تألّق الحقيقة
تألّق الحقيقة
Veritatis Splendor
رسالة عامة لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني
في الأخلاق المسيحية
في الخامس من تشرين الثاني 1993 أذيعت الرسالة العامة الجديدة لقداسة البابا يوحنا
بولس الثاني المؤرخة في السادس من آب 1993، وعنوانها "تألّق الحقيقة". ويبدو من
تاريخ الرسالة, يوم عيد تجلي الرب، ومن عنوانها أن قداسته يريد أن يؤكّد أن السيد
المسيح هو نفسه "الحقيقة المتألّقة" التي "تجلّت" للبشر. "التألّق"، لغويا,
بالعربية واللاتينيةSplendor , هو "حالة الأجسام التي تبعث نورا دون أن تكون درجة
حرارتها مرتفعة". فالمسيح هو "نور العالم" (يو8: 12)، وعندما تجلّى أمام تلاميذه
"أضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور" (متّى17: 2). وهو "الطريق والحق
والحياة" (يو 6:14). فهو، بحسب إيماننا المسيحي، الحقيقة المتألقة. ولا يمكن
للإنسان أن يصل إلى الحقيقة في معرفته وفي عمله إلا انطلاقا من شخص السيد المسيح
ومن تعاليمه. إن موضوع رسالة البابا هذه يقتصر على عمل الإنسان وعلى الناحية
الأخلاقية في هذا العمل، وذلك جوابا على السؤالين الأساسيين التاليين اللذين لا يسع
أي إنسان التهرّب منهما: "ماذا علي أن أعمل؟ وكيف السبيل إلى التمييز بين الخير
والشر؟" (2).
تنقسم الرسالة إلى مقدمة وثلاثة فصول.
المقدمة
في المقدمة يطرح البابا موضوع الرسالة وهو "قراءة مجمل تعليم الكنيسة الأخلاقي،
للتذكير ببعض الحقائق الأساسية التي تنطوي عليها العقيدة الكاثوليكية، والتي يحدق
بها خطر التشويه أو الرّذل في الإطار الفكري الحالي" (4). ويشير قداسته إلى جسامة
الخطر المحدق بالمسيحية, لأن الموضوع لم يعد فقط موضوع "اعتراضات محدودة وظرفية"
تُثار على بعض نقاط تعليم الكنيسة الأخلاقي، بل "هو الميراث الأخلاقي بمجمله الذي
يوضع موضع الجدل بشكل منهجي"، وذلك انطلاقا من تيارات فكرية تزيل ارتباط الحرية
بالحقيقة, وتنبذ "عقيدة الشريعة الطبيعية التقليدية وما تتضمنه من وصايا شاملة
وأحكام ثابتة". وفي الوقت عينه تُرفض بعض تعاليم الكنيسة الأخلاقية، وينتشر
الاعتقاد بأن السلطة التعليمية في الكنيسة لا يحق لها أن تتدخل في مواضيع الأخلاق
إلا "لحضّ الضمائر" و "اقتراح القيم", تاركة لكل واحد أن يستلهم من تلك التعاليم ما
يراه مناسبا لاتخاذ قراراته واختيار مسلكه في الحياة بشكل مستقل.
ويروح البعض يتساءلون هل تقدر وصايا الله المحفورة في قلب الإنسان والمدوّنة في
الكتاب المقدّس أن تنير الاختيارات التي يُطلب كل يوم من الأشخاص والجماعات
اتخاذها؟ ويذهب البعض الآخر إلى الفصل بين العقائد والأخلاق، بحيث تكون العقائد
وحدها موضوع إلزام للمسيحيين, فيما تُترك الأخلاق لحكم كل شخص، فيجوز فيها تعدّد
الآراء والمواقف.
توضيحا لتلك المسائل كلها، يوجّه البابا هذه الرسالة العامة إلى إخوته في الأسقفية
الذين يحملون معه مسؤولية المحافظة على "التعليم القويم" (2 تي 3:4)، "لمجابهة ما
يشكّل، دون ريب، أزمة حقيقية, إذ إن الصعوبات الناجمة من هذا الوضع على قدر كبير من
الخطورة لحياة المؤمنين الأخلاقية، وللشركة في الكنيسة، ولحياة اجتماعية مبنية على
العدالة والتضامن" (5).
ويشير قداسته في ختام المقدمة إلى أن تأخير ظهور هذه الرسالة يعود إلى رغبة قداسته
في ألا تنشر إلا بعد كتاب "التعليم المسيحي الكاثوليكي" الذي تحيل دوما إليه "كإلى
مرجع أكيد وأصيل لتعليم العقيدة الكاثوليكية" (5). ولذلك ستقتصر على معالجة بعض
المسائل الأساسية في تعليم الكنيسة الأخلاقي، التي يدور حولها النقاش بين
الأخصائيين في علم الأخلاق واللاهوت الأدبي. وهي تقدّم تعليما مرتكزا على الكتاب
المقدس والتقليد الرسولي الحي.
الفصل الأول
"يا معلم، ماذا عليّ أن أعمل من الصلاح؟" (متّى 16:19)
السيد المسيح والجواب على المسألة الأخلاقية
انطلاقا من حوار الشاب الغني مع السيد المسيح حول "ما يجب فعله من الصلاح للحصول
على الحياة الأبدية"، يؤكد البابا المبادئ التي سيرتكز عليها للإجابة على بعض
المسائل الأخلاقية في الفصل الثاني. ويمكننا إيجاز هذه المبادئ في النقاط التالية:
1) "إن سؤال الشاب الغني قبل أن يكون سؤالا حول قواعد يجب تطبيقها هو سؤال حول ملء
معنى حياته" (7). فالتوق إلى المطلق هو مصدر كل قرار يتّخذه الإنسان وكل عمل يقوم
به.
2) سؤال الشاب الغني يدور على الخير والشر, أي على الأعمال الصالحة التي يجب على
الإنسان فعلها، وعلى الأعمال الشريرة التي يجب عليه تجنّبها: "ماذا علي أن أعمل من
الصلاح؟" والسيد المسيح وحده يعلّمنا الحقيقة حول ما هو صالح وحول العمل الأخلاقي.
3) إن السيد المسيح في جوابه: "إنما الصالح واحد وهو الله", يؤكد أن ما هو صالح لا
يمكن أن يجده الإنسان إلا في التفاته الدائم إلى الله الذي هو وحده الغاية القصوى
لكل عمل إنساني وسعادة الإنسان الكاملة. لذلك لن يصنع الإنسان الخير إلا بقدر ما
يعكس مجد الله الذي خُلق على صورته ومثاله. وما الحياة الأخلاقية إلا جواب محبة من
قبل الإنسان على محبة الله والاعتراف الدائم بقداسة الله التي ظهرت في شخص السيد
المسيح.
4) الله وحده يستطيع أن يحدّد للإنسان ما هو صالح وما هو خير. وقد فعل ذلك عن
طريقين: الطريق الأولى هي "الناموس الطبيعي" الذي وضعه الله في قلب الإنسان في
ضميره منذ أن خلقه, وبواسطته يستطيع الإنسان أن يعرف الخير الذي يجب عليه فعله
والشر الذي يجب عليه تجنّبه. والطريق الثانية هي "الوصايا العشر" التي بها تمّ
إنشاء شعب العهد. وهذه الوصايا قد أظهر السيد المسيح في عظته على الجبل أن الإنسان
يستطيع من خلال العمل بها أن يجسّد محبته لله ومحبته للقريب, هاتين الوصيتين اللتين
بهما يتعلق الناموس كله والأنبياء. والسيد المسيح في ذكره الوصايا يكتفي ببعض منها:
"لا تقتل، لا تزن، لا تسرق, لا تشهد بالزور, أكرم أباك وأمّك، وأيضا: أحبب قريبك
كنفسك". فهذه الوصايا المتعلّقة بمحبة القريب واحترام حياته وكرامته وممتلكاته هي
التعبير العملي عمّا تعنيه للإنسان الوصية الأولى: "أنا هو الرب إلهك" التي هي
"النقطة المركزية" للوصايا العشر (13). ويذكّر البابا بما جاء في "التعليم المسيحي
الكاثوليكي": "إن الوصايا العشر هي من وحي الله. وهي تعلّمنا في الوقت عينه إنسانية
الإنسان الحقيقية. وتُبرز إلى النور الواجبات الجوهرية. وبالتالي, وبشكل غير مباشر,
الحقوق الأساسية التي هي من صلب الطبيعة البشرية". "فهي إذا الشرط الأساسي لمحبة
القريب، وبها يظهر في الوقت عينه صدق تلك المحبة. إنها المرحلة الأولى الضرورية على
طريق الحرية، وبدايتها" (13), فبدون تتميم الوصايا التي هي تجسيد لمحبة القريب, "لا
وجود ممكن لمحبة حقيقية لله" (14). وقول السيد المسيح، في مثل السامري الرحيم,
لعالِم الناموس حول وصيتي محبة الله ومحبة القريب: "إفعل هذا فتحيا" (لو 10: 28)،
يعني أن "الحصول على الحياة الأبدية غير ممكن دون ممارسة الوصايا" (14).
5) لقد أوضح السيد المسيح في عظته على الجبل أنه لم يُلغ الوصايا: "لا تظنوا أني
جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء, إني ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متّى 17:5). وكمال
الوصايا يقوم على المحبة التي تدفع الى القيام بها. "إن محبة القريب تصدر من قلب
يحب, ولأنه يحب فهو مستعد إلى أن يحيا بحسب أرفع ما تقتضيه تلك المحبة. وقد بيّن
يسوع أن هذه الوصايا يجب ألا تعتبر حدا أدنى يمكن الاكتفاء به، بل بالحري طريقا
مفتوحا لمسيرة أخلاقية وروحية نحو الكمال, الذي قلبه المحبة (راجع كو 3: 14). هكذا
تصير وصية "لا تقتل" دعوة إلى محبة سريعة إلى مساندة حياة القريب وتعزيزها. والوصية
التي تنهى عن الزنى تصير دعوة إلى نظرة طاهرة قادرة على احترام المعنى الزوجي
للجسد" (15).
6) وعندما قال الشاب: "كل هذا قد حفظته، فماذا ينقصني بعد؟", أجابه يسوع: "إن شئت
أن تكون كاملا، فاذهب وبع مالك، وأعطه للمعوزين, فيكون لك كنز في السماوات, ثم تعال
اتبعني". إن جواب يسوع هذا تجب قراءته في منظار التطويبات التي هي جزء أساسي في
تعليم يسوع الأخلاقي، وهي في الوقت عينه وصف شخصي لحياة السيد المسيح. لذلك فإن قمة
العمل الأخلاقي في المسيحية هي اتّباع السيد المسيح: "تعال اتبعني"، والاقتداء به:
"هذه وصيتي: أن يحب بعضكم بعضاً كما أحببتكم أنا" (يو 15: 12). وهذا العمل، مهما
بدا مستحيلا, يصير ممكنا بنعمة الله، أي بالروح القدس الذي يفيضه الله في قلوبنا،
والذي به تستنير حرية الإنسان, بحيث تصير حياته جواب محبة شخصيا على محبة الله له.
7) يعود للرسل ولخلفائهم تفسير وصايا الله وتعاليم المسيح والسهر على مسلك
المسيحيين القويم, إلى جانب المحافظة على صحة الإيمان والعقيدة. فبين الإيمان
والحياة تناغم لا يجوز قطعه. وكما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إن مهمة تفسير
كلمة الله المكتوبة أو المنقولة تفسيرا صحيحا قد أوكلت فقط إلى السلطة التعليمية
الحية في الكنيسة، التي تمارس سلطانها باسم يسوع المسيح" (في الوحي الإلهي، 10).
وهذه السلطة التعليمية ترى من واجبها تقديم تعليم الأخلاق، لتساعد الإنسان في
مسيرته نحو الحقيقة ونحو الحرية.
الفصل الثاني
"لا تتشبهوا بصورة هذا العالم" (رو 12: 2)
الكنيسة والتمييز في بعض النزعات في اللاهوت
الأدبي الحالي
يهدف هذا الفصل إلى توضيح العقيدة الأخلاقية القويمة ضد بعض التيارات اللاهوتية
المعاصرة. فيؤكد البابا أولا أن الكنيسة في تعليمها الأخلاقي كما في تعليمها
العقائدي تستند إلى الكتاب المقدس معتبرة إياه مصدر تعليمها الحي والدائم. ويشير
إلى دور اللاهوت الأدبي في بسط تعليم الكنيسة الأخلاقي وتطبيقه على مقتضيات الزمن
الراهن وتساؤلات الإنسان المعاصر. ويعرب عن تأييده جهود اللاهوتيين في هذا العمل
وعن قبوله تنوّع المدارس اللاهوتية والمناهج الفلسفية. إلا أنه يرى من واجبه إعلان
ضلال بعض الإتجاهات في تلك المدارس والمناهج وعدم انسجامها مع التعليم الصحيح. وفي
هذا الغرض يودّ "إعلات المبادئ الأساسية لتمييز ما هو مناقض للعقيدة القويمة,
والتذكير بما في تعليم الكنيسة الأخلاقي من عناصر تبدو اليوم بنوع خاص عرضة للضلال
أو الالتباس أو النسيان" (30).
ويرى في مختلف تلك الإتجاهات الخاطئة ضلالا مشتركا ينبع من رغبة مشروعة، ولكنه يصل
إلى الخطأ بسبب رؤية منحرفة للأمور. فالرغبة المشروعة تكمن في تأكيد حرية الإنسان
وإعلان كرامته. وينتج من ذلك ضرورة اضطلاع الإنسان بمسؤوليته الكاملة في قراراته
التي يجب أن يتخذها, وفي أعماله التي يجب أن يقوم بها, دون ضغط ولا إكراه، بل بملء
حريته وبموجب قناعة ضميره. تلك الرغبة مشروعة, ولكن الانحراف يبدأ عندما "تصير تلك
الحرية مطلقا وتُعتبر هي مصدر القيم". في تلك النظرة، يُترك لكل إنسان أن يحدد ما
هو خير وما هو شر. ويصير لكل إنسان حقيقته المختلفة عن حقيقة الآخرين. إذّاك تزول
الحقيقة الموضوعية ويقضى على مفهوم الطبيعة الإنسانية التي هي أمر مشترك بين جميع
الناس.
ومن جهة أخرى يرفض البابا النتائج التي يستخلصها البعض من أبحاث "العلوم الإنسانية"
في تأثير الظروف البيئية والاجتماعية من سلوك الناس, فينكرون وجود الحرية
الإنسانية، ومن تنوّع العادات والأخلاق والمؤسسات يخلصون إلى إنكار القيم الأخلاقية
الإنسانية الشاملة.
ثم تعالج الرسالة أربعة مواضيع: الحرية والشريعة, الضمير والحقيقة, الخيار الأساسي
والتصرفات الواقعية, وأخيرا أخلاقية الفعل الإنساني.
أولا- الحرية والشريعة
السؤال الأساسي الذي تطرحه هذه الفقرة هو التالي: من يحدد الخير والشر؟ الإنسان في
حريته أم الله في شريعته؟ انطلاقا من وصية الله للإنسان الأول بمنعه من أن يمد يده
إلى "شجرة معرفة الخير والشر" (تك 2: 16- 17), يستخلص البابا أن الإنسان حر لكونه
يتقبّل وصايا الله ويفهمها، ولكن حريته محدودة. "فشجرة معرفة الخير والشر" تعني
تقرير ما هو خير وما هو شر. وهذا الأمر لا يعود للإنسان بل لله. فالله الذي هو وحده
صالح يعرف تمام المعرفة ما هو خير للإنسان الذي خلقه عن محبة, ويعلنه له في وصاياه.
ولا تناقض بين حرية الإنسان وشريعة الله, لأن شريعة الله هي التعبير الصحيح عما
يوصل الإنسان إلى كمال طبيعته, لذلك تجد الحرية الإنسانية كمالها في قبول شريعة
الله والعمل بها. أمّا القول إن الحرية الإنسانية هي التي "تخلق القيم" فهو بمثابة
إعلان لاستقلال الإنسان عن الله وإنكار للأساس الديني الذي تستند إليه القواعد
الأخلاقية.
لا شك في أن الفكر اللاهوتي المعاصر, رغبة منه في التحاور مع الثقافة المعاصرة,
يؤكّد أن قواعد الأخلاق لا تناقض عقل الإنسان ولا تُفرض فرضا على إرادته، بل
يتقبّلها لما يراه فيها من انسجام مع عقله وضميره, ولكن ذلك يجب ألا يقود إلى إنكار
الوحي الإلهي واعتبار العقل البشري مصدرا مستقلا لكل القيم الأخلاقية, كان هناك
نظامين منفصلين: نظاما أخلاقيا يجد أصله في العقل البشري وبموجبه يتم تحديد مضمون
الأخلاق أي القيم وقواعد العمل الأخلاقية. ونظام خلاص يصلنا بالوحي الإلهي ويقتصر
على بعض نوايا القلب ومواقف النفس. إن هذه النظرة تفرغ الوحي الإلهي من كل مضمون
أخلاقي ومن كل شريعة إلهية ثابتة, وتقتصر كلام الله على نصائح وإرشادات عامة يعود
إلى العقل البشري تحديد متطلّباتها بقواعد أخلاقية موضوعية وتشريعات محددة. ونتيجة
لتلك النظرة, لا يعود للكنيسة ولا للسلطة التعليمية فيها أي صلاحية على تحديد قواعد
الأخلاق، لأن تلك القواعد قد خرجت من نطاق والوحي الإلهي ولم يعد لها أي أهمية
بالنسبة إلى الخلاص.
بعد هذا الموقف الأساسي, توضح الرسالة معنى الحرية الإنسانية والشريعة الأخلاقية
والعلاقات الحميمة التي تربط بينهما. وفي هذا الشأن تذكّر بقول المجمع الفاتيكاني
الثاني: "إن الحرية الحقيقية هي علامة مميزة لصورة الله في الإنسان. فقد أراد الله
أن يترك الإنسان في يد اختياره، بحيث يتمكن من أن يبحث هو بذاته عن خالقه, حتى إذا
التحق به يبلغ بحريته كماله مليئا وسعيدا, (الكنيسة في عالم اليوم،17). صورة الله
في الإنسان إنما تنمو كلما قام الإنسان بأعمال صالحة أخلاقيا. فالعقل البشري يستقي
إذا من شريعة الله الأزلية ما هو عليه من حقيقة. لذلك يجب القول إن الشريعة
الأخلاقية تأتي من الله، ولكنها في الوقت عينه شريعة خاصة بالإنسان. "الشريعة
الطبيعية هي نور العقل الذي وضعه الله في الإنسان. وبه يعرف الإنسان ما يجب عليه
فعله وما يجب تجنّبه (40).
فهناك إذا ارتباط وتداخل بين حرية الإنسان وشريعة الله. فحرية الإنسان لا تلغى
بخضوع الإنسان للشريعة الإلهية, بل على خلاف ذلك, إنما يحقق الإنسان كرامته ويصل
إلى ملء حريته "عندما يتحرر من كل عبودية الشهوات, ويختار بحريته الخير في طريق
هدفه الذي يسعى إليه بكل ما تقدمه له مهارته من وسائل ملائمة وفعالة" (الكنيسة في
عالم اليوم، 17). ويشير المجمع الفاتيكاني الثاني أيضا إلى الارتباط بين الحرية
الإنسانية والشريعة في معرض حديثه عن الحرية الدينية, فيقول: "إن نظام الحياة
الإنسانية الأعلى هو الشريعة الإلهية نفسها, الشريعة الأزلية والموضوعية والشاملة,
التي يعمل بها الله, في تصميم حكمته ومحبته، على تدبير شؤون العالم كله ومسالك
الأسرة البشرية تنظيما وإدارة وحكما. وقد أشرك الله الإنسان في شريعته هذه بحيث
أصبح هذا الإنسان, بتدبير لطيف من العناية الإلهـية، قادرا على أن يتعرّف الحقيقة
الثابتة أكثر فأكثر" (في الحرية الدينية, 3).
ثم يتطرّق البابا إلى النقاش الذي يدور اليوم حول العلاقة القائمة بين الطبيعة
والحرية، إذ يرى البعض أن الطبيعة، بما في ذلك العالم الحسي والقوى الجسدية
والدوافع النفسية والظروف الاجتماعية. تسيطر على الحرية وتفسر وحدها كل تصرفات
الإنسان، بينما يرى البعض الآخر أن الإنسان مدعو بحريته إلى السيطرة على الطبيعة
وإلى خلق ذاته وتكوين طبيعته وإبداع قيمه الأخلاقية. ويتّهم هؤلاء السلطة التعليمية
في الكنيسة بأنها اكتفت في كثير من الأحيان بقبول النواميس الطبيعية البيولوجية كما
هي، واعتبرتها شرائع أخلاقية. ويظهر ذلك بنوع خاص في تعليم الكنيسة الأخلاقي
بالنسبة إلى الجنس والزواج. فلا تسمح السلطة التعليمية في هذين الموضوعين إلا بما
هو طبيعي وتشجب كل ما تدخله الحرية على الطبيعة كمنع الحمل والتعقيم المباشر،
والعادة السرية, والعلاقات الجنسية قبل الزواج, والاخصاب الاصطناعي, معتبرة كل تلك
الأعمال مناقضة للأخلاق. وبحسب هؤلاء اللاهوتيين يجب أن تخضع الطبيعة لحرية
الإنسان، على ألا يتصرف بحسب غريزته بل بحسب تطلبات عقله. فعقل الإنسان وما يراه من
خير له هو المرجع الأخير لتحديد أخلاقية أي عمل يقوم به.
يرفض البابا هذا التحليل, ويؤكد أنه لا يجوز فصل الطبيعة عن الحرية كما لا يجوز فصل
الجسد عن النفس الروحية، فكلاهما يشكّلان وحدة الشخص البشري المسؤول في جسده ونفسه
عن أفعاله الأخلاقية. والأخلاق لا تكون سليمة إلا بقدر ما تحترم الشخص البشري ليس
فقط في حريته بل أيضا في طبيعته وفي جسده. ثم إن اعتبار الجسد مجرّد وسيلة يفقده
كرامته ومعناه ويقود في النهاية إلى النسبية والاعتباطية. "الجسد والنفس إذا لا
ينفصلان: ففي الشخص وفي فعل إرادته وحريته يقومان معا أو يهلكان معا" (49).
واستنادا إلى وحدة الشخص البشري، يمكن فهم معنى الشريعة الطبيعية، فهي تحيل إلى
طبيعة الإنسان الخاصة والأصلية في وحدة النفس والجسد, وفي انسجام العناصر الروحية
والبيولوجية في الإنسان. ولأن الطبيعة البشرية مشتركة بين جميع الناس، فالشريعة
الطبيعية شاملة تتوجه الى كل إنسان عاقل وعائش في التاريخ.
ثم يتطرّق البابا إلى الوصايا, فيميّز بين الأوامر أي الوصايا التي تأمر بفعل الخير
(الاعتراف بالله الواحد, وعبادته، وإكرام الوالدين)، والنواهي أي الوصايا التي تنهى
عن فعل الشر (لا تحلف باسم الله بالباطل, لا تقتل، لا تزن, لا تسرق، لا تشهد
بالزور). فالأوامر مفروضة على جميع الناس وفي كل عصر بشكل عام، وعلى كل إنسان أن
يقبل حقيقتها ويطبّقها في أعمال خاصة بحسب حكم ضميره. أما النواهي فهي مفروضة على
الجميع وفي كل الظروف ولا تتحمّل أي استثناء, لأن ما تنهى عنه "لا يمكن أن يتلاءم
بأي شكل من الأشكال وصلاح إرادة الشخص الذي يعمل, ودعوته إلى الحياة مع الله وإلى
الشركة مع الآخرين" (52).
ويوضح البابا أن القول "إن النواهي تُرغم دوما وفي كل ظرف لا يعني أن النواهي أهم
في الحياة الخلقية من واجب فعل الخير الذي تعبّر عنه الأوامر. بل السبب هو التالي:
إن وصية محبة الله ومحبة القريب لا تنطوي في ديناميتها الإيجابية على أي حد أعلى,
ولكنها تتضمّن حدا أدنى يُعتبر أي عمل يتخطّاه مخالفة للوصية. بالإضافة إلى ذلك, إن
ما يجب القيام به في وضع محدد مرتبط بالظروف, وتلك الظروف لا يمكن استدراكها مسبقا،
على خلاف ذلك، هناك تصرفات لا يمكن أبدا، وفي أي من الأحوال، أن تكون الجواب الصحيح
أي المطابق لكرامة الشخص. وأخيرا هناك دوما حالات يمكن الإنسان، بفعل الإكراه أو
لأسباب أخرى, أن يُمنع فيها القيام ببعض الأعمال, ولاسيّما إذا كان مستعدا لأن
يفضّل الموت على أن يفعل الشر" (52).
ويؤكد البابا أخيرا وجود "قواعد موضوعية للأخلاق" تصلح لجميع الناس وتبقى ثابتة لا
تتغير على مدى كل الأزمنة والعصور، على الرغم من وجود تنوّع في الثقافات وفي طرق
تطبيق تلك القواعد. وهذا يعني أن طبيعة الإنسان واحدة، وإليها يشير السيد المسيح
بقوله في موضوع الطلاق: "في البدء لم يكن الأمر كذلك" (متّى 8:19). وفي هذا يقول
المجمع الفاتيكاني الثاني: "فالكنيسة تُثبت أن وراء التغييرات كلها أمورا كثيرة لا
تتغير, أمورا أساسية وقوامها في المسيح الذي هو هو في الأمس واليوم وإلى الأبد"
(الكنيسة في عالم اليوم، 10).
ثانيا- الضمير والحقيقة
الضمير هو المقدّس الذي يتم فيه الارتباط بين حرية الإنسان وشريعة الله. وتذكّر
الرسالة بقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "يكتشف الإنسان في ذات ضميره ناموسا لم
يصدر عنه، ولكنه مُلزم بطاعته وصوته يدعو أبدا ذلك الإنسان إلى حب الخير وعمله،
وإلى تجنّب الشر، ويدوي أبدا في آذان قلبه أن اعمل هذا وتجنّب ذاك. أجل إنه ناموس
حفره الله في قلب الإنسان، وكرامته في أن يخضع له، وبموجبه سوف يُدان" (الكنيسة في
عالم اليوم، 11).
يقرّ الجميع بضرورة الخضوع للضمير، ولكن هناك اختلافا في تفسير دور الضمير بالنسبة
إلى قواعد الناموس الطبيعي، إذ يعتبر بعض اللاهوتيين أن الناموس الطبيعي لا يعطي
قواعد واقعية بل مجرّد توجيهات عامة على كل إنسان أن يطبّقها بحسب حكم ضميره على
الظروف الخاصة التي يمرّ بها في حياته. وينتج من هذا التفسير "جواز القيام بأعمال
تنعتها الشريعة الأدبية بأنها سيئة في ذاتها... وكذلك تُشرّع حلول يُزعم أنها
راعوية، وتكون مناقضة للسلطة التعليمية في الكنيسة" (56). على خلاف ذلك، يؤكد
البابا أن الضمير لا يخلق القيم كما لا يخلق الشرائع الأخلاقية التي وضعها الله في
طبيعة الإنسان, إنما يطبّقها على أوضاع حياته الخاصة. فصوت الضمير ليس حوار الإنسان
مع نفسه بل حوار الإنسان مع الله خالق القيم وخالق الناموس الطبيعي.
وفي تطبيق الناموس الطبيعي على أوضاع الحياة، يمكن أن يخطأ الضميرفي حكمه. ففي حالة
كهذه، "يمكن أن يكون الشر المقترف بسبب جهل مطبق أوخطأ في الحكم غير مذنب، ولا تعزى
بالتالي مسؤوليته الأدبية إلى الشخص الذي يقترفه، ولكن، وحتى في تلك الحالة، يبقى
الشر شرا وخللا بالنسبة إلى ما هو في الحقيقة خير. زد على ذلك أن الخير غير المعترف
به لا يسهم في النمو الأخلاقي للإنسان الذي يفعله، ولا يمنحه أي كمال، ولا يساعده
على السير نحو الخير الأسمى" (63). من هنا ينتج واجب تربية الضمير للبلوغ بالإنسان
إلى كماله في الله. وهذا ما يشير إليه السيد المسيح بقوله: "سراج الجسد العين، فإن
كانت عينك سليمة، كان جسده كله نيرا. أمّا إن كانت عينك عليلة، فجسدك كله يكون
مظلما. وإذا كان النور الذي فيك ظلاما، فيا للظلمة حينئذ" (متّى 6: 22- 23).
ويؤكد البابا دور الكنيسة في تربية الضمائر مذكّرا بقول المجمع الفاتيكاني الثاني:
"على المؤمنين بالمسيح، في تنشئة ضميرهم، أن لا يتوانوا في تطلّب تعليم الكنيسة
المقدّس والصحيح. فالكنيسة الكاثوليكية هي، بمشيئة المسيح، معلمة الحقيقة, ومهمتها
أن تعرض الحقيقة التي هي المسيح، وتعلّمها في أصالة، وتقرّ، بما لها من سلطان،
مبادئ النظام الأخلاقي النابعة من الطبيعة الإنسانية نفسها" (في الحرية الدينية،
14).
ثالثا- الخيار الأساسي والتصرفات الواقعية
يشير البابا إلى أن كثيرين من الأخصائيين في العلوم الإنسانية واللاهوتية, توضيحا
لدور الحرية في ما يقوم به الإنسان من أعمال, يرون على حق "أن الحرية لا تقوم فقط
باختيار بعض الأعمال الخاصة, بل هي, في قلب تلك الاختيارات, قرار على الذات وطريقة
في سلوك الحياة مع الخير أوعليه مع الحقيقة أو عليها, وفي النهاية مع الله أو
عليه". ولكن البعض يغالون في هذا النهج، فيفصلون بين الخيار الأساسي الذي هو خيار
"متسام" يتّخذه الإنسان في عمق ذاته، والاختيارات الخاصة التي يضطلع بها الإنسان في
تصرفاته اليومية في واقع حياته. ويذهبون إلى أن تلك الاختيارات الخاصة والأعمال
الواقعية لا يمكن أن يكون موضوعها الخير بل الخيرات الخاصة, وينسبون إلى الخيار
الأساسي وحده صفة "الخير والشر", فيما ينعتون الاختيارات الخاصة "بالصحيحة" أو
"المخطئة" بحسب ما يصدر عنها من نتائج مفيدة أو مضرة. يرفض البابا تلك النظرة
"النتائجية" لأفعال الإنسان, لأنها تفصل بين الخيار الأساسي والاختيارات الخاصة،
ويعتبر أن الخيار الأساسي إنما يتحقق من خلال الاختيارات الخاصة والأفعال الواقعية.
لذلك لا يهلك الإنسان فقط بسبب خيار أساسي خاطئ رفض بموجبه الله. "ففي كل خطيئة
مميتة يرتكبها بملء إرادته, يهين الله الذي أعطى الناموس, ويصير مجرما إزاء الناموس
كله (راجع يع2: 8-11), وإن بقي على الإيمان, فإنه يفقد "النعمة المبررة" و "المحبة"
و"السعادة الأبدية". ويؤكد البابا ضرورة الإبقاء على التمييز التقليدي بين "الخطايا
المميتة" و"الخطايا العرضية", معلنا أن الخطايا المميتة لا تنحصر فقط, كما يقول بعض
هؤلاء اللاهوتيين, في خيار أساسي سيئ, بل تكمن أيضا في تصرفات خاصة وأعمال واقعية
تناقض في مادة ثقيلة وصايا الله ويرتكبها الإنسان بملء إرادته وكامل وعيه.
رابعا- أخلاقية الفعل الإنساني
ثم تتوسع الرسالة في موضوع الأعمال الإنسانية أي في محتواها الواقعي وترى فيه
أساساً للحكم الأخلاقي عليها. فالإنسان يصل إلى كمال إنسانيته من خلال أعماله. وبما
أن الأخلاق تهدف إلى بلوغ الإنسان كمال إنسانيته وكمال طبيعته التي خلق عليها،
فهناك علاقة ثابتة وضمنية بين الأعمال الإنسانية والأخلاق. فالأعمال التي تجلب
الخير للإنسان وتبلغ به إلى كمال كيانه وإلى اتحاده بالله تعتبر صالحة من الناحية
الأخلاقية. فالصلاح والخير لا ينتجان إذا من نية الإنسان وحسب, بل أولا من محتوى
العمل عينه الذي يقوم به. وهذا المحتوى هو ما يتضمنه الناموس الأزلي الذي وضعه الله
بحكمته التي تقود كل كائن نحو غايته الأخيرة. وهذا الناموس الأزلي تتم معرفته إمّا
من خلال عقل الإنسان, ويقال له إذّاك "الناموس الطبيعي", وإمّا بفضل الوحي الإلهي,
ويدعى إذّاك "الشريعة الإلهية". والعمل يكون صالحا أخلاقيا وخيرا، إذا كان الاختيار
الحر مطابقا لخير الإنسان وملائما لتوجهه نحو غايته الأخيرة أي نحو الله نفسه.
وأخلاقية الأفعال الإنسانية تكتسي في المسيحية طابعا جديدا هو مطابقتها الكائن
الجديد الذي ظهر لنا في شخص يسوع المسيح الذي هو "بكر ما بين إخوة كثيرين" (روم8:
29).
ثم تعالج الرسالة العناصر التي تعطي الأفعال الإنسانية صفتها الأخلاقية. وينتقد
البابا بعض النظريات اللاهوتية المعاصرة التي لا تقوم أخلاقية الفعل الإنساني إلا
استنادا إلى الخيرات التي يبقيها والقيم التي ينوي احترامها. ففي تلك النظريات,
"يكون السلوك صالحا بقدر ما ينتج منه خيرات أكثر وشرور أقل" (74). فهناك تيار فكري
يحدد مسبقا أن هذا العمل صالح أو سيئ استنادا إلى حساب الخير أو الشر الذي يمكن أن
ينتج منه. وهناك تيار آخر يعتبر العمل صالحا أو سيئا "استنادا إلى النسبة المتوفرة
بين النتائج الصالحة والنتائج السيئة, بهدف الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الخير أو
إلى أقل قدر ممكن من الشر في وضع معين" (75).
ضد هذين التيارين يقول البابا إنه يصعب على الإنسان بل يستحيل عليه تقدير كل
العواقب الحسنة أو السيئة التي تنتج من أعماله، ولا يجوز بالتالي إسناد واجب مطلق
إلى حسابات يمكن أن تكون موقع جدل لذلك يؤكد "إن أخلاقية الفعل الإنساني مرتبطة
ارتباطا أساسيا وقبل أي أمر آخر بما يتضمنه هذا الفعل من موضوع تختاره الإرادة
اختيارا واعيا ومنسجما مع العقل" (78). وموضوع الفعل هو محتواه المباشر, كالقتل أو
السرقة مثلا، وليس ما ينتج منه من أحداث أخرى كإنقاذ شخص أو إطعام فقير. لذلك, كما
يقول كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي: "هناك تصرفات مسلكية واقعية يكون اختيارها
على الدوام خطأ, لأن اختيارها يتضمن خللا في الإرادة، أي شرا أدبيا. ويذكّر البابا
بقول القديس توما الأكويني: "غالبا ما يسلك الإنسان بنيّة قويمة، ولكن ذلك لا يفيده
شيئا, إذ تنقصه الإرادة الصالحة. ومثل ذلك كمثل إنسان يسرق ليطعم فقيرا. فلا ريب في
أن نيّته قويمة، ولكن تنقصه استقامة الإرادة، التي بسببها لا تستطيع استقامة النيّة
أن تعذر عملا سيئا. "ولِم لا نفعل الشر لكي يصدر الخير، كما يفترى علينا، وكما يزعم
قوم أنا نقول. إن الحكم على هؤلاء عدل" (روم 8:3).
ويوضح قداسته أن التعليم الكاثوليكي يركّز على موضوع الأفعال الإنسانية، ويعتبرها
قياسا أساسيا لأخلاقيتها، لأن الأفعال الإنسانية إنما توصل الإنسان، من خلال
موضوعها، إلى تحقيق كماله وإلى الخير الأسمى الذي هو الله. "ينتج من ذلك أن العمل
يكون صالحا إذا كان موضوعه مطابقا لخير الشخص في احترام الخيرات التي لها أهمية
كبرى بالنسبة إليه من الناحية الأخلاقية" (78).
وتتوسّع الرسالة في مسألة الأعمال التي هي "شر في ذاتها" Actes "intrinsequement
mauvais". ويؤكد البابا مع التقليد الأخلاقي الكاثوليكي، وضد النظريات المعاصرة
الغائية teleologiqueوالنسبوية Proportionaliste، وجود مثل تلك الأعمال. فالنظريات
الغائية والنسبوية "تدّعي أنه يستحيل، لدى حكمنا على بعض التصرفات أو الأعمال
المحددة التي يقوم بها الإنسان بملء إرادته، أن ننعتها بالسيئة أخلاقيا بحسب نوعها-
أي بحسب موضوعها-، بقطع النظر عن النية التي تمّ فيها اختيارها أو عن مجمل ما ينتج
من العمل من عواقب يمكن استدراكها لجميع الأشخاص المعنيين" (79). إن أي عمل إنساني،
بحسب هذه النظريات، يتضمن دوما ثلاثة عناصر: أولا موضوع العمل، ثانيا نيّة فاعله أي
الغاية التي يقصدها من عمله، وثالثا العواقب التي تنتج منه لجميع الأشخاص المعنيين
به. وللحكم على أي عمل إنساني من الناحية الأخلاقية، يجب على الدوام النظر إلى تلك
العناصر الثلاثة معا. فلا يجوز إذا استخلاص أخلاقية أي عمل، أي الحكم هل هذا العمل
خير أو شر، استنادا إلى أحد تلك العناصر منفصلا عن الآخرين. في هذه النظرة يُحلّل
القتل دفاعا عن النفس أو دفاعا عن الوطن أو إعداما لمجرم، كما تُحلّل السرقة إذا
كانت غاية السرقة ونتيجتها إنقاذ حياة من الموت، كما يُحلّل الكذب إذا كانت غاية
الكذب ونتيجته إنقاذ حياة بريء أو خيرا آخر مماثلا كالمحافظة على سر الاعتراف أو أي
سر آخر ملزم. وفي النظرة عينها يُحلّل استعمال حبوب منع الحمل إذا كانت غاية هذا
العمل ونتيجته استقرار الأسرة وتوازن الزوجين النفسي، كما يُحلّل الإجهاض في حالي
الاغتصاب والخطر على حياة الأم، كما يسمح أيضا باللجوء إلى الإخصاب الاصطناعي، وهو
ما يُدعى عامّة طفل الأنبوب، على أن يكون "إخصابا متجانسا" أي من عناصر الرجل
والمرأة المتزوجين وليس من شخص آخر رجلا كان أم امرأة.
إن قداسته في هذه الرسالة لا يأتي على ذكر أي من تلك الحالات، بل يكتفي بتأكيد
المبدأ العام وهو "أن العنصر الرئيسي والحاسم للحكم الأخلاقي هو موضوع عمل الإنسان،
الذي يقرر هل يمكن لعمله أن يوجّه نحو الخير ونحو غايته القصوى التي هي الله. وهذا
التوجيه يجده العقل في كيان الإنسان بالذات, إذا نظرنا إلى الإنسان في حقيقته
بكاملها, أي في أمياله الطبيعية وقواه وغاياته التي تنطوي أيضا ودائما على بعد
روحي: وهذا هو بالضبط مضمون الناموس الطبيعي, وبالتالي المجموع العضوي "للخيرات
لأجل الشخص"، التي توضع في خدمة "خير الشخص", في خدمة الخير الذي هو الشخص نفسه
وكماله. وتلك هي الخيرات التي تؤمّنها الوصايا التي, بحسب القديس توما, تحتوي على
الناموس الطبيعي كله" (79).
ثم يضيف البابا: "والحال أن العقل يؤكد إمكان وجود مواضيع للعمل الإنساني "لا يمكن
توجيهها" إلى الله, لكونها في تناقض جذري مع خير الشخص المخلوق على صورة الله. تلك
هي الأعمال التي دعاها تقليد الكنيسة الأخلاقي شرا في ذاتها. إنها شر على الدوام
وفي ذاتها, أي بسبب موضوعها عينه, وبصرف النظر عن نوايا فاعلها اللاحقة وعن الظروف.
لذلك فإن الكنيسة من دون أن تنكر تأثير الظروف, ولاسيّما النوايا, في الأخلاقية،
تعلّم أن هناك أعمالا هي من ذاتها وفي ذاتها, بصرف النظر عن الظروف, على الدوام
محرّمة تحريما ثقيلا بسبب موضوعها. والمجمع الفاتيكاني الثاني، في إطار الاحترام
الواجب للشخص البشري, يتوسّع في مثل تلك الأعمال فيقول: كل ما يتصدّى للحياة نفسها
عداء واعتداء كالقتل بشتّى أنواعه, والإبادة الجماعية, والإجهاض, والإجهاز الرحيم
على المرضى، والانتحار المتعمّد, وكل ما ينال من سلامة الشخص الإنساني كبتر
الأعضاء, والتعذيب الجسدي والمعنوي, والضغوط النفسية, وكل ما ينال من كرامة الإنسان
كالوضع الحياتي الزري الذي دون المستوى البشري, والسجن الاعتباطي, والنفي الإبعادي,
والنخاسة والبغاء, والاتجار بالنساء والأحداث, وكذلك أوضاع العمل المُحقّرة التي
يُعامل فيها العمال بمثابة أدوات إنتاج لا لأشخاص أحرار ذوي مسؤولية: كل ذلك وكل ما
شابهه هو في الحقيقة عار وشنار, وهو إذ يفسد الحضارة البشرية, يشين فاعليه أكثر مما
يشين متحمّليه, ويهين شرف الخالق إهانة "جسيمة" (الكنيسة في عالم اليوم, 27) (80).
ويذكّر قداسته. بما قاله سلفه البابا بولس السادس في رسالته العامة "في الحياة
البشرية" (25 تموز1968): "في موضوع الأعمال التي هي شر في ذاتها, وبالنسبة إلى
ممارسات منع الحمل التي بها يُحرم العمل الزواجي عن قصد من الخصوبة, يعلم بولس
السادس: إذا جاز أحيانا, التسامح بشرّ أدبي تجنّبا لشرّ أكبر أو تعزيزا لخير أكبر،
غير أنه لا يجوز, حتى لأسباب شديدة الخطورة, فعل الشر ليصدر عنه الخير (راجع روم 3:
8), أي اتخاذ ما هو خلل في ذاته، وبالتالي أمر مشين للشخص البشري، موضوعا لفعل
إيجابي تضطلع به الإرادة، حتى ولو كانت النية من ذلك صيانة خيرات فردية أو عائلية
أو اجتماعية" (80). وتدعم الرسالة هذا الرأي بقول بولس الرسول: "فلا تغترّوا! فإنه
لا العاهرون، ولا عبدة الأوثان، ولا الزناة، ولا المتخنّثون، ولا مضاجعو الذكور،
ولا السارقون، ولا الطمّاعون، ولا السكّيرون، ولا الشتّامون، ولا الخطفة، يرثون
ملكوت الله" (1 كو 6: 9-10). وتخلص الرسالة إلى أنه "إذا كانت الأعمال شرا في
ذاتها، فالنية الصالحة والظروف الخاصة تستطيع تخفيف الشر الذي تنطوي عليه، ولكنها
لا تستطيع إزالته. فهي أعمال شريرة لا محالة، من ذاتها وفي ذاتها لا يمكن أن توجّه
نحو الله ونحو خير الشخص" (81).
تعليقا على تأكيد هذه الرسالة وجود أعمال هي شر في ذاتها ولا تحتمل أي استثناء،
نكتفي بالقول إن تقليد الكنيسة الأخلاقي عينه قد سمح ببعض الاستثناءات ولاسيّما في
مواضيع الدفاع المشروع عن النفس والحرب العادلة والسرقة في حال خطر الموت. وهذا ما
يشير إليه البابا بولس السادس في المقطع السابق حيث يجيز "التسامح بشرّ أدبي أدنى
تجنّبا لشرّ أكبر أو تعزيزا لخير أكبر". إن النظريات اللاهوتية المعاصرة المعتدلة.
أغائية كانت أم نسبوية, توافق قداسته على المبدأ العام القائل إن الأعمال لا تتساوى
من حيث قيمتها الأخلاقية. فهناك أعمال صالحة تحقق خير الإنسان، وهناك أعمال شريرة
تنافي هذا الخير. كما توافق البابا بولس السادس على إمكان التسامح بشر أدنى تجنّبا
لشرّ أكبر أو تعزيزا لخير أكبر. ولكنها تختلف معه في تحديد هذا الشر. فتميز بين
نوعين من الشر: الشر الكياني الذي هو نقص في كيان الأشياء، مثلا في جسم المرأة
الحامل، والشر الأدبي الذي هو انحراف الإرادة عما يقود إلى خير الشخص. فالإجهاض
العلاجي لا تعتبره شرا أدبيا أدنى، بل هو شر كياني تسمح به بشكل عابر ريثما يتوصل
الطب إلى تجنّبه. وكذلك قتل المجرم في حال الدفاع عن النفس لا تعتبره شرا أدبيا بل
هو شر كياني تسمح به إلى أن يزول من العالم الإجرام، وكذلك القول عن الحرب العادلة
التي على الإنسان أن يعمل على إزالة دوافعها بنشر العدالة في العالم. فالنظريات
اللاهوتية المعاصرة المعتدلة تنظر هي أيضا إلى خير الشخص وإلى ما يعزز كرامته
وتوجيهه نحو خيره الأسمى الذي هو الله. ولأجل هذا عينه لا تكتفي للحكم على أخلاقية
الأفعال الإنسانية بالنظر إلى موضوعها بل تأخذ بعين الاعتبار أيضا نيّة فاعلها
وعواقبها. ولذلك أيضا لا تسمح بالإقدام على شر كياني إلا إذا كان هناك "سبب مناسب"،
أي إذا كانت هناك نسبة بين العمل الذي يقوم به الإنسان والقيمة الأخلاقية التي يهدف
إلى المحافظة عليها وتكون دوما خيرا. فإذا كان يكفي للدفاع عن النفس شلّ حركة
المعتدي، فلا يجوز قتله، لأن الهدف هو إنقاذ حياة البريء وليس قتل المعتدي. وهذا ما
يوضحه القديس توما الأكويني نفسه: "قد يكون للعمل نتيجتان يريد المرء إحداهما ويرفض
الأخرى. والحال أن الأعمال الأخلاقية تكتسب صفتها المميزة من الموضوع الذي تهدف
إليه, وليس مما يبقى خارج النيّة ويبقى، كما نعلم, أمرا عرضيا. هكذا الدفاع عن
النفس يمكن أن يستتبع نتيجتين: الواحدة محافظة المرء على حياته, والأخرى موت
المعتدي. فهذا العمل يكون جائزا إذا لم يقصد به المرء إلا المحافظة على حياته, إذ
من الطبيعي جدا أن يعمل المرء كل ما بوسعه ليبقى على قيد الحياة. ولكن قد يحدث أن
يقوم المرء بعمل ما بنيّة صالحة ويكون عمله هذا محرّما، إذا لم تتوفر النسبة بينه
وبين الغاية منه. فإذا لجأ المرء للدفاع عن نفسه إلى عنف أعظم مما ينبغي, فلن يكون
ذلك دون خطيئة. أمّا إذا صدّ الهجوم بالقدر المناسب، يكون عمله حالة دفاع مشروع عن
النفس".
لذلك يجب ألا يعتبر قتل المعتدي عملا مكتملا في ذاته ويُحكم عليه بأنه شر أدبي. إنه
جزء من عمل واحد يتضمن عناصر متعددة هي: أولا, غاية العمل أو هدفه, وغاية العمل هنا
هي إنقاذ حياة البريء. وثانيا الوسيلة التي يمكن توفّرها لإنقاذ حياة البريء. فقتل
المعتدي هو شر كياني ولا يصير شرا أدبيا (أي شرا أخلاقيا) إلا إذا تجاوز النسبة
المطلوبة لإنقاذ حياة البريء. التحليل عينه يصح في موضوع بتر الأعضاء الذي هو أيضا
شر كياني ويجوز اللجوء إليه في الطب لإنقاذ حياة المريض. أمّا إذا تمكّن الطب من
إنقاذ حياة المريض بوسيلة أخرى, تصير تلك الوسيلة الأخرى هي "الوسيلة المناسبة"
للهدف, ويصبح بتر الأعضاء وسيلة غير مناسبة, لأنه, كما يقول توما الأكويني "عنف
أعظم مما ينبغي". والتفكير عينه يصحّ كذلك في سائر الحالات التي تتضمن شرا كيانيا
يقبل به الإنسان كالسرقة في خطر الموت، والكذب للمحافظة على السر المُلزم, والإجهاض
العلاجي, واللجوء إلى وسائل منع الحمل الاصطناعية في حال اغتصاب. والإخصاب
الاصطناعي من الزوجين نفسيهما إذا لم تتوفر وسيلة أخرى للإنجاب الذي هو قيمة كبرى
لأنه أحد أهداف الزواج ويسهم في استمرار الحياة الإنسانية.
لا شك في أن التفكير اللاهوتي المعاصر يفتح الباب واسعا أمام الانحرافات. ولكن أن
يقرر المرء في موضوع الأخلاق ويختار الحل الأكثر ملاءمة مع خير الإنسان ليسا أمرا
سهلا، ولا يمكن الاكتفاء لذلك بمبادئ الأخلاق العامة ولا بما تأمر به الوصايا أو
تنهى عنه. فالحياة البشرية، ولاسيّما في العصر الراهن واكتشافاته المذهلة في مختلف
الميادين، هي على قدر كبير من التعقيد. لذلك تتطلب، إلى جانب التمسّك بوصايا الله،
عقلا منفتحا على كل نواحي العمل الأخلاقي، ونظرا ثاقبا للإحاطة بأكبر قدر ممكن من
عواقبه. وفي كل هذا على المؤمن أن يبقي نظره على الدوام موجّها نحو صليب المسيح.
وهذا يقودنا إلى الفصل الثالث من هذه الرسالة.
الفصل الثالث
الخير الأدبي لأجل حياة الكنيسة والعالم
في الفصل الأخير يعود البابا فيؤكد أن القيم الأخلاقية التي تنطوي عليها الأخلاق
المسيحية بكامل حقيقتها كفيلة وحدها بأن توصل الإنسان إلى خيره الحقيقي. "فالحرية
التي تخضع للحقيقة هي وحدها توصل الشخص البشري إلى خيره الحقيقي. وخير الشخص يقوم
على أن يكون في الحقيقة و يفعل الحقيقة" (84). والكنيسة مدعوّة إلى إظهار العلاقة
الجوهرية بين الحقيقة والخير والحرية، وذلك في عالم ينزلق نحو النسبية "ويترك
للحرية وحدها أن تقرر بشكل مستقل ما هو خير وما هو شر, وذلك بعيدا عن كل موضوعية"
(84).
لذلك من واجب الكنيسة مساعدة المؤمنين على اتخاذ قرارات منسجمة في أخلاقيتها مع
السيد المسيح الذي أحبّنا ببذل ذاته حتى الموت, موت الصليب. وعلى الإنسان أن يتحرر
من الضعف الذي يختبره بالدخول في حقيقة المسيح, حسب قول السيد: "تعرفون الحق، والحق
يحرركم" (يو 8: 32). ولقد أظهر لنا السيد المسيح بكلامه وبمثل حياته أن الحرية
تتحقق في المحبة أي في بذل الذات وفي الطاعة الكاملة لإرادة الله: "إن جسده المصلوب
هو الوحي الكامل للرباط الذي لا ينفصم بين الحرية والحقيقة، كما أن قيامته من بين
الأموات هي إعلاء للخصب والقوة الخلاصية اللذين يميزان حرية يحياها المرء في
الحقيقة" (87).
ثم يتطرّق البابا إلى العلاقة بين الإيمان والأخلاق. فالإيمان يحتوي على مضمون
أخلاقي, إذ يقتضي العمل بوصايا الله. ويصير هذا العمل شهادة أمام العالم, ويبلغ حد
الاستشهاد في سبيل القيم الأخلاقية. ثم يورد البابا بعض الأمثلة من بين الشهداء
والقديسين الذين فضّلوا الموت على مخالفة وصايا الله.
ثم يبيّن الخدمة التي تقدّمها القواعد الأخلاقية الشاملة والثابتة للشخص والمجتمع،
وذلك على الرغم من الشدة التي تظهرها الكنيسة في إعلانها. فالحقيقة لا يمكن أن
تُخفى أو تُلطّف، بل يجب عرضها في سبيل خدمة الإنسان ونموّه في الحرية وسعيه نحو
السعادة. وهذه القواعد هي الأساس الذي لا يزعزع والضمانة التي لا تزول لتعايش عادل
ومسالم بين البشر وبالتالي للديمقراطية الصحيحة. وهكذا يتكشف ما للقواعد الأخلاقية
وعلى رأسها للقواعد التي تنهى عن الشر من معنى وقوة على صعيد الشخص والمجتمع. فإنها
تحمي الكرامة الشخصية وتحافظ على المجتمع وعلى استقامته وخصبه. والوصايا التي
يذكرها السيد المسيح (متّى 18:19) تكوّن الأنظمة الرئيسية لكل حياة اجتماعية، وعلى
السلطات المدنية وعلى المواطنين جميعا التقيد بها لكونها تعبّر عن حقوق الشخص
البشري الأساسية التي لا يمكن نقضها ولا التخلي عنها.
وكذلك تسهم الأخلاق المسيحية في تجديد الحياة الاجتماعية والسياسية. فالاعتراف
بالله خيرا أسمى وبالكرامة الإنسانية الناتجة من كون الإنسان مخلوقا على صورة الله
يمنع تسلط الحكام الذي يقود إلى التوتاليتارية (99).
ويذكر البابا أن "التعليم المسيحي الكاثوليكي" يورد قواعد في الموضوع الاقتصادي،
فيطلب القناعة والعدالة والتضامن وينهى عن الأعمال التي تسيء الكرامة الإنسانية:
كالسرقة, والأجور غير العادلة، وتهريب الضرائب إلخ. "والوصية السابعة تنهى عن
الأعمال التي تقود إلى استعباد الكائنات البشرية وإنكار كرامتها الشخصية والمتاجرة
بها كما يتاجر بالبضائع" (100). وعلى الصعيد السياسي تقتضي الأخلاق المسيحية احترام
حقوق الجميع وبناء ديمقراطية صحيحة (102).
وإن اتباع الوصايا أمر صعب, ولكن الله. مع الوصية, يمنح النعمة لحفظها. فهناك إذا
تآزر بين النعمة وحرية الإنسان (103). ولا يجوز أن يجعل الإنسان "من ضعفه قياسا
للحقيقة حول الخير بحيث يصل إلى الإدراك أنه قد تبرر من تلقاء نفسه دون أي حاجة
للعودة إلى الله وإلى رحمته" (104) ويشير البابا إلى تعليم مثل الفريسي والعشار في
هذا القبيل (لو9:18-14).
إن التبشير الجديد الذي يدعو إليه البابا يتضمن الناحية الأخلاقية، لأن "الحس
الأخلاقي" قد فُقد في المجتمع المعاصر الذي لم يعد يدرك أصالة الأخلاقية الإنجيلية.
فالأخلاق المعاصرة تتميز بالنفعية والنسبية والفردانية. وقد صارت هذه التيارات
نظريات ثابتة تتطلّب الاعتراف بها على صعيدي الثقافة والمجتمع (106). واللاهوتيون
مطالبون أكثر من سواهم، بالاتحاد مع السلطة التعليمية، بالتعمق في فهم كلام الله
المدوّن في الكناب المقدّس وفي تقليد الكنيسة الحي (109). أمّا السلطة التعليمية
فدورها أساسي في تنوير ضمائر المؤمنين. فلها يعود "أن تميز، بأحكام على ضمير
المؤمنين أن يتّخذها قاعدة له, الأعمال التي هي في ذاتها مطابقة لمقتضيات الإيمان
وتعزز التعبير عنه في الحياة، وتلك التي، على عكس ذلك, بسبب ما فيها من شر ذاتي، لا
تنسجم مع تلك المقتضيات. والسلطة التعليمية في الكنيسة، إذ تبشّر بوصايا الله ومحبة
المسيح، تعلّم المؤمنين أيضا الرسوم الخاصة والمميزة وتطلب منهم أن يعتبروها ملزمة
من الناحية الأخلاقية إلزاما ضميريا. وإلى ذلك فإن للسلطة التعليمية دورا هاما يقوم
على السهر وبموجبه تنبّه المؤمنين بوجود بعض الضلالات, وإن فقط ضمنية، عندما لا
يتمكّن ضميرهم من التعرف إلى صحة الحقائق الأخلاقية التي تعلّمها وإلى حقيقتها"
(110).
ثم تتوسع الرسالة في دور اللاهوتيين، الذين يعود لهم تثقيف المؤمنين في كل الوصايا
وكل القواعد العلمية التي تعلنها الكنيسة بسلطتها. فاللاهوت الأدبي ليس مجرّد علم
على غرار العلوم الإنسانية التي تعالج الأخلاق كمجموعة معطيات تاريخية، بل هو علم
يحدد قواعد للعمل، جوابا على الأسئلة الأساسية التالية: "ما هو الخير؟ وما هو الشر؟
وماذا عليّ أن أعمل لأحصل على الحياة الأبدية؟".
لذلك تضيف الرسالة: "إنه يتوجب على العالم في اللاهوت الأدبي أن يتحلّى بالتمييز
اليقظ والمتنبه لإطار الثقافة الحاضرة التي هي في جوهرها علمية وتقنية ومعرضة لخطر
النسبية والبراغماتية والوضعية. من الناحية اللاهوتية المبادئ الأخلاقية غير مرتبطة
بالزمن التاريخي الذي يتم فيه اكتشافها. وإذا كان بعض المؤمنين لا يتبعون في سلوكهم
تعاليم السلطة التعليمية في الكنيسة أو ينظرون خطأ إلى مسلك أعلنه الرعاة منافيا
لشريعة الله فيعتبرونه هم قويما من الناحية الأخلاقية، فهذا لا يمكن أن يكون برهانا
صحيحا لنقض حقيقة القواعد الأخلاقية التي تعلّمها الكنيسة... ذلك أن اعتقادات الناس
في المواضيع الأخلاقية تحمل في طيّاتها آثار سقطة الإنسان بالنسبة إلى وضعه الأول,
فهي إذن مجروحة بالخطيئة. الإيمان المسيحي وحده يدل الإنسان على طريق العودة إلى
البدء" (راجع متّى19: 8). وغالبا ما تكون هذه الطريق شديدة الاختلاف عما تكتشفه
العلوم الإنسانية من قواعد لدى عامة الناس. لذالك لا يمكن أن تُعتبر العلوم
الإنسانية، على الرغم من القيمة الكبرى التي تنطوي عليها المعلومات التي توفّرها
لنا، الدلائل الحاسمة للقواعد الأخلاقية. فالإنجيل هو الذي يكشف الحقيقة الكاملة
حول الإنسان وحول مسيرته الأخلاقية. وهو الذي ينير الخطأة وينبههم معلنا لهم رحمة
الله الذي يعمل على الدوام ليقيهم اليأس من عدم قدرتهم على معرفة شريعة الله وعلى
تتميمها، ويبعد عنهم الادّعاء بأنهم يستطيعون أن يخلصوا دون استحقاق، كما يذكّرهم
أيضا بفرح الغفران الذي وحده يمنحهم القوة ليكتشفوا في الشريعة الأخلاقية حقيقة
محررة ونعمة رجاء وطريق حياة" (112).
ويحذّر البابا اللاهوتيين من أن يقفوا إزاء السلطة التعليمية في الكنيسة موقف
الرفض, وينشروا مناقضتهم تعاليمها في وسائل الإعلام. فإذا كان اختلاف الرأي طبيعيا
في إطار الديمقراطية التمثيلية, فلا يجوز أن يكون الأمر كذلك في تحديد العقيدة
الأخلاقية. فهذا مخالف للشركة الكنسية وللمفهوم القويم لتكوين شعب الله وما يتضمّنه
من رئاسة مقدسة. ولا يمكن اعتبار مناقضة تعليم الرعاة تعبيرا مشروعا للحرية
المسيحية ولا لتنوّع مواهب الروح القدس. وعلى الرعاة أن يطلبوا احترام حق المؤمنين
في معرفة العقيدة الكاثوليكية في صفائها وسلامتها (113).
ثم يتوجه البابا إلى الرعاة فيقول: "يا إخوتي في الأسقفية، من صميم خدمتنا الراعوية
أن نسهرعلى أن يُنقل هذا التعليم الأخلاقي نقلا أمينا، وأن نتخذ الوسائل الكفيلة
بحفظ المؤمنين من كل عقيدة أو نظرية مناقضة. في هذا العمل نستعين باللاهوتيين. إلا
أن الآراء اللاهوتية لا تكوّن قاعدة تعليمنا، الذي تصدر سلطته، بمؤازرة الروح
القدس، وبالشركة مع بطرس والخضع لبطرس, من أمانتنا للإيمان الكاثوليكي الذي نلناه
من الرسل. نحن كأساقفة لنا واجب خطير في السهر شخصيا على أن يعلّم التعليم الصحيح
(1 تيم1: 10) في الإيمان والأخلاق" (116).
إن الأساقفة يُرسلون، كما يقول بولس الرسول عن نفسه، "للتبشير بالإنجيل، ولكن لا
بحكمة الكلام، لئلا يُبطل صليب المسيح" (1 كو1 :17). لذلك يملك جواب الكنيسة على
أسئلة الإنسان حكمة وقدرة المسيح المصلوب الذي هو الحقيقة التي تعطي ذاتها. فعندما
يطرح الناس على الكنيسة مسائل ضميرهم، وعندما يتوجّه المؤمنون داخل الكنيسة إلى
أساقفتهم ورعاتهم، فإنما هو صوت المسيح يسوع، صوت الحقيقة حول الخير والشر الذي
يُسمع في جواب الكنيسة. وفي القول الذي تتلفّظ به الكنيسة يرنّ، داخل الكيان، صوت
الله الذي "هو وحده صالح" (متّى 17:19) وهو وحده "محبة" (1 يو 16،8:4).
ويختم الرسالة تأمّل حول مريم العذراء أم الرحمة، التي أعطت لنا المسيح الرحيم. فكل
خاطئ يخالف مقتضيات الأخلاق ويعيش دون تطلبات الحياة يجد, بالعودة إلى المسيح,
تجديدا لكيانه المسيحي. ومريم العذراء، التي كانت تحفظ الأحداث التي لم تفهمها
و"تتأمل بها في قلبها" (لو 2: 19)، هي مثال كل "الذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها"
(لو 28:11). "لذلك هي إلى جانب الحقيقة وهي تشارك الكنيسة في حِملها عندما تذكّر
الكنيسة جميع الناس وفي كل زمان مقتضيات الأخلاق. وللسبب عينه لا ترضى بأن يخدع
الإنسان الخاطئ أي شخص يدّعي محبته بتبرير خطيئته, لأنها تعلم أن ذلك يبطل ذبيحة
المسيح ابنها. ما من تبرير، وإن أتى على لسان مذاهب فلسفية أو لاهوتية، يستطيع أن
يمنح الإنسان السعادة الحقّة: صليب المسيح ومجد المسيح القائم وحدهما يستطيعان أن
يمنحا ضميره السلام ويخلّصا حياته" (120).