السلوكيّات المسيحية

صنع القرارات الكتابية

البعد المعياري: الله وكلمتهُ

 

يمكن للأطفال أن يكونوا مسليّين جداً، وخاصة عندما يحاولون تعلّم أفكار جديدة وتطبيقها. منذ أيام جاءت إلى صديقي ابنته البالغة من العمر أربع سنوات، وكان الوقت قبل تناول العشاء، وأحضرت معها قطعة من الحلوى وقالت له "بابا، أتسمح لي بأكل هذه الحلوى الآن." لم يكن مسموحا لها، كما هو متبع عادة، أن تأكل الحلوى قبل وجبة الغذاء، لذلك قال لها والدها

"لماذا سأسمح لك بتناول هذه القطعة من الحلوى قبل العشاء؟" فأجابت بشجاعة فائقة "لأني قلت ذلك".

بالتأكيد كانت هذه الطفلة تستمع بانتظام إلى عبارة "لأني قلت ذلك" من  والديها. ولهذا بشكل طبيعي، توقعت من والدها الطاعة لها حالما سمع منها هذه الكلمات السحرية " لأني قلت ذلك".

ولكن هذه الطفلة الصغيرة لم تفهم حقيقة أساسية عن التواصل البشري، وهي أن سلطة الوصايا والتعليمات تتوقف دائماً على سلطة الشخص الذي ينطق بها، وبرغم استخدام الطفلة لنفس كلمات والديها، لكن كان لزاماً عليها أن تطيع لأن المتحدث هو أبوها،  ولم يكن لزاماً على والديها أن يطيعا ابنتهما لأنها كانت هي المتحدثة.

وبينما نستكشف الأخلاق المسيحية ينبغي علينا أن نستمسك بهذه الحقيقة الأساسية: وهي أن المبادىء الأخلاقية تستمد سلطتها من الشخص الذي يقولها. لماذا يتعيّن علينا أن نخضع أنفسنا لسلطة الكتب المقدسة؟ ولماذا لإرشادات الإيمان المسيحي الأخلاقية سلطان علينا؟ الإجابة الصريحة هي: لأن مصدر هذه التعليمات هو الله نفسه صاحب كل السلطان، فنحن نطيعها " لأنه قال ذلك".

هذا هو الدرس الثاني في سلسلتنا "صنع القرارات الكتابية". وفي هذه السلسلة من الدروس، نركّز على الطريقة التي يعلمنا إياها الكتاب المقدس  لنتبعها ونحن نصنع القرارات الأخلاقية. وضعنا عنواناً لهذا الدرس "البعد المعياري: الله وكلمته". وفي هذا الدرس سنبدأ في استكشاف مسألة السلطة في الأخلاق، أو بعبارة أكثر تحديد، سلطان الله وكلمته في الأخلاق.

قد رأينا في الدرس السابق أن صنع القرارات الأخلاقية من وجهة نظرنا كمسيحيين يتطلب أن نضع في اعتبارنا ثلاثة أمور أساسية هي: المعيار المناسب، والهدف المناسب، والباعث المناسب. وأيضاً أسمينا هذه الاعتبارات: البعد المعياري، وألموقفي، والوجودي، في السلوكيات المسيحية. ولكي نصنع قرارات أخلاقية تسر قلب الله وتأتي ببركته، يتعين علينا أن ندرس الأمور من بعد معياري وذلك بالتركيز على المقاييس أو الأعراف الملائمة. كما يتعين علينا أن ندرس الأمور من البعد ألموقفي أيضاً، متأكدين أننا قد قمنا بتقييم الحقائق والنتائج الموقفية على نحو مسئول.

كما يتعين أن نفحص الأمور من بعد وجودي متأكدين أننا نملك الأهداف والبواعث المناسبة.

في هذا الدرس سنولي انتباهنا أولاً إلى البعد المعياري، المعايير المناسبة للقرارات السلوكية، مركزين على مقاييس الله وكلمته.

ينقسم هذا الدرس إلى جزئين رئيسيين، الجزء الأول، سوف نوجه فيه أنظارنا أولاً إلى الله نفسه كمعيارنا المطلق. وثانياً، سوف نستكشف كيف أن كلمة الله تعبرعن معيارنا أو مقياسنا الأخلاقي المعلَن.

دعونا نحوّل انتباهنا أولاً إلى الله نفسه كمعيارنا الأخلاقي.

سوف نستدعي ما قد تعلمناه في الدرس الأول من هذه السلسة حيث رأينا أن الله نفسه هو معيارنا الأخلاقي المطلق. إن تلك الأشياء التي تتفق مع شخصية الله تدعى "صالحة" و"صحيحة"، بينما تلك التي لا تتفق معه  تدعى "شريرة" و"خاطئة". الله هو المعيار الأخلاقي المطلق لأنه ليس عرضة للمساءلة من مقياس ما خارجاَ عنه أو أعلى منه. إنه يتمتع بالسلطان الأخلاقي المطلق. لذلك، ليس لغير الله الحق المطلق في أن يقرر ما هو صالح وما هو شرير، كما ليس لغيره أن يسلّم بما هو ُملزم، وأن الأحكام الأبدية متأسسة على تقديره.

ولفهم كامل لهذه الأفكار ومتضمناتها، سنفحص عن قرب أكثر، ثلاثة جوانب مهمة لله باعتباره معيارنا الأخلاقي. سوف نبحث أولاً في شخص الله باعتباره المعيار أو القانون الأخلاقي المطلق. وثانياً، سوف نرى أن الله القاضي الأخلاقي المطلق الذي يقرر الأحكام الملزمة لكل فرد. وثالثاً، سوف نستكشف بعض متضمنات هذه الحقائق لخدمة قراراتنا الأخلاقية الخاصة. دعونا نفحص أولا شخص الله كالمعيار الأخلاقي المطلق.

هناك الكثير من القضايا التي يمكن تناولها بينما نحن نفكر في الله نفسه كالقانون الأخلاقي المطلق. لكن من أجل أهدافنا سنناقش أمرين. اولاً، سوف نتحدث فيه عن الصلاح كصفة شخصية لله. وثانياً، سوف نفحص فيه حقيقة إن صلاح الله هو المعيار المطلق لكل أنواع الصلاح.

في المقام الأول، عندما نتكلم عن الصلاح كصفة شخصية من صفات الله، نحن نعني بذلك أن الله نفسه هو المعيار الذي به تقاس كل الأخلاقيات. وعلى الرغم من أننا، في بعض الأحيان، قد نتكلم بشيء من التجريد عن مفاهيم الصلاح أو الاستقامة، ومع إنه يمكننا تطبيق مصطلحات مثل "جيد" و "صحيح" لأشياء أو لأفكار غير مشخصة، فهذه المفاهيم مستمدة حقاً من أساس أعمق من ذلك بكثير: صلاح شخص الله. فبعيداً عن شخص الله لا يوجد أي صلاح أو استقامة. فالقيمة الأخلاقية توجد فقط كشيء منعكس عن الله. حقاً، ليس الله صالحاً أو مستقيماً فحسب ولكنه هو الصلاح والاستقامة بعينهما.

وكما رأينا في درسنا الأول، أن واحدة من الطرق التي بها يوضح  الكتاب المقدس هذه الفكرة أن صفات الله هي المعيار الأخلاقي المطلق عن طريق تشبيهه بالنور. فقد علم الرسول يوحنا في (1 يوحنا 1 : 5 – 7):

"إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ."

يُعتبر النور كاستعارة عن الله بمثابة تقييم أخلاقي. أما الظلمة فتعادل الخطية والأكاذيب، بينما يرتبط النور بالحق والطهارة من الخطيئة. وبشكل جوهري توضح هذا ألفقرة بأن الله  خالٍ من الخطيئة وذلك بتعريف الخطيئة على إنها غريبة عن طبيعة الله. وبكلمات أخرى، يفترض النّص بأن الله نفسه هو المعيار المطلق للصلاح والاستقامة، حتى أن أي شيء مناقض لطبيعة الله هو خطيئة.

هذا وقد عبّر يسوع عن نفس الفكرة عندما قال أعلن في مرقس

( 10 : 18):

"لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ."

 

بمقولة أن الله فقط هو الذي يفي بمعيار الصلاح، أشار يسوع إلى إنه كان يتحدث عن الصلاح الكامل والتام وليس بالأحرى عن صلاح نسبي أو ثانوي.

 

على أية حال،  يدعو الكتاب المقدس البشرالآخرون صالحين بالفعل، ولكن، هنا تجب الملاحظة أن صلاح الله مختلف عن كل أنواع الصلاح الأخرى، لأن صلاح الله كامل في النوعية، ومطلق في الدرجة، وفريد في علاقته بالأقانيم الثلاثة.

 

ونجد عبارات مشابهة عن صلاح الله الفائق عبر الكتاب المقدس، كما صرّح به داود في (مزمور 5 : 4):

 "لاَ يُسَاكِنُكَ (الله) الشِّرِّيرُ."

 

وفي دانيال ( 4 : 37) نجد حتى الملك الأممي نبوخذنصّر يعلن:

"كُلُّ أَعْمَالِهِ حَقٌّ وَطُرُقِهِ عَدْلٌ."

 

وربما أكثر النصوص بلاغة في تجسيد هذه الفكرة في متى (5 : 48) حيث أعلن يسوع:

"فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ هُوَ كَامِلٌ."

 

في كل هذه الفقرات الكتابية، يتضّح أنه يتم تقديم الله كالقانون الأخلاقي المطلق، وذلك بطريقتين:(1) أولاً، يوصف الله كقمة الكمال، كالكائن الذي لا عيب فيه، وثانياً (2) كما يتم تشجيعنا نحن كقرّاء الكتاب المقدس لكي نقيس صلاحنا في نور شخص الله وأعماله.

 

على أساس هذه الفقرات الكتابية وأخرى غيرها، يتأكد لنا على نحو صحيح، بأن الصلاح والاستقامة، هما، أولاً وقبل كل شيئ، صفتان أبديتان لأقانيم الثالوث: ألآب والابن  والروح القدس، ويتأكد لنا عندئذ أن الصلاح بكل ماله من مواقف، وقيم، وبواعث، ورغبات، وأهداف هو الصلاح المعياري الذي يملكه الله الحي في صميم كيانه. لذلك من أجل اكتشاف المعيار الصحيح للصلاح، يجب ألا نسعى جاهدين لتعلم ببساطة مبادئ أخلاقية مجردة، لكن بالأحرى يجب أن نسعى جاهدين لنعرف عمق صفات الله نفسه.

 

في المقام الثاني، عندما نتحدث عن الله كالقانون الأخلاقي المطلق، فنحن نعني أيضاً بأنه لا يوجد معيار آخر أعلى من شخص الله. إن صلاح الله هو المعيار المطلق لكل صلاح.

 

للأسف، إن لدى الكثير من الناس اعتقاداً خاطئاً، هو أن الله ذاته يجب أن يخضع لتعريف قياسي"للصلاح" إذا كان لابد له أن يدعى "صالحاً" أو

"مستقيماً". مثلاً، يعتقد بعض الناس أنه لا يمكن دعوة الله صالحاً إن كان يدين الكائنات البشرية، ويعتقد آخرون بأن الله الصالح لا يمكن أن يسمح بالشر على الإطلاق. وانطلاقاً من هذه الافتراضات يقررون نتيجة مغلوطة بأن إله الكتاب المقدس لا يمكن من الصواب وصفه بأنه "صالح". وللأسف، أنه برغم رفض المسيحيين لهذا الاستنتاج بأن الله غير صالح، إلا أن بعض المؤمنين يقبلون بخطأ الفكرة إنه يوجد مقياس أعلى للصلاح ينبغي حتى على الله أن يطابقه.

 

الآن، يتعين علينا الاعتراف بأنه أحياناً يظهر أن كتّاب الأسفار المقدسة كما لو أنهم قيّموا الله نفسه بمعايير بديله لمعيار شخصه هو. والأكثر شيوعاً، في هذا الشأن، أنهم أخضعوا الله لمعيار الكتاب المقدس.

 

مثلاً، في مزمور 119 والآيات 65 و 68 كتب كاتب المزمور:

"خَيْراً صَنَعْتَ مَعَ عَبْدِكَ يَا رَبُّ حَسَبَ كَلاَمِكَ. صَالِحٌ أَنْتَ وَمُحْسِنٌ عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ."

في الآية 65، أقرّ كاتب المزمور بأن كلمة الله كانت مقياس الصلاح ، حتى إنه أشار إلى إمكانية الحكم على أعمال الله بأنها "صالحة" وفقاً لهذا المقياس. وفي الآية 68، أقرّ بأن الله حقيقةً صالح وأعماله كانت صالحة بإيحاء ضمني إلى إن الله سلك حسب ما تكلم به.

 

وأخيراً، اختتم كاتب المزمور الآية 68 بالتعبير عن رغبته في تعلّم فرائض الله، التي هي ناموس الله، لعله يبلغ صلاح الله. بالاختصار، في هذه الآيات قام كاتب المزمور بقياس أعمال الله بمقياس ناموس الله، ووجد إن أعمال الله  صالحة.

 

ولكن أدرك كتّاب الكتاب المقدس بأن الناموس ليس أمراً خارجياً عن الله  ولكنه بالآحرى "تعبير- ذاتي" عنه.

 

أعتبر مثلاً، بأنه لاحقاً في المزمور 119 : والآيات 137 و 142 سجّل كاتب المزمور:

"بَارٌّ أَنْتَ يَا رَبُّ وَأَحْكَامُكَ مُسْتَقِيمَةٌ... عَدْلُكَ عَدْلٌ إِلَى الدَّهْرِ وَشَرِيعَتُكَ حَقٌّ.

 

ناموس الله صالح ومستقيم لأنه يأتي من الله الذي هو نفسه صالح ومستقيم. لأن الله بار فكل ما يفعله ويعبر عنه – بما فيه ناموسه- يُظهر صلاحه، لذلك حتى مؤلفو الكتاب المقدس عندما قارنوا الله لمقياس الناموس كان قصدهم ببساطة أن يعبروا عن كيف أن ناموس الله يعكس شخص الله.

 

لم يقصد مؤلفو الكتب المقدسة على الإطلاق أن يعلموا بأن الله يخضع للناموس بالطريقة التي يخضع فيها البشر للناموس، كذلك لم يعتقدوا باحتمال أن يناقض الله المقاييس المعلنة في الناموس. يتحدث الكتاب المقدس بانتظام عن صلاح شخص الله كالمعيار المطلق الذي عليه يجب تقييم كل المسائل الأخلاقية.

 

بالإضافة إلى حقيقة أن الله هو المعيار الأخلاقي المطلق، فسوف نكتشف أن الله أيضاً هو القاضي المطلق للأخلاقيات. أي إن الله له الامتياز المطلق ليحكم فيما إذا كانت الأعمال، والعواطف، والأفكار المعينة تتوافق مع مطالبيه الأخلاقية أو تخالفها. كما أن له مطلق الحق والقوة ليتصرف بناءً على أحكامه.

 

على هذا الأساس، هو أمر صحيح أن يفوّض الله للكائنات البشرية بعض المسئولية ليقوموا بصنع أحكام أخلاقية. مثلاً، وحسب الكتاب المقدس، قد أُعطيَت الحكومات البشرية الشرعية مسئولية محدودة في إكرام الصالح ومعاقبة الشرير.  لكن الكتاب يعلّم أيضاً بأن أحكامنا الأخلاقية لا تكون صحيحة وفعالة إلا عندما تعكس أحكام الله.

 

هذا وقد أوضح يسوع نفسه بأنه الله في اليوم الأخير سوف يدين كل الناس حسب أعمالهم، ففي ذلك اليوم سوف يثبت كل الأحكام التي سبق أن قام البشر بصنعها أو يدينها. وفي ذلك الوقت سوف يلعن من كانت أعماله شريرة، بينما سيبارك من كانت أعماله صالحة.

 

 

 ويسجل يوحنا  5 : 27 – 30 كلمات يسوع فيما يتعلق بهذه المسألة:

"وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ... فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ... وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي."

 

وبغض النظر عن الاستنتاجات  الأخلاقية التي نصل إليها في هذه الحياة، فالله نفسه هو المحكمة العليا في الكون. وهو الذي سوف يصدر الحكم النهائي فيما إذا كنا قد عشنا بقيم أخلاقية أم لا- وستكون أحكامه ملزمة تماماً. ولا يوجد أساس يمكن لأحد أن يتحدى عليه سلطان الله.  يرجع إلى الله  كل السلطان والقوة، ولذلك لا مفر لتجنب أحكامه.

 

استمع إلى كلمات الله لأيوب في هذا الشأن، في (أيوب 40 : 2 – 14):

"هَلْ يُخَاصِمُ الْقَدِيرَ مُوَبِّخُهُ أَمِ الْمُحَاجُّ اللهَ يُجَاوِبُهُ ... لَعَلَّكَ تُنَاقِضُ حُكْمِي. تَسْتَذْنِبُنِي لكي تَتَبَرَّرَ أَنْتَ. هَلْ لَكَ ذِرَاعٌ كَمَا لِلَّهِ وَبِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِهِ تُرْعِدُ. تَزَيَّنِ الآنَ بِالْجَلاَلِ وَالْعِزِّ وَالْبِسِ الْمَجْدَ وَالْبَهَاءَ... فَأَنَا أَيْضاً أَحْمَدُكَ لأَنَّ يَمِينَكَ تُخَلِّصُكَ."

 

من حق الله أن يدين لأن له السلطة المطلقة. ولا يمكن تجنب أحكامه لأن له القوة المطلقة. وعلى الرغم من إن خلائق الله قد ترغب الفرار من سلطانه وقوته، إلا إنها لا تستطيع ذلك.

 

بالتحليل النهائي،  يوجد اختيارين فقط: إما أن نخضع أنفسنا لله كالدّيان، ملتمسين ملجأ في رحمته من خلال المسيح، أو أننا نتحدَاه ونعاني من العقاب الأبدي.

 

 

في حالة تعرُضنا لتجربة أن نغيظ الله أو أننا لا نثق بأحكامه، هنا يجب أن نضيف وبشكل عاجل، بأن كل أحكامه عادلة ومستقيمة. لأن الله ليس بمتقلب أو متغيّر، ولكنه دائماً يحكم وفقاً لمقياس شخصيته الثابت. هكذا حاجج إليهو في سفر أيوب ( 34 : 10 – 12):

 "حَاشَا لِلَّهِ مِنَ الشَّرِّ وَلِلْقَدِيرِ مِنَ الظُّلْمِ. لأَنَّهُ يُجَازِي الإِنْسَانَ عَلَى فِعْلِهِ وَيُنِيلُ الرَّجُلَ كَطَرِيقِهِ. فَحَقّاً إِنَّ اللهَ لاَ يَفْعَلُ سُوءاً وَالْقَدِيرَ لاَ يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ."

 

وبصفته قاضياً مطلقاً للأخلاقيات، يطبق الله بانتظام معيار شخصه الأخلاقي المطلق في كل حكم يصدره. وأحكامه كاملة وتدل على بصيرة وحكمة، وعدل لا ينضب، هذا بالإضافة إلى أخلاقيات خالية من الأخطاء.

 

بهذا الفهم الأساسي في أذهاننا عن شخص الله من حيث أنه يجمع في شخصه بين كونه النموذج الأخلاقي المطلق وقاضي الأخلاقيات المطلق،  لنتّجه الآن بأنظارنا إلى بعض متضمنات هذه الأمور لأجل حياتنا. فعندما تحدثنا عن الله كالمعيار الأخلاقي المطلق، نحن بذلك قد أشرنا بشكل جوهري إلى وجود الله في كيانه وعنه. وعندما تحدثنا عن الله كقاضي الأخلاقيات المطلق، فنحن بذلك قد ركّزنا أساساً على تفاعلاته مع خليقته.

 

عند هذه النقطة سنلتفت إلى حقيقة أن سلطان الله وقدرته في القضاء تلزم  خلائقه بأن  تحيا كما يمليه مقياسه الشخصي.

 

سوف تستدعي مثلاً، أنه في رسالة بطرس الرسول الأولى 1 : 15 و 16 علّم بطرس قرّاءه بهذه الطريقة:

"بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ."

 

 في هذا الفقرة، أكّد بطرس ما سبق وقلناه فعلاً، وبالتحديد أن شخص الله هو المقياس النهائي لكل سلوك بشري. ولكنه قام أيضاً بتطبيق هذه الفكرة بالإصرار على إنه بسبب كون الله هو المقياس لكل سلوك بشري، فالبشر تبعاً لذلك ُملزَمون بطاعة الله والتمثل به.

 

بالطبع، إنه أمر هام لنا أن ندرك إنه عندما نتحدث عن التشبه بالله، فنحن لا نتكلم عن تلاشي التمييز بين الخالق والمخلوق، بل نتحدث عن مسئوليتنا لنُظهر شخصه. مثلاً، عندما كتب بطرس بأنه ينبغي علينا أن نكون قدّيسين لأن الله قدوس، كان يقصد بأن قداسة الله  قدمت لنا معنى القداسة، ولأن الله يسلك بما يتوافق مع قداسته، لذلك يتوجب علينا نحن أيضاً أن نسلك حسب قداسته.

 

 

 

نرى أسلوباً مشابهاً لهذا التفكير في الموعظة على الجبل في متى 5 : 44 - 48، قال يسوع:

"أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ. وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ. لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ. فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ... فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ هُوَ كَامِلٌ."

 

ولأن سلوك الله هو صالح وأخلاقي تماما، فهو أيضاً معيار أخلاقي مُلزِم، لذلك هو التزام على كل شخص أن يطيع الله على نحو يتطابق مع مقياس أعماله.

 

هنا، يبدو هذا التطبيق لمعظمنا واضحاً على نحو ملائم، وبعد كل ذلك إن كان لله السلطة المطلقة التي تبقينا مسائلين أمام المقياس المطلق، عندئذ، يتبع ذلك أننا مُلزمون بأن نطيع بذلك المقياس. ومع ذلك، فمن الناحية الواقعية، كثير من البشر الذين يواجهون سلطان سيادة الله ومقياسه البار، استخفوا بوصايا الله وعاشوا حياتهم وفقاً لمبادئهم الخاصة التي صاغوها لأنفسهم.

 

كما يعتقد البعض أن الله حتى وإن كانت له القدرة على دينونتهم، إلا أنه لا يملك الحق لفعل ذلك. وحتى ممكن أن يعتقدا أنه من الصلاح والكرامة أن يقاوموا الله، رغم التبعات، وهذا يشبه كمن يقاوم ديكتاتوراً بشرياً شريراً.

 

 ونحن أيضاً نجد شكلاً من هذا الموقف  في الدوائر المسيحية. مثلاً، يعتقد الكثير في الكنيسة، أن الله لا يطلب طاعتنا بعد. فهم بذلك ينشئون خلطاً وارتباكا بين الغفران ومنح حرية التصرف، ويتخيلون خطأ أنه ما دامت قد غفرت كل خطايانا، لذلك يمكننا العيش  كما يحلو لنا.

 

في الحقيقة، وعلى أية حال، حتى المؤمنين يجب أن يعيشوا حسب مقياس شخص الله. أصغِ إلى الطريقة التي بها يعبر يوحنا عن ذلك في (1 يوحنا 1 : 7):

       "وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ... َدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ."

 

ذكر يوحنا في هذا الفقرة نقطتين، على الأقل، متلائمتين، على نحو مباشر، مع مناقشتنا.

 

أولاً، بتعليمه أنه ينبغي أننا كلنا نسلك في النور"اسلكوا في النور كما هو في النور." وبهذه المقولة، أشار يوحنا بأن التزاماً واجباً على كل المؤمنين أن يشابهوا الله.

 

ثانياً، قال يوحنا بأن التزامنا بطاعة مقياس الله مرتبط بغفراننا في المسيح،  فعندما نتمثل بالله فقط، يطهرنا دم المسيح فعلاً من كل خطية. ولا يمكن أن يكون يسوع مخلصاً لنا دون أن نكون نحن ملتزمين بطاعته كرب.

 

بتمعننا بعمق في الفكرة القائلة بأن الله نفسه هو المعيار الأخلاقي المطلق، نحن مؤهلون بذلك أن ننتقل إلى موضوعنا الرئيسي الثاني في هذه الدراسة، البعد المعياري في الأخلاق: كلمة الله  كمعيارنا الأخلاقي المُعلَن.

 

سبق ودرسنا عدد من الطرق التي يثبت فيها الكتاب المقدس فكرة إن الله نفسه هو المعيار الأخلاقي المطلق، ولكن في حقيقة الأمر إن ما نعرفه عن الله وصلنا فيما أعلنه عن نفسه لنا بواسطة كلمته. ودون هذا الإعلان، لكانت شخصيته غامضة وغير معروفة، وبالنتيجة لن نقدر أن نتمم واجبنا في أتباع نموذجه. ولحسن الحظ، يعلمنا إعلان الله الكثير من الأشياء عن شخصيته، بحيث تمكننا من صنع قرارات أخلاقية، تعكس هذا القياس الإلهي المطلق. وهكذا، عندما نقر مصممين إن الله هو معيارنا المطلق، ينبغي علينا الاعتماد على إعلانه أو كلمته كمعيارنا العملي.

 

ولكي نستكشف كيف أن كلمة الله هي معيارنا الأخلاقي المُعلن، سنتعامل مع ثلاثة قضايا:

أولاُ، سنلمس ثلاثة أصناف من الإعلان؛ ثانياً سوف نتحدث عن الصفة المعيارية لهذه الأصناف الثلاثة من الإعلان؛ وثالثاً سوف نستكشف وحدة المعايير المعلنة لهذه الأصناف الثلاثة. في المقام الأول، لكي نتقدم في فهمنا للسلوكيات المسيحية، ينبغي أن نتمسك بحقيقة إن الله أعلن نفسه في ثلاثة طرق.

 

هذا ولقد تكلم اللاهوتيين تقليدياً وأساساً عن إعلان الله في صنفين: الإعلان الخاص والإعلان العام. وقد ضمّنوا في صنف الإعلان الخاص رسائل اتصالات مباشرة من الله مثل الكتاب المقدس، والنبوة، والأحلام، والرؤى. بينما أشتمل الإعلان العام أموراً مثل التاريخ، والكون، والطقس، والنباتات والحيوانات، والكائنات البشرية. ببساطة جعلوا الإعلان العام يشمل كل ما لا يعتبر إعلاناً خاصاً.

 

بينما يساعدنا هذا المدخل التقليدي لفهم الإعلان بطريقة أو بأخرى، لكنه ينزع لإبعاد اهتمامنا وتركيزنا عن بعض الأبعاد الهامة جداً لإعلان الله. ولذلك ففي هذا الدرس، سنتحدث أيضاً عن الإعلان الوجودي: أي إعلان الله في الأشخاص؛ وهو إعلان كثيراً ما اندرج تحت الإعلان العام، ولكنه يستحق أن نتعامل معه في معالجة خاصة به منفرداً.

 

واضعين الأصناف الثلاثة للإعلان في أذهاننا، نحن في موقع يسمح لنا  باستكشاف كيف تزودنا كل هذه الإعلانات الإلهية بمعايير تعلن شخص الله كما وترشدنا في صنع القرارات الأخلاقية.

 

 

سندرس أولاً الجوانب المعيارية لكلمة الله والموجودة في الإعلان العام، وثانياً في معايير الإعلان الخاص، ثم ثالثاً في الإعلان الوجودي كالمعيار المعلن. دعونا نوجه أنظارنا الآن إلى الطريقة التي يعمل بها إعلان الله العام كسلطة نخضع لها.

 

عندما نتحدث عن الإعلان العام فنحن نهتم بالطريقة التي يخبرنا فيها كل من الخليقة والتاريخ بأشياء حقيقية عن الله وعن مطالبه الأخلاقية منا. وبالطبع  لا يمكن للإعلان العام أن يعلمنا كل شيء.

 

مثلاً، بشأن بعض الأمور، مثل طريقة الخلاص بيسوع المسيح، تمّ التعليم بها فقط بواسطة الإعلان الخاص، ولكن لا زالت هناك أوجه أخرى لإرادة الله تصلنا بشكل أساسي عن طريق الإعلان الوجودي، وينبّر الكتاب المقدس أيضاً على حقيقة إنه عند سقوط آدم وحواء في الخطيئة، فإن العالم المخلوق سقط معهم، ولذلك قد تمّ فساد الطبيعة. ونتيجة لذلك، يصعب تفسير الخليقة والتاريخ؛ فليسا بعد يقدمان صورة واضحة عن شخصية الله. ومع ذلك، يؤكد لنا الكتاب المقدس بأن الإعلان العام لا يزال يعلمنا بوضوح كاف أموراً حقيقية عن الله، فإنه يعلن المعيار الكامل لشخصية الله، وبالتالي يخدم كأحد معايير الله المعلنة.

 

سنتحدث عن خاصيتين هامتين من خواص الإعلان العام في تطبيقه أو صلته بالسلوكيات المسيحية: هما تعقيدات الإعلان العام وأهميته.

 

في المقام الأول، الإعلان العام هو إعلان معقد. من الشائع بين المسيحيين التفكير في الإعلان العام في مصطلحات بسيطة للغاية، كما لو كانت كل أشكال الإعلان العام متشابهة، في واقع الأمر مع ذلك، هناك درجات متفاوتة من العمومية والخصوصية الإعلانية في داخل الإعلان العام. فبعض الأوجه للإعلان العام شائعة بين كل الناس، بينما بعض الجوانب الأخرى تنحصر في مجموعات محدودة من البشر. وبعض الأوجه هي بالأحرى مبهمة المعنى، بينما البعض الآخر واضحة. كما تتبع بعض الأوجه النظام الطبيعي مع إشارة طفيفة إلى نشاط الله، وانهماكه اليومي، بينما تظهر بعض الأوجه الأخرى تدخل الله فوق الطبيعي.

 

             

فلنعتبر مثلاً، في أحد طرفي الطيف، حيث أوسع نطاق مرئي للإعلان العام للشمس. كل واحد تقريباً، على مر التاريخ البشري شاهدوا الشمس وتأثيراتها. وفي الشمس، هم رأوا، بمعنى ما،  "الإعلان-الذاتي" لله. وهذا النموذج هو أكثر النماذج الذي يمكن تخيله عن الإعلان العام. ولكن لنضع في اعتبارنا إن كل البشر في رؤيتهم للشمس وتأثيراتها، هم لذلك ملتزمون بتجاوب أخلاقي معين،

 

وصفه يسوع في متى (5 : 44و45):

 

      "أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ. وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ. لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ. فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ."

 

تًظهر حقيقة أن الشمس تشرق على الأشرار، وتدفئهم، وتتسبب في نمو محاصيلهم، أن الله هو إله صبور ولطيف حتى نحو الخطاة اللذين يكرهونه. وحيث إن كل الكائنات البشرية مسئولة أن تتمثل بشخص الله، فنحن مسئولون جميعاً أن نحب أعداءنا وأن نصلي لأجلهم.

 

على الطرف الثاني من الطيف، بعض الإعلان العام معروفاً لقلة من الناس حتى أنه يبدو مشابهاً بدرجة عالية للإعلان الخاص. فلناخذ في عين الاعتبار مثلاً، تاريخ حياة يسوع المسيح، وموته، وقيامته. فكما سبق وقلنا، إن التاريخ هو جزء من الإعلان العام. وحين نفكر في الأحداث التي يسمح بها الله وكيف أنه يحكم العالم عبر الزمن، نتعلم الكثير عن شخصه. هذا ويخبرنا تاريخ الفداء، وتحديداً ما يتعلق بعمل يسوع المسيح، الكثير عن الله وعن أنفسنا وعن الخلاص.

 

لنستمع كيف يشرح  بولس تاريخ القيامة في أعمال الرسل  17 : 30و31:

 

    "فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ. لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ مُقَدِّماً لِلْجَمِيعِ إِيمَاناً إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَات."

 

ناقش بولس في هذا النص أن حقيقة قيامة يسوع المسيح التاريخية

كانت برهاناً على أن الله وضع يوماً سوف يدين فيه كل العالم. ويتابع  نقاشه بأن يوم الدينونة الآتي يلزم كل الناس في كل مكان بالتوبة. بعبارة أخرى، الإعلان العام لحقيقة القيامة التاريخية هو إلزام لجميع الناس.

 

هذا النوع من الإعلان العام هو شديد الشبه بالإعلان الخاص لأنه نادر وغير معتاد. لم يرى كثير من الناس يسوع عندما عاش ومات. بالإضافة إلى إن حياته وموته كان فوق العادي للغاية؛ لم تكن تشابه حياة أو موت أي إنسان آخر. كما أن حقيقة مُعجزية قيامته لم تكن قابلة للإنكار. رغم كل ذلك، فهذه لا تبلغ مستوى الإعلان الخاص لأنها لا توصل إلينا كيف نتوب ولا المعنى الكامل للالتزام التام أمام الله.

 

في المقام الثاني، نحتاج في الأخلاق المسيحية أن نؤكد على أهمية الإعلان العام لصنع القرارات الأخلاقية. الله يعتبر كل البشر مسائلين أمامه أن يدركوا ويتوافقوا مع تلك الجوانب من شخصيته والتي قد أعلنت لهم من خلال الخليقة والتاريخ.

 

بداية، قد يبدو غريباً لكثير من المسيحيين أن نعطي كل هذه القيمة العالية لما تُعلّمه لنا الخليقة والتاريخ عن الله. سيما وأن إحدى السمات المميزة  للفكر اللاهوتي البروتستانتي هي أننا نولي الكتاب المقدس، باعتبار كونه الإعلان الخاص، منزلة أعلى من كل أنواع الإعلانات الأخرى. لكن حقيقة الأمر هي أنه برغم تعظيمنا للكتاب المقدس كأسمى أشكال الإعلان في يومنا، إلا إن البروتستانت كانوا يؤكدون دائماً  على شرعية الإعلان العام  وسلطته الُملزِمة.

 

مثلاً إقرار الإيمان الويستمنستري يبدأ بالفصل 1 والجزء 1 بالكلمات:

   "أؤمن بأنه مع أن نور الطبيعة وأعمال الخلق والعناية تظهر إلى حد بعيد صلاح الله وحكمته وقدرته حتى تترك البشر بلا عذر، لكن مع أنها ليست كافية لأن تعطى تلك المعرفة  بالله وإرادته التي  هي ضرورية  للخلاص."

 

بيّن الله شخصه بواسطة ما قد صنعه، وأيضاً من خلال تفاعلاته المستمرة مع هذا الذي صنعه. ولأن الله ذاته هو معيارنا المطلق، فنحن ملزمون أن نطيع إعلانه عن نفسه والذي يصلنا من خلال الإعلان العام.

 

عبّر بولس عن هذه الأفكار في رومية ( 1 : 18 – 20) حيث كتب:

"لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. لأَنَّ أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ َقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُه حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ."

 

الإعلان العام هو المقياس أو المعيار للعقيدة عن الله والتي هي ملزمة لكل البشر. ولأن الإعلان العام هو معيار ملزم، فكل من يسلك بطريقة معاكسة مع ما أعلنه الله هو مذنب باقترافه خطيئة.

 

وتتضح الفكرة عينها في (رومية1 : 32) حيث يضيف بولس هذا التعليق عن الذين رفضوا الله كما يعلن نفسه في الخليقة:

 

  "الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ."

 

يدعو بولس الرسول هنا الإعلان العام ب "حُكم" بينما ترد هذه الكلمة في ترجمات أخرى ك "أمر" أو "قضاء". الفكرة الرئيسية واضحة، برغم ذلك: أي أن الإعلان العام هو المعيار المعلن والواضح لكل شخص وأن الله يوصي كل البشر بالطاعة.

 

قد لا يتفق كثير من الناس مع تقييم بولس بأن هذا المعيار واضح للكل.

كما يشعر بعضنا بلا شك أننا لم نتعلم هذه الأشياء من الخليقة، وأن هذه المعلومات هي دقيقة جداً بحيث يصعب جمعها من الطبيعة والتاريخ. كانت هذه الشكوك والاعتراضات أموراً صحيحة أيضاً في زمن بولس، لذلك شرح الرسول ضمن مناقشته السبب لماذا لا يفهم كثير من الناس هذه الحقائق من الإعلان العام.

 

في (رومية 1 : 21) شرح بولس:

     "لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ."

 

يقول بولس الرسول، بالرغم من أن الإعلان العام يتحدث إلينا بوضوح، نحن نرفض معناه الواضح لصالح معاني أخرى. فقد اخترع غير المؤمنين القدامى آلهة غير حقيقية. بينما يعزو المؤمنون العصريين الخليقة، عادة، إلى الصدفة. هذا وقد أصبح الكثير من المسيحيين معتادين أن يروا الخليقة من خلال المفاهيم الحديثة لعدم الإيمان. وبالرغم من ذلك، يظل إعلان الله في الخليقة أمرا مُلزِماً. و يبقى هذا الإعلان معيار الله المُعلن الذي يتعين علينا الخضوع له.

 

من المحتمل أن بولس كان يستنتج من مزمور 19 حيث كتب داوود في الآية 1:

 

"اَلسَّمَوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ. وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ."

 

مع كل الروايات التي تتحدث عن الخليقة، قد تكون السموات وبقية العالم المخلوق من أكثر جوانب الإعلان العام عمومية. فقد استطاع معظم البشر

الذين عاشوا على وجه هذه الأرض رؤية آفاق قبة السماء الواسعة؛ وهذا الأسلوب المعرفي من المعرفة هو أسلوب فائق الشيوع. فإن كان معظم عمومية الإعلان العام هو ملزم وسلطوي، فمن المؤكد أن الأشكال الخاصة للإعلان العام هي ذات سلطة أيضاً.

 

أما وقد رأينا أن الإعلان العام يصل إلينا بأشكال متعددة، وأن كل أشكاله تعلن معايير الله، يتعين علينا أن نفحص الإعلان الخاص كمعيار آخر معلن من الله. وسواء كان الأمر سهلاً أو صعباً علينا أن نقتنع بأن الإعلان العام هو جزء من معيار الله المُعلَن لحياتنا، يجب على  كل المسيحيين أن يميزوا بسهولة أن الإعلان الخاص هو المعيار المُلزم لحياتنا.

 

تماماً مثلما فعلنا مع الإعلان العام، سنركز على تعقيدات الإعلان  الخاص وأهميته للسلوكيات المسيحية.

 

في المقام الأول، يوصف الإعلان الخاص بأنه معّقد، فقد وصل إلينا في أشكال متعددة. وتعتمد معظم هذه الأشكال على الكلمة المكتوبة أو المتحدث بها، ولكن كل هذه الأشكال تتضمن اتصال الله مع شعبه بطرق تسمو فوق أعمال الخليقة الطبيعية. وعند قيامنا بمسح للكتب المقدسة، نجد نماذج كثيرة مختلفة للإعلان الخاص. في بعض الحالات يظهر الله بطريقة مرئية  ويتحدث بصوت مسموع لمجموعات أو أفراد. وفي حالات أخرى، يكون الله مسموعا ولكن غير مرئي. وفي أوقات أخرى يتواصل من خلال وسيط مثل ملاك يظهر لشعبه. وبصفة عامة يعطي الله تعليماته للذين تلقوا إعلانه الخاص ليدوّنوا ما قد أعلن لهم، وقد تم اتفق بأن يكون هذا السجل المدوّن هو الكتاب المقدس، وهو شكل آخر فريد للإعلان الخاص.

 

بقدر تعدد هذه النماذج المختلفة للإعلان الخاص، بقدر ما توصف بأنها  كلّها "خاصة" بمعنى ما، ذلك أنها تمثل اتصالاً فوق طبيعياً استثنائياً بين الله والإنسان، إنّها تشتمل تدخل الله لتغيير المجرى الطبيعي للأحداث، كما حدث هذا مراراً، وذلك من أجل تحقيق اتصال أكثر مباشر مع شعبه.

 

ولكن بالرغم من إن هذه النماذج المتنوعة للإعلان تتشارك بهذه الرابطة العامة، إلا أنه يمكننا التمييز بينها لأنّ بعضها يأتي بطريقة مباشرة أكثر من الله، مع استخدام أقل للوساطة. ولكن الإعلانات التي يستخدم فيها بعد أكبر من الوساطة، فهذه تعتبر أقل "خصوصية"، ويمكن التفكير بأنهم يجاوروا من حدود الإعلان العام. فالإعلانات التي تأتي بمباشرة أكثر من الله، تكون بدورها، هي الأكثر "خصوصية".

 

فقد تحدث موسى مع الله بصورة مباشرة وشخصية كما نقرأ في خروج  33 : 11:

 

     "وَيُكَلِّمُ الرَّبُّ مُوسَى وَجْهاً لِوَجْهٍ كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ."

 

هذا ونحن نجد على الطرف الأخر من طيف الإعلان الخاص أموراً مثل الأحلام. ويكمن مغزى الإعلان الخاص في صلته بالأحلام، ليس في حقيقة أن الشخص يحلم، بل في حقيقة إن الله يستخدم ظاهرة الأحلام الطبيعية هذه، في توصيل حق ما إلى فرد ما.

 

على سبيل المثال، نجد في تكوين 41، في رواية حلم فرعون، قصة السبع البقرات المهزولة، الذين أكلت البقرات السمينة اللحم. وبالتأكيد أدرك فرعون أنّ حلمه كان حلماً فوق طبيعي، وكان ذلك واضحاً، دون ما حاجة إلى دليل، عندما استغاث بمشيريه ليفسرا له هذا الحلم.

 

لكن كيف علم فرعون بأنّ حلمه كان حلماً فوق طبيعي؟ لم يخاطب اللهُ  فرعون مباشرةً في الحلم، أو حتى لم يرسل ملاكاً ليتحدث إليه، كما فعل مثلاً مع يوسف النجّار لاحقاً، كما ورد في إنجيل متى الإصحاح الأول. لكن الأمر الوحيد الخاص فيما يتعلق بحلم فرعون، هو أن الله استخدم الحلم ليتواصل مع فرعون. ولو أن الله لم يستخدم هذا الحلم، لأصبح هذا الإعلان الخاص إعلاناَ غير متميّز عن الأحلام التي تحدث كجزء طبيعي من الإعلان العام.

 

 بالاختصار، بعض من الإعلان الخاص هو فوق طبيعي ورائع، مثل ظهور الله مع البشر وحضوره معهم كما حدث مع موسى. بينما يشبه البعض الآخر من الإعلان الخاص، مع ذلك، عن كثب، الحياة البشرية العادية والطبيعية.

 

في وقتنا هذا، أكثر أشكال الإعلان الخاص شيوعاً، والشكل الوحيد المعترف به عالمياً من أشكال الإعلان الجارية، هو الكتاب المقدس. هذا، مع كون الكتاب المقدس نفسه يحتوي على أجزء خاصة جداً، وأجزاء أخرى، أكثر منها قليلاً، عمومية.

 

مثلاً، بحسب خروج (31 : 18) كتب الله مباشرة الوصايا العشر، والتي كانت على: "لَوْحَيْ حَجَرٍ مَكْتُوبَيْنِ بِإِصْبِعِ اللهِ."

 

هناك، مع ذلك، بعض النصوص الأخرى التي كتبها، أصلا، وثنيون فسّروا الإعلان العام. فقد تحدّث بولس لمستمعيه اليونانيين، مثلاً، بالكلمات الواردة في إعمال الرسل ( 17 : 28):

 "كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ. (ذرية الله)."

 

هنا أكّد بولس الرسول خلاصة كلمات الشاعر الوثني، وهكذا أصبحت تلك الكلمات للشاعر الوثني، جزءاً من الإعلان الخاص.

 

وهكذا نرى أن بعض النصوص تتضمن أمثالاً معينة كان قد جمّعها كتّاب الأسفار المقدسة، بينما نرى آخر يقتبس من الشعراء الوثنيين، هذا بالإضافة إلى نسخ الرسائل التي تمّت بين الملك أرتحششتا وعبيده في منطقة نهر الفرات، والموجودة في سفر عزرا الإصحاح الرابع.

 

الإعلان الخاص معقّد، وقد وصل إلينا في عدد من الأشكال. وتعتمد معظم هذه الأشكال على الكلمة المكتوبة أو المتحدث بها، ولكن كل هذه الأشكال تشتمل اتصال الله مع البشر بطرق تسمو فوق أعمال الخليقة العادية.

 

في المقام الثاني، يشكّل الإعلان الخاص كله أمرا هاماً للسلوكيات المسيحية لأن الإعلان الخاص هو معيار لنا؛ كل الإعلان الخاص هو المقياس الذي ينبغي أن نلتزم به.

 

لنضع في اعتبارنا مثلاً، أنه بعد اقتباس بولس من الشاعرين الوثنيين أراتوس وكلينثيس، كما بدا ذلك في أعمال الرسل (17 : 28)، نراه وقد أخذ من كلماتهم شكلاً تطبيقياً ملزماً لكل البشر، فلنستمع إلى (أع 17 : 28 – 30):

"كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ. فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللهِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرٍ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ. فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ."

 

فبالرغم من أن هذه الكلمات المقتبسة "نحن ذريته" هي من أصول وثنيّة، ولكن حين استخدمها بولس، بصفته رسولاً بسلطان من الله، تحولت إلى  إعلان الله الخاص للبشر، وصارت مقياساً مُلزماً، "فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا."

 

إن كانت الكلمات ذات الأصول الوثنية صارت تحمل مثل هذه القوة فبالتحديد يكون الإعلان الخاص، وهو الإعلان ذو الصفة الأكثر خصوصية، يكون أكثر إلزاما لنا. وفي واقع الأمر، نجد أن هذه النتيجة مؤكدة من الكتاب المقدس نفسه.

 

مثلاً، لنستمع إلى كلام الله الموجّه لسكان أورشليم، كما في ارميا ( 25 : 8و9)، بعد أن رفضوا أنبيائه مراراً:

  "مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ لَمْ تَسْمَعُوا لِكَلاَمِي, هَأنَذَا أُرْسِلُ فَآخُذُ كُلَّ عَشَائِرِ الشِّمَالِ يَقُولُ الرَّبُّ وَإِلَى نَبُوخَذْنصَّرَ عَبْدِي مَلِكِ بَابِلَ وَآتِي بِهِمْ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ وَعَلَى كُلِّ سُكَّانِهَا وَعَلَى كُلِّ هَذِهِ الشُّعُوبِ حواليها فَأُحَرِّمُهُمْ وَأَجْعَلُهُمْ دَهَشاً وَصَفِيراً وَخِرَباً أَبَدِيَّة."

 

لأنّ الشعب رفض الإصغاء لأنبياء الله، لذلك هدّدهم الله بإنزال دينونة العهد مشددة للغاية عليهم، مُحذّراً إياهم بأنه سيأتي بهم إلى "خِرَباً أَبَدِيَّة" إذا هم فشلوا أن يتوبوا. عندما يُعلن الله حقه من خلال ممثّليه الذين خولّهم بالسلطة، مثل الأنبياء والرسل الذين ذكرهم الوحي في الكتاب المقدس، فهذا الإعلان الخاص هو مُلزِم بشكل مطلق.

 

الآن، في أيامنا، ليس لدينا رسل وأنبياء على قيد الحياة مفوّضين   بسلطان. ولكن لدينا الكتاب المقدس فعلاً، الذي هو مُلزِم لكلِّ الناس في كل الأزمنة. ولأنّ الكتاب المقدس هو أكثر أشكال الإعلان الخاص ملائمة لنا في يومنا الحاضر، لذلك سوف نتكلم عنه بتفصيل أكثر في الدرسين القادمين.

 

لكن الآن، مع ذلك، يتعين علينا أن نتوجه بأنظارنا إلى الإعلان الوجودي الذي هو إعلان الله من خلال أشخاص بشريين.

 

بالرغم أنه لم يكن أمراً شائعاً أن يستخدم اللاهوتيين تعبير "الإعلان الوجودي،" ولكن فكرة أنّ الله يعلن نفسه في أشخاص ومن خلالهم هي فكرة معترف بها كجزء من الإعلان العام، في الأوساط الرائدة للفكر اللاهوتي البروتستانتي. بعبارة أخرى، نحن هنا لا ندافع عن نوع جديد من الإعلان العام، ولكننا ببساطة نقوم بتصنيف نفس الإعلان الذي سبق وقَبِله اللاهوتيين منذ قرون بطريقة مختلفة.

 

مثلاً استمع إلى إقرار الإيمان الويستمنستري والفصل 1 والجزء 10 :

"أؤمن أن القاضي الأعلى الذي بواسطته يحكم في كل قضايا الديانة وكل قرارات المجامع، وأراء المؤلفين القدامى، وتعاليم الناس، والأرواح الخاصة، ينبغي أن تمتحن بواسطته والذي بحكمه ينبغي أن يستريح،لا يمكن أن يكون غير الروح القدوس متكلما في المكتوب."

  

  يصرح إقرار الإيمان على أن القاضي الأعلى في كل الاختلافات الدينية  هو الروح القدس، وأن الكتاب المقدس هو المرشد الموثوق به للروح القدس عندما يصدر أحكامه.  لكن لا حظ أنه عند اللجوء للكتاب المقدس كالمعيار المطلق المُعلَن والذي تخضع لأحكامه كل المعايير الأخرى، فالإقرار الويستمنستري لا يصرف ببساطة كل الإعلانات الأخرى جانباً كأنها عديمة الفائدة أو غير صالحة. بل في الحقيقة، يفترض الإقرار قيمة كل المصادر الأخرى التي أوردها. فالله يستخدم المجامع، والمؤلفين القدامى، وتعاليم  الناس والأرواح الخاصة لكي يعلن إرادته لشعبه، هذا برغم أن أحكامهم يجب أن تخضع لسلطة الكتاب المقدس.

 

 

يمكننا أن ندعو هذه الأحكام البشرية أشكالاً ل "الإعلان الوجودي." فليس واحدا منها يمثل إظهاراً بسيطاً للتاريخ أو للخليقة، كما ليس أيا منها يشكل اتصالاً فوق طبيعياً مباشراً من الله. ولكن كل واحد منها يشمل على جزء من إعلان الله من خلال كائنات بشرية، سواء اعتبرت هذه المعلنات كاستنتاجات لاهوتية مشتركة يقوم  بها مجموعة من الناس معاً، أو كأحكام لأفراد، أو كعمل قيادي من الروح القدس في داخل المؤمنين لإرشادهم وإنارتهم.

 

كما سبق وفعلنا في دراستنا لكل من الإعلانين العام والخاص، سنتحدث أيضا عن تعقيدات الإعلان الوجودي، ثم عن أهميته للسلوكيات المسيحية.

 

في المقام الأول، قد ينقسم الإعلان الوجودي إلى تصنيفين رئيسيين، ما يمكن أن نطلق عليه الأوجه الخارجية للإعلان الوجودي، والأوجه الداخلية للإعلان الوجودي.

 

تتضمن الأوجه الخارجية للإعلان الوجودي أموراً مثل: الوجود البشري؛ والحكم البشري على الصعيدين الفردي والجماعي؛ والسلوك البشري. ونستطيع أن نفكر في الوجود البشري كشكل من أشكال الإعلان، لأنّ الكائنات البشرية مخلوقة على صورة الله. كأننا نقول، بمعنى ما، أن كل منّا هو بمثابة نسخة أو انعكاس عن الله.  فالكائنات البشرية هي الصور التي تعكس مجد الله ووقاره. ولأننا نعكس شخصه، لذلك يكون بمقدورنا أن نتعلّم أموراً كثيرة عن الله عندما نمعن النظر في البشر.

 

نقطتنا الثانية، أن الأحكام البشرية سواء الفردية منها أو الجماعية هي شكل من أشكال الإعلان الوجودي، هي وثيقة الصلة بحقيقة إننا مخلوقون على صورة الله.

 

استمع كيف سجّل موسى تاريخ خليقة الإنسان في تكوين  1 : 26:

    "وَقَالَ اللهُ نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا. فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ."

 

بالرغم من قدرتنا أن نستنتج الكثير من الاستدلالات من حقيقة إننا مخلوقين على صورة الله، إلاّ أننا أول ما نجد هذه الفكرة في الكتاب المقدس فالمعنى الذي يرتبط بها ذهنياً هو أن الله أعطى سلطاناً للكائنات البشرية لكي تحكم العالم. وأحد متضمنات هذه الفكرة هو أن البشر عندما يمارسون هذا السلطان، هم بذلك يعلنون شخص الله.

 

نرى هذه الديناميكية تعمل بطريقة أخرى كما يتضح ذلك في تكوين  2 : 19 حيث نقرأ الكلمات التالية:

     "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ. فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا. وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا."

 

هذا هو المثال الأول في الكتاب المقدس الذي نرى  فيه الإنسان يمارس السلطة المفوّضة لنا من قبل الله. ومهما نقوله أكثر عن هذا المثال، فهو، على الأقل، أمر حقيقي أن آدم عندما دعا الحيوانات بأسماء، فإنّه بذلك كان يفكر ويمارس حُكماً. وهكذا فمن الإنصاف القول، بأننا ككائنات بشرية، عندما نفكر ونصدر أحكاماً، في إطار ممارسة السلطة المخوّلة لنا من الله، فنحن بذلك نعكس شخص الله.

 

وهذا هو نوع النشاط الذي يشير إليه قانون الإيمان الويستمنستري، على وجه التحديد، عندما يذكر "المجامع"، و"المؤلفون القدامى"، و"تعاليم الناس" والمذاهب الخاصة".

 

مثلاً، نقرأ في أعمال الرسل 15  أن قادة الكنيسة كانوا قد اجتمعوا في أورشليم من أجل تسليم حُكم يتعلق بممارسات الأمم الذين اعتنقوا المسيحية. وفي هذا الصدد، بعث المجمع الذي حضره ودعمه رسل مثل بطرس وبولس، رسالة يشرح فيها قراراته إلى الكنائس المتعددة الموجودة آنذاك.

 

هذا ويسجل لوقا في أعمال الرسل  15: 28و29 بأن رسالتهم تضمنت التالي:

    "لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ غَيْرَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَعَنِ الدَّمِ وَالْمَخْنُوقِ وَالزِّنَا."

 

لاحظ أنّ مجمع أورشليم صرّح متحدثاً عن نفسه وعن الروح القدس بالمثل. فقد كان فهمهم هو أن الله يقدر أن يستخدم تشاورا تهم المشتركة معاً،  وصولاً إلى قرار لائق لصالح الكنيسة. وليس معنى هذا أن مجامع الكنيسة كانت معصومة من الخطأ، لكننا فقط أردنا الإشارة هنا أن لدينا حادثة كتابية سابقة تساعدنا لكي نؤمن بأن الله يستخدم شعبه المتحد معاً لكي يعلن حقاً.

 

إنها نفس الحالة عندما تجتمع الكنيسة في مجموعات صغيرة، فلنضع في اعتبارنا مثلاً، كلمات يسوع  في متى ( 18 : 16و20):

 "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فَخُذْ مَعَكَ أَيْضاً وَاحِداً أَوِ اثْنَيْنِ لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ ... لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ."

 

علّم يسوع بأنه حيث يجتمع شاهدان أو ثلاثة من المسيحيين لتأكيد مسألة تتعلق بالتأديب الكنسي على نحو صحيح، هنا يدعم يسوع ممارستهم للسلطان الذي أعطاه للكنيسة. لذلك، نحن في مأمن أن نستنتج بأنه عندما يجتمع المسيحيون في مجموعات صغيرة ويصدرون أحكاماً، فإن أحكامهم ليست معصومة من الخطأ، ومع ذلك، فمن الدقة بمكان أن نقول أيضاً إن الله يستخدم الأحكام الفردية والجماعية ليرشد بها شعبه إلى الحق.

 

إلى جانب الحكم والوجود البشري، يستخدم الله أيضاً السلوك البشري كنموذج خارجي للإعلان الوجودي. ونرى ذلك كثيراً في الكتاب المقدس عندما يشجع مؤلفوا الأسفار المقدسة قرائهم لكي يتمثلوا بسلوك الآخرين.

 

فمثلاً نحن نقرأ في (1تسالونيكي 1 :  6 و 7):

       "وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ ... حَتَّى صِرْتُمْ قُدْوَةً لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَفِي أَخَائِيَةَ."

 

مدح بولس المؤمنين في تسالونيكي لأنّهم اتّبعوا مثاله، ولأنّهم بدورهم أصبحوا هم أيضاً مثالاً يتّبعه الآخرون. وبقدر ما يعكس سلوك بولس وأهل تسالونيكي شخص الله، بقدر ما يكون ذلك شكلاً من أشكال الإعلان. ونتيجة لذلك، أصبح هذا الشكل من الإعلان معياراً أو مقياساً للسلوك الأخلاقي.

 

بالإضافة إلى هذه النماذج الخارجية للإعلان الوجودي يوجد أيضاً نماذج داخلية للإعلان الوجودي. ومع أنه قد نفكر في طرق عديدة يعمل الروح القدس بواسطتها في الكائنات البشرية ليعلن حقاً عن الله، لكننا سوف نركّز على اثنتين.

 

أولاً, سوف نكتشف ما دعاه اللاهوتيين تقليدياً ب "الاستنارة". وثانياً سوف نتقصى ما يدعى ب "الإرشاد الداخلي" للروح القدس والتي ظهرت في أمور مثل الضمير.

 

عندما نتحدث عن استنارة الروح القدس فنحن نشير إلى عطية فهم إلهي يعطيها الله للمؤمنين، وحتى لغير المؤمنين. عندما ينير الروح القدس عقل شخص ما، فإنه يعطي هذا الشخص قدرة أو معرفة لم يكن يمتلكها سابقاً.

 

أحد أوضح الأمثلة عن الاستنارة نجده في متى ( 16 : 15 – 17) حيث نقرأ السرد التالي:

    "(سأل يسوع) وَأَنْتُمْ مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وقال أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ. فَأجاب يَسُوعُ وقال طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا. إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ."

لم يعرف سمعان بطرس بنفسه أنّ يسوع كان هو المسيح، كما أنه لم يكن يعرف ذلك من الآخرين. لكن الذي حدث، أن الله نفسه هو الذي أعلن لبطرس هذه المعرفة على نحو مباشر.

 

بالطبع، كان بطرسُ قد تقابل أيضاً مع يسوع نفسه، وكانت معرفته الشخصية ليسوع جزءاً من العملية التي أدّت به إلى فهم إنّ يسوع كان هو المسيح. ولكن كثيرين من الذين تقابلوا أيضاً مع يسوع لم يصلوا إلى هذا الفهم مع ذلك. كان الفرق هو أنّ الروح القدس كان يعمل في داخل بطرس لكي يأتي له بهذا الإدراك.

 

وقد تناول بولس قضية استنارة المؤمنين بطريقة مباشرة في (1 كورنثوس 2 : 11و12) إذ كتب هذه الكلمات:

  "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ. هَكَذَا أَيْضاً أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ. وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ."

 

كانت وجهة نظر بولس هي أنه بالرغم من أن المؤمنين وغير المؤمنين بالمثل، قد يفهمون معاً نفس الحقائق، لكنهم لا يفهمونها بنفس الطريقة. كل البشر معاقون في فهمهم للإعلان لأنهم كائنات محدودة مخلوقة. ولكن الروح القدس يعمل في داخل المؤمنين لكي يمنحنا إدراكاً فائقاً للإنجيل والحق الإلهي.

 

يعتقد جميع المؤمنين، وذلك على أقل تقدير، أن إيمانهم بيسوع وثقتهم فيه كمخلص هما نتيجة لعمل الروح القدس المباشر فيهم.

 

كما كتب بولس في فيلبي ( 1 : 29):

 "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ."

 

الكلمة اليونانية التي ترجمت هنا "وُهِب" تعني "أعُطي مجاناً". فكرة  بولس هنا لم تكن إن أهل فيلبي قد مُنحوا فرصة لكي يؤمنوا، لكن بالأخرى إن الله منحهم الإيمان ذاته بيسوع عطية مجانية.

 

يعتقد جميع المؤمنين، وذلك على أقل تقدير، أن إيمانهم بيسوع وثقتهم فيه كمخلص هما نتيجة لعمل الروح القدس المباشر فيهم.

 

مما يثير الاهتمام، أن الكتاب المقدس يعلّمنا أيضا بأنّ الله ينير بصيرة حتى غير المؤمنين. ولقد درسنا فعلاً أن الله يوصّل حقاً لغير المؤمنين جميعهم بواسطة الإعلان العام. ولكن وفقاً لبولس ينقل الله حقاً لغير المؤمنين بواسطة الاستنارة أيضاً.

 

أصغِ إلى كلمات بولس في رومية ( 2 : 14و15):

     "لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ ... الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً."

 

بمعنى إنّ الله غرس في ذهن كل كائن بشري، بما فيهم غير المؤمنين، معرفة أساسية لناموسه. وبغض النظر عن تعرضنا للإعلان العام، فنحن نعرف كلنا، بالغريزة، بأن بعض الأمور صحيحة وبعضها خاطئة، وَتَحْمل ضمائرنا شهادة لهذه الحقيقة.

 

بالإضافة إلى ذلك، يوفّر الروح القدس ما يسمى ب "الإرشاد الداخلي".

 

عند مقارنة الاستنارة التي هي جوهرياً فكرية، يبدو الإرشاد الداخلي أكثر ميّالاً للعاطفة والحدس. وواحدة من أكثر الطرق الشائعة هي تلك التي يعمل بها الروح القدس في داخل الأفراد ليعلن لهم الحق عن شخص الله. ونحن نرى الإرشاد الداخلي يظهر بوضوح في أمور مثل ضمائرنا الشخصية، وبالمثل كما في مشاعرنا التي كثيراً ما يصعُب وصفها، حيث يرغب الله أننا نشارك بعمل معين.

 

أشار بولس إلى الإرشاد الداخلي، والذي يدعو للحيرة، في فيلبي ( 2 : 31):

         "لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ."

 

لاحظ بأنّ بولس لم يكن يتحدث هنا عما نعرفه أو نؤمن به، ولكن بالأحرى عما نريده أو نرغبه، وعما يحفّز أعمالنا. تعتبر هذه أيضاً نوع من الإعلان لأنّها توصّل لنا الانطباعات والحدس عن شخص الله. تماماً مثلما تعلن كل أنواع الإعلان الوجودي شخص الله، فهذه تفعل أيضاً، لذلك فهو مقياس ملزم ينبغي علينا أن نطيعه ونتطابق معه.

 

نظرنا على ثلاثة أصناف من إعلان الله، وقد رأينا كيف تزودنا كل إعلانات الله بمعايير تعلن لنا شخص الله. ولكن الآن، مع ذلك، سوف نكتشف وحدة هذه الأصناف الثلاثة للمعايير المعلنة.

 

الإعلان العام، والخاص، والوجودي كلها وثيقة الصلة ببعضها البعض. كلها تعلن نفس الإله الواحد، فهي لذلك كلها تعلن نفس المعيار وبالتالي فكلها مُلزمة وذات سلطة. ولكن ماذا يعنيه هذا كله لنا ونحن نحاول أن نصنع قرارات كتابية؟

 

سوف نستدعي لأذهاننا، أن مثالنا لصنع القرارات الكتابية هو أنه: "يشمل الحكم الأخلاقي تطبيق كلمة الله في موقف ما بواسطة شخص ما." في ضوء هذا المثال، تشير وحدة إعلان الله العام، والخاص، والوجودي إلى وجوب أن نخبر بكل أحكامنا الأخلاقية بواسطة كل أصناف الإعلانات الثلاثة المتاحة لنا.

 

بالطبع، الكتاب المقدس يكفي تماماً أن يعلمنا ما يتعلق بالأخلاق المسيحية. وبالإضافة إلى ذلك، لا يقدم لنا كل من الإعلان العام، والإعلان الوجودي معلومات جديدة عن شخص الله غير متضمنة في الكتاب المقدس. لكننا سنفهم ماذا يعلمنا الكتاب المقدس بوضوح أكثر كثيراُ عندما نقارنه مع بقية إعلانات الله الأخرى.

 

في الحقيقة، بدون الإعلان العام للكتب واللغة، لما كان لنا حتى الدخول إلى إعلان الكتاب المقدس الخاص. وبالطبع، تنوير الروح القدس، و"الإعلان الوجودي"، هما معاً أمران حاسمان في إدراكنا لرسالة الكتاب المقدس. لذلك، فإن استخدامنا لكل أشكال إعلان الله يزودنا، بالضرورة، ببصيرة عظيمة إذ نطبق الكتاب المقدس في حياتنا.

 

في هذا الدرس قد اكتشفنا وجهين للمفهوم المعياري في السلوكيات المسيحية. وقد رأينا بأن الله نفسه هو المعيار المطلق لكل سلوك أخلاقي، وبأن صفات شخص الله تلزم جميع الكائنات البشرية أن تتمثّل بها.

 

ولقد رأينا أيضاً بأن الله نفسه لا يمكن معرفته بمعزل عن كلمته أو إعلانه، لذلك ينبغي أن ننال إعلانه في كل أشكاله كمعيارنا المُعلَن أو العملي.

 

في سعينا لتكوين أفكارنا عن السلوكيات المسيحية، ينبغي أن نكون مقودين بشخص الله دائماً كما هو مُعلَن في الطبيعة والتاريخ، والكتاب المقدس، والبشرية. وحين نطبق هذه المفاهيم على حياتنا اليومية، سوف نجد أنفسنا قد تجهزنا أكثر وبصورة كاملة لصنع قرارات أخلاقية تسر الله وتجلب بركات  لشعبه.