السلوكيّات المسيحية

 صنع القرارات الكتابية

 السلوكيّات في الكتاب المقدس

 

اعتقد أن كل مسيحي يتفق معي أن السلوكيّات تعاني من جرّاء أزمة في أيامنا هذه، ليس فقط في العالم خارجاً هناك بين غير المؤمنين، ولكن في الكنيسة أيضاً. فينزع غير المؤمنين إلى الملايين من الاتجاهات في محاولات لبلوغ التمييز بين الصواب والخطأ. وحتى أولئك المسيحيّون العارفون، فعندما نلمس سلوكيات الحياة وأخلاقياتها، نجد أنهم أيضاً على الخريطة بلا استثناء. فقد تقابلت مع بعض المسيحيين الذين يبدو أن اقتناعاتهم الأخلاقية ضئيلة جداً، كما تقابلت مع مسيحيين آخرين تبدو إجاباتهم لكل سؤال في السلوكيّات إجابات بسيطة جداَ تغلب عليها السطحية والضحالة.

 

أظن أنه كلما بلغ بي العمر طويلاً، كلما زاد اقتناعي أن واحدة من أعظم وأهم احتياجاتنا اليوم هي أن نفهم كيف يُطبق الكتاب المقدس عملياً في حياتنا – فيما كيف نفكر، وكيف نعمل وكيف نشعر، أي كيف نصنع قرارات كتابية فيما يتعلق بالسلوكيات الحياتية.

 

هذه السلسلة عن "صنع القرارات الكتابية" هي المادة الأولى في دراستنا للسلوكيّات المسيحية. في هذه السلسلة، سوف نركز على العملية أو الخطوات التي يعلَّمنا الكتاب المقدس أن نتبعها إذا أردنا أن نصنع قرارات تتعلق بالسلوكيّات.

 

قد دعونا هذا الدرس الأول "السلوكيّات في الكتاب المقدس."

 

وفي هذا الدرس، نحن ننشئ تعريفاً كتابياَ للسلوكيّات، ثم نفحص المعايير الثلاثية للسلوكيّات، ثم أخيرا نلخّص العملية الثلاثية لصنع القرارات السلوكيّة. دعونا نبدأ بتعريف السلوكيّات.

 

أغلب الشعوب تقريباً في كل مكان، لهم أنظمتهم الفكرية الخاصة بهم في السلوكيّات. وتتباين الطرق التي بها يتم تحديد ما هو سلوكي أو أخلاقي بين الديانات والثقافات والمجتمعات والأفراد المختلفة، وكثيراً ما يصل هؤلاء إلى نتائج مختلفة جذريّا فيما يتعلق بأية سلوكيّات وأية أفكار يجب المصادقة عليها، وأية سلوكيات يجب أن تستهجن. وعلى وجه العموم، يدعى حقل الدراسة الذي يتم فيه بحث هذه الأنظمة المختلفة ونتائجها بعلم السلوكيات.   

 

وبلغة عامة، تُعرّف السلوكيّات بأنها دراسة أخلاق الصواب والخطأ، دراسة ما هو صالح

وما هو شر. لكن في هذه الدروس، يتركز اهتمامنا على وجه التخصيص، في وجهة النظر المسيحية أو الكتابية في السلوكيّات. من ثم، سوف نعرّف السلوكيّات المسيحية كالآتي:

"فكر لاهوتي، منظور إليه كوسيلة لتحديد أية أشخاص من البشر، وأية أفعال ومواقف هي التي تنال بركة الله وأيتها لا تنال."

 

سوف ندرس ثلاثة أوجه لهذا التعريف. أولاً، الله وبركاته. ثانياً، اتساع القضايا المتضمنه في هذا التعريف. وثالثاً، أعماق السلوكيّات المسيحية. دعونا نتكلم أولاً عن الله وبركاته.

يتركز تعريفنا على الله وبركاته. فتلك الأمور التي تتلقى مباركة الله هي أمورجيدة، أما الأمور التي لا تلقى مباركة الله فهي شر. لكن ما هي بعض المتضمنات في هذا التركيز؟

 

نحن هنا نعنى القول بأمرين: أولاً، طبيعة الله هي معيار "الأخلاقية"؛ وثانياً، أفعال الله تُظهر معيار "الأخلاقية". دعونا نفحص هاتين الفكرتين بشيء من التفصيل.

 

أولاً، نحن نؤكد أن الله ذاته هو المعيار المطلق للصواب والخطأ. كما أننا ننكر مقولة أن هناك "أخلاقية" مطلقة تعتبر بذاتها معياراً بمعزل عن الله، حتى أنه يذعن لمثل هذا المعيار إذا أراد ان يُعتبر صالحاً.

 

وبدلاً من ذلك، نحن نصمم بأن كل شئ يتطابق مع شخص الله وصفاته هو صالح وصواب، بينما كل شئ لا يتطابق معه فهو خطأ وشر.

 

فلنعتبر أولاً (1 يوحنا 1 : 5 – 7) :

"وهذا هو الخبر الذي سمعناه منه ونخبركم به أن الله نور وليس فيه ظلمة البته. إن قلنا إن لنا شركة معه وسلكنا في الظلمة نكذب ولسنا نعمل الحق. ولكن إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعضٍ ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية."

استعارة النور للتعبير عن الله هي أساساً بمثابة تقييم أخلاقي.

 

أما الظلمة فكانت دائماً مساوية للخطية والأكاذيب، بينما كان النور دائما معادلاً للحق والنقاوة. وبالتالي الله ليس فيه ظلمة البتة .. والخطية هي غريبة عن طبيعة الله.

 

في نور هذا النص وغيره مما يشابهه، نحن ملتزمون أن نرى في طبيعة الله المعيار والنموذج للصلاح والصواب. ولنفس الأسباب، نحن مجبرون بإدانة أي شئ يتعارض مع طبيعته واعتباره شراً.

 

في المقام الثاني، تُظهر أفعال الله معيار "الأخلاقية".

 

واحدة من الطرق الرئيسية التي بها يظهر الله رضاه بما هو صحيح وصالح، هي بمنحه البركات. وبالمثل، يظهر كراهيته لما هو خطأ وشر بمنعه للبركات وسكبه للعنات.

 

فعلى سبيل المثال، في سفر اللاويين 26 : 3 ، أغدق الله بركات هائلة على إسرائيل بشرط سلوكهم في فرائضه وحفظهم وصاياه: "إذا سلكتم في فرائضي وحفظتم وصاياي وعملتم بها."

 

ولكن بدءاً بالآية 14، هدد بلعنات رهيبة عليهم إذا هم لم يطيعوا كل كلمة من كلماته.

فلنتأمل الطريقة التي بها تكلم بهذه اللعنات في سفر اللاويين (26 : 14 – 16)

 "لكن إن لم تسمعوا لي وتعملوا كل هذه الوصايا وإن رفضتم فرائضي وكرهت أنفسكم أحكامي فما عملتم كل وصاياي بل نكثتم ميثاقي فإني أعمل هذه بكم. أسلط عليكم رعباً وسلاّ وحمى تفني العينين وتتلف النفس وتزرعون باطلاً زرعكم فيأكله أعدائكم."

 

يهدد الله بهذه اللعنات ضد أولئك الذين يرفضون طاعة وصاياه. لم يعلن الله بصورة واضحة في هذا النص أن عدم طاعته تعتبر شراً أو أمراً رديئاً أو خطأ. وبرغم ذلك، واضح أن تهديداته بالدينونة تجعل ذلك أمراً مؤكداً.

 

ونحن نبحث في الكتاب المقدس عن الطرق التي بها أعلن الله معايير الصلاح والشر، نجد أنه في مرات كثيرة ينقل الكتاب معلومات الصواب والخطأ عن طريق تسجيل ردود أفعال الله أكثر من تصنيف الأمور، على نحو واضح بأنها صلاح أو شر. عندما ننتبه إلى بركات الله ولعناته، نكتشف أن الوجه السلوكي لنصوص كثيرة يصبح أكثر وضوحاً.

 

ويؤكد تعريفنا للسلوكيات المسيحية على الأهمية الخاصة لمدى اتساعها، فالسلوكيات ليست مجرد فرع من علم اللاهوت، لكنها الوجه الأساسي لكل ما يتصل بعلم اللاهوت والحياة المسيحية.

 

كانت السلوكيات في الماضي تُرى على أنها جزء من قسم علم اللاهوت يدعى "علم اللاهوت العملي". في هذا النموذج القديم، كانت الكثير من الصياغات اللاهوتية لا تلقي اهتماماً إلا بالقليل جداً من السلوكيات، إن لم يكن لا تُعيرها اهتماماً بالمرة. وكثيراً ما تعامل مدرسو السلوكيات مع أجزاء صغيرة جداً في هذا الحقل من علم اللاهوت .

 

ولكن على نحو مخالف لذلك، يؤكد تعريفنا أن السلوكيات المسيحية تتصل بكل أبعاد الحياة المسيحية. فالسلوكيات هي "علم اللاهوت منظور إليه كوسيلة لتحديد ما هو صالح وما هو شر."

 

هذا ويتعامل كل نظام وموضوع لاهوتي بطريقة أو بأخرى مع بركات الله ولعناته. وكذلك يلزمنا كل نظام لاهوتي أن نعتقد في حقائق معينة، وأن نعمل أشياء معينة، وأن نشعر بعواطف معينة. فالسلوكيات إذن متضمنة في كل علم اللاهوت.

 

وفوق هذا، تلمس السلوكيات المسيحية كل مجال من مجالات الحياة. وعلم اللاهوت نفسه غير مقيّد. وأنا أعرّف علم اللاهوت بأنه التطبيق لكلمة الله في كل مجالات الحياة. في كلمات أخرى، هو فكر يؤول إلى التطبيق العملي ويحققهُ. فلا شيء يصمد خارج معايير الله السلوكية.

 

لنأخذ بعين الاعتبار طريقة فهم السلوكيات وعلم اللاهوت في نور ما ورد في (2 تيموثاوس 3 : 16 و 17)

"كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح."

 ونحن نستطيع أن نعيد صياغة هذه الكلمات بالقول: أن كل الكتاب هو نافع لعلم اللاهوت، الذي يُعد إنسان الله لكي يفعل كل ما هو صحيح أخلاقياً في كل مجالات حياته.

 

وبالإضافة إلى التركيز على موضوع اتساع السلوكيات، نرى أن تعريفنا يخاطب أيضا عمق السلوكيات. ذلك أن تعريفنا للسلوكيات المسيحية يؤكد أية الأفعال، والمواقف، والأشخاص من البشر تنال بركات الله، وأيتها لا تنالها. وهكذا تتضمن معايير الله الأخلاقية أفعالنا، وأفكارنا، وعواطفنا، أي صميم طبيعتنا.

 

من الواضح بصفة عامة لمعظم الناس، أنه بالإمكان اعتبار الأفعال، على نحو ملائم، صواب أو خطأ. لذلك سوف لا نصرف الكثير من الوقت في ذلك. لكننا يجب أن نتذكر أيضاً أن الكتاب المقدس يصور المواقف بأنها، من الناحية الأخلاقية صواب أو خطأ. لأن كثير من المؤمنين المشهود لهم بحسن النيّة يظنون أن مواقفنا وعواطفنا لا صفة أخلاقية لها، بعبارة أخرى، أنها فاقدة لحس المسئولية الأخلاقية، بمعنى أنها ليست صلاحاً أو شراً. لكن السلوكيات المسيحية تخاطب ليس فقط السلوك، لكن أيضا العواطف، والتكييفات، والميول، والنزعات، والخيارات، والأفكار، والخيالات، والمعتقدات، وصميم طبيعتنا ذاتها.

 

وقد علم يسوع في موعظته على الجبل، متى 5 : 22، "كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم."

 

وأضاف، ما ورد في متى 5 : 28 "كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه." لقد أدان يسوع هنا عواطف القلب ومواقفه معتبراً إياها آثمة. ذلك أن هذه المواقف واقعياً، تنتهك ذات الوصايا التي تنهي عن الأفعال الآثمة.

 

ولننظر بعين الاعتبار إلى وصف يسوع للقلب البشري في (مرقس 7 : 21 – 23):

"لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج الأفكار الشريرة زنى فسق قتلٌ سرقةُ طمعٌ خبثٌ مكرٌ عهارةٌ عينٌ شريرةٌ تجديفٌ كبرياءٌ جهلٌ. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان."

 

وسوف نتناول بالحديث أيضاً عن كلاً من الأشخاص الصالحين والأشرار. أن السلوك الشرير ينبع من داخل القلب الشرير، وينبع القلب الشرير من الطبيعة الشريرة. ولهذا السبب، إذا كان لنا أن نرضي الله، يجب أن نملك في داخلنا طبيعة صالحة.

 

لنعتبر ما كتبه بولس بهذا الصدد، في رومية 8 : 5 – 9

"فإن الذين هم حسب الجسد فبما للجسد يهتمون ولكن الذين حسب الروح فبما للروح. لأن اهتمام الجسد هو موت ولكن اهتمام الروح هو حياة وسلامٌ. لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله لأنه أيضاً لا يستطيع. فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. وأما انتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنا فيكم. ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس لهُ."

 

 عندما كتب بولس عن الجسد، كان يعني بذلك الطبيعة الآثمة للإنسان الساقط. ونوجز القول، أن كل غير المؤمنين الذين يوجدون في الجسد، طابقهم بولس بالطبيعة الساقطة باعتبارها النبع لعقل ليس بمقدوره أن يطيع الله. وتمييزاً للمؤمنين عن غير المؤمنين في ذلك، يملك المؤمنون الطبيعة الجديدة التي لها القدرة على العمل وفق معيار الله الأخلاقي، لأن روح الله القدوس يسكن فيهم.

 

وهكذا، عندما نتكلم عن السلوكيات المسيحية على أنها "فكر لاهوتي، منظور إليه كوسيلة لتحديد أية أشخاص من البشر، وأية أفعال ومواقف هي التي تنال بركة الله وأيتها لا تنال."

 فنحن نعني بذلك على الأقل ثلاثة أمور. أولاً، الله نفسه هو معيار السلوكيات. ثانياً، كل ما للحياة له أبعاد سلوكية. ثالثاً، معايير الله الأخلاقية تلزمنا بمسئولية تجاه الأفعال، والأفكار، وصميم طبيعتنا.

 

والآن يجب أن نوجه انتباهنا إلى هذه المعايير الثلاثة للأخلاق.

 

من الطرق المساعدة لنا بدرجة عالية في فحص التعليم الكتابي لهذه القضية المعقدة، أن نتأمل في الطريقة التي بها يعرّف إقرار الإيمان الويستمنستري الأعمال الصالحة لغير المؤمنين، كما ورد في الفصل 16 فقرة 7 . "أن الأعمال التي يفعلها غير المجددين، وأن كانت في حد ذاتها اموراً  يوصي بها الله، ونافعة لفاعليها وللآخرين، ولكن لأنها غير صادرة من قلب مطهر بالإيمان، ولانها لم تعمل بالطريقة الصحيحة حسب كلام الله، ولا لغاية صحيحة وهي مجد الله، فانها لذلك أعمال خاطئة، لا ترضي الله ولا تؤهل الإنسان لينال نعمة من الله."

 

وفقاً لذلك، هناك اتجاه صائب هو أن غير المؤمنين قد يفعلون أموراً  يوصي بها الله. كما تعترف الفقرة بأن أفعال غير المؤمنين بإمكانها بلوغ نتائج نافعة لفاعليها وللآخرين.

 

هذا ويوافق الكتاب المقدس على هذه المسألة. فلستمع إلى متى 7 : 9 – 11 .

 "أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزاً يعطيه حجراً ... فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه."

 

أنه أمر شائع للغاية أن يعمل الناس بصفة عامة أموراً صالحة من الناحية الظاهرية، مثل محبتهم لأولادهم. وسيكون من الصعب للغاية الإشارة إلى شخص ما على أنه لم يفعل ولو مرة واحدة، أي شئ مشابه بحسب الظاهر للأعمال الصالحة. وهكذا هناك معنى ظاهري قد يقوم فيه حتى غير المؤمنين بعمل أشياء يوصي بها الله.

 

وبرغم ذلك، كان إقرار الإيمان الويستمنستري محقاً عندما لم يدع المسألة تقف عند هذه النقطة. فهذه الأفعال المعمولة من غير المؤمنين هي أعمال خاطئة، لا ترضي الله ولا تؤهل الإنسان لينال نعمة من الله.

 

وبرغم أنه بإمكاننا أن نصفق لغير المؤمنين استحساناً عندما يطابقون وصايا الله من الناحية الظاهرية، علينا أن نتذكر أنهم ليسو حقاً بمستقيمين أخلاقياً. هم ليسو صالحين بالكفاية لإرضاء الله، أو لاقتناء بركة الخلاص. لكن، لماذا هذا؟ كيف يمكن لأفعال تتطابق ظاهرياً مع وصايا الله أن تكون آثمة؟

 

وكما سنرى، يجب أن يصاحب طاعة وصايا الله الباعث المناسب، وأن يكون ذلك بحسب المعيار المناسب، وأن تكون وصايا الله معمولة مع الهدف المناسب حاضراً في الذهن.

دعونا، في المقام الأول، نفحص الباعث المناسب عن قرب.

 

أولاً، يجب أن ينشأ العمل الصالح من قلب مطهر بالإيمان. ثانياً، يجب أن تنبع الأفعال من المحبة المسيحية.

 

وفي كلمات إقرار الإيمان الويستمنستري، الأفعال التي غير صادرة من قلب مطهر بالإيمان، فأنها لذلك أعمال خاطئة. هذا المعيار للباعث الصحيح مرتبط عن قرب بالطريقة التي بها يركز تعريفنا للسلوكيات المسيحية على الأشخاص الصالحين الذين لهم طبيعة صالحة. فالمؤمنون فقط هم الذين يملكون قلوباً مطهرة بالإيمان. لأن الإيمان يطهر المؤمنين كما يحفزنا أن نفعل الأعمال الصالحة.

 

كما كتب يعقوب في رسالته (يعقوب 2 : 14 – 20):

"ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد إن له إيماناً ولكن ليس له أعمالٌ ... الإيمان بدون أعمالٍ ميّتٌ."

 

الإيمان الصحيح يطهر القلب ويحفز للأعمال الصالحة. هذا هو الإيمان الذي يملكه المؤمنون الحقيقيون فقط.

 

استمع أيضاً إلى عبرانيين 11 : 6،

"ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه."

 

ما لم تكن جهودنا مبنية على الإيمان، فلا يمكن أن نرضي الله. بدون إيمان، لا نستطيع أن نعمل أعمالاً صالحة.

 

هذا وكتب بولس في رسالته إلى إهل رومية (14 : 23):

"وكل ما ليس من الإيمان فهو خطية."

 

تنبع الأعمال الصالحة فقط من الإيمان.

 

وتؤكد الأسفار المقدسة أيضاً الباعث الملائم عندما تركز على المحبة المسيحية.

 

وعَلَّم بولس في (1 كورنثوس 13 : 3) أنه لا فائدة من أعمالنا ما لم يكن باعثها الحب.

"وإن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى أحترق ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئاً."

 

لا تستحق الأعمال مكافئة ما لم تكن معمولة بدافع الحب.

 

ونرى هذا أيضاً في إنجيل متى 22 : 37 – 40:

"فقال له يسوع تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى. والثانية مثلها. تحب قريبك كنفسكَ. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء."

 

يعلمنا يسوع هنا أن الناموس ذاته، وبقية أسفار العهد القديم بالمثل، تتطلب فوق كل شئ آخر، أننا نحب الرب ونحب أقربائنا.

 

المحبة هي وجه لكل ناموس يطلب الله منا أن نطيعه، فلو أننا لم نعمل في المحبة، فليس عملاً ما مما نعمله يتطابق مع مقياس الله. وأكثر من ذلك، الذي يجعل المطابقة مع مقياس الله أمراً أكثر صعوبة، هو أن محبتنا يجب أن تتجه نحو الله ونحو القريب أيضاً. غير المؤمنين لا يحبون الله، وهم يناصبونه العداء. ونتيجة لذلك، لن تكون نفوسهم قابلة لأي باعث محبة نحو الله. وفي كلمات أخرى، سوف لا يملكون أبداً الباعث الصحيح. ولهذا السبب، فليس بمقدورهم عمل أي شئ يعتبره الله،على الإطلاق، صلاحاً.

 

هذا، ويذكر إقرار الإيمان الويستمنستري أيضاً أن الأعمال الصالحة يجب أن تتطابق للمقياس المناسب.

 

فلنتأمل في كلمات الفصل 16 فقرة 7 مرة أخرى:

... ولان الأعمال لم تُعمل بالطريقة الصحيحة حسب كلام الله، فانها لذلك أعمال خاطئة.

ولكي تكون الأعمال صالحة، يجب أن تكون معمولة طبقاً لمعيار كلمة الله.

 

ويشمل المعيار الصحيح ثلاثة أشياء على الأقل: أولاً، الوصايا، ثانياً، كل الكتاب المقدس، وثالثاً، الإعلان العام. فلنعتبر في المقام الأول كل وصايا الله.

 

أصغ إلى (1 يوحنا 3 : 4):

"كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً. والخطية هي التعدي."

لاحظ ما قاله يوحنا هنا. كل من يفعل الخطية هو مذنب بالتعدي، بمعنى أن كل خطية هي انتهاك لوصايا الله..

تضع كلمات يوحنا هنا أهمية وصايا الله في أقوى صياغة ممكنة. إلا أن كثير من المسيحيين اليوم يفكرون أن بعض الانتهاكات لناموس الله ليست خطية.

 

حقاً، تكلم الرسول يعقوب عن هذه القضية في رسالته (يعقوب 2 : 9و10):

 "ولكن إن كنتم تحابون تفعلون خطية موبّخين من الناموس كمعتدين. لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرماً في الكل."

 

واضح أن انتهاك بعض الناموس هو خطية. لكن يعقوب قال ان انتهاك وصية واحدة من الناموس هو انتهاك لكل الناموس. لأن الناموس هو موحد بكليته بحيث يعكس شخص الله وصفاته، وتجاوز أي جزء منه يعتبر مخالفة لكل الناموس. لذلك، فكل تجاوز لناموس الله هو أمرٌ خطئٌ بجد.

 

والآن، يجب أن نتذكر دائماً بأن نميز بين ناموس الله وتطبيقه. كل ناموس الله ملزم لكل أتباع المسيح، لكن عملية التطبيق هي عملية معقدة، حتى أن الطاعة في موقف ما قد تبدو مختلفة تماماً عنها في موقف آخر.

نحن لا نؤيد النسبية هنا. فليس صحيحاً أن الكتاب المقدس يعني أموراً مختلفة لأناس مختلفين، وأن كل هذه المعاني سارية المفعول بالتساوي. على العكس، يعني الكتاب المقدس ما يقول الله أنه يعنيه، ما قصد مؤلفوه الأصليون أن يعنوه. فالمعنى الصادر من الله هو بمثابة القاعدة السلوكية الملزمة لنا، ويجب أننا لا نحيد عنها.

 

في المقام الثاني، يتطلب المعيار الملائم الخضوع لكل شيء في الكتاب المقدس. ولم يقل إقرار الإيمان الويستمنستري أن الوصايا وحدها هي التي تحدد الأعمال الصالحة. لكن كل كلمة الله، كل الكتاب المقدس هو معيار الأعمال الصالحة.

 

هذا معناه، أنه الأعمال الحسنة يجب أن تتم حسب تعاليم كل الكتاب المقدس. وحتى تلك الأجزاء من الكتاب المقدس التي ليست من الناحية الشكلية جزءاً من الناموس، تقدم لنا معيار الله للسلوكيات. هذا وتشير وصايا الكتاب المقدس إلى بقية أجزاء الكتاب المقدس.

 

فوصية السبت مثلاً، تشير إلى رواية الخليقة.

فنحن نقرأ في سفر الخروج (20 : 10 – 11):

"وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك ... لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. واستراح في اليوم السابع..."

عند هذه النقطة، تأسست الوصية الرابعة على المتضمنات الأخلاقية لرواية الخليقة.

 

وهذا ما فعله يسوع عندما دافع عن التلاميذ ضد اتهامهم بكسر السبت، باحتكامهُ إلى تصرفات داود. وقال يسوع في (متى 12 : 3 – 4):

"أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه. كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لم يحل اكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط."

 لقد وافق يسوع على تصرفات داود السلوكية، واستخلص منها تطبيقاً أخلاقياً. من ثم، فلا يجب أن يعد أمراً غريباً لنا أن كل الكتاب المقدس، وليس فقط الناموس، هو معيارنا.

 

برغم كل شيء، يلخص لنا الأمر ما سبق وقرأناه في 2 تيموثاوس 3 : 16و17

"كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر. لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح."

 

لقد أصّر بولس أن كل الكتاب المقدس هو نافع للتعليم السلوكي الأخلاقي. لذلك، يجب أن أفعالنا تشاكل كل معايير الكتاب المقدس إذا كان لها أن تكون أفعالاً جيدة أخلاقياً.

 

لكننا سبق وألمحنا أن كلمة الله تشمل أيضاً إعلان الله في الخليقة نفسها كجزء من كلمته، لأن إعلان الله قد أُعطيَ من خلال الخليقة. وهذا ما سميّ عادة بالإعلان العام.

 

ومن أوضح ألاماكن التي نجد فيها هذه الفكرة في الكتاب المقدس في رومية (1 : 20). حيث كتب بولس:

"لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذرٍ."

 

هذا هو قصد بولس: أفعالنا ملومة ومدانة لأنها تنتهك المعايير المعلنة بواسطة إعلان الله العام. أو بلغة قد درجنا على استعمالها، الإعلان العام هو جزء من معيار الله أيضاً. وهكذا، ُيعَّلم الكتاب المقدس أن الأعمال الصالحة يجب أن تتطابق مع كلمة الله كما هي معلنة في الناموس، وفي كل الكتاب المقدس، وفي الخليقة.

 

بالإضافة إلى أن كل من الباعث والمعيار المناسبين، يجب أن كل الأعمال الصالحة تقوم على الهدف المناسب أيضاً.

 

والآن، من الجائز أن الأعمال الصالحة يكون لها أهداف قريبة. مثلاً، عندما يكسب الآباء مالاً لصرفه على الطعام، والمأوى، والملابس، يكون هدفهم القريب هو إعالة أنفسهم وأسرهم. هذا هدف جيّد ورائع. لكننا في دراستنا للسلوكيات، ينصب اهتمامنا بالأكثر على الهدف البعيد والجوهري للأعمال التي يقوم بها الناس.

 فإذا كان لأعمالنا أن ترضي الله، يجب ان تكون الأهداف القريبة، كالاعتناء بأسرنا وإطاعة والدينا وحفظ السبت وما شابه، جزءاً من صورة أكبر وأشمل. فيجب اننا نفعل هذه الأمور لأننا في الصميم  نريد أن نمجد الله إذ نحيا حياتنا بطريقة ترضيه.

 

فالكتاب المقدس يعلمنا أن مجد الله يجب أن يكون هدفاً مركزياً وأساسياً في حياتنا، والكتاب المقدس يعلمنا ذلك في أمثلة معينة وفي مبادئ عامة.

 

ومثال واحد معين هو في تعاليم بولس عن أكل اللحم المباع في السوق. لقد سمح  بولس بأن الأكل أو الامتناع، كلاهما يجب أن يكون لمجد الله.

 

كتب بولس هذه الكلمات في (1 كورينثوس 10 : 31):

"فإذا كنتم تأكلون او تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله."

 

هذا وتحتم علينا بعض الأهداف القريبة أن نستحسن الأكل، بينما تجعلنا أهداف أخرى قريبة ومختلفة أن نستحسن الامتناع.

 

كتب بطرس وجهة نظر مماثلة فيما يتعلق بالمواهب الروحية.

 فلنستمع إلى كلماته في (1 بطرس 4 : 11):

"إن كان يتكلم أحد فكأقوال الله. وإن كان يخدم أحد فكأنه من قوة يمنحها الله لكي يتمجد الله في كل شيء..."

 

يجب أن تُستعمل كل الخدمات والمواهب في الكنيسة من أجل الهدف الأعلى لتمجيد الله. فكل شيء في الحياة المسيحية يجب أن يعمل بطريقة تكرم الله وتمجده.

 

ومن النصوص الكتابية التي تعبر عن هذا المبدأ بوضوح ما ورد في  رومية (11 : 36): "لأن منه وبه وله كل الأشياء. لهُ المجد إلى الأبد. آمين."

يُظهر بولس هنا فرحاً عظيماً بحقيقة أن كل الأشياء هي "له"، بمعنى، أن كل الأشياء يجب أن تُعمل لمجد الله وإكرامه. من ثم أكد بولس هذه النقطة بإعلانه هاتفاً، "له المجد إلى الأبد."

 

في الحقيقة، إن الله ممجد على نحو أساسي في كل شئ يوجد، سواء بخلقه لها، أو بإبقاءه لها، أو بضبطه إياها، أو بتمكينها، أو بقبولها كخدمة لمجده. وهكذا يوافق الله على الأعمال التي قصد بها تمجيد اسمه ويصدّق عليها، بينما يدين الأعمال التي لا تكترث بمجده وتقاومه.

 

عملية كتابية ثلاثية

 

ألان وقد أرسينا تعريفاً وفحصنا مقياساً كتابياً ثلاثياً، علينا أن نطبق هذه الأفكار على العملية الثلاثية لصنع القرارات السلوكية.

 

في دروس مستقبلية، سوف نفحص الخطوات العملية للسلوكيات بتفصيل أكبر وأوسع. عند هذا الحد، مع ذلك، سنخطط المحيط الأساسي لمفهومنا.

 

سوف نتناول ثلاثة مسائل: أولاً، نزعات الفرق (groups) المسيحية المختلفة؛ ثانياً، أبعاد في صنع القرار، وثالثاً، اعتمادية هذه الأبعاد بعضها على بعض.

 

فلنعتبر أولاً نزعات الفرق المسيحية المختلفة.

 

هذا وتندرج الممارسات السلوكية للمسيحيين تحت ثلاثة أصناف رئيسية. فالبعض يؤكد الضمير مع قيادة الروح القدس، كمؤشر داخلي. البعض الآخر يؤكد الكتاب المقدس، كالدليل للاختيارات الصالحة. وآخرين يؤكدوا على نتائج الأفعال، مصممين أن الأفعال صالحة طالما تأتي بنتائج صالحة.

 

يعرّف الكتاب المقدس ويعلم أن السلوكيات تشمل الباعث الصحيح، والمعيار الصحيح،

والهدف الصحيح. وتتراسل هذه المعايير الثلاثة للأعمال الصالحة مع التأكيدات التي ذكرناها منذ لحظات.

 

أولئك الذين يؤكدون على الضمير و قيادة الروح القدس هم أساساً معنيون بالباعث الصحيح. هم ينظرون أولاً إلى الحقيقة أن الأعمال الصالحة تكون معمولة فقط بالأشخاص الصالحين. وهم ميالون أن يسألوا: ما هو موقفي؟ هل أملك النضج والقدرة الروحية لتطبيق كلمة الله؟

 

هناك بعد ذلك أولئك الذين يصنعون القرارات السلوكية بالتركيز على المعيار الصحيح بتأكيدهم على سلطة الكتاب المقدس. وسؤالهم الأول الذي يطرح نفسه هنا: ماذا تقول كلمة الله؟

 

أخيراً، أولئك الذين يفكرون أساساً في نتائج أفعالهم هم مهتمون فوق كل شئ بالهدف الصحيح. فيؤكدون على الموقف نفسهُ وهم يطرحون أسئلة مثل: ما هي المشاكل؟ ما هي القضايا المتضمنة؟ ما هي النتائج التي سوف تنتج عن الحلول الممكنة لهذه المشكلة؟

 

تمثل هذه الاتجهات في الواقع ثلاثة أبعاد جوهرية لكل صنع القرار السلوكي.

 

سوف نتكلم عن الأحكام السلوكية بهذه الطريقة: تشمل الأحكام السلوكية تطبيق كلمة الله في موقف ما بواسطة شخص ما. يشير هذا التعريف إلى "كلمة الله" لأن الإعلان الإلهي هو المعيار والنموذج للسلوكيات. هذا وتذكرنا كلمة "موقف" بالأهداف التي يجب أن ننظر إليها بعين الاعتبار. كذلك نذكر كلمة "شخص" لكي نؤكد أهمية طبيعة "الشخص" وباعثه فيما يتعلق بالسلوكيات. هكذا، في الواقع، يمكن صنع القرارات الأخلاقية نافذة المفعول بطريقة ملائمة، فقط عندما تؤخذ في الاعتبار كل هذه الاتجاهات.

 

في أحوال كثيرة، يبدو لكثير من المؤمنين أنه أمر مضاد للبديهة أننا نشدد على وضع هذه العوامل الثلاثة كلها معا في سلة واحدة. ونحن في معظم الدوائر المسيحية وعلى نحو صحيح، نتعلق ب "الأسفار المقدسة" كالقانون الوحيد المعصوم للإيمان والأعمال. ومع ذلك، من النافع أن نرى أنه إذا كان لا بد لنا أن نكون كتابيين بحق، فعلينا إذن أن نرى أن "الكتاب المقدس" نفسه يعلمنا أن نعتبر ليس فقط كلمة الله، ولكن أيضاً كلاً من "الموقف" و "الشخص" عندما ندرس العملية الأخلاقية ككل.

 

يجب أن نتناول السلوكيات بالدراسة من ثلاثة أبعاد مختلفة: بعد كلمة الله، وبعد الموقف، وبعد الشخص. ولعل أفضل طريقة لفهم السلوكيات هي أن نستعمل كل الأبعاد الثلاثة معاً، ثم ندع مفهوم كل بعد ينير بصائرنا بالاستعانة بالأبعاد الأخرى.

 

سوف نتكلم عن ثلاثة أبعاد عند كل قرار سلوكي: البعد ألموقفي، والبعد المعياري، والبعد الوجودي.

 

عندما تتجه بحوثنا السلوكية نحو القضايا نفسها، أو إلى نتائج الأفعال، أو إلى الأهداف، ففي هذه الأحوال نحن نصنع سلوكيات من البعد ألموقفي.

 

 وقد تسمى هذه الطريقة "بالغائية" لأنها تركز على غاية أو نتائج الأفعال. وتشمل طريقة فهم السلوكيات من البعد ألموقفي ملاحظة علاقات الوسائل بالأهداف في التدبير الإلهي، وهي تطرح أسئلة مثل: ماهي أفضل الطرق لتحقيق أغراض الله؟ وهي تشمل أيضاً الاحتكام إلى السلوك الأخلاقي على أساس المثال المعلن من الله سابقاً، وكذلك مثال يسوع، ومثال شخصيات كتابية أخرى مشهوداً لها بحسن الأخلاق في الكتاب المقدس، كما في الشعار المستحب الشائع في القول: ماذا كان يسوع يفعل؟

 

هذا ويشجعنا الكتاب المقدس نفسه أن نفعل نفس الشيء، وذلك عندما نحتكم إلى العناية الإلهية، وخاصة عندما تشير إلى أحداث الفداء، أو إلى صور أشكال مثال الله، ومثال يسوع وآخرين.

مثلاً، في (رومية 6 : 2 – 4)، يناقش بولس أن حالة موتنا عن الخطية يجب أن تحفزنا للأعمال الصالحة.

 

"نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها ... فدفنّا معه (مع المسيح) ... حتى كما أقيم المسيح من الأموات ... هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة."

 

لم يركز بولس هنا على وصايا الله أو على ضميرنا، لكنه ركز على البعد الموقفي، أي حقيقة الفداء والأهداف التي بها قد تمَ خلاصنا.

ختم بولس أيضاً الإصحاح السادس من رومية ببعد موقفي في السلوكيات.

 

فقد كتب هذه الكلمات في رومية (رو 6 : 22):

"وأما الآن إذ أعتقتم من الخطية وصرتم عبيداً لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية."

 

شجع بولس قرّاءه على حياة القداسة، والسلوك الأخلاقي لأنهم يريدون أن ينالوا الحياة الأبدية. هنا ناقش بولس أيضاً على أساس النتائج، أي المكافأة التي يمكن منحها للذين يعيشون حياة التقوى.

 

وقد سار بطرس في نفس الدرب في (1 بط 2 : 21 ):

"فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته."

 شجع بطرس المؤمنين هنا أن يتألموا راغبين ليس على أساس استشهادهم بوصية أو اعتمادهم على القيادة الداخلية للروح القدس، ولكن بالاحتكام إلى حقائق التاريخ الفدائي، مثال يسوع.

 

وربما يكون البعد الأكثر بداهة للمسيحيين هو ما ندعوه البعد المعياري. البعد المعياري يشير إلى ألحقيقة في أن كلمة الله هي معيار للأخلاق. ففي مجال السلوكيات يجب أننا ننظر إلى الكتاب المقدس ليخبرنا بماذا نفعل.

 

مثلاً، أصدر الملك عزيا تعليماته لشعبه أن يحفظوا الفصح بهذه الطريقة المعلنة في سفر الملوك الثاني ( 23 : 21).

 "وأمر الملك جميع الشعب قائلاً اعملوا فصحاً للرب إلهكم كما هو مكتوبٌ في سفر العهد هذا."

لم يلفت النظر إلى الموقف ولا إلى الإرشاد الإلهي الداخلي، بل إلى الكتاب المقدس نفسه. كان احتكامه هو إلى كلمات الناموس.

 

هذا ولقد اختار يوحنا الرسول البعد المعياري عندما احتكم إلى وصية الله كما بدا ذلك في رسالته الأولى ( 3 : 23):

"وهذه هي وصيته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح ونحب بعضنا بعضاً كما أعطانا وصيةً."

مرة ثانية، أوصى الله أن يؤمن الشعب بطريقة معينة فيما ألزمت كلمته كل الشعب بهذا القرار السلوكي.

 

دعونا الآن نفحص السلوكيات منظوراً لها في نور بعد الشخص، وهو ما نسميه البعد الوجودي.

 

عندما نتفهم السلوكيات بطرح أسئلة محددة تلمس أشخاص الناس المعنيين، فنحن بذلك نصنع سلوكيات من بعد وجودي. ونحن لا نعني بكلمة وجودي هنا، أن نربط هذا البعد الوجودي بالمعنى الدقيق للفلسفة الخاصة بالوجوديين. لكننا بالأحرى، نعني أن هذا البعد يصور السلوكيات من خلال عدسات خبرة الشخص بذاته. يركز البعد الوجودي على النفس في مواجهتها لله وتفاعلها معه. فعندما نفهم السلوكيات من هذا المنظور، نحن لا نجرد الله، بذلك، من سلطته ولا نحط من قدره، ولا نحن نعظم من شأن مداركنا الخاصة معتبرينها معيارنا النهائي للتميييز بين الصواب والخطأ. ولكن بالآحرى، نحن نسأل أسئلة مثل: كيف يجب أن اتغير إذا كان لا بد أن أكون قديساً؟ ثم نلتفت إلى تأثيرات مثل قيادة الروح القدس بداخلنا والضمير الشخصي المطهر والمكرس.

 

وهكذا نحن نرى إذن أن الكتاب المقدس يشهد مؤكداً أن ضمائرنا مع إرشاد الروح القدس هي وسائط صحيحة  لتقرير ما هو صواب وما هو خطأ. من ثم، يكون البعد الوجودي هو أداة  ضرورية لنا ونحن نسعى نحو صنع أحكام سلوكية.

 

هذا ويحتوي الكتاب المقدس على أمثلة كثيرة للبعد الوجودي. في (1 يوحنا 3 : 21)، كتب الرسول: "أيها الأحباء إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله."

 

 كشعب مفدي، قلوبنا متناغمة مع شخص الله وصفاته، وكثيراً ما يكون بمقدورنا أن ندرك بالحدس ما هو صواب وما هو خطأ. الله يتحرك وسط شعبه ليأتي لهم بقناعات داخلية بما هو صواب وما هو خطأ. هذا هو البعد الوجودي.

 

نجد نفس هذا الفكر في غلاطية الإصحاح الخامس، حيث ربط بولس الجسد بطبيعتنا الخاطئة، وسجل قائمة طويلة لأعمال الجسد اللاأخلاقية. لكنه أيضاً شرح أن عمل الروح القدس بالداخل يثمر أشياء أخلاقية حسنة، مثل المحبة والفرح والسلام.

 

فلنصغ إلى (غلاطية 5 : 16): "وإنما أقول اسلكوا بالروح فلا تكمّلوا شهوة الجسد."

 فلا بد أن المؤمنين يلتفتوأ إلى التذكير والحض الداخليين للروح القدس. وعندما نفعل ذلك نحن نصوّر السلوكيات من بعد وجودي.

 

وفي رومية 14 : 5 و 22 و 23 ، شدد بولس على البعد الوجودي حتى أنه صمم على أن أية اعتداءات جرت على ضمائرنا كانت خطية.

"فليتيقن كل واحد في عقله... طوبى لمن لا يدين نفسه في ما يستحسنه. وأما الذي يرتاب فإن أكل يدان لأن ذلك ليس من الإيمان."

 

أوضح بولس أنه كان حسناً للمسيحيين أن يأكلوا طعاماً مما قدّم للأوثان، طالما أنهم لم يفكروا في أذهانهم بالأمر ولم يعتبروه كفعل عبادة وثنية.

 

ناقش بولس في هذا الأصحاح، أنه متى نظر إلى الأمر ببساطة من زاويتي البعدين المعياري والموقفي، فلا بد أن جميع المؤمنين يأكلون هذا الطعام. لكنه صمم على أن المؤمنين لا بد أيضاً أنهم يعتبرون بصائر البعد الوجودي.

 

والآن نقضي بعض الوقت لدراسة الطرق التي بها تتفاعل وتعتمد بعضها على بعض هذه الأبعاد الثلاثة. تمثل هذه الأبعاد الثلاثة المختلفة طرقاً لتصوير الاختيارات السلوكية من زوايا مختلفة.

 

أود أن أعترف قبل كل شيء، أن ذلك يمكن أن يكون مربكاً بعض الشيء. لكن في النهاية، يظهر أن بعض الأمثلة التي سبق وقدمنّاها فعلاً، تخدم فقط بعداً واحداً على حدة. لكن في الحقيقة، تشمل كل أمثلتنا كل الأبعاد الثلاثة. فقد اخترنا ببساطة أمثلة، حيث تم عرض أحد الأبعاد بأكثر بروز، لتركيز الضوء على الاختلافات بين الأبعاد الثلاثة. وحقيقة الأمر هي أنه يجب ألا يؤدّي أي بعد منها وظيفته بمعزل عن البعدين الآخرين.

 

في المقام الأول، نتأمل فيما يتضمنه البعد الموقفي. يستلزم "الموقف" كل الحقائق المناسبة الوثيقة الصلة بالقضايا السلوكية موضوع دراستنا، متضمنة "الأشخاص" و"كلمة الله". فإذا لم تكن تشمل "الأشخاص"، فلن يكون هناك من يحقق مطلباً سلوكياً، وإذا كانت لا تشمل "كلمة الله"، فلن يكون هناك شئ من الحقائق نعرفه في المقام الأول. يتضمن البعد "الموقفي" الأخذ بعين الاعتبار لكل من النظرة "الشخصية" و "المعيارية". فما لم نرى "الموقف" في نور "كلمة الله"، ونراه يشملنا نحن "كأشخاص"، فهذا يعني أننا لم نفهم "الموقف" فهماً صحيحاً.

 

ونفس الشيء صحيح عندما نتكلم عن البعد المعياري. فإذا لم يكن بمقدورنا أن نطبق "كلمات الكتاب المقدس" في "مواقف" حياتنا وعلى "أشخاصنا"، فنحن في الحقيقة لم نفهم "الكتاب المقدس". فلنأخذ في الاعتبار مثلاً "الشخص" الذي يقول، (أنا أعرف ماذا تعنيه الوصية "لا تسرق"). ولكن أنا لا أعرف كيف ينطبق هذا عليّ أو على اختلاسي للاعتمادات المالية من رئيس صاحب العمل." هذا "الشخص" بالتأكيد لا يفهم ما تعنيه الوصية "لا تسرق." ذلك أنه لا يفهم "نفسه" ولا يفهم "الموقف".

 

وبالطبع، نفس الشيء يقال بالنسبة للبعد الوجودي. فنحن غير قادرين على فهم أنفسنا فهما صحيحاً ما لم نرى أنفسنا في قرينة الموقف وكلمة الله.لا بد أن تستنير ضمائرنا بالكتاب المقدس. ويجب أننا نعرف أيضاً الحقائق المتعلقة بالموقف قبلما نسمح لضميرنا أن يساعدنا على رؤية مسئولياتنا.

 

هكذا إذن، يحتاج كل بعد إلى الأبعاد الأخرى. فإذا كان بمقدورنا أن نطبق بالتدقيق أي بعد على نحو كامل، فهذا يكشف لنا نفس كل البصائر التي نكتسبها من البعدين الآخرين. لكننا لسنا بكاملين.. وهكذا، نحن غير قادرين على رؤية القضايا الوجودية وألموقفية بوضوح كامل عندما تنحصر رؤيتنا فقط في دائرة المفهوم المعياري. وبالمثل تماماً نحن لا نفهم القضايا المعيارية

والوجودية فهماً جيدا إذا اخترنا فقط البعد الموقفي وحده. وإذا نظرنا فقط للأوجه الوجودية للمسائل السلوكية، فنادراً ما نصل إلى نتائج صحيحة فيما يتعلق بالقضايا المعيارية والموقفية.

 

وحيث أننا غير كاملين، فلا بد أننا نفيد من كل الأبعاد الثلاثة معاً، وبذلك نملك كل المعلومات المتيسّرة عن المشاكل السلوكية. وباستخدام كل الأبعداد الثلاثة، يكون بمقدورنا أن نوفر لأنفسنا الفحوصات والتوازنات لأعماق كل بعد على حدة.

 

قدمنا في هذا الدرس موضوع السلوكيات المسيحية بتعريفها بأنها تصور كل ما يتعلق بالفكر اللاهوتي من منظور سلوكي. ثم شرحنا أيضا المعايير الثلاثية للأعمال الصالحة. وأخيراً، اقترحنا عملية التأكيد على الأبعاد المعيارية وألموقفية والوجودية وتوازناتها.

 

من الممكن أن يتلقى موضوع صنع القرار الكتابي في العالم المعاصر تحدياً بالغاً. فنحن بصورة منتظمة نشعر في أنفسنا وقد انجذبنا إلى مجموعة منوعة من المؤثرات، التي لا يعترف الكثير منها بسلطة الله ولا يبالي بصلاحه. لكننا كمسيحيين يجب أن نؤكد صلاح الله كما يجب أن تكون قراراتنا السلوكية محكومة بهذا الصلاح. وإحدى الطرق المساعدة تماماً لفعل ذلك، هي من خلال استخدام الأبعاد المعيارية وألموقفية والوجودية معاً. وبينما نحن نجسّد هذه الأبعاد في أذهاننا، نحن بذلك نعّد أنفسنا لتقييم المشاكل السلوكية المعقدة ولصنع قرارات كتابية حكيمة.