السلوكيّات  المسيحية

صنع القرارات الكتابية

المفهوم أو البعد المعياري

صفات الكتاب المقدس

 

في كل أمة، على نحو وثيق، تتضمن إجراءات المحاكم القانونية وثائق مكتوبة. أشياء مثل إيصالات، رسالات، عقودات، اعترافات وتصريحات مكتوبة من قبل شهود، اسُتخدمت كأدلّة. لكن الجميع يعرفون أن كون هذه الوثائق متاحة في متناول يد المحكمة، ببساطة، ليس أمراً كافياً. لذلك يجب على المحامين والقضاة وهيئة المحلفين، إذا أرادوا استخدام هذه الوثائق بفاعلية، أن يعرفوا صفات معينة تتميز بها هذه الوثائق. فهناك الكثير من الوقت قد صرف في تعلم أشياء وتعيين أوصافها مثل من كتب وثيقة معينة، ومن استلمها، ومتى كتبت، ولماذا كتبت وما هو مضمونها. إن معرفة هذه الصفات هو أمر حاسم إذا كان لا بد من استخدام هذه الوثاق على نحو مناسب.

 

لدينا اهتمامات مماثلة عندما نصنع القرارات المتعلقة بالسّلوكيات المسيحية.

ومهما كانت المشكلة الأخلاقية، فنحن دائماً نملك على الأقل وثيقة واحدة نحتاجها لتكون هي موضع اعتبار، وبالتحديد، هي وثيقة الكتاب المقدس. ولكن أي أثر للكتاب المقدس في صنع قراراتنا فهذا أمر يختلف من شخص إلى آخر. يعتمد بعض المسيحيين كلية، تقريباً، على سلطة الكتاب المقدس كالمصدر الذي لا يفشل في الوصول إلى حلول كاملة للمسائل السلوكية؛ البعض الآخر يقدر قيمة نصائحه لكنه يتعامل مع كلماته بشئ من التحفظ؛ فيما يبقى آخرون يستخفون بالكتاب ولا يكترثون به باعتبار أن لاعلاقة له بالعالم الحديث وغير ملائم له. وكل هذه الملاحظات حول نفع الكتاب المقدس في مجال السّلوكيات لها شيء واحد مشترك: كلها مبنيّة على تقييم معين لصفات الكتاب المقدس.

 

هذا هو الدرس الثالث في سلسلة دروسنا عن، "صنع القرارات الكتابية"، وقد وضعنا عنوانا له، "صفات الكتاب المقدس".

 

وكما سبق ورأينا في الدرس السابق، أن صفة شخص الله المميزة هي معيارنا المطلق، في حين أن كلمته هي معيارنا المعلن ذات السلطة لأنها تعلمنا بلا أخطاء عن شخص الله. في هذا الدرس، سوف نركز على صفات الكتاب المقدس المتميزة حتى يمكننا الرؤية بوضوح أكثر كيف يعلن الكتاب المقدس شخص الله لنا. لقد أثبتنا في دروس سابقة أن الأحكام الأخلاقية تتضمن دائماً شخصاً يطبق كلمة الله على موقف ما. وأدت بنا هذه النظرة إلى رؤية ثلاثة اعتبارات جوهرية يجب ان نضعها في حسابنا ونحن نصنع قرارات أخلاقية: معيار كلمة الله، وخصوصيات الموقف، والشخص الذي يصنع الحكم. وقد عرّفنا هذه الاعتبارات الثلاثة بالبعد المعياري، والبعد ألموقفي، والبعد الوجودي، وذلك في حقل السلوكيات الأخلاقية.

في هذا الدرس سوف نتناول الحديث مرة أخرى بعنوان "البعد المعياري"، باحثين عن المعايير الملائمة لصنع القرارات السلوكية.

 

وسوف نقسم دراستنا لصفات الكتاب المقدس المتميزة إلى جزئين: أولاً، سوف نبحث فيه الصفات المتميزة للكتاب المقدس أساساً، استناداً إلى سلطته الإلهية، وعلى وجه التحديد، قوة الكتاب المقدس وسلطته. ثانياً، سوف نكتشف الصفات المتميزة للكتاب المقدس أساساً، باعتبار أنه كتب من أجل قراء من البشر: هذه الصفات هي، وضوحه، وضرورته، وكفايته.

دعونا نبدأ بدراسة السلطة الإلهية للكتاب المقدس.

 

عندما نتكلم عن السلطة الإلهية للكتب المقدسة، فنحن ننظر إلى الكتاب المقدس باعتباره كلمة الله لشعبه مؤكدين على الحقيقة أنه "كلمة الله". وبينما نكتشف صفات الكتاب المقدس المستمدة أساساً من وحيه الإلهي، سنتناول مسألتين: قوة الكتاب المقدس وسلطة الكتاب المقدس. وبالطبع، يدرك الإنجيليون ويميّزون، غريزيّا، بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله القوية الفعّالة وهو أيضاً كلمة الله ذات السلطة لكل جيل. ومع ذلك، لم يفكر معظمنا أبداً في قضايا كثيرة تتعلق بهذه الصفات للكتاب المقدس. لكن يمكننا استعمال الكتاب المقدس، بطريقة أكثر فاعليّة، في مجال السلوكيات، إذا نحن أدركنا هذه الصفات في تفصيلات أكثر. لذلك، دعونا ندير انتباهنا إلى قوة الكتاب المقدس.

 

عندما ندرس، كمسيحيين، موضوع السّلوكيات، نحن لا نبغي مجرد اكتشاف أية الأمور صالحة وأيتها شريرة. نحن راغبون أيضاً في تطبيق هذه المعرفة بالعمل، والفكر، والشعور وبطرق جديرة بالثناء والمدح من الناحية الأخلاقية. لكن أين لنا أن نجد القوة لكي ننفذ ما نعرف أنه صحيح وصالح؟ في هذا المسعى، نحن مؤيدون على نحو فائق بقوة الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس، ككلمة الله الحيّة والفعّالة، لا يخبرنا فقط بماذا نفعل؛ لكنه يمكّننا أيضاً أن نؤمن وأن نحيا في طرق ترضي الله وتؤدي إلى بركاته.

دعونا  نفرغ حقيبة هذا المفهوم أولاً بفحص بعض الأمثلة عن قوة كلمة الله في اشكالها المتعددة، وثانياً بإمعان النظر في المتضمنات التي لهذه القوة في صنع القرار السلوكي.

 

كما قد رأينا في دروسنا السابقة، قد تتخذ كلمة الله أشكالاً كثيرة. هذا ويبين الكتاب المقدس أن كلمة الله قوية حتى عندما لا تاخذ الشكل الكتابي. ونحن إذ نسعى أن نقيم الدليل على قوة الكتاب المقدس، سوف نبدأ أولاً بفحص قوة كلمة الله على الخليقة. ثم، نتناول بالبحث في قوة كلمته النبوية، ثم بعد ذلك في قوة الوعظ بالإنجيل. وأخيراً، سوف نكتشف قوة كلمة الله المكتوبة أو قوة الكتاب المقدس. دعونا نبدأ بالبحث في قوة كلمة الله في الخليقة.

 

عندما نضع كلمة الله في اعتبارنا، يكون من النافع كثيراً أن نفكر أولاً عن كيف أن كلمته تتميز بما لها من قوة في الخلق. وربما كان الأصحاح الأول من سفر التكوين هو المكان الذي نرى فيه رواية الخلق بأكثر وضوح، فعندما تكلم الله جاء العالم إلى الوجود بكلمة قدرته. ففي كل أجزاء هذا الأصحاح، الفعل الوحيد الذي يقوم به الله هو النطق بالكلام. وبكلمته المنطوقة، هو يخلق ويأمر ويملأ الوجود كله. ويعلق كاتب (مزمور 33 : 6و9) على هذه الرواية،

 

"بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها... لأنه قال فكان. هو أمر فصار."

 

كان لتصريحات الله قوة عظيمة أيام الخليقة، قوة عظيمة لكلمته حتى أنها جاءت بالخليقة إلى الوجود. ليس أن الكلمات تملك قوة متأصلة في ذاتها، حتى يقال إن الله يتلاعب بالكلمات، لكن بالأحرى، يستعمل الله تصريحاته كأواني تنقل قوته الخاصة. كلمات الله هي الوسائل التي يستعملها لكي ينجز بها أهدافه، تماماً كما يفعل أي إنسان عندما يستعمل وسيلة المطرقة ليدق بها مسماراً في الخشب.

 

في المقام الثاني، يوضح الكتاب المقدس أيضاً أن لكلمة الله القوة عندما تصلنا من خلال الأنبياء الموحى بها إليهم. ويؤكد إشعياء في سفره اشعياء 55 : 10و11 هذه الفكرة. هناك كتب النبي:

 

"لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هناك بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت ... هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح في ما أرسلتها له."

 

برغم أن هذه الفقرة تتكلم عن كلمة الله الصادرة من فمه، إلا أنه واضح في السياق أن الله كان يشير إلى وعظ إشعياء النبي. فلم يسمع شعب يهوذا كلمة الرب هذه مباشرة من فم الله، ولكن من إشعياء. ومع ذلك، كانت الكلمة لا زالت قوية عندما تكلم بها إشعياء وكتبها؛ كان لها قوة الله لإنجاز مقاصده.

 

طريقة ثالثة يمكننا بها رؤية قوة كلمة الله هي من خلال الوعظ غير الموحى به، الوعظ بكلمة الله أو بالإنجيل. وكثيراً ما يؤكد العهد الجديد هذه الفكرة عندما يقول أن الله يعمل من خلال الوعظ بالإنجيل، حتى عندما لا يكون الوعاظ قد تلقوا وحياً معصوماً. على سبيل المثال، في رومية 1 : 15و16، سجل بولس مباشرة بأن الإنجيل الموعوظ يحمل قوة الله.

 

"فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم ... لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن."

 

لم يكن الإنجيل الذي كان يدور بذهن بولس هنا، هو مجرد سجل للحق فيما كان يسوع قد عمله، ولم يكن أيضاً قوة الله متمثلة في مقولات أو معلنات الإنجيل المدونة. لم يكن يعني أن الإنجيل يحكي عن الله الذي يملك القوة، أو عن الأمورالتي كان الله قد فعلها بقوته. ولكن بالأحرى، قصد بولس أن فعل الوعظ بالإنحيل هو فعل قوي لأن الله يستخدم الوعظ ليأتي بالناس عن طريقه إلى الإيمان.

 

وكتب بولس مقولة مماثلة في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس  1 : 18:

 

"فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله."

 

لاحظ أيضاً، أن بولس كان يتكلم عن الرسالة ذاتها، وليس عن مجرد الحقائق التاريخية المرتبطة بالرسالة.

 

في واقع الأمر، الناس لا يقبلون الحق المتضمن في إدعاءات الإنجيل، بينما هم في ذات الوقت، يلومون الله على أنه أحمق لأنه يخلّص البشرية. بالأحرى، يحسب الناس أن رسالة الإنجيل هي حمق، لأنهم لا يؤمنون بصحة ما جاء في الإنجيل. فبالنسبة لهم، يبدو الإنجيل كما لو أنه حكاية وهمية أو حتى أكذوبة، وهم يظنون انه ليس من مُفكر سليم سيقوم في تصديقه. لهذا السبب يبدو الإنجيل كحمق أو كجهالة عند غير المؤمنين. ولكن بالنسبة للذين يؤمنون بالرسالة، يكون الوعظ بالإنجيل هو قوة الله لأنه الوسيلة التي بها يأتي الله بهم إلى معرفة الحق المخلّصة.

 

أما وقد تحققنا أن لكلمة الله قوتها في الخلق، وكذا في الكلمة النبوية، وحتى في الوعظ غير المعصوم بالإنجيل، نحن الآن في وضع يسمح لنا بفهم قوة كلمة الله المكتوبة، الكتاب المقدس. 

 

عندما سرد قصة لعازر والغني كما في لوقا 16، القصة المألوفة لنا، أشار يسوع نفسه إلى قوة الكلمة المكتوبة. ولعلك تستعيد إلى ذهنك أنه عندما مات الرجل الغني، رفع عينيه في الجحيم وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر يتعزّى في حضنه. وإذ كان الرجل الغني منزعجاً لأن أسرته أيضاً ستتعذب في الجحيم، سأل إبراهيم أن يقيم لعازر من بين الأموات ويرسله إلى أسرة الرجل الغني  ليعظهم بالتوبة. ونحن نقرأ جواب إبراهيم عن هذا في لوقا 16 : 29 – 31:

 

 "عندهم موسى والأنبياء ليسمعوا منهم... إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون."

 

هنا، في هذا النص عنصران على الأقل يتصلان بموضوع مناقشتنا. أولاً، كان إبراهيم يتكلم عن الكتاب المقدس. وأشار إلى موسى والأنبياء، لا كأناس أحياء استمروا متكلمين بصفتهم الشخصية، ولكن ككتّاب استمروا متكلمين من خلال الكتاب المقدس، الذي هو كلمة الله المكتوبة. وكما كانت كلمات موسى والأنبياء قوية تماماً عندما أوحى بها الله لهم ليتكلموا بها أثناء حياتهم على الأرض، استمرت ذات الكلمات في قوتها وهي في صيغتها المكتوبة.

 

ثانياً، قال إبراهيم إن كلمات الكتاب المقدس المكتوبة، والتي كتبها أنبياء الله مسوقين بوحي الروح القدس، هي كلمات تملك قوة عظيمة الأثر في الإتيان بالناس إلى التوبة تماماً بمثل ما تملكه قوة معجزة عظيمة الأثر في إقامة شخص ما من الأموات. من أوجه كثيرة يعتبر هذا النص من المقولات المذهلة للغاية الموجودة في الكتاب المقدس والمعبرة عن قوة المكتوب. كلنا نعلم أنه أمر مؤثر ومروّع للغاية أن نشاهد شخصاً ما يقيم الموتى. إن في كلمة الله المكتوبة قوة كامنة تجعل من احتمال "بعث-الحياة" أمراً ممكناً. لكن يسوع هنا، في الواقع، أشار ان قراءة الكتاب المقدس تملك أيضاً قوة أكثر من قوة مشهادة قيامة شخص ما من الأموات.

 

أكّد الرسول بولس هذه الفكرة في رسالته الثانية إلى تيموثاوس  3 : 15 عندما كتب:

 

"الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع."

 

تشبه دراسة الكتاب المقدس الوعظ لأنها الوسيلة التي من خلالها يمنح الله الناس الفهم والإيمان الضرورين للخلاص. تماماً وكما هو مؤكد أن الكلمة الموعوظة تحمل في ثناياها قوة الله، هكذا الكتاب المقدس (كلمة الله المكتوبة) يحمل قوة الله.

 

بمثل هذا الفهم لقوة كلمة الله في الخلق، وفي الكلمة النبوية الموحى بها، وفي الوعظ غير المعصوم، وفي الكتاب المقدس (كلمة الله المكتوبة)، نحن في وضع يسمح لنا أن نفكر باختصار في متضمنات هذه الأمور ونحن بصدد صنع قرارات أخلاقية.

 

أحد النصوص الكتابية التي تتناول الجانب العملي لمتضمنات قوة كلمة الله هو عبرانيين 4 : 12و13:

 

"لأن كلمة الله حيَّة وفعَّالة... ومميزة أفكار القلب ونيّاته. وليست خليقة غير ظاهرة قدامه."

 

لاحظ أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يتحدث هنا عن كلمة الله ككلمة حيَّة

وفعَّالة. فهي ليست مجرد مجموعة من المعلومات الجامدة الخالية من القوة الكامنة فيها والعاجزة عن إحداث أثر ما. بل على العكس من ذلك، فعندما نتناول كلمة الله بالدراسة، علينا أن ننظر اليها ككلمة حيَّة وفعَّالة، ممتلئة بالقوة، لكي تنجز مقاصد الله. فماذا تفعله كلمة الله في مجال السلوكيات؟ كما يقول هذا النص، تميّّز كلمة الله أفكار القلب ونيّاته. فهي قادرة أن تخترق أفكار قلوبنا ودوافعها العميقة وتقيّمها. كما أن لكلمة الله القدرة أن تخلصنا من الإدانة وتمكننا من حياة تتسم بأخلاق القداسة. فلننظر الآن كيف أكمل بولس حديثه الذي قرأناه معاً منذ قليل. في رسالة تيموثاوس الثانية 3 : 15 – 17، كتب بولس:

 

"الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عملٍ صالحٍ."

 

لا تقف قوة كلمة الله عند حد أن تقودنا إلى بداءة إيماننا بالمسيح. فالكتاب المقدس أيضاً، باعتبار كونه صوت الله، قادر أن يجهزنا "لكل عمل صالح". هذا ويستخدم الروح القدس الكتب المقدسة لتمنحنا الإيمان والحكمة، وأيضاً لكي تصوغ شخصياتنا بطريقة ما تجعلنا قادرين، عندما نكون مواجهين باختيارات أخلاقية، أن نختار الحسن ونرفض الردئ.

 

يجد المسيحيون أنفسهم، في أوقات كثيرة، محبطة في محاولاتهم تحقيق حياة تتسم بالسلوكيات الأخلاقية. فهم يشعرون بالعجز والوهن عندما يرغبون في عمل ما هو صالح وحسن. في مثل هذه المواقف، هو أمر مشجع جداً أن نعرف أن ممارسات تعلم الكتب المقدسة، وتذكرنا إياها، أو حتى التأمل فيها، ليست ممارسات بلا جدوى. إنها أكثر كثيراً من مجرد قراءة، ببساطة، لدليل أخلاقي. بدلاً من ذلك، تمكننا كلمة الله أن نحيا لله. فالتعلم الدائم لكلمة الله والتأمل فيها يأتي بنا إلى التلامس أو إلى الاتصال المباشر مع قوة الله الذي ينجز بها مقاصده دائماً. بهذه الطريقة، نرى أن قوة الكتاب المقدس هي جوهرياً في غاية الأهمية للسلوكيات المسيحية الأخلاقية.

 

صفة ثانية للكتاب المقدس مستمدة من الوحي الإلهي هي سلطة الكتاب المقدس. لأن الكتاب المقدس هو موحى به من الله، فهو لذلك يحمل سلطة الله. وبمعنى من المعاني، قد سبق وبرهنا هذه السلطة بإظهارنا أن الكتاب المقدس هو صوت الله، وهو التعبير عن حياته، وهو كلمته الفعّالة لكل جيل. إن لله كل السلطة. لذلك، أينما وكيف يتكلم، فكل الذين يسمعونه ملتزمون بطاعته. هذه هي الفكرة التي تكلمنا عنها في درسنا الأول عندما قلنا أن كل الإعلان هو معياري لأنه يعلمنا عن الله، الذي هو ذاته المعيار المطلق والنهائي للأخلاقية.

 

بالرغم من ذلك، لا يزال الأمر ذو قيمة ان نرى كيف يتكلم الكتاب المقدس نفسه عن سلطته الخاصة، وبنفس القدر في الأهمية أن نبحث في بعض متضمنات هذه السلطة. سوف نبدأ بادعاء الكتاب المقدس للسلطة، ثم بعد ذلك متضمنات هذا الادعاء لحياتنا.

 

يدعي الكتاب المقدس لنفسه السلطة الإلهية بطريقتين على الأقل. أولاً، يوفر الكتاب المقدس أمثلة تاريخية لسلطته. ثانياً، هو يدعي السلطة على نحو واضح. سوف نتناول أمثلة الكتاب المقدس التاريخية أولاً. 

 

عندما نتذكر الصلة القريبة بين كلمة الله المنطوقة وكلمة الله المكتوبة التي سبق ورأيناها فعلاً في هذا الدرس، يمكننا رؤية طرق كثيرة بها يعطينا الكتاب المقدس أمثلة لسلطة كلمة الله تنطبق على الكتاب المقدس نفسه. ففي التاريخ المبكر المسجل في الكتاب المقدس، تكلم الله مباشرة للبشرية، وكان كلامه يحمل سلطة. مثلاً، في قصة الخليقة والسقوط في سفر التكوين في الأصحاحين الثاني والثالث، أوصى الله الإنسان أن يعمل جنة عدن وأن لا يأكل من الثمرة الممنوعة. اختارت حواء، مع ذلك، أن تصغي لكلمة الحية المنطوقة بدلاً من إصغائها لكلمة الله المنطوقة، وبالتالي رفضت سلطة كلمة الله. هذا وسمع آدم، بدوره، لكلمة حواء المنطوقة بدلاً من سماعه لكلمة الله المنطوقة، رافضاً بذلك سلطة كلمة الله أيضاً. ولكن سلطة كلمة الله لم تدمر بهذا الرفض. بالأحرى، نفّذ الله سلطة كلمته المنطوقة بمعاقبة كل من آدم وحواء، ومعاقبة كل الخليقة معهما.

 

بعد ذلك، في أيام موسى، حوّل الله كلمته المنطوقة لتأخذ شكلاً مكتوباً. وبدلاً من إفادة موسى ببساطة ماذا كانت الوصايا العشر، نحت هذه الوصايا على لوحي حجر. وأعطى موسى أيضاً نواميس أخرى كثيرة، وأمر موسى أن يسجل تلك الكلمات كتابة. ولقد كوّنت تلك السجلات  كتاب العهد الذي نقرأ عنه في الأصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج. كانت هذه هي شروط عهد الله مع شعبه، وحملت ليس فقط سلطة الله، ولكن أيضاً وعده أن ينفذ هذه النواميس بالقوة، وذلك بمباركة الذين يطيعون وبلعنة الذين يعصون. اصغ إلى هذا السجل في خروج 24 : 4 – 8:

 

"فكتب موسى جميع أقوال الرب... وأخذ كتاب العهد وقرأ في مسامع الشعب. فقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له. وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال."

 

في هذا السجل نجد ان كلمة الله المنطوقة هي أساس لهذه الكلمة المكتوبة، وأن الكلمة المكتوبة هي وثيقة عهد الله ذات السلطة التي يجب أن شعبه يلتزم بطاعتها.

 

بعد ذلك بقرون كثيرة، عندما رفض شعب الله الأمور المكتوبة في الكتاب المقدس، أرسل الله أمماً أجنبية لإلحاق الهزيمة بهم في الحرب. خدم إشعياء في ذلك الوقت، وكتب هذه الكلمات في اشعياء 42 : 24:

 

"من دفع يعقوب إلى السلب وإسرائيل إلى الناهبين. أليس الرب الذي أخطأنا إليه ولم يشاءوا أن يسلكوا في طرقه ولم يسمعوا لشريعته."

 

لم يتردد الله أن ينفذ كلمته في وقت إشعياء، تماماً مثلما لم يتردد أن ينفذها في جنة عدن. ولكن هذه المرة، الكلمة التي انتهكت كانت هي "ناموس" الله. كانت الكتاب المقدس، أي كلمات العهد المكتوبة، العهد بين الله وشعبه. تماماً كما أن كلمة الله المنطوقة هي إعلان سلطوي، هكذا كلمته المكتوبة أيضاً.

 

ويؤكد العهد الجديد أيضاً سلطة الكتاب المقدس من خلال أمثلته. فكثيراً ما لجأ يسوع إلى الكتاب المقدس لكي يوضح أفعاله ويبررها، كما يتضح ذلك من يوحنا 17 : 12 عندما صلى هذه الكلمات:

 

"كنت أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا أبن الهلاك ليتم الكتاب."

 

قابل يسوع هنا بين تلاميذه الأحد عشر الأولياء له ويهوذا الاسخريوطي، التلميذ الذي غدر به وسلّمه. وفي هذه المقابلة، أشار أن كلاً من حمايته للأحد عشر وفقدانه للواحد  كانت قد تمت بحسب الكتاب.

 

كشف الرسل أيضاً عن معتقدهم في سلطة الكتاب المقدس. فعلى سبيل المثال، لجأ بولس للكتاب المقدس كبرهان أن المسيحيين يجب ألا يكونوا انتقاميين كما يتضح ذلك في رومية 12 : 19 حيث كتب:

 

"لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل أعطوا مكاناً للغضب. لأنه مكتوبٌ لي النقمة أنا أجازي يقول الرب."

 

تفترض مناقشة بولس هنا أن العهد القديم يحمل سلطة عندما يخص الله بالانتقام. وهكذا، بوضعه قراءه تحت التزام أخلاقي طبقا للعهد القديم، كشف بولس معتقده بأن الكتب المقدسة هي كلمة الله ذات السلطة التي تلزم حتى مؤمني العهد الجديد بالخضوع لها.

 

بجانب برهنة سلطته من خلال الأمثلة، يبرهن الكتاب المقدس أيضاً سلطته من خلال التصريحات الواضحة بما يؤكد أثراً فعّالاً. ومن أفضل التصريحات المعروفة التي تدعي سلطة الكتاب المقدس موجودة في رسالة بطرس الثانية 1 : 19 – 21 حيث كتب بطرس:

 

"وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسناً إن انتبهتم إليها... لأنه لم تأتي نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله."

 

أشار بطرس هنا أن كتابات العهد القديم النبوية تستمر في سلطتها الفاعلة في يومنا هذا. ولأن هذه النبوات كان قد أوحي بها من الله وأنها استمدت سلطتها منه، فهي تشكل معياراً أخلاقياً ملزماً يجب أن "نعيره انتباهاً". بمعنى أننا يجب أن نؤمن بما كتبه الأنبياء، وأن نطيع ما أوصوا به.

 

وكتب يعقوب بوضوح أيضاً أن العهد القديم لا يزال هو وصية الله ذات السلطة لنا. هكذا كتب في رسالته في يعقوب 2 : 10و11:

 

"لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرماً في الكل. لأن الذي قال لا تزن قال أيضاً لا تقتل."

 

لاحظ إلى أي مدى ذهب يعقوب في تأكيده لهذه النقطة. أولاً، هو صمم أن الناموس المكتوب لا يزال ملزماً. فالذين يكسرونه هم مذنبون. ثانياً، اعتبر يعقوب أن استمرارية سلطة الكتاب المقدس مبنية على الشخص الذي أعطى الوصية، الذي هو الله تحديداً. ولأن الكتاب المقدس لا يزال هو كلمة الله، فهو لذلك لا يزال يحمل سلطة الله.

 

كذلك نحن نجد ادعاءات لسلطة العهد الجديد. مثلاً، أعطى يسوع سلطة للرسل عندما قال في يوحنا  13 : 20:

 

"الحق الحق أقول لكم الذي يقبل من أرسله يقبلني. والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني."

 

استخدم الرسل هذه السلطة ليس فقط في الكلام، ولكن أيضاً في كتابة وثائق العهد الجديد التي هي في أيدينا الآن. هذا مؤكد في كل أمثلة العهد الجديد التي قاموا بتحريرها في وصايا مكتوبة، كما في رسالة تسالونيكي الثانية 3 : 6 حيث كتب بولس:

 

"ثم نوصيكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخٍ يسلك بلا ترتيب."

 

أصدر بولس هنا وصية مكتوبة مباشرة حملت سلطته الممنوحة له أو المكلف بها من يسوع المسيح. هذه الطريقة كانت بمثابة نموذج قد درج الرسل على اتباعه؛ فكثيراً ما استعملوا سلطتهم لنقل تعليماتهم في شكل مكتوب. ولأن العهد الجديد يتكون من وثائق سواء كتبها الرسل بأنفسهم أو وافقوا عليها، فهي في جميع الحالات تحمل سلطة الرسل، التي هي سلطة المسيح نفسه.

 

أما وقد رأينا الآن أن الكتاب المقدس يبرهن بنفسه سلطته الخاصة، يجب أن نتناول باختصار بعض متضمنات هذه الفكرة. ببساطة شديدة نقول، لأن الكتاب المقدس يحمل سلطة الله، لذلك نحن ملتزمون أخلاقياً أن نكيف كل اختياراتنا، وأفعالنا، وأفكارنا ومشاعرنا عليها. ويمكننا القول هنا أن السلوك الأخلاقي يتعادل مع "حفظ كلمة الله". وحفظ كلمة الرب يجب أن تعمل بطريقتين: يجب أن نتكيف مع اتساع الكتاب المقدس بطاعة كل أحكامه، ويجب أن نطابق أعماقه بطاعة هذه الوصايا بالتزام وعن اقتناع.

 

من ناحية، يجب ان شعب الله يحفظ تعليم الكتاب المقدس على اتساعه. وكتابعين للمسيح لا يجب أن نطيع ما يروق لنا ونتجاهل ما لا يروق لنا. والآن، يجب أن نعترف أن بعض الأشياء التي يطالبنا بها الكتاب هي أصعب في قبولها من غيرها، ولكننا، مع ذلك، لا نزال مدعووين لأن نخضع لكل ما قد أوصى به الله في الكتاب المقدس.

 

اصغ مثلاً لسفر الخروج 15 : 26، حيث أخبر الرب إسرائيل بهذه الكلمات:

 

"إن كنت تسمع لصوت الرب إلهك وتصنع الحق في عينيه وتصغي إلى وصاياه وتحفظ جميع فرائضه فمرضاً ما مما وضعته على المصريين لا أضع عليك."

 

في كل مرة عندما كان شعب إسرائيل يتلقى أوامر الله في شكل مكتوب، عادل الله حفظ كل أحكامه بعمل ما هو صواب. وجوهرياً، نحن نفعل ما هو صواب عندما نطيع كل الكتاب المقدس.

 

أما مدى اتساع التزامنا بالخضوع للكتاب المقدس فيتضح أكثر كثيراً في سفر الملوك الأول 11 : 38، حيث قال الله هذه الكلمات ليربعام:

 

"فإذا سمعت لكل ما أوصيك به وسلكت في طرقي وفعلت ما هو مستقيم في عينّي وحفظت فرائضي ووصاياي ... أكون معك."

 

سوف نتذكر أنه في درسنا الأول في هذه السلسلة، عرّفنا الصلاح الأخلاقي بأنه الأمر الذي يباركه الله. هنا، وعد الله يربعام بالبركات لو أن يربعام قد فعل ما هو صواب، وعرّف الله بوضوح "ما هو صواب" وبالتحديد، بأنه كل ما يوصي هو به. فلا يوجد الصلاح فقط في مجرد حفظ بعض وصايا ناموس الله بينما نرفض أجزاء أخرى منه.

 

حقيقة أن الله يدعو شعبه للتقييد بسلطة كل ما بكلمته بدون استثناء، يجب أن تضع أمامنا تحدّياً في يومنا هذا، تماماً كما كانت سلطة كلمة الله تحدياً لشعب الله في أزمنة الكتاب المقدس. مما يؤسف له، يستجيب المؤمنون أحياناً لهذا التحدي بتخيلهم أن الله لا يبالي إن كانوا يتبعون فقط بعضاً من توجيهاته الأخلاقية. هم يظنون خطأ أن الله قد أعطاهم الحرية أن يتجاهلوا تلك الوصايا التي وجدوا أنها غير مريحة أو صعبة.

 

ولكن حتى لو أننا لم نحاول أن نبرر رفضنا لبعض تعاليم الكتاب المقدس الأخلاقية، نحن هنا نحتاج أن نتحقق أننا كلنا نقع في فخ ما يدعى بالانتقائية اللاواعية. فلهذا السبب، يجب أن نعود دائماً للكتاب المقدس لنتذكر تلك الوصايا التي قد نكون أهملناها أو نسيناها.

 

في المقام الثاني، ليس فقط لكلمة الله سلطة علينا في ملء اتساع التعليم، ولكن أيضاً في عمق الطاعة التي تطلبها منا. مثلاً، في كل من العهدين القديم

والجديد، يربط الكتاب المقدس طاعة وصاياه بمحبة الله. فالصلاح الأخلاقي لا يكتسب من خلال طاعة حاسدة، أو حتى من خلال محبة الصلاح في ذاته، بمعزل عن محبة الله. بالأحرى، يكمن أساس الواجب في حقيقة أن الله قد دعانا في المحبة  والسلطة معا لنكون خدامه الراغبين. اصغ إلى الطريقة التي يعبر بها موسى عن هذه الفكرة في سفر التثنية 7 : 9 – 11:

 

"الرب إلهك هو الله الإله الأمين الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه ويحفظون وصاياه إلى ألف جيل ... فاحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أنا أوصيك اليوم لتعملها."

 

 لأن الله قد دعانا إلى علاقة محبة مع شخصه، فنحن ملتزمون أن نطيع وصاياه، التي دوّنت في الكتاب المقدس من أجلنا.

 

يسوع نفسه كرر كثيراً نفس الفكرة في العهد الجديد، في يوحنا 14: 15و21، أفاد تلاميذه،

 

"إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي... الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني."

 

وبواسطة مثاله، أظهر أنه يجب أننا أيضاً ننهج أو نتبع هذا النموذج من الطاعة المحبة تجاه الآب. كما قال يسوع في يوحنا 31:14،

 

"ليفهم العالم أني أحب الآب وكما أوصاني الآب هكذا أفعل."

 

يشير الكتاب المقدس مرة بعد الأخرى إلى أن المتطلبات الأخلاقية التي وضعها علينا هي مبنيّة على أساس محبته لنا وأنها يجب أن تكون محققة من خلال محبتنا له.

وهكذا نرى أنه بحسب الكتاب المقدس، ليس بمقدورنا أن نفعل الصواب ما لم يكن عندنا الباعث الصحيح. أو بعبارة أخرى، فقط عندما نقبل الكتاب المقدس بسرور ونحبه بعمق، من القلب، يكون بمقدورنا ان نخضع على نحو صحيح لسلطة كلمة الله.

 

وقد بحثنا في قوة الكتاب المقدس وسلطته، تلك الصفات؛ التي يحوزها الكتاب المقدس أساساً بمقتضى سلطته الإلهية، يجب أن ندير انتباهنا إلى موضوعنا الثاني، إلى تلك الصفات التي للكتاب المقدس والتي تنتمي عن قرب أكثر إلى قرائه من البشر.

 

عندما أوحى الله بالكتاب المقدس لكتّابه ومنحهم سلطة الكتابة، كان في ذهنه هدف معين. على وجه التحديد، هو أن الله أراد أن يعطي شعبه إعلاناً واضحاً يتعلق بمشيئته وصفاته حتى يكونوا قادرين بصورة أفضل أن يطابقوا أنفسهم به. وهكذا، عند هذا الحد في درسنا، سوف نركز انتباهنا على الصفات التي يملكها الكتاب المقدس أساساً بمقتضى الحقيقة أن الله أوحى به من اجل شعبه. هذا الوجه لمناقشتنا سوف يغطي ثلاث من صفات الكتاب المقدس: وضوحه، وضرورته وكفايته. دعونا نبحث أولاً في وضوح الكتاب المقدس.

 

عندما نقول أن الكتاب المقدس "واضح"، نحن لا نعني بذلك أنه من السهل فهم كل شئ في الكتاب المقدس، أو أن كل شئ في الكتاب المقدس قد تمت صياغته  بوضوح ومباشرة. بدلاً من ذلك، نحن نعني أن الكتاب المقدس ليس كتاباً غامضاً. فهو ليس ذلك الكتاب الملئ بالمعاني الخفيّة  التي يمكن اكتشافها فقط  من خلال وسائل سرّيّة، أو من خلال مواهب روحية خاصة، أو بواسطة أولئك الذين يتقلدون مناصب خاصة في الكنيسة.

 

ونحن بصدد دراسة موضوع وضوح الكتاب المقدس، أحياناً يسمى "سهولة الكتاب"، سيكون مساعداً أن نفحص مسألتين: طبيعة وضوح الكتاب المقدس، وبعض متضمنات وضوح الكتاب المقدس. دعونا نفكر أولاً في طبيعة الوضوح الذي نجده في الكتاب المقدس.

 

يطرح إقرار الإيمان الويستمينستري تقديماً موجزاً جيّداً عن طبيعة وضوح الكتاب المقدس. في الفصل الأول في الجزء السابع، يقول:

 

"أن الأمور التي يحواها الكتاب المقدس ليست ظاهرة كلها على حد سواء في نفسها، ولا هي واضحة على حد سواء للجميع. غير أن الأمور الضرورية معرفتها، والاعتقاد بها، والتي تلاحظ لأجل الخلاص، هي مصرحة، ومكشوفة في هذا القسم أو ذاك من الكتاب المقدس، حتى يستطيع كلا العالم وغير العالم بممارسة الوسائط الاعتيادية كما ينبغي أن يفهمها فهماً كافياً."

 

يخاطبنا الإقرار هنا بوجهين في وضوح الكتاب المقدس. أولاً، إنه يتكلم عن "كل الأمور في الكتاب المقدس"، وثانياً، يركز على تلك "الأمور  الضرورية معرفتها، والاعتقاد بها، والتي تلاحظ لأجل الخلاص"، وعلى وجه الخصوص، الإنجيل.

دعونا نمعن النظر في كل من هاتين الفكرتين، بدءاً بالوضوح النسبي للإنجيل.

 

نقول ببساطة، يتكلم الكتاب المقدس هكذا بوضوح عن الإنجيل حتى أن كل شخص مقتدر عقلياً لا بد أن يكون قادراً أن يفهم أن الخلاص يتم من خلال الإيمان بالمسيح والتوبة. وهذا لا يعني أن كل شخص يفهم فعلاً الإنجيل. وكما أوضح الإقرار، يجب أن نقوم  "بممارسة الوسائط الاعتيادية" إن كنا نتوقع أن نستفيد من وضوح الكتاب المقدس. بمعنى، علينا أن نقرأ بمسئولية وباجتهاد، وليس بعدم مبالاة، وليس عن طريق برنامج يحرّف ما يحاول الكتاب المقدس أن يعلمنا إياه. في الحقيقة، هناك عوامل كثيرة تعقد قراءتنا للإنجيل، أحدها هو خطيتنا على الإطلاق. إذا فشلنا أن نتعامل مع الإنجيل بمعقولية، أو إذا حرّفناه بسبب خطيتنا، سوف لا نكتشف الإنجيل. لكن أيضاً، هذا هو فشلنا نحن؛ فليس الأمر ناتجاً عن أي نقص في وضوح الكتاب المقدس.

 

لاحظ أيضاً أن الإقرار لا يقول أن شخصاً ما باستطاعته قراءة أي جزء من الكتاب المقدس ثم يكتشف بذلك طريق الخلاص. بالأحرى، يقول الإقرار أن الإنجيل قد كتب واضحاً "في هذا القسم أو ذاك من الكتاب المقدس". بمعنى، أن الكتاب المقدس ككل يقدم رسالة واضحة للإنجيل. فالشخص الذي لا يقرأ الكتاب المقدس ككل ربما لا يلتقي عبر النصوص التي تقدم الإنجيل بطريقة يسهل عليه فهمه. برغم ذلك، عند قراءة الكتاب المقدس ككل، نراه يقدم فعلاً طريق الخلاص بالوضوح الكاف حتى أن أي شخص مقتدر هو كفاية أن يتعلم ذلك بنفسه مباشرة من الكتاب المقدس.

 

برغم أن الكتاب المقدس هو على وجه الخصوص واضح بشأن إنجيل الخلاص في المسيح، يطرح إقرار الإيمان بعض الملاحظات عن كل الكتاب المقدس. يقول الإقرار أن مسائل أخرى غير مسألة الإنجيل المسيحي هي

"ليست ظاهرة كلها على حد سواء في نفسها، ولا هي واضحة على حد سواء للجميع.". بعبارة أخرى، قد لا يكون الكتاب المقدس واضحاً جداً فيما يتعلق ببعض من تعاليمه. في الحقيقة، هناك أمور كثيرة في الإنجيل ليست معلمة بالوضوح الذي نراه في إعلان طريق الخلاص.

 

يبقى، أن الله أعطانا الكتاب المقدس لكي نفهم الأمور التي أعلنها في الكتاب المقدس، وأن نطبقها على حياتنا. كما أفاد موسى الإسرائيليين في سفر التثنية 29 : 29:

 

"السرائر للرب إلهنا والمعلنات لنا ولبنينا إلى الأبد لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة."

 

في هذ الفصل جعل موسى تمييزاً حاسماً  يجب أن نتذكره ونحن نكتشف استخدام الكتاب المقدس في السلوكيات المسيحية. فقد ميّز بين ما دعاه بالسرائر وبين ما دعاه بالمعلنات. الله يحجب بعض الأسرار عنا. هو لا يخبرنا بكل شئ يعرفه، ولا هو يخبرنا بكل شئ نريد أن نعرفه. هناك مسائل – حتى مسائل الأخلاق – يحتفظ بها الله لنفسه. ومع ذلك، ما قد أخبرنا به الله في الكتاب المقدس ليس بعد سراً. يُصَنّفْ الكتاب المقدس ضمن قائمة "الأمور المعلنة". وكما قال موسى، أن هذه الأمور أظهرت لنا لكي "نعملها" ونطيعها.

 

إلى حد بعيد، قد أعلن الله مشيئته لنا بوضوح كاف لإرشادنا بشأن السلوكيات. لقد أعطانا الكتاب المقدس حتى ، من خلال " ممارسة الوسائط الاعتيادية"، ومن خلال القراءة والدراسة، يكون بإمكاننا معرفة مشيئة الله لكل أوجه حياتنا.

 

كما حض بولس تيموثاوس في رسالة تيموثاوس الثانية 3 : 16:

 

"كل الكتاب ... نافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر."

 

كل الكتاب المقدس واضح بالقدر الكاف لأن يكون نافعاً، هذا إذا عقدنا العزم أن ندرسه باجتهاد. لهذا السبب، يجب أن يكون كل واحد منا مستعداً أن يبحث الكتاب لكي يميّز تعليمه في المسائل السلوكية.

 

الآن، مرة أخرى، نحن لا نقول أن الكتاب المقدس هو من السهل ان يفهم في كل الأوجه. في الحقيقة، بعض اجزاء الكتاب المقدس هي أقل، في الوضوح، قليلاً من غيرها. وما هو أبعد من ذلك، عند بعض الناس قدرة أكبر من غيرهم في فهم كلمات الكتاب المقدس. كما كتب بطرس في رسالته الثانية 3 : 16،

 

"كما كتب بولس في الرسائل ... التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضاً."

 

ليس عند كل واحد نفس المقدرة لفهم الكتاب المقدس. ولا يبذل كل واحد نفس الجهد لدراسته. وبالرغم من ذلك، إذا نحن كرسنا أنفسنا بالقدر الكاف، سيكون بإمكاننا كلنا أن نعرف مشيئة الله معرفة جيّدة بكفاية تجعلنا نطابق أنفسنا بمعياره للحياة الأخلاقية.

 

الآن، وبما أننا قد كشفنا عن وضوح الكتاب المقدس، نحن الآن على استعداد أن نفحص الصفة الثانية للكتاب المقدس من منطلق أنه كتب من أجل القراء البشر: ضرورة الكتاب المقدس.

 

عندما نتكلم عن ضرورة الكتاب المقدس، يدور في ذهننا أن الناس يحتاجون إلى الكتاب المقدس، خاصة لأجل صنع القرار الأخلاقي. وبينما نحن نكتشف حاجتنا للكتاب المقدس، سوف نتناول الحديث في ثلاث مسائل: ضرورة الكتاب المقدس للخلاص، ضرورة الكتاب المقدس لحياة الإيمان، ومتضمنات حاجتنا للكتاب المقدس.

 

في المقام الأول، الكتاب المقدس ضروري للناس لكي يجدوا الطريق للخلاص. وكما رأينا في درس سابق، كيف أن الإعلانات العام، والخاص، والوجودي تتداخل فيما بينها بدرجة عالية، لكن الإعلانان العام والوجودي يوفران فقط المعلومات الكافية للبشر لكي تدينهم لفشلهم في حفظ المعيار الإلهي. أما الكتاب المقدس وحده فهو الذي يوفر المعلومات الكافية لتأمين الخلاص. اصغ للطريقة التي يتناول بها بولس ذلك في رسالته إلى رومية  10 : 13 – 17:

 

"لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص. فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به. وكيف يؤمنون بمن  لم يسمعوا به. وكيف يسمعون بلا كارزٍ ... إذا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله."

 

وجهة نظر بولس هنا هي بالأحرى نظرة واضحة: رسالة الإنجيل هي الوسيلة العادية التي بها ينقل الله الإيمان للأفراد. وبمعزل عن كلمة المسيح، ليس من وسيلة للناس لبلوغ رسالة الإنجيل. هذا يجعل من كلمة المسيح وسيلة ضرورية للخلاص في كل الظروف، بل في معظم الظروف الاستثنائية أيضاً.  أما الحالات الوحيدة المستثناة من ذلك كما يميزها اللاهوتيون تحديداً وعلى نحو نموذجي هي الحالات التي تشتمل الأطفال أو أفراد آخرون من ذوي الاحتياجات الخاصة (المتخلفون عقلياً بالأحرى).

 

ولكن ماهي كلمة المسيح؟ كانت خدمة الوعظ  بالإنجيل، أساساً، هي التي تشغل ذهن بولس عندما كتب عن ذلك في الأصحاح العاشر من رسالته إلى رومية. ولكن كانت بذهنه أيضاً الأسفار المقدسة ذاتها كمصدر لرسالة الإنجيل، على سبيل المثال، الكلمات، "كل من يدعو باسم الرب يخلص" وهذه الكلمات في الواقع هي اقتباس من سفر التثنية من الأصحاح الثلاثين. يتبع بولس وهو يستخدم الكتاب المقدس بهذه الطريقة نموذجاً معيناً يظهر عبر الكتاب المقدس. وعلى وجه التحديد، في الكتاب المقدس إعلان الإنجيل مرتبطة عن قرب بكلمة الله المكتوبة. مثلاً، في العهد القديم، كثيراً ما سلّم الله رسالته مباشرة لأنبياء تكلموا بكلمة الله للشعب. لكن الله أيضاً أمّن الكلمة النبوية بكتابتها، حتى يمكن تعلمها بواسطة أولئك الذين لم يكونوا متواجدين أثناء التصريح بها. وإتباعاً لهذا النموذج للعهد القديم، تعلم الرسل الإنجيل أولاً من يسوع، ثم علموه بدورهم للآخرين ليس فقط من خلال الوعظ ولكن أيضاً من خلال كتاباتهم لأسفار العهد الجديد.

 

أما الإتمام الفعلي لهذه العملية فهو أن البشر على الاتساع يتلقون معرفة الإنجيل، وبهذه الوسيلة يأتون إلى الإيمان والخلاص، من الكتاب المقدس، سواء من خلال قرائتهم الشخصية للكتاب المقدس أو من خلال الوعظ المبني على الكتاب المقدس. وبالطبع، هناك فرق هام بين كلمة الكتاب المقدس المكتوبة وبين الوعظ المبني على الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس هو موحى به من الله، وهو معصوم، وسلطته مطلقة في جميع الحالات. أما الوعظ فليس كذلك. وبقدر ما يكون الوعظ أمينا للكتاب المقدس مطابقاً له، بقدر ما يكون صحيحاً، يتسم بالسلطة والقوة. ولكن لأننا بشر ساقطون، فلن يكون الوعظ أبداً صادق الولاء تماماً للكتاب المقدس. وعلى العكس من الوعظ ، فالكتاب المقدس يتميز بالثبات، وعدم التغير، فهو معيار جدير بالثقة يعتمد عليه. أما الوعظ، والتقليد الكنسي، والتعاليم اللاهوتية، ومصادر معلومات أخرى كثيرة فهي كلها مفيدة. لكن كل هذه تحتوي على خليط من الحق والخطأ. أما الكتاب المقدس وحده فهو الكتاب الذي يعتمد عليه وبدون إخفاق أو مسائلة على الإطلاق. لذلك، الكتاب المقدس هو ضروري من الناحيتين، ضروري كسجل للإنجيل،

وضروري كقاعدة ومعيار للوعظ بالإنجيل.

 

في المقام الثاني، الكتاب المقدس ضروري أيضاً للحياة الأخلاقية. سوف تتذكر أنه في درس سابق أرسينا أن الإعلانات العام، والخاص، والوجودي هي كلها حق وذات سلطة. لماذا إذن نفصل الكتاب المقدس عن هذه معتبرينه حالة خاصة للإعلان الضروري؟ الإجابة هي أنه بينما الإعلانان العام والوجودي هما صحيحان ولهما سلطة، إلا أن تفسيرهما أصعب كثيراً من تفسير الكتاب المقدس نفسه. لقد أفسدت الخطية الطبيعة والبشر، حتى لم نعد قادرين بعد على رؤية الفهم النقي الخالص كما قصده الله. ونتيجة لذلك، كثيراً ما يكون من الصعب جداً معرفة كيف يفسر الإعلانان العام والوجودي. أحياناً، يكون من المستحيل تقريباً أن نخبر عما إذا كان ما نراه فيهما هو نتيجة قصد الله في الخليقة، أم هو نتيجة تدنيس الخطية للخليقة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يتكلم الكتاب المقدس بوضوح أكثر وعلى نحو مباشر بما لا يفعله الإعلانان العام والوجودي، جاعلاً قراراتنا الأخلاقية المبنية عليه أكثر أمناً واعتمادية من تلك المبنية على أشكال أخرى من الإعلان. وهذا هو ما جعل إقرار الإيمان الويستمينستري الفصل 1 الجزء 10 يصمم على تفوق الكتاب المقدس في الأهمية على مصادر المعلومات الأخرى.

 

"القاضي الأعلى، الحاكم في كل الاختلافات الدينية، وعلى كل قوانين المجامع وآراء المؤلفين القدماء وتعاليم الناس والمذاهب الخصوصية، الذي على حكمه نستند، ولا يمكن أن يكون آخر غير الروح القدس المتكلم في الكتب المقدسة. "

 

وجهة نظر الإقرار هنا هي أن كل هذه المصادر الأخرى لها قيمتها، ولكن الكتاب المقدس هو أعظم الكل قيمة وأهمية لأنه من خلاله يتكلم الروح القدس  بوضوح أعظم.

 

ماهي، إذن، بعض المتضمنات الأخلاقية لضرورة الكتاب المقدس؟

 

هناك معنى هام جداً هو، ببساطة، أننا لا نستطيع أن نكون أخلاقيين بدون أن نصغي إلى تعليم الكتاب المقدس. وكما سبق ورأينا في هذا الدرس، أن تعلم المضمون الأساسي للكتاب المقدس وتصديقه هو ضروري للخلاص، سواء كنا ندرس الكتاب المقدس مباشرة أو نتلقى تعاليمه المركزية من الآخرين. وأولئك الذين هم في المسيح هم فقط المؤهلين للأخلاقية الصحيحة. باختصار، بدون الكتاب المقدس، الخلاص ليس ممكناً، ولذلك فالأخلاقية ليست ممكنة بالتالي. والناس الذين يظنون أنه بمقدورهم أن يتجاهلوا تعليم الكتاب المقدس ومع ذلك يبقون أخلاقيين هم على خطأ جسيم. بهذا المعنى، الكتاب المقدس هو ضروري لقدرتنا أن نسلك سلوكاً أخلاقياً.

 

بالإضافة إلى هذه الحاجة الأساسية لكلمة الله، الكتاب المقدس ضروري أيضاً لأخلاقيات البشر لأنه يحتوي على معلومات غير متضمنة في الإعلانين العام

والوجودي. وليس هو أمر رائع بالنسبة للمسيحيين أن يعتمدوا، على نحو ثقيل، على اختباراتهم في الحياة، وعلى آراء الآخرين، ولا على حدسهم الأخلاقي الخاص وهم بصدد صنع القرارات الأخلاقية. وكما قد رأينا، هذه وأشكال أخرى من الإعلانين العام والوجودي هي أمور من الأهمية بمكان أن نأخذها بعين الاعتبار. لكن يجب أيضاً أن نميز أنه في ظروف كثيرة، لا يكون الإعلانان العام والوجودي واضحين بكفاية ليرينا السياق الملائم لفعل ما، في حين أن الكتاب المقدس يعلن كلمة الله في تفصيل كاف أن يعلمنا ما هو صواب.

 

على سبيل المثال، يسجل سفر أعمال الرسل ألإصحاح 15 أن جدلاً نشأ في الكنيسة الأولى عندما بدأ الأمم يتحولون إلى المسيحية. واعتقد البعض من داخل الكنيسة أن الأمم يجب أن تُوجَه لهم التعليمات بضرورة حفظ ناموس موسى بنفس الطرق التي كان يحفظ بها يهود عصرهم هذا الناموس. هم أرادوا أن يختتنوا الأمم، وأن يقدموا الذبائح المناسبة في الهيكل، وأن يطبقوا الناموس على حياتهم بالطرق التي تعود يهود عصرهم أن يتبعوها. ومن جهة أخرى، جادل أناس مثل بولس وبرنابا أن الله لم يتوقع أن يحيا الأمم على غرار يهود القرن الأول الميلادي. وكان الأمر مثار جدل للغاية حتى أن الرسل والشيوخ اجتمعوا لمناقشة القضية وبحثها وتقصي الحقائق بشأنها.

 

وهكذا دخل بعض الناس، بسبب أرائهم، في نزاع بشأن واقع خدمة الروح القدس بين الأمم الغرلة (غير المختونين). ولم تكن هذه المصادر للمعلومات كافية لتوفير حل مرضي. ولكن ما أن لجأ يعقوب إلى المكتوب الذي التقى كلامه مع هذه المشكلة وتناغم معها، اتحدت الكنيسة خلف موقفه. كان الكتاب المقدس ضرورياً لأن الإعلانين العام والوجودي كانا غير كافيين لتقديم إجابة لهذه المسألة السلوكية.

 

وللخروج من مأزق هذا الجدل، لجأ يعقوب، شقيق يسوع، إلى سفر عاموس 9 : 11و12. ففي سفر أعمال الرسل 15 : 16و17 نراه وقد اقتبس عاموس كما يلي،

 

"سأرجع بعد هذا وأبني أيضاً خيمة داود الساقطة وأبني أيضاً ردمها وأقيمها ثانية. لكي يطلب الباقون من الناس الرب وجميع الأمم الذين دعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا كله."

 

من هذا النص، أدرك يعقوب أن الله يرغب في ضم كثير من الأمم عندما يسترد ملكوته. أكثر أهمية، هؤلاء المؤمنون الجدد يمكنهم البقاء كما هم أمماً حتى بعدما لبوا الدعوة لقبول الرب. في العهد القديم، الأمم الذين آمنوا صاروا يهوداً واتبعوا الممارسات اليهودية التقليدية. ولكن، أشار عاموس انه عندما يسترد الله ملكوته في المسيح لا بد أن يضم الأمم دون أي التزام باتباع التقاليد اليهودية.

 

بهذا الفهم، لوضوح الكتاب المقدس وضرورته، في الذهن، نحن الآن في وضع يسمح لنا باكتشاف كفاية الكتاب المقدس.

 

هو أمر أساسي للغاية، أنه عندما نقول إن الكتاب المقدس كاف فهذا يعني أنه قادر أن يحقق الأغراض التي من أجلها قد كتب. ولكن ليس مدهشاً، أن هذه الفكرة البسيطة تصبح فكرة معقدة، لأنه صعب أن يوافق المسيحيون على ما هو الغرض الحقيقي للكتاب المقدس. هكذا، بينما نحن نبحث قضية كفاية الكتاب المقدس، سوف نبدأ بفحص غرض الكتاب المقدس في علاقته بكفايته. بعد ذلك، سوف نتناول الحديث في بعض سوء المفاهيم الشائعة حول الكفاية،

وأخيراً سنتكلم عن الفكرة الشائعة الخاطئة، أن الكتاب المقدس يلزم الصمت في مسائل معينة.

     

بشأن العلاقة بين كفاية الكتاب المقدس وقصده، سيكون من النافع أن نرجع مرة ثانية لإقرار الإيمان الويستمينستري، الذي يحتوي على موجز جيّد جداَ لهذه الفكرة في الفصل الأول الجزء السادس، حيث سجل الإقرار المسألة بالطريقة التالية:

 

"أن كل مشورة الله من جهة كل الأمور اللازمة لمجد ذاته ولخلاص البشر وللإيمان والسيرة هي إما مدونة صريحة في الكتاب المقدس، وإما مستنتجة منه بالاستنتاج الصالح والضروري. ولا يضاف إليه شيء في زمان من الأزمنة، سواء كان بإعلانات جديدة من قبل الروح، أو بتقاليد البشر."

 

يخلص الإقرار هنا، على نحو صحيح، إلى النتيجة أن قصد الكتاب المقدس هو قصد متعدد الأوجه. فهو يذكر أن الكتاب المقدس قد كتب لكي يعلمنا كيف نمجد الله، وكيف نأتي بالرجال والنساء إلى الخلاص، وكيف نعلم المؤمنين فيما يتعلق بمحتوى إيمانهم، ثم كيف يرشدنا في الحياة المسيحية. تأتي هذه الأفكار عن قصد الكتاب المقدس من الكتاب المقدس نفسه.

 

على سبيل المثال، يعلم الكتاب المقدس في أماكن كثيرة أن الكتاب المقدس قد أعطي لنا لكي نمجد الله عن طريق طاعة وصاياه. نذكر هنا واحداً من الأماكن التي تظهر ذلك بوضوح هو سفر التثنية حيث يتكلم عن لعنات العهد. ففي سفر التثنية 28 : 58و59 لفت موسى النظر إلى علاقة ارتباط متبادلة مدهشة أخّاذة بين طاعة وصايا الله المكتوبة وتمجيد الله.

 

"إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس المكتوبة في هذا السفر لتهاب هذا الاسم الجليل المرهوب الرب إلهك يجعل الرب ضرباتك وضربات نسلك عجيبة..."

 

الكتاب المقدس معّد لكي يعلمنا كيف نمجد الله، وانه كاف لإنجاز هذا الغرض. يشتمل الكتاب المقدس كل المعايير التي نحتاجها لكي نعرف أن نمجده.

 

فيما يتعلق ب "خلاص الإنسان، والإيمان والحياة"، أرشد بولس تيموثاوس أن يبقى ثابتاً ومخلصاً لدراسة الكتاب المقدس حتى ينال هذه الفوائد التي كان الكتاب المقدس قد أعدّ لكي يوصلها. في هذه القرينة، في رسالة تيموثاوس الثانية 3 : 15 – 17، علَّم بولس بوضوح عن كفاية الكتاب المقدس. كتب هذه الكلمات في الآية 15:

 

"الكتب المقدسة القادرة أن تُحَكّمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع."

 

عندما قال بولس أن الكتب المقدسة "قادرة" أن "تُحَكّمنا للخلاص" قصد أنه بدراسة الكتاب المقدس، يمكننا أن نتعلم الأمور التي من الضروري أن نعرفها إن كان لا بد لنا أن نخلص. لقد آمن بولس أن ذلك صحيح لأنه عرف ليس فقط أن الكتاب المقدس كان قويّاً، كما رأينا سابقاً في هذا الدرس، ولكن أيضاً أن الكتاب المقدس كان قد تم إعداده لكي يوفر هذه المكاسب المحددة. ولأن الكتاب المقدس قادر ان يتمم هذا القصد، لذلك يمكن أن يدعى بحق أنه كاف للخلاص.

 

وبنفس الطريقة، يمكننا القول أيضاً أن الكتاب المقدس كاف ل "الإيمان". فالنتأمل مرة أخرى في كلمات بولس في رسالة تيموثاوس الثانية 3 : 15 – 17. قال أن:

 

"الكتب المقدسة القادرة أن تُحَكّمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع".

 

أما محتوى الإيمان الذي يخلص فهو معلن في الكتاب المقدس كالوسيلة التي بها قد تبررنا ونلنا الخلاص من الله.

 

أخيراً، الكتاب المقدس كاف أن يرشدنا خلال "الحياة"، أي خلال الممارسة المستمرة لإيماننا المخلّص في المسيح. نأتي هنا بعبارة بولس المشهورة في رسالة تيموثاوس الثانية 3 : 16و17 التي تجعل الأمر واضحاً:

 

"كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عملٍ صالحٍ."

 

بجانب أنه قصد أن يؤتى بنا إلى الإيمان في المسيح لخلاصنا، الكتاب المقدس أيضا قصد أن يعدّنا ل "لكل عملٍ صالحٍ"--- ليس فقط لبعض الأعمال الصالحة، ولكن لكل عمل صالح. ولأن الكتاب المقدس قصد أن يعدنا ل "كل عمل صالح"، ولأنه قوي بما يجعله قادراً أن يؤدي وظيفته المقصودة، فمن الصواب ان نقول أن الكتاب المقدس يتكلم بكفاية عن كل عمل صالح. فإذا فهمنا كل الكتاب المقدس فهماً صحيحاً، عندئذ سنعرف معايير الله بقدر كاف لصنع قرارات ملائمة عن أية قضية سلوكية مطروحة، طالما لنا أيضاً الفهم الكافي للأشخاص والموقف.

 

الآن، فهم كفاية الكتاب المقدس للحياة يثير سؤالاً بشكلٍ جدي: كيف يمكن لأي كتاب، حتى ولو كتاب كبير بحجم الكتاب المقدس، أن يعالج كل مشكلة سلوكية يمكن تصورها، مجهزاً إيانا لكل عمل صالح؟ حسناً، في الحق، الكتاب المقدس لا يتخاطب مع كل قضية أخلاقية متصورة بطريقة مباشرة. يتكلم الكتاب المقدس مباشرة فقط لعدد محدود من قضايا الحياة، مثل المضمون الرئيسي لإيماننا، وعن المسئوليات الرئيسية تجاه الله والبشر. ولكن وهو يفعل ذلك، يضع المكتوب مبادئ بإمكاننا توسيعها واستعمالها فيما هو ابعد من الأمور المحددة المذكورة في الكتاب المقدس. هذا هو السبب الذي يجعل الإقرار يميز بين ما هو "مدونة صريحة في الكتاب المقدس" وما يجب أن يستنتج من المكتوب بغية "الاستنتاج الصالح والضروري". في جميع الأحوال، مع ذلك، يوفر الكتاب المقدس لنا المعلومات التي نحتاجها لكي نكتشف معايير الله السلوكية.

 

النقطة الأخيرة التي يجب أن نلاحظها في توضيح الإقرار لكفاية الكتاب المقدس هي أن الكتاب المقدس هو الكتاب الكامل بكفاءة، حتى أنه:

 

"لا يضاف إليه شيء في زمان من الأزمنة، سواء كان بإعلانات جديدة من قبل الروح، أو بتقاليد البشر."

 

يحتوي الكتاب المقدس على كل المعايير التي نحتاجها كمسيحيين. فالتقاليد البشرية وتعليمات السلطة، مثل الحكومات المدنية والسلطات الكنسية، تجب لها الطاعة لأجل الرب، لكنها لن تحسب كمعايير مطلقة أو نهائية. فقرار اتّباع أو عدم اتّباع المعايير البشرية لا بد أن تكون موجّهة بمعايير الكتاب المقدس، والمعايير البشرية سوف تواجه دائماً بالتحدي عندما تتعارض مع المعايير الكتابية.

 

ونحن نرى ذلك مبرهناً في الكتاب المقدس بصورة مكررة. مثلاً، سمحت القيادة اليهوديه الرسمية أيام تجسد المسيح يسوع للصيارفة والباعة بممارسة أعمالهم في الهيكل. لكن عندما رأى يسوع ذلك، غضب وطردهم من الهيكل لأن القيادة البشرية بذلك تكون قد سمحت بانتهاك معايير الكتاب المقدس في داخل حرم الهيكل. ونحن نقرأ هذه القصة في متى 21 : 12و13:

 

"ودخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل... وقال لهم. مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص."

 

لقد فهم يسوع على نحو صحيح أن الآية التي اقتبسها من إشعياء 56 : 7، كشفت عن المعيار الكتابي بوجوب أن يكون الهيكل مكرساً للصلاة. لكن القيادة اليهودية قد سمحت بانتهاك حرمة الهيكل بالمعاملات التجارية. كانت إدانة يسوع لهم أنهم جعلوا من الهيكل "مغارة لصوص" إدانة قوية تفوق التصديق. وتشير هذه العبارة المستمدة من إرميا 7 : 11، إلى المجرمين الوثنيين العنفاء الذين يظهرون ولاء كلامياً كاذباً  لله في هيكله. لقد برهن يسوع بأعماله وبكلماته أن اتباع أي قانون بشري أو تقليد ما، هو خطية عندما يتعارض المعيار البشري مع الكتاب المقدس.

 

في كل حالة، الكتاب المقدس كاف أن يثبت كل المعايير السلوكية. أما قواعد السلوكيات البشرية، فهي مع ذلك، صحيحة وملزمة ولكن فقط بقدر ما تعكس المعيار الكتابي. ولكن عندما تتعارض المعايير البشرية مع المعايير الكتابية، فالمسيحي ملتزم أن يتحدّاها.

 

بمفهوم مناسب لكفاية الكتاب المقدس في أذهاننا، يجب أن نوجه انتباهنا الآن إلى بعض سوء المفاهيم الشائعة حول كفاية الكتاب المقدس.

 

سوف نصنّف هذه المفاهيم الخاطئة بصفة عامة إلى حد ما  في مجموعتين: أولاً، وجهات نظر تظهر مغالاة في تقدير كفاية الكتاب المقدس؛ وثانياً، وجهات نظر أستخفاف تقدير كفاية الكتاب المقدس. دعونا نبدأ بوجهات النظر التي تظهر المغالاة في تقدير كفاية الكتاب المقدس.

 

على نحو نموذجي، يتسم أولئك الذين يغالون في تقدير كفاية الكتاب المقدس بالتزام شديد له. لكن كثيراً ما ينقصهم الإلتزام الملائم لكل من الإعلانين العام والوجودي. ونتيجة لذلك، فهم يعتقدون بالخطأ أنه بمقدورهم استعمال الكتاب المقدس بطريقة ملائمة في المسائل السلوكية دون أن تكون لهم معرفة كثيرة، أو حتى بدون أية معرفة على الإطلاق عن المواقف المحددة وعن الناس. هم يعتقدون أن صنع القرارات السلوكية هو أمر بسيط يشبه بساطة قراءة الكتاب المقدس وطاعته. لكن في واقع الأمر، فقبل أن نستعمل الكتاب المقدس أو نطيعه، يجب أيضاً أن نعرف شيئاً عن الناس وعن المواقف التي لها صلة باستعمالنا للكتاب بشأنهم. لقد وفر الله لنا بصفة عامة هذه المعلومات في كل من الإعلانين العام والوجودي. فإذا نحن تجاهلنا هذين الشكلين الآخرين للإعلان، فنحن نتجاهل الوسائل المعطاة لنا منه لتفسير الكتاب المقدس وفهمه.

 

لكن ليس كل الأخطاء مبنية على أساس المغالاة في تقدير كفاية الكتاب المقدس. هناك أخطاء أكثر كثيراً تأتي من الاستخفاف بشأن هذه الكفاية. يظهر هذ الخطأ عموماً في شكل إصرار بأن الكتاب المقدس كاف لكي يرشدنا فقط في مساحة محدودة من حياتنا، فهو يمدنا  بتعليمات أخلاقية في مواضيع معينة فقط. مثلاً، جادل توما الأكويني أن الإعلانين العام والوجودي كافيين لتعليم مبادئ أخلاقية كثيرة، وأن الكتاب المقدس يضيف إلى هذه المعرفة أو يكمّلها بإعطائنا معلومات بخصوص تلك المواضيع التي لا يغطيها كل من الإعلانين الطبيعي والوجودي، مثل طريق الخلاص. ومؤخراً، في السنوات الحديثة، جادل آخرون أن الكتاب المقدس لم يتعرض لمسائل مثل تلك المدعوة بالجنسية المثلية الأحادية، والإجهاض، والقتل الرحيم (قتل من يشكو مرضاً عضالاً بطريقة خالية من الألم).

 

ولكن كما قد رأينا، سواء من خلال التعليم الواضح الصريح أو التعليم المفهوم ضمناً، توفر الكتب المقدسة لنا نظاماً شاملاً للمعايير السلوكية. وبهذا المعنى، تكون كفاية الكتاب المقدس غير محدودة عندما يستلزم الأمر إعلانها مشيئة الله لمجده، ولخلاصنا، وإيماننا وحياتنا المسيحية.هذا ويحتوي الإعلانان العام والوجودي بعض هذه المعايير، لكنهما لا يحتويان على معايير إضافية وراء تلك الموجودة في الكتاب المقدس سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

 

النقطة هنا، هي ببساطة، أن الكتاب المقدس يتكلم بكفاية لكل مجالات الحياة، حتى أن واجبنا الحق تجاه الله هو دائماً بمثابة تطبيق لمعايير الكتاب المقدس.

 

عند هذه النقطة، سوف نتكلم عن فكرة رائجة بين الناس ولكنها فكرة غير صحيحة وهي أن الكتاب المقدس يلزم الصمت بشأن مسائل معينة. وربما تكون هذه واحدة من أكثر الطرق شيوعاً حتى أن المسيحيين من ذوي النيَّة الحسنة يستخفون في تقديرهم لكفاية الكتاب المقدس. وعلى وجه التحديد، كثيراً ما يعلم المسيحيون أن بعض قضايا الحياة هي من الناحية الأخلاقية "حيادية" أي ليست صواباً ولا خطأ، لأن الكتاب المقدس لا يزوّدنا بالمعلومات الكافية لمعرفة مشيئة الله في هذه المسائل. تاريخياً، قد عرفت هذه بالأديافورا (أي الأمور غير المدرجة أو غير المتضمنة مع المعتقدات أو المبادئ الأخلاقية الجوهرية).

 

هذا الموقف النموذجي قد عرّف هذه الأمور الحيادية، بأنها ليست في ذاتها خطأ أو صواب.

 

ومع أن أناساً كثيرين عبر تاريخ الكنيسة قد تمسكوا بهذه المواقف، فهذا الموقف واقعياً يناقض تعاليم الكتاب المقدس. مثلاً، أينما يتكلم اللاهوتيون عن الأمور غير المشخصة كأمور غير هامة أو "محايدة" يتكلم الكتاب المقدس عنها كأنها أمور حسنة. وحتى بعد سقوط الإنسان في الخطية، لا يزال بولس مصمماً أن كل الأشياء حسنة. كما كتب في رسالته الأولى إلى تيموثاوس 4 :  4و5:

 

"لأن كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة."

 

تكلم بولس خاصة عن الطعام في هذه القرينة، لكن المبدأ أوسع من ذلك بكثير، فهو يمتد إلى كل الخليقة، تماماً كما صرّح الله نفسه في نهاية أسبوع الخلق. ولهذا السبب، حتى الأشياء غير المشخصة هي ليست "حيادية"؛ هي حسنة.

 

هذا وقد استعمل بعض اللاهوتيون مصطلح "محايدة" أو أديافورا للاختيار بين اثنين أو أكثر من الاختيارات الحسنة. لقد اقترحوا أنه عندما تكون كل الاختيارات حسنة، عندئذ يكون الكتاب المقدس محايداً بشأن ما نختاره. لكن الكتاب المقدس يعلم أن الله يبارك بعض الاختيارات الحسنة أكثر من اختيارات حسنة أخرى، وأن الكتاب المقدس في بعض الأحيان يمدح اختياراً حسناً واحداً أكثر من اختيار حسن آخر.

على سبيل المثال، كتب بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورينثوس 7 : 38:

 

"إذاً من زوّج فحسناً يفعل ومن لا يزوّج يفعل أحسن."

 

الآن، تجب الملاحظة أن العلماء غير متفقين أية ظروف على وجه التحديد كتب فيها بولس. لكن كلماته واضحة بالقدر الكافي أن الزواج أو عدم الزواج كلاهما اختيار حسن، وأن عدم الزواج كان الاختيار الأحسن. بهذا المعنى، لا يكون الكتاب المقدس حقيقة "محايدا" حتى عندما يجب أن نفاضل بين الاختيارات الحسنة.

 

سوف تتذكر أنه في درسنا الأول، قد عرّفنا "الصلاح" بأنه "نوال بركة الله"، والشر بأنه "عدم نوال بركته". بهذا التعريف، مظاهر حياة البشر ليست صالحة أو شريرة؛ لا شيء ولا أحد غير هام أو محايد. فسواء يبارك الله أو لا يبارك – فليس هناك حالة وسط . فلو أنه يبارك، فهذا صالح؛ وإن كان لا يبارك، فهذا شر.

 

أما وقد قيل هذا، فهو صحيح أن هناك بعض الكلمات، وبعض الأفكار

والأفعال صالحة في بعض المواقف، لكنها شر في أخرى. على سبيل المثال، العلاقات الجنسية داخل الزواج هي صالحة، لكن العلاقات الجنسية خارج الزواج هي شر. لكن هذا لا يعني أن العلاقات الجنسية في ذاتها لا صالحة ولا شريرة. بالأحرى، هي صالحة، تماماً كما خلقها الله لتكون صالحة. لكن الرفقاء غير المتزوجين يسيئون استخدام العلاقات الجنسية، لذلك، في موقفهم هذا، تكون مثل هذه العلاقات شريرة.

 

أخيراً، يستخدم بعض اللاهوتيين مقولة الأديافورا لمعالجة المسائل التي لا نستطيع فيها أن نقرر أية اختيارات هي الصالحة أو الشريرة. ولكن لأننا نعرف أن الكتاب المقدس يلمس كل أوجه الحياة، على الأقل بطريقة غير مباشرة، فلا يجب أننا نتعامل مع المسائل غير المتأكدين منها بأنها "حيادية". فهو صحيح أننا كثيراً ما نشعر كأننا غير قادرين أن نعرف أية اختيارات معينة، وأية أفكار، وأية أفعال، أو مواقف تكون صالحة وأيتها تكون شريرة. لكن تحدث مثل هذه المواقف ليس لأن كلمة الله  غير كافية ولا لأن الكتاب المقدس يتخذ موقفاً محايداً، ولكن لأننا نحن نفشل أن نميز او أن نفهم كيف نطبق الحق الذي كشف عنه الكتاب المقدس.

 

هذا الإخفاق في عدم الوصول إلى قرار أخلاقي قد يتخذ أي عدد من الأشكال. وكما قد تتذكر، النموذج الكتابي الذي يحتذى لصنع القرارات السلوكية ربما يُلخص كالآتي : "يشتمل القرار الأخلاقي استعمال شخص ما لكلمة الله في موقف معين." لا بد أننا نتصرف على أساس فهم مناسب لمعيارنا الأخلاقي،

ولأهدافنا، ولبواعثنا، أو نقولها بطريقة اخرى، على اساس اهتمامات معيارية، وموقفية  ووجودية. من الممكن أن الفشل بعدم الوصول إلى حكم أخلاقي يكون متسبباً عن فشل في عدم تقييم ملائم لأي من هذه الأبعاد أو المفاهيم. فقد نفشل لأننا نهمل النصوص الكتابية التي نتعامل معها أو لأننا نسئ فهمها. وقد نفشل لأنه يفوتنا الانتباه إلى الموقف المرتبط بالمشكلة الأخلاقية أو لأننا نسئ فهمه. وقد نفشل لأننا نغفل عن الأوجه الوجودية والشخصية لمسألة ما أو أننا نسئ تقييمها. في جميع الأحوال، عندما لا يكون في مقدورنا أن نصل إلى نتيجة حاسمة بشأن قرار أخلاقي أو سلوكي، فليس مناسباً أن نستنتج إلى أن الله لم يعلن المعلومات الضرورية لصنع القرار. وليس أمراً ملائماً القول أن المسألة حيادية، وأنه ليس هناك منهج صحيح نتبعه. بالأحرى، يجب أننا نستمر في القراءة، والدراسة، والصلاة وبحث المشكلة وأن نفعل أفضل ما يمكن فعله بأحكامنا المؤقته، ولكن نرجئ الحكم النهائي إلى أن تصبح القضايا المعيارية وألموقفية والوجودية واضحة.

 

في هذا الدرس بحثنا في صفات هامة عديدة للكتاب المقدس. وقد رأينا أنه بسبب أن الكتاب المقدس موحى به بشكل ألهي من الله، فهو لذلك قوي وسلطوي. وقد رأينا أيضاً أنه بسبب أن الكتاب المقدس مكتوب لكل الجنس البشري، فهو واضح، وضروري وكافي.

 

هو أمر نافع من نواحي كثيرة أن نحتفظ بصفات الكتاب المقدس في أذهاننا ونحن ندرس السلوكيات المسيحية. فمن ناحية، تذكرنا هذه الصفات أن الكتاب المقدس هو الكتاب الأساسي الذي لا غنى عنه عندما تكون الفرصة سانحة لإجابة مسائل سلوكية. يجب أننا دائماً نسعى إلى أجوبة الكتاب لأنه السلطة النهائية لكل أوجه الحياة، وأن هناك أسئلة كثيرة يجيب عنها الكتاب المقدس وحده. ومن ناحية أخرى، تذكَّر صفات الكتاب المقدس هو أمر مشجع للغاية، لأنه يذكرنا أن الله قد زودنا بالكتاب المقدس لكي يفيدنا، ولكي يعلمنا عن نفسه وعن معاييره. وأخيراً، تمدنا صفات الكتاب المقدس بالثقة فيما نصل إليه من نتائج، حيث أننا تأكدنا أن تعاليم الكتاب المقدس السلوكية هي كافية وواضحة. وهكذا، من الأهمية بمكان أننا نتذكر وأننا نعتمد على كل المجال المتضمن صفات الكتاب المقدس بينما نحن نتقدم في دراستنا للسلوكيات المسيحية.