليقدروا أن يعبّروا عن أفكارهم لغيرهم، ويسطروها حتى تصل لجميع الناس على مرّ الأجيال، فكيف لا يخاطب واهب النطق خلائقه؟

(4) إنه يناقض الكتاب المقدس الذي يقول إن الله حاضر على الدوام، وإنه يعمل متى شاء وكيف اختار وحيث أراد.

 

5 - ما هي براهين منكري الوحي على صحَّة رأيهم؟

* قالوا إن تدخل الله ثانيةً بواسطة الوحي يبرهن أن عمل الله الأول في الخلق كان ناقصاً. ولكن هذا مردود عليه بأن ما كان يكفي الإنسان من التعليم وهو في حالة الطهارة لا يكفيه بعد سقوطه، وأنه بسبب سقوط الإنسان تغيَّرت أحواله، فأصبح محتاجاً لتعليمٍ جديد يوافق أحواله الجديدة.

 

6 - ما هي الأدلة على لزوم الوحي؟

* يتبرهن لزوم الوحي مما يأتي: 

(1) يشعر كل واحد بالاحتياج للوحي ليعرف أصل الإنسان وطبيعته وعلاقته بخالقه، وما يختص بالخطية وكيفية غفرانها، والخلود. وهي أمور لا يقدر أن يعرفها ويحلّها من تلقاء نفسه، مع أن معرفتها وحلّها ضروريان للحصول على السعادة والطهارة.

(2) إذا لم يقدر الإنسان أن يجعل نفسه صالحاً وسعيداً في هذا العالم، فهو لا يقدر أن يتأكد من أنه سيصير كذلك في العالم الآتي، خصوصاً وهو يعلم أن وراء الموت داراً مجهولة.

(3) إذا افترضنا أن للفلاسفة قدرةً على حل هذه المشاكل وإراحة أفكارهم بالبراهين الفلسفية، فهذا لا ينفع الإنسان العادي الذي سيبقى مضطرب الفكر في حالة اليأس. عِلماً بأن الفلاسفة أثبتوا دوماً عجزهم عن حل المشاكل العظيمة من جهة الله والنفس والخطية والخلاص والحياة الأبدية. فقد قال »صولون« إنّ قَصْد الآلهة مكتوم تماماً عن البشر. وقال سقراط إن كل معرفة صحيحة بالآلهة هي من الآلهة، وقال أفلاطون: «ليس لنا أن نعرف الحقائق إلا من الآلهة أو من أنبياء الآلهة. وعقل الإنسان يحتاج إلى الإنارة الإلهية ليفهم ما يتعلق بالله كما تحتاج العين إلى نور الشمس لترى الموجودات». وقال أفلاطون في سقراط ورفقائه من الفلاسفة:   «إنهم التزموا أن يعترفوا بجهالتهم، ويسلّموا أن لا شيء يُعرَف ويُفهَم ويُدرَس تماماً». ولما سُئل فارو (أحد مشاهير علماء الرومان في القرن الأول ق م): «ما هو الخير الأعظم؟» أجاب:  »اختلف الفلاسفة في ذلك وقدّموا فيه 320 رأياً»! وفي مدينة أثينا، مركز الفلسفة الوثنية الشهير، وُجد في عهد الرسول بولس مذبحٌ لإله مجهول! (أعمال 17: 23).

ومنذ مجيء المسيح إلى الآن مازالت الأدلة على عجز العقل البشري في حل المسائل الأخلاقية والدينية تزداد قوة حتى قال هيوم الملحد المشهور: «الديانة في كل أبوابها لغز وسِر لا يُحَلّ، ومعظم ما نحصل عليه من أدق البحث عن هذا الموضوع هو الشك وعدم التأكد والتوقُّف عن الحكم». ويماثله قول الرسول بولس:   «إن العالم لم يعرف الله بالحكمة» (1كو 1: 21). وما جاء في سفر أيوب: «أإلى عُمق الله تتّصل أم إلى نهاية القدير تنتهي؟ هو أعلى من السماوات، فماذا عساك أن تفعل؟ أعمق من الهاوية، فماذا تدري؟ أطول من الأرض طوله وأعرض من البحر.. أما الرجل ففارغٌ عديم الفهم، وكجحش الفرا يولد الإنسان» (أيوب 11: 7-12).

(4) لم يعرف البشر الله معرفة كافية بالحكمة، ولا بواسطة نور الطبيعة. فإن جميع الوثنيين من المتقدمين والمتأخّرين، متمدّنين كانوا أو متوحشين، حاولوا كثيراً أن يحلّوا تلك المشاكل المهمة بواسطة نور عقولهم ولم يقدروا.

(5) اختلف الذين يرفضون إرشاد الوحي في إجابة الأسئلة الدينية، ونتج عن آرائهم إنكار الطهارة العائلية، وضياع الراحة السياسية والسعادة الشخصية. ونشأ عن ما يسمونه «إرشاد نور العقل» حالة يمكن أن نسمّيها «جهنم الأرضية»! وقد بحث القديس أغسطينوس هذا الموضوع في كتابه «مدينة الله». وقدم أدلة تظهر احتياجنا للوحي، منها ما يأتي: 

(1) يحتاج الإنسان في حالته الساقطة إلى إعلانٍ من الله يكفي لسدّ حاجاته.

(2) يطلب وجدان الإنسان الديني (قُواه الباطنة) المعونة الروحية والإرشاد للحق.

(3) البشر مستعدون دوماً ليستقبلوا الإعلانات الإلهية لأنهم يتوقعونها ويحتاجون إليها.

(4) لا تقوم الديانة الكاملة بمجرد نظر البشر لله، وتقديم العبادة له، بل بنظر الله أيضاً للبشر وإعلان نفسه لهم، ليكون الاقتراب بين الله وبينهم متبادَلاً، خصوصاً وأن الإنسان يحتاج لاقتراب الله إليه أكثر جداً مما يحتاج الله لاقتراب البشر له. فينبغي أن يخاطب الله البشر قبل أن يخاطبوه هم.

(5) ليس بين آراء البشر الفلسفية أو اعتقاداتهم الدينية الوثنية ما يغنينا عن الوحي مطلقاً، بل بالعكس. فقد أغنانا الوحي عن كل آراء البشر في شأن الدين، وهو يحتوي على كل ما نحتاج إليه من التعليم والإرشاد.

 

7 - ما هو الدليل على إمكان حدوث الوحي؟

* أفضل دليلٍ على ذلك ظهوره في تاريخ الكنيسة، واعتقاد كثيرين من البشر به في كل القرون، فظهوره بهذه الكثرة يبطل إنكاره. ومع أن إنكار إمكانيته مستحيل بداهةً، إلا أن البعض أنكره لأسباب مختلفة منها: 

(1) زعمهم أن الإله غير المحدود عندما يخاطب المخلوقات المحدودة يجعل نفسه محدوداً. والرد على ذلك: إن الله غير المحدود مستقل بنفسه وذو مشيئة واختيار، وإن الذي قدر أن يخلق المحدود يقدر أن يخاطبه ويعلن مشيئته له، دون أن يخالف بذلك صفاته السامية.

(2) زعمهم أن الوحي معجزة، والمعجزة مستحيلة أو بعيدة الوقوع. والرد على ذلك: إن المعجزات ممكنة، وروح الله يقدر أن يخاطب الأرواح المخلوقة على صورته. ويتمّ هذا بطريقةٍ سرّية يعجز العقل البشري المحدود عن رؤيتها.

فالذين ينكرون إمكانية الوحي يقلّلون من قوة الله ويحقّرون شأنه، كأنه عاجز عن تنفيذ مشيئته في المخلوقات بدون الشرائع الطبيعية والظواهر المادية، مع أن الله ملك الكون ورب الطبيعة، المستقل عنها والقادر أن يدبرها كما يشاء.

 

8 – ما هي الأدلة على حدوث الوحي الإلهي، وعلى ماذا تبنيها؟

* نذكر بعض الأدلة التي تقوم على حاجة الإنسان للوحي، وعلى الصفات الإلهية: 

(1) الإنسان ضعيفٌ وعاجز عن معرفة الله من نفسه. ولكنه يحتاج لهذه المعرفة، ويتّضح ذلك منذ سقوط الإنسان إلى تجسد المسيح إلى الآن. فإن البشر في كل مكان وزمان لم يعرفوا الله بالحكمة ولا بنور الطبيعة، حتى أن أشهر الفلاسفة وأغزرهم علماً لم يهتدوا إلى الحق بل ضلوا عنه كما يضل الأعمى وهو يبحث عن النور، وتاقت نفوسهم لمجيء معلِّم من الله ليرشدهم.

(2) صلاح الله وحنوّه على البشر ومحبته لهم، فإنه خلق الإنسان على صورته لأجل مجده، وكلله بقُوى عقلية سامية ومواهب سماوية، وجعله أهلاً لنوال الحياة الخالدة. ولما سقط الإنسان وتوغَّل في الجهل والخطية وصار تحت طائلة الهلاك، أراد الخالقُ المحب الرؤوف الجوّاد أن يخلّصه، فمدَّ له يد المعونة، وأعطاه الوحي لهدايته وإرشاده.

 

9 - ما هي الأدلة على أن الوحي متضمَّن في الكتاب المقدس؟

* يحتوي الكتاب المقدس على الوحي الإلهي، وأدلة ذلك: 

(1) أعلن الأنبياء والرسل أنهم يتكلمون من عند الله، وأنهم مُخوَّلون باسمه وسلطانه أن يطالبوا الناس بقبول تعليمهم طاعةً لله صاحب الرسالة. فإذا رفضنا تصديقهم حكمنا أنهم إما مجانين أو كَذَبة، والحكمان باطلان ومستحيلان، بدليل ما ظهر من حكمتهم وتقواهم، وما صنعوه من المعجزات لإثبات رسالتهم.

(2) لا يوجد في الكتاب ما يناقض إعلان هؤلاء الأنبياء والرسل أنهم من الله، لأنه ليس في نبوّاتهم وتعاليمهم ما يستحيل وقوعه أو يناقض العقل أو الأخلاق. ولو أن ما قالوه كان من عندهم لوجدنا فيه الأخطاء والمتناقضات.

(3) تتضمّن تعاليم الأنبياء والرسل حقائق سامية، لم يكونوا ليعرفوها إلا بوحيٍ إلهي، وهي تكفي حاجات طبيعتنا، وتحل كل ما عجزت عقولنا عن حلّه من المشاكل والمعضلات. كما تصادق على كل ما تشعر به ضمائرنا وطبيعتنا الأخلاقية، وتوافق نفوسنا كما يوافق الهواء الرئتين. وبدون معرفة هذه التعاليم تكون نفس الإنسان كالرئتين بدون هواء.

ويخبرنا الكتاب المقدس بشخص المسيح وأعماله وأقواله، وبأنه أسمى إعلانات الله للبشر وأوضحها، بل هو الله منظوراً، وأقواله هي أقوال الله وكذلك أعماله.

(4) ما فيه من وحدة المعنى مع التقدم في إيضاح الموضوع. فقد كُتبت أسفاره في 1600 سنة بواسطة نحو 50 شخصاً، ومع ذلك فإن كل من يطالعها بالتدقيق يراها كتاباً واحداً كأنها تأليف شخصٍ واحد. ترى فيه أن العهد الجديد يبيِّن إتمام نبوات العهد القديم، والعلاقة بين النبوَّة فيه وإتمامها كعلاقة الساق بالأغصان والجسد بالأعضاء، حتى لا يمكن فهم جزء منه بدون معرفة علاقته بالبقية.

(5) ما في الكتاب من نبوات ومعجزات يشهد أن الله أوحى به، فمعظم ما في العهد الجديد جاء كنبوات في العهد القديم، مما يدل على أن الذين كتبوه كانوا مسوقين من الروح القدس. أما المعجزات فثابتة لأنها حوادث تاريخية روتها كتب التاريخ العالمي.

(6) تأثير الكتاب المقدس في إصلاح الناس وتهذيبهم منذ القديم، ولا يزال. إنه سبب التمدن وقوام التقوى والعدل والحرية، لأنه كلمة الله الحية.

(7) الكتاب المقدس (كما هو عندنا الآن) هو نفس الكتاب الذي كتبه الأنبياء والرسل، ما عدا ما قد يكون قد طرأ عليه من تغييرٍ طفيف جداً بسبب غفلة النُّسَّاخ، الأمر الذي يُنتظر وقوعه. ولكن هذا لا يمسّ جوهره في شيء. وهو منسوب نسبةً صحيحة إلى كتَبَتِه (من موسى إلى يوحنا الرائي) الذين برهنوا صدق رسالتهم بالمعجزات وبالسيرة الحسنة وبالمعرفة الروحية. ولذلك نؤمن أن الكتاب المقدس يحتوي على وحي الله.

(8) كتب أسفار الكتاب المقدس أنبياء ورسل من البشر. ولا بدّ أنهم كانوا صالحين أو طالحين. ولا يمكن نسبة مثل هذا الكتاب إلى طالحين، لأنه يعلن الحرب على الشر، وينادي بأسمى مبادئ الحق والخير، ويعلن لنا إرادة الله الصالحة، فلا بد أن الذين كتبوه صالحون ملهَمون وموحَى إليهم، كما صرحوا بذلك.

 

10 – ما هو رأي العقليين الذين يقولون إن العقل البشري يقدر أن يدرك حقائق الوحي من تلقاء نفسه؟

* يزعم هؤلاء أن المقصود بكلمة الله ليس الكتاب المقدس فقط، بل كل ما استخدمه الله من الوسائط ليوصِّل الحق للبشر وليرشدهم إليه. ولكن الأسفار المقدسة هي أشهر تلك الوسائط، ولو أنها مختلطة بتعاليم بشرية خرافية، وقيمتها تقتصر على وجود الحق فيها. والعقل البشري يقدر أن يميّز الصحيح فيها من الخرافة. فإذا توافق الوحي مع العقل قبلوه، ولكنهم لا يقبلونه لمجرد أنه مُنزَل من عند الله. وهم يقولون إنه لا يجوز أن نؤمن بما لا يدركه العقل. فإذا سُئل أحدهم: لماذا تؤمن بخلود النفس؟ أجاب: لأنه يطابق عقلي. ويقصد أن الأدلة على إثباته تظهر لعقله أقوى من الأدلة على خطئه، ولولا ذلك لرفضه. وإذا سُئل: لماذا لا تصدق تعليم التثليث؟ قال: لأنه لا يطابق عقلي. ويقصد أن الأدلة الفلسفية ضده تظهر لعقله أقوى من الأدلة لإثباته. فهُم لا يسلّمون بصحّة كل ما أُنزل في الكتاب، لأن العقل (في زعمهم) هو الغربال الذي ينقّي الوحي، وهو مقياس المعرفة الدينية. ومن آرائهم أيضاً أن التوراة أُعطيت لليهود الذين مزجوا ما أُوحي به إليهم بأوهامهم الخاصة وآراء الناس الشائعة في عصرهم. فيحقّ للعقل أن يغربل ما كتبه اليهود!

ويزعمون أن الوحي هو في كل تقي يتكلم عن الله، وأن رجال العلوم السياسية وأصحاب المؤلفات الشهيرة التي أفادت العالم هم من أهل الوحي، فقد استخدمهم الله لإرشاد البشر وإفادتهم. وكما استخدم الله وسائط مختلفة لتثقيف البشر استخدم الكتاب المقدس، بدون أن يعطيه صفةً تميّزه عن الوسائط الأخرى الكثيرة.

 

11 - ما هو الرد على رأي العقليين أن العقل البشري يقدر أن يدرك حقائق الوحي من تلقاء نفسه؟

* (1) خطأ المبدأ الأساسي الذي بُني عليه. فليس من الضروري أن ندرك تماماً كل ما يجب أن نعتقده. نعم، لا نقدر أن نؤمن بما هو مجهول أو مستحيل، لكننا نؤمن بأمورٍ كثيرة فوق إدراكنا إذا أُقيمت عليها الأدلة. فنحن نصدِّق بعض الأمور بشهادة حواسنا، ونؤمن بغيرها على شهادة الناس، ونصدّق أن الحي يلد نظيره، وأن النبات ينمو يوما فيوماً، دون أن ندرك كيفية ذلك. فكيف نرفض ما لا ندركه من أمور الدين مع أن الله شهد به؟

(2) هذا الرأي يجعل عقل الإنسان المقياس لكل ما يسمعه من حقائق دينية، ليعرف صحيحها من خاطئها. وهو باطل. فالإنسان ضعيف، يجب عليه أن يصدّق قول الله حتى لو لم يدركه، كما يصدّق الولد قول أبيه وإن كان فوق إدراكه.

(3) هذا الرأي ينكر الفرق بين الإيمان والمعرفة، فالإيمان هو التسليم بأمرٍ ما بناءً على شهادةٍ تثبته. والمعرفة هي إدراك الأمر مباشرةً. فإذا كان الإيمان جهلاً، ولا يحقّ للإنسان أن يقبل ما لا يعرفه عن ذاته، لزم أن تكون أكثر العلوم التي نعرفها جهالة.

(4) هذا الرأي يقصر الديانة على أهل العلم والفلسفة فقط، لأنهم وحدهم (حسب رأي العقليين) يقدرون أن يدركوا ما يعتقدونه.

(5) هذا الرأي يدل على أن الإيمان والمعرفة جهالةٌ واستحالة أيضاً، لأنه يؤدي إلى إنكار كل شيء، فنحن محاطون دائماً بما لا ندركه، مع أنه يحقّ للإنسان أن يؤمن بأمورٍ لا يدركها عقله تماماً، لأنه لا يقدر أن يجاوب بنفسه على كل أسئلة الحياة. ولكننا بالإيمان نقبل ما لا نقدر أن نفهمه فهماً تاماً بعقولنا.

 

12 - ما هو رأي العقليين القائلين إن العلم أفضل من الإيمان؟

* رأيهم أن العلم تخصُّص الفلاسفة، بينما الإيمان لبسطاء الناس الذين يقبلون الديانة بناءً على شهادة الكتاب المقدس، أما العلماء فيقبلونها على شهادة عقولهم، وهي أثبت. وهم يقولون إن ما أظهره نور الوحي للعامة أظهره نور العقل للفلاسفة الذين يبنون إيمانهم على شهادة العقل دون الكتاب. وقد نشأت هذه الضلالة من مزج تعاليم أفلاطون بتعاليم الكتاب، وشاعت أولاً في القرون الميلادية الأولى.

 

13 – كيف ترد على من يقولون إن العلم أفضل من الإيمان؟

* (1) هذا الرأي يُضعِف أساس الدين، لأنه ينقله من شهادة الله إلى براهين العقل. والفرق بين ما تثبته شهادة الله وما يثبته عقل الإنسان هو كالفرق بين الله والإنسان.. فالعقل البشري لا يقدر أن يبرهن صدق ما أعلنه الوحي من الحقائق المهمة مثل التثليث والتجسد والقيامة والتجديد والصلاة و ثبوت المؤمن في المسيح. ولا يقدر العقل أن يكتشف بنفسه ما جرى في جنة عدن من امتحان الإنسان، وسقوطه، وعمل الفداء، وشخص الفادي وحالة النفس بعد الموت لأنها من اختصاص الوحي، فلا نعرفها إلا بإعلان إلهي، وعلينا أن نقبلها اعتماداً على شهادته.

(2) هذا الرأي ينزع الإيمان من الدين ويغيّر طبيعته، ويجعله مجرّد فلسفة، فيفقد قوته ويصير كالأوهام العقلية، أو كموجة في بحر أفكار البشر تظهر قليلاً ثم تضمحل.

(3) هذا المبدأ مبنيٌّ على مبدأ آخر خاطئ يقول إن عقل الإنسان يقدر أن يحكم على ما هو فوق دائرة إدراكه. لقد أعطانا الله الحواس والعقل، ولكلٍ منهما دائرة لا نقدر أن نتخطاها لدائرة الإيمان التي يقع في اختصاصها الخلْق وامتحان الإنسان وسقوطه وغاية الفداء وشخص الفادي وحالة النفس بعد الموت، وغيرها من المواضيع الدينية السامية التي لا يقدر العقل أن يعرفها إلا إذا أعلنها الله له.

(4) هذا الرأي يناقض شهادة الأنبياء والرسل الذين تكلموا عن لسان الله وطلبوا طاعة كلامهم لأنه إعلان الله، وكانوا يعزّزون كلامهم بالقول: «هكذا قال الرب». ورفضوا أن يُسمّوا أنفسهم فلاسفة، وقالوا إن الإنجيل ليس من حكمة البشر، بل هو وحيٌ إلهي (1كو 2: 9-11). فيلزم عن ذلك وجوب قبول الإنجيل بالإيمان لا بالأدلة العقلية، فقد قال المسيح: «إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات».

(5) هذا الرأي يناقض قول التاريخ، فإن الذين اجتهدوا في تحويل الدين إلى فلسفة خاب مسعاهم في كل قرن، ونقض كلُّ جيلٍ من العقليين أفكارَ سابقيهم، مما برهن على أن عِلمهم ليس نهائياً.

فلنصدّق حواسنا وعقولنا في ما يقع ضمن دائرة كلٍ منهما، ولنؤمن بأن كلام الله إعلان إلهي لعقولنا وقلوبنا. فما أشقى حالة من ليس لهم معلّم في الدين يستحق الاستناد إليه أكثر من عقولهم.

 

14 - ما هو مقام العقل في أمور الديانة عند المسيحيين؟

* يرفض المسيحيون آراء العقليين، لكنهم يرون ضرورة استعمال العقل في الدين، لأن الوحي ليس للحيوانات بل لأهل العقل، ولأنه يجب تمييز الحقائق أولاً في العقل ثم قبولها بالإيمان. فمعرفة العقل لازمة للإيمان.

 

15 - ما هو الفرق بين المعرفة والإدراك؟

* المعرفة هي العلم بوجود الشيء مع الوضوح والتحقّق، كمعرفتنا أن الشمس هي مصدر النور والحرارة. وأما الإدراك فهو فهم الشيء فهماً تاماً بكماله، ولذلك يُقال إننا نعرف الله، ولا يُقال إننا ندركه. ومن أمثلة التمييز بينهما أن الإنسان مثلاً يعرف معنى القول: «الله روح» ولكن لا يفهم أحدٌ أو يدرك تماماً طبيعة الله. وكذلك نعرف طريق الخلاص، ولكن ليس من يدرك أسراره. ويعرف الجميع أن النبات ينمو بالتدريج، وأن حركات أجسادنا خاضعة لإرادتنا، وأن المسيح إله وإنسان في طبيعتين متميّزتين وأقنوم واحد، ولكن ليس من يدرك كنه ذلك. وعلى هذا يحقّ لنا أن نؤمن بوجود شيء ولو لم ندرك علة وجوده أو كيفيته. وهذا لا يحطّ من شأن الإنسان العاقل، لأننا لا نطلب منه التسليم بصدق ما لا يعرف معناه.

 

16 - ما هما الأمران اللذان يحق للعقل أن يحكم فيهما في الديانة؟

* يحق للإنسان أن يستعمل عقله في أمرين بروح التواضع والاحترام للحق، والاتكال على تنوير الروح القدس، وهما (1) هل تكلم الله؟ (2) بماذا تكلم الله؟

 

17 - هل يحقّ للعقل أن يرفض إعلاناً من الله لأنه يتضمّن أموراً يعجز عن إدراكها؟

* لا، لأن ذلك يستلزم قوةً وكفاءةً في العقل لم يهبهما الله لنا. وإذا لم يجُزْ للعقل أن يرفض تصديق ظواهر الطبيعة لأنه لا يدركها، فبالأولى أن لا يرفض مثل ذلك في الديانة.

 

18 - هل يجوز لكل إنسان أن يعتمد على حكم عقله فقط في تصديق إعلانات الله؟

* لا، فقد تكون بعض الأمور غريبةً مجهولة المصدر، لكنها ممكنة التصديق. أو أن يكون بعضها غريباً ومُبهماً عند الواحد ومألوفاً مفهوماً عند الآخر. فإذا جعل الإنسان المحدود العقل والاختبار عقله مقياساً لما يمكن حدوثه كان ذلك محض جهالة، فكأنه جعل أفق نظره حدّ الفضاء غير المحدود! وكل من أصرَّ على عدم تصديق أمرٍ لا يمكنه إدراكه، يبقى إلى الأبد يتخبّط في تيه الجهل والكفر، لأنه اعتمد على المحدود.

فالاعتراض على الديانة لأنها تطلب الإيمان بما لا يمكن إدراكه باطل، وإلا لزم الأمر نفسه مع جميع العلوم.

 

19 - هل يحق لنا أن نصدِّق المستحيل؟

* بين الممكن والمستحيل فرق يميِّزه العقل. ومن حق الإنسان أن يرفض ما يراه العقل مستحيلاً عندما يسمع الأدلة على ذلك. على أنه يجب الاعتناء بالحكم في ذلك.

 

20 - هل يجوز أن نحسب أمراً مستحيلاً بدون سببٍ كافٍ؟

* لا، ولكن البعض يرفضون ما يخالف آراءهم أو أغراضهم، والبعض يرفضون ما يشعرون أنه مستحيل، مثل الذين رفضوا دوران الأرض على محورها وسيرها السريع في الفضاء لأنهم لا يشعرون بهما. ولكن كما أن رفض براهين إثبات تلك الحقائق هو جهالة، كذلك رفض الحقائق الموحى بها بزعم أنها مستحيلة لأنها تناقض آراء الذي يرفضها، أو لعدم رؤيته أنها ممكنة، مثل قول البعض إنه من المحال أن شخصاً واحداً يكون إلهاً وإنساناً معاً، رغم أنهم سلَّموا أن الإنسان مادي وغير مادي، ومائت وخالد، وأرضي وسماوي معاً.

ويُشترط في الحكم على المستحيل أمران: (1) أن يصدر عن عقلٍ سليم متواضع يطلب إرشاد الله. (2) أن يصدقه عموم البشر.

ويُشترط في الحكم من جهة وجود المتناقضات في الكتاب المقدس مراعاة ثلاثة أمور: 

(1) تكون غاية العقل الحاكم في المسألة مقدسة وحسنة، ويحكم بروح التواضع وخوف الله وحباً لمجده، لا للبغض والمقاومة وانتقاد كتابه.

(2) ينبغي أن يكون التناقض المفروض وقوعه ظاهراً وواضحاً، وفي نفس مضمون الكتاب لا في ما يُستنتج من عباراته فقط.

(3) إذا قيل عن عبارةٍ من الكتاب إنها تناقض حقيقة ثابتةً بالعقل أو الاختبار وجب أن تكون تلك الحقيقة ثابتةً أيضاً بشهادةٍ إلهية لا بشرية، وأن تكون حقيقة بديهية ضرورية يسلّم بها الجميع. وإلا نكون قد جعلنا الأوهام البشرية والآراء العقلية قياساً للكتاب وحاكماً عليه.

 

21 - ما هو المستحيل؟

* هو ما استُعمل في كل باطل وغير ممكن، وهو ما ناقض ذاته كالقول عن الشيء إنه موجود وغير موجود وإنه حلال وحرام في وقت واحد. ومن الأمور المستحيلة: 

(1) أن يرتكب الله خطأً، أو يرضى بارتكاب خطإ.

(2) أن يأمر الله بتصديق ما يناقض المبادئ التي غرسها في طبيعتنا.

(3) أن يأمر بما يناقض حقيقةً أثبتها الله بإعلان سابق أو ببديهيات في العقل.

 

22 - ما هي الأدلة على أن للعقل الحق في أن يميّز الممكن من المستحيل؟

* (1) يدل الإيمان بأمرٍ على اقتناع العقل بصدقه، فلا يمكن أن يؤمن العقل بصدق أمرٍ مستحيل، فيكون كأنه يصدق وينكر أو يؤمن ويكفر معاً.

(2) يقول الكتاب المقدس إن هذا من حق العقل. فكثيراً ما طلب الأنبياء من بني إسرائيل أن يرفضوا تعاليم الوثنيين لاستحالة صدقها، ولأنها تتضمن أموراً متناقضة ومضادة لطبيعتنا الأخلاقية ولِما هو مسلَّم به. ونهى موسى عن تصديق ما يناقض إعلاناً سابقاً من الله ولو قامت أدلة خارجية لإثباته. وقال الرسول بولس إن مَن يبشر بإنجيلٍ آخر فليكن أناثيما (أي محروماً)، ومن قال إن الخير شر أو حلَّل فعل السيئات لتأتي الخيرات فدينونته عادلة. وعليه فلا يليق أن نؤمن بما هو محال، أو شرير، أو يناقض طبيعتنا العقلية والأخلاقية، أو يخالف كتاب الله.

(3) الثقة بالله هي أساس الإيمان والعمل، فلو صدقنا ما يناقض الشرائع التي غرسها الله في طبيعتنا، انهدمت كل أسس العلم والدين وتلاشى التمييز بين الحق والباطل والحلال والحرام، وصرنا هدفاً للغش من كل ماكرٍ ماهر. فيجب أن نمتحن الأرواح بمقياس عقولنا وبالإعلانات الإلهية.

 

23 - ما هي علاقة العقل بالحق؟

* علاقة العقل بالحق كعلاقة النور بالموجودات، فكما أن النور هو واسطة ظهور الموجودات، لا أصلها ولا سبب وجودها، كذلك العقل هو ما نستجلي به الحق، ولكن العقل ليس أصله ولا سبب وجوده، لأن الحق مستقل عن العقل وسابق لوجوده. وقد أعطانا الله كتابه لينير عقولنا ويرشدنا إلى فهم مسائل سامية مهمة. ولا شك في أنه لم يجعل تناقضاً بينهما وبين الكتاب.

 

24 - هل للعقل حق البحث عن صحة الأدلة على إثبات الوحي؟

* نعم، ونقدم على ذلك ثلاث ملاحظات: 

(1) يدل الإيمان على الاقتناع، والاقتناع مبنيّ على الدليل. وعليه، فالإيمان بدون دليل ضد حكم العقل.

(2) يجب أن يماثل الدليل القضية المقصود إثباتها، فالقضية التاريخية أو الهندسية مثلاً تقتضي دليلاً تاريخياً أو هندسياً. كذلك أمور الروح تقتضي برهاناً من الروح القدس، أي الإعلان بإلهام. وربما أُثبتت قضية واحدة بأدلة متنوعة، ومن ذلك إثبات أن يسوع هو ابن الله العلي، فهذه لها أدلة تاريخية وأخلاقية وروحية ونحوها.

(3) يجب أن يكون الدليل كافياً لإثبات القضية ليقنع كل ذي عقل سليم.

 

25 - ما هي الأدلة على أن للعقل حق البحث في هذه الأمور؟

* (1) لا يطلب الكتاب منا الإيمان بأمرٍ لا تبرهنه الأدلة الكافية. قال المسيح: «لو لم أكن قد عملتُ بينهم أعمالً لم يعملها أحدٌ غيري لم تكن لهم خطية. وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي» (يو 15: 24). وقال بولس إن الأمم بلا عذرٍ في ما يعملونه (رومية 1: 20).

(2) يحسب الكتاب عدم الإيمان من أفظع الخطايا، لأنه لا ينشأ عن عدم وجود أدلة موافقة وكافية. وكل رفضٍ للحق عمداً رغم وجود الأدلة عليه (كرفض اليهود للمسيح) ناشئ عن شر قلب من يرفض الحق (يو 3: 17-19).

(3) يأمرنا الكتاب بأن نفحص الأرواح ونميّزها ونمتحنها.

(4) لأن الإيمان هو قبول الحق بناءً على شهادة كافية ودليل قوي.

 

26 - ما هي مكانة العقل في درس اللاهوت والبحث عن حقائق الطبيعة والوحي؟

* العقل يبحث عن كل ما يتعلق بالخليقة المنظورة لاستجلاء حكمة الله وقدرته وكيفية معاملته لخلائقه وعلاقتها به وببعضها البعض. وأيضاً البحث عن إعلانات الوحي والأدلة على صدقها واستخراج تعاليمها في الله وصفاته وأعماله ومطالبه وواجبات البشر له وبعضهم لبعض. ومن شأنه أيضاً أن يقبل كل ما هو مثبَّت من الوحي بروح التواضع والوقار بدون تأخير.

 

27 - ما الذي تعلمناه مما تقدم؟

* يقبل المسيحيون كل ما يحق للعقل أن يطلبه، فإن الله لا يطالب خلائقه العاقلة بما يناقض العقل، فلا يطلب إيماناً بلا معرفة، ولا بما هو مستحيل، ولا بدون دليل. وتختلف المسيحية مع الوثنيين أهل الخرافات لأنهم يؤمنون بدون دليل كافٍ، كما تختلف مع العقليين الذين ينفون عصمة الوحي لأنهم لا يؤمنون بما لا يدركونه رغم وجود الأدلة الكافية على صدقه، ويجعلون العقل حاكماً على الوحي. أما المسيحي فيقرّ (رغم كل معرفته) أنه محدود وضعيف وجاهل، ويقف أمام الله متواضعاً عاملاً مسؤولاً، ويؤمن بكل إعلانات الله ذي العقل غير المحدود والجودة غير المتناهية.

 

28 - لماذا ينكر البعض أن الإنسان مسؤول عمّا يعتقده في الدين والأخلاق، وما هو الرد عليهم؟

* من أسباب ذلك أنه لما كان الإيمان يستلزم براهين كافية لإثبات ما نعتقده، زعموا أن عدم وجود تلك البراهين يرفع المسؤولية عن الإنسان إذا أخطأ في اعتقاده.

أما الرد على ذلك فهو أن للحقائق الدينية والأخلاقية براهين كافية لإثباتها، يقدر كل إنسان أن يعرفها، ولا يمنعه من معرفتها إلا الغفلة وعدم الميل إلى الحق وقسوة القلب ومحبة الخطية، ورفض كل الوسائل لإنارة العقل وإصلاح الاعتقاد وبيان الحق. ولا بد أن يُسأل الإنسان عن ذلك يوم الدين. كما أنهم يزعمون أن الإنسان غير مسؤول عن اعتقاده، وإلا جاز اضطهاده إذا ضل، وجاز إرجاعه للحق بالإجبار القاسي. وهو مردود بأن الإنسان مسؤول عن اعتقاده أمام الله لا أمام البشر، ولله وحده حق توقيع العقوبة عليه إذا أخطأ. أما إجبار البشر للبشر على الاعتقاد بشيء فينتج شروراً كبيرة، كما نشأ عن ديوان التفتيش وقتل الشهداء. ولا يجوز للبشر أن يعاقبوا الخاطئ إلا على ما يبدو منه من الضرر، للأفراد أو للجمهور.

ومن الأدلة الإيجابية على أن الإنسان مسؤول أمام الله عن اعتقاده ما يأتي: 

(1) ما نراه من معاملة الله للإنسان في حياته. فإن خطأ الإنسان أو فساد اعتقاده في أمور طبيعية لا يرفع عنه المسؤولية، فإذا شرب شيئاً ساماً، أو عرّض نفسه لأحوالٍ خطرة، أو قام بأعمالٍ مضرة أو تغافل عنها، أصبح عرضةً لما ينشأ عنها من النتائج الرديئة.

(2) يدين الضمير على الأعمال المناقضة للحق، ولو كان اعتقادنا حين عملناها أنها حسنة. ومن أمثلة ذلك أن بولس اعترف بخطئه أنه اضطهد الكنيسة، مع أنه حين اضطهدها كان يظن أنه يفعل الخير!

(3) الاعتقاد أن الإنسان لا يُسأل عن أعماله السيئة إذا اعتقد أنها حسنة، يبطل كل مسؤولية عن الشر، ويجعلنا نعتبر العمل الواحد خيراً وشراً في ذات الوقت، إذا صدر من شخصين اختلف اعتقادهما فيه.

(4) إذا لم يكن الإنسان مسؤولاً عن اعتقاده يبطل حكم الله على المخلوقات العاقلة، لأنه لا يجوز له أن يعاقبهم على آثامهم إذا كان اعتقادهم أنها صالحة.

(5) يبيّن التنفيذ البشري للأحكام على المجرمين أن الفساد في الاعتقاد لا يبرر المجرم. لكن الأحكام مرتَّبةٌ على العمل لا على الاعتقاد.

(6) كثير من خطايانا مستقرّ في النفس لا يتجاوزها إلى دائرة العمل. فلو كان الإنسان غير مسؤول عن بُطل اعتقاده لزم أن لا يدينه الله على تلك الخطايا، وذلك مما يرفضه الشخص المستنير العقل.

 

29 - ما هي الفلسفة، وما هي علاقتها بعلم اللاهوت؟

* الفلسفة هي المعرفة المنظّمة التي نحصل عليها باستعمال قوانا الطبيعية، وموضوعها النفس والعقل وقوى الإنسان الأخلاقية والبديهيات والحق الأصلي المطلق وجوهر الكائنات الأصلي والقوات الأصلية في الكون والواجبات. وهي تبحث عن أصل هذه كلها وأسبابها وقوانينها.

أما العلم فهو معرفة الحقائق الطبيعية الظاهرة في الكون ونظامها، وموضوعه على الغالب نوع خاص من الحقائق. وهو يبحث فيها بحسب قواعد وأصول مقررة بهدف اكتشافها وتنظيمها.

أما علاقة الفلسفة بعلم اللاهوت فهي:

(1) غايتهما واحدة، وهي معرفة ما يختص بالخالق والمخلوق وعلاقتهما معاً. غير أن الفلسفة تبحث عن ذلك غالباً بواسطة العقل والحواس، بغضّ النظر عن الوحي. والفلسفة الحقيقية (وكذلك العلم الصحيح) من جانب، والوحي من جانب آخر، لا يتناقضان، ولن يتناقضا مطلقاً. أما علم اللاهوت فيستند على شهادة الوحي، ويبني تعاليمه على إعلانات الله. والطريقتان جيدتان ولا تناقض بينهما. ولو أن الفلسفة تكشف المسائل ولا تقطع بأجوبتها، بينما علم اللاهوت يقطع بأجوبة تلك المسائل ويحل معضلاتها، فتكون الفلسفة بمنزلة قفل، وعلم اللاهوت بمنزلة مفتاحه.

(2) موافقة أحدهما للآخر، فمع أنه لم يُقصَد بالكتاب المقدس تعليم الفلسفة، إلا أنه يوافقها. ومبادئ الفلسفة الصحيحة الممزوجة بتعاليم الكتاب المقدس، وكل ما تعلمه في شأن الحلال والحرام هو في الكتاب المقدس.

(3) سموّ علم اللاهوت على الفلسفة بسبب تعاليمه واتساعها. فيجب على اللاهوتي أن يجعل اعتقاداته الفلسفية مطابقةً لتعاليم الوحي، فليس للإنسان أستاذُ فلسفةٍ مثل الله، ولا مرشد إليها مثل كتابه المقدس. وإلا ففلسفته تُفسد عقائده اللاهوتية وتضلله، لأن أكثر التعاليم الباطلة في كل القرون نشأت عن إخضاع التعاليم اللاهوتية المبرهَنة بالوحي الإلهي للآراء الفلسفية التي يخترعها عقل الإنسان. ولا شك أن اللاهوتي الأمين يميِّز بين حقائق الطبيعة غير القابلة للشك والآراء الفلسفية في شأنها التي مصدرها أذهان الفلاسفة القابلة للشك، ويجعل تعليمه موافقاً لحقائق الطبيعة ولحقائق الوحي، لأن الحقائق الطبيعية ثابتة وذات سلطان، لا كالآراء الفلسفية والعقائد المبنيّة عليها، فهذه قابلة للخطأ أو التغيير على الدوام. مثال ذلك: الحرارة والنور والكهرباء والجاذبية وحقائق علم الجيولوجيا والفيسيولوجيا هي ثابتة وباقية. غير أن آراء العلماء فيها وتعليلهم لها واعتقاداتهم المبنيّة عليها يختلف بعضها عن بعض، وتتغير من قرن إلى آخر، حتى أن رجل العلوم لا يقدر أن يدَّعي سلطان آرائه، ورجل اللاهوت لا يقدر أن ينكر سلطان الحقائق الثابتة. فعلى الفيلسوف واللاهوتي أن يطلبا الوحدة في تعليمهما دون خصام لا داعي له ولا فائدة منه.

ولما كان سلطان الكتاب المقدس على قلوب البشر ثابتاً بالأدلة اليقينية، وكان عصيانه أعظم خسارة، وجب على كل مُخلصٍ أن يجتهد في إقناع الناس به، وأن يمتنع عن كل ما يحطّ من شأنه أو يُضعف من نفوذه في العالم. على أنه لا يجوز للاهوتيين أن يحتقروا العلوم، ولا أن يقاوموا تعاليمها إلا متى ناقضت صريحاً تعاليم الوحي. ولما لم يكن هدف الكتاب المقدس تعليم حقائق العلوم الطبيعية، وجب الاحتراس في تفسير إشاراته إلى تلك الحقائق، حتى لا يتكرر خطأ مقاومة بعض رجال الدين للمذهب الكوبرنيكي الذي نادى بدوران الأرض حول ذاتها وحول الشمس. غير أن الكتاب المقدس لم ولن يتأثر بمثل ذلك، فقد سقطت التفاسير الباطلة. وبما أن التفسير ليس وحياً، فإن سقوطه لا يمس الوحي في شيء، بل يمسّ فقط مكانة المفسّرين.

 

30 - ما هي واجبات معلِّم الدين من جهة الآراء الكفرية، وكيف يتصرف في مقاومتها؟

* لما كانت مسؤولية معلم الدين أن يدافع عن الإنجيل، فلا عجب أن تقاومه حكمة هذا الدهر. وقد أشار المسيح إلى هذا  بقوله: «ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً» (لوقا 12: 49). وصادف الرسل ومِن بعدِهم الكنيسة مقاومةً مستمرة إلى يومنا هذا. لكن المعترضين تجاسروا على مقاومة الحق والمجاهرة بالعدوان للإنجيل ونشر آرائهم بين عامة الشعب أكثر من سابقيهم، مستندين في ذلك على معارفهم المتزايدة، وأخذوا ينادون بافتراضاتٍ وتخمينات وآراء لا تثبتها الحقائق الطبيعية، تخالف الكتاب المقدس وشهادة الطبيعة أيضاً. فيجب على معلمي الدين أن يدرسوا الآراء الخاطئة ليقدروا أن يفندوها، عالمين أن الله يقيم من رجال العلم من ينقض الكفر بسلاح الأدلة الطبيعية. وعليهم أيضاً أن ينادوا بحقائق الكتاب المقدس، ويبرهنوها بالأدلة القاطعة المستمدَّة من الوحي والطبيعة.

وعلى معلم الدين أن يراعي النصائح التالية لتساعده على إتمام واجباته: 

(1) يجب أن يتسلَّح بالشجاعة والثقة بثبات الحق الذي لابد أن يغلب كل مقاوميه ويهدم كل أسُس الباطل. وعليه أن يتذكر أن العلم ليس هو الكفر، وأن ليس كل العلماء كافرين. فكثيرون منهم مؤمنون بالحق وبأن علم اللاهوت هو أسمى العلوم وأنفعها للبشر.

(2) على معلِّم الدين أن يعلن جميع تعاليم الكتاب المقدس، ولا يكتم شيئاً منها، وأن يحذر من طلب تفاسير جديدة غريبة ليوفِّق بين الكتاب والأوهام الكفرية، وأن يهتم بالمعنى الواضح. فإذا ظهر أنه أخطأ في فهم أحد معاني الكتاب مما يختص بالطبيعة المادية، فذلك لا يضرّ بسلامة الكتاب عند ظهور كمال الحق بالأدلة الطبيعية السديدة، ويمكن لرجل الدين أن يصلح خطأه. وينبغي أن لا يكون رجل الدين ضعيف الإيمان ولا غامض العبارة في ما يمس شرف الكتاب وحق الإنجيل، بل عليه أن يثبت كل تعاليم الدين بقوله: «هكذا يقول الرب».

(3) على رجل الدين أن يكرز بالحق ويعلّمه بكل غيرة وبساطة ووضوح، لأن الحق أحسن واسطة لإزالة الفساد واستئصال الكفر، فإن تعاليم الإنجيل الطاهرة هي ما يحتاج إليها البشر على الدوام لإرشادهم وراحة ضمائرهم وإسنادهم في الضيق والحزن والتجارب ومحاربة الشر. وعليه أن يركز دائماً على إعلاء الإنجيل، حتى إذا اضطُر أن يردّ على ضلالة أو كفر.

(4) على رجل الدين أن يجتهد في كرازته وتعليمه ليوجه أفكار الناس على الدوام إلى الفادي العظيم، ويبيّن أن الإيمان والسلوك اللائق بالمسيحي هما الأمران المهمان في الديانة. فليقاوم كل كفرٍ وهو ينادي بقول يوحنا: «هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم» (يوحنا 1:  29).

 

31 – إلى أي حدٍّ نتكل على شهادة حواسنا في أمور الدين؟

*  يجب أن نعتمد على شهادة الحواس للأسباب الآتية: 

(1) الثقة بشهادة الحواس من المبادئ التي غرسها الله في طبيعة الإنسان، فلا نقدر أن ننكرها.

(2) الثقة بحواسنا هي بمنزلة الثقة بالله، لأن عدم اعتقادنا بها يعني اعتقادنا أن الله أعطانا ما يُضلّنا!

(3) عدم الثقة بحواسنا ينقُض أسُس اليقين، إذ لا يمكننا أن نتحقق بعد ذلك من وجودنا ولا من وجود العالم.

(4) إعلانات الله تجيء أولاً إلى حواسنا، فعلى من يسمع الوعظ أن يثق في حاسة السمع، ومن يقرأ الكتاب إلى حاسة النظر، ومن قبل شهادة الكنيسة للحق فقد قبلها على شهادة حواسه. فإنكار شهادة الحواس في بعض أمور الديانة يضرّنا، لأنه يُنتج فقدان الثقة بمانح الحواس.

أما قول البعض إننا أحياناً نرتكب الخطأ بحواسنا، فلا يجب أن نتكل عليها، فالردّ عليه أنه لا يجب أن نتكل على حواسنا إلا في ما هو ضمن دائرتها، لأن العين إذا لم تستكمل شروط البصر ربما تغشُّنا، لكن يلزم أن نعتمد عليها في حالة سلامتها.

الفصل الرابع

اعتقادات الباطنيين

 

1 - من هم الباطنيون ولماذا سُمّوا بهذا الاسم؟

*هم الذين لا يقبلون أي إعلان يجيء من خارج أنفسهم بما في ذلك الكتاب المقدس، بل يدَّعون أن لهم إرشاداً داخلياً من الروح القدس خاصاً بهم، يسمُّونه «النور الباطني» يُغنيهم عن الاحتياج إلى أي إعلانٍ ديني خارجي. وهم يقولون إن لهم معرفة عميقة بأسرار الدين تمكّنهم من رؤية ما هو مكتوم عن أعين سائر المتديِّنين. وقد وجدوا لهم أتباعاً في أكثر الملل المشهورة، وخاصةً بين الفرس والمصريين القدماء واليونانيين والبراهمة والبوذيين، كما في المسيحية، وذلك من قديم الزمان إلى عصرنا هذا. وقد سُموا «باطنيين» لزعمهم أن لهم نوراً باطنياً وإلهاماً. وهم فِرقٌ مختلفة يُعرف أمثالهم في العربية بالصوفيين.

 

2 – ما هو ملخص تعليم الباطنيين المسيحيين؟

* لم يتّفق المسيحيون الباطنيون على معتقد واحد، ولهم أربعة مبادئ هامة:

(1) لهم نور داخلي يقودهم لمعرفة الحق وطاعته، فلا يحتاجون إلى الكتاب المقدس. وزعم بعضهم أن الإنسان ينال ذلك كله من الله رأساً.

(2) إنهم ينالون ذلك النور بالسكينة التامة، أي تسليم النفس إلى الله لينشئ معرفة الحق فيها، بدون فكرٍ ولا عمل من جانبهم.

(3) لهم اتّصال سري بعلّة العلل (الله) وذلك يجعلهم (حسب زعمهم) هم والله في غاية الوحدة والاتفاق.

(4) يفضّلون الحسّ النفساني على العقل، ويستخفّون بشهادة الحواس والعقل، ويعوّلون على شهادة الإحساسات الباطنة.

 

3 - ما هو تعليم الكتاب في إنارة الروح؟

* يعلّمنا الكتاب المقدس أن المعرفة وحدها لا تكفي لتجديد الإنسان وتقديسه، كما قال الرسول: «الإنسان الطبيعي لا يفهم ما لروح الله لأنه عنده جهالة. ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً» (1كو 2: 14). ولذلك يحتاج الإنسان لتعليمٍ من الروح في الداخل ينشئ فيه عواطف روحية وحياة مقدسة، وهذا ما وعد المسيح به تلاميذه بقوله إنه يرسل إليهم روح الحق ليسكن معهم ويرشدهم إلى جميع الحق (يوحنا 15: 26). وهذا يبرهن أن الله يكلّم نفوس الناس، ويُظهر نفسه لشعبه لا للعالم، ويعطيهم روح الإعلان في معرفته (أف 1: 17). غير أن بين هذا التنوير وما يدَّعيه الباطنيون فرقاً في ثلاثة أمور:

(1) في الغاية منه: فإن غايته عند المسيحيين تمكينهم من فهم ما أعلنه لنا الكتاب (1كو 2: 12). وعند الباطنيين أنه يغنيهم عن الكتاب بما يكشفه لهم من الحق.

(2) في وسيلة الحصول عليه: فالمسيحيون ينالون إنارة الكتاب بالصلاة والاجتهاد في معرفة الحق المعلَن. أما الباطنيون فيظنون أنهم ينالون الاستنارة بترك الوسائط وإماتة الحركات الداخلية والخارجية، وتوقُّع دخول الله إلى النفس وهي في حالة السكينة.

(3) في النتيجة: فإن نتيجة الإنارة الحقيقية في المسيحيين هي حلول كلمة الله فيهم بغِنى (كو 3: 16). أما الباطنيون فتسكن فيهم أوهامهم المتنوّعة حسب اختلاف إحساساتهم.

 

4 - ما هو الفرق بين تعليم الباطنيين وتعليم الكتاب المقدس في إرشاد الروح القدس؟

* يعلّمنا الكتاب أن الروح القدس يرشد المؤمنين ويقنعهم بالحق وبواجباتهم، وينمّي فيهم الفضائل المسيحية ويهديهم في طريق الطاعة، بواسطة العمل في قلوبهم، والعناية، والكلمة. أما الباطنيون فيقولون إن النفس تنال إلهاماً خاصاً واتحاداً شخصياً وحلول الروح رأساً بواسطة التسليم لله، بدون عمل من جانبهم.

 

5 - ما هو الفرق بين تعليم الباطنيين وتعليم الكتاب في إرسال النعمة إلى البشر؟

* يعلّمنا الكتاب أن الله يرسل النعمة إلى قلوب المؤمنين لينموا في التقوى، ولقلوب غير المؤمنين ليستميلهم لمعرفة الحق. وأما الباطنيون فيعلّمون أن الله يرسل لقلوب الناس نعمة خاصة على سبيل الإلهام كما ألهم الأنبياء والرسل. فهم يعتقدون أن الله يوحي إلى كل المؤمنين ويعلن لهم أموراً خاصة رأساً.

 

6 - ما هو تعليم مونتانوس؟

* نبغ مونتانوس في القرن الثاني الميلادي، وعلَّم أن المسيح تنبأ بإتيان البارقليط الذي بواسطته يعلن الله إعلاناتٍ جديدة لقلوب شعبه (كما أنبأ الأنبياء بإتيان المسيح وبإعلانات جديدة بواسطته). وهذا التعليم يعني أن ما في الكتاب غير كافٍ لتكميل المسيحيين بإنارة الروح القدس في المعرفة والتقوى، وأنه يجب أن تُضاف إليه إعلانات متواصلة من الروح القدس بنوع خارق للعادة.

 

7 - ما هو التعليم الباطني المنسوب بدون برهان كافٍ إلى ديونيسيوس الأريوباغي؟

* ظهر قومٌ في القرن السادس الميلادي، أسندوا معتقداتهم إلى كتبٍ زعموا (بدون برهان) أن مؤلفها هو ديونيسيوس الأريوباغي. وهو فيلسوف شهير عاش في أثينا في زمان بولس الرسول وتنصَّر على يده. وقد اعتمدت تعاليمهم على بعض آراء أفلاطون الوثني، ومزجوها ببعض العقائد المسيحية، فعلّموا أن الكون كله صدر من الله طبعاً والتزاماً، كالنور من الشمس، لا بإرادة الله ولا بقدرته. وأن ما صدر أولاً ولَّد آخر طبعاً والتزاماً، وهذا ولَّد غيره، وهكذا إلى أدنى رتبة من الموجودات. وعلَّموا أن غاية الديانة والفلسفة رؤية الله التي بها تنال النفس كمال الراحة والسعادة، وأننا ننال تلك الرؤية بالتأمل في أنفسنا دون أن نأتي بأدنى حركة، لأننا جزءٌ من الله.

 

8 - متى امتدَّت الآراء الباطنية وانتشرت؟

* امتدت ما بين القرن السادس والسادس عشر الميلاديين، حين كانت الديانة على الغالب طقسية. في تلك القرون نادى أهل الرأي الباطني بأن غاية الديانة هي الاتحاد السري بالله الذي يتم بالتأمل الطويل، والإنسان في حالة السكينة. وكانوا يستخفّون بمعرفة الحق وبطقوس الكنيسة وأسرارها والشركة الأخوية مع المسيحيين. ومنهم من نادى بألوهية الكون (وحدة الوجود)، أي أنه لا يوجد شيء غير الله، وأن الكون هو الله ظاهراً. وبهذا يكون الإنسان جزءاً من الله. وعندما يشعر الإنسان أنه واحد مع الله يرتقي إلى أسمى درجة من السعادة. وكل هذا يتم بالتأمل وإماتة الجسد وشهواته. وكان مِن أهل الرأي الباطني أتقياء حارين في الروح، رفضوا الاتكال على طقوس الكنيسة، واعتبروا الديانة روحيةً قلبية. ومن هؤلاء برناردوس وتوما الكمبيسي صاحب كتاب «الاقتداء بالمسيح» وغيرهما. ومما اعتقده هذان الفاضلان (مما هو خارج عن الكتاب المقدس) لزوم الاتحاد الباطني مع الله بطريقة تختلف عما ورد في الأسفار المقدسة، وهو أن الإنسان يتّحد بالله حتى يصيرا جوهراً واحداً، وتكون لهما حياة واحدة مشتركة. واعتقدوا أن هذا يتم بالانقطاع عن العالم وقمع الجسد والتأمل الروحي والاتضاع الكلي أمام الله. ولا شك أن المبدأ الأساسي عندهم صحيح، وهو أن الديانة الحقيقية قلبية لا طقسية. غير أن كيفية تمسّكهم بها وتعاليمهم وعوائدهم كانت بعيدة عن تعليم الإنجيل من جملة وجوه.

 

9 - ما هما المبدآن اللذان مال الناس إلى تحريفهما في وقت إصلاح مارتن لوثر؟

* لا يمكن حدوث ثورة عظيمة في تعاليم الكنيسة ونظامها (كالذي جرى في القرن السادس عشر) بدون ظهور بِدع ومذاهب خاطئة. ومن المبادئ التي يميل الناس إلى تحريفها أكثر من غيرها في مثل تلك الأحوال اثنان:

(1) إن للإنسان حق الحكم لنفسه فيما يعتقده. فقد أعلن علماء الإصلاح أن لكل إنسان حقاً أن يحكم في ما يطلبه الله منه في إعلاناته الإلهية. وكان قصدهم من إعلانهم هذا أن يدافعوا عن حقوق المؤمنين، وأن يبطلوا دعوى الكنيسة أن لها وحدها حقاً أن تحكم في ما هي تعاليم الوحي. فلما رفض الشعب سلطان الكنيسة في أمور الإيمان، رفض بعضهم كل إرشادٍ خارجي، بما في ذلك إرشاد الكتاب المقدس، واستبدلوه بما حسبوه إلهاماً خاصاً ونوراً داخلياً.

(2) يختصّ الدين بالقلب، ويتوقف قبول الإنسان عند الله على تجديد قلبه وإيمانه الداخلي، وظهور ثمار ذلك الإيمان في سيرته، وليس فقط في عضويته في الكنيسة وطاعته لرؤسائها وممارسته لطقوسها. فحرَّفه بعضهم وقالوا إن الأمور الخارجية لا تفيد شيئاً في الدين، وإن الكنيسة وخدّامها وأسرارها وفرائضها بلا فائدة.

 

10 – متى بدأ انتشار التعليم الباطني في أوربا؟

* بعد الإصلاح بنحو قرنين. غير أن أسماء الباطنيين اختلفت في تلك البلدان المختلفة. ففي ألمانيا سُمّوا «البياتست» وفي فرنسا «جانسينست» وفي أسبانيا وإيطاليا «كوايتست». ولكن تعليمهم واحد في الجوهر وهو أن الديانة تقوم باتحادٍ سرّي مع الله يتمّ بالسكينة دون استعمال وسائط النعمة، وبه ترتقي النفس إلى أن تستغني (على رأي بعضهم) عن المسيح، ولا تعود تتوق إليه ولا إلى الله كما هو مُعلَن في المسيح.. وأن الكتاب والصلاة والأسرار لا تفيد الناس إلا في أول درجات الحياة المسيحية.

 

11 - متى نشأت طائفة الكويكرز (أو الفريندز) ومن أنشأها؟

* أنشأها جورج فوكْس في إنجلترا نحو سنة 1650م، ولم يكن من أهل العِلم. وقد استخفّ بأمرين، هما المعرفة والاستعداد العقلي لبشارة الإنجيل. ثم انقسمت طائفته إلى «غير مستقيمي الرأي» ويؤمنون أن الديانة لا تحتاج مطلقاً للوحي، وهم في هذا يتفقون مع العقليين. وإلى «مستقيمي الرأي» لأنهم أقرب إلى الحق، يسلِّمون بأكثر الحقائق الجوهرية في المسيحية، غير أنهم يهملون أسرار الكنيسة، ويحسبون أن لا حاجة للقسوس (الذين يخدمون الدين لقاء أجرٍ) معتمدين على مخاطبة الروح القدس لهم رأساً بما يسمّونه «نوراً داخلياً» فيهم، معتقدين أن الروح والنور الداخلي عمودان هاديان، قوتهما كقوة الكتاب المقدس، يرشدان إرشاداً خاصاً في العبادة والوعظ والتعليم.. وقد اعتمد الكويكرز في أول أمرهم على المبادئ الباطنية. لكن «مستقيمي الرأي» منهم صاروا الآن إنجيليين في الجوهريات، يحترمون الكتاب المقدس، ومنهم كثيرون من أهل التقوى وفعَلة الخير وأصحاب الفضائل المسيحية.

 

12 - ما هو الخطأ الواضح في رأي الباطنيين؟

* يعلِّم مبدأ الباطنيين الأصلي أن الله يقدر أن يكلم نفس الإنسان ويُظهِر له الحق بدون واسطة، ويقنعه به. وأن ذلك قد صدر منه بالفعل في الذين اختارهم ليكونوا أنبياءه. غير أن ذلك من باب المعجزات النادرة الوقوع، ويحتاج إلى أقوى الأدلة لإثباته. ولا شك أن الله قد أعلن أموراً كثيرة لمختاريه مما لم تره عين ولم تسمع به أذن بأنواعٍ وطرق كثيرة. وبهذا ألهم بعض الناس ليكتبوا الأسفار المقدسة لتكون لنا دستوراً وحيداً للإيمان والعمل.

ونعتقد أن الباطنيين قد أخطأوا بادّعائهم أن الله يخاطب كل مؤمن بطريقة مخاطبته للأنبياء، فإنهم بذلك جعلوا كل إنسان دستوراً مستقلاً لنفسه، الأمر الذي يجعله يستغني عن الأسفار المكتوبة بدعوى أنه هو نفسه من أرباب الإلهام.

ومن الأدلة على خطئهم:

(1) لا يوجد برهان على رأيهم في الكتاب المقدس، فالكتاب لا يتضمّن وعداً بإعطاء الروح القدس لكل إنسان ليخبره بكل شيء مباشرةً. وإنما يأمر الكتاب جميع المؤمنين بأن يتبعوا ما أعلنه الله لهم من الحق في كتابه بواسطة أنبيائه ورسله الأطهار، مع الوعد لهم أن الروح القدس يسكن معهم ويرشدهم لمعرفة ذلك الحق. أما ما جاء عن المسحة من القدوس والشهادة في نفس المؤمن (1يو 2: 20، 27 و5: 10)      فلا يؤيد رأيهم، لأن معناه إن الإيمان لا يثبت من شهادة الكنيسة، ولا من برهان المعجزات والنبوات الخارجية بل من شهادة الروح في القلب للحق، وهي تكفي لترشد الإنسان وتحفظه من تصديق التعاليم الكاذبة المضلة.

(2) تعليم الباطنيين يناقض تعليم الكتاب المقدس وطرق العناية المبيَّنة فيه، لأن الله يأمر الناس أن يصغوا لإعلانه لهم فيه، وأن يطلبوا إرشاد الروح القدس، فلا يتبعون أوهامهم الباطنة. وهو يعلِّمنا أن الله جعل الكرازة الواسطة العظيمة لإنارة الناس للخلاص. ولذلك جال الرسل في أقطار المسكونة وبشروا بالإنجيل، وعلَّموا الأمم كلام الله. ولا يزال الإنجيل ينتشر في العالم بهذه الواسطة (مت 28: 19، 20 ومر 16: 15، 1كو 1: 18، 21 ورو 1: 16). وليس في الإنجيل ما يدل على أن الرسل علَّموا الشعب أن يصغوا إلى شعورهم الباطني ليعرفوا الحق.

(3) تعليم الباطنيين يناقض الاختبار، فهو يقول إن الإنسان يعرف الحق بإعلانٍ باطني من الروح القدس. ولكن الاختبار يعلّمنا أن البشر لا يعرفون أمور الله إلا من كتابه الذي هو مصدر المعرفة الروحية الدينية. فلو كان الروح القدس يمنح معرفة باطنية كافية للخلاص لظهرت نتائجها. ولكن حيث لا يوجد الكتاب المقدس لا تكون معرفة حقيقية بالله ولا طهارة قلب، فالكتاب المقدس هو المصدر الوحيد لتعليمنا. أما ما يدَّعيه الباطنيون من نورٍ باطنيّ مطلق للجميع فهو قولٌ باطل.

(4) لا يقدر الإنسان حسب المذهب الباطني أن يتأكد من مصدر أفكاره الباطنية إن كانت من عند الله، أم مِن عند نفسه، أم من عند الشيطان الذي يغيِّر شكله إلى شبه ملاك نور! فربما ظنّ البعض إنهم ملهَمون من الله، بينما هم تحت سلطان روحٍ شرير. وأما ما أوحى به الله فقد أثبته بالبراهين الكافية للجميع، كما قال المسيح: «إن كنت لستُ أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيَّ وأنا فيه» (يو 10: 37، 38). وقال أيضاً: «لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية» (يو 15: 24).
(5) الرأي الباطني يضرّ البشر، ومن أضراره ما أنتجه من عدم احترام تابعيه للفرائض الإلهية، وللكنيسة، وللوظيفة الرعوية، ولسِرَّي المعمودية والعشاء الرباني، وليوم الرب، وللكتاب المقدس.

 

الفصل الخامس

اعتقادات التقليديين

 

1 - من هم التقليديون؟

* هم الذين يؤمنون بسلطان الكتاب المقدس بالإضافة إلى تقاليد الآباء. والتقليد (عندهم) هو ما تسلّموه وتداولوه خلَفاً عن سلف، من العقائد والشعائر الدينية، مشافهةً، مما لم يُكتب في الأسفار المنزلة.

 

2 - ما هو ملخَّص تعليم التقليديين؟

* يتلخص في ثلاثة أمور:

(1) رفض تعليم العقليين الذين يجعلون عقل الإنسان مصدر معرفة الحق ومقياسه، ويعتقدون أن الإيمان يجب أن يُبنى على إعلان الله وشهادته، وأن الإيمان المبني على أساسٍ بشري هو بشري فقط.

(2) يرفضون رأي الباطنيين (انظر فصل4) ويؤمنون باحتياجهم لإعلانٍ إلهي مُرسل إليهم من خارج نفوسهم.

(3) يعتقدون أن بعض ما أعلنه الله مكتوب وبعضه غير مكتوب، ولذلك يشمل قانون إيمانهم الكتاب المقدس والتقليد. وهم يعتقدون أن الشعب لا يقدر أن يميّز الكتب الإلهية عن غيرها ولا التقليدات، ولا أن يفسر الكتاب، لذلك أقام الله له الكنيسة معلّمةً معصومة. وهي تحكم في كل ذلك حكماً قاطعاً معصوماً.

 

3 - ما هي تعاليم التقليديين التي ينبغي البحث فيها؟

* (1) تعليمهم في الكتاب المقدس.

(2) تعليمهم في التقليد.

(3) تعليمهم في الكنيسة أنها معلِّمة معصومة ذات سلطان.

 

4 - ما هما الأمران الصحيحان في تعليم التقليديين عن الكتاب المقدس؟

* (1) أنه موحى به من الله ومنزَّه عن الخطأ. قال المجمع التريدنتيني: «الله هو مؤلف الكتاب، وأنه كُتب بتلقين الروح القدس».

(2) قانونية جميع الأسفار التي يعتقد الإنجيليون بقانونيتها.

 

5 – في أي أمور يختلف التقليديون مع الإنجيليين في شأن الكتاب المقدس؟

* (1) يعتقد التقليديون بقانونية أسفار الأبوكريفا.

(2) يزعمون أن بعض التعاليم الضرورية ليست واضحةً في الكتاب المقدس بالكفاية، وبعضها جاء فيه تلميحاً فقط، وبعضها لا وجود له مطلقاً فيه.

(3) يعتقدون أن الكتاب المقدس صعبٌ ومبهَم، لا يمكن فهمه بدون مفسّر منظور معصوم من الخطأ، هو الكنيسة.

أما الإنجيليون فيعتقدون أن الجميع يمكنهم أن يفهموا من الكتاب، بإرشاد الروح القدس، كل ما يحتاجونه لخلاصهم، لأنه منزَل لكل إنسان، وأن لهم الحق  أن يقرأوه ويفحصوا عن معناه الحقيقي، بل يجب أن يفعلوا هذا.

 

6 - ما هي الأمور التي يعتبر التقليديون أنها تحتاج إلى إثبات من التقليد؟

* هي: (1) قانونية الأسفار. (2) إلهام كاتبيها. (3) تعليم التثليث. (4) التعليم عن الروح القدس. (5) معمودية الأطفال. (6) إبدال السبت بالأحد. (7) درجات الإكليروس. (8) رياسة الأساقفة. (9) دوام الرسولية. (10) حلول الروح القدس عند رسامة رجال الدين. (11) أن العشاء الرباني ذبيحة. (12) الأسرار السبعة. (13) المطهر.

7 - ما هي الشروط اللازمة لقبول تقليدٍ ما على أنه جزءٌ من إعلانات الله؟
* شرطا ذلك:
(1) أن يتضمّن التعليم التقليدي حقاً مُعلَناً من الله لخلاص الإنسان أو إرشاده في ما يؤول لخلاصه.
(2) أن يكون صحيحاً في نفسه، وأن يكون الإيمان به ضرورياً.
ولكن إذا راجعنا الأمور الثلاثة عشر التي أوردناها في السؤال السابق، لا نرى شيئاً منها اجتمع فيه هذان الشرطان. فهي إما ليست من الحقائق الإلهية المعلِنة لخلاص البشر، أو أنها غير صحيحة في نفسها، أو أنها موجودة في الكتاب المقدس.
ولئلا يتوهم القارئ أن إثبات أول تلك القضايا (وهي قانونية الأسفار) ليس له سند إلا من شهادة التقليد، نقول إن قانونية كل سفرٍ من الأسفار المقدسة مسندة بأدلة كافية كثيرة، منها شهادة أهل القرون الأولى للكنيسة المسيحية، الذين كانت لهم وسائط تحقق ذلك. ولكننا لا نعتمد على هذا الدليل وحده، ولا نعتبر تلك الشهادة تساوي التسليم بسلطان التقاليد. فإذا فحصنا جميع تلك القضايا لا نرى لها لزوماً. وإذا رأينا لزومها نرى أنها مبرهنة بالبراهين الكافية من الكتاب نفسه.

8 - ما هو الردّ على التعليم بقانونية الأبوكريفا، ونقص الكتاب المقدس؟

* انظر إجابتنا في فصل 6 س 3. وأما مِن جهة نقص الكتاب المقدس واحتياجه إلى مفسّر معصوم فسنبيّن عدم صحة ذلك في الفصل القادم، وفي هذا الفصل س 11-19.

 

9 - ما المقصود بأن الكتاب المقدس بعهديه هو القانون الوحيد المعصوم للإيمان والعمل؟

* المقصود أنه يتضمن جميع ما شاء الله أن يعلنه للبشر من الأوامر والنواهي والتعاليم. ولما كان هو الكتاب الوحيد المكتوب بسلطان الله وإلهام روحه، والذي يتضمّن كل ما تقدم، كان هو القانون أو الدستور الوحيد للبشر للإيمان والعمل. أما التقليديون فيعتقدون أن القانون المعصوم يشمل الكتاب المقدس، وأسفار الأبوكريفا، والتقاليد التي يقولون إنها تعاليم غير مكتوبة تسلّموها من المسيح والرسل، وتداولوها خلفاً عن سلف، وإنها لازمة لسببين:

(1) لأنها تعلّمهم أشياء كثيرة ليست في الكتاب المقدس.

(2) لأنها توضح معاني الكتاب المقدس وتفسّره التفسير الصحيح.

 

10 - ما هي شروط القانون المعصوم في الإيمان والعمل؟

* شروطه أن يكون قد كُتب بإلهام الروح القدس، فيكون كاملاً ونافعاً للجميع. ونجد هذا كله في الكتاب المقدس كما سنبيّن في الفصل القادم.

 

11 - ما معنى اللفظ اليوناني المترجم للعربية بكلمة «تقليد»؟

* هو تسليم أمرٍ أو قولٍ من واحدٍ لآخر. وهو أيضاً الشيء أو الخبر المنقول أو المسلَّم. وجاءت في العهد الجديد بثلاثة معانٍ:

(1) التعاليم المنقولة من واحدٍ إلى آخر، سواء نُقلت شفاهاً أم كتابةً (2تس 2: 15).

(2) التعاليم أو الأخبار المنقولة شفاهاً عن الآباء جيلاً بعد آخر والمحسوبة عند البعض ذات سلطان، مثل تقاليد الفريسيين التي ذكرها المسيح.

(3) الديانة اليهودية على وجه العموم، وما دوِّن منها في الكتاب المقدس، وما كان متداولاً شفاهاً بين اليهود. ومن أمثلة ذلك قول بولس: «إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي» (غل 1: 14).

 

12 – كيف فهمت الكنيسة المسيحية الأولى كلمة «تقليد»؟

* استخدمت الكنيسة الأولى هذه الكلمة لكل ما وصل إليها من التعاليم الإلهية من المسيح ورسله، سواء كان كتابةً أم شفاهاً، لأنها لم تكن تملك حينئذٍ تعاليم مكتوبة من الرسل، إلا رسائل لبعض الكنائس. فلما جُمعت أسفار العهد الجديد نحو منتصف القرن الثاني، وصارت قانوناً كاملاً للمسيحيين، أشار إليها الآباء بلفظ «تقليدات» أي التعاليم المنقولة عن المسيح ورسله. وسمّوا الأناجيل الأربعة »التقاليد الإنجيلية«، وسمّوا الرسائل »التقاليد الرسولية«، لأنه إلى ذلك الوقت لم يحدث ما يحملهم على التمييز بين التعاليم المكتوبة وغير المكتوبة. وواضحٌ أن ما ذُكر من التقاليد غير المكتوبة من مؤلفات الآباء الأولين لم يكن عندهم مساوياً للأسفار المقدسة، ولا اعتقدوا بوحيه الإلهي. أما الذي سمّوه «تقليداً» فلا يشير إلى تقاليد غير مكتوبة، بل إلى أسفار الكتاب المقدس. ولكن بعد ذلك العصر حدثت مباحثات ومجادلات كثيرة حملتهم على التمييز بين التقاليد المكتوبة (وهي أسفار العهد الجديد القانونية) وبين التقاليد غير المكتوبة. فقبلوا القانون المكتوب وأهملوا التقاليد غير المكتوبة.

 

13 - ما هو تعليم التقليديين في شأن التقليد؟

* تعليمهم هو:

(1) إن المسيح ورسله علّموا أموراً كثيرة غير مكتوبة في الكتاب المقدس (وهذا صحيح).

(2) كانت التعاليم المسمَّاة بالتقليد تُسلَّم من جيل لآخر قرناً بعد قرن.

(3) إنها جزء من قانون الإيمان لكل المؤمنين.

(4) يُقال إن تلك التقاليد غير مكتوبة لعدم وجودها في الأسفار المقدسة. غير أنها كانت محفوظة في مؤلفات الآباء وقوانين المجامع وسجلات الكنيسة.

(5) تعالج وصايا وتعاليماً وطقوساً وفرائض وغيرها لم تُذكر في الكتاب، وتهتم بتفسير أمور مذكورة فيه.

(6) إنها تستحق نفس ما يستحقه الكتاب من الاعتبار، لأن مصدرهما واحد.

(7) يُعرَف صحيحها من كاذبها من قِدمه وعمومه وخاصةً من شهادة الكنيسة التي كل من يرفضها يهلك. وبالإجمال كل ما تقول الكنيسة إنه جزء من الوحي يجب قبوله بدون اعتراض.

 

14 - ما هي الأدلة التي استند إليها التقليديون ليثبتوا سلطان التقليد؟

* (1) إن الكتاب المقدس (على زعمهم) أشار إليه في 2تس 2: 15 و3: 6.

(2) إن الآباء الأولين صدَّقوا سلطانه وأسسوا إيمانهم عليه.

(3) عند معرفة سلطان التعليم الشفاهي للمسيح والرسل، نجده مماثلاً لسلطان تعليمهم المكتوب (وليس من ينكر ذلك من المسيحيين).

(4) ضرورة التقليد لأمرين: (أ) لأن الكتاب المقدس مبهم والتقليد يفسّره. (ب) لأن الكتاب المقدس ناقص كقانونٍ للإيمان والعمل، لعدم وجود تعاليم وفرائض ضرورية فيه، والتقليد يكمله.

(5) شرائع البشر منها ما هو مكتوب ومنها ما هو غير مكتوب ولكنه مسلَّم به عند الجميع. ولما كانت الشريعة الإلهية من جملة الشرائع، لزم أن يكون بعضها مكتوباً وبعضها غير مكتوب.

 

15 - ما هو الردّ على أقوال التقليديين هذه؟

* (1) نعم جاء لفظ «تقاليد» في كلام بولس لأهل تسالونيكي (2تس 2: 15 و3: 6). ولكن كل من يتأمل كلمات بولس يجد أن المقصود بها «كل ما علَّمهم إياه شفاهاً وكتابةً» لا غير. هذا فضلاً عن عدم وجود أمر في الكتاب المقدس بقبول التقاليد واعتبارها جزءاً من الإيمان. ونتيجةً لذلك فإننا لا نحتاج إلى غير ما جاء بالكتاب المقدس (2تي 3: 15-17). صحيحٌ إن ذلك قيل عن أسفار العهد القديم، ولكنه يصحّ على العهد الجديد أيضاً. وكذلك القول: «لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تُنقِصوا منه، لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها» (تث 4: 1، 2). «إلى الشريعة وإلى الشهادة. إن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر» (إش 8: 20). «وكان هؤلاء أشرف (الذين في بيرية) من الذين في تسالونيكي، فقبلوا كلمة الله بكل نشاطٍ فاحصين الكتب كل يوم، هل هذه الأمور هكذا؟» (أع 17: 11) » لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوّة هذا الكتاب: إن كان أحدٌ يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحدٌ يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة، ومن المدينة المقدسة، ومن المكتوب في هذا الكتاب» (رؤ 22: 18، 19). «سراجٌ لرجلي كلامك ونور لسبيلي» (مز 119: 105) «إن بشرناكم نحن أو ملاكٌ من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما (أي محروماً)» (غلا 1: 8 ومز 19: 7 ورو 15: 4 ولو 16: 29 ويو 5: 39 وتث 6: 7 وإش 34: 16 و2بط 1: 19).

فبما أن الكتاب يشهد لنفسه أنه يتضمن إعلانات الله، ولا يرشدنا لمصدر آخر غيره، فلا داعي لقبول غيره ولا لزوم لذلك. وقول التقليديين إن تعليم الإنجيل في زمان الرسل كان شفاهاً لا يبرر تعليمهم بالتقليد، فقد قصد الله أن يكون الدستور الأبدي للإيمان محفوظاً كتابةً وغير متروك للنقل الشفاهي. وفي هذا تظهر حكمة الله ورحمته للبشر.

بل إننا نرى في الكتاب ما يدل على وجوب رفض التقاليد، فقد وبخ المسيح الفريسيين لأنهم اتكلوا عليها (مت 15: 3، 6 ومر 7:7).

(2) لا نظن أن الله يزيد التقاليد على الكتاب المقدس لتكون جزءاً ضرورياً من قانون الإيمان، لأن الكتاب صحيح وكامل وواضح، وتعاليمه محقَّقة، بخلاف التقاليد الشفاهية، فهي عرضة للتغيير والتحريف. نعم إن بعض الكنائس الإنجيلية تقبل بعض العوائد الكنسية التي تسلسلت منذ القِدَم في الكنيسة، والتي لا تناقض الكتاب المقدس، فقبلت عيد الفصح وعيد ميلاد المسيح وغيرهما. غير أنها لا تحسب ذلك ذا سلطان أو جزءاً من كلام الله. وكذلك يعتبر الإنجيليون أحكام المجامع أنها أقوالٌ قديمة وثمينة، ولكنهم لا يعتقدون أنها وحي. وهم يقبلون قوانين الإيمان القديمة المطابقة للكتاب، مثل قانون الرسل والقانون النيقوي، والقانون الأثناسي. غير أن منزلتها عندهم ليست مثل منزلة كلام الله، بل هي كلام أفاضل البشر عبّروا به عن تعاليم الله.

ولو أننا كنا في عصر المسيح ورسله لما ميَّزنا تعاليمهم الشفاهية عن تعاليمهم المكتوبة، فإننا نؤمن بالكتاب المقدس ليس لمجرد أنه مكتوب، بل لأنه وحده كلام الله. ولو تبيَّن لنا أن تقليداً ما هو من تعليم المسيح ورسله لقبلناه دون تردد، باعتباره جزءاً من الكتاب المقدس. فنحن لا نرفض التقاليد لمجرد أنها غير مكتوبة، بل لعدم إمكان إثبات أنها من الرسل.

(3) لا بد أن المسيح ورسله عملوا وعلَّموا أموراً كثيرة لم تُكتب في الكتاب المقدس، ومثال ذلك تفسير المسيح لتلميذي عمواس الأمور المختصة به في العهد القديم (لو 24: 27). ولا بد أن الله قصد بها خير الذين كانت لهم فقط، ولذلك لم يأمر بكتابتها وجعْلها جزءاً من قانون الإيمان. إنها كالأمطار التي هطلت في عصرهم لتروي الأرض في ذلك الزمان، ولم يُقصد جمعها لأجل الأجيال الآتية. ولا يخفى أنه ليس في طاقة البشر مطلقاً أن يحفظوا ما يسمعونه عن غيرهم ويتداولونه من واحدٍ لآخر بعد مرور سنة واحدة، فكم بالحري بعد بضع سنين، فمن المستحيل على البشر أن يتداولوا تعاليم سنة بعد سنة، وجيلاً بعد جيل، وقرناً بعد آخر وتبقى تلك التعاليم على حالها. ومما يزيد الأمر صعوبة أن التعاليم التي نحن بصددها تتعلق بأمور روحية وحقائق دينية يصعب فهمها جيداً على العقل البشري الساقط المظلم. فلا تجوز الثقة بصحة تقاليد دينية في مثل تلك الأحوال بدون براهين قاطعة على تدخُّل الله لحفظها من التحريف، وذلك مما يستحيل إثباته. ولذلك لجأت الكنائس التقليدية لإعلان أنها معصومة من الخطأ في التعليم، وأنها الواسطة التي بها يحفظ الله التقاليد على سلامتها الأصلية.

(4) يحتاج الاعتقاد بتدخل الله ليحفظ التقاليد إلى برهان قاطع ووعد إلهي، ولكن لا دليل لنا على حدوث ذلك ولا وعد لنا به. نعم وعد المسيح كنيسته بأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها، وبأنه يرسل روحه ليسكن مع شعبه ويرشدهم، وبأنه يكون معهم إلى انقضاء الدهر. ولكن هذه المواعيد ليست لجمهورٍ منظور تحت نظام واحد، ولا تدل على أن إحدى الكنائس المنظورة تكون معصومة من الخطأ في تعليمها وأعمالها، ولا على أن التعاليم غير المكتوبة بالوحي تُحفظ على حالتها قرناً بعد آخر، ولذلك لا يوثق بشيء من التقليد. صحيح أن الروح القدس يسكن في الكنيسة الحقيقية التي هي جماعة المؤمنين بالمسيح المتجددين بالروح القدس في كل زمان ومكان، وهو يعلّم ويرشد ويحثّ ويقدّس بواسطة كلام الله المكتوب. لكن الاعتقاد أن ليس لعمل الروح القدس علاقة بكلام الله المكتوب يُفضي إلى الفساد والتمسك بالأوهام الباطلة، كما تبيّن بالاختبار في كل تاريخ الكنيسة. وعلى كل من يثق بحلول الروح القدس فيه وإرشاده له أن يمتحن نفسه في نور إعلان كتاب الله ليتحقق هل هو فيه أم لا.

(5) بنى التقليديون سلطان تقاليدهم على شهادة التاريخ، وسلطان الكنيسة. وشهادة التاريخ للتقاليد ناقصة، فلم يجدوا في القرون الثلاثة الأولى بعد الرسل شهادة تاريخية تبرهن أحد تقاليدهم، بل وجدوا ما يناقضها، فلجأوا إلى الاستنتاج، وقالوا إن ما كان من التعاليم في القرنين الرابع والخامس لا بد من وجوده في القرن الثالث، وعلى ذلك لا بد من وجوده أيضاً في القرنين الثاني والأول. ثم استنتجوا أن مصدر تلك التقاليد هو المسيح والرسل. وواضح جداً أن هذا الاستنتاج خاطئ! هذا، مع أن الكتاب ينبئنا بدخول آراء فاسدة في الكنيسة سراً وينهانا عن قبولها. وقد بيَّن اللاهوتيون الإنجيليون أصل الكثير من التقاليد وكيفية نموها وتقدمها بالتدريج، وأثبتوا من أقوال الآباء الأولين أن تلك التعاليم الغريبة لم تكن معروفة في عهدهم، كما برهنوا أن النظام التقليدي نشأ بالتدريج من جيل لآخر حتى القرن السادس والسابع، وأن كل اجتهاد في بيان علاقة ذلك النظام بالمسيح ورسله غير وافٍ. وقد استمرت الكنيسة الكاثوليكية تفرض على تابعيها أن يؤمنوا أن العذراء مريم حُبل بها بلا دنس، وعصمة البابا والكنيسة في التعليم.

(6) يسلِّم بعض التقليديين أن الكنيسة أخطأت أحياناً بتصديقها بعض التقاليد التي لا دليل على أن الكنيسة الأولى قبلتها، بل يوجد ما يدل على أنها لم تقبلها. ومن أمثلة ذلك قبول الكنيسة أسفار الأبوكريفا بدعوى أنها مثبتة من شهادة الآباء والكنيسة، مع أن جميع الآباء (إلا ما ندر) يرفضون الأبوكريفا، ومنهم أوريجانوس الذي لم يذكرها في فهرسه للأسفار المقدسة، وكذلك أوسابيوس وكيرلس وروفينوس وأثناسيوس الذي رفض جميعها إلا كتاب باروخ لظنه أنه كتب موحى به. ورفض هيلاريوس جميعها وكذلك أبيفانيوس وغريغوريوس النازيانزي وأمفيلوجيوس وإيرونيموس (جيروم) ومجمع لاودكية. وقد قال البابا غريغوريوس الكبير (في القرن السادس) إن أسفار المكابيين لم تُكتب بإلهام، ولكن البابا بيوس التاسع (في القرن التاسع) قال إنها موحى بها! فمن منهما هو المعصوم؟ (بشأن أسفار الأبوكريفا انظر إجابة س 3 من الفصل التالي).

(7) كثيرٌ من تقاليد الكنائس التقليدية يخالف تعاليم الكتاب المقدس، ومن ذلك جواز تقديم العبادة الدينية للصور والتماثيل، وعدم زواج رجال الدين، واستحقاق الأعمال الصالحة، وغير ذلك. وهذه تخالف تعاليم الكتاب. وبما أنهم حاولوا إثباتها من التقاليد ينتج أن التقاليد تخالف الكتاب المقدس.

(8) لا يوجد مقياس لمعرفة صحيح التقاليد من خاطئها، فقد دخل في الأزمنة الغابرة في الكنيسة كثير من التقاليد التي تمسكوا بها، ثم تبيَّن أنها كاذبة فرفضوها. فإذا سلمنا بسلطان التقليد جعلنا الكنيسة عُرضةً لما لا نهاية له من الأخطاء. ويقول التقليديون إن التقليد الصحيح يُعرف دائماً من قِدمه والاتفاق فيه، غير أن هذا مرفوض لأسباب كثيرة: (أ) إذا فرضنا أن الكنائس التقليدية أجمعت على تقليد، فإن ذلك يكون قاصراً عليها وحدها، وليس لكل المسيحيين. (ب) إذا فرضنا أن التقليديين هم كل المسيحيين في العالم، وأنهم يتّفقون الآن في ما يعتقدونه، فلا دليل على أنهم كانوا دائماً يعتقدون نفس ما يعتقدونه الآن، بل بالعكس، لأن أكثر التعاليم التي حاولوا إثباتها بالتقاليد نشأت في الكنيسة في القرون الوسطى وما بعد ذلك. ومن أمثلة ذلك عصمة البابا، والغفرانات، والمطهر، والحبل بمريم العذراء بلا دنس، وغيرها. وأما من جهة اتفاقهم في قبول التعاليم الدينية فنقول إن الكنيسة الشرقية والغربية قبلت تعاليم أريوس مدةً طويلة، وأثبتها كثيرون من الرؤساء وبعض المجامع قبل أن تُرفض. وقبلت الكنيسة الغربية التعليم الأغسطيني وصدَّقت عليه بعض المجامع، وأثبته الباباوات. واختلفت الكنيسة عليه بعد أن قبلته! واستمر الخلاف فيها عليه مدة نحو 800 سنة، إلى أن صدَّق مجمع ترانت النظام المقبول عندهم الآن. فيتعذَّر على الكنائس التقليدية إثبات اتفاقها على الدوام في كثير من المواضيع الدينية. (ج) عدم كفاية ما يوردونه من الأدلة على دوام الاتفاق وعمومه، فقد قالوا بوجود قواعد للإيمان قبلتها كل الكنائس منذ القديم، مع أن كل الكنائس لم تقبل أي قاعدة بالإجماع قبل القرن الرابع.  ويقبل الإنجيليون قوانين مجمع خلقدونية (458م) ومجمع القسطنطينية الثالث (681م) ولا يرفضون قوانين المجامع المسكونية الستة الأولى. ويستند التقليديون على كتابات الآباء، وتقول إنها تبرهن تقاليدهم، مع أن ما وصل إلينا من كتب الآباء من القرون الثلاثة الأولى ليس فيها ما يؤيد صدق تقليدٍ واحد! فإذا كانت البراهين على الاتفاق ناقصة فشهادة الكنيسة كافية! فكأن التقليدي يصدِّق الكنيسة، والكنيسة تصدق نفسها لأنها معصومة من الخطأ!

(9) يصعب على كل الشعب أن يعرفوا كل التقاليد، وهذا يبرهن عدم صلاحيتها لتكون قانوناً لهم، لأن قانون الإيمان يجب أن يكون في يد الشعب. ولكن التقاليد ليست مجموعةً في كتاب واحد بل متفرقة في صحف الكنيسة ودفاترها، فيلزم أن الشعب يقبله على شهادة الكنيسة، فيقبلون قانوناً لا يقدرون أن يجدوا أدلة صدقه. ومن تعليلات التقليديين لوجوب التقاليد أن الكتاب المقدس مبهَم وأن فهمه فوق طاقة الشعب، بل فوق طاقة الكنيسة نفسها بدون مساعدة التقاليد. وذلك غير صحيح، لأن الكتاب المقدس سهل الفهم.

(10) ينتج عن الاعتماد على التقاليد إهمال الكتاب المقدس، لأنه إذا وُجد قانونان متساويان في السلطان، وكان أحدهما يفسّر الآخر ويوضحه ويتسلط عليه، فلابد من الاعتماد على المفسِّر أكثر من الذي يحتاج للتفسير، فيكون إيمان الشعب مؤسَّساً على تفسير الإنسان للأقوال الإلهية لا على الإعلان الإلهي نفسه. فيصدق عليهم قول المسيح: »أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم».

(11) حاول التقليديون أن يثبتوا استناد الإنجيليين على التقليد، غير أن ذلك خلاف الواقع.


16 - ما هو اعتقاد التقليديين في الكنيسة؟

* الكنيسة عندهم هم من يعتقدون اعتقاداً واحداً، ويمارسون أسراراً واحدة، ويطيعون رؤساءهم الدينيين. فقولهم «يعتقدون اعتقاداً واحداً» يستبعد المعترضين والهراطقة، وقولهم «يمارسون أسراراً واحدة» يستبعد غير المعتمِدين. وقولهم «يطيعون رؤساءهم» يستبعد كل الذين يرفضون سلطة الرؤساء الدينيين.

وهذا التعريف غير مبني على معنى كلمة «كنيسة» في العهد الجديد، ولا على ما يعلّمه العهد الجديد عن الكنيسة، وفيه من الأخطاء ما يأتي:

(1) الكنيسة الموعودة بالإرشاد الإلهي هي جماعة منظورة منتظمة كالكنيسة الأرثوذكسية مثلاً، لا مجموع المتّحدين بالمسيح بالإيمان الحقيقي. فكلمة «كنيسة» في الكتاب المقدس تعني شعب الله المؤمن الذين قيل إن المسيح قدّم نفسه عنهم.

(2) ينبغي أن تقوم الكنيسة على النظام الكنسي وحده. وهو باطل، بدليل عدم تعيين الكتاب نظاماً خارجياً للكنيسة. فلم يقم الأساقفة (كما نراهم اليوم) كما نستدل من التاريخ إلا بعد عصر الرسل بزمان طويل، كما أن الرياسة دخلت الكنيسة بالتدريج، وهي غير مثبتة من الكتاب بل من التقليد، لأن بطرس لم يكن رئيساً بدليل مساواته بيعقوب ويوحنا (غل 2: 9)، وبدليل قول بولس إن بطرس مساوٍ لبقية الرسل في المواهب الروحية والسلطان، وبدليل عدم رئاسة بطرس لمجمع الرسل الذي التأم في أورشليم (أع 15)، وتوبيخ بولس لبطرس في أنطاكية (غل 2: 11-21). وحتى إن سلمنا برياسة بطرس على سائر الرسل، فلا ينتج عن ذلك انتقال هذه الرئاسة لمن خلفوه، كما أنه لا يوجد دليل على ذلك مطلقاً.


17 - ما هو اعتقاد التقليديين في عصمة الكنيسة وسلطانها في التعليم؟

* (1) يعتقدون أن الكنيسة جماعة من الناس تحت نظام واحد مُقامة من الله، فهي معلِّمة معصومة ذات سلطان.

(2) إنها مُعدَّة لهذه الوظيفة لأنها مؤتمَنة على كل إعلانات الله المكتوبة وغير المكتوبة، ولأن الروح القدس دائماً حاضر معها يرشدها ويحفظها من الخطأ في التعليم.

(3) تنحصر عصمتها في ما يختص بالإيمان والأخلاقيات، دون الأمور التاريخية والفلسفية والعلمية.

(4) تتركز عصمتها إما في جماعة الأساقفة وهم مجتمعون كخلفاء للرسل ليحكموا في مسائل دينية، وإما في البابا (الباباوات بالتتابع) لأنه نائب المسيح. غير أنهم يعتقدون أن عصمته لا تتجاوز وظيفته إلى شخصه، فهو عرضةٌ للخطأ في سائر أعماله وأفكاره كغيره من البشر. ولكنه عندما يتكلم في الأمور الدينية يكون آلةً في يد الروح القدس، ولذلك يكون معصوماً. وقد صدَّق المجمع الفاتيكاني (المنعقد في روما سنة 1870) على الاعتقاد بعصمة البابا باعتباره معلماً دينياً، وعلى عصمة وظيفته البابوية باعتباره رئيس الكنيسة.

وهذا التعليم يوافق ذوق أكثر البشر الذين لا يدرسون الكتاب المقدس،لأن الكنيسة (بموجب هذا التعليم) قادرة أن ترشدهم وتحررهم من المسؤولية الشخصية في أمور الدين، وتحكم في كل المسائل الدينية لأجلهم، وتخلّصهم من لزوم البحث عن ماهية الحق، وتؤكد لهم خلاصهم بمجرد خضوعهم لها، وتحمل عنهم الخطأ، وتوزع عليهم النعمة، وتفتح لهم باب السماء. ولو كان هذا الترتيب من عند الله لما تجاسرنا أن نرفضه.

 

18 - ما هي أدلة التقليديين على سلطان الكنيسة باعتبار أنها معلمةٌ معصومة؟

* (1) قولهم إن المسيح وعد الرسل وخلفاءهم حتى نهاية العالم أن يعطيهم العصمة والسلطان المبني عليها، ويستشهدون لذلك بما جاء في متى 16: 18-20 ولو 24: 47-49 ويو 16: 13 و20: 23.

(2) الوصية المعطاة للكنيسة أن تكون معلّمةً للعالم (مت 28: 19، 20 ولو 10: 16).

(3) قول الكتاب إن الكنيسة هي عمود الحق وقاعدته وإن أبواب الجحيم لن تقوى عليها.

(4) قولهم إن الله أعطى الكنيسة سلطان الحل والربط، وإن كل من لا يطيعها ينبغي أن يُعامل كوثني (مت 16: 19 و18: 15-18).

(5) قولهم إن الله أمر الكنيسة أن تميّز بين الحق والبطل، فلابد أنها أهلٌ وذات سلطان لذلك (2تس 3: 6 ورو 16: 17 و2يو 10).

(6) قولهم بلزوم مفسر وقاضٍ معصوم ليرشد البشر ويسد احتياجاتهم في أمور الدين.

(7) قولهم بلزوم وجود كنيسة تحمل هذه الصفة حتى تحفظ وحدة التعليم والاعتقاد، وتجمع البشر معاً في حظيرة واحدة تحت رعاية راعٍ واحد.

(8) استنادهم على القياس، وهو أن كل حكومة سياسية لها شريعة مكتوبة ورأس منظور ذو سلطان. والكنيسة هي حكومة منتظمة ذات شريعة، فلابد أن يكون لها أيضاً رأس منظور ذو سلطان.

 

19 - ما هي الأدلة على خطأ اعتقاد التقليديين بعصمة الكنيسة وسلطانها في التعليم؟

* (1) إنه مبني على مذهب خاطئ في ماهية الكنيسة. فقد توهّموا (كما توهم اليهود) أن الكنيسة جماعة منظورة ذات نظام واحد، وظنوا أن أمّتهم اليهودية حسب الجسد هي الكنيسة، وأن لها كل المواعيد الإلهية. غير أن المسيح وبّخهم على هذا الرأي (يو 8: 33-44 ومت 3: 9). وهاجمه الرسول بولس في رسالتيه إلى رومية وغلاطية حيث أثبت أن الوعد بالخلاص ليس لليهود فقط ولا لجماعة منظورة تحت نظام خارجي، وأن الخلاص لا يتوقّف على التسلسل من إبراهيم جسدياً، ولا على الختان، ولا على التمسك بالديانة اليهودية. وأثبت أيضاً أن جميع المؤمنين الحقيقيين هم أولاد إبراهيم وورثة له، وأن اليهودي في الخارج ليس هو اليهودي الحقيقي. وربما كان الإنسان يهودياً عبرانياً مختوناً في اليوم الثامن، وكان بلا عيبٍ من جهة البر الذي بالناموس، ولكنه لا ينتفع شيئاً من كل ذلك. وبناءً عليه بيَّن إمكانية رفض الله لليهود كأمة، دون أن يخالف عهده مع إبراهيم، لأن الوعد لم يكن لإسرائيل بحسب الجسد بل لإسرائيل بحسب الروح (غل 3: 7 وفي 3: 4-6 ورو 2: 28، 29 و9: 6-8).

لقد أخطأت الكنيسة التقليدية لما نقلت إلى نفسها ما قالته الأمة اليهودية عن نفسها، من أنها وارثة المواعيد وصاحبة حقوق الإنجيل، وإن من يتحد معها ويسير تحت نظامها ينال الخلاص، وإن جميع الذين ماتوا وسيموتون خارجاً عن حضنها لا يستحقون السماء، ولذلك يهلكون. ولا يخفى ما في ذلك من تمام المشابهة بين الرأي اليهودي (الذي أبطله المسيح ورسله) ورأي التقليديين في ماهية الكنيسة.

(2) ويتضح من تعليم المسيح ورسله في الكنيسة والمؤمنين بطلان عصمة الكنيسة وسلطانها: (أ) ليست الكنيسة الحقيقية بالضرورة نظاماً منظوراً، فهي لا تقوم بنظام منظور بل بإيمان أعضائها وصفاتهم الروحية. ويتضح هذا (1) من معنى كلمة «كنيسة» وكيفية استعمالها في الأصل اليوناني، فإنهما يدلان على أن المقصود بها جماعة المدعوين بروح الله، أي المتجددين في القلب (رو 1: 7 و8: 28 و9: 24 و1كو 1: 2 و7: 18-24 وغل 1: 15 وأف 1: 18 و2تي 1: 9 وعب 9: 5 و1بط 2: 9 و5: 10 و2بط 1: 10 ورؤ 17: 14). (2) من صفات الكنيسة، وما يختص بشعب الله المؤمنين الحقيقيين (يو 10: 27 وأف 5: 27 وكو 1: 18، 24 و1بط 2: 5). (3) من تسمية الكنيسة «قديسين» و«أهل بيت الله» و«أبناء النور» و«المختارين للخلاص بتقديس الروح وتصديق الحق» و«جنساً مختاراً وكهنوتاً ملكياً وأمة مقدسة» ونحو ذلك (1كو 1: 2 و30 و3: 16 و16: 1 و19 وأف 2: 3-8 و19-22 وكو 1: 21 و2: 10 و1تس 5: 4 و5 و2تس 2: 13 و1بط 2: 9). (ب) يسكن روح الله في المؤمنين بالحق فيجعلهم أعضاء الكنيسة الحقيقية غير المنظورة التي هي جسد المسيح، سواء اتحدوا بها تحت نظام خارجي أم لا، كاللص على الصليب الذي صار عضواً حياً فيها وخلص دون الدخول تحت نظام كنسي خارجي. وهذا يعني أن المؤمنين لا ينالون حقوق الكنيسة ومواعيدها بنظام خاص. (ج) شرط العضوية في الكنيسة هو الإيمان بالمسيح لا الانتماء لنظامٍ خارجي، فإن المؤمنين الحقيقيين هم أولاد الله وبنو الملكوت وورثة الموعد، سواء كانوا يهوداً أم أمماً، أحراراً أم عبيداً، بغض النظر عن علاقتهم الخارجية بنظام كنسي.

يؤمن الإنجيليون بوجود كنيسة منظورة عامة، أعضاؤها جميع المؤمنين الحقيقيين بالمسيح وأولادهم، يتحدون في العبادة والسهر بعضهم على بعض، ولهم رعاة روحيون حسب تعليم الكتاب. ولكن الكنيسة التي لها مواعيد المسيح لا تنحصر في جماعةٍ معلومة، فقد تسقط جماعة أو كنيسة، ولكن الكنيسة الحقيقية تبقى دائماً قائمة كما حدث في إسرائيل أيام النبي إيليا.

وأهم اختلاف بين الإنجيليين والتقليديين هو في تعريف الكنيسة، فإن صحّ قول الإنجيليين إن كل مؤمن حقيقي هو عضو حي في الكنيسة التي لها مواعيد المسيح بالإرشاد والحفظ، تسقط كل دعاوي التقليديين. فمن الواضح كتابياً أن كل صفات الكنيسة والمواعيد الممنوحة لها لا تَصدُق إلا على المؤمنين بالحق، وكذلك العلاقة بين الكنيسة والله والمسيح، لأنهم هم بنو الله وورثته وجسد المسيح الذين يسكن فيهم بروحه، وهيكل الله الحي، وعروس المسيح، وشركاء مجده، لا الذين ينتسبون لجماعةٍ منظورة.

(3) التعليم بعصمة الكنيسة وسلطانها مبنيٌّ على رأيٍ خاطئ في دوام الرسولية، فالتقليديون يعتقدون أن رؤساء الكنيسة هم الخلفاء القانونيون للرسل، وورثة امتيازاتهم وحقوقهم الرسولية، ولذلك خصّصوا الوعد بموهبة الروح القدس لأنفسهم. وهذا باطل، لأنه دعوى بدون برهان. ويتبيَّن بطلانه من أن عدد الرسل كان معيَّناً، واختارهم المسيح ليشهدوا بصحة تعليمه وحوادث حياته وموته وخاصة قيامته. وليكونوا أهلاً لذلك كان يجب: (أ) أن تكون لهم معرفة ذاتية كاملة بتعليم الإنجيل. (ب) أن يكونوا قد رأوا المسيح بعد قيامته (أع 1: 22). (ج) أن يكونوا ملهَمين من الروح القدس ليكونوا معصومين في تعليمهم. (د) أن يصدِّق الروح على رسالتهم بأن يكلّل تعبهم بالنجاح ويؤيدهم بالمعجزات المتنوعة والمواهب الروحية. وقد اجتمعت كل هذه الصفات والمواهب والمعجزات في الرسل الحقيقيين. ويتحدث الرسول بولس عن نفسه فيقول إنه مرسَل بيسوع المسيح (غل 1:1) وإنه لم يتعلم الإنجيل من الآخرين بل بإعلان خاص من المسيح (غل 1: 12) وإنه رأى المسيح بعد قيامته (أع 22: 8 و1كو 9: 1 و15: 8) وإنه موحى إليه ولذلك يجب قبول تعليمه كتعليم المسيح (1كو 14 :37) وإن الرب شهد له ولصحة رسالته كما شهد لرسالة بطرس (غل 2: 8) وإنه عمل كل أعمال الرسول من العجائب والآيات (2كو 12:12).

ويظهر جلياً من الإنجيل أن وظيفة الرسل وقتية غير قابلة للانتقال والتسلسل، وليس في الإنجيل أمرٌ باستمرارها خلافاً لغيرها من الوظائف الكنسيّة التي لدينا براهين على دوامها، ومنها الأمر بإقامة أشخاص يؤدّون تلك الخدمات، كما أن تاريخ الكنيسة يثبت وجودها منذ بدئه وحتى الآن. أما الرسل فلا برهان مثل هذا على دوامهم، بل بالعكس فليس في الإنجيل أمرٌ بإقامة خلفاء لهم، ولا فيه وعدٌ بدوام المواهب التي تتطلّبها خدمتهم، ولا عندنا خبر بتعيين أحدٍ بعد موت الاثني عشر ليخلفهم، ولا عندنا أدلة تاريخية على وجود أناس بمثل صفاتهم في الكنيسة. غير أنه لما هلك يهوذا طلب بطرس إقامة واحدٍ بدله ليكون شاهداً بقيامة المسيح، لا لحفظ التسلسل الرسولي بدليل قوله: «ينبغي أن الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج.. إلى اليوم الذي ارتفع فيه عنا يصير واحدٌ منهم شاهداً معنا بقيامته» (أع 1: 21، 22). ثم ألقوا قرعتهم فوقعت على متياس، فحُسب مع الأحد عشر رسولاً.

(4) بُنيت عقيدة عصمة الكنيسة وسلطانها على سوء فهم وعد المسيح بحفظ الكنيسة، فلم يعِد المسيح بحفظ الكنيسة المنظورة، بل بحفظ الكنيسة الحقيقية أي جماعة المؤمنين بالحق من الارتداد عن الإيمان، كما وعدهم بإرشاد الروح لهم لمعرفة ما هو ضروري لخلاصهم، وبإعطاء بعضهم مواهب ليعلّموا ويبشروا. وهؤلاء هم القسوس الذين أقامهم الرسل في كل مدينة (تي 1: 5). ولكنه لم يعِدهم بالعصمة ولا بالقداسة التامة في هذه الحياة. نعم، وعد أن يقدس شعبه، ولكنه لم يعِد بأن يجعلهم أصحاب قداسة كاملة في هذه الحياة. نعم وعد أن يعطيهم فرحاً في الإيمان، ولكنه لم يعِد أن يخلّصهم إلى التمام من كل تعب وحزن. نعم وعد أن يعلّمهم ويرشدهم بالروح القدس، غير أن هذا الوعد لا يتضمّن العصمة في التعليم. فكما أن الكنيسة لم تتخلّص من الأتعاب والبلايا والأحزان بمواعيد المسيح، لم تتخلّص من الخطية والخطأ. وواضح أن مواعيد المسيح ليست لرؤساء الكنيسة بل لجميع المؤمنين، ولم يُقصد بها عصمة الكنيسة بل التأكيد أن شعب الله لا يتلاشى من الأرض ولا يُترك ليرتدّ عن الإيمان الحقيقي.

(5) الحوادث التاريخية تكذِّب العصمة، فإن التاريخ يروي كيف أن الكنيسة المنظورة وقادتها أخطأوا وانحرفوا عن الحق، منها قبول أغلب الأساقفة ضلالة أريوس، مع أن الكنيسة كانت قد رفضت هذا التعليم قبل أريوس وبعده. وقد قبلت الكنيسة أكثر القضايا المهمة في تعليم أغسطينوس في مجمع أفسس الثالث سنة 431م في عقائد فساد طبيعة الإنسان وموته الروحي، وعدم إمكان الخاطئ أن يتجدد بدون قوة الروح، وفي اختيار البعض للخلاص وعدم اختيار البعض الآخر. ولكنها في المجمع التريدنتيني رفضت ما سبق أن قبلته، وعلّمت أن النعمة الإلهية ليست إلا إعانةً للإنسان ليرجع إلى الله، وأن المعمودية هي وسيلة التجديد، وأن الشهوة ليست خطية، وسكتت في أمر الاختيار. وواضح من هذا أن الكنيسة غير معصومة في التعليم، لعدم مطابقة تعاليمها بعضها لبعض (أ) فقد قبلت تعاليم تخالف ما قبلته في وقت آخر. (ب) وأثبتت عصمة الكتاب المقدس ولكنها علّمت ما يناقضه! أما الكنيسة غير المنظورة فلها إلهٌ واحد وفادٍ واحد وقانون إيمان واحد ومواعيد واحدة بحضور الروح معها وإرشاده، وبالثبات والغلبة.

(6) أحوال الكنيسة التقليدية الروحية لا توافق دعوى العصمة، لأنه لو صحّت دعواها هذه للزم وجود الديانة الحقيقية الطاهرة والتقوى السامية فيها دون غيرها.

(7) النتيجة الطبيعية لتعليم عصمة الكنيسة أن تبطل الحرية من وجه الأرض، سواء كانت دينية أم عقلية أم سياسية.

20 - كيف تبرهن أن رؤساء الكنائس التقليدية ليسوا خلفاء الرسل، وأنهم الواسطة الوحيدة لوصول النعمة الإلهية إلى البشر؟

* جاء في تاريخ المسيحية رأيان متضادان في وسائط الخلاص التي بها ننال النعمة السماوية:

(1) رأي الكنيسة الإنجيلية أن المسيح هو المخلّص الوحيد الذي افتدانا بدمه، وأننا نحصل على الخلاص بالإيمان به، وأن الإيمان هو نتيجة معرفة الحق وقبوله، وأن الفاعل العظيم في تنوير قلوبنا وتجديدها وتقديسها هو الروح القدس الذي يستخدم في ذلك الحق المعلَن في الكتاب المقدس، وأن الكارزين بالحق هم خدّام مختارون من الله لنشر بشرى الخلاص، ولكن ليس لهم السلطان الخاص بالرسل ولا مواهبهم العجيبة، وأن سِرَّي الكنيسة (المعمودية العشاء الرباني) ليسا إلا من جملة الوسائط لبنيانها وثباتها في الإيمان ونموها في التقوى، وأن فاعليتهما تتوقف على قبولهما بالإيمان لا على ممارستهما بأيدي القسوس، وأن القسوس معيّنون لممارستهما حفظاً لنظام الكنيسة (مز 19: 7-10 و119: 9، 93، 98، 104، 130 وإش 33: 6 و53: 11 وإر 3: 15 وهو 4: 6 وحب 2: 14 ولو 8: 11 ويو 1: 12 و5: 24 و8: 32 و15: 31 و17:17، أع 13: 36 و20: 32 ورو 10: 4-17 و1كو 1: 20، 21 و4: 15 وأف 3: 17 ويع 1: 18 و1بط 1: 23 و1يو 5: 11، 12).

(2) رأي الكنائس التقليدية، وهم يبنونه على الاعتقاد أن رجال الدين هم خلفاء الرسل، ولهم وحدهم سلطان الرسل ومواهبهم، وعلى ذلك فهم وكلاء النعمة الإلهية، وذوو قدرة على توصيلها للبشر بواسطة الأسرار الكنسية، أي أن الله يستخدمهم هم فقط كوسائط ليوصّل نعمته وخلاصه للبشر، كما أعطى الرسل مواهب تجعلهم قادرين أن يعملوا العجائب ويعطوا الروح القدس بوضع أيديهم عليهم، كما فعل بولس في أفسس (أع 19: 6). هكذا فوَّض الله الإكليروس أن يمنحوا بواسطة الأسرار النعمة وتجديد النفس. وبناءً على ذلك يكون قبول الأسرار عن يد الإكليروس ضرورياً للخلاص، وكذلك تتوقف فاعلية الأسرار على ممارستها بالأسلوب الذي يراه الإكليروس قانونياً. وهذا يخوّل الإكليروس سلطاناً في الأمور الروحية لم يخولهم إياه الله، ويملأ أيديهم من القوة لاستعباد البشر.

ويتضح خطأ هذا الرأي من سوء تفسيرهم بعض آيات الكتاب التي زعموا أنها تشير إلى رسامة الإكليروس بوضع الأيادي وقبول الروح القدس، مع أنها لا تشير إلا إلى موهبة عمل المعجزات بقوة الروح القدس لإثبات صدق الديانة المسيحية (1كو 14: 22 ومر 16: 15-18 وأع 4: 29، 30 و5: 12 وعب 2: 4). ولما كانت تلك الغاية وقتية زالت تلك الموهبة بزوالها لعدم لزومها بعد.

ومن الآيات المشار إليها التي قصدنا أن نبيّنها الآن: يو 20: 21، 22 وأع 6: 5، 6 و8: 15 و17 و1تي 4: 14 و2تي 1: 6.

(أ) يو 20: 21، 22 حيث قال المسيح: «كما أرسلني الآب أرسلكم أنا». ولما قال هذا نفخ وقال لهم: «اقبلوا الروح القدس». فقال التقليديون (بدون سند) إن الذين نفخ فيهم المسيح حينئذٍ أفرزهم بذلك لوظيفة إكليريكية في الكنيسة، وإنهم أخذوا منه قوة ليرسموا خلفاء يمنحونهم الروح القدس كما فعل المسيح، وأيضاً موهبة عمل المعجزات، وإن الترتيب يمتد مثل سلسلة رسولية في أجيال الكنيسة. والخطأ في هذا التفسير أنه يفترض أن المسيح قصد أن يرسل الرسل كما أرسله الآب تماماً، فلا يكون ذلك برهاناً على أنه فوَّض إليهم منح غيرهم تلك المواهب الرسولية إلى ما لا نهاية له من تاريخ الكنيسة. كما أن المسيح منح الرسل تلك القوات وأرسلهم لغاية خاصة هي الكرازة بالإنجيل وتعليم البشر شروط المغفرة وصلاح السيرة، لا أن تكون لهم قدرة ذاتية على منح النعمة الإلهية. أما المسيح فأرسله الله فادياً وكاهناً وذبيحة وشفيعاً وملكاً للمؤمنين. ولا يمكن انتقال هذه الوظائف إلى الرسل ولا إلى غيرهم. وبما أنهم كانوا ملهَمين كان تعليمهم وتصريحهم بغفران الخطايا أو بإمساكها بسلطانٍ منه وبالوحي لا محالة. وقبول الرسل الروح القدس من المسيح في هذا الوقت كان يرمز إلى قبولهم إياه قانونياً بعد ذلك ببضعة أيام في يوم الخمسين، ليصبحوا قادرين على تتميم أعماله الخاصة من عمل المعجزات والشهادة للحق وتأسيس الكنيسة المسيحية وتنظيمها. وأما الزعم أنهم حينئذٍ تقلدوا الدرجة الرسولية فتحريفٌ للحق، لأنهم تقلدوا تلك الدرجة قبل ذلك الوقت بنحو ثلاث سنين. ويؤيد ذلك غياب توما عن الرسل وقتئذٍ، لأنه لو صحّ هذا الزعم يكون توما قد استُبعِد من بينهم لأنه لم ينل هذا التكليف معهم.

(ب) أع 6: 5، 6 حيث يقول «فحسُن هذا القول أمام كل الجمهور، فاختاروا استفانوس رجلاً مملوءاً من الإيمان والروح القدس، وفيلبس وبروخورس ونيكانور وتيمون وبرميناس ونيقولاوس دخيلاً أنطاكياً، الذين أقاموهم أمام الرسل، فصلّوا ووضعوا عليهم الأيادي». وهذا خبر رسامة الشمامسة الأولين في الكنيسة، ونرى في القرينة (آيتا 3، 5) أن هؤلاء الأشخاص كانوا مملوئين من الروح القدس قبل رسامتهم وقبل وضع أيدي الرسل عليهم. ويؤيد ذلك ما جاء في آية 8 من أن استفانوس صنع معجزات عظيمة. ولما كان القصد الخاص في رسامة استفانوس ليس القدرة على صنع العجائب وحلول الروح القدس فيه، بل خدمة موائد، كان القول إن هؤلاء الأشخاص أخذوا الروح القدس بسبب وضع أيدي الرسل عليهم زعماً بدون برهان. نعم كان حلول الروح القدس فيهم من الأمور اللازمة لاستعدادهم لخدمتهم، غير أنه كان سابقاً لرسامتهم، ولم يقبلوه برسامة سابقة لوظيفة أخرى أدنى من وظيفة الشماس كما زعم البعض لأنهم لم يرسموا قبل ذلك أبداً، وكانت وظيفة الشماس أدنى وظائف الكنيسة المسيحية حينئذٍ. فهذه الآية وإن كانت تشير للرسامة، إلا أنه لا برهان فيها على أن قبول الروح القدس كان على يد الرسل عند تتميم الرسامة.

(ج) أع 8: 15، 17 حيث يقول: «اللّذين (بطرس ويوحنا) لما نزلا صليا لأجلهم (أهل السامرة) لكي يقبلوا الروح القدس.. حينئذٍ وضعا الأيادي عليهم فقبلوا الروح القدس». حدث هذا بعد ذهاب بطرس ويوحنا من أورشليم إلى السامرة لما عرفوا أن السامريين قبلوا كلمة الله. وعند وصولهما إلى هناك صليا لأجل جميعهم ليقبلوا الروح القدس، ووضعا الأيادي عليهم فقبلوا الروح القدس. ولما رأى ذلك سيمون قدم لهما دراهم لشراء سلطان إعطاء الروح القدس، فوبخه بطرس. وليس في كل هذا ما يشير للرسامة مطلقاً، ولا للخلافة الرسولية، ولا كان من قصد بطرس ويوحنا إفراز أحدٍ للوظيفة الإكليريكية، بل كان قصدهم منح الروح القدس للجميع بوضع الأيادي. ويؤيد ذلك ما جاء من خبر انسكاب موهبة الروح القدس على جميع الذين في بيت كرنيليوس وتكلّمهم بألسنة (أع 10: 44-48). وجاء في أع 19: 6 أن بولس وضع يديه على المؤمنين في أفسس، فحلّ الروح القدس عليهم وتكلموا بلغات. وجاء في 1كو 12: 14 ما يدل على أن تلك المواهب العجيبة لم تكن للإكليروس خاصة بل لكل الشعب، وأنها كانت علامة مفيدة لغير المؤمنين.

ومن هذا يتضح أن إعطاء الروح القدس بوضع أيدي الرسل لم يكن لرسامة إكليروس، ولا لإثبات الخلافة الرسولية بل لمنح مواهب عجيبة. ولا نرى في العهد الجديد خبر إعطاء الروح القدس بغير وساطة الرسل الاثني عشر، وحتى الآن لم يوجد في الكنيسة المسيحية من استطاع ذلك غير الاثني عشر رسولاً.

(د) 1تي 4: 14 و2تي 1: 6 حيث يقول بولس: «لا تهمل الموهبة التي فيك المعطاة لك بالنبوَّة مع وضع أيدي المشيخة.. أذكّرك أن تضرم موهبة الله التي فيك بوضع يديَّ». فقيل إن هاتين الآيتين تشيران إلى رسامة تيموثاوس مبشراً بالإنجيل وكارزاً بالحق، وهذا لا خلاف فيه، وكان بولس من الذين وضعوا الأيادي على تيموثاوس، لأنهم حسبوا الرسل من شيوخ الكنيسة (1بط 5: 1). غير أن تلك الموهبة لم تكن تخوله قدرة لإعطاء الروح القدس لغيره، بل تؤهله للكرازة والتعليم. فليس في ما تقدم دليل على الخلافة الرسولية، ولا على تخويل قدرة إلى غير الرسل لإعطاء الروح القدس. ونستدل مما جاء في أماكن أخرى أن إعطاء الروح القدس للبعض جعلهم قادرين على عمل المعجزات، فلا يبعد أن القصد من منح تيموثاوس تلك الموهبة هو تمكينه أن يعمل المعجزات، مع أن الإشارة في الموهبة هنا هي مساعدته على نشر بشرى الإنجيل.

الآيات المتقدمة إذاً لا تفيد أن وضع الأيادي لإعطاء الروح القدس خاصة بالرسامة، ولا تفيد أن أحداً غير الرسل نال تلك القدرة. فلا سند من تلك الآيات على الخلافة الرسولية، ولا على تفويض منح تلك النعمة الإلهية إلى الإكليروس. وإعطاء الروح مراراً عن يد الرسل لجماعة من الناس عند معموديتهم (أع 8: 15، 16 و10: 44، 45 و19: 6) مما يدل على أن المقصود فيه ليس الرسامة كما زعم التقليديون. لأن من شروط وضع الأيدي أن يكون من وُضعت الأيدي عليه قد تعلم الحقائق الدينية واشتهر بحسن السلوك (1تي 3). وكانت المواهب الروحية تسبق الرسامة ولا تنتج عنها، كما يتضح من أع 6: 2-6 و1تي3 وتي 1: 5-9.

الفصل السادس
اعتقاد الإنجيليين في الكتاب المقدس

1 - ما هو ملخص تعليم الإنجيليين في أن الكتاب المقدس هو قانون الإيمان؟

ملخصه أن كلام الله في العهدين القديم والجديد هو القانون الوحيد الإلهي المعصوم للإيمان والعمل، يعنون بذلك: 

(1) أسفار العهدين هي كلام الله المكتوب بإلهام الروح القدس، فهي معصومة من الخطأ، ولها سلطان إلهي.

(2) إنها تتضمن كل ما أعلنه الله دستوراً دائماً للكنيسة للإيمان والعمل.

(3) إنها واضحة، يقدر الشعب أن يفهم منها كل ما هو ضروري للخلاص باستعمال الوسائط المعهودة وبمعونة الروح القدس، دون احتياج لمفسر أرضي يدّعي أنه معصوم.

 

2 - ما هو تعليم الكنيسة الإنجيلية عن الكتاب المقدس؟

* كلام الله الذي في الكتب المقدسة في العهدين القديم والجديد هو القانون الوحيد الذي به يعلمنا الله كيف نمجده ونتمتع به. ومع أن نور الطبيعة وأعمال الخليقة والعناية تُظهر جود الله وحكمته وقدرته إلى حد لا يُبقي للإنسان عذراً، إلا أنها ليست كافية للتعريف بالله وبمشيئته الضرورية للخلاص. فشاء الله أن يعلن نفسه ومشيئته لكنيسته بأنواع وطرق كثيرة. ثم شاء أن يدوّن ذلك كتابةً، ليحفظ الحق ويذيعه بأفضل طريق، وليثبّت كنيسته ويعزّيها على أتم كيفية ضد فساد الجسد وخبث الشيطان والعالم. وهذا يوضح ضرورة الكتاب المقدس.

ويدخل تحت اسم الكتاب المقدس أو كلمة الله المكتوبة كل أسفار العهد القديم والجديد، التي أعطاها الله قانوناً للإيمان والسلوك.

ولا يتوقف سلطان الكتاب المقدس الموجب تصديقه وطاعته على شهادة إنسان أو كنيسة، بل على الله الذي أوحى به، الذي هو الحق بعينه. فيجب قبول الكتاب لأنه كلمة الله، ويليق بنا أن نوقّر الكتاب المقدس بناءً على شهادة الكنيسة له. وما أكثر الحجج التي يبرهن بها الكتاب أنه كلمة الله، ومنها سماوية مادته، وفاعلية تعليمه، وجلال كلامه، واتفاق كل أقسامه، وهدفه الذي هو تمجيد الله وكشف الطريق الوحيد لخلاص الإنسان، وكماله، وكثرة فضائله الأُخرى التي ليس لها مثيل. ومع هذا كله فإن اقتناعنا الكامل بصدقه المعصوم وسلطانه الإلهي صادر عن فعل الروح القدس الداخلي في قلوبنا، شاهداً بالكلمة ومع الكلمة في قلوبنا.

لقد تدوّنت كل أفكار الله في كل ما يلزم لمجد ذاته ولخلاص البشر وللإيمان والسيرة صريحاً في الكتاب المقدس أو مُستنتجةً منه. ولا يُضاف إليه شيء في أي زمان، سواء كان بإعلانات جديدة من الروح أو بتقاليد البشر. ومع هذا نقرّ أن إنارة روح الله الداخلية ضرورية لنا لنفهم إعلانات الكلمة. أما تصرفنا في الأمور الاجتماعية والسياسية فينبغي أن يكون بحسب نور الطبيعة والحكمة المسيحية المعلَنة في كلمة الله.

والأمور التي يحويها الكتاب المقدس ليست كلها ظاهرة بنفس الدرجة، ولا يفهمها كل الناس بنفس الطريقة، لكن الأمور الضرورية لخلاصنا معلَنةٌ بكل وضوح، فيستطيع العالِم والبسيط أن يفهمها إذا مارس وسائط النعمة العادية كما ينبغي.

وقد كُتب العهد القديم بالعبرانية، وهي لغة بني إسرائيل، وكُتب العهد الجديد باليونانية وهي اللغة الشائعة بين الشعوب في زمن كتابته. وقد أُوحي بهما رأساً من الله وحُفظا بعنايته في كل العصور سليمين من أي تغيير أو تحريف، فحملا إلينا السلطان الإلهي حتى أن الكنيسة تحتكم إليهما في كل خلاف ديني. لكن لما كانت هاتان اللغتان الأصليتان غير معروفتين عند كل شعب الله الذين يجب أن يقرأوها ويفحصوها بخوف الله، وجب أن تُترجم إلى اللغة المفهومة عند كل قوم بلغتهم لتحل كلمة الله فيهم بغِنى، فيعبدوا الله بكيفية مقبولة، وبالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لهم رجاء.

أما القانون المعصوم لتفسير الكتاب المقدس فهو الكتاب المقدس نفسه، فإذا وُجدت آية صعبة نبحث عن معناها فنعرفه من آيات أخرى عبارتها أوضح، فنقرن الروحيات بالروحيات (1كو 2: 13).

والكتاب المقدس هو القاضي الأعلى الحاكم في كل الاختلافات الدينية، وعلى كل قوانين المجامع، وعلى آراء المؤلفين القدماء وتعاليم الناس والمذاهب الخصوصية. فليس غير الروح القدس متكلماً في الكتب المقدسة.

وتشمل الكتب المقدسة كل ما هو لازم للخلاص حتى أنه لا يُطلب من أحد أن يؤمن بما ليس فيها، ولا تتبرهن أية عقائد إلا منها. وقال إيرونيموس (جيروم): «أما الأسفار الأخرى فتقرأها الكنيسة لقدوة السيرة وتهذيب الأخلاق، ولكن لا تستند إليها في تعليم، ولا تثبت منها عقيدة (وهنا ذكر أسماء الأسفار الأبوكريفية). وجميع أسفار العهد الجديد كما هي مقبولة عموماً نقبلها ونحسبها قانونية». وأما الأسفار المسمّاة «الأبوكريفا» فليست من الأسفار المقدسة، ولم تُكتب بوحي إلهي، فلا سلطان لها، وتُعتبر وتُستعمل كسائر المؤلفات البشرية (انظر إجابة السؤال التالي وسؤال 8 في هذا الفصل).

 

3 - ما هو اعتقاد الإنجيليين في الأبوكريفا؟

* كتب الأبوكريفا، هي الكتب المشكوك في صحتها، أو في صحة نسبتها إلى من تُعزى إليهم من الأنبياء، هي كتب طوبيا، ويهوديت، وعزراس الأول والثاني، وتتمَّة أستير، ورسالة إرميا، ويشوع بن سيراخ، وباروخ وحكمة سليمان، وصلاة عزريا، وتسبحة الثلاثة فتيان، وقصة سوسنة والشيخين، وبل والتنين، وصلاة منسى، وكتابا المكابيين الأول والثاني. ومع أن هذه الأسفار كانت ضمن الترجمة السبعينية للعهد القديم، إلا أن علماء اليهود لم يضعوها ضمن الكتب القانونية. وبما أن اليهود هم حفظة الكتب الإلهية، وعنهم أخذ الجميع، فكلامهم في مثل هذه القضية هو المعوّل عليه. وقد رفضوا هذه الكتب في مجمع جامينا (90م) لاعتقادهم أنها غير موحى بها، للأسباب الآتية:

(1) إن لغتها ليست العبرية التي هي لغة أنبياء بني إسرائيل ولغة الكتب المنزلة، وقد تأكدوا أن بعض اليهود كتب هذه الكتب باللغة اليونانية.

(2) لم تظهر هذه الكتب إلا بعد زمن انقطاع الأنبياء، فأجمع شيوخ اليهود على أن آخر أنبيائهم هو ملاخي. وورد في كتاب الحكمة أنه من كتابة سليمان، وهو غير صحيح، لأن الكاتب يستشهد ببعض أقوال النبي إشعياء وإرميا وهما بعد سليمان بمدة طويلة، فلا بد أن هذه الكتابة تمَّت بعد القرن السادس ق.م. ويصف كتاب الحكمة اليهود بأنهم أذلاء، مع أنهم كانوا في عصر سليمان في غاية العز والمجد.

(3) لم يذكر أي كتاب منها أنه وحي، بل قال كاتب المكابيين الثاني (15: 36-40) في نهاية سفره »فإن كنت قد أحسنتُ التأليف وأصبتُ الغرض، فذلك ما كنت أتمناه. وإن كان قد لحقني الوهن والتقصير فإني قد بذلتُ وسعي. ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مُضرّ، وإنما تطيب الخمر ممزوجةً بالماء، وتُعقِب لذةً وطرباً كذلك تنميق الكلام على هذا الأسلوب يُطرب مسامع مُطالعي التأليف«. ولو كان سفر المكابيين وحياً ما قال إن التقصير ربما لحقه!

(4) في أسفار الأبوكريفا أخطاء عقائدية، فيبدأ سفر طوبيا قصته بأن طوبيا صاحَب في رحلته ملاكاً اسمه روفائيل، ومعهما كلب. وذكر خرافات مثل قوله: »إنك إن أحرقت كبد الحوت ينهزم الشيطان« (طوبيا 6: 19). ونادى بتعاليم غريبة، منها أن الصَّدقَة تنجي من الموت وتمحو الخطايا (طوبيا 4: 11، 12: 9). وأباح الطلعة (الخروج لزيارة القبور) وهي عادة وثنية الأصل، وتخالف ما جاء في أسفار الكتاب المقدس القانونية. وجاء في 2مكابيين 12: 43-46 أن يهوذا المكابي جمع تقدمة مقدارها ألفا درهم من الفضة أرسلها إلى أورشليم ليقدم بها ذبيحة عن الخطية »وكان ذلك من أحسن الصنيع وأتقاه« لاعتقاده بقيامة الموتى وهو رأي مقدس تقَوي. ولهذا قدم الكفارة عن الموتى ليُحلّوا من الخطية. مع أن الأسفار القانونية تعلّم عكس ذلك.

(5) في أسفار الأبوكريفا أخطاء تاريخية، منها أن نبو بلاسر دمر نينوى (طوبيا 14: 6) مع أن الذي دمرها هو نبوخذ نصر. وقال إن سبط نفتالي سُبي وقت تغلث فلاسر في القرن 8 ق م، بينما يقول التاريخ إن السبي حدث في القرن التاسع ق م وقت شلمنأصر. وقال طوبيا إن سنحاريب ملك مكان أبيه شلمنأصر (طوبيا 1: 18)، مع أن والد سنحاريب هو سرجون. وجاء في يشوع بن سيراخ 49: 18 إن عظام يوسف بن يعقوب »افتُقدت وبعد موته تنبأت«.

(6) لم يعتبر اليهود هذه الكتب مُنزلة، ولم يستشهد بها المسيح ولا أحد من تلاميذه، ولم يذكرها فيلو ولا يوسيفوس ضمن الكتب القانونية، مع أن المؤرخ يوسيفوس ذكر في تاريخه أسماء كتب اليهود المنزلة، وأوضح تعلّق اليهود بها، وأنه يهُون على كل يهودي أن يفديها بروحه.

(7) سار الآباء المسيحيون الأولون (ما عدا قليلون منهم) على نهج علماء اليهود في نظرتهم إلى هذه الأسفار. ومع أنهم اقتبسوا بعض أقوالها، إلا أنهم لم يضعوها في نفس منزلة الكتب القانونية. وعندما قررت مجامع الكنيسة الأولى الكتب التي تدخل ضمن الكتب القانونية اعتُبرت هذه الكتب إضافية أو محذوفة أو غير قانونية. وعلى هذا فلم يذكرها مليتو أسقف ساردس (القرن الثاني م) من الكتب المقدسة، ولا أوريجانوس الذي نبغ في القرن الثاني، ولا أثناسيوس ولا هيلاريوس ولا كيرلس أسقف أورشليم، ولا أبيفانيوس، ولا إيرونيموس، ولا روفينوس، ولا غيرهم من أئمة الدين الأعلام الذين نبغوا في القرن الرابع. وكذلك لم يذكرها المجلس الديني الذي التأم في لاودكية في القرن الرابع، مع أنه حرر جدولاً بأسماء الكتب المقدسة الواجب التمسك بها. ويقبل الكاثوليك قرارات هذا المجمع.

ولكن لما كانت هذه الكتب موجودة ضمن أسفار العهد القديم في الترجمات السبعينية واللاتينية، فقد أقرّ مجمع ترنت في القرن 16 اعتبارها قانونية، فوُضعت ضمن التوراة الكاثوليكية على أنها كتب قانونية ثانوية، علماً بأن جيروم (إيرونيموس) مترجم الفولجاتا وضع تلك الأسفار بعد نبوَّة ملاخي، فأُطلق عليها في ما بعد »أسفار ما بين العهدين«.

(8) هذه الكتب منافية لروح الوحي الإِلهي، فقد ذُكر في حكمة ابن سيراخ تناسخ الأرواح، والتبرير بالأعمال، وجواز الانتحار والتشجيع عليه، وجواز الكذب (يهوديت 9: 10، 13). ونجد الصلاة لأجل الموتى في 2مكابيين 12: 45، 46 وهذا يناقض ما جاء في لوقا 16: 25، 26 وعبرانيين 9: 27.

(9) قال الأب متى المسكين في كتابه »الحكم الألفي« (ط 1997، ص 3): »كتب الأبوكريفا العبرية المزيفة التي جمعها وألَّفها أشخاص كانوا حقاً ضالعين في المعرفة، ولكن لم يكونوا مسوقين من الروح القدس (2بط 1 :21) مثل كتب رؤيا عزرا الثاني وأخنوخ ورؤيا باروخ وموسى وغيرها«. ثم قال الأب متى المسكين في هامش الصفحة نفسها: »تُسمى هذه الكتب بالأبوكريفا المزيفة«. وهي من وضع القرن الثاني ق م، وفيها تعاليم صحيحة وتعاليم خاطئة وبعض الضلالات الخطيرة مختلطة بعضها ببعض، ولكنها ذات منفعة تاريخية كوثائق للدراسة«.

وبما أن اليهود المؤتمَنين على الكتب الإلهية هم الحكَم الفصل في موضوع قانونية الأسفار المقدسة، وقد أجمع أئمتهم في العصور القديمة والمتأخرة على أنهم لم يظهر بينهم نبي كتب هذه الكتب، فإنه من المؤكد أن أحد اليهود المقيمين في الشتات وضعها. ولو كانت معروفة عندهم لوُجد لها أثر في كتاب التلمود.

4 - ما هو المقصود بقانونية الكتاب المقدس، وما هي الأسفار القانونية عند التقليديين وعند الإنجيليين؟

* معنى «قانون» في الأصل اليوناني كما في العربي «قاعدة». فالمقصود أن الأسفار قانونية تتضمن الحق المنزَل لا غير. وكذلك يُقال «قانون الإيمان» أي قاعدة العقائد الدينية، ويُطلق غالباً على ملخص تعليم الكتاب المتضمن في تلك الصور المختصرة للإيمان المسيحي التي اشتهرت بين الكنائس المسيحية في القرون الأولى، كالقانون الرسولي والقانون النيقوي وغيرهما. وقد استُعملت كلمة قانون في العهد الجديد للدلالة على الحق المعلن للكنائس والمقبول عندها. ومن أمثلة ذلك قول الرسول: «وأما ما قد أدركناه فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه ونفتكر ذلك عينه» (في 3: 16). وقوله: «فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلام ورحمة وعلى إسرائيل الله» (غل 6: 16).

وتُبنى قانونية كل سفر من الأسفار المقدسة على نسبته نسبة صحيحة إلى الذي كتبه بالوحي. ويقبل الإنجيليون أسفار العهد القديم على شهادة الكنيسة اليهودية، وعلى شهادة المسيح ورسله، ويقبلون أسفار العهد الجديد بناءً على أنها مكتوبة إما من الرسل أو رفقائهم ممن أُوحي إليهم. وقد شهدت لذلك الكنيسة المسيحية في القرون الأولى، والمسيحيون الأفاضل في العصور القديمة، ولا سيما شهادة كل سفر بنفسه ولنفسه بناءً على ما يتضمنه من التعاليم الدينية. غير أن الشهادة الخارجية ليست أصل السلطان وأساسه بل هي مما تؤيد ذلك.

 

5 - ما هي الأدلة على قانونية أسفار العهد الجديد؟

* حُسبت هذه الأسفار منذ وجودها مقدسة أي ذات سلطان إلهي خاص بها. وكانت جميعها تُقرأ علانية في الاجتماعات المسيحية على أنها كلمة الله، وجُمعت أسماؤها في فهارس كثيرة منها 13 فهرساً مما كُتب قبل القرن الخامس باقية إلى الآن. ومع أن بعضها ترك أسماء بعض الأسفار، إلا أنها كلها تتفق في عدم ذكر اسم أي سفر من أسفار الأبوكريفا. وكذلك فعلت أقدم ترجمات العهد الجديد، وهي الباشيتو السريانية، فهي لا تتضمن سوى أسفارنا القانونية. وقد كُتبت على هذه الأسفار تفاسير منذ القديم، واستشهد بها كثيرون من الهراطقة وغير المؤمنين، كما استشهد بها المؤمنون على أنها تواريخ صحيحة للدين المسيحي. ومع كل ما تقدم من الاتفاق العام والأدلة على قانونية أسفار العهد الجديد المتَّفق الآن على قانونيتها لا يمكن تعيين الوقت الذي فيه جُمعت معاً، ولا الأشخاص الذين جمعوها، وليس عندنا دليل ولا إشارة إلى أن هذه المسألة بُحثت قانونياً في مجمع كنسي. وأما زعم البعض أن مجمع لاودكية (سنة 364م) قبل أسفار الأبوكريفا قانونياً فغير صحيح، والصواب هو أن ذلك المجمع ذكر فهرس الأسفار التي كانت مقبولة. ولما كانت أسفار العهد الجديد قد كُتبت وأُرسلت في أول الأمر لأفراد وكنائس متفرقة في أقطار العالم، خلافاً لأسفار العهد القديم، احتاجت إلى وقت طويل لإذاعتها ولمعرفة أنها قانونية. وإذا اعتبرنا مع هذا صعوبات النسخ والتوزيع بسبب المقاومة السياسية التي استمرت عدة قرون، لم يلتئم مجمع كنسي للحكم في هذه المسألة وما أشبهها. فلا نتعجب من أن قانونية الأسفار المقدسة اتَّخذت هيئتها الحاضرة بالتدريج. ولابد أن كثرة المؤلفات الأبوكريفية التي ظهرت حالاً بعد العصر الرسولي ونُسبت زوراً إلى أصل رسولي قد عاقت ذلك أيضاً، لأن النظر في دعوى تلك المؤلفات الكاذبة وإبطالها بالأدلة القاطعة كان أمراً عسراً. وواضحٌ أن عدم ذكر أي سفر من تلك الأسفار الأبوكريفية في فهارس الأسفار القانونية، وعدم إجازة قراءة واحدٍ منها في الاجتماعات المسيحية دليل على اجتهاد الكنيسة الأولى وأمانة آبائها.

 

6 - هل قَبِل كل المسيحيين الأولين أسفار العهد الجديد على حدٍّ سواء في وقت واحد؟

* قال أوسابيوس وهو من أشهر المؤلفين في التحقيق والأمانة: «قبِل الجميع دون جدال أسفارنا المعروفة الآن ما خلا الرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب ورسالة يهوذا ورسالة بطرس الثانية وسفر الرؤيا ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة، فقد قبلها الجمهور، ولكن البعض شك فيها، لأن الخمسة الأولى لم تذكر اسم كاتبها، أما رسالتا يوحنا فهما خطابان شخصيان يصعب برهنة صدق قانونيتهما». وفي شأن ذلك نقول إن ضعف برهان قانونية هذه الأسفار السبعة هو بالمقارنة بقوة براهين قانونية بقية الأسفار الإلهية فقط، فالبقية استندت على شهادات أقوى بما لا يُقاس مما يمكن أن يُقدّم من البينات على أحد الكتب الأبوكريفية. ويؤيد ما أظهرته الكنيسة الأولى من التردد والاحتياط في قبول تلك الأسفار أن حكمها الذي أجمعت عليه بعد ذلك كان صائباً تماماً، كما أن شك توما في قيامة المسيح أثبت لنا حدوثها.

 

7 - ما هي الأدلة على قانونية أسفار العهد القديم المقبولة عند الإنجيليين؟

* من ثبوت قانونية أسفار العهد الجديد تتبرهن قانونية أسفار العهد القديم المشار إليها، لأن المسيح ورسله اقتبسوا منها دون غيرها. وقد وبخ المسيح يهود عصره على خطايا كثيرة ليس من بينها إضافة شيء إلى أسفارهم القانونية ولا تحريف شيء منها. نعم إنهم بتقليدهم أبطلوا كلمة الله، ولكن كلمة الله نفسها لم يمسوها. ومن الأمور المقررة عندهم بالتواتر أن تلك الأسفار تفرَّقت وقت السبي البابلي بعد خراب أورشليم والهيكل. ولكن بعد الرجوع من السبي قام بأعباء جمعها نحميا وعزرا، وخصوصاً عزرا. ومع أن كتباً أبوكريفية ظهرت بعد آخر الأنبياء، أكثرها من الإسكندرية، وبعضها أُدرج في الترجمة السبعينية، إلا أنها لم تُعتبر قانونية حتى في مصر، وكذلك لم تُعتبر قانونية بين يهود فلسطين. ولكن على رغم هذا التواتر العام عند حفَظة العهد القديم المعيّنين لذلك من الله (رو 3: 2)، وعلى رغم حقائق التاريخ، حكمت الكنائس التقليدية في مجمع ترانت أن الكتب الأبوكريفية التي في الفولجاتا وغيرها يجب اعتبارها مقدسة وقانونية.

 

8 - ما هي الأدلة التي يستند عليها الإنجيليون والتقليديون في الاعتقاد بقانونية سفرٍ ما؟

* يقبل الإنجيليون قانونية السفر بناء على اقتناعهم من البينات الداخلية والخارجية أنه كُتب بيد رجال ملهَمين، وهو إذ ذاك يتضمن كلام الله الذي كُتب لنا بوحي الروح القدس. أما التقليديون فيستندون على حكم كنيستهم فقط، وهذا ظاهر من أحكام مجمع ترانت الذي حرم كل من لا يقبل أسفار طوبيا ويهوديت والحكمة وحكمة يشوع بن سيراخ ونبوة باروخ وسفري المكابيين على أنها قانونية ومقدسة، مع أن اليهود لم يحسبوها كذلك، ولا قبلتها الكنيسة المسيحية القديمة مطلقاً، بل بالعكس جميع الآباء الذين عرفوا العبرانية جيداً والذين بحثوا عن هذا الموضوع أجمعوا على رفضها.

 

9 - ما هو اعتراض الكنيسة الإنجيلية على الكنيسة التقليدية في تحقيق الأسفار القانونية؟

* لها على ذلك اعتراضان:

(1) إننا لم نأخذ القانون من الكنائس التقليدية المعروفة الآن، ولا من كنائسهم التي كانت في القرن السادس عشر، بل من الكنيسة المسيحية الأولى.

2 - وظيفة الكنيسة في شأن تلك الأسفار محصورة في المحافظة عليها والشهادة لها، فتحافظ على سلامتها من الزيادة والنقصان والتحريف، وتسلّمها إلى من يأتي بعدها شاهدة لهم بصدقها. وهكذا من عصر لآخر. وهذا ما فعلته المرأة السامرية التي قالت لأهل بلدها: «هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت» (يو 4: 40). فإنها لم تكن سبباً في أن يكون المخلِّص كما كان، ولا أنتجت فيهم الإيمان الخلاصي، بل عرَّفتهم به فقط. ولما آمنوا لم يؤمنوا بسبب كلامها، بل لأنهم سمعوا المسيح وعلموا أنه هو بالحقيقة المخلِّص المنتظر.

 

10 - ماذا يؤيد شهادة الكنيسة الأولى لإثبات قانونية الأسفار المقدسة؟

* يؤيده قربها إلى العصر الرسولي ومعرفتها اللغة الأصلية. ولما كانت شهادة الكنيسة ذات قيمة لأنها شهادة الجماعة التي نالت الروح القدس الذي هو نفسه أوحى بالأسفار المقدسة، كانت كنيسة العصر الرسولي أقدر من غيرها على تحقيق الأسفار القانونية.

 

11 - هل لشهادة الكنيسة القديمة سلطان في تحقيق قانونية سفر من الأسفار المقدسة أو إثبات تعليم ديني؟

* تعود فائدة شهادة الكنيسة الأولى إلى وظيفتها لا إلى سلطانها، فهي من هذا القبيل تشبه الدار الخارجية التي نمرّ فيها إلى قدس الأقداس. ولا يدل تقديمها الكتاب لنا سالماً بالضرورة على سلطانها وكمالها، فإن اليهود حفظوا بكل دقة أسفارهم المقدسة وتركوها لنا سالمة، ولكنهم لم يكونوا معصومين في تفسيرها، بل ارتكبوا أخطاءً كثيرة. وهذا يصدق أيضاً على الكنيسة في كل زمان.

12 - برهن أن الكتاب المقدس كما هو عندنا اليوم قد تمّ باشتراك الله والبشر معاً في العمل.

* يظهر الفعل البشري في تجهيز المواد التاريخية التي تملأ جزءاً كبيراً منه، وفي كتابته بيد أناس مختارين لذلك. ويظهر مما كتبوه بأنفسهم (أي غير ما رووه عن لسان الله) إمكانيات كل منهم في إنشائه ومواهبه وقواه العقلية ومشاعره الروحية التي امتاز بها عن غيره، لأن كلاً منهم كتب لهدف معيّن بحسب معارفه واختباراته الشخصية، ناظراً إلى الموضوع العظيم من موقعه الخاص، ومتمماً ما قصده من بيان إرادة الله، إتماماً للقصد الإلهي العام ولإعلانات الله التي ظهرت بالتدريج في أثناء قرون عديدة، إلى أن ختم الله الوحي في زمان يوحنا الرسول الكاتب الأخير.

أما الفعل الإلهي فيظهر في اختيار الله الكتبة الأطهار، وتعيين عمل خاص لكل منهم، وفي الإعلانات الذاتية والمظاهر الإلهية المتكررة في أوقات متتابعة، وفي العهود والأوامر مثل سَنّ أنظمة جديدة وتثبيتها بعناية خاصة، وفي إرسال الأنبياء بإعلانات خاصة في أوقات مختلفة لتنبيه كل الشعب أو بعضهم، وتعليمهم ما كانت معرفته ضرورية لهم في أحوالهم. وقد استمر كل ذلك نحو 16 قرناً، فجاء كتاباً مؤلفاً من أجزاء كثيرة، لكلٍ منها علاقة بباقيه، كالأعضاء المختلفة في جسد واحد. وقد فوّض الله لكل كاتبٍ منهم عملاً بإرشاد الله وبمساعدة الروح القدس من المواهب الروحية والمعارف الدينية التي احتاج إليها. فقد دُعي داود مثلاً ليكتب المزامير، وسليمان ليكتب الأمثال، وموسى الأسفار الخمسة، وإشعياء نبوته، وكذلك دانيال وحزقيال وغيرهم من كتبة العهد القديم، وبولس ويوحنا وبطرس من كتبة العهد الجديد. فمن حيث أن الكتاب المقدس هو عمل الله جاء كتاباً كاملاً مفيداً معصوماً من الخطأ. ومن حيث أنه عمل البشر جاء كتاباً سهل الفهم مناسباً لأحوالنا البشرية ولعقولنا القاصرة ونافعاً في بنياننا وخلاصنا.

 

13 - ما هو الوحي؟

* الوحي أو الإلهام هو عمل روح الله في العقل البشري إرشاداً للأنبياء والرسل وكتبة الأسفار المقدسة، ليُظهروا الحق الإلهي، معصومين من الخطأ. فكل ما كتبه الملهَمون لإرشاد البشر هو كلام الله بالحق والدستور المُعطى لنا من الله للإيمان والعمل. والنسخ الأصلية التي خرجت من أيديهم هي معصومة تماماً، ولها سلطان إلهي، وكذلك كل نسخة مخطوطة كانت أو مطبوعة إذا طابقت الأصل كان لها نفس ذلك السلطان. وقد وُصف الوحي بأنه «كامل» أي كافٍ لتكميل هدفه، وأن الأسفار المكتوبة بالوحي وإن كانت قد كُتبت بأيدي البشر بواسطة عقولهم وقواهم الروحية هي كلام الله. ويصدق القول إن الوحي عمَّ الألفاظ والأفكار. انظر إجابة سؤال 18 من هذا الفصل.

 

14 - ماذا نستفيد مما سبق من تعريف الوحي؟

* (1) الوحي فائق الطبيعة، فإن ما يعمله الله باستعمال وسائط طبيعية ثانوية يسمى «طبيعياً» وما يعمله بإجراء قوته رأساً بدون استعمال وسائط ثانوية يسمى «فائق الطبيعة» ومنه الوحي، لأن الوحي لم ينشأ عن علم الإنسان ولا عن استعداده الطبيعي ولا عن أحواله الخارجية، بل عن فعل الروح القدس فيه رأساً لغاية معلومة. ولذلك يمتاز الوحي عن أعمال عناية الله العامة الجارية دائماً، كما يختلف عن فعل النعمة الإلهية في قلوب المؤمنين لإنارتهم وتجديدهم وتقديسهم بواسطة الروح القدس. ونجد الاختلاف في أن الذين أُوحي إليهم قليلو العدد ومختارون ومفرَزون لذلك. وأما الذين أُنيروا وتجددوا بالروح القدس فهم كل المؤمنين الحقيقيين، الذين أنارهم الله وأرشدهم وقدسهم في قبول الحق المُعلن، لا بكشف حقائق جديدة لهم غير معلنة في الكتاب المقدس، أي مجرد مساعدتهم على إدراك ما في الأسفار الإلهية من التعليم. وأيضاً في أن الوحي يجعل الموحَى إليهم معلّمين معصومين، ولكن ليس من الضرورة أن يقدسهم، مثل بلعام الذي أُوحي إليه رغم عدم قداسته، وكذلك شاول (1صم 10:10، 11) وقيافا (يو 11: 51). وأما الإنارة فمن وسائط التقديس.

(2) يمتاز الوحي في عُرف اللاهوتيين عن الإعلان، لأن الإعلان هو كشف حقٍ إلهي لعقل النبي مباشرةً، لا يقدر أن يعرفه بطريقة أخرى. والوحي هو إرشاد الروح للنبي إرشاداً خاصاً يجعله قادراً أن يبيّن الحق بدون خطأ. فغاية الوحي هي حفظ الموحَى إليه من الخطأ في القول والكتابة. وغاية الإعلان تبليغ المُعلَن له بما هو مجهول عنده. فالوحي يعمُّ كل ما كُتب عن يد صاحبه للإرشاد الديني، سواء كان تعليماً أم خبراً أم نصيحة أم توبيخاً أم نشر ما أُعلن له عن المستقبل. وأما الإعلان فكشف ما فوق الطبيعة من الأسرار عند الاقتضاء فقط. ومن الناس مَن كان له الأمران معاً كموسى وبولس ويوحنا، ومنهم مَن كان له واحد منهما كبعض كتبة الأسفار المقدسة ولا سيما أسفار العهد القديم الذين أُوحي إليهم دون إعلان لعدم حاجتهم إليه، ومثل لوقا الذي لم يعرف ما كتبه بواسطة الإعلان بل من الذين «كانوا من البدء معاينين وخدَّاماً للكلمة» (لو 1: 2). فكل إعلان وحيٌ، وليس كل وحي إعلاناً.

(3) كان المُوحى إليهم آلاتٍ في يد الله، بمعنى أن ما علَّموه أو كتبوه هو تعليم الله. فلم يغيرّ الله طبيعتهم، ولا قادهم بطريقة تخالف قواهم الطبيعية، لأن الذين استعملهم آلات في يده استعملهم دائماً حسب طبيعتهم، سواء كانوا ملائكة أو بشراً، كما استعمل العناصر. والخلاصة أنه لم يكن كتبة الكتاب عند قبولهم الوحي بدون حسّ أو عقل، ولا كانوا في يد الروح كآلات ميكانيكية أو كأقلام كتب بها الروح كيفما شاء، بل تكلّموا مسوقين من الروح القدس كآلات حيَّة ناطقة عاقلة ذات إرادة مسترشدة بروح الله، لم يوقف الروح قواهم أثناء وحيه لهم، ولا نزع ما امتاز به أحدهم عن الآخر من المواهب. فالعاميّ منهم تكلم كلام العاميّ كعاموس، والعالِم تكلم بكلام العالِم كموسى، وذو العواطف الرقيقة ومحبّ التأمل كتب حسب طبيعته كيوحنا، وذو العقل المنطقيّ تكلم كلام المنطقي وأورد الأدلة المنطقية كبولس. فكتب كل منهم حسب قدراته العقلية. لذلك نرى في جميع الأسفار المقدسة ما يدل على صفات كتبتها كأنهم لم يكونوا تحت سلطان الوحي، ومع كل ذلك كانوا آلات حقيقية في يد الروح القدس. لقد نالوا مساعدة الروح القدس وإنارته بحضوره في عقولهم على الدوام وإرشاده لأفكارهم حتى تمكّنوا من النطق بالحق الإلهي تماماً. ومع ذلك لم يخسروا شيئاً من صفاتهم الخاصة ومواهبهم الشخصية التي ميّزت أحدهم عن الآخر.

(4) كانت العناية الإلهية دائماً تُجهز ما يلزم من الأمور الخارجية لكتابة الأسفار المقدسة، فكانت الوسائط الطبيعة تشترك مع التي هي فائقة الطبيعة. فقد أعدَّت عناية الله في الأوقات المناسبة أشخاصاً من أهل الصفات والمعرفة والاختبار التي تؤهلهم لعملهم كموسى وداود وإشعياء وبولس ويوحنا. ثم أعطاهم الله موهبة الوحي وعمل المعجزات حسب الاقتضاء.

 

15 - هل يجوز أن نثبت الوحي بالكتاب المقدس من نفس أقواله، بأدلة مُستخرَجة منه؟

* نعم، لأننا نبحث عن الوحي بالأسفار المقدسة ونحن واثقون بشهادة كاتبيها وصدق كل ما ذُكر فيها من الحوادث والحقائق وصدق قولها في أصل الديانة المسيحية الإلهي ولاهوت المسيح. ومما يؤيد كل ذلك ما تم من النبوات التي نطقوا بها وما صنعوه من المعجزات وغيرها من البراهين الكافية على أن الله عمل معهم بآيات وعجائب ومواهب الروح القدس. فعدم قبول شهادتهم بأنه أُوحي إليهم هو تكذيب وشك في صدق كل أقوالهم.

16 - ما هي الأدلة على الوحي التي تصدُق على كتبة العهد القديم خاصة؟

* الأدلة على أن الموحَى إليهم في العهد القديم كانوا آلات في يد الله، وأن كلامهم هو كلام الله هي:

(1) معنى كلمة «وحي» وكيفية استعمالها بين القدماء. فقد اعتقدت الشعوب في القديم، يهوداً وأمماً، أن الله يقدر أن يحرّك عقل الإنسان كما يشاء، وأنه قد أوحى للبعض وجعلهم آلات لإعلان إرادته للعالم، واستعملوا لفظة وحي بهذا المعنى. وقد استعمل الكتبة الأطهار هذه اللفظة بمعناها المشهور عند أهل عصرهم.

(2) معنى كلمة «نبي». فإن المقصود بها في الكتاب مَنْ يتكلم عن شخص آخر، بلسانه واسمه وسلطانه، فلا يكون هو المسؤول عن صحة قوله بل مَن يتكلم عنه. قال الله لموسى: «أنا جعلتُك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيّك» (أي المتكلم عنك) (خر 7: 1، 2 لزيادة الإيضاح انظر خر 4: 14-16 وإر 16: 17، 18). فالنبي هو فم الله الذي به يكلّم الشعب، ولذلك كان الله يقول للنبي عند تعيينه إياه لوظيفته: «ها قد جعلتُ كلامي في فمك» (إر 1: 9 وإش 51: 6). ويؤيد ذلك ألقاب النبي في الكتاب، فهي تصف وظيفته وواجباته مثل «رسول الله» و«المتكلم باسم الله» وقول الأنبياء دائماً: «هكذا يقول الرب». وكثيراً ما جاء في الكتاب: «وكان كلام الرب إلى هذا النبي أو ذاك» وأن «روح الرب حلَّ عليه» وأن «يد الرب كانت عليه» وغير ذلك. قال بطرس: «عالمين هذا أولاً أن كل نبوَّة الكتاب ليست من تفسير خاص، لأنه لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» (2بط 1: 20، 21). أي كلام الأنبياء هو كلام الروح القدس لأنهم تكلموا مسوقين من الروح القدس. ومن معرفتنا معنى كلمة «نبي» يتضح لنا حقيقة أسفار العهد القديم وما له من السلطان الإلهي.

(3) نسبة أقوال الأنبياء إلى الله وشهادة المسيح لذلك، مثل قوله: «داود دعاه بالروح رباً» (مت 22: 43). ونسبة الرسول قول داود «اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسُّوا قلوبكم» (مز 95: 7، 8). وما قيل بفم إرميا (إر 31: 33) إلى الروح القدس (انظر عب 3: 7 و10: 15). وقول الرسل: «أنت هو الإله القائل بفم داود فتاك: لماذا هاجت الأمم؟» (أع 4: 25). وقول الرسول لليهود: «حسناً كلَّم الروح القدس آباءنا بإشعياء النبي» (أع 28: 25). فواضحٌ أن المسيح ورسله اعتقدوا وعلموا أن ما قاله كتبة العهد القديم هو قول الروح القدس. وكان المسيح ورسله متى ذكروا أسفار العهد القديم يلقبونها بألقاب سامية تبين عظمة شأنها عندهم مثل «كلام الله» و«وصايا الله» و«أقوال الله» و«المعطاة بوحي من الله» ونحو ذلك.

(4) شهادة ما صنعوه من المعجزات لرسالتهم الإلهية، وتحقيق نبوات كثيرة نطقوا بها بغاية التدقيق، ومناسبة ما علّموا به لاحتياجات البشر، وسموّ تعاليمهم الأخلاقية، والعلاقة بين رموز العهد القديم وتمامها في العهد الجديد، واقتباس المسيح ورسله من العهد القديم على أنه كلام الله، وشهادة كتبة العهد الجديد الصريحة أن العهد القديم كُتب بالوحي (لو 1: 70 وعب 1:1 و2تي 3: 16 و1بط 1: 10-12 و2بط 1: 20). وشهادة المسيح لسلطان العهد القديم (مت 21: 13 و22: 43 ويو 7: 23 و10: 35 ولو 24: 44).

 

17 - ما هي الأدلة على الوحي التي تصدُق على كتبة العهد الجديد خاصةً؟

* ما قلناه في إجابة السؤال السابق، ونضيف إليه:

(1) وعد المسيح رسله أن يرسل إليهم الروح القدس ليذكّرهم بكل شيء ويعصمهم من الخطأ. ومن ذلك قوله: «لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلَّم فيكم. الذي يسمع منكم يسمع مني. وأما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم» (يو 14: 26). وقوله أيضاً: «روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي» (يو 15: 26). «وأما متى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق» (يو 16: 13). ومنعهم من البدء في ممارسة وظيفة التعليم إلى أن يُلبَسوا قوةً من الأعالي.

(2) تمّم ذلك الوعد يوم الخمسين بدليل شهادة التاريخ المقدس أنه لما حل الروح القدس على الرسل كان كهبوب ريح عاصفة وملأ الجميع، فبدأوا يتكلمون كما أعطاهم الروح أن ينطقوا، وأخذوا يعلّمون بسلطان وحكمة وقوة فائقة الطبيعة مع أنهم لم يفهموا قبلاً تعاليم المسيح كما ينبغي، لأن عقولهم كان خاضعة لآراء يهودية.

(3) ما قاله الرسل بعد أن نالوا موهبة الروح القدس التي تشهد لثقتهم في سلطان تعاليمهم الإلهية. ومن ذلك طلبهم من سامعيهم أن يقبلوا كلامهم لأنه كلام الله لا كلام إنسان (1تس 2: 13). وقول بولس إن ما كتبه هو وصايا الرب (1كو 14: 37). وقوله أيضاً: »إن بشَّر أحد بإنجيل آخر غير ما بشَّر به ولو كان ملاكاً فليكن أناثيما (أي محروماً)« (غل 1: 8). وقول يوحنا إن من لا يقبل شهادته في المسيح يجعل الله كاذباً لأنها شهادة الله (1يو 5: 10). وكذلك قوله إنه كان في الروح حين رأى ما رآه في جزيرة بطمس، وقوله: »إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحدٌ يحذف من أقوال هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة«. (رؤ 22: 18، 19). وقد صرَّح الرسل بأن كل تعاليمهم كانت مطابقة لروح المسيح. قال بولس: «إني عالمٌ ومتيقنٌ في الرب يسوع.. وأما نحن فلنا فكر المسيح.. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن». وقال بطرس عن رسائل بولس: «كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس بحسب الحكمة المعطاة له» (1كو 1: 10، 5: 4 و14: 37 و2كو 2: 10 و10: 7، 8 و13: 3 وأف 4: 17 وغل 4 :14 و1تس 4: 1، 2 و2تس 3: 6، 12، 14).

لم يدّع كتبة الكتاب المقدس أن لهم سلطاناً شخصياً، ولا نسبوا قبول الناس لتعليمهم إلى معرفتهم وحكمتهم ولا إلى موافقة تعليمهم لعقل الإنسان، بل نسبوها لأنهم مرسَلون من الله وشهوده وآلات في يده. ولما اعترض الكورنثيون على تبشير بولس بأنه ليس حسب قوانين الفلسفة المشهورة بينهم أجابهم أن تعاليمه ليست من حكمة البشر بل هي إعلانات الله وأنه علَّمها كآلةٍ في يد روح الله (1كو 2: 7-16).

(4) أثبت الله دعوى الرسل بالمعجزات، لأن المعجزة تثبت سلطان صانعها وأنه مرسَل من الله، فكأنها أمرٌ من الله أن نؤمن بمن أرسلهم (مت 16: 1، 4 وأع 14: 3 وعب 2: 4). ولا نقصد بهذا القول إن مجرَّد فعل العجائب دليل كافٍ على أن الله أرسل فاعلها معلِّماً، فقد يسمح الله لإنسانٍ أن يعمل معجزة دون أن يقصد بها إثبات أنه مرسَل منه للتعليم. ولكن إذا ادَّعى أحد أنه رسول الله، وأن الله يتكلم بواسطته، وكان تعليمه موافقاً للإعلانات الإلهية السابقة فيكون فعل العجائب ختم الله لصدق دعواه. وعلى هذه الكيفية قدَّم الله هذه الشهادة لإثبات الوحي لرسله.

(5) أعطى المسيح رسله سلطاناً مطلقاً على إتمام ما فُوِّض إليهم، فضلاً عن وعده لهم بالروح القدس (مر 3: 14، 15 ومت 18:18 وأع 1: 8). فمن هذه الآيات يتبيَّن سلطان الرسل في إجراء عملهم، ومنه الوحي المعصوم من الخطأ، وهذا قد تمَّ بحضور الروح معهم على الدوام.

(6) ما علَّمه الرسل وتأثيره في قلوب الناس وشهادة الروح القدس الداخلية لصدق الكتاب. فإن كل ما علَّمه الرسل سامٍ في نفسه ووافٍ بالمقصود وغير قابل للشك في أنه من عند الله، وتأثيره في قلوب الناس أمر فائق وغريب جداً. قال يوحنا: «من يؤمن بابن الله فعنده الشهادة في نفسه» أي أن الروح القدس يثبت بشهادته داخل النفس أن الإنجيل هو حق وموحى به من الله.

(7) شهادة المسيحيين الأولين معاصري الرسل وخلفائهم في القرون الأولى، وكلها تعلن أن الكتبة الأطهار كانوا أصحاب وحي من الله. قال أكليمندس الروماني إن الأسفار المقدسة هي بالحق أقوال الروح القدس، وقال ترتليان إنها كتابات الله وأقواله، وقال أكليمندس الإسكندري إننا قبلنا أسس إيماننا من الله، وهي الأسفار المقدسة، لأن فم الله والروح القدس تكلما فيها. وقد أثبتت جميع قوانين الإيمان في الكنيسة المسيحية في كل القرون ذلك. وهذا هو إيمان كل المسيحيين، إنجيليين وتقليديين، في جميع الأجيال.

(8) توافق أسفار الكتاب بعضها بعضاً وترتبط معاً، حتى لا يمكن قبول بعضها بدون الآخر. فلا يمكن تصديق العهد الجديد بدون تصديق القديم، ولا تصديق الأنبياء بدون تصديق الناموس، ولا تصديق المسيح بدون تصديق رسله. وجميعها تبيّن كيفية إتمام الوعد الأول العظيم بالفداء (تك 3: 15) بالتدريج في مدة مئات السنين على يد نحو أربعين كاتباً، لم يفهم بعضهم كل النظام التعليمي الذي علَّم هو جزءاً منه فقط. فهذه الأسفار نشأت من عقلٍ واحدٍ هو عقل الله، لأنه هو وحده الذي يعرف جميع أعماله منذ الأزل، ولا يقدر أحد أن يعرف فكره وأموره إلا روح الله نفسه.

(9) ما نعرفه من تصرفات الله في الكون أجمع يرجح وحي الكتاب المقدس، فالله موجود في كل مكان، يتسلط على كل الأمور، وهو غير بعيد عن خلائقه. وما يجريه على الدوام من أعمال عنايته يرجح أنه يوحي إلى البشر بإرادته ويرشدهم إلى أمور الدين بدون خطأ.

(10) الجمع بين عمل البشر وعمل الله في الكتاب المقدس يستلزم الوحي به. (انظر سؤال 14 والرد عليه).

(11) مطابقة الأسفار الإلهية (إذا فُسرت تفسيراً صحيحاً) للحقائق العلمية والطبيعية والتاريخية مما يثبت الوحي بها كل التثبيت. فقد شهد علماء العلوم الطبيعية أنه حتى الآن لا يوجد تناقض بين الكتاب والحقائق العلمية المثبتة بشهادات كافية. ومما يؤيد كتابة الكتاب المقدس بالوحي أن كتبته الأطهار لم يكونوا من العلماء، ولا كانت العلوم الحديثة معروفة في عصرهم.

(12) أوردنا جملة أدلة لإثبات وحي الأسفار الإلهية، وليس جلّ اعتمادنا في ذلك على الأدلة الخارجية بل على شهادة المسيح، لأن كلامه في هذا الموضوع هو أساس إيماننا أكثر من كل ما سواه، فقد وعد تلاميذه بحكمة لا يقدر جميع معانديهم أن يقاوموها أو يناقضوها، وأن الروح القدس يعلّمهم ما يقولونه (لو 12:12). وقال لهم: «لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم». و«الذي يقبلكم يقبلني» وصلى لأجل الذين يؤمنون به بكلامهم، ووعدهم بإرسال الروح القدس إليهم لإرشادهم في التعليم. وقصد المسيح أن لا يتمم عمله العظيم على الأرض بنفسه، لأنه بعد ثلاث سنين من خدمته لم يترك لنا سطراً واحداً بخط يده، وذلك يبيّن أنه قصد استخدام البشر في كتابة تاريخ حياته وتعاليمه وقواعد ملكوته. وهذا ما تم فعلاً بواسطة الرسل.

 

18 - على ماذا يُطلَق الوحي بالكتاب؟

* يُطلَق على كل أجزائه، فكل أسفاره موحى بها في كل عباراته بدون استثناء، وعلى كل ما تحويه. فلا يقتصر على الحقائق الأخلاقية والدينية، بل يشمل كل ما ذُكر فيه من الأمور العلمية والتاريخية والجغرافية. ويتبيّن ذلك:

(1) مما ذكرناه من أن كتبة الكتاب هم آلات بيد الله. فإن كانت أقوالهم هي أقوال الله يلزم أنها تكون معصومة من الخطأ.

(2) من قول المسيح «لا يمكن أن يُنقَض المكتوب« (يو 10: 35) فالمكتوب كله صحيح.

(3) من تصديق المسيح ورسله أن كل الكتاب كتاب الله، فإنهم اعتبروا الناموس والأنبياء والأسفار التاريخية والشعرية كلام الله، واقتبسوا من كل ما جاء فيه من الأمور سواء كان أدبياً أم تاريخياً، مهمّاً أم قليل الأهمية. فإن روح الله عامل في كل جزء من الكتاب سواء كان تاريخاً أو مزموراً أو نبوة أو مثلاً أو تعليماً، كما أن الحياة النباتية هي في كل النبات، في الجذر والساق والأغصان والأزهار، وكما أن حياة الجسد هي في الأطراف كما هي في القلب. نعم إن بعض أسفار الكتاب أو بعض أجزاء سفر واحد منه أكثر فائدة من غيرها، كما أن بعض أجزاء الجسد تفيد أكثر من البعض الآخر. ولكن جميع أجزاء كل سفر منه وكل أسفاره مكتوبة بروح الله.

 

19 - هل يُطلَق «الوحي» على ألفاظ الكتاب كما يُطلق على معانيه، وما هي الأدلة على ذلك؟

* الأمر الجوهري في الوحي هو أن الله عصم كتبَتَه في ما كتبوه، فجاء طِبق قصد الله. ويتفق على هذا كل المؤمنين بالوحي. ولكن وقع خلاف في كيفية ذلك، فقال بعضهم إن الوحي لا يشمل ألفاظ الكتاب. ولكن ليس لهذا الرأي أساس ولا سند. والأصح أن الوحي يشمل ألفاظ الكتاب ومعانيه، لأن المعنى هو في الألفاظ ولها أهمية كلية في إيضاحه. والاعتراض على ألفاظ الكتبة الأطهار هو بمثابة الاعتراض على أفكارهم أو قدرتهم على إيضاح أفكارهم، وبالتالي على الوحي ذاته. ولجأ الذين قالوا إن الوحي لا يشمل ألفاظ الكتاب  إلى ذلك للتخلص من الصعوبات والاعتراضات في التناقض الظاهري أو التناقض الصحيح بين عبارات الكتاب على ما هي عندنا الآن. غير أن عندنا توضيحات لتلك التناقضات الظاهرية بدون إلقاء الشك على الوحي بالألفاظ. ومنها إمكانية حدوث خطأ أو تغيير في لفظة أو عبارة من غفلة النسَّاخ في الزمن القديم أو ضعفهم البشري، وإمكانية وجود شُبهات التناقض أو الاختلاف بحسب الظاهر في أمرٍ ما من عدم معرفتنا كل ما يتعلق به بالتفصيل، أو من كيفية نظر الكاتبين إليه ونحو ذلك، بحيث أننا لو عرفنا كل ما تقدم نقدر أن نزيل تلك الشبهات. ولذلك نقول إن اعتقاد الوحي بالألفاظ في النسخ الأصلية صحيح. على أننا لا نعني بذلك الوحي بالإملاء، بل بإرشاد الروح للكاتب في اختيارها. ومما يؤيد شمول الوحي بالألفاظ:

(1) إن المسيح نسب العصمة إلى الكتاب المقدس كله، وهو مؤلف من الألفاظ. فما نُسب إليه بالإجمال يُنسب بالضرورة إلى أجزائه. وأيضاً شهادة الكتاب لنفسه. قال الرسول: «التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوالٍ تعلّمها حكمة إنسانية بل بما يعلّمه الروح القدس» (1كو 2: 13). وأيضاً «من أجل ذلك نحن أيضاً نشكر الله بلا انقطاع لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة كلمة الله» (1تس 2: 13 ولو 21: 14، 15 و2تي 3: 16). وهو ظاهر من قول الله لإرميا: «ها قد جعلت كلامي في فمك» (إر 1: 9). وقول المسيح للرسل: »لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم» (مت 10: 20 و1كو 12: 8 و14: 37).

(2) عدم إمكان فصل المعاني عن الألفاظ التي تدل عليها، لأن الألفاظ هي التي توضح المعنى، ومعروف أن ضبط المعنى يستلزم ضبط الألفاظ، ولذلك لا تصح نسبة العصمة إلى الأفكار دون الألفاظ التي توضحها. ولما كانت غاية الوحي هي إعطاء الموحَى إليهم قدرة على التعليم وذكر الحوادث صحيحة، فلا بد من ضبط الألفاظ على المعاني المقصودة. فلو كان استعمال كلمة «كاهن» أو «ذبيحة» أو «كفارة» وغيرها من الكلمات المهمة في الكتاب المقدس بدون إرشاد الوحي، لكان ما تتضمنه تلك الألفاظ من المعاني بدون إرشاد الوحي أيضاً.

(3) بنى المسيح ورسله بعض أقوالهم على نفس ألفاظ الكتاب. من ذلك قول المسيح إن داود دعاه بالروح رباً، فاستعمل نفس هذه الكلمة. وقوله من جهة كلمة «آلهة» إنه لا يمكن أن يُنقض المكتوب (يو 10: 35) أي أن استعمال هذه الكلمة كان مقصوداً من الله وهي ثابتة لا تقبل الإنكار. وقول بولس: «لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد» وفي نسلك الذي هو المسيح (غل 3: 16 وخر 3: 6 ومت 22: 32 وأع 2: 4 و2بط 1: 21 و3: 15، 16).

 

20 - ما هو قصد اللاهوتيين بأن الوحي بالكتاب «وحي تام» أو مُطلَق تمييزاً عن الوحي الجزئي؟

* قصدهم أن الوحي يعمّ الأسفار القانونية بألفاظها ومعانيها، وهو لا يستلزم عصمة الكتَبة إلا في ما أُوحي إليهم به من تعليم وكتابة. وأما باقي الأمور العلمية والفلسفية والتاريخية التي لم ينالوها بالوحي فكانت معرفتهم بها كغيرهم من أهل عصرهم. وكذلك في تصرفاتهم، لأن الوحي لم ينشأ عن تقواهم، ولا جعَلَهم أتقى من غيرهم (كما نرى في بلعام وشاول وقيافا) ولا عصمهم من الخطإِ في سيرتهم كداود وبطرس.

نعم إن اعتقاد الوحي بالألفاظ لا يخلو من الاعتراض ولا يرفع الصعوبات، لأن نُسَخ الكتاب الأصلية ليست عندنا. ولا بد طرأت تغييرات في بعض الألفاظ والعبارات في النسخة التي عندنا، غير أنها طفيفة لا تمس الجوهر أبداً. أما اعتقاد عدم إطلاق الوحي في الألفاظ فيفتح باباً لاعتراضات كثيرة مضرَّة لعصمة الكتاب ويجعلها موضع الشك لأننا إذا سلمنا أن الألفاظ غير موحى بها يجب التسليم بإمكانية استعمال ألفاظ لا تفيد المقصود، ويلزم عن ذلك الشك في صحة المعاني وضبطها.

 

21 - ما هي الاعتراضات على الوحي وما هو الرد عليها؟

 (1) اعتراض بأن في الكتاب تناقضاً. فإن كان هناك تناقض بين كتبة الكتاب في كتاباتهم الأصلية يكونون غير معصومين. ولكن لا يوجد تناقض بينهم. وأما ما ظهر علي الكتاب من شبهات فنرد عليه: (أ) لم تقُل الكنيسة مطلقاً بعصمة ترجمات الكتاب ونسخه بجميع ألفاظها، بل اعتقدت بعصمة النسخ الأصلية فقط كما خرجت من أيدي الرسل والأنبياء، فتلك فقط كانت تحوي تماماً كل ما قصد الله أن يودعه فيها من الألفاظ والمعاني. فالذي يقول إن في الكتاب تناقضاً يجب عليه أن يقيم الدليل على وجوده في نسخ الأنبياء والرسل الأصلية. ولا شك في تعذُّر ذلك على كل إنسان. أو على الأقل يجب عليه أن يقيم الدليل على أن العبارات التي زعم أن فيها تناقضاً لا تحتمل إلا المعاني والتفاسير التي ذهب هو إليها والتي يظهر بينها التناقض. وقد شهد كثيرون من أفضل العلماء أن ما يُرى في نُسخ الكتاب التي عندنا من شبهات التناقض محصور في مسائل طفيفة لا أهمية لها، ولا تمس ما هو جوهري، وأنه قد زال كثير من ذلك بواسطة البحث في النسخ القديمة، ويُرجى إزالة كل ما بقي منها. (ب) قِلّة الاختلافات المهمة أعجب من وجودها لأن أسفار الكتاب كُتبت بأيدي أناس يتفاوت بعضهم عن بعض في زمانهم وعلمهم وأحوالهم. فقول أحد كتبته مثلاً إن الذين ماتوا بالوبإِ 23 ألفاً وقول الآخر إنهم 24 ألفاً كحبة رمل في هيكل من المرمر، لا تخرجه عن روعته. مع أنه لا منافاة بينهما، لأن الواحد ترك الكسر من الألف والآخر أضافه للتقريب. فلا يكون ما نعجز عن تفسيره من الكتاب لنقص معرفتنا دليلاً على عدم الوحي به، ولا يليق بالمسيحي أن يترك إيمانه بالوحي التام بالكتاب بسبب ما يصعب عليه تفسيره لبعض آياته.

(2) الاعتراض الثاني أن في الكتاب أموراً تخالف العلم والتاريخ. فنجيب على هذا الاعتراض بأربعة أمور: (أ) وجوب التمييز بين ما ظنه كتَبة الكتاب وما علَّموه، فربما ظنوا الشمس تدور حول الأرض، ولكنهم لم يعلّموا ذلك. (ب) إنهم استعملوا ما كان مشهوراً من الكلام بين الناس مما يُلاحظ فيه موافقته للحواس بدون اعتبار موافقته للعلوم. (ج) تناقض الكتاب مع الآراء البشرية غير المثبتة في المواضيع الطبيعية ليس دليلاً على عدم صدقه، لأن تلك النظريات ينقصها الإثبات. (د) قد يختلف تعليم الكتاب المقدس (أي معناه الحقيقي في أمرٍ ما) مع تفسيره، ولكن التفسير الخاطئ لا يشين الكتاب، فقد بقيت الكنيسة قروناً كثيرة تفسّر الكتاب في كل ما يتعلَّق بالكون حسب الآراء البطليموسية في الفَلك، ثم عدلت عن ذلك وأخذت تفسّره حسب الرأي الكوبرنيكي. غير أن ذلك لم يؤثر في صدق الكتاب. والرأي العام الذي ساد بين مفسري الكتاب في القرون الماضية بشأن عمر الأرض، وهو ستة آلاف سنة فقط قد بطل بعد أن أثبت الجيولوجيون أنها وُجدت منذ ملايين السنين، وهذا لا يعيب الوحي الإلهي في شيء، بل يعيب تفسير المفسرين. فنحن الآن نحدد اليوم بأربع وعشرين ساعة بناءً على دوران الشمس والأرض، والكتاب يقول إن الشمس خُلقت في اليوم الرابع (تك 1: 16). فيكون أن المقصود بكلمة »يوم« حقبة من الزمان، لا 24 ساعة.  كما أن ألف سنة عند الله مثل يوم واحد (مز 90: 4، 2بط 3: 8).

(3) اعترضوا بأن كتبة العهد الجديد أحياناً لم يوردوا ما اقتبسوه من العهد القديم حرفياً. فنجيب إن أكثر اقتباسات كتبة العهد الجديد من العهد القديم هي حرفية، وقد اقتبسوا معنى بعضها دون ألفاظها. ومنها ما أخذوه عن الترجمة السبعينية، ومنها ما أخذوه عن النسخة العبرانية، ومنها ما أوردوه بإرشاد الروح بمعنى آخر يوافق معناه الأصلي.

ومما زعمه البعض لإثبات هذا الاعتراض أن عدم اقتباس كتبة العهد الجديد نفس ألفاظ العهد القديم تماماً يبيّن خلوهم من الوحي في ما اختاروا من الألفاظ، لأنه إذا صحَّ أن العهد القديم كُتب بالوحي كانت ألفاظه هي الأنسب لبيان المعنى، وكان يجب عليهم أن لا يغيّروا منها نقطة واحدة.

فإن قيل إن عدم محافظتهم على ذلك دليل على عدم الوحي بألفاظ ما كتبوه. فنجيب إن في هذا الاعتراض رأيين خاطئين: (أ) في كيفية علاقة الوحي بالألفاظ. و(ب) في كيفية الاقتباس. فقد كان من مقصود الوحي استعمال ما هو كافٍ من الألفاظ والعبارات لبيان الحق. ولذلك لم نلتزم في التعبير عن معاني الكتاب بألفاظها دون غيرها. وكذلك من جهة الاقتباس، فإن رأي المعترض فيه أنه بمنزلة الترجمة التي تستلزم المحافظة على المعنى على قدر الإمكان. على أن ذلك يترتب على قصد الكاتب، فربما أتى به لغير الغاية الأصلية وخصَّص ما اقتبسه لغير الموضوع الأصلي. ولما كان الاقتباس ليس ترجمة، يحقّ للمقتبِس أن يغيّر الألفاظ دون المعنى. كما يحقّ له أيضاً أن يقتبس جملة على غير ما قُصد بها في الأصل. وواضح أن كتبة العهد الجديد الذين اقتبسوا من العهد القديم لم يخالفوا الأصل بقصد التحريف، ولا لاختلاق دليلٍ كاذب لإثبات مقصودهم.

(4) ما بُني على أقوال في الكتاب المقدس لم يُنطق بها أصلاً بالوحي، ومنها قول الشيطان لحواء: «لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منها تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفَين الخير والشر» (تك 3: 4، 5). وقول قايين: «أحارس أنا لأخي؟» وقول الذين شرعوا في بناء برج بابل: «هلمَّ نبني لأنفسنا مدينة وبرجاً» (تك 11: 4). وقول إبراهيم لسارة: «قولي إنك أختي» (تك 12: 13). وقول يعقوب لإسحاق أبيه حين سأله: هل أنت ابني عيسو؟ فقال أنا هو (تك 27: 24). وقول موسى عند مياه مريبة حين فرط بشفتيه (مز 106: 33). وقول الجاهل ليس إله (مز 14: 1). وقول بطرس حين أنكر بقسمٍ أنه لا يعرف الرجل (مت 26: 72). فنجيب إن الذين نطقوا بتلك الأقوال نطقوا بها من أنفسهم لا بالوحي، ولم يصدق الوحي أنها من الله، ولا أنه راضٍ عنها، ولا أنها صحيحة في نفسها، بل ألهم الكتبة بكتابتها على ما هي تسجيلاً للتاريخ ووصفاً لحال الذين نطقوا بها.

22 - ما هو تفسير ما جاء في 1كو 7: 6، 12، 40 ورو 3: 5 و6: 19 وغل 3: 15 وبيان أنه لا يناقض الوحي التام بالكتاب؟

* جاء في 1كو 7: 6 «ولكن أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر». وهو يشير إلى ما جاء في 1كو 7: 2 ومعناه أن الزواج ليس تحت الأمر بل تحت الإذن، وأنه متروك لإرادة كل إنسان.

وجاء في 1كو 7: 12 «وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب». ولما قال الرسول في آية 10 «وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب» فإن بولس أراد أن يميز في هذه الآية بين تعليم المسيح وهو على الأرض في هذا الموضوع وتعليمه هو. وهو ليس بمعنى أن تعليم بولس يخالف تعليم المسيح، بل إنه زاد أموراً لم يذكرها المسيح.

وجاء في 1كو 7: 40 «ولكنها أكثر غبطة أن لبثَتْ هكذا بحسب رأيي. وأظن أني أنا أيضاً عندي روح الله». فالفعل «ظنَّ» هنا يفيد في الأصل اليوناني العلم أو اليقين، وهذا الفعل في اللغة العربية يدل على الرجحان وعلى اليقين أيضاً كما في اليوناني.

وجاء في رو 3: 5 «أتكلم بحسب الإنسان». وقد جاءت هذه العبارة أكثر من مرة في الكتاب المقدس ومعناها يتضح من قرينتها. ومعناها هنا أن الرسول يتكلم الآن بلغة البشر المشهورة وعلى اصطلاح اليهود، لا حسب رأيه.

وجاء في رو 6: 19 «أتكلم إنسانياً من أجل ضعف جسدكم». بمعنى: على ما هو مفهوم عندكم.

وجاء في غل 3: 15 «أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول». بمعنى أنه يورد لهم مثالاً من العوائد البشرية.

وليس في كل ما سبق ما ينفي الوحي التام في ما كتبه بولس، لأنه بإرشاد الروح القدس، وشهادة ضميره من نحو الله.

 

23 - مَن هم الذين ينكرون الوحي؟

* هم أصحاب الآراء الطبيعية، والكفرة مثل الحلوليين، ومؤلّهي الكون، والذين يعتبرون المادة مستقلة عن عناية الله وقائمة بنفسها ولها قوى العقل وقدرة التمييز، والذين يعظمون نواميس الطبيعة ويعطونها مقام الله في تسلطها، والذين يعتبرون أن العقل هو المرشد العظيم للبشر في أمور الدين، وأيضاً الذين ينكرون وجود الله. فهم جميعهم يرفضون الوحي.

24 - ما هي المذاهب الخاطئة في تقييم الوحي وفعله؟

* قُسمت تلك المذاهب إلى قسمين:

(1) ما أحاط بالآراء التي تقلل فعل الوحي وامتداده. ومنها عقيدة عدم وحي كل الأسفار القانونية، وعقيدة أن أجزاء الكتاب المقدس التعليمية فقط هي الموحى بها دون ما جاء في الكتاب من الأمور التاريخية والطبيعية ونحوها. وعقيدة أن الوحي محصور في المعاني دون الألفاظ. فيلزم عن كل تلك الآراء أن الكتاب المقدس ليس هو كلمة الله الكاملة الوحيدة، وأن كلمة الله جزء فقط مما يتضمنه الكتاب المقدس، ولذلك يمكن أن نرفض ألفاظاً أو عبارات أو فصولاً أو أسفاراً كاملة. وهذا يجعل عقل الإنسان أسمى من الكتاب المقدس، لأن العقل يحكم على الكتاب.

(2) ما أحاط بالآراء التي تعظّم فعل الوحي وامتداده أكثر من اللازم. ومنها عقيدة موهبة الوحي لكل مؤمن، أي أن الروح القدس يوحي إلى كل مؤمن في أمور الديانة بكيفية تجعله مستقلاً عن الكتاب. وعقيدة أن كل عمل صالح يتمّ بإرشاد الروح القدس يصل إلى درجة الوحي. مثال ذلك كل مَن صوَّر صورة جميلة أو نحت تمثالاً بديعاً أو بنى قصراً فاخراً أو ألَّف كتاباً بليغاً أو أنشأ خطاباً فصيحاً كان عمله بالوحي، أي أن الله أرشده في عمله كما أرشد الكتبة الأطهار في كتابة الأسفار المقدسة.

ومن هذا يتضح أصحاب آراء القسم الأول يجعلون الوحي أضيق، وأصحاب آراء القسم الثاني يجعلونه أوسع مما هو. وقد جانب كلاهما الصواب.

 

25 - هل يُخشى أن يؤدي تقدم العلوم و الاكتشافات التاريخية إلى انحطاط سلطان الكتاب المقدس؟

* لا، بدليل زيادة تقديرنا للكتاب كلما تقدمت العلوم في عصرنا الحاضر، لأن الكتاب والطبيعة من أصل واحد هو الله.

 

26 - ما المقصود بكمال الكتاب المقدس؟

* المقصود أن جميعه كلام الله، ويتضمن كل ما أعلنه الله للبشر وعيَّنه دستوراً لكنيسته للإيمان والعمل، وأنه كافٍ لإرشادنا في كل أمور الدين. نعم إن الله أعلن نفسه منذ تأسيس العالم بواسطة أعماله، أي بواسطة الإعلان الطبيعي. غير أن كل ما عرفناه من ذلك نجده منصوصاً عليه في كتابه. ولا ننكر أن الأنبياء والمسيح والرسل علَّموا أموراً كثيرة، منها ما لم يُكتب، ومنها ما كُتب. ولكن اعتقادنا هو أن الكتاب المقدس كما هو عندنا الآن يتضمن كل ما أوحى به الله ليكون دستوراً دائماً للكنيسة، فلا يجوز الاعتماد في ذلك على غيره. وهذا الاعتقاد يُخرج التقاليد بجملتها والأسفار غير القانونية وقوانين المجامع وكل ما رسمته الكنيسة وحكمت به سواء كان تعليماً أو نظاماً أو عادة دينية، لأن الكتاب كامل وكافٍ.

27 - ما هي الأدلة على كمال الكتاب؟

* هناك أدلة كثيرة، ومنها:

(1) شهادة الله أن الكتاب كامل بلا حاجة لزيادة ولا نقصان، وحسب الغاية التي أُعطي لأجلها.

(2) ذكر المسيح ورسله أن الكتاب هو الدستور الوحيد، ورفضوا كل دستور سواه، ووبخوا الفريسيين لأنهم زادوا عليه وحرَّفوا معناه.

(3) يتبيّن كماله من الغرض المقصود به، وهو تعريفنا الكامل بالله وتعليمنا كل ما هو ضروري للدخول إلى السماء. وقد ورد فيه أنه يتضمن كل ذلك، وأنه وحده قادر أن يحكّم الإنسان للخلاص، كما قال يوحنا: «وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه» (يو 20: 31). وقال بولس: «تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكّمك للخلاص» (2تي 3: 15-17 رو 4: 3 وأع 17: 11 وإش 8: 16، 20 ورؤ 22: 18، 19).

(4) تأثيره الصالح في الذين قبلوه، فلو كان ناقصاً ومحتاجاً إلى التقليد لكانت حالة الذين يقبلونه وحده (بدون التقليد) أقل من حالة الذين يقبلونه مع التقليد في السعادة والتقوى، سواء كانوا أفراداً أو عائلات أو كنائس أو ممالك.

(5) يحتوي الكتاب على كل التعاليم الدينية اللازمة لإرشاد المسيحيين في حياتهم الشخصية وعبادتهم الجمهورية وبنيانهم لملكوت الله وخلاص نفوسهم، وتوافق تعاليمه بعضها ببعض.

 

28 - بماذا اعترض بيلارمينوس على كمال الكتاب المقدس، وما هو الرد عليه؟

* بيلارمينوس تقليدي، وهو مؤلف مشهور، اعترض على كمال الكتاب بقوله إن بعض الأسفار، خصوصاً الرسائل، كُتبت لأغراض وقتية ولحاجة بلادٍ معينة، فهي لا توافق الكنيسة في كل العصور. فنجيب: إن كتابة رسائل لبعض الكنائس ولأغراض معلومة لا يجعلها غير مناسبة لكنائس أخرى في أزمنة أخرى، لأن الكنيسة واحدة جامعة في كل زمان ومكان، وتحتاج لنفس تلك النصائح والتعاليم لترشدها وتحفظها من الفساد، فقد قصد الله أن تكون تلك الرسائل مفيدة للكنائس التي كُتبت إليها في الأصل، ولفائدة الكنائس التي تخلفها إلى انقضاء العالم. ومن الواضح أن ما حَوَته تلك الرسائل نافع للبنيان والتهذيب في كل زمان ومكان.

واعترض بيلارمينوس أيضاً على كمال الكتاب بقوله: »لو أن المسيح ورسله قصدوا إفادتنا بكل ما هو في الكتاب المقدس من التعاليم الدينية لرتَّبوه بطريقة السؤال والجواب، بشكل قانون يتضمن الحقائق الدينية اللاهوتية«. فنجيب: مصدر هذا الاعتراض هو الكبرياء والاستخفاف بحكمة الله، فكيف يتجاسر مخلوق على الخالق العظيم الكامل!

 

29 - ما هو المقصود بالقول إن الكتاب المقدس واضح؟

* المقصود أن كل من يطالعه يقدر أن يتعلم منه كل ما هو ضروري لخلاصه ومعرفة واجباته، فكل هذا مُعلَن فيه ويمكن استخراجه منه بواسطة الاجتهاد والتدقيق في الدرس. وعقيدة وضوح الكتاب المقدس لا تنفي أن به تعاليم لا نقدر أن ندركها تماماً في حالتنا الحاضرة، ولا تنفي ما في بعض أجزائه (خاصة النبوات) من الصعوبات في تفسيرها لأنها فوق عقل البشر، ونحتاج فيها لإرشاد الروح القدس لنفهم معناها الروحي الحقيقي حق الفهم. فعلى كل إنسان أن يطالعه بنفسه لنفسه.

 

30 - ما هي الأدلة على وضوح الكتاب المقدس؟

* (1) المقصود منه وهو إعلان الحق لنا وتعليمنا إياه. فإذا نسبنا إليه الإبهام والالتباس في التعليم كان ذلك إهانة لله لأسباب أعظمها أنه قد أوقف خلاصنا الأبدي أو هلاكنا على فهمنا لِما أعلنه لنا فيه.

(2) شهادة نصوصه الكثيرة على ذلك (مز 19: 7، 8 و119: 105، 130 و2كو 3: 14 و2بط 1: 18، 19 وعب 2: 3 و2تي 3: 15-17).

(3) اختبارنا الدائم، فكما نعرف من يوم ليوم أن الشمس تعطي نوراً وحرارة، هكذا نعرف من يومٍ لآخر أن الكتاب المقدس يعطي فائدة وإرشاداً لقلوبنا وعقولنا في أمور الدين. وإنكار وضوحه يخالف اختبار كل مطالعيه في كل العصور.

(4) وضوح تعاليمه الظاهر من الوحدة الجوهرية في فهم تعاليمه بين المؤمنين في كل الأجيال.

 

31 - هل يجب على كل إنسان أن يفحص الكتاب المقدس لنفسه؟

* لكل الناس الحق أن يقرأوا الكتاب ويفهموا معناه، بل إنهم مأمورون بذلك، ليكون إيمانهم مبنياً على شهادة الله لا الكنيسة. ولم يعيّن الله شخصاً أو لجنة لتفسيره وأوجب على العامة قبول ذلك، بل أمر كل واحدٍ أن يقرأه ويبحث عن واجباته فيه.

 

32 - ما هي الأدلة على أن للإنسان حقاً أن يفحص الكتاب المقدس لنفسه، وأن ذلك واجب عليه؟

* (1) واجبات الإنسان في الإيمان والطاعة شخصية، فكل إنسان يُسأل عن نفسه واعتقاده وسيرته، وينبغي أن يميّز بنفسه ما هو ملتزم به، ولا يفيده اعتذاره يوم الدين بأن والديه أو رؤساءه أو كنيسته علَّموه شيئاً أو حكموا عليه بشيءٍ، لأنه يجب أن يُطاع الله أكثر من الناس.

(2) كلام الكتاب موجه دائماً للشعب لا لرؤساء الكنيسة، فإن الأنبياء جميعهم أُرسلوا إلى الشعب، وكان كلامهم في كل حين: «اسمع يا إسرائيل. أنصت يا شعبي». وكان المسيح أيضاً يكلّم الشعب، وكُتبت رسائل العهد الجديد لكنائس، ما عدا رسائل تيموثاوس وتيطس، لأن الشعب يقدر أن يفهم ما كُتب إليه، ولم يُؤمر بطلب إرشاد بشري ليفهم تلك الرسائل (تث 6: 4-9 ولو 1: 3 و4 ورو 1: 7 و1كو 1: 2 و2كو 1:1، 4 و4: 2 وغل 1: 2 وأف 1:1 وفي 1:1 وكو 1: 2 و4: 16 و1تس 5: 27 ويع 1:1 و1بط 1:1 و2بط 1:1 و1يو 2: 12-14 ويه 1 ورؤ 1: 3، 4 و2: 7).

(3) أعطى الله الكتاب للشعب ليتعلمه ويعلّمه، فتكررت الأوامر للوالدين في العهد القديم بأن يعلّموا أولادهم الشريعة، وأن بنيهم يعلّمون أولادهم أيضاً. وأمر المسيح الشعب أن يفتشوا الكتب (يو 5: 39) لأنهم يقدرون أن يفهموا تعليم العهد القديم في ما يتعلَّق به، وإن لم يفهمه رؤساء الكهنة والكتبة. وسُرَّ بولس بأن تيموثاوس تعلَّم منذ حداثته الكتب المقدسة القادرة أن تحكّمه للخلاص وقال لأهل غلاطية: »إن بشرنا نحن أو إنسان آخر أو ملاك من السماء بإنجيل آخر فليكن أناثيما«. وهذا يدل أنه كان لمؤمني غلاطية حق أن يحكموا بصدق تعليم الرسول أو الملاك أو بعدم صدقه، وأن لهم مقياساً أو قانوناً لهذا الحكم، وهو ما ثبت عندهم أنه كلام الله. ومبدأ الرسول هذا هو نفس مبدأ موسى في قوله لإسرائيل: «إذا قام في وسطك نبي أو حالم حلماً وأعطاك آيةً وأعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة وعلَّمك ما يضاد شريعة الله فلا تسمع له» (تث 13: 1-3). وهذا يعني أن الشعب يقدر بإرشاد شريعة الله (الكتاب المقدس) أن يحكم في التعاليم الدينية: أصادقة هي أم كاذبة؟ وإذا كان في طاقتهم أن يحكموا من جهة بشارة بولس أو إنسان آخر أو ملاك من السماء فكم بالحري لهم قدرة أن يحكموا من جهة تعاليم الكاهن (أع 17: 11 و2كو 4: 2 وغل 1: 8 و1تس 5: 21 و1يو 4: 1، 2).

(4) الوعد بمعونة الروح القدس لفهم الكتاب وتفسيره موجَّه للمسيحيين المؤمنين عموماً، لا إلى الرؤساء والقسوس والمعلمين فقط (يو 14: 26 و16: 13 و17:17 ولو 24: 44-49 ورو 8: 9-11 و1كو 3: 16، 17 و12: 3-11 و1يو 2: 20 و27).

(5) منع الشعب من درس الكتاب وتمييز معناه يسلبهم حرّيتهم ويجعلهم في عبودية، فهو الدستور والقانون الوحيد المُعطى للبشر للإيمان والعمل، ومنعهم من تلاوته يمنعهم من معرفة الإرادة الإلهية، وإقامة شخص أو كنيسة أو مجمع للتفسير يستعبدهم لأفكار بشرية. ومما يزيد هذا الاستعباد ثقلاً توكُّل بسطاء الشعب المتفرقين في الضياع والقرى البعيدين عن وسائط المعرفة على الكاهن الذي بينهم.

 

33 - ما هي حُجة التقليديين في أن تفسير الكتاب خاص بالكنيسة أو رؤسائها وفي منعه عن الشعب؟

* حجتهم هي زعمهم أن الشعب لا يقدر أن يفهم الكتاب. غير أن هذا الزعم يزيد المسألة صعوبةً على الشعب، لأن الإنسان يجب أن يتحقق أولاً أين هي الكنيسة الصحيحة، ثم يتحقق من عصمتها، ثم يتحقق من صحة تفاسيرها. وهذا يحتاج إلى عمق بحثٍ وتدقيق، كالسؤال: هل الكنيسة الصحيحة مؤلَّفة من رجال الدين، أم من الشعب فقط، أم من كليهما؟ وإذا كانت من الكهنة فقط، فمتى أُلّفت منهم، وفي أي الأحوال هم الكنيسة؟ أوَهم متفرقون كل في مكانه أم وهم مجتمعون في المجامع؟ وأيضاً السؤال عن مقرّ العصمة: هل هي في البابا كما حكم المجمع الفاتيكاني، أم في المجمع المسكوني ذاته على قول البعض؟ وينبغي أيضاً أن يقف على تفاسير الكنيسة القانونية للأسفار المقدسة وللأبوكريفا وللتقاليد المتفرّقة في كتب عديدة انتشرت في القرون المسيحية. ألا ترى أن فهم كتاب الله الواضح أسهل على الشعب من حل هذه المشاكل؟!

 

34 - هل وصول الخاص والعام إلى الكتاب المقدس سهل؟

* نعم وذلك لكثرة نُسخه في لغات مختلفة ورِخص ثمنها.

 

35 – ما هي نتيجة إثبات وحي الكتاب وكماله ووضوحه وسهولة الوصول إليه؟

* ينتج أن الكتاب المقدس هو القانون الوحيد للإيمان والعمل، والقاضي الوحيد للحكم في المسائل الشخصية أو الكنسية، فله السلطان في حل المشاكل والحكم في الدعاوى الشخصية والكنسية. وليس لشخص أو جماعة حق الحكم في الأمور الدينية إلا بما يعلّمه الكتاب. وليس لقوانين الإيمان ولا لتعاليم علم اللاهوت سلطان إلا في ما يوافق الكتاب، وقوَّتها ليست في نفسها بل في كتاب الله.

 

36 - ما هو الاعتراض على عصمة الكتاب دون عصمة الكنيسة، وما هو الرد عليه؟

* هو قولهم إننا قبلنا الكتاب باعتبار أنه كلام الله بناءً على شهادة الكنيسة. فإيماننا بالكتاب إيمان بالكنيسة، وتسليمنا بعصمته يستلزم التسليم أولاً بعصمتها وسلطانها. فنجيب:

(1) لا نقبل الكتاب المقدس على مجرد شهادة الكنيسة وسلطانها، لأن عندنا غير شهادتها أدلة كثيرة على صدقه وأصله الإلهي، كالمعجزات، والنبوات، وماهية تعاليمه، وشهادة ضمائرنا.

(2) إن صحَّ أن قبولنا الكتاب المقدس هو لمجرَّد شهادة الكنيسة، فهذا لا يعني أنها معصومة وذات سلطان في تفسيره، لأن شهادة شخص لملك أنه مولود من العائلة الملكية لا تعطيه حقاً أن يملك مكانه، ولا أن يكون مفسّراً معصوماً لإرادة ذلك الملك وأقواله. أما شهادة الكنيسة فليست بسلطان، لكنها شهادةٌ ثمينة لصدقها وكفايتها لإثبات أن كتبة الأسفار المقدسة ملهَمون. فننسب السلطان إلى الكتاب نفسه لأنه كلام الله مكتوباً بالوحي، ونعتبر شهادة الكنيسة من الأدلة على ذلك.

37 - ما هو الرد على الاعتراض على عصمة الكتاب وسلطانه وحق عموم الشعب في مطالعته بحُجَّة كثرة الطوائف واختلاف الآراء اللاهوتية بين الإنجيليين؟

* لا يدَّعي الإنجيليون العصمة لكل شخص في تفسير الكتاب، بل القدرة على فهم معناه في كل الأمور الجوهرية اللازمة لخلاص النفس. ولا اختلاف بين الإنجيليين في الأمور الجوهرية، بل في الأمور الهامشية العرَضية الخارجية مثل النظامات الكنسية وما شابهها، أو المسائل اللاهوتية الصعبة غير الواضحة كل الوضوح في الأسفار المقدسة. أما اتفاقهم في كل التعاليم الجوهرية فواضح من تآليفهم الدينية وعبادتهم وترنيماتهم الروحية والمبادئ الأخلاقية المعتبرة عندهم.

ولم يكن في قصد الله أن يُلزم كل المؤمنين أن يعتقدوا اعتقاداً واحداً في جميع الأمور الثانوية التي ليست لها أهمية جوهرية في خلاص النفس. ولا يعلّم الكتاب أن خلاص الإنسان يتوقف على براءته من كل خطإٍ في ما يتعلق بالعقائد، ولا على اتحاد جميع المؤمنين من كل الطوائف اتحاداً تاماً. فلو قصد الله ذلك لجعل كل تعليم الكتاب المقدس أوامر أو قوانين حتى لا يمكن الخطأ في فهمه. ولو رأى الله لزوماً لمفسّر معصوم للكلمة لأنبأنا بذلك بوضوح.

 

38 - ما هي الفائدة من قواعد تفسير الكتاب وما هي أهمها؟

* بما أن كل إنسان يجب أن يطالع الكتاب ويميّز معناه الحقيقي لنفسه، يكون لائقاً ومناسباً اتباع قواعد تساعد على صحَّة تفسيره، نذكر هنا بالاختصار بعضها:

(1) يجب أن تؤخذ الكلمات بمعناها البسيط المشهور كما فهمه الذين خوطبوا بها أولاً.

(2) الكتاب يفسّر نفسه، ويتضح معناه من مقارنة أجزائه ببعض، أو من ملاحظة القرائن، أو قصد الكاتب العام. فإن ما يحتمل منه تفاسير مختلفة يجب مقارنته بتعاليم الكتاب في ذات الموضوع واختيار التفسير الموافق لوحدة المعنى في كل الكتاب، لأنه صادر عن عقل واحد هو عقل الله، فلابد من الموافقة بين كل تعاليمه.

(3) يجب اعتبار المجاز مجازاً وتفسيره كذلك. وأيضاً الحقيقي أنه حقيقي وتفسيره كذلك.

(4) يجب ملاحظة الصفة الرمزية في العهد القديم، ومعرفة الرموز تماماً وتفسيرها باعتبار أنها رموز.

(5) يجب مطالعة النبوات بكل دقة وتفسيرها بحسب ما قد تمَّ منها، وبإرشاد العهد الجديد.

(6) يجب طلب إرشاد الروح القدس في تفسير الكتاب بالتواضع واللجاجة، لأن شعب الله موعود به معلّماً ومرشداً لهم إلى معرفة الحق. وأيضاً لأن الإنسان الطبيعي لا يقبل التعاليم الروحية بدون إرشاد الروح.

لقد استخدم شعب الله الحقيقي حريتهم في كل زمان ومكان في تفسير الكتاب فنشأ عن ذلك اتفاقهم في كل أمرٍ جوهري. وهذا دليل قاطع على وضوحه وضرورة تسليمه للناس ليتمتعوا بحقهم الموهوب لهم من الله في مطالعته وفهم معناه.

الفصل السابع

النُّظم اللاهوتية الشهيرة

 

1 - ما هي حالة علم اللاهوت في القرون المسيحية الأولى؟

* توجَّه معظم اهتمام الكنيسة في تلك القرون للمحاماة عن حقائق المسيحية دفاعاً ضد هجوم غير المؤمنين، والهرطقات الغنوسية التي تولدت من الفلسفة الشرقية، ولحلّ القضايا التي دار عليها الجدل حول أقانيم اللاهوت الأقدس وإثباتها. ولا يظهر للباحثين في تاريخ تلك القرون أن أهلها قرروا شيئاً محدداً من التعاليم اللاهوتية في أصل خطية الإنسان ونتائجها، ولا في النعمة الإلهية وعملها، ولا في حقيقة فداء المسيح وكيفية الحصول عليه بعمل الروح القدس والإيمان. وقد أجمع آباء الكنيسة الشرقية (اليونانية) بسبب ما كان لأوريجانوس من النفوذ العظيم، على ما يشابه التعليم «الشبيه بالبيلاجي» وأنكروا أن الإنسان مجرم بسبب الخطية الأصلية، واعتقدوا في قدرة الخاطئ الذاتية المستقلة على فتح قلبه لقبول النعمة الإلهية وعلى العمل معها من تلقاء نفسه. ولا يزال ذلك من تعليم تلك الكنيسة في شأن حالة الخاطئ إلى وقتنا الحاضر. وما قيل في آباء الكنيسة الشرقية يصح على مؤلفي الكنيسة الغربية. غير أنه في أثناء القرنين الثالث والرابع نشأ بينهم ميلٌ شديدٌ لآراء أصح مما ذُكر (وهي التي ناضل عنها بعد ذلك أغسطينوس الشهير ونجح) كما يظهر من مؤلفات ترتليان من قرطاجنة (مات سنة 240م) وهيلاريوس (مات نحو سنة 366م) وأمبروز أسقف ميلان (مات نحو سنة 396م).

2 - كيف تقدَّمت الكنيسة في استجلاء الحق الإلهي؟ وأية كنائس حدّدت بالتفصيل التعاليم الأساسية في التثليث، وشخص المسيح، والخطية والنعمة، والفداء وتخصيصه. ومتى كان ذلك؟

* أدّى ما نشأ في الكنيسة من الجدل إلى تقدمها في إدراك الحقائق الإلهية والتدقيق في تحديدها. وقد دبرت العناية الإلهية أن تستوفي الكنيسة البحث عن أصول النظام المُعلَن في أسفار الوحي، وأن يتحدد هذا جيداً في عصورٍ مختلفة وبين أمم وطوائف كثيرة. وقد اتّضحت قضايا ذات شأن في الله والمسيح نتيجة البحث الوافي من أشخاص أكثرهم من الأصل اليوناني، وحُكم بها قانونياً في المجامع التي التأمت في القرن الرابع وما يتلوه. فتحدد لاهوت المسيح ومساواته للآب في الجوهر في مجمع نيقية سنة 325م، وأقنومية الروح القدس ولاهوته في المجمع القسطنطيني الأول سنة 381م (وأما لفظة «والابن» فأضافها اللاتينيون في مجمع توليدو سنة 589م). ودرس مجمع أفسس (451م) الكريستولوجيا أي التعليم في المسيح، وأقرّ عقيدة اتحاد اللاهوت والناسوت في شخصه المجيد. وأقرّ مجمع خلقدونية (451م) أن الطبيعتين بقيتا متميّزتين. وأقرّ المجمع القسطنطيني السادس (860م) أن للمسيح مشيئة بشرية ومشيئة إلهية. وقبلت الكنائس من يونانية وباباوية ولوثرية ومُصلحة تلك الأحكام. أما مسائل الخطية والنعمة المتضمنة في قسم الأنثروبولوجيا (عِلم الإنسان) فقد بحثها في بادئ الأمر على الغالب اللاتينيون، وحكم بها أولاً حكماً باتاً في جدال أغسطينوس مع بيلاجيوس في النصف الأول من القرن الخامس. ولم يُستوفَ البحث في مسائل الفداء وكيفية تخصيصه (السوتيريولوجيا، أي الفكر اللاهوتي في الخلاص) إلا منذ وقت الإصلاح وما بعده، فقد بحثه كبار اللاهوتيين الألمان والسويسريين، مثل لوثر وزوينجلي وكلفن وميلانكثون. ولا تزال الكنيسة إلى يومنا تدرس مسائل كثيرة من الإكليسيولوجيا (الفكر اللاهوتي عن الكنيسة).

 

3 - ما هي أنظمة اللاهوت الثلاثة الشهيرة التي انتشرت على الدوام في الكنيسة؟

* لعلم اللاهوت نظامان تامان، كل منهما أجزاؤه متوافقة. أولهما النظام الأغسطيني المنتهي بالنظام الكلفيني. وثانيهما النظام البيلاجي المنتهي بالنظام السوسيني (نسبة إلى فوستوس سوسينوس الإيطالي الأصل الذي مات في بولندا سنة 1604م. على أن السوسينيين أضافوا إلى ضلال بيلاجيوس إنكارهم التثليث ولاهوت المسيح). ونشأ نظام ثالث متوسط بينهما، هو النظام الشبيه بالبيلاجي وهو ينتهي بالنظام الأرميني.

4 - متى وأين وبواسطة مَن اتضحت جيداً المبادئ الأساسية لنظامي علم اللاهوت العظيمين اللذين يضاد أحدهما الآخر؟

* برزت قضايا النظامين الأغسطيني والبيلاجي المتناقضة أولاً، وحُدِّدت بسبب ما نشأ من الجدل في أول القرن الخامس بين أغسطينوس (أسقف هبّو في شمال أفريقيا من سنة 395-430م) وبيلاجيوس (الراهب البريطاني على ما يُظن، والمقيم في روما نحو سنة 400م) وبصحبته تلميذاه كويلستيوس من روما ويوليانوس من أكلانوم في إيطاليا. وقد رفضت الكنيسة القضايا التي تمسَّك بها بيلاجيوس، ولكن قبِلها السوسينيون. وقد فنَّد مجمعا قرطاجنة سنة 416 و418م، ومجمع ميليفيوم في نوميديا بشمال أفريقيا سنة 416م، والمجمع المسكوني الذي التأم في أفسس سنة 431م تلك القضايا، مما يبرهن أن التعليم الأغسطيني كان موافقاً لإيمان الكنيسة منذ نشأتها.

 

5 - ما هي أهم أوجه الاختلاف بين المذهبين الأغسطيني والبيلاجي؟

* يتضح ذلك من مقارنة بعض تعاليمهما كما يأتي:

(1) التعليم في الخطية الأصلية:

يقول الأغسطيني بمعصية آدم الأول، نائب نسله، أخطأ كل البشر، ونالهم كل ما نشأ عن تلك المعصية من الويل، وفسدوا في الطبيعة والأفعال، وصاروا يولدون بطبيعة فاسدة عاجزة عن عمل الصلاح.

بينما يقول البيلاجي إن معصية آدم أضرَّت به وحده، لا بنسله. وكل إنسان يولد بطبيعة أخلاقية في نفس الحالة التي خُلق عليها آدم، فلا وجود للخطية الأصلية.

(2) التعليم في حرية الإرادة:

يقول الأغسطيني إنه بمعصية آدم فَقد الإنسان ما كان له من قدرة الإرادة الذاتية لعمل الخير، وصار في هذه الحالة الفاسدة تحت تسلط الخطية، عاجزاً عن أن يعمل ما يُرضي الله. غير أنه لا يزال حراً ومسئولاً.

بينما يقول البيلاجي إن الإنسان ذو إرادة حرة مطلقة، ويقدر من تلقاء نفسه أن يريد وأن يعمل الخير أو الشر. فصلاح الإنسان وشره باعتبار طبيعته وأفعاله يتوقّفان عليه تماماً.

(3) التعليم في النعمة المجانية:

يقول الأغسطيني إنه إذا أراد الإنسان في حالته الحاضرة أن يعمل الخير، كان ذلك نتيجة فعل النعمة الإلهية المجانية وتأثيرها الداخلي السري العجيب فيه. وهي نعمة سابقة ونعمة مرافِقة. فبالنعمة السابقة يعرف الخير ويريده، وبالنعمة المرافِقة يقدر على إتمامه. وكما أنه لا يقدر أن يعمل خيراً بدونها كذلك لا يريد أن يقاومها، لأنها فعّالة لا تُقاوَم. ولما كان الإنسان بطبيعته عديم الاستحقاق، لا ينشأ نواله النعمة من ميله الأخلاقي إليها ورغبته الذاتية فيها، بل من مشيئة الله ورغبته في جذبه إليه بتلك النعمة المجانية.

بينما يقول البيلاجي إن إرادة الإنسان تمكِّنه من اختيار الخير وعمله دون مساعدة إلهية خاصة، لأن الإنسان ذو قدرة وإرادة حرة لا تزال على حالتها الأصلية، غير أن الله أعلن له الناموس ومنحه تأثيرات النعمة العجيبة ليسهّل عليه واجباته ويساعده على ذلك بتعليم المسيح ومثاله. وأما النعمة (أي التأثير الروحي المجاني في النفس) فتُمنح للذين يستحقونها بسبب استعمال قواهم بأمانة. غير أن الإنسان حرٌّ في أن يقاومها مقاومة تامة إذا أراد. وربما يميل إلى ذلك ويعمله فعلاً.

(4) التعليم في التعيين السابق والفداء:

يقول الأغسطيني إن الله قدّم في محبته الفائقة ابنه الوحيد كفارة عن خطايا العالم. وبما أن كل البشر يميلون بسبب تسلُّط الخطية عليهم إلى رفض خلاص المسيح، كمَّل الله عمل محبته بأن اختار حسب رأي مشيئته جانباً عظيماً من البشر وخصّص لهم عمل الفداء بواسطة الروح القدس وعمله العجيب في قلوبهم في إنارتها وتجديدها وتقديسها وتمكينها على أن تؤمن بالمسيح. (على أن البعض فهموا أن الرأي الأغسطيني يدل على أن الاختيار سابق لتدبير الفداء، وأن الفداء معدٌّ للمختارين فقط، وأن المسيح مات لأجلهم دون غيرهم. وتوجد آيات كتابية كثيرة تثبت عكس ذلك).

بينما يقول البيلاجي إن قضاء الله يتأسس في الاختيار والرفض على علمه السابق بأخلاق البشر، فالذين رأى بسابق علمه أنهم يحفظون وصاياه عيَّنهم للخلاص، وأما الباقون فللدينونة. وإن فداء المسيح عام لكن الأطفال لا يحتاجون إليه، لأن الذين يحتاجون إليه هم الذين أخطأوا بالفعل.

 

6 - كيف نشأ النظام المتوسط بين الأغسطيني والبيلاجي المُسمّى بالشبيه بالبيلاجي؟

* لما اشتدَّ الخصام في شأن النظام البيلاجي شرع يوحنا كاسيانوس في إنشاء نظام متوسط بين الأغسطيني والبيلاجي سُمّي الشبيه بالبيلاجي. (ويُقال إن كاسيانوس سوري الأصل تربّى في الكنيسة الشرقية ثم انتقل إلى مرسيليا في فرنسا نحو سنة 412م ليخدم مصالح الرهبنة). ومبادئ هذا المذهب الجوهرية هي نفس مبادئ النظام المعروف الآن بالأرميني الذي سيأتي ذكره. وكان من أشهر المناضلين عنه فوستوس أسقف ريز في فرنسا من سنة 427-480م. وقبلت الكنيسة الشرقية جوهر هذا التعليم، واشتهر مدة من الزمان في الكنيسة الغربية حتى حكم ببطله سنودسان انعقدا في أورانج وفالانسيا في فرنسا سنة 529م. وفي القرن الثالث عشر اشتهر توما الأكويني صاحب كتاب «الخلاصة اللاهوتية» في المحاماة عن النظام الأغسطيني، على أن الكنيسة الكاثوليكية مالت منذ زمن الإصلاح إلى النظام الشبيه بالبيلاجي.

 

7 - ما هي علاقة النظام الأغسطيني بالكلفيني؟

* بعد أن انتشر نظام الشبيه بالبيلاجي اشتهر النظام الأغسطيني بأنه هو إيمان الكنيسة الغربية. ولم يكن لإنسان من غير رجال الوحي تأثير عام بين الكاثوليك والإنجيليين كما كان لأغسطينوس. وقد تبع النظام الكلفيني (نسبة إلى جون كلفن الذي عاش من سنة 1509-1564م) النظام الأغسطيني.

 

8 - ما هما القسمان العظيمان اللذان انقسم إليهما كل الإنجيليين؟

* انقسموا منذ عهد الإصلاح إلى قسمين عظيمين، هما «اللوثريون» الذين تبعوا في نظامهم اللاهوتي آراء لوثر وميلانكثون.. و«المصلحون» وهم الذين تبعوا آراء كلفن وقبلوا تفاسيره.

 

9 - في أي وقت وفي أي الأحوال نشأ التعليم الأرميني؟

* كان يعقوب أرمينيوس أستاذاً لعلم اللاهوت في جامعة ليدن بهولندا من سنة 1602 حتى موته سنة 1609م. ومع أنه كان راعياً لكنيسة هولندا الكلفينية، إلا أنه حامى أولاً سراً ثم جهراً عن النظام اللاهوتي الذي أُطلق عليه اسمه، وانتشر بسرعة رغم ما اعترضه من المقاومة من المعتبَرين في الكنيسة. وبعد فترة قصيرة قدم الأرمينيون خمس عقائد تعبّر عن إيمانهم بالتعيين السابق والنعمة، فاشتدَّ الجدال في شأن تلك العقائد بين الكلفينيين والأرمينيين. ولما عجزت كل الوسائط عن تسكيت المختلفين طلب ديوان الولاية العام انعقاد سنودس في دورت بهولندا، فاجتمع في سنتي 1618 و1619 وحُكم فيه بالإجماع ضد التعليم الأرميني وأُثبت إيمان الكنائس المصلحة العام الكلفيني.

 

10 - ما هي المبادئ الرئيسية الخاصة في النظامين البيلاجي والسوسيني؟

* أخص تلك المبادئ هي:

أولاً: الثيولوجيا والكريستولوجيا (أي ما يتعلق من التعليم بالله والمسيح):

(1)                         وحدة اللاهوت:

(أ) هذه الوحدة تنفي الامتيازات الأقنومية في اللاهوت.

(ب) المسيح هو إنسان فقط.

(ج) الروح القدس هو مجرد تأثير إلهي لا أقنوم.

(2) الصفات الإلهية:

(أ) ليس في الله مبدأ العدل العقابي ولا ما يمنع قبوله الخطاة إذا تابوا.

(ب) معرفة الحوادث المتوقف حدوثها على حوادث أخرى غير ممكنة، ومعرفة الله السابقة لا تمتد إليها.

ثانياً: الأنثروبولوجيا (أي ما يتعلق من التعليم بالإنسان):

(1) خلق الإنسان بدون طبيعة أدبية ذاتية، وأما صورة الله التي قيل إنه خُلق عليها فلا تشمل القداسة.

(2) ارتكب آدم بأكله من الشجرة المنهيّ عنها خطية فعلية، استوجب بها غضب الله. غير أنه مع ذلك حفظ نفس تلك الطبيعة الأخلاقية وذلك الميل الأخلاقي اللذين خُلِق عليهما وأوصلهما إلى ذريته.

(3) لا يُحسب ذنب معصية آدم على ذريته.

(4) للإنسان الآن قدرة ذاتية على إتمام كل واجباته كما كان في كل حين. ولكن لما كانت الأحوال التي تتكوَّن فيها الآن طبيعته أقل موافقة من أحوال آدم، كان أضعف من آدم، فانحط الالتزام والقدرة، لأن الله غير محدود في رحمته. والإنسان خُلق أصلاً قابلاً للموت وكان عتيداً أن يموت، سواء أخطأ أم لم يخطئ.

ثالثاً: السوتيريولوجيا (أي ما يتعلق من التعليم بالخلاص):

(1) القصد الأعظم في رسالة المسيح هو أن يعلِّم ويؤكد الحقائق التي يتردد فيها العقل البشري، وهو يفعل هذا بواسطة تعليمه ومثاله.

(2) لم يمارس المسيح وظيفة كاهن على الأرض، ولكنه يمارسها في السماء فقط، بطريقة نجهلها.

(3) وظيفة المسيح الخصوصية هي التعليم، فإنه وضع ناموساً جديداً، وأعطى مثالاً حسناً للحياة المقدسة، وعلَّم ذاتية الله، وأوضح تعليم الحياة الآتية بقيامته.

(4) كان موت المسيح ضرورياً لأجل الاستعداد لقيامته فقط، وقُصد به أيضاً التأثير الأخلاقي في الخطاة واستمالتهم إلى التوبة عن الخطية، وتأكيد طول أناة الله لهم، لأن إرضاء العدل الإلهي غير ضروري (بموجب رأيهم) وهو لا يمكن أن يتم بواسطة آلام نيابية.

 

11 - ما هي المبادئ الرئيسية في النظامين الشبيه بالبيلاجي والأرميني؟

* هي ما يأتي:

أولاً: الثيولوجيا (أي الكلام في الله):

(1) العدل العقابي صفة إلهية، غير أن تركه ممكن لأنه اختياري لا ضروري.

(2) تعيين الله السابق لا يمتد إلى إرادة الإنسان الحرة، واختيار البشر الأزلي للخلاص غير مطلق، ولكنه يتوقف على معرفة الله السابقة بما يبديه البشر من الإيمان والطاعة.

ثانياً: الأنثروبولوجيا (أي عِلم الإنسان):

(1) لم تُخلَق الطبيعة الأخلاقية في الإنسان، بل هي نتيجة اختيار الإنسان ذاته.

(2) تستلزم الحرية والمسؤولية بالضرورة أن الإنسان يقدر أن يعمل ما يختاره، سواء كان خيراً أو شراً.

(3) يرفضون غالباً حسبان ذنب معصية آدم الأولى على ذريته شرعاً. ولا ينكرون ولادة البشر عموماً بطبيعة فاسدة.

(4) الإنسان لا يقدر أن ينشئ عملاً صالحاً ولا أن ينفذه بمجرد قوته دون مساعدة إلهية، لكن كل إنسان له قدرة من تلقاء نفسه أن يعمل مع النعمة العامة أو يقاومها. والذي يجعل الخاطئ قديساً هو حُسن أو سوء استعماله للنعمة.

(5) النعمة الإلهية هي الحثّ الأخلاقي لا فعل إلهي مطلق يجدد النفس ويجذبها إلى الله.

(6) القديسون على الدوام عرضة للسقوط من النعمة والهلاك.

ثالثاً: السوتيريولوجيا (أي الفكر اللاهوتي عن الخلاص):

(1) صنع المسيح بنفسه كفارة نيابية عن البشر الخطاة لكنه لم يَنُب عنهم باحتمال عقاب الشريعة الكامل ولا ما يعادله تماماً. غير أن الله قَبِل آلامه كرَماً منه عوضاً عن ذلك العقاب.

(2) موت المسيح هو عن جميع البشر بلا فرق، ليس فقط لأنه كافٍ ويوافق ذلك، بل لأنه أيضاً حسب قصد الآب في بَذْل الابن، وقصد الابن في موته. ويوافقهم في هذا القول عدد ليس بقليل من الكلفينيين.

(3) قبول نيابة المسيح عن الخطاة وترك إجراء العقاب عليهم يُحسبان تغاضياً عن إجراء الشريعة الإلهية، لا إتمام ذلك.

(4) نيابة المسيح عن الخطاة لسبب موافقتها لطبيعة الله ولمصالح حكمه العام مكَّنته من تقديم الخلاص للبشر بشروط سهلة. وعلى ذلك فالإنجيل شريعة جديدة يطلب الإيمان والطاعة الإنجيلية بدل المطلوب الأصلي وهو الطاعة التامة للشريعة التي قدمها المسيح.

(5) تُمنح تأثيرات الروح القدس الكافية، وعطية النعمة المخلِّصة، والفُرص الكافية لنوال الخلاص لجميع البشر ذاتياً.

(6) يمكن لجميع البشر، ومن الواجب عليهم في هذه الحياة أن يبلغوا الكمال الإنجيلي الذي يوصف بأنه الخلاص التام، الذي ينشأ عن المحبة التامة، ويعملوا كل ما يطلبه الإنجيل منّا.

 

12 - ما هي باختصار أركان النظام الكلفيني؟

* هي ما يأتي:

أولاً: الثيولوجيا:

(1) الله ذو سلطان مطلق غير محدود في حكمته وبرّه وإحسانه وقدرته، وقد عيَّن منذ الأزل كل ما يحدث حسب رأي مشيئته.

(2) العدل العقابي من صفات الطبيعة الإلهية الضرورية الراسخة، وهو يستلزم العقاب التام لكل خطية. ولا توقِف المشيئة الإلهية إجراءه ولا تعدِل عنه.

ثانياً: الكريستولوجيا: (الكلام في المسيح)

الوسيط هو أقنوم إلهي أزلي، وهو إله تام وإنسان تام معاً في شخص واحد. ومع أن طبيعتيه اتحدتا إلا أنهما لا تزالان غير مختلطتين، وهما متميزتان، وصفات كل منهما متميّزة وغير ممتزجة.

ثالثاً: الأنثروبولوجيا: (الكلام في الإنسان)

 

(1) خلق الله الإنسان في حالة البراءة الطبيعية والعقلية والأخلاقية، وبطبيعة أخلاقية ذاتية.

(2) حُسب ذنب معصية آدم الأولى حالاً بقضاء الله الشرعي على كل واحد من نسله منذ وجوده قبل أن يقوم بأي عمل. على أن ذنبه شرعي لا ذاتي.

(3) يولد الناس تحت الدينونة شرعاً، ليس لهم من تأثيرات الروح القدس التي تتوقّف عليها حياتهم الروحية شيءٌ، إلا على سبيل النعمة.

(4) مِن ثمّ يأتي البشر إلى العمل الأخلاقي خالين من البِر الأصلي الذي خلق عليه آدم، وبميل سابق غالب في طبيعتهم إلى الخطية. وهو نفسه نوعٌ من الإثم يُعرَف بالخطية الأصلية ويستحق العقاب. ولكن لا يهلك أحد لمجرد تلك الخطية، بفضل كفارة المسيح.

(5) تحفظ طبيعة الإنسان منذ السقوط قوى العقل الذاتية (التي جُبلت عليها) من الضمير والإرادة الحرة وغيرهما، ولذلك لا يزال الإنسان فاعلاً أخلاقياً مسؤولاً، مع أنه ميت روحياً وخالٍ من كل ميل إلى الطاعة الروحية، وغير قادر أن يغيّر قلبه، ولا هو كفؤٌ وحده ليتمم شيئاً من الواجبات الناشئة من علاقته بالله.

رابعاً: السوتيريولوجيا: (الكلام في الخلاص)

(1) خلاص الإنسان هو من النعمة المجانية لأن لله الحق أن لا يخلّص أحداً، كما أن له الحق أن يخلّص الكل، وأن يخلّص البعض دون غيرهم حسب مسرَّته.

(2) مارس المسيح وظيفة وسيط لإتمام العهد الأزلي الذي أُقيم بينه وبين الآب، ولذلك قدَّم نفسه كفارة عن البشر عموماً. وقد اختار الله له شعباً من جميع الأمم هم المؤمنون به. وبطاعته وآلامه أكمل كل الواجبات الناتجة عن علاقتهم العهدية بالناموس، واحتمل عنهم القصاص، وتمم لأجلهم ما كان ينبغي عليهم أن يتمموه من المطالب الإلهية، ووفّى العدل الإلهي حقه، ونال لهم وعد الحياة الأبدية، وأرسل الروح القدس لينير قلوبهم ويجددها ويقدسها وينميها في الإيمان والتقوى، ونتيجةً لذلك يتركون الخطية ويتمسكون بالمسيح بالتوبة والإيمان، ويجاهدون في الحياة الروحية.

والخلاصة أن المسيح، بواسطة آلامه، احتمل بالنيابة عنهم ما استحقوه من العقاب، وبواسطة طاعته تمم بالنيابة عنهم مطالب العهد التي عليها تتوقف سعادتهم الأبدية. وبهذا أرضى الله، وجعل المصالحة ممكنة، وحصَّل التبرير التام والخلاص الأبديّ لكل مَن يقبله ويؤمن به (راجع فصل 35 س 5).

(3) فتح المسيح بموته باب المصالحة بالفداء للخطاة جميعاً، وأكَّد خلاص المؤمنين المختارين. ويخصص الروح القدس الفداء الذي أكمله المسيح لجميع المختارين في الوقت المعيَّن. وهو يفعل ذلك بعمل قوته الفعَّال الذاتي في طبيعتهم الروحية التي جدَّدها هو، ويأتي بهم إلى الإيمان والتوبة والطاعة المقبولة. ويتم ذلك كله بتغيير الإنسان حتى يتوب ويؤمن بإرادته واختياره.

(4) التبرير هو عمل الله الشرعي الذي به يُحسب لنا بر المسيح الكامل الناتج من طاعته التامة للناموس، ويعتبرنا ويعاملنا بمقتضى ذلك، فيعلن لنا أن الشريعة قد استوفت كل ما تطلبه منّا من العقاب، ويمنحنا بنعمته حق الحصول على كل الإنعام والمكافأة المشروطة في عهد آدم الأصلي بناء على الطاعة الكاملة.

(5) لا يمكن بلوغ الكمال الأخلاقي المطلق في هذه الحياة. ومع أن تيقُّن الخلاص ليس من جوهر الإيمان، لكنه ممكن. بل يجب على كل مؤمن أن يجدَّ في الحصول على كمال يقين خلاصه الشخصي، وأن يترك ما وراءه، ويسعى طالباً الكمال في كل الأشياء.

(6) مع أن كل مؤمن إذا تُرك لنفسه يسقط حالاً، ومع أن أكثر المؤمنين يسقطون سقطات كثيرة وقتية، إلا أن الله يحفظ كل المؤمنين حتى أضعفهم من الارتداد الدائم بواسطة عمل نعمته في قلوبهم، وبموجب شروط عهد النعمة الأزلي وقصد المسيح في موته.

13 - ما هي حقيقة الإصلاح الديني الذي بدأ في القرن السادس عشر، وكيف نشأ، وما هي نتائجه في تاريخ الكنيسة؟

* نعتبر إصلاح القرن السادس عشر أعظم الحوادث التي جرت في التاريخ المسيحي بعد قيام المسيحية. ولم يكن إصلاحاً ظاهراً فقط ولا مجرد رجوع إلى الفكر الأغسطيني، بل كان تجديداً داخلياً عميقاً وتقدماً متسعاً بالغاً زهت فيه الكنيسة وارتقت حالتها فوق ما كانت في جميع قرونها السالفة منذ موت يوحنا الرسول إلى ذلك الحين. ومع أنه ظهر في القرن 16 إلا أنه استمد مبادئه وتعاليمه من فم المسيح ورسله الملهَمين، وكان تعمُّقاً في فهم معنى الإنجيل أبلغ من تعمُّق أغسطينوس، فأدخل المسيحية في طور جديد تجاه الضلال لم يُرَ له مثيل من قَبل في تاريخ الكنيسة. وكان بالحقيقة مناداةً بحرية الإنجيل على ما وُصفت في رسالتي بولس إلى أهل رومية وغلاطية، وتحريراً عظيماً من السلطان البشري في الكنيسة، وختماً للحرية التي حررنا بها المسيح. وقد رفع شأن الشعب، ونشر عقيدة كهنوت المؤمنين العام، وعلَّم صريحاً شركة النفس المؤمنة مع المسيح مباشرةً، وأزال الموانع الإكليريكية والطقسية التي حجبت عن عيون البشر نور الإنجيل الساطع.

ونحن لا نحتقر كنيسة القرون الوسطى، فقد كانت مُستودع الإصلاح، وحافظة كنوز العلم القديم، وكانت في وقتها بركة لا توصف لأهل عصرها ونوراً لأهل تلك القرون المظلمة، وقد غذَّتها بالديانة المسيحية، وإن كانت على هيئة ملكوت يهودي على صورة العهد القديم، مع كهنوت وشرائع وفرائض وطقوس. وأكملت تلك الكنيسة سعيها في نشر المسيحية للأمم البربرية في الغرب والشمال وعلَّمتهم. وتمكنت من إزاحة غيوم الجهالة التي أحدقت بها.

ولو كان الإصلاح الإنجيلي مجرد إلغاءٍ للبابوية لخسر قوته من عهد طويل. ولكنه كان يبني حق الإنجيل ويهدم أركان الضلال ويرفع شأن كلمة الله فوق حكمة البشر، فكان عملاً سامياً في قصده وغايته، وقد نشأ من سؤال الضمير: كيف يتبرر الخاطئ أمام الله؟ الذي هو نفس السؤال القديم: «ماذا أفعل لكي أخلص؟». فكان جواب المصلحين: إنه التبرير بالإيمان، باستحقاق عمل المسيح، كما جاء في الأسفار المقدسة. ولم يكن قصدهم بالإيمان مجرد التسليم العقلي والخضوع الأعمى لسلطان الكنيسة، بل الإيمان الحي بالمسيح المثمر في الطاعة الاختيارية واتكال القلب والمحبة الشخصية وتسليم النفس بدون شروط للمسيح على أنه المخلص من الخطية والموت. فإن رياسة المسيح وكفايته للمؤمن، وكفاية إنجيله أن يكون دستوراً للإيمان والعمل والحياة الطاهرة، هي عنصر الإصلاح الحي، وجوهر التعليم الإنجيلي. وقد نشأ عن ذلك الإصلاح تجديد علم اللاهوت وحياة الكنيسة، وبدء تاريخ جديد للعالم.

وكان المصلحون من رجال الكنيسة الكاثوليكية، وكان أكثرهم من رجال الإكليروس فيها. ولم يخطر على بالهم في بادئ الأمر أن يتركوا كنيستهم، بل كان قصدهم الوحيد أن ينقّوها بواسطة كلمة الله، فبقوا فيها كما بقي الرسل في شركة آبائهم حتى أُخرجوا منها عنوةً بعد أن رفض البابا إجابة طلبهم في الإصلاح.

 

14 - ما هي أوجه الاختلاف بين الكنائس التقليدية والكنيسة الإنجيلية؟

تتلخَّص أوجه الاختلاف في الآتي:

(1) الكتاب المقدس: يعتقد الإنجيليون بسلطان الكتاب المقدس المطلق وأنه القانون الوحيد المعصوم للإيمان والعمل. ويعتقد التقليديون أن الكتاب والتقليد هما معاً قانون الإيمان. ولا يرفض الإنجيليون كل التقاليد على الإطلاق، بل ينكرون منها ما يتعارض مع الكتاب المقدس.

(2) التبرير: وهو جوهر الديانة الداخلية، فالإنجيليون يعلّمون أن التبرير بنعمة الله المجانية، بالإيمان الحي بالمسيح على أنه المخلص الوحيد الكافي، فيُحسَب بر المسيح الفادي للنفس المؤمنة. ويقول التقليديون إن التبرير يتم بالأعمال الصالحة أكثر من الإيمان. ويعتقد الإنجيليون بضرورة الأعمال الصالحة على أنها ثمار التبرير وبرهانه، لا أنها وسائله أو شروطه.

(3) الكهنوت: فعند الإنجيليين كل المؤمنين كهنة لله (بمعنى اصطلاح العهد الجديد لا القديم). وعند التقليديين يُحصر الكهنوت في الكاهن. وهكذا تحرَّر الإنجيليون من العبودية لتعليم الكهنة وسياستهم، وصارت للإنجيليين مشاركة في مصالح كنيستهم، بحسب تعليم بطرس الذي استعمل كلمة «رعية» (1بط 5: 3) للمؤمنين ودعا كل المسيحيين حجارة حية في بيت الله الروحي يقدمون ذبائح روحية، وجنساً مختاراً وكهنوتاً ملوكياً وأمة مقدسة وشعب اقتناء، يخبرون بفضائل الذي دعاهم من الظلمة إلى نوره العجيب (1بط 2: 5، 9، 5: 1-4 ورؤ 1: 6، 5: 10 و20 :6). ولذلك لا يمكن تحويل المبادئ الأساسية في الكنيستين الإنجيلية والتقليدية إلى قانون واحد دون رفض تعليم إحداهما.

غير أن في المذاهب التقليدية مبادئ إنجيلية، كما أن في تعاليم بعض المذاهب الإنجيلية ميلاً إلى الطقوس والفرائض البشرية. ولكن إذا نظرنا إلى الصفة الغالبة في كل من النظامين نرى المقارنات الآتية:

(1) الإنجيلية هي كنيسة الحرية (غل 5: 1) والتقليدية هي كنائس الخضوع للسلطان الإكليريكي. والأولى هي على الخصوص ذاتية تجعل الدين من الأمور الشخصية، والثانية كنسيّة تجعل الكنيسة تنوب عن أفرادها. فالإنجيلي يؤمن بناءً على شهادة أقوال الله واختباره، والتقليدي يؤمن بناءً على شهادة الكنيسة وإرشادها.

(2) الكنيسة الإنجيلية كنيسة الإنجيل على بساطته الروحية، والكنيسة التقليدية كنيسة الناموس والنُّسك والكهنوت والطقوس. فالإنجيلي يلجأ للإعلان الإلهي والعقل والضمير، والتقليدي يلجأ للكنيسة وآرائها.

(3) الكنيسة الإنجيلية هي كنيسة الكتاب المقدس، والتقليدية هي كنيسة التقليد. الأولى توجِّه الشعب إلى رأس النبع، الذي هو الإعلان الإلهي. والثانية توجِّهه لآراء الكهنوت. فالإنجيلية تجتهد في نشر الكتاب المقدس على أنه كتاب الشعب، والتقليدية لا تهتم بتعليم الكتاب وتوزيعه بين الشعب، وترفع سلطان التقليد عليه.

(4) الإنجيلية هي كنيسة شركة النفس مباشرة مع المسيح بواسطة الإيمان الشخصي، والتقليدية هي الشركة بواسطة الكنيسة، التي تعارض معاشرة المؤمن مع مخلّصه لأنها تقيم وسطاء ثانويين. فالإنجيلي يصلي مباشرة للمسيح، والتقليدي غالباً لا يقترب إليه إلا بشفاعة القديسين.

(5) تضع الكنيسة الإنجيلية المسيح قبل الكنيسة وتحسب الاقتداء به دليلاً على التقوى الصحيحة. وتضع الكنيسة التقليدية الكنيسة قبل المسيح، وتحسب الأمانة لها شرط التقوى وقياسها.

(6) تعلِّم الإنجيلية أن الخلاص يتوقف على الإيمان بالمسيح، وتعلّم التقليدية أن الخلاص يتوقف على الشركة معها.

(7) الإنجيلية هي كنيسة الشعب المسيحي، والتقليدية هي كنيسة الكاهن، ولذلك تفرز الكهنة عن العامة بقدر ما يمكنها، بالتربية والبتولية والملابس.

(8) الإنجيلية تقوم بالاقتناع العقلي الشخصي والاختبار الداخلي، والتقليدية تقوم بالفرائض الخارجية وحفظ الطقوس، والطاعة للسلطان الكنسي. الإنجيلية تحسب الإيمان الحي مبدأ الحياة، والتقليدية تحسب الأعمال الصالحة شرط التبرير.

ومع ذلك ينبغي ألاّ ننسى أن بين الكنيسة التقليدية وشعبها فرقاً، وأنه يجب على الإنجيليين أن يكونوا كرماء صابرين طويلي الأناة وعديمي التعصُّب مع الجميع.

 

15 - ما هي وجوه الاتفاق بين الكنائس الشرقية والتقليدية والإنجيلية؟

* تتفق هذه الكنائس في قبول الأسفار المقدسة وقوانين الإيمان المسكونية التي تقبلها كل الفِرق المسيحية تقريباً. وقد توضَّح تفصيلاً في الآتي:

أولاً: التعليم في دستور الإيمان والأعمال:

يعتقدون بالوحي الإلهي وبسلطان الأسفار القانونية في ما يتعلق بالإيمان والسلوك (خلافاً للعقليين).

ثانياً: التعليم في الله:

(1) وحدة الجوهر الإلهي (خلافاً للإلحاد أو الاعتقاد بآلهة كثيرة).

(2) تثليث أقانيم اللاهوت الأقدس وهي الآب والابن والروح القدس الخالق والفادي والمقدِّس (خلافاً للتعليم الأريوسي والسوسيني وتعليم منكري لاهوت المسيح).

(3) الصفات الإلهية الكاملة. وهي القدرة على كل شيء، والحضور في كل مكان، والعلم بكل شيء، والحكمة والقداسة والعدل والمحبة والرحمة الخ.

(4) خلق الله العالم بكلمة قدرته ومصدر مشيئته، من لا شيء، لأجل مجده وسعادة مخلوقاته (خلافاً للماديين ومعتقدي ألوهية الكون ومنكري وجود الله).

(5) يدير الله العالم بعنايته الإلهية (خلافاً لأصحاب نظرية النشوء والارتقاء بصورتها الكفرية).

ثالثاً: التعليم في الإنسان:

(1) البراءة الأصلية. أي أن الإنسان خُلق على صورة الله في العقل والحرية والطهارة والقداسة، على أنه معرّضٌ للتجربة وقابل للسقوط.

(2) السقوط. ومن لوازمه الخطية والموت والفساد والاحتياج للخلاص (خلافاً للتعليم البيلاجي).

(3) الفداء بالمسيح (مع الفرق العظيم في اتخاذ وسطاء غيره).

رابعاً: التعليم في المسيح:

(1) تجسُّد الكلمة الأزلي أي الأقنوم الثاني في الثالوث الأقدس.

(2) المسيح إله وإنسان معاً.

(3) قبول تاريخ حياة المسيح الإنجيلي في ما يتعلق بالحَبل العجيب به، وبكماله البريء من الخطايا، وبصلبه وموته ودفنه وقيامته وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الله الآب، ومجيئه ثانيةً.

(4) المسيح نبيّنا وكاهننا وملكنا إلى الأبد.

(5) وساطة المسيح بالكفارة، أي موته لأجل خطايانا وقيامته لأجل تبريرنا.

خامساً: التعليم في الروح القدس:

(1) أقنومية الروح القدس الإلهية.

(2) انبثاقه الأزلي من الآب وإرسال الآب والابن إياه إلى العالم في وقت معلوم.

(3) عمله الإلهي في التجديد والتقديس.

سادساً: التعليم في الخلاص:

(1) التعيين السابق الأزلي واختيار المؤمنين للخلاص.

(2) الدعوة بواسطة الإنجيل.

(3) التجديد والرجوع لله، أي ضرورة التوبة والإيمان.

(4) التبرير والتقديس، أي لزوم مغفرة الخطايا والحياة المقدسة.

(5) تمجيد المؤمنين في ملكوت الله.

سابعاً: التعليم في الكنيسة:

(1) منشأ كنيسة المسيح الجامعة ونظامها هما من الله.

(2) الصفات الجوهرية للكنيسة الجامعة هي الوحدة والجامعية والقداسة، وعدم إمكان هدمها، ومحاربتها للشر، وتأكيد انتصارها.

(3) لزوم خدام الإنجيل (والخلاف هو في المقام والعمل).

(4) لزوم التبشير بالإنجيل (والخلاف هو في كيفية إجراء ذلك).

(5) للكنيسة أسرار، والسر هو علامة منظورة وختم، وهو من وسائط النعمة.

(6) المعمودية علامة لمغفرة الخطايا.

(7) العشاء الرباني تذكار موت المسيح الكفاري عن الخطايا (والخلاف في تحوُّل الخبز والخمر إلى لحم ودم).

ثامناً: التعليم في الآخرة:

(1) الموت بسبب الخطية.

(2) خلود النفس.

(3) مجيء المسيح ثانية.

(4) القيامة العامة.

(5) المسيح هو ديّان العالم.

(6) السماء وجهنم أو سعادة القديسين الأبدية وشقاوة الأشرار الدائمة.

 

16 - ما هي التعاليم التي تتفق فيها الكنيستان الشرقية والتقليدية، والتعاليم التي تختلفان فيها؟

* أولاً – الاتفاقات هي:

(1) قبول تعاليم القوانين الثلاثة الأولى المسكونية، أي الرسولي والنيقوي والأثناسي، ما عدا كلمة «والابن» التي أضافها الغربيون على قانون الإيمان النيقوي، وكذلك كلمة «والابن» في القانون الأثناسي.

(2) التعاليم الآتية التي نشأت بعد نشر القوانين المسكونية (وهي مرفوضة عند الإنجيليين) وهي:

(أ) سلطان التقليد الكنسي وعقيدة أنه دستور للإيمان مع الكتاب المقدس.

(ب) شفاعة مريم العذراء والقديسين وصورهم (لا تماثيلهم) وذخائرهم.

(ج) عصمة الكنيسة، غير أن الكنيسة التقليدية تحصر العصمة في المنصب التقليدي، والكنيسة الشرقية في المجامع المسكونية السبعة وفي مجمع البطاركة.

(د) التبرير بالإيمان والأعمال معاً أي أن الإيمان والأعمال شرطان للتبرير.

(هـ) الأسرار السبعة مع فرق زهيد في ما يتعلق بالتثبيت والمسحة.

(و) التجديد بواسطة المعمودية، وضرورة المعمودية بالماء للخلاص.

(ز) الحِل الكهنوتي من الخطايا بالسلطان الإلهي.

(ح) استحالة الخبز والخمر بعد تقديسهما والسجود لهما (انظر فصل 45 س 25 عن الكنيسة وفرائضها).

(ط) ذبيحة القداس لأجل الأحياء والأموات. وهذا هو محور العبادة عندهم، وأما التبشير فثانوي.

(ي) الصلاة لأجل الموتى.

ثانياً - ما تختلفان فيه:

(1) الكتاب المقدس: لم تمنع الكنيسة الشرقية استعمال الشعب للكتاب المقدس كما فعلت الكنيسة الكاثوليكية.

(2) انبثاق الروح القدس الأزلي (لا إرساله الزمني) من الابن، فإن الكنيسة الغربية تعتقد به والشرقية تنكره.

(3) رياسة البابا وعصمته. فالكنيسة الغربية تعتقد أنهما حجر الزاوية في الإيمان المسيحي، والشرقية ترفضهما مطلقاً، وتحسبهما من تعاليم ضد المسيح.

(4) الحبل بمريم العذراء بلا دنس، الذي نادى به الكاثوليك سنة 1854م.

(5) زواج أصحاب الدرجات الكهنوتية الأقل. فالكنيسة الشرقية تجيزه، والغربية تمنعه حيثما استطاعت.

(6) منع كأس الأفخارستيا عن الشعب عند الكاثوليك.

(7) أسلوب ممارسة عدة من الطقوس والفرائض. ومما تنفرد فيه الكنيسة الشرقية تغطيس المعتمد ثلاث مرات عوضاً عن السكب أو الرش، واستعمال الخمير في الأفخارستيا عوضاً عن الفطير، والصلاة للروح القدس ليبارك العناصر المقدسة، وشركة الأطفال في العشاء الرباني، ودهن الأطفال المعتمدين بالميرون، وتكرار المسحة في المرض.

 

17 - ما هي التعاليم التي تتفق فيها الكنيستان الشرقية والإنجيلية، والتعاليم التي تختلفان فيها؟

* أولاً – ما تتفقان فيه:

(1) الإيمان بالكتاب المقدس وقبول تعاليم قوانين الإيمان الثلاثة الأولى المسكونية (انظر سؤال 15).

(2) تتفقان في رفض ما يأتي:

(أ) رياسة البابا وعصمته. (ب) الحبل بمريم العذراء بلا دنس. (ج) منع الكأس عن الشعب. (د) بتولية الكهنة والشمامسة الإلزامية. (غير أن الكنيسة الشرقية تمنع زواج الكاهن ثانية، وتأمر ببتولية الأساقفة).

ثانياً - ما تختلفان فيه:

(1) انبثاق الروح القدس الأزلي (لا إرساله الزمني): هل هو من الآب وحده، أو من الآب والابن معاً. ويتفق الإنجيليون والكاثوليك في انبثاق الروح الأزلي. ولم يكن هذا الموضوع في عصر الإصلاح موضوع بحث، ولا جرى عليه جدال وخصام، فاتّخذته الكنائس المصلحة أمراً مسلّماً به. غير أن بعض اللاهوتيين يميلون إلى تقليل أهمية هذه المسألة كموضوعٍ للخلاف بين الشرقيين والغربيين، كما تبين في قرار مؤتمر بون سنة 1874م المؤلّف من نوَّاب من الكاثوليك القدماء والكنيسة الشرقية وبعض أساقفة وقسوس الكنيسة الأسقفية. وقد قامت هذه المسألة حاجزاً بين الشرق والغرب منذ أكثر من ألف سنة: هل انبثاق الروح الأزلي هو من الآب وحده، أو هل هو من الآب والابن معاً؟ فالكنيسة الشرقية (حفظاً لشأن الآب في الثالوث الأقدس) اعتقدت بالانبثاق من الآب وحده. والكنيسة الغربية (حفظاً لشأن الابن في الثالوث) اعتقدت بالانبثاق من الآب والابن معاً. غير أنه لا فرق بينهما في أن الروح القدس مرسَلٌ من الآب والابن معاً لإتمام مقاصد إلهية في عمل الفداء (يو 14: 26 و15: 26 و16: 7). ولا فرق أيضاً من جهة عمله الخاص في تجديد القلب وتقديسه.

(2) التعاليم التي نشأت بعد نشر القوانين الثلاثة الأولى المسكونية: الرسولي والنيقوي والأثناسي (كما ذكرنا في سؤال 16) فإن الكنيسة الشرقية تتفق فيها مع الغربية ضد الإنجيليين.

 

18 - ما هي التعاليم التي تتفق فيها الكنيستان التقليدية والإنجيلية، والتي تختلفان فيها؟

* تتفقان فيما ذكرناه في إجابة س 15.

وأما ما تختلفان فيه فهو:

(1) دستور الإيمان: تعتبر الكنيسة التقليدية أن الكتاب المقدس والتقليد هما معاً دستور الإيمان. بينما يقول الإنجيليون أن الكتاب المقدس هو القانون الوحيد المعصوم للإيمان والأعمال، وهو كافٍ لإرشادنا إلى الخلاص وأن له سلطاناً على كل ما سواه.

(2) الكتاب المقدس: وحوله اختلافات، منها:

(أ) عدد الأسفار القانونية: فإن أسفار العهد القديم الأبوكريفية تدخل عند التقليديين في الأسفار القانونية، والإنجيليون لا يحسبونها.

(ب) مطالعة الشعب للكتاب المقدس ونشره بين الناس: لا تستحسن الكنيسة التقليدية ذلك، والإنجيلية تنادي بلزومه وتسعى في توزيعه، لأن تعاليمها مؤسسة على الكتاب المقدس فقط.

(3) مواضيع العبادة: وهي عند التقليديين:

(أ) الله (ب) مريم العذراء (ج) الملائكة والقديسون (د) صور القديسين وذخائرهم. وعند الإنجيليين الله فقط. فالتقليدي يقترب إلى المسيح بوسطاء من البشر، ويجعل عبادته لمريم العذراء تنوب عن عبادته ليسوع. والإنجيلي يقترب إلى المسيح مباشرة، ويصلي له باعتبار أنه كاهنه ومخلّصه العظيم الوحيد الكافي له، وشفيعه عن الآب. (لتفصيل الكلام على الوساطة التقليدية انظر فصل 32 س 6 و7 وفصل 35 س 30 و31).

4 - الحالة الأصلية: «قال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تك 1: 26). تقول الكنيسة التقليدية إن المقصود بكلمة «صورتنا» غير المقصود بكلمة «شبهنا» فكلمة «صورتنا» تعني أن الإنسان عاقل حرّ الاختيار، وإن كلمة «شبهنا» تعني أنه يشبه الله بما ناله من موهبة القداسة الأصلية، فقد وشّحه الله بالبر والقداسة بعد أن خلقه على صورته. أما الكنيسة الإنجيلية فتقول إن المقصود بكلمتي «صورتنا وشبهنا» هو واحد، لأن صورة الله التي خُلق عليها الإنسان أصلاً تشمل البر والقداسة.

(5) الخطية الأصلية: يعلّم التقليديون أن الخطية الأصلية عيبٌ سلبيٌ، أو ضياع موهبة القداسة الأصلية المشار إليها بكلمة «كشبهنا» (تك 1: 26) (أي ضياع مشابهة الله لا صورته). وهم يقولون إنه يزول تماماً بالمعمودية. ويعلّم الإنجيليون أن الخطية الأصلية هي فساد إيجابي كلي يعمّ تشويه صورة الله الأصلية ومشابهته اللتين خلق عليهما الإنسان، وأن الإنسان يميل دائماً إلى الخطية بعد المعمودية.

(6) التبرير: يقول التقليديون إنه يتم بالإيمان والأعمال الصالحة معاً، ويقول الإنجيليون إنه بالإيمان فقط. ومما يختلفان فيه في شأن التبرير: (أ) معنى التبرير وفعله. يقول التقليديون إن التبرير يجعل الخاطئ باراً في الذات بالتدريج (وعلى ذلك هو مرادف للتقديس عند الإنجيليين). ويقول الإنجيليون إنه هو قضاء الله وتصريحه بأن الخاطئ صار باراً شرعاً، فصفح عن الخاطئ التائب بناء على استحقاق المسيح، وعلى شرط الإيمان به، وأن التقديس يتبعه، وهو عمل متميّز عنه (انظر فصل 42 س 1). (ب) معنى الإيمان. يقول التقليديون إنه تسليم عقلي وخضوع للسلطان الكنسي النائب عن الإلهي. ويقول الإنجيليون إنه قبول تعاليم الله بالثقة وإنه الاتكال الشخصي على المسيح والشركة الحيَّة معه. (ج) المقام المعيَّن للأعمال الصالحة. يقول التقليديون إنها شروط التبرير. ويقول الإنجيليون إنها برهان التبرير ونتيجته، فهي ثمار التبرير لا سببه. (د) إمكان التحقُّق من التبرير والخلاص. ينكره التقليديون إلا إذا أُسند على إعلان خاص من الله عن لسان الكنيسة المعصومة. ويثبته الإنجيليون على درجات مختلفة (انظر فصل 43 س 12).

(7) الكنيسة: (أ) يعتقد التقليديون أن كنيسة المسيح الحقيقية هي كنيستهم لا غير، ويعتقد الإنجيليون أن الكنيسة غير المنظورة واحدة وعامة وتحت رياسة المسيح فقط، وأن الكنيسة المنظورة مؤلفة من جماعات كثيرة منتظمة تحت أسماء مختلفة. (ب) يعتقد التقليديون أن صفات الكنيسة هي الوحدة والقداسة والجامعية والرسولية والعصمة وعدم إمكان السقوط، وأن هذه الصفات اجتمعت في كنيستهم وحدها، فهي الكنيسة الوحيدة الصحيحة في العالم، ولا خلاص لمن هو خارج عنها. وينكر الإنجيليون بعض تلك الصفات على المعنى البابوي، ويقولون إن كنيسة المسيح الصحيحة ليست تحت نظام واحد خارجي، بل هي الكنيسة غير المنظورة الروحية المؤلفة من كل المؤمنين بالحق في كل زمان ومكان، وأنها جسد المسيح وهو رأسها وربها بغضّ النظر عن نظامها الخارجي.

(8) البابا: يعتقد الكاثوليك أنه خليفة بطرس، ورأس الكنيسة الجامعة، ونائب المسيح على الأرض. وينكر الإنجيليون ذلك، ويعتقدون أن المسيح هو رأس الكنيسة الوحيد.

(9) الأسرار على وجه الإجمال: (أ) تعريف السر: هو إشارة منظورة لنعمة غير منظورة، مرسوم بأمر صريح في العهد الجديد من المسيح (عند الإنجيليين) أو بمجرد سلطان الكنيسة (عند التقليديين). (ب) عدد الأسرار: هي سبعة عند التقليديين واثنان عند الإنجيليين، وهما المعمودية والعشاء الرباني. (ج) فائدة الأسرار: تُنال عند التقليديين بواسطة ممارستها بواسطة الكهنة خلفاء الرسل، وعند الإنجيليين بواسطة الإيمان في قلب كل تائب مؤمن يقبلها.

(10) المعمودية: كلاهما يختلفان في عملها في الخطية الأصلية وفي علاقتها بالتجديد وفي ضرورتها للخلاص وغير ذلك (انظر فصل 45 س 9-16).

(11) الأفخارستيا: ما يعتقده التقليديون ويرفضه الإنجيليون: (أ) الاستحالة والسجود للخبز والخمر. (ب) منع الكأس عند الكاثوليك عن الشعب. (ج) الأفخارستيا ذبيحة حقيقية، وسمُّوها «غير دموية» وهي تكرار ذبيحة المسيح على الصليب بواسطة الكاهن لأجل خطايا الأحياء والأموات، أي النفوس في المطهر (انظر فصل 45 س 25 و26).

(12) الأسرار الخمسة الأخرى هي: التثبيت، والاعتراف أو التوبة، والكهنوت أو الرسامة، والزيجة، والمسحة الأخيرة: يعتقد التقليديون أنها أسرار حقيقية. ويرفض الإنجيليون ذلك، غير أن بعضهم يمارس جزءاً منها بغير المعنى التقليدي. (أ) التثبيت: تقبله الكنائس اللوثرية والأسقفية والمصلحة الألمانية كعملٍ يُضاف لمعمودية الأطفال بعد تعليمهم التعليم المسيحي. وأما باقي الكنائس الإنجيلية فترفضه، معتقدةً أن الاتحاد الاختياري بالكنيسة (الاشتراك في العشاء الرباني) بواسطة الاعتراف بالإيمان جهاراً يغني عنه. (ب) الاعتراف أو التوبة: يعتقد التقليديون أن الاعتراف الشفاهي للكاهن والحِلّ منه كافيان لغفران الخطايا والآثام القابلة للغفران. وتستحسن قوانين الكنائس اللوثرية والأسقفية الاعتراف السري للراعي، وفي بعض الأحوال لا توجبه. والكنائس الأخرى تتركه لاختيار كل شخصٍ. ويرفض جميع الإنجيليين الحِلّ الكهنوتي. لكن القس عند الأسقفيين يصرّح جهاراً بمغفرة الله للتائبين إذا تمت فيهم شروط المغفرة. (ج) الكهنوت أو الرسامة: يعتقد التقليديون بالكهنوت الخاص ووجوب الرسامة من الأساقفة فقط. وعندهم أن الكاهن ينال بتلك الرسامة السلطان الكهنوتي الخاص بالتقليديين. ويعتقد الإنجيليون بكهنوت جميع المؤمنين بالإجمال وحقهم في الاشتراك في سياسة الكنيسة، ولا ينسبون إلى خدّام الكنيسة شيئاً من السلطان الكهنوتي. (د) الزيجة: الفرق بين الفئتين يقوم بنظامها وبقدرة الكنيسة وسلطانها على ما يختص بها وبمسألة الطلاق. (هـ) المسحة الأخيرة: يرفضها الإنجيليون ويحسبون أن المقصود بما جاء في يع 5: 14 و الصلاة وليس الدهن بالزيت، الذي هو علاج طبيعي (انظر فصل 45 س 28).

(13) المطهر: هو عند الكاثوليك مكان وحال زمنيان (إلى الدينونة الأخيرة) متوسطان بين السماء وجهنم لتطهير المسيحيين غير الكاملين الذين يمكن إفادتهم بالصلوات والقُدّاسات لأجلهم. ويعتقد الإنجيليون أن في العالم الآتي حالتين فقط مختلفتين جداً، هما السعادة التي لا توصف والشقاوة التي لا توصف، مع التفاوت في درجاتهما. وكانت الفظائع التي نشأت عن تعليم المطهر الداعي الأول إلى الإصلاح (انظر فصل 47 س 8).

الفصل الثامن

قوانين الإيمان

 

1 - ما هو سبب قوانين الإيمان وعقائد الدين، وكيف نشأت؟

* لما كانت أسفار العهد القديم مكتوبة بوحيٍ إلهي كانت للإنسان القانون الوحيد والكافي للإيمان والعمل، الذي له في نفسه السلطان المطلق على ضمائر البشر. ويستمد كل قانون قيمته وسلطانه من مطابقته لتعاليم تلك الأسفار.

ومن واجبات البشر الأساسية التي لا يمكن أن ينوب فيها أحدهم عن الآخر دراسة وفهم تلك الأسفار بواسطة استعمال قواهم الطبيعية والوسائط العادية للتفسير. ولما كانت الحقائق الدينية متفرقة في الأسفار المقدسة، اجتهد العقل البشري في إرجاع كل أصول المعرفة في موضوع ما إلى وحدة منطقية متناسبة ومتوافقة الأجزاء، درس اللاهوتيون نصوص الأسفار الإلهية فوجدوا فيها نظاماً للإيمان، كتبوه واستعملوه في الصلاة والتسبيح والأحاديث الدينية العادية، وإن لم ينظموه في قانون.

وتقدَّمت الكنيسة بالتدريج في التفسير الصحيح للأسفار المقدسة وحدَّدت ما تعلَّمته من الحقائق الهامة المعلنة فيها، ووجَّهت عنايتها إلى درس تعليم واحد في عصر واحد، ثم إلى درس تعليم آخر في العصر التالي. وكانت تسجِّل خلاصة ما تكتسبه في قانون الإيمان أو في كتاب عقائد الدين، بهدف حفظه وتعليمه للجميع، وبيان الحق، والدفاع عنه ووقايته من تحريف الهراطقة ومن سهام الملحدين، وإقامة رابط عام للإيمان وقانون للتعليم والتأديب.

وقد نظمت الكنيسة الجامعة في مجامعها الأربعة المسكونية الأولى قوانين الإيمان القديمة، إلا اثنين منها هما «قانون الإيمان الرسولي» فإنه أُلف بالتدريج من الألفاظ التي تقرر استعمالها وقت ممارسة المعمودية في كنائس القرون الأولى، و«قانون الإيمان الأثناسي». أما قانون الإيمان الذي له أعظم اعتبار في الكنيسة التقليدية فقد أنشأه المجمع المسكوني الذي التأم في ترانت سنة 1545م.

وهناك قوانين إيمان إنجيلية، منها ما ألفه أفراد أو جماعات صغيرة، مثل القانون الأوكسبرجي، والقانون الهالفيتي الثاني، والتعليم المسيحي الهيدليرجي، والقانون الأسكتلندي، وعقائد كنيسة إنجلترا التسع والثلاثين، وغير ذلك. ومنها ما ألفته جماعة كبيرة مثل قانون سنودس دورت، وقانون وستمنستر، وهما من أثمن وأضبط ما كُتب في قواعد الدين عند الإنجيليين وقد أنشأهما مجمعان كبيران معتبران جداً مؤلفان من علماء اللاهوت.

 

2 - ما هي فوائد قوانين الإيمان وعقائد الدين؟

* أفادت قوانين الإيمان الكنيسة في كل أجيالها بما يأتي:

(1) أظهرت ما اكتسبته الكنيسة في كل جيل من معرفة الحق المسيحي.

(2) ميّزت الحق من التعاليم الخاطئة، وحددت الحق بدقّة وبيّنت نقاوته وعلاقاته الصحيحة.

(3) ضمّت أهل العقائد القريبة بعضها من بعض معاً وجعلتهم يتّفقون على العمل معاً.

(4) صارت قوانين الإيمان وسائط لتعليم الناس، وحققت قيام الكنيسة بمسئوليتها التعليمية للشعب.

 

3 - هل لقوانين الإيمان سلطان على الضمير، وبأي معنى يجوز القول بسلطانها؟

* تتسلط قوانين الإيمان، كما تتسلط كل التعاليم المسيحية على ضمائر البشر بقدر ما تتوافق مع الأسفار المقدسة فقط. وأما الصورة اللفظية في هذه القوانين فلا يلتزم بها إلا الذين اتفقوا عليها وتعهدوا بمراعاتها باختيارهم.

ويجب على كل كنيسة أن تحدد الشروط التي تقبل بموجبها الذين يدخلون في عضويتها، والشروط التي يجب أن تتوافر في من يتولى وظائفها في التعليم والإدارة. ولا يحق لكنيسة أن تشترط شرطاً لعضويتها لم يشترطه المسيح للخلاص، لأن الكنيسة هي حظيرة المسيح، والطقسان المسيحيان (المعمودية والعشاء الرباني) هما ختما عهده. فكل مَن أقرَّ بالإيمان الصحيح إقراراً يوثق به يُعتبر من شعب الله، ويحقّ له الدخول في شركة الكنيسة. ومن المعلوم أن ذلك الإقرار يتضمن معرفة كافية بأصول الديانة المسيحية، والتصريح بالإيمان بالمسيح، ووقف النفس لخدمته، والحياة الموافقة لذلك. وأما من جهة أصحاب الوظائف الكنسيّة فلا يصح تفويض خدمة ما في كنيسة إلى شخصٍ لا يعتقد بصحة وحكمة النظام والقوانين التي ينذر نفسه لحفظها وخدمتها.

4 - ما هي قوانين الإيمان في الكنيسة الأصلية التي صارت ميراثاً مشتركاً لكل الكنائس؟

* (1) القانون المسمّى «قانون الرسل» أو «القانون الرسولي». وقد نشأ بالتدريج من جمع العبارات التي تقرَّر استعمالها وقت ممارسة المعمودية في الكنائس القديمة. ولدى البحث عن قضاياه بالتفصيل يتضح أن كثيراً منه مأخوذٌ من وقت القانون النيقوي أو من قبله. ويقول: «أومن بالله الآب الضابط الكل، خالق السماء والأرض، وبيسوع المسيح ابنه الوحيد ربنا، الذي حُبل به من الروح القدس، ووُلد من مريم العذراء، وتألم على عهد بيلاطس البنطي، وصُلب ومات ودُفن ونزل إلى الجحيم. وقام أيضاً في اليوم الثالث من بين الأموات، وصعد إلى السماء، وهو جالسٌ عن يمين الله الآب الضابط الكل، وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات. وأؤمن بالروح القدس، وبالكنيسة المقدسة الجامعة، وبشركة القديسين، وبمغفرة الخطايا، وبقيامة الجسد، وبالحياة الأبدية. آمين».

(ملحوظة: الأصح من قولنا «نزل إلى الجحيم» أن نقول: نزل إلى الهاوية أو نزل إلى عالم الأرواح (متى 11: 23 ولو 10: 15 وأع 2: 27، 31 و1كو 15: 55 ورؤ 1: 18 و6: 8 و20: 13، 14). والكلمة المستعملة في إحدى النسخ اليونانية لهذا القانون هي نفس الكلمة المترجمة في الإنجيل العربي بالسفلى، في قول الرسول «أقسام الأرض السفلى» (أف 4: 9). ويعتقد الإنجيليون أن هذه الكلمة مستعارة للدلالة على بقاء المسيح في حالة الموت وتحت سلطانه إلى اليوم الثالث. والعبارة «نزل إلى الجحيم» لا توجد أصلاً في هذا القانون، ولكنها زيدت عليه في نحو القرن الخامس. وقال البعض إنها تشير إلى أن المسيح نزل فعلاً إلى مسكن الأرواح وأظهر نفسه لهم، كما صعد أيضاً إلى الفردوس، معتمدين في ذلك على ما جاء في لو 23: 43 وأع 2: 27، 31 و1بط 3: 18، 19 و4: 6. (ولمعرفة المقصود بهذا النزول انظر فصل 37 س 6-9 وفصل 49 س 8).

(2) القانون النيقوي: وفيه حُدِّد بالتدقيق إيمان الكنيسة بالثالوث الأقدس ضد الضلالات الأريوسية والشبيهة بالأريوسية، وهو مؤلّف من عبارات معلومة مشابهة للتي نشأ منها قانون الرسل. وللقانون النيقوي ثلاث صور:

(أ) الصورة الأولى التي نظمها وحكم بإثباتها مجمع نيقية المسكوني سنة 325م وهي: «نؤمن بإلهٍ واحد آب ضابط الكل، خالق كل الأشياء: ما يُرى ما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله، المولود من الآب، المولود الوحيد أي من جوهر الآب. إله من إله، نور من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر (في الأصل: ذو جوهر واحد مع الآب). الذي به كان كل شيء في السماء وعلى الأرض. الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسّد وتأنّس وتألم، وقام أيضاً في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء. وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات. وبالروح القدس. وأما الذين يقولون إنه كان زمان لم يوجد فيه (ابن الله)، وإنه لم يكن له وجود قبل أن وُلد، وإنه خُلق من العدم، أو إنه من مادة أخرى أو جوهر آخر، أو إن ابن الله مخلوق، أو إنه قابل للتغيير، أو متغير، فهم ملعونون من الكنيسة الجامعة الرسولية»

(ب) الصورة الثانية، وهي قانون الإيمان النيقوي القسطنطيني. وهي مؤلفة من صورة القانون النيقوي السابق ذكرها، مع تغيير جزئي في الجملة الأولى، وإضافة بعض العبارات في شأن أقنوم الروح القدس وعمله، وترك اللعنة الختامية. وقد شاعت نسبة هذه الصورة الجديدة لقانون الإيمان إلى مجمع القسطنطينية الذي التأم بأمر الإمبراطور ثيودوسيوس سنة 381م ضد المكيدونيين الذين أنكروا لاهوت الروح القدس. وقد أُدخل التغيير على قانون الإيمان النيقوي الأصلي نحو ذلك التاريخ. وما أُضيف من العبارات أُخذ من مؤلفات كنسيَّة، ولكننا لا نملك برهاناً على أن ما وقع فيه من تغيير أحدثه المجمع القسطنطيني، ولكننا نعلم أن مجمع خلقدونية صدَّقه سنة 451م. وتقبل الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية الآن القانون النيقوي على هذه الصورة:

«نؤمن بإلهٍ واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض. كل ما يُرى وما لا يُرى. وبرب واحد، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. نورٌ من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق. مساوٍ للآب في الجوهر (في الأصل: ذو جوهر واحد مع الآب). الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء (أي تجسد بواسطة الروح القدس من مريم العذراء). وتأنّس. وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقُبر. وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. وأيضاً يأتي بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه. وبالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء. وبكنيسة واحدة. جامعة. مقدسة. رسولية. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. ونترجى قيامة الموتى، والحياة في الدهر العتيد. آمين».

(ج) الصورة الثالثة (أي اللاتينية) وهي المقبولة الآن في الكنائس التقليدية والإنجيلية وهي تختلف عن الثانية في ما يأتي فقط: (1) في إعادة العبارة «إله من إله» التي كانت في القانون النيقوي الأصلي وحُذفت من الصورة النيقوية القسطنطينية اليونانية. (2) لفظة «والابن» أُضيفت إلى العبارة الدالة على انبثاق الروح من الآب، بواسطة مجمع توليدو في أسبانيا سنة 589م وبالتدريج قبلتها كل الكنيسة الغربية ثم كل الكنيسة الإنجيلية بدون إثبات من مجمع مسكوني، غير أن الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية لم تقبلها. وتلك الصورة هي:

«أومن بإلهٍ واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، وكل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر (ذو جوهر واحد مع الآب). الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء، وتأنس وأيضاً صُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي. وتألم وقُبر وقام أيضاً في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء. وهو جالس عن يمين الآب، وسيأتي أيضاً بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات. الذي ليس لملكه انقضاء. وأومن بالروح القدس الرب والمحيي، المنبثق من الآب والابن. (كلمة «والابن» أضافها لقانون الإيمان القسطنطيني مجمع الكنيسة الغربية في توليدو سنة 589م). المسجود له والممجد مع الآب والابن معاً، الناطق بالأنبياء. وأومن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنتظر قيامة الموتى، وحياة الدهر العتيد. أمين».

(3) قانون الإيمان المسمّى بالأثناسي، ويُنسب إلى أثناسيوس الذي كان أسقف الإسكندرية من نحو سنة 328-373م ورئيس الحزب الأرثوذكسي المضاد لزعيم الهراطقة أريوس، ولكن العلماء المتأخرين أجمعوا على نسبته إلى أصل آخر ونسبوه إلى شمال أفريقيا إلى تابعي أغسطينوس. قال »شاف« إن صورته الكاملة لم تظهر قبل نهاية القرن الثامن.

وهذا القانون مقبول في الكنائس التقليدية والأسقفية، غير أن الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، والكنيسة الأسقفية في أمريكا حذفتاه من كتاب الصلوات لما فيه من اللعنات. وهو من أفضل الصور المقررة لإيمان كل المسيحيين، وإنما اعتُرض على ما فيه من اللعنات التي لا تصحّ إضافتها إلى قانون إيمان يحمل أخباراً مفرحة في موضوع سامٍ وعميق مثل موضوع هذا القانون. وأما صورته فهي:

«(1) كل منْ ابتغى الخلاص وجب عليه قبل كل شيء أن يتمسك بالإيمان الكاثوليكي (أي الإيمان الجامع العام للكنيسة المسيحية). (2) وكل من لا يحفظ هذا الإيمان دون إفساد يهلك بدون شك هلاكاً أبدياً. (3) والإيمان الكاثوليكي هو أن نعبد إلهاً واحداً في تثليث، وثالوثاً في توحيد. (4) لا نمزج الأقانيم ولا نفصل الجوهر. (5) للآب أقنوم على حدة، وللابن أقنوم آخر، وللروح القدس أقنوم آخر. (6) ولكن للآب والابن والروح القدس لاهوت واحد ومجد متساوٍ وجلال أبدي معاً. (7) كما هو الآب كذلك الابن وكذلك الروح القدس. (8) الآب غير مخلوق، والابن غير مخلوق، والروح القدس غير مخلوق. (9) الآب غير محدود، والابن غير محدود، والروح القدس غير محدود. (10) الآب سرمدٌ، والابن سرمد، والروح القدس سرمد. (11) ولكن ليسوا ثلاثة سرمديين بل سرمد واحد. (12) وكذلك ليسوا ثلاثة غير مخلوقين، ولا ثلاثة غير محدودين، بل واحد غير مخلوق وواحد غير محدود. (13) وكذلك الآب ضابط الكل، والابن ضابط الكل، والروح القدس ضابط الكل. (14) ولكن ليسوا ثلاثة ضابطي الكل، بل واحد ضابط الكل. (15) وهكذا الآب إله، والابن إله، والروح القدس إله. (16) ولكن ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد. (17) وهكذا الآب رب، والابن رب، والروح القدس رب. (18) ولكن ليسوا ثلاثة أرباب بل رب واحدٌ. (19) وكما أن الحق المسيحي يكلفنا أن نعترف بأن كلاً من هذه الأقانيم بذاته إله ورب. (20) كذلك الدين الكاثوليكي ينهانا عن أن نقول بوجود ثلاثة آلهة أو ثلاثة أرباب. (21) فالآب غير مصنوع من أحد، ولا مخلوق، ولا مولود. (22) والابن من الآب وحده غير مصنوع ولا مخلوق، بل مولود. (23) والروح القدس من الآب والابن، ليس بمصنوع ولا مخلوق ولا مولود، بل منبثق. (24) فإذاً آب واحد لا ثلاثة آباء، وابنٌ واحد لا ثلاثة أبناء، وروح قدس واحد لا ثلاثة أرواح قدس. (25) وليس في هذا الثالوث مَنْ هو قبل غيره أو بعده، ولا مَنْ هو أكبر منه أو أصغر منه. (26) ولكن جميع الأقانيم الثلاثة سرمديون معاً ومتساوون. (27) ولذلك في جميع الأمور كما ذُكر يجب أن تُعبد الوحدانية في ثالوث والثالوث في وحدانية. (28) إذاً من شاء أن يخلُص فعليه أن يعتقد هكذا في الثالوث. (29) وأيضاً يلزم له للخلاص الأبدي أن يؤمن بتجسد ربنا يسوع المسيح. (30) لأن الإيمان المستقيم هو أن نؤمن ونقرَّ بأن ربنا يسوع المسيح ابن الله هو إله وإنسان. (31) هو إله من جوهر الآب، مولود قبل الدهور. وإنسان من جوهر أمه، مولود في هذا الدهر. (32) إلهٌ تام وإنسان تام، كائنٌ بنفس ناطقة وجسدٌ بشري. (33) مساوٍ للآب بحسب لاهوته، ودون الآب بحسب ناسوته. (34) وهو وإن يكن إلهاً وإنساناً، إنما هو مسيح واحد لا اثنان. (35) ولكن واحد، ليس باستحالة لاهوته إلى جسدٍ، بل باتخاذ الناسوت إلى اللاهوت. (36) واحد في الجملة، ليس باختلاط الجوهر، بل بوحدانية الأقنوم. (37) لأنه كما أن النفس الناطقة والجسد إنسان واحد، كذلك الإله والإنسان مسيح واحد. (38) هو الذي تألم لأجل خلاصنا ونزل إلى الجحيم (الهاوية أو عالم الأرواح). وقام أيضاً في اليوم الثالث من بين الأموات، (39) وصعد إلى السماء، وهو جالس عن يمين الله الآب الضابط الكل. (40) ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات. (41) الذي عند مجيئه يقوم أيضاً جميع البشر بأجسادهم، (42) ويؤدّون حساباً عن أعمالهم الخاصة. (43) فالذين فعلوا الصالحات يدخلون إلى الحياة الأبدية، والذين عملوا السيئات يدخلون إلى النار الأبدية. (44) هذا هو الإيمان الكاثوليكي الذي لا يقدر الإنسان أن يخلُص بدون أن يؤمن به بأمانة ويقيناً».

(4) القانون الخلقدوني: دعا الإمبراطور مارسيانوس المجمع الرابع المسكوني للاجتماع في خلقدونية من بيثينية قبالة القسطنطينية، لدحض بدعَتَي أفتيخوس ونسطور (انظر فصل 31 س 26). وقد تألف ذلك المجمع من 630 أسقفاً واستمر من 8-31 أكتوبر (ت 1) سنة 451م وأجمع على الجزء الأهم من تحديد الإيمان وهو:

«فلهذا ونحن تابعون الآباء القديسين، كلنا بصوت واحد نعلّم البشر أن يعترفوا بالابن الوحيد، ربنا يسوع المسيح، الكامل في اللاهوت والكامل أيضاً في الناسوت. إله حق وإنسان حق، ذو نفس ناطقة، وجسد جوهر واحد مع الآب بحسب لاهوته، وجوهر واحد معنا بحسب ناسوته، في كل شيء مثلنا ما عدا الخطية. مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وفي هذه الأيام الأخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء والدة الإله بحسب ناسوته. هو مسيح واحد وابن واحد ورب واحد والمولود الوحيد، كائن بطبيعتين غير ممتزجتين ولا متغيرتين ولا منقسمتين ولا منفصلتين، والفرق بين الطبيعتين لم يتلاشَ باتحادهما، بل خواص كل منهما الخاصة باقية ومجتمعة في شخص واحد وكائن واحد غير منفصل ولا منقسم إلى شخصين، بل الابن الوحيد والمولود الوحيد الله الكلمة الرب يسوع المسيح كما أنبأت عنه الأنبياء منذ البدء، وكما علَّمنا الرب يسوع نفسه، وكما سلَّمنا قانون إيمان الآباء القديسين».

هذا هو بيان تعليم الكنيسة المسيحية في تثليث الأقانيم في إلهٍ واحد وفي أثنينية الطبيعتين في مسيح واحد. وتلك القوانين لا تزال معتبرةً عند الجميع أنها ملخص إيمان الكنيسة العام.

 

5 - ما هي تعاليم الكنيسة الكاثوليكية علاوةً على تلك القوانين السابق ذكرها؟

* أشهرها، بخلاف ما ذكرناه:

(1) قوانين وأحكام مجمع ترنت (المجمع التريدنتيني) وهو عندهم المجمع العشرون المسكوني الذي استدعاه البابا بيوس الرابع لمقاومة نجاح الإصلاح اللوثري. واستمر من سنة 1545 إلى سنة 1563.

(2) التعليم البابوي «الكاتيكزم» الذي يشرح ويقرر قوانين مجمع ترنت. كُتب بإيعاز من بيوس الرابع، ونُشر بأمر البابا بيوس الخامس سنة 1566.

(3) قانون الإيمان للبابا بيوس الرابع وهو يتضمن ملخص التعاليم المقررة في قوانين وأحكام مجمع ترنت. نُشر في منشور من البابا بيوس الرابع سنة 1564 ويوقّع عليه منذ نُشر كل معلّمي وكهنة الكنيسة الكاثوليكية بمختلف درجاتهم ورتبهم وكل المنحازين إليهم من طوائف أُخرى. وذلك القانون هو: «أنا فلان أومن وأعترف إيماناً وطيداً بكل الأشياء المتضمنة في قانون الإيمان المستعمل في الكنيسة الرومانية المقدسة، وبكل واحد منها. أومن بإلهٍ واحد آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور. إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر (ذو جوهر واحد مع الآب). الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء، وتأنس أيضاً وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي، وتألم وقُبر وقام أيضاً في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء، وهو جالسٌ عن يمين الآب، وسيأتي أيضاً بمجد ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لمُلكه انقضاء. وبالروح القدس الرب المحيي، المنبثق من الآب والابن، المسجود له والممجد مع الآب والابن معاً، الناطق بالأنبياء القديسين. وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وأنتظر قيامة الموتى، وحياة الدهر الآتي. آمين.

وأقبل بثبات وأعتنق التقاليد الرسولية والكنسيَّة وكل فرائض تلك الكنيسة وطقوسها، وأقبل أيضاً الأسفار المقدسة حسب المعنى الذي قبلتها وتقبلها به أمُّنا المقدسة التي بها يختص الحكم بمعنى تلك الأسفار بتفسيرها الصحيح، ولا أقبلها ولا أفسرها إلا حسب ما أجمع عليه الآباء. وأُقر أيضاً أن في الناموس الجديد بالحقيقة وبلياقة سبعة أسرار رسمها يسوع المسيح ربنا، هي ضرورية لخلاص البشر، ولكن ليس كل منها ضرورياً لكل واحد، وهي المعمودية والتثبيت والأفخارستيا والتوبة والمسحة الأخيرة والكهنوت والزواج، وهي تمنح النعمة. غير أن المعمودية والتثبيت والكهنوت لا يجوز أن تُعاد لأنها تُهان بذلك. وأقبل أيضاً وأسلّم بطقوس الكنيسة الكاثوليكية المقررة في إجراء الأسرار المذكورة، وأقبل وأعتنق كل الأشياء التي تحددت ونودي بها في مجمع ترنت المقدس في شأن الخطية والتبرير. وأعترف أيضاً أنه في القدَّاس تُقدَّم لله ذبيحة حقيقية لائقة ومكفِّرة عن الأحياء والأموات، وأن في سر الأفخارستيا الأقدس، بالحقيقة وبدون شك وجوهراً، الجسد والدم مع نفس ربنا يسوع المسيح ولاهوته، وفيه يُحوَّل كل جوهر الخبز إلى الجسد، وكل جوهر الخمر إلى الدم. وذلك التحوُّل تسمّيه الكنيسة الكاثوليكية «الاستحالة» وأقرُّ أيضاً أننا تحت كل نوع نقبل المسيح كاملاً وتاماً وطقساً مقدساً صحيحاً. وأعتقد اعتقاداً ثابتاً وجود مطهر، وأن الأنفس المحبوسة فيه تُغاث بصلوات المؤمنين، وأيضاً أن القديسين الذين يملكون مع المسيح يجب تكريمهم وطلب شفاعتهم، وأنهم يقدمون الصلوات عنا إلى الله، وأنه يجب تكريم ذخائرهم. وأعتقد يقيناً أن صور المسيح ووالدة الإله الدائمة البتولية والقديسين أيضاً يجب أن تؤخذ وتُحفظ، وأن يُقدَّم لها الإكرام والاحترام اللائقين. وأعتقد أيضاً أن سلطان مغفرة الخطايا تركه المسيح في الكنيسة، وأن استعماله نافع جداً للشعب المسيحي. وأعترف بالكنيسة المقدسة الرومانية الكاثوليكية الرسولية، أم كل الكنائس ومعلّمتها، وأعد وأُقسم بالطاعة الحقيقية للأسقف الروماني خليفة ماري بطرس، هامة الرسل ونائب يسوع المسيح. وأُقر أيضاً وأقبل بدون شك كل الأشياء الأخرى التي سلّمتها وحددتها ونادت بها بواسطة القوانين والمجامع المسكونية، وعلى الخصوص بواسطة مجمع ترنت المقدس (وما سلّمته وحددته ونادت به في المجمع المسكوني الفاتيكاني، وخاصةً ما كان في شأن رياسة الحبر الروماني وسلطانه المعصوم (هذه الجملة أُضيفت بأمر رسمي في 2 يناير (ك2) سنة 1877)».

»وأيضاً أفنّد وأرفض وألعن كل الأشياء المخالفة لها وكل الهرطقات التي فنَّدتها الكنيسة ورفضتها ولعنتها. هذا الإيمان الصحيح الكاثوليكي الذي لا يقدر أحد أن يخلُص بدونه، الذي أقرُّ به الآن طوعاً، وأتمسك به بالحق. أنا فلان أعدُ وأنذر وأُقسم أن أتمسك به دائماً، وأقرُّ بذلك كله بتمامه بمساعدة الله إلى نهاية حياتي، وأجتهد حسب طاقتي أن أُلزم كل الذين تحت سلطاني أو المسلَّمين إلى عنايتي بسبب وظيفتي أن يعتقدوه ويعلّموه أو يبشروا به. فليساعدني الله وأناجيله المقدسة. آمين».

(4) المجمع الفاتيكاني المقدس المسكوني الذي التأم بدعوة من البابا بيوس التاسع في قصر الفاتيكان في 8 يناير (ك1) سنة 1869 واستمرت جلساته إلى 20 أكتوبر (ت 1) سنة 1870 وتوقَّف قبل أن ينتهي من أعماله. وأحكام هذا المجمع قسمان:

أولهما: التعليم في الإيمان الكاثوليكي وفيه أربعة فصول:

(أ) بحث عن الله باعتباره الخالق. (ب) عن الإعلان. (ج) عن الإيمان. (د) عن الإيمان والعقل. ويتلو هذه الفصول ثمانية عشر قانوناً فيها تُفنَّد أضاليل العقليين والكفرة الحديثين.

وثانيهما: التعليم في كنيسة المسيح وفيه أربعة فصول أيضاً: (أ) في إثبات الرياسة الرسولية في بطرس. (ب) في دوام رياسة بطرس في الأحبار الرومانيين. (ج) في سلطان رياسة الحبر الروماني وحقيقتها. (د) في تعليم الحبر الروماني المعصوم. وما جدّ من التعليم يدخل في الفصلين الأخيرين اللذين يتعلقان برياسة البابا وعصمته.

ويلزم عن مبدإِ العصمة البابوية أن كل المنشورات البابوية المتوالية، وخاصةً ما كان منها ضد اليانسيين (أو الجانسيين) وحكم بيوس التاسع بالحبل بمريم العذراء بلا دنس في 8 يناير (ك1) سنة 1854 وملخص الأضاليل الذي نشره في 8 يناير (ك1) سنة 1864 هي معصومة وغير قابلة للتغيير، وأنها أجزاء من العقائد الدينية التي تقبلها الكنيسة الكاثوليكية.

 

6 - ما هي تعاليم الكنيسة اليونانية، أي كنيسة الروم الأرثوذكس؟

* انقسمت الكنيسة القديمة أولاً لأسباب سياسية وكنسية، ثم لأسباب تعليمية وطقسية إلى قسمين: هما الكنيسة الشرقية أو اليونانية، والكنيسة الغربية أو اللاتينية. وبدأ هذا الانقسام في القرن السابع وانتهى في القرن الحادي عشر.

وقد لقبت الكنيسة الشرقية نفسها على سبيل الافتخار بالأرثوذكسية، لأن قوانين الإيمان المسكونية الأصلية التي تحدد تعاليم التثليث وأقنوم المسيح نشأت في الشرق قبل الانفصال بين الكنيسة الغربية والشرقية، وكانت باللغة اليونانية فاعتبرتها الكنيسة اليونانية تراثاً لها، واقتصرت على التمسُّك بقوانين الإيمان والأحكام التعليمية للمجامع السبعة المسكونية الأولى، وأهمها ما يأتي:

(1) كتاب «عقائد الدين الأرثوذكسية للكنيسة اليونانية الجامعة الرسولية» ألفه بطرس موغيلاس متروبوليت (أي مطران) مدينة كيفا في روسيا سنة 1643 وصدّق عليه كل البطاركة الشرقيين.

(2) «أحكام سنودس أورشليم» أو «عقائد الدين» لدوسيثيوس سنة 1672. وهي تعلم جوهر ما تعلمه أحكام مجمع ترنت عن العلاقة بين الأسفار المقدسة والتقليد، وبين الأعمال الصالحة والإيمان، وفي التبرير، والأسرار وذبيحة القداس، وعبادة القديسين.

(3) كتاب التعاليم المسيحية الروسية التي أثبتها السنودس المقدس، وخاصة التعليم المسيحي (كاتيكزم) المطوَّل لفيلارت متروبوليت (مطران) موسكو سنة 1820-1867م الذي قبله كل بطاركة المشرق بالإجماع. ومنذ سنة 1839 شاع استعماله في مدارس روسيا وكنائسها. وهو أقرب إلى التعليم الإنجيلي بشأن سلطان الكتاب المقدس في أمور الإيمان المسيحي والحياة المسيحية أكثر من كل ما نشأ من التعليم في الكنيسة الشرقية. وترجم إلى العربية بعنوان «كاتيشيسس» وهو المعوَّل عليه عند الروم الأرثوذكس في الشرق.

 

7 - ما هي تعاليم الكنيسة اللوثرية؟

* لها غير قوانين الإيمان العامة العظيمة التي اشتركت في قبولها مع كل المسيحيين ما يأتي:

(1) قانون الإيمان الأوكسبرجي الذي اشترك في تأليفه لوثر وملانكثون، وقُبل قانونياً في أوكسبرج من بافاريا، إحدى مقاطعات ألمانيا سنة 1530م.

(2) كتاب «المحاماة عن القانون الأوكسبرجي» ألفه ملانكثون سنة 1530م وقبِله كثيرون من اللاهوتيين سنة 1537 في سمالكالد.

(3) الكتابان المطوَّل والمختصر في التعليم المسيحي. ألفهما لوثر سنة 1529 أولهما لفائدة المبشرين والمعلمين، والثاني لإرشاد الشباب.

(4) «عقائد سمالكالد» كتبها لوثر سنة 1536 وصدَّق عليها جماعة من اللاهوتيين في فبراير (شباط) سنة 1537 في مدينة سمالكالد في مقاطعة ثورنجيا من ألمانيا التي نُسبت إليها.

(5) صورة المعاهدة التي كُتبت سنة 1577 المسماة «فورمولا كونكوردي» وتحوي التعليم اللوثري بدقّة ووضوح أكثر مما يُرى في سائر كتب اللوثريين.

 

8 - ما هي أشهر تعاليم الكنائس المصلحة الإنجيلية؟

* القواعد التعليمية في الكنائس المصلحة كثيرة العدد ومختلفة في بعض الأمور، مع أنها تتفق اتفاقاً جوهرياً في التعاليم التي تعلّمها. وأشهرها في الكنائس المصلحة هي:

(1) كتاب «الإقرار بالإيمان» المعروف بالهالفيتي الثاني. جمعه بولنجر سنة 1564 ونشره سنة 1566 فأغنى عن كتاب الإقرار بالإيمان الهالفيتي الأول الذي أُلف سنة 1536.

(2) كتاب «التعليم المسيحي الهيدليرجي» (نسبة إلى مدينة هيدلبرج مكان تأليفه). ألفه أورسينيوس وأوليفيانوس سنة 1562 وأثبته السلطان المدني على أنه القانون التعليمي الصحيح، ونُشر سنة 1563 وأثبته أيضاً سنودس دورت. ووافق على استعماله بالإجماع (مع كتاب أصول الإيمان لمجمع وستمنستر) مجمع الكنيسة المشيخية العام في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1870. ولا يوجد بين الكتب التعليمية الإنجيلية أفضل وأنفس منه.

(3) «عقائد الدين التسع والثلاثون لكنيسة إنجلترا» في سنة 1552 قبل «كرانمر» طلباً من أساقفة عصره لكتابة 42 عقيدة، فكتبها. وفي سنة 1553 نُشرت بأمر ملكي. ثم راجعها رئيس الأساقفة اركر ومعه بعض الأساقفة، ولخصوها في 39 عقيدة، صدق عليها مجلسان للقسوس، ونُشرت بأمر ملكي سنة 1563.

(4) «قوانين سنودس دورت» اجتمع هذا السنودس الشهير في دورت بهولندا بأمر من مجلس الولايات، للفصل في القضايا التي كثُر فيها الجدل بسبب تعاليم أرمينيوس. واشترك في تأليف هذه القوانين الرعاة والشيوخ وأساتذة اللاهوت. واستمرت جلسات ذلك السنودس من 13 نوفمبر (ت 2) 1618 إلى 9 مايو (أيار) سنة 1619. وقبلت قوانينه كل الكنائس المصلحة على أنها خلاصة نظام علم اللاهوت الكلفيني الصحيحة المدققة والمثبتة. وتحتوي هذه «القوانين» مع «التعليم المسيحي الهيدليرجي» عقائد الدين التعليمية للكنيسة المصلحة.

(5) كتاب «الإقرار بالإيمان» وكتابي «التعليم المسيحي المطوّل والمختصر» لمجمع وستمنستر، وهو المجمع اللاهوتي الذي اجتمع بأمر البرلمان البريطاني في 12 يونيو (حزيران) 1643. وأعضاؤه الأصليون (أي الذين دُعوا إليه أولاً) هم عشرة من الأمراء وعشرون من الشعب و121 من القسوس اللاهوتيين، ثم أُضيف إليهم عشرون أيضاً من القسوس. واستمرت جلساته من أول يوليو (تموز) سنة 1643 إلى 22 فبراير (شباط) سنة 1649. وقبلت الكنائس المشيخية والمصلحة ما ظهر فيه من الأحكام لسياسة الكنيسة والعقائد اللاهوتية والتعاليم الدينية، بالإضافة إلى ما جاء في «الإقرار بالإيمان الوستمنستري» المطوَّل والمختصر. وقد تُرجم كتاب «التعليم المسيحي المختصر لمجمع وستمنستر» إلى اللغة العربية باسم «أصول الإيمان».

الفصل التاسع

الأدلة على وجود الله

 

1 - ما هي الأقوال الثلاثة في أصل الاعتقاد بوجود الله، وما هو الأصحّ منها؟

* يعرف الناس جميعاً وجود كائن سرمدي يتعلّقون به، وهم مسؤولون أمامه. وفي أصل تلك المعرفة ثلاثة أقوال:

(1) إنها غريزية.

(2) إنها نظرية، تعتمد على الاستدلال العقلي.

(3) إنها ناشئة عن إعلان خارجي وصل إلى كل الأجيال بالتقليد.

ويرجِّح علماء اللاهوت القول الأول.

2 - ما هي المعرفة الغريزية وما هو عكسها؟

* المعرفة الغريزية هي صفة طبيعية في المخلوق العاقل، وعكسها المعرفة الاختبارية المبنيّة على الاختبار، والاكتسابية أو النظرية التي تحتاج للحصول عليها إلى جهدٍ أو فكر. أما المعرفة الغريزية فلا شك فيها، فالعقل يميّز طبعاً بعض الحقائق دون حاجةٍ إلى براهين تثبتها أو لشهادة إنسان لتصدّقها. وتُسمى تلك الحقائق أوليات وبديهيات وضروريات. وليس المعنى أن الطفل يقدر أن يميّز الحقائق عند ولادته، بل أن لديه استعداداً لذلك في بِنية طبيعته، أي أن المعرفة تصدر من النفس ولا تأتيها من الخارج. وموضوعنا الآن هو البحث عن غريزية اعتقادنا بوجود الله.

3 - ما الأدلة على أن معرفة وجود الله عميقة في قلب الجميع؟

* (1) شهادة الكتاب، ومن ذلك ما جاء في رو 1: 19-32 وفي كلام الرسول في الشريعة المكتوبة على قلب الإنسان (رو 2: 12-16 وأع 14: 16، 17 و18: 24-28). نعم، قال الكتاب المقدس إن الوثنيين كأنهم لا يعرفون الله، وكأنهم بدون إله. غير أن معنى ذلك (كما يتبيَّن من القرائن) أنهم لا يملكون معرفة صحيحة بالله الحقيقي، أو أنهم ليسوا من شعبه الخاص.

(2) شهادة التاريخ، وهي تدل على أن الإنسان مخلوق متديّن، ذو ميول طبيعية دينية، حتى أنه لم يوجد شعب في عصر أو مكان بدون ديانة ما، ولا وُجدت لغة في العالم خالية من اسم الله أو ممَّن هو في مقام الله. وبما أن اللغة تعبّر عن أفكار الإنسان وإحساساته يكون ذلك دليلاً على أن شعور الإنسان بوجود الله عميق في قلب الجميع.

4 - لماذا كان الاعتقاد بوجود الله ضرورياً؟

* لأن في الطبيعة البشرية ميلاً طبيعياً للاعتقاد بوجود الله مغروس فيها. ولا ينقض ذلك أن البعض ينكرون وجود الله، لأن الإنسان يقدر أن يناقض طبيعته إذا أراد، وينكر ما هو مغروس فيه من الله. والمقصود بضرورة الاعتقاد بوجود الله هو أن العقل البشري عندما يقدر أن ينظر في الأمور الدينية يعتقد ذلك بطبيعته، كما يعتقد الإنسان بوجود الشمس عند فتح عينيه لنورها، لأن الله خلق في الإنسان قوى روحية يمكنه بها معرفة وجود الله دون احتياج لتعليم خارجي في ذلك. والكتاب المقدس يخلو من البراهين المنظمة على وجود الله، لأن الله لم يحسب البشر محتاجين إليها. ونرى أيضاً من الكتاب والاختبار أن الشريعة الأخلاقية مكتوبة على قلب الإنسان، وهذا يستلزم التسليم بمشترعٍ سنَّها ويحكم بموجبها، ولذلك نرى البشر عموماً يشعرون بعلاقتهم بذلك الكائن العظيم الخالق، وأيضاً بالمسؤولية أمام ذلك المشرّع الذي كتب الشريعة على القلب. وهذا يستلزم الإقرار بوجود كائن قادر وحاكم عادل، ولا يقول خلاف ذلك إلا الجاهل (مز 14: 1). قال الشاعر ملتون ما معناه أن مدرسة تعليم الإلحاد هي في قلب الجاهل وحده، ولا أستاذ في تلك المدرسة سوى الجاهل نفسه! فالقول إن الاعتقاد بوجود الله غريزي يعني أن البشر لا يحتاجون لتعليم أو تنبيه من خارج في هذا الشأن، لأن المعرفة الكاملة بالله مغروسة فينا، ولأننا نعرف نسبتنا إليه غاية المعرفة كما هي موضحة في الكتاب المقدس. أي أن ذلك يشير إلى أصل اعتقاد وجوده، لا إلى كمال معرفتنا به. نعم إن البراهين على وجوده تستلزم البحث العقلي، ولكنه لزم أولاً عن ذلك اعتقاد غريزي بوجوده.

5 - كيف يتضح أن معرفة الله ليست نتيجة التعليم بالتقليد؟

* لا ننكر أن الإنسان الأول حصل على معرفة الله من الله مباشرةً، وتداول البشر تلك المعرفة بالتقليد جيلاً بعد آخر. غير أن الإعلان بالوحي ضروري لتكميل معرفتنا. صحيح أن الإنسان يشعر بوجود الله ويسلم بذلك بدون نظر إلى التقاليد، لكن اعتقاده في صفات الله وأعماله ينشأ عما يتعلمه من أهل جيله وبلاده.

6 - كيف نقدر أن نعرِّف الله؟

* إذا أراد البشر أن يعرّفوا الله وجب أن يحصروا كلامهم في ما عرفوه من صفاته. وبما أننا مخلوقون على صورته كانت الوسيلة الوحيدة لذلك هي النظر لطبيعتنا وصفاتنا البشرية. ولكن صفات الله تختلف، فهي الكمال واللانهائية التي لا تقبل الزيادة ولا النقصان. وعلى ذلك نقول إن الله روح ذاتٌ عاقلٌ مريدٌ، غير محدود في كمالاته وأزليته، وغير متغير في وجوده وجميع صفاته.

7 - هل يمكن أن نبرهن وجود الله؟

* أنكر قومٌ إمكان برهنة وجود الله لأسباب متنوعة، وقالوا إن الذين ينكرون وجود الله لا يمكن إقناعهم بغير ذلك ولو قُدِّمت لهم أقوى الأدلة عليه، كما لا يمكن بيان الفرق بين الحلال والحرام لمن ينكر وجود شريعة أخلاقية. وقالوا أيضاً إن الأتقياء لا يحتاجون إلى أدلة عليه. غير أنه يجب على اللاهوتي أن يبيّن أن إنكار وجود الله يناقض العقل السليم، وأن يُثبت وجوده وصفاته من أعماله وأقواله، وأن يبيّن عدم إمكان تعليل وجود الكون بدون وجود الله. وبهذه الأدلة يمكن إقامة البرهان المقنع على وجوده، لتثبيت إيماننا، ولدحض اعتراضات المعترضين، وبيان سمو الأدلة وكثرتها.

8 – ما هي أشهَر الأدلة على وجود الله؟

* قُسمت إلى ستة أقسام هي:

(1) ما بُني على وجود الكون.

(2) ما بُني على علامات القصد في الكون.

(3) ما بُني على طبيعة الإنسان الروحية والأخلاقية.

(4) ما بُني على الكتاب المقدس وتاريخ البشر.

(5) ما بُني على اعتقاد البشر العام.

(6) ما بُني على مبادئ عقلية.

9 - ما هو الدليل على وجود الله المبني على وجود الكون؟

* هو أن كل معلول لابد له من علة سابقة له، ولكل مخلوق خالق كافٍ لإحداثه. والكون أو العالم (وهو كل شيء غير الله) معلول مخلوق، فلابد له من خالق وعلَّة سابقة له وكافية لإحداثه وهي الله.

أما الاعتقاد بلزوم علة لكل معلول فسببه أن الله غرس هذا فينا، بدليل حكم العقل البشري فيه. نعم أنكر بعض الكفرة المكابرين ذلك، ومنهم عمانوئيل كانت الفرنسي وهيوم الإنجليزي (وهو أشهرهم) غير أن تصرفات كلٍّ منهم كانت تكذّب كل يوم اعتقاده، لأنه كان متى جاع يأكل، ومتى رأى النار يخاف منها، وكان يتوقَّى كل خطر وكل ما يؤدي للموت إثباتاً لوجود علاقة بين علة الموت والموت نفسه.

وإذا نظرنا لتفاصيل هذا البرهان رأينا عدّة أمور تثبت صدقه: أولها أن كل معلول يستلزم وجود علة له، كافية لإحداثه. فالكون معلول، أي أنه غير أزلي، ولا هو سبب وجود نفسه. فإذاً له علة خارجة عنه، كافية لإحداثه. وهذا يستلزم أن للعلة وجوداً حقيقياً دائماً، أي أنها ليست اسماً بلا مُسمّى، ولا أمراً وهمياً، لأن ما لا وجود له لا تأثير له. فاللاشيء لا يمكن أن يخلق شيئاً. وللعلة قوة كافية لإحداث المعلول المنسوب حدوثه إليها. ثم أن العالم موجود حقيقة، ووجوده إما أزلي ناشئ عن نفسه، أو عن علة خارجية. ولكن لا يمكن إثبات أزليته ولا أنه علة وجود نفسه، وإلا لزم وجوده السابق لها. فلزم اعتقاد وجود كائن عظيم هو علة العلل وموجد العالم.

وعدم أزلية العالم واضحة، سواء نظرنا إليه مركباً على ما هو، أو حللناه لعناصره الأصلية المركب منها. والأدلة على عدم أزليته كثيرة نكتفي باثنتين منها:

(1) العالم على هيئته الحاضرة متغيّر على الدوام، وكل متغيّر حادث. وإلا لزم وجود سلسلة أزلية من التغييرات، كل حلقة منها غير أزلية، أي لها بداية. وهو محال.

(2) الحقائق الجيولوجية تبيّن أن العالم على حالته المركبة ليس أزلياً، فقد توالت عليه تغييرات عظيمة وكثيرة، وتعاقبت عليه سلسلة نُظُم، آخر حلقة فيها هي النظام الحالي. أما القول بأزلية أصول الكون، أي العناصر المركب منها فيستلزم أن المواد قائمة بنفسها، وواجبة الوجود، أي مما لا نقدر أن نتصوَّر عدم وجوده، وهو باطل. والمادة ليست واجبة الوجود، ولا قائمة بنفسها، ولا أزلية. ويعلّمنا الكتاب المقدس أن الكون على هيئته الحاضرة نُظِّم بيد الخالق القدير.

وعلى فرض صحة القول بأزلية العناصر، لا ينتج من ذلك أن الكون نشأ على حالته الحاضرة من نفسه، لأن العناصر الأصلية بلا حياة وليس لها عقل ولا إرادة ولا قدرة على إيجاد أمرٍ ما. فإذا سلّمنا بأزليتها بقي لزوم بيان علة كافية لحياة الكون وتركيبه ولعقل البشر وقواه.

والخلاصة أن الاستدلال على أن العالم معلول أزلي هو أنه مركب، وكل مركب حادث، ومعروفٌ أن الكون مركب من عناصر بسيطة، وكل مركب معلول. والعناصر البسيطة إما أزلية أو حادثة. فالأول باطل لأن الأزلي واجب الوجود، بخلاف العناصر البسيطة التي يمكن تصوُّر عدمها. وبما أنه لا يُحتمل التصديق أنها أحدثت نفسها لأنها إن كانت علَّةً لنفسها لزم أن تكون قبل أن تكون، وهو محال. وقد تبرهن فساد القول بأزليتها، فلا بد أنها معلولة، وأن لها علةً أزلية أو محدثاً أزلياً.

ومهما تكررت المعلولات لا يمكن أن يكون أحدها العلة الأصلية للباقي. فإذا كانت السلسلة المركبة من ثلاث حلقات لا يمكن ثبوتها في الهواء من نفسها، فكم بالحري إذا كانت مركبة من ألوف الحلقات. فإذا لم نجد في أنفسنا سبباً أصلياً لوجودنا ولا في آبائنا وأجدادنا، فمهما رجعنا إلى الوراء لا نصل إلى العلة الأصلية في نفس السلسلة. فنلتزم حسب مقتضى العقل أن نسلّم بوجود علة خارجية واجبة الوجود لها قوة كافية لإحداث العالم وكل ما فيه. وقد اضطر الفلاسفة في كل قرن للتسليم بذلك، فقد أثبت أفلاطون وأرسطو وجود المحرك الأول من وجود الحركات الظاهرة في العالم.

ويشهد علم الجيولوجيا أن الأرض معلولة، بدليل:

(1) كل أنواع الحيوان والنبات المعروفة الآن حديثة العهد بالنسبة إلى مدة وجود العالم.

(2) المواد الحالية من الحياة لا يمكن أن تولّد حياة في نفسها ولا في غيرها، بل الحياة وحدها تُحدِث الحياة، أي لا حي إلا من حي.

(3) بعد الفحص الكافي لم يتبرهن أن نوعاً من المخلوقات الحية استحال إلى نوع آخر، فالأنواع الحية ثابتة لا يتولد منها شيء تختلف حقيقته عن حقيقة نوعه. فلا بد لكل نبات وحيوان من بداية، وما له بداية هو مخلوق، والمخلوق لا بد له من خالق.

وتشهد العلوم الحديثة أن عمل بعض القوات الطبيعية لا يصح أن يكون أزلياً كالحرارة مثلاً، فإنها على خصائصها المشهورة لا يمكن بموجب تلك الأدلة أن تكون أزلية، ولا بد لها من بداية. فإذا ثبت أن للكون بداية كان السؤال: ما هو سببها، وكيف نشأت؟ والجواب: هو أن ذلك لا يمكن بيانه بل يستلزم التسليم بعلّة أصلية لتلك البداية. ومهما رجعنا إلى الوراء في البحث عن تاريخ الموجودات لا نقدر أن نجيب على هذا السؤال، لأنه وإن صحَّ الرأي السديمي في كيفية تكوين الكون نبقى مفتقرين لمعرفة علة أصلية له، لأنه لا بد له من بداية، وذلك يستلزم مُبدئاً. ثم إن الحياة لا بد لها أيضاً من مبدئٍ، لأن المواد الخالية من الحياة لا تولّد حياة، وكذلك العقل بجميع قواه السامية لا بد له من مبدئٍ. فيلزم وجود خالق هو علة العلل ومبدئ المادة والحياة والعقل.

10 - ما هو الدليل المبني على علامات القصد في الكون؟

* يستلزم المُنتظم وجود من نظَّمه. والكون منتظم لأنه يظهر فيه حسن النظام والتركيب والقصد في كل شيء، فيستلزم وجود كائن عاقل قد نظمه وهو الله. أما القصد فيتضمن:

(1) الغاية مما يُعمل. (2) اختيار الوسائط المناسبة لذلك العمل. (3) استعمال تلك الوسائط لإتمامه، فيلزم عن ذلك أن القاصد عاقلٌ مريد قدير. ولا يُنسب حسن النظام للمنتظم ولا للصدفة، بل لمن نظمه، كما أن بلاغة الكتاب لا تُنسب إلى الكتاب نفسه، ولا للصدفة، بل إلى مؤلفه الذي قصدها باستعمال عقله وإرادته وقدرته. كذلك الحكمة في تركيب الحيوان والنبات، لا تُنسب إليهما، ولا إلى الصدفة، بل إلى خالقهما. فيلزم نسبة الحكمة الظاهرة في الكون كله إلى خارج عنه، ذي علمٍ وإرادة وقدرة. وتلك الحكمة تظهر في الكون وتنظيمه، أي في النسبة والاتفاق التام بين كل قوانينه، وأيضاً في جعل الوسائط موافقة لإتمام الغايات العديدة في أجزاء الكون المختلفة.

والاعتقاد بوجود علامات القصد، التي تدل بالضرورة على قاصد عاقل قادر، لا ينشأ عن الاختبار، بل هو من أوليات العقل، وهو لا ينحصر فيما يقع تحت نظرنا. فعلامات القصد أينما وُجدت تدل بالضرورة على القاصد، ولذلك يجب التسليم بوجود قاصد حكيم صنع ما يقع تحت نظرنا، وأنه قادر أيضاً أن يصنع كل شيء. فيتبيّن أن للعالم خالقاً عاقلاً، كما أن لكل كتاب مؤلفاً عاقلاً. والدليل على وجوده من علامات القصد في العالم قاطع لا يمكن إنكاره. فإن نسبة نظام الكون إلى نفسه هي بمثابة نسبة مجموع الأحرف في كتاب منتظم الطبع إلى نفسه.

وقد تبيّن أن علامات القصد ظاهرة في الكون بطرق مختلفة، مثل الترتيب المدقق في كل أنواع المخلوقات، وإجراء كل شيء على قوانين طبيعية فعالة محكمة ومرتبطة معاً ارتباطاً تاماً، وارتقاء أحوال الخلائق بالتدريج في سلَّم الترتيب والنظام، وموافقة البنية الآلية لإتمام وظائفها وللنمو والتقدم، وموافقتها عند بلوغ كمالها للغاية المقصودة من خلقها، وموافقة المخلوقات غير الحية لاحتياجات المخلوقات الحية، وموافقة كل ما سبق لغايات أخلاقية في ذهن الخالق الذي يستخدم خليقته لتمجيد اسمه وتنمية مخلوقاته الناطقة في الأخلاقيات والروحيات. فلولا القاصد الحكيم وتنظيمه للعالم وقواته بالحكمة لعمَّ التشويش الخليقة كلها.

وإليك أمثلة من أدلة القصد، فنقول إن علامات القصد والحكمة ظاهرة في أمور كثيرة، منها:

(1) علامات القصد في كل عضو من أعضاء الجسد: ولا يوجد في مصنوعات البشر ما يستحق أن نقارنه بأعضاء جسد الإنسان في الكمال والإتقان والدقة. فإن العين مثلاً أكمل من كل آلات النظر المصنوعة في مطابقتها لشرائع النور، لأن فيها عصباً منتشراً في شبكيتها يشعر بالنور والألوان. وهذه الخاصية مقصورة عليه دون كل الأعصاب. ويدخل النور إلى العين من الحدقة فتضيق إذا كثر وتتَّسع إذا قلَّ. وفعلها هذا عفوي غير خاضع للإرادة. غير أن مجرد دخول النور من ثقب أو نافذة لا يكفي لرسم صور الأشباح رسماً واضحاً، بل لا بد من نفوذه في بلّورة محدّبة لتنكسر أشعته وتجتمع في بؤرة. وقد اجتمع هذان الشرطان في العين. ثم لو كان داخل العين أبيض لانعكست أشعة النور وتشوّش البصر. فدفعاً لذلك بُطِّنت ببطانة داكنة تُعرف بالمشيمية. وللعين عضلات مخصوصة تحكمها لترى ما هو قريب وبعيد بسرعة مدهشة. وكل ذلك جزء صغير مما في هذا العضو من العجائب. ومع أنه كُوِّن في أظلم مكان نراه موافقاً لأحكام النور كل الموافقة. وهذا يُظهر حكمة الله الفائقة في إعداده الوسائط لنوال الغاية المطلوبة بطريقةٍ تفوق كل ما في أعمال البشر. وقِس على ذلك سائر أعضاء الجسد.

(2) علامات القصد في أعضاء الطفل عند ولادته: تتوقف حياة الإنسان على الأكسجين الذي يتنفسه، وبحسب ذلك يولد الطفل مجهزاً بآلة التنفس (مع أنه لم يكن يحتاج إليها قبل ولادته) استعداداً لحياته بعد الولادة. وهي غاية في الدقة والإتقان ليتنقى بها الدم ثم يتوزع في كل الأعضاء ليلاً ونهاراً بلا انقطاع. ولا يحتاج الجنين أن يأكل الطعام، ولكنه حالما يولد يصير محتاجاً إليه. ولذلك تكوَّنت فيه سابقاً كل آلات الأكل والهضم كالأسنان للمضغ التي تتكون ثم تُخزن في باطن اللثة إلى أن تبرز في زمن الحاجة إليها، والغدد اللعابية لتسهيل البلع والهضم، والمريء لإيصال الطعام للمعدة، والسائل المعدي لإتمام الهضم، وكذلك السائل المعوي لإتمام الهضم. وفي المعدة والأمعاء أوعية لا تُحصى تمتص ما يوافق تغذية الجسد فيُنقل منها إلى الدم الذي يوزِّعه على كل الجسد، فيأخذ منه كل عضو ما يحتاج إليه بعد تطهيره بالتنفس لنموه أو تغذيته.

ولا يحتاج الطفل إلى آلات للمشي والعمل قبل ولادته، ولكن قد تكوَّنت فيه الأعضاء اللازمة لذلك وهو لم يولد بعد، فخُلقت له العظام واتصل بعضها ببعض بمفاصل من كل الأنواع لتتحرك وتحرك الجسد حركة مطابقة لشروط الميكانيكيات، وهي متينة وفي غاية الإتقان. ولو فحصنا سائر الأعضاء كلاً بمفرده لرأينا فيها من الحكمة والإتقان والنظر في عملها المستقبلي ما يدهش العقول. ولكن ما نراه في أعضاء الجسد أفراداً ليس إلا جزءاً صغيراً مما نراه فيها إجمالاً.

(3) علامات القصد في العلاقة بين أعضاء الجسد: كل حيوان كامل في ذاته، وكل جزء من جسده يناسب الأعضاء الأخرى. فآلات السمع والنظر والتنفس والهضم والحركة مرتبة ترتيباً تتمكن به من إتمام وظيفتها على أفضل منوال. وفي خصائصها من الاختلاف ما يناسب الاحتياج الخاص لكل جنس ونوع من الحيوان. فالبرّي منها مجهَّز بجهاز يوافق السكنى في البَر، وكذلك المائي، والهوائي. وإذا تغيَّرت آلة واحدة لغاية خاصة تغيّرت سائر الآلات لتتوافق مع تلك الغاية. مثلاً إذا أُعدت المعدة لهضم المواد الحيوانية تجهزت الأسنان والأيدي والمخالب لإمساكها وتمزيقها. وبينها من الاتفاق الكامل ما يجعل العالِم قادراً أن يعرف من عظْمةٍ واحدةٍ نوع الحيوان وجنسه. فأنواع الطيور التي تغوص في المياه لها أعناق وسيقان طويلة جداً لتمسك فريستها من تحت الماء. والتي تسبح على وجه المياه مجهزة بأصابع ملتحمة على هيئة المجداف، وريش غير قابل للبلل. والتي تطير في الهواء مجهَّزة بعظام فارغة ليكون وزنها خفيفاً، ولها أجنحة طويلة وعضلات قوية. والتي تتسلق الأشجار لبعضها مخالب وأذناب مناسبة لذلك، وبعضها مجهزة بمنقار حاد ولسان طويل أعقف للوصول لطعامها من قلب الأشجار. وتنوُّع تلك الأجهزة الظاهرة في تركيب الحيوان لا تُحصى، وكلها تبين حكمة صانعها، وأنه يلاحظ احتياج كل نوع من الحيوانات على حدته.

(4) الاستعداد السابق: وهو من أقوى الأدلة على تدبير الخالق، وعالمنا هذا مملوء من شواهد ذلك، ومنها ما ذكرناه من أنه يجهز للطفل قبل ولادته آلات النظر والسمع والتنفس والهضم وغيرها لاحتياجه في المستقبل. وأيضاً من ذلك تجهيز الطعام للحيوان قبل ولادته، ففي الثدييات مثلاً يكبر الثديان قبل الولادة ويتجهز فيهما الحليب، حتى متى دخل الطفل للعالم يجد طعاماً يناسب غذاءه. وأما في الحيوانات التي تبيض فإن جرثومة الجنين تُحاط بالمح والبياض فيتغذى وينمو بهما، حتى إذا نفدا بلغ التكوين الكافي وخرج من البيضة مستعداً لنوال طعامه بطريقة أخرى. وقد كان هذا التجهيز من تدبير الله، لا من الأم، لأنها لا تعرفه.

(5) موافقة العناصر لاحتياج المخلوقات الحية: نرى علامات القصد في تركيب عالم الجماد بترتيب يوافق حفظ حياة النبات والحيوان، فإن هاتين المملكتين لا تقدران أن تعيشا بدون نورٍ وهواء وحرارة وماء وتراب لتقديم القوت الضروري لهما. فمَن أبدع النور والحرارة ونشرهما في كل العالم وأوجد الشمس مصدرهما؟ ومن جهَّز الهواء بعناصره بنسبة ثابتة موافقة لحفظ الحياة؟ ومن أحاط أرضنا به وجعل الماء يتحوَّل إلى بخار ثم يتجمَّع في الغيوم، ثم يُساق بالرياح، ثم يهطل مطراً ويروي وجه الأرض، إلا ذلك الإله الحكيم القدير وحده؟

فالعين تحتاج للنور، والرئة للهواء، والجسد للطعام. ولا يوجد الطعام إلا بتراب ونور وهواء وحرارة وماء. ووجود كل ذلك بموافقة تامة دليل على نظام الكون، وإن منظِّمه واحد فقط، عاقل عظيم وغير محدود في الفطنة والجودة والقدرة.

(6) تهيئة الأرض للإنسان: فإذا كان الوالد يجهز لأولاده مسكناً وقوتاً وكل ما يحتاجون إليه مما يبرهن محبته وحكمته، أفلا يكون كذلك للخالق الذي هيَّأ هذا العالم مسكناً لأولاده بني البشر، وأوجد النور والحرارة والقُوى، وسنَّ قوانين الطبيعة لتتوالى الفصول وتهطل الأمطار وغيرهما، مما لا يمكن حفظ الحياة بدونه.

إن شكل الأرض، وبُعدها عن الشمس، وميلها على خط الاستواء، وغير ذلك من أمورها الفلكية مرتبة لتكون صالحة لسكن الإنسان، وكذلك نسبة اليابسة إلى البحار وفصل بعضها عن بعض بالشكل الحالي، وارتفاع الجبال وإعداد خزائن لا تفرغ من أنواع الوقود في قلب الأرض لاستعمال الإنسان. كل ذلك دليل على وجود من جهَّزه، وأنه عاقل كثير الإحسان.

(7) الدليل الفلكي: البراهين من النظام الفلكي على وجود موجدٍ عاقلٍ قوي صالح حكيم كثيرة جداً لا يمكن ذكرها كلها في هذا الكتاب، كما يظهر من التأمل في عظمة هذا الكون بأجرامه السماوية التي لا تُحصى ولا تُستقصى، ودورانها على نسقٍ واحد قرناً بعد قرنٍ، وسرعتها وما بين القوتين الدافعة والجاذبة من الموازنة.

ويؤيد الكتاب المقدس ما تقدم من الأدلة المبنية على علامات القصد بقوله إن السماوات والأرض تُظهر مجد الله وكماله. وقال بولس لأهل لسترة: «الله الذي خلق السماء والأرض لم يترك نفسه بلا شاهدٍ، بل يعطينا من السماء أمطاراً وأزمنة مثمرة، ويملأ قلوبنا طعاماً وسروراً» (أع 14: 15-17). وبيَّن لأهل أثينا طبيعة الله من أعماله، ونِسبتنا إليه كذُرّيته (أع 17: 23-31). وقال لأهل روما: «إن أموره غير المنظورة وقدرته السرمدية ولاهوته مدركة بالمصنوعات» (رو 1: 20 انظر مز 19: 1).

11 - ما هو الدليل على وجود الله المبني على وحدة الكون؟

* كل كائن حي، من الإنسان إلى أصغر حشرة مخلوق على نظام واحد. فبعد اختراع الميكروسكوب اكتشف العلماء أن أجسام كل الكائنات الحية تتكون من خلايا، واكتشفوا في الخلية والمورثات أن تركيب الخلية في أجسام كل المخلوقات الحية تركيب واحد ونظام واحد، ولكن الصفات والخصائص فيها تختلف وتتنوَّع. ووجدوا في كل خلية حية في جسم كل مخلوق حي نواة تستقر فيها عوامل الوراثة، وهي المسؤولة عن جميع الصفات والخصائص، وبذلك فإن لكل نوع من المخلوقات عوامل وراثية مميزة له لا تتكرر في غيره من الأنواع، وتنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى آخر. إذاً هناك وحدة في نظام خلق المخلوقات الحية جميعاً تدل على وحدانية الخالق.

ونظام الخلق في الجماد نظام واحد أيضاً. ومع أن كل مخلوق جماد مكوَّن من عناصر مختلفة، إلا أنها جميعاً مكوّنة من ذرات. وقد اكتشف العلماء أن نظام خلق الذرة يشبه تماماً نظام خلق المجموعة الشمسية، المكوَّن من الشمس وكواكبها. فكما أن في وسط الذرة نواة تدور حولها إليكترونات في مدارات مختلفة، كذلك الشمس تدور حولها كواكب في مدارات مختلفة، وكأن الذرة مجموعة شمسية مصغّرة!

إن النظام الشمسي والنظام الذري ونظام المجرات هو نظام خلقٍ واحد، وتصميم إنشائي واحد. وكل ذلك يدل على جملة حقائق، منها: (1) الكل في حركة، وللحركة بداية ونهاية، وهذا ينفي أزلية الكون، ويدل على أن الكون مخلوق. وما دام مخلوقاً فلا بد له من خالق. (2) تطابق النظام في خلق الذرة والنجوم والمجرة يدل على أن واحداً خلقها جميعها. (3) هناك وحدة في نظام المخلوقات جميعها في الكون كله، ووحدانية نظام الخلق تدل على وحدانية الخالق.

12 - ما هي الأقوال في مذهب النشوء؟

* الأقوال في مذهب النشوء على صور مختلفة، بعضها يكرم الخالق ويسلّم بخلقه العالم والحياة على أنواعها في أرضنا هذه في الأدوار الماضية، ودوام عنايته بكل ذلك. وهناك أقوال غيرها توجه الإهانات له، إما بعزله عن عرش الكون وإنكار أنه هو الخالق، أو بإنكار عنايته بالأمور الطبيعية ونسبة كل التنوُّع في الأجناس الحية وكل علامات القصد إلى قوانين طبيعية يقولون إنها عملت بنفسها بدون فعل الخالق. فإذا كان مذهب النشوء يشرح كيفية إجراء الله مقاصده في الخليقة، فليس فيه ما يُنقِص قوة البرهان على وجود الله المبني على علامات القصد في الكون. وإذا كان يحكي عن فواعل طبيعية ليس لله يدٌ فيها، فهو ينافي البرهان المذكور كل المنافاة، لأن جميع علامات القصد تُنسَب إذ ذاك إلى الطبيعة المادية لا إلى الله.

وأشهر الأقوال في أصل الموجودات وتنوُّع الأنواع الحية ثلاثة، وهي:

(1) مذهب الخلْق المباشر: وهو أن لكل نوع ما يميّزه عن غيره، وهذا يبيّن الاختلاف بين الأنواع، فقد خلقه الله رأساً ثم أخذ في النمو والزيادة بواسطة التناسل الطبيعي. أي أن الله أوجد المادة أصلاً من لا شيء، ثم أَبدع الحياة النباتية والحيوانية على أنواعها، ثم صنع الإنسان على صورته، كما جاء في الكتاب المقدس. وعلى ذلك فقد نشأت جميع الأنواع الحية أولاً من يد الخالق بالتتابع في أثناء الأدوار الماضية الطويلة. والمقصود هنا بلفظ «نوع» كل حيّ يمتاز عن غيره بعدم إمكان الاختلاط في التوالد وغيره من الاختلافات النوعية. وهذا المذهب أقرب إلى شهادة الكتاب المقدس على ما فهمته الكنيسة المسيحية في القرون الماضية. غير أننا لا نعتقد بعصمة الكنيسة في فهمها العلمي، بل يُحتمل إيضاح هذه المسألة بنور ما اكتُشف وما سيكتشفه الباحثون من الحقائق الطبيعية وقوانين نموها كلما تقدم البشر في معرفة أسرار الطبيعة المادية. وعلى ذلك يُنتظر تقدم الأجيال الآتية في إدراك كيفية عمل الله في الخلق والعناية، مع إثبات أنه هو الخالق والعامل العظيم في كل ذلك.

(2) مذهب النشوء الإلهي: وينادي بأن الخالق أبدأ في الأصل خلايا حية فيها قوة النمو والتقدم والتنوُّع لدرجة معلومة، وبقوته الخالقة صدرت منها بالتتابع كل الأنواع التي وُجدت أثناء مدة وجود العالم. وكل ذلك بحسب شرائع سنَّها لها الخالق حسب مقاصده وعنايته الدائمة. وبفعل الله تمّ هذا الارتقاء من درجة إلى أخرى في سلَّم الحياة مع التغييرات النوعية العجيبة. فللخالق يد في العالم الطبيعي في إيجاد أنواع جديدة خاصةً في إبداء الحياة أولاً في النبات والحيوان، وفي خلق الإنسان نوعاً جديداً على صورته. وقُصد بمذهب النشوء على هذه الصورة أن يشرح كيف تمم الله غايته ومقاصده باعتباره خالق العالم ومدبره، لأن الخالق بموجب هذا المذهب أخرج بقوته الخالقة أنواعاً جديدة من الأنواع الموجودة سابقاً. على أن أصحاب هذا المذهب لم يبرهنوه حتى الآن بالأدلة الكافية، فلا داعي لقبوله قبل إثباته. ولكن إن صحَّ أن هذا هو ترتيب الخالق، وأن أعماله تمت بهذه الطريقة، فإننا لا نرى فيه ما ينقِص قوة الدليل على وجود الله المبني على علامات القصد في الكون، لأن مقاصده وتدابيره الدقيقة التي تدل على الحكمة والإرادة والقصد السابق ظاهرة في هذا النظام.

وإذا كانت شرائع الله قد نظمت خلق أصل جسد الإنسان من خلايا حية، وعملت على نموه حتى يبلغ أشُدَّه، ونظمت أصل أجساد جميع الحيوانات والأشجار والنباتات من بزورها ونموها، كان كل هذا دليلاً على حكمة الله وقصده في تنظيم الكون.

غير أن على هذا المذهب اعتراضات علمية لم تُحلّ إلى الآن. أما الذين نادوا به فأرادوا أن يعللوا كيفية نشوء الأجسام الحية ونموها وتنوعها، مع الاعتقاد أن خلق العالم الأصلي، وإبداء الحياة، وتنوُّع الأجناس الحية، وتنظيم الشرائع هو كله من عمل الخالق العظيم الذي يتمجد بعلامات القصد في الكون، سواء كانت على صورة النشوء أم لا. ولا نرى في هذا المذهب على الكيفية المذكورة (إن تبرهنت) ما يناقض الكتاب المقدس وأقواله في الخليقة، بل ما يدعو فقط لتفسيره ليوافق حقائق هذا المذهب. وليس في هذا المذهب على هذه الصورة ما يناقض بالضرورة تعليم الكتاب في أصل الإنسان وخلق الله له، لأن ذلك يكون من جملة الأعمال الإلهية المباشرة في مجرى الأمور الطبيعية التي يمكن حدوثها مراتٍ عديدة بحسب الاقتضاء، وبالطريقة التي يستحسنها الخالق، ولغايات أدنى جداً من خلق الإنسان، كخلق أنواع جديدة مثلاً من أنواع أخرى من الحيوانات والنباتات لو شاء.

(3) مذهب النشوء الإلحادي: وهو ينكر تدخل الله في إنشاء الموجودات، وينسب كل تقدُّمٍ في الكون لقوانين مادية طبيعية تعمل بنفسها مستقلة عن الله. وينكر بعض تابعيه الخالق، ويسلّم بعضهم بوجوده وبخَلْقه أصول الحياة، ولكنهم ينكرون عنايته بأمور الكون وتدخله الفعلي الدائم إتماماً لمقاصده في إنشاء الأنواع وفقاً لغاياته، وينسبون كل تغييرٍ في المخلوقات وتنوُّعٍ في الكائنات الحية إلى عوامل طبيعية قائمة بنفسها، أو إلى شرائع ليست من الله بل قائمة بذاتها وعاملة أعمال العقل، وإن كانت طبيعية محضة. ومنهم من حسبوا التنوُّع نتيجة التغيرات الجزئية المتتابعة ببطءٍ في زمان طويل، ومنهم من نسبوه إلى ميل طبيعي في الأنواع المختلفة الأصلية إلى إنتاج أنواع أُخرى تختلف عنها، ومنهم من نسبوه إلى قانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح، وأشهرهم دارون الإنجليزي. والفرق العظيم بين هذا المذهب وما قبله هو أنه بموجب مذهب «النشوء الإلهي» خلق الله الخلايا وسنَّ قوانين نموها وتنوعها، وخلق هو نفسه مباشرةً عند الاقتضاء أنواعاً جديدة، وكان كل شيء بعنايته وبحسب قصده السابق. وبموجب «مذهب النشوء الإلحادي» أنكر أصحابه تدخل الله ونسبة القوانين الطبيعية إليه، وولّوا الطبيعة مكانه، ونسبوا إليها قوات عقلية وأعمالاً مقصودة كأن لها عقلاً ومشيئة، وقالوا إن كل أنواع النبات والحيوان حتى الإنسان صدرت من الطبيعة لا من الله. وقد أوجب هذا القول عليهم أن يبيّنوا لنا أصل تلك الخلايا الحية، وممّن أخذت ما فيها من القوة والحسّ وما لها من قوة التنوع العجيب والنمو والقدرة على ولادة نظيرها، وخاصةً قوة الارتقاء في سلَّم الحياة من درجة إلى أخرى حتى وصلت أخيراً إلى درجة الإنسان مع ما فيه من الضمير والعقل والمشيئة والمشابهة لله في طبيعته الروحية. وواضح أن مذهب النشوء على هذه الصورة لا يعلل علامات القصد في الكون، والأدلة القاطعة على فعل عقل عظيم حكيم في سياسة العالم الطبيعي، ولا أصل الحياة، لأن المواد الحية (وإن فرضنا أزليتها) لا تقدر أن توجد الحياة، ولا العقل والإرادة والضمير، ولا تحصر قوة التوالد في كل نوع على حدته. وبناءً على هذا المذهب يكون البشر قد تسلسلوا من البهائم، وهي نتيجة سخيفة جداً، بغضّ النظر عن عدم وجود ما يثبتها، لأن هذا المذهب لم يتبرهن حتى اليوم، بالرغم من البحوث الطويلة فيه، فهو قول تخميني يرجحه البعض من أهل الإلحاد وينكره البعض الآخر. ولم يظهر للآن ما يمنع الثقة بصحة القول الأول إن الله خلق الموجودات وأبدأ الحياة على أنواعها وأوجد التنوّع الغريب بتدخله رأساً عند الاقتضاء (وذلك مع استعدادنا لقبول مذهب النشوء على صورته الأولى إذا تبرهن بالبراهين الكافية). غير أنه لا يبعد أن الله في خلقه الأنواع تقدّم من درجة إلى أخرى في سلم الحياة على الترتيب، وهو التقدم من المواد البسيطة إلى المركبة، ومن الأنواع الدنيا من الحياة إلى العليا. فيكون التقدم من درجة إلى أخرى في إتمام الله الخليقة أمراً جلياً، وهذا يطابق شهادة الكتاب والطبيعة معاً.

13 - ما هو الدليل على وجود الله المبني على طبيعة الإنسان الروحية والأخلاقية؟

* تدل نفس الإنسان على وجود الله وبعض صفاته، كما تدل صورة الشمس في المرآة على وجودها وبعض صفاتها. وهذا البرهان تابع للبرهانين السابقين، فقد اتضح من الأول لزوم العلة الأولى العظيمة لكل شيء، وهي الكائن بنفسه منذ الأزل. واتضح من الثاني أن لذلك الكائن السامي عقلاً وإرادة وقدرة وحكمة. وبمقتضى هذا لا بد أن تكون له صفات أُخرى مثل القداسة والعدل والصلاح والحق، وهكذا نتدرج في بيان وجود الله ومعرفة صفاته. غير أنه كما لا نحصل على معرفة كاملة بالشمس من صورتها في المرآة، كذلك لا نحصل على معرفة كاملة بالله من صورته التي فينا، ولو أننا لا بد نتعلم الكثير من ذلك.

لقد بيَّنا أن طبيعة كل إنسان تشهد له شهادة كافية بوجود الله، كما أنها تؤكد له أن الله كائن أخلاقي ذو عقل ومشيئة، يعلم ما يحدث، وله سلطان غير محدود، ويقدر أن يعاقب ويكافئ.

أما الأدلة من طبيعة الإنسان الروحية والأخلاقية على وجود الله فهي:

(1) وجود العقل في الإنسان: فكل إنسان يعلم بالشعور الباطن أنه عاقل، وأن عقله يختص بنفسه لا بجسده، وأن النفس والجسد ليسا واحداً بل اثنين، لهما صفات مختلفة. ويتضح من شعور الإنسان أن جوهره غير المادي العاقل الخالد غير أزلي، أي له بداية. وكل ما له بداية له مُبدئ. ولا يمكن أن يكون المُبدئ الأصلي للنفس في الإنسان نفساً سابقة، لأن تلك النفس معلولة أيضاً. ومهما رجعنا إلى الوراء في هذه السلسلة لا نصل إلى علة أصلية فيها. ولا يمكن أن يكون الجسد أو قوات أخرى طبيعية غير عاقلة علة النفس، لأنه من أوليات العقل أن العلة لا تكون أدنى من المعلول، فلا يمكن أن يكون ما ليس له عقل علةً للعاقل. ولذلك نسلّم بأن وجود أرواحنا دليل على من هو أبو الأرواح، وتشهد عقولنا بوجود ذلك العقل السامي الذي خلقها.

(2) ما يظهر من طبيعة النفس واحتياجها: فالموجودات الحية تحتاج لعدة أشياء، وقد دبَّر الله لها كل ما تحتاج إليه. فالنبات مثلاً يحتاج لمواد مغذية لينمو، فأعدَّ الله له جذوراً تمتد لعمق التراب، وأوراقاً تتأثر بالضوء والحرارة وتأخذ الكربون من الهواء. وبواسطة التراب والهواء والماء والضوء والحرارة تُسدُّ كل احتياجات النبات. وكذلك نقول في الحيوانات واحتياجاتها، فإن الله جهَّز لها كل ما تحتاج إليه. ونرى أيضاً الكائنات الحية تصل إلى درجة البلوغ وتتمم المقصود من وجودها بحسب ما لها من الخواص الطبيعية. أما الإنسان فلا يبلغ كماله في هذه الحياة، وليس في هذا العالم ما يكفي احتياجاته الروحية، لأن نفسه ذات حاجات وأشواق روحية تطلب السماويات، بل مشاركة الله ذاته. أليس ذلك دليلاً على أن نفس الإنسان مخلوقة لحياة أسمى من الحياة الحاضرة، وعلى وجود من يكفي كل احتياجاتها وأشواقها؟ لأنه كما أن الجوع دليل على وجود ما يكفي لاحتياج الجسد، كذلك جوع النفس يدل على وجود من يكفيه أي الله.

(3) ما يظهر من طبيعة الإنسان الأخلاقية: فإن الشعور يعلّمنا: (أ) تميِّز نفوسنا بطبيعتها بين الحلال والحرام، وتقدر أن تحكم بلا واسطة في صفات الأمور الأخلاقية كما تميّز الحواس ما هو ضمن دائرتها من الأجسام. (ب) الضمير مستقل في حكمه، لا يخضع للعقل والإرادة. فإذا كان مستقيماً لا يرى الحرام حلالاً والحلال حراماً، حتى لو حاول العقل أن يقنعه بأن الأسود أبيض! (ج) للضمير سلطان، فلا يقدر الإنسان أن يتحرر منه. (د) يلزم عن حكم الضمير وجود شريعة أخلاقية سلطانها من فوق، وتحكم بما هو واجب علينا. (هـ) إننا نشعر من وجود الضمير والشريعة الأخلاقية بأننا مسؤولون عن حالنا وأعمالنا، لا أمام أنفسنا ولا أمام البشر فقط، بل لكائن عظيم هو مصدر الشريعة وخالق ضميرنا والعارف بكل أحوالنا، الذي يُسرُّ بالصلاح ويكره الشر ويجازي كل إنسان حسب استحقاقه. فنحن إذاً مفتقرون إليه ومسؤولون أمامه، وهو الله.

إننا نجد نفوسنا في كونٍ عظيم، نحن جزء منه. وتميل عقولنا إلى السؤال: ما هو مصدر هذا الكون وما هدفه؟ وكيف يُحفظ؟ ومن أين أتينا نحن وإلى أين نمضي؟ ولا يمكن أن نجيب على ذلك دون أن نسلّم بوجود كائن سرمدي، علة العلل واجب الوجود، عاقل حكيم ذي إرادة وصفات أخلاقية. والجواب الكافي لهذه المسائل نجده في الآية الأولى من الكتاب المقدس «في البدء خلق الله السماوات والأرض» (تك 11: 1).

14 - ما هو الدليل على وجود الله من الكتاب المقدس، ومن تاريخ الجنس البشري؟

* الكتاب المقدس هو إعلانٌ من السماء، فيه تعاليم إلهية بأدلة قاطعة خاصة بحياة المسيح وطبيعته وأعماله وتعاليمه، لأن المسيح هو أعظم دليل لقلب المؤمن على وجود الله، وأيضاً من النبوات ومن المعجزات الواردة في كل الكتاب. فيجب أن نعتبر الكتاب المقدس دليلاً على وجود الله.

وإذا نظرنا لطبيعتنا الروحية، وبحثنا عن احتياجاتها الحاضرة، رأينا أن الكتاب المقدس يوافقها تماماً لما حواه مما يكفي كل حاجاتها. فإن فيه إعلان الخالق الآب الجواد والرحيم، الذي يحفظ خلائقه ويعتني بهم، الذي في يده نسمة كل حي ومعه أمرنا، وشعور رؤوسنا محصاةٌ عنده. وفيه أيضاً من الأوامر والنواهي ما يوافق أحوالنا، ويمنعنا عن كل ما يضرّنا ويهين شأننا وشأن خالقنا العظيم، وفيه كل ما هو لخيرنا وسلامنا وسعادتنا وما يكفينا من الفوائد في التعليم والإرشاد والتعزية والتنشيط وترقية أفكارنا وتنمية أخلاقنا وإعدادنا للحياة الأبدية. وكل ذلك مما يفوق قدرة البشر وحكمتهم. ولذلك نعتقد أن الكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد الذي يرشدنا للحق، وبواسطة إرشاده ننال السعادة الأبدية. ولا بد أن مصدره عقل سام وكائن عالم بكل شيء، قدوس وعادل وهو الله العظيم.

وكل من يدرس تاريخ البشر يرى فيه ما يدعوه للاعتقاد بوجود كائن عظيم ذي سلطان مُطلق، يدبر كل أمور البشر وأعمالهم على ما يوافق مشيئته ويؤول لإتمام مقاصده الفائقة. ففيه ما يدل على عناية الله الدائمة، خلافاً لقول الكفرة الذين ينسبون ما في تاريخ البشر من الأدلة على العناية الإلهية والهدف إلى مجرد الحكمة البشرية، أو الصدفة، وحكمهم بأن الحوادث تجري مجرى طبيعياً مستقلاً عن سلطة وإدارة شخصٍ ذي مقاصد سامية. ويؤيد كلامنا أن ما نراه في تاريخ العالم من الخصام والجدال والبحث والاختراع والعوائق والمشاكل والحرب والانقلابات والبلايا يؤول أخيراً لتقدم البشر وارتقائهم من جيل لآخر في التمدُّن والمعرفة والبنيان الديني. ألا ترى في ذلك دليلاً قاطعاً على وجود مرشدٍ حكيمٍ للبشر يقودهم للنجاح، بوسائط خاصة عيَّنها هو لذلك، وباستخدامه لإتمام مقاصده وسائط أُخرى لو تُركت لنفسها بدون عنايته لأنتجت غير ذلك. ففي تاريخ البشر دليل على وجود الله وعنايته بأمور العالم.

15 - بماذا اعترض البعض على سياسة الله للكون وعلى عنايته بأمور البشر، وما هو الرد عليهم؟

* اعترضوا على ذلك بأمور كثيرة، منها أن النواميس الطبيعية غير قابلة للتغيير إلى ما هو أفضل لخير البشر، أو لتخليصهم من نتائج مخالفتها. وأيضاً كثرة أوجاع الخليقة غير العاقلة، وكثرة الشرور والمصائب الواقعة على البشر واختلاف نصيبهم، فالبعض يأكلون إلى التخمة، بينما البعض يجوعون وذلك (حسب الظاهر) بدون نظر إلى استحقاق أخلاقي في الشباعى أو عدم استحقاق في الجياع!

فنجيب: نعم إن هذه الاعتراضات مشاكل، لكن لا شك أن الله لم يخلق الكون لمجرد سعادة خلائقه، بل لنمونا في القداسة وفي كل فضيلة إلى أسمى درجة، وأيضاً ليُظهر مجده. وأن النواميس الطبيعية غير المتغيرة هي مفيدة جداً لتعليمنا ونمونا في الصلاح، وكذلك الضيقات والآلام التي تصيبنا في هذه الحياة. ولابد أن القصد من خلق الشعور بالألم في البشر والحيوانات هو لخيرهم، ولو أن الألم والشقاء ناتجان غالباً عن سوء استعمال الجسد وقدراته. وإذا نظرنا إلى هذه المسألة على وجه العموم نرى أن القانون الغالب هو السعادة، وأن الألم والشقاء من العرضيات. فإذا نظرنا إلى موت الحيوانات وأتعابها نرى أنها تقدم للبشر خدمة أكثر جداً مما يصيبها من الألم.

فلو صدقنا هذه الاعتراضات لوَجب على الله أن يُبدئ الكون في حالة الكمال، حتى لا تبقى هناك حاجة للنمو والتقدم والارتقاء، ولا إلى تغيير ما. فمَنْ يقدر أن يجزم أن إبداء الكون بهذه الصفة خير وأفضل وأكثر حكمةً من النظام الذي اختاره الخالق؟ وكل من يمعن النظر في هذا الموضوع يرى أن الخليقة القابلة للتقدم على الدوام تبيّن مجد الخالق وحكمته أكثر مما لو أُبدعت كاملة دفعةً واحدةً. ومما يجعلنا عاجزين عن الحكم على أعمال الله ومقاصده في العالم قصر عقولنا عن معرفة غاياته والأمجاد التي يكلل بها الخليقة متى أكمل مقاصده فيها. ولا شك أن الله قد تعمَّد أن خليقته لا تبلغ الكمال إلا بعد مرور قرون عديدة، فيها يتقدم الكون على الدوام في إتمام ما قُصد به، وأنه قد قضى أن الألم والشدة والمصائب تكون من أعظم الوسائط لارتقاء الخلائق في الكمال. وهذا هو فعلاً تأثير الضيقات والبلايا في نمو البشر وتقدمهم في الفضائل الدينية والأخلاقية.

إن لنا خالقاً عاقلاً رحيماً قادراً على كل شيء، وكل أمور الكون في يده، وقد وعدنا أن يحوّل ما فيه من الأتعاب والبلايا والآلام لأعظم خير لخلائقه لنموّهم وبنيانهم في الفضائل العظمى. أما مسألة عدم مساواة أحوال البشر في هذه الحياة فلها حل وراء هذه الحياة. وبعد ما نسمع الحكم الأخير منه لا نرى سبباً للشك في حكمته وصلاحه.

16 - ما هو الدليل على وجود الله المبني على اعتقاد جميع البشر بذلك؟

* (1) اعتقاد جميع البشر في كل زمان ومكان بوجود كائن عظيم هو إما الإله الحق، أو في مقام الإله الحق. وقد تبيَّن للباحثين في أحوال الوثنيين الدينية عدم وجود أمة أو قبيلة منهم خَلَت من الاعتقاد بوجود كائن هو عندهم في مقام الله عندنا. وقال العالم الفرنسي ده كاترفاج: «في بحثي المدقق عن أصناف البشر، مِن أسماها إلى أدناها، لم أجد صنفاً منها أو قبيلة خالية من الاعتقاد بوجود إله. غير أني وجدت أفراداً لا تعتقد ذلك، ووجدت قليلين من أهل المذاهب الكفرية الذين نبغوا في أوربا في القرن الثامن عشر، ولا يزال إلى الآن مَن يحذو حذوهم هناك». وقال الأستاذ روبرت فلنت في كتابه «في المذاهب الكفرية« «إن خلاصة ما وصلتُ إليه من البحث عن أحوال البشر الدينية هي أن الدين عام، كأن الخالق أبدع الكون مملوءاً من علامات وجوده، وأبدع الطبع البشري مائلاً إلى التسليم بذلك. وأن البشر يميلون وهم في أدنى الأحوال البربرية للتمسك بما له مقام الديانة والاعتقاد بوجود من هو عندهم في مقام الله عندنا». وقد اعترض البعض أن الديانة البوذية بدون إله، غير أن ذلك مردود بأن البوذيين يؤلّهون بُوذا، ويجعلونه في مقام الله عندنا.

ولنا لإثبات ما سبق شهادة شاهدي عدل، هما الكتاب المقدس والمؤلفون الوثنيون. قال بولس ما معناه إن الوثنيين عرفوا الله معرفة كافية فلا عذر لأحدٍ منهم (رو 1: 18-32 و2: 12-16 قارن مع أع 14: 16، 17 و18: 24-28). وقال شيشرون: «لا حيوان يتصوَّر وجود الله سوى الإنسان، وليس في البشر من قبيلة مهما سفلت في حال الجهل والتوحش لا تعرف احتياجها إلى إله، وإن قصَّرت عن معرفة صفاته».

فإذا صحَّ أن كل البشر يعتقدون بوجود إله، كان ذلك دليلاً يؤيد وجود الله، ويبيّن أنه خلق البشر ميّالين للاعتقاد بذلك. والتفسير الذي يقبله العقل هو وجود كائن عظيم خلق الجنس البشري بهذا الميل الطبيعي للتسليم بوجوده. مما يؤيد وجود الله غاية التأييد.

17 - ما هو دليل وجود الله المبني على مبادئ عقلية؟

* أساس كل معرفة هو شهادة الشعور، وتتعلّق قوة الدليل على وجود شيء بوضوح تصوُّره في العقل. وبما أن وجود إلهٍ كاملٍ غير محدود من أوضح وأضبط ما يتصوّره العقل، كان ذلك دليلاً على وجوده. والعقل يتصور كائناً كاملاً، وبما أن الوجود من لوازم الكمال، يلزم وجود ذلك الكائن. فالصورة الأولى مبنيّة على وضوح تصوُّر الإنسان إلهاً في عقله، والثانية على لزوم وجود كائن كامل، وإلا كان غير كامل لأنه ناقص الوجود. ودليل وجود الله على هاتين الصورتين يؤيد ذلك.

وقال غيرهم إن قولنا بوجود ما هو محدود وناقص يستلزم وجود ما هو غير محدود وكامل. فإذاً لابد من وجود كائنٍ يتّصف بهاتين الصفتين، وإلا لزم عدم كمال وجوده لأننا نتصوّر من هو أكمل منه. وهذه الصورة نظير غيرها من هذا النوع غير قاطعة بل مؤيدة.

18 - هل ما قدمناه في هذا الفصل من الأدلة على وجود الله يستحق ثقة العقل السليم؟

* أكثر البعض، وخاصةً اللاأدريون من الطعن في الأدلة على وجود الله والازدراء بها. وقد تجاسر الملحدون والذين ينفون الوحي على إنكار صدقها وفائدتها. غير أن جمهوراً كبيراً من أهل الدين والعلم والفلسفة الذين نبغوا في هذا العصر وغيره من العصور واشتهروا بالذكاء والفصاحة اعتمدوا تلك الأدلة، ورأوا أنها قاطعة تستحق أن يعوَّل عليها، وأنها كافية لبيان وجود الله لكل مَن أراد الوقوف على حقيقة هذه المسألة الخطيرة، وأن جميعها معاً برهان كافٍ على وجود الله، مؤلَّف من أدلة كثيرة، كلٌّ منها صحيح وكافٍ على درجات متفاوتة. نعم إن تلك الأدلة ليست من المواد التي يمكن أن توزن بميزان البشر، أو أن تتحقق بالامتحانات المادية المنظورة، بل هي أدلة عقلية مبنيّة على حقائق ظاهرة لعين الإنسان ولعقله، نظير ما هو محسوس ومُدرَك بالحواس الخمس. فإن العقل السليم متى شعر بوجود الكون، وميَّز ما فيه من علامات النظام والقصد التي لا تُحصى عدداً، يحكم طبعاً بوجود علة له، وأن تلك العلة عاقلة وحكيمة وقادرة على إيجاد ما يُرى فيه من الغرائب والبدائع. ولا يمكن لمن يتأمل الكون وكل غرائبه وما فيه من الكائنات الحية على أنواعها أن يعزو هذا كله لعمل الطبيعة بدون خالق، فإن إنكاره وجود الخالق يخالف العقل السليم وشهادة الطبيعة نفسها التي تنادي على الدوام (بلسان حالها) أنها مصنوعة لا صانعة ومعلولة لا علة، وأن ما حوته من العناصر والحياة وغرائب التركيب والنظام وخواص النمو والتقدم التدريجي إنما هو صادر من قوة خارجة ومستقلة عنها. ولا شك أن لتلك الأدلة قوة لا توصف عند كل المؤمنين، وأن كل واحد منهم متيقن ومقتنع ومتمتع بما له من الأدلة اليقينية على وجوده. أولاً من الكون وما فيه من علامات القصد والقدرة والحكمة، وثانياً من بنية الإنسان الأدبية والروحية ومن شهادة الضمير، وثالثا من الكتاب المقدس وإعلان اللاهوت في شخص المسيح ابن الله المتجسد

الفصل العاشر

الأقوال الخاطئة في الله

 

1 - كيف تُقسم الأقوال الخاطئة في الله؟

* تقسم إلى ثلاثة أقسام :

(1) الاعتقاد الكفري.

(2) الاعتقاد بآلهة كثيرة، وهو الشِّرْك.

(3) الاعتقاد بألوهيَّة الكون (أو وحدة الوجود) وهو نوعان: (أ) القول بحلول الله في العالم واتحاده به. (ب) القول بوحدة الوجود، فالعالم بجملته هو الله!

2 - ما عدد الأقوال الكفرية المشهورة في شأن الله، وما هي؟

* هي أربعة :

(1) قول الملحدين الذين ينكرون وجود إلهٍ على الإطلاق.

(2) قول الذين يسلّمون بوجود الله وينكرون عنايته بالعالم، ويمكن أن يُسمَّوا «الطبيعيين».

(3) قول الذين يعتبرون كل الحقائق سواء كانت عقلية أو مادية صوراً وهمية فقط مرسومة في العقل، وقد سُمّوا «العناديين».

(4) قول الذين يعتبرون المادة مركز كل قوة حيَّة جسدية كانت أم عقلية، ويسمون «الماديين».

3 - ماذا تقول في الاعتقاد بعدم وجود إله؟

* بما أنه ينكر وجود الله تماماً، ويكذّب كل ما يعتقده الناس فيه، فهو باطل وسلبي محض، وجوابنا عليه يتم بإثبات وجود الله. وكثيراً ما وقع الجدال والبحث في شأنه، والأغلب أن صاحبه قد أمات ضميره، وكذَّب طبيعته الأخلاقية، وأجبر عقله على قبوله. غير أن تلك الحالة ليست طبيعية في الإنسان، بل هي مثل لَيّ القوس بالقوة. فمتى رُفعت تلك القوة رجعت القوس لاستقامتها. هكذا الطبيعة البشرية المُجبَرة على إنكار وجود الله متى تُركت لنفسها عادت لما كانت عليه. وحتى لو أن النفس أنكرت وجود الله فإنها لا تتحرر مطلقاً من مسؤوليتها لله، لأن الإنسان لا يقدر أن يحرر نفسه من الشريعة الأخلاقية. كل ما يقدر عليه الإنسان هو أنه يقهر الشعور الطبيعي بوجوده، ويبطل الإيمان به إلى حينٍ، بالتوغُّل في الفلسفة الكاذبة.

4 - ما هو قول الذين يسلّمون بوجود الله وينكرون عنايته بالعالم؟

* قالوا إن الله موجود وقد خلق الكون، لكنه بعيد عنا لا يتسلط علينا ولا يبالي بنا ولا بالكون، فلا يدبر أمور البشر، وبالتالي ليس لنا إعلان منه. وهو لا يعمل بواسطة الروح القدس والعناية، فيصحّ تسميتهم بالطبيعيين. وهذا الرأي سُمّي بالإنجليزية «دييزم» اشتهر بين ملحدي الإنجليز في آخر القرنين 16، 17، ثم انتقل من إنجلترا إلى فرنسا حيث اشتهر به فولتير، ثم إلى ألمانيا حيث امتد بين كثيرين (انظر فصل 3 س 12).

5 - بيِّن فساد مذهب الذين يسلمون بوجود الله وينكرون عنايته بأمور العالم؟

* انقسم أصحاب هذا المذهب لطوائف شتى، فمنهم من اعتبر المادة الفاعل العظيم في الكون، ومنهم من قال إن العقل هو المرشد العظيم الوحيد وأصل كل حق ديني وأخلاقي، وهم القسم الأكبر. وقالوا إن نور الطبيعة كافٍ ليرشد البشر، فلا حاجة للوحي، وإن عقل الإنسان يدرّبه في الأمور الأخلاقية والدينية، فلا حاجة لأوامر وتنبيهات وتنظيمات دينية من الله. ولهذا اعترضوا على المعجزات، والنبوَّة، وبعض تعاليم المسيحية، وعلى قانونية الأسفار الإلهية، واجتهدوا ليبيّنوا وجود أخطاء في الكتاب المقدس.

ويتضح خطأ هذا القول بإقامة الدليل على حقيقية العمل الإلهي. فالعقل السليم ينفر من هذا المذهب لثقله على الأذهان البشرية، لأنه يهمنا جداً أن نتحقق وجود الله، وأنه لم يهملنا ولا ابتعد عنا، بل يعتني على الدوام بأمور العالم، خاصةً أمور البشر بكل طريقة لخيرنا وخلاصنا. وفي النظر لهذا الموضوع نبحث عن ثلاث مسائل:

    (1) هل تدخُّل الله فعلاً في أمور العالم مما يصدقه العقل السليم؟

قال البعض إن تدخُّله يُهين شأنه كخالق، لأنه يعني عدم كمال عمله الأصلي، وأن الطبيعة مثل آلة ميكانيكية تحتاج للإصلاح على الدوام.

فنجيب: لو قصد الله أصلاً أن يرتب الكون بطريقة تستغني عن عنايته ولم ينجح، لصحّ ذلك. ولكن لا دليل عندنا على أن الله قصد أن يترك الطبيعة تركاً تاماً منذ خلق الموجودات، ولا على أن يترك الإنسان لنفسه ليهلك بدون معين. أما إمكانية ذلك التدخُّل فتظهر من أن الله خلق الإنسان قادراً على أن يتصرف في أمور الطبيعة، وقد تصرف بالفعل باختراعاته العديدة حتى نزل على سطح القمر! وإذا كان الله قد خوَّل الإنسان تلك القدرة بحسب معرفته وحكمته العقلية، فهل يحرم نفسه من استعمالها؟ ألا يُنتظر طبعاً أن السلطان الذي وهبه الله للبشر لدرجة محدودة، يمارسه هو لدرجة غير محدودة؟

ونقول أيضاً إنه لما كانت الطبيعة لأجل الإنسان، وهو رأسها وإكليل المخلوقات، لزم أن الله لا يتركه مستعبَداً لها، وأن يحفظ لذاته حق التصرف لأجل خير الإنسان وترقية شأنه. فلو صحَّ قول المعترض لكانت علاقة الله بالخليقة كعلاقة الإنسان بآلة بخارية اخترعها وركبها، ولم يُبْقِِ لنفسه سلطة التحكُّم فيها. فإذا تحركت لا يقدر أن يوقفها، وإذا توقفت يعجز عن أن يحرّكها. فتكون هي المتسلطة على الإنسان، لا الإنسان المتسلط على صنعة يده!

وأما من جهة قدرة الله على ذلك التدخل، فنقول إن الذي خلق الطبيعة قادر أن يديرها بكلمة منه، لأن الذي عمل أعظم العجائب يقدر على أصغرها. فإذا تعذّر عليه ذلك فإننا نشكّ في قدرته على الخلق.

(2) هل حدث ذلك التدخل حقيقة؟

نجيب على هذا السؤال بأسئلة أخرى، وهي: ما هو مصدر الكتاب المقدس؟ ومن هو المسيح؟ ومن أين أتى؟ وكيف نقدر أن نحصل على معلومات عن أعماله وتعاليمه بمجرد وسائط أخلاقية روحية؟ ومن أين جاءت الديانة والكنيسة المسيحية؟ وكيف قُبلت معجزات المسيح ورسله وامتدت ديانته بالرغم من كل الموانع في القرون الأولى بعد حياته؟ وكيف تمَّت فيه وفي أعماله كل تلك النبوات والرموز التي تشير إليه في العهد القديم؟ وكيف قام من الأموات على ما تبرهن ذلك ببراهين لم تتزعزع مطلقاً، رغم كل محاولات المعترضين أن يبطلوها؟ وكيف نفهم تاريخ بني إسرائيل بدءاً من دعوة إبراهيم لمجيء المسيح، ثم على هيئتها الممتازة منذ عصر المسيح إلى الآن، رغم تشتتها في كل البلدان طبقاً للنبوات الصريحة؟ فمن يجيب على هذه الأسئلة بالحق يقتنع أن تدخل الله في أمور البشر أمر لا شك فيه.

(3) ما هو المقصود من ذلك التدخل، وما هي نتائجه؟

نجيب: قَصَد الله به إتمام عمله العظيم في ترقية البشر في الأخلاق ونموه في كل الفضائل استعداداً للحياة الأبدية. ولتتميم هذه الغاية أرسل ابنه الحبيب، وأنزل الوحي، ولا يزال يعمل بالروح القدس في تجديدنا وتنويرنا وتقديسنا. فهدف ذلك التدخل إذاً هو مَنْح البشر معرفته الخلاصية، وترقيتنا في الفضائل الأخلاقية الروحية، إلى أن نقترب لصورة المسيح الإنسان الكامل، وننال به الحياة الأبدية.

6 - ما هو الرد على الذين يعتبرون كل الحقائق، سواء كانت عقلية أم مادية، مجرد أوهام في العقل؟

* قالوا إن العالم المادي غير موجود، وإن كل ما نراه أو نشعر به صورة وهمية في عقولنا فقط. ولو صدق كلامهم فلا يكون هناك وجود حقيقي لا للأرض ولا للسماء، ولا للإنسان، ولا لله. وهذا القول يخالف حكم العقل السليم، إذ كيف اتفقت عقول البشر جميعاً على أوهام.

7 - ما هو الرد على الذين اعتبروا المادة مركز كل قوة حية، سواء كانت جسدية أم عقلية؟

* الحقائق نوعان ممتازان هما: الروحي والمادي، أي ما يختص بالعقل والشعور الداخلي والعواطف، والمادي هو خارج عن دائرة العقليات مثل المادة والطبيعة. ونعرف النوع الأول بالشعور، ونعرف الثاني بحواسنا الجسدية. الأول خاص بالنفس، والثاني خاص بالطبيعة المادية. وهذا المذهب لا يميِّز بين النوعين المذكورين، بل ينسب ما يختص بالعقل أو الروح للمادة، ويؤمن أتباعه بوجود الطبيعة المادية دون الروحية العقلية، وينسبون كل الحقائق الروحية من عقلٍ وحس وضمير وإرادة لأصل مادي. ولا ينكر أحد وجود العالم المادي لأنه ظاهر، وهو مستقل عنا، وقد وُجد قبلنا، وسيبقى بعد انتقالنا من هذه الحياة، وله مقامٌ عظيمٌ وخاصةً عند أهل العلوم الطبيعية لأنه موضوع علومهم، وتدور أبحاثهم على أسراره، وهم يبحثون عما حواه من المواد المتنوعة والقوانين والخواص والفوائد. واشتهر أهل هذا العصر بالبحث العلمي، فاكتشفوا أموراً كثيرة وفوائد واختراعات عظيمة. ويدفعنا هذا كله إلى أن نشكر الله. غير أن بعض الباحثين اليوم تجاوزوا حدودهم، وأسَّسوا فلسفة مادية على الحقائق الطبيعية، وحاولوا رفع شأن المادة وفوائدها وقوانينها وخواصها أكثر مما يجب، حتى حسبوها أصل الحياة ومركز الروحيات، ونسبوا إليها قوةً عقلية وحكمة سامية تمكنها من تدبير نفسها وإقامة ذاتها على حالتها الحاضرة. وقد أدَّت هذه الأقوال إلى إنكار كل علامات القصد في الكون، ونفي عناية الله بخليقته وحكمه الأخلاقي وحرية الإنسان ومسؤوليته، وإلى جعل الفكر والشعور والحس والميول والعواطف البشرية مجرد حركات مادية ناشئة عن الدماغ فقط، أو لأعضاء أُخرى من أجسادنا. وهذه عداوة شديدة ومقاومة للديانة، وللكتاب المقدس، ولشخص المسيح، ولخلود النفس والحياة الأبدية.

وهذه الفلسفة المادية واعتقاداتها الخاطئة قديمة العهد ولكنها بلا برهان، ينكرها العقل والضمير والوحي، وتؤذي صالحنا الروحي والأبدي لأنها تقتل كل حياة عقلية مستقلة عن المادة، وتبطل كل مسؤولية أخلاقية، وتكذّب شهادة الضمير، وهي تخالف معرفتنا بطبيعتنا الروحية والعقلية، ولذلك يجب أن نرفضها ونلجأ لكتاب الله لنجد الاستنارة الصحيحة الطاهرة.

إن نسبة خواص مادية لقوة عاقلة أنسب من نسبة خواص عقلية للمادة، لأن نسبة الفعل للعقل (خاصة عقل الله) أولى من نسبته للمادة التي لا تعقل.

8 - ما هو تعليم المسيحية بشأن تلك المذاهب الإلحادية؟

* تحكم المسيحية أن تلك المذاهب تناقض إعلانات الله، وأنها ناقصة جداً في نفسها. فالطبيعيون (العقليون) وإن أصابوا في إكرام العقل واحترامه، إلا أنهم أخطأوا في تعظيم شأنه، وإنكار العناية والوحي، ورفض الإعلانات الإلهية. والماديون وإن أصابوا في اعتقاد حقيقية المادة، أخطأوا في تعظيم شأنها وخواصها وإنكار ما للعقل والروح من السمو والشأن. والذين يقولون بعدم إمكان معرفة شيء من أمور الله وأمور الحياة الآتية، وإن أصابوا في أن وسائط المعرفة عندنا محدودة، أخطأوا بالقول إن معرفة هذه الأمور مستحيلة. فإن الله أعلن لنا كل ما نحتاج إليه للخلاص، وكل ما يجب أن نعرفه عن ذلك في هذه الحياة. والذين يتعبّدون للإنسانية ويجعلون كل اهتمامهم بخدمتها ورفع شأنها، وإن أصابوا في احترام مقام البشر بالنسبة إلى بقية المخلوقات، أخطأوا في جعل الإنسان موضوع العبادة واعتباره في مقام الله. والذين يتعبَّدون للحياة الدنيا فقط ويهملون الأبدية، وإن أصابوا في الاهتمام بهذه الحياة، أخطأوا في التركيز على جانب واحد، فأعطوا ما لقيصر لقيصر، ولم يعطوا ما لله لله، ونسوا علاقتهم بالحياة الآتية ومسؤوليتهم من نحو الله.

ويعتقد المسيحيون بوجود الله كما هو مُعلن في كتابه وأعماله، وبيسوع المسيح، وبالروح القدس، وبصحة الوحي، وأن المسيحية مُنزلة من عند الله لإرشاد البشر وخلاصهم، وأنها ستمتد وتغلب وتملأ العالم، وأن الخلاص هو بالمسيح وحده، وأن رأس الكنيسة وملك الكون هو المسيح. وتؤمن المسيحية بعمل العقل وتعمل على تقدّم العِلم، غير أنها تأبى الافتراضات غير المنطقية، وترفض الأقوال التي يتباهى بها معترضو عصرنا، ولا تخشى تقدُّم العلوم الطبيعية، لأن كل ما هو صحيح في الطبيعة يوافق ما أعلنه الله في كتابه، فإن الإصبع التي كوَّنت المخلوقات هي نفسها التي كتبت الإعلانات الإلهية.

9 - ما هي الآراء في وجود أكثر من إله؟

* هناك رأيان:

(1) الاعتقاد بوجود إلهين عظيمين متساويين.

(2) الاعتقاد بوجود آلهة كثيرة.

10 - ماذا قيل في الاعتقاد بوجود إلهين متساويين؟

* اشتهر هذا الرأي قديماً بين الأمم الشرقية، وقد بنوه على وجود الخير والشر في العالم، وما بينهما من النزاع المستمر. وقصدوا باعتقادهم هذا حل مسألة وجود الخير والشر معاً في العالم، لأنهم لم يريدوا أن ينسبوا الشر إلى الله، فقالوا بوجود أصلٍ للشر مستقل عن الله، هو المادة، وإن مصدر الخير هو الله. وقالوا بوجود إلهين عظيمين أزليين، أحدهما أصل الخير ودائرته الروحيات، والثاني أصل الشر ودائرته الماديات.

إذاً نشأ هذا الاعتقاد من صعوبة تعليل أصل الشر وإمكان وجوده في خليقةٍ تحت سلطان إلهٍ خيِّر. وقد أخطأوا في فهم ماهيَّة الشر، فنسبوه إلى غير أصله الحقيقي. ولما كانت المادة أبعد المخلوقات عن روحانية الله، قالوا إنها هي أصل الشر ومركزه وإنها قائمة بنفسها ومستقلة عن الله منذ الأزل، بحيث أن الله منزَّه عن المشاركة في خلقها. ويتضح فساد هذا التعليل إذا نظرنا إلى ماهية الشر الأخلاقي، فهو عدم اتفاق طبيعة البشر الأخلاقية مع طبيعة الله، ومخالفتها للشريعة الأخلاقية. فكل مخلوق عاقل مسؤول قد ينشئ الشر. فليس للشر علاقة سببية بالمادة، ونسبة الشر إلى المادة خطأ. وأما كيفية صدور الشر أولاً من طبيعة أخلاقية مقدسة فمن المسائل التي لا نملك لها تفسيراً، غير أننا رأينا ذلك أولاً بين الملائكة في السماء، ثم في أبوينا الأولين في جنة عدن، ولذلك نسلّم بإمكان حدوثه. ودخل شيء من هذا المذهب في العصر المسيحي الأول في اعتقاد الغنوسيين والمانويين (أتباع الفيلسوف ماني). وكان اعتقاد الفرس القدماء من هذا النوع أيضاً لأن زرواستر (زرادشت) معلّمهم العظيم قال بوجود إلهين، اسم أحدهما «أرومازد» وهو إله الخير والآخر «أهرمان» وهو إله الشر.

11 - كيف نشأ الاعتقاد بوجود آلهة كثيرة؟

* الاعتقاد بوحدانية الله هو الاعتقاد الأصلي للبشر. ولما حادوا عن ذلك مالوا لعبادة الخليقة، وكان احترامهم لعناصر الطبيعة (بسبب ما اختبروه من قواتها وفوائدها) يزيد بسبب نقص معرفتهم بالله الخالق، فتطرفوا وعبدوا الشمس والقمر والنجوم، بل النار والهواء والماء. ثم شخصوا تلك القوى الطبيعية وألّهوها، وهكذا انتشر بينهم الاعتقاد بآلهة كثيرة. غير أنه بقي من العلماء من يعتقد بوحدانية الله، على أنهم تصوّروه على أنواع مختلفة. وكانت صفات آلهة كل قوم تشابه صفاتهم، فاليونانيون ألَّهوا كل ما هو جميل المنظر وموافق للشهوات الجسدية، والرومان ألَّهوا ما هو أشد بأساً واقتداراً، والقبائل البربرية ألَّهت أبسط الأشياء وأدناها. ومثَّل جميع هؤلاء آلهتهم بأصنام مادية صنعوها بأيديهم، وملأوا العالم بتماثيل من الذهب والفضة والخشب والخزف وأشكالها، فجعلوا الله يشبه صورة الإنسان، بل يشبه ما هو أدنى المخلوقات (رو 1: 23).

وعبَّر الكتاب المقدس عن آلهة الوثنيين بالعَدم والباطل، وأنها وهمية لا تنفع ولا تضرّ (إش 41: 29، 42: 17، ومز 106: 28). وسماها الرسول بولس شياطين (1كو 10: 20). غير أن هذا الاسم لا يدل على وجودها، كما أن تسميتها لا تدل على ذلك. ويدل امتداد الديانة الوثنية وقوتها على شدة ميل الطبيعة البشرية إليها. أما خطؤها فيتضح من بيان التعليم الصحيح عن الله.

12 - ما هو مذهب ألوهية الكون (أو وحدة الوجود)؟

* هو أن الكون هو الله، والله هو الكون، ويقولون:

(1) لا يوجد إلا جوهر واحد. وأصحاب هذا المذهب لا يفرّقون بين المادة والعقل والجسد، ولا يميّزون بين الله والكون، وبين المحدود وغير المحدود.

(2) الكون أزلي، أي أن الله والكون جوهر واحدٌ فلم يوجد الله قبل الكون.

(3) لا خلق مطلقاً، وما ينشأ من وقتٍ لآخر هو ظهور الطبيعة في تغيُّراتها وتقلّباتها.

(4) ليس لله في ذاته عقل ولا شعور ولا مشيئة، لأن هذه الصفات تختص بالمحدود لا بغير المحدود، وكل ما لله منها ناشئ عن علاقته بالعالم.

(5) الله ليس ذاتاً، لأن الذاتية تدل على التمييز بين الذات وما هو خارج عنها. وهم يرفضون ذلك.

(6) ليس للإنسان وجود خاص، بل هو لحظة من حياة الله، أو موجة واحدة من بحر الكائنات، أو ورقة واحدة من شجرة الموجودات، تسقط وتفنى ثم تأتي أخرى بعدها، وهكذا دوراً بعد آخر للأبد.

(7) تنتهي شخصية كل إنسان عند موت جسده لأن تمييز الأشخاص متوقف عندهم على وجودهم في أجساد متميّزة، ولذلك لا يشعر الإنسان بشيء بعد موته إذ يُبتلع في الجوهر الواحد المطلق. فأعظم سعادة للإنسان بعد الموت هي أنه يُبتلع في الله، كالموجة التي تظهر قليلاً ثم تزول.

(8) ليس للإنسان إرادة، وأعمال الإنسان هي أعمال الله، لأن حياته حياة الله. وأعمال الله إجبارية، أي لا اختيار للفعل والترك فيها، فأعمال الإنسان كذلك. ولو صدق رأيهم لكان تاريخ العالم هو تاريخ حياة الله! وأن كل ما حدث نشأ عن أمور طبيعية كنمو الشجرة وامتداد أغصانها وخروج أثمارها، وأنه لا يمكن للإنسان أن يخطئ، لأنه ليس فرق بين الحلال والحرام. وبما أن الإنسان هو الله فكل أعماله أعمال الله. إذاً ما يُسمى شراً هو خير غير تام، لأن بعض الناس بالغون أكثر من غيرهم في الكمال، كما أن بعض الأشجار أطول وأجمل من غيرها، وبعض الأثمار أكمل وألذّ من بعضها. وكل ما ظهر في النبات أو في الإنسان هو ظهور حياة الله، لأن الله هو هو، سواء ظهر في نبوخذنصَّر أم في يوحنا الرسول، كما أن الماء هو ماء، سواء كان عكراً أو صافياً.

(9) جعل أصحاب هذا المذهب أنفسهم بمنزلة الله، فحرروا أنفسهم من المسؤولية، إلا لأنفسهم. غير أن الذين عندهم معرفة المسيح ميّزوه بالإكرام، لأن الفرق عندهم بين المسيح وغيره من البشر هو أن المسيح يملك من طبيعة اللاهوت أكثر منهم، لأن البشر كلهم هم حلول الله في الجسد. ولذلك خالفوا كل المسيحيين بتخصيصهم المسيح بتجسُّد اللاهوت.

(10) نسب أصحاب هذا المذهب فعل الشر إلى الله.

13 - اذكر الشعوب التي انتشر بينها مذهب ألوهية الكون (أو وحدة الوجود).

* اشتهر هذا المذهب بين الهنود القدماء، غير أنهم مالوا لتكثير الآلهة لما لا يُحصى، وأيضاً بين المصريين القدماء، ثم بين اليونانيين القدماء حتى عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو حين ضعفت مبادئه بسبب تعاليمهم، ثم شاعت في الإسكندرية بواسطة الغنوسيين وأصحاب الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، واستمرت بينهم عدة قرون، ثم ظهرت في ألمانيا في القرن السابع عشر في عصر الفيلسوف الملحد سبينوزا وبواسطته، وكان من تابعيه فُخْتَه وشلنج وهيجل.

14 - ما هو الرد على الاعتقاد بألوهية الكون (أو وحدة الوجود)؟

* (1) إنه محض افتراض بشري لتعليل ما يُرى في العالم، ولا برهان عليه، ولا يعلل شيئاً تعليلاً صحيحاً كافياً، وهو لا يضاد الكتاب من جهة الله وأوليات طبيعتنا ومبادئ الديانة والأخلاق التي غرسها الله فينا، بل يجعل الخطية من أعمال الله.

(2) إنه يضاد العقل البشري في: (أ) نحن نعلم يقيناً أننا ذوو مشيئة مستقلة. ولكن بموجب ذلك الاعتقاد تكون أعمال البشر نوعاً من أعمال الله ومستقلة عن إرادتنا الشخصية. (ب) إنكار التمييز بين الحلال والحرام وعدم المسؤولية على ارتكاب المحرَّم، مع أن هذا التمييز غريزي في طبيعة الإنسان الأخلاقية لا يمكن نزعه منها بدون نزع تلك الطبيعة، وهو عند أهل هذا الاعتقاد خرافة، لأن ما نسمّيه حراماً يسمّونه عدم نضوج فقط، فلا يكون الإنسان عندهم مجرماً أكثر مما يكون الطفل مجرماً في ضعفه أو عدم نضوجه. وهو يجعل الشر خيراً لأنه يجعل أعمال الناس الشريرة وشهواتهم القبيحة أعمالاً وإحساسات إلهية. فحيثما وُجد هذا التعليم وُجِّهت الكرامة للشرور كتوجيهها للفضائل.

(3) يجعل هذا الاعتقاد العبادة الوثنية مستباحة، لأنه ينفي ذاتية الله وعقله وشعوره بنفسه وفضائله. ولا يمكن للعقل أن يعبد إلهاً بهذه الصفة، لأن ذلك يكون كعبادة الحركة أو الجاذبية أو قوة من قوى الطبيعة.

(4) ينفي كل المبادئ الأخلاقية وكل الصفات الإلهية، ويتركنا بدون شريعة نلتزم بطاعتها، وبدون إله نلتزم بإكرامه وعبادته. فيخالف شهادة الضمير، بل يلاشي الضمير.

(5) ينفي خلود الإنسان، لأن البشر عندهم تجليات وقتية للكون العام ثم يضمحلون. مع أننا نعلم أن نفوسنا لا تفنى، وأن لنا وجوداً خاصاً مستقلاً ومشيئة حرة، وأننا متعلقون بكائن أقوى منا يعرفنا ويعرف أعمالنا، وسيكافئنا أو يعاقبنا حسب استحقاقنا. فكل نفس مستنيرة بمعرفة الإله الحي الحقيقي تعتبر تعليم ألوهية الكون (وحدة الوجود) محالاً، وهو مرفوض بشهادة الكتاب المقدس.

 

الفصل الحادي عشر

معرفة البشر لله

 

1 - كيف نعرف الله؟

* نستفيد كثيراً من الطبيعة والضمير في إثبات وجود الله ومعرفة صفاته، غير أن ذلك قليلٌ بالنسبة لما نحتاج إليه. ولا يوجد ما يكفينا من هذا إلا في الكتاب المقدس، وفي المسيح كلمة الله المتجسد، الذي أعلن لنا الآب. «الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر» (يو 1: 18). وقال: «كل شيء قد دُفع إليَّ من أبي، وليس أحدٌ يعرف الابن إلا الآب، ولا أحدٌ يعرف الآب إلا الابن، ومَن أراد الابن أن يُعلن له» (مت 11: 27).

2 - هل معرفة الله ممكنة؟

* يقول الكتاب المقدس نعم. قال المسيح إن الحياة الأبدية هي معرفة الله ويسوع المسيح الذي أرسله (يو 17: 3). وقال المرنم: «الله معروف في يهوذا» (مز 76: 1). وتنبأ إشعياء: «لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب» (إش 11: 9). وقال بولس في الوثنيين إنهم عرفوا الله ولم يستحسنوا أن يبقوه في معرفتهم (رو 1: 19، 20، 21، 28).

3 - ما معنى أن معرفة الله ممكنة؟

* ليس المعنى:

(1) أننا نقدر أن نعرف الله معرفة تامة، لأن الله غير محدود وأزلي، ونحن لا نقدر أن نستقصي معرفة غير المحدود وغير المتناهي.

(2) وليس المعنى أننا نقدر أن ندرك صفاته وأعماله إدراكاً تاماً، لأن هذا يعني معرفة حقيقته وعلاقته بغيره، فنعرف مثلاً أن الحي ينمو لأننا نراه ينمو، ولكننا لا نعرف حقيقة النمو ولا كيفية حدوثه. والله فوق إدراكنا كما قال صوفر لأيوب: «أإلى عمق الله تتّصل، أم إلى نهاية القدير تنتهي؟» (أي 11: 7).

وعلى سبيل الإيجاب نقول: إن معرفتنا بالله جزئية ناقصة، فنحن لا نعرف كل ما في الله. نعم نعرف أنه يعلم كل شيء، ويعمل دائماً، لكننا لا نفهم كيفية علمه وعمله. ونعرف أنه ذو مشاعر، فهو يحب ويترأف ويرحم ويبغض الخطية، ولكن حقيقة مشاعره مستترة عنا كأفكاره ومقاصده. فكيف نعرف طبيعته تماماً ونحن لا نعرف إلا قليلاً من أمور طبيعتنا؟ ما أقل ما نعرفه عن علاقة نفوسنا بأجسادنا وتأثير أحدهما في الآخر! وفي الحالين لا ينكر أحدٌ أن معرفته جزئية وناقصة.

4 - كيف نعرف الله؟

* نعرفه لما ننزع من عقولنا كل ما يجعل لله حداً، ولما ننسب كل فضيلة إليه، وكذلك كل صفة ظاهرة في أعماله. وبما أننا نشبهه لأننا أولاده وعلى صورته، ننسب إليه صفات طبيعتنا الروحية والعقلية. قال بولس الرسول: «فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيهٌ بذهبٍ أو فضةٍ أو حجرٍ، نقشِ صناعةِ أو اختراع إنسانٍ» (أع 17: 29). فيلزم عن أننا ذريته أنه ليس مجرد اسم، أو جوهر بدون صفات، أو علة مجهولة أي قوة لا تُستقصى، بل هو مشابه لنا وصورته علينا، ونحن شبَهه في طبيعته لأنه أبونا ونحن أولاده.

5 – ما هي الشواهد التي تبيِّن صدق هذه الطريقة لمعرفة الله؟

* يتبيَّن ذلك مما يأتي:

(1) شهادة اعتقاد الجميع بصحتها: يحسب الإنسان طبيعته الإنسانية مشابهة لطبيعة الله، وأنها صورتها ودليل عليها، فالوثنيون ينسبون إلى ما يعبدونه صفاتٍ كصفاتهم، ويحسبون آلهتهم أشخاصاً لهم عقول وأعمال. ولم يرفض ذلك إلا بعض أصحاب الفلسفة البشرية كالماديين ومؤلّهي الكون ومن شابههم. ولكننا نركن إلى آراء أغلبية البشر أكثر مما نركن إلى ظنون الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالوحي، لأن ما يؤمن به الإنسان بالفطرة يؤمن به عقلاً، وعموم الاعتقاد يُرجح صحته.

(2) شهادة المشاعر: فإن طبيعتنا الأخلاقية تُلجئنا لهذا الاعتقاد كما سبق الكلام في الأدلة الأخلاقية على وجود الله، وهو أن جميع البشر يشعرون بأنهم مسؤولون أمام كائن أعظم منهم، يعرف طبيعتهم وأعمالهم، وسوف يجازيهم حسب استحقاقهم. فيلزم أن ذلك الإله يعلم ويقصد ويعمل، لأنه يكافئ ويعاقب، وأنه عاقل ذو مشيئة وصفات أخلاقية. ولا شك في صدق هذا الإعلان الطبيعي لصفات الله، وإلا تكون طبيعتنا مركَّبة بطريقة تضلّنا.

(3) شهادة الميل الطبيعي في البشر للعبادة: وهي تنسب الكمال للمعبود، وتقدم الشكر له على البركات، وتلتمس دوامها منه، وتعترف وتتضرع وتسبح له. وفي الطبيعة البشرية ميل شديد للعبادة، وهذا يستلزم وجود معبود شخصي يحبه الإنسان ويخشاه ويتّكل عليه، وأن لذلك المعبود صفات مثل صفاتنا ليقدر أن يسمع اعترافنا وتسبيحنا، ويحبنا ويسدد حاجاتنا ويمنح أنفسنا خيراً. وهذا الميل دليل على وجود معبود يشبهنا في طبيعته (ما عدا الخطية).

(4) عدم بقاء الله على صورة حقيقية إذا جرَّدنا عنه كل صفات طبيعتنا الروحية: فإذا لم تصحّ نسبة صفات طبيعتنا إلى الله، يكون الله على صورة مجهولة عندنا. ولو فرضنا أن الله روح وجرَّدناه من خواص طبيعة الإنسان الروحية (أي من الشعور بذاته وبكونه فاعلاً أخلاقياً، ومن العقل والمشيئة والإحساس) لما بقي شيء مطلقاً. ونصبح كافرين إن دعونا ذلك اللاشيء «الله» وعبدناه.

(5) شهادة أعمال الله في الخليقة: فإنها تشهد بالمشابهة بين طبيعتنا وطبيعته، لأنه يحق لنا أن ننسب لعلةٍ ما كل الصفات اللازمة لتسبيب معلولاتها. فإن دلّت المعلولات (المخلوقات) على العقل والمشيئة والفضائل، فلابد من وجود تلك الصفات في العلة (الخالق). ولما كانت أعمال الله تُظهر تلك الصفات كان لا بد من وجودها في الله بغير حدود، وذلك كقولنا إن إعلان الله ذاته في أعماله الخارجية يطابق إعلانه ذاته في طبيعة الإنسان.

(6) شهادة الكتاب المقدس: فإنه ينسب إلى الله خواص طبيعتنا وفضائلها، وذلك يثبت صحة أن طبيعة الله تُعرف من طبيعة الإنسان. فكما أننا نحن أرواحٌ نشعر بوجودنا، كذلك الله روح يشعر بوجوده. وكما أننا أحرار ولنا مشيئة، كذلك هو. وكما أن لنا طبيعة أخلاقية (وإن تكن ساقطة) كذلك له طبيعة أخلاقية، ولو أنها كاملة. وكل ما بين الله وبيننا من العلاقات على ما جاء في الكتاب المقدس يستلزم أن طبيعته كطبيعتنا، مع سموه غير المتناهي.

(7) شهادة طبيعة المسيح: لأن الله أعلن لنا ذاته في ابنه يسوع المسيح الذي هو إله حق، فكل ما أُعلن في طبيعته أُعلن في طبيعة الله إذ قال: «أنا والآب واحد» (يو 10: 30). ونعلم من طبيعة المسيح أنه مع أن الله غير محدود وغير متناهٍ، إلا أنه يفتكر ويعمل ويحب ويكره الخطية، ويسمع الدعاء، ويشعر باحتياجاتنا، وأننا نقدر أن نخاطبه كما يخاطب الإنسان إنساناً آخر. أي أن طبيعته مشابهة لطبيعتنا (ما عدا الخطية)، وبهذا نعرفه بعض المعرفة على قدر الطاقة البشرية. على أنه لابد من وجود أسرار في طبيعته تفوق دائرة عقولنا.

6 - كيف يفيدنا الوحي في معرفة الله؟

* الوحي لازم ليكمل ويصحّح ويوسّع معرفتنا بالله، بدءاً من النظر ووصولاً إلى بِنية طبيعتنا الأخلاقية والعقلية، لأن الله جعل الحواس والعقل والضمير وسائط يكتسب بها الإنسان المعرفة. وما دامت هذه الوسائط على وضعها الأصلي، وما دامت تحكم في ما هو ضمن دائرتها، فشهادتها صادقة تستحق أن نعتمد عليها. وهي معاً تكفي لبيان علاقتنا بالعالم المادي وبجنسنا البشري. ولولا تأثير الخطية فينا وتغيير علاقتنا بالله وانحطاط قوى العقل وقطع المشاركة بيننا وبين الله بسببها، ما كنا نحتاج إلى مرشدٍ آخر سواها. ولكن لما سقط الإنسان من حالته الأصلية لم يبقَ عقله وضميره كافيين لإرشاده في الأمور المختصة بالله، فاحتاج إلى هداية الوحي الإلهي الذي يعلّمنا تعليماً حقيقياً في ما يتعلق بالله وبأنفسنا ووسائط الفداء. ولذلك مع كل المعرفة بالله التي نحصلها من الطبيعة ومن إرشاد الضمير لا نزال محتاجين للوحي ليكمل تلك المعرفة ويوسعها ويثبتها.

7 - ما هي طرق إعلان الله لنا في الأسفار المقدسة؟

* (1) بالأسماء والألقاب والوظائف المستعملة له فيها، مثل «يهوه» و«إيل» و«أدوناي» و«إيل شداي» و«ملك» و«مشترع» و«قاضٍ» و«صخر» و«ملجأ» و«منقذ» و«راعٍ» و«آب».

(2) بالأعمال التي تُنسب إليه.

(3) بالعبادة المأمور بها له.

(4) بإعلانه في يسوع المسيح.

الفصل الثاني عشر

صفات الله

 

في هذا الفصل سندرس صفات الله، وهي أن الله روح (سؤال 8-13) غير محدود (س 14-20) سرمدي أزلي أبدي (21-24) غير متغير (25-28) عالم بكل شيء (29-38) ذو مشيئة (39-42) قادر (43-48) قدوس (س 49) عادل (50-59) صالح (60-70) حق (71-73) ذو سلطان (74-77).

1 - من هو الله؟

* لا يقدر مخلوق أن يعرِّف الله كما هو، وإنما يمكننا أن نعرِّفه بما يميزه عن كل من سواه، كقولنا الله روح غير محدود وكامل، منه وبه وله كل الأشياء. الله روحٌ غير محدود في ذاته ومن ذاته، في وجوده ومجده وغبطته وكماله، كافٍ للكل، سرمدي (دائم) غير متغير وغير مُدرَك، حاضر في كل مكان، قادر على كل شيء، عالم بكل شيء، حكيم قدوس عادل رحيم رؤوف بطيء الغضب، وكثير الإحسان والوفاء. وهو غير متغير في وجوده وحكمته وقدرته وقداسته وعدله وجودته وحقه.

2- كيف يتكلم الكتاب في الله؟

* يتكلم كثيراً في الله باستعمال كنايات وتشبيهات واستعارات مأخوذة من لغة البشر في ما يخص طبيعة الإنسان وأعماله كقوله: «وجه الله» و«عين الله» كما ينسب إلى الله الندامة والحزن والغيرة وما أشبهها.

3- بأي معنى ننسب الوجود إلى الله؟

* عندما نقول إن الله أكمل الكائنات ننسب إليه الوجود الحقيقي تمييزاً عن الوهمي، وعن اعتباره بمنزلة قوة مجردة عن الذات. ونحن ندرك وجودنا بالمشاعر، التي نتبادلها مع الآخرين ولا تراها عيوننا، ولكننا نحس بوجودها، ويمكننا أن نعبِّر عنها أو نخفيها، وهذا يعني علم النفس بذاتها وأفعالها، فننسب إلى ذواتنا أفكاراً وأشواقاً ومقاصد، وهذا يُلزمنا أن نتأكد من وجود جوهر تصدر عنه هذه الأفكار والأشواق، فيعلم الإنسان وجوده لأنه يفتكر ويحس لامتناع الإدراك بلا مُدرِك، كامتناع الحركة بدون متحرِّك. والله واجب الوجود، وهو سرمدي غير متغير، مركز فضائل الرحمة، ومصدر الأفعال الإلهية. غير أن بسط الكلام في هذا الجوهر متعذر لعدم إدراكنا الجوهر مجرداً عن صفاته. وفي شرح الجوهر الإلهي نصل إلى أقصى ما ندركه بقولنا إنه روح، فإذاً هو منزَّه عن كل ما تتصف به المادة. وهو في ذاته وفي صفاته غير محدود، سرمدي غير متغير. ووجود جوهر إلهي غير محدود سرمدي غير متغير يستلزم أنه كان قبل وجود العالم، وأن لجوهر اللاهوت وجوداً غير متعلق بوجود المخلوقات.

4- ماذا يُراد بقولنا صفات الله؟

* للجوهر الإلهي غير المحدود السرمدي غير المتغير صفات خاصة به مُعلَنة في الطبيعة والكتاب المقدس. ومعرفته بدون تلك الصفات والفضائل الإلهية مستحيل، لأنها ضرورية لطبيعة اللاهوت، فبدونها لا يكون «الله». وهذه الصفات لا يمكن  انفصالها عن جوهر اللاهوت، وهي ظاهرة في الكتاب المقدس وفي أعمال الله وعنايته، خاصة في عمل الفداء. فإذا قلنا «معرفة الله» نعني أن جوهر اللاهوت عارف بكل أمرٍ، وإذا قلنا «محبة الله» نعني أن جوهر اللاهوت محب. فصفات الله هي أزلية سرمدية غير متغيرة كالله ذاته.

5- ما هي المحاذير في بيان العلاقة بين صفات الله وجوهره؟

* يجب أن نحذر من إظهار العلاقة بين صفات الله وجوهره وبين علاقة صفاته بعضها ببعض من خطأين: هما التعبير عن الله كأنه مركب من أجزاء مختلفة، وجَعْل كل الصفات صفة واحدة.

6- كيف نعرف صفات اللاهوت، وكيف تُقسَّم صفاته؟

* قسم البعض صفات الله إلى ثلاثة أقسام ترجع إلى الطريق التي حصـلوا بها على تلك المعرفة:

(1) بأن نسبوا إليه كل فضيلة ظاهرة في أعماله، لأنه علة العلل.

(2) واعتقدوا أنه لا يدركه شيء من خلائقه بسبب نقصها وضعفها.

(3) ونسبوا إليه كل الفضائل المختصة بكائنٍ في غاية الكمال. وقسم بعضهم صفات الله قسمين، وعبَّروا عنهما بالصفات الإيجابية، والسلبية. فالإيجابية ما نُسب إليه من الفضائل، كالقوة والمعرفة والقداسة والعدل والصلاح والحق. والسلبية ما بُنيت على نفي ما لا يليق بشأن الله، كنفي أنه مركب من أجزاء، وأنه حادث أو متحيِّز (أي محدود في الزمان والمكان). وذلك بمعنى أنه جوهر بسيط أزلي سرمدي (غير محدود في الزمان) ومالئ الكون (غير محدود في المكان).

وقسم غيرهم صفات الله باعتبار نوعها: إلى ذاتية وأخلاقية. فمن الصفات الذاتية أزليته وعلمه ومشيئته وقوته وعدم محدوديته، ومن الصفات الأخلاقية العدل والرحمة والقداسة والحق. وأما هذا التمييز (وإن كان صحيحاً في ذاته) فهو غير واضح باستعمال كلمتي «ذاتية وأخلاقية» لأن صفاته الأخلاقية هي ذاتية أيضاً. وقسم غيرهم صفات الله إلى مشتركة وغير مشتركة. فالمشتركة هي ما وُجد مثلها في الطبيعة البشرية (وإن كانت محدودة فيها) مثل القوة والمعرفة والمشيئة والحق والصلاح. وغير المشتركة هي ما لا يوجد مثلها في البشر مطلقاً، كأزليته وعدم محدوديته وعدم تغيّره.

وقسمها غيرهم لحقيقيَّة، وهي ما اختصَّت بالجوهر الإلهي بلا تعلُّق بما هو خارجٌ عنه، ونسبية وهي ما تعلقت بما خرج عن الجوهر الإلهي. فالحقيقة تشتمل على ما يختص بروحانيته، كحياته وذاتيته، وعلى ما يتعلق بعدم محدوديته كوجوده بلا علة، وكوحدانيته وعدم تغيُّره، وعلى ما يتعلق بكماله المطلق كحقه ومحبته وقداسته. والنسبية تشتمل على ما يتعلق بالزمان والمكان، كسرمديته (أزليته وأبديته) وعدم تحيزه بمكان أو زمان، وعلى ما يتعلق بالخلق كالوجود في كل مكان والعلم بكل شيء، وعلى ما يتعلق بعلاقته بالأخلاقيات وبمعاملته الخلائق العاقلة كحقه وأمانته ورحمته وصلاحه وعدله وقداسته بالنظر لذلك التعلُّق.

7- ما هو التقسيم الذي اخترناه في هذا الكتاب؟

* اخترنا أن نتبع التقسيم الذي يتضمن:

أولاً- الله روح

ثانياً- إنه غير محدود، سرمدي، غير متغير:

(1) في وجوده. (2) في حكمته أو علمه. (3) في قدرته وقداسته وعدله وصلاحه وحقه. فكل هذه الصفات الإلهية يجمعها اسم الجلالة العظيم.

الله روح

8- بأي معنى استعمل العبرانيون واليونانيون كلمة «روح» وما هو أصل معناها عندهم؟

* من المبادئ الأصلية في تفسير الكتب، مقدسة كانت أو غير مقدسة، نسبة المعنى البسيط المفهوم في عصر مؤلفيها إلى ما فيها من الكلمات. فلنعرف معنى قول المسيح «إن الله روح» يجب أن نعرف معنى كلمة روح عند العبرانيين واليونانيين، وهي أصلاً الريح الهابَّة، خاصة نسمة الحياة، ثم قوة غير منظورة، ثم نفس الإنسان. ويستلزم القول «إن الله روح» أن كل ما هو جوهري للروح مما نعرفه بالشعور يجوز نسبته إلى الله.

9- ما هي القضايا التي يعلمنا إياها الشعور من جهة أرواحنا أي أنفسنا؟

* نتعلم عن الشعور من حقيقة أنفسنا وقواها ما يأتي:

(1) إن النفس جوهر ذو وجود حقيقي وثبوت وقدرة. وإدراك النفس وميولها أدلة على وجود جوهر يفتكر ويريد. والقول بإمكان حدوث أفعال كهذه بلا أصـل يُحدثها كالقول بإمكان حركة بلا متحرك وهو خطأ.

(2) يشهد الشعور بأن للنفس وجوداً مستقلاً متميزاً عن سائر الموجودات.

(3) يشهد الشعور أيضاً أن للنفس قوى مثل قوة التأمل والحس والمشيئة، فكما نتيقن أننا نفتكر ونحس ونشاء، وأن لنا قوى كهذه، نتيقن أيضاً أن هذه القوى هي صفات جوهرية لكل روح.

(4) يحقق الشعور لنا بساطة تكوين النفس، فهي ليست مركبة من أجزاء مختلفة، بل هي جوهر بسيط لا يتجزأ.

(5) يشهد الشعور أن النفس ذات، لأن الشيء الذي يفتكر ويشعر ويقصد هو ذات.

(6) يشهد أيضاً بنسبة النفس للشريعة الأخلاقية.

(7) يشهد بأن للروح قوة الشعور بذاتها.

10- ماذا يتبين من كل ما تقدم؟

* يتضمن القول إن «الله روح» معنى مفيداً لأنه يعلمنا:

(1) سلبياً: أن الله ليس مادة، ولا يجوز أن يُنسب إليه شيء من صفات المادة كالتحيُّز والتجزئة والتركيب والثقل والهيئة. وكذلك استحالة رؤية الله أو لمسه أو معرفته بإحدى الحواس الجسدية. وأنه لا يقع تحت الشروط المختصة بوجود المواد. وأنه لا يجوز أن ننسب إليه أعضاء جسدية أو شهوات. فإذا نسبها إليه الوحي فإنما ينسبها إليه لتقريب معنىً معيَّن للبشر.

(2) إيجابياً: أن الله كائن عاقل أخلاقي مختار مريد، أي ذو مشيئة، وأن له كل الصفات الذاتية.

11- ماذا نتعلم من روحانية الله؟

* (1) إن الله ذات، يشعر بوجوده، وله عقل ومشيئة.

(2) إنه جوهر بسيط غير مركب من أجزاء مختلفة، ولا يقبل التقسيم، ولا يُضاف إليه شيء، لأن غير المحدود يستحيل أن يُزاد عليه، وكذلك لا ينقص منه لأن واجب الكمال لا ينقصه شيء.

(3) إنه كائن أخلاقي، لأن من شأن كل كائن ذي عقل ومشيئة أن يكون تحت قانون الأخلاق، وهو قانون لنفسه في كل ما يختص بالشريعة الأخلاقية.

12- لماذا لا يجوز القول إن الله مثل البشر، مؤلَّف من الروح والمادة معاً؟

* لأنه لو كان هذا صحيحاً يكون الله من الكائنات المركبة. والمركب لا يكون أزلياً ولا غير متغير بل محدوداً (لاستحالة وجود المادة في كل مكان في وقت واحد) ومُدرَكاً بالحواس. والحق أنه لا يقدر أحد أن يرى جوهر الله ولا يلمسه ولا يسمعه بالحواس.

13- ما هي الأدلة على روحانية الله؟

* (1) من الكتاب المقدس الذي ينسب إلى الله صفات الروح المذكورة آنفاً، وعلى ذلك بُني تقديم العبادة والصلاة والدعاء إليه والثقة به بأنه الحافظ والمنعم والفادي. فنرى في الكتاب دائماً ما يدل على أن الله ذات لأنه تكلم مع آدم ونوح، وعقد عهداً مع إبراهيم، وخاطب موسى كما يخاطب الإنسان صاحبه. وفي تعبيره عن ذاته استعمل الضمائر، فقال «أنا الرب». وعلمنا المسيح في الصلاة الربانية أن نستعمل ألفاظاً تدل على وجود صفات الروح في الله. وفي أماكن مختلفة في الكتاب سُمي جوهر اللاهوت روحاً (يو 4: 24). وعلمنا الكتاب أن جوهر اللاهوت فوق إدراك الحواس الجسدية (كو 1: 15 و1تي 1: 17 وعب 11: 27). ومن العبارات التي تدل على روحانيته ما جاء في تث 4: 15-18 ومز 139: 7 ويو 4: 24 و2كو 3: 17).

(2) كل ما نعرفه من شأن الله، لأن طبيعته وصفاته المعلنة لنا تستلزم روحانيته من حيث أنه خالق العالم، عاقل مريد، وغير ذلك مما لا يمكن التسليم به إلا بناءً على أنه روح. ومن ذلك أيضاً كماله الذي يوجب أنه روح، لأنه لو كان مادة لكان غير كامل. وهكذا يقال في عدم محدوديته وتصرفاته وأعماله. وليس في الخليقة ما يدل على أنه مادة، على أن فيه كثيراً مما يدل على أنه روح.

الله غير محدود

 14- ما معنى قولنا «الله غير محدود»؟

* معناه أنه غير محدود في ذاته وفضائله. وعدم محدوديته في ذاته يدل على وجوده في كل مكان في وقت واحد دائماً، ليس لأن روحه صار أرواحاً عديدة لأنه دائماً واحد، ولا لأن روحه متسع أو متمدد في كل مكان كالهواء الممتد على وجه كل الأرض، لأن روح الله ليس مركباً أو مؤلفاً من أجزاء يمكن امتدادها. بل المعنى أن كل اللاهوت في جوهره الواحد غير قابل للانقسام، حاضر في كل مكان في كل دقيقة منذ الأزل وإلى الأبد. وإذا اعترض أن ذلك فوق العقل البشري، قلنا: نعم، وسببه أن العقل البشري المحدود عاجز عن إدراك الله غير المحدود. أما عدم محدودية الله في فضائله فيدل على أن فضائله كاملة لا يعتريها النقص أبداً.

15- ما هو اعتراض البعض على عدم محدودية الله، وما هو الرد عليهم؟

* قالوا إن الجسم غير المحدود ينبغي أن يعم كل ما سواه من الأجسام، وإن المكان غير المحدود يجب أن يعم كل الأماكن، وإن الزمان غير المحدود ينبغي أن يتضمن كل الأزمنة. وهكذا الكائن غير المحدود ينبغي أن يعم ويتضمن في نفسه كل الكائنات، سواء وُجدت أم كانت مما يحتمل وجوده. ولذلك أنكروا عدم محدودية الله.

فنجيب: إن الروح غير المحدود لا يلزم أن يعم كل الموجودات، لأن المادة لا تمنع ولا تحدِّد وجود الروح. ومن خواص الروح غير المحدود أنه لا يمنع وجود أرواح أخرى ولا وجود المواد، كما أن الصلاح غير المحدود لا يمنع وجود صلاح سواه، وكذلك القوة غير المحدودة. بل يمكن وجود روح غير محدود قي فضائله وفي ذاته مع وجود أرواح أخرى عديدة سواه، كما يمكن لعدة أشخاص أن يفتكروا أو يتأملوا أو يقصدوا أو يشعروا في مكان واحد في زمان واحد. ولابد من وجود الله معهم روحياً، ولذلك نقول إن وجود الله في مكان لا يمنع وجود كائنات أخرى روحية في ذلك المكان، لأن ما يصدق على الأصنام في هذا الشأن لا يصدق على الأرواح، لأن صفة الروح غير صفة المادة، بدليل أن لجئوناً من الشياطين سكنوا في إنسان واحد في وقت واحد. ويمتنع أن يُقال في شأن الروح غير المحدود إنه في مكان بمعنى أنه كالمتحيز بالنسبة إلى الحيز، فهو رب المكان ومنزَّه ومستقل عنه، ولا علاقة له به، لأنه قبل أن خلق المتحيزات لم يكن من داعٍ لوجود ما نسميه حيزأ أو مكاناً أو فضاءً. والخلاصة إن المكان أمر اعتباري، وإن الله في كل مكان بلا حصر ولا إحاطة.

16- كيف تُقسم عدم محدودية الله باعتبار المكان عند اللاهوتيين؟

* تُقسم إلى وجوده في كل ما نسميه مكاناً، ووجوده في كل خلائقه. فالأول يشير إلى علاقته بالمكان المطلق غير المحدود. والثاني يشير لعلاقته بخلائقه العاقلة. فالوجود في كل مكان ينسب إليه بالنظر لطبيعته الإلهية، والوجود مع كل خلائقه يُنسب إليه باعتبار علاقته بالمخلوقات العاقلة، لأنه موجود مع كل خلائقه في كل زمان ومكان بجوهره التام لا بمجرد صفاته فقط كعلمه وقوته، وإلا كان جوهره محدوداً. فتعليم البعض أن الله موجود بجوهره في السماء فقط، وفي بقية الأماكن بمجرد صفاته يناقض كمال اللاهوت والتعليم الإلهي.

17- ما معنى حضور الله الخاص وحضوره العام، أي أنه في كل مكان في وقتٍ واحد، وفي كل الأوقات؟

* يراد بحضور الله الخاص حضوره جوهراً وعلماً، إما بإظهار ذاته إظهاراً خاصاً لأحد خلائقه العاقلة، أو بإجراء قوته في أعمال خاصة. والمقصود بحضوره العام (أي أنه في كل مكان في وقتٍ واحد وفي كل الأوقات) هو أن الجوهر الإلهي موجود دائماً أبداً في كل ما نسميه مكاناً. أما من جهة حضوره باعتبار إظهار ذاته إظهاراً خاصاً، أو إجراء قوته بعمل خاص، فذلك يختلف زماناً ومكاناً، لأنه يُظهِر قوة عجيبة في زمانٍ ومكانٍ لا يُظهرها في غيرهما. وهو بهذا المعنى يحضر في كنيسته دون العالم، ويحضر في مكان معلوم لعقاب الشياطين والأشرار بأسلوب يختلف عن حضوره في السماء حيث يُظهر محبته ومجده. فإن قيل إن الكتاب المقدس يتكلم عن الله كأنه حاضر في أماكن دون غيرها مثل الهيكل، أو قلب المؤمن، قلنا إن هذا لا يناقض وجوده في كل مكان دائماً باعتبار جوهره، لأن الكتاب يقصد حضوره الخاص في أماكن مختلفة ليُجري قوته وعمله ومجده لا بمجرد جوهره.

18- كيف يختلف حضور الله في كل مكان عن حضور المواد والأرواح؟

* حضور المواد يعني أنها تشمل مقداراً محدوداً من الفراغ، وحضور الأرواح المخلوقة يعني أنها توجد في وقت مفروض في محل معلوم ولا تكون في غيره ولا تشغله، كالمادة. وحضور الله في كل مكان يعني حضوره العام في الكون حتى لا يوجد مكان لا يكون فيه في كل زمان بجوهره غير المتجزئ. ولا نعني بذلك أن يمتد أو يتسع ليملأ كل مكان، بل أنه يملأ كل مكان بدون تغيير في جوهره، لأن قبول الامتداد يلزم عنه قبول التجزيء، والقول إن جزءاً من الله في مكان وجزءاً آخر في مكان آخر باطلٌ لا يصح في الله الذي يملأ الكون بوجوده.

19- ما هي الأدلة التي تثبت أن الله موجود في كل مكان؟

* الدليل العظيم لهذا هو عبارات الكتاب المقدس التي تبين وجوده في كل مكان، فهو «الذي يملأ الكل في الكل» (أف1: 23). والله يسأل «ألعلي إلهٌ من قريب، يقول الرب، ولست إلهاً من بعيد؟ إذا اختبأ إنسان في أماكن مستترة، أفما أراه أنا يقول الرب؟ أَمَا أملأ أنا السماوات والأرض يقول الرب!» (إر 23: 23، 24). ويقول المرنم «أين أذهب من روحك، ومن وجهك أين أهرب؟ إن صعدتُ إلى السماوات فأنت هناك، وإن فرشتُ في الهاوية فها أنت. إن أخذتُ جناحي الصبح وسكنتُ في أقاصي البحر فهناك أيضاً تهديني» (مز 139: 8-12 انظر 1مل 8: 27 وإش 66: 1).

وما يشهد به الكتاب المقدس من جهة وجود الله في كل مكان يصـدقه العقل البشري أيضاً، وهو نتيجة طبيعية لكمال صفات الله.

20- ما هي خلاصة تعليم الكتاب في الله وعلاقته بالمخلوقات؟

* خلاصة تعليمه أن الله روح غير منظور، ساكن في نور لا يقدر أحد أن يدنو منه، كلي الجلال والمجد، خالق كل الأشياء وحافظها ومعتنٍ بها. وبحضوره في كل مكان يحيي وينظم ويؤثر في نمو أصغر النبات كما في قيادة نجوم السماء في دورانها، داعياً كلها بأسماء. وفعله ظاهر أيضاً في نفس الإنسان إذ يهبها عقلاً ويعمل فيها لتريد وتعمل، لأن قلب الإنسان في يديه كجداول مياه حيثما شاء يُميله (أم21: 1). وهو يرتب الأمور ويدبرها بعنايته لإتمام مقاصده الحكيمة، وهو يحيط بنا دائماً ونحن محفوظون به.

 

الله سرمدي (أزلي أبدي)

21- ما هو الزمان، وما هي علاقته بالأزلية والأبدية؟

* الزمان هو الدوام الذي نقيسه بتوالي الحوادث. والحادثة المشهورة المعينة لذلك هي دوران الأرض اليومي. ويُقسم الزمان باعتبار نظرنا إليه كماضٍ وحاضر ومستقبل. وهو أمرٌ اعتباري أو نسبي، أي عبارة عن النسبة بين الحوادث المتصلة المتوالية باعتبار تواليها. وهو مختص بالمخلوق دون الخالق، ونسبته إلى الأزلية والأبدية هي كنسبة شيء محدود لشيء غير محدود. فالزمان جزء من المدة غير المحدودة، محدود ببدايته وبنهايته، ويتميز عن الأزلية والأبدية بتتابع الحوادث فيه، ونحن نميز مروره من ذلك التتابع. على أن حياة الله لا علاقة لها بالزمان، فمن خواص الزمان التوالي والله منزه عنه. إلا أنه يتنازل لتمييز التتابع الزمني في ما يتعلق بحياة المخلوقات.

22- ما هو المقصود بسرمدية الله؟

* المقصود بها أن الله دائم غير محدود بزمان، كما هو غير محدود بمكان. ولا يُقاس دوامه بتوالي الحوادث، لأنه سرمدي، ليس له بداية ولا نهاية. وهو لا ينظر للزمان إلا بالنسبة لخلائقه. وهو منزه عن الزمان تنزُّهه عن المكان. وهو في كل زمان كما هو في كل مكان، ولا فرق عنده بين الماضي والحاضر والمستقبل، فكل الأزمنة بالنسبة إليه كالحاضر بالنسبة لنا. ولكنه يعلم الزمان كأمر مختص بالخليقة المحدودة التي لا بد فيها من توالي الحوادث.

23- ما هي نصوص الكتاب المقدس عن سرمدية الله؟

* منها قول المرنم «مِن قَبل أن تُولد الجبالُ أو أبدأتَ الأرض والمسكونة، منذ الأزل إلى الأبد أنت الله.. لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمسٍ بعد ما عبر، وكهزيعٍ من الليل» (مز 90: 2، 4). وقوله «من قِدَمٍ أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك. هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى. كرداءٍ تغيرهن فتتغير. وأنت هو، وسنوك لن تنتهي» (مز102: 25-27). وقد سُمي الله في الكتاب المقدس «الإله الأزلي السرمدي، الذي له وحده عدم الموت» (إش 57: 15 و44: 6 و2بط 3: 8 وعب 13: 8 ورؤ 1: 4).

فنرى من هذه العبارات وأمثالها أن الله بدون بداية ولا نهاية، كائن الآن وكان منذ الأزل ويكون إلى الأبد. والماضي والحاضر والمستقبل دائماً أمامه. ويتفق العقل والكتاب المقدس في ذلك، لأن العقل يحكم بوجوب علة العلل، ومتى وصل إليه التزم بالتسليم أنه واجب الوجود، وأن العلة التي ليس لها علة ينبغي أن تكون أزلية، لأن العلة الأصلية من الوجه الواحد ليست معلولة من علة غيرها، ومن الوجه الآخر غير قابلة للملاشاة، لأن ما ليس له بداية ليس له نهاية.

24- كيف تبرهن أن الماضي والمستقبل هما حاضر عند الله؟

* يصعب على العقل البشري أن يدرك كيف أن الماضي والحاضر والمستقبل أمام الله كوقت واحد. فإن كان الكلام في ذلك من جهة الحوادث كان المعنى أن أوائلها وأواخرها وأسبابها ونتائجها حاضرة أمامه معاً. فكما أن الإنسان الذي ينظر من طائرة يرى قافلة كبيرة من أولها لآخرها في لحظة واحدة، مع أن غيره وهو يسير على الأرض لا يرى إلا ما يمر عليه منها، ويحسب بعضها قد مضى عنه وبعضها صار أمامه، وبعضها سوف يمر عليه.. هكذا يرى الله كل شيء من فوق، فيرى سلسلة الحوادث الزمنية جميعها حاضرة أمامه معاً. وما يراه البشر في كل أيام حياتهم يراه الله في سمو علمه بلا زمان. فإذا سأل سائل: هل تتوالى أفكار الله؟ أجبنا: وإن ظهرت لنا نتائج أفكار الله متتابعة تتابعاً زمنياً، إلا أننا لا ننسب إليها ذلك. لكن يجوز أن نقول إن الله عالم بالحوادث مع تواليها بعضها ببعض (مز 90: 4 و2بط 3: 8).

 

الله غير متغيِّر

25- ما معنى أن الله لا يتغير؟

* يقترن عدم تغير الله بأنه غير محدود وأنه سرمدي، حتى أن نفس الكلام الذي يستعمله الكتاب المقدس لتثبيت عدم محدوديته وتثبيت سرمديته يبرهن أيضاً عدم تغيُّره. والمقصود بعدم تغير الله أنه منزه عن كل تغيير وكل إمكان تغيير، لأنه غير محدود ومستقل وواجب الوجود، ولا شيء خارج عنه يقدر أن يؤثر فيه. كذلك لا شيء داخله يميل إلى التغير. وهو غير قابل للتغيير في جوهره وفي صفاته، فلا يزيد ولا ينقص، ولا يكون علمه في وقت ما أكثر أو أقل مما هو في وقت آخر، ولا يكون أكثر قوة أو حكمة أو قداسة أو عدلاً أو رحمة، ولا أقل مما هو. وكذلك هو غير متغير في مقاصده لأن حكمته غير محدودة، فهو لا يخطئ في آرائه السابقة العلم حتى يحتاج أن يصححها بعد ذلك (يع 1: 17). وبما أن قوته غير محدودة لا يمكن أن يمنعه مانع عن إتمام مقاصده.

26- ما هي الأدلة على عدم تغير الله؟

* عندنا أدلة كتابية وأدلة عقلية، فالكتابية تقول «ليس عنده تغيير ولا ظل دوران» (يع 1: 17). وقوله «ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول لا ويفعل، أو يتكلم ولا يفي؟» (عد 23: 19). وقوله «لأني أنا الرب لا أتغير» (ملا3: 6). «أما مؤامرة الرب فإلى الأبد تثبت. أفكار قلبه إلى دور فدور» (مز 33: 11). وقوله «في قلب الإنسان أفكار كثيرة، لكن مشورة الرب هي تثبت» (أم 19: 21). وقوله «قد حلف رب الجنود قائلاً: إنه كما قصدتُ يصير، وكما نويتُ يثبت» (إش 14: 24). وقوله «اذكروا الأوَّليات منذ القديم لأني أنا الله وليس آخر. الإله وليس مثلي. مخبر منذ البدء بالأخير ومنذ القديم بما لم يُفعل، قائلاً: رأيي يقوم وأفعل كل مسرتي» (إش 46: 9، 10).

وأما الأدلة العقلية فهي أن الله مستقل بنفسه، فكما أنه غير معلول بل هو علَّة كل المخلوقات، لا يغيره أحد، بل هو يغير الكل. وهو غير محدود في علمه وحكمته وبره وصلاحه وقوته، لأن غير المحدود لا يقبل الزيادة ولا النقصان، فهو لا يقبل التغير. وهو غير محدود زماناً ومكاناً، سرمدي، ولذلك لا يطرأ التغيير على جوهره.

27- كيف نفسر آيات الكتاب المقدس التي تنسب الندامة لله؟

* نفسرها كما نفسر الآيات التي تقول إنه يركب على أجنحة الرياح، وإنه ينزل من السماء ويسير في الأرض. ففي كل هذه التعبيرات يتنازل الله ليكلّم البشر بلغة تناسب عقولهم، فيستخدم الكناية والمجاز.

28- كيف توفق بين عدم تغير الله وأعماله العظيمة التي عملها، مثل خلق العالم وتجسد المسيح؟

* لا يدل خَلْق العالم على تغير في جوهر الله أو في مقاصـده، لأنه قصد منذ الأزل أن يقوم بعمل الخلق، وفي الوقت المعين تمم قصده. وفي خلقه العالم لم يأخذ شيئاً من ذاته بل خلقه من لا شيء، بمجرد أمره. والتجسد أيضاً يوافق قصد الله منذ الأزل. ولا شك أن جوهر الابن الإلهي لم يتغير في الاتحاد بالطبيعة الإنسانية، بل دخل في علاقة جديدة بجنسنا البشري. وكل تغير في المسيح في حياته على الأرض كان خاصاً بناسوته فقط.

وما سبق أن درسناه من عدم محدودية الله، وسرمديته (لا بداية له ولا نهاية) وعدم تغيُّره يصدق على طبيعة الله كما يصدق على مقاصده وصفاته، فهو في ذاته وكل كمالاته بلا حد ولا تغير منذ الأزل وإلى الأبد.

 

الله عالِمٌ بكل شيء

29- ما هو العلم في علاقته بعقل الإنسان؟

* العلم هو حصول العقل على الحقائق. ويستلزم العلم وجود العقل الذي يدرك والحقيقة التي يدركها. وعلم الإنسان إما ضروري أو اكتسابي. فحواسنا تعلمنا بما يعرض عليها من الأجسام الخارجة عنها، ويعرف عقلنا الحقائق العقلية ويميزها، وتعلمنا طبيعتنا الأخلاقية أن نميز الحلال من الحرام، ويقدِّرنا الذوق العقلي على تمييز الجميل من القبيح. ويجيئنا أكثر علمنا من الخارج بالتعليم والاختبار والمقارنة وغيرهما.

30- هل أنكر أحدٌ علم الله، وما هو الرد عليه؟

* توهَّم البعض أن الله بسبب عظيم سموه وارتفاع شأنه لا يعلم أمور العالم بالتفصيل، وأنه لا يمكن للعقل (ولو كان غير محدود) أن يدرك كل تغيرات الكون الواسع. وخُدع بعض الفلاسفة فأنكروا إمكان علم الله، لأن ذلك لا يوافق فلسفتهم.

والرد على ذلك: أنه يجب علينا أن نتبع تعليم الكتاب المقدس في كل ما نعتقده من جهة طبيعة الله، لا أهواءنا وتصوراتنا الفلسفية. ويعلمنا الكتاب أن الله يعلم التفصيلات والكليات «ليست خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا» (عب4: 13). «الظلمة أيضاً لا تظلم لديك، والليل مثل النهار يضيء. كالظلمة هكذا النور» (مز 139: 12 وانظر أيضاً مز 94: 9 و139: 1، 2 و147: 5 وأم 15: 3، 11 وحز 11: 5 وأع 15: 18 ومت 10: 30). وتبيِّن هذه الآيات أن علم الله يشمل كل شيء، وأن العلم أيضاً ذاتي فيه، وهو لا يحتاج إلى نظرٍ واكتساب، وأنه غير متغير أي لا يزيد ولا ينقص، وأنه يعلم كل الأشياء كما هي.

وعلم الله غير المحدود ينتج من أنه صاحب الكمال المطلق، فإن الكامل لا يخفى عنه شيء، ولا يمكن أن يزيد علماً، وإلا لم يكن كاملاً قبل ذلك. ولا يمكن أن ينقص علماً وإلا فلا يكون كاملاً بعد ذلك. وينتج أيضاً علم الله غير المحدود من حضوره في كل مكان، لأن من يملأ السماوات والأرض، ويرى كل الحوادث. ولولا وجود الله في كل مكان وعلمه بكل شيء لكانت صلواتنا وعبادتنا له بلا قيمة، فإننا نصلي لإلهٍ نثق أنه يعلم أحوالنا وحاجتنا ويسمع تضرعاتنا، وأنه يدين العالم أخيراً بالعدل. ولو لم يكن علم الله شاملاً لامتنع ذلك عليه.

31- بماذا يمتاز علم الله عن علم الإنسان؟

* يمتاز من وجوه كثيرة، نذكر منها خمسة:

(1) علمه ذاتي، لا مُكتسب ولا محصَّلٌ بالبحث والتفتيش.

(2) علمه مستقل لا يتوقف على المخلوقات ولا على أعمالها، لأن الله يعلم منذ الأزل كل ما سيحدث.

(3) علمه يشمل كل الأمور في وقت واحد، فهو لم يعلم كل الحوادث والأشياء على التتابع، بل كانت جميعها في ذهنه منذ الأزل، سواء كانت نسبة بعضها إلى بعض نسبة التتابع أو نسبة العلة إلى المعلول.

(4) علمه كلي يحيط بصفات الأشياء وجوهرها، فلا يقتصر على الأشياء الخارجية من الصفات والظواهر كعلم الإنسان.

(5) علمه غير محدود وغير مقيد، فهو يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، ويرى كل شي، معاً، خلافاً للإنسان الذي يعرف الحاضر معرفة غير كاملة، ويعرف الماضي معرفة أقل، ولا يعرف المستقبل مطلقاً.

32- كم عدد أقسام مواضيع علم الله؟

* ثلاثة أقسام:

(1) علم الله ذاته أنه السرمدي، وذو الصفات الكاملة غير المحدودة.

(2) علمه الشامل بكل ما يمكن أن يحدث، سواء حدث أم لم يحدث أم لن يحدث، فعلمه ليس محدوداً بما صار أو سيصير فعلاً، بل يشمل كل ما يمكن أن يصير.

(3) علمه السابق منذ الأزل بكل ما يحدث بالفعل.

33- ما هو رأي اللاهوتيين في علم الله الشامل؟

* عبَّر اللاهوتيون عن هذا القسم بالعلم العقلي المحض، أي أنه قائم في العقل الإلهي قياماً مطلقاً، ناشئاً عن شعور الله الكامل بقوته غير المحدودة.

34- ما هو رأي اللاهوتيين في علم الله السابق؟

* عبر اللاهوتيون عن هذا القسم بالعلم البصري، أي أنه يقوم بأن الله يبصر كل ما حدث أو سيحدث بالفعل بتدبيره أو بسماح منه. وأصل هذا علم الله الكامل بجميع مقاصده. وسمي أيضاً «بديهياً» تمييزاً له عن المكتسب، و«دفعياً» تمييزاً له عن التدريجي، و«واضحاً» تمييزاً له عن المبهم، و«حقيقياً» أي وفق الواقع تمييزاً له عن الوهم والظن، و«أزلياً» تمييزاً له عن الحادث، و«أبدياً» تمييزاً له عن المتناهي.

35- برهن أن علم الله يعمُّ ما يتوقف حدوثه على حدوث أمور أخرى في المستقبل، أو على أسبابٍ خفية عنا.

* من هذا النوع ما يتوقف حدوثه على أسباب مستقلة عن إرادة البشر، ومنه ما يتوقف على فعل الإرادة البشرية. والله يعلم كليهما قبل الحدوث لأن كل الأسباب معلومة عنده بدليل ما يأتي:

(1) أقوال الكتاب المقدس (قارن 1صم 23: 11، 12 وإش 46: 9، 10 وأع 2: 23 و15: 18).

(2) النبوات التي توقف إتمامها على حوادث أخرى وقد تمت بالفعل (مر 14: 30).

(3) كمال الله وعدم محدوديته في صفاته يستلزمان أن معرفته تشمل كل الحوادث وأسبابها.

36- هل يعلم الله أعمال الناس الاختيارية بالعلم السابق؟

* نعم. ويؤكد لنا الكتاب المقدس أن الله يعلمها قبل حدوثها. فإن معرفة الأمور المستقبلة في أعمال الناس الاختيارية تستلزم أن الله يعلمها، لأنه لو لم يعلم ما يفعله ذوو الاختيار لكان علمه محدوداً، يزيد علماً على الدوام. وهذا باطل! ولكانت سياسته للعالم غير ثابتة لأنها تتوقف على أفعال الناس التي لا يعلمها هو. وهذا محال أيضاً! فالله يعلم مقدَّماً أفعال خلائقه الاختيارية.

وقد أنكر البعض علم الله السابق، وهم السوسينيون وقسم من الأرمنيين (انظر ما قيل فيهما فصـل 7 س 10، 11) بحجة أن علم الله السابق يناقض اختيار الإنسان الأخلاقي. ولكن مبدأهم هذا خاطئ لإمكان حدوث أمر سبق القضاء به، مع بقاء فاعله مخيَّراً، بدليل قداسة أفعال المسيح وهو فاعل مخيّر، وقداسة القديسين في السماء مع أنهم فعلةٌ مخيَّرون (مز 139: 2 وإش 41: 21-23 و44: 28 ومت 11: 21 وأع 2: 32).

37- كيف نوفِّق بين علم الله السابق المؤكد لكل ما يحدث واختيار البشر؟

* في هذا صـعوبة، وعند اللاهوتيين آراء مختلفة لإزالتها، فأنكر بعضهم أن الإنسان مخيَّر، وقال غيرهم إن الله استحسن أن يفرغ نفسه من معرفة أعمال خلائقه الاختيارية برضاه. والفريقان مخطئان. والذي نراه في هذه المسألة هو:

(1) لما كان علم الله السابق لكل ما يحدث مؤكداً، وكذلك حرية اختيار الإنسان الكاملة، وجب أن نسلم بهما، حتى لو عجزنا عن التوفيق بينهما.

(2) التأكيد السابق في علم الله من جهة أفعال الفاعل الحر لا ينزع ضرورة حريته، ما لم يكن مضطراً أن يفعل على خلاف إرادته، وذلك للفرق بين الاضطرار والاختيار.

(3) علم الله السابق لأعمال الناس الاختيارية من خواص اللاهوت، وهو إما نتيجة معرفة كل الأسباب أو المحركات التي تنشئها مع اختيار العامل، وإما أنه علم بديهي في الله يفوق اختيار البشر. والخلاصة أنه مهما كان التوضيح صعباً، فلا بد من سبق معرفة الله لأعمال البشر المخيرين، فليس عند الله أمر مُبهم أو خفي وغير محقق لسبب من الأسباب. وعلمه لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم بعضه على بعض. وبهذا يميز سابق العلم، فعلمه واحدٌ أبداً، لأن كل الأشياء معلومة لديه معاً تمام العلم منذ الأزل وإلى الأبد.

38- ما هي العلاقة بين حكمة الله وعلمه؟

* للحكمة علاقة قوية بالعلم، وهي تظهر باختيار الأهداف الصالحة، وإعداد الوسائل المناسبة لبلوغ تلك الأهداف. فالعلم هو إدراك حقائق الأمور وعلاقاتها المتنوعة. والحكمة هي استخدام العلم أحسن استخدام لأغراض حسنة. وفي كل أعمال الله تظهر علامات الأغراض الحسنة، فهي براهين حكمته التي تُظهر صلاح الوسائط التي يستخدمها لإتمام الخير الأعظم لخليقته وإعلان مجده. وحكمة الله سرمدية غير محدودة. وفي تاريخ العالم وأعمال الخليقة (خاصة عمل الفداء والعناية) براهين كثيرة واضحة عليها. ويبرهن الكتاب المقدس حكمة الله بتسميته «الإله الحكيم وحده» (1تي 1: 17). و«الإله الحكيم الوحيد» (آية 25). ويقول المرنم «ما أعظم أعمالك يا رب. كلها بحكمة صنعتَ. ملآنة الأرض من غناك» (مز 104: 24). وقال الرسول بولس عندما تأمل عمل الفداء «يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء» (رو11: 23).

 

الله ذو مشيئة

39- ما المقصود بمشيئة الله؟

* مشيئة الله هي القوة التي بها يختار ما يفعله. ويبيِّن الكتاب المقدس أن قضاء الله ومقاصـده ومشورته وأوامره كلها صادرة عن مشيئته. والمشيئة صفة جوهرية لكل كائن روحي، وشرط ضروري لوجود الشخصية. فإذا أنكرنا مشيئة الله أَهَنّا شأنه، لأننا بذلك نجعله أدنى من خلائقه. وهذه المشيئة حرة، لأن كل أعمال الله من الخلق والعناية وإتمام المواعيد ليست اضطرارية بل اختيارية، ناشئة عن مشيئته.

40- بماذا تتميز مشيئة الله في قضائه عن مشيئته في أوامره؟

* قضاء الله هو ما يشاء أن يعمله وما يقصد أن يجريه في المستقبل، وأوامره هي ما يشاء أن تعمله خلائقه العاقلة. ولا تناقض بين هذين الأمرين، لأن الله لا يقضي أن يفعل شيئاً أو يُلزم خلائقه بفعله وهو قد نهاهم عنه. ولكنه قضى بأن لا يجبرهم أن يمتنعوا عن ارتكاب ما نهاهم عن فعله، وهو لا يمنع الناس عن فعل الخطية مع أنه نهى عنها، لأنه أعطى البشر حرية الإرادة.

وتتميز أيضاً مشيئة الله السرية (التي هي مقاصده المكتومة عنده) عن مشيئته المعلَنة (التي هي أوامره وما أظهره من مقاصده لخلائقه).

41- بأي معنى يجوز التمييز بين مشيئة الله المطلقة ومشيئته المقيَّدة؟

* لا يليق هذا التمييز من جهة قصد الله، لأنه مطلق، بل من جهة حوادث داخلة ضمن دائرة مقاصده، لأن من الحوادث ما هو مقيَّد (أي يتوقَّف حدوثه على حدوث شيء آخر). ولكن قصد الله يشمل كليهما، وهو مطلق لا يتغير. مثلاً: الإنسان يحصد إذا زرع، ويخلُص إذا آمن. فالحصاد يتوقف على الزرع، والخلاص يتوقف على الإيمان. وأما قصد الله فمطلق ويشمل الزرع والإيمان، وما ينشأ عنهما.

وقال البعض إن مقاصد الله مقيدة أيضاً، فإنه يقصد خلاص الإنسان إذا آمن. ولذلك يتوقف قصده على إيمان الشخص، وقد ترك الله إيمان الإنسان بلا قضاء. ولكن هذا القول لا يليق بشأن الله، لأنه يجعل إتمام مقاصده الإلهية متوقفاً على أفعال الناس التي لم يتحقق حدوثها! وسيأتي الكلام على هذا في البحث عن قضاء الله (فصل 16). ويكفي أن يقال إن كلمة «مشيئة» تُستعمل في الكتاب المقدس بمعنيين: (أ) ما يريده الله (ب) ما يقصده. فمتى قيل إن الله يشاء أن كل الناس يخلصون، فليس المعنى أنه قضى بخلاص الجميع، بل أنه يرغب في ذلك. فلأنه شفوق يشاء خلاص الجميع، ولأنه عادل لا يشاء خلاص غير التائب.

42- هل مشيئة الله هي سبب التمييز بين الحلال والحرام، أم أن لهما سبب غير مشيئته؟

* لابد من تمييز أزلي بين الحلال والحرام لا نبنيه على أمر أو نهي من الله، بل على طبيعته. ولما كان الإنسان عاجزاً من ذاته أن يميز بين الحلال والحرام دائماً تمييزاً صحيحاً، أعلن الله له قانوناً بذلك. ويكفينا أن الله يأمرنا بشيء لنكون مكلَّفين بعمله أو ينهانا عن شيء لنجتنبه. وفي كل الأمور تلزمنا مشيئته، وهي التي تقضي لنا بالحلال والحرام، سواء كانت هكذا في ذاتها أو لأن الله يأمرنا بها. وهذه المشيئة هي إظهار ما في الله من الكمال الأخلاقي غير المحدود. فإذاً مشيئة الله الكاملة هي قانون التمييز بين الحلال والحرام للبشر وأصل واجباتهم. (انظر سبب التكليف الأخلاقي فصل 28 س 8، 9 وفصل 44  س 1، 2).

 

الله قادر

43- كيف نعرف القوة، وما هي حدود قوة الإنسان؟

* نعرف القوة من شعورنا بأننا نقدر أن نفعل بعض الأفعال. وتنحصر قوة الإنسان في دائرة ضيقة، فهو يقدر أن يغير مجرى تفكيره ويوجِّهه إلى موضوع خاص، ويقدر أن يحرك بعض أعضاء جسده، وهذا حد قوته الذاتية. ومن هذا المقدار الصغير من القوة صدرت كل العلوم البشرية والاختراعات المتنوعة. غير أن هذه القدرة ليست خاضعة لمجرد مشيئة الإنسان وحدها، لأنها لن تؤلف كتاباً ولن تبني بيتاً، فالإنسان يحتاج إلى استخدام وسائط، مثل المواد الطبيعية.

44- كيف نتوصل من الشعور بقوتنا المحدودة لمعرفة قوة الله غير المحدودة؟

* يكتشف الإنسان أن هناك الكثير الذي يحد قوته، فيتجه عقله إلى قوة الله غير المحدودة، فنحن نقدر على قليل، والله يقدر على كل ما يشاء. ونحن نفتقر لاستعمال وسائط في إتمام غاياتنا إلا في بعض الأمور الجزئية، والله غني عنها. وهو يشاء، فيصير كما يشاء. قال «ليكن نور» فكان النور، وبمجرد مشيئته خلق مواد الكون الأصلية من لا شيء. وطوعاً لمشيئة المسيح سكنت الرياح وصار هدوء عظيم، وبمشيئته وحدها شفى المرضى وفتح أعين العميان وأقام الموتى.

45- ما أهم آيات الكتاب التي تنسب إلى الله القوة غير المحدودة؟

* قوله «أنا الإله القدير» (تك 17: 1). وقال إرميا «إنك صنعت السماوات والأرض بقوتك العظيمة وبذراعك الممدودة. لا يعسر عليك شيء» (إر 32: 17). وقال المسيح «عند الله كل شيء مستطاع» (مت 19: 26). وقال المرنم «إن إلهنا في السماء. كل ما شاء صـنع» (مز 115: 3). «كل ما شاء الرب صنع في السماوات وفي الأرض، في البحار وفي كل اللجج» (مز 135: 6). والله في الكتاب المقدس على الدوام موضوع تسبيحاتنا ومركز ثقتنا لأنه يملك ويفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض.

46- هل يلزم عن عدم محدودية قوة الله أنه يقدر أن يفعل المستحيل؟

* فسر بعض الفلاسفة القوة المطلقة بأنها قوة لا تُحد مطلقاً حتى بالمستحيلات، وأنها غير خاضعة للعقل ولا للشرائع الأخلاقية. وبحسب هذا التعليم يقدر الله أن يعمل المستحيلات والرذائل، حتى أنهم قالوا إنه يقدر أن يعدم حياته.

فنجيب: لاشك أن الله قادر على ما هو مستحيل على قدرة البشر أو الملائكة، ولكن لا يلزم عن ذلك أنه يقدر على عمل ما هو مستحيل له، فلا بد أن نأخذ ذات الله في الاعتبار، فلا يحد القوة الإلهية شيء، ولكنه لا يفعل ما يخالف طبيعته الصالحة، ولا يحد صلاحه غير المحدود شيء، لكنه لا يقدر أن يفعل الحرام. فالذي ينسب لله القدرة على عمل الشر يهينه ولا يرفع شأنه. وقولنا إن قدرة الله غير محدودة لأنه يقدر أن يفعل كل ما يشاء لا يستلزم أنه يشاء عمل الشر، أو أن مشيئته تخالف طبيعته الأخلاقية. ولا يحط من شأن قدرته إذا كانت محدودة بالكمال الأخلاقي.

47- ماذا يقصد بعض اللاهوتيين بالقوة المطلقة؟

* سمى بعض اللاهوتيين القوة التي يظهرها الله في عمله «أعمالاً بدون وسائط مطلقة» تمييزاً لها عن القوة الظاهرة في استعماله الوسائط. ونسبوا إلى القوة المطلقة الخليقة والعجائب والوحي وتجديد القلب، ونسبوا إلى غير المطلقة أفعال العناية الإلهية. وهذا التمييز بالمعنى المذكور صحيح.

48- هل تدبر قوة الله أعمال البشر الاختيارية؟

* يعلمنا الكتاب المقدس أن سلطان الله يَجري على الفاعل المختار، وأنه قادر على سياسة أعمال الإنسان وإرشاده كما يشاء بدون معارضة لاختياره (دا 4: 35 وأم 21: 1 ومز 76: 10 وفي 2: 13 ورو 9: 19 وأف 1: 11). ويتبين ذلك أيضاً من النبوات، لأنه لو لم يكن الله قادراً على إجراء ما يلزم لإتمامها، والإنسان مخيَّر، لما نطق بها (انظر تاريخ فرعون خر 4: 21 و6: 1 وتاريخ يوسف تك 37-41 وتاريخ ملك أشور إش 10: 5-7 وتاريخ كورش إش 45: 1 وتاريخ يهوذا أع 2: 23). وللبشر شيء من تلك القوة، لأنهم يقدرون أن يقنعوا غيرهم ويرشدوهم دون معارضة لاختيارهم. فكم بالحري يقدر الله على ذلك!

 

الله قدوس

49- ما معنى القداسة في الكتاب المقدس، وما معنى قداسة الله؟

* إذا كان الموصوف بالقداسة مكاناً أو زماناً أو إرادة أو شيئاً آخر من المواد كالزيت واللحم والمذبح، كان المقصود بها تخصيص ذلك الموصوف لخدمة الله وإفرازه لتلك الخدمة. وإذا كان الموصوف بالقداسة خلائق عاقلة كالكهنة والأنبياء وشعب الله دلت على الإفراز والتخصيص، ودلَّت أيضاً بالضرورة على الكمال الأخلاقي فيهم، لأنهم عاقلون. وإذا وُصف الله بالقداسة كان المقصود طهارته الأخلاقية الروحية وخلوّه التام من كل ما ينافي القداسة في الفكر والفعل.

وقد تُطلق القداسة على مجده الأخلاقي كما هو ظاهر في جميع صفاته الكاملة (مز 22: 3 و98: 1 وإش 6: 3 ورؤ 4: 8).

وبناءً على ذلك نقول إن المقصود بقداسة الله كمالاته الأخلاقية وطهارته وخلوه التام من كل نقص أخلاقي. «ليس قدوس مثل الرب» (1صم 2:2) أي ليس أحد طاهراً بالتمام وغير محدود في كماله الأخلاقي إلا الله. وكثيراً ما سُمي الله «قدوساً» ووُصف بالقداسة، فقيل «علّوا الرب إلهنا واسجدوا في جبل قدسه، لأن الرب إلهنا قدوس» (مز 99: 9). «من لا يخافك يا رب ويمجد اسمك، لأنك وحدك قدوس» (رؤ 15: 4). وقداسة الله غير المحدودة هي الصفة التي يُبنى عليها إكرامه بنوع يفوق ما يُبنى ذلك الإكرام على قدرته وعلمه، حتى أن كلمة «قدوس» تُستعمل أحياناً بمعنى صاحب الكرامة. والملائكة الذين يهتفون نهاراً وليلاً قائلين: «قدوس قدوس قدوس رب الجنود» يعبِّرون بذلك عن إحساسات كل خلائق الله العاقلة غير الساقطة، وينظرون إلى كمال طهارته. وهو نار آكلة لأنه قدوس، ولما تأمل النبي في قداسته قال: «ويل لي! إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عينيَّ قد رأتا الملك رب الجنود» (إش 6: 5).

 

الله عادل

50- ما معنى العدل في الكتاب المقدس؟

* جاء «العدل» في الكتاب المقدس بمعنى عام للدلالة على الكمال الأخلاقي، مرادفاً لكلمة «بر». وجاء أيضاً بمعنى خاص للدلالة على الاستقامة التي تنفي الجور والظلم. والله عادل بالمعنيين، فبالمعنى الأول، يختلف العدل عن القداسة (سؤال 49). وبالثاني يُنسب العدل إلى الله ليصف تصرفه مع خلائقه العاقلة، فهو حاكم عادل، وشرائعه مقدسة عادلة صالحة يجريها بدون محاباة ولا تردد. وهو الديان الذي يجازي كل واحد حسب أعماله، لا يدين البريء، ولا يبرِّر المذنب، ولا يعاقب بأشد مما يجب.

51- إلى كم قسمٍ قَسَم اللاهوتيون عدل الله؟

* قسمه بعضهم إلى قسمين: (1) العدل المطلق وهو كمال الله الأخلاقي غير المحدود، ويرادفه كلمة «بر». و(2) العدل النسبي، وهو عدل الله في معاملته الأخلاقية لخلائقه باعتباره ملكهم وحاكمهم.

وقسمه آخرون إلى قسمين آخرين: (1) العدل الظاهر في سلطانه وإجراء حكمه في الكون باعتباره الملك. و(2) عدله الظاهر في دينونته للخطاة ومجازاته للأبرار باعتباره الديان. فبالأول يسن الشرائع ويتسلط على كل أعمال الملائكة والبشر، وبالثاني يكافئ أو يعاقب كل واحدٍ حسب استحقاقه.

52- اذكر بعض النصـوص الإلهية على عدل الله.

* جاء في الكتاب أنه ملك عادل وديان، ومنه القول «حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر: أن تُميت البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم. حاشا لك! أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً؟» (تك18: 25). «الله قاضٍ عادل» (مز 7: 11). «يدين المسكونة بالعدل والشعوب بأمانته» (مز 96: 13). «العدل والحق قاعدة كرسيه» (مز 97: 2 وأيضاً مز 71: 15 و19: 9 و145: 17 و119: 144 وعز 9: 15 ورؤ 16: 7). ويثبت الكتاب على الدوام أن الله عادل، مع أننا نرى في الحياة الحاضرة عدم المساواة في معاملته للبشر، فأحياناً ينجح الشرير ويتألم البار. غير أن الله يؤكد لنا أنه يرسي قواعد عدله في كل معاملاته لخلائقه، ويبين للكون أنه بار في كل طرقه، وقدوس في كل أعماله.

53- ما هي المسألة التي يهمنا البحث فيها في شأن عدل الله؟

* هي: هل يعاقب الله المذنب وفقاً للعدل لأن العدل يطلب ذلك ولأن الخطية تستحق العقاب، أو هل يعاقب لغرضٍ آخر؟ وبما أن كل إنسان يعرف أنه أثيم، وبما أن الشعور بالذنب عام ودائم، تكون العلاقة بين عدل الله باعتباره دياناً وقصاص الخاطئ موضوعاً يهم كل لاهوتي.

54- ماذا قيل في عدل الله العقابي وفي الأسباب التي توجب قصاص الخطية؟

* أنكر البيلاجيون والسوسينيون وغيرهم العدل العقابي (انظر فصل 7 س 3-12)، وقالوا إن الله يعاقب الخاطئ ليصلح أمره ويقوده للتوبة، ولأجل خير البشر عموماً، أو ليمنع امتداد الشر بفصل الخطاة عن الأبرياء. فتحوَّل عدل الله عندهم إلى واسطة للإصلاح أو عمل الخير أو منع الشر. والصواب هو أن الله يعاقب الخاطئ لأنه يستحق العقاب الذي يطلبه العدل.

55- ما هي الأدلة على عدل الله العقابي؟

* (1) نصوص الكتاب المقدس على أن الله ديان عادل لا يتردد في حكمه (تك 18: 25 وخر 34: 7 ومز 5:5 و50: 6 و94: 2 و96: 13 وإش 51: 4، 5).

(2) نصوص الكتاب على بغض الله للخطية (تث 4: 24 ومز 5: 4، 6 و7: 11 و45: 7 وأم 11: 20 إر 44: 4 وإش 61: 8).

(3) شهادة الشريعة الأخلاقية التي تعبر عن حكم الله في الخطية، ومطالبه المبنية على صفات الطبيعية. فنتعلم من تلك الشريعة لزوم العقاب (خر 20: 5، 7، 20 ورو 1: 18، 32 و2:2، 12 و3: 19 و5: 12 وغل 3: 10) وأن الطبيعة الإلهية تنظر إلى الخطية بغضب شديد، وأن الله لا يمكن أن يتغاضى عن قصاص الخاطئ. وتؤيد ذلك الشريعة الطقسية التي طالبت بالذبائح الدموية التي نرى منها أن الغفران للخاطئ يتوقف على عقاب خطيته في ذبح الحيوان الذي حمل عقاب الخطايا عنه (عب 9: 22). ونتعلم أيضاً أنه لا بد من تنفيذ شريعة الله (مت 5: 17، 18 ولو 24: 44 ويو 7: 23 و10: 35 ورو 10: 4).

(4) شهادة موت المسيح كفارة عن الخطية (إش 53: 5-11 ورو 3: 24-26 وغل 3: 13، 14 و1بط 3: 18) فهي توفي العدل الإلهي حقه بذبيحة المسيح. فالكفارة ضرورية إكراماً للعدل الإلهي، لا لمجرد تأثيرها في الإنسان كقوله «ليكون باراً ويبرر من هو من الإيمان بيسوع».

(5) شهادة العقل والضمير البشري عند شعوره بالخطية، لأنه يحكم سريعاً بأنها تستحق العقاب. وقد تشتد إحساسات الأسف والندم في الإنسان حتى تلقيه في اليأس، فبعض المجرمين لا يقدرون أن يحتملوا الشعور بالذنب فيعترفون ويقدمون أنفسهم للعقاب الذي يفرضه القانون. ونعرف من الاختبار أن اعتقادنا بكفارة المسيح لأجلنا والاتكال عليه يمنحان الضمير سلاماً. ومن أحكام العقل البشري أن كل أثيم يستحق العقاب.

ومما يشهد لحكم طبيعة الإنسان بوجوب العدل العقابي الذبائح الدموية الجارية في كل القرون بين جميع الشعوب، والوسائل المتنوعة للتكفير عن الخطية من أعمال النُّسك والتقشف. ونجد في كل اللغات البشرية كلمات تدل على استحقاق الخطية للعقاب، لأنها خطية.

ويشهد العقل البشري أيضاً أن العقاب الذي يكون بدون استحقاق هو من باب الظلم ولو قُصد به الخير العام، لأن قتل الإنسان لأجل الخير العام هو خطية خطيرة لا يُجيزه إلا استحقاق المذنب.

56- ما هو الاعتراض على القول إن الله عادل لذلك يعاقب الخاطئ، مع أن البشر يغفرون لبعضهم ولا يعاقبون، وما هو الجواب عليه؟

* اعتُرض على وجوب عقاب الله للخاطئ بحسب العدل العقابي بالقول إن القضاة البشريين والآباء والمعلمين يقدرون أن يغفروا الخطية ويتركوا القصاص أحياناً إذا أرادوا، ولا يكون في هذا تحقير للعدل. فكيف لا يقدر الله أن يصفح عن الخطية بدون عقاب؟

فنجيب: يختلف حكم الله على الخليقة عن حكم البشر في ثلاثة أمور:

(1) ليس على البشر مسؤولية عظمى في عقاب الخطية، بل عليهم مسؤولية ثانوية. ويطلب البشر عقاب المذنب لخير المجتمع، ولمنع امتداد الشر. وأما الانتقام فهو للرب، كما قيل «لي النقمة أنا أجازي قول الرب» (رو 12: 9 وتث 32: 35، 36).

(2) حكم الله لا يتغير في صفاته ومبادئه خلافاً لحكم البشر، فإذا كفَّ البشر عن إجراء العقاب كان ذلك ممكناً أحياناً بدون تحقير لشأن القاضي أو المعلم.

(3) الله يعرف كل شيء وهو خبير بأسرار القلب، فلا يُخشى من خطإٍ في توقيع عقابه، لأنه دائماً عادل. وأما البشر فلا يعرفون الأفكار الحقيقية ولا انفعالات قلب المذنب، فيضطرون أحياناً أن يخففوا العقاب لئلا يظلموا المخطئ. وجواز صفح البشر أحياناً عن الذنب لا يعني أن الله يفعل ذلك في حكمه العادل. فالعدل الإلهي هو طلب طبيعة الله الطاهرة أن تعاقب الخطية، فالله طاهر إلى غير نهاية، ولا يتغير، فلا يمكن أن يهمل العقاب على الإثم إلا بإهانة العدل. وعدله منزَّه عن أن يكون نتيجة الغضب أو الهوى، ولا يُقصد به سوى إكرام الشريعة، لا التشفّي. وعقابه ليس استبداداً بل هو العمل الحق. فغضب الله ليس نفسانياً بل هو ما يقتضيه عدله، وحكمه على الخاطئ لا يخرج عن دائرة الوجوب، فلا يتغير.

57 - برهِن أن إصلاح الخاطئ ليس هو الغاية الأصلية من قصاصه.

توهَّم البعض أن غاية قصاص الخاطئ هي إصلاحه، بدليل أن الأب يؤدب ابنه لخيره، والآب السماوي يضرب أبناءه بعصا التأديب لبنيانهم. وللرد نقول: هذا تأديب لا عقاب، لأن العقاب هو استيفاء العدل حقه، والتأديب والعقاب متباينان في الغرض. والأدلة على ذلك ما يأتي:

(1) يعاقب الله الأشرار بسبب غضبه، أما تأديبه لشعبه فهو بسبب محبته. فبين الأمرين فرق ظاهر، لأن الله يعاقب الأشرار غير التائبين ليُظهر عدم رضاه بهم، ويستوفي حقوق عدله. وأما التائبون المتبررون ببر المسيح المؤمنون المتجددون فيؤدبهم ليقرِّبهم إليه.

(2) تبيِّن نتيجة العقاب أن الغرض فيه ليس خير المذنب. فالطوفان وانقلاب سدوم وعمورة وخراب أورشليم، وعقاب الملائكة الذين سقطوا لم تكن مفيدة للذين هلكوا.

(3) يعلمنا الكتاب المقدس والاختبار أن آلام العقاب لا تُحدِث بذاتها إصلاحاً إلا إذا رأى المتألم أن الله يرسلها كأبٍ ليظهر محبته فتكون لإصلاحه وتقديسه. ولكن إذا رأى أن الله يرسلها كديان ومنتقم وهي علامة الغضب والانفصال عن الله، زاد قلبه قساوةً وتمرداً. ومن ذلك قول بولس إن الناس ما داموا في الجسد يعاندون الله بشرورهم، وتحت الدينونة، فإنهم يثمرون أثماراً للخطية لا لله حتى يتصالحوا معه ويتأكدوا من محبته. وقول يوحنا في رؤياه إن الأشرار يعضّون ألسنتهم من الوجع ويجدّفون على إله السماء دون أن يتوبوا عن أعمالهم.

(4) شعور البشر هو أعظم برهان على أن غرض العقاب هو إيلام المذنب وضرره لا خيره ونفعه، فقد أجمع الناس على الانتقام من الأشرار، وغاية الانتقام ليست خيراً. نعم إن طباعنا (بسبب قسوتها) لا تنتبه لما تستحقه شرور الأثمة ما دامت قليلة الضرر، ولكن إذا زادت شرورهم استيقظت تلك الطباع من غفلتها وصرخت طالبة عقاب المذنب، وليس ذلك لخيره ولا لنفعه بل للانتقام منه.

 58- ما هو الرد علي الذين قالوا إن الداعي للعقاب هو منع امتداد الشر، فلا يجوز أن يُعاقب المذنب إلا لهذا الغرض؟

* الاعتقاد أن غاية العقاب هو في منع امتداد الشر وإصلاح المذنب يجعل العدل من أعمال الخير والرحمة، كأن الرحمة والعدل صفة واحدة في طبيعة الله، وكأن العدل لا يُجرَى إلا كواسطة لعمل الخير. نعم إن العدل يُنتج خيراً ويؤدي للسعادة، غير أن السعادة العامة والخير العام ليسا الغرض الأصلي في إجراء العدل، بل هما نتيجته. والقول إن غرض العدل هو منع امتداد الشر مبني على مبدإٍ فاسد وهو أن السعادة هي أعظم خير، ولذلك لا يطلب العدل إلا كل ما يؤدي للسعادة، حتى أن القصاص جائز لهذا الغرض فقط. وكذلك لا يجوز إجراء العدل إلا إذا أدى للخير والسعادة. والصواب هو أن القداسة هي أعظم خير لا السعادة، وأن الخطية هي أعظم شر لا الشقاوة. ولذلك يوجب العدل القصاص على الخطية، ويتميَّز عن الرحمة، لأن الغرض في تنفيذه ليس السعادة وفعل الخير، بل إجراء ما تستحقه الخطية من العقاب. ولنا خمسة أدلة على بُطل ذلك:

(1) شعور كل الناس يخالف ذلك. لأن كل إنسان يعلم أن الصلاح والعدل في قلبه ليسا صفة واحدة بل صفتين متميزتين، الأولى منهما تحثنا على فعل الخير، والثانية تنبئنا بوجوب عقاب المذنب. فمتى تأملنا في الذنوب لا نسأل عن نتيجة قصاص مرتكبها ولا نفتكر فيها، بل نحكم طبعاً أن الشرير يستحق العقاب لأنه أثيم. وتعلمنا ضمائرنا دائماً أن عقاب البريء ولو كان لأغراض حسنة أو خيرية هو من باب الظلم، ولا يقبله الضمير الصالح مطلقاً. ومن المعلوم أن غريزيات طبيعتنا الأخلاقية تعلن جلياً طبيعة الله التي تستحق كل الاحترام، فإن كان العدل والصلاح فينا صفتين متميزتين فهما كذلك في الله. وإن كنا اتِّباعاً للطبيعة التي غرسها الله فينا نحكم أن المذنب يستحق العقاب لمجرد ذنبه بدون نظر للنتيجة. فلا بد أن الله يحكم كذلك.

(2) ما وجده كل الناس من أنفسهم في هذا الأمر وجده أيضاً الذين استناروا بالروح القدس. فإن الروح يحرك الناس أحياناً وينبه أفكارهم لخطيتهم وللخطر الذي يهددهم. وحينئذ تظهر المشاعر الأصلية التي غرسها الله في طبيعة الإنسان، فالذي يشعر بعظمة خطيته يسلم نفسه للحكام ليعاقبوه، وكثيراً ما يعذِّب الناس نفوسهم ليُسكِتوا تأنيبات ضمائرهم.

ثم إن شعور الناس بما يطلبه العدل من العقاب ليس مكتسباً من مجرد التربية، بل هو طبيعي في كل إنسان، ويتضح ذلك من لغات البشر فإنها جميعاً تميز بين العدل والصلاح. وهذا التمييز اللغوي بالكلمات دليل على وجود المعاني التي تشير إليها. ولنا أيضاً في تواريخ الشعوب ما يثبت عموم الشعور بما يطلبه العدل، فهي تُظهر أن الناس يطلبون على الدوام عقاب المذنبين، ويلومون الذين يُعفونهم من العقاب. وتؤكد لنا الطقوس الدينية المستعملة في كل الأرض للتكفير عن الخطية وتسكيت ضمائر الناس الحقيقة نفسها، فكل ذبيحة تقدمت عن الخطية، ودخان كل مذبح صعد إلى السماء في جميع القرون في كل أقطار المسكونة يؤكدان ما يشهد به العقل والكتاب المقدس، وهو أن عدل الله هو غير رحمته.

(3) قصاص الخطية وفقاً للعدل هو من مقتضيات قداسة الله، لأنه لما كان الله قدوساً واجب الكمال إلى غير نهاية، فإن طبيعته تبغض الخطية لأنها رديئة في ذاتها. والله يعاقب الخاطئ لهذا السبب بدون نظر إلى نتيجة عقابه.

(4) يُظهِر اقتران الشقاوة بالخطية أن الله يبغض الخطية، كما أن اقتران السعادة بالقداسة يُظهر رضاه بالقداسة. وهذا الترتيب الإلهي يبرهن أن الخطية شريرة في ذاتها، وأن مرتكبها يستحق العقاب، لأن شريعة الله تعلن طبيعته بإعلانها أوامره وسوء عاقبة مخالفيها. فالأوامر تظهر قداسته، وعقاب مخالفيها يظهر عدله، وكلاهما لا يتغيران. ولما كانت أجرة الخطية هي الموت كان الموت استحقاق فاعلها عدلاً، وكان رفعه عن المذنب مضاداً للعدل.

(5) يُثبت تعليم الكفارة في الكتاب المقدس أن الخطية تستلزم العقاب، لأنه يعلمنا أن الخطية لا تُغفر إلا إذا استوفى العدل الإلهي حقه، وأن المسيح قُدم كفارةً لينال العدل حقه «لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذاً مات بلا سبب». «لأنه لو أُعطي ناموس قادر أن يحيي لكان بالحقيقة البر بالناموس». فإن قيل: إن هذا التعليم يجعل الله مضطراً، بسبب عدله العقابي، أن يعاقب الخاطئ بحسب عدله، يكون الله غير مقيَّد بشيء خارج عن كمالاته وخواص طبيعته، ويكون استيفاء حقوق عدله متفقاً مع حريته، بل هو مثل قولنا إن الله لا يقدر أن يخطئ لأنه قدوس لغير نهاية.

59 - ما هي بركات تعليم العدل العقابي للمؤمن؟

* الفرح والطمأنينة، لأنه يبرهن أن العدل استوفى حقه بذبيحة المسيح، فلا شيء من الدينونة يقع عليه بعد، فيتأكد خلاصه من الخطية لأن العدل لا يطلب العقاب بعد الكفارة، والله لا يتقاضى أجرة الخطية مرتين. ويصير الغفران والخلاص من باب العدل بناء على كفارة المسيح الكاملة، وبناءً على المواعيد الإلهية.

 

الله صالح

60 – ما هو معنى صلاح الله؟

* هو مَيْل الله لفعل الخير والمحبة والرحمة والنعمة. فهو يفعل الخير مع كل كائن حي، ويبدي المحبة لكل ذي عقلٍ فيميل إليهم ويرضى بهم عند توبتهم. ويقدم الرحمة والنعمة للمتضايقين والمذنبين والخطاة والذين يستحقون الدينونة. وتتضمن الرحمةُ والنعمةُ الشفقةَ واللطفَ وطولَ الأناة والميل للغفران. ومحبة الله القدوس للخطاة هي أعجب صفات الطبيعة الإلهية. وهدف الفداء هو أن يُظهر هذه المحبة «ليُظهر في الدهور الآتية غنى نعمته الفائق باللطف علينا في المسيح» (أف 2: 7). ويظهر الصلاح الإلهي للإنسان بالمحبة والرحمة. فالمحبة مصدر الفداء، والرحمة تنفيذه. فكل من يطلب نصيباً من محبة الله ورحمته يجب أن يطلبه بواسطة الفداء بالمسيح، فقد عيَّن الله الفداء طريقاً تصل به الحياة الروحية وجميع بركاتها إلى البشر.

61 - ما هو الدليل على صلاح الله؟

* صلاح الله لخير الجميع واضح في كل العالم، فهو لم يوجد شيئاً من الحياة إلا جعل له نصيباً في السعادة، وليس في الكون ما هو لمجرد تسبيب الألم. وما أكثر الوسائل التي دبرها الله ليوصّل خليقته للسعادة القصوى. وقد أظهر الله صلاحه لمن لا يستحقونه لأنه أعدَّ لهم فداءً «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذلك ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به» (يو 3: 16). «في هذا هي المحبة: ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا» (1يو 4: 10).

62 - ما هو تعليم الكتاب المقدس في محبة الله؟

* يعلمنا الكتاب المقدس أن الله محبة، وأنه يحب البشر جميعاً. ويجب أن نميّز بين المحبة كصفة ذاتية تختص بطبيعة الله، والمحبة الظاهرة في أعمال رحمته وصلاحه على البشر. فالأولى مصدر الثانية ومستقلة عنها، فإن الله كان محبةً قبل أن يخلق البشر. لكن تلك المحبة الذاتية الأصلية كانت بين أقانيم الثالوث الأقدس، فكل أقنوم يحب الآخر منذ الأزل. وظلت تلك المحبة الأزلية مقصورة على التمتع بالكمالات الإلهية إلى أن خلق الله الخلائق العاقلة، فأدركت أعمالُ صلاحه وخيرُه ورحمتُه الخلائقَ كلها بحسب احتياجهم. ولما سقط الإنسان ظهرت المحبة في النعمة الفائقة للخطاة في تدبير فدائهم وتقديسهم ومنحهم الخيرات الروحية. ولم تكتفِ بذلك بل طلبت أن تهب للمخلوق نصيباً من الصفات الإلهية عينها. فالمحبة من أخص صفات الطبيعة الإلهية منذ الأزل وإلى الأبد، وقد صارت أيضاً من أخص إعلانات طبيعة الله للبشر في أعمال الخير والرحمة خاصةً عمل الفداء (مز 103: 13، وخر 34: 6 و1يو 4: 7-11 ومز 145: 8، 9  و33: 5 و52: 1 و103: 8 و108: 4 و118: 29 ومز 136 ويع 5: 11 و2بط 3: 15 ورو 5: 8 ويو 3: 16 و1يو 3: 1).

63 - ما هي الأدلة على أن صلاح الله ظاهر في عمل الفداء؟

* لما كان الله برحمته ونعمته ومحبته الفائقة قد أعدَّ الفداء لجنسنا الساقط، كان ذلك برهاناً على      صلاحه غير المحدود، ومما يزيد ذلك إيضاحاً القضايا الآتية:

(1) شقاوة الإنسان هي نتيجة خطيته التي يكرهها الله القدوس.

(2) الشقاوة التي نتخلص منها بالفداء عظيمة، والسعادة التي نحصل عليها به كاملة وسامية وأبدية.

(3) يهتم الله بخلاص الإنسان الساقط لأنه يحبه، ولو تركه للهلاك كما ترك الملائكة الساقطين لكان عادلاً في ذلك.

(4) الإنسان قبل تنويره وإعادته إلى الله عديم الشكر، يواظب على الخطية والعصيان بالرغم من رحمة الله وشفقته.

(5) قدم الله ابنه الحبيب للعار والآلام وتنازل بإرسال الروح القدس ليخلِّص أناساً أشقياء لا يستحقون خيراً.

(6) اتَّفقت حكمة الله مع قدرته في تدبيرٍ عجيب ليوفّق بين حقه ومحبته، وبين عدله ورحمته في خلاص البشر. وهذا يبرهن لنا صلاح الله في عمل الفداء، وهو ما لا نقدر أن ندركه هنا، وسنظل نتعجب منه بدون انقطاع إلى الأبد. والغرض الأعظم من عمل الفداء ليس سعادة المفديين بل قداستهم واقتداؤهم بمن هو قدوس بلا نهاية.

64 - ما هو الرد على الذين قالوا إن طلب الله سعادة خلائقه هو البرهان الأعظم لصلاحه؟

لا نقدر أن نجزم بمقاصد الله وأغراضه بدون إرشاد الوحي. ويقول كتاب الله إن أعظم ما يرغبه الله لخلائقه العاقلة هو قداستهم وسعادتهم. وإعطاء القداسة المقام الأول أقرب لروح الكتاب المقدس لأن القداسة تنشئ أعظم سعادة. فسعادة الخلائق العاقلة هي من أهداف الله في خلقهم وعنايته بهم في زمن الامتحان والتأديب. ولا شك أن صلاح الله يظهر في هذا الدهر في أنه يعطي أولاده كل ما يحتاجونه من السعادة، وبإتمام مقاصده فيهم التي منها:

(1) إظهار مجده ببيان كمال صفاته كأب محب وحاكم بار وديان عادل.

(2) نموّهم في الفضائل الأخلاقية.

(3) بلوغهم أخيراً أعلى درجة من القداسة التامة والسعادة العظمى في حضرته الإلهية.

 65- وضّح خطأ من يقولون إن كل صفات الله مجموعة في الصلاح ومنحصرة فيه.

* أخطأ البعض في قولهم إن صلاح الله هو صفته الوحيدة، وكل ما سواه من الصفات الإلهية يُظهِر صلاحه بطرق متنوعة. فيكون عدل الله في عقاب الخطية من صلاحه. ويسندون رأيهم هذا على الزعم أن العدل العقابي يناقض الصلاح، وأيضاً على آيات الكتاب التي توضّح عظمة محبة الله، ومنها «الله محبة».

وللرد على ذلك نقول: إذا فسّرنا هذه الآية بمعنى أن الله محبة لا غير، يصحّ كذلك أن نفسر آيات أخرى مثل «إلهنا نار آكلة» أن الله عدل لا غير، وكذلك يجوز تفسير القول «إن الله نور» بمعنى أن له المعرفة أو الحكمة لا غير! وهذا خطأ، لأننا يجب أن نفسّر الكتاب باعتبار وحدة التعليم وكماله، لا بفصل عباراته والنظر إليها منفصلة عن بعضها. وقد أوضحنا أن العدل لا يناقض الصلاح، بل بالعكس! فلو كان الله ناقصاً في العدل لما كان كاملاً في الصلاح.

66 - ماذا يُقال في محاولة البشر التوفيق بين وجود الخطية في العالم وصلاح الله وقداسته؟

* اجتهد الناس في كل القرون في التوفيق بين أمرين: (أ) وجود الخطية والمصائب في العالم، و(ب) أن الله إله القداسة والصلاح، وغير محدود في الحكمة والقدرة.

ولما كان البشر محدودي التفكير وقصار النظر كان يجب عليهم أن يتركوا هذا السؤال لله ذاته ليجاوب عنه، لأنهم لا يقدرون أن يطلبوا من الله أن يبرر ما عمله، كما أن الطفل لا يعرف أن يحكم على أعمال والديه. فكان الأَوْلى بنا أن نكتفي بأن ديَّان كل العالم يصنع العدل. ولكن بما أن الكفرة على الدوام يقدمون وجود الشر برهاناً على التناقض في حكم الله، وبما أن هذا الأمر يعثر بعض المؤمنين، وجب أن نتكلم فيها ليسكت الذين يقدمون في أجوبتها أقوالاً خاطئة في حقيقة الخطية وطبيعة الله.

67 - ما هي أشهر المذاهب الخاطئة التي حاولت التوفيق بين وجود الخطية وصلاح الله، وما هو الرد عليها؟

(1) رأي الذين أنكروا وجود شرٍ في العالم، وقالوا إن ما سُمي بذلك يُقسَم إلى مصائب وخطية، وكلتاهما ليست شراً. أما المصائب فلأن الألم شرط ضروري لحفظ صحة الأجساد وإصلاح الأخلاق، فهو خير لا شر. وأما الخطية فلزعمهم أن ما نسميه خطية هو ليس خطية، لكنه عدم بلوغ الكمال، وناشئ عن أننا محدودون، ولا يخلو من ذلك إلا من هو غير محدود. وكما أن قِلّة جمال ونفع بعض الأشجار، ونقص قيمة النبات عن الحيوان والبهائم عن الإنسان ليس خطيةً، هكذا عدم وصول بعض الناس إلى النضوج في العقل والقداسة الذي يصل إليها غيرهم ليس خطية.

وقولهم هذا خاطئ بقسميه! أما خطأ قولهم إن المصائب ليست شراً، فلأن مقدار الألم في العالم يزيد كثيراً على ما يقتضيه الهدف الذي ذكروه. وهو مع ذلك كثير الأنواع، وعام يصيب الأخيار والأشرار والأطفال والبالغين. فكيف يمكن أن يكون مع كل هذا ليس شراً؟ وأما خطأ قولهم إن الخطية هي عدم نضوج، فلأن الأوامر والنواهي تتعلق بالمستطاع للإنسان وعدم النضوج ليس كذلك.

وقال آخرون إن ما يسميه الناس خطية هو شرط ضروري لإظهار الفضيلة، فلا يمكن إظهار القوة إلا بمقارنتها بالضعف، ولا إظهار الراحة إلا بمقارنتها بالتعب، فلا فضيلة إلا في مواجهة شرٍ تقدر على مقاومته وغلبته.

(2) قال البعض إن وجود الخطية شرط ضروري لإظهار أعظم خير للخليقة، فالخطية في ذاتها شر، ولكنها بالنظر إلى نتائجها خير. وحالة العالم بها أفضل من حالته بدونها، فإن أكل الحيوان الكبير الحيوان الصغير (مثلاً) شر في ذاته، لكنه ضروري لحياة النوع الأعظم من الحيوانات، فهو خير. وقطع عضوٍ من الجسد شر في ذاته، ولكنه إذا كان ضرورياً لحفظ الجسد كله فهو خير. والحروب في ذاتها شر عظيم، ولكنها وسيلة لحفظ حرية الناس السياسية والدينية، فهي خير للعالم. وعلى هذا النسق لا تكون الخطية شراً، لأنها الوسيلة الضرورية لإيجاد أعظم خير للبشر. ووجودها لا يشين صلاح الله.

وهذا القول ضعيف وناقص من وجهين: (أ) إنه يحدد قوة الله غير المتناهية، إذ يلزم عنه أن الله لا يقدر أن يصنع خيراً إلا بواسطة الشر. (ب) أنه يجعل السعادة هدف الخليقة، فالخطية (بحسبه) لا تُحسب شراً إذا كانت نتيجتها السعادة. وهذا يناقض الكتاب المقدس الذي يجعل مجد الله هدفاً أعظم لوجود العالم، ويخالف شهادة الكتاب وشعور الناس الباطني أن القداسة خير أعظم من السعادة. ولكن بحسب هذا القول لا يكون للقداسة فضل إلا إن كانت وسيلة للسعادة، ويكون أن كل ما يؤدي للسعادة ليس حراماً!

(3) قال غيرهم إن الخطية شر، لكنهم قالوا إن الله لا يقدر أن يمنع حدوثها في النظام الأخلاقي الحاضر. فكان عندهم رأيان فاسدان وهما: (أ) إن الله لا يقدر أن يحقّق قداسة خلائقه ما لم ينزع منهم الإرادة الحرة، ولا يقدر أن يخلق مكلّفين ذوي إرادة حرة إلا بأن يجعلهم مستقلين عنه. وهذا التعليم يناقض تعليم الكتاب المقدس، فلم يتمسك به إلا قليلون، لأن الكتاب يقول إن قلوب الناس في يد الله وهو يحوّلها كالأنهار، وإنه يجعل شعبه منتدَبين في يوم قوته (يتطوعون في قوة)، وإنه يعمل فيهم ليريدوا ويعملوا من أجل المسرة. وهو يتضمن المواعيد أن الله يعطي التوبة والإيمان، ويجدد القلب، ويحفظ المؤمن من السقوط. ولذلك رفضت الكنيسة هذا الرأي.

68 - ما هو تعليم الكتاب المقدس في التوفيق بين صلاح الله ووجود الخطية؟

* لا يوجد في الكتاب عبارات صريحة توفّق بين صلاح الله ووجود الخطية والشقاء، فإن وجود الخطية سبب كافٍ لوجود الشقاء. ولكننا نجهل سبب دخولها في العالم. والذي تحققناه من صلاح الله وقداسته، ومن أمور أخرى كافٍ ليؤكد لنا وجود سببٍ، لو عرفناه لأزال من أفكار الناس الشكوك في صلاح الله وقداسته. غير أنه مع عدم وجود قول صريح في هذا الموضوع في نص الكتاب، لنا ما يكاد يبلغ درجة التصريح. فمن ذلك:

(1) يصرّح الكتاب أن الله ليس هو أصل الخطية: (أ) يقول الله إنه قدوس «تكونون قديسين لأني قدوس الرب إلهكم» (لا 19: 2 و21: 8 ومز 22: 3 و99: 5 و145: 17 وإش 6: 3 ويو 17: 11 ورؤ 4: 8 و6: 10). (ب) شريعة الله التي حثَّ شعبه على حفظها مقدسة وعادلة وصالحة، تنهى عن كل خطية وشبه خطية. (ج) وعد الله أن يكافئ فاعلي الصلاح بالنعيم الأبدي، وهدد بعقاب فاعلي السيئات. (د) يقول الله إنه لا يُسر بالإثم، وإنه يغضب على الأشرار كل يوم، وإنه يرغب في أن الشرير يرجع إليه ويحيا. (هـ) ما أعدَّه من الوسائط الثمينة المجيدة لتحويل البشر عن الخطية وتخليصهم من عقابها. (و) نسبة أصل شر الإنسان إلى الإنسان نفسه، والقول إن الإنسان مسؤول عنه. «هلاكك يا إسرائيل أنك عليَّ، على عونك» (هو 13: 9). «ارجع يا إسرائيل إلى الرب إلهك لأنك قد تعثّرت بإثمك» (هو 14: 1). «آثامكم عكست هذه، وخطاياكم منعت الخير عنكم» (إر 5: 25).

ويؤيد كل ما تقدم شهادة الضمير وتأنيبه للخاطئ على خطيته، ورَفْضه أن الله هو أصل الخطية، وكذلك اختبار البشر العام أن الصلاح ينشئ راحةً وسلاماً وسعادةً، وأن الخطية تنشئ عكس ذلك. ولو كان الله أصل الخطية ويعاقب مرتكبها، لكان هذا يناقض صلاحه وعدله.

(2) يقول الكتاب إن الإنسان هو أصل شره، ويؤيد ذلك أن الإنسان ذو إرادة حرة، وأنه متى عمل الشر يعلم من نفسه بواسطة حكم ضميره أن ذلك إثم يخالف شريعة الله، وأنه متى عمل الشر لا ينتظر سوى اللوم، ومتى عمل الصالح ينتظر طبعاً مدح الناس.

(3) يعلّمنا الكتاب أن الله استعمل وسائط كثيرة ليمنع الشر كالوحي، وأرسل ابنه ليكفر عن الخطية، وأرسل الروح القدس ليجدد الخطاة ويقدسهم ويعلمهم الحق، وتدخَّل بعنايته في توضيح فساد الخطية وتأديب الخطاة، ووضع خوف العقاب في قلوبهم وخشية الأضرار الجسدية التي تنشأ عن ارتكاب القبائح. وكل ذلك يوضّح أن الله جعل في حكمه الأخلاقي موانع عظيمة لامتداد الشر، ووسائط فعالة لتخليص البشر منه.

(4) يعلمنا الكتاب المقدس أن هدف الله في الخلق والفداء والعناية هو إظهار مجده وبيان صفاته، وإظهار رحمته ونعمته وعدله.

وخلاصة ما تقدم أن وجود الخطية والشقاء هو بسماح من الله لمقاصد سامية نجهلها في هذا الدهر. غير أننا مع قصر عقولنا نقدر أن نستنتج من ذلك ما هو كافٍ لإسناد إيماننا ويقيننا بحقيقة صلاح الله وحكمته وعدله، بالرغم من وجود الخطية في الكون الذي خلقه.

96 – ما هو الرد على الاعتراض أن الله، لأنه حاكم أخلاقي، يقدر أن يمنع الخطية بوسائط إجبارية، كما يمنع الحاكم الأرضي امتداد الشرور بسجن الأشرار؟ ولما لم يفعل ذلك فإنه غير صالح.

* نعم إن الله يقدر على ما ذُكر لو أراد، ولكن ذلك لا يصح إجراؤه على البشر المخيَّرين المسؤولين في حكومة الله الأخلاقية، لأنها إذ ذاك تتحول إلى حكومة إجبارية. وإليك الطرق التي يمكن تصوُّر فرضها لمنع الشر في الكون:

(1) عدم خلق الكون وما فيه من خلائق عاقلة. وللرد نقول: نعم إن هذا يمنع وجود الخطية لكنه يمنع أيضاً إظهار مجد الله وعبادته، ووجود المحبة والسعادة والخير. غير أن العقل السليم لا يسلم بمنع الخلق لمنع وجود الخطية!

(2) حرمان الخلائق العاقلة من القوى الأخلاقية التي تميز بين الخير والشر وحرية الاختيار. وللرد نقول: ولكن خلوَّها من العقل والضمير العواطف والاختيار وجميع القوى الروحية والأخلاقية يجعلها أدنى مما هي الآن بما لا يوصف، بل يجعلها مثل غير العاقلة ومثل الجمادات من أشجار وجبال وأنهار ووحوش وطيور وأسماك!

(3) حفظ الإنسان من التجارب ومن معرفة الشر على الإطلاق، وحفظه (دون اختيارٍ منه) في حالة القداسة التامة. وللرد نقول: ولكن ذلك يخالف النظام الذي استحسنه الله في حكمه الحاضر على الخلائق العاقلة. وتكون القداسة في هذه الحالة سلبية لا إيجابية، لا تسر الله ولا المخلوق، ويكون صاحبها تحت طائلة السقوط عند أول تجربة تهاجمه. ونستنتج من سماح الله بسقوط الملائكة والبشر أنه يطلب القداسة التي تغلب التجارب فتشبه قداسته، ويكون أصحابها أهلاً للمثول لديه، ولخدمته المجيدة. ألم يجعل الله الملائكة في السماء، والإنسان في جنة عدن حين خلقهم في أفضل حال من القداسة التامة وكمال الراحة والسعادة، قادرين على غلبة التجارب والثبات في القداسة؟ ولما كان الله حاكماً أخلاقياً على خلائق عاقلة مُخيَّرة، منح خليقته العاقلة كل ما يعاونها على منع امتداد الشر بينها.

وربما قال المعترض إنه كان يجب على الأقل أن الله يجعل نعمته تؤثر في قلب كل إنسانٍ تأثيراً كافياً يمنعه عن الشر تماماً. فنجيب: إن الله استحسن أن يخلق الإنسان على صورته عاقلاً ومختاراً ومسؤولاً وصاحب ضمير، وأن يصاحبه وأن يعامله معاملة أخلاقية توافق قواه وأحواله (مع أن الله غير مُجبَر على استعمال وسائط النعمة وفعل الروح القدس وتعليم الحق وتأديبات العناية إلى غير نهاية). وقد عيَّن للإنسان ما يكفي من الوسائط الأخلاقية المعلنة في كتابه، وأعماله، والضمير ليحفظه من تسلُّط الخطية عليه، وردعه عن الشر، وخلاصه من عقابه. فإن رفضها الإنسان لا يكون الله مسؤولاً عن هلاكه. وإذا استحسن الله أن يجعل هذه الوسائط فعالة في البعض دون غيرهم، فذلك متروكٌ لمشيئته، ولا يحق لأحد أن يعترض عليه.

وفي كل هذه التصوُّرات يظهر قصور العقل البشري عن إدراك مقاصد الله السامية وأحكامه العالية وصلاحه التام من نحو البشر.

70 - ما هو الرد على أن وجود الشقاء في العالم يدل على أن الله غير صالح، لأنه كان يجب أن يزيل الشقاء، أو على الأقل يخففه؟

* نشأ بعض ما في العالم الآن من الشقاء عن الخطية، وبعضه الآخر من الله، بهدف خير البشر ونجاتهم من شقاء أعظم. فلا يصح إطلاق القول إن الله سبَّب الشقاء وإنه يُسر بآلام خلائقه العاقلة. وهذه واحدةٌ من المسائل الصعبة التي تعذَّر على البشر حلها تماماً، لكن نتعلم من الكتاب المقدس ومن الاختبار أن ما في العالم من الشقاء ليس دليلاً على عدم صلاح الله، كما يتَّضح مما يأتي:

(1) يؤكد ما في العالم من الشقاء الناتج عن الخطايا كراهية الله للخطية وغضبه على الخطاة. فلو عامل الله الأشرار بالرضا، وجعل خطاياهم تنشئ لهم لذةً، وأشبع نفوسهم وأجسادهم من البركات والسرور مكافأة لهم على توغلهم في المعاصي لما تبيّنت لنا قداسته وكراهيته للخطية، ولا رأينا دليلاً على أن الله يقصد أن يدين الأشرار، ولا صدَّق أحدٌ أقواله الكثيرة الصريحة إن للخطية عقاباً.

(2) الشقاء من الوسائط القوية لإصلاح شؤون الناس، فهو يبيّن حقيقة عذاب الآخرة للبشر، فيردعهم عن المعاصي وعن محبة هذا العالم المهلكة، ويوجه قلوبهم ليطلبوا الراحة الأبدية والسعادة الدائمة.

(3) الشقاء من وسائط تقليل الخطية، لأنه لولا معاناة البلايا الناتجة من المعاصي لصار عالمنا جهنم على الأرض من طغيان البشر! ألا ترى أن الخوف من الجوع هو دواء مرض الكسل والإسراف، وأن الخوف من المرض والضعف هو من موانع ارتكاب الفحشاء، وأن تأنيب الضمير يقود الإنسان إلى السلوك في سبل الصلاح، والاحتراس من بغض البشر يهذّب أخلاق الإنسان فيستأصل منه القسوة ويربي فيه اللطف. وكثيراً ما يمنع الاتعاظ من مصير السكير والفاسق والقاتل والسارق توغّل البعض في تلك الخطايا.

(4) الشقاء من الوسائط الفعالة لتنمية الإنسان في الفضائل، لأن الآلام والضيقات تعلّم الصبر والنشاط والتواضع والوداعة والشفقة والمحبة والرقة واللطف. قال يعقوب: «احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة» (يع 1: 2). وكثيراً ما يستعمل الله الآلام ليجهِّز البشر ويؤهّلهم ليقوموا بالأعمال الخيرية العظيمة ويتمموا خدمته بأمانة. ومن أمثلة ذلك موسى ويوسف وداود وبطرس وبولس.

والخلاصة أن الله كثيراً ما يستعمل الشقاء لأجل خير البشر وتهذيبهم، كما قيل «لأن الذي يحبه الرب يؤدبه». ولذلك يجب على المؤمن ألاّ يحسب يوم بلواه يوماً مظلماً، ويجب أن يتَّكل على صلاح الله، ويجتهد أن يستفيد من بلاياه متيقناً أن الله قصد بها خيره، فإن عدم استفادة البعض من بلاياهم نشأ عن سوء قبولهم إياها، ولكن هذا لا يدل على عدم فائدة البلايا.

الله حق

71 - ما هي معاني الحق أو الصدق في الكتاب المقدس؟

* للحق أو الصدق معانٍ كثيرة منها:

(1) تمييز الموجود عن الوهمي: كتسمية الله إله الحق لتمييزه عن آلهة الوثنيين، لأنه هو الإله الحقيقي، والأوثان تصوُّرات وهمية لا وجود لها (2أي 15: 3 وإر 10:10 و1تس 1: 9).

(2) تمييز الكامل عن الناقص وتوضيح كمال الموصوف بها: فقيل إن الله هو الإله الحق، أي الكامل في جميع صفاته الإلهية وغير ناقص في شيء مما يختص باللاهوت (تث 32: 4 ويو 14: 6 و17: 3 و1يو 5: 20).

(3) تمييز الصحيح عن الكاذب، وتوضيح أن الموصوف بها باطنه يطابق ظاهره: فقيل إن الله حق لأنه بالحقيقة كما يُظهر لنا نفسه بواسطة أوامره وبما يقوله في ذاته. وقيل في نثنائيل إنه «إسرائيلي حقاً» لأن صفاته تطابق ما تدل عليه هذه التسمية (عد 23: 19 ويو 3: 33 و14: 17 وتي 1: 2 وعب 6: 18).

(4) تمييز الثابت الدائم عن المتزعزع الزائل والدلالة على الثبات وعدم التغيُّر: فيمكن الاعتماد على ما يقال إنه حق، لأنه لا يزول ولا يتغيَّر ولا يخيّب الأمل (مت 5: 18 و2كو 1: 20 و1يو 1: 9).

72 - ما معنى القول إن الله حق؟

* المقصود به هو المعنيين 3، 4 من إجابة سؤال 71، لأن الله أعلن نفسه لنا بكل صدق، وهو أمين غير متغيِّر، لا ينقض وعده، وكلمته ثابتة دائماً. وهذا هو أساس الدين والعِلم، وعليه نبني ثقتنا بما قاله الكتاب المقدس عن الله وإرادته وأعماله.

أما التوفيق بين حق الله وعدم تحقيق بعض مواعيده أو تهديداته، فهو أن مواعيده وتهديداته إما مُطلَقة أو مقيَّدة بشروط، مثل الطاعة والإيمان والتوبة (يون 3: 4، 10 وإر 18: 7، 8). فلا بد من إجراء المطلقة على أي حال. أما المقيّدة فيتوقف إجراؤها أو عدمه على استيفاء الشروط المنصوص عليها.

73 - كيف يتفق حق الله ودعوته لكل الخطاة للخلاص بالمسيح، مع أنه لم يقصد أن يخلّص الجميع؟

* سبق الكلام في التمييز بين إرادة الله وقضائه، وبناءً على ذلك يصح أن نقول إن الله يريد أن جميع الناس يطيعون أوامره ويعيشون عيشةً طاهرة ثم ينالون الخلاص. غير أنه لم يقصد خلاص الجميع، لأنه يعلن أن ليس الجميع يتجاوبون مع دعوته لهم. ولذلك فإن دعوته لجميع الخطاة ناشئة عن إرادته، وهي لا تناقض صدقه لِما يأتي:

(1) التوبة والإيمان واجبان على كل إنسان.

(2) إرادة الخاطئ وحدها هي التي تمنعه من قبول دعوة الله.

(3) إذا قبل الخاطئ دعوة الله ورجع إليه، فلابد أن يتمم الله وعده له بالخلاص.

(4) لم يعِد الله أن يجعل كل إنسان مؤمناً بالمسيح.

(5) دعوة الله للخطاة هي لجميع الناس، وليست للهالكين المعاندين فقط. وهي فعَّالة في المختارين وحدهم.

(6) مات المسيح كفارةً عن البشر ليفتح باب الخلاص للجميع، والله يدعو جميع الخطاة إلى الخلاص، كما يأمر الجميع بالتوبة والطاعة. ولا يستفيد من الخلاص إلا المؤمنون المختارون.

الله ذو سلطان

74 - ما هو المقصود بسلطان الله؟

* سلطان الله ليس من صفاته الطبيعية كالحكمة والقدرة ونحوهما، بل هو ناشئٌ عن كمال صفاته وسمو شأنه، ولأنه خالق الكون بأسره وحافظه. ويقول الكتاب «إلهنا في السماء كل ما شاء صنع» (مز 115: 3). «حُسِبت جميع سكان الأرض كلا شيء، وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض، ولا يوجد من يمنع يده، أو يقول له: ماذا تفعل؟» (دا 4: 35). «لك يا رب العظمة والجبروت والجلال والبهاء والمجد، لأن لك كل ما في السماء والأرض. لك يا رب المُلك وقد ارتفعت رأساً على الجميع» (1أي 29: 11). «للرب الأرض وملؤها. المسكونة وكل الساكنين فيها» (مز 24: 1). «ها كل النفوس هي لي. نفس الأب كنفس الابن. كلاهما لي» (حز 18: 4). «ويلٌ لمن يخاصم جابله. خزَف بين أخزاف الأرض. هل يقول الطين لجابله ماذا تصنع؟ أو يقول: عملك ليس له يدان؟» (إش 45: 9). «حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته» (أف 1: 11). «لأن منه وبه وله كل الأشياء. له المجد إلى الأبد. آمين» (رو 11: 36). ونتعلم من آيات الكتاب التي أوردناها وما يشابهها أن سلطان الله:

(1) يشمل كل خلائقه من أعلاها إلى