البرهان على صحة الكتاب المقدس
مقدمة
كثيراً ما يتردد على مسامعي كالأسطوانة المشروخة أسئلة مثل: هل حقاً تقرأ
الكتاب المقدس؟ وأحياناً يقولون: الكتاب المقدس ليس إلا كتاباً عادياً، عليك أن
تقرأ ... ثم يذكرون بعضاً من كتبهم المفضلة.
وهناك من يحتفظون بالكتاب المقدس في مكتباتهم. ويقولون بفخر أنهم يضعونه جنباً إلى جنب مع روائع الكتب مثل «الأوديسة» لهوميروس، و«روميو وجولييت» لشكسبير، و«كبرياء وتحامل » لجين أوستن. وربما كان كتابهم المقدس مهملاً يعلوه التراب، ولكنهم لا يزالون يعتبرونه أحد الأعمال الأدبية الكلاسيكية.
وهناك آخرون يسخرون من الكتاب المقدس ويضحكون على فكرة الاهتمام به وتمضية الوقت في قراءته. وبالنسبة لهؤلاء فإن وجود نسخة من الكتاب المقدس في المكتبة ليس إلا دليلاً على الجهل.
لقد أزعجتني التساؤلات والتعليقات السابقة ولكني توصلت أخيراً إلى أنها مجرد عبارات تفوَّه بها أناس منحازون أو متحاملون أو جهَّال.
يجب أن يوضع الكتاب المقدس في أعلى مكان بمفرده. فالكتاب المقدس كتاب فريد . إن الأفكار التي كنت أتلمسها لأصف بها الكتاب المقدس مجموعة في كلمة فريد .
ولابد أن وبستر كان يفكر في «كتاب الكتب» عندما كتب تعريفه لكلمة unique الإنجليزية التي تعني فريد: (1)- واحد فقط، مفرد، وحيد. (2)- مختلف عن كل ماعداه، ليس له مثيل ولا يعادله شيء.
أما الأستاذ م. مونتيرو وليامز، الأستاذ السابق للغة السنسكريتية فكان له هذا الرأي. فبعد أن أمضى اثنين وأربعين عاماً في دراسة الكتب الشرقية، قارن بينها وبين الكتاب المقدس وقال: كوِّم هذه الكتب جميعاً على الجانب الأيسر من مكتبتك، أما كتابك المقدس فضعه على الجانب الأيمن وحده تاركاً بينهما مسافة كبيرة ... إذ أن هناك هوة كبيرة تفصل فصلاً تاماً أبدياً ما بين الكتاب المقدس وما يطلق عليه الكتب المقدسة في الشرق ... وهي هوة حقيقية لا يمكن تخطيها من خلال أي علم أو فكر ديني. (Collett, AAB, 314, 315)
إن الكتاب المقدس يتميز عن جميع الكتب الأخرى. فهو فريد، مختلف عن كل ما عداه في الأوجه التالية (وغيرها الكثير):
1(أ) فريد في
ترابطه
إن الكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد الذي:
1- كُتِبَ علي مدي خمسة عشر قرناً من الزمان تقريباً.
2- كتبه أكثر من أربعين كاتباً يعملون فى مختلف نشاطات
الحياة، فمنهم الملوك والقادة العسكريون والفلاحون والفلاسفة والصيادون وجباة
الضرائب والشعراء والموسيقيون ورجال الدولة والعلماء والرعاة. فعلي سبيل المثال:
- موسى: قائد سياسي وقاضي، تعلم في مصر.
- داود: ملك وشاعر وموسيقي وراعي غنم ومحارب.
- عاموس: راعي غنم.
- يشوع: قائد عسكري.
- نحميا: ساقي أحد الملوك الوثنيين.
- دانيال: رئيس وزراء.
- سليمان: ملك وفيلسوف.
- لوقا: طبيب ومؤرخ.
- بطرس: صياد.
- متَّى: جابي ضرائب.
- بولس: معلم ديني.
- مرقس: سكرتير لبطرس.
3- كُتب في أماكن مختلفة:
- كتب موسى في البرية.
- كتب إرميا في جب السجن.
- كتب دانيال على جانب التل وفي القصر.
- كتب بولس داخل السجن.
- كتب لوقاً أثناء رحلاته.
- كتب يوحنا وهو في المنفى في جزيرة بطمس.
4- كتب فى أوقات مختلفة:- كتب داود في أوقات الحرب
والبلاء.
- كتب سليمان في أوقات السلم والرخاء.
5- كتب فى أحوال نفسية مختلفة:
- كتب البعض وهم في قمة الابتهاج.
- آخرون كتبوا وهم في عمق الأسى واليأس.
- كتب البعض في أوقات الثقة والطمأنينة.
- كتب آخرون في أوقات القلق والحيرة.
6- كتب فى ثلاث قارات:
- آسيا.
- أفريقيا.
- أوربا.
7- كتب بثلاث لغات:
- العبرية: وهي لغة شعب إسرائيل والعهد القديم كله تقريباً. وصفت في ملوك 18: 26-28
وفي نحميا 13: 24 باللسان اليهودي، وفي إشعياء 19: 18 لغة كنعان.
اللغة العبرية لغة تصويرية لا تصف الأحداث الماضية فحسب بل ترسم صورة لفظية لها. وهي لا تقدم صورة عريضة فقط بل مشهداً متحركاً. إن تسلسل الأحداث يعاد تصويره مرة أخرى داخل العقل. (لاحظ الاستخدام المتكرر لكلمة انظر behold وهو تعبير عبري انتقل إلى العهد الجديد.) إن مثل هذه التعبيرات العبرية: قام وذهب، فتح شفتيه وتكلم، رفع عينيه ونظر، رفع صوته وبكى، توضح القوة التصويرية للغة العبرية. (Dockery, FBI, 214)
- الآرامية: وهي اللغة الشائعة للشرق الأدنى حتى عصر الإسكندر الأكبر (من القرن السادس حتى القرن الرابع ق.م.)Albright, AP, 218) ) كتبت الأصحاحات 2 إلى 7 من سفر دانيال ومعظم عزرا 4 إلى 7 باللغة الآرامية، كما توجد عبارات متفرقة في العهد الجديد كتبت بالآرامية أشهرها صرخة يسوع وهو فوق الصليب: إيلي، إيلي، لما شبقتني؟ وتعني: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ (مت 27: 46).
اللغة الآرامية قريبة جداً من الناحية اللغوية، من اللغة العبرية ومشابهة لها من حيث التركيب. كتبت النصوص الآرامية الموجودة في الكتاب المقدس بنفس أشكال الحروف للكتابة العبرية. وخلافاً للغة العبرية، تستخدم الآرامية مدى أوسع من المفردات اللغوية كما تشمل الكلمات المستعارة، ومجموع أكبر من أدوات الربط. وتشتمل الآرامية أيضاً على نظام مركب من الصيغ الزمنية للفعل نشأ عن استخدام تصاريف الفعل المختلفة مع الضمائر أو مع الأشكال المختلفة من فعل الكينونة. ورغم أن اللغة الآرامية أقل موسيقية وشعرية من اللغة العبرية، إلا أنها قد تكون أكثر تفوقاً من جهة الدقة التعبيرية.
ولعل الفترة التي عاشتها اللغة الآرامية كلغة حية هي من أطول الفترات عرفتها أي لغة. فقد استخدمت خلال عصر الآباء الكتابي ولا يزال القليلون يتحدثون بها اليوم. لقد انبثقت عن اللغة الآرامية، وشقيقتها السرياينة، لهجات كثيرة في أماكن وعصور مختلفة. ولما كانت الآرامية تتميز بالبساطة والوضوح والدقة، فقد تلاءمت بسهولة مع شتى متطلبات الحياة اليومية. وهي كلغة تناسب العلماء والطلاب والمحامين والتجار بنفس الكفاءة. ولقد وصفها البعض بأنها اللغة السامية المتكافئة مع اللغة الإنجليزية. (Dockery, FBI, 221)
- اليونانية: وهي لغة العهد الجديد كله تقريباً. وكانت أيضاً هي اللغة العالمية في عصر المسيح،كما أصبحت الإنجليزية في عالمنا المعاصر:
اعتمدت الكتابة اليونانية على هجائية يعتقد أنها مستعارة من اللغة الفينيقية وتم توفيقها مع النظام الصوتي واتجاه الكتابة للغة اليونانية. كانت اللغة اليونانية في بادئ الأمر تكتب من اليمين إلى اليسار مثل اللغات السامية الغربية، ثم أصبحت تكتب في الاتجاهين جيئة وذهاباً، وأخيراً أصبحت تكتب من اليسار إلى اليمين.
عملت الغزوات التي قام بها الإسكندر الأكبر على نشر اللغة والثقافة اليونانية. إذ حلت اليونانية الهلّينية أو الشائعة Koine محل اللهجات الإقليمية على نطاق واسع ... وأضافت اللهجة الشائعة الكثير من التغييرات الإقليمية إلى اليونانية الفصحى، ومن ثم أصبحت أكثر عالمية. كما عمل تبسيط القواعد اللغوية أيضاً على توفيق أوضاع اللغة اليونانية لتناسب الثقافة العالمية. وأصبحت اللغة الجديدة، بعد أن عكست لغة الكلام الشعبي البسيط، هي اللغة الشائعة الاستخدام في الأمور التجارية والدبلوماسية. وهكذا فقدت اللغة اليونانية الكثير من ملامح الأناقة والدقة البالغة بها نتيجة لتطورها من اليونانية الكلاسيكية إلى اليونانية الشائعة. ومع ذلك فقد احتفظت بصفاتها المميزة من قوة وجمال ووضوح وقدرة بلاغية منطقية.
ومن الجدير بالملاحظة أن الرسول بولس كتب رسالته إلى المسيحيين في روما باللغة اليونانية وليس اللاتينية. كانت الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت عالماً يونانياً من الناحية الثقافية، باستثناء المعاملات الإدارية.
إن المفردات اللغوية اليونانية في العهد الجديد بها من الثراء ما يكفي للتعبير عن الفروق الدقيقة في المعنى على النحو الذي يريده الكاتب. فعلي سبيل المثال، استخدم العهد الجديد كلمتين مختلفتين للتعبير عن المحبة (نوعين مختلفين من المحبة)، وكلمتين مختلفتين للتعبير عن كلمة آخر (آخر من نفس النوع أو آخر من نوع مختلف)، وكلمات عديدة للدلالة على أنواع شتى من المعرفة. ومن الجدير بالذكر أن بعض الكلمات قد أهملت، مثل كلمة eros (وتعبر عن نوع ثالث من الحب) وبعضها شاع استخدامه في الثقافة الهلِّينية إبان هذا العصر. (Dockery, FBI, 224-25, 227)
8-كتب بعدد كبير من الأساليب الأدبية المتنوعة منها:
- الشعر.
- النثر التاريخي.
- القصيدة الغنائية.
- القصة الرومانسية.
- الرسائل التعليمية.
- المكاتبات الشخصية.
- المذكرات.
- أدب الهجاء.
- السيرة.
- السيرة الذاتية.
- الشريعة.
- النبوة.
- الأمثال.
- القصة الرمزية.
9- ويعالج الكتاب المقدس مئات الموضوعات الجدلية التي تنشئ نوعاً من تعارض الآراء متي طرحت، إذ تناول كتَّابُه مئات الموضوعات الشائكة (مثل الزواج والطلاق والزواج الثاني، والجنسية المثلية، والزنا، وإطاعة ذوي السلطة، والصدق والكذب، وتنمية الشخصية، وتنشئة الصغار، وطبيعة الله وإعلاناته). إلا أن كتَّاب الكتاب المقدس من التكوين إلى الرؤيا تناولوا هذه الموضوعات بتوافق وانسجام عجيب.
10- على الرغم من تنوع موضوعاته، إلا أن الكتاب المقدس يتناول قصة واحدة تتكشف للعيان على نحو تدريجي وهي قصة فداء الله للبشرية. وفي هذا يقول نورمان جايسلر ووليم نيكس: إن الفردوس المفقود في سفر التكوين يصبح الفردوس المردود في سفر الرؤيا. فبينما يغلق الباب المؤدي إلى شجرة الحياة في سفر التكوين، فإنه يفتح للأبد في سفر الرؤيا (Geisler/ .Nix, GIB 86, 28)
إن الخيط الرئيسي الذي يربط أجزاء الكتاب المقدس هو موضوع الخلاص من الخطية والدينونة من خلال التغيير الكامل للحياة ونوال السعادة الأبدية في محضر الله الواحد الرؤوف القدوس.
11- وآخر الأمور وأهمها على الإطلاق هو أنه من بين جميع شخصيات الكتاب المقدس، فإن الشخصية البارزة من أول الكتاب إلى آخره هي شخصية الله الحي الحقيقي الواحد المعلنة في شخص يسوع المسيح.
تأمل أولاً العهد القديم: الشريعة تضع حجر الأساس لعمل المسيح، الأسفار التاريخية تمهد الطريق لعمل المسيح، الأسفار الشعرية تتطلع لعمل المسيح، والنبوات تعلن انتظار عودة المسيح. وفي العهد الجديد، الأناجيل تسجل عرضاً تاريخياً لحياة المسيح، وأعمال الرسل يحكي قصة البشارة بالمسيح، والرسائل تقدم تفسيراً لتعاليم المسيح، وسفر الرؤيا يعلن إتمام كل شئ في المسيح. (Geisler/Nix, GIB 86, 29). إن شخص المسيح هو المحور الرئيسي الذي يدور حوله الكتاب المقدس من أوله إلى آخره.
وعلي الرغم من أن الكتاب المقدس يحوي الكثيرمن الأسفار التي كتبها كتَّاب كثيرون، إلا أنه في ترابطه يبين أنه كتاب واحد. وعلي حد قول ف.ف. بروس فإن أي عضو في الجسم البشري لا يمكن فهمه إلا في ضوء ارتباطه بالجسم كله، وهكذا فإن أي جزء في الكتاب المقدس لا يمكن فهمه إلا في ضوء ارتباطه بالكتاب المقدس كله(Bruce, BP, 89). . إن كل سفر يمثل فصلاً في الكتاب الواحد الذي نسميه الكتاب المقدس. وينتهي بروس إلى النتيجة التالية:
يبدو الكتاب المقدس للوهلة الأولى كمجموعة من الكتابات الأدبية اليهودية في المقام الأول. ولكن إذا بحثنا عن الظروف التي كُتبت فيها الأسفار المختلفة للكتاب المقدس، لوجدنا أنها كتبت في فترات منفصلة على مدى ما يقرب من 1400 عاماً. كتب الكتاب المقدس في بلدان متنوعة من روما غرباً إلى ما بين النهرين وربما فارس شرقاً. واختلف كتَّابه بعضهم عن البعض الآخر، ليس فقط أنه كان يفصل بينهم مئات السنين ومئات الأميال، ولكن أيضاً لأنهم كانوا من مختلف مهن الحياة. فمنهم الملوك ورعاة الغنم والجنود والمشرِّعون والصيادون ورجال الدولة ورجال البلاط الملكي والكهنة والأنبياء، ومنهم معلم للشريعة كان صانعاً للخيام وآخر كان طبيباً أممياً، هذا فضلاً عن آخرين لا نعرف عنهم شيئاً غير ما تركوه لنا من كتابات. أما مادة الكتاب المقدس فتنتمي إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأنواع الأدبية. فهي تتضمن التاريخ والقانون (المدني والجنائي والأخلاقي والديني والصحي) والشعر الديني والرسائل التعليمية والشعر الغنائي والأمثال والقصة الرمزية والسيرة والمكاتبات الشخصية والمذكرات الشخصية واليوميات، هذا بالإضافة إلى الأنواع الكتابية المميزة مثل النبوات والكتابات الرؤية.
ومع كل هذا، فلا يُعدّ الكتاب المقدس مجرد مجموعة من المختارات الأدبية إذ أن هناك وحدة تربط بين أجزائه. هذا فضلاً عن أن مؤلفات المختارات جمعها شخص ما، ولكن الكتاب المقدس لم يجمعه أحد. (Bruce, BP, 88)
قارن أسفار الكتاب المقدس بمجموعة الكلاسيكيات الأدبية الغربية التي يطلق عليها أعظم كتب العالم الغربي. وهي تحتوي على مختارات من أكثر من 450 عملاً أدبياً كتبها ما يقرب من 100 مؤلف على مدى نحو خمسة وعشرين قرناً، ومن هؤلاء المؤلفين على سبيل المثال لا الحصر: هوميروس وأفلاطون وأرسطو وأفلوطين وأغسطينوس وتوما الأكويني ودانتي وهوبس وسبينوزا وكلفن وروسو وشكسبير وهيوم وكانط وداروين وتولستوي ووايتهيد وجويس. وبينما يعد هؤلاء جزء لا يتجزأ من التراث الفكري الغربى، إلا أن هناك غالباً تفاوتاً كبيراً بين آرائهم في كافة الموضوعات تقريباً. وبينما تتفق هذه الآراء في بعض الأمور، إلا أن بها من المواقف ووجهات النظر المتعارضة المتضاربة الشئ الكثير. وفي الواقع، فإن هؤلاء الكتَّاب كثيراً ما كانوا يحيدون عن موضوعاتهم لنقد وتفنيد أفكار من سبقوهم.
ذات يوم زارني أحد مندوبي أعظم كتب العالم الغربى. كان يبحث عن بائعين لهذه المجموعة. وضع أمامي خريطة تصف هذه المجموعة وأخذ يتحدث لي ولزوجتي عنها لمدة خمس دقائق. وبعد ذلك أمضينا ساعة ونصف الساعة نحدثه عن الكتاب المقدس باعتباره أعظم الكتب في التاريخ.
وتحديته أن ينتقي عشرة فقط من مؤلفي مجموعة أعظم الكتب، من مهنة واحدة وجيل واحد ومكان واحد وعصر واحد ومزاج واحد وقارة واحدة ولغة واحدة، وكلهم يتناولون موضوعاً جدلياً واحداً. ثم سألته: هل يتفق هؤلاء المؤلفون مع بعضهم البعض؟
سكت قليلاً ثم أجاب بالنفي.
فسألته: ماذا ستجد إذاً ؟
فأجاب على الفور: خليطاً .
وبعد ذلك بيومين سلَّم حياته للمسيح. إن تفرُّد الكتاب المقدس كما أوضحنا سلفاً لا يثبت أنه كتاب موحى به. ومع ذلك فهو يتحدى أي شخص يبحث بإخلاص عن الحقيقة كي يفحص بعناية خصائصه الفريدة في ضوء ترابطه وتوافق موضوعاته. إن مندوب أعظم الكتب أخذ على عاتقه هذا الأمر فعرف المخلِّص من خلال دراسته للكتاب المقدس.
2(أ) فريد في
توزيعه
لا يعد أمراً غير عادي أن نسمع عن كتب ظهرت على قائمة أكثر الكتب مبيعاً محققة
مبيعات تصل إلى بضعة مئات الألوف من النسخ. والأمر الأكثر ندرة من ذلك أن تجد كتباً
قد حققت مبيعات تزيد عن المليون نسخة، أما الأكثر ندرة على الإطلاق أن تجد كتباً قد
وصلت مبيعاتها إلى ما يربو على العشرة ملايين نسخة. ومن المذهل حقاً أن تعرف أن عدد
الكتب المقدسة التي بيعت يقدر بالبلايين. نعم، البلايين. إن عدد النسخ التي تم
طباعتها للكتاب المقدس بأكمله أو لأجزاء مختارة منه تفوق أي كتاب آخر في التاريخ.
وربما يعارض البعض قائلين إن كتاباً ما قد وزع منه في شهر أو عام معين أكثر مما وزع
من الكتاب المقدس. غير أنه ليس هناك كتاب آخر يستطيع أن يضاهي الكتاب المقدس في
إجمالي عدد النسخ الموزعة منه.
طبقاً لتقرير توزيع الكتاب المقدس لعام 1998 الصادر عن اتحاد جمعيات الكتاب المقدس، في هذا العام وحده قامت هذه الجمعيات بتوزيع 20.8 مليون نسخة كاملة من الكتاب المقدس و20.1 مليون نسخة أخرى من العهد الجديد. وإذا ما أضفنا ما تم توزيعه من أجزاء الكتاب المقدس (أي أسفار كاملة منه) والمقتطفات المأخوذة عنه (مقتطفات قصيرة في موضوعات معينة)، يصبح إجمالي عدد النسخ التي تم توزيعها من الكتاب المقدس أو أجزاء منه في عام 1998 وحده 585 مليوناً - وهذا الرقم المذهل يقتصر على الكتب المقدسة الموزعة من خلال جمعيات الكتاب المقدس وحدها.
وهذا يعني أنه لو اصطف جميع من حصلوا على كتب مقدسة أو أجزاء من الكتاب المقدس في عام 1998 وتسلم كل منهم كتاباً مقدساً كل خمس دقائق، فإن هذا يحتاج إلى أكثر من اثنين وتسعين عاماً وهو ما قامت به جمعيات الكتاب المقدس في هذا العام وحده.
وطبقاً لما ورد في تاريخ الكتاب المقدس الصادر عن جامعة كمبريدج فإنه لم يشهد أي كتاب آخر مثل هذا التوزيع المتواصل. (Greenslade, CHB, 479)
والناقد الذي يقول: إن هذا لا يبرهن على أن الكتاب المقدس هو كلمة الله. ريما يكون على حق. ولكن هذا بالتأكيد يبرهن أن الكتاب المقدس كتاب فريد.
3(أ) فريد في
ترجمته
إن عدد ترجمات الكتاب المقدس لا يقل أهمية أبداً عن عدد مبيعاته. فمعظم الكتب لا
تترجم إلى اللغات الأخرى. وتلك التي تترجم، تنشر معظمها بلغتين أو ثلاثة على
الأكثر. وتندر الكتب التي يصل عدد ترجماتها إلى ما يزيد على الاثنتي عشرة لغة.
طبقاً لاتحاد جمعيات الكتاب المقدس، ترجم الكتاب المقدس (أو بعض أجزاءه) إلى أكثر
من 2.200 لغة! ورغم أن هذا الرقم يصل إلى ثلث لغات العالم المعروفة فقط وعددها
6.500 لغة، إلا أن هذه اللغات تمثل الأداة الرئيسية للتواصل لما يربو على التسعين
بالمائة من سكان العالم. وفي كل أنحاء العالم، ليس هناك كتاب آخر في التاريخ قد تمت
ترجمته وإعادة ترجمته وتفسيره أكثر من الكتاب المقدس.
إن الكتاب المقدس هو أحد أولى أمهات الكتب التي ترجمت. ونحو عام 250 ق.م. ترجم العهد القديم من العبرية إلى اليونانية وأطلق على هذه الترجمة اسم الترجمة السبعينية. Unger, UBD, 1147) ) وكان الغرض الأساسي من هذه الترجمة هو أن يقرأها اليهود المقيمون بالإسكندرية والمتحدثون باللغة اليونانية ولم يعودوا يقرأون اللغة العبرية.
ومنذ ذلك الوقت يسعى المترجمون جاهدين لنقل الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد إلى اللغات المختلفة سواء كان لها أبجدية مكتوبة أم لا. وفي مؤسسة وايكليف لمترجمي الكتاب المقدس وحدها، هناك ما يزيد على الستة آلاف من المترجمين. وهم يتعاملون مع أكثر من 850 لغة مختلفة في خمسين دولة لإنتاج ترجمات جديدة أو منقحة للكتاب المقدس. (Barnes, OCB, 823) ومن بين هذه اللغات هناك 468 لغة يترجم إليها الكتاب المقدس للمرة الأولى. وطبقاً لما قاله تيد بيرجمان الذي يعمل في «معهد سمر» للغويات فإنه بهذا المعدل سوف يصبح الكتاب المقدس متاحاً بكل لغات العالم تقريباً فيما بين عامي 2007 و2022 ، وهذا يعني أنه لن يمضي هذا الجيل قبل أن نشهد أول نـص تتم ترجمته إلى كـل لغات العالم.
ليس هناك كتاب آخر في التاريخ يستطيع أن يضاهي الكتاب المقدس في ترجمته.
1(ب) على مر الزمن
رغم أن الكتاب المقدس قد دِّون أول مرة على مواد قابلة للفناء، وكان من الضروري
نسخه مرات ومرات لمئات السنين قبل اختراع آلات الطباعة، إلا أنه ظل صحيحاً أسلوباً
ومعنىً ولم يواجه خطر الفناء. وإذا ما قورن بغيره من الكتابات القديمة، فإن الكتاب
المقدس له ما يؤيده من المخطوطات ما يفوق مخطوطات أي عشرة أعمال أدبية من
الكلاسيكيات القديمة مجتمعة معاً. (طالع الفصل الثالث).
ويشير جون وارويك مونتجمري إلى أن الشك في نصوص أسفار العهد الجديد من شأنه أن يلقي بالشك على جميع الأعمال الكلاسيكية القديمة، فليس هناك وثيقة من العصر القديم تثبت المراجع صحتها على النحو الذي تثبت به العهد الجديد. (Montgomery, HC 71, 29) ويعبر عن الفكرة نفسها بروس ميتسجر، أستاذ جامعة برينستون وأحد رواد نقد النص الكتابي في العالم، قائلاً إنه على النقيض من النصوص الأخرى القديمة، يقف الناقد لنصوص العهد الجديد موقف الحائر أمام غزارة مخطوطاته. (Metzger, TNT, 34)
ويعلق برنارد رام على دقة وكثرة مخطوطات الكتاب المقدس قائلاً: لقد حفظ اليهود هذه المخطوطات بعناية شديدة لم تعرفها أي مخطوطة أخرى. فمن خلال المازورا massora العليا والوسطى والسفلى حافظوا محافظة شديدة على كل حرف ومقطع وكلمة وفقرة. وكان عندهم طبقات خاصة من الشعب مهمتها الوحيدة حفظ ونقل هذه الوثائق بأمانة ودقة تامة، فكان هناك الكتبة والفريسيون والمازوريين. فـأي شخـص أحصى حروف ومقاطع وكلمات كتابات أفلاطون أو أرسطو أو شيشرون أو سينكا؟ (Ramm, PCE 53, 230-231)
ويقارن چون لي في كتابه أعظم كتاب في العالم بين الكتاب المقدس وكتابات شكسبير:
في بحث نشرته مجلة «نورث أمريكان رفيو» أورد أحد الباحثين بعض المقارنات المثيرة للاهتمام بين كتابات شكسبير والكتاب المقدس، وهي تبين أن مخطوطات الكتاب المقدس قد نالت من الاهتمام والعناية ما لم تنله أي كتابات أخرى حتى عندما سنحت الفرصة للحفاظ على النص الأصلي الصحيح بوسائل الطباعة بدلاً من استخدام وسائل النسخ اليدوي. كتب يقول: من الغريب أن نصوص شكسبير التي بقيت لفترة تقل عن المائتين والثمانية أعوام لا تحظى بالثقة والصحة التي يحظى بها العهد الجديد، الذي له الآن أكثر من ثمانية عشر قرناً من الزمان، منها خمسة عشر قرناً على الأقل كان خلالها عبارة عن مخطوطات ... باستثناء عشرة أو عشرين آية فقط يمكن القول بأن كلمات كل آية من آيات العهد الجديد صحيحة تماماً باتفاق العلماء، حتي أن أي خلاف ينشأ فيما يختص بقراءتها يرجع إلى تفسير معاني الكلمات وليس إلى الكلمات نفسها. ولكن في كل عمل من أعمال شكسبير السبعة والثلاثين هناك مئات القراءات المختلف عليها بين الدارسين وأكثرها يؤثر جوهرياً في معنى الفقرات التي توجد بها. (Lea, GBW, 15)
2(ب) خلال
عصور الاضطهاد
لقد ظل الكتاب المقدس صامداً أمام الهجمات الشرسة لخصومه، فقد حاول الكثيرون حرقه
أو منعه أو حظره بموجب القانون منذ عصر الأباطرة الرومان حتى عصرنا الحاضر إبَّان
الحكم الشيوعى. (Ramm, PCE' 53, 232)
في عام 303م أصدر الإمبراطور الروماني دقليديانوس أمراً بمنع المسيحيين من العبادة والقضاء على كتابهم المقدس. وتم نشر مرسوم إمبراطوري في كل مكان يأمر بهدم الكنائس وحرق الكتاب المقدس وتجريد ذوي المناصب العليا من حقوقهم المدنية وتجريد المواطنين العاديين من حريتهم إذا ما تمسكوا بإيمانهم المسيحي. (Greenslade, CHB, 476)
ويسجل لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس في القرن الرابع الميلادي المفارقة التاريخية لهذه الحادثة فكتب يقول إنه بعد ربع قرن من صدور قرار دقليديانوس أصدر الإمبراطور الروماني قسطنطين قراراً بإعداد خمسين نسخة من الكتاب المقدس على نفقة الدولة. (Eusebius, EH, VII, 2, 259)
وبعد عدة قرون قال الملحد الفرنسي الشهير فولتير الذي مات عام 1778 ، أنه في خلال مائة عام من ذلك الوقت ستختفي المسيحية من الوجود وتدخل التاريخ. ولكن ماذا حدث؟ أصبح فولتير نفسه تاريخاً، بينما ظل الكتاب المقدس ينتشر يوماً بعد يوم في أرجاء العالم المختلفة حاملاً معه البركات أينما ذهب. فمثلاً بنيت الكاتدرائية الإنجليزية في زانزيبار في موقع سوق النخاسة القديم ووضعت مائدة العشاء الرباني في الموقع الذي كان العبيد يُجلدون فيه. ويزخر العالم بمثل هذه المواقف ... كما قال أحدهم : إن محاولة منع انتشار الكتاب المقدس كمحاولة إيـقاف قرص الشمس الـملـتهب عن الدوران. (Collett, AAB, 63)
أما بالنسبة لنبوءة فولتير عن اختفاء المسيحية والكتاب المقدس في خلال مائة عام يشير جايسلر ونيكس إلى أنه بعد خمسين عاماً فقط من وفاة فولتير قامت جمعية الكتاب المقدس بجنيف باستخدام مطبعته ومنزله لنشر الكتاب المقدس. (Geisler/Nix, GIB' 68, 123, 124)
إن خصوم الكتاب المقدس يجيئون ويمضون، ولكنه يبقى صامداً. لقد صدقت كلمات الرب يسوع عندما قال: «السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول». (مر 13: 31)
3(ب) بالرغم من
النقد
أوضح هـ. ل. هستينجز الطريقة الفريدة التي صمد بها الكتاب المقدس أمام هجمات
الملحدين والمتشككين:
لقد حاول الملحدون على مدى ثمانية عشر قرناً دحض هذا الكتاب والنيل منه، ومع ذلك فهو صامد اليوم كصخرة. فهو يزداد انتشاراً كما يزداد حب الناس له واعتزازهم به وقراءتهم له اليوم أكثر من أي وقت مضى. إن الهجوم الذي يشنه الملحدون على الكتاب المقدس، على كثرته وتنوعه، يشبه طَرْق مطرقة صغيرة على بناء الهرم. عندما اقترح الملك الفرنسي اضطهاد المسيحيين في فترة حكمه، قال له أحد رجال الدولة والمحاربين القدماء: يا سيدى، إن كنيسة الله هي سنْدان أبلى مطارق كثيرة. لقد حاولت مطارق الملحدين هدم هذا الكتاب لعصور طويلة، فبليت المطارق وبقي هو. وإن لم يكن هذا الكتاب هو كتاب الله، لاستطاع البشر القضاء عليه منذ زمن بعيد. لقد حاول النيل من الكتاب المقدس أباطرة وباباوات، ملوك وكهنة، أمراء وحكام، فماتوا هم وبقي هو. (Lea, GBW, 17-18)
ويضيف برنارد رام قائلاً:
لقد قرعت الأجراس معلنة موت الكتاب المقدس لآلاف المرات، فأُعد الموكب الجنائزي ووضع شاهد القبر وقُرئت الصلوات، ولكن الكتاب ظل حياً. ولم يتعرض أي كتاب آخر للنقد والتجريح والقدّح والذم مثلما تعرَّض له الكتاب المقدس. فأي كتاب في الفلسفة أو الدين أو علم النفس أو الأدب الكلاسيكي أو الحديث تعرَّض لمثل هذا الكمّ الهائل من محاولات الهجوم والنقد كالكتاب المقدس؟ وبهذا الكم من الحقد والشك؟ أو هذا التفصيل والتدقيق في كل فقرة وسطر فيه وفي كل تعليم له؟. ولا يزال الملايين يحبون الكتاب المقدس ويقرأونه ويدرسونه. (Ramm, PCE' 53, 232-233)
لجأ دارسو الكتاب المقدس في وقت ما إلى النتائج الأكيدة للنقد العالي. ولكن نتائج النقد العالي لم تعد أكيدة كما كنا نعتقد من قبل. ولنأخذ مثلاً الفرضية الوثائقية ، إن أحد أسباب ظهورها - فيما عدا الأسماء المختلفة المستخدمة للإشارة إلى الله في سفر التكوين - هو القول بأن الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس لا يمكن أن يكون موسى هو كاتبها، بعد أن أثبتت النتائج الأكيدة للنقد العالى أن الكتابة لم تكن معروفة في أيام موسى، ولو وجدت فقد كان من النادر استخدامها. ومن ثم استنتج الدارسون أنها كتبت في عصر لاحق. فأخذ النقاد يعملون عقولهم ووضعوا نظرية تفترض أن هناك أربعة من الكتَّاب - يشار إليهم بالحروف D, P, E, J جمعوا الأسفار الخمسة معاً. ووضع هؤلاء النقاد هيكلاً نقدياً ضخماً حتى إنهم نسبوا أجزاء الآية الواحدة إلى كتاب مختلفين! (طالع الجزء الثاني من الكتاب لمعرفة تفاصيل أكثر عن الفرضية الوثائقية).
ثم اكتشف علماء الآثار الحجر الأسود . (Unger, UBD, 444) وهذا الحجر عليه كتابة مسمارية تحوي شريعة حمورابي المطوّلة. هل كانت هذه الكتابة لاحقة لموسى؟ كلا! إنها كانت سابقة لعصر موسى. وليس هذا فقط، ولكنها سبقت كتابات موسى بثلاثة قرون على الأقل. Unger, UBD, 444 ولدهشة النقاد كانت هذه الكتابات أقدم من موسى الذي كان يعتقد النقاد أنه رجل بدائي لا يعرف الكتابة.
يالسخرية التاريخ! ولا تزال الفرضية الوثائقية تدرَّس، ولكن معظم مبادئها الأساسية (النتائج الأكيدة للنقد العالي) قد ثبت عدم دقتها.
ولقد افترضت النتائج الأكيدة للنقد العالي أنه لم يكن هناك وجود للحثيين في زمن إبراهيم حيث لم يسجل التاريخ عنهم شيئاً فيما عدا ما سجله الكتاب المقدس. فلابد أن وجودهم هو من قبيل الأساطير. ومرة أخرى ثبت خطأ هذا الاعتقاد إذ أن البحوث الأثرية قد كشفت عما يثبت أنه كانت هناك حضارة حثية واستمرت لما يزيد على 1200 عام.
ويقول إيرل رادماخر، الرئيس السابق للمعهد الغربي المعمداني المحافظ نقلاً عن نيلسون جليك، الرئيس السابق لمعهد اللاهوت اليهودي بكلية هيرو يونيون بسينسيناتي وواحد من أكبر ثلاثة علماء أثريين: استمعت إليه (جليك) عندما كان يتحدث في معبد عمانوئيل بدالاس، إحمر وجهه وقال: لقد اتهمت بأنني أعلم بالوحي الحرفي المطلق للكتاب المقدس. وأريد أن يفهم الجميع أنني لم أعلم بهذا قط. فكل ما قلته إنني في جميع بحوثي الأثرية لم أجد قط أثراً واحداً يتعارض مع أي عبارة في كلمة الله.(Radmacher, PC,50)
أما روبرت ديك ويلسون، الملم بأكثر من خمس وأربعين لغة، فبعد أن أمضي حياته في دراسة العهد القديم يخلص إلى ما يلى: يمكنني القول بأن دراستي للكتاب المقدس التي دامت لخمسة وأربعين عاماً كانت تؤدي أكثر فأكثر إلى تعميق إيماني بأن لدينا من خلال العهد القديم سجلاً تاريخياً صحيحاً لتـاريخ الشعـب الإســرائيلى. (Wilson, WB, 42)
إن الكتاب المقدس فريد في قدرته على الصمود أمام هجمات النقاد. ولا يضاهيه أي كتاب آخر. ومن الأجدر بمن يبحث عن الحقيقة أن يفحص كتاباً يتمتع بهذه الصفات.
1(ب) نبواته
يقول ويلبر سميث، الذي كوّن لنفسه مكتبة شخصية تحوي خمسة وعشرين ألف مجلد:
مهما كان يعتقد الشخص بشأن موثوقية ورسالة هذا الكتاب الذي نسميه الكتاب المقدس، هناك اتفاق عام على أنه يعد من وجوه كثيرة من أكثر الكتب تميزاً بين جميع الكتب التي كتبت على مدى ما يقرب من خمسة آلاف عام عرفها الجنس البشري من الكتابة.
إنه الكتاب الوحيد الذي كتبه شخص، أو مجموعة من الأشخاص، ويحوي مجموعة كبيرة من النبوات التي تتصل بشعوب معينة وبشعب إسرائيل وبكل الشعوب على وجه الأرض، ومنها ما يتصل بمدن معينة وبالمسيح الآتي. في العالم القديم كانت هناك وسائل كثيرة مختلفة لمعرفة المستقبل، فيما كان يعرف باسم العرافة، ولكننا لا نجد في الأدب اليوناني واللاتيني كله، رغم وجود كلمات مثل: نبي أو نبوة، أي نبوة حقيقية محددة لحادث تاريخي عظيم يتوقع حدوثه في المستقبل البعيد، أو أي نبوة عن مخلص يظهر في الجنس البشري.
ويوافق جايسلر ونيكس على هذا الرأي. ففي كتابهما مقدمة عامة للإنجيل - الذي يعد مرجعاً مفيداً - كتبا:
طبقاً لما ورد في تثنية 18، كان النبي يعد كاذباً إذا لم تتحقق نبوءاته مطلقاً. ليس هناك نبوة غير مشروطة في الكتاب المقدس عن أحداث معينة لم تتحقق حتى يومنا هذا. فهنـاك مئـات النبـوات، بعضهـا قيـل قبـل مئــات السنين، تحققت حرفياً. إذ سجل العهد القديم نبوات حددت زمن (دانـيال 9)، ومدينة (ميخا 5 : 2)، وطبيعة (إشعياء 7 : 14)، ميلاد المسيح، كما سجل عشرات الأحـداث الأخـري المرتبـطة بحيـاتـه ومـوتـه وقيامته (إشعيـاء 53). كما تحققت نبوات أخرى كثيرة منها دمار أدوم (عوبديا 1)، ولعنة بابل (إشعياء 13)، ودمـار صور (حزقيال 26) ونينـوى (نحميـا 1-3) وعـودة إسـرائيل إلى أرضه (إشعياء 11 : 11). هناك كتب أخرى تدعي الوحي الإلهي مثل كتاب المورمون وبعض أجزاء الفيدا (الهندوسية). ولكن لا يحوي أي من هذه الكتب أي نبوة. ومن ثم تعد النبوات المحققة دليلاً قوياً على صدق وحـي الكتاب الـمقـدس وتفرده. (Geisler/Nix, GIB' 86, 196)
2(ب) تاريخه
تقدم لنا الأسفار من سفر صموئيل الأول وحتي سفر أخبار الأيام الثاني ما يقرب من
خمسة قرون من تاريخ الأمة الإسرائيلية. وتسجل لنا موسوعة التاريخ القديم الصادرة عن
جامعة كمبريدج The Cambridge Ancient History (Vol. 1, p. 222) ما يلى: كان
الإسرائيليون عباقرة في تسجيلهم للتاريخ، ويعد العهد القديم أقدم كتابة تاريخية
موجودة.
ويبدأ أستاذ الآثار البارز ألبرايت بحثه المعروف «العصر الكتابى» بهذه الملاحظات:
يفوق التقليد القومي العبري جميع ما عداه من حيث وضوح صورة تسلسل الأنساب والأصول القبلية. فعبثاً نبحث عما يماثل ذلك في حضارات مصر أو بابل أو أشور أو فينيقية أو اليونان أو روما. وليس هناك ما يشبه ذلك في تقاليد الشعوب الجرمانية. كما لم تنتج حضارات الهند والصين أي شئ مماثل، إذ أن كتاباتها التاريخية المبكرة عبارة عن تراكمات أدبية مشوهة لتقاليد الأسر الحاكمة ليس بها أي أثر للرعاة أو الفلاحين غير أنصاف الآلهة أو الملوك الذين تبدأ بهم هذه السجلات. وليس هناك أي تلميح في الكتابات الهندية التاريخية القديمة (البورانات) أو الكتابات اليونانية التاريخية المبكرة يشير إلى حقيقة أن كلاً من الهنود الآريين والهلينيين كانوا قبلاً بدو وهاجروا إلى مواطنهم اللاحقة في الشمال. ويذكر الأشوريون بشكل غير واضح أن حكامهم الأوائل، الذين يذكرون أسماءهم دون أي تفاصيل عن منجزاتهم، كانوا من سكان الخيام، ولكن من أي مكان قدموا، فهذا أمر قد سقط من ذاكرة التاريخ منذ زمن بعيد. (Finkelstein, JTHCR, 3)
أما فيما يتعلق بـ سجل الأمم الوارد في تكوين 10، يقول ألبرايت: يقف هذا السجل وحيداً تماماً في الكتابات القديمة وليس له مثيل ولو من بعيد عند اليونان. ويبقي سجل الأمم وثيقة دقيقة بشكل مذهل. (Albright, RDBL, 70-72)
3(ب) شخصيته
قال لويس س. شيفر، مؤسس معهد لاهوت دالاس ورئيسه الأسبق: إن الكتاب المقدس
ليس بالكتاب الذي يريد البشر أن يكتبوه لو استطاعوا، أو بالكتاب الذي يستطيعون أن
يكتبوه لو أرادوا.
يتعامل الكتاب المقدس بكل صراحة ووضوح مع أخطاء الشخصيات الواردة به، حتى لو كانت هذه الأخطاء تنعكس سلباً على رجال الله المختارين الذين من بينهم القادة وكتَّاب الوحي الإلهي أنفسهم. ومن أمثلة ذلك:
- يذكر خطايا الآباء الأولين. (تك 12: 11-13، 49: 5-7).
- يذكر خطايا الشعب. (تث 9: 24).
- يذكر خطية زنا داود مع بثشبع ومحاولته إخفاء ذلك (2 صم: 11-12).
- يسجل الإنجيليون أخطاءهم الشخصية وأخطاء الرسل (مت 8: 10-26 ، 26: 31-56 ، مر6:
52 ، 8: 18 ، لو 8: 24 و 25 ، 9: 40-45 ، يو10: 6 ، 16: 32).
ü يذكر الاضطرابات داخل الكنيسة (1كو1: 11، 15: 12، 2كو2: 4).
ويركز الكتاب المقدس على الحقيقة وليس الوهم والخيال فهو يقدم الصالح والطالح، الصواب والخطأ، الأفضل والأسوأ، الأمل واليأس، البهجة والألم في الحياة. ومن الطبيعي أن يكون الكتاب المقدس هكذا لأنه في نهاية الأمر وحي الله ولأنه ليست خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شئ عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا. (عب 4 : 13).
6(أ)
فريد في تأثيره على الأدب
في كـتابه «أعظم الكلاسيكيات الإنجليزية»، كتب كليلاند ب. مكافي يقول: لو
ضاعت كل الكتب المقدسة في مدينة معينة، لأمكن إعادة جمع كل أجزائه الأساسية من
الكتب الأخرى التي تقتبس عنه والموجودة في المكتبة العامة لهذه المدينة. هناك
مؤلفات تغطي كل الأدباء العظماء تقريباً، تبين كيف أثَّـر الكتــاب المقدس فيهم.
(McAfee, GEC, 134)
كتب جابريل سيفان يقول: ليس هناك وثيقة أخرى بين يدي البشرية تقدم كل هذا للقارئ - تعاليماً دينية وأخلاقية، نظماً اجتماعية وقوانين شرعية، تفسيراً للتاريخ، وكل هذه المشاعر الإنسانية من أفراح وأطراح وآمال والتي عبر عنها أنبياء وقادة إسرائيل بقوة وصدق لا نظير لهما. (Sivan, BC, xiii)
وفيما يتعلق بالعهد القديم، يضيف قائلاً:
منذ فجر الحضارة لم يكن هناك كتاب ملهم لإبداعات الكتَّاب مثل العهد القديم، الكتاب المقدس العبري. لم يكن له منازع في تأثيره الأدبي على الشعر والدراما والقصة. كتب الشاعر الألماني هاينريتش هايني عام 1830 يصف أهميته بالنسبة للشعر الغنائي قائلاً: الشروق والغروب، الوعد وتحقيقه، الميلاد والموت، الدراما البشرية كلها، كل شئ في هذا الكتاب ... إنه كتاب الكتب، موسوعة الكتب. لقد وجد الكتَّاب من مختلف الأقطار والثقافات على مدى أكثر من ألف سنة في الكتاب المقدس بأفكاره المتنوعة واتساقه الكامل معيناً فريداً لا ينضب زاخراً بالموضوعات والشخصيات. وعمل الكتاب على إعادة صياغة وتفسير هذه الموضوعات لتصوير الحقائق الخالدة - مثل الله والإنسان أو الصراع بين الخير والشر أو الحب أو الغيرة أو صراع الإنسان من أجل الحرية أو الحقيقة أو العدالة.(Sivan, BC, 218)
ويقول كل من سوزان جالاجر وروجر لوندن إن: الكتاب المقدس هو أحد أهم الوثائق في تاريخ الحضارة، ليس فقط لمكانته ككتاب موحى به، ولكن أيضاً لتأثيره العميق على الفكر الغربي. باعتبارها رؤية عالمية سادت على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان على الأقل، لعبت المسيحية والنص المحوري العظيم لها دوراً رئيسياً في تكوين الثقافة الغربية. ومن ثم استقت الكثير من النصوص الأدبية من الكتاب المقدس والتقليد المسيحى، حتى في العصر ما بعد المسيحي الحالي. (Gallagher/ Lundin, LTEF, 120)
وينـوه إيلـي ويـزل، الكاتـب الـروائي الشهير والحائز على جائزة نوبل للسلام إلى أن: الكتـاب الـمقـدس كتاب موحى به ومصدر للوحي كذلك، ولا مثيل لتأثيـره سواء علـى الـمستوى الاجتماعي والأخـلاقي، أو على مستـوى الإبداع الأدبـي. إننا كثيـراً ما ننسى أن الكتاب المقدس يتصل أيضاً بالمجـال الفنـي. فشخصياته درامية وقصصهم الدرامية خالدة وانتصاراتهم وهزائمهم مؤثرة. فكل صرخة تحرك مشاعرنا وكل نداء يؤثر فيـنا. إن أشعـار الكتاب الـمقدس التي كتبت في عصر سابق تعد في حد ذاتها أشعاراً خالدة. فهي تخاطبنا بشكل جماعي وفردي على مدى القرون.(In Epilogue of Liptzen, BTWL, 293)
ويشير هارولد فيش الأستاذ المتقاعد بجامعة بار- إيلان إلى أن: الكتاب المقدس قد تغلغل في أدب العالم الغربي لدرجة يصعب قياسها. وفي العصور الوسطى وما تلاها كان بمثابة مَعين لا ينضب من الرموز والأفكار وأساليب فهم الحقيقة، أكثر من أي كتابات أخرى قديمة أو حديثة. وهذا الأثر يمكن تتبعه ليس فقط في النصوص التي تتعامل مباشرة مع الشخصيات أو الموضوعات الكتابية، ولكن أيضاً في عدد كبير من الأشعار والأعمال المسرحية والكتابات الأخرى التي لا تتصل موضوعاتها بالكتاب المقدس بشكـل صـريـح ولكن تتبنى رؤية كتابية للبشرية والعالم. (Fisch,HCBD, 136)
في كتابه تشريح النقد ، الذي أضحى واحداً من المؤلفات الكلاسيكية، يشير الناقد الأدبي العالمي الشهير نورثروب فراي إلى أن: الأدب الغربي قد تأثر بالكتاب المقدس أكثر من أي كتاب آخر. (Frye, AC, 14)
وبعد خمسة وعشرين عاماً كتب فراي يقول: سرعان ما أدركت أن دارس الأدب الإنجليزي الذي لا يعرف الكتاب المقدس لا يستطيع فهم الكثير مما يقرأه: إذ أن أفضل الطلاب التزاماً بالضمير الأخلاقي سوف يسيئ فهم الدلالات والمعاني على نحو مستمر. (Frye, GC, xii)
ويصف المؤرخ فيليب شاف عام 1933 تفرد الكتاب المقدس وشخص المخلص:
إن يسوع الناصري هذا، دونما مال أو سلاح، أخضع الملايين من البشر أكثر ممن أخضعهم الإسكندر أو قيصر أو نابليون. ودونما علم أو ثقافة، ألقى الضوء على حقائق بشرية وإلهية أكثر من جميع الفلاسفة والعلماء مجتمعين. ودونما فصاحة أو بلاغة، نطق بكلمات الحياة كما لم ينطق بها أحد قبله أو بعده، وأحدث أثراً يفوق مقدرة الخطباء والشعراء. ودون أن يكتب سطراً واحداً، حرك أقلاماً كثيرة وأثرى الكثير من العظات والخطب والمناقشات والمجلدات التعليمية والأعمال الفنية وأشعار المدح بالموضوعات أكثر من كل الفنانين العظماء في العصور القديمة والحديثة.
ويضيف برنارد رام قائلاً:
هناك دراسـات ببـلوغرافيـة مركبة ليس لها مثيل في أي علم أو قسم آخر من الـمعرفة البشرية. فمنذ عصر الآباء الرسل عام 95م وحتي العصور الحديثة هناك نهر أدبي عظيم واحد ينبـع من الكتاب الـمقـدس - قوامـيس ومـعاجم الكتاب الـمـقدس، وموسوعات الكتاب الـمقدس، وأطالس الكتاب المقدس، وجغرافيا الكتاب الـمقدس. وفيما عـدا ذلك نـذكر أيضاً الـدراسـات الببلوغرافية الكثـيرة التي تتصـل باللاهـوت، والتعليم الديني، والإنشاد الديني، والإرساليات، ولغــات الكتاب المقدس، وتاريخ الكنيسة، والتراجم الدينية، والشعائر الدينية، والتفاسيـر، وفلسـفـة الدين، وعلـم الدفاع عن العقيدة وغيرها. فهناك عدد لا يحصى...
ليس هناك كتاب آخر في تاريخ البشرية كله أوحى لكتابة كل هذا العدد الكبير من الكتب الأخرى مثل الكتاب الـمقدس. (Ramm, PCE' 53, 239)
7(أ) فريد في تأثيره على الحضارة
الكتاب المقدس فريد أيضاً في تأثيره على الحضارة. ويقول جايسلر ونيكس في
إيجاز بليغ:
يتضح تأثير الكتاب المقدس وتعاليمه في العالم الغربي لكل دارسي التاريخ. كما يتضح تأثيره على مجريات الأحداث في الغرب أيضاً. لقد تأثرت الحضارة بالكتاب المقدس أكثر من تأثرها بأي كتاب أو سلسلة كتب أخرى في العالم. ولا يصل أي عمل ديني أو أخلاقي عظيم في العالم إلى عمق المبادئ الأخلاقية للمحبة المسيحية أو إلى قمة المفاهيم الروحية لتعاليم الكتاب المقدس عن الله. إن الكتاب المقدس يقدم أسمى المثل للبشر، المثل التي شكلت الحضارة. (Geisler, GIB 86, 186-187)
ويقول جرادي دافيس في الموسوعة البريطانية الجديدة : لقد قدَّم الكتاب المقدس رؤيته لله والكون والبشرية إلى كافة اللغات الغربية الرائدة ومن ثم إلى المنظومة الفكرية للإنسان الغربى.(Davis, EB, 904) . ويقول أيضاً: منذ اختراع الطباعة (منتصف القرن الخامس عشر)، أصبح الكتاب الـمقـدس أكثـر مـن مجرد ترجمة للأدب الشرقي القديم. فلم يكن كتاباً وافـداً، بل كان أقـرب المصادر والمراجع المألوفة والموثوقة للمُـثل الفكـرية والأخلاقية والروحية في الغرب.(Davis, EB, 905)
ويقول جابرييل سيفان: لقد أعطى الكتاب المقدس قوة للمناضل من أجل الحرية وقلـباً جديداً للمضطهد ومثالاً للمصلـح الاجتمـاعي ووحـياً للكـاتب والفنان. (Sivan, BC, 491)
أما الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو فيهتف قائلاً: انظروا إلى أعمال فلاسفتنا، فمع فخامة أسلوبها كم هي وضيعة وحقيرة مقارنة بالكتاب المقدس! فهل يمكن لكتاب بهذه البساطة والسمو في نفس الوقت أن يكون مجرد عمل بشرى؟
ويشيـر كينـيث ل. وودوارد فـي مجلة «نيـوزويـك» إلى أنه بعد ألفـي عـام. تحـسب القـرون نفسها من وقـت ميـلاد يسـوع النـاصري. وبنهايــة هذا العام سوف تسجل التقاويم في الهنـد والصين ومثيلاتها في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط فجر ألفية جديدة. (Woodward, "2000 Years of Jesus," Newsweek March 29, 1999, p. 52).
8(أ) نتيجة منطقية
إن البراهين سالفة الذكر لا تثبت أن الكتاب المقدس هو كلمة الله. ولكنها في رأيي
تشير إلى تفوقه وتفرده بالنسبة لأي كتاب آخر على وجه الإطلاق.
قال لي يوماً أحد الأساتذة: إن كنت شخصاً واعياً، فسوف تقرأ الكتاب الوحيد الذي جذب إليه الأنظار أكثر من أي كتاب آخر، إن كنت تبحث عن الحق. ومن المؤكد أن هذه الصفات تنطبق على الكتاب المقدس وحده.
الجزء الثاني:
البراهين المؤيدة لشخصية يسوع
مقدمة
في بحثه «لماذا أنا غير مسيحي» يؤكد الفيلسوف برتراند راسل أنه من
الناحية التاريخية هناك شك فيما إذا كان المسيح قد وُجد فعلاً، وإذا كان قد وُجد
فإننا لا نعرف عنه شيئاً (Russel, WIANC, 16).
إنه لمن المؤسف حقاً أن نجد الكثير من المثقفين اليوم يتفقون مع راسل في موقفه المتطرف. لقد آثار الكثيرون شكوكاً عن يسوع المسيح فشَّكك البعض فيما إذا كان ما قاله الكتاب المقدس عنه صحيحاً، ولكن من ادَّعوا أنه لم يعش قط أو أنه لو كان قد عاش فإننا لا نستطيع أن نعرف عنه شيئاً هم فئة قليلة جداً. حتى أن توماس بِين الثوري الأمريكي الذي وضع المسيحية موضع الازدراء لم يشكك في الشخصية التاريخية ليسوع الناصري.
وبينما كان بِين يعتقد أن النصوص الكتابية الخاصة بألوهية يسوع نصوصاً أسطورية، الإ أنه في الوقت نفسه يعتقد أن يسوع عاش فعلاً. وهو يقول: «كان (يسوع المسيح) رجلاً فاضلاً ومحبوباً. والأخلاقيات التي علَّم بها ومارسها كانت من أسمى الأخلاقيات، ورغم أن هناك نظماً مماثلة للأخلاقيات دعا إليها كونفشيوس وبعض فلاسفة اليونان قبل المسيح، وفيما بعد طائفة الإخوة، وغير ذلك من المعلمين الصالحين في كل العصور، فإن هذه الأخلاقيات جميعاً لم تصل إلى هذه الدرجة من السمو». (Paine, CWTP, 9).
إلا أنني أحياناً أجد شخصاً مثل راسل يصرّ على إنكار أن يسوع كان شخصية تاريخية رغم وجود الأدلة على ذلك. وقد حدث ذلك مرة أثناء مناظرة أشرف عليها اتحاد طلاب إحدى جامعات غرب أمريكا. قالت محاوِرتي، مرشحة الكونجرس لحزب العمل التقدمي (الماركسي) في نيوريوك، في كلمتها الافتتاحية: «يرفض المؤرخون اليوم يسوع باعتباره شخصية تاريخية»، ولم أستطع أن أصدق ما سمعت. ولكنني كنت سعيداً بما قالته لأنها أتاحت لي الفرصة أن أبيِّن لألفين وخمسمائة طالب وطالبة أنها لم تدرس التاريخ جيداً. ولو أنها فعلت لاكتشفت أن ف. ف. بروس، أستاذ التفسير والنقد الكتابي بجامعة مانشستر قال: «ربما يعبث الكُتَّاب بالأفكار الخيالية التي تتحدث عن «أسطورة المسيح»، ولكنهم لا يفعلون ذلك على أساس البراهين التاريخية. إن حقيقة المسيح التاريخية تُعَدُّ أمراً محورياً بالنسبة للمؤرخ المنصف كحقيقة يوليوس قيصر التاريخية. فليس المؤرخون هم الذين يروِّجون لنظريات «أسطورة المسيح». (Bruce, NTDATR, 72,119).
كان أوتو بيتس محقاً عندما قال: «لم يجازف أي عالم جاد بافتراض عدم تاريخية شخصية يسوع» (Betz, WDWKAJ, 9).
إن شخصية يسوع التاريخية ليست مسألة ذات أهمية ثانوية بالنسبة للمسيحي، فالإيمان المسيحي يرتكز على التاريخ. ويشير دونالد هاجنر أحد علماء العهد الجديد إلى ما يلي:
تعتمد المسيحية الحقيقية، مسيحية نصوص العهد الجديد، على التاريخ اعتماداً كلياً. فجوهر إيمان العهد الجديد التأكيد على أن «الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه» (2كو 5: 19). وتعد أحداث تجسد المسيح وموته وقيامته كأحداث حقيقية زمانياً ومكانياً، أي كحقائق تاريخية، أسساً لا غنى عنها للإيمان المسيحي. ومن ثم فإن أفضل تعريف للمسيحية في رأيي هو ذكر أعمال الله التاريخية والاحتفال بها والمشاركة فيها، وهذه الأعمال، كما يؤكد على ذلك العهد الجديد، تكمل في يسوع المسيح. (Hagner, NTCI, 73, 74)
ويشتمل هذا الفصل على براهين من المصادر المسيحية والعلمانية واليهودية لحياة المسيح.
1(أ)
المصادر العلمانية لشخصية يسوع التاريخية
وأقصد بالعلمانية هنا «الوثنية» أو غير المسيحية وغير اليهودية وهي عادة ضد
المسيحية. لقد أشار الكثير من الكُتَّاب القدماء إلى يسوع والحركة التي قام بها.
وكونهم أعداء للمسيحية في أغلب الأحيان يجعل منهم أفضل الشهود إذ ليس لهم مصلحة في
الاعتراف بالأحداث التاريخية الخاصة بقائد ديني وأتباعه وهي الأحداث التي يزدرونها.
1(ب) كرنيليوس تاسيتوس
قال هابرماس : كان كرنيليوس تاسيتوس (حوالي 55- 120م) مؤرخاً رومانياً عاصر
حكم بضعة أباطرة رومان. وقد أطلق عليه اسم «المؤرخ الأعظم» في روما القديمة. وهو
معروف بوجه عام بين العلماء باستقامته الأخلاقية وصلاحه. (Habermas, VHCELJ, 87)،
ومن أعماله الشهيرة «الحوليات» «والتواريخ». وتغطي «الحوليات» الفترة من موت أوغسطس
عام 14م إلى موت نيرون عام 68م، بينما تبدأ «التواريخ» بعد موت نيرون وتصل إلى موت
دوميتيان عام 96م. (Habermas, VHCELJ, 87)
وفي حديثه عن حكم نيرون، يشير تاسيتوس إلى موت المسيح ووجود المسيحيين في روما. وقد أخطأ في هجاء كلمة المسيح «Christus» وكان هذا خطأً شائعاً لدى الكُتَّاب الوثنيين. يقول تاسيتوس:
إن كل العون الذي يمكن أن يجيء من الإنسان، وكل الهبات التي يستطيع أن يمنحها أمير، وكل الكفارات التي يمكن أن تقدم إلى الآلهة، لا يمكن أن تعفي نيرون من جريمة إحراق روما. ولكي يسكت الأقاويل اتَّهم نيرون الذين يدعون «مسيحيين» ظلماً بأنهم أحرقوا روما، وأنزل بهم أقسى العقوبات. وكانت الأغلبية تكره المسيحيين، أما المسيح -مصدر هذا الاسم- فقد قُتل في عهد الوالي بيلاطس البنطي حاكم اليهودية في أثناء سلطنة طيباريوس. ولكن هذه البدعة الشريرة التي أمكن السيطرة عليها بعض الوقت عادت وانتشرت من جديد، لا في اليهودية فقط حيث نشأ هذا الشر، ولكن في مدينة روما أىضاً. (Annals XV, 44).
ويرى نورمان أندرسون أن هناك إشارة إلي قيامة المسيح في الفقرة السابقة: ربما كان قوله «هذه البدعة الشريرة التي أمكن السيطرة عليها بعض الوقت عادت وانتشرت من جديد» إشارة غير مباشرة واعتراف غير مقصود باعتقاد الكنيسة الأولى في أن المسيح الذي صُلب قد قام من الأموات. (Anderson, JC, 20)
ويشير ف.ف. بروس إلى أمر آخر ثانوي في فقرة تاسيتوس السابقة: «لا يُذكر بيلاطس في أي وثيقة وثنية أخرى وصلت إلينا.. ولعل من مفارقات التاريخ أن الإشارة الوحيدة الباقية لبيلاطس في كتابات كاتب وثني تأتي بسبب حكم الموت الذي أصدره على المسيح. وهنا يتفق تاسيتوس مع عقيدة المسيحيين الأوائل بالقول: «...قُتل في عهد بيلاطس البنطي» (Bruce, JCOCNT, 23)
أما ماركوس بوكمول الأستاذ بجامعة كمبريدچ فيشير إلى أن تعليقات تاسيتوس تعد شهادة لمؤرخ روماني رائد في عصره: شهادة مستقلة بأن يسوع عاش وحُكم عليه رسمياً بالموت في اليهودية أثناء سلطنة طيباريوس وولاية بيلاطس البنطي. وقد لا تبدو عنده الشهادة ذات أهمية كبيرة، ولكن أهميتها تكمن في دحض اثنتين من النظريات التي مازال البعض يطرحها. أولاً: أن يسوع الناصري لم يكن شخصية حقيقية، وثانياً: أنه لم يمت بموجب عقوبة الموت الرومانية. (Beckmuehl, TJMLM, 10, 11)
2(د) لوسيان الساموساطي
وهو من كُتَّاب الهجاء اليونانيين في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي، وقد
تحدث بازدراء عن المسيح والمسيحيين ولكنه لم يفترض أو يشكك مطلقاً في هذه الحقائق.
ويقول لوسيان: إن المسيحيين كما نعلم يعبدون إلى هذا اليوم رجلاً ذا شخصية متميزة،
وقد استحدث الطقوس الجديدة التي يمارسونها والتي كانت عَّلة صلبه... انظر كيف يعتقد
هؤلاء المخدوعون أنهم خالدون مدى الدهر، وهو ما يفسر احتقارهم للموت وبذْل الذات
طواعية وهو أمر شائع بينهم، وهم أيضاً يتأثرون بمشرِّعهم الأصلي الذي قال لهم إنهم
جميعاً إخوة من اللحظة التي يتحولون فيها وينكرون كل آلهة اليونان ويعبدون الحكيم
المصلوب ويعيشون طبقاً لشرائعه. وهم يؤمنون بهذه كلها مما يؤدي بهم إلى احتقار كل
متعلقات الدنيا على حد سواء واعتبارها متاعاً مشتركاً للجميع (Lucian, the Death of
Peregrine, 11- 13)
3(ب) سيوتونيوس
سيوتونيوس هو أحد المؤرخين الرومان وواحد من رجال بلاط الامبراطور هادريان وكان
مؤرخاً حولياً للقصر الملكي، ويقول في كتابه «حياة كلوديوس»: لما كان اليهود يقومون
بأعمال شغب مستمرة بتحريض من المسيح، طردهم (كلوديوس) من روما. ويشير لوقا إلى هذا
الحدث في أعمال 18: 2، وهو ما وقع في عام 49م.
وفي أحد مؤلفاته الأخرى كتب سيوتونيوس عن الحرائق التي اجتاحت روما عام 64م أثناء حكم نيرون. يقول سيوتونيوس: لقد فرض نيرون العقوبات على المسيحيين، وهم جماعة من الناس يتبعون بدعة شريرة جديدة. (Lives of the Caesars, 26.2)
ويعتقد سيوتونيوس -الذي لم يكن محباً للمسيحية- أن يسوع صُلب في أوائل الثلاثينات من عمره وأن المسيحيين قد وُجدوا في المدينة الملكية قبل مرور عشرين عاماً من ذلك الوقت. وهو يحكي عن معاناتهم وموتهم بسبب عقيدتهم في أن يسوع المسيح قد عاش ومات وقام من الأموات حقاً.
4(ب) بلـّيني الصغير
وكان حاكماً لبيثينية في آسيا الصغرى (112م)، وكتب للإمبراطور تراچان
يستشيره في كيفية معاملة المسيحيين. وقد أوضح له أنه كان يقتل الرجال والنساء،
والصبية والفتيات منهم. ولما كان الكثير منهم يُقتلون، فقد تساءل فيما إذا كان
ينبغي له الاستمرار في قتل أي شخص يكتشف أنه مسيحي أو أن يقتل فقط أشخاصاً معينين.
وأوضح أيضاً أنه جعل المسيحيين يسجدون لتماثيل تراجان: ويواصل بلِّيني قائلاً: إنه
جعلهم يلعنون المسيح، وهو الأمر الذي لا يقبله المسيحي الحقيقي. وفي نفس الرسالة
يحكي عن الذين حوكموا: إلا أنهم أكدوا أن ذنبهم أو خطأهم الوحيد هو أنه كانت لهم
عادة أن يجتمعوا في يوم معين قبل بزوغ النهار ويرنموا ترنيمة للمسيح، كما لو كان
إلهاً، ويتعهدوا عهد الشرف ألا يرتكبوا شراً أو كذباً أو سرقة أو زناً، وألا يشهدوا
بالزور وألا ينكروا الأمانة متى طُلب منهم أن يؤدوها. (Epistles X, 96)
5(ب) ثالوس
وثالوس هو أحد أوائل الكتَّاب العلمانيين الذين ذكروا المسيح. وحوالي عام 52م كتب
تاريخاً لمنطقة شرق البحر المتوسط بدءاً من حرب تروجان إلى عصره (Habermas, VHCELJ,
93)، ولسوء الحظ فإن كتاباته غير متوفرة الآن إلا ما اقتبسه عنه الكُتَّاب الآخرون.
ومن أمثال هؤلاء يوليوس أفريكانوس، وهو كاتب مسيحي دوَّن أعماله حوالي عام 221م.
ومن أهم ما سجَّله ثالوس تعليقه على الظلمة التي غطت الأرض وقت الظهر عندما مات
يسوع على الصليب. ويقول أفريكانوس: «يفسر ثالوس هذه الظلمة بحدوث كسوف للشمس- وهذا
التفسير غير معقول من وجهة نظري لأن الكسوف الشمسي لا يمكن أن يحدث وقت اكتمال
القمر، وكان ذلك الوقت هو وقت عيد الفصح عند اكتمال القمر عندما مات المسيح.
(Julius Africanus, Chronography, 18.1)
وتبين هذه الإشارة أن رواية الإنجيل عن الظلمة التي غطت الأرض أثناء صلب المسيح كانت معروفة لغير المسيحيين، وحاولوا أن يوجدوا تفسيراً طبيعياً لها. ولم يكن لدى ثالوس أدنى شك في أن يسوع قد صُلب وأن حدثاً غير عادي قد ظهر في الطبيعة ولابد له من تفسير. وما شغل تفكيره هو أن يجد تفسيراً مختلفاً، أما الحقائق الأساسية فلم تكن موضع شك. (Bruce, NTDATR, 113)
6(ب) فليجون
كتب فليجون، وهو أحد المؤرخين غير المسيحيين الثقاة، تاريخاً سمَّاه «أخبار الأيام»
ورغم ضياع هذا العمل، إلا أن يوليوس أفريكانوس قد احتفظ ببعض أجزائه القليلة في
كتاباته. ومثل ثالوس فإن فليجون، يؤكد أن الظلمة خيَّمت على الأرض وقت صْلب المسيح،
وهو يعتبر ذلك كسوفاً شمسياً: «وأثناء حكم طيباريوس قيصر حدث كسوف للشمس وقت اكتمال
القمر» (Africanus, Chronography, 18.1)
كما ذكر إشارة فليجون هذه أيضاً كل من أوريجانوس، المدافع المسيحي الذي عاش في القرن الثالث (Contra Celsum, 2.14, 33, 59) والكاتب فلـيوبون من القرن السادس (De. Opif. Mund II 21). (McDowell/ Wilson, HWAU, 3)
7(ب) مارا بار- سيرابيون
وحوالي عام 70 م، كتب مارا بار- سيرابيون، وهو سرياني ولعله كان فيلسوفاً رواقياً،
رسالة وهو في السجن إلى ابنه يشجعه على السعي في أثر الحكمة. وفي رسالته يقارن بين
يسوع واثنين من الفلاسفة هما سقراط وفيثاغورس كتب يقول:
أية فائدة جناها الأثينيون من قتل سقراط؟ لقد أتى عليهم الجوع والوبأ جزاءً لجرمهم. وأية فائدة جناها أهل ساموس من حرق فيثاغورس؟ لقد غطت الرمال أرضهم في لحظة. وأية فائدة جناها اليهود من قتل ملكهم الحكيم؟ لقد تلاشت مملكتهم عقب ذلك. لقد انتقم الله بعدل لهؤلاء الرجال الثلاثة الحكماء: فقد مات الأثينيون جوعاً وغطَّى البحر سكان ساموس وطُرد اليهود من بلادهم حيث عاشوا في الشتات. ولكن سقراط لم يمت إلى الأبد ولكنه عاش في تعاليم أفلاطون ولم يمت فيثاغورس إلى الأبد، فقد عاش في تمثال هيرا. ولم يمت الملك الحكيم إلى الأبد، ولكنه عاش في التعاليم التي أعطاها. (Bruce, NTDATR, 114)
ومن المؤكد أن هـذا الأب لم يكن مسيحياً، لأنه وضع يسوع على قدم المساواة مع سقراط وفيثاغورس، وهو يعتبر يسوع حياً في تعاليمه وليس في قيامته، وفي موضع آخر يشير إلى إيمانه بتعدد الآلهة. إلا أن إشارته للمسيح تبيِّن أنه لم يشك في أن يسوع عاش حقاً.
2(أ) الإشارات اليهودية عن شخصية يسوع التاريخية
لقد وجد العلماء الكثير من الإشارات الموثوقة عن يسوع، كما وجدوا أيضاً مصادر أخرى
غير موثوقة أو مصادر كان يعتقد قبلاً أنها تشير إلى يسوع (McDowell/ Wilson, HWAU,
55- 70) وقد اخترت بعضاً من أهم تلك المصادر الموثوقة هنا لإلقاء الضوء عليها.
ويمكنك أن تجد المزيد منها في الفصل الثالث من كتابي: «سار بيننا: برهان شخصية يسوع
التاريخية»
وكما هو الحال في المصادر العلمانية، فإن المصادر اليهودية القديمة معادية لمؤسس المسيحية وأتباعها ومعتقداتها. ولهذا السبب فإن شهادتها للأحداث الخاصة بحياة يسوع تعد ذات قيمة كبيرة بالنسبة للموثوقية التاريخية لهذه الأحداث.
1(ب) الصلب
نقرأ في التلمود البابلي ما يلي: عُلِّق (صُلب) يسوع في ليلة الفصح. ولمدة أربعين
يوماً قبل تنفيذ الحكم سار المنادي معلناً: «إنه سوف يُرجم لأنه مارس السحر وضلل
إسرائيل. وأي شخص يمكنه أن يدلي بأي شيء في مصلحته فليتقدم للدفاع عنه». ولكن إذ لم
يكن هناك ما يمكن أن يبرئه فقد عُلِّق في ليلة الفصح.(Sanhedrin 43a; cf. t. Sanh.
10: 11; y. Sanh 7: 12; Tg. Esther 7: 9)
وفي موضع آخر ذكر فيه هذا النصّ يذكر «يسوع الناصري». وكلمة «Yeshu» تترجم من اليونانية إلى الإنجليزية بكلمة «يسوع» Jesus، والإشارة إليه بكلمة «الناصري» يعد دليلاً قوىاً على أنه يشير إلى يسوع المسيح.
فضلاً عن ذلك فإن كلمة «عُلِّق» هي تعبير آخر للإشارة إلى الصلِّب (انظر لوقا 23: 39، غلاطية 3: 13). ويقول چوزيف كلاوسنر العالم اليهودي: «يتحدث التلمود عن التعليق بدلاً من الصلب، لأن هذه الوسيلة الرومانية المريعة للقتل لم تكن معروفة لدى العلماء اليهود إلا من خلال المحاكمات الرومانية، ولم تكن موجودة في النظام القضائي اليهودي. كما أن الرسول بولس (غلاطية 3: 13) يطبق الآية التالية: «لأن المعلَّق ملعون من الله» (تثنية 21: 23) على يسوع» (Klausner, JN, 28).
كما أن الإشارة إلى حدوث الصلب «في ليلة عيد الفصح» تتفق مع (يوحنا 19: 14) (وهـي موجودة في b. Sanh. 67a ; y. 4. Sanh. 7: 16)
ومن ثم فإن هذا النص يؤكد بوضوح الموثوقية التاريخية لشخصية يسوع وموته. كما يؤكد أن السلطات اليهودية تورطت في الحكم عليه، ولكن ثمة محاولة لتبرير ذلك. وبشكل غير مباشر يشهد هذا النص لمعجزات يسوع. ولكنه يحاول أن يفسرها كأعمال سحرية، كما ذكره كُتَّاب الإنجيل أيضاً (مرقس 3: 22، متى 9: 34، 12: 24). (Klausner, JN, 23).
وبعد هذا النص اليهودي يظهر تعليق آخر لـ «أولا أمورا» Ammora, Ulla في أواخر القرن الثالث يقول: «هل تظن أنه كان يمكن البحث عن أي دفاع له؟ لقد كان مخادعاً، ويقول الله كلي الرحمة: «لا ترقّ له ولا تستره». ولكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة ليسوع، لأنه كان قريباً من الملك». ربما كانت العبارة «قريباً من الملك» تشير إلى نسب يسوع الذي ينحدر من الملك الإسرائيلي داود، أو ربما كانت تدل على غسل بيلاطس ليديه قبل أن يسلم يسوع للجلد والصلب.
2(ب) يسوع وتلاميذه
وفي فقرة تلمودية لاحقة للفقرة الخاصة بصلب يسوع نقرأ: «يسوع كان له خمسة تلاميذ
متاي ونكاي ونيتسر وبوني وتودا». (b. Sanh. 107b). وبينما يمكن أن يشير «متاي» إلى
متَّى، فإنه لا يمكن لأحد الجزم بأن أي من الأسماء الأخرى تشير إلى أي تلميذ آخر
ذُكر في الإنجيل. أما القول بأن يسوع كان له خمسة تلاميذ فيمكن فهمه في ضوء إشارة
التلمود لغيره من المعلمين مثل يوحنان بن زكاي وأكيبا، بأن كان لكل منهما خمسة
تلاميذ. (McDowell/ Wilson, HWAU, 65). وعلى أي حال فهناك شيء واحد مؤكد وهو أن هذا
النصّ يشير بوضوح إلي أن التقليد اليهودي قد أقرَّ بأن المعلم يسوع كان له أتباع.
3(ب) مولود من عذراء؟
في التلمود تُستخدم الألقاب التالية للإشارة إلى يسوع: «ابن بانديرا» (أو ابن
بانتيرا) وعن «يسوع بن بانديرا». ويقول الكثير من العلماء إن «بانديرا» هي كلمة
محوَّرة للكلمة اليونانية «بارثينوس» التي تعني عذراء. ويقول العالم اليهودي
چوزيف كلاوسنر: «كان اليهود يسمعون المسيحيين (ومعظمهم كان يتحدث اليونانية منذ
عصر مبكر) يطلقون على يسوع اسم «ابن العذراء»... ولذلك فقد أطلقوا عليه تهكماً اسم
(ابن ها بنيترا) أي «ابن النمرة» (Klausner, JN, 23).
ويقول التلمود البابلي في موضع آخر: قال ر. شمعون بن عزي (عن يسوع): «وجدت في سجل للأنساب في أورشليم مكتوباً فيه أن هذا الإنسان كان ابناً غير شرعي لامرأة زانية». (b. Yebamoth 49a, m. yebam. 4). وفي فقرة أخرى نقرأ: «كانت مريم أمه مصففة شعر للنساء وقيل إنها.. ضلت عن زوجها» (b.Sabb. 104b) وفي موضع آخر نقرأ أن مريم «سليلة الأمراء والحكام مارست البغاء مع النجارين» (b. Sanh 106a) وهذه العبارة بالطبع هي محاولة لتفسير العقيدة المسيحية لميلاد يسوع العذراوي (انظر أيضاً b. Sabb. 104b). وربما يقصد بعبارة «الأمراء والحكَّام» بعض الأسماء التي وردت في سجل النسب الذي ذكره لوقا، الذي قال عنه بعض آباء الكنيسة أنه سجَّل نسب مريم حتى الملك داود (قارن ذلك مع عبارة: «يسوع... كان قريباً من الملك» في (b. Sanh. 463a). والإشارة إلى النجارين هي إشارة واضحة ليوسف. انظر أيضاً (b. Sabb. 104b).
وتفترض النصوص السابقة ما يلي: لو أن يوسف لم يكن أباً ليسوع، إذاً فحبَل مريم كان من رجل آخر، وبذلك فهي زانية ويسوع هو ابنها غير الشرعي. ويسجل لنا العهد الجديد توجيه الكتبة والفريسيين بشكل غير مباشر هذه التهمة ليسوع (يوحنا 8: 41).
ومع تأكيد العهد الجديد بأن هذا الاتهام لا أساس له، إلا أن هذا الاتهام يؤكد أن العقيدة المسيحية للميلاد المعجزي ليسوع كانت عقيدة الكنيسة الأولى وأحدثت رد فعل مضاد. ويلاحظ أن رد الفعل هذا لا يتضمن إنكار وجود يسوع- ولكن فقط تفسيراً مختلفاً للحبَل به. ويقول كلاوسنر: «ولتأييد أقوال ر. يهوشع، أضافت الطبعات الحديثة من المشنا ما يلي: من هو الابن غير الشرعي؟ هو أي إنسان تأمر الشريعة بقتل أبويه. ليس من شك في أن الإشارة هنا إلى يسوع» (Klausner, JN, 35).
4(ب) شهادة يوسيفوس
كتب الأستاذ چون ب. ماير يقول إن يوسيفوس ابن ماتتياس (وُلد 37 / 38 م ومات
بعد عام 100م) كان أرستقراطياً يهودياً وسياسياً من نسل الكهنة وقائداً غير متحمس
للقوات الثورية في الجليل أثناء الثورة اليهودية الأولى على روما (66- 73م)،
ومرتداً مخادعاً، ومؤرخاً يهودياً يعمل في كنف الأباطرة في عصره وفريسياً بحسب
الظاهر. ولما أسره فسباسيان عام 67، عمل في خدمة الرومان كوسيط ومترجم إبان الثورة.
وأُحضر إلي روما حيث ألَّف اثنين من أعماله العظيمة: «الحروب اليهودية» الذي كُتب
في نهاية السبعينيات، «آثار اليهود» وهو مؤلَّف أكبر حجماً أنهاه حوالي 93 / 94 م.
(Meier, BR, 20, 22).
أصبح فلافيوس يوسيفوس جزءًا من الحاشية الداخلية للامبراطور وقد أعطوه اسم (فلافيوس) كاسم روماني له، وهم اسم الامبراطور. أما يوسيفوس فهو اسمه اليهودي.
وفي كتابه «آثار اليهود»، هناك فقرة أحدثت جدلاً عنيفاً بين العلماء، وهي كالآتي:
«كان في ذلك الوقت رجل حكيم اسمه يسوع، لو كان لنا أن ندعوه رجلاً، لأنه كان يصنع العجائب وكان معلماً لمن كانوا يتقبلون الحق بابتهاج. وجذب إليه الكثيرين من اليهود والأمم على حد سواء. وكان هو المسيح.
وعندما أصدر بيلاطس الحكم عليه بالصلب، بإيعاز من رؤسائنا، لم يتركه أتباعه الذين أحبوه من البداية، إذ أنه ظهر لهم حياً مرة أخرى في اليوم الثالث، كما تنبأ أنبياء الله عن هذه الأشياء وعن آلاف الأشياء العجيبة المختصة به. وجماعة المسيحيين، المدعوين على اسمه، مازالوا موجودين حتى هذا اليوم. (Antiquities, XVIII, 33
ولن أتطرق هنا إلى الآراء المختلفة التي تبناها العلماء بخصوص هذه الفقرة التي أصبحت تُعرف باسم «الشهادة» Testimonium. للمزيد من التفاصيل عن الجدل القائم حولها، يمكن الرجوع لكتاب «سار بيننا» والصفحات 37 - 45. ولكنني أحب أن أنوِّه هنا إلى أن هذه الفقرة أثارت ضجة لأن يوسيفوس، وهو يهودي وليس مسيحياً، يقر عن المسيح أشياءً - لا يمكن ليهودي صحيح المذهب أن يقر بها - فهو يشير مثلاً إلى يسوع باعتباره المسيح (المسيا) ويقول إنه قام من الأموات كما تنبأ عنه الأنبياء العبرانيون.
وفي تقديري فإنني أوافق العلماء الذين يرون أنه على الرغم من بعض الإضافات المسيحية- وهي المطبوعة بحروف مائلة في الفقرة السابقة- التي دخلت على النص كما هو واضح، إلا أن هذه الشهادة تتضمن قدراً كبيراً من الحقيقة التي يمكن ليوسيفوس أن يقرّ بها بسهولة. ويقول ماير:
اقرأ هذه الشهادة دون العبارات المائلة وسوف ترى أن تسلسل الفكرة واضح. إن يوسيفوس يدعو يسوع بأنه «رجل حكيم» (باليونانية Sophos anصr ولعلها بالعبرية Khakham). ويمضي يوسيفوس ليوضح هذه التسمية العامة (رجل حكيم) بمقوَّمين أساسيين لها في العالم اليوناني الروماني: صنع المعجزات والتعليم المؤثر. إن هذه السمة المزدوجة للحكمة تربح ليسوع الكثير من الأتباع من اليهود والأمم، وربما أيضاً -رغم عدم ذكر ذلك بوضوح- كان هذا النجاح العظيم هو الذي حرَّك القادة لاتهام يسوع أمام بيلاطس. ورغم موت العار الذي ماته يسوع على الصليب، إلا أن أتباعه الأولين لم يتخلوا عن إخلاصهم له، ومن ثم (ولاحظ هنا أن تسلسل الفكرة أفضل دون الإشارة إلى القيامة في العبارة المحذوفة) فإن جماعة المسيحيين لم تختف(Meier,BR,23).
وبعد هذه الشهادة بعدة فقرات، يشير يوسيفوس إلى يعقوب أخي يسوع. وهو يصف أفعال رئيس الكهنة حنان (Antiquities XX, 9.1):
«ولكن حنَّان الصغير الذي، كما قلنا، تولى رئاسة الكهنة كان جريئاً وشجاعاً على نحو خاص. وكان يتبع شيعة الصدوقيين، الذين كانوا قساة في أحكامهم فوق كل اليهود، كما سبق وأوضحنا. ولما كان الحال هكذا، فقد كان حنَّان يعتقد أن الفرصة أصبحت مواتية بعد موت فستوس وقبيل قدوم ألبينوس، ومن ثم فقد جمع كل مجمع السنهدريم من القضاة وأحضر أمامهم يعقوب، وهو أخو يسوع المسمى المسيح، وآخرون معه، وبعد أن وجَّه إليهم الاتهام بمخالفة الناموس، سلَّمهم للرجم». (Bruce, NTDATR, 107).
ويقول لويس فيلدمان، أستاذ الأدب الكلاسيكي في جامعة يشيفا ومترجم طبعة «ليب» لكتَّاب «الآثار اليهودية»: «لقد شك القليلون في أصالة هذه الفقرة» (Josephus, Antiquities, Loeb, 496). إن الإشارة العابرة ليسوع بقوله: «المسمى المسيح» ليست ذات معنى لو لم يكن يوسيفوس قد أفرد مساحة أطول للحديث عن يسوع قبل ذلك في آثاره. وهذا دليل آخر على أصالة هذا الحديث السابق والأكثر شمولاً، إذا ما استثنينا العبارات المسيحية الدخيلة على النصَّ.
ومن ثم فإننا نرى أن المؤرخ اليهودي العظيم في القرن الأول يوسيفوس، وهو يكتب بعد حوالي نصف قرن أو أكثر من حياة المسيح وصلْبه، يشهد لحقيقة أن يسوع لم يكن اختلاقاً أتت به الكنيسة ولكن شخصية تاريخية حقيقية.
3(أ) المصادر المسيحية لشخصية يسوع التاريخية
1(ب) اعترافات الإيمان المسيحي قبل كتابة العهد الجديد
كان المسيحيون الأوائل كثيراً ما يدفعون حياتهم أو يعانون الاضطهاد الشديد
ثمناً لشهادتهم بأن يسوع عاش ومات وقام من الأموات وظهر لكثيرين بعد قيامته. ولم
يكونوا ليَجْتنون أي شيء من وراء ذلك بل كانوا يخسرون كل شيء ثمناً لشهادتهم بحقيقة
هذه الأمور. ولهذا السبب فإن شهاداتهم تعدُّ من أهم المصادر التاريخية.
وبين دفتي العهد الجديد، تعرَّف العلماء الكتابيون على ما يعتقدون أنه بعض أجزاء اعترافات الإيمان المسيحي المبكِّر التي صيغت وتناقلت شفهياً قبل تدوينها في أسفار العهد الجديد بسنوات. ويوضح المدافع المسيحي جاري هابرماس أن هذه الشهادات «تحفظ بعض الأحداث الأولى الخاصة بيسوع حوالي 30- 50م. ولذلك فهذه العقائد تضمُ أموراً سابقة على العهد الجديد، وهي مصادرنا الأولى لحياة يسوع» (Habermas, VHCELJ,119).
في كتابه «حكم التاريخ» يسلط هابرماس الضوء على عدة شهادات عقائدية متضمنة في العهد الجديد:
- لوقا 24: 34
«الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان»
وبالإشارة إلى چوكيم جرمياس وبحثه: «القيامة: التقليد الأول والتفسير الأول»، كتب هابرماس يقول: «يذهب جرمياس إلى أن إشارة لوقا المختصرة لقيامة يسوع وظهوره لبطرس في (لوقا 24: 34) أقدم مما ذكر في (1كورنثوس 15: 5)، مما يجعلها شهادة مبكرة جداً لظهورات ما بعد القيامة» (Habermas, VHCELJ, 122)
- (رومية 1: 3و 4)
«ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات».
يقول هابرماس:
في (رومية 1: 3، 4) نرى عقيدة قديمة سابقة على بولس من خلال التوازي بين العبارات وهي ما تتضح من خلال المقابلة بين يسوع ابن داود وابن الله في ذات الوقت. فيسوع الذي وُلد في ذلك الزمان والمكان هو نفسه الذي قام من الأموات. وفحوى هذه العقيدة هو أن يسوع أُظهر كابن الله والمسيح (أو المسيا) والرب، وتبرهن ذلك بقيامته من الأموات. ويضيف أوسكار كلمان «إن الفداء ومجد يسوع النهائي كان جزءًا من شهادة الإيمان المسيحي» . وهذه العبارة الجامعة التي تحتوي على ثلاثة ألقاب رئيسية للمسيح وتدل على بعض أعمال يسوع، لا تعلن فقط إحدى العقائد الأولى في طبيعة المسيح، ولكن تتميز أيضاً بسمة دفاعية إذ تربط هذه العقيدة اللاهوتية ببرهان قيامة يسوع. (قارن ذلك مع أعمال 2: 22) (Habermas, VHCELJ, 123).
- (رومية 4: 24و 25)
«.... بمن أقام يسوع ربنا من الأموات. الذي أسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا».
ويعتقد الناقد الكتابي رودلف بولتمان أن هذا الإقرار كان موجوداً على ما يبدو قبل بولس وقد تسلَّمه كجزء من التقليد المسيحي الرسولي الأول. (Bultmann, TNT, 82)
- (رومية 10: 9 و10)
«لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت. لأن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاص».
وربما كانت شهادة الإيمان هذه ينطق بها المؤمنون عند عمادهم في الكنيسة الأولى. وتربط هذه الشهادة بين الإيمان بالحقيقة التاريخية لقيامة يسوع وبين الاعتراف به رباً ومخلصاً. (Habermas, VHCELJ, 123, Martin, WEC, 108, Martin, DPHL, 192)
1كورنثوس 11: 23- 26
«لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً إن الرب يسوع في الليلة التي أُسلم فيها أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكري. كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلاً هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء».
ويقول هابرماس
تقدم لنا كلمات بولس في (1كورنثوس 11: 23) وما بعدها تقليداً ثابتاً ربما كان يعتمد على مصادر مستقلة عن مصادر الأناجيل. ويشير جرمياس إلى أن قول بولس «تسلمت» و «سلَّمتكم» ليست من التعبيرات الخاصة به ولكنها تمثل «المصطلحات الفنية لمعلمي اليهود» للإشارة إلى انتقال التقليد. بالإضافة إلى ذلك هناك عبارات أخرى لا تنتمي إلى أسلوب بولس مثل «أسْلِم»، «شكر»، «جسدي» (1كو 11: 23، 24). وهذه تؤكد الطبيعة المبكرة لهذا التقليد. ويؤكد جرمياس على أن هذه النصوص قد صيغت «في فترة مبكرة جداً قبل بولس... فهي صيغة سابقة على بولس. وتوضح كلمات بولس أن تسلسل التقليد يرجع إلى يسوع دونما انفصال» (Habermas, VHCELJ, 121).
- (1كورنثوس 15: 3- 5)
«فإنني سلَّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب. وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب. وأنه ظهر لصفا ثم للاثنى عشر».
يذكر العالم الكتابي رالف مارتين بعض العلامات التي تميز هذه الفقرة «كصيغة عقائدية» سابقة على كتابات بولس:
إن العبارات الأربع التي تبدأ كل منها بكلمة «أن» تمثل مقِّومات هذه العقيدة (في الآيات 3 و4 و5). والمفردات اللغوية هنا غير معتادة، فهي تشتمل على تعبيرات وكلمات نادرة الاستعمال ولا يستعملها بولس في أي موضع آخر.
وفي بداية الفقرة نعرف أن بولس قد «قَبِلَ» ما يذكره في عباراته التالية كجزء من التعليم الذي تلقَّاه بلا شك في أيام تلمذته الأولى، وربما كان ذلك من خلال اتصاله بالكنيسة في أورشليم وأنطاكية ودمشق. وبدوره الآن يسلِّم كنيسة كورنثوس ما تسَّلمه كتقليد مقدس. (وهو يستخدم نفس التعبيرات اللغوية التي استخدمها في 1كورنثوس 11: 23). ويحسم بولس الأمر بشأن أصل هذه العبارات في الآية حيث يشير إلى إقراره بالدعوة المشتركة للرسل: «فسواء أنا أم أولئك هكذا نكرز وهكذا آمنتم».
وهناك مؤشرات في هذا النصّ نفسه إلى أن الفقرة المذكورة بدءاً من (1كورنثوس 15: 3) هي ترجمة يونانية لنصّ آرامي. ومن أوضح هذه المؤشرات ذكر بطرس باسم صفا والإشارة مرتين إلى أسفار العهد القديم. ويقول العالم جرمياس مؤكداً أن هذه الآيات نشأت في وسط يهودي مسيحي، كما ذهب أحد العلماء الاسكندنافيين مؤخراً إلى أن هذه العقيدة المسيحية قد انبثقت من الكنيسة الأولى في فلسطين. وهي تمثل، على حد قوله «لوجوس (أي إقرار الإيمان) وضعه جماعة الرسل في أورشليم»... وإن صحَّ ذلك، فمن الواضح أن هذه الفقرة تنتمي إلى الأيام الأولى المبكرة جداً للكنيسة وهي، على حد قول إ. ماير «أقدم وثيقة موجودة للكنيسة المسيحية». فهي ترجع إلى تعاليم المجتمع العبراني المسيحي عقب موت المسيح مباشرة، وربما كانت تمثل ثمرة تعاليم ما بعد القيامة وتعكس نص (لوقا 24: 25- 27، 44- 47). (Martin, WEC, 57- 59)
- (فيلبى 2: 6- 11)
«الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفَّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب».
واضح أن قوانين الإيمان السابقة على كتابات العهد الجديد تقدَّم شهادة مبكرة عن قناعة الكنيسة بأن يسوع الإله المتجسد الذي بلا خطية عاش فعلاً ومات وقام من الأموات وصُعد إلى السماء من أجل خلاص كل إنسان يعترف به رباً ويؤمن بالحقيقة أن الله أقامه.
لقد قال العلماء في هذا النص إنه ترنيمة كانت سابقة لبولس، وإن هذه الترنيمة تعبر عن إقرار الإيمان في شخص يسوع الحقيقي الإنسان والإله في آن واحد. (Habermas, VJCELJ, Do, Martin, WEC, 49, 50)
- (1تيموثاوس 3: 16)
«وبالإجماع عظيم هو سرّ التقوى
الله ظهر في الجسد
تبرر في الروح
تراءى لملائكة
كرز به بين الأمم
أومن به في العالم
رفع في المجد»
وهذه ترنيمة مسيحية أخرى سابقة على كتابات بولس وربما كانت ترتل أثناء العبادة (Martin, WEC, 48, 49).
- 1تيموثاوس 6: 13
«... المسيح يسوع الذي شهد لدى بيلاطس البنطي بالاعتراف الحسن» وطبقاً لرأي هابرماس فإن هذه الفقرة هي أيضاً تقليد مبكر بل وربما كانت جزءاً من اعتراف الإيمان المسيحي الشفهي الأشمل. ويشير هابرماس أيضاً إلى أن العالم فيرنون نويفيلد يشير إلى أن شهادة يسوع ربما كانت رده بالإيجاب على سؤال بيلاطس البنطي عما إذا كان هو ملك اليهود أم لا (انظر مرقس 15: 2). (Habermas, VHCELJ, 122)
- (2تيموثاوس 2: 8)
«اذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي».
وهنا نجد المقابلة بين ميلاد يسوع من نسل داود وقيامته من الأموات، وهذا يوضح مرة أخرى اعتناء المسيحية الأولى بربط يسوع بالتاريخ (Habermas, VHCELJ, 120)
- (1بطرس 3: 18)
«فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا البار من أجل الأثمة لكي يقرّبنا إلى الله مماتاً في الجسد ولكن محيي في الروح».
يربط هذا التقليد القديم بين موت يسوع التاريخي على الصليب باعتباره المسيا الذي بلا خطية وبين قيامته التاريخية من الأموات كوسيلة لتقريب الخطاة إلى الله. (Habermas, VHCELJ, 122).
- (1يوحنا 4: 2)
«يسوع المسيح قد جاء في الجسد».
وهذه شهادة موجزة وواضحة سابقة على كتابات يوحنا بأن يسوع المسيح كان شخصاً تاريخياً حقيقياً (Habermas, VHCELJ, 120).
ويشير هابرماس إلى أن هذه الشهادات القديمة بها سبع عشرة إشارة تاريخية على الأقل عن يسوع منذ مولده على الأرض إلى صعوده إلى السماء ومجده:
ومع كون هذه العقائد المسيحية المبكرة عناصر هامة في علم اللاهوت الخاص بطبيعة المسيحية، إلا أنها أيضاً روايات مبكرة عن أحداث حياة يسوع، فمنها نعرف: (1) أن يسوع وُلد حقاً بجسد بشري (فيلبي 2: 6، 1تيموثاوس 3: 16، 1يوحنا 4: 2). (2) من نسل وعائلة داود (رومية 1: 3، 4، 2 تيموثاوس 2: 8). ونجد إشارة إلى معموديته (رومية 10: 9). (4) وأن كلمته بشِّر بها. (5) فأمن به أناس (1تيموثاوس 3: 16).
وبالإضافة إلى الأحداث الخاصة بحياته نعلم أن. (6) يسوع صنع عشاءً. (7) في الليلة التي أسلم فيها. (8) وشكر قبل تناول الطعام. (9) وقدم خبزاً وخمراً. (10) وأعلن بذلك الذبيحة الوشيكة للكفارة عن الخطية (1كو 11: 23). (11) وبعد ذلك وقف يسوع أمام بيلاطس واعترف الاعتراف الحسن. (12) الذي ربما كان بخصوص هويته كملك لليهود (1تي 6: 13). (13) وبعد ذلك قُتل يسوع نيابة عن خطايا البشرية (1بط 3: 18، رو 4: 25، 1تي 2: 6)، (14) وذلك على الرغم من حياة البر التي عاشها (1بط 3: 18). (15) وبعد موته قام من الأموات (لوقا 24: 34، 2تي 2: 8). (16) وهكذا تبرهن شخص المسيح ورسالته (رو 1: 3 و4، 10: 9 و10). (17) وبعد قيامته، صعد يسوع إلى السماء حيث تمجَّد وتعظَّم (1تي 3: 16، فيلبي 2: 6). (Habermas, VHCELJ, 121, 123, 124).
من الواضح أن هذه العقائد السابقة على كتابات العهد الجديد تقدم شهادة مبكرة على عقيدة الكنيسة في يسوع، الإله - الإنسان الذي عاش ومات وقام من الأموات وصعد إلى السماء من أجل خلاص كل من يعترف به رباً ويؤمن حقاً أن الله أقامه من الأموات. علاوة على ذلك، فإن بعض هذه العقائد على الأقل، كما سبق وأشرنا، يمكن تتبعها في كلمات يسوع نفسه وفي شهادة الرسل. ومن ثم فإن هذه العقائد ليست فقط من عصر مبكر، ولكنها تعتمد أيضاً على أقوال شهود عيان على حياة يسوع على الأرض.
2(ب) وثائق العهد الجديد
إن الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد تؤكد وتحقق شخصية يسوع المسيح التاريخية.
وقد برهنَّا بالفعل على أن هذه الأسفار يعوَّل عليها من الناحية التاريخية، وعلى
ذلك فشهادتها عن يسوع تقدم دليلاً هاماً لا يمكن نفيه على أن يسوع عاش فعلاً، ولا
يزال حياً.
ولا عجب في قول چون مونتجمري المؤرخ والعالم القانوني بأن المؤرخ يمكنه أن يعرف أولاً وقبل كل شيء أن وثائق العهد الجديد يمكن الاعتماد عليها في تقديم صورة دقيقة ليسوع. وهو يعرف أن هذه الصورة لا يمكن تقديم تفسير آخر لها عن طريق التمني أو الافتراض الفلسفي أو المناورة الأدبية (Montgomery, HC, 40)
3(ب) كُتَّاب ما بعد العصر الرسولي
بعد العصر الرسولي، نجد ثاني أوسع المصادر المسيحية للطبيعة التاريخية ليسوع في
كتابات هؤلاء الذين أتوا في أعقاب الرسل. وبعض هؤلاء الكتَّاب كانوا قادة للكنائس،
وبعضهم كانوا معلمين ومدافعين عن العقيدة. وجميعهم كانوا يؤمنون أن يسوع هو ابن
الله المتجسد كما أعلنت الأسفار المقدسة وكما علَّم بذلك الرسل.
وفيما يلي بعض من أهم كتاباتهم التي تشير إلى الموثوقية التاريخية ليسوع المسيح.
1(ج) أكليمندس الروماني
كان أكليمندس أسقفاً للكنيسة في روما حوالي نهاية القرن الأول. وكتب رسالة
تدعى «أهل كورنثوس» من أجل تسوية الخلاف الذي نشأ في كنيسة كورنثوس بين قادة
الكنيسة والعلمانيين. ويقول فيها:
لقد سلم لنا الرسل الإنجيل الذي تسلموه من الرب يسوع المسيح، أن يسوع المسيح قد أُرسِل من قِبَل الله. ومن ثم فإن المسيح من الله والرسل من المسيح. ولذلك فإن كليهما أتى من قِبَل مشيئة الله في الموعد المحدد. ولما أخذوا وصية واستراحوا بقيامة الرب يسوع المسيح وتوطدوا في كلمة الله ببرهان الروح القدس، انطلقوا حاملين الأخبار السارة بقدوم ملكوت الله. ولما جالوا مبشرين في كل مكان، كانوا يعينون أوائل المؤمنين، بعد أن يختبروهم بالروح، أساقفة وشمامسة لخدمة العتيدين أن يؤمنوا. (Corinthians, 42).
ومن بين ما يؤكد عليه نصّ هذه الرسالة أن رسالة الإنجيل أتت من قبل يسوع التاريخي الذي أُرسل من قِبَل الله، وأن رسالته تبرهنت بقيامته الحقيقية من الأموات.
2(ج) أغناطيوس
وهو في طريقه إلى الاستشهاد في روما، كتب أغناطيوس، الذي كان أسقفاً لأنطاكية، سبعة
رسائل- ستة منها إلى كنائس مختلفة وواحدة إلى صديقه بوليكاربوس. وتتصل ثلاثة من
الإشارات التي يوردها لشخصية يسوع التاريخية على نحو خاص بكتاباته الأخرى:
يسوع المسيح الذي كان من نسل داود، الذي كان ابن مريم، الذي ولد حقاً وأكل وشرب، الذي قتل بالحقيقة على يد بيلاطس البنطي، الذي صُلب بالحقيقة ومات أمام جميع من في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، الذي قام أيضاً بالحقيقة من الأموات، إذ أقامه أباه، والذي على مثاله سوف يقيمنا نحن الذين نؤمن به أيضاً. (trallians, 9).
- إنه بالحقيقة من نسل داود حسب الجسد، ولكنه ابن الله بحسب مشيئة الله وقوته، وُلد بالحقيقة من عذراء وتعمَّد على يد يوحنا حتى يكمل به كل بر، وبالحقيقة سُمِّر على الصليب بالجسد من أجلنا في عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الربع (ومن ثمار ذلك نحن- أي من آلامه المباركة)، حتى يضع بذلك علامة على مر العصور بقيامته (Smyrneans, 1).
- كن على يقين من الأمور المختصة بالميلاد والآلام والقيامة التي حدثت وقت حكم بيلاطس البنطي، لأن هذه الأمور تمّمها بالحقيقة. وبكل يقين يسوع المسيح هو رجاؤنا (Magnesians, 11)
يبدو أن أغناطيوس، الذي يقول التقليد المسيحي أنه كان تلميذاً لبطرس وبولس ويوحنا، كان مؤمناً بأن يسوع عاش حقاً، كما كان مؤمناً بكل ما قاله عنه الرسل. (McDowell/ Wilson, HWAU, 79)
3(ج) قوادراتوس
كان قوادراتوس تلميذاً للرسل وأسقفاً للكنيسة في أثينا، وهو من أقدم المدافعين عن
الإيمان. ويسجل لنا المؤرخ الكنسي يوسابيوس سطوراً هي الوحيدة الباقية من دفاعه عن
الإيمان الذي قدمه للامبراطور الروماني هادريان (حوالي 125م): لقد كانت أعمال
مخلصنا أمامك دائماً، لأنها كانت معجزات حقيقية، فها هم الذين نالوا الشفاء، والذين
أُقيموا من الموت، الذين رآهم الناس، ليس فقط عندما شُفوا أو أقيموا من الموت،
ولكنهم ظلَّوا موجودين دائماً. لقد بقوا أحياء لفترة طويلة، ليس فقط أثناء فترة
وجود ربنا على الأرض، ولكن أيضاً بعد أن ترك الأرض. وبعض منهم أيضاً ظلَّ حياً حتى
زمننا (Eusebius, IV: III).
يشير هابرماس إلى تأكيد قوادراتوس على الوجود الفعلي ليسوع من خلال تاريخية معجزاته: (1) إن حقيقة معجزات يسوع يمكن تتبعها لأن يسوع صنعها علانية. وفيما يختص بأنواع هذه المعجزات (2) فقد شفى البعض (3) وأقيم البعض من الأموات (4) كان هناك شهود عيان على هذه المعجزات أثناء حدوثها (5) ظل الكثيرون ممن شفوا أو أقيموا من الأموات أحياء بعد أن ترك يسوع الأرض، وبعضهم بقى حياً إلى زمن قوادراتوس (Habermas, VHCELJ, 144).
4(ج) رسالة برنابا
كاتب هذه الرسالة غير معروف. واسم برنابا لا يرد في الرسالة، وينفي العلماء أن
برنابا المذكور في العهد الجديد هو كاتب هذه الرسالة. ويقول هابرماس: اختلف
العلماء في تحديد تاريخ كتابة هذه الرسالة، وهو يقع غالباً بين أواخر القرن الأول
ومنتصف القرن الثاني الميلادي. والتاريخ الأكثر قبولاً بين عامي 130 - 138م
(Habermas, VHCELJ, 145) وتؤيد هذه الرسالة الكثير من الأحداث التي وردت في المصادر
سابقة الذكر. نقرأ في الجزء الخامس من الرسالة ما يلي:
وهو نفسه قد تحَّمل الآلام حتى الموت ليظهر قيامة الأموات، لأنه كان لابد أن يظهر في الجسد حتى يتمم الوعد للآباء ويعد لنفسه شعباً جديداً، فيرى وهو على الأرض، بالقيامة أنه مزمع أن يدين بنفسه. وهو أيضاً قد بشَّر إسرائيل معلماً إياه وصانعاً الكثير من العجائب والمعجزات، وأحبَّه (إسرائيل) كثيراً. وعندما اختار لنفسه رسلاً ليبشروا بإنجيله، وحتى يبين أنه لم يأت ليدعو الأبرار بل الخطاة، فقد كانوا خطاة فوق كل خطية، ثم أظهر أنه ابن الله (McDowell/ Wilson, HWAU, 82, 83).
5 (ج) أريستيدس
كان أريستيدس مدافعاً مسيحياً من القرن الثاني وفيلسوفاً أثينياً. ظلت أعماله
مفقودة حتى أواخر القرن التاسع عشر عندما اكتُشفت ثلاثة نسخ منها باللغات الأرمينية
والسريانية واليونانية. وقد دافع عن المسيحية مخاطباً الإمبراطور الروماني أنطونيوس
بيوس الذي حكم بين عامي 138 و161م.
وفي معرض رسالته، يصف أريستيدس يسوع المسيح بالوصف التالي:
ابن الله العلي، أعلنه الروح القدس، نزل من السماء وُولد من عذراء عبرانية. أخذ جسده من العذراء وأعلن ذاته في الطبيعة البشرية كابن الله. وفي جوده الذي بشَّر بالأخبار السارة، ربح العالم كله ببشارته المحيية... اختار اثنى عشر رسولاً وعلَّم العالم كله بواسطة الشفاعة والحق المنير. وصُلب، إذ سمَّره اليهود، وقام من الأموات وصعد إلى السماء. أرسل الرسل إلى العالم كله، وعلَّم الجميع بالمعجزات الإلهية الممتلئة حكمة. فلا زالت بشارتهم تثمر حتى هذا اليوم، وتدعو العالم أجمع إلى النور. (Carey, زAristidesس, NIDCC, 68).
6(ج) چاستن مارتر
أجمع العلماء على أن چاستن مارتر هو أحد أعظم المدافعين الأوائل عن الإيمان
المسيحي. (Bush, CRCA, 1).
وُلد حوالي عام 100م، وعوقب بالجلْد وقُطعت رأسه بسبب إيمانه حوالي عام 167. كان متعلماً وفقيهاً في فلسفات عصره ومنها الرواقية والأرسطوطاليسية والفيثاغورثية والأفلاطونية. (Carey, زJustin Martyr,س NIDCC, 558)
وبعد قبوله المسيح (حوالي 132م)، أصبح چاستن أستاذاً للفلسفة المسيحية في مدرسته الخاصة بروما. ولكونه رجلاً علمانياً، فربما كان يدير هذه المدرسة من بيته. كما يبدو أنه سافر كثيراً في أنحاء الإمبراطورية الرومانية وكان يقضي وقته في الخدمة والتعليم والتبشير. (Bush, CRCA, 3).
وفي كتاباته الكثيرة، يبني چاستن برهان الإيمان على أساس كتابات العهد الجديد وتحققه الشخصي المستقل من الكثير من الأحداث التي تسجلها. وهذه بعض مختارات من أعماله التي تناقش صحة الروايات عن يسوع المسيح:
- هناك قرية في أرض اليهود تبعد عن أورشليم مسافة خمس وثلاثين غلوة Stadia، وهناك وُلد يسوع المسيح، كما يمكنك التأكد أيضاً من سجلات الضرائب التي كانت في عهد كيرينيوس، حاكمك الأول في اليهودية. (First Apology, 34).
- لأنه في وقت ميلاده، أتى مجوس من العربية وسجدوا له، وكانوا قد أتوا أولاً إلى هيرودس، الذي كان والياً في أرضك. (Dialogue with Trypho, 77)
- لأنه لما صلبوه مسمِّرين إياه، ثقبوا يديه ورجليه. وهؤلاء الذين صلبوه اقتسموا ثيابه بينهم فاقترع كل واحد على ما اختاره، وهكذا احتكموا إلى القرعة فيما حصلوا عليه (Dialogue with Trypho, 97)
- وهكذا بعد أن صلبوه، تركه حتى كل أقربائه منكرين إياه، وبعد ذلك عندما قام من الأموات وظهر لهم وعلمهم أن يقرأوا النبوات التي سبقت وأخبرت بكل هذه الأمور، وعندما رأوه صاعداً إلى السماء وآمنوا وأخذوا قوة حلت عليهم من قبله، وذهبوا إلي كل جنس من البشر، وعلموا بهذه الأشياء ودعوا رسلاً (First Apology, 50)
- قال يسوع وهو بينكم (أي اليهود) إنه سيعطيكم آية يونان، وحضَّكم على التوبة من أفعالكم الشريرة ولو بعد قيامته من الأموات... ولكنكم لم تتوبوا بعد أن علمتم أنه قام من الأموات، وليس ذلك فقط، بل أنكم، كما قلت قبلاً، أرسلتم رجالاً مختارين ومعينين إلى العالم كله لتعلنوا أن هرطقة شريرة وغير شرعية قامت على يد واحد هو يسوع، جليلي مضلّ، الذي صلبناه ولكن تلاميذه سرقوه ليلاً من القبر حيث وُضع بعد أن أُنزل عن الصليب. وهم يضلون الناس الآن بالتأكيد على أنه قام من الأموات وصعد إلى السماء (Dialogue with Trypho, 108)
7(ج) هيجيسيبوس
يقول چيروم إن هيجيسيبوس عاش في زمن مقارب لزمن الرسل. ويستنتج يوسابيوس أن
هيجيسيبوس كان يهودياً ويقول إن أعماله اشتملت على خمسة كتب من المذكرات.
(Williams, NIDCC, 457) وبعض أجزاء هذه المذكرات فقط بقيت في كتابات يوسابيوس. وهي
تبين أن هيجيسيبوس كان كثير الترحال وأنه كان حريصاً على معرفة ما إذا كانت القصة
الحقيقية (ليسوع) قد انتقلت من الرسل إلى خلفائهم، وقد اكتشف أنها انتقلت بالفعل
حتى في وقت اضطرابات الكنيسة في كورنثوس. ويورد يوسابيوس قوله: «ظلت كنيسة كورنثوس
على العقيدة الصحيحة حتى أصبح بريموس أسقفاً، فاختلطت بهم في رحلتي إلى روما وقضيت
أياماً مع الكورنثيين، وأثناء ذلك أنعشتنا أحاديث العقيدة الصحيحة. وعندما وصلت إلى
روما، تتبعت التسلسل الذي جمعته حتى أنيسيتوس الذي كان إلوثيروس شمَّاسه، وخلف
أنيسيتوس سوتر ثم إلوثيروس. في كل تسلسل للأساقفة وفي كل مدينة تتفق الأمور مع
تعاليم الناموس والأنبياء والرب». (Eusebius, The History of the Church, 9.22.2)
إن الحقائق الأساسية عن يسوع وتعاليمه قد حفظها الرسل بعناية وانتقلت منهم بأمانة إلى الكنائس جيلاً بعد جيل ومن مكان إلى آخر. فالحكم إذاً هو: إن كُتَّآب الكنيسة الأولى قد شهدوا، بحياتهم وكلماتهم، أن الأحداث التاريخية لحياة يسوع، كما ترويها الأناجيل، صحيحة ويمكن الوثوق بها (McDowell/ Wilson, HWAU, 87)
4(أ) مصادر
تاريخية إضافية للمسيحية
هناك مصادر أخرى إضافية تشير إلى المسيح والمسيحية. وفيما يلي بعض المصادر
العلمانية الإضافية التي تتطلب المزيد من الدراسة:
1(ب) تراجان
الامبراطور الروماني (Pliny the Younger, Epistles 10: 97) وهذه رسالة من
الامبراطور إلى بلّيني، يخبره بعدم معاقبة المسيحيين الذين يضطرهم الرومان إلى
الارتداد عن عقيدتهم. ويخبر بلّيني ألاّ يقبل الحكام الرومانيون معلومات مجهولة
المصدر عن المسيحيين.
2(ب) ماكروبيوس
Macrobius, Saturnalia, lib. 2, ch4. يذكر باسكال في كتابه «الرسائل الريفية» هذا
القول لأوغسطس قيصر كدليل على مذبحة أطفال بيت لحم.
3(ب) هادريان
الإمبراطور الروماني (Justin Martyr, The First Apology, Chs. 68, 69)
يورد يوستينوس رسالة هادريان إلى مينوسيوس فوندانوس، والي آسيا الصغرى. وتتحدث الرسالة عن اتهامات الوثنيين ضدالمسيحيين.
4(ب) أنطونيوس بيرس
الإمبراطور الروماني (Justin Martyr, The First Apology, ch. 70)
يورد چاستن (أو أحد تلاميذه) رسالة أنطونيوس إلى المجلس العام في آسيا الصغرى. وتتحدث الرسالة بشكل أساسي عن استياء الحكام في أسيا الصغرى من المسيحيين في مقاطعتهم، وعن أنه لن تجرى أية تغييرات في أسلوب معاملة أنطونيوس للمسيحيين هناك.
5(ب) مرقس أوريليوس
الامبراطور الروماني (Justin Martyr, The First Apology, ch. 71)
وهذه الرسالة من الإمبراطور إلى المجلس الروماني. وقد أضافها إلى المخطوطة أحد تلاميذ چاستن. وفيها يصف الامبراطور المسيحيين في نضالهم بالجيش الروماني.
6(ب) چوفينال
(Juvenal, Satires, 1, lines 147- 157) يذكر چوفينال بشكل غير مباشر عذابات
المسيحيين على يد نيرون في روما.
7(ب) سينكا
(Senca, Epistulae Morales, Epistle 14, زOn the Reasons for Withdrawing
from the world, par. 2)
ومثل چوفينال، يصف سينكا فظائع نيرون في معاملته مع المسيحيين.
8(ب) هيروكليس
(Eusebius, The Treatise of Eusebius, ch. 2). ويحتفظ يوسابيوس في اقتباسه هنا ببعض
نصوص كتاب هيروكليس المفقود Philalethes أو محب الحق. وهيروكليس يدين هنا بطرس
وبولس كسحرة.
9 (ب) أحد أهم المؤلفات التي تناقش شخص المسيح كشخصية تاريخية مجلد نشرته جامعة كمبريدچ عام 1923، ألَّفه س. ر. هاينز، وعنوانه «الصلات الوثنية المسيحية على مدى المائة والخمسين عاماً الأولى لها: المصادر المسيحية في الكتابات الوثنية أثناء ذلك العصر».
خاتمة
ينتهي هوارد كلارك كي، الأستاذ المتقاعد في جامعة بوسطن، إلى النتائج
التالية من دراسته للمصادر الأخرى غير العهد الجديد: إن نتيجة فحص المصادر الأخرى
غير العهد الجديد التي تؤيد بشكل مباشر أوغير مباشر ما نعرفه عن يسوع هي تأكيد
وجوده التاريخي، وقوته الفائقة وإخلاص أتباعه، واستمرار الحركة المسيحية بعد موته
على يد الحاكم الروماني في أورشليم، وتغلغل المسيحية في طبقات المجتمع العليا في
روما نفسها بنهاية القرن الأول (Kee, WCKAJ, 19)
ويضيف كي : رغم تعدد الوسائل التي انتقل بها التقليد الذي يخبرنا عن يسوع، فلدينا سلسلة واضحة ومتسقة للشواهد عن هذا الشخص الذي ظلت حياته وتعاليمه وموته لها تأثير عميق على تاريخ الجنس البشري في الفترات التي جاءت بعده (Kee, WCKAJ, 114).
في طبعة عام 1974 لدائرة المعارف البريطانية، استخدم الكاتب حوالي عشرين ألف كلمة ليصف يسوع المسيح وهي مساحة أكبر من أي مساحة أخرى خصصت لأرسطو أو شيشرون أو الإسكندر أو يوليوس قيصر أو بوذا أو كونفوشيوس أو نابليون بونابرت. وفيما يختص بشهادة المصادر العلمانية المستقلة الكثيرة عن يسوع الناصري، ينتهي الكاتب إلى ما يلي:
تؤيد هذه المصادر المستقلة أنه في العصور القديمة لم يتشكك حتى خصوم المسيحية في حقيقة يسوع التاريخية، التي شكك فيها لأول مرة وعلى أسس غير صحيحة عدد من الكتاب في نهاية القرن الثامن عشر وأثناء القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. (EB, 145).
ولهؤلاء الذين ينكرون وجود يسوع التاريخي، يقول إ. هـ مارشال العالم البريطاني الشهير للعهد الجديد: لا يمكن تفسير ظهور الكنيسة المسيحية أو كتابات الأناجيل وفيض كتابات التقليد الأخرى من بعدها دون قبول حقيقة أن مؤسس المسيحية كان له وجود فعلي (Marshall, IBAJ, 24).
رغم أن المصادر غير المسيحية لا تقدم مثل ما يقدمه العهد الجديد من تفاصيل عن يسوع، إلا أنها تقدم الدليل على بعض الحقائق الأساسية للصورة الكتابية ليسوع. ويقول روبرت شتاين أستاذ العهد الجديد: تؤيد المصادر غير المسيحية بما لا يدع مجالاً للشك الأمور التالية على الأقل:
(1) أن يسوع كان شخصية تاريخية حقيقية.
(2) أن يسوع عاش في فلسطين في القرن الأول.
(3) أن قادة اليهود تورطوا في قتل يسوع.
(4) أن يسوع صُلب على أيدي الرمان أثناء حكم بيلاطس.
(5) أن خدمة يسوع ارتبطت بالعجائب أو السحر (Stein, JM, 49).
كتب ر. ت. فرانس يقول: لذلك فإن القرائن غير المسيحية تبرهن على حقيقة وجود يسوع، وعلى اتباع الكثيرين له، وعلى إعدامه والتاريخ التقريبي لذلك. (France, NBD, 564)
يؤكد إدوين ياموتشي أستاذ التاريخ بجامعة ميامي أن لدينا من الوثائق التاريخية ليسوع ما يفوق الوثائق التي تشير إلى أي مؤسس ديني آخر (مثل زرادشت أو بوذا). وعن المصادر غير الكتابية التي تشهد للمسيح ينتهي ياموتشي إلى ما يلي:
ولو لم يكن لدينا كتابات العهد الجديد المسيحية، لاستطعنا أن نستنبط الحقائق التالية من الكتابات غير المسيحية مثل كتابات يوسيفوس والتلمود وتاسيتوس وبلِّيني الصغير: (1) أن يسوع كان معلماً يهودياً.
(2) أمن الكثيرن من الناس أنه قام بأعمال الشفاء والسحر.
(3) أن رؤساء اليهود قد رفضوه.
(4) أنه صلب في ظل ولاية بيلاطس البنطي وحكم طيباريوس.
(5) رغم موت العار الذي اجتازه، إلا أن أتباعه الذين كانوا يؤمنون أنه لا يزال حياً، انتشروا إلى ما وراء فلسطين حتى أصبح هناك الكثير منهم في روما بحلول عام 64م.
(6) أن مختلف ألوان البشر من المدن والقرى - رجالاً ونساءً، عبيداً وأحراراً- قد عبدوه كإله بحلول القرن الثاني الميلادي. (Yamauchi, JUF, 221, 222)
إن قوة وعمق حياة يسوع كشخصية تاريخية كان لها تأثير كبير على التاريخ. كتب المؤرخ المعروف چاروسلاف بليكان يقول: بغضّ النظر عن العقيدة الشخصية لأي شخص في يسوع الناصري، فإنه الشخصية التي لها الحضور الأقوى في تاريخ الثقافة الغربية على مدى ما يقرب من عشرين قرناً. لو كان ممكناً باستخدام نوع ما من المغناطيسيات الفائقة أن تنتزع من ذلك التاريخ كل أثر لاسمه فقط، فماذا كان سيتبقى؟ (Pelikan, JTC, 1)
إن أثر المسيح على حركة التاريخ ليس له نظير. كتب أحدهم في مجلة نيوزويك: قياساً على أي معيار علماني، يعد يسوع أيضاً هو الشخصية الأكثر سيادة في الثقافة الغربية. ومثل الألفية ذاتها، فإن الكثير مما نعتقد الآن أنه من نتاج الأفكار والابتكارات والقيّم الغربية منبثق عن أو مستوحىً من الديانة التي تعبد الله باسمه. فالفن والعلم، الفرد والمجتمع، السياسة والاقتصاد، الزواج والأسرة، الصواب والخطأ، الجسد والروح- كلها تأثرت بل وشهدت تحولاً جذرياً في الكثير من الأحوال بتأثير الثقافة المسيحية. (Woodward, N, 54)
ويشير جاري هابرماس بعد دراسته للبراهين التاريخية على وجود المسيح إلى أنه «من المثير للدهشة أن بعض العلماء قد أكدوا أن يسوع لم يكن له وجود أبداً، أو حاولوا التشكيك كلية في حياته وخدمته. وعندما تكون هناك محاولات كهذه، تتعالى أصوات قليلة بالاحتجاج في مجتمع العلماء. لقد رأينا أن هذه المحاولات تفنَّدها من كل وجه شهادة العيان المبكرة لبولس وغيره إضافة إلى التاريخ المبكر لكتابة الإنجيل. (Habermas, HJ, 46).
تقطع البراهين بأن يسوع قد عاش حقاً بيننا وصنع أعمالاً عظيمة حتى أن المصادر غير المسيحية والمعادية لا تقصر عن إثبات ذلك. وقد ضلَّ السبيل المتشككون في حقيقة يسوع التاريخية.
الجزء الثالث:
أدلة مع وضد المسيحية
الجزء الثالث من هذا الكتاب موجَّه إلى من ينتقدون الكتاب المقدس، وكذلك من يؤمنون أنه موحى به وأن له سلطة وسيادة على حياة الإنسان.
لذلك، يجب أن نبدأ هذا الفصل من الكتاب بمناقشة ما ينتوي النقَّاد أن يثيروه ليدحضوا فكرة أن الله الكامل يجري من خلال الكتاب المقدس اتصالاً معصوماً من الخطأ مع الإنسانية الساقطة.
في الجزء الأول من هذا الكتاب، قدمت أدلة تثبت أن الكتاب المقدس صحيح من الناحية التاريخية لا يدعو إلى الشك، لكن كما كتبتُ محذراً في هذا الفصل، فإن دقة الكتاب من الناحية التاريخية لا تعني بالضرورة أن يكون موحى به من الله، فأي نتيجة لمباراة رياضية حدثت بالأمس وانتشرت أخبارها في صحف اليوم تعتبر صحيحة تاريخياً، لكن هي بالطبع ليست من وحي الله.
1(أ) ما الذي
يقوله الكتاب المقدس
في أماكن كثيرة يُدعى الكتاب المقدس «بكلمة الله» لكن ما الذي يعنيه هذا؟
وإذا كان هو كلمة الله، فكيف تواصل الله مع البشر؟ يخبرنا القديس بولس «كل الكتاب
هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ والتقويم والتأديب الذي في البر» (2تي
3:16). وهذا النص هو أساس فكرة وحي الكتاب. والكلمة اليونانية «ثيوبنوستس
Theopneustos» تترجم عادة «وحي» وبمعنى آخر فإن الكتاب المقدس موحى به من الله. هذا
التعبير يعني ببساطة، وكما تترجمه الطبعة الدولية من الكتاب «تنفس- الله» إذن
فالكتاب المقدس من أنفاس الله.
يمكن تعريف الوحي بأنه تلك العملية الغامضة التي يتدخل بها الله عند الكُتَّاب وهم يكتبون، مستخدماً شخصياتهم وأساليبهم التى تميز كل واحد منهم لإظهار الأوامر الإلهية والكتابات المعصومة من الخطأ. (Geisler, GIB, 39)
من المهم أن نكون حريصين في كيفية استخدامنا للفظة (وحي)، فهي من الكلمات التي نتداولها دائماً في حياتنا اليومية، «هذا الفنان هبط عليه الوحي» أو نقول «هذه الموسيقى ملهمة أو موحاه»، إنه استخدام عام لهذه الكلمة، وتفهم هذه الأيام بأن هذا العمل أو ذاك متقن أو أن له قيمة عظمى. لكن عندما تستخدم تلك الكلمة عند الإشارة إلى الكتاب المقدس نقصد هنا معنى آخر، فهو لم يوحي به بشكل مشابه لما يحدث مع الفنان أو المغني. فالكتاب المقدس هو أنفاس الله ويدعى كلمة وأنه صادر من ذات فمه.
1(ب) العهد القديم
ككتاب موحى به
كثير من أسفار العهد القديم تتضمن تأكيداً على أنها موحى بها، وبمرور الزمن اُعتبر
هذا الجزء من الكتاب بأنه «كلمة الله». والكتاب المقدس يمكن تقسيمه بعدة طرق
مختلفة. وفي العهد الجديد قُسِّم كتاب العهد القديم إلى جزئين رئيسيين (مت 5:17،
7:12)، وإلى ثلاثة أجزاء كما جاء في (لو 24:44). وفي هذا الفصل سوف نفحص العهد
القديم بجزئيه وهما الشريعة والأنبياء - كصور مختلفة من أنواع الوحي. وسوف نناقش في
هذا الفصل أيضاً ما الذي يمكن أن ننسبه للوحي الإلهي.
1(جـ) وحي الشريعة
الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم يشار إليها كثيراً بأنها «الشريعة»
أو «التوراة»، وهو التعبير العبري عن كلمة الشريعة. أو الوصايا العشر. وهذه الأسفار
- التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية. يُعتقد تقليدياً أنها جميعاً من
أعمال موسى النبي.
أسفار الخروج (32:16)، اللاويين (1:1). العدد (1:1) التثنية (31:24-26) توضح جميعاً بأنها من وحي الله. لكن التكوين لم يذكر فيه هذا الادِّعاء المباشر، مع ذلك، اعتبر التكوين كجزء من «كتاب موسى» (انظر اخبار الأيام الثاني 35:12، نحميا 13:1). وبما أن التكوين متصل بالأسفار الأربعة التالية، لذا هو يحمل أيضاً الصبغة الإلهية، وكل ما هو صادق بالنسبة لسفر واحد ينصب بالتالي على باقي الأسفار. «بمعنى آخر، أي حجة تختص بسفر من هذه الأسفار القانونية تسري على باقي الأسفار، طالما أنها كلها تحت عنوان واحد وهو : الكتاب أو الشريعة أو كتاب موسى.
وخلال باقي الكتاب المقدس، وبتتابع مفصَّل، كان ينظر إلى شريعة موسى بأنها شريعة الله، وقد بدأ يشوع مهمته كخليفة لموسى بتلك الجملة «لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك... حسب كل ما هو مكتوب فيه (يش 1:8). وقد اختبر الله الشعب الإسرائيلي «هل يسمعون وصايا الرب التي أوصى بها أباءهم عن يد موسى» (قض 3:4). «وقال صموئيل للشعب، الرب الذي أقام موسى وهارون وأصعد آباءكم من أرض مصر.. لكنهم نسوا الرب إلههم» (1صم 12: 6و9). وهي أيام الملك يوشيا: «وجد حلقيا الكاهن شريعة الرب بيد موسى» (2أخ 34:14). وبينما هم في السبي، عرّف دانيال شريعة موسى بأنها شريعة الله قائلاً: «سكبت علينا اللعنة والحلف المكتوب في شريعة موسى عبد الله لأننا أخطأنا إليه. وقد أقام كلماته التي تكلم بها علينا وعلى قضاتنا الذين قضوا لنا ليجلب علينا شراً عظيماً» (دا 9:11 و12)، وحتى بعد أيام السبي، فإن الانتعاش تحت قيادة نحميا كان نتيجة لطاعة وصايا موسى (انظر عز 6:18، نح 13:1). (Geisler, GIB, 61)
2(جـ) وحي الأنبياء
يسمى القسم الثاني من العهد القديم «بالأنبياء»، والواقع أن هذا التعبير غير دقيق
لأن البعض قد يظن أن الأنبياء ينصبَّ فقط على أسفار إشعياء وإرميا وما شابه، لكن
القسم المسمى بالأنبياء في العهد القديم لا يشير فقط إلى كتابات الأنبياء، لكن إلى
كل العهد القديم ما عدا الأسفار الخمسة الأولى المسماة بالشريعة.
بعض الأسانيد لبعض الأنبياء المتأخرين تكشف عن تقدير عظيم لما تكلم به الأنبياء الأوائل - فالرب تكلم إلى دانيال من خلال كلمات إرميا (قارن دا 9:2 مع إر 25:11)، ومثله نجد عزرا يتعرف على إرادة القدير من سفر إرميا (عزرا 1:1) وأيضاً يماثله في ذلك حجي وزكريا (عزرا 5:1). وأقوى العبارات في هذا الشأن نجدها في آخر الأسفار النبوية بالعهد القديم وهو زكريا الذي تكلم عن «الشريعة والكلام الذي أرسل رب الجنود بروحه عن يد الأنبياء الأولين» (زك 7:12). وفي فقرة مماثلة نجدها في آخر الأسفار التاريخية، يكتـب نحمــيا «أنت (الله) احتملتهم سنين كثيرة وأشهدت عليهم بروحـك على يد أنبيائك» (نح 9:30) هذه الأمثلة تؤكد الاعتبار العظيم الذي يكنِّه الأنبياء الـمتـأخــرون عـن من سبقهم، واعتبروا كلماتهم بأنها كلمات الله أرسلت من قِبَل روح الله لمصلحة اسرائيل.
الشيء المميز لبدايات أسفار الأنبياء «هكذا قال الرب» وكذلك التعبيرات المشابهة التي توجد في أجزاء كثيرة من العهد القديم مكررة مئات المرات.(Thomas, NASECB,1055-56)
مثلاً نجد إشعياء يعلن: «اسمعي أيتها السموات واصغي أيتها الأرض لأن الرب يتكلم» (إش 1:2). ويعلن إرميا «ثم صارت كلمة الرب إليّ قائلاً...» (إر 1:11). وفي حزقيال نقرأ «صار كلام الرب إلى حزقيال...» (حز 1:3) وهناك كلمات مشابهة نجدها في أسفار الاثنى عشر نبياً الصغار (انظر هوشع 1:1-2، يوئيل 1:1).
كذا فإن أسفار الأنبياء التي تم اعتبارها من «الكتابات» وانفصلت عن باقي أسفار الأنبياء، إلا أنها يطبق عليها كل التأكيدات الخاصة بأسفار الأنبياء. وحتى المزامير (جزء من الكتابات) والتي أشار إليها يسوع بأن لها دلالة نبوية (لو 24:44) كانت أيضاً ضمن الشريعة والأنبياء، وقال عنها يسوع بأنها تحتوي على «جميع ما هو مكتوب» (لو 24: 7). ويوسيفوس يصنِّف دانيال (الذي يأتي ترتيبه متأخراً في الأسفار) ضمن أسفار الأنبياء على أيامه. لذا فرغم تواجد ثلاثة تقسيـمات لأسفار العـهد القـدـيم، إلا أنـه مـن الواضح أن التقسيم القديم ينحصر في الشريعة والأنبياء (والتي تشمل لاحقاً ما يسمى بالكتابات وهذا سـائد منـذ العهد الأول للعهـد القديـم وحتـى «فتـرة مــا بين العهدين» ثم حتى زمن العهد الجديد. (Geisler, GIB, 72)
الأنبياء كانوا صوت الله ليس بسبب ما قالوه فقط لكن أيضاً بسبب ما كتبوه. أمر الرب موسى «اكتب هذه الكلمات» (خر 34:27). وأمر الله إرميا أن «خذ لنفسك دَرجاً آخر واكتب فيه كل الكلام الأول الذي كان في الدَرج الأول» (إر 36:28). ويشهد إشعياء بأن الرب قال له «خذ لنفسك لوحاً كبيراً واكتب عليه» (إش 8:1) ومرة أخرى قال له «تعال الآن اكتب هذا عندهم على لوح وارسمه في سفر ليكون لزمن آت للأبد إلى الدهور» (إش 30:8). ومن أمر مماثل لحبقوق «اكتب الرؤيا وانقشها على الألواح لكي يركض قارئها. لأن الرؤية بعد إلى الميعاد وفي النهاية تتكلم ولا تكذب» (حب 2:2و3).
3(جـ) هل الوحي
يشمل كل الأسفار؟
المجموعة الكبرى من كتب العهد القديم (حوالي ثمانية عشر من أربعة وعشرين) تدعي أنها
كلمات الله إلى الإنسان. لكن البعض لا يظهر هذا التوجه الواضح فيما يختص بأصلها.
وهناك عدة أسباب لذلك:
1(د) كلها تعتبر جزءاً من كل
كل سفر يعتبر جزءاً من قسم في الكتاب المقدس، سواء الشريعة أو الأنبياء، والتي
تمتلك صفة الوحي بما لاشك فيه. وهذه الصفة تغطي كل الجزء، كنتيجة لذلك، كل كتاب
مفرد ليس بحاجة لأن يذكر حالته، ويهتم بأن يؤكد أنه جزء من كل. وهنا تأكد بحقيقة أن
الأسفار المتأخرة تشير إلى سلطة الجزء الأكبر بشكل إجمالي.
2(د) طبيعة الأسفار التاريخية والشعرية
الأسفار التاريخية والشعرية وحدها لا تحتوي على جمل مباشرة تختص بأصلها
الإلهي، تبدأ الأسفار التعليمية بقولها «هكذا قال الرب». والسبب الذي من أجله خلت
الكتب التاريخية والشعرية من هذه الجملة هو أنها تعرض «ما أظهره الله» (وهو
التاريخ) بدلاً من «ما قاله الله» (الشريعة والأنبياء). مع ذلك فإن التعليم الضمني
(هكذا قال الرب) متواجد بطريقة ما في الكتب الشعرية والتاريخية في التاريخ هو ما
قاله الله في لحظات معينة من التاريخ الوطني، والشعر هو ما ردده الله في قلوب ووحي
الأفراد في الأمة. كلاهما يعتبران ما قاله الله ويتشابهان في ذلك مع كتب الشريعة
والأنبياء التعليمية.
3(د) كاتبو الأسفار كانوا رجالاً مُعتمَدين من الله
طبقاً للتقليد اليهودي ينسب إلى سليمان كتابة نشيد الأنشاد، والأمثال
والجامعة، وقد أُعطى سليمان الحكمة من الله (1مل 4:29). وأكثر من ذلك، تحققت فيه
مؤهلات النبي التي ذكرت في سفر العدد 12:6 (بالرؤيا استعلن له. في الحلم أكلمه)
(انظر 1مل 11:9). وداود نُسب إليه كتابة نصف المزامير تقريباً. وبالرغم أن المزامير
لا تُدعي أنها وحي مباشر من الله، فإن شهادة داود عن أهليته ذُكرت في سفر صموئيل
الثاني 23:2 «روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني» وإرميا، وهو المؤلف بحسب التقليد
لسفري الملوك، يحوذ على المؤهلات النبوية (انظر إر 1:4 و17). وأسفار أخبار الأيام
بجزئيه، وكذلك عزرا-نحميا تُنسب إلى عزرا الكاهن، الذي أنجز عمله بكل سلطات النبي،
وفسَّر شريعة موسى وأسَّس وأصلح المباديء المدنية والدينية (انظر إر 1:10 و13).
لذلك كله إما أن تشهد أسفار العهد القديم لنفسها، أو أن يقرر من حرروها بأنهم
يمتلكون سلطة كلمة الله.
2(ب) العهد الجديد
ككتاب موحي به
يقول العهد الجديد أيضاً إنه «كلمة الله»، ومنذ أيام كتابته، عرف شعب الله أن هذه
الكتابات لها خصوصية متميزة.
وبمفهوم حقيقي، بأن المسيح هو المفتاح الرئيسي للوحي الذي ورد بالكتاب المقدس. إنه هو أكبر وحي للكتب المقدسة العبرية في العهد القديم، وهو الذي وعد بأن الروح القدس سوف يرشد التلاميذ إلى «كل الحق» والذي تم فعلاً في العهد الجديد.(Geisler, GIB,89)
تذكر كم كان تقدير أنبياء العهد القديم، وكم كانت كتاباتهم لها الصفة الإلهية الموثوق بها. وبمقارنة أسفار العهد الجديد بالقديم نلاحظ أنه يحظى بنفس السلطة والوحي. هذا تأكد من الرسالة إلى العبرانيين 1:1-2 «الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة. كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه». وكانت الرسالة «تثبت لنا من الذين سمعوا وشاهدا الله معهم بآيات وعجائب» (عب 2:3). وبعبارة أخرى، فإن رسالة المسيح التي تمَّ إبلاغها عن طريق التلاميذ هي صوت الله اليوم كما كانت هي صوت الأنبياء في العهد القديم.
وطبقاً لما جاء في الرسالة إلى أفسس 2:20 فإن الكنيسة «مبنيين على أساس الرسل والأنبياء»، وكلمة الرسل لا يحدها فقط الاثنى عشر تلميذاً، فبولس أيضاً كان رسولاً (غل 1، 2كو 12). وأيضاً هناك برنابا (أع 14:14) ويعقوب كتب أيضاً معضداً بالسلطة الإلهية (يع 1:1)، وهناك آخرون لهم مواهب نبوية (على سبيل المثال أغابوس في أع 11: 28). الموهبة الممنوحة لرسول أو نبي تؤهله لأن يستقبل الوحي (انظر أف 2:20) والعديد من كُتَّاب العهد الجديد يمكن أن يطلق عليها لفظة أنبياء (مثلاً مرقس، لوقا، يعقوب، ويهوذا).
يسجل سفر أعمال الرسل 2: 42 أن المؤمنين كانوا «يواظبون على تعليم الرسل والشركة». لذا فإن سلطة تعاليم الرسل لا ينظر إليها فقط كنوعية مماثلة لما كان يصدر من الأنبياء، لكن على أساس أهميتها لبناء الكنيسة. وما علَّمه الرسل هو الأساس الحاكم للكنيسة، لذلك فالعهد الجديد هو الحاكم على الكنيسة.
ويشير بطرس لرسائل بولس بأنها «كتب» (2بط 3:16). وتقتبس الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 5:18 من لوقا 10:7 والتثنية 25:4، وتستخدم لفظة «لأن الكتاب يقول». وإذا كان ما كتبه لوقا، الذي لم يكن رسولاً، يشار إليه بأنه من الكتب، وبطرس الذي وبَّخه بولس (غل 2:11) اعتبر أن رسائل بولس من الكتب المقدسة، فيتبع ذلك أن العهد الجديد ككل يعتبر من الكتب المقدسة وتشملها العبارة التي تقول كل الكتاب هو موحى به (2تي 3:16).
3(ب) هل كلمة
الله معصومة من الخطأ
يدعى الكتاب المقدس كله بأنه وحي من الله، وإذا كان حقاً من الله، لذلك فمنطقياً
يجب علينا افتراض أن الكتاب المقدس معصوم من الخطأ. وكل من كلمتي (موحى) و(معصوم)
عادة ما يرتبطان مع بعضهما البعض، ولكي نفهم معنى العصمة دعنا نتأمل في تلك المسائل
وهي: صفات الله، ما الذي تعنيه العصمة، وما الذي لا تعنيه العصمة.
3(جـ) صفات الله
لكي نفهم جيداً الوحي المرتبط بالكتب المقدسة، يجب أن يشمل ذلك فهم معنى العصمة.
الكتاب المقدس هو كلمة الله.. والله لا يخطيء أبداً (عب 6:18، تي 1:12). وأن ننكر
عصمة الكتب المقدسة، فإننا بذلك نطعن في كمال الله أو نشكك في كون الكتاب المقدس هو
كلمة الله.
تستلزم صفات الله العصمة، وإذا كانت كل عبارة في الكتاب المقدس هي من الله، والله هو الحق، كما أعلن عنه والكتاب، لذا يجب أن يكون الكتاب المقدس كله حقيقي وصحيح أو هو معصوم من الخطأ. قال يسوع عن كلام الله «كلامك هو حق» (يو 17:17)، وذكرت المزامير «رأس كلامك حق» (مز 119:160)، وأعلن سليمان النبي «كل كلمة من الله نقية» (أم 30:5) وكتب بولس إلى تيطس «الله... المنزه عن الكذب» (تي 1:2). وكاتب الرسالة إلى العبرانين يعلن أيضاً «لا يمكن أن يكذب الله» (عب 6: 18). إذن فالتحليل النهائي يخلص إلى أن أي هجوم على الكتاب المقدس هو هجوم على صفات الله. وكل مسيحي سوف ينضم إلى بولس الرسول وهو يقول: «بل ليكن الله صادقاً وكل إنسان كاذباً» (رو 3:4).
2(هـ) ما هي العصمة
العصمة تعني أنه عندما تتكشف كل الحقائق، وتُترجم الكتب المقدسة من أصولها، وتفسَّر
بشكل صحيح، فإنها حينذاك ستكون كلية الصدق في كل ما يكتبه به، سواء كان الكلام عن
المعتقدات أو الأخلاقيات أو العلوم والمباديء الاجتماعية أو الطبيعية للحياة.
الكلمة الأخيرة هي أن الكتاب هو أنفاس الله، لقد استخدم هو رجالاً ليكتبوا بالضبط ما أراد لهم أن يكتبوه وجنَّبهم الأخطاء، لكن في نفس الوقت استخدم شخصياتهم المتفردة وأساليبهم المتميزة لينقل لنا ما أراده بالضبط.
يخبرنا بطرس أنه «تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس» (2بط 1:21). وتشبه تلك الفكرة الريح التي تتحكم في أشرعة القارب، لذا تحكمت أنفاس الله في تحرير الكتاب، وكانت المحصِّلة النهائية هي ما انتواه الله.
1(د) استخدم الله تعبيرات متنوعة
العصمة لا تعني أن كل كلمة من كلمات الكتاب المقدس مقصودة حرفياً ولا تتغير، لأن
الله هو الخالق، لذا يقول نفس الشيء لكن بطرق مختلفة ومن وجهات نظر مختلفة، وفي
أوقات مختلفة. الوحي لا يمنع تنوع الألفاظ والتعبيرات.
الأناجيل الأربعة تسجل نفس الأحداث لكن بطرق مختلفة لاختلاف أشخاص من كتبوها، وهم أحياناً يقتبسون مما نطق به يسوع لكن بألفاظ مختلفة، مثلاً قارن اعتراف بطرس الشهير في قيصرية فيلبس:
متَّى أشار إليها هكذا «أنت هو المسيح ابن الله الحي» (مت 16:16)
ومرقس قال «أنت المسيح» (مر 8:29) ولوقا كتب «مسيح الله» (لو 9:20).
وكذلك الوصايا العشر أشير إليها بطرق مختلفة:
«مكتوب بإصبع الله» (تث 9:10)، وقد ذكرت بشكل مختلف في نصوص أخرى (قارن خر 20:8-11 مع تثنية 5:12-15).
ومثلاً يذكر سفر الخروج أن الخلْق هو السبب في اعتبار السبت هو يوم الراحة، بينما سفر التثنية يقول بأن الفداء هو السبب.(See Archer, EBD, 191-92)
إذا كانت الألفاظ الهامة التي نطق بها بطرس في شأن اعترافه بالمسيح، وكذلك ما كتب على خشبة الصليب (انظر مت 27:37، مر15:26، لو 23: 38، يو 19:19) ومثل الشرائع التي كتبت «بأصبع الله» يمكن أن تذكر بطرق مختلفة، حينئذ لن تثار أي مشكلة بخصوص امتداد مفهوم العصمة على اختلاف الألفاظ والتعبيرات في باقي الكتاب المقدس.
2(د) استخدم الله شخصيات وأساليب متنوعة
يمكن للوحي أن يستخدم شخصيات مختلفة لديهم أسلوبهم الخاص في الكتابة وكذلك فطرتهم
التي جبلوا عليها لكي يسجلوا كلمته. يحتاج المرء أن يقارن الأسلوب القوي لإشعياء مع
النغمة الحزينة في سفر إرميا في العهد القديم.
وفي العهد الجديد، يظهر لوقا اهتماماته الطبية، بينما يبدو يعقوب عملياً للغاية. وبولس الإنسان المتعمق في العقيدة والمجادلة، ويوحنا بكتاباته البسيطة. لقد أجرى الله الاتصال بمختلف أنواع الناس والشخصيات، كل له خصائصه المتميزة.
يشمل المؤلفون التقليديون على : مستلم الشريعة «موسى» والقائد الحربي «يشوع» والأنبياء «صموئيل - إشعياء - إلخ) والملوك (داود وسليمان) والموسيقي (آساف)، ومحصِّل الضرائب (متى)، والطبيب (لوقا) والمعلم (بولس) وصيادي السمك (بطرس ويوحنا). استخدم الله مهن مختلفة وظروف متنوعة كان يعيش في ظلها محررو الكتاب المقدس، وكذلك اهتماماتهم الشخصية وشخصياتهم ليعكسوا حقائقه الثابتة.
3(د) استخدم الله أحياناً مصادر غير كتابية
بلاشك أن عقيدة الوحي لا تستبعد استخدام السجلات الإنسانية كمصدر لإظهار الحقيقة
الإلهية. ومثل هذا الاستخدام الذي يقول به الكتاب: يقول كاتب إنجيل لوقا إنه بحث في
سجلات مكتوبة على أيامه (لو 1:1-4)، وكاتب سفر يشوع استخدم سفر ياشر في حادثة ثبات
الشمس في مكانها (يش 10:13). وبولس الرسول استعار من شعر وثني (أع 17:28) وهو يخاطب
جموع الأثينيين في أريوس باغوس. ويهوذا استعار أقوالاً غير قانونية عندما تكلم عن
أخنوخ (يهوذا 1:14).
استخدام المصادر غير الكتابية لا يجب أن ينظر إليه كشيء غير متلائم مع الوحي - ويجب أن نتذكر أن «كل الحق هو حق الله»، فالله الذي أمر بأن «يشرق نور من ظلمة» (2كو 4:6) قادر أن يجعل النبي الوثني أن ينطق بكلام الحق (عدد 24:17). ورئيس كهنة متشدد (يو 11:50) وحتى حمار عنيد (عدد 22:28) جميعهم يمكن أن يستخدمهم الله.
1(د) ما يعتبر من الناحية اللغوية غير دقيق
العصمة يعبَّر عنها بألفاظ هي الحق، والتعبير عن الحق يكون على هيئة كلمات
تكوّن جملاً. لذلك، فاكتشاف أي خطأ نحوي حديث لا يعوق الكتاب المعصوم. وهذا ما يجب
أن يكون عليه الأمر. قواعد النحو تمثل فقط الاستخدام العادي للغة. وحتي المهرة من
الكتَّاب الذين نعرفهم اليوم يكسرون قواعد اللغة، بهدف التوصيل المتميز لأفكارهم،
فلماذا ننكر هذه الميزة على محررى الكتاب المقدس؟(Geisler, I,299)
2(د) الأشكال المختلفة من الكتابة في الكتاب المقدس
لا يجب أن نفترض أن الكتاب «الموحي به» يجب أن يكتب بطريقة أدبية واحدة. فالإنسانية
ليست محددة عندما نعبر عن أفكارنا، وليس هناك ما يدعونا إلى اعتبار الله مضطراً إلى
استخدام أسلوب واحد في اتصاله بالبشر. الكتاب المقدس يحتوي على طرق مختلفة للتعبير
اللغوي.
العديد من الأسفار مكتوبة بلغة شعرية كاملة (مثلاً: أيوب، المزامير، الأمثال) وإجمالي الأناجيل مليئة بالأمثال. في غلاطية يستخدم بولس أسلوب الاستعارة. والعهد الجديد مليء بالأساليب المجازية (2كو3:2-3، يع 3:6). ومشابه لذلك أيضاً (مت 20:1، يع 1: 6). وأسلوب المبالغة نجدها في (كولوسي 1:23، يو 21:25، 2كو 3:2)، ويسوع نفسه استخدم أسلوب السخرية أحياناً (قارن مت 19:24 مع 23:24).
الدعوة إلى الوحي، كما نفهما في ضوء الكتاب الـمقدس نفســه تكشـف علـى أنـه لا يجـب أن ننـــظر «للوحي» كعملية آلية جامدة، إنها عملية ديناميكيـــة ذات صــفات شخصية تتحول إلــى أوامــر ووصايا إلهية وعمل معصوم، وهي كلمة الله المكتوبة.(Geisler, GIB,58)
3(د) الدقة التاريخية
كثيراً ما يؤكد البعض أن اعتقاد العصمة لا يمكن قبوله لأن الكتاب المقدس لا يعكس
المباديء التاريخية واللغوية الدقيقة المطلوبة توافرها في العلم الحديث. وككثير من
الكلمات التي تستخدم للتعبير عن العصمة أو إمكانية الخطأ، فإن التحديد يعتبر
مبهماً. فللبعض، عدم الدقة تعني الخطأ، لكن هذا بالتأكيد ليس هو الأمر الصحيح. وكما
عبَّر عنها حكماء الزمن الماضي، فإن المطلوب هو أن تكون الجمل صحيحة، كل جملة يمكن
التعبير عنها بأفضل مما تظهر به، وكل حادثة تاريخية ستظل دائماً عملاً تقديرياً.
دعني أرسم لكم الموضوع أكثر، إذا سجَّلنا حدثاً وقع سنة 1978، يمكنك أن تعبر عن ذلك بأكثر تفصيلاً ودقة بأن تقول إن هذه الحادثة وقعت في شهر مايو في اليوم الخامس عشر الساعة العاشرة صباحاً.. وهكذا لكن لازالت الجملة البسيطة الأولى صحيحة. المعيار الرئيسي، كما أرى عن العصمة هو الآتي:
هل الجملة كما ذكرت صحيحة؟ إذا كانت هكذا، إذن فلا مشكلة بالنسبة للعقيدة. لماذا تعتبر المعايير الحديثة للدقة مطلقة؟ أليس واجب علينا أن نتوقع من الكتب المقدسة أن تعكس معايير زمانها؟
ألا يعتبر هذا غروراً منا عندما نظن أن معاييرنا هي السليمة، والمعايير السالفة هي الخطأ؟(Feinberg, MI,as cited in Geisler,229)
4(د) استعمل الكتاب المقدس لغة غير علمية
بالتأكيد الكتاب المقدس ليس في حاجة إلى استخدام لغة علمية، فنية، دراسية. هذا
الكتاب ظهر لاستخدام عامة الناس ولكل جيل، لذا هو يستعمل اللغة العامية التي
نستخدمها في حياتنا اليومية، واستخدام اللغة المتحفظة غير العلمية ليس غير علمي.
إنها ببساطة لغة ما قبل العلم.
حُررت الكتب المقدسة في الأيام السالفة باستعمال معايير قديمة، ولذلك فإن بسط معايير العلم الحديث على النصوص المقدسة، سيجعلها تحمل أخطاءً تاريخية. إنه ليس أكثر جهلاً أن تتكلم عن الشمس التي وقفت ساكنة عن الاشارة بشروق الشمس (يش 1:16)، وعلماء الطقس الحاليين مازالوا يومياً يتكلمون عن أوقات شروق وغروب الشمس. والكتاب المقدس يقول إن ملكة سبأ «أتت من أقاصي الأرض» (مت 19:42)، بينما هي كانت تبعد بضع مئات من الأميال في الأراضي العربية. ويبدو أن تلك لغة تحفظية، وبشكل مماثل يذكر الكتاب المقدس أنه في يوم الخمسين كان هناك شعب من «كل أمة تحت السماء» (أع 2:5)، وهذه الشعوب محددة في سفر أعمال الرسل 2:9-11، وبالطبع لا يشمل هذا الحصر كل الأمم (مثلاً لا يشمل أمريكا الشمالية والجنوبية).
لذا فإن اللغة العلمية تستخدم بإحساس جغرافي، ويجب أن يؤخذ الأمر بشكل إجمالي، إنه يعني «العالم الذي كان معروفاً حينذاك».
كُتب الكتاب المقدس لشعب غير علمي وفي زمن لا علمي، ليس من المعقول أن يقول أحد إن الكتاب المقدس ليس صحيحاً من الناحية العلمية، إنه بكل بساطة لا يستخدم اللغة العلمية الحديثة. لكن، عندما نتخلى عن الاصطلاحات العلمية فإن الكتاب المقدس يبدو مثالياً من وجهة نظره الشاملة وأسلوبه البسيط.
أيضاً يستخدم الكتاب المقدس أرقاماً تقريبية (انظر 1أخ 19:18، 21:5)، ربما يكون غير دقيق من وجهة نظر المجتمع العلمي الحديث. أن تتكلم عن الرقم 3.4159265 كأنه الرقم 3، يعتبر أمراً صحيحاً بالنسبة للعالم السابق غير العلمي، فثلاثة وكسر يمكن أن تختذل إلى ثلاثة فقط. وهذا كاف لعمل «بحر مسبوك» (2أخ 4: 2) في معبد يهودي قديم، مع أن هذا غير كاف لكمبيوتر في صاروخ منطلق في الجو، لكن الإنسان لا يتوقع الدقة العلمية في زمن لم يوجد فيه هذا العلم.
الكتاب المقدس يتكلم بلغة زمانه، وبالأسلوب الذي يفهمه هؤلاء، لذا يجب أن يتم الحكم عليه بنفس طبيعة الوحي المقدس، هذا الوحي انبعث من الله إلى الناس معبراً بالأسلوب الإنساني لأناس يتعايشون بأسلوب لغوي خاص.
لكي يكون الكتاب المقدس مفهوماً، كان عليه أن يتعامل مع لغة الأنبياء والرسل، ويستخدم الخلفية الثقافية للأرقام، الصور، والرموز، وكل العناصر الأخرى التي ترتبط بشكل عام بالاتصال اللغوي، ولكن أي نظرية جامدة للعصمة تفرض المصطلحات العلمية أو التقنية الحديثة على النص الكتابي لا يمكن تقبلها. (Geisler, GIB,57)
5( د) الكلمات الدقيقة؟
العصمة لا تستلزم تواجد «لوجيا جيسو» (أقوال يسوع)، وأن تحتوي على «سيمافيريا»
(الأقوال الحقيقية) ليسوع، كل ما هو مطلوب «ابسيسيما فوكس» (الأصوات الحقيقية).
وهذه النقطة مشابهة لما ذكرناه تواً عن الدقة التاريخية.
عندما يذكر أحد كتَّاب الأناجيل أقوال يسوع، لا يهمّ أن تكون هي فعلاً نفس الألفاظ التي استخدمها يسوع، بلاشك فإن الكلمات الحقيقية التي استخدمها يسوع سنجدها في الأناجيل، لكن ليس بالضرورة أن تكون كما هي في كل الأحوال.
كثير من كلمات يسوع قيلت باللغة الآرامية، لذا وجب أن تترجم إلى اليونانية. وأكثر من ذلك، كما ذكرنا عاليه، لم يتيسر لكتَّاب الأناجيل الأساليب اللغوية المستخدمة في مناقشاتنا الحالية، لذا فإنه يستحيل علينا معرفة أي من الأقوال عبارة عن استعارات مباشرة وأيها قول غير مباشر، وحتى أيها المنقول بشكل حرُّ. (Osborne, RCGC,83-85)
بالنسبة لأقوال يسوع، في ظل تلك الحقائق، ما الذي يمكن أن نعتبره مخالف للعصمة؟. إذا كانت معاني الكلمات المنسوبة ليسوع التي نسبها إليه كتَّاب الأناجيل لم تكن مقصودة من يسوع، أو أن الكلمات الدقيقة التي نطق بها قد ترجمت بأسلوب لم يكن ينتويه فعلاً، حينئذ تكون العصمة مهددة.
ومثال على رغبة الله أن يتواصل معنا بمعان دقيقة (وليس فقط كلمات دقيقة بشكل آلي) هو حقيقة أنه منحنا أربعة أناجيل. والاختلافات البسيطة في كلمات يسوع تمكننا من الإمساك بالمعنى الحقيقي الذي انتواه. وإذا حاول كل كاتب للأناجيل اقتباس نفس الكلمات من بعضها البعض سوف يكون النص دقيقاً، لكن المعنى قد لا يكون مبنياً بشكل جيد.
6(د) روايات شاملة
العصمة لا تضمن العرض الشاملي والجامع لأي حدث مفرد أو أحداث مترابطة، وهذه النقطة
متصلة بما سبق ذكره عن الدقة.
يجب أن نتذكر أنه من وجهة نظر أي نظام، وحتى الإلهيات، تعتبر الكتب المقدسة «جزئية»، وكلمة جزئية هذه تؤخذ دائماً بمعنى أنها غير صحيحة أو أنها مزيفة، لكن هذه الفكرة غير سليمة، فالكتاب المقدس هو وحي كامل به كل ما يتطلبه الإنسان للإيمان والعمل بمعنى أن هناك الشيء الكثير الذي نودّ معرفته لكن الله لم يستحسن أن يكشف عنها. وأيضاً فإن الله لم يجد من الملائم أن يسجل كل تفصيلات الأحداث.
أعتقد أن هذه الفكرة تصلح لما ورد بالأناجيل. المشكلة في الأناجيل (التي قمت بتغطيتها في الجزء الثالث من هذا الكتاب)، يمكن أن تحل عندما يكتشف الإنسان أن لا أحد من كتَّاب الأناجيل كان مضطراً أن يعطي كل التفاصيل لحدث معين. هو له كل الحق أن يسجل حدثاً في ضوء أغراضه من كتابة هذا الإنجيل. وأكثر من ذلك، يجب تذكُّر أن كتَّاب الأناجيل الأربعة لم يصيغوا كل التفاصيل لحدث واحد. ربما هناك قليل من المعلومات لو ذكرت لكانت كفيلة بتفكيك الاختلافات كل ما هو مطلوب أن تكون الجمل التي كتبها كل منهم حقيقية.
7(د) الكتب الأصلية
العصمة لا تنصبّ على كل نسخة، لكن على النصّ الأصلي، والفكرة التي ضغطت على مدى
القرون الماضية، وبشكل عام على دارسي الأناجيل هذه الأيام هي أن العصمة (أو للدقة
نقول الوحي) الخاص بالكتب المقدسة تختص فقط بالمؤلفات الأصلية.
كتب أوغسطين خطاباً موجهاً إلى جيروم فيما يختص بما قد يكون وجده مخالفاً في الكتب المقدسة، وقال فيه «إنني أقرر أنه إما أن النصّ فاسد أو أن المترجم لم يتابع ما قاله فعلاً، أو أني فشلت في فهمه».(Bahnsen, IA, as cited in Geisler, I, 155-56)
الكتب المقدسة بها شذرات ذات أهمية نتعرف بها على النسخ المترجمة لكلمة الله وتحديداً تلك المنقولة من النسخ الأصلية، ونحن نستطيع أيضاً أن نصل إلى تعليقات مفيدة من مقاطع تقول لنا شيئاً عن الاتجاهات المقدسة نحو النسخ المتواجدة والترجمات اللاحقة. ما نعلمه بشكل مبدئي أن هذه النسخ غير الأصلية اعتبرت دقيقة لتوضح الأغراض التي من أجلها أعطى الله الكتب المقدسة. الملك سليمان كان يمتلك نسخة من الشريعة الموسوية (انظر تثنية 17:18). مع ذلك اعتبرت أنها تحوي بالحق «وصايا الله.. ومطابقة لما كتب في شريعة موسى» (1مل 2:3).(Payne, PB,16-18)
بالتأكيد كانت شريعة الله التي كانت بيد عزرا الكاهن نسخة، لكن مع ذلك عمل بها كمُلزمة في مهمته (عز 7:14). عندما قرأ عزرا من هذه الشريعة على الشعب لكي يمدهم بوصايا الله ويؤثر في حياتهم، من الواضح أنه قرأ عليهم ترجمة لما وجد لكي يفهموا المعنى باللغة الآرامية التي اعتادوا عليها وهم في المنفى: «وقرأ من سفر شريعة الله (المترجمة) ببيان وفسروا المعنى وأفهموهم القراءة» (نح 8:8).(Berkouwer, HS, 217)
في كل هذه الأمثلة كانت النسخ التالية موضَّحة تماماً لكلمة الله المكتوبة، وشاركت الأصل بمفهوم عملي.
نحتاج أن نكرر بكل وضوح أن التحديدات الإنجيلية للعصمة بالبشر للمؤلفات الأصلية 1- هي تحديدات تتصب على المؤلفات الأصلية التي بها أمكن حفظ الرسالة الشفهية التي أرسلها الله.
2- هذا لا يعني أن الكتب المقدسة الحالية، لأنها ليست معصومة تماماً فشلت في أن تنقل لنا كلمة الله، وجهة نظر علماء دراسة الأناجيل لا تعني أن العصمة، أو الوحي، للكتب المقدسة الحالية إما ذات قيمة كلية أو عديمة القيمة.(Bahnsen, IA, as cited in Geisler, I,173)
لذلك إذا كانت النسخ الأصلية هي الموحى بها، ما الأمر إذن بالنسبة لترجماتها؟ وإذا كانت النسخ الأصلية الصحيحة تماماً هي أنفاس الله، والمترجمون بالطبع غير معصومين من الأخطاء، كيف نكون متأكدين من أي مقطع نقرأه في الكتب المقدسة؟ وربما كان ذلك المقطع ترجمة سيئة أو خاطئة مأخوذة من نسخة غير دقيقة؟ الباحثون الإنجيليون والناقدون يتعاملون مع هذه المشكلة بإظهار مدى دقة النسخ المنقولة من الأصل. ولكي نتبنى هذه النتيجة مقدماً، نقول إن النسخ صحيحة وكافية لكل الأمور، لكن ربما تسقط بعض التفاصيل البسيطة. الموقف الحالي إذن يستمر، حينئذ، بالرغم من إن النسخ الأصلية هي الموحى بها، مع ذلك يمكن أن يقال أن كل النسخ جيدة، الترجمات دقيقة. بالرغم أن لا أحد في وقتنا الحالي رأى بعينه الأصول المؤلفة، فإنه أمر حقيقي أنه لا أحد شاهد نسخة خاطئة تماماً.
إن السبب في عدم إبقاء الله المؤلفات الأصلية، ليس معروفاً، مع ذلك فإن اتجاه الناس لعبادة الذخائر المقدسة، هذا من المؤكد كان عاملاً محدداً. (2مل 18:4) آخرون ذكروا أن الله تحاشى أن يلجأ البعض إلى عبادة الكتب الأصلية إذا حفظ لنا نسخاً دقيقة منها، ومن المحتمل أن الله لم يحفظ الأصول لكي لا يتلاعب فيها أحد. لأنه عملياً يستحيل لأي إنسان أي يجري تعديلاً في ألوف النسخ الموجودة حالياً.
السعي لتجنب الاتجاهين المتطرفين إما أصول لا يمكن الحصول عليها أو نسخ مترجمة معرضة لبعض الأخطاء، نؤكد أن النسخة الجيدة أو الترجمة المتقنة المطابقة للأصل هي لأغراض عملية تعتبر كلمة الله هي الكلمة الموحى بها.(Geisler, GIB,42)
2(أ)
معارضة الادعاء بالوحي في الكتب المقدسة
بالتأكيد يقول الكتاب المقدس إنه هو الموحي به وإنه كلمة الله، لكن بعض الناس
يعارضون أن الكتاب هو كلمة الله وبالتالي أنه معصوم، في هذا الجزء سوف نستعرض بعض
المعارضات الرئيسية عن الوحي والعصمة.
1(ب) الجدل في دوائر
لا تنتهي
البعض ذكر أنك إذا آمنت بالعصمة، إذن عليك أن تجادل في دوائر من الجدل العقيم.
البعض قد يقول «أنت تؤمن بالعصمة، لأنك تؤمن بأن الكتب المقدسة علَّمت به، وكذلك
أنت تؤمن بالكتب لأنك تؤمن بالعصمة وهكذا لن تخرج من هذه الدائرة المفرغة».
لكن المسألة ليست هكذا، فالعرض المنطقي للعصمة لن يقودنا إلى دوائر مفرغة. الكتاب المقدس مسجل وموثوق به وقيِّم، وقد توثق لنا بمعاملته كأي كتاب تاريخي آخر. وكمثال ما كتب عنه يوسيفوس المؤرخ عن الحرب التي أثارها يوليوس قيصر.
على أساس الأحداث التاريخية المسجلة في الكتاب المقدس، لدينا أسس قوية تدعِّم اعتقادنا أن الشخصية الأساسية فيه وهي، يسوع المسيح، فعل ما قال إنها مهمته وبالتالي هذا ما أشار به عن نفسه، لقد قال بأنه الابن الوحيد للآب - في الحقيقة، هو الله في الجسد، وكابن وحيد للآب فإن إلهنا يسوع المسيح هو مصدر العصمة الإلهية.
إن يسوع المسيح لم يفترض فقط عصمة الكتاب المقدس المتواجد على أيامه، فقد علَّم بأن كتب العهد القديم كلها بلا أخطاء وهي كلمة الله.
إذاً كانت الكتب المقدسة هي كلمة الله، كما علم يسوع، لهذا السبب تعتبر كلية العصمة وموثوق بها لأنها كلمة الله. والله هو الحق.
لذلك، على أساس تعاليم السيد المسيح، ابن الله المعصوم، تؤمن الكنيسة أيضاً بعصمة الكتاب المقدس.
هذا النقاش يبدأ ببحث طبيعة الكتاب المقدس بوجه عام، ثم نتجه نحو شخصية وتعاليم يسوع المسيح، ثم ننتهي بتبنِّي تعاليمه بخصوص طبيعة الكتاب المقدس.
2(ب) لا يوجد تعاليم عن العصمة في الكتاب المقدس
«لم يُذكر تعليم بشأن العصمة في الكتاب المقدس» هذا هو ما يبديه المعارضون لموضوع
العصمة. يقولون إن الكتاب لم يعلِّم بهذا، لكن يقول إنه موحى به فقط.
هذا الادعاء خاطيء، كأنك تقول مثلاً إن الكتاب المقدس لم يعلِّم موضوع الثالوث الأقدس. في الحقيقة، لا يوجد في الكتاب المقدس من يقول هذه الكلمات «هناك ثلاثة أقانيم في واحد، الله وهو الآب، والابن والروح القدس». لكن بالرغم من هذه الحقيقة، فإن عقيدة الثالوث واضحة تماماً في الكتب المقدسة. لكن كيف توصلنا لذلك؟ بالطرح المنطقي لمبدأين نجدهما واضحين في الكتاب (1) هناك ثلاثة أقانيم تقول إنها الله، هم الله: الآب، والابن، والروح القدس. و(2) هناك إله واحد. المنطق البسيط يدعونا باستعراض هاتين الحقيقتين أن نتوصل إلى نتيجة وحيدة، هي أنه لا يوجد مسيحي حقيقي يصعب عليه أن يكتشف : هناك ثلاثة أقانيم في إله واحد.
والآن وبنفس المنطق، يعلِّم الكتاب المقدس موضوع عصمته ومماثل لعقيدة الثالوث. لم يذكر في الكتاب المقدس مثلاً أن «الكتاب المقدس معصوم في كل ما ذكر به ويؤكده». مع ذلك، فإن الكتاب المقدس وبكل وضوح وبتأكيد تام يعلمنا حقيقتين ومنهما نتوصل إلى النتيجة المطلوبة.
أولاً: نفس كلمات الكتاب، كلها وحي من الله، وقد كتب بولس «كل الكتاب هو موحى به من الله» (2تي 3:16) وكلمة «الكتاب» تعني ما كتب، وكثيراً ما كان الأنبياء يكلفهم الله بأن يسجلوا «كلمة الله» (حز 24:4، رؤ 22:19). وداود اعترف وهو على سرير الموت «روح الله تكلَّم بي وكلمته على لساني» (2صم 23:2). وقيل لإرميا «لا تنقص كلمة» من نبوات الله (إر 26:2). وبولس الرسول قال إنه يعلِّم «الكلمات... التي تكلم بها الروح القدس» (1كو 2:13).
ثانياً: يعلِّمنا الكتاب بكل تأكيد أن كل ما ينطق به الله هو الحق، وبلا أي نوع من الخطأ، قال يسوع مخاطباً الآب «كلامك هو حق» (يو 17:17)، والمزامير تعلن «رأس كلامك حق» (مز 119:16)، وكانت الرسالة إلى العبرانيين تؤكد «لا يمكن أن يكذب الله» (عب 6:18)، وبولس أخبر تيطس قائلاً «الله المنزه عن الكذب» (تي 1:2). والأمثال تؤكد لنا «كل كلمة من الله نقية» (أم 30:5).
بالاختصار، إن صفات الله كصادق يتطلب منا أنه عندما يتكلم فإنه يقول الحق، وفي نفس الوقت، فإن الأسفار المقدسة هي نطق الله، لذا وبناء على هاتين الحقيقتين الصحيحتين نتوصل إلى نتيجة وحيدة منطقية وهي كالآتي: كل ما يعلِّمه الكتاب المقدس هو الحقيقة التي لا خطأ فيها لأنها من الله.
لذا فإن العصمة تتبع تالياً للوحي. إذا كان الكتاب المقدس هو كلمة الله لذلك هو بلا خطأ، والمسيحيون كثيراً ما اختصروا معتقد العصمة بالشكل الآتي: «كل ما يقوله الكتاب المقدس، يقوله الله». في الحقيقة كثيراً ما نستخدم كلمة الله، و«الأسفار المقدسة» بشكل متبادل، فمثلاً في الرسالة إلى العبرانيين 3:7 يعلن «يقول الروح القدس»، وذلك إشارة إلى كتاب العهد القديم، وهذا الأسلوب متواجد في أماكن أخرى (انظر أع 2: 7، غل 3: 8، عب 9: 8).
وهكذا يظهر جالياً أن الكتاب المقدس يؤكد فعلاً عصمته كما يعلِّم بكل تأكيد عقيدة الثالوث القدوس.
3(ب) العصمة ليست مهمة
«العصمة ليست مهمة» هي صيحة البعض، هم يؤمنون أنه ليس بالضرورة أن يكون الكتاب بلا
أخطاء ليكون له السلطة والمرجعية.
هذا الاعتراض الذي رفع رايته من لا يؤمنون بالعصمة يمكن دحضه بالنقاط السابق ذكرها. هم يقولون إن العصمة ليست من العقائد المهمة بينما الوحي مهم، كما يدعون.
لكن طالما أن ما يعلِّمه الكتاب له أهمية واضحة ومؤكدة، وهو يعلِّم أيضاً عصمته بكل وضوح وتأكيد، يتبع ذلك أن العصمة أيضاً مهمة.
لأن البعض يقول إن العصمة غير مهمة، فإنهم يقولون ذلك سواء نطق الله أو لم ينطق بكل الحقيقة. وربنا يسوع المسيح علَّم بأن كل الكتاب صحيح حتى أجزائه الصغرى «إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» (مت 5:18). وبالاختصار، وفي مكان آخر يعلن يسوع «لا يمكن أن ينقض المكتوب» (يو 10:35) لذلك فإن العصمة ستظل مهمة طالما أن يسوع هو ربنا!.
4(ب) العصمة فكرة حديثة
هؤلاء الذين يعارضون العصمة وكثيراً ما يعلنون أنها ادعاء، يعتبرون من أتباع
الاتجاهات الحديثة، البعض يقول إنها ظهرت مع ب، وارفيلد في برنستون في أواخر
سنة 1800، وآخرون مثل چاك روجرز، يتعقبها خلفاً وينسبها إلى المنظِّر اللوثري
توريفان بعد حركة الإصلاح مباشرة، وكلا هذين الرأيين خطأ، فالعصمة الكتابية
كانت متواجدة قبل لوثر وكالفن، وهناك أدلة أن كنيسة الآباء الأولين كانت متمسكة
بعقيدة العصمة. يقول أغسطينوس «لقد ربيت على أن أجزل كل احتراماتي وتقديري فقط
للأسفار القانونية في الكتاب المقدس، بهذا فقط أؤمن أن كاتبيها كانوا أحراراً من أي
أخطاء».
يقول اللاهوتي العظيم توما الأكويني من القرون الوسطى «لا يلحق أي شيء مزيف للمعنى الحرفي للكتب المقدسة». والمصلح مارتن لوثر يكرر دائماً «الأسفار المقدسة لم تخطيء أبداً». وأيضاً يقول چون كالفن مسانداً العصمة «الخطأ لا يمكن أن يستبعد من قلب الإنسان حتى يتزرع في قلبه معرفة الله (من خلال الأسفار المقدسة). وچون وسلي مؤسس الإصلاح كان يؤكد دائماً على عصمة الأسفار، وقد كتب «لا، إذا كان هناك أي خطأ في الكتاب فإنه ربما يوجد الآلاف منها، وإذا وجد شيء مزيف في هذا الكتاب فإنها بالتأكيد لم تأت من قِبَل الله الحق».
هذه الجمل الواضحة من آباء الكنيسة والمصلحين توضِّح بكل جلاء أن العصمة لم تكن أبداً اختراعاً متأخراً ظهر بعد حركة الإصلاح إبان القرن التاسع عشر من علماء اللاهوت الأمريكيين.
5(ب) هناك أخطاء
في الكتاب المقدس
البعض يدَّعي أننا يجب أن ننتهي من الإيمان بالعصمة لأن هناك أخطاء في الكتاب
المقدس. ويعطينا دافيز مثالاً من تلك الأخطاء، وهو أمر الله ليشوع لأن يقتل
الكنعانيين. لكن ما هو أساس ادِّعائه أن هذا خطأ؟ يجيب دافيز على ذلك بكل وضوح
«إنني أتكلم عن نفسي، لأني أعتقد أن قتل الأبرياء عمل لا أخلاقي». (Davis, DAB,96)
لكن دافيز نسى عدة نقاط، أولاً، الكنعانيون كانوا أبعد ما يكونوا عن البراءة (لا 18:5، تث 9: 5) فالتضحية بالأطفال وبعض من التصرفات اللانسانية كانت سائدة في بلادهم.
ثانياً: هذا الأمر كان حالة شاذة، إنه ليس أمراً كتابياً يصلح لكل الأزمان لكنه أمر محدد بمناسبة خاصة في زمن مفرد في التاريخ.
ثالثاً: إن الله هو مخلِّص الجميع، هو الذي أعطى الحياة وهو الذي يقبضها.
هنا يوجد خطأ، لكن ليس عن عمل الله أو كلامه ليشوع، الخطأ هو في استخدام المنطق الإنساني كأساس لتحديد ما هو صحيح في كلمة الله وما هو غير صحيح. وكما تكلِّم الله مع إشعياء 55: 8، «لأن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي يقول الرب».
البعض يدَّعي تواجد أخطاء، وتبيَّن بعد ذلك أنها عبارة عن اختلافات وقع فيها نسَّاخ الكتب عندما كانت تكتب يدوياً، مثال ذلك عمر آحاز عندما تولى المُلك (كان عمره 22 عاماً طبقاً لـ2مل 8:26، لكنه 42 عاماً طبقاً (2أخ 22:2). ومن «الأخطاء» التي تعتبر متفاوته لكنها ليست متناقضة، لوقا سجَّل أن هناك ملاكين عند القبر بعد القيامة (24:4)، لكن متى يذكر ملاكاً واحداً (28:2). هذا بالطبع يعتبر نوعاً من التفاوت، لكن كان من الممكن أن يصبح تناقضاً إذا قال متى إنه كان هناك ملاك واحد فقط عند القبر، وفي نفس الوقت يقول لوقا إنهما ملاكان.
مثل هذه التناقضات المدَّعاة ليست جديدة، لقد عرفت بواسطة دارسي الكتب المقدسة خلال القرون الماضية، لكن مع ذلك يتكون لدى الإنسان انطباع من قراءة اللاهوتيين الذين ينكرون العصمة، إنهم عثروا على أدلة جديدة جعلتهم يتوصلون إلى نتيجة مؤداها أنهم يجب أن يهجروا موضوع العصمة. لكن العكس هو الصحيح، فالكتاب يقف صامداً وهناك الكثير من المشاكل تتكشف أكثر مما كان حادث منذ قرون مضت، وهناك اكتشافات من البحر الميت، السامرة، نجع حمادي ومؤخراً من (ابلا) تعطي أدلة قوية للمواقف التي تمسَّك بها اللاهوتيون لزمن طويل.
إذن، لماذا، هناك انطباع سائد يقول إن «الحقائق» تقود الناس الآن لهجر هذا الاعتقاد الخاص بالإيمان المسيحي؟ إنني على قناعة تامة أنه ليس موقفاً واقعياً، وأنه ليس سوى موقف فلسفي. وقد حذرنا بولس بقوله «انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس» (كولوسي 2:8). لكن ما الذي حدث، أرى أن هناك عدداً كبيراً من اللاهوتيين المتميزين غرِّر بهم بادِّعاءات فلسفية، وغالباً انتهجوها بلا وعي أثناء فترة دراستهم للتخرج، لذا فإن استنتاجاتهم محددة جزئياً بتفكير عقلاني وضعي أكثر من تأثرهم بكلمة الله.
ويحلل دافيز بطريقة ساذجة مشكلة هؤلاء الذين يرفضون العصمة عندما كتب «إن ما يدعوهم لانتهاج موقف حر... هو قبولهم لافتراضات فلسفية أو علمية تتعارض مع اللاهوت الإنجيلي».(Davis, DAB,139as cited in Geisler, ID,2)
6(ب) مجال محدود
هناك اعتراض آخر للعصمة، وهو الادِّعاء بأن الوحي يغطي فقط المناطق
المختصة بالاعتقادات والأخلاقيات، لكن ليس بالضرورة يعتبر كافياً لتغطية المسائل
التاريخية أو العلمية «كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم» (2تي 3:16).
هناك العديد من السقطات في وجهة النظر القائلة «بمحدودية الوحي».
أولاً: الكتاب المقدس لا يفصل ما بين الأمور المتعلقة بالعقائد والأمور التاريخية، وكل شيء وارد فيه هو حقيقي.
ثانياً: في كل التعليمات الكتابية ليس هناك وسيلة لفصل الأمور الروحية عن التاريخية أو الطبيعية. مثلاً، تعليم المسيح عن الطلاق لا ينفصل عن تأكيده بأن الله خلق آدم وحواء (مت 19:4). وكيف يتيسر للإنسان أن يفصل ما بين الروحي والتاريخي في موضوعي الصلب أو القيامة؟
ثالثاً: هذا التمييز المزيف ما بين الأمور الروحية والتاريخية تظهر عدم الوعي بما قاله يسوع لنيقوديموس «إذاً قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون فكيف تؤمنون إذا قلت لكم السمويات» (يو 3:12). وهذا يعني، إذاً كنا لا نثق في الكتاب المقدس وفي أقوال سيدنا عندما تكلَّموا عن الأحداث التاريخية، فكيف نثق فيهم إذا درجوا نحو الأمور الروحانية؟
أخيراً، فإن هؤلاء الباحثين الذين ينكرون العصمة لا يحددون رفضهم فقط على الأمور المختصة بالتاريخ والعلم والتقاويم، فهذا بول جويت ينكر تعاليم بولس الخاصة بالنساء، ودافيز ينكر صدق أمر الرب بطرد وقتل الكنعانيين. وهكذا يتضح أن السماح بوجود أخطاء في الكتاب، هذا يدعو أي إنسان وكل إنسان لأن يختار الأجزاء التي تناسبه من أمور الله ويرفض الباقي.
7(ب) الأصول غير موجودة
هذا الاعتراض يخاصم هؤلاء الإنجيلين الذين يؤمنون بالعصمة ويجعلهم متقهقرين وفي
موقف صعب لعدم إثباتهم وجود أصول الكتاب المقدس. وبما أن الأصول هي فقط الموحاة من
الله، وبما أنه لا توجد مثل تلك الأصول اليوم، لذا لا يمكن إثبات الخطأ فيها.
وللإجابة على ذلك نقول، لدينا نسخ دقيقة وكافية تماماً للتعليم المسيحي والحياة عموماً. في الحقيقة، لا يوجد أي اعتقاد رئيسي (أو حتى فرعي) تجاهله النسَّاخ وهم ينسخون الكتاب المقدس.
والكتاب يحتوي القليل جداً من الأخطاء التي ربما تدعو الباحثين الإنجيليين أن يقولوا إنها ترجع إلى أخطاء النسخ. وبالاختصار، فإن الأصول غير متواجدة لأسباب عملية، وكل التعليم اللازم نجده في النسخ التي بين أيدينا. وهذا مماثل لقولنا إن عدم تواجد أصل الدستور الأمريكي أمر خطأ، بينما نحن لدينا نسخ جيدة منه وتحلّ بدلاً منه - لذلك فلا يخشى أي مسيحي لأننا نفتقد أصول الكتاب المقدس.
8(ب) هل يهتم الله؟
يدَّعي البعض بأنه إذا لم يمدنا الله بنسخ من الكتب المقدسة بلا أخطاء، فإنه بالكاد
سوف يهتم بأن تكون أصول هذه الكتب بلا أخطاء. فإذا كانت النسخ دقيقة، وحتى بأخطائها
البسيطة، إذاً لماذا كان من المهم أن تكون الأصول بلا أخطاء؟ أو بشكل آخر، لماذا لم
يحافظ الله على الأصول التي بلا أخطاء عن الاختفاء، أو أن يمنع النسَّاخ من ارتكاب
أي أخطاء؟ الإجابة على الجزء الأول من هذا السؤال له علاقة بتكامل الله بطبيعته،
لأن الله كامل، فكل ما يصلنا على يديه يجب أن يكون كاملاً. فوجود أصل كتابي به
أخطاء يعني أن الله من الممكن أن يخطيء، وهذا كقولنا إن الله خلق آدم بتقويم سييء .
الجزء الثاني من السؤال يمكن الإجابة عليه بإلقاء سؤال مضاد: لماذا لم يحفظ الله
آدم من الخطية؟ إن الطبيعة البشرية تحيل إلى إفساد كل ما تلمسه، سواء كان الكتب
المقدسة أو حتى أنفسنا. بالطبع، فإن الله حفظ كل من «الأصلين»، الكتاب والبشرية من
التدمير الكلي. فالإنسان مازال مشابهاً لصورة الله «مع ذلك فهو غير كامل» والكتب
المقدسة لازمة لنقل كلمة الله (مع ذلك توجد أخطاء بسيطة في النسخ).
هناك أسباب جوهرية دعت الله أن لا يبقي الأصول، أولاً: الإنسان يميل إلى عبادة المخلوق عن الخالق (رو 1:25). هل تذكر الحية النحاسية التي خصصها الله لخلاص الإسرائيليين؟ (2مل 18:"4). إذن كم يكون مقدار عبادتنا لأصول الكلمات التي وردت على لسان الله التي عينها لخلاصنا؟ وأكثر من ذلك، بعدم حفظه للأصول يتعذر على الخطاة أن يتلاعبوا فيها.
9(ب) شروط كثيرة
هناك اعتراض أخير ينحصر في أن المدافعين عن العصمة يضعون محدودات كثيرة على
العقيدة، وبذلك تموت هذه العقيدة «ميتة الألف حاجز».
هذه النقطة ينقصها التعبير الصحيح فالعصمة تحتوي أساساً على نقطتين رئيسيتين أولاً: الأصول هي الوحيدة المعصومة تماماً، وليست النسخ. ثانياً: فقط ما يؤكده الكتاب المقدس أنه هو المعصوم، وليس كل ما يحتويه.
لنكن متأكدين، فهناك الكثير من المسائل المعقدة تختص بتحديد ما يؤكده الكتاب في أي فقرة منه، وهذا يشمل تحديد المعنى، السياق، الشكل الأدبي للفقرة. وهذا على أي حال لا يمس الوحي ولكن يختص بالتفسير. الكل يتفق، مثلاً على أن الكتاب يحتوي في داخله على أكاذيب، شاملاً في ذلك أكاذيب الشيطان. لكن الكتاب لا يؤكد أن هذه الأكاذيب حقيقية. وكل ما تفعله العصمة هي أن تقول بأن تسجيل هذه الأكاذيب هو الأمر الصحيح.
وليس كل إنسان يتفق، من جانب آخر! أن كل ما يحتويه سفر الجامعة حقيقي - فكثير من المسيحيين يفسرون هذا السفر وما تنقله إليهم العبارات التي تحتويها بأنها وبكل بساطة تسجيل حقيقي لوجهة نظر مزيفة للإنسان الطبيعي الذي يحيا «تحت الشمس».
يبدو أن هناك مجالاً لاختلاف الرأي هنا أو في مواقف مشابهة (مثلاً، النقاش الذي أثاره أصدقاء أيوب). والمسيحيون قد يختلفون لما يؤكده الكتاب في فقرة معينة منه وما يعتبر تسجيلاً فقط، لكن لا يجب أن يكون هناك اختلاف بيننا في أن ما يؤكده الكتاب فعلاً هو المعصوم، لأن الله لا يخطيء أبداً.
ولمتابعة مسألة كيف نفسِّر النصوص المقدمة، نلاحظ أنه لا يوجد في عقيدة العصمة هذه ما يُملي، كما وجَّه البعض هذه التهمة، بأن نفهم كل فقرة بشكل حرفي. إنه خطأ بالتأكيد أن نستخدم الاستعارة حرفياً (غل 4:24 و25)، ومماثلاً لذلك نذكر أن الكتاب يذكر الأرقام بشكل تقريبي. لكن هذا التقريب لا يعتبر خطأ. فمدرسو الرياضيات لا يعتبرون أن تلاميذهم قد ارتكبوا خطأ عندما يكتبون أن قيمة ط هي 22/7 أو هي 3.1416 ، بالرغم أن كلا القيمتين ليستا دقيقة تماماً.
أيضاً، فإن كاتبي الأسفار يتكلمون بنفس الأسلوب الذي يتكلم به أهل هذا الزمان الحالي - وحتى العلماء - وهي لغة من يلاحظ الشيء ثم يسجله. وعندما تبدو الشمس كأنها سوف «تغرب»، فإنه حتى العلماء سوف يلاحظون ذلك ويقولون: «ياله من غروب جميل»، لكن هذه مسألة تختص بالتفسير وليس بالوحي. العقدة الأساسية في موضوع العصمة هذا هو: هل المسألة هي أن كل ما يؤكده الكتاب بلا أخطاء أم به أخطاء؟ هل تعاليم الكتاب بلا خطأ سواء خلق الله آدم وحواء، أو أرسل غمراً أغرق العالم كله أيام نوح، أو أن يونان ظلَّ ثلاثة أيام في بطن الحوت، أو أن يسوع قام من الأموات؟
3(أ) الخلاصة
ما الذي يعنيه هذا النقاش الذي دار في هذا الفصل للإنسان العادي هذه الأيام؟ ألست
أنا أملك كتاباً مقدساً وهو موحى به ويعتبر كلمة الله المعصومة؟ هل باستطاعتي أن
أكون على ثقة تامة بأن ما أقرأه في الكتاب هو فعلاً صادر من الله؟
الإجابة المطمئنة ستكون «نعم»، فالكتاب الذي بحوزتنا اليوم هو فعلاً كلمة الله، فالاكتشافات الأثرية الحديثة (انظر فصل 3، 4 ، 14 التي تتكلم عن هذا الموضوع) أكدت أن الكتب المقدسة التي نمتلكها الآن هي نقل دقيق لما كان متواجداً منذ ألفين من السنين. نحن بكل بساطة لدينا ترجمة باللغة المحلية لكل ما تنفس به الله في الأسفار التي كتبت في الأصل باللغة الآرامية، العبرية واليونانية.
وتذكر دائماً أن العصمة تنصبّ كلية على النسخ الأصلية من الكتاب وإلى أن تم اختراع آلة الطباعة، كان الكتاب المقدس ينسخ يدوياً ولمدة تزيد عن ألف عام. لذا هناك احتمال أن تتسرب بعض الأخطاء في هذه النصوص. لكن وفرة النسخ المختلفة، مع الاكتشافات الأثرية، والملاحظات والتعليقات على النصوص، والأدوات الأخرى، ساعدتنا جميعاً على أن تكون هناك قناعة داخلنا تؤكد أن الترجمات التي بين أيدينا دقيقة وتمثل كلمة الله المعصومة.
قال جودريك: «أنت تستطيع أن تثق في الكتاب الذي بين يديك لأنه هو كلمة الله المعصومة، فالفساد الذي لحق بنسخ ونقل إلى الكتاب بسيط للغاية، وتحت السيطرة، ويتلاشى، لذلك أقول مطمئناً بأن الكتاب المقدس الحالي موثوق به».(Goodrick,IMBIWG, 113)
في الجزء الثالث، نناقش هجوم بعض النقاد والذي سوف يكشف محاولاتهم لزعزعة ثقتنا بأن الله قد تحدث معنا فعلاً خلال الأسفار المقدسة، وقبل أن نبدأ في الإجابة على هؤلاء النقَّاد، فإنه من المهم أن نفهم خطأً شائعاً مغلوطاً ينتهجه معظم مهاجمي الكتاب المقدس وهو: الافتراضات المسبقة لمعارضي ما فوق الطبيعة.
القسم الثاني:
الفرضية الوثائقية
من ينادون بتعليم الفرضية الوثائقية يؤكدون أن الخمسة أسفار الأولى من العهد القديم قد كُتبت بعد حوالي ألف سنة من موت موسى وأنها كانت نتاج عملية كتابة وإعادة كتابة وتنقيح وجمع بواسطة محررين ومنقحين مجهولين.
هنا سوف نفحص فرعاً من دراسة النقد الأدبي التي تم تطبيقها على أسفار موسى الخمسة مع تقديم البرهان على أن موسى هو كاتب هذه الأسفار.
ولقد أضاف يوليوس فيلهوزن في عام 1895 اللمسات النهائية لرأي كان سائداً في الدوائر الكتابية الحديثة. ويُعرف هذا الرأي بأنه الفرضية الوثائقية (أو فرضية تعدد الكُتَّاب) وعندما نستخدم النقد الأدبي كأساس للمناقشة فإن هذا الافتراض يقدم النظرية القائلة إن أسفار موسى الخمسة (التكوين إلى سفر التثنية) لم تُكتب بواسطة موسى، كما يقول الكتاب المقدس، ولكنها اكتملت في سنوات عديدة بعد موت موسى.
إن الاستشهاد بالاختلافات داخل النص (مثل أسماء الله، الكلمات المتماثلة، تكرار الروايات)، وبالأسلوب والسرد، تجعل الذين يهتمون بالوثائق يؤكدون أنه هناك أربع وثائق مختلفة D, E, J, P - التي تشكِّل أسفار التوراة الخمسة. إن حرف J، يرمز إلى الاسم الإلهي «يهوه»، اسم الله الذي اسُتخدم على نحو مميز بواسطة الكاتب اليهوي والمرموز له بحرف «J»، وهو كاتب مجهول الاسم. ولقد استخدم هذا الكاتب أسلوباً متميزاً وكلمات مميزة. ويشير E إلى الوثيقة الإلوهيمية (وهي تنسب للكاتب الإلوهيمي) المعروفة باستخدامها اسم ألوهيم Elohim في إشارتها لله. إن J وE من الصعب فصلهما داخل النصّ، لذلك فإنهما يشيران دائماً إلى JE كمصدر واحد. والحرف D يصف مجموعة الأحكام والمباديء الموجودة في سفر التثنية Deuteronomy التي وُجدت عام 621 ق.م. ويعرف كاتبها باسم الكاتب التثنوي. أخيراً، فإن P يمثل الكاتب الكهنوتي. وكان هذا الكاتب هو آخر من جمع العهد القديم. ووضع اللمسات الأخيرة عليه. وتميز P باستخدام اسم ألوهيم الله وبأسلوبه اللاذع. «إن لغته هي لغة القانوني الضليع في القانون وليست لغة المؤرخ» (Driver, ILOT,12) ومن الضروري ألا يتم الخلط بين الوثيقة (P) والوثيقة (E) التي لها أسلوب مجدد ومتدفق.
وعندما تحَّددَ التاريخ الدقيق لها، نجدها قد كُتبت بنفس الترتيب مثل الحروف التي أُعطيت: J ، E، D، P. والفقرة التالية هي وصف شامل لخلفية وغرض كل كاتب:
J. أو الكاتب الذي استخدم كلمة يهوه كان أول كاتب جمع الأساطير، والخرافات، والأشعار معاً، وحتى القصص المعروفة من شعوب أخرى، مثل البابليين، وجعلها تاريخاً واحداً لشعب الله. إن بعض المصادر التي استخدمها J كانت التقاليد الشفوية، وبعضها كان مكتوباً من قبل. ولقد عاش هذا الكاتب المجهول في وقت داود وسليمان. ولقد اهتم بالحفاظ على التقاليد القديمة عندما أصبحت إسرائيل أمة وقوة عالمية، كانت تتصل بالأمم والأفكار الأخرى. وعندما كان J يخطط لعمله، فإنه يبدو أنه استخدم الإقرارات القديمة للإيمان أو العقائد التاريخية عن ما عمله الله لشعبه. وكمثال لهذا انظر (تثنية 26:5-10)، وحول هذه العقائد الأساسية، جمع قصصه. ودُعي هذا الكاتب أنه أول من استخدم يهوه كاسم لله ولقد عرفه الدارسون الألمان بأنه الكاتب الذي اكتشف كلمة يهوه بـ«J» أو الكاتب اليهوي.
E أو الذي استخدم كلمة «ألوهيم» أو الكاتب الإلوهيمي، كان ثاني كاتب جمع كل التقليد في تاريخ واحد. لقد كتب هذا التاريخ حوالي 700 ق.م، ربما عندما كان الأعداء يهددون المملكة الشمالية إسرائيل. ولقد استخدم E التقاليد التي تداولتها القبائل الشمالية، وبعض هذه التقاليد كانت هي نفس التقاليد التي استخدمها J، والتقاليد الأخرى كانت مختلفة. ولقد استخدم E اسم إلوهيم للإشارة إلى الله، في القصص التي كانت قبل موسى، وكانت يُعتقد أن اسم يهوه قد كُشِفَ لموسى. ولقد اهتم E اهتماماً خاصاً بموسى، انظر (تثنية34 :10-12)، كان E كاتباً جيداً للقصص، وخير مثال على ذلك قصة يوسف.
JE وهي كتابات هذين الكاتبين جُمعت معاً في تاريخ واحد بواسطة محرر غير معروف بعد خراب أورشليم، وفي بعض الأحيان فإن هذا الناشر احتفظ بما قاله E,J عن أي قصة، حتى لو اختلفت في التفاصيل. وفي أحيان أخرى فإنه كان يستخدم قصة تحتوي على الأفكار الرئيسية ثم يضيف لها تفاصيل من الكاتب الآخر. في خروج أصحاح 14، استُخدمت الأفكار الرئيسية من J، وأفكار قليلة من E. ومن آن لآخر كان المحرر يضيف جملاً من عنده.
P ربما كان كاهناً Priest أو مجموعة من الكهنة الذين عاشوا أثناء السبي البابلي، قد أوجدوا مجموعة مباديء عن القداسة للشعب، أي طرق العبادة والناموس الذي يجب أن يُطيعوه. إن مجموعة المباديء التي وضعها الكهنة كانت في البداية في كتاب منفصل. وفي وقت ما في القرن الرابع ق.م. تم إدماجها في أجزاء من كتاب JE. لقد كان هذا «كأنما أخذ شخص ما قصة دارجة من التاريخ الأمريكي وأدخل الدستور الأمريكي أو تشريعات الكونجرس في هذه القصة»، وعادة ما تكون المادة التي يكتبها ليست مجددة ومفعمة بالحياة كالأجزاء الموجودة في JE. إن الذين يكتبون التقليد الكهنوتي يهتمون بتفاصيل العبادة والذبيحة، في الناموس، وبتفاصيل سلسلة الأنساب في أماكن معينة وفي تواريخ معينة. وسبب اهتمامهم بإضافة هذه التفاصيل لقصص E,J هو حرصهم الشديد على إظهار تدخُّل الله. (Pederson, ILC, 11-14)
D أو Deuteronomy (الكاتب التثنوي) كان غرضه إصلاح ممارسات العبادة. ولم يكن P,J,E قد جُمعوا بعد في كتاب واحد عندما جُمع D. كتب دريفر، إنه كان بياناً رسمياً عظيماً، في مواجهة النزعات والميول التي كانت سائدة في ذلك الوقت. لقد أرسى خطوط إصلاح ديني عظيم. سواء كُتب في أيام الملك منسَّي التي كانت مظلمة، أو في السنوات التي كانت أكثر إشراقاً، أو في زمن الملك يوشيا الذي أعاد التأكيد علي المباديء الأساسية التي أصرَّ عليها موسى منذ مدة طويلة، وهي الإخلاص ليهوه ورفض الاعتراف بكل الآلهة المزيفة: لقد كانت هذه محاولة لكي تدرك بالممارسة أهداف الأنبياء خاصة هوشع وإشعياء، لتحويل شعب يهوذا الذي فسدت أخلاقه بواسطة الملك منسَّي إلى «أمة مقدسة» صوَّرتها رؤية إشعياء، لإحداث صحوة فيهم لكي يكرسوا أنفسهم لله، ولكي يحبوا الإنسان، وهذا هو ما اعتبره هوشع أول الوصايا الموجهة للإنسان. (Driver, ILOT,89)
ومن خلال أحاديثه كان هدف الكاتب التثنوي أن يمدهم بالدوافع التي يضمن بها الإخلاص لله.. يمكن أن يوصف سفر التثنية على أنه إعادة تشكيل نبوي، وتكيُّف للاحتياجات الجديدة مع التشريعات القديمة. إنه من المحتمل جداً أن حجم متطلبات الناموس في سفر التثنية هي بلاشك أكثر قِدماً من وقت المؤلف نفسه: ولكنه اهتم بالتعامل معها ودمجها في كتاب لإرشاد الناس، وتزويدهم بمقدمات وتعليقات تحذيرية (Driver, ILOT,91)
يعطي هربرت لينجستون ملخصاً رائعاً عن تواريخ الوثائق الأربعة لنظرية فلهوزن.
إذن كيف حددت نظرية فلهوزن تواريخ الوثائق الأربعة؟ بما أن الوثيقة D أُعلن أنها قد كُتبت في القرن السابع وأصبحت علنية في الإصلاح الذي عمله الملك يوشيا عام 621 ق.م، وأصبحت تلك الوثيقة ركيزة تلك الإجراءات ومن المقرر أن كاتب D عرف محتويات E,J، ولكنه لم يعرف محتويات P، من ثم، فإن E,J قد كُتبا قبل عام 621 ق.م، وP كتب في تاريخ لاحق.
فلنفترض، أن الوثيقة J، بأفكارها البسيطة يمكن أن يرجع تاريخها قبل E، والأطوار المبكرة للمملكة التي قُسِّمت يبدو أنها تعطينا خلفية تاريخية جيدة. ويمكن أن نناقش أنه في أيام J كانت مملكة يهوذا، كرد فعل لتأسيس مملكة شمال إسرائيل. إذن، فإن غرض J هو إعطاء يهوذا سند تاريخي يمكن أن يبرر مطالبة يهوذا وأورشليم بأن تكون مركز الحكومة في كل إسرائيل. وبالمثل، فإنه بفضل E تكوَّن النتاج التضادي لمملكة شمال إسرائيل التي أسسها سبط إفرايم، ليُبين أن لها تاريخاً سابقاً بالنسبة للآباء. وفي سفر يشوع جُعل مركز الحكومة في الشمال.
واستمرت النظرية في استنتاج أنه بعد تدمير المملكة الشمالية لإسرائيل في عام 721 ق.م. وشعر الرجال المتفتحي الذهن أثناء حكم الملك منسَّى (النصف الأول من القرن السابع ق.م) أن وثيقة E كانت ذات قيمة كبيرة، لذلك لا يجب فقدها، وعليه فإنهم أدمجوها في وثيقة J، وأصبحت وثيقة JE الجديدة هي الفرضية الجديدة ووثيقة D نقيضها. إن وثيقة D يُقال إنها انتصرت، واقعياً أثناء فترة السبي في بابل. على أي حال فإن «دستور القداسة» الذي له صلة بحزقيال أنشأ نقيضاً آخر DJ، وببطء، ربما لمدة قرن، فإن الكهنة في السبي وبعد ذلك في أورشليم، جمعوا معاً وثيقة P وجعلوها إطاراً لأسفار موسى الخمسة.
والخلاصة فإن وثيقة J يرجع تاريخها إلى ما بعد 900 ق.م بقليل، ووثيقة E بعد القرن التاسع قبل الميلاد بفترة طويلة. وقد وُضع الاثنان معاً حوالي 650 ق.م، وكُتبوا في حوالي نفس الوقت ونشروا عام 621 ق.م. وظهرت وثيقة P في القرن الخامس، وتكوَّنت أسفار موسى الخمسة في شكلها الحالي حوالي 400ق.م تقريباً. (Livingston, PCE, 228-29)
نتيجة التوكيدات السالفة، فإن الذين يدعمون الفرضية الوثائقية يرفضون أن موسى كتب الأسفار الخمسة.
فموسى الذي ربما يرجع تاريخه إلى حوالي 1400 ق.م يعتقد ظاهرياً أنه قد كتب أسفاره الخمسة.ولكن النقاد الوثائقيين يرفضون هذا التاريخ ويقولون إن هذه الأسفار الخمسة لم تكمل حتى وقت ما بين القرنيين الثامن والخامس ق.م.
إن الفرضية الوثائقية تبدي ارتيابها في إمكانية تصديق العهد القديم كله، وعلى الإنسان أن يقرر إذا كان ما يؤكدونه صحيحاً فإن العهد القديم هو خداع أدبي ضخم. فإما أن الله قد تكلَّم فعلاً لموسى ومن خلاله، وإما أن علينا أن نعترف أننا نمتلك خدعة أدبية يمكن وصفها بأنها فناً جميلاً.
إن الموضوع الأساسي ليس هو «وحدة أسفار التوراة الخمسة» ولكن «كيف حدثت هذه الوحدة؟»، بكلمات أخرى، إن القسم الأدبي الذي يحتوي على التكوين وحتى سفر التثنية هو رواية واحدة مستمرة. إن المسألة المحيرة جداً هنا هي، كيف أتت هذه الرواية المستمرة إلي حيز الوجود؟ هل هي كما تؤكد المسيحية التقليدية، وكما يعلم الكتاب المقدس، أنها كُتبت بواسطة موسى، أم أنها قد تمَّ تأليفها بعد سنوات فيما بعد؟. إن هذه المسألة تُبدي ارتيابها في موضوع جدارة يسوع بالثقة وكذا دقة الذين كتبوا العهد القديم والجديد وأمانة موسى نفسه.
لقد قدم ليفنجستون هذه الملاحظة الخطيرة:
غالباً نجد أن أي كتاب يؤيد هذه النظرية به جدول للأصحاحات والآيات تخصّ في الأصل كل وثيقة بالاستقلال عن الآخرين كذلك فإن كل الأجزاء المتبقية التي تُركت تُنسب بكثير من السهولة إلى المحررين أو الذين جمعوا المادة في النهاية. على أي حال فإننا يجب أن نفهم أنه ليس هنك مراجع أدبية، وليس هناك مخطوطات من أي نوع موجوده حالياً، التي تذكر وثائقJ,E,D, أو P إما بشكل منفرد أو كمجموعة. لقد تأسست هذه الفرضية بواسطة فصلهم عن بعضهم البعض، بمساعدة المعيار الذي ذُكر سابقاً، من النص الموجود فعلاً من أسفار التوراة الخمسة. (Livingston, PCE, 227)
واستمر ليفنجستون في ذكر نتائج تأييد نظرية الفرضية الوثائقية:
(أ) رفض نسب هذه الأسفار إلى موسى، وهناك أجزاء صغيرة من الأسفار
الخمسة تعَزي للفترة الموسوية.
(ب) بالنسبة لكثير من الدارسين الذين يقبلون وجهة نظر فلهوزن ، فإن الرجال والنساء
في أسفار التوراة الخمسة لم يكونوا بشراً حقيقيين - في أفضل الأحوال فإنهم كانوا
أبطالاً مثاليين.
(جـ) لا تعطينا أسفار التوراة الخمسة تاريخاً حقيقياً للأزمنة القديمة، ولكنها
بدلاً من ذلك تُظهر تاريخ المملكة المنقسمة في الجزء الأول من فترة ما بعد السبي.
(د) ولا واحد من الناس الموجودين في أسفار التوراة الخمسة كانوا يؤمنون بإله واحد،
وأن كهنة ما بعد السبي هم الذي جعلوهم يبدون وكأنهم مؤمنون بإله واحد.
(هـ) لم يتكلم الله مطلقاً لأي أفراد في الأزمنة القديمة. ولكن ذلك كان عمل الكهنة
الذين أهتموا بإعطاء ذلك الإنطباع.
(و) عدد قليل جداً من القوانين (النواميس) في أسفار التوراة الخمسة كانت قبل إنشاء
الملكية في الأصل.
(ز) عدد قليل من ممارسات الطوائف الدينية التي سُجلت في أسفار التوراة الخمسة كانت
قبل إنشاء الملكية، والكثير منها كان في فترة ما بعد السبي.
(ح) لم يكن عند الإسرائيليين الأول خيمة اجتماع كالتي وُضعت في سفر الخروج.
(ط) إن كل الإدعاءات في أسفار التوراة أن الله خلَّص إسرائيل وصنع معهم معجزات لم
تكن صحيحة.
(ي) أن مفهوم الوحدة الحالية للأسفار الخمسة ليس صحيحاً.
(ك) إن الشك الموروث في هذه النظرية يخلق فجوة من الشك عند الرجل العادي إلى الحد
أن أسفار التوراة الخمسة أصبحت عملياً لا فائدة منها له. (Livingston, PCE,229)
إن الفصول التالية سوف:
1- تقدم الدليل على أن موسى هو الكاتب الحقيقي للأسفار الخمسة.
2- توضِّح وتُفسّر تأكيدات الذين يؤيدون ويدافعون عن وينشرون الفرضية الوثائقية.
3- تعطي بعض الإجابات الأساسية لإدعاءات الفرضية الوثائقية.
القسم الثالث:
النقد الكتابي والعهد الجديد
في هذا الفصل سنقوم بفحص المعتقدات الأساسية لمدرسة نقد الشكل. كما سنقدم إجابات محددة للافتراضات والنتائج الأساسية.
إن نقد المصدر يمكن فقط أن يعود بالشخص إلى المصادر المكتوبة عن حياة المسيح، والتي يبدو أنها لا يمكن أن تكون قد كتبت قبل مرور 25 عاماً على الأقل من بعد الأحداث التي قاموا بتسجيلها. ولقد حدث نقل لهذا المحتوى بواسطة الكلام الشفهي حتى تمَّ تدوينه في شكل الأناجيل، ونقد الشكل يحاول أن يملأ هذه الفجوة التي تم فيها تناقل الروايات بواسطة النقل الشفهي.
يزعم نقَّاد الشكل أن الأناجيل تتألف من وحدات أو فصول صغيرة مستقلة. هذه الوحدات الصغيرة المنفردة تمَّ ترويجها ونشرها بشكل مستقل كل على حدة. ويعلِّم النقَّاد أن هذه الوحدات اتخذت تدريجياً شكل أنماط متنوعة من الكتابة والأدب الشعبي مثل الأساطير والحكايات والخرافات والأمثال.
وتبعاً لنقد الشكل، فإن تكوين وحفظ هذه الوحدات كان مصمماً ومحدداً على أساس احتياجات الجماعة المسيحية الأولى. بمعنى آخر، عندما كانت الجماعة تواجه مشكلة فإنها كانت تلجأ إما إلى اختلاق أو إبراز مقولة أو حادث ليسوع للتعامل مع متطلبات هذه المشكلة بالذات. ومن ثم فإن هذه الوحدات ليست شواهد أساسية على حياة المسيح ولكن بالأحرى يمكن اعتبارها معتقدات وممارسات الكنيسة الأولى.
هذا النقد يقترح أن كتَّاب البشائر لم يكونوا الكتَّاب الحقيقيين بقدر ما كانوا المحررين للأناجيل الأربعة. فلقد أخذوا الوحدات الصغيرة ووضعوها في إطار ظاهري لكي تساعد في الوعظ والتعليم. والتعبيرات مثل «في الحال» و«مرة أخرى» و«بعد أيام قليلة» و«بينما» و«بعد ذلك» كلها ليست تعبيرات تاريخية. لكنها في المقابل تقدم إطاراً زائفاً لدمج الوحدات أو الأحداث المنفصلة معاً. هذه التعبيرات التي تدل على الترتيب الزمني تخدم كأداة للربط بين هذه الوحدات الأدبية المتفرقة.
كانت مهمة نقد الشكل هي اكتشاف «قوانين التقليد» والتي تحكم عملية تجميع وتطوير وتسجيل هذه الوحدات المتفرقة. ثم ومع إزالة الإطار التحريري الزائف للترتيب الزمني الذي قدمه البشيرون، يشكِّل المحاولات النقدية لاسترجاع الشكل الأصلي للوحدات أو الفقرات وتحديد الغرض العملي الذي دفع الكنيسة الأولى للحفاظ علىها وتدوينها.
وبهذا المنهج كان من المعتقد أن المرء يستطيع أن ينفذ إلى ما وراء المصادر المكتوبة إلى حقبة التناقل الشفاهي، وتقرير أسباب ظهور أنماط مختلفة من الأحداث والتي صارت في النهاية جزءاً من الأناجيل». (Fitzmyer, MMOTGT,445)
وفي النهاية أضحى نقد الشكل أكثر من مجرد تحليل أدبي. بل تطور إلى تحليل تاريخي وبدأ في إصدار أحكام على مدى تاريخية فقرات أي وحدات متنوعة.
1(ب) إن نقد الشكل هو أساساً ترجمة للكلمة الألمانية Formgeschichte، ترجمتها الحرفية هي «تاريخ الشكل».
نقد الشكل هو دراسة أشكال الكتابة الأدبية والوثائق التي تحفظ التقليد المبكر. وتقدِّم افتراضاً أساسياً على أن الاستخدام المبكر والشفهي للتقليد صاغ المادة ونتج عنه تنويعة من الأشكال الأدبية التي وجدت في التسجيل النهائي المكتوب. ولذا فإن دراسة هذه الأشكال يسلِّط الضوء على حياة وفكر الناس الذين حفظوا التقليد. (Filson, FC,436)
2(ب) يقدم روبرت سبيفي ومودي سميث في كتابهما «تشريح العهد الجديد» تعريفاً جديداً لمنهج نقد الشكل باعتباره «تصنيف الأشكال التي تم تجميع التقليد فيها وخاصة التقليد الإنجيلي قبل أن تدوَّن، ومحاولة تحديد خلفية حياة الكنيسة التي يمثلونها». (Spivey, ANT, 463)
3(ب) كما يلاحظ ب.ريدليش وهو ناقد للشكل:
نقد الشكل هو منهج للدراسة والفحص يتعامل مع مرحلة ما قبل الكتابة لتقليد الإنجيل،
عندما كانت المادة يتمّ تناقلها شفهياً. وهو يهدف إلى اكتشاف أصول وتاريخ المادة
المتمثل في الروايات والأقوال التي قامت عليها الأناجيل، وإلى تفسير كيف اتخذت
الروايات والأقوال الأصلية شكلها الحالي في الأناجيل. كما أن نقد الشكل مهتم
بالعمليات التي تؤدي إلى صياغة وتكوين الأناجيل. (Redlich,FC,9)
يعدد لورنس ماكجينلي خمسة مباديء أساسية لنقد الشكل:
1- الأناجيل المتوافقة (الأزائية) هي مؤلفات مركبة وشائعة ذات طابع أدبي مميز.
2- وهي تصور عقيدة المسيحيين الأوائل الذين اختلقوها ولكنها لا تصور حقيقة يسوع التاريخي.
3- وهي تجميعات ظاهرية لوحدات منعزلة ومتباعدة من التقاليد.
4- هذه الوحدات بها في الأصل شكل أدبي محدد يمكن استبيانه.
5- وهذا الشكل تم إبداعه من خلال موقف اجتماعي محدد. (McGinley,FCSHN,4)
4(ب) يعرف ج.أ. لادد نقد الشكل بما يلي:
إن «نقد الشكل» يهتم بدراسة الأشكال الأدبية المتنوعة التي يفترض أنها التقليد
الشفهي الذي تمَّ تناقله من فم إلى فم. وخلف هذه الدراسة تكمن الفرضية أن ثمة
قوانين محددة للتقليد الشفهي عندما يتم تطبيقها على الأناجيل سوف تقود إلى استعادة
الشكل الأول والأقدم للتقليد. وبدراسة متعمقة لهذه الأشكال فإنها تقود إلى الخلاصة
النقدية التي تقول بأن محتوى الأناجيل في مراحلها المبكرة كان يعتمد على التناقل
الشفوي كوحدات وحكايات وقصص وأقوال وتعاليم وأمثال غير متصلة. وكل وحدة من التقاليد
لها تاريخها الخاص في الكنيسة. إن الموجز التاريخي لأعمال يسوع كما هو موجود في
إنجيل مرقس ومجسَّد بشكل كبير في متى ولوقا ليس جزءاً من هذا التقليد، ولكنه من
اختلاق مؤلف الإنجيل الثاني، الذي قام بجمع الكثير من وحدات التقليد، وابتدع موجزاً
تاريخياً لأعمال يسوع، واستخدم هذا الموجز كخيط روائي يمكن من خلاله تقوية العلاقة
بين الجزيئات المنفصلة من التقاليد المستقلة. وهذا يعني أن الإشارات التي تدل على
التتابع الزمني والمكاني وما يماثلها في الأناجيل هي إشارات غير أًصيلة تاريخياً
على الإطلاق وغير جديرة بالثقة، ومن ثم يجب تجاهلها من قِبَل نقَّاد الإنجيل
الجادّين. وكنتيجة لذلك نحن لا نملك في الحقيقة سجل حياة أو «سيرة حياة» يسوع، ولكن
فقط مجموعة من الحكايات والتعاليم المنفصلة التي تم ربطها معاً بأسلوب غير تاريخي
وسطحي (Ladd, NTC, 144-145)
5(ب) أما رودلف بولتمان وهو ناقد راديكالي
للشكل فيوضِّح المدخل لنقد الشكل في قوله:
منذ ما يزيد عن أربعين عاماً الآن، ودارسو العهد الجديد على دراية بوجود مدرسة
للبحث في الإنجيل تعرف باسم نقد الشكل - أو بدقة أكثر تاريخ الشكل Form History
ولقد كرَّست هذه المدرسة اهتمامها على تحليل الوحدات المكونة التي بنى التقليد على
أساسها الأناجيل المتوافقة وهي تسعى إلى دراسة التقليد الشفهي في مرحلة سابقة
لتبلوره في الأناجيل، أو حتى في المصادر التي تأسست عليها الأناجيل، سواء كانت
وثائق مكتوبة أو حلقات من التقليد المتكرر - مثل التقليد (Q) وهو مخطط تمهيدي يشرح
خدمة يسوع، هذا المخطط كان قد سبق إنجيل مرقس. كما أنه يدرس التتابع في الروايات
والمحتويات الخطابية والروايات العاطفية وغيرها. (Bultmann, FC,7)
ويستمر في شرحه: يبدأ نقد الشكل مع إدراك أن التقليد الذي تضمنته الأناجيل المتوافقة يتكون في الأصل من وحدات منفصلة، تم جمعها معاً تحريرياً بواسطة كتَّاب البشائر، ومن ثم فنقد الشكل مهتم بتمييز واستخراج وحدات التقليد هذه، وكذلك اكتشاف أول وأقدم أشكالها وأصولها في حياة المجتمع المسيحي المبكر. إن نقد الشكل ينظر إلى الأناجيل كتجميعات (أو مجموعة مقتطفات) لهذه المادة الأقدم. ولكنه أيضاً يدرس الأناجيل باعتبارها أعمال كاملة سعياً لتقدير وتحديد حجم الأنشطة الأدبية لكتَّاب البشائر ولاكتشاف الدوافع اللاهوتية التي قادتهم وأرشدتهم. (Bultmann, FC,3,4)
2(أ) أهداف نقد الشكل
يلخص ر.هـ ليتفوت أهداف نقد الشكل:
هذه المدرسة تذكِّرنا أن الكنيسة الأولى بلاشك اعتادت أن تعبِّر عن نفسها بأسلوب أدبي. وهي تعتقد أولاً، أنه في السنين الأولى لم يتمّ تناقل ذكريات وتقليد الكلمات والأعمال الخاصة بيسوع سوى من خلال التناقل الشفهي من فم لفم. وثانياً، هذه التقاليد والذكريات ليس لها قيمة كبيرة (كما كنا نتوقع) في ذاتها، لكن أهميتها تكمن في حلّ المشكلات المتصلة بحاجات الكنائس الوليدة. كما تعتقد هذه المدرسة أن هذه الحاجات كانت منصبَّة في معظمها على الإرساليات التبشيرية، والتعاليم الكرازية، وتأسيس القناعات، وكذلك توضيح معنى الحياة المسيحية، ودحض الاعتراضات من قِبَل اليهود أو غيرهم، وربما تأتي العبادة فوق كل شيء. وهي تؤمن علاوة على ذلك أن هذه التقاليد والذكريات سوف تظهر في المقام الأول في شكلين: الشكل الأول: القصص القليلة المتفرقة، والشكل الثاني: أقوال يسوع سواء في تجميعات متجمعة أو صغيرة، وكلاهما سوف يتخذ تدريجياً صيغة متجمعة بشكل كلي أو جزئي، ومن خلال التكرار المستمر في الكنائس. وبغض النظر عما هو صحيح من الأقوال، فسوف تحاول القصص تشكيل نفسها على مثال القصص المشابهة عن المعلمين والقادة في العالم اليهودي أو الهيلِّيني. وأخيراً، تقترح هذه المدرسة أن كثيراً من هذه التقاليد السابقة للتدوين مازال يمكن تمييزها في الأناجيل المكتوبة التي بين أيدينا وخاصة إنجيل مرقس، وإلي حد ما يمكن تصنيفها تبعاً لطرازها أو شكلها، ومن هنا اشتق اسم هذه الدراسة الجديدة. (Light foot, HIG,30-31)
يقدِّم مارتن ديبليوس تفسيراً لذلك: «إنها تحاول أن تملأ الفجوة في العهد الجديد بواسطة الأساسات المشتركة التي تقوم عليها عقيدة يسوع المسيح ورواية يسوع الناصري». (Dibelius, GCC,18)
ويضيف مستشهداً بأحد أهداف منهج نقد الشكل، في المقام الأول بإعادة بناء وتحليل، تسعى لتفسير أصل التقليد الذي يتحدث عن يسوع، وبعدها بواسطة الاختراق إلى فترة سابقة للفترة التي سُجِلت فيها الأناجيل والمصادر المكتوبة. (Dibelius, FTG,Preface)
ويقول ديبليوس: «إنها تسعى لتوضح المغزي والاهتمام الحقيقي لأقدم التقاليد لنا لكي نعرف بموضوعية القصص التي كانت ترويها الكنيسة الأولى عن يسوع، وتتناقلها من فم لفم كروايات مستقلة أو تنسخها من بردية لبردية. وبنفس الطريقة يجب أن نختبر أقوال يسوع، ونسأل عن القصد والغرض الذي جعل هذه الكنائس تجمعها، وتتعلم منها، وتدونها. (Dibelius, FTG, Preface)
أكد رودلف بولتمان أن «المبدأ المركزي لنقد الشكل قد تمَّ تأسيسه بالكامل، بمعنى أن التقليد الأكثر قِدَماً للإنجيل تناقل شفوياً داخل الكنيسة التي كان التقليد يخدم احتياجاتها الروحية. وهذا التقليد بدأ يتجمع تدريجياً إلى مجموعات وكتل أو متتابعات وأخيراً أناجيل. (Bultmamn, FC,9)
وهو يشرح أن نقد الشكل قد تطور حتى أصبح «محاولة لتطبيق على الأناجيل مناهج نقد الشكل التي طبقها جونكل وتلاميذه بالفعل على العهد القديم. وهذا يتضمن اكتشاف حقيقة الوحدات الأصلية من الأناجيل المتوافقة، بما فيها الأقوال والقصص، سعياً لإدراك ماذا كان وضعهم التاريخي، وهل ينتمي إلى تقليدي أساسي أم ثانوي أو أنه ناتج عن التنقيح». (Bultmann, HST,2-3)
3(أ) المنهجية
يسجل فينسنت تايلور الخطوات التي يتم اتخادها في نقد الشكل:
1- تصنيف المادة تصنيفاً شكلياً.
2- استرجاع الشكل الأصلي.
3- البحث عن المواقف الحياتية. (Taylor, FGT,22)
يلخص روبرت مونسي إجراءات نقد الشكل بالأسلوب التالي: يبدأ الناقد الشكلي أولاً في وضع قوائم بالطرز المتنوعة للأشكال التي يمكن تقسيم روايات الكتاب المقدس إليها. ثم يحاول تحديد الموقف الحياتي أو الموقف في الحياة الخاص بالكنيسة المبكرة الذي يعتبر السبب وراء تطور كل نص من النصوص الموضوعة في هذا التصنيف. هل كان الخوف من الاضطهاد؟ هل كان حركة الكنيسة الأممية خارج السيطرة اليهودية؟ هل كان وراء ذلك هرطقة؟ وهكذا...إلخ.
وبعد تحديد الموقف الحياتي، يمكن بعد ذلك احتساب التغيرات التي حدثت ونزع وتجريد الأجزاء التي أضيفت إلى أقوال يسوع. والنتيجة هي عودة أقوال الإنجيل إلى وضعها الأصلي أو استبعادها. (Mounce, I)
1(ب) الخلفية
تأسست مدرسة نقد الشكل في ألمانيا في السنوات التي أعقبت انتهاء الحرب
العالمية الأولى. (Redlich, FC,16)
يشرح فلويد فيلسون التاريخ المبكر لنقد الشكل الخاص بالأناجيل المتوافقة:
لقد ظهر جلياً كمنهج قاطع في أعمال شميدت عام 1919، وم. ديبليوس 1919، وبولتمان عام 1921، والعلماء الثلاثة مازالت أعمالهم سائدة في هذا الحقل الدراسي. وقد بنيت على الأساس الذي وضعه العديد من الرواد، مثل دراسات أولريك للقصص الشعبية، وتحديد جونكل للتقليد الشفوي الذي ظهر في العهد القديم، واهتمام فلهوزن النقدي بالموضوعات الفردية في تقليد الإنجيل وللمراحل المبكرة لهذا التقليد، ودراسة نوردن للأسلوب النثري وخطابات التبشير، إلخ. وقد قامت النظرية على مبدأ أن المصادر المكتوبة لا يمكن أن تملأ الفجوة بين يسوع وبين الأناجيل المكتوبة. ولذلك تطلب الأمر دراسة فترة التقليد الشفهي. (Filson, FC.436)
كان العلماء البارزون في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى في المانيا من بينهم برنارد فيس، هولتزمان، وفردي، وچوهانيس لميس، فلهوزن، وجونكل، وروندلاند. (Redlich,FC,16)
في هذا المجال من نقد الشكل يقدم استون بعض المؤلفين البارزين وكتاباتهم: المؤلفون على التوالي، مارتن البرتز، ورودلف بولتمان ومارتن ديبليوس وكارل لودفيج شميدت. وبينما أعمالهم على قدر كبير من التنوع، فإن كل ما يربطهم هو الجهد الجوهري في سعيهم لتحديد طبيعة التقليد الأول للإنجيل بدقـة وتقرير بعـض القوانين التي تحكم تكـوين وانتقال هذا التقليد. (Easton,CG,28-29)
ومن بين نقَّاد الشكل البارزين أيضاً نينهام ليتفوت.
البعض ممن أقل راديكالية في مدرسة النقد الشكلي من بينهم فردريك جرانت، وس.هـ. دود، و.ب.س. استون وفينسنت تايلور، هؤلاء الرجال تأثروا بأفكار بولتمان ورفاقه، كما هو واضح في كتاباتهم واستخدامهم لنفس المصطلحات أو مصطلحات شبيهة بتلك المدرسة. (Gundry, IFAFC,2)
ويواصل رودلف بيش شرحه للتطورات المبكرة لمدرسة نقد الشكل ويقول: «مع بدايات القرن العشرين أعلن فيتس بوضوح أن أبحاث الأشكال الأدبية الخاصة بالأناجيل والمجموعات المستقلة من المواد التي بداخلها كانت واحدة من «مهام الأبحاث العلمية الحديثة على العهد الجديد». ولكن العالم ج.هيرور كان قد سبقه للمرة الأولى في إدراك المشكلات التي تتواجد في بحوث نقد الشكل على الأناجيل. وهناك شخص آخر سبقه في حوالي نهايات القرن التاسع عشر كان ف. اوفريك الذي دعا «تاريخ الأشكال» لـ«الأدب البدائي (القديم) للمسيحية». وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدأ العالمان الكلاسيكيان فيندلاند ونوردن في أبحاث نقد الشكل على العهد الجديد في اتجاهات محددة ومهمة، وبعد الحرب بدأت فعلياً مرحلة مدخل نقد الشكل. (Pesch, FC, 337-338)
ويقول مويل أنه يبدو أن الدافع الجديد قد جاء أولاً من العمل في الفلكلور (القصص الشعبية) خاصة في العهد القديم، من خلال باحثين من الدول الاسكندنافية وألمانيا، الذين اهتموا بأبحاث القواعد الخاصة بالتناقل الشفوي. وهم يسألون عما حدث بالفعل للقصص عندما تم تناقلها من فم إلى فم في جماعة غير مطَّلعة على الكتابة والأدب؟ وتدريجياً ظهر مبدآن مهمان على الأقل للرد عليهم: الأول، يقوم على أنه من خلال فحص قدر كبير من الأمثلة، يمكن للمرء أن يميز أكثر الأشكال التقليدية أو الأشكال التي تتخذ في القصص في مراحل متعاقبة من الانتقال لتكون قابلة - بدرجة ما من الدقة - أن تزيل الشكل الأخير من قصة ما بواسطة نوع من العمليات أشبه بتقشير البصل، حتى تصل إلى أكثر أشكالها قِدَماً وتأصلاً. وثانياً، من الخطأ أن نتعامل مع نوع الوثائق المكتوبة والتي تخضع الآن للدراسة وكأنها «وثائق أدبية» طالما أن التأثير الجمعي للجماعات كان بشكل عام أكثر أهمية من أي فرد في صياغة القصة بل وحتى في تشكيل وقولبة الوثيقة بأكملها. (Moule,FCPS,87)
أما ف.ماكنيت في دراسته القصيرة ولكنها شاملة عن نقد الشكل: «ما هو نقد الشكل؟»، فيمدنا بمعلومات خلفية إضافية فيما يتعلق بالأوضاع التي نصل إليها عبر نقد المصدر: مع الربع الأول من القرن العشرين وصلت الدراسات النقدية للأناجيل المتوافقة إلى المواقف التالية: (1) تمَّ قبول فرضية (الوثيقتين) وأصبح مرقس والوثيقة التي تحمل عنوان (Q) هما المصدر لإنجيلي متى ولوقا.
(2) لقد تأثر مرقس وكذلك (Q) وأيضاً متى ولوقا بوجهات النظر اللاهوتية الخاصة بالكنيسة المبكرة.
(3) لا يحتوي مرقس و(Q) على الكتابات القديمة الأصلية (الحقيقية) فقط، ولكنهما يحتويان أيضاً على كتابات من تاريخ لاحق. (Mcknight, WFC, 9-10)
2(ب) التاريخ
وضع باترسون في مقال له بعنوان «تأثير نقد الشكل على دراسة عقيدة
المسيح (الكريستولوچي)» شرحاً وافياً لتاريخ نقد الشكل. (Encounter, Winter, 1970)
لاحظ دونالد چوثري أن ثمة ارتفاع جدير بالملاحظة في مدى قبول نقد الشكل. وهو يلاحظ أن كثيراً من التأثيرات ساعدت على إنتاج والحفاظ على هذه الحركة، ومن بين هذه التأثيرات:
1- نقاط الضعف في نظرية نقد المصدر. ولكونها نقد أدبي ونقد مصدري حدَّت نفسها في حدود الوثائق المتاحة. وعند دراسة متى ولوقا فشل الناقد المصدري أن يتعامل مع الفترة التي تمتد من 20 إلى 30 عاماً التي تأتي بين موت يسوع واللحظة التاريخية التي ظهرت فيها هذه المصادر المكتوبة. أما نقاد الشكل فهم يحاولون وضع هذه الفترة الزمنية في حسبانهم.
2- البحوث الكبيرة عن مدى الصحة والدقة التاريخية لمرقس، فقد بدأ فيلهام فريدي هذا الاتجاه من خلال نظريته «السر المسياني» التي تقول إن مرقس كتب إنجيله بهدف نقل رسالة إعلان مسيانية يسوع أو «السر المسياني».
وفيما بعد تقدم فلهوزن باقتراح فكرته القائلة بأن التقليد الأصلي أو الأول في مرقس تعرَّض للمزج بكتابات إضافية من مؤلفي الإنجيل. كما اعتمد بشكل كبير على التفكير المسيحي لهذه الفترة.
3- الرغبة في تحديث الأناجيل، لأن رؤية القرن الأول للعالم لم تعد سائدة، تبعاً لنقَّاد الشكل. فلذلك ظهرت رغبة جادة بين اللاهوتيين لتحديث الإنجيل حتى يلائم العالم في القرن العشرين.
4- إن محاولة وضع المواد المكتوبة في حالتها الأصلية، هذا الاندفاع لوحظ من قبل في دعوة نقَّاد الشكل إلى البحث عن خلفيات الإنجيل. (Guthrie, NTI, 188,195)
1(ب) مارتن ديبليوس
مارتن ديبليوس هو مؤلف «من التقليد إلى الإنجيل» «مدخل جديد للعهد الجديد
والكتابات المسيحية المبكرة» و«نقد الإنجيل والكريستولوچي» و«يسوع» وأعمال بارزة
أخرى. وقد كان واحداً من أشهر نقاد الشكل الأوائل، وفيما يلي عرض موجز لمدخله لنقد
الشكل.
هو يعلِّق أولاً بأن «عند الاهتمام بإجراء بحث في تاريخ شكل الأناجيل، يجب علينا أن نهتم قبل كل شيء وأهم من أي شيء بقطاع واحد من الكتابات المسيحية المبكرة وهو بالتحديد الأناجيل المتوافقة. (Dibelius, FTG,2)
ويواصل شرحه قائلاً: «إن الفهم الأدبي للأناجيل المتوافقة يبدأ مع إدراك أنها عبارة عن تجميعة من الكتابات والمواد، والقائمون بإعدادها لا يمكن اعتبارهم مؤلفين إلا في أضيق الحدود. بل هم بالدرجة الأولى ليسوا سوى جامعين أو محررين. وقبل كل شيء فإن عملهم يختص بكتابة وتجميع وتحرير الكتابات أو المواد التي وصلت إليهم. (Dibelius, FTG,3)
ثم يعلن ديبليوس هدفه الشخصي في نقد الشكل: «لقد حدانا الأمل أن نكون قادرين على اختبار وفحص مدى مصداقية وأصالة التقليد الخاص بحياة يسوع عن طريق توظيف المعايير الجديدة والأقل تحيزاً أو ذاتية، وذلك للهروب من الأحكام العشوائية الاستبدادية الخاصة بالمعالجة النفسية لحياة يسوع. وأخيراً إلى حد ما لتأسيس معرفة وطيدة أكثر ثباتاً بكلمات وأعمال يسوع». (Dibelius, CGNTS,42)
وهو يفسِّر بأن «أول فهم ينتج عن وجهة نظر (نقطة استشراق) نقد الشكل هو أنه لم يوجد أبداً شهادة تاريخية نقية عن يسوع. وكل ما قيل عن كلمات يسوع وأعماله كانت دائماً شهادات تعبِّر عن عقيدة تم صياغتها من أجل التبشير والوعظ سعياً لهداية غير المؤمنين وتأكيد إيمان المؤمنين. المسيحية لم تؤسس على أساس العلم والمعرفة بعملية تاريخية حدثت في الواقع، وإنما الثقة بأن مضمون القصة كان هو الخلاص: البداية الحاسمة للنهاية». (Dibelius, FTG,295)
يعتقد ديبليوس أن الأناجيل لم تقصد أن تصوِّر شخص يسوع المسيح، وفي هذه الحالة لا ينبغي أن نفحص التقليد الذي حفظ في الأناجيل. ولكن إذا بحثنا في الأناجيل، عن معلومات تتعلق بشخصية وسمات المسيح فلن نجد أياً منها. وبواسطة استخدام أساليب البحث العلمانية، وعدم الوصول بها إلى أي إجابات، فهنا يجب علينا أن نستنتج أن التقليد لم يكن مكتوباً. (Dibelius FTG,300)
ينعكس غنى المسيحية الأولى في الأشكال المتعددة للتقليد الإنجيلي. لقد كان الشكل يتم تحديده بناءً على متطلبات الكنيسة التي تظهر أثناء العمل التبشيري والوعظي. (Dibelius, FTG,287)
لقد كانت الكنيسة الأولى كنيسة مرسلة، وكان الغرض التبشيري هو السبب وأما الوعظ والتبشير فكانت هي الوسيلة لنشر وإعلان في كل مكان ما كان تلاميذ يسوع يمتلكونه من ذكريات. (Dibelius , FTG,13)
الذي دفع الكنيسة الأولى، لمثل هذا النشر والوعظ بالتقليد كان عمل التبشير بواسطة الذين شعروا أنهم ملتزمون به كهدف مرسلي. (Dibelius, FTG,13)
عندما يتحدث ديبليوس عن الوعظ، فهو يؤكد «أن الأشكال المتاحة من الدعاية المسيحية التي تشمل الوعظ المرسلي، والوعظ أثناء العبادة والوصايا. وهذه الإرسالية المسيحية في العالم كانت السبب المبدئي لكل هذه الأنشطة المختلفة». (Dibelius, FTG,15)
ثمة رواية واحدة فقط كاملة تتعلق بجزء من حياة المسيح وهي «قصة آلام المسيح» والهدف الأساسي لقصة آلام المسيح تبعاً لديبليوس لم تكن لتأكيد القصة ولكن لتوضح أن ما حدث من آلام حدث بإرادة الله. (Dibelius, FTG,186)
أما باقي مجموعات التقليد الأخرى فتتواجد بلا أي رابطة تربطها بباقي المجموعات.
بإيجاز، نرى أن ديبليوس يتحدث عن تكوين وشكل التقليد الإنجيلي:
«عندما نقتفي أثر التقليد ونرجع معه إلى مراحله الأولية، لا نجد أي وصف لحياة يسوع، ولكن فقط فقرات قصيرة. وهذه هي الفرضية الأساسية لمنهج نقد الشكل». (Dibelius, GCC,27)
2(ب) رودلف بولتمان
هو استاذ جامعة سابق في دراسات العهد الجديد في عدة جامعات. تقاعد عن الأستاذية في
عام 1951، ولكنه استمر في تأثيره العالمي تبعاً لإسهاماته البارزة في مجال الدراسات
النقدية المعاصرة للعهد الجديد. قام بولتمان بتأليف العديد من المؤلفات يشرح
فيها وجهة النظر الخاصة بنقد الشكل. ونذكر منها «تاريخ التقليد المتوافق»، «يسوع
والكلمة»، «لاهوت العهد الجديد» وأيضاً، «يسوع المسيح وعلم الميثولوچيا (علم
الأساطير)».
1(جـ) وفيما يلي نقدم مجموعة مختارة من الفقرات عن
بولتمان أو على لسانه:
يعلِّق كلاس رونيا على التأثير الذي أحدثه بولتمان على العالم:
لقد كان برنامج بولتمان يمتلك تأثيراً ضخماً على لاهوت ما بعد الحرب. فتقريباً كل اللاهوتيين الألمان الكبار اليوم هم تلاميذ سابقون له، أو على الأقل تأثروا بشدة بأسلوب تفكيره. وفي الولايات المتحدة الوضع مشابه بل ربما هناك أفكار أكثر راديكالية دافع عنها بول تيليك ومرة ثانية يجب أن نقول إن الكثير من اللاهوتيين الكبار ينتمون إلى مدرسته. بل يذهب البعض أبعد من ذلك ليقولوا «إن الفكرة التقليدية عن الله، التي تستمد من الكتاب المقدس، قد ماتت». (Runia, MDAB,13)
ويستكمل رودلف بيش: «إن بولتمان الذي تأثرت أفكاره بقوة شديدة بالدين المقارن والنقد التاريخي، هو من صاغ الحقيقة القائمة على أن الكتابة الأدبية التي تعكس حياة جماعة محددة - حتى لو كانت الجماعة المسيحية المبكرة - هذه الكتابة تنبع من ظروف وحاجات اجتماعية محددة بدقة، ينتج عنها أسلوب محدد بدقة وأشكال وفئات دقيقة تماماً». (Pesch, FC, 338)
ويلاحظ هـ.ن. ريردربوس أن مدخل بولتمان لدراسة العهد الجديد يقوم على مقارنته بالأديان غير المسيحية ومدى تطورها، هذا المدخل يسمى بمنهج تاريخ الدين. (Ridderbos,B,12)
وقد اشتهر بولتمان بمنظوره التشككي تجاه الأناجيل، ولقد توصل إلى أن المرء لا يمكنه سوى تأكيد عدم يقينية ما وصل إلينا من معرفة عن شخص وعمل يسوع التاريخي وبالمثل عن أصل المسيحية. (Bultmann,FC,20)
يشرح بولتمان تطور نقد الشكل بقوله إن: أشكال التقليد المكتوب يجب أن تُستخدم لتحديد التأثيرات التي تعمل في حياة الجماعة، وحياة الجماعة يجب أن تُستخدم لكي نستخلص منها الأشكال نفسها بوضوح. (Bultmann,HST,5)
ويناقش بولتمان منهجه: «الخطوة الأولى هي التمييز بين المادة التقليدية التي استغلها البشيرون وإضافاتهم التحريرية». (Bultmann, FC,25)
2(جـ) قليل من التعليقات والنقد
يشير لادد أن أحد مناهج بولتمان الأساسية في إعادة تنظيم التاريخ
المبكر للفكر المسيحي وتأسيس مادة ذات مصداقية تاريخية عن يسوع هو «المنهج الديني
المقارن».
«هذا المنهج تبلور في الدراسات الألمانية والتي تزعم بأن أي ظاهرة دينية محددة يجب أن تقيم تفهَّمها عن طريق المصطلحات النابعة من بيئتها الدينية. (Ladd, NTC,8)
لاحظ شوبرت أوجدن في كتابه «المسيح بلا أساطير» أن الخطوة الأولى في النقد لأطروحة بولتمان هي إظهار أن معناها بالكامل ربما يتم اختزاله في اقتراحين فقط (1) إن تفسير الإيمان المسيحي بصورة شمولية هو السبيل الوحيد لليقين التاريخي سواء كان ذلك يتم توضيحه بنحو كاف أم لا بواسطة تحليل فلسفي ملائم.
(2) الإيمان المسيحي يمكن إدراكه فعلياً، فقط من خلال الحدث التاريخي الخاص بيسوع الناصري والذي هو الحدث الأصلي للكنيسة وما فيها من كلمات وطقوس مميزة.
والخطوة الثانية في النقد تكمن في البرهان أنه كما أبرز بارت وبوري وغيرهما، فإن هذين الاقتراحين بينهما تعارض وتنافر متبادل. (Ogden, CWM,111)
يشرح ادوارد ألوين وجهة نظر بولتمان لما نستطيع أن نعرفه عن يسوع بهذه الطريقة: (من هو الرجل يسوع؟) إنه شخص مثلنا وليس صورة أسطورية، وهو لا يمتلك إشعاعاً مسيانياً، إنه رجل حقيقي ولكنه رجل فقط، معلم ونبي، عمل لفترة وجيزة وتنبأ بالنهاية الوشيكة للعالم ومجيء ملكوت الله، كما أنه جدد بقوة أكثر احتجاج أنبياء العهد القديم العظام ضد التقيد بالشريعة والعبادة الطقسية الشكلية لله. ويسوع أسلمه اليهود إلى الرومان فصلبوه. ولكن أي شيء آخر عنه فهو غير مؤكد ومشكوك فيه بل وأسطوري. (Ellwein, RBIK,34)
أما دونالد جوثري فيحدد السبب الباطن الذي يكمن وراء لاهوت بولتمان وذلك في كتابه «مقدمة للعهد الجديد»:
إن محاولات بولتمان لتنقية النص من الخرافات، قادته إلى البحث عن مدخل إلى الأناجيل يحرره من الحاجة إلى برهان تاريخي. فقط ما يسمى بـ«الأكثر بساطة» من وجهة نظره، هو أن يلجأ للإيمان. كما أنه حثَّ أكثر على هذا المدخل غير التاريخي من خلال التزامه بالفلسفة الوجودية. حتى أنه نتيجة تأثره العميق بالفيلسوف هيدجر، أكد بولتمان أن أهم عنصر في الإيمان المسيحي كان الصدام الوجودي مع المسيح. (Guthrie, NII,93-94)
ويذكر مارتن مارتي بإيجاز الاستجابات المختلفة تجاه بولتمان:
لقد كان بولتمان هو أعظم عالم في العهد الجديد في القرن العشرين، وهذا أيضاً ما يقوله الكثيرون من زملائه ومنافسيه. لا، بل أن بولتمان قد عكَّر ماء اللاهوت بأن ربط نفسه بالفلسفة المشوهة للفيلسوف هيدجر، هذا ما يقوله معظم المعارضين لفلسفة هيدجر وهم كثيرون. وهناك صوت آخر، يأتي من حزب لوثري كبير في ألمانيا، عن زميلهم اللوثري، رودلف بولتمان أنه كبير مهرطقي القرن العشرين. (Marty,F,10)
3(ب) فينسنت تايلور
فينسنت تايلور، أحد أكبر نقَّاد الشكل، كان بالفعل انتقادي تماماً في الدراسة
التي كان يقوم بها. كان العمل الأساسي لتايلور في تعامله مع مجال نقد الشكل
هو كتاب «بنية تقليد الإنجيل» والذي ظهرت أول طبعة له سنة 1935، في هذا العمل
يعلِّق تايلور على ما توصل إليه أنه نقاط القوة والضعف الأساسية في نقد
الشكل. وهو لا يحتفظ بالشكوك التاريخية الخاصة ببولتمان.
مبدئياً، يتفق تايلور مع نقِّاد الشكل فيما يتعلق بافتراضاتهم الأساسية:
يبقى لنا أن نعتبر الافتراض الأساسي لنقد الشكل، والذي يقوم أساساً على أن التقليد الأقدم يتكون من وحدات صغيرة متفرقة لا تجمعه صلات مكانية أو زمنية. بالإضافة إلى ذلك، طالما أن السؤالين متلازمان للسؤال عن المكان المقترح لإعادة تجميع شهود العيان. ومع إنجيل مرقس نجد أنه من المستحيل أن ننكر أن التقليد الأقدم كان بالأكثر عبارة عن قدر كبير من الشذرات. (Taylar, FGT,38-39)
وفيما يتعلق بالتقليد الشفوي كما قدمه ديبليوس وبولتمان، يميل تايلور للاتفاق معها:
يستند نقد الشكل في عمله على مبدأ أن مواد الأناجيل المكتوبة يمكن تقسيمها إلى مجموعات على أساس الاختلاف في الهيكل والشكل، وهذه الاختلافات تقدم لنا المفاتيح للأساليب التي تقدموا فيها في فترة ما قبل الكتابة. هذه الاختلافات تنشأ من الأساليب التي استخدمت فيها أجزاء الأناجيل في الحياة اليومية للكنيسة، كمادة للوعظ وللدعاية التبشيرية. (Taylor, MGT, 470-471)
وفي الإشارة إلى هذا الموضوع الجوهري الذي يتعلق بمدى ما اختلقته الجماعة المسيحية الأولى وعلاقته بالقصة الواقعية لسيرة الحياة، يقدم تايلور هذا الافتراض:
هناك عدة أسباب يمكن افتراضها فيما يتعلق بالحاجة إلى الاهتمام بسيرة الحياة. أولاً، المسيحيون الأوائل كانوا من أصول متواضعة، لم يكونوا رجالاً مثقفين وبالتالي لم يواجهوا المشكلات التي تواجه المؤرخ. علاوة على ذلك أن عيونهم كانت مركزة على السماء الجديدة والأرض الجديدة التي يؤمنون أن المسيح سرعان ما سيجلبهما. إنهم لم يعرفوا أنه بعد تسعة عشر قرناً أخرى نحن مازلنا نفتقر إلى الاكتمال أو التحقق من القصص التي ذكروها: لا يوجد ما كان سيدهشهم أكثر من ذلك. لقد كانت آمالهم مركزة على المستقبل الأخروي ، فما حاجتهم إلى تسجيل الماضي؟ مرة ثانية أؤكد أن تكوين التقليد الخاص بيسوع كان بشكل كبير عملية اشترك فيها الكثيرون. القصص كان لها قدرة على البقاء ليس بالأكثر لأنها تحتوي على فائدة للأفراد، وأنما لأنها تصلح لحاجات المسيحيين الذين تقابلوا معاً في الرفقة الدينية، هل كان للمسيحيين الأوائل اهتمام بسيرة الحياة؟
طالما أن كتَّاب البشائر مهتمون، فيجب أن تكون هناك إجابات مختلفة بشكل ما على هذا السؤال. بالطبع لا يهدف أي واحد منهم لكتابة سيرة حياة بالمعنى الحديث لهذا المصطلح، برغم أنهم جميعاً يرغبون ويأملون أن يسردوا قصة يسوع. في الإنجيل الرابع، نرى أن الأهداف السائدة عليه هي أهداف دينية وعقائدية، ولكن المادة تُقدم في إطار تاريخي. في إنجيل مرقس نرى رغبة الكاتب في رسم مسودة للخطوط العريضة لخدمة يسوع. ونفس هذه الخطوط يتبعها إنجيل متى، على الرغم من أنه يهتم أكثر بالأغراض الوعظية والكنسية. وفي لوقا نرى أن التاريخ الذي يربط 6 وقائع في (لو 3:1) وأيضاً في كلمات المقدمة (1:1-4) كلها تشير إلى عزم لوقا على سرد القصة في تتابع منظم، مع أننا لا نستطيع أن نزعم بأن التتابع المرتب زمنياً كان هو المقصود. (Taylor, FGT,143-144)
4(ب) ملخص
حتى نستطيع تقديم صورة موجزة لهؤلاء المؤيدين لمدرسة نقد الشكل، من الضروري أن نضع
في اعتبارنا بعض الاتفاقات والاختلافات بينهم.
1(جـ) نقاط الاتفاق بين ديبليوس وبولتمان:
على الرغم أن دبيليوس وبولتمان قاما بتصنيف المادة التقليدية بشكل مختلف كلا
عن الآخر، وذلك لأنهما شاهدا أشكالاً مختلفة مع مواقف حياتية مختلفة، إلا أنهما
يتفقان أساساً بشأن الفرضية الأساسية. هذه الفرضية ثنائية. فهما يتفقان على أن
المادة التقليدية وجِدت أولاً كوحدات قصيرة ومستقلة، وأن كل القرائن التاريخية في
الأناجيل (فيما عدا قصة آلام المسيح) تعتبر عملاً تحريرياً لكتَّاب الأناجيل.
(Gundry, IFAFC,24-25)
ويضيف ماكنيت ملاحظته عن نقاط التشابه بين دبيليوس وبولتمان: «إنهما يزعمان أن المواد يمكن تصنيفها شكلياً وأن هذا الشكل يتيح للدارسين أن يعيدوا بناء تاريخ التقليد. (McKnight, WFC,20)
يقترب ل.ج. ماكچينلي من ديبليوس وبولتمان بأسلوب مختلف قليلاً. وهو يشير إلى أنهما اتفقا على الأسلوب واختلفا على المصطلحات الفنية، اتفقا على المادة، واختلفا على مدى نشوء ونمو التقليد، كما اختلفا على المواقف الحياتية وأخيراً اتفقا على الإنكار التام للقيمة التاريخية لتصنيفاتهما. (McGinley, FCSHN, 45-46)
ويواصل ماكچينلي:
اتفق بولتمان وديبليوس على أن شرح وتصنيف الأشكال ليس سوى جزء واحد من المهمة الملقاة على عاتق نقد الشكل. وهما قد تمسكا بأنه طالما يوجد علاقة بين الأصناف الكتابية المختلفة التي أَنتجت في جماعة وبين المهام المتنوعة لحياة الجماعة، يمكن استبيان هذه العلاقة، وكذلك الموقف التاريخي الاجتماعي الذي اختلق شكلاً محدداً ليلبي حاجة بعينها يمكن أيضاً تحديده. (Mcginley, FCSHN,18-19)
يلاحظ ماكجينلي أنه :«في السعي لإيجاد التوازيات والتطابقات في قصص الإنجيل غالباً ما يشير ديبليوس إلى الكتابات الربينية (الخاصة بالمعلمين اليهود). على الرغم من التنقيح المتأخر نسبياً لهذه الكتابات، وهو يعتقد أن الحكايات نفسها لها أصول قديمة (مبكرة) نسبياً كما أنها توضح وتشرح الروايات المتوافقة بشكل مرضي. (Mcginely, FCSHN, 96)
ويضيف ماكچينلي قائلاً:
بولتمان أيضاً لديه استخدام وافر للتصويرات والتشبيهات من التقليد الربيني. غير أنه يعتقد أن العملية التي أدت إلى تثبيته كانت أكثر تعقيداً عن تلك التي حدثت مع تقليد الأناجيل الأزائية. في الأناجيل حُفظت الأشكال أكثر نقاوة عنها في الكتابة الربينية، والتي فيها كان التكوين أكثر ارتباكاً. وفيها أيضاً الأفكار العامة كانت متنوعة ببراعة وبأسلوب فني، والأجزاء المتفرقة تمَّ إعادة صياغتها. (Mcginley, FCSHN,97)
2(جـ) بعض أبرز نقاط النقد
واحدة من أهم الاختلافات الرئيسية بين بولتمان وديبليوس هي مضمونهما أو
تصورهما لـ «الدافع المسيطر» في تكوين الوحدات.
1- بولتمان: المناقشات المفترضة بين الجماعة المسيحية الأولى واليهودية كانت هي الدافع. (Bultmann, SSG, 39-44)
2- ديبليوس: «الهدف التبشيري» كان هو الدافع الفعلي و«الوعظ» كان وسيلة الدعوة والانتشار. (Dibelius, FTG,13)
ويقدم فينسنت تايلور نقداً لبولتمان بقوله:
إن اختبارات بولتمان لتحديد مدى الأصالة، هي اختبارات ذاتية وغير موضوعية. هل نستطيع أن نبتعد كثيراً بواسطة انتقاء مظاهر قليلة مميزة في أقوال يسوع، وأيضاً بجعل هذه المظاهر محكاً يمكننا بواسطته أن نقرر مدى أصالة التقليد بأكمله؟ إن تقرير ما هو المميز ليس بالأمر الهيَّن، وحتى إذا استطعنا فعْل ذلك فإن الاختبار يجب على الأغلب أن يفشل لأنه حتى أعظم المعلمين كثيراً ما يقولون أشياء متشابهة. علاوة على أن المعلمين العظام يرفضون أن يكونوا مقلِّدين لنمط معين، حتى لو كان هذا النمط خاصاً بهم. (Taylor, FGT,107-108)
لقد اتَّبع بولتمان مارتن ديبليوس في تطور التتابع الزمني لنقد الشكل، وهو يعلِّق قائلاً: «وبالاختلاف عن ديبليوس أرى أنني مقتنعاً بالفعل بأن نقد الشكل - لأن الأشكال الأدبية مرتبطة بحياة وتاريخ الكنيسة البدائية الأولى - لا يفترض فقط إصدار أحكام على الحقائق جنباً إلى جنب مع أحكامنا الخاصة بالنقد الأدبي، ولكنه بالفعل وبكل تأكيد يقودنا إلى إصدار أحكام عن الحقائق (فيما يتعلق بمدى أصالة وصحة الأقوال وتاريخية الأحداث المذكورة، وما على شاكلتها). (Bultmann, HST,5)
يقدم الفريد فيكنهوزار نقداً شديداً ضد أبرز نقَّاد الشكل:
إن نسب هذه القوى الإبداعية الحقيقية إلى جماعة مسيحية بدائية هي بالحق عيب خطير في نقد الشكل، وقع فيه العديد من أنصار هذه المدرسة - ونجده ملحوظاً في أعمال بولتمان وبرترام وأقل حدة عند ديبليوس، وهم يؤكدون أن هناك أجزاء محددة في الأناجيل المتوافقة كانت إبداعاً خالصاً للجماعة، أو أن الأفكار والموتيفات التي اسهمت في تكوينها خاصة قصص المعجزات أو الروايات والأساطير - هي مستعارة من اليهودية وربما صورة أكثر تحديداً من الثقافة الهلينستية. (Wikenhauser, NTI,276) .
واحدة من أكبر الاتهامات التي توجه ضد نقَّاد الشكل تتعلق بالمذهب الذاتي اللاهوتي. وقد علَّق روبرت موينس على هذه المشكلة بالتحديد بقوله: «يبدو أمامنا نقد الشكل كما لو أنه منهج علمي، لو كان كذلك لكنت ستجد اتساقاً وتماسكاً في التفسير. لكن ما يحدث هو أن تأتي التفسيرات على مقولة واحدة مختلفة ومتنوعة بشكل واسع. وليس فقط التفسيرات المتنوعة، ولكن أيضاً كثيراً ما يفشل نقَّاد الشكل في الاتفاق على قضايا في صميم نقد الشكل. وإننا كنا نتوقع قدراً من التماسك والاتساق في البناء التاريخي لو كان نقد الشكل علماً بحق». (Mounce, 144)
ويعلق ج. بريتز أيضاً على ذاتية مدرسة نقد الشكل، ويتوصل إلى قوله: ومن ثم فإن نقَّاد الشكل يواجهون تحدي فإما أن يعترفوا بخطأ منهجهم وما توصِّل إليه من نتائج أو أن يتخلصوا منها تماماً.
ما يتضمن هنا الآن ليس التبديل بين الاتجاه غير النقدي وبين النقد،
لكن بين النقد والمبالغة في النقد. فالنظرة النقدية للأناجيل لا تزعم أنها موضوعية
بشكل مطلق. فمن الصعب أن نقول أين ينتهي الشعر ويبدأ التاريخ. ومن المرجح جداً عدم
وجود تتابع زمني تحتي صارم أو مخطط طوبوغرافي، كما أنها ليست كتباً لسير الحياة حسب
مفهومنا الحديث لهذا الصنف الأدبي. ولكن ذلك لا يعني أننا نعترف بأننا لا نملك
شهادة موثوقة من شهود عيان: أو بأن الكنيسة من خلال مسيح إيمانها قد خلقت أو اختلقت
يسوع التاريخي، بدلاً من أن يسوع التاريخي هو مسيح إيمانها». (Peritz, FCE, 205)
ويضيف: «الخطأ الأكبر لنقد الشكل هو ذاتيتها التخيلية في تقييمها وتقديرها
للتقاليد». (Pertiz, FCE,205)
ويلخص بريتز وجهات نظر نقَّاد الشكل بقوله: إنهم يتفقون في شيء واحد فقط، وبالتحديد
أن تلاميذ يسوع الأوائل كانوا شديدي الجهل في أسلوب الكتابة أو غير حياديين تماماً
وغير معتدلين في تقديمهم لسيرة الحياة أو التاريخ، كل ذلك لتخليد ذكرى سيدهم.
(Peritz,FCE,202)
6(أ) بإيجاز
1(ب) يسعى نقد الشكل إلى اكتشاف الأشكال الكتابية الأصلية التي تمَّ كتابة
وتسجيل التقاليد الخاصة بيسوع بواسطتها.
2(ب) يأمل نقَّاد الشكل أنه من خلال اكتشاف الأشكال الأصلية أن يتمكنوا من
تحديد حاجات الكنيسة المبكرة التي دفعتهم إلى اختلاق هذه القصص.
3(ب) يقوم منهج نقد الشكل على تقسيم الأناجيل تقسيماً شكلياً للكتابة،
وبعدها البحث عن الموقف الحياتي الذي دفع إلى كتابتها. وهم يسعون من وراء ذلك إلى
إرجاع الأناجيل إلى وضعها الأصلي النصِّي.
4(ب) ظهر نقد الشكل في ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى.
5(ب) من بين أهم وأكبر المؤيدين لهذه المدرسة مارتن دبيليوس ورودلف بولتمان
وفينسنت تايلور.
الجزء الرابع:
الحقيقة أم الاستنتاجات المنطقية
ملحوظة شخصية من الكاتب
1(أ) مقدمة
هنالك مصطلح يحتاج إلى أن نشرح معناه، ألا وهو «ما وراء الطبيعة»
أو «الميتافزيقا» طالما أن هذا هو لب الموضوع الذي نشرحه
في هذا الفصل.
تقليدياً كان يشار إلى «ما فوق الطبيعة» في الدراسات الفلسفية بأنها هي دراسة الشيء كما هو في نفسه، وهذا يعنى: البحث عن الحقيقة كما هي في كينونتها. «ما وراء الطبيعة» تجيب على أسئلة مثل : ما هي الحقيقة؟ وما هو شكل هذه الحقيقة؟.
هناك تعبير آخر هو الـ «إبستمولوجيا» وهو علم يختص بتحديد كيفية الوصول إلى المعرفة. وقاموس «أكسفورد للتعبيرات الفلسفية» يعرف هذا العلم بأنه «نظرية المعرفة»، أو كيف يتسني لنا أن نتعرَّف على ما نعرفه. مثلا، هل نعلم ما إذا كانت ملكاتنا وحواسنا تخدعنا بالطريقة التي تخبرنا به عن الحقائق المحيطة بنا؟. لهذا يجب أن نركِّز الجهد على التعرف على الحقيقة ثم ندرج بعد ذلك نحو كيفية التعرف عليها.
2(أ) ما هي الحقيقة؟
الحقيقة هي كل ما يتوافق ويتطابق مع ما يشير إليه. وحقائق ما وراء الطبيعة هي تلك
التي تتوافق مع الوقائع التي نتلمسها أو تعكس هذه الوقائع- وما هي مدي واقعيتها.
ونحن نعني بالتوافق أنه «التلائم مع شئ ما» وفي هذه الحالة، فإن الفكرة أو الجملة التي تختص بهذا الواقع يجب أن تتوافق مع هذا الواقع. ونعني بكلمة "الواقع" بأنه هو ما هو قائم أو متواجد أمامنا. وما إذا كانت هذه الوقائع متوافقة أم لا، فإننا سوف نناقشها في الفصل التالي المعنون «معرفية الحقيقة».
1(ب)
الحقيقة تتوافق مع الوقائع (عكس الذاتية)
التوافق يشرح موقفاً فيه حقيقة واضحة، وهناك إيمان بوقوع هذه الحقيقة. والتوافق
يعني أن هذا الإيمان حقيقي عندما يعكس بكل دقة هذه الحقيقة.
على العكس، نجد أنه في الذاتية تتحدد الحقيقة أو الوقائع داخلياً بواسطة شخص أو الذات.
1(ج) الحقيقة عند أرسطو
ميَّز أرسطو، الفيلسوف اليونانى، الفرق بين ما هو صواب وما هو خطأ، بالشكل الآتى:
"لأن نقول بأن هذا الشئ هو كذلك بينما هو ليس كذلك، أو أن ننكر بأن هذا الشئ هو
كذلك بينما هو في الواقع كذلك، يعتبر ذلك هو الخطأ. لكن عندما نقول عن الشئ بأنه
كذلك وهو في الواقع كذلك، وأن نقول عن الشئ بأنه ليس كذلك وهو فعلا ليس كذلك، إذن
هذا هو الصواب. لذلك فإن كل من يقول عن شئ ما بأنه كذلك أو ليس كذلك، فإنه بذلك
يحدد ما هو صواب وما هو خطأ. (Aristotle, M, 4.7. 1011b 25- 30)
يؤكد أرسطو بأن الحقيقة تعتمد على التواجد الفعلى للشئ الذي تتعلق به فكرة أو جملة:
إذا تواجد رجل أمامنا، فإن الجملة التي تقول بأن هناك رجلاً متواجداً تعتبر صحيحة وبشكل تبادلى- طالما أن الجملة التي تؤكد تواجد الرجل صحيحة، إذن (في الحقيقة) هناك رجل. وبينما لا تعتبر هذه الجملة سبباً بأي شكل من الأشكال على تواجد الشئ، لذا يعتبر تواجد الشئ هو المسبب لصحة الجملة: أي أنه بسبب تواجد الشئ أو عدم تواجده هو الذي جعل من الجملة صواب أو خطأ. (Aristotle, C,12. 14b, 15- 22)
يقترح أرسطو بأن العبارة يمكن أن تتغير من صواب إلى خطأ فقط إذا تغير وضع الشئ الذي تصفه:
العبارات والاعتقادات... لا يحدث لها أي تغيير، ولكن لسبب تغيُّر أحوال الشئ فإنه يحدث أمر عكسي لها. فالعبارة التي ينطق بها الفرد تظل صحيحة؛ لكن ما يحدث من تغيير في الشئ هو الذي يجعل منها صواباً في آن وخطأ في آن آخر. وهكذا بالنسبة للاعتقادات... لأنه لا يطرأ أي شئ يمكن أن يغيِّر من العبارات والاعتقادات إلى ضدها، لكن السبب يعود إلى حدث آخر. فتواجد الشئ أو عدم تواجده هو الذي يحدد ما إذا كانت الجملة صحيحة أم خطأ، وليس بسبب قبولها هي ذاتها لما هو ضد. (Aristotle, C, 5.4 a 35- 4b 12)
2(ج) الحقيقة عند
توما الأكوينى
يؤكد توما الأكويني أن الحقيقة تتحدد «بتوافق الفكر مع الشئ»؛ وما أن نحيط بهذا
الفكر فإن الفطنة سوف تتعرف حينذاك على الحقيقة. هنا نجد أن توما الأكويني يعرِّف
الحقيقة بأنها هي الترابط والتلاحم ما بين الفهم وما هو مطلوب فهمه:
كل أنواع المعرفة يتم الحصول عليها بنوع من الاستيعاب ما بين الساعي للمعرفة والشئ الذي يود معرفته. هو استيعاب يؤدي إلى خلْق المعرفة: لذلك فإن العين تدرك الألوان بسبب حدوث تأثير معين عليها فتميز الألوان. لذا بالطريقة المبدئية هو أن يلحق الشئ بفهم العقل ثم يتواءم معه. هذا التواؤم هو الذي نطلق عليه توافق الإدراك مع الشئ- من هذا التوافق يتحقق التصوُّر الواقعي للحقيقة. (Aquinas, OT, 1.1)
ويضيف الأكوينى، لأن معني الحقيقة يتكون من توافق الشئ مع الإدراك، وتوافق وتنوُّع الفروض المسبقة وليس تحديداتها، لذا فإن فكرة الحقيقة تظهر أولاً في منطقة الفهم والاستيعاب عندما يبدأ هذا الفهم في التقاط شئ يخصُّه ليس متوافراً في المجال الخارجى، لكن مع هذا هو متصل بالشئ، ومن المتوقع أن يتوافق معه. (Aquinas, OT, 1.3)
3(ج) الحقيقة
عند الفلاسفة الحاليين
يحدد ج. مور الاعتقاد الصائب والخاطئ بأنه، عندما نقول بأن هذا الاعتقاد
صائباً، فكأنك بذلك تقول إن هناك حقيقة كونية ترتبط بهذا الاعتقاد. وأن تقول إن هذا
الاعتقاد خاطيء، فكأنك تقول أنه لا يوجد في الكون كله أي حقيقة مرتبطة بهذا
الاعتقاد.
ويضيف مور قائلاً: عندما يكون الاعتقاد حقيقياً، فإنه بالتأكيد يرتبط مع حقيقة؛ وعندما يرتبط بحقيقة إذن هو صائب قطعا. ومشابهاً لذلك عندما يكون الاعتقاد خاطئاً، فإنه بالتأكيد لا يرتبط بأي حقيقة، ولأنه لا يرتبط بأي حقيقة، إذن هو اعتقاد خاطئ. (Moore, SMPP, 279)
يقرر مور أيضاً أن الحقيقة هي خاصية يمكن أن تلحق بأي اعتقاد مرتبط بالحقائق:
قلنا فيما سبق بأنه عندما نقرر صحة أمر ما فهذا يعني أنه مرتبط بحقيقة ما؛ ومن الواضح أن هذه الخاصية ربما ترتبط بها وكذلك ترتبط باعتقادات أخرى. فعلاً، إن اعتقاد البقال أن الطرد الذي طلبه هذا الصباح قد أُرسل له، ربما يكون هذا مرتبطاً بحقيقة ما (كأن يكون الطرد قد تم شحنه فعلاً). وهذا مماثل تماماً بالاعتقاد بأنه قد خرج ليتسلمه. الأمر حقيقي أيضاً بالنسبة للخاصية التي حددناها الآن في شأن خطأ الاعتقاد. وخاصية خطأ الاعتقاد تنحصر في عدم ارتباط الواقعة بأي حقائق (الطرد لم يرسل بعد). (Moore, SMPP, 277 -78)
برتراند راسل، الذي يؤمن باللاأدرية، يميز بين حقيقتين تختصان بالاعتقادات، الفعل الذي يصدق، يصدق بحق عندما تكون هناك تركيبات متواصلة لا تختص بالعقل والذهن، ولكن تتواجد أغراضها فقط. هذا التطابق يؤكد الحقيقة، وغيابها يحدث الخطأ طالما نأخذ في الحسبان في آن واحد لحقيقتين تقرران أن الاعتقاد (أ) يعتمد في وجوده على الذهن، والفكر (ب) لا يعتمد في وجوده على الذهن والفكر. (Russell, PP, 129)
ويجادل راسل ويقول بأن هناك عالم من الحقائق الموضوعية مستقلة تماماً عن الذهن: " الحقيقة الأولي المسلَّم بها والتي أود أن ألفت النظر إليها - وآمل أن تتفقوا معي بأن ما أدَّعيه هي مسلمات واضحة تماماً لدرجة أنه من المضحك أن أذكرها- هي أن العالم ملئ بالحقائق، وهي كما هي وبمقدار ما نختار التفكير فيه. وأن هناك أيضاً اعتقادات، لها صلة بالحقائق، ومن هذه الصلة نكتشف الصواب والخطأ. .(Rassell, LK, 182)
يشير الفيلسوف التوماستي آتين جيلسون إلى أنه لتحقيق التوافق ما بين طالب المعرفة والشئ المطلوب معرفته يجب أن يكون هناك فرق بين الاثنين:
تعريف الحق كتوافق أو تحقيق للمطلوب بين الشئ والذهن... هو تعبير بسيط كحقيقة. إن مشكلة الحقيقة لا يمكن أن يكون لها مفهوم إلا إذا تمَّ اعتبار الفكر واضحاً بالنسبة لأهدافه...
الحق ليس سوي الاتفاق ما بين المنطق الذي يحكم الأمور والواقع الذي يؤكده هذا الحكم. من جانب آخر، فإن الخطأ ليس سوي عدم الاتفاق.
ويستكمل جيلسون قوله: عندما أقول بأن بطرس موجود، وإذا كان حكم التواجد هذا حقيقياً، فإن هذا بسبب أن بطرس موجود فعلاً وحقاً، وعندما أقول أن بطرس هذا هو حيوان ناطق، إذا كان هذا حقيقي، فإن هذا يكون بسبب أن بطرس هو فعلاً كائن حي لديه موهبة المنطق والفكر والنطق. (Gilson, CPSTA, 231)
ويوضح ف. ب. رامسي الفرق ما بين الفكر والحقائق:
افترض أنني في هذه اللحظة بالذات أقرر أن قيصر قد اُغتيل: لذا فمن الطبيعي أن نميز في تلك الحقيقة فكري أنا من جانب، أو حالتي الذهنية الحالية، أو الكلمات والصور التي ترتسم في مخيلتي، والتي سوف نسميها العامل أو العوامل الذهنية، ومن جانب آخر إما قيصر نفسه، أو مقتل قيصر، أو قيصر ومقتله؛ وأفتراض أن قيصر قد قُتل، هذا سوف ندعوه العامل أو العوامل الموضوعية، وعندما أفترض أن الحقيقة التي أحكم عليها وهي أن قيصر قد قُتل، هي في الواقع تتكون من الإمساك ببعض العلاقة أو العلاقات بين هذه العوامل الذهنية والموضوعية. (Ramsey, FP as cited in Mellor, PP, 34)
يشرح كل من بيتر كريفت ورولاند تاسيلي أن الحقيقة تعني التوافق ما بين ما تعرفه أو تقوله وبينها هي ذاتها. فالحقيقة تعني الإخبار عنها كما هي في ذاتها. ثم يضيفون بقولهم:
كل النظريات التي تتكلم عن الحق، عندما يتمَّ التعبير عنها بكل وضوح وبساطة، تفترض تواجد الفكر العادي الشعوري للحقيقة المحفوظة في كلمات اللغة وتقاليد الاستخدام، وتحديداً نظرية التوافق. فكل نظرية تدَّعي بأنها حقيقية، هذا يعني، أنها تتطابق مع الواقع بينما الأخريات خاطئة، وهذا يعني، إن هذه قد فشلت في التوافق مع الواقع. (Kreeft, HCA, 364, 366)
يقول ج.ب مورلاند إن الحقيقة هي، صلة توافق وتطابق ما بين فكرة ما والعالم. إذا أمكن لفكرة ما أن تشرح العالم بكل دقة، إذن هي حقيقية. هي حينذاك تقف بالنسبة للعالم في علاقة ترابط. (Moreland, SSC, 81- 82)
ويؤمِّن على ذلك نورمان. ل. جيسلر:
الحقيقة هي تلك التي تتوافق وتتطابق مع ما تشير إليه (الفكرة التي تشير إليها الكلمة). حقيقة الواقع هي في التوافق الذي تكون عليها الأشياء فعلياً. الحقيقة هي التدليل عليها بكيانها ذاته. وهذا التوافق يستخدم وقائع مجردة وكذلك وقائع فعلية. هناك حقائق رياضية، وأيضاً هناك حقائق تختص بالأفكار والآراء. في كل الحالات هناك واقع تعبِّر عنه الحقيقة تماما. الخطأ حينذاك هو في كل ما لا يتوافق أو يتطابق، أي أنها تخبر عما ليس فيها، عندما يكون القصد من الجملة غير ملائم وليس في محله. حينئذ نقول إنها تفتقر للتوافق الجيد، هي مزيفة. (Geisler, BECA, 743)
ويذكر مورتيمر أدلر: كما أن صحة الحديث ينتج من التوافق ما بين ما يقوله شخص لآخر وما يفكر فيه الشخص أو يقوله، لذا فحقيقة الفكر تتكون من الاتفاق أو التواصل بين ما يفكر فيه الانسان أو ما يعتقد فيه أو يظنه وبين ما هو موجود على أرض الواقع أو ما لا يوجد في أرض الواقع مستقلاً عن أذهاننا وتفكيرنا.
ويشرح بيتر فان انواجن هذا الموضوع بقوله:
كل اعتقاد من اعتقاداتنا يمثل العالم كما هو بشكل ما. هذه الاعتقادات تكون صحيحة وصواباً إذا كان العالم فعلاً هكذا، وخاطئة إذا لم يكن هكذا، كما يعبِّر عنها ذلك الإنسان، وحيث ينتصب العالم حقاً طبقاً لاعتقاداتنا وقناعتنا! وإذا لم يحدث هكذا فإننا نعتبر بذلك مقصِّرين في أداء واجباتنا، وهذا خطأ منا وليس من العالم.
اعتقاداتنا وقناعتنا تنتسب هكذا للعالم كما تنتسب الخريطة لمنطقة معينة. يجب أن تنتسب الخريطة لمنطقة معينة، وإذا لم يحدث هذا، فذاك دليل على خطأ الخريطة وليس خطأ المنطقة. (Van Inwagen, M, 56)
ويلاحظ روبرت أودى، وهو شخصية قيادية في مجال علم الإبستمولوجي المعاصر (دراسة نظريات المعرفة):
عادة، الحالات والعمليات الداخلية التي تنصف اعتقاداتنا تربط هذه الاعتقادات بالحقائق الخارجية فيما يختص بصحة هذه الاعتقادات. انني أفكر في اقتراحات صحيحة، سواء كانت مصدَّقة أم لا، على طول خطوط شكل من أشكال نظرية الارتباط، التي مبحثها الأساسي هو الاقتراحات الحقيقية (أو الجمل التي تعبِّر عن الحقائق ) تتوافق أو تتطابق مع الواقع. ومن المعتاد أن يضاف إلى ذلك أنها حقيقية عند النظر إلى هذا التوافق. لذلك، فإن الحديث عن وجود حقل أخضر أمامي هو أمر حقيقي إذا كان هناك فعلاً حقل أخضر يقع أمامي، ويمكن أيضاً أن يقال إن هذا حقيقي بمقتضى تواجده أمامي. (Audi, ECITK, 239)
ويطور وليم ب. ألستون، أستاذ الفلسفة بجامعة سيراكيوز نظريته الخاصة في مجال تصوُّر الواقعي من الحقيقي وذلك بأسلوب مماثل: الجملة التي تبدأ بكلمة (أقترح، أعتقد) تعتبر صحيحة فقط إذا كان ما تقوله هذه الجملة تعبير عن الحالة بشكل واقعي. مثلاً، الجملة التي تقول إن الحديد يتمدد بالحرارة تعتبر جملة صحيحة إذا كان الحديد فعلاً يتمدد بالحرارة. هنا نجد أن محتوى الجملة -ما تظهره- تمدنا بكل شئ نحتاجه لنحدد ما إذا كانت الجملة صحيحة أم لا... ولا يوجد شئ آخر لضمان صحة الجملة، وليس هناك شيء أقل من ذلك يكفى. (Alston, RCT, 5-6)
4(ج) نتائج
إنكار المنظور التوافقي
هناك نتائج عديدة يجب أن تتَّبع إذا كانت الحقيقة لا تتوافق مع الواقع.
فلسفياً، الكذب مستحيل بدون ربطه بالواقع. إذا كانت كلماتنا ليست في حاجة لأن تتوافق مع الحقائق، لذا لا يمكن أبداً أن تكون غير صحيحة. وبدون نوع من التوافق مع الحقيقة، فلن يتواجد الصواب والخطأ. لن يكون هناك فرق في تحديد مدي دقة نظام ما في شرح حقيقة موضوعة، لأنه لا يمكن لنا أن نلجأ إلى حقيقة ما كدليل. العبارات لا يمكن أن يحكم عليها إنها صحيحة أو خاطئة، لكن إلى أي حد هي مرتبطة أم لا. بالتأكيد يوجد فرق بين أفكارنا عن الأشياء والأشياء نفسها عندما نقول عن شئ ما إنه صائب أو خاطئ. (Geisler and Brooks, WSA, 263)
والأكثر من ذلك:
كل التوافقات والارتباطات سوف تتحطم. العبارات التي تدلُّك على شئ ما يجب أن تتوافق مع الحقائق التي تدَّعي أنها تمدنا بمعلومات. لكن إذا كانت هذه الحقائق لن تستخدم لتقييم العبارة، إذن أنا لم أخبرك بأي شيء، انني أهذي وعليك أن تمعن النظر وتقيس ما أقوله بالنسبة إلى نظامك الخاص في منطقة الأفكار. والآن هذا يعتبر خطراً للغاية إذا كنت عابراًَ للطريق بينما عبارتي تخبرك بأن هناك سيارة ضخمة قادمة. ما هو قدر الوقت اللازم لتتمعن ما إذا كانت العبارة تتوافق مع اعتقاداتك الراسخة أم لا؟ (Geisler and Brooks, WSA, 263)
2(ب) الحقيقة
مطلقة (عكس النسبية)
النسبية هي النظرية التي تقول ليس هناك معيار موضوعي يمكن بها أن نحدد الحقيقة
والصواب، وبذلك تختلف الحقائق طبقاً للأفراد والظروف. (Trueblood, PR, 348)
1(ج) تعارض
الحقيقة المطلقة والنسبية
واقع تعارض الحقيقة المطلقة مع النسبية يمكن أن نلاحظها في الاعتبارين التاليين (1)
الحقيقة ليست نسبية مع الزمان والمكان، (2) الحقيقة ليست نسبية مع الأشخاص.
1(د) الحقيقة غير نسبية مع الزمان والمكان
من يعتقد في صحة المنظور النسبي سوف يعلِّق على الجملة التي تقول القلم على يسار
مجموعة الكتب بأنها جملة نسبية طالما أنها تعتمد على تحديد أي جهة من المكتب أنت
تقف. المكان دائماً ما يكون نسبياً مع التصوُّر، كما يقولون. لكن الحقيقة قد ترتبط
بالزمن أيضاً. في وقت ما، كان صحيحاً أن نقول إن ريجان هو رئيس الجمهورية. لكن من
الصعب أن يقول أحد ذلك الآن. إنها جملة صحيحة في زمن ما، لكن ليس الآن. الحقيقة في
هذه الجملة ملتزمة بشكل باتّ بالزمن الذي قيلت فيه. لكن هذا التصور يفهم في جمل
تختص بالزمان والمكان:
يبدو أن تفسير من يعتقد بالنسبية غير صحيح، فبالنسبة للزمان والمكان، فإن تصوُّر المتكلم لهما يفهم من الجملة. مثلاً جملة ريجان رئيس للجمهورية عندما قيلت سنة 1986 كانت حقيقية ودائماً ما كانت كذلك، وليس في وقت من عام 1986 توقفت من أن تكون صحيحة. أما إذا استخدم شخص ما نفس الجملة سنة 1990، فإنه يتقدم بجملة مختلفة، لأن استخدام الزمن الحاضر قد خصم منه أربعة سنوات من سياق الجملة. والسياق الزمني والمكاني هو جزء لاصق وملتحم بسياق الجملة الذي يحدد هذا المعني بالتأكيد. مع ذلك، إذاً كانت جملة ريجان رئيس للولايات المتحدة (قيلت عام 1986) فإنها تكون صحيحة دائماً لكل شخص وفي كل مكان، إذاً هي حقيقة مطلقة. ونفس الشئ يقال عن القلم الموضوع فوق المكتب. تصوُّر المتكلم يفهم كجزء من سياق الجملة. إنها حقيقة مطلقة.
يشرح لنا مورتمر أدلر أكثر من ذلك، الجملة التي تقول (ربما يكون هذا الأمر صحيحاً في العصور الوسطى، لكن لم تعد صحيحة الآن) أو (هذا ربما يكون صالحًا للبدائيين من الناس، لكنه لا يناسبنا)، هي مبنية على نوعين من الالتباسات. أحياناً تتعثر الحقيقة عندما نفكر فيها، وهناك مجموعة غالبة من الناس في زمان ومكان معين يعتبرونها صحيحة، كما في المثال التالي:
جزء من الجنس البشري منذ عدة قرون سابقة كان يعتقد بصحة أن الأرض مسطحة. هذا الرأي قد تم إنكاره الآن. هذا لا يعني أن الحقيقة الموضوعية قد تغيرت - إن ما كان صحيحا في زمن ما لم يعد صحيحا الآن... ما تغَّير ليس هي الحقيقة في حد ذاتها، لكن هو دوام هذا الرأي الذي توقف من أن يكون منتشراً ومصدقاً.
وهناك نوع ثان من الارتباك ينتج عندما نهمل سياق الجملة زمانياً ومكانياً:
عدد سكان أي دولة يتغير من وقت لآخر، لكن الجملة التي تصف عدد سكان دولة ما في وقت معين سوف يظل صحيحاً في وقت لاحق عندما يتزايد عدد سكان هذه الدولة. فتواجد تاريخ جملة ما تسجل عدد سكان الولايات المتحدة في سنة معينة يحقق صحة هذه الجملة طالما أنها هي في الواقع سليمة. (Adler, SGI, 43)
ويضيف أدلر الاتجاه نحو التراجع عما قد يعتبره الكثيرون كادِّعاء يتشفع لهم، يمكن لنا أن نتحقق منه بتذكر أن هذا الادِّعاء لا يعوق التعرُّف على أن أحكامنا الخاصة بالصواب والخطأ التي تتغير من زمن لآخر ومن مكان لغيره. الشئ المتقلب والمتغير مع ظروف الوقت والمكان هي الآراء التي نتمسك بها فيما يختص بالصحيح والخاطئ، وليس ما هو صحيح وخاطيء بشكل موضوعي.
2(د) الحقيقة ليست نسبية للأفراد
حتى اللاأدري برتراند راسل يؤكد أن الحقيقة ليست نسبية بالنسبة للأذهان. سوف
نلاحظ أن أذهاننا لا تصطنع الحقيقة أو الزيف، إنها تخلق الاعتقادات. لكن ما أن تنشأ
هذه الاعتقادات، فإن العقل هو الذي يجعل منها الصائب والمخطئ، إلا في الحالة الخاصة
وهي ما يختص بأمور مستقبلية وتحت سلطة الشخص وإمكاناته، مثل اللحاق بقطار. ما يجعل
الاعتقاد صحيحاً هو حقيقة ما، هذه الحقيقة (إلا في أحوال استثنائية) لا تستغرق عقل
المؤمن بها بأي شكل من الأشكال. الحالة الخاصة قد تكون جملة مثل «يستقر في داخلي
حلم»، حيث يخلق الذهن اعتقاداً مبنياً على حقيقة التي هي بالتالي لها صلة بالذهن.
مع ذلك، فإن المبدأ سوف يظل سارياً. هناك حقيقة واقعية وهناك اعتقاد- الاعتقاد
يعتبر صحيحاً عندما يعكس بكل دقة الحقيقة.
ويشرح الفيلسوف جوزيف أوينز هذا بقوله: طالما أن الوجود غير متوافق مع عدم الوجود في نفس اللحظة وبنفس الظروف، فهو يظهر نفسه كأمر مطلق. بالتالى، وإلى هذا الحد، يمدنا بقياس مطلق للحقيقة. عندما يهطل المطر هنا، فإن هذا المطر لم يتآلف وجوديا مع عدم الهطول. هذا أمر مطلق وغير نسبي بالنسبة للملاحظ. من وجهة النظر هذه، تكون وجهة النظر هذه حقيقة الحكم التي لها صفة مطلقة، لأنها تقاس بتواجد مطلق. (Owens, CEI, 208)
يلاحظ أدلر بأن الجملة التي تقول: هذا صواب بالنسبة لك، لكن بالنسبة لي ليست صواب». هذه الجملة ليست خاطئة لكن كثيرا ما يساء تفسيرها. سوء التفسير هذا ناتج من الفشل في التمييز ما بين الصواب والزيف المرتبط باقتراح أو جملة، وكذلك الحكم الذي يطلقه الشخص بالنسبة للصواب والخطأ الذي في الجملة محل التساؤل. وربما نختلف في أحكامنا بما يختص بالصواب والخطأ، لكن هذا لا يؤثر على حقيقة المادة ذاتها. (Adler, SGI, 41)
ويضيف أدلر:
صواب أو خطا أي جملة ينشأ من مدي علاقتها بيقينية الحقائق، وليس من الأحكام التي يطلقها الناس. أستطيع أنا أن أؤكد جملة ما وأقول إنها صحيحة بينما هي في الواقع خاطئة. ويمكن لك أن تنكر جملة ما على أنها خاطئة بينما هي في حقيقتها صائبة. تأكيدي وإنكارك لن يغيِّر أبداً من صواب أو خطأ الجملة التي أخطأنا فيها نحن الاثنان. إنها تحتوي على صواب وخطأ بغضّ النظر عما نظنَّه، أو الآراء التي ننتهجها أو الأحكام التي نطلقها. (Adler, SGI, 41)
بذلك يميز أدلر ما بين ذاتية أحكامنا على الحق وموضوعية الحق ذاته. ويشرح ذلك: المظهر الذاتي للحق يقع في الدعوة التي يطلقها الفرد لخلق الصدق في أحكامه. والمظهر الموضوعي يقع في التوافق أو التواصل بين ما يؤمن به الشخص والواقع الذي بسببه يطلق حكما عندما يتمسك برأي معين أو اعتقاد خاص. الشكل الموضوعي هو المتقدم والأول. (Adler, SGI, 42)
ويقول أدلر: «هؤلاء الذين يفشلون في تلمُّس هذا التمييز سمحوا لأنفسهم أن يتراجعوا نحو الشك المتزايد وذلك برفضهم أن يعرفوا بأن الاختلافات الشخصية للآراء الخاصة بالصواب والخطأ يمكن أن تحلّ بجهود تهدف إلى تأكيد ما هو صحيح أو خاطيء بشكل موضوعي، متذكرين أن حقيقة أي جملة تقع في منطقة علاقتها بالواقع وليس بصلتها بحكم الشخص عليها».
إذا كان هناك حقل أخضر أمامي، فهذه ليست حالة ذهنية، إنها تبدو كأمر موضوعي مستقل عما يدور في ذهن أحد. واللون الأخضر سوف يتواجد بغض النظر عن إيماننا بذلك أم لا. في الحقيقة، ما إذا كان اعتقادي صحيحاً يتحدد إذا كان الحقل متواجدا فعلاً أم لا. حقيقة هذه الاعتقادات الخاصة بالملاحظة تعتمد على حقائق خارجية، وبالتالي هي لا تعتمد على ما نعتقد أو نؤمن به. (Audi, ECITK, 239)
إذن، الواقع الخارجي أو الحقائق الخارجية، هي ما هو مستقل عن فكر البشر. ويستنتج أودي من ذلك، إذا كانت الحقيقة غير معتمدة على الذهن والإدراك، بهذا هي تعتبر موضوعية، إذن نحن لدينا صيغة معينة من الأمر الواقع، وبشكل تقريبي لدينا المشهد الذي يدل على أن الأمور الخارجية تعمل كما هي مستقلة كما نألفها.
ويلاحظ وليم ب. ألستون أن صحة جملة الحديد يتمدد بالحرارة بأنها ليست نسبية لكل إنسان:
ليس مطلوباً من أي شخص أو مجموعة من البشر، مهما كانت محدودة، أن تعرف أن الحديد يتمدد بالحرارة أو هناك مبرراً أو منطقاً في تصديق ذلك. ليس ملزما أن يعمل الإعلام في هذا الحدث الذي قرره الله منذ قديم الأزل، ونحو ما يستلزمه ذلك من الاستفسار بأن الحديد يتمدد بالحرارة. هذه الحقيقة ليست ملزمة لأن يتمّ قبولها من أغلبية واضحة من أعضاء جمعية فلاسفة أمريكا. ليس هناك إلزام أن تصبح محملة بمجموعة من الدلائل التجريبية. طالما أن الحديد يتمدد بالحرارة، لذا فكل ما قلته صحيحاً بالرغم من الحالة المعرفية لهذا الرأي الذي ينتهجه أي فرد أو جماعة. (Alston, RCT, 5- 6)
يلاحظ الأستاذ بيتر فان انواجن أن: العالم يتواجد وحوله خصائص معينة مستقلة تماماً عن اعتقاداتنا وتأكيداتنا. من هذا الرأي يستنتج أن صحة أو خطأ اعتقاداتنا وتأكيداتنا هي لذلك موضوعية، بمفهوم أن الصواب والخطأ قد غطَّى على هذه الاعتقادات والتأكيدات بأغراضها، وبالأشياء التي تفصح عن ذاتها. (Van Inwagen, M, 56)
ويضيف فان انواجن بقوله:
وكيف يمكن لموضوعية اعتقاداتنا وتأكيداتنا أن تؤمن بالصواب فيها؟ ... إذا أكدت أن مدينة ألباني هي عاصمة ولاية نيويورك، فإن ما أكدته هو حق وصواب إذا كانت ألباني هي ليست سوى عاصمة الولاية، وخاطيء إذا لم تكن ألباني عاصمة ولاية نيويورك. إذا كان باركلي يؤمن أنه لا يوجد شئ مستقل عن الفكر، لذا فإن ما يؤمن به هو حقيقي، إذن وإذا فقط لم يتواجد شئ ما مستقل عن الذهن والفكر. إذا ردَّد شخصان، أنا وأنت، نفس الاعتقاد عن شئ -ربما يؤمن كلانا بأن ألباني هي عاصمة ولاية نيويورك- إذن فالصواب والخطأ ينتقل إلى اعتقاداتنا العادية بخصائص هذا الشئ المحدد. إذن الحقيقة هي واحدة، ولا يوجد شئ يماثل القول بأن الحقيقة هي صحيحة بالنسبة لي، لكنها ليست صحيحة بالنسبة لك. إذا استجاب صديقك المدعو ألفريد لكلام نطقت أنت به، ثم يقول لك هذا صائب بالنسبة لك، لكن ليس هو بالنسبة لى، فإن كلماته هذه ينظر إليها باعتبار أنها غير سليمة. هنا كأنه يقول هذا ما تظنه أنت، لكن ليس ما أظنه أنا. (Van Inwagen, M, 56- 57)
2(ج)
طبيعة التدمير الذاتي للمنظور النسبي
يتقدم مايكل جوبين، أستاذ الفلسفة بجامعة كاليفورنيا - ديفيز، بحجة مماثلة
ضد المنظور النسبي:
إما أن النسبية هي نظرية عبقرية حيث تتسم براهينها بالوضوح والتأكيد، أو العكس هو الصحيح. لكن أي محاولة لتناول النسبية بدون الاعتماد على الحقيقة المطلقة سوف يقود بلا شك إلى الفشل، لأنها سوف تقود إلى نكوص غير محدود. وبالطبع، أي تأكيد للنسبية بدون اعتمادها على الحقيقة (المطلقة) سوف تفشل. إذن هناك تأكد واضح بأن النسبية إما أن تفشل، أو أنها ليست مؤكدة، إنها تشبه الهتاف الحربي الفارغ. (Jubin, CM, 89)
النكوص غير المحدود الذي ذكره جوبي يحدث عندما يدَّعي المعتنق لنظرية النسبية بأنها نظرية صحيحة. هذه النظرية إما أنها صحيحة بشكل مطلق (لكل الناس، في كل زمن وكل مكان) أم هي نسبية. إذا كانت النظرية صحيحة إطلاقاً، إذن فالنسبية باطلة، لأنه على الأقل هناك حقيقة صحيحة تماماً وبشكل مطلق. لكن إذا كانت النظرية صحيحة نسبياً، فالسؤال الذي يجب أن يُطرح لمن هي صحيحة (بشكل نسبي)؟. لنفترض أنها صحيحة لشخص اسمه جون، إذن فهذه النسبية تعتبر مؤكدة وصحيحة بالنسبة لجون، لكن هذا الادِّعاء وهو أن نظرية النسبية صحيحة في نظر جون، هل هي صحيحة بشكل مطلق أم نسبي؟. إذا كانت بشكل مطلق، إذن فنظرية النسبية باطلة، لكن إذا كانت نسبية، إذن هي نسبة لمن؟ هل هي نسبية لجون؟ وهل هي نسبية لشخص آخر؟
فلنفترض أن ادِّعاء صحة هذه النظرية قائمة بالنسبة لشخص آخر ندعوه سوزى، لذا على المؤمن بنظرية النسبية أن يشرح لنا ما إذا كانت الحقيقة مطلقة أم نسبية، وإذا كانت الأخيرة، لمن إذن هي تعتبر صحيحة، والآن فإن المؤمن بهذه النظرية يسير في طريق مسدود. أخيراً سوف يُصرِّح هذا الشخص بأنه يوجد على الأقل حقيقة مطلقة، وفي كل حالة فالنسبية زائفة، وإلا فإنه لن يستطيع القول ما الذي تم تأكيده عندما ادَّعي أن النظرية النسبية حقيقية. لذا فإن النسبية إما إنها تحمل بداخلها ما ينجم عنه تدمير ذاتي لها (وبذلك هي زائفة) أو إنها غير مؤكدة.
يعلق على ذلك جيسلر بقوله: «الطريقة الوحيدة التي بها يتجنب المؤمن بالنظرية النسبية المعضلة المؤلمة التي تواجهها هي أن يعترف بأن هناك عدداً من الحقائق المطلقة. وكما أوضحنا فإن معظم النسبيين يؤمنون أن النسبية هي حقيقة مطلقة وأنه يجب على كل إنسان أن يكون نسبياً، وفي داخل هذا يستقر عامل الدمار والهلاك لنظرية النسبية. الرجل النسبي يقف على قمة حقيقة مطلقة ويود أن يحقق النسبية لكل شئ آخر. (Geisler, BECA, 754)
وعلى نفس النمط يعِّلق كل من كريفت وتاسيلي بقولهما:
الذاتية العالمية باطلة بطلاناً سريعاً، بنفس الطريقة التي حدثت للتشككية. إذا كانت الحقيقة ذاتية، أي إنها صحيحة بالنسبة لي وليست بالنسبة لك، لذا فهذه الحقيقة أيضاً، الحقيقة الذاتية ليست صائبة، لكنها فقط حقيقية بالنسبة لي، لذلك فهذا الذاتي لا يقول بأن الذاتية حقاً صحيحة وأن الموضوعية حقاً زائفة، أو أن الموضوعي على خطأ واضح. أنه لا يتحدى خصمه ولا يجادل ولا ينازل، إنه فقط يشاركه المشاعر. أشعر بشعور طيب وهذه لا تبطل مفعول جملتك التي تقول لكن أنا أشعر بالمرض. الذاتية ليست فلسفة، إنها لا تصل إلى مستوى أن تأخذ بتلابيب انتباهنا أو رفضها. ادِّعاؤها يشبه «أنا أهرش» وليس «أنا اعرف». (Kreeft, HCA, 372)
3(ج) مشاكل
إضافية تواجه المنظور النسبي
إذا كانت النسبية صحيحة، إذن لامتلأ العالم بأمور متناقضة، لأنه إذا كان هناك أمر
ما صحيحاً بالنسبة لي وخطأ بالنسبة لك، إذن سوف نواجه حالات متناقضة ومتنافرة. لأنه
إذا قلتُ: «يوجد لبن في الثلاجة» وأنت تقول: «لا يوجد لبن في الثلاجة»- وكلانا
صواب، وهنا سوف يوجد ولا يوجد لبن في الثلاجة في نفس الوقت، لكن هذا مستحيل. لذا
إذا كانت الحقيقة نسبية، تكون الاستحالة أمر واقع. (Geisler, BECA, 745)
في مناقشة ما بين رجل مسيحي وآخر ملحد، يبدو أن المسيحي على حق عندما يقول إن الله موجود، والملحد أيضاً على حق عندما يقول إن الله ليس له وجود. لكن من المستحيل أن يوجد الله ولا يوجد في نفس الوقت وبنفس المفهوم.
ويجادل جيسلر بقوله: «إذا كانت الحقيقة نسبية، إذن لا يتعرض أحد للخطأ - حتى عندما يحدث هذا لهم. طالما أن هناك شيئاً صحيحاً بالنسبة لى، فإنني سوف أكون على حق حتى ولو كنت مخطئاً. المشكلة هي أنني لن أتعلم شيئاً أيضاً، لأن التعليم هو عملية انتقال- من اعتقاد خاطيء إلى اعتقاد صحيح- وهذا يعني الانتقال من اعتقاد خاطيء بشكل مطلق إلى اعتقاد صائب بشكل مطلق. (Geisler, BECA, 745)
4(ج) النسبية الأخلاقية
النسبية الأخلاقية تستخدم للحكم على أخلاقيات المجتمع. ويشرح لنا ج.ب. مورلاند
في كتابه «تحب الله من كل قلبك» إن النسبية تتمسك بأنه يجب على كل فرد أن يتصرف
طبقًا لنظام مجتمعه... وهذا يدعو إلى القول بان الادِّعاءات الأخلاقية ليست هي بكل
بساطة صحيحة أو خاطئة في حد ذاتها. (Moreland, LYG, 150)
ويتقدم مورلاند بخمسة تحليلات نقدية عن النسبية الأخلاقية:
(1) من الصعوبة بمكان تحديد نوعية المجتمع، أو أن نحدد في حالة معينة ما هو المجتمع الملائم. إذا تواجد رجل من المجتمع (أ) وأجري علاقة جنسية مع امرأة من المجتمع (ب) في فندق يخص المجتمع (ج)، فما هو المجتمع الملائم الذي يحدد ما إذا كان هذا العمل الذي صنعه صائباً أم خطأ ؟
(2) هناك اعتراض آخر خاص بحقيقة أننا كثيراً ما نكون أعضاء في مجتمعات مختلفة في آن واحد ولها قيم اجتماعية مختلفة: أسرتنا، عائلتنا الكبري الممتدة، جيراننا، المدرسة، الكنيسة، الأندية الاجتماعية، مكان عملنا، مدينتنا، محافظتنا، وطننا والمجتمع العالمي. فما هو المجتمع الملائم لنا ؟ إذا ما كنت أنا عضواً في مجتمعين والواحد منهما يقبل نوع من التصرفات والآخر يرفضه، ما الذي يمكن أن أفعله في تلك الحالة ؟
(3) النسبية الأخلاقية تعاني من مشكلة تُعرف بأنها مشكلة المصلح. إذا كانت النسبية المعيارية صحيحة، لذا فإنه يستحيل منطقياً أن يكون لمجتمع ما مصلح فاضل مثل يسوع المسيح، غاندى، مارتن لوثر كنج ، لماذا ؟
المصلح هو عضو في مجتمع، يقف خارجاً عن معايير هذا المجتمع الذي ينطق بحاجته للإصلاح والتقويم في معاييره. مع ذلك، إذا كان أي فعل صحيح يتماشي مع معايير مجتمع معين، حينئذ يقال عن المصلح ذاته إنه إنسان غير أخلاقي لأن آراءه مخالفة تماما لمجتمعه. وسوف يكون المصلحون على خطأ دائم لأنهم يقفون باستمرار ضد معايير مجتمعاتهم. لكن أي وجهة نظر تدعو للقول بأن المصلحين الاجتماعيين غير مرغوب فيهم يعتبر عملاً معيباً، لأننا نعلم جميعاً أن المصلحين قد وجدوا فعلاً! لكن بشكل مغاير. فإن الأخلاق النسبية توحي بأنه ليس الثقافات (إذا كانت التقليدية في الحسبان) ولا الفردية (إذا كانت الذاتية في الحسبان ) يمكن أن تصلح من معاييرهم الأخلاقية.
(4) بعض الأعمال تعتبر خاطئة بغضّ النظر عن الاعتقادات الاجتماعية. والمدافعون عن هذا الاعتقاد يتخذون موقفاً من الخصوصية ويدَّعون بأن كل الناس يستطيعون أن يعلموا بأن هناك شيئاً ليس على ما يرام، مثل تعذيب الأطفال وكذلك السرقة والطمع وهكذا، بدون الحاجة إلى منهج لمعرفة ذلك وكيف يتصرفون ويعرفون هذه الأمور. لذلك، فإن فعل مثل تعذيب الأطفال يمكن أن يكون فعلاً خاطئاً ومعروفاً أنه عمل خاطئ حتى إذا قرر المجتمع أنه عمل صائب، وهناك عمل يمكن أن يكون صائباً ومعلوماً حتى إذا دمغه المجتمع بأنه عمل خاطئ. في الحقيقة، يمكن لعمل ما أن يكون صائباً أو خاطئاً حتى إذا لم يذكر المجتمع أي شئ عنه.
(5) إذا كانت النسبية الأخلاقية على صواب، إذن يصعب علينا أن نقرر كيف أن مجتمعاً ما يكون على حق عندما يلوم مجتمعاً آخر في حالات معينة. طبقاً للنسبية الأخلاقية، يجب أن ألتزم بمعايير مجتمعي وعلى الآخرين أن يلتزموا بمعايير مجتمعاتهم. إذا فعل سميث عملاً صائباً طبقًا لمعاييره، لكنه غير مناسب بالنسبة لمعاييري، كيف أصف تصرفه بأنه عمل خاطئ ؟
يمكن للإنسان أن يتجاوب مع هذا الاعتراض بالإشارة إلى المجتمع (أ) الذي ربما تحتوي معاييره الأخلاقية على المبدأ الذي يقرر أن على الإنسان أن ينتقد عملاً مثل، الجريمة، بغض النظر عن مكان حدوثها. لذا فإن أفراد المجتمع (أ) ينتقدون مثل تلك الأفعال التي قد تحدث في مجتمعات أخرى. لكن مثل هذه الأحكام تكشف أيضاً عدم التوازن في نظرية النسبية المعيارية. إذا أخذنا في الاعتبار هذه القاعدة وحقيقة أن النسبية المعيارية حقيقية وينتهجها أعضاء المجتمع (أ)، لذا سنجد أن أعضاء المجتمع (أ) سيبدون متمسكين بالرأي القائل بأن أعضاء المجتمع (ب) يجب أن يرتكبوا الجرائم (طالما أن معايير المجتمع (ب) تعتبر أن هذا عمل مشروع). وعليَّ أن أنتقد أعضاء المجتمع (ب) لأن معاييري تحتِّم عليَّ أن أفعل هذا. لذلك، أتهم أنا أعضاء المجتمع (ب) وأقول إن الأخلاق القويمة تنقصهم، وفي نفس الوقت أتمسك بأن فعلهم يجب أن يحدث ويتمّ. أكثر من ذلك، لماذا يهتم أعضاء المجتمع (ب) بما يفكر فيه أعضاء المجتمع (أ) ؟ ومع كلٍّ، إذا كانت المعايير النسبية صحيحة، فلا يوجد شئ جوهري صواب بالنسبة لوجهات نظر المجتمع (أ) الأخلاقية أو أي مجتمع آخر. لذا بسبب هذا الموضوع وللأسباب الأخرى، يجب رفض الأخلاق النسبية.
5(ج) لماذا يتم
رفض الحقيقة المطلقة
يعلق على ذلك كل من كريفت وتاسيلى: ربما يكون المصدر الرئيسي للذاتية هذه
الأيام، على الأقل في أمريكا، هي الرغبة في القبول، وأن نكون معها، على الموضة،
مستعدين في نطاق المعرفة بدلاً من أن نكون بعيدين عنها ومنكرين لها. كل هذا عرفناه
ونحن أطفال صغار- ثم نرتبك ونحسّ بمخاوف مطلقة ونحن في سنوات المراهقة- لكن نضع
فوقها حجاباً كثيفاً من الدراسة والاقتناع عندما نصل إلى مرحلة البلوغ. (Kreeft,
HCA, 381)
مصدر آخر للذاتية طبقا لرأي كريفت وتاسيلي هو الخوف من التغيير الراديكالي - هذا يعنى، الخوف من التحوُّل، أن نولد من جديد، وأن يكرِّس الفرد حياته كلها وإرادته لخدمة إرادة الله، الذاتية هنا تعتبر أكثر راحة، هي مثل الرحِم أو الحلم أو الخيالات النرجسية. (Kreeft, HCA, 381)
وطبقا لرأي سي. أس. لويس، فإن أحد مصادر السم الكامن في الذاتية. كما يطلق عليها، هو الإيمان بأن الإنسان هو نتاج عملية تطور عمياء:
بعد أن درس الإنسان بيئته، بدأ في دراسة ذاته، وحتى هذه النقطة، ظنَّ وافترض عقله أنه أحاط بكل شئ آخر. الآن، أصبح عقله هو الموضوع: وهذا يبدو كأننا قد أخرجنا عيوننا خارجاً لكي ننظر إليهما. وما أن تمَّت دراستها، بدا له عقله كأنه ظاهرة ثانوية تصاحب تفاعلات كيمائية أو كهربائية في قشرة الدماغ هي في ذاتها عبارة عن منتج ثانوي لعملية تطويرية عمياء. إذن عقله، وهو الملك الذي يهيمن على الأحداث التي تقع في العوالم الممكنة، يجب أن تخضع له، وتصبح ذاتية مجردة. ليس هناك سبب لافتراض أنها سوف تنتج الحقيقة. (Lewis, PS, as cited in hooper, CR, 72)
ويتأمل انواجن في الحقيقة المعقدة التي ينكرها بعض الناس وهي موضوعية الحقيقة:
أكثر الأمور إثارة في موضوع الحقيقة الموضوعية هو أن بعض الناس ينكرون وجودها. إن الإنسان يعجب من تواجد هؤلاء المنكرين لحقيقة تواجد الحقيقة الموضوعية. على الأقل أنا أستطيع. في الحقيقة، حدث لي هذا كثيراً. لبعض الناس، يسير التفسير هكذا. إنهم معادون بكل عنف لكل شيء يمكن أن يقف مناوئاً لأحكامهم. الفكرة التي يعارضونها ويعادونها هى، بالطبع، تواجد الله. لكن أيضاً نجدهم معادين لفكرة تواجد كون موضوعياً لا يهتم بما يفكرون فيه، ويمكن له أن يجعل من أكثر اعتقاداتهم المحببة مزيفة حتى بدون أخد آرائهم (لكن هذه لا يمكن أن تكون هي القصة بأكملها، طالما تواجد هؤلاء الذين ينكرون هذه الحقيقة الموضوعية ويؤمنون أيضاً بوجود الله. وما يحفز هؤلاء الناس يعتبر شئ غامض من وجهة نظرى). فلنحذر القراء، يجب أن يكون واضحاً أنني لن أتمسك بأقل درجة من التعاطف الخيالي مع هؤلاء المعارضين لوجود الحقيقة الموضوعية. لذا فإنني لا أُعتبر مرشداً مناسباً لآرائهم. ربما، وحقاً، لا أتفهَّم وجهات نظرهم. إنني أفضِّل أن أؤمن أن لا أحد يصدِّق، ما يبدو على السطح، على الأقل، حيث يبدو أن بعض الناس يؤمنون بذلك. (Van Inwagen, M, 59)