في موضوع سابق كنت قد كتبته تحت عنوان (الأساطير العبرية و علاقتها بأساطير أخرى) ذكرت أن الاساطير تمثل قصصا مؤثرة و مثيرة تستعملها المؤسسات الدينية كدستور يمكن بواسطتها نشر العادات و التقاليد و الطقوس الدينية، حيثما تواجدت، و إجراء التعديلات عليها بين الحين و الآخر. إن اسطورة المهدي هي مثل على ذلك، وهي منبع زاخر من منابع أساطير الديانة الاسلامية، خاصة الشيعية منها، فاسطورة ظهور المهدي هي مشابهة لاسطورة ظهور المشيح (بالشين) العبرية، و لكنها على الطريقة الاسلامية و بشكل مضاعف –أي ان المشيح (الذي يصبح بالعربية المسيح) يظهر و يظهر، معه أو بعده، أيضا المهدي. و هذه الاسطورة تعتمد عليها جميع الفرق الاسلامية بكل طوائفها و مذاهبها. و الحقيقة أن كل الفرق الاسلامية تعتمد اعتمادا كبيرا، بل و رئيسيا، على الأساطير العبرية اليهودية.
و قد تجد أفرادا من فرقة اسلامية ما، يستهزؤون بأفكار فرقة اسلامية أخرى في موضوع المهدي، إلا أنهم هم أنفسهم يعتقدون بها أيضا، و لكن على طريقة تزويق أساطيرهم. إن هناك الكثير من الناس الذين ينظرون القشة في أعين الآخرين و لا يرون العصا في أعينهم.

معنى المهدي

إن كلمة المهدي هي اسم مفعول من الفعل –يهدي- يفيد المبالغة في الوصف. و يفترض المعنى المقصود صيغة اسم الفاعل –الهادي-، إلا أنه قد عدل عن هذه الصيغة إلى صيغة المفعولية لان صيغة الفاعل –الهادي- تختص فقط بالنبي محمد. هذا ما ذكره الكاتب العراقي (هادي العلوي) في كتابه (من قاموس التراث).
أما الكاتب (سهيل زكار) فقد ذكر في كتابه (أخبار القرامطة) "أن عبارة –مهدي- عندما استخدمت في الفترة المبكرة من تاريخ الاسلام عنت بشكل مجرد و مطلق عملية الهداية فقط، و ذلك انطلاقا من المعنى اللغوي البحت، ففي العربية "المهدي" هو من هداه الله إلى الحق". ثم ذكر زكار بيتي شعر لحسان بن ثابت رثى بها النبي محمد، و هما:
جزعا على المهدي أصبح ثاويا يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
و
بأبي و أمي من شهدت وفاته يوم الاثنين النبي المهدي
و نجد هنا أن رأي زكار يخالف رأي العلوي.

و ذكر (زكار) أيضا "أن عبارة المهدي و إن وردت في الآثار لم ترد مطلقا في القرآن الكريم، و ليس في القرآن ما يشابهها". و بهذا فإن زكار يعطي رأيا بأن فكرة المهدي هي فكرة غير منزّلة قرآنية. إلا أن (علي محمد علي دخيل) يشير في كتابه (أئمتنا) إلى وجود عدة آيات من القرآن مأولة في الإمام المهدي. أما (الحائري) فإنه يذكر في كتابه (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب) آيات كثيرة لم أجهد نفسي في عدها. طبعا إن هذه الآيات يفسرها و يؤولها كل واحد منهم على هواه و مزاجه، وهو شأن المفسرين القرآنيين. و هنا لا بد لي أن أذكر كلمات تنسب إلى الامام علي بن أبي طالب عندما قال لابن عباس ما معناه: "لاتجادلهم بالقرآن، إن القرآن حمال أوجه"

و المهدي مصطلح يعني أيضا –المنقذ- او –المخلِّص-، و المسيحيون الكاثوليك، الاسبان مثلا، يطلقون اسم -سلبلادور- (سلفادور) على المسيح أيضا و يعنون به هذا –المنقذ-.

و قد كتب زكار في كتابه المذكور أعلاه أنه "لم يعرف العرب ما قبل الاسلام فكرة المخلِّص" و أن "عقيدة المخلص عقيدة بابلية إيرانية قديمة نبعت عن عبادة مردوخ و العقيدة الزروانية و تفاعلت مع الغنطوسية و بقية عقائد بلاد الرافدين، و قد تأثر بها اليهود في أثناء السبي البابلي و ظهرت لديهم مع النبي اليعازر، ثم تطورت مع ظهور المسيحية و بعد ذلك أثناء محاولات الاستقلال عن اليهودية، خاصة ما حدث في شرق الشام في مناطق الرها و حران و طرطوس و أنطاكية".

أما الاغريق فإنهم كانوا يعتبرون الإله زيوس هو المخِّلص..

و للمهدي عند المسلمين الشيعة الاثنى عشرية مرادفات أو كنايات أخرى هي:
* القائم: من القيام بالأمر بعد انقطاع.
* الامام الغائب:
ويكنى بالإمام الغائب على الرغم من أن هناك كلمات ينسبها (الحائري) إلى الإمام علي و هي :"ان ميتنا لم يمت و غائبنا لم يغب و قتلانا لم يقتلوا". فهل أن الحائري يفسر و يؤول هذه الكلمات تؤويلا و تفسيرا رمزيا أم حقيقيا؟؟ إنه من خلال قراءة كتابه يمكن أن يعرف القاريء جواب هذا السؤال.
و يفسر الحائري أيضا كلمات آيات من سورة البقرة:
" الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ"،أن:
- "المتقين" هم شيعة علي.
- و "الغيب" هو الحجة. و يعني به المهدي.
- و قد جعل الحائري النبي ابراهيم من الشيعة، بناء على طلب ابراهيم لله "اللهم اجعلني من شيعة أمير المؤمنين"
-و ايضا أضاف ثمود إليهم فنقل عن الامام أبي عبد الله قوله: "ثمود رهط من الشيعة".

إن الغيبة ليست ابتداعا إثنا عشريا فهي تستند على معتقد سابق حول المسيح. و المجيء الثاني للمسيح موجود في أدبيات الدين الاسلامي، على اختلاف توجهاتها. و في هذا المجال يقول القرآن: "و لم يُصلب و لكن شبِّه لهم"، أي أن الذي صلب كان شخص آخرا غير المسيح. أما الكاثوليك فإنهم يعتقدون أن المسيح صلب و ارتفعت روحه إلى السماء.

* صاحب الزمان: و ربما تأتي هذه الكناية نتيجة الحديث المنسوب إلى النبي محمد: "من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية". إن المهدي هو إمام و صاحب زمان الاثنى عشرية. و قد نقل الحائري في (إلزام الناصب) عن الحسين: "لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الامام" و "آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة". و في إمامة المسلمين تمييزا عنصريا، إذ يعطون حق الأولوية في الإمامة إلى القريشي أولا بعدها العربي و في الأخير الفرد من بقية الأقوام الأخرى.
و نقل الحائري عن الامام محمد الباقر: "لو بقيت الأرض يوما بلا إمام منا لساخت بأهلها و لعذبهم الله بأشد عذابه"...لاحظ كلمة منا!! و "لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت كما يموج البحر".

* الإمام الحجة: أي حجة لله على عباده.

* الامام المنتظَر: و أحيانا يمكن أن تجد كلمات "الخلف الصالح المنتظر": أي الذي تنتظر عودته و لهذا فإن الشيعة الإمامية يذكرون كلمات "عجل الله فرجه" بعد ذكر الإمام الثاني عشر، الذي هو بالنسبة لهم الامام المهدي بن الحسن.

* الامام المنتظِر: خرج في هذه الأيام مصطلح "المنتظِر" –بكسر الظاء- و قائلوه يعنون به أن الامام ينتظر ازدياد جماعته لكي يخرج.

* الخاتِم: أي خاتم الأئمة، مثله مثل النبي محمد خاتم الأنبياء.

* الإمام الحميد الزكي.

* و يكنى المهدي أيضا، و على طريقة العراقيين، بـ "أبي صالح". إن العراقيين ينادون أي شخص اسمه "مهدي" بـ "ابي صالح" أو "أبي صلاح". و كذلك يكنى المهدي بـ "ابي القاسم" لأن اسمه هو محمد، و في بيت الشعر التالي نجد إشارة إلى ذلك:
سلام على القائم المنتظر........أبي القاسم العرم الهدى.
و بالمناسبة فإن النبي محمد يكنى أيضا بـ "أبي القاسم" أو كما يقول العراقيون: "أبو جاسم".

* "الملك العلام"...إلخ

* و نقل الحائري عن كتاب (المقتضب) أن سالم بن عبد الله بن عمر قال: "كنا مع أبي عند كعب الأحبار فسمعته يقول: أن الأئمة من هذه الأمة بعد نبيها على عدد نقباء بني اسرائيل. و أقبل علي (ع) فقال كعب هذا المقبل أولهم و أحد عشرة من ولد و سماهم كعب بأسمائهم في التوراة: تقوبيث، فيذوا، دييرا، مغسورا، مسموعا، دوموه، مشيو، هذار، يتيمو، بطور، توقس، قيذموا".
و بهذا يمكننا ان نستنج اسم آخر توراتي للمهدي: "قيذموا".
و الجدير بالذكر أن هناك من المسلمين، شيعة أو سنة، من يعتبر كعب الأحبار واحدا من الذين كانوا يدسون الإسرائيليات في الدين الاسلامي، فلا قيمة لكلماته في هذه الأيام.

* و ذكر الحائري أيضا عن الإمام محمد الباقر ان تأويل الآية "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ..." يعني ان "إن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم". .... أما السنة فهي "رسول الله" و "شهورها اثنا عشر شهرا فهو أمير المؤمنين (عليه السلام) وأبي وأني وابني جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي وإلى ابنه الحسن وإلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر إماما، حجج الله على خلقه وأمناؤه على وحيه وعلمه، والأربعة الحرم الذين هم الدين القيم أربعة منهم يخرجون باسم واحد علي أمير المؤمنين وأبي علي بن الحسين وعلي بن موسى وعلي بن محمد، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيم.."
و لم أجد، بين هذه الكلمات، في الطبعة التي بين يدي اسمي الإمامين الحسن و الحسين، فلربما سقطا منها أو لم يذكرهما الكاتب! و ليعرف القارئ أن الامام الباقر (أبا جعفر) هو جد أعلى للمهدي و ولد قبله بقرنين، إلا أن شأنه هو شأن بقية الأنبياء و الأئمة، فهو كان يتنبأ و يعلم و يعرف أسماء أحفاده بموجب النظرية الشيعية، رغما عن الآية القرآنية: "قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ"
* و من يقرأ كتاب الحائري فإنه سيجد كنايات كثيرة و صفات عديدة للمهدي المنتظر.
ليس هناك مهدي واحد، بل هناك العديد، في المجتمعات الاسلامية المتنوعة أو المجتمعات غير الاسلامية. و في هذا الوقت أتناول فقط أولئك "المهادي" الذين ينتمون إلى مذهب اسلامي ما. و يمكن القول أن هناك أنواع ثلاثة من "المهادي":
الأول: المهدي الذي لم يظهر بعد، و في هذا تتفق الكثير من المذاهب الاسلامية التي تطلق على نفسها: أهل السنة و الجماعة.
الثاني: الذي ظهر و عاش ثم مات. و في هذا اتفقت بعض المذاهب السنية و الشيعية كالاسماعيلية.
الثالث: الذي ظهر و عاش ثم غاب عن الأنظار. و الذين يؤمنون به كالقرامطة سابقا و الشيعة الإمامية حاليا و هم الآن ينتظرون ظهوره الجديد، أو بالأحرى رجوعه.

إنه جدير بالذكر أنه عندما مات النبي محمد كان يظن البعض، و من بينهم الذي أصبح الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، أن النبي لم يمت، و لهذا اضطر أبو بكر، الذي أصبح فيما بعد الخليفة الأول، إلى قول ما معناه:
"من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت".
كلمات تنسب إلى أبي بكر، قد يكون قد قالها هو أو اخترعوها له و وضعوها على لسانه.

لقد كتب ابن خلدون في (المقدمة): "وقد ينتسب بعضهم إلى الفاطمي المنتظر إما بأنه هو أو بأنه داع له وليس مع ذلك على علم من أمر الفاطمي ولا ما هو وأكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك".

وفي العراق ظهرت في الأيام القليلة الماضية فئة ادعى رأسها أن له صلة نسابة مع المهدي الإمامي الذي تزوج أخته، و أنه يتناول معه الشاي و يدردش.
و ظهر مقتدى الصدر ليكوّن عصابة من المجرمين و قطاع الطرق من بعثيين و غيرهم من حثالة المجتمع العراقي، ليطلق عليها اسم جيش المهدي. و قام هذا الجيش باختطاف و تعذيب العراقيين و سرقة أموالهم و السطو على بيوتهم، شأنه شأن عصابات القاعدة السلفية الوهابية. و لو كان له القدرة على الاستمرار فلربما كنا نرى مهديا آخرا. و المتدينون الشيعة يقدمون لمقتدى هذا احتراما كبيرا، فهم يدعونه بـ "السيد" إذ يعتبرونه من سلالة النبي و أنه ابن لزعيم شيعي معتبر قتله المجرم الآخر: جرذ العوجة. و لكنهم نسوا "أن الله يخرج من الطيب الميت"، و مقتدى و عصابته هم من أنذال العراق و أمواته. و في أحيان أخرى يعترفون باجراميته إلا انهم يقولون :أن جده النبي سيشفع له.

سأشير هنا إلى بعض من تلقب بالمهدي، أو جعل نفسه المهدي المنتظر، و لدي قناعة كبيرة بأنه يوجد آخرون ذكرتهم مصادر أخرى لا توجد لدي الآن، أو لم أستطع العثور عليها.

* اطلق لقب المهدي لاول مرة على الابن الثالث للامام علي بن أبي طالب المعروف بمحمد بن الحنفية، نسبة إلى أمه الحنفية، و قد لقبته بذلك الطائفة الكسيانية التي تزعمها المختار بن عبيد الثقفي. و كان محمد بن الحنفية حيا حينئذ، لكن الطائفة استمرت بعد وفاته و زوال سلطتها في تسميته بهذا الاسم مقترنا بالقول أنه لم يمت و أنه اختفى و سيظهر في موعده.

* و أطلق اسم المهدي على محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، المعروف بالنفس الزكية، و هو من أحفاد الإمام السبط الحسن بن علي، الذي ثار على الخليفة العباسي المنصور في المدينة و قتل فيها. و كان محمد من زعماء الطائفة الزيدية (نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين). لكن لقب المهدي لم يستمر بعد وفاته.
لقد خرج محمد النفس الزكية في الحجاز و تلقب بالمهدي، و جاءته عساكر المنصور، فقتل و عهد إلى أخيه إبراهيم، فقام بالبصرة و معه عيسى بن زيد بن علي، فهزما وقتلا. و كان الإمام جعفر بن محمد الصادق، حسبما كتب ابن خلدون في المقدمة، قد أخبرهم بذلك كله و "هي معدودة في كراماته".

* و مدح شاعرٌ الخليفةَ الاموي سليمان بن عبد الملك فقال:
على طاعة المهدي لم يبق غيرها........ فأبنا و أمر المسلمين جميع
و في نفس الخليفة قال الفرزدق:
و ألقيت من كفيك حبل جماعة....... وطاعة مهدي شديد النقائم
و الشاعر الفرزدق محسوب على الشعراء الذين نعتهم البعض بـ "شعراء أهل البيت". إلا أنه في هذا البيت يمدح خليفة من أعداء "أهل البيت"، آملا منه عطاء معينا. و من يقرأ كتب التاريخ الاسلامية يجد الكثير من قادة الشيعة، بما فيهم الأئمة، قد و قفوا إلى جانب الخلفاء الأمويين أو الخلفاء العباسيين الذين اعتبروهم من أعداء أهل البيت. و لكن السياسة و الحكم و "التقية" و المال لها بريق حاد يعمي الأبصار.
و مدحه جرير أيضا فقال:
سليمان المبارك قد علمتمُ..........هو المهدي قد وضح السبيل.

* ومدح الشاعر جرير أيضا هشام بن عبد الملك، أخا سليمان فوصفه كذلك بالمهدي فقال:
فقلت لها الخليفة غير شك........هو المهدي و الحكم الرشيد.

* و منح المنصور، الخليفة العباسي، لقب المهدي لابنه الأكبر محمد، الذي صار خليفة من بعده. و أوعز للشاعر مطيع بن إياس بوضع حديث نبوي ينص على مهدوية هذا المهدي العباسي. و أنشد شعراء آخرون بمهدوية هذا الخليفة.

* و تلقب بالمهدي عبيد الله، مؤسس الدولة الفاطمية في شمال أفريقيا، و رابع الأئمة المستورين للطائفة الاسماعيلية، وكانوا أيضا يدعونه بالإمام، و كان دعاته في المغرب يعلنون قبل وصوله من –سلمية- عن قرب ظهوره. إن اسم هذا المهدي هو عبد الله إلا أن أعداءه العباسيين كانوا يدعونه بـ "عبيد الله" تصغيرا لشأنه و لشأن دولته الفاطمية التي أطلق عليها أيضا اسم "الدولة العبيدية".
و كتب سهير زكار في (أخبار القرامطة) أنه "رأى في القيروان دينارين ذهبيين من دنانير المهدي ضرب الأول عام 302 هـ (914 م)، و الثاني سنة 304هـ (916 م). و نقشهما: (الإمام عبد الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله. وحده لا شريك له. و المهدي بالله أمير المؤمنين). "كما يوجد في متحف دمشق دينار ذهبي و ربع دينار يؤكدان ذلك".
و لم يقم العباسيون في تصغير اسم عبد الله الفاطمي بل أنهم أيضا طعنوا في نسبه العلوي. و لم يقف العباسيون وحدهم في طعن نسب الفاطمي بل و شاركهم في هذا الطعن أيضا قادة الشيعة الإمامية.
و ذكر زكار إلى أن المصادر الإمامية تذهب إلى أن موسى الكاظم قد مات مقتولا من قبل الخليفة العباسي هارون الرشيد و أن محمد بن اسماعيل بن جعفر الصادق (جد أعلى للفاطميين الاسماعيليين) هو الذي وشى بعمه إلى الرشيد حين دخل عليه في بغداد "فسلم عليه بالخلافة، و قال: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة".
كما و كتب: "إن مسألة الطعن في نسب المهدي –الفاطمي- و الفاطميين مسألة مرفوضة ذلك أن الكتاب السنة أخذوا بها مسايرة للدولة العباسية، التي عجزت عن التصدي للفاطميين بقوة السلاح، فلجات إلى وسيلة الطعن بالنسب عن طريق البيانات، و استغلت الثغرة التي قامت بسبب لجوء أبناء اسماعيل بن جعفر الصادق إلى التكتم و التحفز الشديد، نتيجة للملاحقة العباسية، و من المدهش أن السلطات العباسية لاحقت تحركات المهدي في طريقه من الشام إلى مصر، ثم في مصر، و منها إلى الشمال الأفريقي و كانت أثناء الملاحقة هذه ترى بداهة صحة نسبه العلوي، لذلك لم تطعنه بأصله العلوي، إنما بعدما انتصر نفت عنه هذا النسب"

و تعتبر مهدوية عبيد الله، أو عبد الله، منعطفا كبيرا جدا في تاريخ المسلمين الشيعة، حيث تأسست دولتهم التي طالما كانوا ينتظرونها. و لدى وفاة المهدي الفاطمي الاسماعيلي آلت الإمامة إلى ابنه القائم.

* المهدي القرمطي أبو سعيد الجنّابي
إن هذا المهدي قد أخبر أتباعه، قبل وفاته، بأنه سيغيب ثم يعود ثانية. و أنه ربما يأتي آخرا ينتحل شخصيته بعدئذ، فأمرهم، لكي لا يختلط عليهم الأمر، أن يقطعوا راس الذي يزعم أنه المهدي. فإذا رجع الرأس إلى مكانه فوق الجسد فإنه هو مهدييهم المنتظر و إلا فإنه من الدجالين الذين سينتحلون شخصيته.
كما و تذكر مصادر تاريخية أن القرامطة كانوا يربطون فرسا عند قبر مهدييهم كي يمكن أن يستعمله عند رجوعه و انقطاع غيبته.

و "فيما حكي عن القرامطة" كما يقول سهير زكار في كتابه (أخبار القرامطة) "انهم جاءوا بكتاب فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. يقول الفرج بن عثمان -وهو من قرية يقال لها نظرانة- داعية المسيح، و هو عيسى، و هو الكلمة، و هو المهدي، و هو أحمد بن الحنفية، و هوجبريل".

و نقل زكارعن كتاب (تثبيت دلائل النبوة) للقاضي عبد الجبار الهمذاني أنه بينما كان المغاربة من أصحاب أبي عبد الله الشيعي –داعية المهدي الفاطمي- يحملون أمتعة المهدي "وجدوا ملابس الحرير و الديباج، و أواني الذهب و الفضة، و خصيان رومة، و آثار الأنبذة، فأنكروا ذلك في أنفسهم، مع بلادة البربر، و سألوا أبا عبد الله الداعية عن ذلك. و إنما أنكروا ذلك لأن أبا عبد الله هذا كان مقيما سنينا كثيرة في كتامة يدعوهم إلى المهدي، الذي هو حجة الله، و يزعم أنه صاحبه، و كان أبو عبد الله يتقشف و يلبس الخش، و يأكل العشب، و يوعدهم عن المهدي بمثل ذلك، فلهذا أنكروا و سألوا".

و عبّر (زكار) عن دهشته بـ "أن جميع التنظيمات التي بشرت بالمهدي المنتظر جمعَ دعاتها، ممن اتبعهم، خمس مداخيلهم بغية إرسالها إلى بيت الامامة، لا للتخفيف عن المظلومين بل لرفاه و نفقات الامام. إلا انه استثنى قسم من القرامطة من ذلك فكتب: "إن حركة واحدة تمردت بعض أطرافها على هذه القاعدة و قاعدة الزعامة الارستقراطية هي حركة القرامطة و ذلك مع أبي سعيد الجنّابي".

إن التخميس و عمليات أخرى مشابهة يعاني منها الفرد المسلم –في هذه الحالة الشيعي- فهي ضريبة تعطى لمحترف الدين باسم سهم الامام و هي خُضمة يقوم بها محترف الدين، ممن يدعون أنهم من سلالة النبي، ليخضم جزء كبيرا من أرباح شخص عانى في الحصول عليها. و الخمس لا يذهب فقط لمحترف الدين "المسؤول"، بل و أيضا يستطيع الانقضاض عليه و خضمه شخص إعتيادي يعتبر نفسه من سلالة النبي و يسمي نفسه بـ "السيد"، إذ أنه يعتبرها حصة "جده" النبي، و لكنه ينزلها في جيبه وحده و ينسى أن للنبي "أحفادا" آخرين غيره، و لكن الوضع أصبح لمثل هذا "السيد" "كلمن و إله" و "الشاطر ينزل الخمس بجيبه"، و "الشاطر يخلي العنب بسلته". و بهذا فإنه لا يشارك أقرانه "السادة" الآخرين في الخمس.
و هنا يحضرني سؤال وجهه لي أحد الأصدقاء: "هل على ما يسمى بـ "السيد" تقديم الخمس؟ أم هو ضريبة يقوم بها فقط "العبيد"، عبيد الله، من غير "السادة"؟

وتحضرني طريفة عن محترف دين يجمع الصدقات من أنصار دينه، و بعد جمعها يرميها إلى الأعلى و هو جالس تحتها و يقول: "يا إلهي! ما يبقى في السماء فهو لك أيها الساكن في السماء و ما يسقط على الأرض فهو لي، أنا الذي أعيش على الأرض" . و في هذه الحالة لا يبقى لله أي شيء. و لا هواء السماء و لا هم يحزنون، و الذي ينزل إلى الأرض يصبح في جعب محترف الدين.

و لا يمكنني هنا إلا أن أذكر ايضا أن هناك أشخاصا يوزعون "خمسهم" مباشرة، و بـ "شفقة" على الفقراء الذين يعرفونهم، دون أن يعطوا شيئا إلى محترف الدين أو إلى "السيد"، و إذ أنا أحيي مثل هؤلاء الأشخاص إلا أنني أؤكد أنه يجب على الدولة، بحكومتها المنتخبة ديمقراطيا، القيام بأعمال الخير و المساعدات الانسانية و الاجتماعية و غيرها، فهو من واجباتها. و يجب أن تكون هذه المساعدات قانونية و واضحة و شفافة، شفافية الماء الزلال. و على الناس دفع ما هو عليهم من ضرائب، كل حسب دخله، لا فرق في ذلك بين "السادة" و "باقي الناس". و بهذا فإن الشخص المحتاج سوف لن يعرض نفسه إلى "فضل و شفقة و مِنِّية" هذا أو ذاك، و إلى أن يجعل نفسه عرضة لذل هذا أو ذلك، بما في ذلك تعريض نساءه إلى المتاجرة.

* في الوقت الذي أعلن فيه الاسماعليون مهديهم فإن الشيعة الإثنى عشرية قد اعلنوا مهديهم في شخص الامام الثاني عشر، المهدي بن الحسن. فالمهديان، الاسماعيلي و الاثنى عشري متزامنان. و قد تمسك الشيعة الاثنى عشرية و لا يزالون بمهديهم.
و في الوقت الذي اعتمدت الاسماعيلية الرقم (7)، و أعجبت به، و قالت، كما ذكر سهير زكار: "إن السماوات سبع، و الكواكب السيارة سبع، و الأرضين سبع، و أعضاء الإنسان سبعة، و النقب في الرأس سبعة، و الأنبياء ذوي العزم أيضا سبعة"، فإن الشيعة الإثنى عشرية أعجبت بالرقم (12).

* و ذكر ابن خلدون في (المقدمة) أنه "ظهر في غمارة في آخر المائة السابعة و عشر التسعين منها – في محل آخر من المقدمة في أوائل المائة الثامنة- رجل يُعرف بالعباس، و ادعى أنه الفاطمي، و اتبعه الدهماء من غمارة، و دخل مدينة بادس عَنوة و حرق أسواقها و ارتحل إلى بلد المزمة، فقتل بها غِيلة و لم يتم أمره".
" واتبع نعيقه الأرذلون من سفهاء تلك القبائل وأغمارهم وزحف إلى بادس من أمصارهم ودخلها عنوة ثم قتل لأربعين يوما من ظهور دعوته ومضى في الهالكين الأولين". و كثير من هذا النمط".

* و ذكر ابن خلدون أيضا "وقد كان لأول هذه المائة (الثامنة الهجرية و عصر السلطان يوسف بن يعقوب) خرج بالسوس رجل من المتصوفة يدعى التوبذري عمد إلى مسجد ماسة بساحل البحر هناك وزعم أنه الفاطمي المنتظر تلبيسا على العامة هنالك بما ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك وأن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش ثم خشي رؤساؤهم اتساع نطاق الفتنة فدس إليه كبير المصامدة يومئذ عمر السكسيوي من قتله في فراشه".

* وذكر ابن خلدون في (المقدمة) أنه اخبره الشيخ محمد بن إبراهيم الأبلي "أنه صحب في حجه في رباط العباد، وهو مدفن الشيخ أبي مدين في جبل تلمسان المطل عليها، رجلا من أهل البيت من سكان كربلاء كان متبوعا معظما كثير التلميذ والخادم قال وكان الرجال من موطنه يتلقونه بالنفقات في أكثر البلدان قال وتاكدت الصحبة بيننا في ذلك الطريق فانكشف لي أمرهم وأنهم إنما جاءوا من موطنهم بكربلاء لطلب هذا الأمر وانتحال دعوة الفاطمي بالمغرب فلما عاين دولة بني مرين ويوسف بن يعقوب يومئذ منازل تلمسان قال لأصحابه ارجعوا فقد أزرى بنا الغلط وليس هذا الوقت وقتنا".

* المهدي الموحدي صاحب الدرهم الذي، كما ذكر ابن خلدون، جاء على أثر المرابطين "داعيا إلى الحق آخذا بمذاهب الأشعرية ناعيا على أهل المغرب عدولهم عنها إلى تقليد السلف في ترك التأويل لظواهر الشريعة وما يؤول إليه ذلك من التجسيم كما هو معروف في مذهب الأشعرية وسمى أتباعه الموحدين تعريضا بذلك النكير وكان يرى رأي أهل البيت في الإمام المعصوم وأنه لا بد منه في كل زمان يحفظ بوجوده نظام هذا العالم".
"ولقد كان المهدي فيما ينقل ينعت قبل ظهوره بصاحب الدرهم المربع نعته بذلك المتكلمون بالحدثان من قبله المخبرون في ملاحمهم عن دولته". "ولما جاءت دولة الموحدين كان مما سن لهم المهدي اتخاذ سكة الدرهم مربع الشكل وأن يرسم في دائرة الدينار شكل مربع في وسطه ويملأ من أحد الجانبين تهليلا وتحميدا ومن الجانب الآخر كتبا في السطور باسمه واسم الخلفاء من بعده"

* و كتب المقري في (نفح الطيب) بيت شعرٍ للنحوي أثير الدين، أبي حيان الغرناطي، ينعت فيه ابن تيمية بالإمام المنتظر:
كنا نحدث عن حبر يجيء فها..... أنت الإمام الذي قد كان ينتظر
و كان ابن حيان من أتباع ابن تيمية إلا أنه انحرف عنه لأسباب منها: أنه قال له يوما: كذا قال سيبويه، فقال ابن تيمية: يكذب سيبويه. فانحرف ابن حيان عنه.

* و نرى في هذه الأيام أتباعا مجرمين لإبن تيمية، من أمثال الوهابيين و غيرهم، يعتقدون بأن الارهابي ابن لادن هو المهدي أيضا. ففي إحدى جلساتي مع أحد المغاربة السلفيين الذي زارني في محل عملي أثناء دخول القوات الأمريكية و حلفائها في أفغانستان، أخبرني بان بن لادن قد يكون المهدي. فذكرت له أن هناك حديثا للنبي محمد، "وانت تؤمن بهذا الحديث، مثلك مثل السلفيين الآخرين"، مفاده أن المهدي يجب أن يكون اسمه محمد و اسم أبيه عبد الله. فهل بن لادن يحمل ذلك الاسم أيضا؟ أم أن الحديث مختلق؟

* و على أحد المواقع الانترنيتيه الوهابية قرأت أنهم يقولون عن ان الشيعة تقول بمهدية الخميني. و لكنني لحد الآن لم أقرأ أو أسمع عن شيعي يقول ذلك.
لحد الآن!!

* و ذكر المستعرب الروسي فلاديمير بوريسوفيتش لوتسكي في كتابه –(تاريخ الأقطار العربية الحديث)- انه في شهر آب من عام 1881 م، المصادف شهر رمضان، نشبت في السودان ثورة عامة ضد النير الأوروبي. و قاد هذه الثورة الدرويش المتجول (محمد أحمد)، الذي أعلن أنه المهدي المنتظر.
ولد محمد أحمد في عام 1843 بإحدى جزر النيل بالقرب من مدينة دنقلة. و كان والده نجارا. و بعد وفاة والده، التحق بالطريقة الاسلامية الدينية السمانية في مدينة بربر (المخيرق) في شمال السودان. و درس هناك اللاهوت و أصبح بعدما أنهى المدرسة درويشا متجولا. و استوطن في نهاية المطاف في جزيرة آبا الواقعة في جنوب الخرطوم على النيل الأبيض، حيث كان أخوته يمارسون حرفتهم. و أمست هذه الجزيرة بؤرة انتشرت منها إلى جميع أنحاء البلاد تعاليم الدراويش المتجولين. و دعا أتباعها إلى التنسك. و أشاروا إلى أن فساد الأخلاق يحل في البلاد و بأن سببه الأتراك و المصريون و الاوربيون، و بأن الأتراك و المصريين هم مسلمون كاذبون و مرتدون.
كان الفلاحون و البدو الرحل و الرقيق و الحرفيون هم القوة الدافعة لثورة المهدي السوداني. و ذكر لوتسكي عن عبد الله التعايشي، الذي أصبح بعد وفاة المهدي خليفة له، أن زرافات من الشعب البائس قد تدفقت إليهم، و أن الأثرياء و الميسورين ابتعدوا عنهم و لم يكترثوا إلا بثرواتهم، التي نعتها التعايشي بـ "الأوساخ الدنيوية"، و" التي ألهتهم عن معرفة و تذوق الفردوس الحقيقي".
و دعا المهدي أتباعه إلى الجهاد المقدس و سماهم بالأنصار اسوة بالنبي محمد. و وعد كل من يسقط في المعركة بالسعادة الأبدية و من تكتب له الحياة "يبرطله" بأربعة أخماس جميع الغنائم. أما الخمس الباقي فينزل بالجيب لمصروفات و منثورات المهدي السوداني و حاشيته.
و كتب لوتسكي أن السلطات الانكليزية في تلك الحقبة من الزمن قد دبرت المناورة التالية: فنظرا إلى أن الثورة كانت موجهة ضد السيطرة المصرية ، قرر الانكليز إعلان استقلال السودان عن مصر، و مقابل ذلك قرروا تعيين الانكليزي غوردون حاكما عاما على السودان. و بكلمة أخرى، أنهم أرادوا التواطؤ مع المهدي ليجعلوا السودان، بمساعدته، مستعمرة انكليزية. إلا أن المهديين اكتشفوا هذه المناورة، و لم يكن في نيتهم تقديم السودان إلى السلطة الانكليزية فردوا على اقتراح غوردون بضرب الحصار على الخرطوم ابتداء من آذار 1884.
و قد ذكر لوتسكي إلى أن فريدرك أنجلس تكلم في مؤلفه (بصدد تاريخ المسيحية البدائية) عن الحركة المهدية السودانية بالنسبة إلى الحركات الشعبية الدينية الأفريقية في القرون الوسطى. و اعتبر هذه الحركات كنزاعات بين الرحل الفقراء و أبناء البلد الميسورين. و بهذا الصدد كتب أنجلس " أن أبناء البلد يصبحون أثرياء و ينهمكون في الترف و يستخفون بمراعاة الشريعة. و ينظر البدو الذين يعيشون في شظف العيش و يتمسكون، بسبب الفقر، بآداب صارمة، إلى هذه الثروات و المتع بحسد و طمع. و هكذا يتوحدون تحت زعامة نبي ما، المهدي، لعقاب المرتدين عن الدين و لبعث الاحترام إلى الطقوس و الدين الصحيح (!) ، و ينتزعون الثروة من المرتدين كمثوبة لهم. و بعد انصرام 100 عام أو ما يقرب من ذلك يجدون أنفسهم في الوضع ذاته بالضبط، الوضع الذي كان فيه أولئك المرتدون، فيتوجب عندئذ تطهير المعتقدات مجددا، فيظهر مهدي جديد و تبدأ اللعبة ذاتها مرة أخرى. و هكذا كان الوضع عند الحملات التوسعية التي قام بها المرابطون و الموحدون الأفريقيون في أسبانيا"

إن فترة الـ (100 عام) التي قال بها أنجلس لا يمكن تطبيقها على "مهدويي" العراق، بكل أنواعهم. إذ أن هؤلاء نسوا شظف العيش و ارتدوا في لمح البصر، و لا فرق بين بعثيي و اسلامويي (جيش المهدي) او غيرهم، عربا أو أكرادا، فالكل في حزام واحد، و هم بعملهم يؤكدون الاغنية العراقية:
"كرد و عرب فد حزام."
تنتشر في كتب التاريخ الاسلامية أحاديث تنسب إلى النبي محمد و تعلق على لسانه، و كان المحدثون، و لا يزالون، يعلقون ملابس خرافاتهم و تصوراتهم على شماعته، و لا أعرف هل ستتحمل هذه الشماعة كل هذه الخرافات و الاساطير؟ و إلى أي مدى؟ و لو يتمكن المرء من إحصاء الساعات التي استغرقت في قول احاديث النبي لوجدها قد أخذت من عمر النبي كثيرا و ربما يفوق الزمن الذي استغرق قولها عمر النبي نفسه. و في هذه الاحاديث نجد الكثير من الغث و السمين و منها يمكن استخراج أي شيء قد أعجب مخترعها، أو مستخدمها، فهي كقبعة الساحر أو كيس الحاوي. و بعضها ربما يتوافق مع بعض أو ربما يختلف عنه.

لقد كتب (مروان خليفات) في كتابه (و ركبت السفينة) بأن أبا زرعة الرازي أقر بأن "حديث النبي لا يُحصى" و نقل عن (خلاصة التهذيب) أن أحمد بن الفرات كتب "ألف ألف و خمسمائة ألف حديث".

أما محمود أبو رية فقد كتب في (أضواء على السنة المحمدية) أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة رواية "و قد صحب ثلاث سنين و عمَّر بعده (ص) نحوا من 50 سنة، و لهذا كان عمر و عثمان ينكرون عليه و يتهمونه و هو أول راوية اتهم في الاسلام".
و الجدير بالذكر أن أبا هريرة كان يؤخذ عنه في كافة المذاهب الاسلامية، بما فيها المذهب الشيعي الإمامي. و من يطالع كتاب آمالي المرتضى يمكنه العثور على ذلك. و عند ذكر المرتضى أكتب ما ذكره ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) بأنه "كتب ببغداد محضر يتضمن القدح في نسب العلويين خلفاء مصر –الفاطميين- وكتب فيه المرتضى، وأخوه الرضيّ، وابن البطحاوي العلوي، وابن الأزرق الموسوي، والزكي أبو يعلى عمر بن محمد، ومن القضاة والعلماء ابن الأكفاني، وابن الخرزي، وأبو العباس الأبيوردي، وأبو حامد الاسفرايني، والكشفلي، والقدوري، والصيمري، وأبو عبدالله بن البيضاوي، وأبو الفضل النسوى، وأبو عبدالله بن النعمان فقيه الشيعة، وغيرهم." و قد دافع ابن خلدون عن النسب العلوي لفاطميي مصر.

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي محمد كتب أبو رية أن "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليمحه". و على الرغم من أمر النبي بعدم كتابة الحديث فإننا نجد مئات الآلاف من الأحاديث التي تنسب الى النبي. و كتب أبو رية عن عبد الله بن يسار أنه قال: "سمعت عليا يخطب يقول: أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم و تركوا كتاب ربهم"
و كتب أبو رية "إن الأحاديث التي جاءتهم عن رسول الله (ص) قد رويت عنه بمعناها، لما لم يستطيعوا أن يأتوا بها على حقيقة مبناها، لنسيان أصلها أو لمضي الزمن عليها.." و كتب أيضا: "فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة و لا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية، فيها مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها و لا يعد أحد منهم مخالفا لأصول الدين.". "وقد بلغ من أمرهم أنهم يضعون الحديث لأسباب تافهة، و من أمثلة ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي، قال: كنت عند سعد بن طريف فجاءه ابنه من الكُتّاب يبكي. فقال له: مالك؟ قال: ضربني المعلم, قال: لأخزينهم اليوم". "حدثنا عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: "معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم و أغلظهم على المساكين".

و عن كتاب (بحث حول المهدي) لـ (محمد باقر الصدر) نجد "أن فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموما، و في روايات أئمة أهل البيت خصوصا.......و لقد أحصي أربعمائة حديث عن النبي ... كما أحصي مجموع الأخبار الواردة في الامام المهدي من طرق الشيعة و السنة فكان أكثر من ستة آلاف رواية. هذا رقم احصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الاسلام ..."

و في كلمات (الصدر) نجد:
- كلمة "فكرة"، و يمكن أن نفسر هذه "الفكرة" إلى أن المهدي قد تحول من "حقيقة"، كانت واقعة سابقا و تغيبت عن أنظار الناس، ليصبح "فكرة" ينتظر تحقيقها.
- و أن المهدي يأتي لتغيير العالم "الدنيوي" نحو الأفضل(؟!)، لا لكي ينتقم و يثأر و يقتل و يكون علامة من علامات نهاية الزمان و موت الدنيا.

إلا أن الدليل على صحة هذه الفكرة لا يؤكدها أبدا وجود هذا العدد الهائل من الروايات، بل على العكس إن وجود هذه الكثرة من الأحاديث و الروايات هو دلالة على عدم تصديق الناس لفكرة المهدي و لا بوجوده المتخلد. و لو أن الناس يُتركون ليُعبروا عن أفكارهم بحرية و بدون تسليط سيف إرهاب الدين عليهم و تخويفهم به و بناره لكانوا قد صرحوا بجهر بعدم تصديقهم. و تصبح الصراحة أكثر لو كان الناس يعيشون في بحبوحة و رفاه، منعمين في العلم و بعيدين عن الجهل الذي يغمر المجتمعات الاسلامية. إلا أن المسلمين يعيشون في فقر مدمن و جهل دائم.

إن هناك قول لغوبلز، الوزير النازي الشهير: إكذب، إكذب حتى يصدقك الناس. و خلف كذب النازيين و خرافتهم في تفوق العنصر الآري، ركض الملايين من الألمان. و لم يوصلهم ركضهم إلا إلى محارق الحروب و الدمار. و على خطاهم يسير إرهابيو الاسلام الموعودون بجنون بالجنة و حورها و غلمانها فنراهم يقتلون و ينتحرون و يعطون للعالم أسوء الأوصاف و الآراء عن الاسلام و المسلمين.

و كتب الصدر: "إنّ الذين كتبوا في قضية المهدي كثيرون جداً، قديماً وحديثاً، ومنهم من أفرده بكتاب مستقل ومنهم من كتب فصلاً أو فصولاً، وقد احصى عبد المحسن العباد في بحثه المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية الصادرة بالمدينة المنورة أكثر من عشرة مؤلفين من أجلاء علماء أهل السنّة." و "قد نقل الشيخ العباد أن رواة حديث المهدي من الصحابة ستة وعشرون راويأ ، أمّا الأئمة الذين خرّجوا الأحاديث والآثار الواردة في المهدي فيبلغ عددهم ثمانية وثلاثين". "أمّا عند الشيعة فهناك عشرات الكتب والرسائل التي كتبت ونشرت قديماً وحديثاً".

و محمد باقر الصدر الذي يلقب بـ "الصدر الاول" هو مؤسس حزب الدعوة الاسلامية في العراق، الذي كما يقول عنه بعض أعضائه أنه تأسس في أواخر الخمسينيات. و بعد القضاء على حكم جرذ العوجة بمساعدة القوات الأمريكية، يجلس نوري المالكي، أحد قياديي هذا الحزب في هذا الوقت على كرسي رئاسة الوزراء العراقية، مثلما جلس الدعوتي ابراهيم الجعفري و البعثي علاوي على نفس الكرسي. و قد حصلت في هذا الحزب انشقاقات عديدة، و لا تزال، آخرها انشقاق ابراهيم الاشيقر- الجعفري رئيس الوزراء االسابق. و الجدير بالذكر أن أحد هذه الانشقاقات قد تم في مؤتمر في طهران سمي بـ "مؤتمر الإمام المهدي". و ستستمر الانشقاقات ما لم يتم تقسيم "حثو المهدي"، أو كما يقول العراقيون تقسيم "التمن و القيمة"، تقسيما و محاصصة يرضيان الجميع...فهل هناك من يقسم هذا التقسيم و يحصص بشكل يرضي الجميع؟؟

و هنا أعرض بعض الاحاديث النبوية التي تتعلق بموضوع المهدي و التي كتبها ابن خلدون في مقدمته.
فتحت عنوان (في أمر الفاطمي و ما يذهب إليه الناس في شأنه و كشف الغطاء عن ذلك) ذكر ابن خلدون في (المقدمة) أن:
* "المشهور بين كافة أهل الاسلام على مر الأعصار، أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل يؤيد الدين، و يظهر العدل، و يتبعه المسلمون، و يستولي على الممالك الاسلامية، و يسمى بالمهدي".
و من كلام ابن خلدون يمكننا أن نفهم:
1) أن المهدي سيظهر في نهاية الحياة، في آخر الزمان.
2) و أنه سيكون رجلا لا امرأة. و كيف يكون امرأة؟ و المرأة شر كلها بنظر المسلمين؟! و أن الدين الاسلامي هو دين فحولي.
3) لم يحدد ابن خلدون نوعية العدل الذي سيظهره المهدي، إذ أن مفهوم العدل يختلف بين شعب و آخر و بين طائفة اسلامية و أخرى، إذ أنه من هو مسلم في نظر فرقة هو كافر أو صاحب بدعة أو أعوج في نظر فرقة اسلامية أخرى.
4) و لم يحدد ابن خلدون أي نوع من المسلمين الذين سيتبعون المهدي، فشروط المسلم و صفاته تختلف من فرقة إلى أخرى. لكنني أظن أنه يجب أن يكون واحدا ينتمي إلى تلك الفرقة الناجية من النار والتي حدث بها النبي محمد.
5) و لم يذكر ابن خلدون الممالك غير الاسلامية، و هذا يعني أن استيلاء المهدي سيكون فقط "على الممالك الاسلامية" و بهذا فإن ابن خلدون يعني بعدم عولمة المهدي، بل أنه فقط سينشغل بالممالك الاسلامية.

ثم ذكر ابن خلدون شرطا آخرا لخروج المهدي و لنهاية العالم فكتب:
"و يكون خروج الدّجال و ما بعده شرط من أشراط الساعة" و "أن عيسى ينزل من بعده -بعد المهدي- فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله. و يأتم بالمهدي في صلاته". إلا أن الحارث بن أبي أسامة روى في مسنده عن جابر أن النبي محمد قال:
* " ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض تكرمة الله لهذه الامة".

أما (الحائري) فقد كتب عن "الساعة" و نقل في كتابه (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب) عن محادثة جرت بين النبي و عمر بأنه:
* "لا تقوم الساعة حتى يبغض الناس من أطاع الله و يحبون من عصى الله".

و لم يذكر ابن خلدون في كلماته المذكورة سابقا نوع الصلاة، و على طريقة أية طائفة سيصلي المهدي، مسرح الذراعين أو مكتف؟. إلا أنه أضاف الحديث المنسوب للنبي:
* "من كذّب بالمهدي فقد كفر و من كذّب بالدجال فقد كفر"
و بهذا فقد وُُضع على لسان النبي، شرطا آخرا على الانسان لكي لا يكون كافرا، أو غير مسلم، ألا و هو الإيمان بالثنائي: المهدي و الدجال. و لم يعد كافيا على المسلم النطق بالشهادتين، بل يجب عليه أيضا الاعتقاد أيضا بالمهدي و بالدجال. و تكبر كرة اسطورة المهدي بدجالها و لم تتوقف بعد.

و بقانون أو شرع "المسلمين جداً" فإن الكافر يُقتل و تقطع رقبته. فكم في العالم من البشر لا يؤمن بالإسلام فكيف به ان يؤمن بالمهدي أو بالدجال!!

و الحائري أعطانا شكل الدجال فجعله أعورا، و كتب "أن الأعور الدجال يخرج من بلدة يقال لها يهوداء و هي قرية من قرى اصفهان و هي بلدة من بلدان الأكاسرة له عين واحدة في جبهته كأنها الكوكب الزاهر راكب على حمار خطوته مد البصر و طوله سبعون ذراعا و يمشي على الماء مثل ما يمشي على الارض". إن الحائري اقتبس من الأسطورة الأغريقية عن (السكلوبس) ليعطي شكلهم إلى المهدي الدجال. و قبل بضعة سنوات خرجت إحدى الصحف الباكستانية لتكتب بأنه قد ظهر الدجال في باكستان و نشرت له صورة بنفس مواصفات الحائري.
و ليس المهدي الدجال وحده يستطيع المشي "على الماء مثل ما يمشي على الأرض"، بل أن أصحاب المهدي "الحقيقي" يستطيعون المشي على الماء أيضا. فينقل الحائري عن (غيبة النعماني) أنه إذا قام القائم، و يعني به المهدي، "يبعث جندا إلى القسطنطينية فإذا بلغوا إلى الخليج كتبوا على أقدامهم شيئا و مشوا على الماء فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا هؤلاء أصحابه يمشون على الماء فكيف هو؟ فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون"
و يعطي الحائري أيضا عمرا طويلا للمهدي الدجال شأنه شأن المهدي "الحقيقي" إذ ينقل عن شهاب الدين المعروف بملك العلماء، عن كتابه (هداية السعداء)، عن جابر بن عبد الله أنه دخل "على فاطمة بنت رسول الله (ص) و بين يديها ألواح فيها أسماء أئمة ولدها...أولهم زين العابدين أي التسعة من ولد الحسين (ع) و الثاني الامام محمد الباقر ... و التاسع الامام حجة الله القائم المهدي..وهو غائب وله عمر طويل كما بين المؤمنين عيسى و إلياس و خضر و في الكافرين الدجال و السامري".
و لم أستطع البحث لأعرف اين أصبحت هذه الألواح الفاطمية، و هل يعني الحائري بها بأنها ألواح حقيقة أم رمزية أم مجازية؟

و الحقيقة أن هناك كتابا مسلمون آخرون قد أضافوا شروطا أخرى، لكي يكون الشخص مسلما، منها:
* أداء الصلاة
*و صوم رمضان
* و حج الكعبة
* و اطاعة ولي الامر
* و الزواج
* ووو.....
و إلا فإن الانسان معرضا للقتل و النحر. و الطريف في الامر أن إرهابيي هذا الوقت هم جلهم من أتباع أفكار ابن تيمية الذي لم يكن قد تزوج، لسبب في قلبه، و لم يحج الكعبة، لكن أتباعه يفرضون حجها على الغير.
و عن ابن تيمية كتب ابن بطوطة في (رحلة ابن بطوطة) أنه "كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون. إلا أنه في عقله شيئا". و هذه الكلمات: "في عقله شيئا"، جعلت المحقق، أو المعلق على كتاب ابن بطوطة، محمد السعيد محمد الزيني، أن يقول: "لقد آذى هذا المصنف بالتعرض لمثل هذا الجبل الضخم، العلم الفذ، شيخ الاسلام، إمام أهل السنة في عصره و إلى يومنا هذا".
إن كل فرقة لها جبل ضخم صنم!!

و في هذا المكان لا بد و أن أذكر ما كتبه القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه (العواصم من القواصم)، و ذكره ابن خلدون، ما معناه بأن الحسين قد قتل بشرع جده. فهل كان الحسين كافرا؟ أم أن ابن العربي كان من المتطرفين و الإرهابيين السابقين؟

و نقل ابن خلدون حديث:
* "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي، و اسم أبيه اسم أبي"، ليبين لنا:
1) حتمية خروج شخص اسمه محمد و اسم أبيه عبد الله، و على الرغم من عدم وجود ذكر لاسم المهدي في هذا الحديث إلا ان البعض يقولون عنه بأنه هو المهدي، و بهذا فقد حدد مسبقا اسم المهدي و اسم أبيه.
2) و أنه إذا لم يظهر المهدي فإن هناك يوم، أخير، سيطول، بدون تحديد، إلى أن يظهر المهدي.
و عن تطويل اليوم أوتغيير طبيعة حركة الشمس هناك أساطير عديدة، و من عدة ثقافات تتحدث عن إطالة اليوم:
* فهناك اسطورة أغريقية تقول أن الإله زيوس أمسك برباط أحصنة عربة الشمس، ألتي كانت تخرج من الغرب و تتجه نحو الشرق، فحول إتجاهها إلى العكس. و هكذا أصبحت الشمس و معها سائر النجوم تسير من الشرق إلى الغرب.

* اسطورة الشمس العبرية.
ففي سفر يشوع (10:13) يمكننا أن نقرأ: "فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر ؟ فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل".
أما في سفر إشعيا فيمكننا أم نقرأ: " مرِضَ حِزْقيَّا مرَضًا أشرَفَ بهِ على الموتِ، فجاءَهُ إشَعيا بنُ آموصَ النَّبيُّ وقالَ لَه: «يقولُ الرّبُّ: ضَعْ وصيَّتَكَ لأهلِ بَيتِكَ لأنَّكَ تموتُ ولا شِفاءَ لكَ». فأدارَ حِزْقيَّا وجهَهُ إلى الحائِطِ وصلَّى إلى الرّبِّ. وقالَ «أُذكُرْ يا ربُّ كَيفَ سِرتُ أمامَكَ بالحقِّ وسلامةِ القلبِ، وكَيفَ عَمِلتُ الخيرَ بحَسَبِ مشيئتِكَ». وبكى حِزْقيَّا بُكاءً مُرُا. فقالَ الرّبُّ لإشَعيا: «إِذهَبْ وقُلْ لِحِزْقيَّا: يقولُ لكَ الرّبُّ إلهُ داوُدَ أبيكَ: سمِعتُ صلاتَكَ ورأيتُ دُموعَكَ، وها أنا أُطيلُ أيّامَكَ خمسَ عشْرَةَ سنَةً. وأُنقِذُكَ مِنْ يدِ مَلِكِ أشُّورَ وأحمي هذِهِ المدينةَ. والعَلامةُ على أنِّي أُحقِّقُ ما أتكلَّمُ بهِ هوَ أنِّي أردُّ الظِّلَ على الدَّرَجاتِ التي بناها المَلِكُ آحازُ عَشْرَ دَرجاتٍ إلى الوراءِ. فرَجعتِ الشَّمسُ بِظلِّها عَشْرَ دَرجاتٍ كانَت نَزَلَتْها".
و يظهر مما ورد في هذا السفر أن الملك حزقيا كان متمسكا بالدنيا و حلاوتها، و كان يبكي بكاء مرا لكي لا يفارقها.

* اسطورة إطالة اليوم، و توقف الشمس عن الحركة، لكي لا يقضي النبي محمد صلاته.

* و إذا كانت الشمس قد توقفت مرة واحدة عندما تأخر النبي محمد عن صلاته، فإن اسطورة صلاة الامام علي تتضاعف، إذ أن الشمس توقفت مرتين.
و في هذا كتب أحد الشعراء الحسينيين و باللغة العربية العراقية هذه الأبيات الشعرية:
هاك أخذ من من معجزاته
حيدر معروفه صفاته
شمس الكونين
ردّت مرتين
حتَّـه لا يقضي صلاته.
هاك أخذ من معجزاته.

* و كتب الحائري، و هو يفسر كلمات من التوراة، أن إيليا هو اسم علي، و "أنه سيظهر في أوان الظهور-أي ظهور المهدي-. عندها تقف الشمس في مركزها عن المسير ساعة فيظهر وجهه –أي وجه علي- و بهائه بحيث يعرفه الناس و ينادي: أن بعث الله باقيا يعني الصاحب.."

3) و نجد في هذا الحديث أيضا أن هناك نوعا من الشك إذ أن الحديث لا يحدد من أي صلب سيخرج الرجل (المهدي)، هل هو من صلب النبي أم من صلب واحد من أهل بيته.
إلا ان ابن خلدون يذكر حديثين آخرين فيقول عن لسان النبي:
* "لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جَورا".
* و "لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض جورا و ظلما و عدوانا، ثم يخرج من أهل بيتي رجل يملؤها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و عدوانا".
و هنا نجد أن الرجل الموعود هو من بيت النبي ويظهر لنا "شرطا" آخرا لظهور المهدي، ألا و هو امتلاء الأرض بالجور. إلا أن هذا الشرط مستحيل تحقيقه إذا صدقنا ما كتبه الحائري عن الإمام الحسين بأنه ذكر "أن الأرض لن تخلو إلا و فيها عالم كلما زاد المؤمنون شيئا ردهم -أي الله- و إذا نقصوا أكملهم". اي أن المؤمنين في توازن إلهي. فكيف تمتليء الأرض بالجور و عليها يدب المؤمنون؟! و لا أعرف ما هي الحكمة التي يريدها الله بأن لا يكون كل الناس مؤمنين، و بهذا يلغي دور محترفي الدين من التبشير به!!
ثم يذكر ابن خلدون أن الامام علي نظر إلى ابنه الحسن و قال: "إن ابني هذا سيد كما قال رسول الله، سيخرج من صلبه رجل يُسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق و لا يشبهه في الخَلق يملأ الأرض عدلا".
من هذا الكلام يُفهم ان المهدي هو من صلب الحسن لا من صلب الحسين كما تقول به الشيعة الاثنى عشرية
و في موضع آخر يحدد ابن خلدون المهدي بذكر الحديثين:
* "المهدي من ولد فاطمة" و
* "نعم هو حق و هو من بني فاطمة".

أما محمود أبو رية فإنه قد ذكر عن المهدي أن "المشهور في نسبه أنه علوي فاطمي من ولد الحسن، و عن الشيعة الإمامية أنه من ولد الحسين".

صفات المهدي

* كتب ابن خلدون حديث: "المهدي منّي أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الارض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا يملك سبع سنين". هذا ما كتبه ابن خلدون عن المهدي الذي لم يولد بعد.

* أما الحائري في كتابه (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب) فيذكر عن المهدي الامامي المولود، و الذي يعيش لحد هذا اليوم، بأنه "عربي اللون إسرائيلي الجسم".
و لم أعرف بعد ما يعني الحائري بـ "إسرائيلي الجسم"، إلا أن هاتين الكلمتين تدلان على علاقة اسطورة المهدي الاسلامية باسطورة المشيح العبرية (أو سمها اليهودية). و المعروف لدى المسلمين من العامة العرب، و أظن لدى المسلمين من غير العرب، أن لهم قناعة ما بأن هناك شكل من أشكال الأنوف التي ينعتون بها صاحبها بـ "أنه ذو أنف يهودي" و أنه: "لا بد أن يكون له أصلا يهوديا". و هكذا فإن قد قيل عن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر أنه من أصل يهودي لأن شكل أنفه كان "كذلك". و لا يسلم كل من له شكل "أنف يهودي" من إرجاعه إلى أصله "اليهودي" عندما يلاقي أمامه عدوا "مسلما". و قد لاقى الفيلسوف الأندلسي الكبير ابن رشد من أعدائه مثل ذلك، فردوه إلى ماقيل أنه أصله اليهودي. فشهّروا بأن جده السابع كان يهوديا و لهذا أبعدوه إلى مدينة اليسانة التي كان الكثير من اليهود الاندلسيين يقطنونها.

* وفي مكان آخر من كتابه يذكر الحائري أن المهدي شبيه لوالده أي إذا صحّت المواصفات التي كتبها علي دخيل في كتابه (أئمتنا) عن الإمام الحسن العسكري فإنه سيكون "أسمر، أعين، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، له جلالة وهيبة"

* و عن نفس المهدي الامامي كتب دخيل أنه "ناصح اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخد، أقنى الأنف، أشم أروع كأنه غصن يان، و كأن صفحة غرته كوكب دري، بخده الأيمن خال كأنه فاتة مسك على بياض الفضة، برأسه وفرة سمحاء سبطة تطالع شحمة أذنه، له سمت، ما رأت العيون أقصد منه، و لا أعرف حسنا و حياء."

* و للمهدي الإمامي، شأنه شأن باقي الأئمة الإثنى عشر، صفات أخرى يذكرها (الحائري) و ينسب ما كتبه إلى الإمام الرضا: فهو
- "أعلم الناس و أحكم الناس و اتقى الناس و أحلم الناس و أشجع الناس و أسخى الناس و أعبد الناس"
- "يولد مختونا و يكون مطهرا". و بهذه الصفة فإن الأئمة افضل من النبي إبراهيم الذي تم ختانه على عمر متقدم. إن فكرة ولادة النبي نوح مختونا موجودة أيضا في الأساطير العبرية، و يذكر ذلك (روبرت غريفز) مؤلف كتاب (الاساطير العبرية) الذي يعتمد على سفر التكوين من كتاب التوراة.
- "و لا يكون له ظل": هل يعني هذا أن إذا وقف في الشمس فلن يكون له ظل؟ أم هناك تفسير آخر لهذا الظل؟
- "و إذا وقع إلى الأرض من بطن أمه وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين"

و يمكن للقارئ أن يجد في كتب التاريخ العربية اسطورة، كان يقول بها خال جرذي العوجة وواعظ البعثيين: خير الله طلفاح، بأنه في إحدى الحروب بين المسلمين و أعداء لهم تم قطع رأس لأحد المسلمين و فصله عن جسده. و على الرغم من ابتعاد الرأس عن الجسد بضعة أمتار فإن لسان القتيل المسلم نطق بالشهادتين. ظل هكذا ينطق بهما لمرات عديدة. لم يكن الرأس لمسلم شيعي كي ينطق بالشهادة الثالثة و إلا لكان طلفاح يسكت عن ذكر هذه "المعجزة" الإلهية الإسلامية!
و للأغريق اسطورة عن (أورفيو) الذي يقولون عنه أنه مخترع الناي و أنه لم يترك العزف على نايه. و تذكر الاسطورة أنه تم قطع رأس أورفيو و رميه في النهر، إلا أن شفتا أورفيو بقيتا ممسكتان بالناي و مستمرتان في العزف عليه إلى أن وصل الرأس إلى البحر فابتلعته موجاته. و أعتقد أنه إذا كانت هذه الاسطورة الاورفية اسلامية فإن المسلمين يستمرون في القول بأن الرأس و هو في أعماق البحر لا يزال مستمرا على العزف. إذ أن هذا معجزة من معجزات الله و أن الله على كل شيء قدير.

- "و لا يحتلم".
و كيف يحتلم؟ و إن هناك قولا ينقلونه عن الامام علي بأن المسلم لا يمكن أن ينام ليلته أعزبا!

- " ولا يرى له بول أو غائط لأن الله عز وجل قد وكل الأرض بابتلاع ما يخرج منه و تكون رائحته أطيب من رائحة المسك". و لا أدري بعد ما يقصده الحائري. هل أن الرائحة تعود إلى البول و الغائط؟ أم إلى الإمام؟ و للعلم أن المسك نوع من أنواع الروائح التي تستخرج من غدة بالقرب من خصيتي نوع من الغزلان، يسمى بالغزال المسكي. و توجد حيوانات أخرى و نباتات لها هذه الريحة.

* و للمهدي، برأي الشيعة الاثنى عشرية، صفة أخرى هي طول العمر، أو خلوديته، فهو حي لا يزال حي يرزق و لم يمت بعد، و أنه يظهر بين الحين و الآخر لهذا المتدين أو لذاك، و أنه سيظهر لكل الناس عند اكتمال شروط خروجه و ظهوره علنا.

و عن خلودية المهدي كتب (المظفر) في (عقائد الامامية): " و لا يخلو من أن تكون حياته و بقاؤه هذه المدة الطويلة معجزة جعلها الله تعالى له، و ليس هي بأعظم من معجزة أن يكون إماما للخلق و هو إبن خمس سنين يوم رحل والده إلى الرفيق الأعلى".
من كلمات (المظفر) يظهر لي أن رجال الدين الشيعة قد وقعوا، و وقعت معهم الطائفة الشيعية، في مأزق صعب الخروج منه عند إعطاء المهدي هذه العمر الخلودي، و ظلوا يتمسكون بكليشة "المعجزة". و إن وضع إماما بعمر خمس سنوات قد حجمت عقلية الأفراد الشيعة و قولبت أدمغتهم و نقصت من قيمتهم، و هذا التحجيم و التقولب سيبقى خالدا إلى يوم "القيامة" بعد أن أعطى رجال الدين الشيعة صفة خلودية الله إلى المهدي.
لقد وقع الشيعة في مأزق "الخلود المهدوي"، و بهذا بدأ البعض يعرض لنا المهدي بأنه فكرة، و قال آخرون بعدم وجود المهدي الإثنى عشري و إنه لم يولد أبدا.

* و تستهزأ فرق اسلامية أخرى بهذا الاعتقاد الذي يقول بطول العمر على الرغم من أنها تعتقد بأن الخضر له هذه الصفات أيضا، فهو كالله حي يرزق منذ أمد بعيد، لا بل أنه يظهر بين حين و آخر ليراه هذا الإنسان أو ذاك.

* و في قصة أصحاب الكهف الذي يذكرها القرآن شيء مشابه، في طول العمر –ثلاثمائة سنة أو نحوها-، إلا أن أصحاب الكهف لم يكونوا يظهرون للناس بين حين و آخر بل كانوا نائمين، ثم صحوا فجأة..

* و كتب محمود أبو رية في (أضواء على السنة المحمدية) أن الكيسانية تقول: "إن المهدي هو: محمد بن الحنفية و هو حي يقيم بجبل رضوى بين أسدين يحفظانه، و عنده عينان نضاحتان تفيضان ماء و عسلا و معه أربعون"
و هذه الاسطورة تشبه ما ذكرته التوراة بأن في الجنة نهران: أحدهما يجري بعسل و الآخر بحليب.

و عن عمر النبي نوح كتبت آمال محمد عبد الرحمن ربيع في (الاسرائيليات في تفسير الطبري): "ذَكر الشيخ عبد القادر المغربي في تفسير جزء تبارك من القرآن: "ذُكر في الأسفار القديمة أن نوحا ولد لسنة 182 من عمر أبيه (لامك)، و لسنة 1056 لجده الأكبر آدم، و معنى نوح الراحة و التعزية، و كان عمر نوح 500 سنة لما أخذ يلد أولاده سام و حام و يافث، و كان عمره 600 سنة لما حصل الطوفان".
ثم كتبت آمال محمد تعليق الأزهر على "المقصود من الآية من سورة العنكبوت: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ"، بأن الطوفان قد حدث بعد أن أمضى نوح بين قومه 950 سنة كما يُفهم من الآية و هذا يخالف ما نقله المغربي من الأسفار القديمة" من التوراة.

و هكذا فإننا إذا أردنا حساب عمر نوح الأسطوري فإنه يجب إضافة عدد السنين التي عاشها قبل مبعثه كـ "نبي" إلى قومه و كذلك عدد السنين التي عاشها بعد الطوفان فيصبح عمر نوح أكثر من 950 سنة.

و لم يحدد أيضا نوع السنوات التي عاشها نوح: هل كانت سنوات قمرية أو شمسية؟ "أرضية" أم سماوية؟ انسية أم ربانية؟ إذ أنه من المعروف أن الآية من سورة الحج تقول: "... وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ". و بهذا فإذا تقرّر استعمال الحساب الرباني فإن عمر نوح سيصبح أكثر من 365,000,000 سنة "ارضية" "أنسية" شمسية، هذا إذا اعتبرنا أن نوحا قد مات على عمر 1000 سنة و أن السنة الربانية تساوي 365 يوما.

و هناك تفسير لـ (كامل الصليبي) في كتابه (خفايا التوراة) عن عمر نوح يذكر فيه أن الـ 950 سنة التي يقال أنها عمر نوح لا يمكن أن تكون عمر شخص واحد، بل يمكن تفسير هذا العمر الطويل بأنه ليس منسوبا إلى شخص واحد بل إلى قبيلة تحمل اسم نوح، من نسل نوح أو من غيره اتخذت اسمه، كانت تعيش في شبه الجزيرة العربية طوال هذا المدة.

و ذكر الشيخ أحمد الوائلي في (أصول التشيع) و هو يكتب عن المردودات السلبية في عقيدة المهدي: "إن الإيمان بفكرة المهدي يؤدي إلى الإزدراء بالعقل لما في ذلك من مفارقات مثل طول العمر غير المعتاد، و غيبيته عن الأبصار....". و على الرغم من "الإزدراء بالعقل" التي تولده فكرة المهدي فإن الوائلي يجيب "باختصار" بـ "أن الشيعة لا يجعلون بقاءه هذه المدة أمرا طبيعيا و إنما هو معجزة..."
و هكذا نرى مرة أخرى التهرب من الواقع و اللجوء إلى سرداب المعجزة. و يمكننا أن نرى في معتنقي "المعجزة" ترديدهم كلمات "أن الله على كل شيء قدير"، كلمات يكررونها و يستعملونها عندما يسطرون شيئا لا يعقله أحد، و لا هم أنفسهم. و بـ "معجزاتهم" يحاولون جر الله إلى أساطيرهم.

لقد كتب (طه حسين) في (في الشعر الجاهلي) و هو يتحدث عن رواة القصص أن "هناك لون من ألوان القصص كان الناس يتحدثون به و يميلون إليه ميلا شديدا و يروون فيه الأكاذيب و الأعاجيب و هو أخبار المعمرين الذين مدت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس". و تطرق عن السبب الذي يدعو الرواة إلى ذلك "إنما هو ارضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء، و لا يكرهون أن يقال لهم أن من دلائل صدق النبي في رسالته أنه كان منتظرا قبل أن يجيء بدهر طويل، تحدثت بهذا الانتظار شياطين الجن و كهان الانس و أحبار اليهود و رهبان النصارى".

إن انتظار النبي محمد الذي زعم به الرواة هو مشابه تماما للانتظار الذي يزعمونه منتظرو المهدي.

و أضاف طه حسين أن الرواة "زعموا أن القمحة كانت في العصور الذهبية تعدل التفاحة العظيمة حجما، ثم غضب الله على الناس فأخذت تتضاءل إلى حيث هي الآن".

لا أدري هل غضب الله، أو المهدي، على الناس لكي يجعل المهدي لا يحضر؟ أو يغيب عنهم بعد أن ظهر؟

و عند كتابتي عن الأعمار الطويلة، فلا بأس بأن أذكر ما كتبه الشريف المرتضى عن بعض المعمرين في كتابه (أمالي المرتضى) إذ ذكر:
1* الحارث بن كعب بن عمرو: عاش 160 سنة.
2* المستوغر، عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد: عاش 320 سنة.
3* دويد بن زيد بن نهد: عاش 456 سنة.
4* زهير بن جناب بن هبل: عاش 220 سنة.
5* ذو الاصبع العدواني: يقال أنه عاش 170 سنة أو 300 سنة.
6* معْدي كرِب الحِميري: لم يذكر المرتضى عمره إلا أنه نسب له بيتي الشعر:
أراني كلما أفنيت يوما.......أتاني بعده يوم جديد
يعود بياضه في كل فجر... و يأبى لي شبابي ما يعود
7* الربيع بن ضبع الفزاري: روى المرتضى أن الربيع دخل على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فقال له: ياربيع أخبرني عما أدركت من العمر....... قال: عشت مائتي سنة في فترة عيسى و عشرين و مائة في الجاهلية و ستين سنة في الاسلام. أي انه عاش (200+120+60) سنة إضافة إلى السنين التي عاشها بعد هذا السؤال.
8* أبو الطمحان القيني: عاش 200 سنة.
9* عبد المسيح بن بقيلة الغساني: عاش 350 سنة.

و كتب طه حسين أيضا ان الرواة "زعموا أن الرجل من الأجيال القديمة كان من الطول و الضخامة و القوة بحيث كان يغمس يده في البحر فيأخذ منه السمك ثم يرفع يده في الجو فيشويه في جذوة الشمس ثم يهبط بيده إلى فمه فيزدرد شواءه ازدردادا". "وزعموا أن أهل الأجيال القديمة كانوا من الضخامة و الجسامة بحيث استطاع بعض الملوك، أو بعض الأنبياء، أن يتخذ فخذ أحدهم جسرا يعبر عليه الفرات".
"يريدون أن نؤمن و نطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء"، هكذا كتب طه حسين، "نعم نستطيع أن نؤمن و أن نطمئن لو أننا رزقنا بكسل عقلي. و لكن ليس لدينا كسل عقلي فنحن نؤثر عليه تعب الشك و مشقة البحث و القراءة" و الاستنتاج.

إن الذين يريدون أن يجعلوا الخرافة حقيقة لا يريدون فقط إلغاء عقولنا فحسب بل و أيضا وجودنا الشخصي. و لهذا فهم يجعلون خرافاتهم و كأنها منزلة من السماء، من الله، و من ينكر ما أنزل من الله فهو من الكافرين، و من كان كافرا فجزاءه القتل.

"من يدرينا فلعل الله و الإنسان شيء واحد. و لقد قال أحد الحكماء قديما: من عرف نفسه عرف ربّه". هذه الكلمات كتبها الدكتور (علي الوردي) في (خوارق اللاشعور). و تصبح كلمات (الوردي) نافعة في هذا المجال، كي يصبح:
* رب الإنسان الخرافي خرافيا،
* و رب الإعجازي إعجازيا،
* و رب الجاهل جاهلا،
* و رب المسلم مسلما. شيعيا أو سنيا. و بالطبع فإن رب المسيحي مسيحيا و لليهودي ربه اليهودي.
* و رب الإرهابي إرهابيا.
* و رب اللص لصا.
* و هكذا.

إن هناك الكثير من الناس الذين لم يألفوا البحث. إنهم يخافون من البحث في الكتب التي يقولون أنهم يعتمدون عليها في أقوالهم. فكيف بهم أن يستطيعوا نقد ما ألفوا عليه؟
عفوا "لقد نسيت! فلست أريد أن أقول البحث و إنما أريد أن أقول الشك". هذا معنى ما كتبه طه حسين.