تهيئة وحي الثالوث الأقدس في العهد القديم
لا نجد في العهد القديم وحي الثالوث بشكل كامل، وذلك لسبب بسيط، وهو أنّ ابن الله، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، لم يظهر ظهورًا كاملاً إلاّ في العهد الجديد في شخص يسوع المسيح. وكذلك الروح القدس لم يحلّ على التلاميذ وعلى كلّ إنسان إلا من بعد قيامة المسيح. ولكن ألا نجد في العهد القديم عناصر مختلفة هيّأت لهذا الوحي؟
لا بد، قبل المباشرة بالإجابة على هذا السؤال، من الإشارة إلى أنّ البحث في هذا الموضوع ما كان ممكنًا لو لم يبلغ الوحي بالثالوث كما له في العهد الجديد. فانطلاقًا ممّا أُوحي به إلينا في العهد الجديد، نستطيع أن نعود إلى العهد القديمِ لنرى فيه تهيئة هذا الوحي. وبمَا أنّ عقيدة الثالوث الأقدس في العهد الجديد مرتبطة ارتباطاً وثيقًا بعلاقة الله بالإنسان بواسطة الابن والروح القدس، فالبحث في تهيئة تلك العقيدة في العهد القديم لا بدّ له أن يتمحور حول تلك العلاقة ذاتها في نواحيها الثلاث.
عندما سأل أحد الكتبة يسوع: "أيّ وصية هي أولى الوصايا جميعًا؟"، أجابه يسوع: " الأولى هي: اسمع، يا إسرائيل، الربّ إلهنا هو الرب الوحيد. فأحبب الرب إلهك بكلّ قلبك، وكل نفسك كلّ ذهنك؟ وكلّ قوّتك" (مر 12: 28- 30). تلك الوصية، التي نجدها في سفر تثنية الاشتراع (6: 5)، والتي كان على كل يهودي أن يتلوها كل يوم، توجز علاقة الله بالإنسان وعلاقة الإنسان بالله. فالله هو الإله الوحيد الذي يجب أن يحبّه كلّ إنسان.
هذا الإله الوحيد هو الله الآب الذي يطلب يسوع أن يثق به الإنسان ويحبّه ويقتدي به: "أحبوا أعداءكم، وصلوا لأجل الذين يضطهدونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات... فأنتم إذن، كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى 5: 44- 48).
يظهر الله الآب في العهد القديم في كلّ ما يقوله العهد القديم عن الله: الإله الواحد، والإله الخالق، والإله القدوس، والإله المخلّص، والإله الذي اختار شعبه ليقيم معه عهدًا منذ إبراهيم وإسحق ويعقوب حتى موسى وداود وسائر الأنبياء.
إلى جانب هذه التسميات التي يدعو بها العهد القديم الله، يمكن أن نضع تسمية "الأب"، كما نقرأ مثلاً في سفر أشعيا: "يا رب، أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا، ونحن جميعًا عمل يديك" (أش 64: 8). ففي هذه العبارة يدعى الله أبا، لأنه الخالق. وفي نصّ آخر يدعى الله أبًا لأنّه المخلّص والفادي: "أنت يا رب أبونا وفادينا، منذ الدهر اسمك" (أش 63: 16). وفي تثنية الاشتراع نجد علاقة بين تسمية الله "أبًا" وإيمان الشعب بأنّ الله هو الذي خلقهم واختارهم نصيبًا له: "أبهذا تكافئ الرب، أيها الشعب الأحمق الذي لا حكمة له؟ أليس أنه هو أبوك مالكك الذي فطرك وأبدعك؟ سل أباك ينبئك وأشياخك يحدّثوك، حين قسم العلي الأمم... لأنّ نصيب الرب شعبه، يعقوب حبل ميراثه... الصخر الذي ولدك تركته، والإله الذي أنشأك نسيته. فرأى الرب واغتاظ لما أغضبه بنوه وبناته" (تث 32: 6- 19).
وفي تلك الأبوّة يجد الأنبياء حافزًا لدعوة الشعب إلى القداسة: فإنّ دعوة سفر الأحبار: "كونوا قديسين، لأني أنا الربّ إلهكم قدوس" (أح 19: 2) تجد صداها في نبوءة إرميا مع ذكر أبوّة الله لشعبه: "ارجعي إليّ، يقول الرب، أما دعوتِني منذ ذلك الوقت: يا أبتِ، أنت مرشد صبائي... إرجعوا أيّها البنون المرتدّون، فأشفي ارتداداتكم" (إر 3: 1، 4، 19، 22). "يأتون باكين وأهديهم... لأنّي أب لاسرائيل، وأفرائيم بكر لي" (إر 31: 9). وفي ذلك يقول أيضاً النبي ملاخي: "الابن يكرم أباه، والعبد يكرم سيّده، فإن كنت أنا أبًا، فأين كرامتي، وإن كنت سيّدًا، فأين مهابتي؟" (ملا 1: 6). "أليس أب واحد لجميعنا؟ أليس الله واحد خلقنا؟ فلِمَ يغدر الواحد بأخيه مدنّسًا عهد آبائنا؟" (ملا 10:2).
وهوشع النبي يجمع بين محبة الأب وحنان الأم: "اذ كان اسرائيل صبيًّا أحببته، ومن مصر دعوت ابني... وأنا درّجت أفرائيم وحملتهم على ذراعيّ، لكنّهم لم يعلموا أني أنا أبرأتهم" (هو 11: 1- 2). وكذلك يقول أشعيا: "أتنسى المرأة مُرضَعها فلا ترحم ابن بطنها؟ لكن ولو أنّ هؤلاء نسين، لا أنساكِ أنا" (اش 49: 15).
ان الملك يدعى "ابن الله"، والله هو أب له بنوع خاصّ. فنقرأ في المزمور 88: "وجدت داود عبدي، بدهن قداستي مسحته... يدعوني: إنّك أبي وإلهي وصخرة خلاصي، وأنا أجعله بكراً عليّا فوق ملوك الأرض" (مز 88: 21، 27- 28). وغي نبوّة ناتان لداود النبي، ترد أيضاً الفكرة ذاتها: "إذا تمّت أيّامك واضطجعتَ مع آبائك، وأقمتُ من يليك من نسلك الذي يخرج من صلبك، وأقررتُ ملكه، فهو يبني بيتًا لاسمي، وأنا أقرّ عرش ملكه إلى الأبد. أنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا" (2 ملو 7: 12- 14). والمزمور الثاني يوضح تلك الأبوّة الخاصة ويؤكّدها: "قام ملوك الأرض والعظماء ائتمروا معا على الرب وعلى مسيحه... حينئذ يكلّمهم بسخطه وبغضبه يروّعهم: إنّي مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي، لأخبرنّ بحكم الرب. قال لي: أنت ابنى، أنا اليوم ولدتك. سلني فأعطيك الأمم ميراثًا لك وأقاصي الأرض ملكًا لك" (مز 2: 2- 8).
خلاصة القول أنّ هناك مقاطع عديدة من العهد القديم تدعو الله أبًا للشعب، وبنوع خاصّ للملك وللمسيح المنتظر، مظهرة محبة الله لأبنائه وداعية إياهم إلى الإيمان بتلك المحبة وإلى الجواب عليها بمحبة متبادلة وسيرة مقدّسة.
إن علاقة الله بالإنسان تظهر في العهد القديم بنوع خاصّ في كلمته وحكمته وروحه. فكل ما قيل في العهد القديم عن كلمة الله وحكمته وجد تحقيقه في العهد الجديد في شخص يسوع المسيح. وكل ما قيل عن روح الله وجد تحقيقه في الروح القدس. لذلك يمكننا أن نرى في هذه المفاهيم تهيئة لظهور الابن والروح، الاقنوم الثاني والاقنوم الثالث من الثالوث الأقدس.
الكلمة هي تعبير عن فكر الإنسان وتعبير عن إرادته. وفي حال غياب الإنسان تمثّل كلمته نوعًا من حضوره. هكذا كلمة الله في الكتاب المقدس هي حضور الله في وسط شعبه. ويتّسم هذا الحضور بثلاث سِمَات: فكلمة الله تكوّن الشعب، وتخلّصه، وتخلق الكون.
* إن الله، بكلمته، يكشف لشعبة. علاقته به وتصميمه تجاهه. فهو الذي اختار شعبه "ليكونوا له خاصة من جميع الشعوب". وهذا ما أعلنه لموسى على جبل سيناء:
"وصعد موسى إلى الله، فناداه الرب من الجبل قائلاً: كذا نقول لآل يعقوب وتخبر بني إسرائيل. قد رأيتم ما صنعت بالمصريّين وكيف حملتكم على أجنحة النسور، وأتيت بكم إليّ. والآن إن امتثلتم أوامري وحفظتم عهدي، فإنّكم تكونون لي خاصة من جميع الشعوب، لأن جميع الأرض لي، وأنتم تكونون لي مملكة أحبار وشعبًا مقدّسًا" (خر 19: 3- 6).
وعلى جبل سيناء أوصى الله موسى أن يكتب "كلام العهد الكلمات العشر" (خر 34: 28)، أي وصايا الله العشر التي ستكون القاعدة والأساس لحياة الشعب وعلاقته بالله. فالشعب يكوّن وينشأ ويصير شعبًا مقدسًا لله بحفظه كلام الله. فكلمة الله هي إذن التي تخلق شعب الله، أي تجعل من جماعة من الناس شعب الله المقدس.
* ثم إن كلمة الله ترافق الشعب الذي خلقته لتقوده مدى تاريخه وتخلّصه. وذلك بواسطة الأنبياء الذين لا يتكلمون من ذواتهم بل ينقلون إلى الشعب كلام الله. فيقول أشعيا: "إستمعي أيتها السماوات، وأنصتي أيتها الأرض، فإنّ الربّ قد تكلّم" (أش 1: 2). ومعظم الأنبياء يبدأون نبوءاتهم بالعبارة التالية: "هكذا قال الرب" (عا 1: 3، 11؛ 2: 1؛ 3: 1). وكلمة الله هذه التي تُلقى إليهم تصير جزءًا منهم. وهذا ما يعبّر عنه إرميا وحزقيال بتعبير رمزيّ، "بأكل" كلمة الله. يقول إرميا:
"إن كلماتك قد بلغت إليّ، فأكلتُها، فكانت لي كلمتك سرورًا وفرحًا في قلبي، لأنّ اسمك ألقي عليّ، أيها الرب إله الجنود" (ار 15: 6).
ويسمع حزقيال صوت الله يقول له:
"يا ابن البشر، إني مرسلك إلى بني إسرائيل... فاسمع ما أكلّمك به... افتح فك وكُلْ ما أناولك". ويناوله الله كتابًا فيأكله، "فيصير في فمه كالعسل" ثم "ينطلق ليكلّم الشعب بكلام الله" (راجع حز 2- 3).
وعندما تثقل كلمة الله على النبيّ لعدم إصغاء الناس إليها، يودّ ألاّ ينطق بها، بيد أنها "تصير في قلبه كنار محرقة" (ار 20: 9)، ولا يستطيع إلاّ أن يتكلّم بها.
ولكونها كلمة الله نفسه، فلا يمكن إلاّ أن تؤتي فعلها، حسب قول أشعيا:
"كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجع إلى هناك، بل يروي الأرض، ويجعلها تنشئ وتنبت لتؤتي الزارع زرعًا والآكل طعامًا، كذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي لا ترجع إليّ فارغة، بل تتمّ ما شئت وتنجح في ما أرسلها له" (أش 55: 10- 12).
وكلمة الله هذه تقود الشعب وعليه وتخلّصه، وإن شعر النبيّ بضعفه وتردّده إزاء التبشير بها. فالله هو نفسه الذي يسهر على كلمته ليجريها. فعندما أعلن الله كلمته لإرميا النبيّ، خاف إرميا وقال لله: "هاءنذا لا أعرف أن أتكلّم لأني صبيّ، فقال له الرب: "لا تخف من وجوههم، فإنّي معدّ لإنقاذك". ثم مدّ الرب يده ولمس فمه وقال له: "هاءنذا قد جعلت كلامي في فمك. أنظر: إنّي أقمتك اليوم على الأمم وعلى الممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس". ثم قال له الرب: "ماذا أنت راءٍ يا إرميا؟"، فقال: "إني راءٍ قضيبا ساهرًا". فقال له الرب: " قد أحسنت في ما رأيت، فإني ساهر على كلمتي لأجريها" (ار 1: 6- 12).
لذلك يرجو الشعب كلمة الله لأنها تخلّصهم: "أرسل كلمته فشفاهم ونجّاهم من مهالكهم" (مز 106: 20). وتؤكد المزامير بنوع خاصّ رجاء المؤمن بكلمة الله وحمده الله على كلمته: "أحمد الله على كلامه، أحمد الرب على كلامه" (مز 55: 11)، "ذابت نفسي شوقًا إلى خلاصك، إنّما رجوت كلمتك، كلّت عيناي من انتظار أقوالك، وأنا أقول متى تعزّيني" (مز 118: 81، 114، 147)
* انطلاقًا من كلمة الله التي تخلق الشعب وتخلّصه، توصلت أسفار العهد القديم الأحدث عهدًا إلى القول إنّ كلمة الله أيضاً التي خلقت الكون. ففيمَا تصف رواية الخلق الأقدم عهدًا أنّ الله جبل الإنسان من طين، تصف الرواية الأحدث أنّ الله خلق الكون والإنسان بكلمته: "وقال الله: ليكن نور، فكان نور..." (تك 1: 3- 26). ونجد هذا التعبير عن الخلق بالكلمة في المزامير والأسفار الحكمية: "بكلمة الرب صنعت السماوات، وبروح فيه كل جنودها" (مز 32: 6). "الرب صانع الجميع بكلمته" (حك 9: 1).
إن كلمة الله التي بها يكوّن الله شعبه ويرافقه ويخلّصه، والتي بها يخلق الكون، تشير في آن معًا إلى تسامي الله عن الكون والإنسان من جهة، وإلى حضوره في الكون وقربه من الإنسان من جهة أخرى. وكل ما قيل عن كلمة الله في العهد القديم سيرى العهد الجديد، ولا سيّمَا يوحنا الإنجيلي (يو 1: 1- 18)، تحقيقه تحقيقًا كاملاً في المسيح الذي هو كلمة الله المتجسّد.
هناك علاقة وثيقة بين كلمة الله وحكمة الله. فكلاهما تخلقان الكون وتكوّنان الإنسان وتقودانه وترشدانه إلى إرادة الله وإلى كل عمل مقدّس. هذا ما نقرأه في سفر الحكمة الذي يجمع بين كلمة الله وحكمته، فيقول:
"يا إله الآباء، يا ربّ الرحمة، يا صانع الجميع بكلمتك، وفاطر الإنسان بحكمتك، لكي يسود على الخلائق التي كوّنتها، ويسوس العالم بالقداسة والبرّ، ويجري الحكم باستقامة النفس، هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك... فإن كان في بني البشر أحد كامل ولم تكن معه الحكمة التي منك لا يُحسب شيئًا... فأرسلها من السماوات المقدسة وابعثها من عرش مجدك، حتى إذا حضرت تجدّ معي وأعلم ما المرضيّ لديك. فإنها تعلم وتفهم كلّ شيء، فتكون لي في أفعالي مرشداً فطينا وبعزّها تحفظني... نحن بالجهد نتمثّل ما على الأرض وبالكدّ ندرك ما بين أيدينا، فمَا في السماوات من اطّلع عليه، ومن علم مشورتك لو لم تؤتِ الحكمة وتبعث روحك القدوس من الأعالي، فإنه كذلك قوّمتَ سبل الذين على الأرض وتعلّم الناس مرضاتك. والحكمة هي التي خلّصت كلّ من أرضاك منذ البدء". (حك 9: 1- 19).
تلك الحكمة تراها الأسفار المقدسة موجودة الله منذ الأزل:
"الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. من الأزل مُسحتُ من الأوّل قبل أن كانت الأرض. ولدتُ حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة المياه. قبل أن أقرّت الجبال وقبل التلال وُلدتُ. اذ كان لم يصنع الأرض بعد... كنت عنده مهندسًا... طوبى للإنسان الذي يسمع لي... فانه من وجدني وجد الحياة" (أم 8: 22- 36).
وهي، على مثال كلمة الله، قد خرجت من فم الله. "اني خرجت من فم العليّ بكرا قبل كل خليقة، وجعلت النور يشرق في السماوات على الدوام... قبل الدهر من الأوّل حازني، وإلى الأبد لا أزول" (سير 24: 5- 6، 14).
ان العهد الجديد سيرى في يسوع المسيح "حكمة الله" (1 كو 1: 24)، و"ضياء مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته" (عب 1: 3).
في العهد القديم كرز الأنباء بكلمة الله، وتكلّم سليمان بحكمة الله أمّا في العهد الجديد، فقد حضرت إلينا كلمة الله وحكمته في شخص يسوع المسيح:
"رجال نينوي سيقومون، في الدينونة، مع هذا الجيل، ويحكمون عليه، لأنهم تابوا بوعظ يونان، وههنا أعظم من يونان. ملكة الجنوب ستقوم، في الدينونة، مع هذا الجيل، وتحكم عليه، لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وههنا أعظم من سليمان" (متى 12: 41- 42).
إنّ حضور الله في الكون والإنسان يتّخذ نوعًا آخر، إلى جانب حضوره بكلمته وحكمته، وهو حضوره بروحه. والروح، في العهد القديم، هو قدرة الله التي تظهر في الطبيعة وفي الإنسان، ولا سيّمَا في من يختارهم الله من ملوك وأنبياء وكهنة، على أن تشمل جميع الناس في الأزمنة الأخيرة.
إنّ اللفظة العبرية للروح هي "رُوَح"، ترد 389 مرّة في العهد القديم، ولكنّها لا تعني فقط الروح القدس أو روح الله، بل أيضاً "الريح"، أي الهواء، أكان نسمة خفيفة أم ريحًا عاصفة. وتعني كذلك نَفَس الإنسان وروحه.
لقد اختبر الإنسان أوّلاً عمل الريح في الكون ونسبه إلى الله. " فالله هو الذي أرسل الريح على الأرض لتتناقص المياه بعد الطوفان" (تك 8: 1)، وهو الذي جعل الرياح تهبّ لينزل المطر مع إيليّا النبيّ (3 ملوك 18: 45)، وهو الذي "ساق ريحًا شرقية على الأرض" حملت معها الجراد إلى مصر، ثم "ردّ ريحًا غربية شديدة جدًا فحملت الجراد وطرحته في بحر القُلْزُم" (تك 10: 13، 19). وكذلك عندما مدّ موسى يده على البحر، أرسل الرب ريحًا شرقية شديدة جفّفت البحر الأحمر ليمر فيه العبرانيون (تك 14: 21). والريح خاضعة لسلطة الله، على غرار جميع الكائنات، يستخدمها متى شاء: "هو الذي صنع الأزض بقوّته... بصوته يجمع غمار مياه في السماء، وينشئ السحب من أقصى الأرض، ويحدث البروق للمطر، ويبرز الرّيح من خزائنه" (إر 10: 13). "الشعب قد يبس وزهره قد سقط لأنّ ريح الرب هبّت فيه" (أش 40: 1)
فالمعنى الأوّل للفظة "رُوَح" متعلّق إذًا بقوّة في الطبيعة تعطيها الحياة. والمعنى الثاني مرتبط بقوة في الإنسان تعطيه الحياة. فالرُوَح هي نَفَس الإنسان وروحه، نفخها الله ذاته في الإنسان، حسب رواية سفر التكوين: "وإنّ الرب الإله جبل الإنسان من تراب من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسًا حيّة" (تك 2: 7).
لهذا نرى أن الروح في العهد القديم أمر واقعيّ يمكن الإنسان، وإن لم يره، أن يشعر به ويدرك فاعليّته. فكما يشعر بعمل الريح في الطبيعة، كذلك يشعر بذاته كائنًا يتنفّس وروحه فيه.
أمّا المعنى الثالث للفظة "رُوَح" فهو روح الله لنفسه، الذي يستطيع الإنسان أن يدرك وجوده من خلال عمله في الطبيعة وعمله في الإنسان.
إن روح الله هو روح القدرة، الذي يعطي الحياة لجميع الكائنات. فهو الذي خلق كلّ شيء، كما جاء في الآيات الأولى من سفر التكوين: "في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرفّ على وجه المياه" (تك 1: 1-2)، وكما جاء أيضاً في المزامير: "الجميع يرجونك لترزقهم القوت في حينه... تحجب وجهك فيفزعون، تقبض أرواحهم فيموتون وإلى ترابهم يعودون. ترسل روحك فيُخلقون، وتجدّد وجه الأرض" (مز 103: 27- 30).
وتؤكّد مختلف أسفار العهد القديم أنّ روح الله هو الذي يعمل في الذي اختارهم ليقودوا شعبه، كالقضاة والملوك والأنبياء. فعن عشنيئيل يقول سفر القضاة: "وكان روح الرب عليه، فتولّى القضاء لإسرائيل" (قض 3: 10)، وعن شمشون، عندما برز أمامه شبل لبؤة يزأر في وجهه: "فحلّت عليه روح الرب، ففسخه كما يفسخ الجدي، ولم يكن في يده شيء" (قض 14: 6). وكذلك "حلّ روح الرب على شاول عندما مسحه صموئيل بالزيت، فأخذ يتنبّأ" (1 ملوك 10: 6). وعندما مسح صموئيل داود "حلّ روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا... وفارق روح الرب شاول وزعجه روح شرّير من لدن الرب" (1 ملوك 16: 13، 14).
إنّ روح الرب يحلّ على الملوك فيمنحهم قوّة إلهيّة. وكذلك يحلّ على الأنبياء فيجعلهم يعملون ويتكلّمون باسم الرب، فنرى إيليا يقوده "روح الرب" (3 ملوك 18: 12)، وعند وفاته ينتقل روح الرب الذي كان حالاًّ عليه إلى أليشع: "ورآه بنو الأنبياء الذين في أريحا تجاهه، فقالوا: قد حلّت روح إيليا على أليشع" (4 ملوك 2: 15). وميخا النبي يرى في روح الرب قوّة لإعلان كلام الرب: "لكنّي قد امتلأت قوّة بروح الرب، وحكمًا وبأسًا، لأخبر يعقوب بمعصيته وإسرائيل بخطيئته" (ميخا 3: 8).
أمّا الذي سيحلّ عليه روح الرب بشكل دائم فهو المسيح، كما جاء في نبؤة أشعيا: "ويخرج قضيب من جذر يسَّى، ويَنمي فرع من أصوله. ويستقرّ عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح العلم وتقوى الرب" (أش 11: 1، 2). ويرى أشعيا الثاني روح الرب يحلّ على المسيح ليوصل رسالة الرب إلى جميع الأمم: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سارت به نفسي، قد جعلتُ روحي عليه، فهو يبدي الحكم للأمم، لا يصيح ولا يجلّب، ولا يُسمِع صوتَه في الشوارع. قصبة مرضوضة لا يكسر، وكتّانًا مدخنًا لا يطفئ. يبرز الحكم بحسب الحق. لا يني ولا ينكسر، إلى أن يجعل الحكم في الأرض، فلشريعته تنتظر الأمم" (أش 42: 1- 3)؛ "إنّ روح السيّد الرب عليّ، لأنّ الرب مسحني لأبشّر المساكين، وأرسلني لأجبر المنكسري القلوب، وأنادي بعتق للمسبيّين وبتخلية للمأسورين، لأنادي بسنة الرب المقبولة" (أش 61: 1- 3).
وبواسطة المسيح سيحلّ روح الرب على جميع الناس ليسلكوا بحسب وصايا الله. وهذا ما يعلنه حزقيال، "نبي الروح": "أعطيهم قلباً واحدًا وأجعل في أحشائهم روحًا جديدًا، وأنزع من لحمهم قلب الحجر، وأعطيهم قلبًا من لحم، لكي يسلكوا في رسومي ويحفظوا أحكامي ويعملوا بها، فيكونون لي شعبًا وأكون لهم إلهًا" (حز 11: 19، 20؛ راجع أيضاً 36: 26- 28).
وهذا ما يتنبّأ به يوئيل للأزمنة الماسياوية الأخيرة: "وسيكون بعد هذه أني أفيض روحيي على كلّ بشر فيتنبّأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبّانكم رؤى، ويحلم شيوخكم أحلامًا. وعلى عبيدي أيضاً وإمائي أفيض روحي في تلك الأيام" (يوء 2: 28، 29).
وهكذا لن يعود حلول الروح هبة خاصة بالملوك والأنبياء، بل يعطى لشعب الله بأجمعه. وهذا الروح هو الذي سيجدّد قلب الإنسان من الداخل ليحمله على السلوك بحسب وصايا الله فالخاطئ يُحزن الروح القدس: "لكنّهم تمرّدوا وأحزنوا روَحه القدوس" (أش 63: 10). لذلك يطلب المزمور الخمسون: "قلباً طاهراً فيّ يا الله، وروحاً مستقيمًا جدّد في أحشائي. لا تطّرحني من أمام وجهك، ولا تنزع مني روحك القدوس" (مز 50: 13). ويقول سفر الحكمة في هذا الصدد: "من علم مشورتك لو لم تؤتِ الحكمة، وتبعث روحك القدوس من الأعالي؟" (حك 9: 17). وهذا الروح القدس يدخل إلى أعماق الإنسان و يملأه حكمة: "انّ الحكمة مهندسة كلّ شيء هي علّمتني. فإنّ فيها الروح الفهِم القدوس، المولود الوحيد ذا المزايا الكثيرة، اللطيف السرج الحركة، الفصيح الطاهر النيّر السليم، المحبّ للخير، الحديد الحرّ المحسن، المحبّ للبشر، الثابت الراسخ، المطمئن القدير، الرقيب الذي ينفذ جميع الأرواح الفهمة الطاهرة اللطيفة" (حك 7: 21- 23).
وهذا الروح لن يترك الإنسان: "هذا عهدي معهم، قال الرب: روحي الذي عليك وكلامي الذي جعلته في فمك لايزول من فمك، ولا من فم نسلك، ولا من فم نسل نسلك، قال الرب، من الآن وإلى الأبد" (أش 59: 21).
والروح الذي سيرسله الرب في الأيام الأخيرة سيُحيي الأموات، كما جاء في نبوءة حزقيال على العظام اليابسة:
"وكانت عليّ يد الرب، فأخرجني الرب بالروح، ووضعني في وسط البقعة، وهي ممتلئة عظامًا... وقال لي: تنبّأ نحو الروح، تنبّأ يا ابن البشر، وقل للروح: هكذا قال السيد الرب، هلمّ أيها الروح من الرياح الأربع، وهبّ في هؤلاء المقتولين فيحيوا. فتنبّأت كما أمرني. فدخل فيهم الروح، فحيوا وقاموا على أرجلهم جيشًا عظيمًا جدًّا جدّاً... هكذا قال السيد الرب: ها أناذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم... وأجعل روحي فيكم فتحيون" (حز 37: 1- 14).
خلاصة القول انّ الروح في العهد القد يظهر على ثلاثة أوجه يظهر أوّلاً كقدرة حياة تحيي كل خليقة، ويظهر ثانياً في كلام الأنبياء والمعجزات التي يقومون بها باسم الله، ويظهر أخيراً كوعد للأزمنة الأخيرة التي فيها سيأتي المسيح ممتلئًا من الروح القدس، وبواسطته سيحلّ الروح القدس على جميع الشعب وفي داخلهم، كقوّة قداسة وينبوع حياة جديدة.
وفي جميع هذه الوجوه، لا يبدو الروح كقدرة مستقلّة عن الله، بل كقدرة مرتبطة بالله. وحضوره هو حضور واقعي وسرّي في آن واحد، فالله يعمل بواسطة روحه القدوس في قلب العالم، ولكنّه يبقى متعاليًا عن العالم.
هكذا أوحى الله بذاته في العهد القديم: إلها أبًا يخلق العالم ويخلّصه بكلمته وروحه. وتلك هي التهيئة التي نجدها في العهد القديم لكشف سرّ الثالوث الأقدس في العهد الجديد. فمَا يجب تأكيده هو أن الله لا يكشف ذاته إلا من خلال علاقته بالإنسان. وقد ظهرت لنا تلك العلاقة علاقة ثالوثيّة: فالله هو الآب، والكلمة والروح هما قدرة الله وحضوره اللذان يتّصل بهما بالعالم فيخلقه ويرشده ويخلّصه ويحييه. إنهما، كما يقول القديس إيرناوس، "يدا الله".
وهكذا يتبيّن لنا ما قلناه في مستهلّ بحثنا أن أيّ محاولة لاهوتيّة للدخول في سرّ الثالوث الأقدس يجب ألا تنطلق من التأمّل النظريّ الفلسفيّ في الذات الإلهية لمعرفة تكوينها الباطنيّ، بل من وحي الله لذاته في تاريخ الخلاص. فالله في العهد القديم من تاريخ الخلاص أوحى بذاته أباً يخلق ويخلص. "وروحه. وفي العهد الجديد بلغ وحي الله كماله، إذ أرسل إلينا الله ابنه الوحيد، وبالابن عرفنا الآب وعرفنا الروح القدس.