هل القرآن هو الذكر المحفوظ ؟ وهل للانسان يد في تنزيله؟

 

لقد مرت صياغة القرآن في عدة مراحل. و هذه المراحل يمكن أن نعتبرها اسطورية أو حقيقية، و يمكن أن نجعلها في ثمان:
الأولى: مرحلة التفكير في صنع القرآن من قبل الله آية آية، قِسما قِسما، أو ككل بجميعه، و وضعه في صيغته النهائية. هذه المرحلة تعود إلى الإله الخالق.
إن هناك من يقول: "أن القرآن أنزل في أول الأمر إلى السماء الدنيا، القريبة من الأرض، جملة واحدة، ثم انزل بعد ذلك إليها مفرقا في ثلاث و عشرين سنة". لقد ذكر هذا القول الشاعر الرصافي معتمدا على كتاب (الاتقان في علوم القرآن-للسيوطي)، و أضاف انه "ليس في القرآن و لا في الاحاديث النبوية ما يقتضي ذلك أو يدل عليه".

الثانية: مرحلة التنزيل. إن هذا الخالق يأمر خادمه الملَك جبرائيل (أو جبريل) بالنزول إلى الأرض حاملا معه آية واحدة أو عدة آيات قرآنية في كل مرة من نزوله. و يستمر هذا النزول في عديد من المرات إلى أن يكمل الله تنزيل قرآنه.
و قد وُصف الملك جبرائيل، من قبل مجموعة من المسلمين، بالخادم الأمين، لأنه أوصل الآيات بأمانة من دون أي تشويه أو تحريف، إلا أن هناك قسم من المسلمين يقولون بأن هذا الملك قد أخطأ في الرجل-النبي الذي كان عليه إيصال الآيات إليه. و هناك آخرون يهتفون في بعض احتفالاتهم الدينية بـ : "جبريل نادى في السماء. (ماكو) ليس هناك ولي إلا علي". و هم بهذا قد أعطوا وظيفة أخرى إلى الملك جبريل، ألا و هي المناداة بولاية الامام علي بن أبي طالب.

لقد كتب معروف الرصافي في (كتاب الشخصية المحمدية):
- أن النبي محمد كان يفكر في خلوته في غار حراء بالصورة التي يضعها لدعوته، و أن الدعوة تقوم بالكلام. و لكن بأية صورة من الصور الكلامية؟ أيجعل الكلام شعرا منظوما أم نثرا مسجوعا، أم ماذا؟ ثم استقر رأي محمد على أن يجعله قرآنا يقرأ و يحفظ.

- إن القرآن لا هو من الشعر المنظوم و لا هو من النثر المسجوع.

- و على الرغم من وجود السجع الكثير في القرآن، فإن الرصافي قد كتب: أنهم –أي العرب- "لم يسموه سجعا تأدبا مع القرآن الذي هو كلام الله، و السجع عندهم من شأن الكهان".

- و يعتبر الرصافي هذا الاسلوب، لا شعر و لا نثر، "بأنه اسلوب جديد لم يكن فصحاء العرب يعرفونه و لا يألفونه". و لكنه ربط بما قاله العرب عن أقوالهم بالذي قاله الله في كلامه فنقل عن الجاحظ ما كتبه: "سمى الله كتابه مخالفا لما سمى العرب كلامهم على الجمل و التفصيل، سمى جملته قرآنا كما سموا ديوانا، و بعضه سورة كقصيدة، و بعضها آية كبيت، و آخرها فاصلة كقافية".

الثالثة: مرحلة التلقين أو الحفظ النبوي. إن الملك جبرائيل، في مرات عديدة و في مناطق متعددة، يتلو على النبي محمد الآيات، و يلقنه بها، فيحفطها النبي عن ظهر قلب.
و لم أجد، بعد، أية اشارة تدل على أن النبي محمد كان قد كتب، مسبقا، آية ما ليقرأها بعدئذ على صحابته.

الرابعة: مرحلة التلاوة. بعد أن يحفط النبي الآيات يتلوها على أصحابه تلاوة.

الخامسة: مرحلة الحفظ الجماعي أو الفردي. بعد أن يسمع الصحابة الآيات يقومون بحفظها حفظا عن ظهر قلب و من استطاع كتابتها فإنه كان يكتبها على عظام الحيوانات أو على جلودها أو على ماتيسر له مما يصلح للكتابة آنئذ.

لقد كان عبد الله بن أبي سرح واحد من كتّاب القرآن. و كتب الرصافي أنه "قد جاء في القرآن أن بعض الفواصل قرئت بوجهين كالآية التي في سورة التوبة: ( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ")، و في قراءة عبد الله بن أبي سرح و الله غفور رحيم. و هذه الآية هي التي ذكر الرواة عن عبد الله ين أبي سرح، و كان من كتاب القرآن، أنه لما كتبها و أراد أن يكتب الفاصلة سأل النبي: و الله عليم حكيم أم: و الله غفور رحيم؟ فقال النبي: أيهما كتبت كان."
و إذا صحت هذه الرواية التي ينقلها الرصافي عن (السيرة الحلبية) فإنها تعني أن كاتب النبي كان يغير بألفاظ القرآن، و يسأل قبل تغييرها، و أن النبي كان يوافق على ذلك.
و تذكر روايات تاريخية أن ابن أبي سرح قد اتهم في تزوير القرآن فأصدر النبي قرارا بقتله، مما جعل ابن أبي سرح يهرب من المدينة راجعا إلى مكة و تاركا الاسلام. و كان ابن أبي سرح هو أحد المطلوبين من قبل النبي لكي يُقتل، حتى و لو تعلق بأستار الكعبة. و لكن وساطة الأمويين له حالت دون ذلك، لا بل أنه أصبح بعدئذ مسؤولا عن خراج مصر، ، بعد أن أقيل عن هذا المنصب عمرو بن العاص، ومن الصحابة المهمين في تاريخ المسلمين.

و في كتابة القرآن نجد مخالفة للحديث الذي ينسب إلى النبي، عن لسان عبد الله بن عمر، و القائل: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب...".

السادسة: مرحلة قرار جمع القرآن. يقرر خلفاء النبي، و مجموعة من الصحابة الذين كان لهم شأن، بجمع ما كُتب من الآيات، و كانوا يطلبون من كل صحابي أن يأتي بما كتبه من آيات.
لم أعرف لحد الآن فيما إذا كان هناك قرارا نبويا لجمع القرآن، إذ لم أقرأ بعد، حديثا ينسب للنبي محمد يأمر بذلك. و هنا يبرز سؤالان، أحدهما يعارض الآخر:
1) إذا كان للنبي قرار في جمع القرآن. فلماذا لم يجمعه في حياته؟ و بهذا كان يمكن أن يجتمع على رأيه كل المسلمين.
2) و في حالة عدم وجود قرار نبوي، فلماذا قام العرب المسلمون بجمع القرآن؟ و هم بهذا يخالفون السنة النبوية التي يقولون أنهم يسيرون عليها.

السابعة: مرحلة الاتفاق على قرآن واحد. ينتهي العمل في جمع الآيات في زمن الخليفة عثمان بن عفان، فيضعونها في كتاب يتفقون على تسميته بالقرآن و على أن تكون هناك نسخة واحدة أصلية منه، لا غير، فيحرقون باقي الكتابات أو الآيات أو الكلمات التي لم يتفقوا على وضعها في كتاب القرآن.
و في سبب تسمية القرآن بالقرآن هناك عدة آراء كتبت عن بعضها في مقالة سابقة تحت عنوان: (هل القرآن صالح لكل زمان ومكان؟). و نجد أن هناك "آيات" لم تدخل في كتابة القرآن على الرغم من بقاء فاعليتها و حكمها اللذان لا يزال يعمل بهما "فقهاء" الدين. كما أن هناك من ادعى بأن القرآن ناقص و يفتقد إلى آيات كثيرة.
و كذلك فإن القرآن المتفق عليه يحمل بين طياته أيضا الآيات المنسوخة التي لا حكم و لا عمل لها. و قد كونت هذه الآيات اشكالات متنوعة عند المسلمين، فبعضهم يقول أن هذه الآية منسوخة و تلك الآية غير منسوخة و آخرون يقولون على العكس من ذلك.

الثامنة: مرحلة تنقيط القرآن. لم يكن القرآن المتفق عليه منقطا و لم تكن كلماته محركة. فبدأ الإخصائيون اللغويون العرب في تنقيط كلمات القرآن و تحريكها.

التاسعة: المرحلة الأخيرة. لا زالت إجراآت تحسين خط القرآن مستمرة لهذا اليوم.

يمكن تسمية المرحلة الأولى، أيضا، بالإلهية، أو السماوية، إذ و كما يقول المتدينون أن عرش الله موجود في السماء، على الرغم من قولهم أن الله موجود في كل مكان. "وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ"
أما المرحلة الثانية فيمكن تسميتها بالمرحلة السماوية-الأرضية، و هي مرحلة ثنائية، إذ ان الملك جبرائيل (او جبريل) يأخذ الأمر-الآية من الله في السماء و ينزل بها إلى الأرض حيث يوجد النبي محمد.
و على العكس من الاسطورة اليهودية القائلة بأن النبي موسى صعد إلى جبل سيناء ليلاقي الله و يستلم منه لوحتيه اللتين فيهما الوصايا العشرة، و تعاليم أخرى، فإن الاسطورة الاسلامية تقول بنزول واسطة بين الله و محمد، ألا و هو الملك جبريل، و النبي موجود على الارض في أماكن عديدة: وحيدا في غار حراء أو في البيت، أو في القرب من إحدى زوجاته، أو بين صحابته.
و من يطلع على الكتب الدينية الاسلامية يجد فيها استفسارا عند كثير من كتابها، و هو: هل التقى النبي محمد مباشرة بالله، أم لا؟
بعضهم يجيب بـ "نعم"، إذ أنه التقى بالله في ليلة الاسراء و المعراج عندما ذهب إليه طائرا على ظهر الفرس براق. و آخرون يجيبون بـ "لا".

أما المراحل التالية الباقية فيمكن تسميتها بالمراحل الأرضية.

وللقرآن مراحل أخرى هي مراحل تفسيراته، موازية لبعض مراحل كتابته، وقد مرت تلك المراحل، و تمر، بتغيرات كثيرة تتبع الشخص المفسر أو الوقت الذي يفسر به القرآن. إن سبب التغييرات الكثيرة المتباينة في التفسير هي لي "عنق" القرآن لكي يصبح صالحا لزمان كل مفسر و لمكانه.
و إذا كانت المراحل السابقة من التفسيرات معادية للعلم و لأهله فإن بعض المراحل الحاليه تحاول تفسير القرآن تفسيرا "علميا". و ذكر الدكتور علي الوردي هذا الشأن كاتبا: "أخذ المسلمون في عهودهم المتأخرة يفهمون القرآن على غير حقيقته ، فهم اعتبروه سجلا للعلوم و الفنون على اختلاف أنواعها."
من يقرأ القرآن يجده يتحدث عن حوادث جرت مسبقا و لم "تنزل" آياته قبل وقوعها. إن القرآن يتحدث عن حوادث وقعت في الماضي لقوم من الأقوام أو لفرد ما من الأفراد، و قد يكون هذا الماضي بعيدا أو قريبا.
و على الرغم من وجود كلمات من آيات سور القرآن تشير ضمنا إلى أنه ليس " بأساطير الأولين"، نجد أن القرآن يحتوي على الكثير من أساطير الأولين. و من هذه الأساطير، مثلا، هي ما كتبها اليهود في توراتهم ثم نقلها عنهم المسلمون.

إن من الآيات التي تشير ضمنيا إلى عدم وجود أساطير أولية في القرآن نجد مثلا:
*..حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ...
* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
* وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الاوَّلِينَ.
* وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا.
* إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
* وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ.

و هكذا على الرغم من نفي المسلمين لوجود أساطير الأولين في القرآن فإن قراءته تؤكد على وجودها.

إنه من الغريب أن نجد القرآن خاليا من سورة تسمى باسم النبي موسى، على الرغم من وجود سور تذكر أسماء أنبياء آخرين: كسور نوح و هود و ابراهيم، و إن موسى كثير الذكر في القرآن، حتى قال بعضهم، كما يذكر الرصافي عن كتاب الاتقان للسيوطي: كاد القرآن أن يكون كله لموسى.
و نقل صاحب الاتقان رأيا آخرا قائلا: رأيت في (جمال القراء) للسخاوي أن سورة طه تسمى بسورة الكليم، و قال أيضا: أن الهذلي سماها في (كامله) بسورة موسى.

كثيرا ما أتساءل عند قراءتي للقرآن:
* هل أن الله منزل القرآن هو ذو تفكير مزاجي؟ مرة ينزل آية معينة ليناقضها أو ينسخها أو يبدلها بآية أخرى، أو يجعل حافظها ينساها. "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
* أم أن الله يدلل و يراعي ذوق النبي و صحابته؟ فينزل على ذوقهم ما يشتهون.
* أم أن كتبة القرآن كانوا قد كتبوا ما أرادوا أن يكتبون؟ على ذوقهم و على رغباتهم.

بعد أن حلل القرآن للنبي في الآية 50 من سورة الاحزاب الزواج بأنواع متنوعة من النساء اللواتي يرغب فيهن:
- "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ
- وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ
- وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ
- وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ
- وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ
- وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا"

رجع القرآن عن قراره السابق، بعد آية واحدة فقط، في الآية 52 من نفس السورة، ليغير ما قاله و ليحرم أو يحدد ما حلل سابقا، ويُبقى مملوكات اليد على القرار السابق:
- "لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا".

و إذا كان القرآن قد أطلق يد النبي في الزواج من نساء الآخرين، فإنه منع الآخرين من الزواج بنساء محمد، حتى ولو كان ذلك بعد وفاته. و كتبت الآية القرآنية لتؤكد ذلك المنع، و اعتبرت مثل هذا الزواج بأرملات و مطلقات النبي أذى له:
"....وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عظيما"
و عن هذه الآية يذكر ابن كثير في تفسيره خبرا عن عمر بن الخطاب يدل به على أنها نزلت موافقة لرغبة من عمر. فكتب:
" وَهِيَ مِمَّا وَافَقَ تَنْزِيلهَا قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَافَقْت رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي ثَلاث:
- قُلْت يَا رَسُول اللَّه لَوْ اِتَّخَذْت مِنْ مَقَام إِبْرَاهِيم مُصَلًّى فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إِبْرَاهِيم مُصَلًّى "
- وَقُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّ نِسَاءَك يَدْخُل عَلَيْهِنَّ الْبَرّ وَالْفَاجِر فَلَوْ حَجَبْتهنَّ فَأَنْزَلَ اللَّه آيَة الْحِجَاب
- وَقُلْت لأَزْوَاجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَمَالأْنَ عَلَيْهِ فِي الْغَيْرَة "عَسَى رَبّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ " فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ.
- وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ ذَكَرَ أُسَارَى بَدْر وَهِيَ قَضِيَّة رَابِعَة..."
فهل هذه الآيات كانت قد كتبت، أو نزلت، على رغبة من عمر؟ أم بسبب إصرار منه على كتابتها؟ أو بسبب دعاء و توسل إلى الله؟

و عن علاقة رغبة عمر بالقرآن، هناك آية أخرى نزلت توافق رأيه. ألا و هي " و لا تصل على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره إنهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون"
ففي السيرة الحلبية، التي ينقل عنها الرصافي: أنه لما مات عبد الله بن أبي سأل ابنه النبي أن يصلي عليه، و قال له: أسألك أن تقوم على قبره لا تشمت به الأعداء، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله و قال: يا رسول الله، أتصلي عليه و قد نهاك عنه ربك أن تصلي عليه؟ فتبسم رسول الله و قال: أخرعتني يا عمر، فلما أكثر عليه قال: إني خيرت. فقال عمر: "استغفر لهم أو لا تستغقر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم". فصلى عليه النبي، فـنزل منزل القرآن الآية التي بها يوافق قول عمر: " و لا تصل على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره إنهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون"
إذا صحت هذه الرواية، فإننا نجد أن رأي منزل القرآن وافق رأي عمر و خالف رأي النبي، لا بل جعل النبي في موقف محرج!
**

إن من الحوادث التي نغصت حياة النبي محمد هي الحادثة التي اتهمت بها زوجته عائشة بعلاقة غيرنزيهة مع صفوان بن المعطل. و ملخص هذه الحادثة-القصة، التي سميت بقصة الافك، هو:
- أن محمدا لما رجع من غزوته لبني المصطلق، و بينما كان الجيش نازلا ذات ليلة، قامت عائشة و ذهبت لقضاء حاجتها و كان المسلمون الغزاة قد أذنوا بالرحيل.
- فمضت عائشة حتى جاوزت الجيش، فلما قضت حاجتها و أقبلت إلى رحلها لمست عنقها فإذا هي تشعر بأن عقدها غير موجود فاعتقدت بأنه قد انقطع و انسل من عنقها في مكان قضاء حاجتها، أو في الطريق إليه.
- فرجعت تبحث عنه. و في أثناء رجوعها للبحث عن عقدها أقبل الحمالون الموكلون بحمل هودجها فوضعوه على بعيرها و هم يعتقدون أنها داخل الهودج.
- إن بحث عائشة عن العقد، إلى أن وجدته، جعلها تتأخر. و عندما رجعت إلى منازل الجيش الاسلامي لم تلق بها لا داع و لا مجيب.
- فلما رأت ذلك بقت في منزلها الذي كانت فيه فجلست هناك، فغلبها النوم فنامت.
- و كان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فأصبح عند منزلها، فرأى سواد انسان نائم، فدنا منه فعرفها....فقال لها اركبي.
- فقامت فركبت فانطلق صفوان يقود بها الراحلة حتى لحق بالجيش.
- عندما رآهما صحابة النبي، الذين "بأيهم اقتدينا اهتدينا"، بدات الاشاعات تنطلق ضدهما.
- طلب بعض الصحابة من النبي تطليق زوجته عائشة. و دافع عنها آخرون.

مهما كانت القصة و حياكة نسيجها فإن الذي يهمني في هذا الموضوع هو القول بأن منزل القرآن أيضا قد أتعب نفسه و تكلم فيها و أنزل عدة آيات في سورة النور تبدأ بـالآية: " إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ". لقد كتب ابن كثير و هو يفسر هذه الآية و آيات أخرى أن: " هَذِهِ الْعَشْر الْآيَات كُلّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْن عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا حِين رَمَاهَا أَهْل الإِفْك وَالْبُهْتَان مِنْ الْمُنَافِقين".
إن بين هؤلاء الصحابة، أهل الافك و البهتان، الذين شككوا في عائشة و ابن المعطل، و الذين نعتوا بالمنافقين، نجد:
- عبد الله بن أبي.
- زيد بن رفاعة.
- حسان بن ثابت.
- حَمْنَة بِنْت جَحْش.
- مسطح بن أثاثة.
- أبو أيوب الأنصاري.
- علي بن أبي طالب.
- و غيرهم....
و لم يشك هؤلاء الصحابة، فقط، في أمر عائشة، بل أن النبي محمد ، نفسه، كانت له شكوكه. فعن (السيرة الحلبية) أن النبي قال:
"اما بعد ياعائشة فإنه بلغني كذا و كذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، و إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله و توبي فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تعالى تاب الله عليه"... هذا القول نقلا عن عائشة، و عنها أيضا أن النبي "لبث شهرا لا يوحى إليه بشأنــ" ها. لقد مضت بين ليلة حادثة القصة و بدأ "نزول" الآيات في شأنها بضع و ثلاثون ليلة.

و في النهاية نزل منزل القرآن بآيات ليوافق عائشة و يبرءها و يدافع عنها أمام الصحابة و النبي المشككين في نزاهتها.

و يبقى لدى عدة أسئلة هي:
- لماذا تأخر مؤلف القرآن –الله- في تنزيل آيته في براءة عائشة؟
- ألم يقولوا أن الله كان قد خلق الكون في ستة أيام؟ ثم استراح يومه السابع. فهل مشكلة عائشة كانت أصعب؟
- لو لم تكن عائشة هي المرأة التي صاحبها صفوان، هل كان ينزل من القرآن شيئا في شأنها؟
- لو صاحبت امرأة في السعودية ، اليوم، رجلا غير محرم ، هل سيعفو عنها المتطرفون؟ أم أنهم يجلدوها، و يجلدوا مصاحبها؟
**

إن أهم حادثة وقعت لحفصة بنت عمر الخطاب هو تطليق النبي محمد إياها. و تتحدث كتب تاريخية عن سببين دعا النبي ان يطلقها و هما:
1) أن النبي أخبرها بأن الخلافة ستكون لأبيها بعد أبي بكر.
2) أنها أخبرت عائشة بوطأ محمد لمارية في غير يومها.
أعتقد أن السبب الأول هو تلفيق من قبل المجموعة التي تناهض القائلين بإن النبي قد رشح لخلافته ابن عمه.
أما عن السبب الثاني فقيل: أن النبي كان في بيت حفصة، فاستأذنته في زيارة عائشة. فلما ذهبت أرسل النبي إلى مارية القطبية، أم ابراهيم، و أدخلها بيت حفصة و واقعها. فعندما رجعت حفصة أبصرت مارية مع النبي في بيتها فغضبت و بكت و قالت: في يومي و في بيتي و على فراشي. فلما رأى النبي في وجهها الغيرة و الغضب قال لها: اكتمي عليّ قد حرمت مارية على نفسي. إلا أن حفصة لم تكتم الخبر، فأخبرت بذلك عائشة و كانتا متصادقتين. فطلقها.
و يظهر أن النبي قد ندم على تحرم مارية عليه، فتدخل مؤلف القرآن في الأمر و أرسل جبريلا حاملا معه عدة آيات، تحلل للنبي ما حرم على نفسه، و كتبت هذه الآيات في سورة التحريم، و منها:
- "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ"
و نزل جيريل معه أمرا إلهيا آخرا لم يكتب في القرآن أمر به مراجعة حفصة لأنها "قوامة صوامة" وانها زوجته في الجنة.
يمكن لقارئ القرآن العثور على كثير من الآيات التي نزلت لترضي أذواق الصحابة و رغباتهم.
كنت قد كتبت في الحلقة الاولى من (هل القرآن هو الذكر المحفوظ؟) بأن القرآن قد تم تـاليفه في عدة مراحل تتوزع بين السماوية و الأرضية، الخيالية و االحقيقية، الإلهية و الانسانية. و قد سارت هذه المراحل عبر العديد من الاعوام و القرون.
و لهذا يمكن لقارئ القرآن أن يتساءل، و هو يقرأ الآيات التي وصلت إلى يده عبر تلك المراحل و الأزمنة العديدة:
هل أن هذه الآيات، التي وصلت إليه و سميت بعدئذ بالقرآنية، قد وصلت سالمة بدون أن يضيع منها شيئا أو يضاف إليها شيئا آخرا؟
إن جواب المتدينين على ذلك هو: صحة و كمال القرآن و قوته. و هم بذلك يكررون و يعتمدون على الآية القرآنية التاسعة من سورة الحجر القائلة:
"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"

عند قراءة هذه الآية نجد هناك عدة استفسارات، أضع قسما منها في ثلاث نقاط:
1) النقطة الأولى:
من هم الذين يتكلمون بـ "نحن" و يقولون عن أنفسهم أنهم الذين نزلوا الذكر و أنهم هم الذين له حافظون؟
هل هو الله، هنا؟ الشخص الأول الذي يتكلم بصيغة المثنى أو الجمع. أم يوجد معه آخرون؟

2) النقطة الثانية: و إلى من تعود "له". هل تعود إلى الذكر؟ أم إلى شخص أو شيء آخر؟

3) النقطة الثالثة:
ما تعني كلمة الذكر؟
هل هي الآيات القرآنية، التي جمعها المسلمون الآوائل و وضعوها في "مجلد" واحد، اتفقوا على تسميته بـ "القرآن"؟
أم أن هذه الكلمة تعني شيئا آخرا؟
**

إن القرآن لم يكتبه الله، و بهذا فإنه يختلف عما تقوله التوراة عن اللوحتين اللتين أعطاهما الله للنبي موسى، التي فيهما الاوامر العشرة، إذ أن الله هو الذي قد كتبهما باصبع من نار.
و كذلك فإن القرآن لم يكتبه النبي محمد مثلما قام موسى بكتابة التوراة، و خاصة سفر التكوين، كما تقول  التوراة، فالنبي محمد، كما تقول الكتب التاريخية الاسلامية، كان أميا و كان يلقن أصحابه بالآيات القرآنية، كما ذكرت في موضوع سابق، و لم يكتبها.
و لكن هناك قول يذكر بأن النبي محمد كان يعرف الكتابة و أنه كتب، مثلا، رسالة إلى هرقل الروم و قد وصلتني عن طريق الإيميل من أحد الاسلامويين هذه الرسالة، كما و أني حصلت على مثلها قبل عدة سنوات في إحدى المرات التي زرت فيها إحدى الدول العربية.
و هنا يمكن طرح سؤالين هما:
1) إذا كان النبي محمد يعرف الكتابة، فما هي حكمته في عدم كتابة القرآن بيده؟
2) و إذا كانت له حكمة في عدم كتابة القرآن بيده، فما هي الحكمة بكتابة القرآن بواسطة صحابته؟

و يمكن للقارئ أن يجد أيضا قَـرائينا مترجمة إلى لغات أوروبية تذكر أن مؤلف القرآن هو محمد. و ينزعج المسلمون، الذين يقولون بأن الله منزل القرآن، عند رؤيتهم اسم محمد كمؤلف للقرآن.

* إن صيغة القول بالجمع موجودة في الكثير من الآيات القرآنية. و صيغة الجمع هذه توحي بأن مُنزّلي و حفطة و كتبة القرآن هم أكثر من واحد. فهل منزل القرآن يجمع نفسه مع الحافظين ليصبحوا أكثر من واحد؟ أم أن المنزل و الحافظ هو واحد يتكلم بصيغة الجمع؟

لنرى بعض الآيات التي تتكلم بصيغة الجمع.
- إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.
- إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ.
- إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا.
- إ ِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.
- هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ.
- وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُون إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ.
- يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ.
- لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
- إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
- قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُون.
- وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ.
- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
- وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ.
- إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.
- نَحْنُ أَعْلَم بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيد.
- وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.
- خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ.

* و من الآيات التي كتبت عن الله بصيغة المفرد، الشخص الأول، أعطي هذه الأمثلة:
- وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ.
- نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
- وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.

* و يتكلم القرآن، في آياته، عن الله بصيغة الشخص الثالث، مثلا:
- قل هو الله أحد.
- الحمد لله....
- لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
***

و حين البحث عما تعنيه كلمة "الذكر" نجد أن مفسري القرآن يقدمون أكثر من معنى لهذه الكلمة:

* ففي معرض تفسيره للآية "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" يقول ابن كثير:
- وَهُوَ الْقُرْآن وَهُوَ الْحَافِظ لَهُ مِنْ التَّغْيِير وَالتَّبْدِيل.
- وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَادَ الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى " لَهُ لَحَافِظُونَ " عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ "وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس " وَالْمَعْنَى الأَوَّل أَوْلَى وَهُوَ ظَاهِر السِّيَاق.

أما تفسير الجلالين فيذكر:
- الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} يَقُول تَعَالَى ذِكْره: {إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْر} وَهُوَ الْقُرْآن.
لكن الجلالين يذكران تفسيرا آخرا أيضا، و هو:
-"وَقِيلَ: الْهَاء فِي قَوْله: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} مِنْ ذِكْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى: وَإِنَّا لِمُحَمَّدٍ حَافِظُونَ مِمَّنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ مِنْ أَعْدَائِهِ.

و يؤكد القرطبي أيضا التفسير الثاني للجلالين ، فيكتب:
- "وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " أَيْ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ"

و بهذا نجد أن هاء "له" يفسرها بعضهم بأنها تعود للذكر مرة و مرة أخرى تعود إلى النبي محمد.

* يعرض ابن كثير و هو يفسر كلمات الآية "ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ" "
- أَيْ هَذَا الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد فِي أَمْر عِيسَى وَمَبْدَأ مِيلاده وَكَيْفِيَّة أَمْره هُوَ مِمَّا قَالَهُ تَعَالَى وَأَوْحَاهُ إِلَيْك وَنَزَّلَهُ عَلَيْك مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَلا مِرْيَة فِيهِ وَلا شَكّ"

أما الطبري فله هذا التفسير في هذه الآية، إذ يذكر:
- "يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ذَلِكَ هَذِهِ الأَنْبَاء الَّتِي أَنْبَأَ بِهَا نَبِيّه عَنْ عِيسَى وَأُمّه مَرْيَم، وَأُمّهَا حَنَّة، وَزَكَرِيَّا وَابْنه يَحْيَى، وَمَا قَصَّ مِنْ أَمْر الْحَوَارِيِّينَ، وَالْيَهُود مِنْ بَنَى إِسْرَائِيل. نَتْلُوهَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد"

و ذكر أن "و الذكر" يَعْنِي:
- وَالْقُرْآن. و عَنْ اِبْن عَبَّاس ذكر قَوْله: {وَالذِّكْر}: الْقُرْآن الْحَكِيم الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَته.

أما تفسير الطبري فيذكر:
- " ذَلِكَ" الْمَذْكُور مِنْ أَمْر عِيسَى.
- "نَتْلُوهُ" نَقُصّهُ "عَلَيْك" يَا مُحَمَّد "مِنْ الآيَات" حَال مِنْ الْهَاء فِي نَتْلُوهُ وَعَامِله مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الإِشَارَة
- "وَالذِّكْر الْحَكِيم" الْمُحْكَم أَيْ الْقُرْآن.

و نجد هنا فرق بين ما يراد بـه بـ "الآيات" و ما يُراد بـ "الذكر الحكيم".

* في تفسيره للآية "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" ذكر ابن كثير أن:
- "فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. أَيْ اِسْأَلُوا أَهْل الْعِلْم مِنْ الامَم كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِر الطَّوَائِف".

و هنا نجد "الذكر" يعني: "العلم" الذي تحمله أمم كاليهود و النصارى و سائر الطوائف. و أترك للقارئ البحث عن "سائر الطوائف".

أما في تفسير الجلالين يمكننا أن نقرأ:
- "فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر" هم: "الْعُلَمَاء بِالتَّوْرَاةِ وَالانْجِيل".
و هكذا نجد أن الذكر يعني التوراة و كذلك الانجيل أيضا، و لم يحدد التفسير هنا القرآن.

و ذهب الطبري في هذا الاتجاه أيضا فذكر:
- "فَاسْأَلُوا أَهْل الْكُتُب مِنْ التَّوْرَاة وَالإِنْجِيل مَا كَانُوا يُخْبِرُوكُمْ عَنْهُمْ !"

و كذلك ذهب القرطبي، مرة، في نفس الاتجاه فقال:
- "يُرِيد أَهْل التَّوْرَاة وَالإِنْجِيل الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم".
و مرة أخرى غير إتجاه معنى الذكر فكتب:
- "وَقَالَ اِبْن زَيْد: أَرَادَ بِالذِّكْرِ الْقُرْآن; أَيْ فَاسْأَلُوا الْمُؤْمِنِينَ الْعَالِمِينَ مِنْ أَهْل الْقُرْآن; قَالَ جَابِر الْجُعْفِيّ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ نَحْنُ أَهْل الذِّكْر.

* عند تفسيره لكلمات الآية " وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْد الذِّكْر" كتب ابن كثير:
- أن سعيد بن جبير قال: الزَّبُور: التَّوْرَاة وَالاِنْجِيل وَالْقُرْآن.
- و أن مُجَاهِد َقَالَ: الزَّبُور الْكِتَاب.
- وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْر وَاحِد: الزَّبُور الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى دَاوُد وَالذِّكْر التَّوْرَاة.
- وَعَنْ اِبْن عَبَّاس الذِّكْر الْقُرْآن.
- وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر الذِّكْر الَّذِي فِي السَّمَاء.
- وَقَالَ مُجَاهِد الزَّبُور الْكُتُب بَعْد الذِّكْر وَالذِّكْر أُمّ الْكِتَاب عِنْد اللَّه وَاخْتَارَ ذَلِكَ اِبْن جَرِير.
- وَ قَالَ زَيْد بْن أَسْلَم هُوَ الْكِتَاب الاوَّل.
- وَقَالَ الثَّوْرِيّ هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
- وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم: الزَّبُور الْكُتُب الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى الأَنْبِيَاء وَالذِّكْر أُمّ الْكِتَاب الَّذِي يُكْتَب فِيهِ الأَشْيَاء قَبْل ذَلِكَ.
- وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس: أَخْبَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى فِي التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَسَابِق عِلْمه قَبْل أَنْ تَكُون السَّمَوَات وَالاَرْض أَنْ يُورِث أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الارْض وَيُدْخِلهُمْ الْجَنَّة وَهُمْ الصَّالِحُونَ.

إذا كان اعتراض للمسلمين على أن إله اليهود قد وعد يهوده بأرض كنعان، بعد حلم حلمه النبي ابراهيم، ثم جاء بعدئذ موسى ليؤكد بحروبه ذلك، فإن اعتراضهم لا معنى له خاصة و إن الله قد وعد المسلمبن، "قبل أن تكون السموات و الأرض" بأن الأرض ستكون لـ "صالحيهم"

و كُتب في تفسير الجلالين أن الذكر هو:
- " أُمّ الْكِتَاب الَّذِي عِنْد اللَّه".

و أعطى الطبري تفسيره فذكر:
- "اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِالزَّبُورِ وَالذِّكْر فِي هَذَا الْمَوْضِع، فَقَالَ بَعْضهمْ: عَنَى بِالزَّبُورِ: كُتُب الأَنْبِيَاء كُلّهَا الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّه عَلَيْهِمْ، وَعَنَى بِالذِّكْرِ: أُمّ الْكِتَاب الَّتِي عِنْده فِي السَّمَاء".
و كتب عن سعيد بن جبير أن: "قَوْله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُور} قَالَ: قَرَأَهَا الْأَعْمَش: " الزُّبُر" قَالَ: الزَّبُور، وَالتَّوْرَاة، وَالإِنْجِيل، وَالْقُرْآن; {مِنْ بَعْد الذِّكْر} قَالَ: الذِّكْر الَّذِي فِي السَّمَاء.

إذن إن الذكر هنا لا يعني الزبور و لا التوراة و لا الإنجيل و لا القرآن بل هو شيء ما في السماء.

و أعطى القرطبي تفسيرا آخرا فذكر:
- "الزَّبُور وَالْكِتَاب وَاحِد. وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَال لِلتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل زَبُور. زَبَرْت أَيْ كَتَبْت وَجَمْعه زُبُر. وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر: " الزَّبُور": " التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن."
و ذكر عن الذكر أنه: "التَّوْرَاة الْمُنَزَّلَة عَلَى مُوسَى" .
**

يقول بعض المسلمين أن التوراة الحالية و الانجيل هي كتب مزورة، و هم على الرغم من قولهم بأن التوراة و الانجيل "الأصيلان" هما ذكر نزلهما الله إلا أنهم يذكرون بأن اليهود و النصارى قد زوروهما. إن كان هذا القول صحيحا فإن مثل هؤلاء المسلمين يخالفون بهذا الآية القائلة "وإنا له لحافظون". و نجد أن هناك من المسلمين من يقول أن الله حفظ التوراة و الانجيل بالقرآن.
و عجبا لمثل هذين القولين!! ففي في الوقت الذي به يعطي المسلمون لله كل المقدرة في الحفظ يسحبون منه قدرته كي يحفظ توراته و إنجيله.
إن مثل هؤلاء المسلمين يجعلون الله يعمل على ذوقهم و يُسخّرونه كيفما يشاءون.