خراف ضالة، حوار مع شهود يهوه
توطئة
خراف ضالة. ذاك هو عنوان الكتاب الذي نقدّمه من أجل الحوار مع شهود يهوه، وبالتالي
مع سائر الشيع التي تتوسّل الكتاب المقدس من أجل نشر أفكارها. كانوا منّا كما قال
يوحنا في رسالته الأولى. ولكنهم خرجوا منّا. خرجوا من كنائسنا المسيحيّة وكوّنوا
جماعات تنغلق على ذاتها وتنفصل عن الآخرين. وأخذوا يعيشون على هامش المجتمع
ويتّخذون مواقف تدلّ في ما تدلّ على خوفهم على أنفسهم. مواقف متطرّفة على مستوى
المشاركة مع الآخرين في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة وحتى على مستوى التعامل مع
الطبيب والدواء والعملية الجراحيّة ونقل الدمّ.
خراف ضالة أخذت الكتاب المقدس وسيلة من أجل نشر دعايتها. تقرأه بشكل حرفيّ، ولكن إن
فتحتَ أمام الأعضاء غنى كلام الله تحصّن الشيوخ في إعلان يقولون فيه: سنعيد دراسة
النصّ، لا نفهم الآن ولكن سنفهم فيما بعد. بل هم سينتظرون ما يرسل إليهم المكتب
الرئيسي في نيويورك من تعليمات، مكتب برج المراقبة. أما الذين ما زالوا متجدّدين
ومتحمّسين، فإن طرحت عليهم سؤالاً يقولون لك: سنسأل الشيخ. ولكن الجواب لن يأتي.
تلك هي طريقة للتهرّب في شكل تهذيبي ورفض للحوار. فالشهود قد بنوا في عقولهم وفي
قلوبهم بناء متوازناً ويخافون أن يسقط منه حجر واحد لئلا يسقط البناء كله. لهذا إذا
أردنا محاورتهم لا نكتفي بالعقل والعلم سبيلاً إلى ذلك، بل لغة المحبّة والعاطفة.
على ما قال يسوع: إذا خطىء أخوك، فاذهب إليه وعاتبه بينك وبينه لكي تربح أخاك.
خراف ضالة لا تقرأ العهد القديم على ضوء العهد الجديد، بل العهد الجديد على ضوء
العهد القديم. وهكذا لا يكون يسوع الألف والياء، البداية والنهاية، بل يصبح حلقة من
الحلقات. ولا تكون الأناجيل قمّة الوحي في الكتاب المقدس، بل كتاباً مثل سائر الكتب
لا يفترق في شيء عن سفر يشوع أو الجامعة أو استير. بينما نعرف نحن أن يسوع جاء
يكمّل العهد القديم ويصل به إلى نهر العهد الجديد الذي هو ماء من يشرب منه لا يعطش
إلى الأبد. بينما نعرف أن الأسفار المقدّسة كُتبت على مدّ التاريخ فلم تكن حرفاً
جامداً، بل كلمة متطوّرة ترافق شعب الله بشكل تربويّ فتصل به أولاً إلى عبادة الإله
الواحد في التوراة، بانتظار القمّة في الأناجيل والرسائل وأعمال الرسل والرؤيا ثم
إلى سرّ الثالوث، سرّ الإله الذي هو عائلة يدعونا إلى الدخول إليها. الذي هو عائلة
الحبّ، الذي هو ينبوع كل حبّ في العالم. الإله الذي حدّثنا عنه يسوع هو آب وابن
وروح قدس، لا إله يعيش وحده في عزلة سماويّة لا يصل إليها البشر. فيظلّون عبّاداً
له يخافونه، يخافون غضبه، يخافون مجيئه. أو هم لا يستطيعون أن يصلوا إليه فيكتفون
بحياة مادّية على الأرض يأكلون ويشربون وينامون إلى الأبد. هي سعادة تُبقي الإنسان
على مستوى الحيوان ولا ترفعه إلى مستوى الروح. مع أن بولس الرسول يقول لنا إن
الإنسان الأول كان بشرياً، أما الإنسان الثاني الذي نكونه مع المسيح فهو روحانيّ.
هذا الإنسان سيلبس الخلود عند القيامة ويكون مع الربّ في كل حين.
خراف ضالة تعود إلى الكتب المقدسة لا لتستقي منها الحياة، لا لتترك كلمة الله توجّه
تفكيرها وعقليّتها، بل لتجعل من كلمة الله هذه سلاحاً تحارب به الآخرين وتهدم
المجتمع وتدمّر الكنيسة وتقتنص ضعاف النفوس وتجعلها في سجن لا تستطيع أن تخرج منه.
وفي أي حال، كلام الكتاب المقدس يفتّتونه بين أيديهم كي يخدم أغراضهم فلا يعود
نوراً لهم في حياتهم. وفي أي حال، هناك كلام أهمّ من كلام الله، هو ما يصدر
اسبوعياً عن برج المراقبة. وهذا الذي يصدر هو الذي يوجّه العمل الفرديّ والعمل
الجماعيّ لدى شهود يهوه. وأكبر ضربة توجّهها إلى الشهود هي أن تبيّن لهم التضارب في
كتبهم، بين نسخة ونسخة. قد يقبلون بالتضارب في نصوص الكتاب المقدس ويعتبرون أنهم لم
يفهموها. ولكنهم يرفضون كل الرفض أي تعارض في النصوص التي تصدر عن الهيئة العليا في
نيويورك والتي تعلّم الشهود كيف يفكّرون وكيف يتكلّمون وكيف يتصرّفون وكيف يعملون.
بل لا يحقّ لهم أن يفكّروا، ويعملوا المستحيل مع الآتين إليهم لكي يمنعوهم من
التفكير، ويدعوهم بالعاطفة وسائر وسائل الاقناع إلى أن يتركوا فكرهم جانباً
ويردّدوا ما يُرسل إليهم من تعاليم ويتشبّثوا بما تقدّم لهم من مواقف وإلا خسروا
المنفعة التي نالوها من جماعة الشهود على المستوى الماديّ والمعنويّ والعاطفيّ. بل
هم سيهلكون. يبدأون مشروعهم بالخوف وإخافة الناس من نهاية للعالم قريبة، بينما
يتمنّى بولس أن ينحلَّ (أن يموت) لكي يكون مع المسيح. ويتابعون عملهم داخل الحلقات
زارعين الخوف في القلوب. فتكون ردّة الفعل على هذا الخوف تعلّقاً بالشهود. تعالوا
معنا لتخلصوا. عالم شرير فاسد، عالم لم يعترف بالضعفاء. فتعالوا إلينا ورصّوا
الصفوف.
ولكن نحمد الله أن المؤمنين وعوا أن مثل هذه الأساليب خادعة، وهي في النهاية لا تصل
بنا إلى السعادة التي يدعونا إليها يسوع في التطويبات، ولا إلى الراحة التي قال
فيها يسوع: تعالوا إليّ وأنا أريحكم. نيري طيّب وحملي خفيف. ونحمد الله أن بعض
الذين ساروا وراء شهود يهوه بدأوا يتراجعون وإن كانت رجعتهم صعبة بعد الخبرة
القاسية التي عاشوها فما عادوا يعرفون حريّة أبناء الله. ونحمد الله أن عدداً
كبيراً من المسيحيّين عاد إلى قراءة الكتب المقدسة يبحث فيها عن نور لحياته. كما
فهم أهميّة الرسالة في محيطه. فمن ليس برسول ليس مؤمناً. هو يعيش حياة مسيحيّة
تقليديّة أخذها عن الآباء والأجداد، ولكن ظلّ أمياً على مستوى الدين، فكانت النتيجة
هذا الفرق الشاسع بين علوم دنيويّة حصل عليها وعلوم دينيّة أخذها في أيام الدراسة
الابتدائيّة وظل عندها.
وإذ نحمد الله، نقدّم هذا الكتاب إلى المسيحيّين لكي يعرفوا من هم شهود يهوه الذين
يتصرّفون للأسف في مرات عديدة كأنبياء كذبة وكذئاب خاطفة. وندعوهم لكي يتعمّقوا في
إيمانهم فلا تزعزعهم روح خفيفة. لكي يعرفوا الأخطار التي تواجه إيمانهم من شهود
يهوه وآخرين. فالبدع وُجدت في الكنيسة منذ البداية وستبقى فيها حتى النهاية،
كالزؤان بين القمح على ما قال الربّ.
ونقدّم هذا الكتاب إلى شهود يهوه فندعوهم فيه إلى الانفتاح على الآخرين، على قراءة
للكتاب المقدس لا تكون حرفيّة، لا تفتّت النصوص كي تبرهن على حقيقة سابقة لكلمة
الله. فندعوهم كي يفهموا الفرق بين الشيعة والكنيسة. الشيعة تنغلق على ذاتها في
كبرياء متعالية وتحسب نفسها أنها وحدها الجماعة المخلّصة والمؤمنة، وتعتبر ان
الآخرين ذاهبون إلى الهلاك. أما الكنيسة فهي منفتحة على كلام الله وعلى جميع البشر.
وهي تدعو الجميع من كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان لكي يكونوا جماعة المخلّصين الذين
يسبّحون الربّ إلى الدهور.
نقدّم هذا الكتاب الذي هو ثمرة دراسة في الكتب وخبرة في الحياة مع شهود يهوه. هناك
مقالات كُتبت في المجلات، هناك محاضرة، وهناك مسيرة مع أناس لامستهم دعاية شهود
يهوه، فعادوا إلى حضن الكنيسة كما الابن إلى حضن أمّه. أقسام خمسة دوّنها أربعة
أشخاص، ولكل واحد اسلوبه وطريقته في الكتابة. فصول تكمّل بعضها بعضاً وقد حافظنا
على طبيعتها رغم ما يكون هناك من تكرار بين فصل وآخر. فقراءة الكتاب كله وقد أردناه
صغير الحجم، يساعدنا على تكوين فكرة عن هؤلاء الاخوة الذين كانوا منا وتركونا.
يساعدنا على التعامل معهم بالحوار إذا كنّا عارفين بالكتاب المقدّس ومتمسّكين
بإيماننا، ويدعونا إلى الابتعاد إذا كان إيماننا هزيلاً ومعرفتنا بالكتاب المقدس
سطحيّة. وفي أي حال نحبّهم ونصلّي من أجلهم. هكذا تكون الرعية واحدة والراعي واحداً
هو يسوع المسيح الذي جاء يبذل نفسه عن الخراف.
فإلى قراءة هذا الكتاب ندعوك، أيها المؤمن، لتعرف دورك في كنيسة الله، في المجتمع
الذي تعيش فيه، بين الاخوة والأخوات الذين يحيطون بك. لتعرف أن حياتك أثمن من أن
تعرّضها للفشل، وإيمانك وديعة بين يديك تحافظ عليه فتكون لك السعادة الحقة مع
المسيح.
مقدمة
شيعة تأسّست في الولايات المتحدة سنة 1874، فارتبطت بخطّ التفكير الألفي، التفكير
الذي يتطلّع إلى ملك للمسيح يدوم ألف سنة. وارتبطت بالحركة السبتيّة التي تعتبر أن
مجيء المسيح صار قريباً. شيعة أصوليّة ترتكز على عصمة الكتب المقدّسة يقرأونها بشكل
حرفيّ ويطبّقونها دون أن يحاولوا أن يكيّفوا نداءَها مع الإطار الذي يعيشون فيه.
شيعة ترافقت مع السبتيّة فرفضت خلود النفس، وأحلّت محلّ جهنم تدمير الأشرار. بل
سيكون شهود يهوه أكثر جذريّة من السبتيّين حين يرفضون التعليم التقليديّ عن الثالوث
ويعتقدون أن الشيطان جعل "المسيحيّة الرسميّة" تنسى اسم الله.
شيعة ترفض تحيّة العلم، كما ترفض الانخراط في الجنديّة، لأن تبّاعها يعتبرون أنهم
ينتمون إلى ملكوت الله، ويرون أن يعيشوا على الحياد داخل العالم. شيعة ترفض نقل
الدم من إنسان إلى إنسان، مهما كان خطر الموت مهدّداً، لأن الدم، كما يقولون، هو
مركز الحياة. هذا مع العلم أنهم يفترقون عن السبتيّين الذين يعتبرون بعض المأكولات
محرّمة على ما نجد في العالم اليهوديّ أو في ديانات أخرى.
شيعة تعدّ اليوم مليونين في العالم موزّعين على أكثر من مئتي بلد. ترى أفرادها
يمرّون من بيت إلى بيت يحملون الكتب والمجلات يعرضونها على الناس ويحدّثونهم عن
الحياة الأبدية. إنهم مشدودون إلى اليوم الأخير، يوم الدينونة. ويتطلّعون -أو
بالأحرى يعظون- إلى نهاية العالم القريبة فيملأون قلوب الناس رعباً.
هؤلاء هم شهود يهوه. نبدأ فنتعرّف إلى تأسيسهم، إلى تنظيمهم، إلى تعليمهم. وأخيراً
إلى طريقة مواجهتهم.
الفصل الأول
شهود يهوه، مرحلة التأسيس والتكوين
إذا أردنا أن نفهم شيعة "شهود يهوه"، نعود إلى المناخ الذي وُلدت فيه. الولايات
المتّحدة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بلدٌ يتأرجح بين الفوضى والانتشار
والبناء. بلدٌ نبت فيه في تلك الحقبة عددٌ من الحركات الدينيّة المختلطة، وهي كلّها
لا تدعو إلى الثورة بل الإصلاح. وهذه الحركات لا تعود إلى أرضٍ ولا إلى سلالة
ملكيّة ولا إلى تاريخ طويل، بل إلى طريقة حياة وتفكير تأسّست على دستور الاستقلال
في الولايات المتحدة الأميركيّة.
1- ألف سنة
في هذا الجوّ، عاد شهود يهوه إلى الكتّاب المسيحيّين في القرون الأولى كما عادوا
إلى الهراطقة وما عرفوا أن يميّزوا. وما أخذوه بشكل عام هو الكلام عن ملك ألف سنة
يعيشه المؤمنون وهم بعيدون عن كل محنة، بل يعيشون مع المسيح ويدعون إلى الجلوس على
اثني عشر كرسيُّا. نقرأ عن الألف السنة في رؤ 20: 1- 6. قرأ بعض الكتاب المسيحيّين
الأولين هذه الآيات وفهموها بطريقة حرفيّة. ولكن بتأثير من أوغسطينُس، أعطى
المسيحيّون هذا العدد مدلولاً رمزيًّا. فهذه الألف سنة (10× 10× 10= مكعّب 10- عدد
كبير جدًّا) تدلّ على الزمن الذي بدأ مع المسيح ويمتدّ حتى عودته في المجد.
أما شهود يهوه فيفهمون هذا العدد حرفيًّا. يضربونه بـ 12 الذي هو عدد الكمال (3× 4،
3 هو عدد الألوهة، و4 هو عدد الكون بأقطاره الأربعة)، فيصبح 12000. ويضربون أيضاً
هذا العدد بـ 12 (عدد قبائل إسرائيل أو عدد الرسل) فيكون لهم: 144000، هذا هو عدد "الممسوحين"
(بالزيت المقدّس)، هذا هو عدد المخلّصين. هنا نشير إلى تبدّل في النظرة لدى شهود
يهوه: رأي راسل (Russell) مؤسّس شهود يهوه، أن جميع شهود يهوه يذهبون إلى السماء
سواء توقّفنا عند العدد 144000 أو سواء تحدّثنا عن جمهور كبير لا يعدّ ولا يُحصى (رؤ
7: 9). مع روترفورد (Rutherford) منظّم شهود يهوه بعد راسل، لا يُقبل في السماء سوى
144000 شخص لا أكثر ولا أقل. أترانا عدنا كما في التاريخ القديم إلى نظرية البسطاء
والكمّال؟ الكمّال وحدهم ينعمون بسعادة السماء. أما الباقون من شهود يهوه فيتحوّل
رجاء السماء بالنسبة إليهم إلى أمل بحياة أبديّة على الأرض. يأكلون ويشربون وينامون.
ويُطرح السؤال من يكون 144000؟ لا جواب بل لفّ ودوران كالعادة.
كان هذا التعليم الألفيّ في قلب اجتماعات عدد كبير من التجمّعات الدينية في نهاية
القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، ولم يكن شهود يهوه شواذاً في هذا الخضمّ من
الحركات الدينيّة. بل ورثوا أولئك الذين انتظروا مجيء المسيح، ورثوا الأدفنتيست (Adventistes)
الذين ينتظرون المجيء (Advent) وهم الذين نسمّيهم السبتيّين. إن هذا الغليان
الدينيّ يتأصل في واقع عاشته البلاد وبدلاً من أن ينعش الدينُ بروحه الوضع
الاجتماعيّ السياسيّ القلق في البلد، أخذ هذا القلقَ وجعله في قلوب الناس فملأهم
خوفاً ورعبة، وقدّم لهم ديانة بسيطة على قياسهم، ودعاهم إلى زرع هذا الخوف في قلوب
الناس لكي يستعدّوا لمجيء يسوع.
2- نهاية العالم
خلط هؤلاء الممسوحون بين "نهاية عالم" و"نهاية العالم" واستندوا إلى الكتاب المقدّس
وأخذوا يقومون بعمليّات حسابية ليعرفوا متى تكون هذه النهاية. هي سنة 1914. ولكن
الحسابات لم تتحقّق. سنة 1914 خاب أمل الناس فترك هذه الشيعة عددٌ كبير من المنضوين
تحت لواء راسل. أمام هذا التراجع، عادوا إلى حسابات وما زالوا، وبانت كلّها خاطئة.
أما كيف وصلوا إلى سنة 1914؟ فإليك الحسابات التي تنطلق من خطإ تاريخيّ فتصل بنا
إلى ضلال دينيّ يعارض الإنجيل كلَّ المعارضة. قال راسل: "دمّرت مملكة يهوذا سنة 606
(في الواقع، دُمّرت سنة 587 ق. م.)، وحسب دا 4: 20 (تمرّ عليه سبعة أزمنة)، هذا
التاريخ هو بداية أزمنة الأمم (الوثنيّة) السبعة، بداية تسلّط الممالك الوثنيّة على
العالم. وكل زمن من أزمان النبوءة يمتدّ على 360 سنة. فإذا ضربنا 7 بـ 360 يكون لنا
2520، وعندما نطرح 606 من 2520 يكون لنا 1914. هذا هو الرقم السحريّ. في سنة 1914
ستدمّر الدول والكنائس ويبدأ الملكوت الألفيّ الذي سيكون فيه شهود يهوه الأولين.
هنا نعود إلى الإنجيل. سُئل يسوع عن نهاية العالم فحدّث الرسل عن نهاية عالم هو
دمار أورشليم، سنة 70 م.، وهذا الدمار للعالم اليهوديّ يرمز إلى دمار آخر، دمار
العالم الوثنيّ بقوة الإنجيل. في الواقع، حين تكون الحروب والزلازل والمجاعات، ليست
هي الآخرة (مت 24: 6). حين تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، ليست هي الآخرة، بل
بدء المخاض (آ 7)، بل بدء الآلام التي ترافق ولادة عالم جديد بدأ بموت يسوع وقيامته
ويمتدّ إلى نهاية العالم. فالأرض الجديدة والسماء الجديدة (رؤ 21: 1) التي نتطلّع
إليهما، قد بدأ يسوع يعمل من أجلهما. وعلى خطاه جميع المؤمنين، بل جميع البشر من
ذوي الإرادة الصالحة.
ولكن متى تكون النهاية؟ أجاب يسوع: "حين يُعلن الإنجيل على المسكونة كلّها، شهادةً
لدى الأمم أجمعين، حينئذٍ تأتي الآخرة" (مت 24: 41). وحتى الآن، لم يصل الإنجيل بعد
إلى ربع المسكونة. فالمسيحيّون ليسوا اكثريّة في العالم، ولا سيّما إذا تطلّعنا إلى
آسيا الكبيرة، أو إلى الصين التي يفوق عدد سكانها المليار. وسواء كانت النهاية
قريبة أو بعيدة، فلا أحد يعرفها إلاّ الله وحده. نقرأ في مت 24: 36: "فأما ذلك
اليوم وتلك الساعة فما من أحد يعلمهما، لا ملائكة السماء ولا الابن إلاّ الآب وحده".
فإذا كان الملائكة لا يعرفون، أترى شهود يهوه يعرفون؟ وإذا كان الابن نفسه الذي دخل
عالم البشر لا يعرف، لأنه أراد ان يلبس الضعف، فهل صار شهود يهوه مساوين لله الآب
ليعرفوا "ذلك اليوم وتلك الساعة"، وفي أي حال، نهاية العالم بالنسبة إليّ هي ساعة
الموت. ساعة المثول أمام الله من أجل الدينونة. ساعة الانتقال من هذا العالم إلى
الآب (يو 13: 1). فسواء متُّ في مرض أو في حادث سيارة، أو في حرب طويلة الأمد، أو
في زلزال مدمّر، فأنا سأقف وحدي أمام الديّان ولو كان قد مات معي 40 مليوناً أو
أكثر كما حدث في الحرب العالمية الثانية. ولو حصلت نهاية العالم اليوم ومات 5
مليارات من البشر في لحظة واحدة، فعلى كل واحد أن يحضر أمام الديّان ليؤدّي حساباً
عما فعل من خير أو شّر. وفي تلك الساعة لا يستطيع أحد أن يسعف الآخر. لا يسعفه إلاّ
حنان الله ورحمته. فالعذارى الحكيمات ما استطعن أن يفعلن شيئاً من أجل الجاهلات. لم
يكن لهؤلاء زيت الأعمال الصالحة فبقين في الظلمة البرانية (مت 25: 1- 13). هنا
نتذكّر كلام القديس بولس في الرسالة إلى رومة (14: 12): "كلُّ واحد منا (وليس
بأجمعنا) يؤدّي حسابا لله عن نفسه" (لا عن الآخرين).
من أجل هذا، بعد أن حدث يسوع تلاميذه عن نهاية "العالم" أو بالأحرى نهاية عالم،
وبعد أن حدّثهم عن مجيئه القريب في المجد، دعاهم إلى الثبات حتى المنتهى: "من يصبر
إلى المنتهى فذاك يخلص" (مت 24: 13). دعاهم إلى ذلك رغم الاضطهادات المريرة التي
سوف يقاسونها. ودعاهم إلى السهر لا إلى الخوف. فأعطانا مَثل العذارى الذي ذكرناه.
ومثل الوزنات (مت 25: 14- 30). ومثل الدينونة الأخيرة (مت 25: 31- 46). كيف نكون
ساهرين؟ نستثمر المواهب التي أعطانا الله إياها، نغتني بالفضائل، لا نكون كسالى مثل
العبد الشرير. كيف نكون ساهرين؟ حين نعيش المحبّة اليوميّة مع إخوتنا، ولا سيّما
الجياع والعطاش والعراة: "تعالوا يا مباركي أبي... إني كنت جائعاً فأطعمتموني".
وهكذا نكون حقاً من أهل الملكوت ونكون في سعادة مع الله، مع يسوع المسيح.
3- طريقة تفسير الكتاب
هنا نشير إشارة عابرة إلى أن شهود يهوه "يفصّلون" الكتاب المقدّس على قياسهم، بدلاً
من أن يقرأوا الكتاب لكي يجدوا فيه نوراً لحياتهم على ضوء الزمن الذي يعيشون فيه.
نراهم يفرضون نظرتهم إلى الكتاب المقدّس ويشلّعونه كما يشاؤون. فهم بتعاليمهم
يغيّرون الكتاب المقدّس. مثلاً، نجد في مت 24: 3 عبارة "نهاية العالم"، فيقرأونها:
"نهاية نظام الأشياء". ويتلاعبون في قواعد الصرف والنحو عائدين إلى فتافيت تعلّموها
من العبريّة أو اليونانيّة. مثلاً، نقرأ في يو 1: 1: في البدء كان الكلمة، (الذي هو
يسوع المسيح)، والكلمة كان لدى الله (أي الله الآب، مع أل التعريف في اليونانيّة)
(ho theos)، وكان الكلمة الله (أي مساوٍ لله الآب في الجوهر، ولكن بدون أل التعريف)
(theos). يقولون: كان الكلمة "إله" لا الله، أو "كان إلهياً". إذن هناك آلهة كثيرون
ويسوع واحد منهم. هنا يعود شهود يهوه إلى يو 10: 33- 34. "قال اليهود: لا نرجمك
للعمل الصالح ولكن للكفر، لأنك ما أنت إلاّ إنسان، فجعلت نفسك الله". فأجابهم يسوع:
"ألم يُكتب في شريعتكم: قلت إنكم آلهة؟ فإذا كانت الشريعة تدعو من نزل عليهم وحي
الله آلهة، فكيف تقولون للذي قدّسه الآب وأرسله إلى العالم: أنت تكفر، لأني قلت أنا
ابن الله؟" وهكذا يلغون صفة الألوهة عن يسوع المسيح ويعودون بنا إلى الهرطقة
الأريوسية التي جعلت الابن أدنى من الآب لأن طعامه كان بأن يعمل مشيئة الآب.
أترى ليس إلاّ هذا البرهان عن لاهوت المسيح في الأناجيل عامّة، وفي إنجيل يوحنا
بشكل خاصّ: نأخذ مثلاً عابراً من مت 8: 23- 27. هدّأ يسوع البحر والرياح، فمن
يستطيع وحده أن يهدّئها؟ الله. وحين مشى على البحر الذي يرمز إلى الشّر، فدلّ على
أنه تغلّب على الشّر، جاء إليه الذين كانوا في السفينة فسجدوا له وقالوا: "حقاً أنت
ابن الله" (مت 14: 33). فلمن يكون السجود إلاّ لله وحده؟ وفي يو 8: 58، قال يسوع: "قبل
أن يكون ابراهيم، أنا هو" (أنا يهوه، أنا الربّ الإله)، أنا الكائن (اسم الله في
اللغة اليونانيّة). فأخذوا حجارة ليرجموه، لأنهم فهموا ما يعني بكلامه. ولكن يسوع
لم يتراجع (كما تقول بعض التقاليد الكاذبة، كما في إنجيل برنابا مثلاً)، بل توارى
عنهم، وخرج من الهيكل.
4- معلّمون كذبة
نجد نفوسنا حقاً هنا أمام المعلّمين الكذبة. هذا ما حذّرنا منه يسوع ثلاث مرّات في
خطبة مت 24. قال في آ 4: "إياكم أن يضلّكم أحد! فسوف يأتي كثيرٌ من الناس باسمي
ويقولون: أنا هو المسيح" (أي أحمل الخلاص). وفي آ 11: "يظهر كثير من الأنبياء
الكذّابين ويضلّون أناساً كثيرين". وفي آ 24: "سيظهر مسحاء دجّالون وأنبياء كذّابون".
هذا هو وضع الكنيسة منذ أيام الرسل، وسوف يبقى وضعها كذلك حتى نهاية العالم. فإلى
متى سيبقى المسيحيّون غير واعين للأخطار التي تحيق بهم من هؤلاء المبشّرين
الكذّابين سواء أكانوا من شهود يهوه أو من شيع غيرها. يقتربون من شخص فقير فيربحونه
بالمال. يقتربون من شخص يعيش القلق فيستغلّون قلقه وخوفه. يقتربون من شخص يمرّ في
الصعوبات، فيصوّرون نفوسهم مخلّصين له. ويغسلون له دماغه. ويسلبون له حريته. فإذا
حصل ووعى حقيقة أمره وأراد أن يتخلّص من وضعه الجديد، أحسّ أنه صار عبداً للشيعة،
بل هو مهدّد إن تركها.
5- يوم الربّ
كل هذا الخوف يرتبط بيوم الربّ. يوم الربّ نخاف منه إذا كنّا خطأة. ولكن إذا كان
ضميرنا لا يؤنّبنا، إذا كنا عائشين بحسب وصايا الله، فلماذا نخاف من يوم الله، من
مجيء الله؟ قال يوحنا في رسالته الأولى: "إن كانت محبّتنا بالعمل والحق لا بالكلام
واللسان فقط، نعرف أننا من الحقّ، وإذا وبّخنا ضميرنا، فالله أعظم من ضميرنا" (3:
18- 20).
تحدّث الأنبياء عن يوم الربّ فرأوه مظلماً قاتماً بسبب خطايا البشر. قال عا 5: 18:
"ويلٌ للذين يراهنون (يجعلون ثقتهم) على يوم الربّ. يوم الربّ هو لكم ظلمة لا نور".
وقال صف 1: 14- 15: "قريب هو يوم الربّ العظيم. قريبٌ وسريع جداً. يصرخون بمرارة في
يوم الربّ. والجبّار نفسه يطلب العون. يوم حنق ذلك اليوم. يوم ضرر وضيق. يوم إبادة
وإتلاف. يوم ظلمة وديجور. يوم غياب وضباب". هذا ما قاله النبي صفنيا بعد أن رأى
ويلات الحرب الأشوريّة. ولكنه مع ذلك يهتف في النهاية هتاف الأمل والرجاء: "فالبقيّة
لا تصنع الإثم، ولا تنطق بالكذب، ولا يوجد في أفواههم لسان مكر، لأنهم يسرعون
ويستريحون ولا أحد يذعرهم. إهتفي هتاف الفرح يا ابنة (شعب) صهيون، إفرحي وتهلّلي...
في ذلك اليوم يقال لأورشليم (ولنا نحن أيضاً): لا تخافي. لا تسترخ يداك. فالرب
الإله هو في وسطك. هو يخلّصك، ويسرّ بك فرحاً، وفي حبّه يجدّدك، ويبتهج ويترنّم من
أجلك" (صف 3: 13- 17).
وفي العهد الجديد، صار يوم الربّ يوم الفرح، يوم الخلاص. لا شكّ في أن يوحنا يتحدّث
عن ساعة يسوع، ساعة موته وآلامه، ولكن هذه الساعة هي في الوقت عينه ساعة قيامته
وتمجيده، لهذا، سيعلن بولس الرسول: "أودّ أن أنحلّ، أن أموت، لأكون مع المسيح" (فل
1: 23)، لأكون في سعادة مع الله. فعودتنا إلى الآب تشبه ذهاب الحجّاج إلى أورشليم.
"فرحت بالقائلين لي إلى بيت الربّ ننطلق" (مز 22: 1).
الفصل الثاني
شهود يهوه، محطات تعليمية
هنا نتوقف عند محطات ثلاث تساعدنا على تحديد تعاليم شهود يهوه. الأولى مع راسل،
الناشر الآتي من السماء. لولاه لما وُجد شهود يهوه. فهو أكثر من مؤسّسهم. إنه
ملهمُهم وملهمُ مجموعات أخرى غيرهم. الثانية مع روترفورد. معه اتخذت الشيعة الخط
الصلب الذي سيتلطّف بعض الشيء مع خلفائه. إنهم في المرحلة الثانية سيحافظون على
النظرة ذاتها من الصلابة، ولكنّهم يبدلون الأساليب، كما يقولون: قبضة من حديد في
قفّاز من مخمل.
1- ملهم الحركة: راسل
أولاً: مسيرة راسل
وُلد راسل في 15 شباط 1852 من أب تاجر فتعلّم منه فنّ التجارة، ومن أم كالفانية (presbytérienne)
فأخذ منهاجاً للكتاب المقدّس. كما أخذ نظرة هذه الحركة التي تقول إن الله يرسل
الملايين إلى جهنم ثم يختار بعضهم للخلاص. وما ارتاح راسل إلاّ حين قال: لا وجود
لجهنّم. نسي كلام الربّ في الدينونة الأخيرة: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار
المؤبّدة التي أُعدَّت لإبليس وجنوده" (مت 25: 41). ونقرأ في مت 5: 22 عن الذي يجرح
كرامة أخيه أنه "يستوجب جهنم النار". وتحدّث مرّ 9: 43 عن الشكوك فقال: "إن عثَّرتك
يدُك فاقطعها. فخيرٌ لك أن تدخل الحياة وأنت أقطع، من أن تذهب ولك يدان إلى جهنم،
إلى النار التي لا تُطفأ".
عند ذاك استعاد راسل ثقته بالكتاب المقدّس، وأخذ بجزء من تعاليم السبتيّين وتجنّد
في خدمة انتظار المسيح. فالمسيح -وهو مسيحه الشخصيّ القريب ممّا في العالم اليهودي،
بل مما في أسفار الرؤى المنحولة- سيأتي قريباً ليجمع "قطيعه الصغير" (يو 12: 32)
الذي عدده 144000، والذي سيملك معه. أبوه، أمه، أخته، النساء والرجال في جماعته،
سيكونون من هؤلاء المختارين. ودلالةً على ذلك، فهم يحتفلون بالفصح اليهوديّ في 14
نيزان (أي قمر آذار- نيسان): يأكلون الخبز ويشربون الخمر.
ولكن بقي السؤال: متى يعود المسيح؟ متى تكون نهاية العالم؟ هنا عاد راسل أيضاً إلى
عالم السبتيّين ففهم أن المسيح جاء، ولكن لا بالطريقة التي نتوقّعها. فكلمة "باروسيا"
لا تعني "عودة"، بل مجيء. إذن، بدأت الألف سنة. وسيكون يسوع منظوراً سنة 1914. هنا
نتذكّر ما قاله يسوع عن المعلّمين الكذبة: "إن قيل لكم: هوذا المسيح هنا أو هناك،
فلا تصدّقوا" (متى 24: 23). ولكن عدداً من المؤمنين يتركون كلمة يسوع ويتعلّقون
بأقوال البشر، وهكذا يضلّون. فالمسيح بعد قيامته ليس له جسدٌ نلمسه بأيدينا، كما
يقول شهود يهوه الذين يقرأون النصّ بشكل حرفيّ وأصوليّ. جسد يسوع هو جسدٌ ممجَّد
اكتفى توما أن يسجد أمامه ويقول: "ربيّ وإلهي" (يو 20: 28). أجل يسوع هو الربُّ
والإله. يسوع هو "المسيح ابن الله" الذي به نؤمن لتكون لنا الحياة الأبدية (آ 30)،
لا الحياة على الأرض المحفوظة للإنسان المائت. فالإنسان خالد، وهو سيقوم مع ذاك
الذي هو القيامة والحياة (يو 11: 25).
وتشبّه راسل بالشعب العبرانيّ السائر في البريّة قبل الوصول إلى أرض الميعاد. وسمّى
هذا الوقت وقت الحصاد. فعلى الكنائس والدول والمنشآت أن تدمَّر لتفتح الطريق أمام
المسيح. وستقوم عمليّة اختيار داخل الاقطيع الصغير في ربيع 1878. وفي 9 نيسان 1878،
يوم الذكرانة، يوم الاحتفال بالفصح اليهودي، انتظرت جماعة راسل (دارسو البيبليا) أن
تتحوّل إلى كائنات سريّة يُخطفون إلى السماء. وذهبوا إلى جسر بتسبور (Pittsburg)
بثياب بيضاء، وانتظروا الساعة التي فيها يُخطفون. وبما ان شيئاً لم يحدث (!)، عادوا
إلى بيوتهم تحت المطر. لقد خابت آمالهم! صار المسيح في جسد ممجّد وهم يريدونه في
جسد أرضيّ، مثل جسد لعازر، شقيق مرتا ومريم. لهذا، فهم لن يروه بعيونهم. وحده
الإيمان يقرّبنا من يسوعَ الحيِّ اليومَ في كنيسته وفي جماعاته المؤمنة به.
سنة 1879، أسّس راسل مجلّة "برج المراقبة" (Watch Tower). إعتبر أنّ على القرّاء أن
يسهروا، أن يكونوا مستيقظين ويوقظوا الآخرين. هنا نشير إلى أن حركة الطباعة ستلعب
دوراً هاماً عند شهود يهوه. فمجلّة "برج المراقبة" تُنشر في 113 لغة. تنطلق من
الكتاب المقدّس، فتعلن مجيء ملكوت الله على الأرض. أما مجلّة "استيقظوا" فتطرّقت
إلى مواضيع مختلفة، ويطبع منها 13 مليون نسخة في 75 لغة. من يحدّد المقالات التي
تُنشر فيها؟- الحلقة المركزيّة (Le Collège Central).
واعتبر راسل أن على كلّ من "دارسي الكتاب" أن يبيع المجلّة، أن يعلن إيمانه، أن
يدقّ على جميع الأبواب مثل بائع السلع. وقسّم جماعته إلى فئتين: "نواة من المحترفين
وعدد كببر من النمل". وما عتّم هو أن انفصل عن زوجته ماريا لكي يتعلّق بموظّفة تعمل
في المقرّ المركزي.
ثانياً: تعليم راسل
البيبليا كلّها يقرأها شهود يهوه بطريقة حرفيّة (لا ننسَ أن الحرف يقتل، أما الروح
فيحيي) (2 كور 3: 6)، ويجعلونها في خدمة مملكة يسوع. انطلق منها راسل لكي يعيد
صياغة مخطّط الله. رفض فكرة المصير المسبق (Prédestination) كما رفض الجحيم، وتحدّث
عن إله المحبّة والعدالة. وتساءل: ماذا يريد الله؟ وكان الجواب: سعادة الكائن
البشريّ. لهذا رتّب تصميمه في زمنين: زمن التنظيم وزمن الخلاص.
* زمن التنظيم: تمّ الخلق بيد المعلّم- العامل، أي بيد يسوع، فتوزّع على ستة "أيّام".
وكل يوم يشمل 7000 سنة. إذن، قبل 42000 سنة، في اليوم السادس، خُلق الكائن البشريّ.
خُلق ذكراً أولاً. وبعد سنتين أنثى. كان بمقدور آدم وحواء أن يعيشا إلى الأبد في
الفردوس الأرضيّ. ولكن الله، كما قال رأسل، أراد لهما أن يختبرا الخطيئة. فصارت
حياتهما قصيرة وعرفا الموت.
نذكّر ها أن نشيد الخلق (تك 1: 26) قال إن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله. خلقه
رجلاً وامرأةً. فالرجل والمرأة معاً هما صورة الله التي تنطبع في أولادهما. وفي خبر
الخلق (تك 2: 4 ي)، المهمُّ هو أن نعرف أن الرجل والمرأة هما واحد قبل أن يكونا
إثنين لهذا يُمنع الطلاق وتعدّد الزوجات. أما رمز الضلع الذي منه كُوّنت المرأة
فيدلّ على أن علاقة المرأة بالرجل هي علاقة المحبّة، لا علاقة الاستعباد بمعنى ان
المرأة تنادي الرجل: يا سيّدي، وهو يعاملها كالأمة.
* زمن الخلاص: هنا يقسم اليوم السادس قسمين: من جهة، 6000 سنة ستنتهي قريباً، ومن
جهة ثانية، ألف سنة لملك المسيح. وستأتي تقسيمات لاحقة سترسم على "خارطة الأجيال"،
وتفسّر في محاضرات ألقاها راسل. ويبقى المرجعَ الأساسيَّ الهرمُ الأكبرُ الذي يرمز
إلى التناسق التامّ والذي تُثبّت أبعادَه الحساباتُ المستخرجة من البيبليا.
وفي حقبة 6000 سنة، هناك تاريخ حاسم: 606، سنة دمار مملكة يهوذا. وهذا ما يتيح
لراسل أن يصل إلى رقم 1914 كما سبق وتحدّثنا عنه.
وفي ذلك الوقت، تخلّى يسوع عن وضعه السماوي، فقدّم حياته لله فدية لكي يخلّص
البشريّة. قام في كائن من طبيعة روحية، بل إلهيّة. هو أسمى من الملائكة وأدنى من "يهوه".
والمئة والأربعة وأربعون ألف مختار الذين سيشكّلون معه كنيسة، يكوّنون كائناً
جماعيا هو المسيح المدعوُّ ليكون "امرأة الله". في تشرين الأول سنة 1914، سيكون
انهيار الدول والكنائس تاماً، ويبدأ الملكوت الألفيّ، ألف سنة مع المسيح.
لن نتوقّف عند هذه الحسابات التي ستتوسّع وتتفصّل، ولكنها في الواقع تبدو خاطئة.
فكأننا في عالم التنجيم أو التبصير. لم نعد في عالم الإيمان الذي فيه يسلّم الإنسان
أمره إلى الربّ، وينطلق في بناء حياته وفي بناء التاريخ. والكنيسة التي تسلّمت من
المسيح القوّة لكي تتابع عمله حتى نهاية العالم، ما زالت حاضرة رغم ضعفها وخطيئتها،
أو بالأحرى خطيئة أبنائها. هي جسد المسيح، والأفراد الذين يكوّنونها، هم أعضاء في
هذا الجسد. ولكلّ عضو وظيفة في الجسد.
لن نتوقّف خصوصاً عند يسوع المسيح الذي انقلب إلى امرأة، فصار زوجة الله. أظنّ أن
المسيحيّين يعرفون سخافة مثل هذه الأقوال التي تعيدنا إلى العالم الوثنيّ حيث
يتزاوج الآلهة بعضهم مع بعض أو مع البشر. إن يسوع هو الابن الوحيد، الواحد في
الجوهر مع الله الآب. هذا ما نعلنه في قانون الإيمان المرتكز على الكتاب المقدّس
وتعليم الكنيسة.
ثالثاً: إرث راسل
ماذا ترك راسل من إرث لتلاميذه؟ ترك ثلاثة أسس، ووسيلتين وطقساً واحداً منظّماً.
أما الأسس الثلاثة فهي: البيبليا التي هي أساس كلّ فكره، كل عمله، كل تنظيمه.
البيبليا. البيبليا كلّها. ولا شيء إلاّ البيبليا. ولكنّها تُفسَّر بالنظر إلى
الشروح التي كتبها هو. لم يعد المعيارُ الكتابَ المقدّس، بل تفاسير راسل. ولقد
اعتبر المتشيّعون لراسل أن معلّمهم هو أشهر وعّاظ عصره. بل كتبوا في مقدّمة عظاته
التي نُشرت بعد موته: "كانت تفاسيره البيبليّة أوسع من مار بولس، ومار يوحنا،
وأريوس، ووالدو، ووكلاف، ومرتين لوثر، ستة مرسلي الكنيسة الذين سبقوه". وأظنّ أنه
هو السابع، هو كمال الستة السابقين.
والأساس الثاني هو فكرة تقول بأن 144000 ممسوح بالزيت سوف يخلّصون. إذن عددٌ قليلٌ
جداً. وهكذا يعود راسل إلى جذوره الكالفينيّة مع بشريّة محكوم عليها. والأساس
الثالث هو سنة 1914 التي تبقى السند الثابت حتى وإن تطوّر معناها في نظرة شهود يهوه
بالنظر إلى الظروف.
وهناك وسيلتان للدعاوة: نشر واسع للمجلات والكتب والكراريس. هناك كتب تُطبع في
مليون نسخة. أما الكراريس فتنتقل في خمس سنوات من 23 مليون كرّاس إلى 72 مليوناً.
والوسيلة الثانية: إعلان مكثّف وهذا ما يتطلّب من الأشخاص تكريس أوقات كثيرة من أجل
توسيع الدعوة. وسيكون "المبشرِّون" أو الذين سمّاهم "دارسي الإنجيل"، 13000 شخص،
توزّعوا في القارات الخمس. ولكن ظلّ قسمٌ كبيرٌ منهم في الولايات المتحدة.
أما الطقس المنظّم فهو الذكرانة، أو الاحتفال التذكاري. هو عيد الفصح الذي يُحتفل
به في 14 نيزان، هذا مع العلم أن طرق الاحتفال به تبدّلت تبدّلاً عميقاً. ولكنه،
كما قلنا، فصحٌ يهوديٌّ. وهذا ما يجعل من شهود يهوه شيعةً يهوديّة، أخذت القليل
القليل من الإنجيل في خط التيار الأريوسيّ الذي ما رأى يوماً في يسوع ذاك الذي هو
إله من إله، نور من نور، إله حقّ من إله حقّ.
2- منظّم الحركة: روترفورد
ماذا يحدث بعد موت راسل؟ كيف واصلت الشيعة مسيرتها؟ أخذت مع روتوفورد خطاً متصلباً.
كان مركز الجمعيّة قد انتقل من بتسبور إلى بروكلين، إلى بيت إيل أو بيت الله. هناك
أقام روترفورد. كان متسلّطاً فأمسك بزمام الأمور بقبضة من حديد. وجّه المنشورات،
وشجبَ سائر الكنائس والدول، وعاد إلى تعاليم راسل يصحّحها، ولا سيّما في ما يخصّ
الهرم الأكبر. كما راجع الحسابات القديمة من أجل روزنامة جديدة. في سنة 1914، نهاية
النظام القديم وبداية الملكوت غير المنظور. سنة 1918، اختطاف القديسين إلى السماء.
سنة 1925، نحن في فلسطين حيث يسلّم الجزء المنظور من الملكوت إلى "الأمراء" إبراهيم،
إسحق، يعقوب... سنة 1980، كانت إسرائيل أوّل شعب تحرّر من الموت. ولكن هذا القول
الأخير سوف يتبدّل حين تفسد العلاقة مع اليهود.
سنة 1920، أراد روترفورد أن يحرّك الناس فكتب كراسّاً قال فيه: "إن ملايين من الناس
العائشين حالياً لا يموتون". وزاد: "ننتظر في سنة 1925 أن نكون الشهود لعودة
إبراهيم وإسحق ويعقوب... في بشريّتهم الكاملة لكي يكونوا المحتلّين المنظورين
للنظام الجديد الذي ستعرفه الأرض". ولكن شيئاً من هذا لم يتمّ. وكيف تتمّ مثل هذه "التنبؤات"
التي لا تستند إلى الواقع؟ وتأخّر، في الوقت عينه، اختطافُ "القديسين" إلى السماء.
وإذ أراد أن يعجّل في عودتهم، بنى سنة 1929، في سان دياغو، قصراً فخماً من عشر غرف
سماه "بيت شريم" أي "ييت الأمراء".
نرى إلى أيّ حدّ يلتصق شهود يهوه بالأرض. ملكوت الله سيكون منظوراً. وكذلك اختطاف
المخلّصين. وسوف يرون إبراهيم وإسحق ويعقوب في قصر الأمراء. يحرّكون عند الناس
رغبات وآمالاً ما تعتّم أن تخيب. بما أن إبراهيم وإسحق ويعقوب لم يأتوا إلى القصر
الذي هيّأه لهم روترفورد، فسيقيم هو فيه، ولا سيّما أنه يوافق صحته.
وبدأ بعمليّة تطهير لكي ينسى تبّاعُه ملهمَ الحركة ومؤسّسَها، لكي ينسوا راسل. طهّر
الحركة أولاً من بقايا "الوثنيّة" ومن "عبادة الشخصيّة" وأزال بعض الأشخاص، كما فرض
اسم الحركة فصار اسم "شهود يهوه" يُطلق على الجميع لا على 144000 المختارين
الموسومين.
تلتقي كلمة شاهد مع كلمة شهيد. وكلّ مرّة يساقون أمام "الولاة" يعتبرون أنفسَهم
شهداء. هنا نعود إلى التسمية: شهود يهوه، أو كما قلنا: يهاوه. فشهود يهوه يؤمنون
بالله الواحد، بالله الذي تجلّى خصوصاً في العهد القديم، ويعتبرون أن اسمه الحقيقي
هو "يهاوه" الذي نسيَه الناس أجيالاً وأجيالاً. فدعوتهم إذن تقوم في إعادة اعتبار
هذا الاسم الإلهي. ماذا نقول في كلّ هذا؟ ومن أين يأتي اسم "يهاوه"؟
حين كشف الله عن اسمه لموسى قال له: "أنا هو الذي هو" (خر 3: 14). أنا الكائن.
يُكتب في العبرية (كما في العربية) بدون الحركات على الشكل التالي: ي ه و ه. كيف
لفظ العبرانيّون هذه الكلمة؟ يَهوَه. ولكن على مرّ الأجيال لم يعد اليهود يتجاسرون
احتراماً على التلفّظ باسم الله فاستعملوا كلمة "أدوناي" التي تعني الربّ. ولهذا،
فهم حين يقرأون "يهوه" يجعلون فوق هذه الكلمة حركات أدوناي، ولهذا قال شهود يهوه:
شهود يهاوه. وهذا يدلّ بكل بساطة على جهل شهود يهوه لقواعد اللغة العبريّة. ومع ذلك،
فهذا هو اسمهم: شهود يهاوه (Jéhovah)، انطلاقاً من أش 43: 12: "انتم شهودي، يقول
يهوه".
وجاءت الحرب العالميّة الثانية التي اعتبرها روترفورد معركة هرمجدون والتي مات فيها
عددٌ كبيرٌ من شهود يهوه أو ذهبوا إلى مخيّمات الاعتقال النازيّة. ما معنى عبارة "معركة
هرمجدون" التي ترد مراراً على شفاه شهود يهوه؟ إنها معركة مجدو. تقع مجدو في فلسطين،
جنوبي شرقي الكرمل، وهي تشرف على سهل يزرعيل. هناك مات الملك يوشيّا (609 ق. م.) في
تصدّيه لفرعون مصر الزاحف لمساعدة الآشوريّين. وقد وردت العبارة في رؤ 16: 16 وهي
تدلّ بشكل رمزي على الحرب الكبيرة النهائيّة بين الله وقوى الشّر في نهاية الأزمنة.
لن تكون معركة حربيّة بالسلاح والجيوش، بل كمال الرجاء المسيحيّ الذي يصل إلى غايته.
حينئذٍ يُقهَر الشّر. ويسمّيه بولس الرسول الموت والحطيئة. أما في نظر شهود يهوه،
فالشّر هو المسيحيّة والدول وحتى الخطأة. ويعتبر شهود يهوه أن أقليّة فقط تخلص.
حينئذٍ يتحقّق مخطَّط الله بشكل تام، فيزول الشّر الذي يرمز إليه البحر (رؤ 21: 1).
يزول من الإنسان ومن الكون كلُّ بغض وحقد وأنانيّة، فلا يوجد شيء يعارض المحبّة،
يعارض الله.
ترك روترفورد وراءَه مركزيّةً متشدّدة، إدارةً متصلّبةً على مثال ما في دواوين
الدولة، طابعاً عسكرياً. على هذه الركائز الثلاث تقوم تيوقراطية روترفورد. حكمُ
الله على الأرض. وفي مثل هذه الحالة، لا نعود نعرف من هو الحاكم، الإنسان أم الله،
الإنسان المؤلَّه أم الله الذي نجعله على مستوانا البشريّ. وهكذا لم نعد أمام حركة
دينيّة بل أمام تنظيم يشبه إلى حدٍّ بعبد الأحزابَ السياسيّة أو بالأحرى الحركاتِ
السريّة التي تصطاد الناس بالوعود. وحين يقعون في شباكها، لا يستطيعون أن يفلتوا
منها.
3- بعد روترفورد
وبرزت بعد روترفورد ثلاثة أمور ملحّة: التكوين، التبرير، التكييف.
أولاً: كيف يتمّ التكوين؟
لم يفتح شهود يهوه مدارس خاصّة، لأن كل واحد، رجلاً كان أم امرأة، قد "رسمه" يهاوه
كما تُرسم الكهنة في الكنيسة. ولكن الكرازة أمرٌ لا يُترك للارتجال. فلا بدّ من
إعداد "المبشّرين" بها.
لهذا دشّنوا سنة 1943 مدرسة جلعاد (رج تك 31: 43- 54)، وهو مكان يذكّرنا بتلّة
الحجارة التي كانت شاهداً لعهد بين يعقوب العبرانيّ ولابان الآراميّ. فالنساء
والرجال الذين يتبعون الدراسة في هذا "المعهد" يتعلّمون بشكل خاصّ كيف يتحدّثون
أمام الناس عن التوراة. وبعد ذلك، سوف تتأسّس على مستوى كلَّ جماعة "مدرسة الخدمة
التيوقراطيّة" التي تعلّم شهود يهوه كيف يردّون على اعتراضات المعترضين، وكيف
يقنعون محاوريهم.
ثانياً: كيف يبرّرون عدم مجيء الأمراء؟
أجل، ما زال الغائبون غائبين. فالأمراء إبراهيم وإسحق ويعقوب الذين أعلن روترفورد
حضورهم سنة 1925، لم يأتوا بعد. وفي سنة 1950، أعلن أحد الحاضرين في اجتماع ضمّ
82601: "إن الجماعة الدوليّة الحاضرة تكون سعيدة بأن تعرف أنه في هذا المساء وفي
هذه الأمكنة، سيكون أمراء جدد في الأراضي الجديدة". ووقف الحاضرون علّهم يرون داود،
إبراهيم، أيوب. فعاد يقول: الأمراء هم المسؤولون في جماعات شهود يهوه.
ثالثاً: كيف يتكيّف الكتاب؟
يبقى عمل تكييف البببليا مع التعليم. فالتعليم هو الأول وهو يفرض نفسه على الكتاب
المقدّس. لهذا، أخذ شهود يهوه يتحدّثون عن ترجمات ناقصة، ومشوبة بالعيوب، عن ترجمات
ينقصها المنطق كما ينقصها الصدق. لهـذا، لا بدّ من التعبير بدقّة وصحّة عن الأفكار
التي نجدها في الكتب المقدّسة بلسان الربّ يهوه. وهكذا كانت أول ترجمة لهم إلى
الإنكليزية سنة 1961. وتوالت الترجمات. ولكن وضح شيئاً فشيئاً أن هؤلاء المترجمين
ليسوا على قدر المهمّة...
4- جماعة منظّمة
بدأت جماعة شهود يهوه في إطار من التساهل والأخلاق الدمثة. بعد ذلك صارت بِنيةً
قاسيةً ومركزيّةً. صارت منظّمة تيوقراطيّة حيث تأتي الحقيقة من الله بشكل مباشر،
بواسطة الحلقة المركزيّة، ومن هناك تنزل إلى المؤمنين ويُكرَز بها في العالم.
هنا نتوقّف عند نقطتين: درجات السلطة، حياة الجماعات المحليّة.
أولاً: درجات السلطة
في هذا الإطار التراتبيّ الهرميّ، ترتبط حياة شهود يهوه كلُّها بالسلطة الخاصّة
التي يخضعون لها. نجد على قمة الهرم "الحلقة المركزيّة" التي منها تنطلق كلُّ
التعليمات وإليها تعود بالضرورة جميعُ المساعي على مختلف مستويات الجمعيّة. هناك
ثلاثة عشر رجلاً من "الموسومين". وسبعة منهم يشكّلون مجلس إدارة "جمعيّة برج
المراقبة". هم يستندون بشكل مستمرّ إلى السلطة المعصومة التي نجدها في البيبليا، في
الكتاب المقدّس. والحلقة المركزيّة هي أيضاً معصومة. وهي تعيش في "بيت إيل"، في
بروكلين، في بناية يقيم فيها 800 شخص يعيشون حياة عسكريّة.
الحلقة المركزيّة تحدّد المواضيع الواجب معالجتها. كما تنظّم روزنامة العمل في 232
بلداً نجد فيها شهود يهوه. وأخيراً تعيّن جميع المسؤولين على كلّ المستويات.
لن نتحدّث هنا عن الترتيب المنظّم بين الحلقة المركزيّة وآخر شخص في الجماعات. ولكن
يبقى أن العمل هو الكرازة ونشر الكلمة. وهذا ما يسمّى "خدمة الحقل". يطرق "الشهود"
جميع الأبواب، فيعرضون منشوراتهم. لا ننسى هنا أن كلّ "شاهد" هو خادم الله.
والمعموديّة قد أدخلته في إحدى الفئات التالية:
* المعلنون: يبشّرون، يبيعون المنشورات، يُطلب منهم أن يعطوا حتى مئة ساعة من
عطلتهم السنويّة.
* الرائدون العامون: يعملون أقلّه مئة ساعة في الشهر. يُعطَون أجراً شهرياً ويكون
لهم بعض الشيء من بيع المنشورات.
* الرائدون الخاصّون: يكرزون أقلّه 150 ساعة في الشهر. يتسلّمون من الجمعيّة العون
الماديّ من أجل حياتهم.
ويُطلب من كلّ واحد من هذه الفئات الثلاث أن يقدّم تقريراً مفصّلاً عن المبيعات، عن
الأشخاص الذين زارهم... تنظيم مدهش لدى أبناء الظلمة... يا ليت أبناء النور، أبناء
الكنيسة، يُظهرون الغيرة نفسها في حمل كلمة الله إلى النفوس المتعطّشة!
ثانياً: حياة الجماعات المحليّة
تعقد كلُّ جماعة اجتماعاتها في مكان يسمّى "قاعة الملكوت"، الذي قد يكون بناءً
كبيراً أو غرفةً في حيّ شعبيّ. وفيه تُعقد عدّة اجتماعات.
* اجتماع يوم الأحد: اجتماعُ الأحد مفتوحٌ للجميع، يُدعى إليه المتعاطفون الذين
اكتشفهم "المبشّر" خلال مروره على البيوت. يتمّ الاجتماع بعد ظهر الأحد أو في مسائه.
هناك يُنشَد مزمورٌ من المزامير. تتلى عظة تدوم ساعة حول موضوع دينيّ وتستند بشكل
دائم إلى الكتاب المقدّس. أما تصميم العظة ومضمونها، فتقدّمهما "شركة برج المراقبة"،
ويفرض على كلّ أعضاء الجماعة أن يأتوا ليسمعوها، ويصطحبوا معهم الأشخاص الذين
حرّكوا فيهم الاهتمام "بحقائق الملكوت". لا يجمعون الصينيّة (التبرّعات)، ولكن
يُقال للآتين الجدد، بشكل خفيّ، إن هناك صندوقاً تضعون فيه "مشاركتكم الطوعيّة".
وخلال كل اجتماع يُحصى الأشخاص الحاضرون من أجل تقرير يُرسل إلى مركز المنظّمة في
نيويورك. هنا نتخيّل كيف أن تحرّكات كل واحد هي تحت المراقبة. كان وحيداً منعزلاً،
فدخل في جماعة متماسكة أعطته بعض الطمأنينة. فهل يستطيع أن يتفلّت من هذا القيد
الذي سجن نفسه فيه؟ نعم. شرط أن نقدّم له إطاراً جديداً يحسّ فيه أنه محاط بإخوة
يحبّونه.
* اجتماع الخدمة: يتمّ مرّة في الأسبوع، يوم الأربعاء، أو يوم الجمعة. وهدفه تكوين
الشهود. يشارك فيه العاملون في "الكرازة" أو الذين يستعدّون لها في وقتٍ قريب.
وهناك نشرة تسمّى "خدمتنا للملكوت"، وهي تدلّ على التصميم الواجب اتّباعه، وتعطي
مادةً للتفكير. يبدأ الاجتماع بصلاة أو نشيد ثم تُدرس مواضيع النشرة بشكل سؤال
وجواب. وخلال هذا الاجتماع تُقرأ الإحصاءات، ويُحدّد الموقع الذي وصلوا إليه، كما
تحدّد الأهداف المقبلة. وينتهي الاجتماع بصلاة أو نشيد. هذا ما يتمّ في اجتماعات
المنظّمات الرسوليّة.
* اجتماعات أخرى: هناك اجتماع يتمّ بعد جماعة يوم الأحد، وإليه يُدعى "الأشخاص ذوو
الإرادة الصالحة" الذين يدرسون جريدة "برج المراقبة". وهناك اجتماعٌ آخر مخصّصٌ
لدراسة الكتب التي تنشرها الجمعيّة، وذلك بشكل سؤال وجواب ليتجنّبوا كل نقاش وكل
مواجهة في النظر بين المشاركين. وهكذا يُطلب من الأعضا خمسَ أو ستَّ ساعات في
الأسبوع وقد يكون تجمّع حاشد يُدعى إليه الشهود فيعرفون أهميّة الحركة التي ينتمون
إليها.
الفصل الثالث
مواجهة شهود يهوه
يقوم نجاح شهود يهوه على تقاعسنا وغيابنا، لا على تعليمهم الذي "يحرّر". تعليمهم
يقيّد الإنسان فيصبح عبداً للجمعيّة فلا بدّ من أن نعمل على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول، قراءة الكتاب المقدّس: فنحن نجهله ونكرر الأمور التي تعلّمناها عن
طريق التقليد دون أن نفقه معناها.
المستوى الثاني: ثقافة دينية، إذ إنّا ظللنا مرّات عديدة على مستوى ما تعلّمناه مع
المناولة الأولى. صرنا دكاترة في العلوم البشريّة وبقينا جَهلةً في العلم الإلهيّ.
المستوى الثالث: ممارستنا للإنجيل: نحن نفنخر بالإنجيل وتعاليمه، فهل نضعه موضع
العمل؟ أما سيطرت تقاليدُنا وعاداتُنا على كلمة الله التي هي سيفٌ ذو حدّين.
1- وسائل العمل
سنعود إلى هذه المستويات، ولكننا قبل ذلك نتوقّف عند وسائل العمل: نتعرّف بشكل خاص،
إلى تقنية شهود يهوه في "إقناع" الناس، والمراحل التي يأخذونها لكي يقودوا الإنسان
إليهم.
أولاً: تقنية العمل
هناك تقنية تسير في أربع مراحل تساعد الأشخاص على "الارتداد" وتبديل الحياة
والالتحاق بجماعة الملكوت: التهوبل، الإدانة والشجب، الاستقطاب، الترميم والإصلاح.
* التهويل: في هذه العمليّة، نسرد خبراً ونُظهره بشكل خطير جداً بحيث جعل الناس
يخافون. يبدأ الشاهد بسؤال بسيط: "كيف الحال"؟ وهذا السؤال له معنيان. شهود يهوه،
هم بأحسن حال. أما في العالم، فالأمور بأسوأ حال. فإذا وافقت على هذا الإثبات عن
يقين أو بعاطفة تهذيب، تتحرّك الانتقادات ضدّ الكنيسة والدين وتُسَرد الكوارث التي
نراها في العالم: المجاعات، الحروب، المضايقات، المرض، ولاسيّما السرطان والسيدا،
والبطالة... كل هذه الأحداث تدق ناقوس الخطر. وهي تدلّ على أن "هذا العالم الحاضر"
هو رديء، شرّير.
لا شكّ في أن هناك "شروراً" في العالم تأتي من ضعف الانسان أو من شّر قلبه. وكلّنا
مسؤولون عن الشّر الذي في العالم. شهود يهوه وغيرهم. إلاّ إذا كان "الشهود" قد
صاروا في "الملكوت" في "السماء" منذ الآن. ثم لماذا لا نرى كلّ الخير الذي يتمّ في
العالم: كل أعمال المحبّة والتعاون. كلّ المحاولات من أجل السلام، كل الاكتشافات
الطبيّة لكي نحارب المرض... إذا رفضنا أن نحارب عدوّاً يجتاح أرصنا كما يفعل شهوه
يهوه، أنكون فعلنا حسناً؟ إذا رفضنا أن ننقل الدم من إنسان إلى إنسان كما يرفض "الشهود"،
ألا نساعد تفاقم المرض على المريض فنقوده إلى الموت كما حصل أكثر من مرّة في لبنان
وفي غيره من البلدان؟
* الإدانة والشجب: هنا ينصبّ اللوم على الآخرين لا على الشهود. نشجب أعماهم
وتصرّفاتهم ونظهرها بالمظهر البشع. ندينهم لنبعد التهمة عن نفوسنا، مع أن الربَّ
قال لنا: لا تدينوا لئلا تدانوا، لئلا يدينكم الله ويحكم عليكم.
ويصل "الشاهد" إلى هذه العمليّة الثانية إذا وافقته القول. إذا كان العالم شريراً،
فهذا يعني أن الشيطان هو الذي يقوده. فقد كُتب أن إبليس هو "سلطان هذا العالم".
وكُتب أنه أبو الكذب. والشيطان ذكي جداً وهو يتقنّع بالأقنعة العديدة، ومنها ثلاثة
خطرة جداً: الأول: الدول. فهي تحلّ محلّ الله، تريد أن تسوس الكون بدل الله. القناع
الثاني: الكنائس، ولا سيّما الكاثوليكيّة. خانت الكتاب المقدّس وخانت العالم
وتعاهدت مع إبليس. والقناع الثالث: الأفراد الذين ينسون وضعهم كمخلوفات في هذا
العالم.
* الاستقطاب: هنا يدخل الإنسان في هذا "التحرّك" الذي يقدّمه الشهود. يركّزون
الانتباه والنشاط على أمر واحد، على موضوع واحد، في اتجاه واحد، فلا يسمحون للشخص
أن يفكّر في شيء آخر. هذا ما نسمّيه غسل الدماغ. يدخل الإنسان فتصبح المجموعة علّة
وجوده الرئيسيّة، بل علّة وجوده الحقيقيّة. لا يعود له أن يفكّر أو يخطّط. ويُطلب
منه وقته وإمكاناته واستعداده. وكل يوم يزداد الطلب. يساندونه، يشجّعونه، يهنّئونه
كلّ مرة يوظّف إمكانياته... كما يلومونه أو يوبّخونه في هذا المجال أو ذاك... أجل،
لقد صار الشخص لعبة بين أيديهم بعد أن تخلّى عن إرادته وملَكة التفكير عنده.
ويحاصرونه ويحاصرونه حتى يسجنوه، ويمنعون عنه كلّ ما يستطيع أن يحرّره.
وإن كان هناك من صراع بين ما يشكّل حياتك اليومية والتزامك في المنظّمة فالأمر بسيط:
أترك كل ما يعيق التزامك. هل يعيق عملُك اليوميّ عمل التبشير؟ أترك عملك وكن رائداً
بين الرائدين. هل تزعجك العائلة؟ لا تسمح للعائلة بأن تسجنك. إدفع الضرائب وما
يتوجّب عليك من مشاركة، وكن صادقاً في معاملتك للناس. ولكن لا تسمح بأن يزعج
التحاقك بالحركة أيُّ مزعج. لا شيء يجب أن يوقفك عن عمل الوعظ وبيع مطبوعات
المنظّمة.
* الترميم والإصلاح: وهكذا نصل إلى العملية الرابعة: الترميم والإصلاح بحسب نظرة
شهود يهوه. بمَ تقوم هذه العملية؟ هي مجيء الملكوت، مجيء الفردوس الذي نتحرّى بدقّة
وعناد عن الزمن المضبوط الذي فيه يأتي. في الأساس، هو حنين. من لا يحلم بأرض لا بغض
فيها، ولا صراع ولا مرض، ولا موت. ويدعوننا شهودُ يهوه إلى خلقٍ جديد كلّي يسمّونه
"قيامة". يدعوننا لكي نصبح آدم وحواء بفضل الفدية التي دفعها يسوع. وهذا الخلاص
الذي طلبوه بشدّة، وذكّروا به بحماس، وامتدحوه أي امتداح، هو في الواقع عودة إلى
الفردوس الأرضيّ، حيث يكون كلُّ شيء جميلاً، حيث يكون كلّ إنسان لطيفاً.
كلّ ما يقدّمونه هو سعادة الإنسان على الأرض، وحياة لا نهاية لها على الأرض. ومتى
أشبعت الأرضُ قلب الإنسان؟ أليس الإنسان مخلوقاً لله، وسيظلّ قلبه فلقاً إلى أن
يتّحد بالله في حياة تشبه حياة يسوع بعد الموت، وفي جسد ممجّد مثل جسد يسوع بعد
القيامة.
ثانياً: مراحل الارتداد
كيف ينجرّ الشخص إلى جماعة شهود يهوه؟ إليك سبع مراحل:
1- يأتي إليك شهود يهوه (عادة شخصان)، يقرعون الباب، يلحّون، في النهاية تدخلهم لكي
ترتاح من لجاجتهم أو تهذيباً، وعملاً بقواعد الضيافة. بعد مقدّمة مهيّأة تهيئة تامة،
يعرضون عليك شراء بعض منشوراتهم. وإن رفضت أن تشتري قدّموها لك مجاناً.
الحلّ: لا تقبل زيارتهم، لا تُدخلهم بيتك أبداً، لا تفتح الباب لهم، فقد صاروا
معروفين. فإن فتحت الباب وقعتَ في الفخ. وإن قبلت بعض منشوراتهم، كانت لك تلك
المنشورات كالطعم في الصنارة. ولا تشترِ شيئاً منها لئلا تشجع على اننشارها بمالك.
2- زاروك في المرة الأولى فاستقبلتهم وأخذت من منشوراتهم. سوف يعيدون الكرّة، سوف
يقومون بزيارة ثانية تكمّل الأولى. ثم يدعونك ويشجّعونك لكي تتابع دراسة المنشور
الذي تسلّمته.
الحلّ: الخطر الكبير هو في المدن الواسعة، حيث يعيش الإنسان وحده، يفرح بزيارة مثل
هذه الزيارات. يحسّ أن أحداً يهتمّ به، ولكنه لا يحسب حساب "الآخرة" التي سيقع فيها.
ولكن لماذا نكون وحدنا؟ لماذا لا يكون لنا أصدقاء نفتح قلوبنا لهم وهم يفتحون
قلوبهم لنا؟ ثم، لماذا لا نجعل من البناية، من الشارع، من الحيّ، عيلة كبيرة
متماسكة نساعد فيها بعضنا بعضاً في السرّاء والضرّاء، في الفرح والحزن؟ وحين تأتي
الحاجة الماديّة، يقدّم لك الشهود مالاً ومساعدة فتصبح مديناً لهم. ولا تعتّم أن
تصبح عبداً مقيّداً بهم بعرفان الجميل وتنتهي في شباكهم. فماذا ينغ الإنسان إن ربح
العالم كلّه وخسر نفسه؟
3- زاروك فاهتممت بهم، وأخذت بعضاً من منشوراتهم. زاروك مرّة ثانية فاستقبلت وفرحت
بتشجيعهم لك. حينذاك، يعرضون عليك درساً اسبوعياً في الكتاب المقدّس يشرحونه بحسب
ترجمتهم وعلى طريقتهم. ويدخلون في حياتك فيصبحون قطعة منها. حينئذٍ تصبح حاجتك
إليهم ماسّة. وهذه الدروس "البيتيّة" تضمّ بعض الأشخاص. وهدفها أن تجرّد "الشاهد"
العتيد من أفكاره القديمة عن الله، عن الدين، عن الكنيسة... وسبق وشرحنا التقنيّة
التي يستعملونها والتي لا تقيم أي احترام للإنسان ولكرامته ولحريّته. المهم أن "يستجلبوه"
إليهم مهما كانت الوسائل. والكتب التي يستعملونها قد نشرها "برج المراقبة". أما
الكتاب المقدّس فهو سندٌ بسيط، لا أكثر ولا أقلّ، في خدمة منشوراتهم وتعاليمهم.
وهكذا يضلّون الناس ويوهمونهم أن ما يقولونه يستند إلى "كلام الله".
4- في المرحلة الرابعة، يدعون المتعاطف معهم إلى اجتماع درسٍ مع أشخاص سبقوه في هذا
المضمار. يدرسون الكتب. أو بالأحرى، تُفرض عليك، وتُعطى الجواب. فما عليك إلا أن
تتقبّله وتردّده.
5- بعد ذلك يُدعى "المنضوي" الجديد إلى المشاركة في اجتماع الأحد. فالاجتماع مفتوح
للجميع. هناك يدرس جريدة الحركة، "برج المراقبة". فيكتشف جمعيّة شهود يهوه وتنظيمها.
6- في المرحلة السادسة، يُدعى "المنضوي" إلى "اجتماع الخدمة". هناك يهيّأ مع رفاقه
للخدمة الناشطة: بيع المنشورات، الوعظ والتبشير، الدقّ على الأبواب... استعمال
الطريقة التي استعملها الآخرون معه.
7- في المرحلة الأخيرة يعمّد المنضوي بالغطس، عماداً يكرّسه بشكل رسميّ شاهداً
جديداً في مهمّته كواعظ وكخادم يهوه.
2- العمل المسيحي
ماذا يكون موقفنا في هذه الحالة، وكيف نعمل؟ نعمل على ثلاثة مستويات: قراءة الانجيل،
ثقافة دينيّة، ممارسة الانجيل.
أولاً: قراءة الكتاب المقدّس
ما نقوله بالنسبة إلى شهود يهوه، نقوله بالنسبة إلى سائر الشيع: إن جهلنا للكتاب
المقدّس يجعلنا مشدوهين أمام "عملهم الواسع". فهذا الكتاب هو في أيدينا كما في أيدي
غيرنا. فلماذا يكون سلاحاً في أيديهم ولا يكون شيئاً في أيدينا؟ هذا يعني أنّا
مخطئون جداً في هذا المضمار، أنّا معرّضون للخطر، أن المؤمنين "التقليديّين" حولنا
هم معرّضون للضياع واللحاق بالأنبياء الكذبة.
أما الحلّ، ففي ثلاثة أمور:
* أن نقرأَ الكتاب المقدّس. أن نقرأه كلّه. أن نقرأَه مع رفيق يساعدنا على اكتشاف
معانيه وعلى التعمّق في متطلّباته. فالكتاب المقدّس هو قصّة عهد، قصة صداقة بين
الله والبشر. وكل سفر في الكتب المقدّسة يقدّم لنا وجهة من وجهات الوحي. فلا
نهمِلْه. أهملنا دراسة سفر دانيال الذي هو نظرة إلى التاريخ القديم على ضوء الأزمنة
الحاضرة، الذي هو نظرة إيمان بالله الحاضر في العالم ليقوده إلى القداسة والخلاص،
فاستغلّته الشيع وحاربتنا به بعد أن قرأته على طريقتها وجعلتنا نعيش في الخوف.
وأهملنا دراسة سفر الرؤيا الذي هو كلام تشجيع يقدّمه يوحنا للمسيحيّين المضطَهدين
في نهاية القرن الأول، وليس "تبريجاً" وعرافة لما سيحدث في نهاية العالم، أي الآن،
لأن هذه الشيع ترى أنّا في نهاية العالم، وتدلّ على من هو التنّين والوحش. بينما
التنّين هو إبليس والشيطان الذي لا يزال يعمل لكي يقودنا إلى الخطيئة. والوحش هو
السلطة السياسيّة التي تضطهد الكنيسة. أما نهاية العالم فقد بدأت مع موت يسوع
وقيامته. فنحن نعيش الآن النهاية الحقيقيّة مع يسوع المسيح، إبن الله، الحاضر معنا
حتى نهاية العالم.
* أن نقرأ الكتاب المقدّس قراءة صحيحة، لا قراءة أصوليّة حرفيّة تجعلنا نضيّع معناه.
لا قراءة حرفيّة كما نجد عند الشيَع، وقد قال عنهم بولس في فل 3: 19: "إلههم بطنهم
ومجدهم خزيهم". وقال في روم 16: 18: "لا يعملون للمسيح ربّنا، بل لبطونهم، ويضلّون
القلوب السليمة بمعسول كلامهم وتملّقهم". هؤلاء "يثيرون الشقاق ويعيشون فساداً
بخروجهم على التعليم الذي أخذتموه" (روم 16: 17). أجل، يتابع القديس بولس في 2 تم
4: 2- 5: "سيأتي يوم لا يحتمل فيه الناس التعليم الصحيح، بل يتّخذون طائفةً من
المعلّمين وفق شهواتهم لما فيهم من حكّة في آذانهم فيصمّون مسامعهم عن الحقّ
ليُقبلوا على الخرافات".
كلّ سفر في الكتاب المقدّس، كلُّ حدَث، قد كُتب في إطار معيّن. ونحن نفهمه بحسب
فنّه الأدبيّ. لا نجد في الكتاب المقدّس دروساً في الرياضيات، أو في العلوم، ولا
نجد روزنامة بالأحداث التي ستحصل في الآتي من الأيام. لا نطلب من الكتّاب الملهمين
إلا ما طُلب منهم أن يوصلوه إلينا: محبّة الله المخلّص لا تفترق عن محبّة الله
الخالق. فالعالم لا يسير إلى الفساد، بل هو يلتقي مع تجلّي أبناءِ الله.
* نقرأ الكتاب المقدّس ونجعله يلتقينا في حياتنا. ليست الديانة المسيحيّة "ديانة
كتاب"، بل ديانة تستند إلى كتاب، تستند إلى شخص يسوع المسيح الحاضر اليوم في العالم.
والكتاب المقدّس يكشف لنا في وضعنا الحاضر ما نحن مدعوّون إليه لنعيش. حياتنا هي
تاريخ مقدّس. ونحن نكتب اليوم "خبراً طيّباً" وإنجيلاً بأقوالنا وأعمالنا وحياتنا.
نحن الشهود الحقيقيّون ليسوع المسيح، وبالمسيح نحن شهود لمحبّة الله الثالوث في
العالم. "هكذا أحبّ الله العالم حتى إنه أرسل ابنه الوحيد".
ثانياً: الحاجة إلى ثقافة دينيّة
يأتي شهود يهوه إلى أناس يجهلون إيمانهم. يتوقّفون عن القشور ويضلّونا لأنّا لا
نعرف إيماننا. لأنّا لا نميّز ما هو عادة بشريّة من التقليد الحقيقيّ الذي تسلّمناه
من الرسل. ماذا يعني عيد الفصح والقيامة، العيد الكبير؟ هو تذكّر موت يسوع وقيامته،
قبل أن يكون مجمل ممارسات تتّصل بالمجتمع قبل أن تتّصل بالديانة الحقّة. وعيد
الميلاد هو قبل كلّ شيء تذكّر تجسّد يسوع المسيح وولادته بالجسد. لقد صار يسوع منا،
صار شبيهاً بنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة. هو الذي كان في صورة الله، أخذ صورة
العبد وأطاع حتى الموت، والموت على الصليب. ولكن يقول شهود يهوه: الكنيسة تضلّ
المؤمنين حين تحتفل بعيد الميلاد في 25 كانون الأول (أو في 6 كانون الثاني حسب بعض
الطقوس الشرقيّة)، لأنّا لا نعرف متى وُلد يسوع بالضبط. ما نعرفه بالتأكيد هو أن
يسوع وُلد في الجسد. وإذ نعيّد لميلاده في 25 كانون الأول، إنما نعيّد لمن هو شمس
البرّ. ففي هذا اليوم يبدأ النهار يطول. على كل حال هو اتفاق عملّي ولا يستند إلى
لاهوت وعقيدة. ويتابع شهود يهوه: إذا كانت الكنيسة، تضلّكم في أمر صغير، فهي ولا
شكّ تضلّكم في أمور أكبر. مثلاً: خلود النفس، ألوهيّة المسيح، عقيدة الثالوث.
فشهود يهوه يستندون إلى جا 3: 19- 21: "مصير البشر هو مصير البهائم. مصير واحد. كما
تموت هي يموت هو. ولكليهما نسمة واحدة، روح واحدة. فليس للإنسان فضلٌ على البهيمة
لأن كليهما باطل. كلاهما يذهبان إلى مكان واحد (مثوى الأموات أو القبر كما يقول
الفينيقيّون). كانا كلاهما من التراب وكلاهما يعودان إلى التراب". شدّد سفر الجامعة
على الموت الذي ينهي نسمة كلّ حيّ على الأرض. وهذا صحيح، ولكننا نقرأ في جا 12: 7:
"يعود التراب إلى الأرض حيث كان، ويعود الروح إلى الله الذي وهبه". وقال حك 3: 1: "نفوس
الصديقين هي في يد الله، فلا يمسّها العذاب، ظنّ الجهّال أنهم ماتوا وحُسب خروجهم
من العالم شقاء. ولكنّهم في سلام ورجاؤهم مملوء خلوداً". وقد تمنّى بولس أن يموت
لكي يكون مع المسيح. وقال لنا: المسيح قام، إذن نحن نقوم.
وإذا كان شهود يهوه ينكرون ألوهية المسيح، فلم يعودوا مسيحيّين ولو استعملوا الكتاب
المقدّس سلاحاً في أيديهم ومن أجل خدمة قضيّتهم. وإذا اعتبروا الثالوث الأقدس بدعة
شيطانيّة فرضتها الكنيسة ونسوا أنّا معمّدون باسم الآب والابن والروح القدس، فلم
يعودوا مسيحيّين. فأساس إيماننا هو سرّ الثالوث. هو سرّ الابن الذي صار إنساناً
وافتدانا بآلامه وموته وقيامته.
تجاه هذا الخطر الذي يطرق أبوابنا، لا يجوز أن نبقى على جهلنا، وحين نعرف، لا نقبل
أن نتعلّم من شيعة وُلدت منذ مئة سنة، وهي تحاول بكل الوسائل أن تسبي حرّيتنا التي
في المسيح. نحن يجب أن نعلّم. ولا ننتظر ما سيُقال لنا وكأنه "منزل". نحن نبدأ
الحوار ونعلّم إيماننا. أو بالأحرى، لماذا الحوار مع أشخاص يرفضون كلّ حوار، لأنهم
محدودون في ما يعرفونه ولا يريدون أن يخرجوا منه، بل يحاولون أن يفرضوه إن وجدوا
أناساً جهّالاً يفرضونه عليهم. فلماذا لا نتعلّم إيماننا؟ لماذا لا نطالع؟ هناك
المعاهد الدينيّة. هناك الكتب العديدة. إلى متى سيكون أبناء الظلمة أكثر نشاطاً من
أبناء النور؟
ثالثاً: ممارستنا للإنجيل
قال أحد الآباء: في نهاية حياتنا سوف ندان على المحبّة. هذا هو ملخّص الإنجيل. "إعمل
هذا فتحيا"، كما قال يسوع للشابّ الغنيّ. ونحن نعيش الإنجيل داخل كنيسة. ونعيشه من
أجل العالم.
* نعيشه في كنيسة: لماذا نعيش الإنجيل في كنسية؟ لأنّا فيها نستقي الغذاء الروحيّ
الضروريّ لكي نواجه بوضوح الوضع الذي نعيش فيه. فشهود يهوه يزورون القرى كما يزورون
ضواحي المدن. هم قريبون من الأشخاص الذين يعيشون وحدهم، الذين يعيشون على هامش
المجئمع، هم قريبون من الفقراء. يساندون المرضى بحضورهم ومالهم. هل هذه المساعدة هي
مجرّدة من كل غاية؟ كلا ثم كلا؟ فهناك غاية في قلب يعقوب، كما يقال. وفي النهاية،
هم يريدون أن يستميلوا الناس إليهم. ولكن لماذا لا نهتمّ نحن المسيحيّين بالضعفاء
والمرضى والفقراء؟ نهتمّ بهم بروح المسيح، بروح مجانيّة: أليس هناك أشخاص ما زارهم
أحد في حياتهم، ولا سيّما في المدن؟ أين هو كاهن الرعية؟ أين هم أعضاء المنظّمات
الرسوليّة؟ أين هو فريق العمل الرعويّ؟ يجب أن لا يبقى أحدٌ وحده. بل نكون بقربه
بكل محبّتنا، بكل قلبنا، بيدنا، بمالنا، بكل ما نملكه من مقدّرات. هكذا نكون كنيسة،
هكذا نكون جماعة أبناء الله.
* نعيش الإنجيل من أجل العالم: قال يسوع: أنتم في العالم، ولكنكم لستم من العالم.
لسنا من العالم، أيّ لا نأخذ بروح العالم بما فيه من نداء إلى الخطيئة والعنف
والظلم والكفاح من أجل الحياة. ولكنّا في العالم، وعلينا أن نخلّص العالم الذي
أحبّه الله. لا شكّ في أنّا نجد "علامات الأزمنة" في الأحداث، كما قال المجمع
الفاتيكانيُّ الثاني، ولكنها علامات عن النهاية التي بدأت كما قلنا مع موت المسيح
وقيامته. فلماذا الخوف والرهبة؟ نحن أبناء الله. منذ الآن، نحن نمتلك سعادة أبناء
الله. وعند موتنا ستظهر هذه السعادة في كلّ حقيقتها. نحن الآن، على الأرض، نرى كما
في مرآة، أما حينذاك، بعد ساعة الموت، فوجهاً إلى وجه.
يبقى علينا ونحن في العالم أن نحوّل العالم، أن نقدّس العالم بأقوالنا وأعمالنا
وحياتنا. لهذا نلتزم بالعمل الاجتماعيّ والسياسي والحضاريّ، وهكذا نكون كالخمير في
العجين، وكالملح في الطعام، وكالنور في العالم. لا ليس العالم بشرير. خلقه الله
ورآه حسناً. ولكن بخطيئة الإنسان تشوّه. غير أن المسيح قد افتدى الإنسان وافتدى
العالم، فيبقى علينا أن نجعل هذا الفداء منظوراً في حياتنا، فاعلاً في مجتمعنا.
خاتمة
بعد هذه الجولة في عالم شهود يهوه، ماذا نقول للمسيحيّين؟
أولاً: لا تفتحوا الباب لهم. لا تستقبلوهم. لا تأخذوا شيئاً من كتبهم.
ثانياً: إذا تواجدتم معهم صدفة، لا تتركوهم يتكلّمون. بل أعلنوا أنتم تعليمَ
الكنيسة، تعليمَ الإنجيل في سرّ الثالوث، في شخص المسيح الذي هو إله وإنسان، في سرّ
الكنيسة التي تجمع المؤمنين. وتعلّموا البراهين. أنتم علّموهم ولا تنتظروا منهم أن
يعلّموكم.
ثالثاً: لا تقبلوا انتقاداتهم وكأنكم متّهمون، وكأن الكنيسة متّهمة، وكأن
المسيحيّين متّهمون. في كل مكان هناك أناسٌ طيبون وأناس خطأة. والمسيح جاء من أجل
الخطأة. فمن اعتبر أنه لم يخطأ فهو كاذب، كما يقول يوحنا في رسالته الأولى. فإن
شدّد شهود يهوه على الخطأ عند المسيحيّين، فلكي يبعدوا عنهم الشبهة. كلُّنا يعرف
قصص النصب والاحتيال التي حصلت في البقاع لدى أعضاء شهود يهوه. كفانا تدجيلٌ ونفاقٌ!
كلنا يعرف الطرق التي بها يسيطرون على الإنسان ويسلبونه ما له من أجل القضية، وأية
قضيّة! شهود يهوه جماعة سرّية لا نعرف عنهم إلا الواجهة البرّاقة. كم يجب على
المسيحيّين أن يكونوا واعين!
رابعاً: نعود إلى إنجيلنا نطالعه، ندرسه، نتعمّق فيه. نعود إلى الكتاب المقدّس كلّه.
نطلب مساعدة الكتب. ندخل في معهد تعليم. فالمسيحي الذي يملأه المسيح لا تفعل فيه
دعاية شهود يهوه. على كلّ حال، هو يهرب منهم كما يهرب الإنسان من الآكلة (2 تم 2:
17).
خامساً: نتعمّق في إيماننا. ندرس، نسأل، نقرأ. في الماضي كنا نقول: المطارنة،
الكهنة لا يعلّمون. أما اليوم فهذا الكلام مرفوض ويدلّ على التقاعس والكسل. لا نريد
أن نبقى قاصرين على مستوى الإيمان. هنا نتذكّر كلام الربّ في إر 31: 34: "جميعهم
سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم".
سادساً: عيش الإنجيل هو أكبر شهادة.
بطريقة فردية: ليضىءْ نورُكم للناس فيروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الذي في
السماوات.
بطريقة جماعيّة: نعيش الأخوّة على مستوى القرية والشارع والحيّ. على مستوى الكنيسة
حيث إذا تألّم عضو تألّمت معه سائر الأعضاء، وإن امتُدح عضوٌ امتُدحت معه سائر
الأعضاء. المكافحة ضدّ الظلم والقهر والعنف من أيّ مكان جاء. بهذه الطريقة نبني
ملكوت الله على الأرض. وهذا الملكوت يكون الأرض الجديدة والسماوات الجديدة، حيث "لن
يعود للموت وجود ولا للبكاء ولا للصراخ ولا للكلام". يكون العالم القديم قد زال لأن
الربّ قال: "أجعل كلَّ شيءٍ جديداً".
مقدمة
يطرقون الباب فتفتحه. وتجد نفسك أمام شخصين، رجل وإمرأة، يعرضان عليك بلطف أن
يكلّماك. الشرور تملأ العالم، العنف، الكوارث، الناس الذين يموتون جوعاً، الحديث عن
الحروب... عالم مكسّر، ولكنه سيصطلح. كل هذا مدوّن في الكتاب المقدّس. ويُفتح
الكتاب ويقرأ منه مقطع أو مقطعان. ويسألانك: أنت مسيحي. هل قرأت الكتاب حقاً! قد
تقول: لا وقت لي. لا بأس. سوف نعود مرة أخرى. وبانتظار ذلك يقدّمان لك بعض
المنشورات من أجل لقاء مقبل. عنوانها: استيقظوا. هذان الشخصان هما من شهود يهوه
الذين نراهم يطرقون الأبواب، ويحدّثون الناس عن نهاية العالم، ويدعونهم ليلتحقوا
بهم فينجوا من جميع الكوارث.
نتحدّث في هذا المقال عن أصل هذه الشيعة، عن تنظيمها، عن حياة المجموعات المحليّة،
عن طريقة قراءتها للكتاب المقدس، عن نظرتها إلى الله، إلى يسوع المسيح، إلى الثالوث
الأقدس...
الفصل الرابع
أصل هذه الشيعة وتنظيمها
1- شيعة دينيّة من أصل أميركي
مؤسّس شهود يهوه هو شارل راسل. ولد سنة 1852 من والدين كالفانيين (من البروتستانت)،
وتربّى تربية قاسية. حين فكّر بالهلاك الأبديّ صار قلقاً. ولكنه سمع في يوم من
الأيام واعظاً أعادت إليه عظته السلام الداخليّ وحبّ الكتاب المقدّس. فنظّم مجموعة
للدراسة البيبليّة قبل أن يؤسّس "برج مراقبة صهيون". وسمّى نفسه مع رفاقه "دارسو
البيبليا".
وزاد اهتمام راسل بأمور الديانة، فتنقّل كثيراً من مدينة إلى مدينة يعظ في القاعات،
في الكنائس، في الشوارع والساحات العامة. فسمّي "القس" راسل مع انه لم يتبع دراسات
لاهوت ولا فلسفة ولا كتاب مقدّس.
سنة 1881، أطلق نشرات تنشر تعليمه، ووزّعها متطوّعون، "روّاد" يتنقّلون من بيت إلى
بيت. سنة 1884، أسّس برج مراقبة صهيون الذي سينقل مركزه الرئيسي إلى نيويورك. هو
مركز دعاية ودار نشر في الوقت عينه.
وانطلق راسل من بلاده في رحلات "رسوليّة" إلى أوروبا، مصر، روسيا، الشرق الأقصى.
وهناك أسّس مجموعات من دارسي البيبليا. واستعمل لنشر تعاليمه الكتاب والجريدة
والفيلم... وكانت الجرائد تنشر عظته الأسبوعيّة.
مات راسل سنة 1916 وهو في القطار، وكان في طريقه إلى سلسلة من المحاضرات. صار
تلاميذه 20000. وازدهرت جماعته فنشرت سنة 1914، مليون كتاب وواحد وسبعين مليون
كرّاس أو منشور.
وخلفه "روترفورد"، وهو محامٍ. وكان عمره 24 سنة. نظّم الجمعيّة تنظيماً كبيراً.
فاستعمل الراديو ومكبّر الصوت لينشر أفكاره التي وصلت إلى مليون شخص. روترفورد هو
الذي أعطى "دارسي البيبليا" اسم "شهود يهوه". وحوّل الجماعة من نظام ديموقراطي إلى
نظام تيوقراطي (حكم الله الذي يمثّله مكتب نيويورك).
وبعد روترفورد، جاء "كنور" الذي رأى والديه يرتدّان إلى شهود يهوه. بدأ الوعظ وهو
ابن 18 سنة. وتابع صعوده حتى صار المسؤول العام عن النشر.
وفي سنة 1942، صار رئيس الجمعيّة. فزاد في تنظيمها وقوّى دعايتها وخلق مدرسة لتكوين
"المرسلين". فتكاثر عدد شهود يهوه بشكل كبير. وهو الذي أنشأ سياسة "اليد الممدودة
والبسمة على الشفتين" بعد سياسة "ادخال الرِجل في الباب" ليفرضوا نفوسهم على الناس.
2- تنظيم قوي
يتنظّم شهود يهوه تنظيماً قوياً. أما المركز العالميّ للشيعة فنجده في بروكلين.
والاسم الرسميّ للمنظمة هو "برج المراقبة". على قمة الهرم نجد الحلقة المركزية التي
منها تنطلق كل التوجيهات، وإليها تعود جبراً كلّ المساعي التي تقوم بها الجماعات.
هذه "الجماعات الأساسيّة" تشبه رعايانا. يقودها "شيخ" تعيّنه الحلقة المركزيّة
بتوصية من الحلقة المحليّة. ويرئس هؤلاء "الشيوخ" "رئيس مراقب" (هذا هو المعنى
الاصليّ لاسم أسقف في اليونانيّة) يحيط به عدد من المسؤولين. وبين الجماعات
الأساسيّة والحلقة المركزيّة، هناك "دوائر" متوسّطة. وعلى كلّ مستوى تنظّم
الاحصاءات فتصل إلى نيويورك لتحرّك حماس "الشهود".
ويتصرّف شهود يهوه بمبالغ ماليّة ضخمة جداً من أجل منشوراتهم ومن أجل العاملين في
التبشير. أما من أين يأتي هذا المال؟ من بيع الكتب والكراريس، من الهبات التي
يقدّمها الأعضاء في حياتهم وخصوصاً بعد موتهم. وهناك "المشاركة الطوعيّة" التي
يُفرض على كل شاهد أن يدفعها بشكل منظّم.
ويعتبر الشهود أنهم كلهم خدّام الله. وعملهم الأساسي هو الكرازة من بيت إلى بيت مع
بيع الكتب والنشرات. وهناك فئات: المبشرون، يعطون بعض وقتهم. الروّاد العامون (مئة
ساعة في الشهر). الروّاد الخاصون (أقله 150 ساعة في الشهر). الروّاد يتقاضون بعض
الأجر، لا المبشّرون الذين هم عديدون جداً. وعلى كل حال، يُطلب من الجميع أن
يقدّموا تقريراً دقيقاً ومفصّلاً عن نشاطهم ومبيعاتهم، من أجل الاحصاءات العامة.
3- المجموعات المحليّة
إن شهود يهوه يسمّون تجمّع المنشّطين لهم "جماعةً" (أو: أخوية. ينادي الواحد الآخر:
أخ، أخت). وتتمّ الاجتماعات في مكان يُدعى "قاعة الملكوت". هناك اجتماع الأحد
المفتوح لعموم الناس. يدعون المتعاطفين الذين اكتشفوهم خلال الكرازة في البيوت.
يكون الاجتماع بعد الظهر أو في المساء: خطبة طويلة تدوم ساعة وتستند إلى نصوص
الكتاب المقدّس. أما التصميم وموضوع الخطبة فيصل من برج المراقبة. وكلهم مدعوّون
للاستماع إليها. لا تجمع الصينيّة، لكن يُقال للواصلين بأن هناك علبة "للمشاركات
الطوعيّة". وخلال الاجتماع يُحصى الحاضرون وترسل الأرقام إلى نيويورك.
خلال الاسبوع، هناك اجتماع الخدمة. يكون الأربعاء أو الجمعة مساء. يشارك فيه
الخدّام أو الذين يستعدّون. وهناك نشرة "خدمة الملكوت" تقدّم التصميم وموضوع
التفكير. بعد نشيد أو صلاة يدرسون مواد هذه النشرة. وكل شيء يُعطى في سؤال وجواب "واضحين".
وهناك اجتماعات أخرى، لا سيّما بعد اجتماع الأحد من أجل درس "برج المراقبة". وهكذا
يكرّس "الشاهد" خمساً أو ست ساعات للاجتماعات الأسبوعية.
نشير هنا إلى أن "عشاء الربّ" لشهود يهوه هو تذكّر لما فعله يسوع يوم خميس الأسرار.
أما بالنسبة إلى الكاثوليك، فالافخارستيا هي سرّ، هي لقاء مع يسوع القائم من الموت،
الحيّ والحاضر وسط أخصّائه. قال يسوع: خذوا وكلوا... إصنعوا هذا لذكري. فحين نحتفل
بالقدّاس نجعل كلمة الله حاضرة في جماعاتنا. وقال يسوع: من يأكل جسدي ويشرب دمي فله
الحياة الأبدية. وحين نتناول في القداس، يشركنا المسيح الحيّ في حياته هو الذي قام
من بين الأموات.
وإليك مراحل "الارتداد". يأتي إليك شهود يهوه. بعد عظة مهيّأة، يدعونك إلى شراء
نشرة أو كرّاس. إذا قبلت النشرة، يزورونك مرة ثانية ويشجّعونك على متابعة الدراسة.
في المرحلة الثالثة، دراسة الكتاب المقدس مع بضعة أشخاص سيتحرّرون شيئاً فشيئاً من
الأفكار العتيقة عن الله والديانة بأساليب "غسل الدماغ". الكتب المستعملة هي كتب
برج المراقبة. والكتاب المقدّس يسند تعاليم الشيعة التي هي الأهمّ. بعد هذا، يُدعى
"المتعاطف" إلى اجتماع درس الكتب، ثم إلى اجتماع الأحد، ثم إلى اجتماع الخدمة. وفي
النهاية، العماد بالتغطيس يكرّس شهود يهوه في مهمّة الوعظ وخدمة يهوه. هناك كثيرون
يعمّدون في العالم. ولكن عدد الذين يتركون ليس بقليل.
الفصل الخامس
شهود يهوه والثالوث الأقدس
بعد أن نتوقّف عند الكتاب المقدس وطريقة قراءته وعلاقته بالعلم، نتعرّف إلى
الأقانيم الثلاثة، إلى الآب والابن والروح القدس الذين باسمهم نعتمد من أجل حياة
جديدة تبني الكنيسة وتقدّس العالم.
1- قراءة حرفيّة للكتاب المقدّس
يحمل شهود يهوه الكتاب دوماً في أيديهم ويعودون إليه لكي يقنعوا محاوريهم في ما
يتعلّق بأساس تعليمهم. ويعتبرون أنهم وحدهم يستطيعون أن يبرهنوا عن كلّ شيء بواسطة
البيبليا التي يقرأونها قراءة حرفيّة. فالبيبليا في نظرهم تقدّم أحوبة دقيقة
ومحدّدة عن كلّ الأسئلة التي يمكن أن نطرحها حول الله والانسان، حول العالم
والتاريخ، حول العلم والأحداث المعاصرة، حول تلوّث البيئة ومشكلة البطالة.
يعود هذا الحماس للبيبليا إلى راسل الذي كتب اعتباراته في سبعة أجزاء. سماها "دراسات
في الكتاب" وقد اعتبرها مهمّة مثل الكتاب المقدّس!
لا يستعمل شهود يهوه كل ترجمة للكتاب المقدّس، بل الكتب المقدسة، ترجمة العالم
الجديد. قد نُشرت هذه الترجمة في ملايين من النسخات. أما المترجمون فما اهتموا
باللغات الاصليّة لكي ينقلوا عنها النصوص الملهمة، بل معتقداتهم وما فيها من انحراف.
مثلاً، نقرأ في مت 26: 28: "هذا هو جسدي". قالوا: "هذا يمثّل جسدي". لماذا؟ لأن
العشاء السريّ هو تذكّر فقط. وهكذا جاءت تعاليمهم تسيطر على الكتاب المقدّس. في يو
1: 1 نقرأ: "والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله". هذا يعني أن الابن هو الله،
شأنه شأن الآب. أما الشهود فقالوا: "وكان الكلمة إلهاً". وهكذا ينكرون لاهوت المسيح.
ثم من هو هذا "الإله" تجاه الله الواحد؟ هل هو إله من درجة دنيا؟ هل هو إنسان أعظم
من سائر البشر؟ هل هناك إله آخر بين الله والبشر نسمّيه "إله" أو كلمة أو يسوع؟ في
روم 13: 1- 7، نقرأ: نخضع للسلطات. أما هم فيقولون: للسلطات التيوقراطية.
ويتحدّث شهود يهوه عن البيبلييا والعلم. ولكننا نعرف أن الكتاب لا يهتمّ للأمور
العلميّة، بل يتوخّى أن يقول لنا مخطّط حبّ الله للعالم، ومشروع الخلاص الذي بدأه
مع الشعب العبراني وأتمَّه في المسيح. والتوراة، لا يقول لنا الله متى خُلق الإنسان،
بل يقول لنا إنه خُلق على صورته ومثاله، وإن الله خلقه من أجل الحب والسعادة.
يؤكّد شهود يهوه أن العالم خُلق سنة 46028 ق. م.، وأننا نستطيع أن نجد في التوراة
كل العناصر التي تسمح لنا بهذا القول. استندوا إلى سلسلة الأنساب وإلى تواريخ أخرا
وجدوها في أمكنة متعدّدة من الكتاب، فقالوا: من آدم إلى الطوفان: 1656 سنة. من
الطوفان إلى ابراهيم: 427 سنة. من ابراهيم إلى يسوع: 1945 سنة. المجموع: 4028 سنة.
نزيد عليها 42000 سنة. فالله خلق العالم في ستة أيام، وكلّ يوم يعدّ 7000 سنة.
وهكذا نكون في الألف السابع. وقام الشهود بحسابات اعتباطية مماثلة فدلّوا على أن
العالم ينتهي سنة 1914: أظنه أنه لم ينتهِ!
ويتحدّث الشهود عن 144000 مختار يعرفون وحدهم فرح السماء: هم وحدهم الكنيسة وجسد
المسيح! نحن نعرف أن 1000 (مكعّب 10) هو عدد كبير جداً. والرقم 12 يدلّ على شعب
الله في العهد القديم والعهد الجديد (12× 12). وهكذا يكون عدد المختارين كبيراً
جداً جداً. وسيقول فيه رؤ 7: 9: "رأيت جمعاً كثيراً لا يستطيع أحد أن يحصيه من كل
أمّة وقبيلة وشعب ولسان" (العدد 4 يدلّ على العالم كله). المسيح مات عنّا جميعاً.
وهو يدعو جميع البشر إلى أن يدخلوا في ملكوت الله. أتراه يكتفي بعدد قليل من
المميّزين ويترك الآخرين إما في جهنّم وإما على الأرض يعيشون عيش الحيوان في طعام
وشراب ورقاد؟ أما قال القديس بولس إن يسوع يريد أن يخلّص الجميع؟ هكذا صارت
البيبليا عند شهود يهوه كتاباً يستعملونه لأغراضهم وتعاليمهم المضلّلة.
أما نحن فنعتبر البيبليا كتاباً ملهماً، نعتبرها كلمة الله. وهي تعتبر مكتبة في حدّ
ذاتها مؤلفة من 73 كتاباً موزعاً على العهد القديم والعهد الجديد. نحن نقرأها في
التأمّل والصلاة، ونبحث عن معناها في الإطار الذي كُتبت فيه. لا ليس الكتاب المقدّس
مجموعة ايرادات ولا تنبؤات على مثال ما في نوستراداموس. وليس سلاح حرب به نهشّم
الخصم، بل كتاب يحدّثنا فيه الله ليقول لنا إنه يحبّنا.
2- من هو الله
يؤمن شهود يهوه بإله واحد. ذاك الذي كشف عن نفسه في العهد القديم. ويعتبرون أن اسمه
الحقيقيّ هو "يهوه" الذي نساه الناس خلال أجيال وأجيال، فكانت دعوتهم بأن يعيدوا
الاعتبار إلى هذا الاسم الإلهيّ. ماذا نقول في كلّ هذا ومن أين يأتي اسم يهوه؟
حين كشف الله لموسى عن اسمه قال له: "أنا هو الذي هو" (خر 3: 14). وهذا يُكتب في
العبريّة بأربعة حروف "ي ه و ه"، بدون حركات. ولكن يبدو أن اللفظ هو "يَهوَه".
لماذا نجهل لفظ هذه الكلمة؟ لأن بني اسرائيل رفضوا أن يتلفّظوا به احتراماً،
وفضّلوا أن يقولوا "أدوناي" (السيد). وحين يقرأون النصّ المقدّس، كل مرة ترد لفظة "يهوه"
يقولون: "أدوناي".
بعد القرن الخامس ق. م. لم يعد اليهود يفهمون العبرية، فتكلّموا الأرامية التي صارت
لغة دُوليّة في الشرق. ولكنهم ظلّوا يقرأون النصّ العبريّ، وإن كان بصعوبة، لغياب
حركات التشكيل. ولمعالجة هذا الوضع، قام العلماء الماسوريون (المحافظون على التقليد)
وجعلوا الحركات على الكلمات بين القرن الثامن والقرن الحادي عشر ب. م. وجعلوا للفظة
ي ه و ه الفتحة ثم الضمة ثم الفتحة فصارت يَهُوه. وسموا نفوسهم "شهود ياهواه". كلّ
هذا يدلّ على جهلهم. واللفظة المشكّلة بهذه الطريقة لا تعني شيئاً. ولكنهم لا
يستطيعون أن يتخلّوا عنها الآن، لأنهم يعتبرون هذا التخلّي خراباً. أما الأسم فقد
أخذوه سنة 1931 حير قرأوا أش 43: 12: "أنتم شهودي، يقول الربّ (يهوه)، وأنا الله".
أما إيمان المسيحيّين فهو بالله أبينا. نقول له في الصلاة التي علّمنا أيّاها يسوع:
"أبانا الذي في السماوات". وشهود يهوه يتعلّقون بيهوه ويعتبرونه الاسم الوحيد لله،
كما أعطي لموسى. وينسون أن موسى أخذه من قبائل مديان. كما ينسون أننا نجد أسماء
عديدة لله في الكتاب المقدّس: الله، العليّ، القدير، ربّ الأكوان، القدوس، الربّ.
وهناك صفات عديدة: إله ابراهيم واسحاق ويعقوب. والله عند شهود يهوه هو إله الخوف
والعقاب. ليس إله يسوع المسيح الذي يدلّنا على إله المحبّة والحنان.
3- يسوع المسيح هو الله
يؤمن شهود يهوه أن يسوع يحقّق مواعيد الله. يؤمنون أنه وُلد من مريم، ولكنهم ينكرون
لاهوته. فلا إله إلا يهوه. إذن، من هو يسوع في نظرهم؟ خليقة مميّزة، وأكمل ما خلقه
الله. كان ملاكاً قبل أن يأتي على الأرض، كان الملاك ميخائيل الذي شارك الله في خلق
العالم. هو لم يتجسّد، بل "انتقلت" حياته. وهكذا حين جاء إلى هذا العالم، لم يعد
خليقة روحيّة، بل صار كائناً بشرياً.
وهم يرون أن يسوع لم يصبح "المسيح" إلا في خريف سنة 29، حين تعمّد على يد يوحنا في
الأردن. قدّم حياته لأجل خطايانا "على عمود". وهكذا أعاد ابن الإنسان الحقّ بحياة
كاملة ولا نهاية لها على أرض كاملة هي أيضاً. ولكن لا لجميع البشر، لأن موت المسيح
لم يُفد الجميع.
وماذا يقولون عن قيامة المسيح؟ لم يعد المسيح القائم من الموت إنساناً، بل خليقة
روحيّة. فهو لم يقم بجسده الذي لم يعرف أحد ما صار إليه. وما ظنّ الرسل أنهم رأوه
كان شبه جسد بشري. ويؤكّد الشهود ذلك مستندين إلى نصوص العهد الجديد بعد أن
يفسرّوها على طريقتهم، على الطريقة الخاطئة. فهم ينتزعونها من سياقها. مثلاً: "الآب
هو أعظم مني" (يو 14: 28). "هو صورة الله غير المنظور وبكر كل خليقة" (كو 1: 15). "يخضع
الابنُ لذلك الذي أخضع له كلّ شيء، ليكون الله كلاً في الكلّ" (1 كور 15: 28). يرى
الشهود في هذه الآيات براهين على أن المسيح ليس الله. وإذ يصلّي يسوع إلى أبيه
ويطيعه، فهذا يعني أنه ليس بإله. فما هو إيمان الكنيسة الكاثوليكيّة؟
إن يسوع ابن الله قد صار إنساناً. هذا ما أعلنه مجمع نيقية سنة 325. فكان قانون
الإيمان. وإن مريم هي والدة الإله كما قال مجمع أفسس سنة 431. فحين يرى الشعب
المسيحي يسوع وأمه يمتلىء إعجاباً عميقاً لهذه المرأة التي ولدت ابن الله. أجل، نحن
نحيّي مريم "أم الله" لأن ابنها الذي حبلت به وولدته، هو حقاً كلمة الله. وفال مجمع
خلقيدونية (451): يسوع هو إله حقّ وإنسان حقّ. لقد رأى رعاة بيت لحم طفلاً نائماً.
ما كانوا يعرفون أن هذا الطفل هو ابن الله. ولكن المسيحيّين يعرفون أن يسوع هو ابن
الله، ولكنهم لا ينسون أن يسوع هو حقاً إنسان مثلنا. وتحدّث المجمع عن شخص (أقنوم)
يسوع في طبيعتين: الطبيعة الإلهية والطبيعة البشريّة. هو إله وهو يتصرّف كإله. وهو
إنسان وهو يتصرّف كإنسان. فإن صلّى، فالصلاة حوار مع الآب. الا يستطيع الابن أن
يحاور أباه؟ وإن خصع، فخضوعه خضوع المحبّة، وهو يخضع باسمنا تجاه عصيان آدم. وان
قال الآب أعظم مني، فهل ننسى أن مبادرة الخلاص جاءت من الآب دون أن تنفي مساواة
الابن له: "هكذا أحبّ الله العالم حتى أرسل ابنه". في كلّ هذا يعود الشهود إلى
تعليم أريوس الذي رفضته الكنيسة. ماتت الاريوسية والكنيسة تعرف أن أبواب الجحيم لا
تقوى عليها. وتموت هذه الشيعة وغيرها من الشيع، أما الكنيسة فباقية وهي جسد المسيح.
4- الثالوث الأقدس
رفض شهود يهوه لاهوت المسيح، لأن يهوه واحد وحيد. ويترجمون يو 10: 30 (أنا الآب
واحد) كما يلي: "أنا والآب على اتفاق": وللسبب عينه ينكرون ألوهيّة الروح القدس. لم
يكن الروح يرفّ على المياه في بداية الخليقة (تك 1: 3)، بل قوّة الله الناشطة، قوّة
لا شخصيّة. وهكذا ينكر الشهود عقيدة الثالوث التي هي بدعة شيطانيّة.
قالوا في "ليكن الله صادقاً": "يعود الثالوث إلى أصل ميتولوجيّ، إلى عالم البابليين
والمصريّين. ولا يعارض يهوديّ أو مسيحيّ بأن هؤلاء الشعوب عبدوا "آلهة شياطين".
لهذا حرّم على اسرائيل، الشعب النموذجي لله، أن يختلط بهذه الشعوب العابدة الأوثان".
وكيف يبرهنون عن قولهم؟ ينطلقون من عبارة زيدت على رسالة يوحنا الأول (5: 3) في ما
بعد، ويقولون: ليست هذه العبارة بصحيحة. ولكن هل الإيمان المسيحي يستند إلى آية
واحدة؟ هل ننسى أننا معمّدون باسم واحد، اسم الآب والإبن والروح القدس (مت 28: 20)؟
وكلام بولس في 2 كور 13: 13 يجعل الابن قبل الآب، فيدلّ على أن الأقانيم متساوية: "نعمة
ربنا يسوع المسيح، ومحبّة الله، وشركة الروح القدس معكم أجمعين". لماذا ترافق نعمةُ
الابن وشركةُ الروح محبّة الله، إذا كان الابن خليقة فقط (ماذا يستطيع أن يعطينا)،
وإذا كان الروح قوّة لا شخصيّة؟ ويحدّثنا بولس أيضاً في 1 كور 12: 4- 6 عن "الروح
الواحد، الربّ الواحد، الإله الواحد". وهكذا كان الروح في الدرجة الأولى قبل الربّ
والله، بل الابن والآب. وجاء الله في النهاية!
وفي هذا السياق يتحدّث شهود يهوه عن مريم أنها امرأة مثل كل النساء. ليست النقيّة.
ليست عذراء، ولا يحقّ لها بأي إكرام. كما يرفض الشهود كل الصور لأن الله منع هذه
الصور. لا شكّ في أننا لا نصوّر الله كالله، لأنه لا يُرى. ولكن يسوع "رأيناه
بعيوننا، سمعناه بآذاننا، لمسته أيدينا"، فلماذا لا نصوّره؟ ولماذا لا نصوّر مريم
والقديسين؟ فنحن نفس وجسد. والجسد يحتاج إلى أن "يرى" رؤية تصل به إلى الشخص الذي
يحاول الإنسان أن يتّصل به في الصلاة.
الفصل السادس
الانسان والعالم والكنيسة
ما هي نظرة الشهود إلى الإنسان وعلاقته بالحيوان، وإلى الكنيسة التي هي أكبر عدوّ
لهم، وإلى العالم الذي يسوده الشيطان، فنهرب منه؟
1- هل النفس خالدة
يرى شهود يهوه أن الإنسان أذكى من الحيوانات. ولكنه مثلها "نفس حيّة". وحين يموت
يموت كله، شأنه شأن الحيوانات. لا يبقى شيء منه. ليس فيه مبدأ روحيّ، ولا بذار
الخلود. ويستندون إلى نصوص بيبليّة يفسرّونها على هواهم. صنع الله آدم لكي يكون "نفساً
حيّة". كوّن أولاً جسماً بشرياً، وفيه نفخ، لا نفساً، بل نسمة حياة تنعش هذا الجسد
المائت. وهذا المزيج بين جسد لحمي ونسمة حياة يشكّل نفساً حيّة أو خليقة حيّة. ذاك
هو وضع كل ما يتحرّك ويتنفّس على الأرض".
"الحيّة" (الشيطان) هي التي اخترعت الخلود المرتبط بالنفس البشريّة. وهذا التعليم
هو أكبر كذبة نشرها الشيطان عبر العصور لكي يضل البشريّة ويستعبدها لديانات تأسّست
على مثل هذه الادعاءات".
وبعد أن أنكر الشهود خلود النفس، أعلنوا أنه يكون هناك قيامة. ولكن بما أن لا شيء
يبقى منا بعد الموت، في نظرهم، فلا نستطيع التحدّث عن القيامة بالمعنى الذي نعطيه
لهذه الكلمة. بل عن خلق كائنات جديدة، تختلف كل الاختلاف عمّا كنّا عليه قبل موتنا.
مثل هذا القول يتعارض مع الإيمان المسيحيّ الذي تسلّمناه من الرسل (1 كور 15: 20-
2؛ 1 تس 4: 13- 16). فيسوع الذي قام من بين الأموات وصار بكر الراقدين، قد انتصر
على الموت وهو يمنحنا الغلبة معه. وقد قال لنا يسوع: حيث يكون هو نكون نحن (يو 14:
2).
وفي النهاية يتحدّث الشهود عن ثلاث فئات من الناس: الموسومون (أو الممسوحون بالزيت)
هم القديسون المكرّسون. ولدهم الروح، وهم 144000. وحدهم يعرفون فرح السماء.
و"الخراف الأخرى" (يوناداب) لا يعرفون فرح السماء بل الفردوس الأرضي. هم مجموعة
شهود يهوه. و"الذئاب المتخفيّة في الخراف". كل الذين يرفضون المسيح. والكنيسة
الكاثوليكيّة. كلهم يعرفون "الموت الثاني" أي الدمار التام.
2- الديانات والكنائس
كل ديانة وكل كنيسة قد تأسّست على الشيطان. فهي فاسدة. "فالديانة هي أن يتمّ
الانسان كلّ عمل معارض لإرادة الله القدير. الشيطان هو الذي أدخل الديانة وسط البشر".
"الكاثوليك والبروتستانت واليهود يعتبرون أنهم يحملون إلى الشعوب السلام والازدهار.
لا شكّ في أنهم يدعون اسم يهوه، ولكنهم في الواقع يجهلون كلمته". ولكن يبقى الهدف
الأساسّي لشهود يهوه هو الكنيسة الكاثوليكيّة التي هي ألدّ عدوّ لهم. أول عدوّ
منظور لله، وأكبر عدوّ للناس، هو التنظيم الديني الكاثوليكي الروماني. لا تنسوا
أبداً أن السلطة الكاثوليكيّة الرومانيّة كنظام دينيّ تسمّى "العاهرة وبابل الكبرى
وأم الزنى ونجاسات الأرض". ركبت على مرّ العصور خيل السلطات السياسيّة والعسكريّة.
بماذا يتّهم الشهود الكنيسة الكاثوليكيّة؟ أولاً: نظام البابوية. ثانياً: إختراع
عقيدة الثالوث ولاهوت المسيح وخلود النفس. ثم زادت "التقليد" على الكتاب المقدس.
ومنعت ترجمة الكتب المقدسة، ونشرت عبادة الصليب والصورة وصلاة الوردية. كل هذا في
نظرهم هو عبادة أوثان.
ماذا نقول في هذه العقائد؟ لم تخترعها الكنيسة، بل اكتشفتها في الكتب المقدسة
وعبرّت عنها بلغتها. فالثالوث الأقدس يعني الآب والابن والروح القدس، يعني المحبّة
التي تملأ العالم. يعني عيلة السماء التي نحن كلنا أعضاؤها. ولاهوت المسيح هو ما
نعبرّ عنه حين نقول إنه يغفر الخطايا، ويقدّم الشريعة الجديدة، ويدشّن الملكوت.
وخلود النفس يعبرّ عن هدف الله بأن يشركنا في مجده، بأن يشركنا في قيامة ابنه. أما
العبادات فليست عقيدة إيمانيّة. هي تعابير صلاة تتوجّه في النهاية إلى المسيح.
فمريم هي والدة المسيح. والقديسون خدّامه. وإن كانت الكنيسة مؤلّفة من أبرار وخطأة
(مثل كلّ جماعة) فهي عائلة الله، المؤلفة من كل الذين يسعون للسير على خطى يسوع وهي
تنظر باحترام إلى سائر الديانات، لأنها طرق يسير فيها البشر وإن لم يكتشفوا بعد من
هو الطريق والحق والحياة.
3- العالم
يقول الشهود: هذا العالم هو عالم يسيطر عليه الشيطان. عالم يجب أن نهرب منه. عالم
سينتهي قريباً.
أولاً: العالم الذي نعيش فيه يسود عليه الشيطان
الشيطان هو في أصل الشّر الذي نلاحظه. فالعقائد الكاثوليكيّة والإيمان والأعياد
تعود كلها إلى الشيطان. وإبليس حاضر في الكنائس، في الدول، في الحكومات. كيف
يفسرّون حضور الشيطان في كلّ مكان؟
دخلت الخطيئة إلى العالم بواسطة ملاك سقط هو لوسيفر الذي دُعي إبليس ساعة حكم عليه
الله. كانت مهمة لوسيفر أن يعين آدم وحواء على حفظ الوصيّة. ولكنه تمرّد على الله
وطلب أن يُعبد كالله. فهو الذي في شكل حيّة دفع حواء إلى العصيان. لهذا حكم عليه
بالموت. ولكنه أخّر تنفيذ الحكم ليتيح له ان يكوّن لنفسه ذرية. منذ ذلك الوقت
وإبليس والملائكة الساقطون يدفعون البشر للابتعاد عن الله. حتى الطوفان كانوا
يستطيعون أن يلبسوا جسداً بشرياً. بعد ذلك أخذ منهم هذا الامتياز ولكنهم ما زالوا
يدفعون البشر إلى الشرّ.
مملكة الشيطان هي منظّمة قويّة تضم كائنات غير منظورة (الشياطين) وكائنات منظورة (الأشرار).
أما إبليس فهو إله كاذب يحاول أن يقتدي بالله. وقد صار ملك العالم سنة 607 ق. م.
ساعة سقوط أورشليم (هي سقطت بالأحرى سنة 587 ق. م.). وظلّ كذلك سبعة أزمنة أي 2520
سنة.
إبليس هو الذي أمات المسيح بواسطة حلفائه على الأرض. في سنة 1914، غلب فانحدر على
الأرض. وبما أن لا نشاط له في السماء، بدأ يعمل على الأرض مستعملاً الديانات
والكنائس والمنظّمات السياسيّة.
وحين تأتي معركة هرمجدون (أي جبل مجدو حيث كانت معركة بين الفرعودن ويوشيا سنة 609
ق. م.)، يقيّد الشيطان وتبّاعه لألف سنة، ويرمون في الهاوية. خلال تلك الألف السنة
لن يستطيعوا أن يغشّوا البشر. بعد ذلك، يفلتون لوقت قصير. وحين تنفيذ الحكم على
الخطيئة التي اقترفت في جنة عدن سنة 4025 ق. م.، يعود الشيطان وتبّاعه إلى العدم
بشكل نهائي.
ما هو إيماننا؟ إن موضوع الصراع بين النور والظلمة تقليديّ في العالم المسيحيّ (يو
16: 18). والتعارض بين المدينتين، مدينة الأرض ومدينة السماء، عرفه أوغسطينس. ولفظة
"عالم" تعني في بعض العبارات: أولئك الذين يرفضون المسيح (1 يو 1: 10)، الشّر الذي
جاء المسيح ينتزعنا منه (غل 1: 4)، ملكوت إبليس (أع 26: 18).
ولكن هذا لا يعني أن هناك جيشين في العالم، جيش الأخيار وجيش الأشرار (كما قالت
جماعة قمران اليهوديّة). فالصراع بين الخير والشّر يتجذّر في كلّ واحد منا. لا
نستطيع أن نعرف من هم لله ومن هم ضدّ الله. "لا تدينوا لئلا تدانوا" (لو 6: 37).
أما شهود يهوه فيؤكّدون أن كلّ الذين لا ينتمون إلى شيعتهم يعملون بقيادة إبليس.
فكأن لا خير إلا عند شهود يهوه. لا شكّ في أن الشر موجود. ولكن لماذا لا نعرف أن
ننظر إلى قدرة الله التي تخرج الخير من الشّر، وتدعو الخطأة إلى التوبة، وتدعو جميع
البشر إلى العدالة والحق والأخوّة؟
ثانياً: نهرب من العالم
بما أن العالم شّرير في جذوره، يجب أن نهرب منه. هذا ما يقوله شهود يهوه ويعدّدون
الشرور. يرفض الشاهد كلّ خدمة وطنيّة أو عسكريّة، لا يقترع في الانتخابات، لا ينضمّ
إلى نقابة ولا إلى حزب ولا إلى تجمّع حتى لو كان خيرياً.
يرفض الشهود المشاركة في المهمّات الاجتماعيّة والسياسيّة، كما يرفضون الحرب للدفاع
عن السلام والعدالة والمضايقين والمتألّمين... فالحبّ الأخويّ في نظرهم يقوم بأن
يعرّفوا القريب إلى يهوه. وإن كان هناك من عمل خير فمع شهود يهوه فقط.
ما الذي نؤمن به؟ لقد أحبّ الله العالم حتى وهب له ابنه الوحيد. هو لم يرسل ابنه
إلى العالم ليحكم على العالم، بل لكي يُخلّص به العالم (يو 3: 16- 17). فالتعليم
المسيحيّ لا يميل بالناس عن بناء العالم، بل يدعوهم إلى العمل من أجل نموّ الأرض.
ثم إن المؤمن الذي لا يحارب الظلم هو مؤمن أقلّ من عاديّ، هو صورة مشوّهة عن الله.
ثالثاً: نهاية العالم قريبة
ويعود موضوع في عظات شهود يهوه: نهاية الأزمنة. ويصوّرون هذا الحدث كأعظم ثورة في
العالم. وحين تتمّ معركة هرمجدون تكون نهاية العالم الشّرير، نهاية النظام الحاضر
للأشياء، والانتصار النهائي لملكوت الله.
اعتبر راسل أنه يعرف هذه النهاية. سنة 1874. ثم سنة 1914. ثم سنة 1918. ولكن شيئاً
لم يحدث. فقال روترفورد: 1925 ثم 1930... ثم 1975. بعد هذه السلسلة من الأرقام
تريّث شهود يهوه، ولكنهم ما زالوا يعلنون قرب نهاية الأرمنة.
أما نحن فنقول: لا يعرف أحد ذلك اليوم ولا تلك الساعة. وحين نقرأ سفر دانيال وسفر
الرؤيا، نفهم أننا أمام نظرة إلى التاريخ الذي حصل، لا ذلك الذي سيحصل. فالكتاب
المقدس لا يتضمّن معلومات ترضي فضولنا، بل يدعونا لنعرف حبّ الله لنا، والسعادة
التي يهبها للذين يحبّونه. سأل الفريسيون يسوع يوماً: متى يأتي ملكوت الله؟ فأجابهم:
"لا يأتي ملكوت الله بالرصد. ولا يقال: هو هنا أو هناك. لأن ملكوت الله في داخلكم"
(لو 17: 20- 21). وأورد متّى كلمة أخرى ليسوع: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا
يعرفهما أحد" (24: 36).
هكذا نبّهنا يسوع. يبقى أننا ننتظر مجيء المسيح المجيد في نهاية الأزمنة. ونحن
نحتفل بهذه العودة ونسبّق عليها في كلّ مرة نجتمع للافخارسحيا. نقول للربّ: تعال
أيها الربّ يسوع. فيقول لنا: ها أنا آتٍ عن قريب. بل بدأ مجيئه يوم مات على الصليب
وقام من القبر. وهو سيأتي في مجد عظيم ليدين الأحياء والأموات.
خاتمة
تلك نظرة سريعة إلى شهود يهوه، هذه الشيعة التي تركت خراباً كبيراً في الكنيسة وفي
العالم. ضحاياها من ضعاف النفوس، ضعاف القلوب، ضعاف الجياب. تقوم بعملية غسل في
دماغهم، تأخذهم في براثنها فلا يعودون يفلتون. تضع الخوف في قلوب الناس، وتدعوهم
إلى الالتحاق بها لكي ينجوا من الدمار الآتي، وويا ليتها تسعدهم جميعاً. فهناك فقط
144000 نقداً وعداً يشاركون المسيح في سعادة السماء. أما "الشهود" الباقون فيعيشون
في فردوس أرضي، يأكلون ويشربون وينامون. وأسلوبها تبسيط الأمور في قراءة حرفيّة
للكتاب المقدّس، وتأكيد للمعتقدات التي تبدو واهية، وإعلان بأن الحقيقة وحدها معهم
وكأنها شيء يمتلكونه.
خراف عديدة تترك قطيع الربّ. أين هو الراعي؟ أين هم الإخوة لا يلتفتون إلى إخوتهم؟
أين هي الكنيسة بكلّ مؤسّساتها؟ أين هي المنظّمات الرسوليّة؟ ولماذا لا يكون كلّ
واحد منا رسولاً؟ لماذا لا نتعلّم إيماننا، ولماذا نبقى جهلَة فنترك أشخاصاً من
الشيع يضلّونا ويستغلّون جهلنا؟ ينشر شهود يهوه مجلة اسمها "استيقظوا". يا ليتنا
نحن أبناء النور نستيقظ ولا نترك أبناء الظلمة يشتّتون قطيع الله!
القسم الثالث
الردّ الكتابي على
تعاليم شهود يهوه
يتضمن هذا القسم ثلاثة أمور:
1- من هم شهود يهوه؟ لمحة عن مؤسّسيهم.
2- ما هو اسمهم؟ وهل لله اسم علم؟
3- تعاليمهم بحسب كتبهم ومراجع الكتاب... والردّ عليها من الكتاب المقدّس.
الفصل السابع
من هم شهود يهوه
التعرّف إليهم وإلى مؤسّسيهم ضروريّ جداً، لأنه "من ثمارهم تعرفونهم" (مت 7: 15).
ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1876)، قامت حركة الذين سيسمّون أننسمهم
فيما بعد (1931) شهود يهوه.
1- راسل
أ- مولده
أسّسهم القس تشارلز تاز راسل 1852- 1916، في بلدة بتسبرغ الأميركية وهو من أصل
ايرلندي. نشأ على البدعة البرسبيتاريّة فتشّرب مبدأ تحديد المصير الأبديّ. وحضر
صدفة اجتماعاً للادفنتيّين بعمر 24 سنة واستمع فيه إلى خطبة فاندل عن اقتراب عودة
المسيح وقيام ملكه الألفي وبطلان عقيدة جهنّم والهلاك النهائي فتأثّر بها جداً...
وبدأ منذ ذلك الحين مطالعة الكتاب المقدس. ثم هجر الادفنتيّة وأقام نظاماً دينياً
خاصاً به. ونشر بحوثاً كتابيّة، وادّعى أنه النبي السابق لمجيء المسيح...
وكان يطلق على اتباعه اسم "دارسي التوراة". وأسّس سنة 1879 مجلة "برج المراقبة"،
وسنة 1881 "جمعيّة برج المراقبة" لنشر تعاليمه في كل العالم. أقام راسل مكتباً
للمحاضرات الكتابيّة مؤلفاً من 70 عضواً لنشر أفكاره ومؤلفانه، وأضاف إليه مكتباً
مساعداً يضم 700 عضو.
دعاه مشايعوه "القس" مع أنه لم يقتبل درجة من درجات الرسامة الكهنوتيّة (وقد اعترف
بذلك أمام المحكمة لدى محاكمته).
أكّد أن سنة 1914 ستكون فاتحة العهد الألفيّ للمسيح (حسب الرؤيا 3: 21)، وأن سنة
1918 ستشهد انقراض البابوية. لكنه مات سنة 1916 وهو في القطار الحديدي... قبل أن
يشهد انقراض البابويّة...
ب- لمحات من حياته
ادّعى معرفته اللغة اليونانيّة. وكان يسرد نصوصاً من الكتاب مدعياً تحريف الكنيسة
لها.. لكن المفاجأة كانت عندما قدم له القاضي في المحكمة كتاباً يونانياً ليقرأ فيه،
فحمله "بالمقلوب". ثم اعترف أمام لجنة التحقيق 1913 أنه يجهل كلياً اللغة
اليونانيّة وأنه لا يعرف حتى حروف الهجاء منها...
عام 1906 ربحت زوجته دعوى الطلاق عليه بعد مرور 27 سنة على زواجه، بسبب خيانته
الزوجيّة مع "روز بال" أمينة سرّه، و"اميلي ماتويز" خادمته (إذ فاجأته في غرفتهما)
وقد أثبتت المحكمة ذلك في دعوى الطلاق... ولكي يتهرّب من الدفع لزوجته معاشاً حوّل
ثروته الطائلة (100 مليون فرنك فرنسي) للجمعية... واحتفظ لنفسه بـ 47 سهم من أصل 50
تملكها الجمعية وبإدارته هو.
بعد حين ادّعى أمام فلاّحين بسطاء أن قمحه عجائبي، فباعهم 1/2 12 كيلو ب 60 دولاراً...
ولكن مردود القمح لم يكن عجائبياً كما ادّعى. فأصدرت المحكمة بحقّه حكم نفاق
واختلاس وطلبت منه ردّ المال المسلوب...
(فهل صمت الله 19 قرناً ليكلّم شعبه بإنسان هكذا؟ وهل هكذا هم رجال الله الذين
يبلّغهم مقاصده)؟
2- روترفورد
ولم يكن خليفته بأفضل منه. فمن دُعي "بالقاضي" جوزف روترفورد ليس قاضياً، بل موظّف
في المحكمة المدنية... تمكّن بسبب طول الخدمة من الالتحاق بنقابة المحامين في
يونفيل- مسّوري 1892. وفيها بحسب نظام تلك المقاطعة ينتخب من المحامين واحداً يقوم
مقام القاضي الأصيل إذا تغيّب لمدة قصيرة، واتفق مرة عندما انتخب روترفورد لهذه
النيابة، أنه ناب عن الحاكم 4 أيام في غيابه نظر أثناءها في حادثين بسيطين...
فاشتقّ لنفسه لقب قاضٍ، وراح يقدّم به اسمه في كل مؤلّفاته ليعظم شأنه في نظر الشعب
البسيط.
وقد أقيمت عليه دعاوى بتهمة تصرّفات مخالفة لأصول المهنة (1894 و1895 و1897).
وعام 1918 حُكم عليه بالسجن لمدة إحدى عشرة سنة مع سبعة من رفاقه لكلامه ضد الخدمة
العسكرية وزرعه روح التمرّد والخيانة في صفوف البحرية الأميركيّة والجيش. إلاّ أن
عفواً تاماً صدر عام 1919 فأطلق سراحه لقاء كفالة مالية (ألف دولار أميركي للشخص
الواحد).
وعام 1920 ادّعى أن ملايين من الذين هم أحياء اليوم، لن يموتوا أبداً بعد سنة 1920.
وأنه بإمكاننا أن نكون شهوداً لعودة ابراهيم واسحق ويعقوب وغيرهم من مؤمني العهد
القديم ليمثّلوا النظام التيوقراطي الجديد على الأرض 1925.
ولعودة الآباء بنى لهم قصراً سماه "بيت شاريم" أو قصر الأمراء. ولما لم يأت أحد
منهم سكن هو وامرأته وابنه عام 1929 فيه... وكان يقضي فيه فصل الشتاء... حتى موته.
وقد توّج "النبي الكاذب" تأكيده هذا بنصحه للمتزوجين من شهود يهوه أن يتجنّبوا حدوث
الحمل تلك السنة، كي لا يثقلوا بالصعوبات التي تنشأ عنه...
وحدث ليلة 6 شباط 1925 أن تجمّع في مدينة نيويورك حشودٌ ضخمة من شهود يهوه وهم
يلبسون أكفاناً بيضاء تعبيراً عن إيمانهم بقيامة الأموات المتوقّعة التي وعدهم بها
روترفورد في أول نيسان أي بعد عدة أسابيع... وقد أثّرت خيبة نبوءة 1925 تأثيراً
سلبياً بالغاً على أوضاع شهود يهوه لعدة سنوات... حيث نقص عدد المشتركين معهم...
وكانت تلك السنة سنة تجارب لكثيرين منهم بحسب كتابهم" "لتكن مشيئتك على الأرض" (ص
336).
3- ناتان
خلف روترفورد "الأخ" ناتان هومركنور (مواليد 1905)، وهو أميركي بروتستنتي- كالفيني
الأصل. وهو الذي أبدل كلمة "الله في الكتاب المقدس" بكلمة "يهوه"... مع كثير من
التحريف، لكي تلائم تعاليمهم.
الفصل الثامن
اسمهم وارتباطه باسم الله يهوه
لم يهتدوا إلى هذا الاسم "شهود يهوه" إلا عام 1931، حيث عقد ممثّلو البدعة مؤتمراً
دولياً غايته تسمية الحركة فاهتدوا إلى أشعيا 43: 10: "أنتم شهودي يقول يهوه"...
وكذلك أش 44: 8 وإر 15: 16 (ليكن الله صادقاً ص 228).
وقبلها كان اسمهم "الراسليين" و"تلامذة التوراة" و"مؤمني الفجر الألفيّ" و"العهد
الذهبي" و"برج المراقبة" وغيره من الأسماء... ويشدّدون في كتبهم أن الأسم "يهوه"
ورد في الأسفار العبرانيّة بحروفه الأربعة الساكنة (ي ه و ه) (يود هاي قوف هاي)
(6823 مرة). وأن هذا الإسم لم يستعمل حتى عهد موسى (خر 6: 3) (ليكن الله صادقاً ص
27 و29). و"أن الله هو يهوه، فلا يجوز أن يسمّى بعير اسم يهوه" (ليكن الله صادقاً ص
228 فرنسي). فهل الله اسم علم كما يدّعون؟ وما معنى كلمة "يهوه"؟
النصّ الذي يستندون إليه هو خر 3: 13- 15.
التعليق على النصّ
ان جواب الله لموسى العائش بين شعوب وثنيّة تعودت أن تطلق على آلهتها أسماء مختلفة،
يؤكّد أن ليس لله اسم علم مثل الآلهة الوثنية بل هو جوهر إلهي، لا يُعرف إلاّ من
خلال أعماله، "هكذا تقول لبني اسرائيل (أ ه ي ه) أرسلني إليكم"... وقال مرة أخرى...
"يهوه" أرسلني إليكم. الاثنان يحملان نفس المعنى وهو "أكون" أو "الكائن"، ومعناها:
أنا هو الذي هو (أهيه الذي أهيه)، أو أنا الذي أنا، أو أنا من أنا. ولا الترجمة
السبعينيّة التي اعتمدها اليهود... وكذلك الرسل (باليونانيّة) النصّ فيها هكذا: "أنا
هو الكائن" Ego eimi o on أهيه= الكائن o on. أما لفظة "يهوه" العبرية، فترجمتها في
السبعينية Kyrios (بالعربي الربّ). والترجمات الحديثة لها: Je suis celui qui suis
(B. J.) Je suis qui sera (T. O. B).
ان كلمة "يهوه" وردت في العهد القديم بالأحرف العبرانية الساكنة أكثر من 6000 مرة
كما ذكرنا... غير أن الترجمة اليهوديّة "السبعينيّة" (القرن الثالث ق. م.) التي
نقلت الكتاب إلى اليونانيّة، ترجمتها بلفظة Kyrios (أي الربّ).
ذلك لأن اليهود من بعد السبي إلى بابل (586- 539 ق. م.) كانوا يخافون ذكر اسم "يهوه"
فصاروا يكتبونه ولا يلفظونه منذ القرن الرابع ق. م.
ويلفظون عوضاً عنه كلمة "أدوناي" يكتبونها فوق الأحرف الأربعة الساكنة (ي ه و ه) "أدوناي".
ولما ترجموا العهد القديم إلى اليونانيّة، لم يترجموا لفظة يهوه، بل ترجموا مرادفها
(ادوناي) بـ Kyrios (ربّ) وهكذا لم تظهر قط لفظة "يهوه" باليونانيّة التوراتيّة.
وكان اليهود قسمين:
1- في فلسطين وجوارها يتكلّمون الآراميّة وهؤلاء يكتبون "يهوه" ويلفظون "أدوناي".
2- في الشتات (ولغتهم يونانيّة) وهم الأكثرية، وهؤلاء يكتبون ويلفظون Kyrios في كل
صلواتهم وتلاواتهم الدينية.
والرسل استعملوا النصّ اليونانيّ (المعروف بالسبعينية). وكتبوا كذلك باليوناني
الإنجيل كله، وعليه لم يستعملوا سوى لفظة "كيريوس" (ربّ) وأطلقت على الآب، وعلى
يسوع دون تفريق. "أحمدك يا أبت" ربّ "السماء والأرض"... (مت 11: 25، لو 10: 21)
فكيف نفرّق بين تسمية الآب كيريوس، والابن كذلك؟
فإذا كان "يهوه" هو اسم الله "العلم" فلا بد أن يظهر في العهد الجديد. (وهم يعترفون
أن يسوع هو أول شاهد ليهوه). والحال أن العهد الجديد كله، لا نجد فيه مرة واحدة ذكر
اسم "يهوه"... ويسوع يتوجّه إليه كآب، ويطلب إلينا أن نصلّي إلى "الآب". وعندما
يقول عرفتهم اسمك (لا يذكر أن اسمه يهوه).
كما أنه في المخطوطات السبعينية كلها للعهد القديم لا وجود لكلمة يهوه بل "كيريوس"،
كما ذكرنا، وهي ترجمة "أدوناي" العبرية، "وثيوس"، وهي ترجمة "الوهيم" العبرية. لذلك
نسب الكتاب الملهمون لفظة "كيريوس" إلى يسوع. ولفظة "ثيوس" إلى الآب.
فإذا استبدلنا لفظة "كيريوس" في العهد الجديد بلفظة "يهوه"، ماذا يحدث؟ وهل يقبل
شهود يهوه بذلك؟ فإن يسوع في العهد الجديد هو "كيريوس" أي "يهوه"؟... "إذا اعترفت
بفمك أن يسوع هو الربّ (كيريوس) أي (يهوه)" (رو 10: 9). لا أحد يقدر أن يقول يسوع
ربّ (كيريوس) إلاّ بالروح القدس (1 كور 12: 3). كما أن عبارة Ego eimi (اليونانيّة)-
(أهيه العبرية)... أي "اكون" ومنها كلمة "يهوه" أي الكائن. وردت 4 مرات في يوحنا عن
يسوع:
- إن لم تؤمنوا اني أنا هو تموتون في خطاياكم... (يو 8: 24- 25)
- إذا ما رفعتم ابن البشر عندئذٍ تعرفون اني أنا هو (يو 8: 28)
- الحقّ أقول لكم قبل أن يكون ابراهيم أنا هو (يو 8: 57- 59)
- حتى إذا ما كان تؤمنون اني أنا هو (يو 13: 19).
وفي كل مرة كان اليهود يتّهمونه بالتجديف: (اي مساواة نفسه بالله) لذلك أخذوا حجارة
ليرجموه (يو 8: 57- 59). هذا يعني أن اليهود كانوا يفهمون قصده تماماً (أو اعلان
ألوهيته ومساواته لله) ولذلك حكموا عليه بحسب كتابهم: لاويين 24: 16؛ وحز 28: 2.
في كتاب أعمال الرسل 1: 8 يقول الربّ يسوع لتلاميذه: ستنالون قوة بحلول الروح القدس
عليكم فتكونون لي شهوداً... (أي يسوع المسيح) لا يهوه، لأن يسوع هو "يهوه" الله
يخلص.
وفي الرسالة إلى فيليبي (2: 10- 11): لكي تجثو لاسم يسوع (لا يهوه) كل ركبة في
السماء وعلى الأرض وتحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله
الآب.
وفي نهاية مت 28: 19 (بعد قيامته) قال يسوع لتلاميذه: اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم
وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس: تلمذوهم باسم الثالوث الأقدس (أي علّموهم)
وعمّدوهم باسم الثالوث الأقدس، لا باسم يهوه.
فإن الله الذي أعلنه لنا يسوع وكشف سرّه، هو الآب والابن والروح القدس إله واحد
آمين.
الفصل التاسع
في الثالوث الأقدس وألوهة الإبن
وألوهة الروح القدس
1- في الثالوث
يقول الشهود: "إن عقيدة الثالوث ابتدعها إبليس" وهي وهم وضلال وخدعة وكذب (المصالحة
ص 130).
وفي كتابهم "كشف القناع" ص 48: "تعليم الثالوث تعليم زور وبهتان يبثّه الشيطان".
ويقول الشهود: انه ليس في الكتاب المقدّس لفظة واحدة عن الثالوث وإن أول عالم من
صاغ هذه العبارة هو رجل دين "ترتليانس" عاش في القرن الثاني... (ليكن الله صادقاً ص
105).
الردّ الكتابي: في الواقع، إن أول من استعمل لفظة ثالوث مع مشتقاتها هو تيوفيلس
الانطاكي (181) وليس ترتليانس. كما أن الكنيسة منذ مهدها كانت تعيش هذا الإيمان
بالثالوث الأقدس دون أن تدوّنه في قانون... ولم تفعل ذلك إلاّ بسبب ظهور اريوس
وغيره آنذاك وشهود يهوه وغيرهم اليوم. فالقديس يوحنا يقول في 1 يو 5: 7- 8: "إن
الشهود في السماء ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس... وهؤلاء الثلاثة هم واحد" (هذا
النصّ يعود إلى اللاتينيّة الشعبيّة وبعض النسخ اليونانيّة القديمة منذ القرن
الرابع). وفي مت 28: 19: "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمّدين إياهم باسم الآب والابن
والروح القدس" ذكر واضح للثالوث الأقدس. وفي 2 كور 13: 13: "نعمة ربنا يسوع المسيح
ومحبّة الله الآب وشركة الروح القدس معكم أجمعين". ونلاحظ هنا لا فقط ذكر الثالوث
الأقدس، بل أن اسم الربّ يسوع ورد قبل اسم الآب... وهذا يعني المساواة في الجوهر.
وفي الواقع، إن اعتراضهم على الثالوث الأقدس، هو اعتراض ونفي لألوهيّة الابن والروح
القدس والمساواة مع الآب في الجوهر.
2- ألوهة المسيح
فعن المسيح يقول الشهود صراحة في كتابهم (ليكن الله صادقاً) ص 41- 42: "المسيح ليس
إلهاً ولا مساوياً للآب)... وفي كتاب آخر (الحياة الأبدية في حرية أبناء الله ص
70). "ان المسيح والله ليسا متساويين في ثالوث مؤلف من ثلاثة أقانيم في إله واحد".
الردّ الكتابي: اسمعوا ماذا تقول الرسالة إلى أهل فيليبي فصل 2: 5- 8: "ليكن فيكم
من الأفكار والأقوال ما هو في المسيح يسوع، الذي إذ هو في صورة الله، لم يكن يعتد
مساواته لله اختلاسا لكنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه البشر وموجوداً
كبشر في الهيئة". وفي يو 10: 30- 33 و36- 39.
تعليق على النصّ:
1- أنا والآب واحد. في اليونانية Ego kai o Pater en esmen. فعل كان en هنا هو
بصيغة الحاضر (نكون). فلولا المساواة مع الآب لكان ذكر يسوع نفسه (أنا - Ego) قبل
الآب بعنجهية وكبر.
2- لأجل تجديف نريد رجمك... لأنك تجعل نفسك إلهاً وأنت إنسان.
هذا يعني أن اليهود فهموا جيداً أن يسوع يظهر ألوهته ومساواته للآب (ولذلك فكّروا
بالرّجم بحسب الأحبار 24: 16).
ويسوع في جوابه لم ينكر هذا القصد، بل أكّده من جديد بقوله إن الآب قدّسه وأرسله
إلى العالم. ولأنه يعمل أعمال الآب فبنوّته إذاً صادقة وثابتة. وأعماله دليل أن هذا
الابن هو من ذاك الآب... وهذا يعني أنه في الآب وأن الآب فيه... ولأنهم فهموا أيضاً،
طلبوا القبض عليه. وفي يو 5: 18: كان اليهود أيضاً يطلبون قتله، لأنه كان يدعو الله
أباه مساوياً نفسه بالله. وعندما سأله فيليبس: "يا رب أرنا الآب وحسبنا؟"... أجاب:
"أنا معكم كل هذا الزمان ولا تعرفني... من رآني فقد رأى الآب" (يو 14: 9). وفي رؤ
14: 1: "عليهم اسمه واسم أبيه مكتوباً على جباههم". كلمة مكتوباً وردت بالمفرد،
واسم يسوع ورد قبل اسم الآب. وهذا دليل مساواة. وفي رؤ 7: 17: وكذلك رؤ 22: 3- 4: "سيكون
عرش الله والحمل، فيعبده عباده وينظرون وجهه ويكون اسمه على جاههم... عرش واحد للآب
والابن... واسم واحد وعبادة واحدة، لأن الآب والإبن واحد في الجوهر.
وفي الرسالة إلى أهل كولسي 2: 9، يقول بولس الرسول: "اذ في المسيح يحلّ كل ملء
اللاهوت جسدياً". كلمة لاهوت هنا تعني الألوهة. في الأصل اليوناني الكلمة هي
Théotétos= divinité بالفرنسي. وفي روم 9: 5: "ومنهم المسيح بحسب الجسد الذي هو فوق
الكل الله المبارك إلى الأبد". في اليوناني: الله théos الكل Penton فوق epi الكائن
on.
وفي تيطس 2: 13: "فنحيا... انتظار الرجاء السعيد، وتجلي مجد الهنا العظيم ومخلّصنا
يسوع المسيح".
باليونانية (أي حرفياً): المخلص يسوع Kai sotéros ymon الله العظيم théou.
هذا الأسم: "الله العظيم" ورد في نحميا: 1: 5 "يهوه إله السماء أنت الله العظيم".
وفي تث 10: 17: "يهوه إلهكم هو إله الآلهة وربّ الأرباب الله العظيم". ولعلّ النصّ
الذي يتناوله الشهود أكثر بالتشكيك في ألوهيّة الإبن هو بداية إنجيل يوحنا 1: 1: "في
البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله". ففي بعض الترجمات وردت
العبارة الأخيرة هكذا: "وإلهاً كان الكلمة". وهم يعتمدون هذه الترجمة ويعلّقون على
عبارتَي "في البدء" و"إلهاً"... ليقولوا: هو إله وليس الله. (المسيح إذاً هو إله من
الدرجة الثانية- مخلوق من الله) (ليكن الله صادقاً ص 112) "تعليم راسل".
الردّ الكتابي والتعليق على النص:
1- ثبت من ملف الدعوى التي أقيمت على راسل، أنه كان يجهل اليونانية تماماً...
فترجمته إذاً باطلة.
2- لنعود إلى النصّ الحرفيّ لهذه الآية باللغة اليونانية... مع الترجمة والمعنى...
العبارة اليونانيّة هي هكذا بأحرف عربية: "إن أرخي اين اولوغوس ك أولوغوس اين بروس
تون ثيون ك يوس اين أولوغوس": في بدء كان الكلمة والكلمة كان عند ال إله وإلهاً كان
الكلمة.
هذه هي العبارة الحرفية مع الترجمة الحرفية لها. إلاّ أن الترجمة الحرفيّة أحياناً
تغيرّ المعنى، لأنها لا تراعي أصول اللغة اليونانيّة. فمثلاً: عندما يتقدّم الخبر
على المبتدأ في اللغة اليونانية القديمة (وهي لغة الإنجيل) لا تستعمل أداة التعريف
لهذا الخبر، وذلك للتشديد على الحقيقة التي يحملها. ولذلك في الترجمة يعاد المبتدأ
إلى مكانه. وترد للخبر أداة التعريف المحذوفة فيستقيم المعنى. كما هي الحال في "ك
يوس اين أولوغوس" فالترجمة الصحيحة هي هكذا: "وكان الكلمة الله".
ولنبيّن ان حذف ال التعريف من كلمة الله لا ينتقص من ألوهته نورد مثلين:
أ- مع ال التعريف (عن الابن) في يوحنا 20: 29 "أجاب توما وقال أنت ربيّ وإلهي"
النصّ باليوناني: أوكيريوس مو ك أوثوس مو
الترجمة الحرفية: أنت الربّ لي والله لي.
ب- بدون ال التعريف (عن الآب) 1 تيمو 1: 1 "سلام من الله الآب"
النصّ باليونانيّ: ايريني أيو تو باتروس.
الترجمة الحرفية: سلام من إله الآب. (فهل تسمية الآب إله هو انتقاص أو شكّ بألوهيته).
3- ان كلمة "ان أرخي" (في البدء) لا تعني البداية بل المبدأ الأول أي الذي يعطي
البدء للخليقة. ولا يفهم هذا المعنى إلاّ بمتابعة النصّ- يعني: الذي به كل شيء كان
وبدونه لم يكن شيء مما كان. وهناك أيضاً اعتراض مضحك، يقولون فيه عن المسيح إنه
الملاك ميخائيل- أو رئيس الملائكة عند الله. فلنترك الرسالة إلى العبرانيّين 1: 5-
8 تجيب بقوة على هذا الاعتراض. ومن له أذنان للسماع فليسمع: "لمن من الملائكة قال
قط أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. وأيضاً أنا أكون له أباً وهو يكون لي إبناً. وحين
يدخل البكر إلى المسكونة ثانية يقول: لتسجد له جميع ملائكة الله. وعن الملائكة يقول
صنع ملائكته أرواحاً وخدامه لهيب نار. وأما الابن فيقول له: إن عرشك يا الله إلى
دهر الدهور... الخ".
3- ألوهة الووح القدس
يقول الشهود عن الروح القدس: "ان زعم رجال رجال الدين أن الروح القدس شخص روحيّ مع
الآب والإبن هو زعم مبنيّ على أساس واهن" (ليكن الله صادقاً ص 113). "ان الروح
القدس ليس شخصاً ولا كائناً ولا إلهاً" (المصالحة ص 141). "ان كلمة روح تعني الريح
والنسمة... فلا دخل لها في عقيدة الثالوث ولا وجود للروح القدس كأقنوم" (عقيدة
التثليث ص 8).
الردّ الكتابي:
1- في الآيات العديدة التي يتكلّم فيها على الروح القدس، لا يمكننا احلال كلمة ريح
محل الروح القدس: يقول يسوع لرسله: "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمدين إياهم باسم
الآب والإبن والروح القدس" (مت 28: 19). فأي معنى يكون للتعميد باسم الآب والإبن
والريح أو النسمة. وأيضاً: "ان لم يولد أحد من الماء والروح، فلا يقدر أن يدخل
ملكوت السماوات" (يو 3: 5). فهل يمكن القول ان لم يود من الماء والنسيم؟
2- الروح القدس هو "أقنوم- أي شخص": وهذا ما تعنيه كلمة "المعزي" (التي لا تنسب
إلاّ إلى شخص) "وأنا أسأل الآب فيعطيكم معزّياً آخر ليقيم معكم إلى الأبد روح الحقّ"
(يو 14: 16- 17). "وأما المعزي الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلّمكم كل شيء" (يو 14:
26)... فهو إذاً معكم. وهو يشهد للمسيح. "ومتى جاء المعزي الذي أرسله إليكم من عند
الآب روح الحقّ الذي من الآب ينبثق فهو يشهد لي" (يو 15: 16) وهو يقيم رعاة للكنيسة:
"احذروا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أتاكم فيه الروح القدس أساقفة لترعوا كنيسة
الله التي اقتناها بدمه الخاص" (أع 20: 28) فهذا كله ليس ريحاً ولا نسمة، بل هو شخص
(أو أقنوم) الروح القدس المتميّز عن الآب والابن والذي هو الله قبل الآب والابن.
وهذا ما تشير إليه صيغة العماد في مت 28: 19 "اذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمدين إياهم
باسم الآب والابن والروح القدس". فالعبارة الثالوثية تدلّ على الوحدة والمساواة في
الجوهر. فاستعمال واو العطف دلّ على أن الأقانيم الثلاثة متميزون وباستعمال المفرد
"باسم" لا بأسماء يدل على أن الأقانيم الثلاثة إله واحد (وهو الله).
الفصل العاشر
قيامة المسيح وقيامتنا
1- قيامة المسيح
بعد نفيهم عقيدتَي الثالوث الأقدس والتجسّد، ينكر الشهود قيامة المسيح بالجسد (وبالتالي
سر الفداء).
فيسوع حسب زعمهم لم يقم إلاّ بالروح. "أمّا الجسد فيبقى في بطن الارض في مكان ما
مخفياً عن الجميع".
(ليكن الله صادقاً ص 53).
الحق يحرركم ص 268).
الرد من الكتاس المقدس:
في يوحنا 2: 18- 22:
"أجابهم يسوع: انقضوا هذا الهيكل، وأنا أقيمه في ثلاثة أيام. ولكنه كان يعني هيكل
جسده. فلما قام من بين الأموات، تذكّر تلاميذه أنه قال ذلك، فآمنوا بالكتاب
وبالكلمة التي قالها يسوع".
وفي لوقا 24: 36- 43:
"توهّم التلاميذ أنهم يرون روحاً فقال لهم: ما بالكم مضطربين، ولم ثارت الهواجس في
قلوبكم؟ أنظروا يديّ ورجليّ، أنا هو. ألمسوني وتحقّقوا، فإن الروح ليس له لحم ولا
عظم كما ترون لي... قال هذا وأراهم يديه ورجليه".
وفي يوحنا 20: 27:
"ثم قال يسوع لتوما: "هات اصبعك إلى ههنا وانظر يديّ.... وهات يدك وضعها في جنبي،
ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً".
وفي يوحنا 10: 17- 18 يقول يسوع قبل موته:
"حياتي أبذلها باختياري. لي سلطان أن أبذلها، ولي سلطان أن استرجعها أيضاً".
ويقول بطرس الرسول في خطبته الأولى بعد حلول الروح القدس (أع 2: 29- 34): "ليسمح لي
أن أقول لكم في حريّة عن داوود رئيس الآباء إنه مات، ودفن وقبره عندنا إلى اليوم.
ولكنه إذا كان نبياً سبق فرأى قيامة المسيح وتكلّم عنها قائلاً إنه لم يترك في
الجحيم ولم يرَ جسده فساداً (مز 15: 10).
فيسوع هذا قد أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك".
والقديس بولس في 1 كو 15: 14- 15 يقول:
"إن كان المسيح لم يقم فكرازتنا إذاً باطلة، وإيمانكم أيضاً باطل، بل أضحينا شهود
زور لله، لأنّا شهدنا على الله انه قد أقام المسيح وهو لم يقمه".
فالشهود ينكرون إذاً أسس الإيمان الثلاثة في الكنيسة: الثالوث الأقدس والتجسّد
والفداء، وهذا يعني بوضوح أنهم ليسوا مسيحيين.
2- النفس تموت مع الجسد
يقول الشهود بعدم خلود النفس، بل إنها لا تتميّز عن الجسد وتموت معه.
1- وإن الحية في الفردوس هي التي اختلقت مفهوم الخلود الملازم للنفس الروحية. وهكذا
يأتي التضليل فالشيطان ليخضع للديانات المختلفة التي هي كلها قائمة على هذا الادعاء
الواهي.
(ليكن الله صادقاً ص 61، الحق يحرركم ص 75).
2- ان كلمة نفس تدل على نسمة الحياة. إنها تموت وبالامكان قتلها، فهي شيء واحد مع
الجسد.
(الحق يحرركم ص 188- 189).
(ليكن الله صادقاً 333).
(ويستندون بذلك على حزقيال 18: 4- 20).
3- يساوي الكتاب المقدّس بنظرهم بين الانسان والحيوان. فالانسان إذا كالبهيمة من
حيث التلاشي بعد الموت.
(الحق يحرركم ص 110).
(ويستندون بذلك إلى سفر الجامعة 3: 18).
الرد على هذا التعليم
1- تؤكّد الكنيسة المقدسة أن في الانسان عنصرين: مادي وروحي. فالمادي وحده قابل
للموت لأنه مركب: أما الروحي البسيط فخالد بخلود الله... وهذا ما يميّز الانسان عن
باقي المخلوقات، لأنه وحده على صورة الله، لا بالجسد المادي بل بهذا الروح العاقل.
ويجيب يسوع الصدوقيين الذين يقولون بعدم القيامة خلود الروح، أما قرأتم ما قيل لكم
من قبل الله القائل: "أنا إله ابراهيم واسحق ويعقوب والله ليس إله أموات بل إله
أحياء" (مت 22: 32).
ويرى يوحنا في الرؤيا "نفوس الذين قتلوا لأجل كلمة الله والشهادة قائمة تحت المذبح
حية تناجي ربها" (رؤ 6: 9).
2- النفس البشرية تدل بحسب المنطق العبري على كائن حي، على شخص، على فرد مكوّن من
نفس وجسد.
فكلمة "النفس التي تخطأ هي تموت"، ترجمتها عن العبرية هكذا: "الشخص الذي يخطأ يموت"
(حز 18: 4).
وحزقيال نفسه يقول: "المنافق إذا تاب على جميع خطاياه التي صنعها وحفظ جميع رسومي
وأجرى الحكم والعدل... فإنه يحيا حياة ولا يموت" (حز 18: 21).
3- إن سفر الجامعة الذي يتغنّون به ليؤكّدوا أن الانسان كالبهيمة بعد الموت، يعترف
هو نفسه أن "ليس لأحد سلطان على الروح فيضبطه ولا سلطان على يوم الموت" (جا 8: 7-
8).
ويعود إلى التأكيد: ينطلق الانسان إلى دار أبديته ويحيط به النادبون في الشارع...
فيعود التراب إلى الأرض حيث كان ويعود الروح إلى الله الذي وهبه (جا 12: 5 و7).
"وإن الله سيحضر كل عمل ليدين على كل خفي خيراً كان أم شراً" (جا 12: 14).
ويقول سفر الحكمة:
"أما نفوس الصديقين فهي بيد الله فلا يمسها العذاب. وفي ظنّ الجهال أنهم ماتوا وقد
حُسب خروجهم شقاء... أما هم ففي السلام" (حك 3: 1- 3). وكذلك: "ان الله خلق الانسان
خالداً وصنعه على صورة ذاته. (حكمة 2: 23).
وسفر المكابيين الثاني يعلن بوضوح بقاء الروح بعد الموت. وهو يعبّر بأجلى بيان عن
إيمانه وإيمان معاصريه بخلود النفس المعدة للقيامة (2 مك 12: 43- 46).
3- القيامة العامة... ونهاية العالم
"يزعم الشهود أن لا قيامة حقيقية للبشر إذ إن نفوسهم عادت إلى العدم، وأجسادهم
تفكّكت فيجري الله يوم القيامة خلقاً جديداً للنفوس والاجساد. (ليكن الله صادقاً ص
142- 152).
وان هذه القيامة هي على دفعات...
الأولى مختصة بـ 144 ألفاً من المختارين، وهذه قد بدأت سنة 1914 وهذا العدد يشمل
البقيّة الصغيرة من الشهود العائشين حالياً والذين لن يصيبهم الموت إذ انهم يتحولون
آتياً خلائق روحية.
(الغنى ص 315).
والقيامة الثانية ستجرى بعد قليل بفرَق متتابعة ليعيشوا على الارض وسط أحوال
فردوسية... أولاً ابراهيم والآباء- ثم المؤمنون الذين لم يشتركوا في معركة هرمجدون-
وأخيراً الذين لم يسمعوا وعظ الشهود...
الجواب:
1- لا وجود في الكتاب المقدس لهذه الفرق وهذه التتابعات في القيامة فإنه لن يكون
هناك سوى قيامة واحدة عامة:
"لا تتعجبوا من هذا لأنها ستأتي ساعة يسمع فيها جميع من في القبور صوته، فيخرج
الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يو
5: 28- 29).
ويسوع يقول: "هكذا يكون في منتهى الدهر، يرسل ابن البشر ملائكته فيجمعون من مملكته
كل الشكوك وفاعلي الاثم ويلقونهم في أتون النار، حينئذٍ يضيء الصديقون مثل الكواكب
في ملكوت أبيهم". ويقول بولس "لأننا جميعاً لا بد أن نظهر أمام المسيح لننال كل
واحد على حسب ما صنع بالجسد خيراً أو شراً" (2 كو 5: 10).
2- لن يكون بعد القيامة تناسل على الارض- حتى للصلاّح "لأنه في القيامة لا يزوّجون
ولا يتزوّجون بل يكونون كملائكة الله في السماء" (مت 22: 29- 30).
3- الفردوس أو النعيم الأبدي، لا يعني مكاناً. بل هو حالة أبناء الملكوت السماوي (نعيشه
من الآن) ولا وجود لملكوت بمعنى مكان ماديّ، لأنه في القيامة لا وجود للزمان
والمكان: "ان مملكتي ليست من هذا العالم..." يقول يسوع لبيلاطس... (يو 18- 36).
ويعد يسوع أتباعه بسعادة السماء:
"طوبى لكم أيها المساكين الآن فإن لكم ملكوت السموات" (لو 6: 20).
"إفرحوا وابتهجوا فإن أجركم عظيم في السماء" (لو 6: 32).
وفي 1 بط 1: 4: "لميراث لا يبلى، ولا يفسد، ولا يضمحل محفوظ لكم في السماوات".
وبولس الرسول يقول: "أما نحن فموطننا في السماوات، وفيها ننتظر مجيء المخلص يسوع
المسيح الذي يبدّل جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد..." (فل 3: 20-21).
4- القيامة العامة والدينونة ومجيء الربّ حدث خلاصًي واحد
"فمتى جاء ابن البشر في مجده، وجميع الملائكة، فحينئذ يجلس على عرش مجده وتُجمع
لديه كل الأمم فيميّز بعضهم عن بعض" (مت 25: 31- 33).
ويوحنا يقول في الرؤيا: "ورأيت الأموات كبارهم وصغارهم واقفين أمام العرش وقد فتحت
الأسفار، وفتح سفر آخر هو سفر الحياة. ودين الاموات على مقتضى المكتوب في الاسفار
على حسب أعمالهم" (رؤ 20: 12)- فلا قيامة إذاً أو دينونة على دفعات...
أما عن العدد 144 ألفاً الذي يقول الشهود فيه إنهم المختارون، فهاكم النص الذي
يعتمدون عليه.
"وسمعت احصاء المختومين، مئة وألف وأربعة وأربعين ألفاً مختوم من جميع أسباط بني
اسرائيل... من كل سبط اثنا عشر ألفاً" (رؤ 7: 4- 8).
الجواب:
1- ان رقم 144 يعني الكثرة لانه مضاعف عدد 12...
2- ان ذكر هذا العدد هو رمزي للمخلصين من أسباط اسرائيل. فهل هذا يعني أن الامم هي
خارج الخلاص؟ وهل الشهود هم من الاسباط أم من الأمم؟
3- إذا لم يكن هذا العدد يعني الكثرة... فكيف نفسر تتمة قول يوحنا؟
"وتوالت الرؤيا... فرأيت بعد ذلك فإذا بجمع كثير لا يستطيع أحد أن يحصيهم من كل أمة،
وكل قبيلة وكل شعب وكل لسان، واقفون أمام العرش وأمام الحمل، لابسين حللاً بيضاء،
وبأيديهم سعف النخل" (رؤ 7: 9).
ويقول في موضع آخر عن الـ 144 ألفاً:
"هؤلاء هم الذين لم يتنجّسوا مع النساء لأنهم أبكاراً..." فهل هذا يعني انه ليس
للنساء محل في السماء؟ (رؤ 14: 4).
يقول الرسول بولس بوحي الروح القدس:
"إن نعمة الله المخلّصة قد تجلت لجميع الناس" (تيط 2: 11). وفي موضع آخر يقول: "إن
الله يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1 تيمو 2: 4).
الفصل الحادي عشر
المسيح المخلص والكنيسة
1- مجيء المخلّص المسيح
"يؤكّد الشهود أن المسيح عاد مرة ثانية إلى الأرض عام 1874 وشرع في الحصاد عام 1887
وأجلسه يهوه على العرش عام 1914 وابتدأت الدينونة 1918... لكن هذا المجيء لم يكن
مرئياً بل روحياً" (ليكن الله صادقاً ص 236. والحق يحرركم ص 228).
الجواب بحسب الكتاب المقدس:
1- لا يجوز ولا يمكن أن نضبط بالأرقام تاريخ مجيء الربّ، بل نعرف العلامات فقط. "اسهروا
إذاً لأنكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة" (مت 25: 13). فأما ذلك اليوم وتلك الساعة
فلا يعلمها أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الآب... والذين
اعتقدوا بقرب عودة المسيح من مسيحيّي تسالونيكي، تحت تأثير أنبياء كذبة مثل هؤلاء،
أجابهم بولس الرسول: "نلتمس منكم أيها الأخوة من جهة مجيء ربّنا يسوع المسيح الاّ
تكونوا سريعي التزعزع في أذهانكم ولا ترتاعوا من كلمة كأنها منا أن يوم الربّ قريب"
(2 تسا 2: 1- 2)
2- ان هذا المجيء تسبقه علامات، وسوف يكون ظاهراً للجميع.
أولاً: "سيبشّر بإنجيل الملكوت هذا في المسكونة كلها قبل أن يأتي المنتهي" (مت 24:
14).
ثانياً: سوف يظهر إنسان الأثم المترفّع فوق كل ما يُدعى إلهاً، وهو المضل، إبن
الهلاك المنافق مصحوباً بآيات وخوارق كاذبة بفعل إبليس (2 تسا 2: 3 و4 و9). ثالثاً:
على أثر ضيق تلك الأيام، تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والنجوم تسقط من السماء،
وقوات السماوات تتزعزع (مت 24: 29). "وعندئذٍ تظهر علامة ابن البشر من السماء...
ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء في كثير من القدرة والمجد" (مت 24: 30).
"وكما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب، كذلك يكون مجيء ابن البشر" (مت
24: 27).
فحضوره إذاً لن يتم في الخفاء كما يدعي شهود يهوه: "فهوذا يأتي على السحاب، وستراه
كل عين والذين طعنوه" (رؤ 1: 7). وقيامة الموتى عندئذٍ لن تكون بالتدريج. "لأنه في
لحظة، في طرفة عين، عند البوق الأخير سوف يقوم الأموات ونحن كلنا نتغيرّ" (1 كور
15: 51- 52).
2- التقليد الكنسيّ
"إن التقليد ليس هو قاعدة إيمان كما تدّعي الكنيسة". وإن الكتاب المقدس وحده يكفي (ليكن
الله صادقاً ص 13- 14، والحق يحرركم ص 23). يعتمدون بذلك على مت 15: 3 "بسبب
تقليدكم أبطلتم وصيّة الله".
الجواب:
(مت 15: 1- 6). سأل الكتبة والفريسيون يسوع لماذا يتعدّى تلاميذك تقليد الشيوخ
فإنهم لا يغسلون أيديهم قبل تناول الخبز؟... أجاب يسوع هؤلاء أنهم يتعدون وصيّة
الله بسبب تقليدهم. هناك إذاً تقليد الشيوخ حيث يتحايلون على وصية الله من كتبة
وفريسيين وهذا لا علاقة له بوصايا الله أو التقليد الإلهي. أما نحن فنتبع ما أوصى
به الرسل القديسون. وما بشّرت به الكنيسة منذ البداية.
ففي 2 تس 2: 15: "اثبتو إذاً أيها الأخوة وتمسّكوا بالتقاليد التي تعلّمتموها اما
بكلامنا أو برسالتنا... كانت بشارتهم إذا بالكلام وليس بالكتابة- والواقع لم تبدأ
الكتابة في العهد الجديد إلاّ بعد حوالي 20- 30 سنة من التبشير، حيث أخذ بولس يكتب
إلى الكنائس التي أسّسها بسبب انشغاله برعايا أخرى، وكانت أولها الرسالة الأولى إلى
أهل تسالونيكي عام 51 م. وبعدها توالت الرسائل حتى سنة 67 م. حيث استشهد على عهد
نيرون في روما.
أما الأناجيل الحالية فأقدمها مرقس ويعود إلى سنة 70 م. كتب في روما وآخرها إنجيل
يوحنا والرؤيا بين سنة 95 مز- 100 م.
والعهد القديم كله لم يجمع إلاّ سنة 400 ق. م. أيام عزرا ونحميا في خلال السبي
والعودة من السبي. وكان قبلاً مجموعة أسفار متفرقة.
كما انه لم يكتب الكثير منه قبل سنة 900 ق. م. أيام سليمان الحكيم حين أسّس بلاطاً
وجاء بالكتبة (على مثال بلاط فرعون) فنقلوا التقاليد الشفوية وتعاليم الآباء...
وبدأوا يكتبونها.
التقليد إذاً (أو التعليم الشفوي) هو سابق لتدوين الأسفار المقدسة. فالإنجيل الذي
بين أيدينا كان نتيجة تعاليم الرسل الشفوية بالكرازة... كما أن هذه البشارة لم تكتب
كلها: "وهناك أمور أخرى كثيرة أتى بها يسوع. لو كتبت واحداً فواحداً، لما خِلتُ أن
العالم نفسه يسع الصحف المكتوبة" (يو 21: 24- 25).
وأيضاً في (يو 20: 30): "وأتى يسوع أمام التلاميذ بآيات أخرى كثيرة لم تدوّن في هذا
الكتاب، انما دونت هذه لكي تؤمنوا أن يسوع المسيح هو ابن الله... وتكون لكم إذا
آمنتم الحياة باسمه".
وفي (1 كور 11: 2): "فامدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء وتحافظون على
التقاليد كما سلّمتها لكم".
وفي (2 تيموثاوس 2: 2) "ما سمعته مني لدى شهود كثيرين. استودعه اناساً أمناء يكونون
كفاة بأن يعلّموا آخرين أيضاً".
وما أقوى هذا القول لبولس: "ما هناك بشارة أخرى. بل هناك قوم يلقون البلبلة بينكم.
فلو بشّركم ملاك من السماء بخلاف ما بشّرناكم به فليكن ملعوناً" (غل 1: 6- 9).
وأيضاً: "أناشدكم أيها الأخوة أن تحذروا الذين يثيرون الشقاق ويعيشون فساداً
بخروجهم على التعليم الذي اخذتموه" (روم 16: 17- 18).
"فإن كان أحد يعلّم غير ذلك، ولا يعتصم بالكلام الصحيح كلام ربّنا يسوع المسيح
وبالتعليم الذي على مقتضى التقوى فهو منتفخ كبراً، لا يعرف شيئاً، بل به مرض
المباحثات التافهة والمماحكات الكلامية" (1 تيمو 6: 3- 4).
فالكتاب المقدّس اذا هو كتاب الكنيسة. وهي التي حافظت عليه فجمعت أسفاره في القرن
الرابع. وقد سمي قانون الكتاب المقدّس (أي قائمة الكتب الموضوعة بإلهام الروح القدس).
لأن هناك كتباً أخرى عديدة لم تعترف بها الكنيسة ودُعيت (الابوكريفا) أي المنحولة
لأنها لا تعود إلى الرسل ولا تصلح قاعدة للإيمان.
والكتاب المقدس وحده لا يكفي لمعرفة الربّ يسوع. فتلميذا عماوس (لوقا 24: 13- 35)
اضطرم قلبهما فقط عند شرح الكتاب- لكنهم لم يعرفوه إلا عند كسر الخبز إذ غاب عنهم
لأنه صار فيهم. وهذا هو معنى الحضور السريّ للربّ في القربان بعد قيامته.
3- سلطة الكنيسة والكهنة
يقول الشهود: "ان يكون بطرس خليفة المسيح... ويكون لبطرس خلفاء، هذا تجديف وحيلة" (كشف
القناع ص 28).
- الكهنة هم من خدام إبليس (الخليقة 127 و374)
- والاكليروس هيئة الشيطان (المصالحة ص 100)
- الكنيسة فكرة دسّها إبليس لحمتها الكذب وسداها الخداع (الغنى ص 203 والاستعداد ص
12)
- "والمسيحيّة أم الزواني ورجاسات الأرض" (الحق يحرّركم ص 348- 349).
لذلك وجب على الذين يرومون أن يكونوا حكماء أن يهربوا من العالم المسيحي (برج
المراقبة سنة 1986 ص 14)
الرد الكتابي: "فدنا يسوع وكلّمهم قائلاً: لقد دفع اليّ كل سلطان في السماء وعلى
الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا
معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 18- 20). فهل هذا الكلام هو إلى الرسل
فقط؟ وكيف يكون معهم إلى انقضاء الدهر وهم جميعاً ماتوا في القرن الأول للمسيحيّة؟
ونرى في أع 1: 15- 26. ان انتخاب متيّا الذي أحصي مع الأحد عشر كان بالقرعة من
الرسل بعد الصلاة. وإن هذا الاختيار يعادل اختيار الربّ للرسل.
وكذلك انتخاب الشمامسة السبعة بوضع الأيدي في أع 6: 1- 6 ومنهم اسطفانس الذي أخذ
فيما بعد يجري آيات وعجائب في الشعب ويبشّر (أع 6: 8 و9).
وفي رسالة بولس إلى تلميذه تيطس 1: 5: "لقد تركتك في كريت لتكمل تنظيم كل شيء.
وتقيم كهنة في كل مدينة على حسب ما رسمت لك". ونرى في 1 تيمو 5: 17 عرضاً لصفات
الكهنة، وإن موهبته النبوية كانت بوضع ايدي الكهنة (1 تيمو 4: 14). كذلك صفات
الأساقفة (1 تيمو 3: 1- 8 وتيط 1: 7) وصفات الشمامسة (1 تيمو 3: 28). كل ذلك هو في
الإنجيل.
وفي رسالة يع 5: 14 و15. "هل فيكم مريض فليدع كهنة الكنيسة ليصلّوا عليه. ويدهنوه
بالزبت باسم الآب. لأن صلاة الإيمان تخلّص المريض والربّ ينهضه، وإذا كان قد اقترف
خطايا تغفر له".
وفي لو 10: 16 سلطانهم هو من يسوع: "من سمع منكم فقد سمع مني، ومن نبذكم فقد نبذني،
ومن نبذني نبذ الذي أرسلني".
4- السلطات المدنيّة
أما في السلطات المدنية فيقولون إن كل سلطة على الأرض هي من الشيطان.
الرد من الكتاب المقدّس يميّز بين السلطة الروحية والسلطة المدنيّة. وكذلك المسيح
والرسل لم يبطلوا دور السلطات المدنية. نقرأ في خر 3: 3- 15: رئيس سعبك لا تلعنه.
وفي مت 22: 21: ما لقيصر لقيصر ما لله لله. وفي يو 19: 15: ليس لك عليّ سلطان لو لم
يعط من فوق. وفي روم 13: 1 ليخضع كل واحد للسلطات المنصبّة فانه لا سلطان إلاّ من
الله والسلطات الكائنة انما رتبها الله.
الفصل الثاني عشر
تعاليم متنوعة
1- معمودية الاطفال
يقول الشهود: ان يسوع لا يجيز هذه المعمودية بقوله في مر 16: 6: "من آمن واعتمد
يخلص" والولد لا يعرف الايمان، بل هو مفروض عليه بإرادة غريبة. (ليكن الله صادقاً ص
361 و362). وان العماد يجب ان يكون بالتغطيس (لتكن مشيئتك على الأرض 137- 138).
جوابنا: نقرأ في أع 2: 38- 39، بعد موعظة بطرس:
"ماذا علينا أن نصنع أيها الرجال الاخوة؟ أجاب بطرس: توبوا، وليعتمد كل منكم باسم
يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم فتنالوا موهبة الروح القدس. لأن الموعد هو لكم
ولأولادكم... فاعتمد الذين قبلوا كلامه، وانضم إلى الكنيسة في ذلك اليوم نحو ثلاثة
آلاف نفس.
وفي أعمال 16: 14- 15 "ليدية بياعة الارجوان التي فتح الربّ قلبها فآمنت واعتمدت هي
وأهل بيتها جميعاً...".
كذلك بولس عمد أهل بيت استفانا (1 كو 1: 14- 16) وسجّان بولس وسيلا الذي آمن واعتمد
هو وذووه أجمعون (أع 16: 30- 31) ولا شك أنه بين هؤلاء الأهل أولادهم وأنه عندما
يؤمن الأهل لا خوف بعد على اضطهاد الأولاد.
بخصوص التغطيس: لا شك أنه موجود منذ أيام الكنيسة الأولى، غير أنه ليس الوسيلة
الوحيدة للمعموديّة في الكنيسة. فإن الـ 5 آلاف الذين قبلوا نعمة العماد في بداية
الكنيسة لم يغطسوا لأن ذلك مستحيل مع هذا العدد، ولندور مجاري المياه في أورشليم (أع
2: 4) (أع 4: 4). وكذلك العمادات التي مُنحت في البيوت.
في أعمال 10: 47... ليس هناك مجاري ماء ولا بركة في البيت... نحن نولد، ثم نعي
الحياة... وليس العكس... الأهل لا ينتظرون عمر الشباب ليسألوا أولادهم عمّا هو صالح
لهم (وهل يريدون الغذاء مثلاً) بل يعطونهم الغذاء والحليب وبالتالي أثمن ما عندهم
منذ الصغر.
وأهم شيء هو الإيمان والعماد للدخول في الحياة المسيحية.
2- الاعتراف للكاهن
يقول الشهود: الاعتراف هو تأسيس بشري يجب ان يرذل (كشف القناع ص 18).
الرد: في يو 20: 23: نفخ فيهم وقال خذوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له ومن
أمسكتم خطاياه أمسكت...
وقوله في مت 28: 20: هاءنذا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر. هذا القول ليس لهم
وحسب بل لخلفائهم إلى انقضاء الدهر.
وتتميماً لقوله، لم يغفر الربّ يسوع لشاول (بولس) عندما توجه إليه مباشرة، بل أرسله
إلى حنانيا كاهن الشام (أع 9).
وفي رسالة يعقوب 5: 15 عند خدمة الكاهن للمريض: "صلاة الايمان تخلص المريض وان كان
قد اقترف خطايا تغفر له". الكاهن هو خادم السر باسم الرب. لا يمنح هو الغفران بل
الربّ نفسه بخدمته وهو يعترف لأخيه وليس لله مباشرة. لأنه لا أسرار خارج سر الكنيسة
ولا حلول للروح القدس خارج الاسرار.
3- الشفاعة وذخائر القديسين والصور
يقولون: لا شفاعة... لأن الوسيط واحد لذلك فان إكرام القديسين وذخائر القديسين محرم
(ليكن الله صادقاً 180 و؟؟؟؟).
الرد: بخصوص الشفاعة:
نقرأ في أيوب 42: 8: "عبدي أيوب يصلي من أجلكم".
وفي أشعيا 37: 35: "فأحمي هذه المدينة وأخلصها من أجلي ومن أجل داود عبدي".
وفي تك 18: "يقبل الرب شفاعة ابراهيم في سدوم وعموره لو وجد ثمة باراً واحداً فيها".
وفي روما 15: 30: يطلب بولس الجهاد معه بالصلاة لأجله.
وفي مزمور 131: 10: من أجل داود عبدك لا تردّ وجه مسيحك".
وفي تك 26: 24: "أكثر نسلك يا اسحق من أجل عبدي ابراهيم".
وعن ذخائر القديسين: "فبينما هم يقبرون رجلاً، أبصروا الغزاة فألقوا الرجل الميت في
قبر اليشاع. فلما هبط الرجل ومسّ عظام اليشاع عاد على قدميه.
وفي أعمال 19: 12: "كانوا يأخذون عن جسم بولس مناديل ومآزر إلى المرضى فتفارقهم
الامراض وتخرج منهم الارواح الشريرة.
وعن صورة القديسين: طبعاً تحرم الكنيسة عبادتها كأصنام، كما فعل هارون وجماعة
اليهود بصنع العجل الذهبي لما أبطأ موسى في الجبل (خر 32).
ففي الوصية: "لا تصنع لك منحوتاً ولا صورة... لا تسجد لهن ولا تعبدهّن" (خر 20:
2-5).
غير ان الله أمر بصنع تابوت العهد وملائكة وصور وزهور.
ففي خر 25: 10 وخروج 25: 18: "واصنع كروبين من ذهب صنعة طرق تصنعها على طريق الغشاء"
(وكذلك في خر 37: 9).
وفي 1 ملوك 6: 23: وضع في المحراب كروبين من خضب العتم سمك كل واحد عشر أذرع ونقش
على جميع جدران البيت، على مدارها صور كروبين ونخيل وزهور متفتحة وغشاها بذهب (1 مل
6: 29- 35).
وعلى درجات العرش الست، أسد على كل جانب والكروبين... الخ. لم يصنع له نظير في جميع
الممالك (1 مل 8: 6-8) (1 مل 10: 19- 20).
وفي النهاية كل هذه الأمور هي قانونية فيما يخص الإيمان ونحن لا نعبد إلاّ الله
إنما نكرم الذين اقتفوا طريق البر ليكونوا قدوة لنا وللعالم في سلوك طريق الرب وفي
الفضائل.
4- مريم العذراء
يقول الشهود: "مريم لم تكن بتولاً بدليل النصّ: فأخذ أمرأته ولم يعرفها حتى ولدت
ابنها البكر... وسماه يسوع" (مت 1: 24- 25). وهذا يعني ان يوسف عرف مريم بعد
ولادتها يسوع المعرفة الزوجية. ويركّزون على كلمة "حتى" و"البكر".
وان مدلول عبارة "الابن البكر" يعني حتماً أن ليسوع اخوة ولدوا بعده. فمريم ليست
إذاً بتولاً. ويعتمدون أيضاً على (مت 13: 53- 56) و(مر 6: 2- 3): "أليس هو ابن
النجار. اليست امه تسمى مريم واخوته يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا؟ اليست اخواته كلهن
عندنا"؟
فهؤلاء بنظرهم هم اخوة يسوع من مريم أمه ويوسف الذي تزوجها بعد ولادة يسوع (ليكن
الله صادقاً ص 46). كما انهم يقولون ان ليس لمريم شفاعة على الارض، فكيف يكون لها
ذلك في السماء بدليل قول يسوع لها في (يو 2: 4)... ما لي ولك يا امرأة؟ هذا بنظرهم
توبيخ لها لتدخلها فيما لا يعنيها.
الرد الكتابي: "ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" (11: 24- 25). نقرأ في الترجمة
القديمة المنقولة على النسخ الأصلية "وبدون أن يعرفها ولدت ابنها البكر" "حتى": ان
كلمة "حتى" لا تعني انه فيما بعد عرفها. ففي سفر صموئيل الثاني 6: 23: "لم تلد
ميكال ابنة شاول ولدا حتى ماتت". فهل هذا يعني انها ولدت بعد موتها؟
وفي المزمور 109: 1: "قال الربّ لربي اجلس عن يميني حتى اجعل أعداءك موطئاً لقدميك"...
فهل هذا يعني انه بعد الغلبة سيبعده من عن يمينه؟ على العكس تماماً هو المعنى.
نقول بالعربية: "لم أشعر بالدوار حتى وصلت المرفأ"... يعني فيما كان ينبغي لي أن
أشعر بالدوار ولم أشعر به... إلى أن وصلت المرفأ.
فيوسف حين كان يظن انه عرفها، لم يعرفها- وولدت ابنها البكر. "البكر". ان كلمة
البكر تعني ولدا لم يتقدمه ولد آخر.
يقول القديس إيرونيموس مترجم وشارح الكتاب المقدس: "من العادة في الكتاس المقدس ان
لا يدعى هكذا البكر الذي جاء بعده أخوة... إنما الذي كان أول مولود".
هذه التسمية "البكر" كانت ضرورية في العهد القديم، لأجل إتمام فرائض الناموس
الموسوي بخصوص افتداء هذا البكر بتقدمة إلى الربّ (خر 13: 11- 12) على أن تتم هذه
التقدمة في غضون أربعين يوماً بعد الولادة (وطبعاً بعد أربعين يوماً من الولادة لا
تلد المرأة ولداً آخر. ومع ذلك فالأول يدعى بكراً...)
هناك كتابة رثاء كشفت على قبر فتاة يهودية ماتت سنة 5 ق. م. "ان القدر قادني إلى
آخر حياتي في آلام ولادتي لابني البكر". فهل ولدت بعد موتها؟ ومع ذلك دعي ولدها
بكراً...
5- اخوة يسوع
من هم هؤلاء الذين يذكرهم مت 13: 55 ومرقس 6: 3؟
ان كلمة "اخ" في العبرية... تستعمل لأبناء العم والخال والانسباء بالمعنى الواسع...
وليس فقط للشقيق. فابراهيم يدعو لوطا أخاه وهو ابن أخيه (تك 13: 12 و14 و16) ولابان
يدعو يعقوب أخاه وهو ابن اخته (تك 29: 15).
وورد في أخبار الأيام الأولى (23: 21- 22) عن ابنا مرارى "محلي وموشي" وابنا محلي
العازر وقيش ان بنات لعازر عندما مات والدهن أخذهن اخوتهن بنو قيس" وفي سفر الأحبار
10: 4: "ميشائيل والصافان أبناء عم هارون، دعوا اخوة لأولاد هارون" "ناداب وابيهو"
اللذين ماتا في الخدمة.
فمن هم إذا هؤلاء الذين دعوا اخوة يسوع:
نقرأ في مت 27: 55- 56: "وكان هناك نساء كثيرات ينظرن عن بعد وهنّ اللواتي تبعن
يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية ومريبم أم يعقوب ويوسى وأم ابني زبدى...
وفي مر 15: 40: "كان أيضاً نساء ينظرن عن بعد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب
الصغير وأم يوسى وسالومة".
وفي يوحنا 19: 25: "كانت واقفة عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم التي لكلاوبا ومريم
المجدلية".
في مقابلة هذه النصوص نلاحظ انه كان عن الصليب ثلاث مريمات:
مريم أم يسوع... هذه لم تتغير.
مريم المجدلية... هذه أيضاً لم يتغير اسمها.
مريم أم يعقوب ويوسى... هذه هي... وزوجة كلوبا... وأم يعقوب الصغير... وأم يعقوب
ويوسى...
ونستنتج أن يعقوب الصغير ويوسى وسمعان ويهوذا (الذين دعوا أخوة يسوع)، هؤلاء امهم
تدعى مريم... وهي زوجة كلوبا.
والواقع ان مريم هذه تزوجها أولاً حلفى فولدت له يعقوب ويوسى (لو 6: 15) (أع 1:
13).
ولما ترملت تزوجها كلوبا "أخو القديس يوسف" فولدت له سمعان ويهوذا (وقد حفظ لنا
أخبار هؤلاء هجزيب البحّاثة الكنسي الذي عاش في القرن الثاني وتناول بالبحث بنوع
خاص أسرة يسوع... وكتب عنه أوسابيوس المؤرخ الشهير في القرن الرابع... فلأجل هذه
القرابة من جهة "كلوبا" أخ يوسف و"مريم" نسيبة العذار دعي هؤلاء أخوة يسوع...
وليعقوب ويهوذا رسائل في الانجيل. ففي بدء رسالته يقول يعقوب المدعو "أخو الربّ" من
يعقوب عبدالله والرب يسوع... وليس أخاه (يع 1: 1). وكذلك يهوذا المدعو من اخوة يسوع
يقول: من يهوذا عبد يسوع المسيح وأخي يعقوب" (يهوذا 1: 1).
ونعود إلى يوحنا (19: 26- 27): "فلما رأى يسوع امه والتلميذ الذي يحبه واقفاً قال
لأمه: يا امرأة هوذا ابنك. ثم قال للتلميذ هذه أمك، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ
إلى خاصته.
فلو كان ليسوع اخوة من مريم أمه، لكان من الطبيعي أن تعيش مريم مع أحد أولادها
هؤلاء وليس مع يوحنا... خصوصاً أن يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا هم جميعاً من تلاميذ
الربّ ورسله.
فمريم العذراء هي إذاً بتول، ولم تلد في أحشائها سوى الرب يسوع على ما يقول حزفيال
(44: 1- 2) "هذا الباب يبقى مغلقاً لا يدخله رجل... لأن منه أتى الربّ".
فإذا كان موسى في العهد القديم لم يستطع أن يقترب من العليقة الملتهبة وهي لا تحترق
(خر 3: 5) فمن يستطيع إذاً أن يقترب من هذه "العليقة" الملتهبة بحلول الروح القدس
وتجسد الابن في أحشائها.
لذلك أراد يوسف أن ينسحب من حياتها، لأنه وجد أنها حبلى من الروح القدس... وان هذا
المكان محفوظ للربّ. ولا دخل له فيه... لذلك سماه الانجيل "صديقاً" (مت 1: 19) فلو
كان ظنه غير ذلك لما دعاه الكتاب المقدس "باراً" و"صديق" ولأجل ذلك اختاره الله
مربياً ليسوع، لكونه باراً، لا لكونه خطيب مريم.
مريم هي "امرأة" لأنها ام الإيمان:
نقرأ في إنجيل يوحنا فصل 2، ان "ساعة يسوع" بدأت في عرس قانا الجيل يوم طلبت منة
مريم أن يحوّل الماء خمراً. وبذلك بدأت حياته العلنية... وبالتالي بدأ رؤساء الكهنة
اليهود المؤامرة عليه حتى وصل إلى الصليب وهو ساعة ليسوع". ونعلم انها كانت الآية
الأولى التي صنعها يسوع... فآمن به تلامذد. إذاً تلاميذه لم يؤمنوا به إلاّ بعد هذه
الآية (يو 2: 11).
بينما مريم وحدها آمنت به قبل الأعجوبة- لذلك أصبحت فيما بعد أم كل الذين آمنوا
وسوف يؤمنون به، لأنها أول من آمنت. ومن أجل ذلك دعاها امرأة (يو 2: 4) لأنها ليست
فيما بعد أم يسوع وحسب، بل أصبحت أم "المسيح الكلي"، أم المؤمنين. كما دعي ابراهيم
في العهد القديم "أبا" المؤمنين لأنه أول من آمن بالله (تك 19: 5) ولذلك هي حواء
الجديدة "أم الأحياء" الذين آمنوا بالرب (تك 3: 20).
وهذا القول "يا امرأة" قاله يسوع لأمه من على الصليب أيضاً، عندما "أتت ساعته" (يو
19: 26) لأنها أم الايمان بالمسيح يسوع مصلوباً... فبينما تركه تلاميذه وتفرقوا من
الخوف، وحدها مريم كانت واقفة عند الصليب ومعها التلميذ الذي كان يسوع يحبه (يوحنا)
وليس لأنه أفضل من باقي التلاميذ. دعي يوحنا ابن مريم، بل لأنه عرف أن يتبع يسوع
حتى الصليب (لأن تباع يسوع إلى الشعانين كثيرون، أما تباعه إلى جبل الجلجلة فقليلون)...
ولذلك مريم (الامرأة) هي أم كل الذين يتبعون يسوع حتى الصليب.
وهكذا من على الصليب يشرك "آدم الجديد" "حواء الجديدة" في الولادة السريّة لأبناء
العهد الجديد بالايمان...
خاتمة
وقفة واعتبار
في نهاية هذا الحديث، اتوجّه إلى المؤمنين أبناء الكنيسة ان لا يكتفوا بالتقوى في
حياتهم بل أن يتأملوا ويدرسوا في الكتاب المقدس، لأنه وحده يبني الايمان ويهدم
الشكوك، فالشرير أيضاً يستخدم الكتاب للهدم لا لبناء الايمان، وبه جرّب يسوع (مت 4:
6)... غير أن يسوع علّم الشرير أن يعيد قراءة الكتاب المقدس... ونحن علينا أن نعلم
الذين يشككوننا في الكتاب أن يعيدوا قراءة الكتاب المقدس، من جديد.
في النهاية، الذين يتبعون شهود يهوه، هم أولادنا (موارنة، كاثوليك، أرثوذكس
وبروتستانت)- ونحن علينا أن نربحهم بالايمان لا أن نخسرهم في الضلال، لذلك علينا أن
نحبّهم وان نحسن البشرى إليهم.. نحن نحب الخاطىء ولا ونحبّ الخطيئة، نحبهم ولا نحب
ضلالهم.
أخيراً نتوجّه إلى كنائس لبنان، لمواجهة هذه التعاليم والبدع، بعقد مجمع كنسي محلي
يدرس كل التيارات المعادية للكنيسة في التعليم والسيرة- ويواجهها، كما ندعو الكنيسة
إلى تحريم الانتماء المزدوج فيها، فمن أراد أن يتبع هذه البدعة لا يدعى بعد مسيحياً،
ولا تنطبق عليه فيما عبد التزامات المسيحي في الكنيسة.
كما ندعو إلى الصلاة من أجل هذه النفوس، ولأجل استنارتها بالايمان القويم لأن الربّ
لا يريد هلاك أحد، بل يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يبلغون. آمين (1
تيمو 2: 4).
الفصل الثالث عشر
مقدّمة عامّة
يتعرّض مجتمعنا لصعوبات عديدة، وذلك بسبب الضائقة الاقتصاديّة التي أثّرت في بيئتنا
تأثيراً تدميرياً. فأصبح الأب يهتمّ أولاً بتأمين متطلّبات الحياة، ولو بحدّها
الأدنى، لاستمرار عائلته. وانتشر اليأس في وسط الشباب الطموح، ليحدّ وليحطّم
طموحاتهم. فلا يقدرون على تأسيس نفوسهم ليتزوجوا ويكوّنوا عائلة. وطال الئأثير
الحياة الروحيّة بمجتمعنا، ويظهر ذلك في الاتجاه نحو الماديّة. فتناثرت القيم
والمبادىء يميناً ويساراً ليحلّ محلّها المال. وسقطت الحياة الروحيّة أمام السعي
لاستمرار الحياة، ونسي مجتمعنا أن كلام الله هو الحياة الحقيقيّة..
وتكاثف ضعف ثقافة الرعايا الدينية مع الضغوط الاقتصادية. وولّدت عندنا ممارساة
ليتورجيّة (حضور القداس) خارجيّة (ولا نقصد الكلّ بالطبع)... واتجّهت الأنظار نحو
الكنيسة وممتلكاتها، فلماذا لا تساعدنا، وأيضاً نحو الكهنة يراقبون كلّ أخطائهم (وطبعاً
نحن نشرح وضعاً نفسياً وليس معطيات). وولّد هذا الأمر حقداً نحو الكنيسة وكهنتها
عند البعض.. ورأوا أنفسهم في ضياع نفسي وروحيّ يكاد يبلعهم، فبحثوا في غمرة يأسهم
على خشبة خلاص تنقذهم من الضياع النفسي والروحيّ، فلم يجدوا أمامهم إلاّ بعض البدع
والفلسفات التي تطرق أبوابهم، فاستسلموا لها... ومن هؤلاء جماعة شهود يهوه.
إن لانتشار هذه البدع عوامل عديدة أهمها: عدم الثقافة الكتابية (عدم قراءة الكتاب
المقدس) لدى الرعايا، وثانياً عدم الاهتمام بالرعايا (وذلك لمشغوليّات الكاهن
العديدة). فضعف معرفتنا، وحياتنا المسيحيّة والتزامنا بالكنيسة يعرّضنا للضياع
والانسياق إلى ما يسدّ نفوسنا ويشبعها نفسياً عند البدع. فالفرد الذي يشعر بالوحدة
وبعدم تقبّل أفكاره، وغياب الكينونة والاعتبار، ينساق إلى البدع التي تدخله في بيئة
تحضنه وتؤمّن المحبّة والعناية له، فيجد مجتمعاً يعتبره ويقيّمه كفرد منهم. فما إن
يدخل أمكنة اجتماعاتهم، حتى يبادر الكثيرون بالتعرّف إليه والاهتمام به. وأحياناً
يستطيع عرص آرائه، فيقدّرونها. وإن تخلّف عنهم مرة، يزورونه ويسألون عنه. ومن جهة
أخرى يعمل أفراد هذه البدع على اشعال نار التذمّر والعدائية نحو الكنيسة وذلك عبر
زعزعة ثقة المؤمن بالمرجعيّة، فينتقدون رجالات الكنيسة (سيارة المطران- أملاك
الكنيسة- الرهبان وغناهم- المال الذي يأخذه الكاهن عند أي مناسبة...).
وهكذا يقلبون التاريخ، ويقيّمون الأخطاء المتراكمة، ويضعونها مرّة واحدة أمام الفرد.
متعمّدين عدم ذكر الظروف والخلفيّات، ومتغاضين عن الكثير من الأمور الحسنة.
وهكذا يصوّرون الكنيسة في وضع مأساوي ينتشر فيها الفساد والضياع... والهدف هو تشويه
مصداقيّة المرجعيّة الكنسيّة ليستبعدوا تفسيرها للكتاب المقدس، فيقولون إن
المرجعيّة الأساسيّة ليست البشر، بل الكتاب المقدّس. وهكذا ينتشلون الشخص من حضن
الكنيسة وتفسيرها السليم للكتاب، إلى تفسيراتهم الخاصة للكتاب المقدس. وبالتالي إلى
حضن هيئة شهود يهوه- بروكلين.. فهم أيضاً لهم مرجعيّة، ولكنهم لا يذكرونها. فعندما
يُخرجون الكتاب المقدس من حضن الكنيسة وتفسيرها السليم له على ضوء روح الله، يصبح
كتاباً فيه حروف وكلمات يرصفونها لتخدم أفكارهم ومعتقداتهم الخاصّة. لأن الكتاب
المقدس وإن كان واضحاً وجلياً في الأمور السلوكيّة والأخلاقيّة، إلاّ أنه يحتاج إلى
درس عميق من جهة الأمور العقائديّة والتفسيريّة، وذلك لأنه ابن بيئته، وكُتب في
فترات زمنيّة متعدّدة، تفصلنا عنها مئات السنين. فنحتاج إلى معرفة بيئته وخلفيّاته
الثقافيّة والتراثيّة والأدبيّة والاجتماعيّة والدينيّة والتاريخيّة الخ...
آنذاك نستطيع أن نفهم فكر الكاتب، ومن ثم كلام الله. وذلك بديهي جداً. ومن خلال
معرفتنا لهذه الجماعة نرى أن كلّ تعاليمها تقريباً عقائديّة بالإضافة إلى الأمور
الأخلاقيّة. فهم يتحدّثون عن ملكوت حرفي وماديّ وبمجيء المسيح ثانية سنة 1914، وموت
الأشرار وبقاء جماعتهم لوحدها على الأرض. وحكومة ستحكم العالم... كل هذه تفاسير
وليست بأخلاق وسلوك، فمن أين أتوا بها؟ لذلك هم يستخدمون آيات الكتاب من دون نصوصه
وخلفيّاته ومعناه الاصلي، ليجمعوها ويكوّنوا بها صورة تخدم معتقداتهم الخاصة. وبذلك
يصبح الكتاب وسيلة لانتشار آرائهم، وليس هدفاً روحياً... ثم يقولون إنهم يفسّرونه
تفسيراً سليماً، وإن مرجعيّتهم هي صادقة ومن الله. ولكن من خلال اطّلاعنا على
كتاباتهم تبيّن لنا الكثير من الأخطاء الجوهريّة على الصعيد التاريخي وعلى صعيد
الكتاب المقدس نفسه. وسنورد لاحقاً البعض منها.
والفرد منهم لا يكتشف ذلك بسبب عصف الكتب والكراريس الشهريّة، ومتطلّبات قراءتها.
منهم يتلقّون المعلومات بكثافة خلال اجتماعاتهم التي تصل إلى ثلاثة اسبوعياً، ما
عدا التبشر المطلوب منهم. وبذلك تقلّ وتنعدم قدراتهم التحليليّة وتنهار مناعتهم
الفكريّة أمام كثافة المواد وتشعباتها إلى أن تُغسل أدمغتهم. فحتى إن رأوا الحقيقة
يمنعهم من تبيانها عاملان، وهما: غسل الدماغ الذي يتعرّضون له. ووضعهم المأساوي قبل
الانضمام إليهم، فلن تعود حياتهم كما كانت سابقاً. من هنا علينا الانتباه إلى هاتين
الحقيقتين، ومعالجتهما بالمحبّة.
أي شخص منا يتحاور مع شهود يهوه عليه القيام بالأمور التالية:
- أن يتثقّف تثقّفاً روحياً وكتابياً، عبر الدرس والقراءة للكتاب المقدس. وننصحه
بوضع تفاسير وشروحات جيّدة أمامه. ويكون فاهماً إيمانه قبل أن يتكلّم عنه. ثم تكوين
حياة روحيّة وملتزمة، بالصلاة والتأمّل الدائم بالكتاب المقدس في بيته. وذلك ليصل
إلى الاختبار المسيحي في حياة المحبّة والعطاء والأخلاق المبنيّة على المحبّة.
فيكون نوراً للعالم. فان كانت تنقصه المحبّة، فلماذا يتحاور مع شهود يهوه؟
- الانضمام إلى جماعة أو حركة كنسيّة تحيا حياة المحبّة والتضامن، حتى إن دعينا
إلينا أي فرد من شهود يهوه يجد له بيئة تحبّه، ولا يعود إلى حياته السابقة التي هرب
منها. لذلك علينا أن نحبّ أفراد شهود يهوه ولا نكنّ لهم البغض أو الكره، بل ننظر
إليهم كأفراد يَنشدون الحبّ والوجود الكياني، وقد انساقوا إلى من أمّنها لهم.
- عندما نكون في حوار، نكون اثنين اثنين على الأقل. واحد لتكلّم، والآخر يصلّي
ويساند رفيقه بالمراجع والنصوص. ويساعد الموجودين في فتح الكتب المقدسة والعثور على
النصوص. وهنا ننبّه إلى أنه يجب أن نأخذ معنا كتباً مقدسة لإشراك الموجودين في
النقاش والبحث ليروا بأنفسهم الحق.
- بعد انصراف شهود يهوه، علينا متابعة أصحاب البيت أو الناس عبر زيارتهم، وتعليمهم
وتقديم تعاليم وتفاسير الكنيسة الصحيحة، وذلك لنزع الشوائب والشكوك التي زرعوها في
رؤوسهم. ومن ثم دعوتهم للالتزام بالكنيسة، وحثّهم على الانضمام لحركات وجمعيّات
كنسيّة يخدمون فيها.
وهنا، نقدم بعض مبادىء للحوار مع شهود يهوه وهي مبنيّة على خبرة طويلة عشناها في
لقاءاتنا وحواراتنا معهم. ونورد ملاحظة مهمّة وهي أننا لا نحاول استعراض معلومات،
فمراجع الكنيسة كثيرة. بل أسلوبنا يعتمد على كيفيّة استخدام المراجع والمعلومات
بطريقة تفيد هدفنا. وكيفيّة الحفاظ على جوهر النصوص وتفاسرها السليمة كنسياً بالوقت
نفسه. وأخيراً نوجّه دعوة محبّة نحو أعضاء شهود يهوه. فإن أخطأ أخوك... ماذا تفعل؟
الفصل الرابع عشر
طرح أرضية للحوار والبحث
إحدى أهم أسس الحوار والبحث هو الاتّفاق على "أرضيّة" تكون منطلقاً للحوار. وبدون
هذه الأرضيّة ليس هناك من حوار حقيقي، بل صراع وجدال عقيم، وسوء تفاهم كبير. كذلك
سنقدّم طرحاً لأرضيّة حوار أثبتت نجاحها في خبرتنا مع شهود يهوه، وهدف هذه الأرضيّة
مدّ جسور للتفاهم والتواصل بين عالمين منفصلين تتحكّم على حدودهما عداوة تمنع
الواحد من فهم الآخر بشكل صحيح... والأرضيّة المقترحة تنقسم إلى مبدأين أساسيين،
وهما:
أولاً: الاتفاق على المرجعية التمثيليّة، وطبيعة الحوار: كل فريق يتكلّم عن الجماعة
التي ينتمي إليها ويؤمن بمفاهيمها، وذلك لأنه أفضل من يستطيع التعبير عنها (الجماعة).
فممثّل الكنيسة يتكلّم عنها وعن تعاليمها وتفاسيرها، وممثّل شهود يهوه يتكلّم كذلك
عن جماعته، ولا يفرض فريقٌ تعليماً أو تفسيراً على الفريق الآخر مستنداً إلى بعض
الآراء أو التفاسير الخاصة دون الرجوع إلى المرجع الرسمي.
أما بخصوص طبيعة الحوار فهناك جملة اشياء، منها: عدم التعرّض للشخصيات الدينيّة أو
القياديّة لكلا الفريقين بالاهانات أو السخريات. عدم التكلّم عن أشياء أو مواضيع
تاريخيّة أو أي موضوع كان بلا إثبات أو مرجع رسمي. تحديد الموضوع حتى الانتهاء منه
بنتيجة واضحة تعطي الموضوع حقّه. يتكلّم كل فريق عن وجهة نظر جماعته حول الموضوع
المطروح للبحث بفترة لا تتعدى 10 دقائق، ويدوّن الفريق الآخر على دفتر، المراجع
التي استخدمها الفريق المتكلّم. ثم يتمّ الانتقال بعد هذا العرض إلى المناقشة في
المراجع والنصوص المستخدمة من قبل كلا الفريقين. وفي المناقشة تكون المداخلة أو
الاعتراض لفترة 5 دقائق وذلك منعاً لاحتكار الوقت والكلام.
ثانياً: الاتفاق على كيفيّة قراءة الكتاب المقدس وتفسيره: أي إنه من المهم الاتفاق
على كيفيّة تفسير الكتاب المقدس، لأن التفسير السيّء يصل بنا إلى مغالطات وضلالات،
فلا نعود نعرف أهميّة كلام الله الموجّه إلينا اليوم. قد يقول البعض إن الكتاب
المقدس بسيط، فالله يريدنا أن نعرف كلمته ونعمل بها لذلك فهو بسيط ويستطيع أي كان
أن يفهمه. فنقول: إن هذا صحيح على مستوى الأخلاقية والسلوكيّة الايمانيّة للفرد
والجماعة، ولكنه غير صحيح أبداً على مستوى التفسير وفهم المعاني. فالكلام الإلهي
متوشّح بلغة البشر وبتراث جغرافي وتاريخي وفكري وأدبي... فمشكلتنا اننا نحن كقرّاء،
نكون في الوقت عينه مفسرين شئنا أم أبينا، ومجرد قراءتنا لترجمة للكتاب المقدس
تضعنا ضمن حلقة تفسيريّة هائلة قام بها جماعة من المتخصّصين والعلماء والمترجمين.
ثمّ إنّ ذهنيّة البيئة التي نتشبّع بها لها تلعب دوراً كبيراً فتجعلنا نرى أموراً
من الكتاب المقدّس يكاد لا يكون لها أساس.
وتنبع الحاجة إلى التفسير من أن الكتاب المقدس هو كلام الله في لغة البشر. فكلام
الله ذو قيمة إلهيّة وهو يتوجّه إلى كل البشر. فالله يدخل التاريخ البشري ويخاطب
قلب الانسان ووعيه حيثما كان وفي أي عصر أو بيئة أو حضارة. ولكن بما ان الله كلّم
البشر بلغتهم، فكان على الكاتب الذي خاطبه الوحي في قلبه ووعيه أن يدوّن كلام الله
بلغته ومفاهيمه وتراثه والبيئة والثقافة المحيطة والمعروفة عنده وعند قرّائه.
والجماعة التي توجّه كلام الله إليها، وعت هذا الكلام فاختبرته وعاشته في حياتها
أفراداً وجماعة.. ومن المعلوم أن مئات السنين تفصلنا عن تلك الحقبات التي حُرّرت
الرسائل والأسفار فيها، كما وأن البيئة اختلفت، وكذلك الثقافة والحضارة والتراث...
من هنا تنبع حاجتنا إلى التفسير الصحيح لمعرفة كلام الله، وذلك عبر تحليل الآداب
والخلفيّات والبيئة والتراث السائدة آنذاك، وفهمها كما فهمها الناس الذين توجهت
إليهم، فنرى كيف عاشوها وطبّقوها ودوّنوها تراثاً وتاريخاً خلاصيّاً لهم كجماعة.
وبعد ذلك ننظر إلى كلام الله المتوجّه لنا من خلال هذا التراث الكتابي، ونعيشه
ونطبّقه في حياتنا أفراداً وجماعة.. وانطلاقاً من هنا يجب علينا أن نضع مبادىء
لقراءة وتفسير الكتاب المقدس لتجنّب سوء تفسيره، فلنعرف حقاً كلام الله المتوجه
إلينا من خلال نصوصه، والمبادىء هي:
أ- إن الكتاب المقدس ليس كتاباً تاريخياً أو علميّاً، ونقصد بذلك أن الكتاب المقدس
هو بجوهره كلام الله المتوجّه للبشر، وليس تأريخاً أو علماً بالمعنى الحديث. ولا
نحاول أن نقارن أو نجعل إنسجاماً بين التاريخ والعلم وبين الكتاب المقدس. فكل
محاولة من هذا النوع مصيرها الفشل وذلك لاختلاف جوهري بينهما. لأنه أي اتجاه مثل
هذا يدخلنا في متاهات وتناقضات لا جواب عليها أبداً. بذلك نضرب الكتاب المقدّس
تاريخيّاً وعلميّاً بغير وجه حقّ، وهكذا لن نستطيع معرفة كلام الله المتوجه إلينا.
وسنورد بعض الأمثلة التي تبرهن على أن الكتاب المقدس لا يهمه التاريخ أو العلوم،
وهي:
في العلم- ورد في سفر التكوين الفصل الأول أنه في اليوم الأول خلق الله النور، وأنه
في اليوم الرابع خلق الله النيرّين العظيمين (الشمس والقمر)، فكيف يكون النور قبل
الشمس ونحن نعرف أن نظامنا الشمسي يستمدّ نوره من الشمس؟!.. وكيف نفهم أن الله خلق
كل شيء وأخيراً الانسان كما في الفصل الأول، ونرى في الفصل الثاني انه خلق الانسان
وبعده كل شيء؟! ونقرأ في مكان آخر أن يشوع بن نون أوقف الشمس أثناء صراع بين
العبرانيين وشعوب أخرى (يش 10: 13)، فكيف تقف الشمس عن الدوران ونحن نعلم ان الأرض
تدور حول الشمس، والشمس ثابتة لا تتحرك؟! وكذلك ما ورد في أش 40: 22: "الجالس على
كرة الأرض". لا يجوز أن نفهم ان العبارة تشير إلى كرويّة الأرض. فالعلم يشير إلى ان
الأرض بيضاويّة تقريباً؟ فإذا رجعنا إلى إطار النص نجد أن اشعيا في هذا الفصل يجاوب
على أناس اعتقدوا أن الآلهة البابليّة أنقذتهم لأنهم أكرموها. فانطلق اشعيا من
الفكر السامي الذي يعتقد ان للأرض قواعد أربع ترتكز عليها وأن هناك ماء فوق الجلد
وماء تحته، وان فوق الجلد توجد سماوات، وقبة فوقها (نصف دائريّة) يجلس عليها الإله
الأعظم. فقال اشعيا: لا يجلس هناك إلاّ يهوه المخلص وحده، وأنه هو الذي ينقذهم لا
آلهة بابل البكماء والخرساء... وهناك الكثير من الأمور التي تحمل المشاكل والصعوبات
إذا أردنا تفسيرها تفسيراً علميّاً (قابل تك 1: 6 مع 7: 11/ 2: 21- 23)...
في التأريخ- إذا رجعنا إلى تك 5 نجد أن آدم ولد شيتاً، فأين أصبح قايين وهابيل؟!
وإذا قارنّا مت 1 مع لو 3، نجد تنافضات بين سلسلتي النسب لا حل لها؟! وإذا تأملنا
في مت 1، نجد في آ 8 أن يورام ولد عزيا، ولكن إذا رجعنا إلى 1 أخ 3: 11، نجد ان
الكاتب لم يذكر أسماء ثلاثة ملوك وهم أحزيا ويوآش وأمصيا؟! كما ونقرأ في آ 11 أن
يوشيّا ولد يكنيا. فإذا رجعنا أيضاً إلى نص 2 أخ 36 نجد انه لم يورد اسميّ ملكين
هما يواحاز ويوياقيم!... وهناك الكثير من النص وخارجه مما يثبت أن الكتاب المقدس لا
يهتم بالتأريخ أو بالعلم، بل هو كلام الله المتوجه إلى البشر. وقد يوجد فيه بعض
الأمور التي تنسجم مع التاريخ والعالم، ولكنه لا يوردها بالمعنى التاريخي والعلمي
الحديث.
التفسير: إن تك 1 هو نشيد يرجع إلى التقليد الكهنوتي المتشبّع بالعناصر الروائيّة
البابليّة لنشأة الكون: الله هو منظّم الكون وعلى رأسه الانسان. حوّر الكاتب هذه
الصور وضمّنها جوهراً يمثّل الفكر اليهودي وجعل كل هذا نشيداً طقسياً، نشيد تعظيم
ليهوه تجاه الآلهة البابليّة. وهكذا ينشد الشعب ويدعو المؤمنين للمحافظة على
الشريعة والبقاء أمناء للإله الخالق والمهتم بخليقته. أما بخصوص مت 1 فنرى أن متى
يظهر يسوع وهو يفتتح كتاب تكوين جديد، لأنه آدم الجديد (لو 3: 38)، فنرى سجل نسب
يسوع بعكس سجل نسب آدم (تك 5). وهكذا يظهر أن يسوع قد أتم معنى تاريخ إسرائيل. كما
أراد متى أيضاً أن يظهر يسوع الحاضر في كنيسته إلى نهاية العالم، استخدم الفن
الأدبي الخاص بالانساب ليظهر يسوع متجذراً في شعب الله. ويبرز هذا القصد بعمق وقوّة
أشمل حين يجذّر يسوع في البشريّة ككل حين يضع أربع نساء، ثلاث منهنّ غريبات عن شعب
الله، فيخرج يسوع من التاريخ البشريّ كله، كما يتساوى المرأة والرجل (راجع غلا 3:
38). أما بخصوص الرقم 14 الذي يحطم السلسلة البشريّة من أجله، فهناك نظرتان.
إحداهما تشير إلى ان الرقم 14 يشير إلى اسم داود (4+ 6+ 4). وقد يشير إلى مجيء
المسيح في نهاية الزمان والذي حددته كتب رؤيّوية قديمة بستة أسابيع رمزيّة.. ونظرة
أخرى تقول ان متى عمّم العدد من القسم الأول إلى بقية الأقسام.
ب- قراءة كل سفر من أسفار الكتاب المقدس على حدة، وذلك لفهم عباراته وتعاليمه
إنطلاقاً من فكر المؤَلِّف وذلك كخطوة أولى. ويتم ذلك عبر تحليل الفنون الأدبيّة،
والقرائن، والخلفيّات التاريخيّة والثقافيّة، ومناسبات الكتابة وغاياتها، ومعناها
للقراء آنذاك. فلكل سفر ميزته وخلفيّته وغايته التي تحدّد توجّه السفر وغايته.
وسنورد بعض الأمثلة نقرأ عن الأعميين في مت 9: 27- 31، أما في مرقس (10: 46- 52)
ولوقا (18: 35- 43) فهناك أعمى واحد. فإن قاربنا الأناجيل بعضها ببعض نجد تناقضات
هائلة ولكن لا مقبولة. ولكن إن فهمنا أن لكل إنجيل خلفيّته وهويته وغايته المتوجهة
لقراء، تغيرّ الأمر. فالأناجيل ليست سيرة حياة يسوع التاريخيّة وحسب بل هي شهادات
إيمانيّة اختباريّة لجماعات مسيحيّة عاشته ودوّنته في تراث أدبي يخلّد اختبارها
ويعالج مشاكلها ويشارك الآخرين بها. فالأناجبل تحف فنيّة لا يجوز تشويهها بمقارنات
لتثبيت مصداقيّة تاريخيّة، مع أننا نرى أن هناك أحداثاً تاريخيّة واقعيّة حقيقيّة
انطلقت منه نحو عالم الايمان والاختبار. بعد هذه الفكرة، نأتي إلى النص في متى فمتى
كتب لمسيحيين يهود، وذكر أعميين لأن كل شهادة تقوم على فم شاهدين (رج مت 26: 60؛ عب
10: 28؛ تث 17: 6؛ عد 15: 30)، وهذا مهم لمصداقيّة الحدث ولمعناه الروحي الذي هو
الشهادة بأن يسوع هو "ابن داود" و"ابن الله" (مت 8: 28؛ 20: 30)، وذلك مع عدم
إغفالنا للمعجزة ومغزاها.. وكذلك نقرأ موضوع المجنونين في مت 8: 28- 34. رج مر 5:
1- 20؛ لو 8: 26- 39 اللذين يتحدّثان عن مجنون واحد. وكذلك الآتان والجحش في مت 21/
2- 7 يصبح جحشاً واحداً في مر 11: 2- 7 ولو 19: 31- 35 ويو 12: 14 و15). والجاريتان
في مت 26: 69 و71 تصبحان جارية واحدة في مر 14: 66 و69. وكذلك ذكر مت أن يسوع لم
يمرّ بالسامرة (مت 10: 5) وذكر لوقا (9: 1) انه مرّ من هناك.
- التطويبات، هي ثمانية في مت 5: 3- 12 وفي لو 6: 20- 26 تصبح أربعة مع أربعة ويلات...
نجد تناقضاً للوهلة الأولى، وسببها مقارنتنا للنصين من الوجهة التاريخيّة، وهذا لا
يجوز. والجواب هو: لقد وصلتنا التطويبات على يد متى ولوقا، ونلاحظ اختلافات بينهما
ترقى إلى البيئة التي يتوجّه إليها كل سفر. نجد أولاً أن كليهما يستخدمان الاسلوب
نفسه وكلمة "طوبى"، ممّا يدل على أنهما استقيا من مصدر واحد من تقليد قديم في
الكنيسة. ويعود الفرق في المضمون إلى تأوين كل منهما للنص المأخوذ عنه، وذلك لأسباب
تعود إلى القرّاء وبيئتهم وحاجاتهم. فنرى ان للسعادة معنى يختلف بين متى ولوقا.
فيتصوّر لوقا أحوالاً قاسية (طوبى للفقراء- للجياع..) بينما يتصوّر متى وضعاً
روحانيّاً (طوبى للفقراء بالروح.. للجياع والعطاش للبر..) وهكذا نجدهما لا يعبرّان
عن معنى واحد. فكل يتوجّه إلى حاجات شعبه. فمتى يدعو إلى الفقر الروحي أي الخروج من
الذات والعطاء، بينما لوقا يدعو إلى العطاء المادي دليلاً على العطاء الروحي.
والبرهان على ذلك هو الويلات الأربعة المرفقة لاحقاً.
ج- قراءة كل آية من آيات الكتاب المقدس ضمن النص الواردة فيه: وذلك على ضوء قرينتها
الأدبيّة والتراثيّة المحيطة بها، وإلاّ ضللنا وفاتنا المعنى الحقيقي، وسنورد أيضاً
أمثلة:
* التينة التي يبّسها يسوع (مر 11). ذات مرّة كان يسوع مارّاً بجوار تينة، فمال
إليها ليأكل منها فما وجد ثمراً عليها، فلعنها، وفي الغد يبست (12- 14 و20- 26).
هنا يُطرح السؤال: لماذا لعن يسوع التينة ويبّسها؟! مع أن النص يقول بأن أوان الثمر
لم يحن بعد (آ 13). هل يسوع عدو الطبيعة؟! كلا. فإذا عدنا إلى النص وجدنا أن يسوع
يعلّم التلاميذ الصلاة بالإيمان. هذا مستوى التفسير الأول. ولكنه لا يكفي لأن
المغزى غير واضح. فلا بد أن يكون لمرقس قصد أعمق من ذلك وإلاّ لكان عملُ يسوع غير
مفهوم لا بل غير مقبول. فهو ييبّس تينة ليعلّم تلاميذه صلاة الإيمان. فهل ينقل في
المستقبل جبلاً ويطرحه في البحر مغيّراً ملامح البلدان جغرافيّاً ليعلم تلاميذه
الثقة بالله؟! كلا، لا يجوز ذلك. فمرقس وضع بين هذين النص نصاً (15- 19) عن تطهير
الهيكل من الباعة. فبعد الحدث الذي لعن فيه يسوع التينة نراه يدخل الهيكل ليطهره.
ثم يعود الكاتب ليرينا أن التينة يبست. فمرقس يربط التينة بالهيكل وبالتالي
بإسرائيل. فالتينة ترمز إلى إسرائيل الذين لم يثمروا. ونتأكّد من هذا المفهوم إذا
رجعنا إلى جذور هذا المعنى (رج إر 8: 13؛ يوء 1: 7؛ ميخ 7: 1) حيث نجد أن التينة
ترمز إلى إسرائيل، والكرمة أيضاً (رج أش 5: 7). ومرقس يعلم ذلك يقيناً، وهو لم
يستخدم الصورة عبثاً، بل لغرض معيّن، لذلك نراه يتابع في 12: 1- 12 عن مثل الكرامين
الذين لجشعهم وعدم أمانتهم خسروا الميراث الذي أعطي لغيرهم. وهكذا يقدّم مرقس
للقارىء مجالاً واضحاً ليفهم المغزى المقصود من وراء الحادثة هذه. والقارىء هنا هو
الرومانيون المسيحيون الذين يحتاجون إلى أن يعرفوا أن الملكوت قد نُزع من اليهود
وأعطي لهم، فكانت هذه الكلمات مشجعة معزيّة لهم جداً. وكذلك نرى يسوع في يو 1: 47
و48 يقول لنثنائيل إنه رآه تحت التينة، وانه إسرائيلي لا غش فيه لأن اليهود يدرسون
الشريعة تحت التينة (رج أيضاً مت 24: 32؛ لو 13: 6).
* ابنة ابراهيم (لو 13: 10- 17). ذات مرّة بينما كان يسوع يعلّم في الهيكل، أتت
امرأة منحنية الظهر منذ 18 سنة، فشفاها يسوع، فاعترض اليهود لأنه كان يوم سبت.
فاجابهم يسوع بأنها ابنة ابراهيم وهي مريضة ومأسورة ويحقّ لها أن تتحرّر في يوم
السبت. ولكن ما يلفت انتباهنا هو تسمية يسوع لها "ابنة ابراهيم". فاليهود لا
يقدّرون المرأة، واليهودي يشكر الله لأنه لم يخلقه عبداً أو وثنياً أو امرأة.
والمرأة هي من ممتلكاتهم يتصرفون بها كما شاؤوا، ويدّعون أنهم وحدهم أبناء ابراهيم
(مت 3: 9؛ يو 8: 39). ودعوة يسوع لها ابنة اسرائيل كان صدمة اجتماعيّة صعقت اليهود
حين رأوا أنه ساوى المرأة بالرجل.
* عدم أكل الدم (أع 15: 20). تفسر هيئة شهود يهوه أن نقل الدم إلى مريض هو كأكله،
وهذا الأمر هو ممنوع. قال الله لنوح وعائلته إن الدم يمثّل النفس، أو الحياة. ولذلك
منعهم الله من أكل الدم (تك 9: 3 و4). وبما أننا متحدّرون منهم، فإننا جميعاً
ملزمون بهذه الشريعة... وجرى تكرار شريعة الله عن الدم عندما أُعطي مسيحيو القرن
الأول هذا الارشاد (امتنعوا عن الدم) (أع 15: 28 و29). وبدافع الاحترام لقداسة
الحياة لا يقبل الأشخاص الاتقياء نقل الدم حتى ولو أصرّ الآخرون على إجراء كهذا
ينقذ حياة الانسان.
لكن إذا عدنا إلى نصّ (أع 15) تبيّن لنا مفهوم آخر، حاولت هيئة شهود يهوه تأويله
لصالح مفهومها المنطلق من العهد القديم... وهنا قبل الدخول مباشرة إلى الموضوع (الآية
المذكورة اعلاه) ينبغي لنا أن نفهم هدف سفر الأعمال، ثم الأدب المتضمن في نص أع 15،
وأخيراً معنى النص ومغزاه اللاهوتي...
- هدف سفر الأعمال: لم يُكتب سفر الأعمال بهدف تاريخي بحت، ولا يهتمّ لوقا فقط
بتدوين تاريخ الجماعة الأولى. وهكذا لا يكون مجمع أورشليم المنعقد في أع 15 قد دوّن
أولاً لهدف تأريخي. وبالتالي تسقط مقولة هيئة شهود يهوه عن موضوع الدم ونقله... إن
سفر الأعمال هو تاريخ ديني كُتب من أجل "إعادة الزمن الحاضر إلى وحدة الحدث الذي
أسس الكنيسة" وبالتالي ربط الكنائس بالجماعة الأولى ومن خلالها بالمسيح. وبذلك تجد
جذورها ومعناها في يسوع وحدث العنصرة. وهنا تبرز بشدّة وقوّة أبعاد لوقا بإظهار حدث
الخلاص المنطلق من يسوع: ينتقل من العالم اليهودي إلى العالم الوثني فيصبح مؤتمناً
على تواصل حدث الخلاص هذا في التاريخ. ويصوّر لوقا هذه الأبعاد: أولاً: بمسيرة
الكلمة ونمّوها (6: 7؛ 12: 24؛ 13: 49؛ 19: 20). ثانياً: بانتقال الحديث من بطرس (أع
12) إلى بولس رسول الأمم (أع 13)، ويلتقيان في أع 15. وهكذا تبرز وحدة رسالتهما في
المسيح.
ثالثاً: تواصل إنجيل لوقا مع سفر الأعمال. فكلاها كتبهما لوقا ووجههما إلى ثيوفيلوس
(لو 1: 3؟ أع 1: 1). فنرى أن خاتمة لو هي إعلان عن قيامة المسيح، وانتظار موعد
الروح القدس، بينما نرى أن مقدمة أع تتحدّث عن مجيء الموعد. وهكذا يبدأ لو بمجيء
المسيح ورسالته وموته وقيامته وموعد الروح القدس، ويتابع المسيرة في أع بمجيء الروح
القدس ومخطّط مسيرة الكلمة من أورشليم إلى أقاصي العالم (أع 1: 8)، وينتهي في أع 28
بسجن بولس في رومة. وهنا أبقى لوقا النص مفتوحاً فلا يعلمنا هل مات بولس أم أطلق
سراحه؟! وهكذا يبرز هدف كتابه، وهو تتابع مسيرة الروح القدس والكلمة من بعد بولس
وذلك من خلال الجماعة التي يتوجه إليها، ومن خلالهم الينا نحن، وأيضاً من بعدنا إلى
الأجيال الآتية.
- الأدب الذي نجده في أع 15: يتضمّن أع 15 نوعين من الأدب، يحملان في خلفيّتهما
قرارات مجمعين لا مجمع واحد. وتبرز هذه الناحية من خلال حديث لو في أع 15، وحديث
بولس في غلا 2، وكلاهما يتحدثان عن مجمع وحوار وقرارات. ولكن تبرز بينهما اختلافات
تدعم وجود أدبين ومجمعين، وهي: هدف المجمع (قارن غل 2: 10 مع أع 15: 5 و10 و19).
وطبيعة القرارات (قارن غل 2: 6- 18 مع أع 15: 13- 19). والزمن الذي تمّ فيه انعقاد
المجمع (قارن غلا 2: 1 مع أع 11: 30؛ 12: 25؛ 15: 1 و2). وهكذا نرى بوضوح وجود
نصّين أدبيّين، ومجمعين، أحدهما خاص (خطبة يعقوب) وموضوعه الختان، والثاني عام (خطبة
بطرس) وموضوعه الختان وبعض الممارسات المتعلقة بالشريعة اليهوديّة.. أما لماذا جمع
لوقا الاثنين في حدث واحد، فهو الترابط الموضوعي الوثيق بينهما. انطلق ليظهر
مفهومين متدرجين، وهما المحافظة على السلام وسط جماعة الله من خلال احترام
المسيحيّين من أصل وثني لإخوتهم من أصل يهودي.
ثم إبراز القول بأنه غير ضروري أن يتهوّد المسيحيون من أصل وثني للدخول إلى
المسيحيّة. وبالتالي تمّ انفصال الشريعة اليهوديّة عن مفهوم الحريّة في المسيحيّة.
وهكذا نرى كيف أن لوقا جمع الحدثين في حدث واحد، وجعل من أع 15 محطة حاسمة لانفصال
المسيحيّة عن اليهوديّة، وإعلاناً لهويتها المستقلة. وبذلك أطلق لوقا أبعاداً
لاهوتيّة ينبغي أن تُفهم في خلفيّتها فمن ضاع في آية حول أكل الدم وما شابه، ضيّع
كلام الله المتوجّه للبشر.
- مغزى النص: قال لوقا إن مجمع أورشليم انعقد بسبب تدخّل بعض المتهودين في جماعة
المسيحيين من أصل وثني. فأرسلت هذه الجماعة بولس وبعض الأخوة معه (أع 15: 1 و2)
لبحث الموضوع مع الرسل والمشايخ في أورشليم. فاجتمعت الجماعة في أورشليم، ورأت انه
من المناسب أن يحترم المسيحيون من أصل وثني ضمير المسيحيين من أصل يهودي وذلك
للحفاظ على السلام والتعايش والوحدة في الجماعة. وتحدث بولس عن هذا الموضوع أيضاً
في 1 كور 8؛ رومة 14. فيما اليهود يعتقدون بقدسيّة الحياة، والدم يرمز إليها، وهو (الدم)
محرّم من الأكل في شريعتهم (لاويين 17: 14) لذلك هم يحترمون الحياة بعدم أكل الدم.
ولكن المقصد الجوهري من الشريعة هو الحياة نفسها فيتكلم لا 17؛ تك 9: 5- 6 عن عدم
القتل وسفك الدم، لأنه بسفك الدم طبعاً يموت الانسان. والانسان مخلوق على صورة الله
وشبهه، وبالتالي لا يجوز القتل أبداً. وأفضل أسلوب ليفهم الشعب القديم ذلك هو تقديم
صورة تقول إن النفس هي في الدم، وبذلك يتجنبون كل ما يمت لسفك دم الانسان بصلة،
قتلاً أو ذبحاً، أو خنقاً...
ولكن يتخطّى لوقا هذا الأمر من أجل هدف لاهوتي نكتشفه من خلال كتابة سفر الأعمال.
الفصل الخامس عشر
مبادئ ربط الآيات والنصوص الكتابية
ان لربط الآيات والنصوص الكتابيّة بعضها مع بعض مبادىء بديهيّة، وذلك لضمان سلامة
التفسير، وسلامة الفكر الموجود في النصّ. فإذا لم نحترم هذه المبادىء أصبح الكتاب
مجرّد آيات تخدم أهدافنا ومفاهيمنا ومعتقداتنا المسبقة. لذلك لا يجوز انتزاع الآية
من نصّها لنضعها بمكان آخر تخدم أهدافنا فنبتدىء بتفاسير وأشياء غير موجودة ولا
يعنيها النص. وسنورد فيما بعد مثلاً عن سوء تفسير لأحدى الآيات، ونفسيرنا السليم
لها. أما أهم المبادىء فهي:
- قراءة كل نصّ ضمن كتابه، ومناسبة كتابته وخلفيّته الحضاريّة والثقافيّة، وما الذي
يعنيه الكاتب وكيف فهمه قرّاؤه.
- ان أردنا الانتقال من نصّ إلى آخر، فعلينا قراءة الموضوع أولاً في فكر كاتب السفر،
ثم الانتقال إلى فكره في باقي كتاباته (ان كان يوجد)، وتتّبع المرحلة الزمنيّة
واسلوب ومناسبة الكتابة ومعناها. ثم ننتقل إلى باقي الرسل أو الأنبياء المتأخرين
تاريخياً أو المتقدمين على السفر الذي يعالج الموضوع مع المحافظة على ظروف وبيئة كل
سفر ومعناه في إطاره. ثم تتبع التطوّر الفكريّ لدى الكاتب والأسفار في خطّ يوصلنا
إلى العهد الجديد أو إلى آخر الكتاب على أن يكون الموضوع نفسه هو الذي يتم جلاؤه في
كل مرحلة. وبذلك نرافق الموضوع منذ اعلانه أو نشأته عبر العصور والمراحل الفكريّة
والتطوريّة التي مرّ فيه، حتى يتمّ جلاؤه تماماً. وسنورد مثلاً:
تقتبس هيئة شهود يهوه آية من 1 كور 15: 28 وهي: "ومتى أخضع له الكل فحينئذٍ الابن
نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكلّ لكي يكون الله الكلّ في الكلّ". وتقول الهيئة
إن هذه الآية تدلّ على أن المسيح هو أدنى مرتبة من الآب لأنه خاضع له "وحتى بعد
موته وقيامته وصعوده إلى السماء كان يسوع لا يزال غير مساو لأبيه" 1 كور 11: 3؛ 15:
28 (كتاب يمكنكم أن تحيوا إلى الأبد... ص 40).
- إن أردنا أن نجاوب حرفياً، نقول إن كلمة "خضوع" لا تعني عدم المساواة بالضرورة،
وإلاّ فكيف نفهم أنه ينبغي أن تخضع النساء للرجال (أف 5: 22) أيعني ذلك أنهما غير
متساويان على المستوى الانسانيّ... وأن يخضع المؤمنين لرئاسات والسلاطين (تيط 3:
1). فهل هم آلهة نخضع لهم؟ وعندما يقول كونوا خاضعين بعضكم لبعض (1 بط 5: 5)، فهل
يعني ذلك أن المؤمنين غير متساوين؟ وكيف نفسّر ما جاء في 1 كور 14: 32 "أرواح
الأنبياء خاضعة للأنبياء"؟
- أما بخصوص "الكلّ في الكلّ"، فنقرأ أن المسيح فيه يقوم الكل (كو 1: 17)، وهو الذي
يملأ الكل في الكل (أف 1: 23)، وأنه كائن إلهاً على الكل (رو 9: 5)، وهو الكل وفي
الكل (كو 3: 11)... وهكذا نفهم أن الله والمسيح هما الكل في الكل... لكن لا يجوز أن
نفسّر هكذا أو أن نجاوب هكذا بأن نجتزىء نصوصاً وآيات لنخدم أفكارنا المسبقة،
والأسلوب السليم هو:
- النصّ لا إطاره: كورنثوس مدينة تجاريّة في اليونان، تمتلىء بالفساد والفجور
الأخلاقي والدينيّ. وقد عانى أعضاؤها أشدّ أنواع الصراعات والانقسامات ممّا أضطر
الرسول بولس للكتابة إليهم بعد سماعه بأخبارهم من أهل خلوة، وبعد جملة أسئلة
أرسلوها إليه للاستفهام عنها.. وقد عالج بولس جميع هذه المشاكل وأفرد نصاً عن
القيامة (الفصل 15) ليجاوب المنتقدين الذين تأثّروا بالفلسفة اليونانيّة (التي تقول
إن الجسد شّر، وإن الروح تكون بمفردها بعد الموت) ويردّ على أولئك الذين لا يؤمنون
بقيامة الموتى...
- مستوى التفسير الأول (من الآية إلى النصّ): تأتي (آ 28) ضمن فقرة تتكلّم عن كون
المسيح باكورة، ومتقدّم، ورأس الجسد (الكنيسة) وممثّلها. وبالتالي فالخضوع لا يتمّ
من الكتف بل من الرأس وما دون، لأنه ممثّل البشريّة وهو بهذه الصفة سيقدم الخضوع
حبياً وليس كالعبد، إلى الآب لأن يحبه ويهبه (للآب) كل شيء. فكل ما للمسيح هو للآب
وكل ما هو للآب هو للابن (يو 17: 10)، وذلك انطلاقاً من علاقة المحبّة التي تربطهما
بطبيعتهما معاً.
ومن جهة أخرى سيحقّق المسيح رغبة البشريّة ورجاءها الكياني للحياة مع الله، والمسيح
وحده يستطيع تحقيق هذه الرغبة. كما نرى أن هذه الفقرة هي ضمن نصّ كامل يتكلّم عن
القيامة. وهي تعالج بعض المنتقدين المتأثرين بالفلسفة اليونانيّة القائلين بأن ليس
قيامة أموات. لذلك يلجأ بولس إلى صورة الجسد، ليركّز مفهوماً يقول إن المسيح هو رأس
الجسد، وهو بالتالي مرتبط كيانياً به. فلا قيامة للمسيح (الرأس) بلا الجسد (الكنيسة).
ويمهّد بولس في آ 6 تأكيداً عن قيامة المسيح بشهادة أكثر من خمسماية أخ، وذلك
ليؤكّد أن المسيح قام وهو الرأس وبديهياً سيقوم الجسد، فكلاهما مرتبط الواحد بالآخر،
ولا قيامة لأحدهما إلاّ مع الآخر... وهكذا ننتقل إلى النصّ كلّه. فبولس يتكلّم عن
قيامة الأموات معلناً منذ البدء أن الكتاب المقدّس يتكلّم عن موت وقيامة المسيح،
وليس أنا (بولس) فقط. وإن قلنا ليس قيامة أموات، فنحن ننكر ونكذّب قيامة المسيح (مع
أنها مبرهنة بشهود)، لا بل أكثر نحن نكذّب الكتاب المقدس أي الله نفسه، وهذا غير
مقبول تماماً. وهكذا يصبح وضع المشكّكين حرجاً جداً، أي إنهم غير مؤمنين وما زالوا
وثنيين بعد. ثم ينطلق ليجاوب اليهود الذين يعتقدون بقيامة ماديّة، والمتأثرين
بالفلسفة اليونانيّة قائلاً: إن حالة القيامة هي على هيئة "جسم روحاني" (آ 44)
ويبدو ذلك متناقضاً للوهلة الأولى. ولكنه يقول إن الإنسان سيقوم ليس نفسه أو روحه
فقط، بل بالجسد أيضاً (وذلك رداً على اليونانيين). ولكن هذا الجسد ليس ماديّاً بل
روحانياً (وذلك رداً على اليهود). "إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله"
(آ 50). وبذلك تكلّم بولس عن مفهوم جديد للقيامة. لا شكّ بأنه صدم فكر الكنيسة في
كورنتوس وبخاصة الذين يثيرون المشاكل حول القيامة. وهكذا عالج بولس هذه المشكلة
مجيباً على المشاكل حول القيامة في كنيسة كورنتوس.
- مستوى التفسير الثاني (من النصّ إلى الموضوع): إن اكتفينا بالتعليم الوارد في نصّ
1 كور 15، حول القيامة، لوقعنا في مشكلة. لأن النصّ هو وحدة أدبيّة كُتب في مناسبة
ولغرض خاص، وليس لشرح القيامة بشكل عام. كما أنه (النصّ) حلقة في سلسلة أفكار بولس
حول الموضوع. فلقد تكلّم بولس في كتاباته حول هذا الأمر، وفي كلّ مرّة نجد المعنى
والمفهوم يتبلور، لا بل يتطوّر قياساً لاختباراته مع المسيح. فلذلك علينا أن نأخذ
فكر الرسول في كتاباته متتبّعين التسلسل الزمني والفكري للرسائل. والحقبات والبيئة
الخاصّة بكلّ منها. فبولس بدأ الكتابة عن الموضوع في أولى رسائله وهي رسالة
تسالونيكي الأولى (4: 13- 18) (سنة 51 م.) وفيه أعدّ بولس جواباً أولياً، وهو ربط
القيامة بمجيء المسيح مرّة ثانية، وهو على ما يبدو قريب جداً. ونرى في النصّ
الأسلوب الرؤيوي (ملائكة- أبواق...). وكان موت البعض قد نشر ذهولاً وخوفاً على
المصير. فإن متنا كيف نذهب معه في الهواء؟ فقال إنه وضع استثنائي (أي الموت المبكر
قبل مجيء المسيح). ولكن المسيح سيذكرهم لأنه يحبهم فلن يتركهم حتى بعد الموت، لذلك
سيقيمهم أولاً ثم يأخذ الأحياء باختطاف للسماء. وهكذا نرى أن لبولس مراحل فكريّة
تطوّرت تبعاً للاعلانات الإلهيّة ولاختباراته. ثم عالج نتيجة تعاليمه عندما أصبح
التسالونيكيون لا يعملون بل ينتظرون المجيء الوشيك للربّ فكتب 2 تسا وهكذا بدأ بولس
يتأمّل في فكرة تقول بأن الربّ قد لا يأتي سريعاً كما هو متوقّع. ويظهر هذا الأمر
أثناء معالجته لمشكلة القيامة في كنيسة كورنتوس (1 كور 15) والتي كتبت بعد ست سنوات
تقريباً. فيصبح الموت عندها أمر طبيعي وأساسي. والحياة أمر استثنائي. وان استمرّ
على القول بأننا لن نموت كلّنا (آ 51). ولكن أضاف بل نتغيّر. فالموت عبور وتغيير
للجسم وحالته لتنسجم مع العالم الإلهي. فالجسد سيلبس جسداً آخر (راجع أيضاً 2 كور
5: 1- 10). ويتابع بولس مراحل التطور الاعلاني في رسالته إلى فيلبي.
في فل 3: 20- 21، وهي ضمن رسائل السجن، حين كان لبولس الوقت الكافي ليتأمّل في موته
وفي القيامة مع المسيح، أظهر هناك أن التغيير الذي سيطرأ على الجسد هو أمر محتوم.
فإننا سنترك الفساد وسنتحوّل إلى شبه جسد المسيح، وذلك بقدرة الله. وهكذا نراه
يعبّر عن هذه الفكرة في باقي رسائله خلال هذه المرحلة فنجد القمة في خطابه إلى أهل
رومة (8: 18- 23) حين يقول بأن القيامة هي نهضة وتحوّل عالمي عند الإنسان والطبيعة.
فالكون سيتحوّل بقدرة الله. فما أعظم ما يفعل الله!
وهكذا ننتقل من فكر بولس في رسالته إلى فكره في رسائله كلها، فتتضح لنا خلاصة
تعليمه الأساسي. ومن ثم نننقل إلى فكر القيامة في منظور باقي الرسل. وهكذا نصل إلى
فكر يوحنا فقط، لأنه أعطانا مثالاً واضحاً على ذلك.
يوحنا هو آخر رسول بقي حيّاً. وواجه مشاكل أكبر من تلك التي واجهها الرسل في أيامهم،
من بدع وفلسفات. فنرى يوحنا يتكلّم عن القيامة على لسان المسيح (يو 11) بقوله: "أنا
هو القيامة والحياة. من آمن بي يحيا وإن مات. وكل من يحيا مؤمناً بي لا يموت أبداً"
(آ 25 و26). وهنا نرى الموضوع وقد تعمّق به يوحنا. فإنه يقول إن الموت هو أمر مؤكّد
بيولوجياً، والقيامة أيضاً أمر مسلّم به. ولكنه لا يناقش حالة القيامة بعد الموت.
بل يضيء على الموت الحقيقي والقيامة الحقيقيّة بأسلوب رائع، حين يقول إن الإيمان
بيسوع حياة، والموت هو عدم الإيمان. فأصبح الموت البيولوجي أمراً بسيطاً أمام الموت
الحقيقيّ الذي هو جوهرياً عدم الانفتاح على حبّ الله. فالأنانيّة هي موت، والانفتاح
على المحبّة هو حياة. وهذا ما يتّضح لدى قراءتنا الإنجيل ورسائل يوحنا (رج يو 3:
16؛ 5: 24؛ 1 يو 3: 14).
وهكذا نرى معنى الموت والقيامة يتطوّر اعلانياً بصورة رائعة ليبلغ جوهراً يطال عمق
وقلب الإنسان... وإذا أردنا الرجوع بالموضوع إلى الوراء، نذهب إلى العهد القديم
وندرس الموضوع في حقباته وتطوّره، وتأثير الفكر السامي، ثم الفلسفة اليونانيّة إلى
أن نصل إلى العهد الجديد. وهكذا يكون الدرس موضوعياً ومنظّماً فيصل بنا إلى نتيجة
تدلّ على غنى الكتاب المقدس وتماسكه.
الفصل السادس عشر
مبادئ أخرى
1- الاتفاق على التعابير والمصطلحات والرموز
- كلمة "ثالوث". نستطيع عدم استخدام هذه الكلمة شرط الإبقاء على جوهرها كما وردت في
قانون الإيمان والكتب المقدسة. وذلك منعاً لإثارة المشاكل قبل شرحها بدقة. لأن
مفهوم الثالوث عند هيئة شهود يهوه يختلف جوهرياً عما هو في الكنيسة. لأنهم يعتقدون
أنا نعلم أن الثالوث عبارة عن ثلاثة أقانيم في شخص واحد، وهذا خطأ، لأن الكنيسة لا
تعلم ذلك، فهي تقول بثلاثة أشخاص (أقانيم) لهم جوهر واحد، لا يُدمج أو يذوس أقنوم
في آخر.
- أقنوم: هو اسم يدلّ على شخصيّة قائمة بذاتها، ولا يستقلّ في جوهره عن الآخر.
- إبن الإنسان: تعني أو تشير إلى طبيعة يسوع البشريّة، كفرد من البشر (حز 2: 1)،
وكمرسل من الله في (دا 7: 13 و14).
- الكلمة- لوغوس- الابن: تشير إلى هويّة يسوع ما قبل التجسّد.
- يسوع: وتشير إلى هويّة يسوع بعد التجسّد.
وهنا نذكر أن للاسم مدلولاً يحدّد طبيعة شخصيّته. فإذا حدث تغيير في الأسم يدلّ ذلك
على تغيير في المصير والرسالة والهدف. مثلاً:
- سمعان: بطرس- أي الصخر
- ابرام: ابراهيم- أب كل حيّ
- الأرقام:
- الرقم 7: يرمز إلى الكمال
- الرقم 6: يرمز إلى النقص
- الرقم 12: شمولي يرمز إلى كامل شعب الله (12 رسول، رج مر 3: 13 و14؛ أع 1: 12- 14
وفيها انتخاب خلفاً ليهوذا؛ 12 سبط؛ رج رؤ 7: 5- 8؛ وفيها نرى 12 سبطاً، حُذف منه
سبط دان بسبب خيانته الدينيّة (قضاة 18) ولم يُعدّ في 1 أخ 4: 7، وأضيف سبط منسى
الذي هو من ذريّة يوسف للحفاظ عل الرقم 12 (اقرأ تك 49؛ يو 6: 13؛ مت 14: 20؛ رؤ
21: 12 و14 و16 و21؛ 22: 2).
- الرقم 1000: يرمز إلى طول اليوم الإلهيّ (إقرأ 2 بط 3: 8)، ولم يستطع أي إنسان أن
يحياه كله (رج تك 5)، بينما المسيح وحده قطعه كله، كونه آدم الجديد (رؤ 20: 4- 6).
2- لا نقرأ العهد الجديد على ضوء العهد القديم
- لدى مطالعتا لتصريحات هيئة شهود يهود، نلاحظ استخدام العهد الجديد كملحق للقديم،
مثلاً:
- إن للملكوت طبيعة ماديّة حرفيّة وهذه الفكرة هي امتداد لرجاء العهد القديم. بينما
في المسيحيّة نجد أن الملكوت هو روحيّ لا ماديّ (رج رؤ 14: 17؛ 1 كو 15: 50).
- إن الروح القدس هو قوّة الله الفعّالة، وهي فكرة تقع في امتداد العهد القديم.
يقولون إن روح الله هو قوّة تصدر عنه، بينما البعض يرون أنها هو أي الله، والعهد
الجديد يبرز سخصيّة الروح القدس: فهو يعزّي، يعلّم، يتكلّم، يحزن..
- لا يوجد ثالوث، وهي فكرة امتداد لوحدانيّة يهوه، فلا إله غيره. بينما المسيح في
العهد الجديد أعلن لنا الله ثالوثاً.
- الهيئة التيوقراطية، وهي فكرة امتداد للعهد القديم القائل بأن الله يدير شعبه عبر
النبي، بينما في العهد الجديد نصبح جسد المسيح أي الكنيسة، وهو يتعامل معنا مباشرة
كونه الرأس.
بينما إذا رجعنا إلى العهد الجديد، نجد أننا لا بدّ أن نقرأ القديم ونفهمه ونؤوّنه
على ضوء العهد الجديد، لنقرأ في إنجيل يوحنا (5: 39) أن المسيح يقول لليهود أن
يفتّشوا في الكتب المقدسة التي تشهد له، وما ورد في أع 10: 43 أن كل الأنبياء تشهد
أن كل من يؤمن بالمسيح ينال باسمه غفران الخطايا. وهكذا نرى أن محور العهد القديم
الخفي هو يسوع، وكل العهد القديم يُفهم على ضوء المسيح. فنقرأ في 2 كو 3: 12- 16: "ولأن
لنا هذا الرجاء، فنحن نتصرّف بجرأة. فما نحن كموسى الذي كان يضع قناعاً على وجهه
لئلا يرى بنو اسرائيل نهاية ما يزول، لكن عميت بصائرهم، فلا يزال إذاً القناع إلى
اليوم غير مكشوف عند قراءة العهد القديم، ولا ينزعه إلاّ المسيح. نعم، إلى اليوم لا
يزال القناع على قلوبهم عند قراءة شريعة موسى، ولا ينزع هذا القناع إلاّ الاهتداء
إلى الربّ". وهكذا نجد أن المسيح والعهد الجديد، هو مفتاح فهم العهد القديم. إذاً
فلا يجوز أن ننطلق بفكرة أو مفهوم له امتداد حرفي في العهد القديم. وهكذا يبدو
العهد القديم ظلاً ورمزاً للمسيح. فنقرأ في عب 8: 5: "غير ان عبادة هؤلاء عبادة
صورة وظلّ للحقائق السماويّة...". وهي ترد بنصّ يؤكّد كهنوت المسيح والقدس الجديد
الحقيقيّ ضمن محور سفر العبرانيين عن عمل وتفوّق المسيح... وهناك الكثير من النصوص
تثبت أنه يجب أن نفهم ونفسرّ العهد القديم انطلاقاً من العهد الجديد ومن معاني
تعاليم العهد الجديد (رج عب 10: 1؛ 9: 13؛ 9: 2 و8؛ 13: 10؛ رؤ 5: 2 و6؛ 11: 19؛ كو
2: 17؛ خر 25: 40).
3- امكانيّة اللجوء إلى مراجع غير الكتاب المقدّس لفهم بعض نصوصه
ان اللجوء إلى مراجع غير الكتاب المقدّس لفهم بعض نصوصه هو أمر محتوم. فأنه حين
الكاتب يستشهد أو يدوّن أمراً ما له ارتباط بحادثة جرت، أو بفكرة مدوّنة في أسفار
غير الكتاب المقدس. فعلينا العودة إليها ودرسها في إطارها لنرى كيف دوّنت أو كيف
جرت، وذلك لنفهم قصد الكاتب من استخدامها أو تأوينها في نصه. إن لم نفعل ذلك لا
نفهم فكر النصّ الكتابي على أفضل صورة، وفاتنا كلام الله ومقصده. وسنورد أمثلة.
- ورد في إنجيل لوقا (13: 1- 5)، ان قوماً أتوا إلى المسيح يخبرونه عن موت بعض
الجليليين على يد بيلاطس. فقال لهم يسوع أتظنون أنهم خطأة أكثر من غيرهم (لأنهم
كانوا يظنونهم خطأة، والله عاقبهم). ثم أضاف حادثة أخرى عن انهيار برج في سلوام قتل
18 شخصاً. وهكذا نرى أن لبعض الأحداث التاريخيّة تأثيراً على النصّ فيقوده نحو غرض
معيّن يستخدم الكاتب الأحداث التاريخيّة ويؤونها ليقول من خلالها شيئاً ما. وهكذا
علينا اللجوء إلى الأمور التاريخيّة التي أثرت في الكتاب لفهم أحداثها، وبالتالي
لنفهم قصد الكاتب من استخدامها وتأوينها.
- ورد في يهوذا بعض الاستشهادات من مراجع منحولة مثل (آ 9) التي تتكلّم عن جدال بين
الملاك ميخائيل والشيطان على جثّة موسى. وردت هذه في كتاب "ارتفاع موسى" المنحول.
وفي الآيات 14- 16 ورد أن أخنوخ تنبّأ عن هلاك البعض بسبب فجورهم، وهي مأخوذة من
كتاب أخنوخ، وكتاب اليوبيلات، ووصيات الآباء الأثني عشر، وكلها كتب منحولة. وفي آ
22- 24 حين تكلّم عن قايين وبلعام، وعاد إلى تقاليد يهوديّة آتية من فيلون
الأسكندري وفي حياة موسى، وترجوم التكوين.
القسم الخامس
مواضيع يساء فهمها
سنتكلم في هذا الفصل عن أمثلة لمواضيع يُساء فهمها، وذلك بسبب القراءات الحرفيّة
لبعض الآيات (طبعاً خارج نصوصها). كما نتوقّف عند تأويل الكنيسة لبعض النصوص
وتحميلها كلاماً لم تقله... والحلقة المفقودة، في رأينا، تكمن في عدم الاتصال ما
بين العالمين، وعدم الاصغاء والتواصل الفكري. فمن جهة شهود يهوه، فإنهم يحاولون نشر
آرائهم لاعتقادهم أنها صحيحة. ومن جهة أخرى نضطهدهم محاولين تحطيمهم لا إرشادهم
للحقيقة... فنراهم يفسّرون تعاليم الكنيسة ويؤوّلونها في معانٍ غير موجودة مستندين
إلى الحرف. وكذا نقول بالنسبة إلى الكتاب المقدس.. وترانا نحن نضطهدهم عشوائياً،
وإن حاورناهم فمن منطلق عدائيّ، كما نلجأ إلى نشر آيات تناقض تعاليمهم، ونكون قد
أخرجناها من نصوصها أيضاً. وهكذا نجد في الحوار ضحيّة وهو كلام الله الممّزق
والمؤوّل بغير وجّه حقّ من قبل الطرفين.. (طبعاً لا نقصد الجميع بل البعض).
وسنتناول أمثلة لبعض هذه المواضيع موضحين التفاسير المغلوطة، وأسلوب الدراسة السليم
وفق النص وخلفيّته (وطبعاً سنتناول فقط المواضيع الجوهريّة لا كل شيء).
الفصل السابع عشر
الثالوث
1- مقدمة
قبل الدخول في الموضوع سنوضح مفهوم الكنيسة لكلمة "سرّ"، ولمفهوم "الثالوث":
- الكنيسة تطلق على الله كلمة "سرّ"، أي "سرّ الثالوث"، و"سرّ الفداء"... وكثيراً
ما يُساء فهم معنى الكلمة فتصبح كاللّغز. لكن الكنيسة تفصل بين كلمة سر وبين اللغز.
فاللغز هو شيء غامض لا يُفهم أبداً مهما حاولنا كشفه. أما السرّ في مفهومنا المسيحي
فمختلف تماماً، فإنه حقيقة إيمانيّة نستطيع فَهمَها شيئاً فيشئاً دون الوصول إلى
نهايتها. فالسر ليس حائطاً نصطدم به بل محيطاً نغوص فيه ونتعمّق لنكتشف أبعاداً
وأبعاداً جديدة لهذه الحقيقة.. هذا هو معنى السرّ في مفهومنا المسيحي.
- ان عقيدة أو مفهوم الثالوث ليس حصيلة أدمغة في نظرتها إلى الله، بل تعبيراً
لاهوتيّاً صاغته الكنيسة لتجسيد الاعلان والحقيقة التي كشفها الله لنا من خلال ابنه.
لذلك نحن ننطلق من الاعلان، فنرى ان الله كامل، وإلاّ لا يعود الله. ومعنى الكمال
أنه يجمع كل الصفات والأمور الحسنة بالمطلق. وهنا لا أحد يخالفنا في هذا المفهوم.
كما نرى في إعلان الله، انه محبّة (1 يو 4: 8). وهنا نأتي إلى مسلّمات لا يمكن
تجاوزها أو إغفالها، الا وهي معنى المحبّة، وكيفيّة وجود المحبّة في الله..
والمسلّمات هي: "الحبّ هو الحياة في سبيل الآخر (للعطاء)، والحياة بالآخر (القبول).
الحبّ هو الكفّ عن الحياة في النفس وبالنفس وفي سبيل النفس". من هنا تبرز حقيقتان
جوهريّتان في المحبّة، وهما: القبول والعطاء. فالحبّ المتوجّه نحو النفس هو أنانية
لا محبّة، ولا يفيض منه شيء. أما الحبّ المتوجّه نحو الآخر فهو خروج من النفس وعطاء.
عطاء ماذا؟ لا اشياء بل الجوهر. "هذا هو جوهر سرّ الثالوث. ان كان الحبّ عطاءً
وقبولاً، فلا بد أن يكون هناك عدّة أشخاص في الله. لا يعطي الانسان نفسه لنفسه، ولا
يقبل الانسان نفسه بنفسه. وحياة الله هي حياة القبول والعطاء هذه".. وهنا نرى أن
المحبّة تُعطي لا الأشياء بل الجوهر، أي النفس والذات، لأنها أغلى شيء. ولاكتمال
المحبّة ينبغي على المستَقبِل أن يستوعب هذا الجوهر ويحتويه، وبالتالي يكون هو من
الجوهر نفسه لا خارجاً عنه. وهكذا نرى أنه لا يمكن أن يحبّ الله مخلوقا ما خلقه
لهذه الغاية وذلك للاعتبارات التالية: إن المخلوق محدود في الاستيعاب والقبول. فإن
صبّ الله محبّته (أي جوهره) في المخلوق (ملاكاً كان أو إنساناً) لا يتألّه، بل
يتفجّر متلاشياً لأنه لا يستوعب المحبّة (الجوهر) بل هي تستوعبه. كما وأنه محدود
زمنيّاً (لأن المخلوق له بداية ونهاية) وليس أزلياً. وبالتالي لا يكون الله قبل
خلقه محبّاً بل أنانيّاً. كما ويكون الله بذلك مرتبطاً كيانيّاً بالمخلوق لأنه
يكمّله في المحبّة.
وهكذا عندما نقول إن الله محبّة، نقول إنه عطاء وقبول، وبالتالي لا يكون هذا القبول
خارجاً عنه، أو من جوهر آخر. وهنا يقتضي الأمر وجود ثنائيّة ما في الله لا خارجه.
وهذه الثنائيّة عبّر الاعلان عنها بـ "الآب" و"الابن" كعلاقة غيرويّة (أي الواحد مع
الآخر) و"الروح القدس" كعلاقة باطنية، أي المحبّة (الجوهر) المتبدلة. فإن الآب
والابن والروح القدس ثلاثة أشخاص يمتاز كل واحد عن الآخر امتيازاً حقيقياً يمنع
الاختلاط بينهما. فلا يذوب أحدهم في الآخر، لذلك هم متمايزرن ولكنهم غير منفصلين في
الجوهر وطبيعة الألوهة بل واحد.
"ليس الثالوث الأقدس ثلاثة أقانيم متجانبين، بل هي ثلاث كرامات تهب أنفسها الواحدة
للأخرى على وجه كامل. ليس كل من الأقانيم الثلاثة لنفسه الا لأنه للاثنين الآخرين.
فلا وجود للآب كآب يمتاز عن الابن، إلاّ بهبة نفسه كلّها للابن. ولا وجود للابن
كابن يمتاز عن الآب إلاّ بكونه كلّيّاً اندفاع محبّة للآب. فلا وجود للآب، أوّلاً
كأقنوم يقوم على نفسه ولنفسه، بل لا يكون نفسه ما لم يكن خارجاً عن نفسه. فهو قائم
في الكيان بقيامته في الآخر. في الآب وفي الابن وفي الروح القدس يستحيل على الاطلاق
أي انطواء على النفس".
وبهذا نرى أنه لا أسبقيّة زمنيّة، أو حتى تراتبيّة جوهريّة في الثالوث، بل المحبّة
الكاملة المبتادلة.. وإن سُئلنا لماذا ثلاثة أقانيم وليس اثنين أو أربعة؟! لأجبنا
بالتالي، هناك سببان. أوّلهما: أن الآب يهب نفسه وجوهره لشخص واحد ودفعة واحدة.
وذلك لأن محبّة الله ليست جزئيّة، بل كاملة، وتُمنح كاملة. بعكسنا نحن البشر، فإننا
ننجب عدّة أولاد ونحبّهم كلّهم معاً، ولا نستطيع توجيه حبّنا إلى واحد. فإن فعلنا
نحرم لآخر. لذلك نحن نحبّهم جزئياً معاً. أما الله فيمنح محبّته كاملة للابن الذي
بدوره يعكس المحبّة ذاتها نحو الآب، وهذه العلاقة المتبادلة تُسمّى "الغيريّة".
ويطلق يوحنا (1: 18؛ 3: 16) كلمة "الوحيد" على الابن للإشارة إلى عدم وجود ابن آخر،
كما ويدلّ على أن الآب يحبه كامل المحبّة مما جعله وحيداً ولا أحد غيره (رج يو 3:
35؛ 10: 17؛ 15: 9...). ويستخدم اللاهوت تعبيراً يبرز ارتباط الابن بطبيعة وجوهر
الآب، وهو "الألادة". فكما الشمس تلد النور دائماً دونما تواجد أيّ من القرص أو
النور أحدهما قبل الآخر أو دونه، كذلك في مفهومنا عن الالادة التي لا ينبغي أن تفهم
بالمعنى الجسدي، بل بالمعنى الروحي. فالابن مولود من الآب قبل الأزمنة (رج يو 1: 1-
2؛ 1 يو 1: 1). أي لم يكن هناك الآب بلا الابن وإلاّ لما كان اسمه "الآب". وهذه
الألادة هي روحيّة لا جسديّة. فالله روح (يو 3: 24) ومولود الروح هو روح (يو 3: 6)،
وبقيّة البشر هم أبناء بمعنى التبنّي بيسوع (رج كو 1: 16؛ أف 2: 10؛ ويو 1: 4).
ولكنا على صورة الابن مخلوقين (رو 8: 29)، وبذلك نكون مختلفين جوهرياً عن الابن
بصيغة التبنّي كما قلنا (أف 1: 5). لذلك عبّر يوحنا بكلمة الابن الوحيد تميّزاً له
عن البشر. ومحبّة الله تتوجه إلينا من خلال ابنه. "اختارنا فيه قبل إنشاء العالم...
في المحبّة" (أف 1: 4؛ راجع 2: 4). وعندما نحبّ بعضنا البعض فإننا نولد من الله،
لأن الله محبّة (رج 1 يو 4: 7). وعندما خلقنا الله خلقنا به وله (للابن) (عب 2: 10؛
كو 1: 16) ووهبنا له (للابن) (يو 17: 2 و6 و9 و24). وهكذا "ندخل نحن في صميم علاقة
هبة ذاته [الآب] لابنه الوحيد الحبيب" وبذلك تكون علاقة الآب بالابن الوحيد علاقة
غيريّة تمنع وجود ابن آخر... أما الابن فانه يتقبّل من الآب المحبّة الكاملة
وبالتالي ذاته ويعبّر عنها بأنه من الآب خرج (رج يو 8: 42؛ 16: 27 و28؛ 17: 8)، وهو
في حضن الآب (يو 1: 18) بمعنى أنه من طبيعته. والابن يتقبل البشر من الآب (رج يو 6:
44؛ 17: 6 و9 و16)، كما يبادل الآب المحبّة: "اني أحب الآب" (يو 14: 31؛ رج يو 15:
10)... أما عن الروح القدس (ونذكّر هنا اننا ما زلنا في السبب الأول لعدم وجود
شخصين فقط أو أكثر من ثلاثة أشخاص) فنحن أمام العلاقة "الباطنيّة" بين الآب والابن،
فهو (الروح) من الآب والابن معاً. فالروح القدس هو "روح الله" و"روح الآب" (أف 3:
16) وهو (أي الروح) يفحص أعماق الله (1 كور 2: 10 و11). وهو كذلك "روح الابن" (غلا
4: 6؛ 2 كور 3: 17؛ فيلبي 1: 19؛ رو 8: 9)؛ وهكذا يبرز الروح القدس كأقنوم قائم
بذاته ويمناز عن الآب والابن فلا يذوب فيهما، بل هو الذي يقيم الشركة بينهما (2 كو
13: 13)، كما وأن لديه كل الصفات الشخصيّة في تكلم، وحزن، وإرشاد، وإدارة، وتعليم...
والسبب الثاني: هو أن الله محبّة تنتفي فيها كل أنانيّة وكل تملّك كياني. فالمحبّة
لا تتملّك بل تهب دائماً. فلو لم يكن هناك أقنوم ثالث (الروح القدس) لكان وجود الآب
في الابن هو تملّكاً له، وبالتالي تملّكاً للنفس، فالأنانيّة. أمّا إذا تفتّحت
محبّة الآب والابن على الروح الاقدس (الأقنوم الثالث) لأنتفت الأنانيّة وكل أشكال
التملّك. وهكذا نفهم قول المسيح في (يو 17: 10) "كل ما لي فهو لك (للآب) وكلّ ما هو
لك هو لي".
ونختم مفهومنا حول الثالوث، بأننا انطلقنا من أن الله محبّة في الكيان، وكل صفاته
ما هي إلاّ أوجه عديدة وتعابير عن المحبّة التي هي منبع كل شيء، وبذلك نفهم بالعمق
مدى المحبّة في الله على صورة حقيقة الثالوث، ونفهم كيف أن الله أحبّ العالم حتى
وهب ابنه الأوحد (يو 3: 16)، ومعنى قول الابن ليس حبّ أعظم من هذا أن يضحّي أحد
بذاته في سبيل أحبائه (يو 15: 13). وما أروع تعبير قاريون عن هذه الحقيقة بقوله: "الحرية
في يد قائد المئة نفذت إلى أبعد من قلب المسيح، فقد شَّرعت قلب الله واجتازت حتى
صميم أعماق الثالوث".
من هنا كل انطلاقة للحوار في موضوع الثالوث مع شهود يهوه، ينبغي عليها أن تركّز فيه
على نقطتين: الأولى، ان الله محبّة، وظهرت هذه المحبّة في المسيح. فإن كان الله
محبّة فمن كان يحبّ قبل خلق أيّ شيء؟! أما النقطة الثانية، وهي ان نُوضّح مفهوم
الثالوث بأنه ثلاثة أشخاص (أقانيم)، والتشديد جداً على التمايز بينهم، أي ان الابن
هو الذي تجسّد وليس الآب، كما وان الابن حين يصلّي فهو يتخاطب مع الآب... وطبعاً مع
الحرص على عدم الانفصال وإلاّ لأصبحوا ثلاثة آلهة، أي القول بأنهم من الجوهر
والطبيعة الإلهيّة نفسها.
2- مفهوم هيئة شهود يهوه حول موضوع الثالوث
تصرّح هيئة شهود يهوه بعدم إيمانها في الثالوث الأقدس، وذلك بسبب عدم ورود كلمة "ثالوث"
في الكتب المقدسة. وسنستعرض عدّة اقتباسات تصرّح بذلك:
- ورد في كتابهم (المعرفة التي تؤدي إلى الحياة الأبديّة/ 1995- ص 30 و31): "كان
المصريون القدماء يعبدون آلهة عديدة، لكن يهوه "إله يتطلب التعبّد المطلق" (خر 20:
5، ع ج) وذكّر موسى الاسرائيليين بأن "يهوه إلهنا يهوه واحد" (تث 6: 4، ع ج) وكرّر
يسوع المسيح هذه الكلمات (مر 12: 28 و29). لذلك فإن الذين يقبلون الكتاب المقدّس
ككلمة الله لا يعبدون ثالوثاً مؤلّفاً من ثلاثة أقانيم (أشخاص) أو آلهة في واحد.
وفي الواقع، ان كلمة "ثالوث" لا تظهر أيضاً في الكتاب المقدّس. فالاله الحقيقي هو
شخص واحد. منفصل عن يسوع المسيح. (يو 14: 28؛ 1 كور 15: 28) وروح الله القدوس ليس
شخصاً. انه قوّة يهوه الفعّالة، التي يستخدمها الكليّ القدرة لإنجاز مقاصده- تك 1:
2 ع ج؛ أعمال 2: 1- 4، 32، 33؛ 2 بط 1: 20، 21).
- ورد في كتاب (يمكنكم أن تحيوا إلى الابد في الفردوس على الأرض/ 1985 - 90- ص 39
و40): "... في إحدى المناسبات، صلّى يسوع إلى الله قائلاً: "لتكن لا إرادتي بل
إرادتك". (لو 22: 42) فلو كان يسوع الله الكليّ القدرة لما صلّى إلى نفسه. وفي
الواقع، بعد موت يسوع، تقول الأسفار المقدسة: "يسوع هذا أقامه الله" (أع 2: 32).
وهكذا يتّضح ان الله الكليّ القدرة ويسوع شخصان منفصلان. وحتى بعد موته وقيامته
وصعوده إلى السماء كان يسوع لا يزال غير مساوٍ لأبيه- 1 كور 11: 3، 15: 28".
- ورد في كراسة أو مجلة (هل يجب أن تؤمنوا بالثالوث/ 1989- ص 11): "في كل مكان من
العالم القديم، رجوعاً إلى بابل، كانت عبادة الآلهة الوثنيّة المجموعة في فِرق من
ثلاثة، أو ثواليث، شائعة. وهذا التأثير كان أيضاً سائداً في مصر واليونان ورومية في
القرون التي قبل، وفي أيام، وبعد المسيح. وبعد موت الرسل ابتدأت مثل هذه المعتقدات
الوثنيّة تجتاح المسيحيّة". وفي (ص 29) تضيف النشرة: "يلزمنا أيضاً أن نتذكر أنه
حتى ولا "آية برهان" واحدة تقول ان الله ويسوع والروح القدس هو واحد في ذات إلهيّة
غامضة...".
3- معالجة سوء التفاهم
قبل الدخول في المعالجة، يجدر بنا أن نسجّل بعض الملاحظات حول ما ورد من تصاريح عن
إيمان ومفاهيم هيئة شهود يهوه، ومن ثم نعالج بضعة أمور:
- انطلاقتهم من العهد القديم لنفي أو لتأكيد، أي موضوع أو فكرة. فيصبح العهد الجديد
كملحق أو كامتداد للعهد القديم، مثل قولهم عن عبادة يهوه.
- اللجوء إلى الفكر الوثني، وتصوير الثالوث على انه امتداد له، دون دراسة هذه
الأمور لدى المسيحيين أنفسهم. كما وعدم تميّزهم للاختلاف الجوهري العميق الجذور بين
إيماننا المسيحي والوثنيين، خاصة في موضوع الثالوث.
- المغالطات الكبيرة والواضحة التي تشير إلى سوء تفاهم واضح لفكر الكنيسة، وهنا
نشير إلى دمجهم للآب والابن والروح القدس في شخصيّة واحدة أو إله واحد. وهذا خطأ.
فليس هذا فكر الكنيسة وإيمانها. وهنا بدلاً من أن يتعمّقوا بدراستهم لفكر الكنيسة،
نجدهم يؤوّلون كلام وأقوال الكنيسة ليرّدوا عليها. وهم أنفسهم غير فاهمين هذا
الإيمان.
- الحرفيّة التي يتبعونها. فإنه ان لم يكن من كلمة ثالوث، فليس له وجود. وهنا نطرح
سؤالاً. لم يذكر الكتاب المقدس كلمة "حكومة" أو "قوّة الله الفعّالة" عن الروح
القدس. أو حتّى "الهيئة الحاكمة" ليس لها جذور، فمن أين جاؤوا بها. ونشير إلى ان
إيماننا المسيحي لا يُبنى على وجود كلمة أو عدمها، بل على دراسات للنصوص وخلفيّاتها،
وعلى اختبار الكنيسة كجماعة للربّ.
- إستخدام وتفسير الآيات بغير وجه حقّ، مثل آية (1 كور 15: 28) التي يقولون انها
تشير إلى أن المسيح من غير طبيعة الآب، وأنه أدنى منه. وهذا التفسير خطأ إذا قرأنا
الفصل وفسّرناه بشكله الصحيح فالموضوع يتكلّم عن القيامة، وشتّان ما بين معنى النصّ
وبين ما قالوا.
- التهجّم والانتقادات اللاذعة المتوجّهة إلينا الواردة في نشرة (هل يجب أن تؤمنوا
بالثالوث؟ ص 30 و31)، وهذا غير مقبول لا على الصعيد المسيحيّ الذي يحترم ضمير الغير،
ولا على الصعيد الأكاديمي والمنهجي للعلم... فمثل هذه الأقوال تظهر لنا نوعاً من
العداء والبغض المستحكم، والذي نسعى لإزالته بإظهار إيماننا على حقيقته، لا بصور
مشوّهة ومغلوطة.
الفصل الثامن عشر
هوية يسوع
1- مفهوم هيئة شهود يهوه حول هويّة يسوع
ورد في نشرة (هل يجب أن تؤمنوا بالثالوث- ص 14): "... كان يسوع كائناً روحياً
مخلوقاً. تماماً كما كانت الملائكة كائنات روحانيّة مخلوقة من الله... كان يسوع، في
وجوده السابق لبشريّته، "بكر كل خليقة" (كولوسي 1: 15) لقد كان "بداءة خليقة الله".
(رؤيا 3: 14)... وورد في كتاب (المعرفة التي تؤدي إلى الحياة الأبدية- ص 39): "دُعي
يسوع (ابن الله الوحيد) لأن يهوه خلقه مباشرة. (يو 3: 16) واذ كان يسوع "بكر كل
خليقة"، استخدمه الله بعدئذ لخلق كل الأشياء الأخرى (كولوسي 1: 15؛ رؤ 3: 14) تقول
(يو 1: 1) ان الكلمة (يسوع في جوده السابق لبشريّته) كان عند الله "في البدء".
ولذلك فإن الكلمة كان عند يهوه حين خُلقت "السماوات والأرض". وكان الله يخاطب
الكلمة عندما قال: "نعمل الانسان على صورتنا" (تك 1: 1، 26) وبشكل مماثل، كان
الكلمة دون شك (الصانع) المحبوب عند الله، الموصوف في الأمثال 8: 22- 31 بأنه مجسّم
الحكمة، عاملاً إلى جانب يهوه في صنع كل الأشياء. وبعدما أوجده يهوه قضى الكلمة
دهوراً عند الله في السماء قبل أن يصير إنساناً على الأرض... لا عجب ان كو 1: 15
تدعو يسوع "صورة الله غير المنظور" فطوال سنوات لا تحصى من المعاشرة اللصيقة صار
الابن الطائع تماماً كأبيه، يهوه. وهذا سبب آخر لكون يسوع المفتاح إلى معرفة الله
المانحة الحياة".
ونلاحظ هنا جملة أمور، أهمها:
* ان يسوع هو مخلوق روحاني كالملائكة، وذلك استناداً إلى كو 1: 15؛ رؤ 3: 14.
* ان يسوع دُعي ابن الله الوحيد لأنّ يهوه خلقه مباشرة.
* ان الله استخدم يسوع في خلق الأشياء الأخرى (السماوات والأرض...).
* ان الحكمة في أمثال 8، هي تجسيم ليسوع، وبالتالي هي مخلوقة وصانعة.
* ان يسوع يُدعى "صورة الله" بسبب معاشرته الطويلة ليهوه أبيه.
2- التفسير السليم
سنبدأ أولاً بشكل حرفي لنثبّت أن التفسير الحرفي لا يوصلنا إلى تفاسير سليمة. ففي
موضوع أن يسوع يُدعى ابن الله الوحيد، نرجو مراجعة معنى كلمة وحيد في مقدمتنا
وتوضيحنا حول الثالوث.. أما في موضوع كلمتي "بكر" و"بداءة" فتفسر هيئة شهود يهوه
كلمة "بكر" بمعنى المخلوق الأوّل. ولكن في بحثنا في الكتاب المقدس نرى انها تستخدم
لمفهوم آخر تفيد معنى السلطة والميراث. فعندما يقول الربّ ليعقوب "إسرائيل ابني
البكر" (خر 4: 22)، ونعرف أن عيسو هو البكر وليس يعقوب (رج تك 27: 19). وحين يقول
مز 89: 27 "أنا أيضاً أجعله بكراً أعلى من ملوك الأرض" عن داود، ونعرف ان داود ليس
البكر، بل الأخير (رج 1 صم 16: 11)، وعى أفرايم (ار 31: 9) "لأني صرت لإسرائيل أباً،
وافرايم هو بكري" ونعرف ان افرايم ليس البكر بل أخوه منسى (رج تك 48: 14). وهكذا
يتضح مفهوم السلطة والميراث المضاعف للبكر (رج تث 21: 17؛ 1 أخ 5: 1 و2). أما عن
كلمة "بداءة" فإن كانت تعني (وهذا غير صحيح) في اليونانية الخلق الأول، فهي مستخدمة
أيضاً لله في رؤ 21: 6. أما في موضوع استخدام الله ليسوع والخلق فنقرأ في أش 44:
24: "هكذا يقول الربّ فاديك وجابلك من البطن. أنا الرب صانع كل شيء ناشر السماوات
وحدي باسط الأرض من معي"، وفي 45: 12 "أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها، يداي
أنا نشرتا السماوات وكل جندها أنا أمرتُ. فكيف نفسّر هنا التناقض؟ فالله خلق كل شيء
وحده، وبيديه. فأين دور المسيح؟!... أما في موضوع الحكمة المخلوقة والصانعة في أم
8، فنرى أن الله صانع أيضاً (رج أش 44: 24). فهل هناك صانعان؟ كما أن النص لا يقول
إن يسوع هو الحكمة، فكيف نقول إنها يسوع؟.. أما موضوع صورة الله، فنقرأ في عب 1: 3
انه بهاء مجد الله ورسم جوهره..
وهنا نتوقّف عن سرد التفاسير الحرفيّة، مثبّتين أنه يمكننا أن نرى أي شيء نريده نحن،
ما عدا كلام الله، الذي وحده يختفي بسبب هذا الأسلوب. لذلك سننطلق الآن في التفسير
السليم للآيات الكتابيّة (كو 1: 15 مع رؤ 3: 14؛ يو 1: 1؛ أم 8: 22- 31).
أ- "الذي هو صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة" (كو 1: 15)
وردت الآية في رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي، وفيها يعالج بولس تعاليم مغلوطة
تسّربت إلى الكنيسة عن طريق "معلّمين كذبة" دخلوا الكنيسة. ونتعرّف إلى هويّة هؤلاء
المبتدعين من خلال الفصل الثاني الذي ترد في كلمات مثل "الفلسفة- غرور باطل- تقليد
الناس- أكل- شرب- عيد- هلال- سبت- عبادة الملائكة... ونرى من خلال هذه العبارات
وجهين للمبتدعين، وجه يهوديّ، وآخر هليني (يوناني). ونرى أيضاً من خلال النشيد
الوارد في الفصل الأوّل (آ 15- 20)- الذي يركّز على تفوّق المسيح مقاماً في كل شيء
وعلى كل شيء- ان شخصيّة المسيح مستهدفة من قبل هؤلاء المبتدعين المتأثرين بالفلسفة
اليونانيّة، والذين مهّدت أفكارهم لما سُمّي فيما بعد بالغنصويّة (خلال القرن
الثاني الميلادي)، وهذه الفلسفة، التي تبلورت في ما بعد، تجعل الخلاص في المعرفة
فقط، وترفض كل ما هو مادي. فتفصل بين الروح والجسد، لأن الجسد سجن ومقبرة الروح،
وهو شّر. والأهم هو أنها تعتقد بانبثاقات عن الألوهة بدرجات أدنى لتصل إلى البشر
فتشكل حلقة وصل بين الله والناس. وهذه بدورها (المخلوقات) تدير الكون، وهي بالتالي
أسمى من يسوع المسيح. وهكذا يعالج بولس هذه الفلسفة عبر إبراز سموّ المسيح على كل
الخليقة التي به وله وفيه خلقت (قارن أيضاً 1 كور 8: 6)، فينطلق من كون المسيح صورة
الله، أي من جوهره، ليصل إلى بكر الحليقة، أي الأوّلية والرأس والسلطة. فترى فكرة "صورة
الله" في فكر بولس أوّلاً (2 كور 4: 4) ثم في فل 2: 6 و7، فيكون المسيح صورة الله
من حيث الألوهة، أي من حيث الجوهر والطبيعة نفسها، لا انبثاقاً أدنى منه، وينيرها
تماماً في رسالة فيليبي "إذ كان في صورة الله... آخذاً صورة عبد.." وكونه أخذ صورة
عبد لم يصبح أدنى من الملائكة جوهريّاً (الطبيعة البشريّة طبعاً أدنى ماديّاً، أما
الطبيعة الإلهيّة في المسيح فهي ما زالت من جوهر وطبيعة الآب نفسها) ويصوّره رأساً
للجسد (أي الكنيسة وبالتالي البشريّة (1 كور 15) ويسمو رأساً على كل الخليقة وهذا
ما يبرز في فكر بولس، المسيح رأس كل الخليقة (1 كور 11: 12- 31؛ 15: 23 و28؛ 2 كور
4: 4؛ أف 1: 20- 23؛ في 2: 6- 11) إذا انطلقنا خارج فكر بولس نجدها عند يو 1: 1؛ 5/
عب 2. وسنكتفي بمقارنة النصوص المتركّزة حول فكرة بولس (أف 1؛ فل 2؛ كو 1).
أف 1
".. وأي قوّة عظيمة فائقة تعمل لأجلنا نحن المؤمنين وهي قدرة الله الجبارة التي
أظهرها في المسيح حين أقامه من بين الاموات وأجلسه إلى يمينه في السماوات، فوق كلّ
رئاسة وسلطان وقوّة وسيادة، وفوق كلّ اسم يُسمّى، لا في هذا الدهر فقط، وجعل كل شيء
تحت قدميه ورفعه فوق كل شيء رأساً للكنيسة التي هي جسده وملؤه، وهو الذي يملأ كل
شيء في كل شيء. فل 2
هو في صورة الله، ما اعتبر مساواته لله غنيمة له، بل أخلى ذاته واتخذ صورة العبد
صار شبيهاً بالبشر وظهر في صورة الانسان تواضع، أطاع حتى الموت، الموت على الصليب،
فرفعه الله أعطاه اسماً فوق كل اسم لتنحني لاسم يسوع كل ركبة في السماء وفي الأرض
وتحت الأرض ويشهد كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب تمجيداً لله الآب. كو 1
هو صورة الله الذي لا يُرى وبكر الخلائق كلّها. وبه خلق الله كل شيء في السماوات
وفي الأرض ما يُرى وما لا يُرى: أأصحاب عرش كانوا أم سيادة أم رئاسة أم سلطان. به
وله خلق الله كل شيء. كان قبل كل شيء وفيه يتكوّن كل شيء هو رأس الجسد، أي رأس
الكنيسة، وهو البدء وبكر من قام من بين الأموات لتكون له الأوّليّة في كل شيء، لأن
الله شاء أن يحلّ قيه الملء كله وأن يصالح به كل شيء في الأرض كما في السماوات،
فبدمه على الصليب حقق السلام.
وهكذا نرى أن لاستخدام كلمة "رأس" عن المسيح وقعين، عند اليهود أوّلاً، ثم عند
اليونانيين. فاليهود متأثرون بالعقليّة الساميّة (بلاد ما بين النهرين) حيث الرأس
يغذي الجسد، وبه يلتحم الجسد كله وهو مصدر حياته وحيويّته ووجوده. أما عند
اليونانيين وكذلك الرومان فالرأس يعني القائد المتقدّم وله تخضع كل الجيوش وتتبعه.
وهكذا يكون المسيح رأس الكنيسة بمعنى انه يحييها، يقودها. وعندما يعلن بولس في 1
كور 15 المسيح كونه رأس البشريّة (رج روم 14: 9)، فيسمو بالمسيح عالياً حتى يرتبط
بالله، فيكون عندئذ صورته، ومن طبيعته، (ويوضّح كاتب العبرانيين في الفصل 1، عن
جوهر الله ورسمه في المسيح) وهذا يبدو واضحا في 2 كور 4: 6. وأيضاً كلمة "الجسد"
عند اليهود هو الظهور الخارجي للشحص، وهو انعكاسه الداخلي في عمله وقوله. أما عند
اليونانيين فالجسد هو موحّد الأعضاء ورابطها ومنسقها، مثل الدولة، والجيش، والكون...
وعندما يستخدم بولس هذا التعبير فهو يعبّر لليهود أن الكنيسة هي حضور المسيح كونها
جسده، ولليونانيين ان الكنيسة جسد مترابط ومنظم له رأس حيّ وقائد وهكذا يكون المسيح
رأساً أعلى يسمو فوق كل شيء، وليس أوّل مخلوق أو بكر أو ما شابه. فالمسيح رأس كل
الملائكة والمخلوقات الروحيّة والبشريّة معاً.
ب- "وأكتب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين. هذا يقوله الأمين الشاهد الأمين الصادق بداءة
خليقة الله" (رؤيا 3: 14)
إن رسالة الرؤيا، هي رسالة متأخّرة، كتبها يوحنا لجماعته ليشدّدها وليزرع فيها
الرجاء والأمل بأن الله الذي انتصر في الماضي بواسطة شعبه على كل الصعوبات، كذلك
سينتصر حاليّاً، وأيضاً في المستقبل. فرغم كل الاضطهادات وموت الرسل، ما زالت
الكنيسة مستمرّة قائمة لأن الله يرعاها. وينطلق الكاتب في صور رؤيويّة يصف بها
رسالته، ومن ضمنها رسالة باطنيّة في صور رؤيويّة متوجّهة إلى كنيسة اللاودكيين،
ويعالج فيها مشاكل تبدو مستفحلة. ومن يطّلع على جغرافيّة لاودكيّة يعلم ان نهراً
يمرّ فيها مصدره هيرابوليس غنيّاً بالمعادن، وكانت تصل للمدينة مياه فاترة الحرارة
تقريباً، كما واشتهرت المدينة بمدرستها الطبيّة لكحل العيون، لذلك يقول لها يوحنا
بأنها ليست باردة ولا حارّة، فالرب يكاد يتقيّأها من فمه بمعنى يرفضها. كما ويشير
أيضاً إليها بوضع كحل للعيون لتبصر، أما عن الذهب فلأن التجارة مزدهرة فيها.
ولكن أهم ما نجده هو أن هذه الكنيسة اكتفت بغناها، واستقلّت بنفسها عن الجسد (الكنيسة)،
فيقول لها يوحنا (آ 20) ان المسيح في الخارج يقرع للدخول، وإذا كانت الجماعة هناك
خارج الرأس فستموت حتماً، كمثل الأغصان التي بانفصالها عن الكرمة تجف وتموت (يو
15). وموت كنيسة لاودكيّة أكيد إذا انفصلت عن الرأس (المسيح).
وإذا عدنا إلى جذور المشكلة نجدها متصلة بالمبتدعين الذين اجتاحوا آسيا الصغرى كلها.
ونجد أيضاً أن مشكلتها متصلة بمشكلة كنيسة كولوسي. وهذا ما عالجه بولس سابقاً
برسالة وجّهها لهم، فتابع يوحنا هذا المسعى برسائله. فنقرأ في كو 4: 15 و16 "سلموا
على الاخوة الذين في لاودكيّة وعلى نمفا والكنيسة التي في بيتها. وبعد قراءة هذه
الرسالة عندكم، أرسلوها إلى كنيسة لاودكيّة لتقرأها، واطلبوا رسالتي إلى لاودكيّة
لتقرأوها أنتم أيضاً". وهكذا يتضح تناسق فكر بولس مع يوحنا حول معالجتهما للمشكلة
نفسها فنجد أن فكرة المسيح الرأس متجذّرة أيضاً عند يوحنا (رج يو 1: 1- 5؛ 15: 1-
10). كما نجد أيضاً مشاكل الفلسفات اليونانية (رج 1 يو 2: 18- 23؛ 4: 1- 210؛ 2 يو
7). ونرى في رؤ 22: 8 و9 أن يوحنا حاول السجود للملاك فمُنع لأن السجود هو للجوهر
الإلهي فقط... ونرى أن كاتب (العبرانيين) الذي يعالج بدوره موضوع مقام المسيح، قد
رافع يسوع إياه فوق موسى وهارون والكهنوت والذبائح، وحتى فوق الملائكة، فقال: "لتسجد
له كل ملائكة الله" (1: 6). إلى أن وصل الكاتب إلى صورة جوهر الله وبهاء مجده،
رافعاً إياه (المسيح) إلى الطبيعة والجوهر الإلهي. كما ويشير يهوذا في رسالته إلى
مشكلة مماثلة (آ 4 و8) رج أيضاً 2 بط 1: 1...).. وهكذا نرى صوراً متعدّدة لمشكلة
واحدة جذورها فلسفات يونانيّة تأثّر بها يهود جوّالون أصبحوا مبتدعين يزرعون
القوميّة اليهوديّة في محاولة للتحرر من الرومان، فيدخلون "بثياب دينيّة" أي
بتعاليم دينيّة. وجوهر تعاليمهم على أنواعهم هو النيل من مقام ومكانة المسيح، وهذا
بالتمام ما تصدّت له الرسائل في العهد الجديد، على مختلف بيئاتها وخلفياتها
وحقباتها.
ج- "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البد
عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة، والحياة كانت
نور الناس، والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه" (يوحنا 1: 1- 5)
كتب يوحنا إنجيله في فترة متأخرة من القرن الأوّل، فتوخّى من خلاله تشديد وتثبيت
المسيحيين في إيمانهم وارتباطهم بالمسيح، ليصمدوا ضد الاضطهادات والصعوبات، كما
وليعالج بدعاً وهرطقات واجهتها الكنيسة، وإليك مختصراً عن هذه البدع:
* المعمدانيون: وهم تلاميذ يوحنا المعمدان الذين لم يعترفوا بمعموديّة الروح القدس،
ويظنون أن يوحنا ومعموديّته هما الأساس للمسيحيّة. فينطلق يوحنا الرسول باتجاههم
بقوله ان يسوع هو نور العالم وليس يوحنا (1: 6- 9)، وان يسوع هو قبل يوحنا، بل
وأعظم منه (1: 3)، وتشدّد (1: 20 و3: 28) على ان يوحنا ليس المسيح، وانه لم يعمل
آية واحدة (10: 41).. وطبعاً يكنّ يوحنا الرسول الاحترام ليوحنا المعمدان (1: 6
و31؛ 5: 35...)
* اليهود الفريسيين: وهم الذين ظلّوا بعد دمار أورشليم والهيكل، وكانوا قد اتخذوا
اتجاهات عنيفة ضد اليهود الذين صاروا المسيحيين. فابتدأوا بفصلهم عن مجامعهم،
واضطهادهم، والوشي بهم لدى الرومان. فتحرّك يوحنا باتجاههم مشيراً إلى أن المسيح هو
الحمل الذي سيذبح عن الشعب، كما أنه العبد المتألم، والملك، والقدوس (1: 29 و34
و49؛ 6: 69). كما أبرز تخلي يسوع عن طقوس وتقاليد الهيكل والعبادة (ف 2- 10). وتحرك
أيضاً باتجاه اليهود الذين صاروا مسيحيين والذين عاشوا في الشتات (منطلقاً من 7:
35) وذلك بهدف عودتهم إلى الايمان. وفصل يوحنا الرسول من أجل هذا الأمر بين كلمة "يهود"
وكلمة "إسرائيل". فاليهود هم أبناء إبليس والشيطان وهم أضداد للمسيح ولا يؤمنون به
(8: 44؛ رؤ 2: 9؛ 3: 9). أما "إسرائيل" فهو حسن النيّة لأنه يتوقّع مجيء المسيّا
ويؤمن به (رج 1: 31 و47).
* الهراطقة: وهما نوعان، الغنوصيّون، والظاهريّون. أما الغنوصيّون فيقالون بأن
عنصراً سماويّاً نزل على يسوع ابن يوسف في العماد، فأصبح ابناً لله، ثم تركه بعد
موته. وان الخلق تمّ بواسطة قوّة خلاّقة لا من الله. عالج يوحنا هذه النظرة في
مقدّمته (1: 1- 5) فقال ان المسيح يسوع كان عند الله، وفيه كان كل شيء، وهو النور
الآتي إلى الظلمة. أما النوع الآخر، أي الظاهريون، فهم القائلون بأن المسيح يسوع لم
يتجسّد بل كان شبحاً أو خيالاً، منطلقين من مبدأ يقول إن الجسد والمادّة شّر. يعالج
يوحنا مشكلتهم يوحنا ان الكلمة التي كانت عند الله تجسّدت واتخذت لحماً (1: 1 و14).
كما أشار إلى حقيقة سيلان الدم والماء من جنب يسوع المطعون (19: 34)، والقيامة (20:
19- 29).
أما إذا عدنا إلى فهم نص يو 1، لأدركنا من بعد هذا العرض حيثيّات إنطلاقاته. ولكن
الذي يميّز يوحنا، ويُبرز خطاً أو اتجاهاً لاهوتيّاً متصاعداً في التعبير البشري عن
هويّة المسيح، هو استخدامه لكلمة "لوغوس- الكلمة"، فيحمّلها أكثر من طاقتها
المتعارف عليها آنذاك في العالمين اليهودي واليوناني، وبذلك يفجّرها معطياً إياها
معنى جديداً هذا ما حدث لكلمة "قام" المستعملة عن قيامة المسيح من الأموات. تفجّرت
الكلمة وأخذت منحىً جديداً مختلفاً جوهرياً وصوريّاً. وكذلك كلمة "لوغوس- الكلمة"..
وسنبرهن أولاً على ان "الكلمة" لم تخلق، وذلك بمقارنة بسيطة بين تك 1: 1 مع يو 1:
1) "في البدء خلق الله.../ في البدء كان الكلمة..." إن يوحنا (1: 1) عاد إلى الماضي
السحيق ليعلن أن الكلمة أزلي وسرمدي، وعاد إلى الحاضر ليعلن ان الكلمة في علاقة
حميمة مع الآب، وفي اتحاد وثيق به جوهريّاً، وهو في الوقت نفسه متميّز عنه. وتابع
إظهار هذا التميّز في آ 1. ولهدا يستخدم يوحنا مع الآب أداة تعريف في اللغة
اليونانيّة مميّزاً أقنوم الآب عن أقنوم الابن. قال: قبل كل شيء كان الكلمة مع الله
(الآب) فميّز الابن عن الآب. وقال انه بالكلمة كان كل شيء من خلق وإبداع. وليس قصده
أبداً الخلق الأوّل. وإذا عدنا إلى خلفيّة "الكلمة" تاريخيّاً وأدبيّاً لوجدنا ان
الكلمة عند اليهود تعني الوجود الذاتي المستقل والذي يعمل عمله، ونرى تأثيرها
ومفهومها الشرقي في العهد القديم، عندما لم يسحب اسحاق بركته عن يعقوب ليعيدها إلى
عيسو (تك 27). وفي تك 1 نرى كيف أن الكلمة لديها قوّة خلق جبارة. فحين يقول الله
كلمة، يخلق شاء ما. ويقول مز 33: 6: "بكلمة الربّ صنعت السماوات" ومز 107: 20: "أرسل
كلمته فشفاهم". وكلمة الربّ ينبوع لا ترجع فارغة (أش 55: 11)، وكلمة الربّ كنار
وكمطرقة (إر 33: 29). وحين قدّم اليهود "الترجوم" استخدموا "الكلمة" لتشير إلى
الذات الإلهيّة، فأصبحت كلمة الله تعني الله نفسه... أما عند اليونانيين، فتُعرف
فكرة "الكلمة" عندهم من العام 560 ق. م. ومن الغريب أن نعرف ان يوحنا كتب رسالته من
أفسس، حيث عُرف في ذلك الحين فيلسوف يوناني شهير هو هيراكلتوس، وكانت فلسفته تدور
حول محور يقول ان كل ما في الوجود هو في حالة فيضان وتغيّر مستمر، وان هذا التغيرّ
والحركة المستمرّة ليست فوضويّة وبلا هدف بل هي منضبطة وثابتة وتسير وفق نظام
مترابط ينطلق من العقل الإلهي، وهو "اللوغوس" الكلمة. وهو أيضاً يوجه الانسان
ويساعده للتمييز بين النور والظلام، بين الحق والباطل. ونرى أيضاً هذا التأثير عند
"فيلون" ابن الاسكندريّة، الذي تشبّع من دراسة العالمين اليهودي واليوناني، فنادى
بأن "اللوغوس" هو كائن منذ الأزل، وهو فكر الله، وبواسطته خُلق كل شيء.. وبذلك نعرف
ان الكلمة في الفكر اليوناني، هي قوة الله الخالقة، والمسيطرة والحافظة...
وهكذا ينطلق يوحنا فيحمّل "اللوغوس- الكلمة" معنى عميقاً ربطه بالمسيح يسوع، فيقول
انه الكلمة عند الله، والمتجسد في عالمنا. وبذلك ينزل "صدمة" في عالمين لم يلتقيا
إلاّ عند هذه الفكرة، فيقول يوحنا لليهود ان يسوع هو كلمة الله أي من ذات طبيعته
وجوهره. ولليونانيين ان يسوع هو "اللوغوس" الذي تجسّد متحداً بالعالم البشري
ليلتقيه في مأساته، وليفيض النعم عليه (1: 16 و18) "من فيض نعمه نلنا جميعاً نعمة
على نعمة... أما يسوع فوهبنا النعمة والحق".
د- "الرب قناني أوّل طريقه، من قبل أعماله منذ القديم. منذ الأزل مسحت نذ البدء،
منذ أوائل الأرض. إذ لم يكن غمر أُبدئتُ.. لما ثبت السماوات كنت هناك... كنت عنده
صانعاً، وكنت كل يوم لذّته فرحة دائماً قدامه" (أمثال 8: 22- 31)
إن هذا النص وارد في سفر الأمثال، وهو سفر يُصنّف ضمن الآداب الحكميّة، أو التيّار
الحكمي لدى شعب العهد القديم. وهو لا يظهر (التيار) فقط في الأسفار الحكميّة (مثل
أيوب، جامعة، الحكمة...) بل يتجلّى في تاريخ الشعب وخاصة ما بعد الجلاء وجذوره (التيار)
يعود إلى الشرق الأوسط. أخذه الحكماء وأوّنوه وصاغوه في ثقافة الشعب اليهودي،
وأدخلوه حكماً وأسفاراً جمعت ما بعد الجلاء، ومنها سفر الامثال. والحكمة هي تيار
يميّز الحق من الباطل، والشريعة والتعليم من الهزء والضياع، وتربط الإنسان بعمق
إيماني بالشريعة، وبالتالي بالله... وسفر الأمثال هو أقدم تراث حكمي معروف، يعود
إلى سليمان، ويمرّ بمرحلة جمع أولى عند حزقيا الملك حتى عصر الجلاء. وتصدّت الحكمة
وتيّارها لمواضيع جوهريّة تطال الإنسان من ألم، وموت، وظلم، وصعوبات... مبرّرة الله
من ناحية، وملهمة الشعب على الثبات بالإيمان من ناحية أخرى. فبقدر تعمّق الانسان في
هذا التيّار يصبح حكيماً، وبقدر ابتعاده يصبح جاهلاً... ومن روائع الأدب الحكمي في
التشخيص، ما نراه يشخّص الحكمة ويجعلها تتكلم وتصيح في الشوارع (8: 1- 4)، وهدف هذا
التشخيص مزدوج، أوّلاً ليقول إن الحكمة التي رفضها الناس هي التي أدَّت بهم إلى
الجهل وبالتالي إلى عقاب الله بالجلاء. والخلاص يكون بالعودة إليها والتعقل
بتعاليمها وشريعتها، فيحرّرهم الله آنذاك. والهدف الثاني، ليصوّر الحكمة بـ "صورة
الله قرب الانسان". ولذلك لا بدّ ان تُشخّص وتصبح قريبة لتحدّث الانسان وترشده إلى
النور والحق. فصوّرت كأم (14: 26 و27)، وكعروس (15: 2 و3)، ومضيفة كريمة (9: 1-
6)... وهنا نرى ان ما يطرحه نص أم 8 ليس عن موضوع خلق الحكمة. ولا موضوع المسيح!
فالكاتب، وكل العهد القديم لا يعرف يسوع قبل تجسّده، وبالتالي لا يجوز فرض مفاهيم
لا تنسجم مع موضوع النص. لذلك فالنص لا يتحدّث عن الخلق، بل عن مصدر إلهي للحكمة: "منذ
الأزل مسحتُ منذ البدء". وهذه الحكمة هي قريبة من الانسان. فالله لم يخلق حكمته، بل
هو حكيم منذ الأزل. فالحكمة ملازمة لله ومرتبطة به. وهي تقرّبت للإنسان لتردّه إلى
الله وترشده للحياة... أما ان الحكمة هي يسوع، فهذا ليس فكر الأمثال، بل تأويناً
قدّمه بولس الرسول لنا في كتاباته، ومن بعده آباء الكنيسة.. واستخدام بولس للحكمة
يُعدّ "عبقريّة لاهوتيّة" فيصبح هذا التشحيص حقيقة لاهوتيّة جوهريّة متجلّية في
يسوع المرسل من الله للقاء الإنساد في تعاسته، ولارشاده إلى طريق الحياة، فيصبح
المسيح، حكمة الله (رج 1 كور 1: 24 و30؛ كو 1: 15- 17)... وهنا نختم سلسلة التفاسير
السليمة لهده النصوص بمقابلة موضوعيّة تُبرز خطاً لاهوتيّاً انطلق من العهد القديم
وتجلّى في العهد الجديد.
هـ- مقابلة للنصوص (أمثال 8؛ كولوسي 1؛ يوحنا 1)
في دراستنا لنص أمثال 8 وغيره من نصوص الأسفار الحكميّة، نجد تشخيصاً يطال الحكمة،
ويعود بمصدرها إلى الله، وتكون هي صورته وكلمته الممثلِّتين له عند البشر. فمن هناك
ينطلق بولس الرسول فيربط الحكمة بيسوع، وبالتالي بـ "صورة الله"، وذلك ليميّز "صورة
الله" التي أطلقها على الانسان منطلقاً من سفر التكوين (رج 1 كور 11: 7 مع تك 1:
27). وهو يعني في صورة الله المطلقة على الانسان، الفكر، الحريّة، الارادة... أما "صورة
الله" المطلقة على المسيح فيعني بها من جوهر وطبيعة الله، لذلك ربطها بالحكمة وذلك
في معالجته لموضوع مقام المسيح تجاه البدع والمبتدعين، فنراه يعكس هذا الفكر في
رسالته (رج 1: 9 و28؟ 2: 3). كما نجد الفكر نفسه وكتاباته (رج 1 كور 1: 30؛ 2: 6-
16) فيقول إن الحكمة الإلهيّة سرّ مخفى ظهر في يسوع في العهد الجديد فنقرأ (1 كور
2: 6- 8): "ولكن هناك حكمة نتكلم عليها بين الناضجين في الروح، وهي غير حكمة هذا
العالم.. بل هي حكمة الله السريّة الخفيّة التي أعدّها الله قبل الدهور في سبيل
مجدنا. وما عرفها أحد من رؤساء هذا العالم، ولو عرفوها لما صلبوا ربّ المجد". وفي
نص آخر يعود إلى الحقبة نفسها. نقرأ (أف 3: 3- 11): "... كيف كشف لي (الله) سرّ
تدبيره بوحي... سرّ المسيح، هذا السرّ الذي ما كشفه الله لأحد من البشر في العصور
الماضية وكشفه الآن في الروح لرسله وأنييائه القديسين، وهو أن غير اليهود هم المسيح
يسوع شركاء اليهود وميراث الله، وأعضاء في جسد واحد...". وهكذا نرى الترابط الفكري
والموضوعي الرائع لبولس الرسول في إطلاقه "صورة الله" على يسوع وربطه بالحكمة
الإلهيّة التي تجسّدت في الكنيسة التي هي جسد المسيح الرأس. ومن هذه الانطلاقات
يربط بولس بين صورة الله- حكمة الله- جسد المسيح (الكنيسة)، والرأس... فنقرأ في روم
8: 29: "... فالذين سبق فاختارهم، سبق فعيّنهم ليكونوا على مثال صورة ابنه حتى يكون
الابن بكراً لإخوة كثيرين...". وهذا النص يتحدث عن الجسد (الكنيسة) وترابطه بالرأس،
وتوقع الخليقة الفداء... وهنا بيّنا فكر بولس الرسول فقط. وإذا عدنا إلى باقي
كتابات الرسل لافتتحنا أبعاداً لا تُحصر بكتاب.. لذا اكتفينا ببولس الرسول كمثال...
أما عند يوحنا الرسول، فهو كما في سفر الرؤيا، يعود إلى الماضي، ويستخلص العبر، ثم
يرجع إلى الحاضر فيحمّله معنى المستقبل. هكذا أيضاً في موضوع "الكلمة اللوغوس"، فقد
عاد إلى الحكمة، ورآها مُشخّصة في الأدب الحكمي، ولا بدّ أنه اطلع على كتابات زميله
بولس، فرآها مجسّمة عنده في يسوع، حكمة الله، و"صورة الله" و"الرأس" للجسد (الكنيسة).
وبعد خبرة عميقة في الإيمان انطلق يوحنا الرسول بوحي إلهي معبرّاً عن هويّة المسيح
أجمل وأعمق تعبير اختبرته وعرفته الكنيسة: "اللوغوس" الكلمة. ولأن اللوغوس يحمل
أبعاداً للعالمين اليهودي واليوناني، أطلقها على يسوع، فأصبح يسوع عند يوحنا الكلمة
صورة الله وتعبيره المتجسّد، وهو أيضاً الكلمة الخالقة والمبُدئة لكل الوجود، فهو
بالتالي متساوٍ مع الآب في الطبيعة والجوهر. هذا ما يطلقه لنا فكر يوحنا اللاهوتي.
وسنرى ذلك من خلال مقابلة للنصوص تظهر أن هناك "بُرعماً" انطلق من العهد القديم،
وترعرع على يدي بولس، لينضج وينمو عند يوحنا. وهكذا نراه قد تجلّى واكتمل معناه على
ضوء المسيح والعهد الجديد. وبالخصوص في الأناجيل الإزائيّة (رج مت 12: 38- 42؛ مر
6: 2؛ لو 2: 40 و52؛ 21: 15).
أمثال 8 (الحكمة)
- الحكمة وُجدت قبل الخلق وهي البكر منذ البدء.
وبالتالي الرأس (8: 22- 26)
- الحكمة كانت عند الله وأمامه في كل حين (8: 30)
- الحكمة تخلق وتساهم في أعمال الله (8: 28- 30)
- الحكمة تلتذ مع البشر (8: 31)
- الحكمة تمتلك الغنى والكرامة والثروة والسعادة (8: 12- 14)
- الحكمة تعطي عطايا
لمجيئها ولتابعيها
(8- 21 و32- 35) كولوسي (المسيح حكمة الله) وصورته
- المسيح بكر الخلائق كلها، وهو سابق لها وهو
رأسها (1: 15 و18).
- المسيح قبل كل الخليقة (1: 17)
- كل شيء فيه وبه وله وقد خلق في السماء وعلى الارض (1: 16)
- الله نقلنا من سلطان الظلمة الى ملكوت ابنه (1: 13)
- في المسيح تكمن جميع كنوز الحكمة والمعرفة (2: 3)
- الله يعطينا الفداء بواسطة جسد بشرية يسوع، لنكون قديسين في شركة دائمة معه (1:
20 و22) يوحنا 1 (المسيح الكلمة)
- في البدء كان الكلمة (1: 1)
- والكلمة كان عند (لدى) الله (1: 1)
- كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان
(1: 3).
- والحكمة صار بشراً وحل بيننا (1: 14).
- فرأينا مجده، مجداً يفيض بالنعمة والحق (1: 14)
- من ملئه نحن جميعاً أخذنا نعمة تلو نعمة
(1: 16)
الفصل التاسع عشر
قيامة يسوع
1- مفهوم هيئة شهود يهوه حول موضوع قيامة يسوع
ورد في كتاب (يمكنكم أن تحيوا إلى الأبد في الفردوس على الأرض- ص 143- 145): "ولكن
يعتقد الكثيرون من الأشخاص أن المسيح أخذ جسده اللحمي إلى السماء. ويشيرون إلى أنه
عندما أقيم المسيح من الأموات لم يعد جسده اللحمي موجوداً في القبر. (مرقس 16: 5-
7) وأيضاً بعد موته ظهر يسوع لتلاميذه في جسد لحمي ليوضح لهم أنه حي... كلا،
فالكتاب المقدس واضح جداً إذ يقول: "المسيح أيضاً تألّم مرة واحدة من أجل الخطايا...
مماتاً في الجسد ولكن محيي في الروح" (1 بط 3: 18) والبشر بأجسام من لحم ودم لا
يمكنهم أن يحيوا في السماء. وعن القيامة إلى الحياة السماويّة يقول الكتاب المقدّس:
"يُزرع جسماً حيوانياً ويُقام جسماً روحانياً... ان لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا
ملكوت الله" (1 كورنتوس 15: 44- 50)... إذن ماذا حدث لجسد يسوع اللحمي؟ ألم يجد
التلاميذ قبره فارغاً؟ بلى، لأن الله أزال جسد يسوع. ولماذا فعل الله ذلك؟ إتماما
لما هو مكتوب في الكتاب المقدّس (مز 16: 10؛ أع 2: 31): "لن تدع تقيّك يرى فساداً"
وهكذا رأى يهوه ملائماً أن يزيل جسد يسوع، كما فعل قبلاً بجسد موسى. (تث 34: 5
و6)... وفيما ظهر يسوع لتوما في جسم مماثل لذاك الذي مات فيه اتخذ أيضاً أجساماً
مختلفة عندما ظهر لأتباعه...". ونلاحظ قبلاً ورود: "كان ضرورياً أن يضع يسوع نفسه
ويصير إنساناً. وكان يجب أن يبذل حياته البشريّة الكاملة فدية عنا... وان بذل
المسيح جسده من أجل حياة العالم لا يمكن أبداً أن يكون رجوعه في الجسم البشريّ الذي
قدّمه ذبيحة مرة واحدة".
وهنا سنورد ملاحظاتنا حول النصّ المقتبس:
- هناك اعتقاد بأن الناس (أو نحن) يؤمنون بقيامة جسد بشريّة يسوع إلى حياته السابقة.
الله أزال جسد يسوع المسيح، مثلما أزال جسد موسى (تث 34: 5 و6) وذلك ليرى التلاميذ
القبر فارغاً.
- اتخذ يسوع أجساداً مماثلة لجسده السابق ليظهر لتلاميذه فيؤمنوا به.
- ان المسيح الذي بذل نفسه فديّة كفاريّة عن البشر، لا يقدر أن يستعيد جسده ثانية.
- ان هذا هو السبب الأساسيّ لعدم امكانيّة رجوع المسيح مرّة ثانية بجسم قدمّه ذبيحة
مرة واحدة.
- ان النصّ المقتبس هو ضمن موضوع "رجوع المسيح- كيف يُرى"؟، وفيه يرد (ص 145- 146)
تأمّلوا كيف يصف الكتاس المقدس الطريقة التي بها غادر يسوع رسله في طريقه إلى
السماء: "ارتفع وهم ينظرون، وأخذته سحابة عن أعينهم" (أع 1: 9). فصار يسوع المنطلق
غير المنظور لهم. ولم يتمكنوا من رؤيته... وهكذا يكون رجوعه أيضاً غير منظور، في
جسم روحانيّ"، وفي (ص 147): "وبالطريقة ذاتها لا يعني رجوع المسيح أن يأتي ثانية
على هذه الأرض حرفياً. ولكن يعني أن يتسلّم سلطة الملكوت نحو هذه الأرض ويلفت
انتباهه إليها. وهو لا يحتاج إلى مغادرة عرشه السماوي والنزول فعلاً إلى الأرض
ليفعل ذلك... يُظهر دليل الكتاب المقدس أنه السنة 1914 ب. م. أتى وقت الله ليرجع
المسيح ويبتدىء الحكم... وهكذا يظهر أن فشل توقّع هيئة شهود يهوه مجيء المسيح مرة
ثانية سنة 1914 دفعها لتنفي المجيء المنظور (كما توقعت أيضاً) إلى مجيء روحاني غير
منظور. ولاثبات هكذا مفهوم، انطلقت الهيئة في خطوات جبّارة تحركت بها نحو قيامة
المسيح في جسده، وزعمت أنه أزاله الله (وهذا لا يرد في الكتاب المقدّس مطلقاً)،
وذلك للالتفاف ولتدعيم موضوع المجيء غير المنظور للمسيح. واتخذت الهيئة غطاءً
لاهوتياً متيناً وجدته تحت جناح الكفارة، فاذا قدّم يسوع جسده كفارة من أجل البشر،
فكيف يسترجعه؟ فان استرجعه استرجع الفدية معه، وبالتالي لم يتم الفداء... مع أنها
تبدو حجة قوية، ولكن عند تفكيكها تظهر ركاكة التفاسير، والأخطاء اللاهوتيّة الفادحة.
أولاً في مفهومهم عن الكفّارة، ثانياً في مفهومهم عن القيامة، ثالثاً في مفهومهم عن
المجيء الثاني والملكوت. وما سنبحثه هو القيامة فقط، وذلك لأنه موضوعنا الرئيسي
أولاً، ولأن الكفّارة والمجيء الثاني والملكوت مواضيع أخرى مختلفة، جمعتها هيئة
شهود يهوه لأسباب باتت واضحة.
2- التفسير السليم
يظهر في الاقتباسات التي تصرّح بها هيئة شهود يهوه، سوء تفاهم كبير بقولهم انه
يعتقد بعض الناس أن المسيح قام بجسده البشريّ وانطلق به نحو السماء، وانه ظهر
لتلاميذه بالجسد البشريّ. وهذا الالتباس الذي لا بأس به يُظهر مفهوماً مغلوطاً عن
القيامة. والكنيسة لا تعلم ذلك مطلقاً، فالمسيح لم يقم بجسده البشريّ، وعاد إلى
حياته الإنسانيّة التي كان عليها قبل الموت. أما في موضوع إزالة جسد المسيح من قبل
الله فهذا أمر لا يرد في الكتاب المقدّس أبداً. أما أمر اتخاذ المسيح أجساداً
مختلفة من أجل الظهورات فهو أمر استنتجته الهيئة ولا يرد في الكتاب المقدّس مطلقاً.
أما في خصوص الآيات التي اقتبستها الهيئة من الكتاب المقدّس، فكلها أساءت استخدامها
وتفسيرها، وسنأتي علبها بمختصر شديد وذلك قبل الدخول في موضوع القيامة كما تعلّمه
الكنيسة. والآيات هي:
أ- (1 كور 15: 44- 50)= (يرجى مراجعة تفسيرنا للنصّ).
ب- (تث 34: 5 و6)= لا يقول النصّ بأن الله أزال جسده، بل لم يعرف أحداً موضع قبره،
وذلك لكي لا يقدّسوه ويجعلوه محجّة للزيارة بدل خيمة الربّ.
ج- (مز 16: 10 وأع 2: 31) يقتبس سفر الأعمال نصاً من مز 16، وذلك في موضوع خطبة
بطرس بعدما تمّ تأوينها وإطلاقها على يسوع. فابتدأ باقتباس من يوئيل (3: 1- 5) من
الترجمة السبعينيّة، عن أنهم ليسوا سكارى. بل أن روح القدس قد انسكب. وانطلق شارحاً
سرّ الحدث وهو قيامة المسيح وحضوره الحيّ. فالمسيح سلّمه اليهود لأيدي أثمة لصلبه،
وبعد موته لم يتركه الآب بل أقامه. وعبرّ عن ذلك بمقدمة نشيد النصر على الموت
والقيامة، مشيراً إلى أن داود ما زال قبره موجوداً أي أنه لا يقصد داود بالنشيد بل
المسيح. لذلك فالمسيح نفذ من قبضة الموت نحو القيامة. وبذلك أشار بطرس إلى الأزمنة
الأخيرة (قدوم روح الله، واقتباس يوئيل 3، والقيامة)، وبذلك ارتفع يسوع إلى السماء،
ووعد بإرسال الروح القدس. وهو بذلك يفسّر سرّ الحدث. أما الكاتب لوقا، فهو يعود إلى
الماضي ليعود إلى أصول انتشار المسيحيّة في عصره، معيداً إيّاها إلى حدث عنصرة واحد،
يرى فيه عنصراً توحيديّاً للكنيسة تحتاج إليه حينها.
د- (1 بط 3: 18) تُصنّف رسالة بطرس الأولى، بالعامّة. كتبت من رومة وتوجّهت إلى
الجماعات المسيحيّة المشتّتة في آسيا الصغر الشماليّة، معظمهم من أصل وثني، وأغلبها
من الطبقة العامّة، فيراسلها بطرس مشدّداً إياها تجاه الصعوبات والمحن ملفتاً نظرها
نحو العناية الإلهيّة (4: 12؛ 5: 9)، وملفتاً النظر إلى البشارة في موت المسيح
وقيامته كركيزة رجاء وأمل حقيقيّ ينبغي أن يتصلوا بها، فينالوا المكافأة نتيجة
صبرهم واحتمالهم الاضطهاد. وترد الآية المقتبسة ضمن نشيد يعود إلى تقليد قديم
أُدخلت عليه تعديلات زادته عمقاً وجمالاً وتألّقاً (3: 18- 22). ويقع النشيد بدوره
ضمن فقرة تدعو لاحتمال العذاب والصعوبات في عمل الخير. وهذه الفقرة (3: 13؛ 4: 11)
تحمل إرشادات ونصائح على مثال باقي الفقرات في الرسالة. وعنوانها أو موضوعها
الرئيسي: الروح المسيحيّة التي بها نواجه الاضطهاد. فينطلق الكاتب ليشجّع أخوته
بالثبات على السلوك المسيحي وعدم ردّ الاساءات، بل تحمّلها لأن الله يرى كل شيء،
ويتاح أنه ان تألّموا فليكون بسبب إيمانهم وعملهم للخير لا بسبب تصرفات تستحق
العقاب، ثم يدعوهم الكاتب لتحمّل الألم على مثال الربّ. ويفرد نشيداً معروفاً في
تقاليد الكنيسة، ويعرف الكاتب سلفاً وقْعه عليهم وهو (3: 18- 22)، وليأخذوا من
المسيح عبر الحياة بلياقة وإيمان وترك السلوك السيء لأن الله سيعاقب البشر كلهم
أمواتاً وأحياء. ويتابع بأن الدينونة والنهاية قريبة فلينقطعوا للصلاة وللمحبّة
الشديدة لبعضهم البعض، ولينشغلوا بمواهمب الله لهم لبناء الكنيسة.
وبعد هذا العرض العام، نستطيع أن نفهم طبيعة ومغزى هذا النشيد:
- فالمسيح نفسه مات مرّة واحدة من أجل الخطايا.
مات وهو البار من أجل الأشرار ليقرّبهم إلى الله.
- مات في الجسد، ولكن الله أحياه في الروح.
- فانطلق بهذا الروح يبشّر الأرواح السجينة التي تمرّدت فيما مضى، حين تمهّل صبر
الله أيام بنى نوح الفلك فنجا فيه بالماء عدد قليل، أي ثمانية أشخاص.
- وكان هذا رمزاً للمعموديّة التي تنجيكم الآن، لا بإزالة وسخ الجسد، بل بعهد صادق
النيّة مع الله بقيامة يسوع المسيح.
- الذي صعد إلى السماء وهو عن يمين الله تخضع له الملائكة والقوات وأصحات السلطان.
والمغزى من النشيد يتلخّص بهذه العبر:
- ان لنزول المسيح إلى الهاوية موقعاً يتردّد خبره في العهد الجديد (رج مت 12: 40؛
أع 2: 24 و31؛ روم 10: 7؛ أف 4: 9). فيؤكّد موت يسوع الحقيقيّ ويبرهن على ذلك
نزولُه إلى الهاوية. وطبعاً لا نتكلّم عن مكان جغرافيّ بل عن حقيقة إيمانيّة
يحتويها هذا النشيد الذي يظهر كقانون إيمان أوّلي.
- ان نزول المسيح إلى الهاوية وانطلاقه منها، متحرّراً من قبضة الموت، كان انتصاراً
شاملاً على الحياة والموت البشريّين معاً، لذلك ستخضع له كل البشرية أمواتاً وأحياء
(رج 1 بط 3: 22؛ روم 14: 9؛ في 2: 8- 10؛ أف 1: 21 و22؛ 1 كور 15: 24- 25؛ رؤ 5:
13).
- ان حضور المسيح في أيّ مكان حضور محوّل، وبالتالي يعني "بشّر" الأرواح التي هي
هنا. وهكذا وصل برسالته إلى الكون أجمع (رج 1 بط 4: 5؛ روم 8: 21- 23؛ رؤ 1: 18).
من هنا ندرك هذه الصور الشعريّة الرائعة التي تعبرّ عن مفهوم الكنيسة عن المسيح
وعمله الذي بموته الحقيقيّ تخطّى الموت الحقيقيّ، قيامة انتصر فيها على كل شيء،
فوصلت رسالته إلى الكون أجمع الذي سيخضع الكل له (رج عب 2). وهذا المغزى هو ما
يتخذه بطرس الرسول مطلقاً ليؤكّد مثالاً يجب أن يحتذى به تجاه العالم الوثني الذي
يُعد ميتاً روحياً، فلنتحمّل الألم من أجلهم كما المسيح، ولنصبر لأن الله سيدين
الأحياء والأموات. وبذلك نرى أن حياة المسيح بالروح لا يعني بها بطرس جسماً أو
شبحاً روحانياً، بل ما أوردنا سابقاً. والآن بعد مرورنا على الآيات وتفسيرها بشكل
سليم، ننطلق لنعالج موضوع قيامة يسوع، وإزالة الالتباس والغموض الذي حوله.
تعتقد هيئة شهود يهوه، بأن عدم معرفة التلاميذ للمسيح هو دليل على أنه اتخذ أجساداً
أخرى، مما غيّر هيئته. ولكن إذا رجعنا إلى الأناجيل، نجد أن المسيح تغيّرت هيئته
مرات عديدة وهو بعد حيّ (رج مت 14: 25- 27؛ 17: 1- 9). ولكن هذا المفهوم الحرفي غير
كافٍ، ونحن لا نعتمد عليه في مفهوم قيامة يسوع. لذلك سنبحث في هذا الموضوع انطلاقاً
من نصوص وردت في العهد الجديد، روايات كانت أم أناشيد أم آيات.
نصوص أخرى عن القيامة
ترد روايات القيامة في الأناجيل (مت 28: 1- 10؛ مر 16: 1- 8؛ لو 24: 1- 12؛ يو 20:
1- 10)، كما وترد أناشيد أو قوانين إيمان أوّليّة في تقاليد الكنيسة ظهرت في
الكتابات المقدسة أهمها: 1 كور 15: 1- 4؛ 2: 6- 11؛ كو 1: 15- 20؛ 1 تيم 3: 16؛ 1
بط 3: 18- 22. فإذا قارنّا روايات الأناجيل وجدنا اختلافات واضحة، والسبب يعود إلى
الحلفيّة التي يتوجّه بها الكاتب ليقدّم لنا رواية القيامة. فمتّى يشير إلى أن
القيامة هي نهاية الأزمنة، وقد أورد في نصّه عن موت المسيح صوراً رؤيويّة (27: 51-
53). ويعطي لمعنى القيامة حدثاً انتصر به يسوع على قوى الجحيم، وقام كابن الإنسان
ممجداً. أما مرقس فنراه يختم إنجيله بهذه الرواية دليلاً على الأهميّة التي يوليها.
ويشير إلى طلب الملاك الذهاب للجليل حيث يسبقهم يسوع (16: 7)، أي عدم الاكتفاء
بمشاهدة القبر الفارع، بل الانطلاق نحو الوثنيين (بمعنى لاهوتيّ خاص أضفاه علي
الجليل)، ويختم بأبعاد زمنيّة ثلاثة: ماضي الترائيات، ومستقبل عودة المسيح، وحاضر
الرسالة (الجليل). وهو يحاول ربط جماعته بمرحلة انطلاق القيامة مؤسّسا إيّاها على
حياة يسوع الرسوليّة. أما لوقا فتكون رواية القيامة مقتضبة، وينيرها بالترائيات،
ونجده يعطيها مناحي ملموسة كونه يتوجّه نحو اليونانيّين، ليؤكّد أن المسيح قام
حقيقةً بجسده لا بروح كشبح. أما يوحنا فيقول بأن الكلمة تجسّد ورأينا مجده، ومجده
يظهر في موته وقيامته الحقيقيّة، متوجّهاً إلى كنيسته للتشديد والثبات بالذي تمجّد،
وللبدع والهرطقات التي تواجهها الكنيسة. فتبدو الترائيات ملموسة، وبالوقت نفسه غير
ملموسة (دخل يسوع والأبواب مُغلقة- توما إلمسني)...
ونرى ورود صور وأفعال عن القيامة لها مدلولات عميقة لاهوتياً. مثلاً، نرى أن الله "أقام"
يسوع (أع 2: 24؛ روم 10: 9؛ 1 تس 1: 10)، ثم نرى عبارات مثل "كما جاء في الكتب" (1
كور 15) وتعني تأصل قيامة المسيح في المخطّط الإلهي. كما نرى عبارة "اليوم الثالث"
وهي عبارة تعني نهاية الأزمنة أكثر منها حرفيّة (رج هوشع 6: 2). كما وعبارة "من
أجلنا" الواردة في أش 53 وذلك إشارة إلى "عبد الله المتألّم". كل هذه دلالات
لاهوتيّة على سرّ ابتدأ ينكشف شيئاً فشيئاً، وجوهر هذا السرّ هو عودة يسوع إلى
الحياة (رج رو 14: 9؛ 1 كور 13: 4؛ عب 7: 25؛ لو 24: 5) وترد عبارة "الحيّ" وأصل
هذه العبارة تعود إلى "الله الحيّ" (رج مت 26: 63). وقبل موت يسوع تبرز الأناجيل
اقامة يسوع للموتى (رج يو 11/ اقامة اليعازر؛ لو 8/ اقامة ابنة يايرس؛ لو 7/ اقامة
ابن أرملة ناتين)، وهي أشياء وأعمال تعود إلى الله (رج أش 26: 19؛ هو 6: 2؛ 2 صم 2:
6). ولكن يبرز خطر يقول بأن يسوع عاد إلى حياته البشريّة على مثال العازر والآخرين،
لذلك نجد عبارات أخرى تميّز قيامة يسوع عن الآخرين "الحياة الأبديّة" (عب 7: 24
و25؛ رؤ 1: 8).
كما وانه لن يموت ثانية (روم 6: 9)، وجرى شرح كيفيّة قيامة يسوع من بين الأموات
بصفته "البكر"، أي بدء عالم جديد، بآدم جديد (رج 1 كور 15: 20- 23؛ كو 1: 18؛ أع 3:
15). ونرى تكثّف عبارات هائلة تحمل أبعاداً وأبعاداً تدلّنا على أن قيامة يسوع ليس
حدثاً كقيامة أي شخص آخر. فترد عبارات "رفع" و"مجد" عن يسوع. فالله مجّد ورفع يسوع
بالقيامة (يو 12: 23؛ أع 3: 13؛ فيل 2: 6- 11؛ 1 بط 1: 21؛ أع 1: 9).
كل هذه العبارات ما هي إلاّ كلمات مفتاحيّة لكلٍ منها دلالات لاهوتيّة ترشدنا إليها
كما ذكرنا. ويلتقي الكل عند هرم حدث القيامة كسؤال مطروح على الإنسان في عمق ضميره،
وعلى التاريخ بأبعاده الماديّة. فهل القيامة حدث تاريخي مثل نابليون وهتلر والحرب
العالميّة... أم هي حدث إيمانيّ؟! هنا يجيب فرنسوا فاريون: "القيامة هي في آن واحد،
وبدون انقسام، واقع تاريخيّ وحدث للإيمان. نقول بوجه أدقّ انها حدث للإيمان، ينطوي
على واقع تاريخيّ". ويضيف ان ما هو تاريخي يكمن في شهادات التلاميذ عن قيامة يسوع،
وفي جوهر هذه الشهادات التاريخيّة يكمن لبساً وواقعاً إيمانياً لا يؤرّخ، فالقيامة
بجوهرها هي الانتقال من الحياة البشريّة الماديّة إلى الحياة مع الله في الأبديّة.
وهذه حقيقة إيمانيّة لا تاريخيّة، لأن مشاهدة هذا الانتقال مستحيلة على مستوى
العيون البشريّة. فيسوع انتقل من الحياة بحسب البشر (يأكل- يشرب- ينام- يتنقّل من
مكان لآخر...) إلى الحياة الأبديّة مع الله (غير خاضع لزمان ولمكان ولمحدوديّة
المادة). لذلك يمتاز عن العازر وغيره، لأن يسوع انتقل إلى الحياة الأبديّة مع الله،
أما العازر فعاد إلى الحياة البشريّة. وفي الحقيقة الجوهريّة أنه لم يقم لأن الموت
سينال منه بعد...
وهكذا يتضح أن القيامة وهي حدث يتم في نهاية الأزمنة، وقع مع يسوع فقط، لأن الجميع
عادوا إلى الحياة البشريّة، أما يسوع فقام مستبقاً الأزمنة، ومعلناً نهاية الأزمنة
وبدء العالم الجديد كونه "بكراً من الأموات" و"آدم الجديد".
ونواجه سؤالاً موضوعياً: أليست القيامة المثبّتة تاريخياً برهاناً أفضل؟ ألا يبرهن
القبر الفارغ شيئاً ما؟ ونجيب، كلا، لأن القيامة المبرهنة تاريخياً، لا تكون قيامة.
لأن للتاريخ انطلاقة فلسفيّة تعتمد على الظواهر والمحسوسات المتطابقة مع الحواس.
عندئذٍ لا تكون قيامة، بل عودة لبشريّة سوف ينال الموت منها يوماً ما. أما القبر
الفارغ فليس برهاناً تاريخياً بقدر ما هو سؤال مفتوح يطرحه يسوع على التاريخ البشري،
ويجيب عليه بواسطة التلاميذ وشهاداتهم التاريخيّة عبر الترائي لهم (أي اظهار نفسه).
وهنا ينطلق سؤالاً آخر أعمق، وهو: كيف نعلم أن هذه الترائيات حقائق موضوعيّة لا
أوهام أطلقتها مخيّلات وعقول يائسة، خدعت أنفسها والآخرين؟ نجيب، ان الترائي حدث
لعدد كبير، يذكر الرسول بولس منهم خمسماية أخ (1 كور 15) (وطبعاً لا نستند عليها
كبرهان)، ولكن نعلم أن إيمان التلاميذ انهار، ودبّ الخوف بهم والضعف أيضاً. وبعد
الترائيات حدث أنقلاب لا يُبرّر، إذ انتقلوا إلى الشهادة حتى الدم عن قيامة يسوع.
فبين الأمرين حدث شيء غيّر الموازين، وقلب الاتجاهات والمعادلات، وتفسّره الأناجيل
والرسائل بالظهورات. ونستشهد بفاريون: "ليست الترائيات من تركيب الرسل وحدهم، بل هي
واقعيّة بمعنى أن الرسل رأوا القائم من الموت بحكم مبادرة لم تصدر عنهم، بل عنه. في
حالة التخيّل، تصدر المبادرة عن الذات العارفة. أما في حالة الترائيات، فإن
المبادرة لا تصدر عن الرسل، بل عن المسيح. وبكلمات أخرى، لم يرَ الرسل يسوع إلاّ
لأن يسوع أرى نفسه". ويعبرّ العهد الجديد عن هذه الحقيقة أن يسوع هو من أرى نفسه
لتلاميذه (رج مت 28: 9؛ مر 16: 9 و12 و14؛ لو 24: 36؛ يو 20: 14 و19؛ 21: 1؛ 1 كور
15: 5- 8).
وهنا ينطلق سؤال هيئة شهود يهوه: لماذا لم يعرفه التلاميذ إذاً؟ ونجيب، لسببين:
الأول: إن الرسل قد ضعف إيمانهم وخافوا بعد موت يسوع. والأهم من ذلك، أنهم لو عرفوه
لكان يعني أن يسوع عاد إلى حياته البشريّة السابقة كالعازر. والسبب الثاني: هو أن
قيامة يسوع هي خطوة نحو الله، وترك الحياة البشريّة الماديّة والانتقال إلى الحياة
الأبديّة مع الله. وبذلك لا يعود إلى حياته البشريّة التي ما قبل الموت، بل يتحوّل
منطلقاً بجسد ممجّد متحوّل (رج 1 كور 15: 35- 57؟ فل 3: 20 و21) وما أروع ما عبرّ
عنه الكاردينال راتسنغر ببحثه في موضوعه عن القيامة في الأناجيل حين قال: "انه
يُلمس، وفي الوقت نفسه، لا يُلمس. يُعرف، ولا يُعرف. فللمصلوب والقائم من الموت
ذاتيّة واحدة كليّة، وفي الوقت عينه تبدّل كليّ. انه هو ذاته، ومع هذا فهو آخر
مختلف. فهذا المنطق يبقى ثابتاً دائماً، وما يتغيرّ فقط هي الأساليب التي تطرحه".
وهكذا نرى أن الرسل كبشر لم يعرفوه بسبب التحوّل الذي طرأ على جسده البشريّ، وحوّله
كله إلى جسد ممجّد غير خاضع للمكان والزمان. ومن هنا انطلق يسوع مظهراً نفسه
لتلاميذه، وذلك من خلال ترائيات ترافقها علامات أو مفاتيح يتركها بين أيديهم،
فيحلّلونها شيئاً فشيئاً ليصلوا إلى حقيقة قيامة يسوع، ونلاحظ هذا الأمر من النصوص
الواردة:
العلامات
- الصوت
- الاكل
- كسر الخبز
(الأسلوب)
- القاء الشبكة
للصيد
- الخبز والسمك
- الأكفان
- الجروحات
مرقس
".. وكسر الأرغفة وناول تلاميذه ليوزعوها على
الناس وقسم
السمكتين عليهم"
(6: 41)
لوقا
".. فأمر أن تعطى
طعاماً" اقامه
ابنة يايرس (8: 55)
مع
".. أعندكم طعام هنا..
فأخذ وأكل أمام
أنظارهم" (24: 41- 43) ".. وأخذ خبزاً، وشكر، وكسره، وناولهم" (22: 19).
مع
".. أخذ يسوع خبزاً، وكسرّه،
ونماولهما. فانفتحت عيونهما
وعرفاه.. وأخبرا.. كيف عرفا الرب عند كسر الخبز"
(24: 30 و35)
".. سّر إلى العمق، وألقوا
شباككم للصيد.. فأمسكوا سمكاً كثيراً وكادت
الخبز والسمك
شباكهم تتمزّق" (5: 4- 6)
".. وكسر وأعطى تلاميذه
ليوزعوها على الجمع"
(9: 16)
مع
"أعندكم هنا طعام؟.."
".. فناولوه قطعة سمك
مشوي" (24: 42)
يوحنا
".. وإلى صوته تصغي الخراف،
يدعو واحد من خرافه
باسمه ويخرجه" (10: 3 و4)
مع
".. فقال لها يسوع
يا مريم، فعرفته. فقالت
له ربوني، أي يا معلم".
(20: 16)
".. قال لهم ألقوا الشبكة
إلى يمين القارب.. وما
قدروا ان يخرجوها لكثرة
ما فيها من سمك" (21: 6).
".. وأخذ يسوع الأرغفة
فشكر، ثم وزع على
الحاضرين (6: 11)
مع
".. أمعكم شيء يؤكل؟"
"وكذاك ناولهم من
السمك (21: 5 و13)
".. فخرج الميت مشدود اليدين والرجلين بالاكفان. معصوب الوجه بمنديل" (11: 44)
مع
".. فدخل القبر. ورأى الاكفان على الأرض. والمنديل الذي
كان عل رأس يسوع ملفوفاً
في مكان على حدة...
قرأ وآمن".
كانت الأكفان تلف
على جسد الميت، هي
دليلاً على خضوعه لسلطان
الموضوع (كقراءة لاهوتية
عند يوحنا). ولكن عندما
دخل يوحنا ورأى
ان الاكفان والمنديل
خاليان آمن أن يسوع
قام، وتحرر من سلطان
الموت، وبالتاني لم
يقم مثل العازر.
".. ولكن أحد الجنود طعنه
بحربة في جنبه.." (19: 34)
مع
".. وأراهم يديه وجنبه.."
".. ثم قال لتوما: هات
اصبعك هنا وانظر
يديّ، وهات يدك وضعها
في جنبي... فأجاب
توما: "ربي وإلهي".
(20: 20 و27- 28)
وبهذه العلامات يؤكد يسوع وبالتالي الرسل، ان يسوع قام حقاً. لا بشكل روحاني
(روحاً) فهذا تعليم اليونانيين الفلاسفة.. ولا بشكل بشري، وإلاّ لما قام حقاً بل
عاد إلى الحياة البشريّة وسينال منه الموت مرة أخرى. بل قد تحوّل جسده البشري إلى
جسد ممجّد متحوّل. وهذا هو سرّ قيامة يسوع.
القسم السادس
الشيع والكنيسة
نطرح هنا ثلاث مسائل:
1- ما هي الشيعة؟
2- جاذبيّة الشيع وإغراؤها؟
3- كيف نواجه تحدّي الشيع؟
الفصل العشرون
ما هي الشيعة
في اللغات الأجنبيّة "ساكت" تعني اتباع شخص أو فكرة. وفي اللغة العربية، شايعه أي
تابعه ووالاه على أمر. وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره. هناك شيع وُلدت في المسيحيّة،
وأخرى في ديانات غبرها.
نبدأ فنقول إن روح التشيّع أو موقف اللاتسامح الذي ترافقه استمالة (نجتذب الناس إلى
ديننا بطرق دنيئة) عدوانيّة، قد نجده عند الشيع، كما نجده في بعض الجماعات
الكنسيّة. أما الشيع التي من أصل مسيحيّ، فنبحث عنها في ينبوع تعليمها. هناك من
يزيد على البيبليا "كتباً موحاة" أو "تعاليم نبويّة" أو يحذفون بعض الأسفار، أو
يشوّهون مضمونها تشويهاً جذرياً.
نستطيع القول إن الشيعة هي مجموعة دينيّة لها رؤية خاصة تميّزها عن الآخرين. وهذه
النظرة تنبع من أهم الديانات في العالم. إنها تشكّل تهديداً لحريات الناس، وتتميّز
بالتسلطيّة بحيث من دخل إليها لا يستطيع أن يخرج منها. وهي تستعمل غسل الأدمغة
والتدقيق العقليّ فتعمل في إطار إكراه جماعيّ وتلهم الانسان عواطف الشعور بالذنب
والخوف...
الشيع قديمة قدم المسيحيّة. ونحن نجدها في كل الحضارات وعلى هامش جميع الديانات
الكبرى: المسيحيّة، الهندوية، البوذية، الاسلام. نحن نعجب اليوم من تكاثرها
وانتشارها. ولكن الكنيسة في الشرق والغرب عرفت مثل هذا الانتشار. فروح التشيّع
يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفكر البشري، فلا تفلت منه أية مجموعة دينيّة. ونحن لا
نحاربه بالعنف و"القتال" بل بالحوار والتبادل الفكريّ. لماذا يدخل المسيحيون في هذه
الشيع؟ ما هي المجموعات المعرّضة أكثر من غيرها؟
الشباب هم أول من يتأثّر بهذه الشيع. لا شيء يربطهم بعد بالمجتمع. هم عاطلون عن
العمل. لم يتطوّعوا بعد في نشاط رعائي. يأتون من محيط عائليّ غير ثابت، أو ينتمون
إلى أقلّيات عرقيّة، أو يعيشون في أوساط بعيدة عن الكنيسة. هؤلاء سيكونون هدف هذه
الحركات الجديدة، يكونون طريدة سهلة.
وتجد بعض الشيع من يتبعها عند الكبار بسبب علاقتهم الصعبة مع الاكليروس، بسبب "زواج
لم ينجح". وهكذا يقطعون كلّ صلة بالكنيسة وينتقلون إلى مجموعة من مجموعة أخرى. أجل،
نستطيع القول إن الشيع تنجح بشكل عاديّ في الأماكن التي لم ينجح فيها المجتمع ولا
الكنيسة على التجاوب مع حاجات الناس ورغباتهم. ثم إن ضغوط الحياة الاجتماعيّة لا
تساعد على تفتّح الأشخاص. لهذا تتوتّر الأزمات على مستوى الأفراد والجماعات وتأتي
الشيع فتقدّم حلولاً "بسيطة" ترتبط بالعاطفة أكثر منه بالفعل والحقيقة.
أما أسباب نجاح الشيع في الأوساط المسيحيّة فهي متعدّدة: هناك حاجات في قلوبنا لا
تشبعها الكنيسة، ومنها الحاجة إلى سماع كلام الله. وهناك تقنيات تجنيد الناس
وتكوينهم داخل الشيعة، فيحسّ الواحد أنه محاط بالآخرين، وليس نكرة في زاوية من
زوايا الكنيسة أو في المجتمع. وهناك أيضاً أسباب اقتصادية: ينال الانسان مساعدة
فيعتبر نفسه مديناً للذي ساعده. وهناك ضغوط سياسيّة. وهناك الفضول والحشريّة: دخلنا
في إطار ولا نستطيع أن نفلت منه.
إن أوضاع الأزمة هذه تكشف عن حاجات متنوّعة، عن أسئلة تنتظر جواباً ملموساً يوافق
وضع الشخص. وتعتبر الشيع أنها تمتلك هذه الأجوبة. تقدّم جواباً على المستوى
العاطفي، يخنق المستوى العقليّ، فلا يستطيع الإنسان بعده أن يفكّر ويتّخذ موقفاً.
هذه الأمنيات وهذه الرغبات هي تعابير عن تفتيش الانسان عن تناغم في شخصه، عن مشاركة
وتحقيق الذات على جميع مستويات الحياة البشرية وكلها محاولات تلتقي في بحث الإنسان
عن الحقيقة. وهكذا نكون ظاهرة الشبع لا تهديداً للكنيسة وحسب، بل تحدياً لها أيضاً:
ما هو الجواب الذي تقدّمه لأناس عطاش يبحثون عن حلّ للصعوبات التي يتخبّطون فيها؟
الفصل الحادي والعشرون
جاذبية الشيع وإغراؤها
يبدو أن الشيع تقدّم "الجواب الصالح" لحاجات وأمنيات أشخاص سريعي العطب أو يعيشون
أزمة من الأزمات على مستوى القلب وعلى مستوى العقل. ونستطيع أن نجمع هذه الحاجات في
تسع فئات.
* جماعات متلاحمة مترابطة
قد تدمّرت بنية الجماعات في المجتمعات المتطوّرة، في المدن، وتفسّخت طرق الحياة
التقليديّة. وبدا الشقاق في العائلات، وأحسّ الناس انهم اقتلعوا من جذورهم ويعيش كل
واحد وحده. لهذا يشعر الإنسان بحاجة إلى الانتماء إلى جماعة، إلى التعلّق بأشخاص...
وتبدو الشيع قادرة على تلبية هذه الحاجة: حرارة بين الناس. انتباه إلى الآخر
ومساندته داخل جماعة صغيرة ومتلاحمة. مشاركة على مستوى الهدف والأخوة. حماية
وطمأنينة في الأزمات. إعادة أشخاص مهمّشين إلى الحياة الاجتماعيّة. وهكذا تبدو
الشيعة جماعة تفكّر من أجل الفرد.
* أجوبة بسيطة ومبسّطة
في الأوضاع المعقّدة والغامضة، يحتاج الإنسان إلى أجوبة وحلول... وتقدّم الشيع
جوابها: أجوبة بسيطة و"معلّبة". نسخة مبسّطة عن الحقائق والقيم التقليدية. حقيقة
"جديدة" لأناس يجهلون الحقيقة "القديمة". توجيهات محدّدة وحاسمة (لا تناقش). دعوة
إلى تسامٍ خلقي، براهين من عناصر "تفوق الطبيعة".
* الحاجة إلى الانسجام والتناغم الداخلي
اختبر عدد من الناس الانقطاع والانفصال عن الآخرين. أصابهم في الصميم جرح من الأهل
أو الأساتذة أو الكنيسة أو المجتمع. فأحسّوا أنهم مرذولون، مستبعدون، فطلبوا رؤية
دينيّة تجعلهم ينسجمون مع ذواتهم. احتاجوا إلى شعائر عبادة يشارك فيها الجسد
والنفس، يكون فيها الخلق واضحاً وكذلك المشاركة والعفويّة. رغبوا في شفاء على مستوى
النفس، وحتى على مستوى الجسد... وقدّمت الشيعة لهم "الحل": خبرة دينيّة ترضي
عاطفتهم. تشديد على الخلاص وعلى الارتداد. موضع يعبرّون فيه عن شعورهم وعواطفهم في
عفويّة داخل الاحتفالات الليتورجيّة. شفاء الجسد والروح. مساعدة للمدمنين على
الحشيش أو الكحول. ارتباط بالحياة.
* البحث عن هويّة
ترتبط هذه الوجهة بسابقتها. ففي بلدان العالم الثالث، بلداننا، انقطع الناس عن عدد
من القيم الحضاريّة والاجتماعيّة التقليديّة... والقيم الدينيّة، فما عادوا يؤمنون
بشيء... ماذا تقدّم الشيع؟ مكانة هامة للارث الديني والحضاري التقليديّ. الطوعيّة
والمشاركة. اسلوب صلاة وكرازة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما يتوق إليه الناس.
* الحاجة بأن لا يكون الانسان نكرة
هناك عدد من الناس يودّون أن يخرجوا من عالم لا اسم لهم فيه، أن يبنوا لذواتهم
هويّة، أن يحسّوا بفرادتهم بشكل أو بآخر: لا يريدون أن يكونوا أرقاماً في مجموعة
ولا شخصاً لا وجه له في "حشد" من الناس. ذاك هو الوضع في الرعايا الكبرى، في
الإدارات، في المعامل... وطريقة تعاملنا مع الناس تنسى وضع كل شخص بمفرده... فتقدّم
الشيعة اهتماماً بالفرد. الفرص المتعادلة على مستوى القيادة والخدمة والمشاركة
والتعبير. امكانيّة انماء الشخصية والمواهب. الفرصة بأن ينتمي الشخص إلى "النخبة".
* الحاجة إلى تبديل الحياة
هناك حاجة روحيّة عميقة وواقع يلهمنا كي نطلب شيئاً ما وراء اليقين الحسابي، وما
نراه بشكل مباشر أو عاديّ، وراء ما هو ماديّ ونتحقّق منه بحواسنا. كل هذا لنجد
جواباً على الاسئلة الأخيرة في الحياة. نبحث عن شيء يعطي الحياة مدلولاً آخر، يبدّل
غايتها. هذا ما يدلّ على حاجة إلى السرّ، إلى ما هو سريّ وخفي. واهتمام بما سيأتي.
وانتظار تعليم مسيحاني ونبويّ. ولا يعي الناس مراراً ما تستطيع الكنيسة أن تقدّم
لهم، أو هم يصدمون بما تقدّمه على المستوى الخلقي، أو بوجهات الكنيسة كمؤسّسة تشبه
سائر المؤسسات المدنيّة... فتقدّم الشيع: الكتاب المقدّس وتربية بيبليّة. حسّ
الخلاص. مواهب الروح. التأمّل. النمو الروحي الكامل. وهناك مجموعات تقدّم مساحة
فيها نعبرّ عن تساؤلات الحياة ونتعمّق فيها في مناخ "محمي" (لا يصل إليه الهواء
فيصبح الانسان بدون مناعة) مع مجموعة من الأجوبة "الواضحة" حتى التبسيط الذي
يضلّلنا.
* إرشاد روحيّ
لا يجد الانسان سنداً في عائلته، لا يجد من يرشده على مستوى المربّين أو المسؤولين
في الكنيسة... فتقدّم له الشيع: الارشاد والتوجيه على يد قوّاد مواهبيين. هنا يلعب
"القالد" أو "الرئيس" دوره لكي يربط التلاميذ بشخصه. فلا نكون فقط أمام خضوع وطاعة،
بل أمام عبادة هستيريّة لقائد روحيّ له تأثيره.
* البحث عن عالم أفضل
عالم اليوم يعرف العداوة والصراعات، يعرف العنف والخوف والدمار. ويحسّ الناس أنهم
قلقون بالنسبة إلى المستقبل. أنهم يائسون، لا عون لهم ولا قوّة. فيطلبون علامات من
الرجاء وخروجاً من هذه الأوضاع... يرغبون في عالم أفضل... فتقدّم لهم الشيع "نظرة
جديدة" إلى الذات، إلى البشريّة، إلى التاريخ، إلى الكون. وتعدهم بعصر جديد يبدأ
منذ الآن.
* مشاركة في القرارات
ترتبط هذه الوجهة بسابقتها. فهناك أناس لا يكتفون برؤية مجتمع عالمي، بل يريدون أن
يشاركوا في القرارات، في التوقّعات، في ما يتحقّق... فتقدّم الشيعة مهمّة ملموسة من
أجل عالم أفضل، نداء إلى عطاء كامل، مشاركة عل جميع المستويات.
وبمختصر الكلام نستطيع القول إن الشيع تبدو وكأنها تعيش ما به تؤمن بيقين وتعبّد
والتزام قوي يفعل فعل المغنطيس. يذهبون إلى لقاء الناس حيث هم، بحراراة، بلغة
شخصيّة خفرة (لا تحقّرهم)، فيخرج الفرد من عالم النكرة الذي كان فيه، يعملون من أجل
المشاركة والمسؤولية والالتزام والطوعيّة...
"يلاحقون" "المؤمن" بشكل متواصل: باتصالات عديدة، بزيارات في البيوت، بالمساندة
والإرشاد. ويساعدونه لكي يعيد تفسير خبرته، ويؤكّد على قيمه، ويواجه الاسئلة
الأساسيّة. ويستعملون الكلام "المقنع": الوعظ والإرشاد، وسائل النشر، تشديد على
الكتاب المقدّس، خدمة الشفاء. وهكذا تقدّم كل شيعة نفسها على أنها الجواب الوحيد،
الجواب الصالح في عالم تسيطر عليه الفوضى.
الفصل الثاني والعشرون
كيف نواجه تحدي الشيع
يبقى الجواب الأفضل تجاه الشيع هو أن نتعمّق في إيماننا، فيصبح حياً لا تقليداً
أخذناه من الآباء أو الأجداد، وظللنا فيه على مستوى المناولة الأولى.
هنا لا بدّ من التشديد على ضرورة إيجاد أشكال جديدة من الجماعات المسيحيّة أكثر
أخوّة، وعلى مستوى بشريّ. جماعات تهتم بإيمان حيّ، بمحبّة كلها حرارة وقبول للآخر
وتفهّم ومصالحة وصداقة، ورجاء يفتح أمامنا "عالماً جديداً" هو عالم الإنجيل. جماعات
تعيش الاحتفال الليتورجي، تصلّي حقاً، جماعات رسوليّة تتوجّه إلى الخارج وتشهد
للمسيح. جماعات منفتحة تسند الناس الذين يتخبّطون في مشاكلهم الخاصة لا سيّما
المهمّشين والمطلّقين...
ونشدّد على ضرورة البشارة والتعليم المسيحيّ والتربية المستمرّة على مستوى الإيمان
(لاهوت، كتاب مقدّس، عمل مسكوني). كرازة تتوجّه إلى الجميع من إكليروس وعلمانيين،
أفراداً وجماعات.
والاعلام مهمّ جداً في ما يخصّ التقليد المسيحيّ من معتقدات وممارسات وروحانيّة
وتأمّل وصلاة. وفي ما يخصّ التقاليد الأخرى والمجموعات الدينيّة "الجديدة"، إرشاد
على المستوى الشخصيّ والجماعيّ، تعميق نظرتنا إلى الله وإلى الآخرة (نهاية الأزمنة)
إلى الالنزام الديني، إلى الروح الجماعيّة التي تفهمنا أننا عائلة أبناء الله.
ولا تكتفي الكنيسة بأن تكون علامة رجاء للناس، بل تدلّهم على دوافع الرجاء هذه.
فتساعدهم على طرح أسئلة وعلى إيجاد الأجوبة. ومركزيّة الكتاب المقدّس أمر ضروري في
هذه المسيرة الإيمانيّة. ثم لا ننسى استعمال وسائل الاتصال الاجتماعيّ.
ويجب أن يعي كلّ إنسان أنه فريد في نظر الله. أنه محبوب من إله شخصي. أن له تاريخه
الخاص منذ الولادة حتى الموت والقيامة. فـ "الحقيقة القديمة" يجب أن تصبح بالنسبة
إليهم "جديدة" بفضل مقاييس وأطر فكريّة لا يزعزعها كل "جديد" طارىء. ويجب التنبّه
إلى خبرة كل شخص، إلى اكتشافه الشخصّي للمسيح في الصلاة وحياة ملتزمة. هنا تبرز
الحركات الرسوليّة بأشكالها.
نتعمق في إيماننا، نتعلّم ونتثقّف، نذكّر كل واحد بفرادته، وننتبه إلى الآخرين، إلى
كلّ واحد. فهناك عدد من المسيحيّين يعيشون وكأنهم غير موجودين، "حرف سقط". يجب أن
نتنبّه إليهم في خدمة الشفاء، في الصلاة، في المصالحة، في الأخوة. ويصل اهتمامنا
الرعائي إلى الأبعاد الروحيّة دون أن ينسى الأبعاد الجسديّة والسيكولوجيّة
والاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والسياسيّة.
ونشدّد على الخلق الذي يرافقه الفرح. هنا نعيد النظر في ليتورجيّة الأحد التي صارت
غريبة عن واقع حياتنا اليوميّة. يجب أن نكتشف كلمة الله على أنها عنصر هام في بناء
الجماعة. نتقبّل "الجديد" ولا نترك "القديم" الذي يحمله إلينا التقليد. نترك مكاناً
للخلق، ونؤمن بامكانيّة الابداع. لا نطفىء الروح، كما يقول بولس الرسول.
وحين نتكلّم، نتكلّم لغة الناس. لا لغة من القرون الوسطى. ولا لغة بعيدة عن الناس.
لهذا، نشدّد على البعد البيبلي في الكرازة. ونستعدّ على العظة وليتورجيا الأحد
الاستعداد الأكمل وبمشاركة العلمانيين.
وتتنوّع الخدم في الكنيسة ولا تنحصر في الاكليروس. لماذا لا يكون حضور العلمانيين
فاعلاً على مستوى التعليم وزيارة المرضى ومرافقة المرتدين. إنهم يستطيعون أن
يقدّموا الإرشاد الروحيّ والرعائي إذا اتحنا لهم أن يكونوا مسؤولين لا "موظفين" لا
خدمة الاكليروس. في هذا المجال نلاحظ التباعد بين العلمانيين والاكليروس، وإن كان
تطوّر في بعض الرعايا. فالكاهن يقوم بخدمة الوحدة بين المؤمنين، والمشاركة في عمل
الرسالة. فلا يكون هو وحده الكنيسة، بل يحسّ كل واحد أنه معنيّ بالإنجيل والرسالة
وعمل الخدمة في الجماعات المسيحيّة.
خاتمة
ونطرح في النهاية سؤالاً: ما هو موقفنا من الشيع؟
لا نكن أغبياء. مواقف وأساليب الشيع تدمّر الشخصيّة، تجعل الفوضى في العائلات وفي
المجتمع. تعاليمها بعيدة جداً عن تعاليم المسيح والكنيسة. وقد يكون وراء بعض الشيع
قوى إيديولوجيّة ومصالح اقتصاديّة وسياسيّة غريبة عن الاهتمام الحقيقيّ بالإنسان،
بكل إنسان. إذن، يجب أن نأخذ حذرنا. وفي كلّ حال نبتعد عنهم ابتعاد الآكلة كما يقول
بولس (2 تم 2: 17).
نقدّم معلومات إلى المؤمنين ولا سيّما الشبان منهم. نحذّرهم من الخطر الذي يقعون
فيه، فيكونون كضحيّة في شبكة ولا يستطيعون أن يفلتوا منها. كما نفهمهم أن لا سبيل
إلى الحوار مع أفراد الشيع. فهم مغلقون على كل حوار في تكبرّ يجعلهم يحسبون نفوسهم
أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة. فكيف يستطيعون أن يأخذوا "شيئاً" ممّن يتحاورون معه؟
ثم إن مثل هذا التحجّر هو عائق كبير على مستوى العمل المسكونيّ.
نكون أمناء لما نؤمن به. للمبادىء التي نقول بها: احترام الشخص البشريّ. احترام
الحرية الدينيّة. إيمان بعمل الروح. لا نكتفي بأن نطرد أصحاب الشيع وأن نتجنّبهم،
بل نغذّي إيماننا تغذية عميقة. ونفهم أهميّة الجماعة التي ندخل فيها فتساعدنا على
تكوين شخصيتنا ونموّ حريتنا الحقيقية. ولا نكتفي أن ننتقد الكنيسة أو الرعيّة أو
الكاهن. بل نتساءل: ماذا عملنا على مستوى التربية الدينيّة، على مستوى العمل
الرعائي، على مستوى الالتزام في الكنيسة؟ لا نكتفي بالجهل والبكاء على الأطلال، بل
نفهم أن حياة الكنيسة ورسالتها ترتبطان بعمل كلّ واحد منا، سواء كان أسقفاً أو
كاهناً أو علمانياً. سواء كان فقيراً أم غنياً، كبيراً أم صغيراً، متعلّماً أم
أمياً. حين يقتنع كلّ واحد منا أن له دوراً في الكنيسة فريداً، لن ينجذب بشيع تبدأ
فتفتح له يدها وقلبها بانتظار أن تستغلّه وتستعبده وتبقيه طفلاً لا يجسر أن يتّخذ
مبادرة إلاّ في الخطّ الذي ترسمه له.
وننهي كلامنا عن الشيع بقول ورد للقديس برنردس: لتلهم المحبّة غيرتنا لا روح
الانتقام والرغبة في الانتصار على الآخر. ولتعلّمنا المعرفة، المعرفة الحقّة التي
لا تتباهى بل تبدو متواضعة ومتحفّظة. ولنبق ثابتين في بحثنا عن الحقيقة وملء
الحقيقة، ولنتحلّ بالشجاعة فلا يوقفنا فشل أو لامبالاة. فالحقيقة في النهاية هي
يسوع الذي قال عن نفسه إنه الحق، إنه الطريق، إنه الحياة.
خاتمة
تلك كانت محاولة حوار مع شهود يهوه. قام بكتابتها أربعة أشخاص. فقدّموا خبرتهم في
الكتب وفي الحياة. فجاء الكتاب في ستة أقسام: تعرّف إلى شهود يهوه. تعاليم شهود
يهوه وإيماننا. الردّ الكتابيّ على تعاليم شهود يهوه. خبرة حوار مع شهود يهوه.
مواضيع يساء فهمها. وانتهى الكتاب بموضوع عام حول الشيع والكنيسة.
فالشيع بشكل عام، وشهود يهوه بشكل خاص، يشكّلون تحدّياً للكنيسة ولجماعاتنا
المسيحيّة. فالشيع تنجح عادة حيث لم ينجح المجتمع ولا الكنيسة في الإجابة على حاجات
الناس ورغباتهم. فالإنسان، كلّ إنسان، يحتاج إلى بعض الحرارة لكي يستطيع أن يعيش.
أما جماعاتنا ورعايانا، ولا سيّما في المدن، فهي باردة. وقد قيل لها: يوم لا
تشتعلين حباً يموت الكثيرون حولك برداً.
وانغلقت جماعاتنا في طوائف صغيرة ومتحجّرة. وانغلقت رعايانا على فئة قليلة، فما
عرفت أن تفتح أبوابها لئلاّ يعود الغريب غريباً، والفقير فقيراً، والمريض مريضاً،
والحزين حزيناً. بل يصبح الغريب إبن البيت والفقير غنياً بالربّ وبإخوته، والمريض
موضع اهتمام من قبل يسوع الذي ما جاء من أجل الأصحّاء، بل من أجل المرضى، وموضع
اهتمام من قبل الكنيسة التي أرسلها يسوع كما أرسل تلاميذه لكي يمسحوا المرضى بالزيت
المقدّس. ولا يدخل الحزين والبائس مجتمعنا وينطلقان حاملين حزنهما وبؤسهما، بل
يذهبان وسلام المسيح معهما ومحبّة الأخوة تغمرهما، لا على مثال ما قال يعقوب في
جماعته التي جاءها أخ وأخت عريانان وجائعان. فقالوا لهما: اذهبا في سلام! استدفئا
واشبعالم أهذه هي شريعة المسيح؟ أهذا هو الإيمان الذي نتغنى به؟ وبعد ذلك نعلن أننا
جماعة الأخوة!
إذا كان بعض الناس يتوجّهون إلى الشيع، فلأن هذه الشيع تزورهم وتحاول الاجابة على
حاجاتهم، على صعوباتهم حتى الماديّة منها. فلماذا لا تكون جماعاتنا المسيحيّة
جماعات إيمان حيّ ومحبّة فاعلة ورجاء لا يخيّبه شيء؟ لماذا لا تكون جماعاتنا
رسوليّة، وكل واحد منّا شخصاً يرسله الله إلى الإخوة. فساعة يحسّ كلّ واحد أنه
مسؤول في الكنيسة، أنه يحمل في قلبه سلام المسيح وبركته، أنه مدعوّ ليجعل كلمة الله
في قلبه وفي قلب العالم الذي يعيش فيه، لا نعود نخاف خطر الشيع وما فيها من انغلاق
على الآخرين، بل على المجتمع كله. لا نعود نخاف على إيماننا بعد ان نكون تركنا
الروح ينفح كنائسنا بناره ويبدّل حياتنا، بل يبدل وجه الأرض.
هذا هو النداء الذي يطلقه هذا الكتاب.