بوتقة ظهور
الإسلام
جرجس سال وهاشم العربي
استهلال
هذا الكتاب . مقالة في الاسلام :
هو دليل كامل للمشتغلين بدراسة العقائد . ومرشد طويل الباع للعاكفين على مقارنة الاديان . وهو مرجع يعول عليه ولا يستغنى عنه لمن رام معرفة حقة عن الاسلام في بيئته السابقة والناشئة واللاحقة . وفي تأثراته الجمة بما سبقه وعايشه من الملل والنحل في أدق أركانه وأصوله وفروعه ، وهو بالتالي وثيقة تاريخية سيبقى على مر الايام ؛ لانه مستمد قيمته من الموضوع الخطير الذي ينتصب حياله ، ومن الحق الذي يصبو اليه ويعلن عنه .
فلم يغفل فيه كاتبه ناحية من نواحي الاسلام الا سلط عليها أنوار العقل ، وأصول البحث العلمي النزيه . وأعطى كل ناحية فيه ما تستحقه من التحليل والبيان بموضوعية خالصة ، وأمانة قاطعة ، فجاء محكم الفكرة ، قوي الحجة ، عميق النظرة وكان فيه كاتبه ملتزم النصفة بادي النزاهة ، بعيدا عن الهوى والهوس والغرض مما حمل الغلاة في الدين من مواطنيه على اتهامه بالمروق عن مسيحيته .
عرّب هذا الكتاب السيد
هاشم العربي الشهير ثم قام بتذييل فصوله الثلاثة الأولى بأبحاث منه جامعة مانعة
فجاءت مع الكتاب " كتابا برأسه كبير الفائدة يغني مطالعه ودارسه عن كثير من مطولات
الكتب العربية ، ويقفه على المهم من تاريخ العرب ، ويلخص له بوجيز العبارة وزخم
المعاني : ماهو الاسلام وما هو القرآن " .
يسرنا ونحن نقدم هذا
السفر النفيس الذى هدانا وألهمنا الله الى اخراجه من جديد أن نزفه الى قراء العربية
عموما والى مراسلينا الاعزاء خصوصا ، وأن ننوه الى الأمور التالية :
أولا : لاحظنا في
الكتاب بعض الأخطاء اللغوية أو المطبعية واشارات الى بعض العادات والاحكام ،
والحكام والنظم التي كانت سائدة أيام المؤلف وعفي عليها الزمن فتركناها كما هي
أمانة للنقل وحفظا على سلامة التأليف .
ثانيا : أصدرنا الكتاب
في أربعة أجزاء بحسب الموضوعات الرئيسية المدرجة فيه ثم اخترنا لها عناوين تتناسب
وموضوع كل جزء منها وذلك على الشكل التالى :
1. حقائق عن العرب في
الجاهلية .
2. بوتقة ظهور
الاسلام.
3. أسرار عن القرآن
.
4. جذور الشرع في
الاسلام.
ثالثا: كان
الكتاب متسلسل الفصول والأرقام ، وكانت الذيول الثلاثة المشار اليها مدرجة في آخرة
، فأثبتنا كل ذيل مع الفصل الذى يتصل به ، وجعلناهما جزءا واحدا . وتلافيا لاضطراب
تسلسل أرقام الصفحات استعضنا عنها بأرقام عربية ، أما أجزاء الكتاب الباقية فقد
جعلنا منها جزءا واحدا وهو الرابع والاخير من الكتاب.
رابعا:
استخرجنا للكتاب اسئلة لكل فصل وذيل وأثبتناها في نهايتهما . فجاءت الأجزاء الأربعة
مسلسلات دراسية ومسابقات بحيث يتسنى لكل مشترك فيها الحصول على جائزة مفيدة من
كتبنا القيمة في حالة نجاحه.
نسأل الله
العلي العظيم أن يتقبل عملنا المتواضع هذا ويسبغ عليه من روحه ستر الكمال والبركة
وعين الرضى لتعميم فائدته وليؤول المجد كله لله بربنا يسوع المسيح.
الناشرون.
وفي طريق الخطاي لم يقف
مزمور 1: 4
الفصل الثاني
في البحث
عما كانت عليه حال النصرانية واليهودية أيام ظهور محمد والطرق التي سلكها محمد
لتأسيس دينه وما أعانه على ذلك من الشؤون .
اذا أنعمنا
النظر في ما كتبه مؤرخو الكنيسة منذ القرن الثالث للميلاد الفينا حال الأمة
النصرانية لذلك العهد بعيدة جدا عما وصفها به بعض المصنفين وذلك أنها فضلا عن كونها
لم تكن مؤيدة بالنعمة الفعالة والغيرة والتقوى راسخة على اساس التعليم الصحيح وعلى
الاتحاد وثبات الايمان كما زعموا ، كان رعاتها مشتغلين بالمطامع الشخصية يتخذون
العويص من مسائل الدين ذريعة للمشاجرات والمماحكات وقد انقسموا فيها الى فرق وبدع
لا تعد ونفوا من صدورهم ما ندب إليه الإنجيل من الموادعة والمحبة والمؤاساة وعدلوا
إلى المناوآت والضغائن وسائر أنواع المفاسد حتى أنهم بينما كانوا يتماحكون في
أوهامهم في الدين اضاعوا جوهر الدين نفسه وكادت مشاجراتهم فيه تستأصله بتة ومعظ ما
ننكره الآن على بعض فرق النصرانية من باطل العقائد والفساد انما نشأ وتأصل في تلك
الأعصر المظلمة فعاد بالنفع على الاسلام وأعان على انتشاره ونخص من تلك العقائد
بالذكر عبادة القديسين والصور فانها كانت قد بلغت وقتئذ مبلغاً يفوق كل ما نراه
اليوم عند بعض فرق النصارى .
أما
الكنيسة الشرقية فانها أصبحت بعد انفضاض لمجمع النيقاوي مرتبكة بمناقشات لا تكاد
تنقضي وانتقض حبلها بمماحكات الاريوسيين والنساطرة واليعقوبية وغيرهم من اهل البدع
, على أن الذي ثبت بعد البحث أن كلا من بدعتي النساطرة واليعاقبة كانت بأن تدعى
اختلافا في لفظ التعبير عن المعتقد أولى من ان تدعى اختلافا فى المعتقد نفسه وبأن
تدعى حجة يتعنت بها كل من المتناظرين على الآخر أولى من أن تدعى سبباً موجباً
لالتئام مجامع عديدة يتردد اليها جماعة القسس والاساقفة ويتماحكون ليعلي كل واحد
منهم كلمته ويحيل القضايا الى هواه . ثم ان نافذى الكلمة منهم واصحاب المكانة في
قصر الملك كان كل واحد منهم يختص نفراً من قواد الجيش أو من اصحاب الخطط يكون له
عليهم الولاء ويتقوى بهم وبذلك صارت المناصب تنال بالرشي والنصفة تباع وتشترى
جهارا.
أما
الكنيسة الغربية فقد كان فيها من تهالك داماسوس واورسكينوس في المشاحنة على منصب
الاسقفية ، أي اسقفية رومة ما افضى الى احتدام نار الفتنة وسفك الدماء بين حزبيهما
حتى ان الوالي لما رأى انه لا قبل له بقمع هذا الشر انصرف عن المدينة وترك
المتنازعين وشأنهما وكان الفوز بعد ذلك لداماسوس . قيل استحر القتل في الناس في هذه
النازلة حتى بلغ عدد القتلي في كنيسة سيكينيوس وحدها مائة وسبعة وثلاثين في يوم
واحد . ولم يكن من العجيب ان يشتد حرصهما على تبوّؤ ذلك المنصب المهم لانه كان من
يتبوأة يصبح ذا دنيا عريضة وينال من صلاة السيدات الرومانيات ثروة وافرة فيخرج في
المواكب والابهة بالمركبات والمحفات مسرفا في ترف العيش ولا اسراف الملوك خلافاً
لما كان عليه اساقفة المدن الصغيرة من الاقتصاد والزهد ولو بعض الشيء .
وكان اكثر
ما تنشأ هذه المناقشات عن القياصرة انفسهم ولا سيما القيصر قسطنطيوس فانه اذ لم
يقدر أن يميز بين صحيح الدين المسيحى وخرافات العجائز رَبك الدين بكثير من المسائل
الخلافية بدلا من أن يلم شعث أهل الخلاف فيه فاسعر بذلك نار مشاحنات عديدة كلما
خمدت اضرمها بغيرها مما لا نهاية له . ثم ازدادت هذه الحال سوءاً على عهد
يوستنيانوس فانه لم يؤثر أن يقصر في الغيرة على الدين عن اساقفة القرن الخامس
والسادس حتى كان اذا قضى بقتل من يخالفه في المذهب لا يرى انه جاء به شيئا
فرياً.
فلما فشا
في أولياء الأمور وأرباب الدين هذا الفساد في العقائد والأخلاق والسيرة نشأ عنه
بالطبع فساد سيرة العامة من الناس فأصبحوا على اختلاف طبقاتهم وليس لأحدهم هم سوى
جمع الأموال من الوجوه المحللة أو المحرمة ثم اتلافها في سرف العيش وانتهاك حرمات
الله.
هذا ما كان
عليه حال النصرانية في غير بلاد العرب أما حالها في بلاد هذه الأمة التي هي موضوع
بحثنا فلم تكن خيراً من ذلك فقد اشتهرت هذه البلاد منذ القديم بكثرة البدع ولعل ذلك
مسبب عن حرية القبائل واستقلالهم . فكان في نصارى العرب قوم يعتقدون أن النفس تموت
مع الجسد ثم تنشر معه في اليوم الآخر وقيل أن أريجانوس هو الذي دس فيهم هذا المذهب
. وكم وكم من بدعة انتشرت في جزيرة العرب حتى لا نقول نشأت فيها فمن ذلك بدعة كان
اصحابها يقولون بألوهية العذراء مريم ويعبدونها كأنما هى الله ويقربون لها اقراصاً
مضفورة من الرقاق يقال لها كلّيرس وبها سمى أصحاب هذه البدعة كليريين.
وهذه
المقالة بألوهية مريم كان بعض أساقفة المجمع النيقادي يقولون بها أيضاً فانهم كانوا
يزعمون ان مع الله الآب الهين هما عيسى ومريم ومن هذا كانوا يدعون بالمريميين .
وكان بعضهم يذهب إلى انها تجردت عن الطبيعة البشرية وتألهت . وليس هذا ببعيد عن
مذهب قوم من نصارى عصرنا قد فسدت عقيدتهم حتى صاروا يدعونها تكلمة الثالوث كأنما
الثالوث ناقص لولاها . وقد أنكر القرآن هذا الشطط لما فيه من الشرط (1) ولا جرم ثم
اتخذه محمد ذريعة للطعن في عقيدة التثليث.
وفضلاً عن
ذلك فقد اجتمع أيضا في جزيرة العرب عدد وافر من الفرق المختلفة الاسماء لجأوا اليها
هرباً من اضطهاد القياصرة فادخل محمد كثيراً من عقائدهم في دينه كما سترى ، أما
اليهود الذين كانوا في سائر البلاد أذلاء لا يعتد بهم فقد قويت شوكتهم في بلاد
العرب حيث لجأ كثير منهم على أثر خراب بيت المقدس وهوَّدوا كثيراً من ملوك العرب
وقبائلهم . ولذا كان محمد في بادئ امره يداريهم حتى أنه أخذ عنهم كثيراً من
مقالاتهم ورسومهم وعاداتهم تألفاً لهم لعلهم يشايعونه لكنهم جرياً على سننهم
المألوفة في العناد لم ينقادوا له بل ناصبوه العداوة وكانوا من أشد خصمائه يحاربونه
ويكايدونه دائماً ولم يتأت َّ له قهرهم إلا بعد المشقة والعناء وتعريض نفسه لتهالك
أوودت به آخر الأمر . وما ذكرناه من شدة بغضهم له ولَّج في قلبه آخر الأمر بغضة لهم
تضاهيها فصار يعاملهم في باقي عمره باقبح ما كان يعامل به النصارى ويكثر الطعن فيهم
في قرآنه وقد تابعه المسلمون على ذلك إلى يومنا هذا فهم يفرقون بين اليهود والنصارى
ويعدون اليهود أحقر أمه على وجه الأرض وأذاها.
(1)
سورة المائدة :
116
وقد قال بعض من اشتهر
بسداد الرأي في السياسة انه لا يتسنى لأحد أن يسود قوماً وينشيء دولة ما لم تساعده
الفرص فاذا علمت هذا جزمت بان اختلال أحوال النصرانية كان من الفرص التي اعانت
محمدا من الجهة الواحدة على نيل مأربه كما ان وهن قوى الروم والفرس اطمعه من الجهة
الاخرى في الظفر بمراده فيما يقدم عليه من هاتين المملكتين اللتين كانتا قبل ذلك من
القوة على ماهو معلوم ولو كانتا باقيتين على بأسهما لكانتا ولاشك حطمتا الإسلام وهو
في مهده . لا جرم أنه لم يكن له أعو َن على النشوء من النجاح الذي فازت به العرب
حينما تصدوا لفتحهما وهم ينسبون فوزهم ذلك الى دينهم الجديد والعون الالهي الذي وصل
اليهم بسببه . أما مملكة الروم فكانت قد أخذت في الوهن والانحطاط من بعد قسطنطين
حتى كان أكثر خلفائه لا يُعرفون إلا بذميم الخلال ولا سيما الجبن والفظاظة . ولما
ابتدأ أمر الإسلام كان برابرة القوط قد أغاروا على القسم الغربي من المملكة
الهنكارية وتغلبوا عليه وأما القسم الشرقي فكان برابرة الترك يغزونه من الجهة
الواحدة والفرس من الأخرى حتى أصبح وليس للروم فيه طاقة على دفع عدو قوى يهاجمهم
فلذا اضطر القيصر موريقس أن يؤدى الجزية إلى خاقان الترك . ولما خرج الدمستق فقّاس
على هذا القيصر وقتله ثار بعض الجند على بعض فتفانوا عن بكرة أبيهم حتى أن هرقل لما
تبوّأ منصب العاهلية بعد ذلك بسبع سنين لا غير ، ورام أن يجمع فلم يجد حياً سوى
اثنين فقط من كل الجنود الذين كانوا تحت السلاح حينما اغتصب فقاس السلطان . ومع أن
هرقل هذا كان ولا شك رجلاً هماما ذا رأي وتدبير وقد افرغ جهده في لم شعث الجيش ورده
الى الطاعة وظهر على الفرس حتى أخرجهم عما كانوا قد استولوا عليه من بلاد الروم
وتغلب أيضاً على قسم من بلادهم إلا أن مقاتل المملكة كانت قد أصيبت حتى لم يكن قط
وقت أشأم عليها من هذا ولا أيمن منه لما كانت العرب تنويه بها ، فكأن الله جلت
حكمته رام أن ينتقم من نصارى المشرق لتنكيبهم عن نهج الدين الأقدس الذي وضعه لهم
فأرسل عليهم هؤلاء العرب ضربة يضربهم بها .
ومما زاد فى خور قوى
الروم انهماكهم كافةً في الترف وتخنثهم وانحطاطهم عن فتوة آبائهم وزاد على ذلك
الرهبانية والاضطهاد وكلاهما من أعظم أسباب الدمار ..
أما الفرس فانهم كانوا
قد أخذوا في الانحطاط من قبل محمد بمدة وذلك لانشقاق عصاهم بسبب المذاهب المنكرة
التي نشرها في بلادهم ماني ومزدك . أما مذهب ماني فمعروف (1) ، وأما مزدك فانه ادعى النبوة على عهد
خسروا قباذ وزعن أن الله بعثه ليأمر
بشيوع النساء والأموال بين الناس كافة لأنهم كلهم أخوة أولاد أب واحد (2) ، وكان
يتوهم أن ذلك يحسم أسباب المنازعات من بينهم لانها انما تحدث بسبب النساء والمال
فانقاد قباذ إلى مذهب هذا المضل وأباح له على ما تقتضيه هذه السنة الجديدة أن يخلو
بالملكة زوجته الا ان ابنه انو شروان الجأ مزدك بعد الجهد الجاهد الى العدول عن ذلك
ولو لم يتلاف الأمر بعد أبيه بقتل مزدك وأصحابه والمانوية أيضاً لا فضت هذه البدع
بمملكة الفرس إلى وشيك الدمار . وفي عهد انو شروان هذا ولد محمد ، وكان انو شروان
يلقب بالعادل وهو لعمري خليق بهذا اللقب وهو آخر من كان من الأكاسرة أهلاً للملك
لأن خلفاءه ما زالوا يتنازعونه من بعده حتى دمرته العرب . وذلك أن هرمز ابنه كان
شديد الفظاظة والعنف حتى أبغضته الرعية وثار عليه اخوة زوجته فسملوا عينيه واضطر أن
ينزل عن الملك لابنه ابرويز وكان قد خرج عليه بإغراء بهرام ثم مات هرمز مخنوقا .
أما ابرويز فانه اضطر بعد ذلك بقليل أن ينزل عن الملك لبهرام لكنه استنجد بموريقس
عاهل الروم فاسترده وبقي فيه زمنا ثم اظهر الجور فى آخر مدته فابغضته الرعية
وراسلوا العرب في ذلك سراً وآخر الأمر خالعه ابنه شيرويه وسجنه ثم قتله وتعاقب على
المملكة بعده ستة ملوك في مدة ست سنين ينازع أحدهم الآخر فتضعضعت لذلك أحوال الفرس
بتة.
(1)
ظهر ماني في أيام
سابور بن اردشير وقتله بهرام بن هرمز بن سابور سنة 277 للميلاد . أخذ دينا بين
المجوسية والنصرانية وكان يقول بنبوة عيسى وينكر نبوة موسى قال محمد الوراق
صاحب الفهرست
ان ماني زعم
أن العالم مصنوع من أصلين قديمين هما النور والظلمة وانهما أزليان سرمديان وانه ما
من شيء الا وهو من أصل قديم .. انظر ايضا كتاب الملل والنحل .
ولا عبرة
بما فعلوه أيام ابرويز من الاغارة على الشام ونهب بيت المقدس ودمشق لأن ذلك لم يكن
لقوتهم بل لوهن الروم يومئذ حتى إذا زحف عليهم هرقل بجيش الروم أخرجهم عما كانوا
استولوا عليه من بلاده وعن شيء من بلادهم أيضاً ، وكذلك لا يعتد بما كان لهم من
قليل السلطان في اليمن أيام كانت العرب مستضعفة لتفرُّق كلمتها حتى نصبوا فيه
الملوك الأربعة المتقدمين علىمحمد فانه لما اجتمعت كلمة العرب بالإسلام غلبوهم
وهزموهم في كل المواقع ولم يمض إلا قليل من السنين حتى قهروهم تمام القهر وثلوا
عرشهم .
وبينما كان
الروم والفرس على ما وصفنا من الضعف والانحطاط أيام محمد كان العرب يستفحل أمرهم
وينمو عديدهم بمن كان ينضم إليهم من مملكة الروم نفسها إذ كان عنف الحزب المتغلب
فيها يضطر كثيراً من أهلها أن يهاجروا الى بلاد العرب اذ كانت وقتئذ بلاد الحرية
وملجأ أميناً لمن لم يكن له في بلاده حرية في دينه ولا راحة في دنياه . ثم ان العرب
فضلا عن كثرة عددهم لم يكن ترف الروم والفرس ورخاء عيشهم معروفا عندهم بل كانوا
بعكس ذلك متعودين جميع أنواع المشاق وشظف العيش والتقتير لا يكادون يأكلون لحماً
ولا يشربون خمراً ولا يفترشون غير الأرض . وكان ماهم عليه من الهيئة السياسية من
أعون الذرائع لنجاح محمد في مأخذه الذي شرع فيه وذلك أن تشعب قبائلهم وعدم انقيادهم
لرئيس واحد يجمع كلمتهم كان مما لابد منه في أول الأمر لاذاعة دينه وتأسيس سلطانه
اذ لو كانوا متضامنين متحدين مجتمعي الكلمة لما كان من المحتمل أن يتأتي له ذلك
لكنهم لما دانوا بدينه أصبح اجتماع القبائل وتضامها مما لا بد منه أيضاً إذ لم يكن
لولاه ليتأتي لهم من الفتوح وعظمة الشأن ما تأتي .
والذي يترجح عندى أن
هذه الحال أعني ما كان عليه المشرق من الاضطراب في أمور السياسة والدين لم تكن
خافية على محمد فانه لكثرة تجوله في البلاد في أوائل أيامه بقصد التجارة لا بد أن
يكون قد وقف على الكثير منها حق الوقوف ولست أقول أنه كان يطمح ببصره من أول وهلة
إلى المدى البعيد الذي سمت إليه نفسه بعد ذلك حينما ساعده الحظ ولكن لا يبعد انه
بسبب اختلال تلك الأحوال كان يحدّث نفسه بشيء من النجاح فيما يتصدى له إذ كان من
الحذق والدهاء بمكان حتى كان قادراً على الانتفاع بكل حادثة تحدث وعلى أن يحول إلى
فائدة نفسه ما عساه أن يكون تهلكة لغيره ، وأعلم أن طريقه لم تكن في أول امره سهلة
بل كانت وعرة منذ مولده إلا انه دمثها في قليل من الزمان . وذلك ان أباه عبد الله
وهو ثالث أولاد عبد المطلب لا بكرهم كما وهَم قوم، أدركته الوفاة في حياة عبد
المطلب وترك زوجته وابنه محمدا في فاقة لأنه لم يكن له من المال سوى خمسة أبعرة
وجارية حبشية (1) وكان محمد عند وفاة أبيه طفلاً فكفله جدّه عبد المطلب مدة حياته
ولما حضرته الوفاة أوصي به أبا طالب وهو بكر أولاده وأخو عبد الله من نفس أمه فكفله
أبو طالب أحسن كفالة ودرّبه في التجارة لأنه كان تاجراً واستصحبه لذلك إلى الشام
ولم يكن له من العمر وقتئذ سوى ثلاث عشرة سنة ثم حسن لخديجة وهى أرملة ذات شرف ونسب
أن تتخذه فيخرج في تجارتها فخدمها محمد خدمة أرضتها حتى تزوجت به أخيرا فجعلته بذلك
نداً لأغنى أهل مكة .
(1)
أبو الفداء
فلما حصل
بهذا الزواج السعيد على ثروة واسعة وقع في خلده أن يضع ديناً جديداً أو كما قال هو
أن يعيد الدين الحق القديم دين آدم ونوح وموسى وعيسى وسائر النبيين (1) بأن ينسخ ما
كان عليه أكثر قومه من الشرك ويستأصل البدع التي زعم أن متأخرى اليهود والنصارى قد
أحدثوها في ذلك الدين ويردَّه إلى ما كان عليه من الخلوص أي الاقتصار على عبادة اله
واحد لا غير.
وليس من
غرضي هنا أن أقطع بالسبب الذي دفع محمداً إلى ركوب هذا الأمر هل كان محض هوس منه في
أمر الدين أم رام أن يتذرع به إلى الرئاسة وقضاء شهوات البدن كما ذهب إليه جمهور
مؤلفي النصارى . على أنه لا يمتنع
عندى أن يكون الأمر كما قالوا ولكنه من المحتمل أيضاً أن هذا الرجل لم يقصر مطامعه من أول وهلة على
ادراك تلك الغاية الشخصية لا غير ولا ينكر أن المقصد الذي بنى عليه دعوته وهو رد
الوثنيين من العرب إلى معرفة الاله الحق وعبادته دون غيره هو مقصد حميد شريف خلافاً
لما زعم أحد علمائنا المتأخرين من انه أبدل قومه من وثنيتهم ديناً آخر هو مثلها في
القبح .
ومما لا شك فيه أن
محمداً كان معتقداً حق الاعتقاد صحة الركن الأعظم من دينه أعني ركن التوحيد ولذا
كان جل اهتمامه موجهاً إليه وأما ما سواه من سائر أركان الإسلام وفرضة فإنما هي
توابع وملحقات نشأت عن ذلك الأصل بحكم الضرورة ولم تكن مما تعمد وضعه .
(1)
سورة البقرة :
122-131
فإذا تقرر
أن محمداً كان في سريرته مقتنعاً بصحة ركن التوحيد من دينه وهو الركن الذي زعم أنه
قد زاغ عنه الناس طراً لا الوثنيون فقط بل النصارى أيضاً على اختلاف فرقهم ممن
يتخذون عيستى إلها على ماهي حقيقة مذهبهم وممن فسدت عقيدتهم حتى عبدوا العذراء مريم
والقديسين والصور وكذلك اليهود الذين جعلوا عزرا ابناً لله كما عرفهم القرآن (1)
سهل علينا أن ندرك كيف خيل له أنه اذا أنقذ الناس من وهذة هذه الضلالات فيكون أتى
عملاً صالحاً يستحق المثوبة وكيف استدرجته المخيلة المتقدة التي لا يخلو منها
اعرابي أن يتوهم أن العناية الالهية قد ناطت به القيام بعبء هذا الأمر الخطير ولعل
هذا الوهم كان يزداد تأصلا في مخيله بما كان عليه من حب العزلة حتى طفق يجاور في
غار حراء بالقرب من مكة شهراً في كل عام .
ولمنكر هذا الهوَس من
محمد أن يقول كيف يكون محمد ذا هوس وقد أبدى من الحزم والحصافة في تتبع مقصده ما لا
يبيديه ذو هوس في الدين ولا يعقل صدوره من رجل محتد الدماغ.
(1)
سورة براءة :
30
فنجيب نعم ان المهوسين
لا يسلكون كلهم على نهج الرزانة والتحرز الذي سلكه محمد إلا أننا كثيرا ما رأينا
أناسا قبله قد حادوا عن مقتضى المعقول من جهة واحدة أو في أمر واحد وكانت أفعالهم
فيما سوى ذلك غاية في الحزم والسداد وبعد فانه لما كان انتشار الاسلام فجأة ونشأ عن
تغلب اصحابه على النصارى اندثار كنائس المشرق التي كانت قبله زاهية مزهرة كانت
كراهية النصارى لهذا الدين الذي عاد عليهم بالوبال أمراً لا بد منه فلا عجب والحالة
هذه أن يفرغوا جهده في تقبيحه وتهجين واضعه ووصفهما بأقبح الأوصاف إلا أن الحق يقال
أن الضرر الذى لحق بالنصرانية بسبب محمد كان على الأكثر ناشئا عن جهله لا عن خبث
طويته لأنه لم يكن له معرفة تامة بالنصرانية النقية الصحيحة وانما عرف من عقائدها
ما كان في غاية الفساد على عهده (1) فلا بدع أن يبطل أصالةً ما ظن أن اصلاحه مستحيل
.
(1)
" أي مذهب المريميين
والنساطرة وغيرهم من أصحاب البدع اللاجئين إلى بلاد العرب كما مر ".
أما أنه
كان يتمنى أشد التمني ان ينظم في عداد الرجال ا لخارقي العادة فمما لا يشك فيه أحد
، ولما رأى انه لا يبلغ ذلك الا بأن يدّعى انه رسول من الله مبعوث إلى الناس
ليبلغهم أوامر ربهم عمد إلى هذه الدعوى فانتحلها ولعل مطامعة كانت في اول الأمر
واقفة عند هذا الحد لا تتعداه ولو أن قومه عاملوه بالحسنى ولم يلجئوه بالاضطهاد إلى
الفرار منهم ثم إلى حمل السلاح لدفع أذاهم عن نفسه لم يبعد انه كان يقيم بين
ظهرانيهم كأحد الناس ويقنع منهم بالتجلة والاحترام الواجبين لمقامِه النبوي لا غير
، لكنه لما أصبح بسببهم وعنده كتيبة من الجند والفوز مقارن لمساعيه طمح ببصره ولا
عجب إلى التصدى لأمر لم يكن قبل ذلك ليخطر له ببال .
وأما انه كان كسائر
بني جلدته شديد الميل إلى النساء فطرة فطرت عليها العرب فهو نفسه قد أقر بذلك (1)
وكثيرا ما عابه به خصومه من أهل الجدل منا واتخذوا من تعدد ازواجه حجة قاطعة على
فرط شبقه وهذا ما يلزم عنه عندهم انه كان شريراً ومن كان كذلك فهو بحكم الضرورة
كذاب وقد عزب عنهم ان تعدد الزوجات وان حرمته النصرانية كان في أيام محمد أمراً
مألوفاً عند العرب وغيرهم من أمم المشرق وما كان يعد من المنكرات ولا ينحط مقام من
يأتيه فلذا اباحة محمد بعض الاباحة لامته وهؤلاء يحتجون في أثبات حله بحجج كثيرة
اخصها أنه قد استحله رجال قد شهد لهم الناس كافة بالصلاح وكان بعضهم أنبياء (2)
وفضلاً عن ذلك فالفروض والأحكام المتعلقة بالنكاح والطلاق والخصائص الأخرى التي
خولها محمد لأمته بنص القرآن قد أخذت كلها عن شرع اليهود كما سترى ولذا ساغ له ان
يعدّها عادلة سديدة اذ هي مما يعلمه ويعمل به اصحاب دين موحي به من الله.
(1)
" وذلك قوله حبب إلي
من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة "
(2)
" اشارة إلى آباء
العهد القديم كابراهيم وداود وسليمان
وغيرهم " .
ومهما كانت
الأسباب التي حدَت محمداً إلى ما أقدم عليه فلا شك أنه قد توفرت فيه الشرائط التي
لا بد منها لأنجاز ما شرع فيه وقد شط مصنفو المسلمين في إطرائه واطنبوا في مدح
فضائله ديناً وأخلاقاً كالتقوى والصدق والعدل والسماحة والعفو والاتضاع والاقتصاد
وقالوا انه قد بلغ من سخائه انه قلما كان يُبقى بيده ما يزيد على حاجة عياله بل كان
كثيراً ما يعطي الفقراء مما أعده لعياله حتى كان لا يحول عليه الحول إلا وقد نفد كل
ما كان عنده وفي صحيح البخاري ما معناه ان الله عرض عليه مفاتيح كنوز الأرض فردّها
. ومع أن هذا الإطراء لا يخلو عندي من مظنة الغلوّ لورود الكثير منه عن تلقين الهوى
فمن الجائز ان نعتبر ان محمداً وهو رجل أعرابى قد نشأ في الوثنية ولم يكن عارفاً
بما يجب عليه حق المعرفة كان صالح الأخلاق ولم يكن من الشر والخبث على مايصفه به
خصومه .
لا جرم أن
من كان الخبث والدعارة بحيث يزعمون
فهيهات ان يتأتى له أن ينجح في أمر كالأمر الذي تجشمه محمد اذ لا بد له من شيء من
الرثاء والتستر . أما خلوص طويته فليس البحث عنه من ولايتي ولا خلاف في أنه كان في
غاية الحذق والذكاء بارعاً في فن التحبب والتودد إلى الناس وقد وصفه المؤرخون
الشرقيون بحصافة العقل وقوة الذاكرة وعزز هذه المواهب الطبيعية بما اكتسبه من معرفة
الناس والخبرة بهم وبما استفاده في اسفاره من الاختبار .
قالوا وكان قليل اللغو
دائم البشر لين الجانب سهل الخلق أنيساً يؤلف أصحابه كثير التواضع لمن هم دونه (1)
وزاد على ذلك كله ما كان عليه من حسن الخلق وظرافة الخُلق والتلطف في العشرة وهذه
ولا شك صفات قد أعانته كثيراً على ان يكون مقبولاً عند الذين يحاول استمالتهم
.
(1) أبو
الفداء .
أما
المعارف التحصيلية فمن المقرر انه لم يكن منها على شيء البتة.
وذلك أنه نشأ وتربى
على ما ألفته قبيلته من عدم الاكتراث بدراسة فنون البلاغة بل الاستخفاف بها لزعمهم
ان لسانهم أفضل الألسنة وهم انما كانوا يتقنون معرفته بالممارسة لا بالدراسة
ويقتصرون في تزيينه على حفظ قصائد من الشعر مما يروم ان فيه فائدة لهم في أحوال
التقلب والمعاش . على أن أمية محمد هذه فضلاً عن أنها لم تعد عليه بالضرر ولا صدته
عما كان شارعاً فيه فانه حوّلها إلى نفعه فزعم ان ما جاء به من ا لقرآن انما هو وحي
من عند الله وأنه يستحيل أن يكون هو الذي اختلقه وزوره اذ لا يقوم في العقل أن
أمياً يستطيع أن يصنف كتاباً فيه ما في القرآن من البراعة لفظاً ومعنى (1) وبذلك
دفع عن نفسه حجة دامغة من حجج خصومه وصار أهل ملته يفتخرون بأمية صاحبهم بدلاً من
أن يخجلوا منها واتخذوها برهاناً مبيناً يثبت انه رسول الله ولا يستنكفون من أن
يدعوه النبي الأمي كما دعاه القرآن (2).
أما الدين الذي جاء به
والغاية التي توخاها فيما ادعى نزوله عليه من الوحي الذي أحكم وضعه على وفاق اغراضه
فذلك سيكون موضوع بحثنا في الفصول التالية . أما ما بقى من هذا الفصل فسأتكلم فيه
بما يمكن من الإيجاز من الطرق التي سلكها لإتمام الأمر الذي شرع فيه وما عرض له من
الحوادث التي أعانته على انجاح مسعاه .
وذلك انه قبل أن يتصدى
للدعوة العامة رأى أنه لا بد له أن يبتدئ أولاً بدعوة أهل بيته فلما كان ذات يوم
معتزلاً مع عترته في غار حراء الذي مر ذكره كما كان يفعل من قبل كاشف زوجته خديجة
بمبعثه واعلمها بظهور جبريل له وبأنه أخبره ان الله بعثه رسولاً ثم تلا عليها بعض
فقرات (3) وادعى ان الله أنزلها عليه على يد جبريل وقص عليها ما جرى له مع جبريل
المذكور في ظهوره هذا الأول
(1)
أنظ سورة العنكبوت :
47-50 وتفسيرها
(2)
سورة الأعراف : 156-
158
(3)
وهى الفقرات الخمس
الأول من سورة العلق.







أسئلة مسابقة الفصل
الثاني من كتاب
مقالة في الإسلام
أجب على عشرة أسئلة
فنرسل لك أحد كتبنا جائزة لإجتهادك . وأكمل أيضاً أسئلة الذيل في الصفحة 60 من هذا
الكتاب .
1. نشأت بعض البدع كما
تسربت بعض العبادات الفاسدة الى النصرانية فأفاد منها الإسلام . فما هي تلك البدع
والعبادات ؟
2. ما
هي البدعة المختصة بمريم العذراء والتي انتشرت بين النصارى العرب في
الحجاز؟
3. ما
الذى دعا محمد إلى الطعن في عقيدة التثليث ؟
4. أذكر بعض الأسباب التي
ساعدت على ظهور الإسلام وانتصاره ؟
5. كيف تسنى لمحمد
التجوال في البلاد الخاضعة للروم والفرس ؟
6. ما
الركن الأهم في الإسلام الذي يعتبر باقي الأركان توابع له وملحقات نشأت بالضرورة
؟
7. ما
هي الأمور الثلاث التي حببت إلى محمد من الدنيا كما قال؟
8. من
أين استقى محمد بعض الفروض والأحكام والخصائص الأخرى ؟
9. ما
اسم العام الذى مات فيه أبو طالب عم محمد وخديجة أولى نسائه ؟
10.يماذا أراد محمد
التشبه حين جعل اثني عشر نقيبا على رأس من آمن به من ثيرب؟
11.في
أي صورة ومتى بدأ محمد تصريحاته الحربية بدفع أذى الكفار أولا ثم بقتالهم أينما
وجدوا؟
12.كم
غزوة قام بها محمد بنفسه وفي كم واحدة قاتل بالسيف بعد وصوله المدينة ؟
13.أذكر منزلة محمد عند
أهل المدينة بالمقارنة مع قيصر وكسرى.
14.أيعقل اسلام النجاشي
على يد من هاجر إليه من أوائل المسلمين ثم بعد ذلك يدعوه محمد للإسلام
؟
15.أرسل أجوبتك مع عنوانك
الكامل إلى :
نور الحياة
Light of
life. P.O.BOX 13 A-9503
تذييل الفصل الثانى :
كان محمد من أهل
البيتوتات وان لم يكن متصل النسب باسماعيل ولو لم يمت أبوه قبل جده لم يكن من
المستبعد أن سيادة قريش التي ذكرنا أنها انتهت إلى جده كانت تصير إليه . وكان ولا
شك قد تنبه لذلك بعدما بلغ أشده فكان يتلهف على ما فاته منه ويلتمس الذرائع إلى
الحصول عليه لأنه لم يكن في طاقته أن يناله عنوة ففتق له ذهنه أن يتوسل إليه بذريعة
الدين لأنها كانت سهلة عليه بالنظر إلى ما كانت عليه حالة قومه وبلاده لذلك العهد .
وذاك أن العرب كانت قد سئمت من الوثنية ونزعت نفوسها إلى الدخول في دين آخر كائناً
ما كان وقد أدرك ذلك منها من قبل محمد رجال كثيرون يدعون بالحنفاء ( وانما دعوا
بذلك لحنفهم أي ميلهم عن الوثنية ) فكانوا يحرضون قومهم على اطراح عبادة الأصنام
والكف عن الحج إلى مكة والطواف بكعبتها عراة ونبذ ما يتبع ذلك من الرسوم القبيحة
ويدعونهم إلى التدين بدين لا شرك بالله فيه فنجح تحضيضهم في كثير حتى تنصر منهم من
تنصر وتهود منهم من تهود وفي الجملة كانت الوثنية قد هرمت وذهب ما كان لها من
الحرمة عندهم ولم يبق من يتمسك بها سوى الرعاع وسدنة الكعبة لما كان لهم في
المحافظة على الحج ورسومه من المصلحة الدنيوية . فركن محمد بما فطر عليه من ذكاء
الفؤاد ونفوذ البصيرة أن في هذه الحالة فرصة مواتية يسترد بها ما فاته من السؤدد
فانتهزها ونوى أن يحذو حذو الحنفاء . إلا أنه كان يعوزه أمر لا بد منه لمن يقوم
مقام الواعظ النصيح وهو معرفة شيئ من أمر الدين الذي كان يروم أن يدعو إليه فلذا
كان يتطلب من يقفه عليه واتفق أن قدم في تلك الأثناء إلى مكة راهب نسطوري اسمه عند
مؤرخي المسلمين بحيرا وعند غيرهم سرجيوس وكان قد أحدث في بلاده حدثاً أنكره عليه
أصحابه فأخرجوه من الجماعة وقطعوه وامتنعوا من مخاطبته على ما جرت به العادة منهم
في مثل هذا الضرب . فندم على ما فرط منه وأراد أن يفعل فعلاً يكون كفارة عن ذنبه
ووسيله له عند أصحابه فصار إلى بلاد العرب حتى انتهى إلى مكة فرأي غالب أهلها على
صنفين من الدين وهما اليهودية وعبادة الأصنام فشرع يفكر في ما يفعله لرد أهلها عن
الشرك ويتطلب رجلاً منهم يستعين به على غرضه حتى عثر بمحمد ولا يبعد انه كان بينهما
سابق معرفة . فلما وقف على ما يضمره وتيقن نزوع نفسه إلى الانخراط في سلك الحنفاء
وتبين له ما هو عليه من فصاحة اللهجة وبلاغة المنطق ظن أنه ظفر بضالته فأخذ يتلطف
به حتى استماله إلى مراده وسمى نفسه نسطوريوس لأنه رام بتغيير اسمه أن يثبت بدعة
النساطرة ويثبتها في جزيرة العرب وما زال يخلو به ويكثر مجالسته ويلقي عليه الشي
بعد الشي ويقفه على ما كان يجهله حتى أدبه وفقهه بمقدار ما يستطاع تأديب الأمي
وتفقيهه فرسخ في ذهنه من أصول النصرانية ما كان مشوباً ببدعة النساطرة وهذا سبب ما
في الإسلام من عقائدهم وما في القرآن من ذكر النصرانية بما يحاكي مقالتهم فيها ومن
ذكر القسيسين والرهبان بخير ومن تزكية النصارى عموماً والشهادة لهم بأنهم أقرب مودة
إلى المسلمين .
فلما ظن كل واحد من
هذين الرجلين أنه وجد عند صاحبه ما كان يلتمسه تواطآ على الشروع في ما كانا
يتوخيانه لأول فرصة تسنح وكان لمحمد عادة أن يعتزل مع زوجته في حراء مرة كل عام
فلما صار هذه المرة إلى معتزله نابته فيه نوبة من مرض عصبي كان قد مني بشيء منه وهو
طفل ثن أفضى تواتره عليه إلى اختلال في ما يدعوه الأطباء بالجهاز العصبي فلذلك كان
كلما عرض له ما يوجب تهيج هذا الجهاز تنبهت من ذلك مشاعره تنبهاً يجسم في حسه ما
كان متصورا في ذهنه حتى ليجزم بل ليحلف أنه رأي أو سمع أو لمس ما لا وجود له على
الحقيقة في غير وهمه فلذا كان كثيراً ما يخاطب من لا يراه غيره ويسمع من الخطاب ما
لا يسمعه غيره (1) ،
(1) روي عنه وقد سئل
عن الوحي انه قال يأتينى أحياناً مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت
عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا يكلمني فأعي ما يقول
وكان على الجملة يحلم
وهو مستيقظ وهذا سبب نسبتهم اياه إلى الجنة والوسواس والهوس وهذا أيضاً سبب جزمه
بصحة ما توهمه من أمر إرم ذات العماد وما تخيله أو حلم به من أمر الإسراء والمعراج
وكانت هذه الحالة تجهده جدا كلما عرضت له حتى ليفصد جبينه عرقا ويضطرب ويرعد
كالمقرور فيزملونه ويدثرونه (1)
فلما افصمت عنه تلك
النوبة وكان قد صمم على الشروع فيما واطأ عليه نسطوريوس أخبر زوجته بما توهم أنه
وقع له فعلاً أي أن جبريل هبط عليه بالوحي وضغطه وأنبأه بأن الله اختاره نبياً
وبعثه إلى قومه رسولاً ومبشراً ونذيراً فلم يشق عليها أن تصدقه في ما قال لأن لفظ
الوحي والنبي والرسول وما جرى هذا المجرى لم يكن له من المعنى عندها ولا عند غيرها
من مشركي قريش ما صار له من ذلك عندهم بعد توطد الإسلام بل كان النبي عندهم رجلاً
صالحاً ينصح لقومه في أمر الدين والمعاد كما كان يفعل الحنفاء،
(1)
انظر سورة المزمل
والمدثر وتفسيرهما . وهذا المرض من جملة الأشياء التى حولها إلى نفعه فزعم أنه من
اضطرابه لهبوط جبريل بالوحي عليه وقد انتدب ابن خلدون مع علمه وفلسفته لتأييد هذا
الزعم فجعل الإغماء من علامات النبوة وأنه من لقاء الملك الروحاني وحاول أن يثبت
ذلك من قول القرآن : " انا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً " وغاب عنه أن القرآ، انما أراد
الثقل معناه المجازى اذ ليس للقول زنة في الحقيقة حتى يثقل أو يخف وغاب عنه أيضاً
أن هذا الإغماء كان يعتري محمد من قبل دعواه النبوة ومن قبل لقاء الملك الروحاني
وليس ابن خلدون وحده هو الذي قال ذلك بل ان علماءهم كافة تهافتوا على هذه الحجة
السخيفة لينفوا عن نبيهم ما كان مصاباً به من المرض الطبيعى أفتراهم يعتقدون أيضاً
أن صحة الجسم من شرائط النبوة!
ثم ان اليونان انفسهم
كانوا يدعون شعراءهم أنبياء ملهمين وتابعهم على ذلك بولس الرسول فدعا اراتوس الشاعر
الكريتي وقد تمثل ببيت من شعره نبياً (6) ولم يعن بذلك سوى انه حكيم . أما النبي
بالمعنى الذى صار محمد يريده آخر الأمر فلم يكن معلوماً عند زنادقة قريش ولذا سهلت
عليه دعوى النبوة بادئ بدء بينهم لأنه أمن أن يطالبوه بمصداق عليها كما طولب بعد
ذلك فوقف معهم عند حد النصح والوعظ مدة متطاولة ثم رأى أيضا أنه لا بأس من استعمال
الوعد والوعيد أحياناً فاستعملهما ونصب نفسه مبشرا ونذيرا(7)
------------------------------------
(1)
سورة الأسرى : 95 (2)
سورة الكهف : 110 (3) سفر الخروج 7: 1
(4)
سفر الايام الاولى 25:
1 (5) سفر الملوك الأول 18: 29 (6) تيطس 1: 12 وعرف ان الشاعر اراتوس لأنه هو صاحب
ذلك البيت
(7) سورة الفرقان :
58
أما الوعد فانه عرف من
شدة انهماكهم على الملاذ الشهوانية ونهمهم وتشوقهم إلى ما لا يكادون يظفرون به في
بلادهم من المياة الدافقة والرياض الظليلة والفواكة الغضة أن هذه الأشياء حببت
إليهم حتى كان الحصول عليها منتهى السعادة عندهم وغاية الترف لا يعلمون وراءها
نعيماً آخر وهذا ولا جرم مما يعقل من قوم ينكرون البعث وهم فوق ذلك يسكنون بلادا
واقعة في المناطق الحارة من الأرض بحيث تشوي شمس الصيف ادمغتهم وتحرق الرمضاء
أقدامهم وبين ذلك السموم تلفح وجوههم فوعدهم بما كانوا يحبونه وقال لهم انهم ان
اصاخوا إلى وعظه ونصحه في الدنيا فثوابهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار
فيها من كل فاكهة زوجان ولهم فيها أزواج مطهرة حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون
متعففات مقصورات في الخيام لم يطمثهن قبلهم انس ولا جان يحلون فيها من أساور من ذهب
ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق متكئين فيها على الأرائك والنمارق المصفوفة
والزرابي المبثوثة والسرر الموضونة متقابلين ويطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب
وأباريق وكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا يصدعون عنها ولا ينزفون ولحم طير مما
يشتهون وفاكهة مما يتخيرون وغير ذلك من أصناف التنعم والملاذ الجسدانية (1).
(1)
وقد ذكر المصنف في
الفصل الرابع من مقالته جملة وافية في وصف الجنة المحمدية وما أعد فيها للمؤمنين من
أصناف التنعم .
وأما الوعيد فانه نحا
فيه إلى ما هو أشد أذى لهم وأبلغ نكاية عليهم فأوعدهم ان نبذوا نصحه بنار جهنم
الشديدة الزفير يخلدون فيها ويكون أهونهم عذابا بها من ينتعل بنعلين منها يغلى
منهما دماغه كما يغلى المرجل حتى ليتمنى الموت فلا يجده وأنهم ان يستطعموا يطعموا
من الزقوم والغسلين وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه ويصب من فوق
رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود وأن لهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن
يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق . وعدد لهم زيادة على ذلك ما
أحاق في الدنيا نفسها من العقاب بالذين كفروا قبلهم فذكر لهم مما جاء من ذلك في
التوراة طوفان نوح وهلاك قوم لوط وبلايا قوم فرعون ومما جاء منه في خرافاتهم هلاك
عاد وثمود . وهو انما كان في ذلك كله يخاطب قومه من قريش ولا يتعرض لغيرهم ولو أنه
بقي معهم على هذا النهج من الوعظ والنصح لم يضطهدوه إلا أنه تخطاه إلى الطعن في
آبائهم والقدح في عقائدهم وسب معبوداتهم وشرع أيضا يعرض نفسه على غيرهم ممن كان لهم
خلطة بأهل الكتاب ويصرح لهم بأنه رسول الله إليهم ونبيه فلقي من ذلك عنتاً لأنهم
طالبوه بحجة تؤذن برسالته لما سبق في معلومهم من أن للرسل والأنبياء بالمعنى الذى
أراده علامات تشبه مدعاهم أهمها وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم مما لا يقدر عليه
العباد وانما تقع للنبي والرسول منهم في غير محل قدرته وليس له فيها إلا التحدي بها
بإذن ربه أي الاستدلال بها على صدق مدعاه من قبل وقوعها فتنزل منزلة القول الصريح
من الله أنه صادق . فاقترحوا عليه أن يأتيهم بمثل ما أتي به الأنبياء الذين تقدموه
ممن جعل يقص عليهم أخبارهم وما فعلوه من الآيات والخوارق وقد عد اقتراحاتهم فيه في
القرآن فذكر منها قولهم له لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك
جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء علينا كسفاً أو يكون
لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه
فيشهد أنك رقيت بالجسم وفي اليقظة لا في الحلم وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن
جاءتهم آية ليؤمنن وقالوا أيضاً اللهم ان كان هذا الذي يدعيه محمد هو الحق من عندك
فامطر علينا حجارة من السماء وأئتنا بعذاب أليم لتكذيبنا بما يدعيه وإنما قالوا ذلك
لأنهم كانوا يروم من العدل لو كان محمد رسول الله إليهم أن يظهر الله لهم على يده
آية فان اصروا علىالكفر بعدها قضى بهلاكهم عن بينة اذ كان في نفوسهم انه تعالى ما
كان معذباً حتى يبعث رسولا (1) ويؤيده بما يؤذن ببعثته . إلا أن محمدا والحق أولى
ان يقال لم يدع المعجزاء بادئ بدئ بل كان ينفيها عن نفسه (2) وينهى أصحابه عن
نسبتها إليه (3) وما ادعى ما ادعاه منها آخر الأمر إلا مضطرا وهذا ظاهر من أول
القرآن إلى آخره وان كره المفسرون والمؤرخون (4) ولذا كانت أجوبته في اول الأمر
مرتبكة يلجأ فيها الى المراوغة والمعاريض حيث أقبل يعدد لهم أصناف الخوارق التي
يقدر عليها خالق العالمين ومبدع الأكوان الذي لا يعجزه شيء فقال لهم أنه تعالى يعلم
ما تحمل كل أنثى وهو عالم الغيب والشهادة وسواء عنده من اسر القول ومن جهر به ومن
هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ولعمرى انهم على جهلهم وأميتهم لم يكونوا ليجهلوا ان
الاله الذي زعم محمد أنه رسوله إليهم يقدر على هذه الخوارق وعلىاعظم منها بل على كل
شيئ وانما كانوا يطالبون مدعي تلك الرسالة ان يكون هو نفسه قادراً على شيء منها
بإذن ربه وأن يأتي بها مصداقا لما يدعيه .
(1) سورة الاسرى :
16 (2) كما جاء في أحاديث
كثيرة من جملتها قوله ما من الأنبياء الا وأوتى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر
وانما كان الذى اوتيته وحيا اوحى إلي . وفي هذا نفي بين لسائر المعجزات الاخرى (3) وذلك أنه لما مات ابنه ابراهيم
واتفق كسوف الشمس ذلك اليوم قال اصحابه انها كسفت لموت ابراهيم فنهاهم عن قول ما
تيرتب عليه نسبة المعجزات اليه وقال ان الشمس والقمر لا يكسفان لموت احد ولا لحياته
. (4) اذ لا داعى لولاه الى
بسط الاعذار وتكرار القول ان الآيات عند الله وانه لم يمنع من الارسال بها الا ان
كذب بها الاولون وانها اذا جاءت لا يؤمنون وغير ذلك مما يترتب عليه انه لم يأت بشء
منها.
فلما افحموه بهذا
الاحتجاج واعيته الحيل اضطر أن يدعي معجزة ما فقال أن معجزته القرآن فعارض بذلك
نفسه لأنه كان قد نفي الاعجاز ع ن القرآن تضمينا في مواضع متعددة من الكتاب نفسه
وهذا بين لمن لا يمارى ألا ترى ان خصومه لم يفتروا عن مطالبته بآية كما يقر هو نفسه
في غير ما موضع من كتابه وانه لم يفتر قط عن مجاوبتهم بأن الآيات عند الله لا عنده
ولو كان من اول الامر معتقداً أن القرآن معجزة بل ان كل جملة منتظمة منه معجزة وان
كانت من كلمة أو كلمتين (1) لكان من أسهل الأشياء عليه أن يسكتهم بقوله لهم هاكم
المعجزات التي تطالبوننى بها وهى ما يتلى عليكم كل يوم من آي القرآن وسوره ، فصمته
عن هذه الحجة مدة متطاولة يدل دلالة قطعية على انه لم يكن من أول الأمر يعتقد ان
القرآن معجزة ولذلك تبادر إلى ذهنه ولا خطرت بباله الا بعد ان مضى على دعوة النبوة
حين من الدهر وبعد أن اعيته الحيلة في صرفهم عن اقتراح الآيات وكان قبل ذلك يقنعه
منهم أن يقتنعوا ان القرآن نزل على قلبه لا بحروفه والفاظه بل بمعناه فقط وذلك وحيا
والهاما على حد ما كان يتوهمه من نزول التوراة على قلب موسي والانجيل على قلب عيسى
(2)
------------------
(1)
كما قال القاضى عياض
في الشفاء
(2)
سورة آل عمران : 2
وسورة الشعراء : 194
قال ابن خلدون في
المقدمة السادسة من تاريخه ان اعظم المعجزات واشرفها واوضحها دلالة القرآن ، لأن
الخوارق تقع أحياناً مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي وتأتى المعجزة شاهدة به .
والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز ودلالته في عينيه ولا يفتقر إلى
دليل أجنبى عنه كسائر الخوارق مع الوحي فهو أوضح دلاله لاتحاد الدليل والمدلول فيه
(انتهى ) وهذا منقوض بنص القرآن نفسه وذلك قوله وما يعلم تأويله إلا الله،
----------------
(1)
سورة الحجر : 6 (2)
سورة النحيل : 105
وكيف يكون ذلك اوضح
المعجزات دلالة وهو بلغة لا يفهمها غير العرب ولو نقل إلى غيرها لم يكن له معنى
ينسق وكان أكثره ضربا من المعاياة . بل هو بالنظر إلى العرب أنفسهم مفتقر إلى
التأويل الرباني لأنه لا يتأتي لهم بدونه أن يفهموا معانيه المستغلقة فيدركوا ما
فيه من المعجزات اللهم الا من كان منهم ذا سجية فائقة كالمفسرين وليس لكل الناس بل
ليس لكل العرب انفسهم هذه السجية . على أن الناس كلهم علماءهم وجهلاءهم عربهم
وعجمهم يقدرون أن يدركوا ما في احياء الموتى مثلا من المعجزة لأنها وان كانت في زعم
المفسرين دون معجزة القرآن في العظم والشرف فان لها عليها مزية وضوح الدلالة لأن الناس
كافة حتى اجلاف العرب أنفسهم قادرون على ادراكها أما القرآن فلا يسطيع أن يقدره حق
قدره غير الراسخين في العلم وهذا اذا كانوا مسلمين وكان لسانهم عربياً واتاهم
تأويله من السماء !!!
ثم ادعى معجزة اخرى
فقال انه اسري به من المسجد الحرام أي الكعبة التي بمكة إلى المسجد الأقصى أي هيكل
سليمان الذي ببيت المقدس (1) وعرج به من هناك إلى السماء فشافه ربه . إلا ان صحابته
أنفسهم فضلا عن سائر الناس لم يصدقوا بهذه
المعجزة
--------------------------------------------------------------------
(1)وكان قد خرب وعفت
آثاره من قبل ان هذا الاسراء بزهاء خمسائة وخمسين سنة قال ابن الشحنة خربه تيطس بعد
رفع المسيح بأربعين سنة وهذا لا يجهله أحد سوى الراسخين في العلم !!
وصرحت أم هانئ وهي بنت
عمه وكان مبيته عندها تلك الليلة ببطلانها فقالت أنه لم يفارقها ولم تفقد جسده .
فهذا مع ما جاء فى القرآن نفسه من وصف القصة بأنها رؤيا هو الذي حدا بعض فرق
المعتزلة إلى القول أنه أسري به في النوم لا في اليقظة فكفرهم أهل السنة والجماعة
وجزموا أنه أسري به فعلا بالجسم مستنين في ذلك إلى ما جاء من تفاصيل المعراج في
الحديث المشهور الذي مر تلخيصه في احدى حواشي الفصل الثانى من مقالتنا وهو حديث لا
يشك أحد منهم في صحته وكيف يرتابون منه والبخاري لم يثبته في صحيحه إلا بعد أن توضأ
وصلى ركعتين! لكن محمد لما استتب له الأمر واوحى إليه أن الحديد فيه بأس شديد تناول
السيف باحدى يديه والقرآن بالأخرى واكره العرب على التصديق بمعجزتيه هاتين (1) وانت قد رأيت ان احداهما وهي القرآن لم
تكن حسية أي مما يدرش بشيء من الحواس الطبيعية وستقف على ردها بعيد هذا ، أما
الأخرى فلم تكن سوى وهم جسمته له مشاعره ولم يعاينها أحد غيره ولم يكن له عليها من
شاهد سوى نفسه فان كان نبياً فهو بلا نبوة ، وان كان رسولاً فهو بلا معجزة ..
-------------
(1)
الا ان العلماء لم
يرضهم ان لا يكون له سوى معجزتين فلذلك اختلقوا له معجزات تربى في كثرتها وغرابتها
وخرقها العادة على كل معجزات موسى وعيسى وسائر الأنبياء
أسئلة مسابقة ذيل
الفصل الثاني من كتاب مقالة في الاسلام.
أكمل أجوبتك من القسم
الأول في هذا الكتاب وأجب على خمسة اسئلة من مسابقة هذا الذيل فتأخذ الجائزة
المذكورة.
1. إلا وصلت إليه الوثنية
قبل محمد؟
2. ماذا كان جواب العرب
على محمد حين قال لهم : ان القرآن معجزتى الكبرى؟
3. هل
يتسنى لغير المفسرين وعلماء الكلام واللغة فهم القرآن ؟
4. بم
نعب العرب محمد وقرآنه ؟
5. ما
المقصود بالمعاياة التى أكثر القرآن ضربا منها؟
6. بم
صرحت أم هانئ ازاء قصة الاسراء والمعراج وهل هناك اجماع اسلامى على
الاسراء؟
7. ماذا يشترط في الانسان
ليكون نبيا أو رسولا ؟
أرسل اجوبتك مع عنوانك
الكامل إلى :
نور الحياة
LIGHT OF
LIFE.P.O.BOX 13
A-9503