حب الله لشعبه أو نشيد الأناشيد

 

تقديم

تفسير نشيد الأناشيد. تفسير أجمل نشيد. نشيد حبّ الله لشعبه وحبّ الشعب لربّه. بضعة فصول قصيرة، خمس قصائد مع مطلع لها والنهاية. من يتجاسر على تفسير هذا الكتاب الذي يدخلنا في سرّ الله الذي هو محبّة؟ بدأ اوريجانس وتبعه غريغوريوس النيصي. ثمّ برنردس وتريزيا الأفيليّة ويوحنا الصليب ويوحنا السالسي. لم يتجاسر أن يفسّر هذا الكتيّب إلاّ النفوس المشبعة بالحبّ الإلهي.
ونحن تتبّعنا هؤلاء الشرّاح. لم نأتِ بشيء جديد. بل أخذنا غنى هؤلاء الآباء وقدّمناه إلى القارئ العربي، فجاء كل فصل من الفصول في ثلاثة أقسام: مقدّمة تحدّد موقع النصّ في مجمل نشيد الأناشيد. شرح بيبلي للنصّ مع عودة إلى الكلمات العبرّية والمعاني الكتابيّة. هنا، برزت فكرة تقول إنّ العريس يمثّل الهيكل وبالتالي الله المقيم في الهيكل. والعروس تمثّل أرض فلسطين. فالعريس يقيم في قلب العروس كما الهيكل يقع في قلب فلسطين. أمّا القسم الثالث من كل فصل فيشدّد على العلاقة بين النفس والربّ. النفس هي العروس والرب هو العريس.
كيف نتعامل مع هذا الكتاب الذي يبدو أنه كُتب بعد العودة من المنفى سنة 538 ق. م.؟ نبدأ فنقرأ المقدّمة. وإذا استصعبنا القسم الثاني (هناك نجمات صغيرة تفصل بين قسم وقسم) نتركه جانبًا أو نعود إليه لكي نسند الاعتبارات التي نجدها في القسم الثالث. أمّا القسم الثالث الذي هو القسم التأمّلي، فلا بدّ من قراءته على مهل ليكون لنا منبع صلاة.
نشيد الأناشيد هو أوّلاً نشيد حبّ بين العروس وعريسها، بين الزوجة وزوجها. وهي لعمري أرفع صورة على وجه الأرض. وهو ثانيًا نشيد حبّ الله لشعبه وحبّ الشعب لربّه.
وعلى مستوى العهد الجديد هو نشيد حبّ المسيح للكنيسة وحب الكنيسة للمسيح. كما هو نشيد الحبّ بين المسيح والنفس التقيّة. فلا نحاول أن نقرأه فقط على المستوى الحرفيّ (والجسديّ)، لأننا حينذاك نتساءل لماذا دخل هذا الكتاب بين أسفار التوراة. نشيد الأناشيد هو مثَل عن حبّ الله يجد صورته البشريّة في حبّ الرجل لامرأته، وصورته الإلهية في حبّ الله لشعبه.
أطلّت صورة نشيد الأناشيد أوّل ما أطلّت مع هوشع نبيّ الحبّ. صارت حياته مع امرأته جومر، رمزًا إلى حياة الله مع شعبه، مع ما في هذه الحياة من اندفاع إلى الله، وخيانته، والعودة إليه بالتوبة. وتتابعَ هذا الموضوع مع إرميا وأشعيا وحزقيال. وتواصل مع العهد الجديد ولاسيّما في الرسالة إلى أفسس حيث يقابل بولس الرسول حبّ المسيح للكنيسة بحبّ العريس لعروسه.
إذا أردنا أن نبقى على مستوى التكامل الجنسي، فلا نقرأ هذا الكتيّب ولا التفسير الذي نقدّم. وإذا بقينا على مستوى حياة الزوج مع زوجته وحصرنا اهتمامنا بأمور الجسد، فالأفضل أن لا نتوقّف عند هذا الكتاب. أما إذا ارتفعنا إلى مستوى الروح، إلى مستوى حبّ المسيح للكنيسة، إلى مستوى حب المسيح للنفوس المؤمنة، نستطيع أن نقرأ هذا الكتاب ونتغذّى منه من أجل حياتنا الروحيّة والكنسيّة. هذا الكتاب أردناه تأمّلاً ومشاهدة، لا درسًا وتفسيرًا في الدرجة الأولى. ووحدها النفوس الصوفيّة والمستيكيّة تستطيع الولوج إليه والاستقاء من غناه.
قسمنا نشيد الأناشيد إلى مطلع (1: 2- 4)، وخمس قصائد تتوزّع بحسب فصول السنة. تمثّل القصيدة الأولى (1: 5- 7:2) فصل الشتاء وزمن المنفى. والقصيدة الثانية (8:2- 3: 5) فصل الربيع وزمن الخطوبة. والقصيدة الثالثة (6:3- 5: 1) فصل الصيف والزواج. والقصيدة الرابعة (5: 2- 6: 3) تجعلنا نتردّد قبل أن نصل إلى فصل الخريف وقطف الثمار كما تحدّثنا عنه القصيدة الخامسة (6: 4- 8: 4). وجاءت النهاية (8: 5- 7) تعلن أنّ الحب قويّ كالموت. وكانت الأشعار الأخيرة (8: 8- 14) بشكل صدى لما قيل في الأسفار الأولى.
نشيد الأناشيد هو كتيّب صغير في التوراة. وقد أردنا له تفسيرًا كبيرًا. فهذا الكتيّب مهمّ جدًا لأنّه يربط العهد القديم بالعهد الجديد، ويربط الإله الخالق بالإله المحبّ، ويربط شعب التوراة بكنيسة المسيح، ويجعل كل النفوس المؤمنة على مستوى الروح الذي يدخلنا في تيّار الحبّ، حبّ الآب والابن، حبّ الله والعالم، حبّ المسيح ونفوس المؤمنين. لهذا، نقرأ هذا الكتاب ونحاول أن نلج إلى قلب الله الذي هو حبّ وعطف وحنان، الذي يريد أن يأتي الينا ويجعل منّا مسكنًا له.
مطلع النشيد
1 : 1 – 4
اجذبني وراءك ، أدخلني خدرك (1: 4)

هذا هو المدخل إلى فصول الحبّ الأربعة. هذه هي البوّابة الكبيرة التي تجعلنا نلج إلى نشيد الاناشيد، إلى أجمل نشيد، نشيد حبّ الله لشعبه، نشيد حبّ الله لكل واحد منا. منذ البداية، أعطي اللحنُ وأعلنت المواضيع وتوضّحت الطريق التي ستصل بنا إلى انتصار الحبّ.

الفصل الأول
العنوان والمدخل
1: 1- 4

بعد آ 1، تكوّن آ 2- 4 قطعة تامة تبدو بشكل مدخل إلى الكتاب. وهي تنقسم في بيتين شعريين: آ 2- 4 أ ثم آ 4 ب. كل بيت ينتهي بعبارة مميّزة. البيت الأول: أحبّتك العذارى. البيت الثاني: عن حقّ يحبّونك.
لا نجد أية إشارة تدلّ على الأشخاص أو على الإخراج داخل مشاهد. فلا نعجب في هذه الظروف أن يختلف الشرّاح: من يتكلّم؟ في أي مكان يجري الكلام؟ نساء القصر كل واحدة بمفردها أو في جوقة. أو بنات أورشليم التي تمثّل الأم الوثنية فتتوجّه إلى العروس. ظنّ بعضهم أننا أمام موكب عروس يتألف من بنات أورشليم...
في الواقع، يبدو أن العروس وحدها هي على "المسرح ". هي لا تذكر اسم العريس، فلا حاجة إلى ذلك، وقلبها مملوء منه، فتجعل عواطفها تتفجّر دون أن ترتب كلماتها. تارة تتحدّث إليه في صيغة الغائب، وطورًا تحدّثه وكأنه حاضر أمامها. إذن، هي تحبّه دون أن تمتلكه. إلا أنها متيقّنة أنه سيأتي ويطلبها فتسكن معه. وإذا قابلنا هذا المقطع مع نصوص العهد القديم نجد أن الوضع الذي يفرضه هذا النشيد هو زمن المنفى. احتفظ شعب إسرائيل بحبّ الله، وتاق إلى العودة إلى فلسطين لينعم بامتلاك ذاك الذي انفصل عنه. هذه هي نقطة الانطلاق من أجل تفسير نشيد الأناشيد.
(آ 1) نشيد الأناشيد. قبل أن تترجم السريانية البسيطة النص العبري تقول: "أيضاً حكمة الحكم التي هي لسليمان ". رأى صاحب هذه العبارة في النشيد قصيدة تعليمية واعتبرها أسمى ما كتبه سليمان.
نحن أمام قصيدة (ش ي ر) تنشد (أش 29:30 ؛ عا 8: 10) ولاسيّما في الاحتفالات الليتورجيّة (مز 28: 7 ؛ 69: 31). تذكّر صاحب النشيد 1 مل 5: 2 حيث قيل أن سليمان ألّف 1005 أناشيد (وقالت اليونانية: 5000 نشيد).
نشيد الأناشيد هو نشيد بين الأناشيد، بل هو أسمى الأناشيد كما نقول قدس الأقداس أو ملك الملوك.
نشيد الأناشيد لسليمان. اعتبر التقليد أن سليمان كتبه. ونحن نعرف أن الأسفار الحكمية والشعريّة نُسبت إلى سليمان كما نُسبت أسفار الشريعة إلى موسى والمزامير إلى داود.
(آ 2) ليقبّلني. تتكلم العروس عن العريس. هي ترغب في القبلات أي في التعبير الحسيّ عن حبه. هذا التمنّي يتفجّر فجأة من قلبها بتأثير من عاطفتها الجيّاشة. وربّما بسبب الضيق الذي تعيش فيه. حُرمت مدة طويلة من ذاك الذي تحبّه، لهذا أسمعت صراخها. قالت: ليقبّلني. هي لم تذكر اسمه، فاسمه مطبوع في قلبها.
"حبّك أطيب من الخمر". الحبّ أو التعبير عن الحبّ هو في صيغة الجمع ليدلّ على المدى البعيد. نجد لفظة الحبّ 39 مرة في نش. رج أش 5: 1 (نشيد الكرمة)، حز 16: 8 ؛ 23: 17 0 الخمر حلو ومسكر. لهذا، فهو يرمز إلى كلّ لذّة (جا 2: 3). غير أن الحبّ يتجاوز كل الملذّات بعذوبته وقوّته. "حبك " مع ضمير الخاطب. انتقلت الحبيبة من صيغة الغائب إلى صيغة الخاطب فتحدّثت عن الذي هو بعيد عنها وكأنه بقربها.
(آ 3) عبيرك. ترجمت السبعينيّة: "رائحة عطورك تتجاوز كل عبير". هي كلمة "ر ي ح " العبرية التي تعني الرائحة أيضاً، كما تعني الريح والروح. نجدها بشكل خاص في النصوص الكهنوتيّة في البنتاتوكس (خر 25:29، 41).
تلعب العطور دورًا كبيرًا في نش، فتدلّ على السحر الذي يتمتعّ به العريس أو العروس. ثمّ إنّ اسم العريس، حين تتلفّظ به العروس، يقابل بعطر (في العبرية: ش م ن، زيت) يريق رائحته الطيّبة.
ونجد كلمة "ع ل م ه" (رج في العبرية غلام) صبية في عمر الزواج. يتحدّث النصّ عن الصبايا، عن العذارى. رج أش 7: 14 (ها إن الصبية)، مز 68: 26؛ أم 30: 19.
(آ 4) اجذبني. نجد في العبرية "م ش ك " أي أمسك، تعلّق. يُستعمل هذا الفعل في معرض الحديث عن الحبّ (هو 11: 4: جذبتهم إليّ بحباله الحبّ). رج إر 3:31: "ظهرت له (للشعب) من بعيد. (قال الرب): أحببتك يا عذراء (شعب) إسرائيل، لهذا اجتذبتك (أمسكت بك، تعلّقت) بمحبّة". الوضع هنا هو وضع المنفى. أراد الرب أن يشجّع شعبه المسبيّ ويضع في قلبه أملاً بالعودة، فظهر له من بعيد أي من جبل سيناء، موضع أول عهد بين الله وشعبه. نستطيع أن نقول إن الخلفيّة التاريخيّة لنشيد الأناشيد هي هي: فالعروس الأسيرة هي اسرائيل. تعبّر عن رغبتها أمام الربّ عريسها لكي يجعلها تعود إلى صهيون.
"نجري ". هذا ما يدلّ على رغبتها الجامحة. فالربّ يأتي إلى المنفى، وهي تجري معه نحو فلسطين. هي صيغة الجمع: نجري نحن، نجري معًا (روص في العبرية. رج راض في العربية).
"أدخلني الملك أخداره ". قرأ السريانية البسيطة المفرد: خدرك. ما زالت العروس تحدّث الملك: أدخلني خدرك، أيها الملك (منادى). أدخلني غرفة العرس. بعد أن جرّها الملك في جري جنوني، وجعلها تقيم من جديد في الأرض المقدسة، ها هي تعتبر أن ما طلبته قد تحقّق. هذا ما يسمّى صيغة "الماضي النبوي ". يتأكّد المؤمن منذ الآن أن ما طلبه سيتحقّق في المستقبل.
"الملك ". الحبيب هو ملك. حسب إر 3:31، هذا الشخص السرّي هو يهوه (الرب). لقد سمّي يهوه ملكًا في التقليد البيبليّ. فالنظام الموسويّ هو تيوقراطية (حكم الله على الأرض). ودأبت الأخبار القديمة على اظهار الله متدخّلاً في قيادة شعبه في زمن البرية وفي أيام الاحتلال. فسّر صموئيل المبدأ التيوقراطيّ بشكل متحجّر (1 صم 8، 12). وأعطانا أش 6: 1- 2 شعورًا عميقًا أمام مهابة ملك الكون: منه تنبع حكمة المسيح وقدرته (أش 11: 2).
وهناك حديث عن مُلك الربّ في مي 6:4- 7؛ صف 12:3- 15 ؛ حز 20: 33. وهناك مقاطع ترينا الرب مقيمًا وسط شعبه (إر 3: 17؛ حز 20: 40- 41؛ 37: 26- 28؛ 43: 7- 9؛ 48: 35)، لاعبًا دور الراعي مكان الرعاة الأردياء (الملوك) في الماضي (إر 33: 2؛ حز 34: 11- 16). إن الفكرة التيوقراطيّة هي محور نظرة حزقيال حين يرسم المدينة المقبلة. وهي تفسّر السلطة المحصورة التي يعطيها للأمير.
وهناك تشديد مماثل في أشعيا الثاني (41: 21 ؛ 43: 15؛ 44: 6): يعطى يهوه لقب الملك كما يُعطى لقب القدّوس والخالق والفادي. فراعي اسرائيل يعيد قطيعه من المنفى (أش 9:40- 11) ويدشّن في صهيون ملكًا مجيدًا (أش 7:52- 8).
ولاهوت ما بعد السبي قد توقّف عند مواضيع الملك (زك 9:14؛ عو 21؛ أش 24: 23) والراعي (زك 11: 4 ي) والإقامة في صهيون (أش 57: 15؛ 60: 14). وحين سمّت المزامير الربّ ملكًا، سجّلت هذا اللقب في منظار اسكاتولوجي: نجاة اسرائيل، الدينونة الأخيرة، تدشين الملك على تلّة صهيون (مز 24: 7؛ 47: 9؛ 48: 3؛ 68: 25).
إذن، نش هو في خط التقليد البيبليّ، ولاسيّما النبويّ (ما بعد المنفى) حين يعطي يهوه لقب ملك، ويربط هذا اللقب بالعودة من المنفى، وبالتالي بمجيء الأزمنة الجديدة.
"الخدر" هو الحجرة الأخيرة في البيت، حيث يقيم ربّ البيت (تك 43: 30). وهنا يدلّ على الهيكل، على قدس الأقداس. بعد المنفى عاد الرب إلى هيكله كما قال أش 40: 3، 9- 10 ؛ إر 31: 6 ؛ حز 43: 1-9.
الفعل العبري "ج ي ل " (رج في العربية: جال) عنى أولاً دار ثم ابتهج. وينضمّ إلى فعل "س م ح " الذي يدلي على الفرح. فالطواف يتمّ في الفرح والبهجة. نحن هنا أمام الفرحة التي يمنحها الخلاص الاسكاتولوجيّ أو الفرديّ. نحن نبتهج من أجل الربّ، من أجل اسم الرب (أش 19:29 ؛ 16:41؛ 61: 10؛ حب 18:3؛ زك 10: 8؛ مز 9: 15؛ 13: 5- 6؛ 21: 2؛ 9:35). وقد يرد الفعل وحده فيكون في سياق يتحدّث عن الخلاص: "ستفرح البرية... ويبتهج القفر... " (أش 35: 1- 2؛ رج 13:49).
"نبتهج ونفرح بك ". أو: تكون أنت فرحنا وبهجتنا. ففي فكرة الخلاص الذي سبق له وتحقَّق، والذي يفرض أن الشعب وجد ربّه من جديد "وامتلكه "، تترك العروس نفسها تستسلم إلى تعابير الفرح. نتحدّث عن العروس مع أننا أمام صيغة المتكلّم الجمع. فوراء الأمة المشخّصة (التي تبدو كشخص حيّ)، يرى الشاعر الأفراد الذين يؤلّفون هذه الأمّة.
وهكذا ينتقل فكره من الأمّة الى الأفراد. هذا ما نراه في هو 1: 7- 9؛ 2: 10- 21 ؛ تث 2: 6- 7؛ 4: 23- 24 حيث يتمّ الانتقال من "أنت " (مخاطب مفرد) إلى "أنتم " (مخاطب جمع).
ونقرأ "ز ك ر" (ذكر في العربية) حيث يرافق المديح الذكر. نحن نذكر أعمال الرب (مز 78: 12) وبرّه (مز 71: 16) ورحمته (أش 7:63) وحبّه (كما في هذا النص). هناك نصوص تتحدّث عن حبّ الرب المستمرّ من أجل شعبه، وذلك رغم خيانات الشعب (أش 54: 4- 10؛ 61: 10 ؛ 62: 4- 5؛ إر 31: 20؛ هو 2: 16- 25). وتشير هذه النصوص في الوقت عينه إلى العودة من المنفى التي تدلّ دلالة لا شكّ فيها على حبّ الله.
"عن حقّ (لا: المستقيمون) يحبّونك ". في الغائب الجمع. أبناء اسرائيل. فمحبّة الله ليست في نظرهم نتيجة ميل تبرّره كمالات الله وحسب، بل موضوع "إنصاف " ومبادلة، وواجب ينتج عن العهد، ووصيّة مدوّنة في التوراة (تث 5:6).

* ليقبّلني بقبلات فمه!
لقد انطلقت المسيرة في مراحل تنتهي في انتصار الحبّ. في البداية تعبّر العروس عن رغبتها القويّة: ليقبّلني بقبلات فمه. ثم تتوجّه في الصلاة إلى ذاك الذي تحبّه لئلا يتركها وحدها حزينة مدة طويلة بل ليسرع إليها ويجتذبها معه: أجذبني وراءك فنجري. ويسرع الحبيب ولا يتأخّر. يأخذها ويقودها إلى منزله: أدخلني الملك في أخداره. وينتهي كل شيء في امتلاك متبادل لا نهاية له: أنت تكون فرحتنا وبهجتنا.
من يتكلّم؟ إلى من يتكلّم؟ عمّن يتكلم؟ وهناك انتقال من صيغة الغائب (هو) إلى صيغة المتكلّم (أنت): ليقبّلني (هو)... فحبّك (أنت). الحبيبة تتكلّم عن حبيبها، وهل يمكنها إلاّ أن تكلّمه؟ توجّه إليه حديثها وكأنه حاضر أمامها. بل هو هنا في الحقيقة لأنه في قلبها.
هي لا تتلفّظ باسمه. إنه فريد. ليس أحد سواه بالنسبة إليها. هنا نتذكّر مريم المجدلية في البستان، صباح القيامة: "إن كنت أنت أخذته، قل لي أين وضعته " (يو 20: 15). لا شكّ في أن مريم تشير إلى يسوع. وكذا نقول عن الحبيبة: هي لا تستطيع أن تفكّر إلا في هذا الذي هو الحيّ الوحيد بالنسبة إلى قلبها.
لا تريد الحبيبة وهي في منفاها، أن يكلّمها أحد عن عريسها، مهما كان كلامه ساميًا. بل هي تريد بعد اليوم أن تحدّثه بشكل مباشر وبدون وسيط. تريد أخيرًا أن تكون معه. فهي لا تكتفي بالمرسَلين أي الأنبياء والحكماء في العهد القديم. هي تريد يسوع المسيح. وتريده حالاً. وهكذا نجد اشتياق العهد القديم إلى يسوع المسيح.
هذا ما كان يقوله أوريجانس: "إلى متى يرسل إليّ الحبيب قبلاته بواسطة موسى. أريد أن ألتقي بشفتي حبيبي. فليأت هو بنفسه. لينزل هو نفسه ". لقد انتهى زمن الأنبياء فليأت المسيح. لقد انتهى زمن المرسلين، فليأت العريس نفسه. فالأنبياء (كما يقول أوريجانس) "يحاولون أن يشعلوا فيّ الحبّ والرغبة، فيعدوني بمجيئه عبر إعلاناتهم النبوية. ويدفعهم الروح فيحدّثونا عن فضائله العجيبة ومآثره المدهشة. ويمتدحون جماله ووجهه المحبوب وعذوبته. وكل هذا يشعل فيّ رغبة لا تُحتمل. أما الآن، فنهاية الأزمنة قريبة وحضوره لم يعط لي بعد. صعد خدّامه وحدهم إليّ ونزلوا (تك 28: 12). لهذا، أتوجّه إليك يا أب ذاك الذي وعدت به: إرحم حبّي وأرسله إليّ. لا يكلّمني بعد الآن بواسطة عبيده الملائكة والأنبياء! بل ليأتِ هو شخصيًا ويقبّلني بقبلات فمه ".
لماذا قبل فمه؟ حين تعود النفس وترتدّ، يُعطى لها أن تقبّل قدمَي الرب. هذا ما نراه مع الخاطئة (لو 35:7 ي). ثم ترتفع في حركة ثانية فتقبّل يده، وهذا ما يدلّ على الصداقة والقرب والحياة الحميمة مع الرب. وفي نهاية الصعود تُعطى لها قبلة الفم التي تدلّ على الاتحاد الكامل مع العريس الالهي.
ليقبّلني بقبلات فمه. ليقبّلني. هذا ما يدلّ على الآب الذي هو مبدأ الحنان وينبوع الحبّ. والفم هو الابن الوحيدة، الكلمة ووحي الآب. قيل عن يسوع في بداية خطبة الجبل: "فتح فاه وكان يعلّمهم " (مَت 5: 2). كل ما نعرفه عن الله قد وصلنا في فم الابن الوحيد. والقبلة هي الروح القدس. فالروح هو القبلة التي يطبعها فم الابن الوحيد في قلوبنا (روم 5: 5). فالقبلة عينها التي تضمّ الآب والابن في قلب الثالوث تصل إلينا "ليكون الحبّ الذي احببتني به فيهم " (أيها الآب، كما قال يسوع، يو 17: 26)0 القبلة عينها، الحبّ عينه، الروح القدس عينه.

* حبّك أطيب من الخمر
لا تشير الحبيبة إلى وجه الحبيب، إلى قسماته، إلى حركاته، إلى نظراته، إلى الكلمات التي يتمتمها. لا تقول لنا شيئًا يجعلنا نراه أو نسمعه، أو نتمثّله أمام عيوننا كما أمام عينيها. فكأني بها لا تكتشفه إلا في علامات الحبّ التي يغمرها بها.
ترد كلمة حبّ في الجمع فتدلّ على ملاطفاته وقبلاته وعناقه. وتزيد العروس: عبيرك، انك. فالحب والعبير والاسم هي حضور مثّلت للحبيب في قلب الحبيبة.
ستعود العروس أيضاً إلى الخمر في هذا المدخل: "ونذكر حبك أكثر من الخمر" (آ 4). ومرَّة ثالثة في نهاية القصيدة: "أسقيك أطيب الخمر" (8: 2). ويقول العريس بدوره: "حبّك أطيب من الخمر" (4: 10). وفي وفيرة العرس: "أشرب خمري " (5: 1). وأخيرًا في النشيد الخامس والأخير: "سرّتك كأس مدورّة مزيج خمرها لا ينقص " (7: 3). "كلامك كخمر طيّبة" (7: 10). ويعود موضوع الخمر سبع مرات على شفاه الحبيبة والحبيب فيدلّ على كمال العذوبة والقوة والعيد والفرح، يد على ما في الحبّ من مسكر.
فالخمر هو في الكتاب المقدس رمز الفرح عينه. لقد أعلن الحكيم في سفر الجامعة (3:2) أنه "أسلم جسده للخمر". وحدّثنا المرتل عن "الخمر الذي يُفرح قلب الانسان " (مز 15:104). ولكنه يعرف سكرًا من نوع آخر، فيهتف في بهجة تغمر قلبه: "الرب حظّ قسمتي وكأسي " (مز 16: 5). وسوف نرى الله نفسه يهيّىء لمختاريه "على جبله وليمة من الخمور الطيّبة" (أش 25: 6).
في الإنجيل يرتبط الخمر بالحبّ. فأولى آيات يسوع في انجيل يوحنا سوف تتمّ خلال حفلة عرس، في قانا الجليل حيث قدّم فيضاً من الخمر لم يذقه أحد حتى الآن (احتفظت بالخمر حتى الآن) (يو 7:2- 10). وأول شهادة علنيّة أعطاها يسوع عن نفسه هي خمر يقدَّم للبشر في العرس. وهكذا أظهر مجده فآمن به تلاميذه (يو 2: 11). هذه الوليمة تعلن مأدبة احتفالية في آخر ليلة من حياة يسوع فيها ختم خمر العهد الجديد (لو 22: 20) والأعراس الأخيرة بين العروس والعريس.
فبالنسبة إلى عروس نشيد الأناشيد، علامات حبّ العريس تتضمّن كلّ أفراح العالم، كلّ سكر في العالم. أنشد أشعيا (5: 1): "كان لحبيبي كرم ". وقالت العروس إن الحبيب هو خمر من هذه الكرمة، خمر يسكر أكثر من ألف خمر نستخرجه من الكرمة. وفي صباح الفصح، حين حلّ الروح على الرسل، قالوا عنهم إنهم سكارى من الخمر (أع 13:2).

* عبيرك طيّب الرائحة
تلعب الطيوب دورًا كبيرًا في نش. فإن جعلنا القصيدة الثانية جانبًا، تُذكر الطيوب في كل أقسام نش. وهي تحتلّ 15 آية ونيف. وتذكر عشر أنواع من الطيوب: العطر، الناردين، الكافور، المرّ، البخور... (1: 3، 12، 13، 14 ؛ 3: 6؛ 4: 6، 10، 11، 14 ،16 ؛5 :5 ،13؛ 9:7، 14 ؛ 2:8).
فالطيوب تدلّ على ما في الحبيب من سحر. فكما أن العطور تتغلغل في كل مكان، وتلج كل شيء، وتتعلّق بكل شيء بشكل لا يقاوم، هكذا حبّ الحبيب يحيط بكل شيء، يجتاح كل شيء، يدخل في الحياة وفي كل أليافها، يُشرب أويقات تلك التي يحبّ، يرافقها ليلاً ونهارًا إلى كل مكان تذهب إليه. فليست قبلات الحبيب وحدها هي التي تأسر العروس. فعطره يسحرها. هو يتبعه في كل مكان ويشعّ منه. هو يعلن عن مجيئه القريب ويبقى طويلاً بعد ذهابه. عطر خاص به، عطر فريد. إنه حضوره. وهو يجعل العروس تقوله ولا تتردّد: هذا هو. هو هنا.

* اسمك عطر مراق
ويُعرف اسم الحبيب بعد عطره. فهو يجتاح العروس، يحيط بها، يملأ أيامها ولياليها. واسم العريس الذي تتلّفظ به العروس لم يُكشف. إنه خفيّ ومجهول وسريّ. فلا هويّة خاصة بعريس نشيد الأناشيد. ولا اسم خاصاً يُعطى له.
كل ما نستطيع أن نقوله عنه لندلّ عليه هو أنه يتماهى مع الحبّ نفسه. هو الحبّ. لم يُذكر اسمه، ولكنه ذُكر. في الحقيقة، الحب هو اسمه. قال يسوع لإحدى القديسات: "الحب هو اسمي". هكذا أريد أن تناديني. يسمّيني البشر بأسماء عديدة،. وليس من اسم آخر يسرّني أكثر من هذا الإسم ويعبّر عن هويتي ".
هناك القبلات. هناك العطور. وهناك الاسم. فالاسم كالزيت يتغلغل شيئًا فشيئًا فيصل إلى أعماق القلب ويجتاح حتى جذور الكيان. حين يُجمع الاسم (ش م، في العبرية، اسم) والزيت (ش م ن، سنة، دهن، عطر) نتذكّر مسيح الرب: ذاك الذي ينال مسحة الزيت التي تدلّ على أن الروح تغلغل فيه ليوليه مهمة ورسالة. إذن، يبدو اسم الحبيب منذ أولى أبيات نشيد الأناشيد، كاسم مسيح الرب الذي قيل عنه في مز 8:45: "الله الهك مسحك بدهن الفرح أفضل من شركائك ". حين قالت العروس "اسمك زيت مراق " نظرت بعين النبوءة إلى ذلك الذي سيطبّق يومًا على نفسه كلمة اشعيا (61: 1): "روح الربّ عليّ. الرب مسحني ". وتتكرّس العروس بتلك المسحة كما يقول أوريجانس: "إن لمسني العريس صرت أنا أيضاً رائحة طيّبة ومسحة عطور. إليّ تأتي عطوره فأقوله مع الرسول: نحن رائحة المسيح الطيّبة في كل مكان". من الخمر إلى الطيب. ومن الطيب إلى عطر الاسم. نحن هنا في تدرّج في الاقتراب من الحبيب وخبرة حبّه. في البدء، سكرُ الحواس والعقل بتأثير من القبلات: هذه هي التعزية المباشرة. ثم الطيب الذي يجتاح الذاكرة ويظلّ طويلاً بعد أن يكون الحبيب قد زار النفس بتعزيته. وأخيرًا، هذا العمل العميق الذي يتمّ فينا دون أن نحسّ به فيصل إلى أعماق النفس.

* لذلك أحبّتك العذارى
يريد الحبيب أن يكون المحبوب له وحده. أما الحبيبة فتهنّئ نفسها لأن العذارى (أو الصبايا) يحببن ذاك الذي تحبّه. فكأني بها تفرح لأنها لا تحبّه وحدها. ففي وسط افتتانها المحبّ، تحسّ بالحاجة الى أن تحدّث عريسها عن هذه الصبايا وتمتدح حبهنّ له. بل هي ترى أن النتيجة العظيمة لحبّها تقوم بأن تربح القلوب لعريسها.
إن حبّ سائر الصبايا للحبيب يُبرز بشكل أوضح في نظر الحبيبة عظمةَ اختياره لها. لا شكّ في أنهن كلهن يحببنه. ولكنها وحدها هي الحبيبة. تودّ كلهن أن تخترنه. ولكنها وحدها المفضّلة، المختارة. وهكذا، فإعجاب وحبّ سائر الصبايا، يجعلانها تدرك الحظوة الفريدة التي تنعم بها.
إن عروس نش لا تستطيع أن تحبّ عريسها دون أن تريد محبّة سائر الصبايا، أي أم العالم كله. قال المرتّل: "أنشد مدائحك العديدة لبنات صهيون " (مز 9: 14- 15). أن يربح الحبيبُ جميع القلوب كعطر ينتشر ويجتاح الكون، ذاك هو فرح حبيبة الله.
قطع الله عهدًا مع شعبه وعرفت إسرائيل أنها الشعب المختار، ولكنها لم تحسب هذا الاختيار أمرًا محصورًا فيها. الرب هو إلهها، وهو أيضاً إله الكون. وإذا كانت اسرائيل مختارة الله فكشعب شاهد، كشعب من الكهنة يجتذب الى الرب جميع الأمم. هذه الأمم هي أخيّات اسرائيل كما نجد في سفر حزقيال. فحتى الأمم الوثنيّة والخاطئة تسمّين "صبايا" وستكنّ يومًا عرائس الرب مثل الكبرى: "أختك الصغرى هي سدوم وأخواتها" (حز 16: 46). فعلى اسرائيل أن تجتذبهن إليها لكي تجتذبهن الى الله: قال لها الرب في حز 16: 61: "تقبلين أخواتك اللائي هنّ أكبر منك مع الذين هنّ أصغر منك ". إذن يجب أن تعتبر أورشليم أنها ليست فقط عاصمة فلسطين، بل عاصمة جميع الشعوب حسب النظرة المنفتحة التي نجدها في مز 87: 5- 7: "صهيون كل واحد يسميها أمه، لأن كل واحد وُلد فيها".
حين تصل العروس الى ذروة نشيدها، الى أعمق تعبير عن حبّها، فهي لا تستطيع أن تنسى البشرية التي حولها. وهي تفرح أن ترى أخواتها يشاركنها في اختيار الله لها. هنّ يشاركنها، وهذا فرحها، بل إن سعادتها الكبيرة هي أن ترى العريس يجتذب إليه كل شعوب الأرض بواسطتها وعبر محبتها.

* اجذبني وراءك فنجري!
وتحسّ العروس بضعفها، بعجزها عن الوصول إلى ذاك الذي تحبّ. فكيف تستطيع ذلك وحدها ومن دون مساعدته؟ كيف تستطيع إن هو لم يأتِ بنفسه للقائها ويجتذبها وراءه؟
فمع أنها حبيبة فريدة، إلاّ أنها على بعد أميال وأميال من حبيبها. وضعُها هو وضع اسرائيل البعيدة عن صهيون مقام الرب ومقامها معه. هذا هو وضع الكنيسة، عروس المسيح التي تشقّ بصعوبة في العالم طريقها الى ربّها. هذا هو وضع كل نفس أكرمت بيسوع المسيح، فتألّمت لأنها وجدت نفسها بعيدة عنه كل هذا البعد. اسرائيل، الكنيسة، النفس المحبّة لله. يتنهّدن وينتظرن مجيء العريس. يا ليته يُسرع ولا يتأخّر في المجيء ليطلب حبيبته في أرض بعيدة تحتفظ بها. ليسير معها الى بيتها المشترك. ولا يتردّد في اجتذابها وراءه إن هي تأخّرت في الانطلاق. أجل، لا تستطيع وحدها أن تتقدّم.
إن لفظة "جذب، جرّ" (م ش ك) تنتمي الى العالم النبويّ. إنها تدلّ على الارتداد عند الله لدى الأنبياء. مثلاً نقرأ في إر 31: 3: "من بعيد تراءى لي الرب وقال لي: احببتك حبًا أبديًا. لذلك اجتذبتك برحمة". وفي هو 11: 3- 4 تكلّم الرب عن افرائيم الصغير والضعيف فقال: "اجتذبتهم بحبال البشر، اجتذبتهم بربط الحبّ ". وقال يسوع في يو 12: 32: "حين ارتفع عن الأرض، أجتذب الجميع إليّ ".
المهم أن نترك الله يجتذبنا إليه. أن نترك الله يمسك بنا، لا أن نمسك بالله وكأننا نريد أن ندركه. ليست القضية أن نرتفع إلى مستوى الصليب، أن "نتسلّق الصليب "، وكأننا نستطيع ذلك. بما أن الله يجتذبنا في حبّه، فنحن نستطيع أن ننضمّ إليه. "لا يستطيع أحد أن يأتي إليّ إن لم يجتذبه الآب " (يو 6: 44).
خافت العروس أن تقوم بالخطوة الأولى. ولكن ما إن أحسّت بمساعدة الحبيب حتى بدأت تجري. هي لم تقبل فقط بأن تسير وتمشي. بل تريد أن تجري معه. تجري مثله. وهي ليست وحدها، بل مع رفيقاتها اللواتي لا ينفصلن عنها، كل أمم الأرض.

* أدخلني الملك أخاديره
حلمت العروس في مخيّلتها التي أشعلها الحبّ أنها جرت مع الحبيب، أنها وصلت إلى منتهى رغباتها. أو بالأحرى هي تعرف أن حلمها سيتحقّق مع هذا العريس. مع مثل هذا العريس تصبح الرغبة حقيقة وواقعًا. هذه هي طريقة الرب في إدخالنا الى حياته الحميمة فجأة من دون سبب ولا استعداد.
قالت الحبيبة وهي فرحة بأنها استجيبت سريعًا: أدخلني الملك أخاديره. الملك هو اسم معبود تعطيه العروس لمن تُحبّ، وهي تتلفّظ به هنا للمرة الأولى. هو ملك شعبه وعريسه معًا، كما تشهد على ذلك نصوص الأنبياء ولاسيّمَا تلك التي دوّنت بعد المنفى. نقرأ في أش 54: 5: "بانيك هو عريسك الرب القدير". وينشد المرتل: "أنك يا ربي، يا طير". نلاحظ هنا أيضاً أن اسم يهوه لم يُذكر، ومع ذلك فقد ذكر على أنه الملك. وسيطبّق لقب العريس والملك على يسوع. سأل يسوع مرّة: "هل يستطيع المدعوّون الى العرس أن يصوموا ما دام العريس معهم " (مر 2: 19)؟ ولما سأل بيلاطس يسوع: "إذن، أنت ملك "؟ أجاب يسوع: "أنت قلت " (هو كما تقول) (يو 18: 37).
قالت العروس: "الملك " ولم تزد شيئًا. لا تحديد خاصاً يرتبط بهذا اللقب. فالحبيب ليس ملكًا بين الملوك. ليس ملك هذا البلد أو ذاك. إنه الملك بشكل مطلق. مقابل هذا لا تسمّى العروس "ملكة" في نش. فهي وأن اتحدت اتحادًا حميمًا مع الملك، فهي ليست معه على قدم المساواة.
وإن أش 6 يلقي ضوءًا ساطعًا على هذا المقطع. ظهر الرب للنبيّ في كل بهائه. كان جالسًا على العرش وأذياله تملأ الهيكل. سيطر انفعال عميق على أشعيا فهتف: "رأت عيناي الملك ". تقارب واضح مع هذه الآية من نش: ففي الهيكل حصل أشعيا على وحي عن يهوه الملك، بل في مكان محجوب في الهيكل، في قدس الأقداس، حيث يقيم الرب وسط شعبه. وحين تقول العروس: أدخلني الملك خدره، فهي تعني "قدس الأقداس"، وتدلّ على حضور الرب وسط أخصّائه.
الخدر هو مكان منعزل عن سائر البيت. يُقفل بمفتاح فلا يدخله من يشاء. لا يحاول ملك نش أن يبهر تلك التي يحبّها، فيظهر قدرته. بل هو يعتزل معها في صمت حياة حميمة، ويغمرها بألف نعمة ونعمة. كم سوف تبتهج حين تنكشف أمامها أسرار الملك ومعجزاته الخفيّة. هي غرفة ملوكيّة مملوءة بكنوز عظيمة لا عدّ لها. هذا ما قال أوريجانس. وزاد غريغوريوس النيصي أن هذه الكنوز هي أسرار الفردوس حيث رأى بولس أمورًا غير منظورة وسمع كلمات لا يعبّر عنها (2 كور 12: 4).
نلاحظ أن العروس لا تستطيع أن تدخل بذاتها الى خدر العريس وتشرب من خمر الحبيب. قالت: الملك أدخلني. فكل مبادرة تأتي منه. ولم تقل العروس: الملك أدخلنا (نحن) أي هي وصويحباتها اللواتي جرين معها. فالحبيبة تدخل وحدها مع الحبيب وتبقى الصبايا خارجًا. بعد هذا، تخرج العروس الى الصبايا وتخبرهن بما رأت وحدها. حينذاك يدخلن كلّهن وراءها الى قصر الملك كما يقول مز 45: 15- 16.
وهكذا نكتشف رباطاً بين المشاهدة الحميمة وعمل التبشير. فالواحد يقود الى الآخر. فالحياة الحميمة والشخصيّة تدفعنا الى أن نعلن على جميع الشعوب الحبّ الذي التقينا به.

* نبتهج ونفرح بك
فبعد التعبير عن الرغبة في الحب (ليقبّلني بقبلات فمه). وبعد النداء الى المساعدة (أجذبني، أمسكني)، بعد الدخول إلى حياة الملك الحميمة (أدخلني الملك)، يبدأ العيد الذي لا ينتهي والذي فيه يمتلك الواحد الآخر، فتقول العروس: تكون فرحنا وبهجتنا.
لفظتان تردان مرارًا معًا عند الأنبياء، وفي المزامير. نقرأ في إر 31: 13: "أحوّل فرحهم الى بهجة، وأعزّيهم وأفرحهم بعد حزنهم ". وفي أش 66: 10 في إطار العودة من المنفى (هو إطار نش) يعلن الربّ: "إفرحي يا أورشليم، إبتهجوا يا جميع محبّيها، تهلوا معها تهللاً يا جميع النائحين عليها". فيأتي كلام المرتل صدى لهذا القول: "فرح لاسرائيل بصانعه، بهجة لبني صهيون بملكهم " (مز 149: 2). أو كما في كلام العروس: "تكون فرحًا وبهجة لجميع الذين يطلبونك " (مز 70: 5).
هناك الوجهة الخارجيّة للفرح، وهي تنتقل الى الجسد كله وتجعله يرتعش. هكذا فعل يوحنا المعمدان في حشا أمه (لو 1: 41). وهناك الفرح الداخليّ والعميق الذي يلج إلى النفس. هذا ما عبّر عنه يوحنا المعمدان أمام العريس: "هذا هو فرحي وهو كامل " (يو 3: 29)
بعد صيغة الغائب (أدخلني) نعود إلى صيغة الخاطب (نفرح بك). فالعروس لا تستطيع أن تتكلّم عمّن تحبّ دون أن توجّه إليه في الحال الكلام. ونلاحظ ايضاً توالي الرد (ليقبّلني، إجذبني، أدخلني الملك) والجمع (نفرح، نبتهج). فالحبيبة هي شخص محدّد. هي العروس. وفي الوقت عينه هي الشعب، هي الأمّة التي تزوّجها الرب. ثم إن العروس في أعظم الأوقات التي تعيش حياة حميمة مع الملك عريسها، لا تنفصل أبدًا عن رفيقاتها اللواتي يركضن وراءها بانتظار أن يجلسن معها الى المائدة الواحدة ويشاركن في السعادة الواحدة.

* نذكر حبّك أكثر من الخمر
إن حبّك يتفوّق على كل فرح كل مسكر. كان النبي زكريا قد قال: "تفرح قلوبهم كما من خمر... يفرحون وتبتهج قلوبهم بالرب " (10: 7). فعروس نش انضمت الى رفيقاتها، أمم الأرض، وراحت أبعد من هذا. نذكر حبّك، نحتفل بحبّك أكثر من الخمر.
سكرت العروس فذكرت وانشدت. فهذا الفعل الذي يُستعمل لإنشاد عظائم الله في الخلق والتاريخ (في المزامير)، يطبّق هنا على أسمى أعمال الله، على عطيّة حبّه.

* عن حق يحبّونك
وهكذا تستطيع الحبيبة أن تختم كلامها. فالتقي الاسرائيلي يعتبر أن حبّ الله هو أكثر من اتّباع ميل في قلب الانسان. إنه طاعة لوصيّة، ولأولى الوصايا في أسفار الشريعة: أن تحبّ الرب الهك (تث 6: 1- 9). فمحبّة الله بالنسبة إلى المؤمن، هي هوى وانشغاف، وهي أول الواجبات جميعها.
القصيدة الأولى
1 : 5 – 2 : 7
الشتاء عبر وولّى، والمطر فات وزال (2: 11)

عنوان القصيدة الأولى: فصل الشتاء وزمن المنفى. وهي تبدأ بتشكّي العروس التي هي بعيدة عن عريسها. كما تدلّ على انشدادها إلى ذلك الذي تحبّه. هي سوداء بسبب أعمال العبوديّة في الحقل، هي فرس في مركبات فرعون، ولكنها ما زالت جميلة في عين حبيبها. كم تتوق إليه، إلى لقياه، ولكنها تعرف وضعها: نرجسة وضيعة. فهل يحقّ لها أن تأتي إليه؟

الفصل الثاني
سوداء أنا
1 :5- 8

انتهى المطلع وها نحن نسمع الموضوع الأول. تشكّي العروس في المنفى. كم تشتاق إلى ذاك الذي تحبّه.
هنا يبدأ النشيد الأول الذي قد نعنونه "شتاء المنفى". هناك مونولوج تطلقه العروس، فتجيبها الجوقة. تؤكّد العروس أنها ما زالت جميلة. كم هي تتمنّى أن تعود إلى فلسطين. ولكن هل هذا بمستطاع؟
إن إسرائيل تتوق الى تجديد واعادة بناء كامل بعد أيام المنفى القاسية. والله يتقبّل هذا التوقان. فهو سيجد نفسه مع شعبه في الأرض المقدّسة. غير أن خاتمة النشيد (2: 7) تجعلنا نشكّ في ذلك، لأنها تعلّمنا أن الحبيبة ما زالت تعيش فتور حبّ ناقص. هل هي في حلم؟ هل هي أمام واقع (إعادة بناء الشعب) ما زال ناقصاً؟ رجع العائدون بحماس كبير، ولكن خيبة الأمل صدمتهم. كانوا قلّة قليلة، فلم تهتمّ الأمّة اجمالاً بالعودة إلى أرض الآباء. ثم إن العائدين شاركوا في خطايا العالم الذي جاؤوا إليه. إذن نتساءل: هل عاد قلب العروس (أورشليم، الشعب اليهودي) حقًا الى عريسها؟ أما زالت تسحرها عادات الأمم الوثنية وآلهتها؟
(آ 5) أنا سوداء. يستعمل فعل "ش ح ر" في أي 30: 30 والاسم "ش ح ور" في مرا 4: 8 للدلالة على سحنة (لون الوجه) عرفت عذابًا جسديًّا ومعنويًّا كبيرًا. ونجد هنا الفكرة عينها: إن آلام المنفى جعلت سحنة العروس سوداء، ولكنها لم تشوّه جمالها. فهي ما زالت جميلة تتوجّها النعمة (2: 14؛ 4: 3 ؛ 6: 4؛ رج إر 6: 2).
سيتوجّه الكلام أيضاً إلى "بنات أورشليم " في 2: 7؛ 3: 5، 11؛ 5: 8، 16، 8: 4. فما معنى هذه العبارة؟ قال البعض: النساء المدعوات إلى حفلة الزواج. وتحدّث آخرون عن حريم الملك الذي تدخل فيه العروس. بل يبدو أن العبارة تدل بشكل رمزيّ على الأمم الوثنيّة التي ترغب في أن تسير حسب الشريعة الدينيّة في صهيون.
في اللغة البيبليّة تسمّى التجمّعات القائمة حول المدينة المحصّنة، بنات هذه المدينة (قض 1: 27) لأنها تحتمي بها. وكذا نقول عن الأمم التي مالت إلى إيمان أورشليم: إنها تسمّى بنات أورشليم.
ولكن أفضل تفسير هو ذاك الذي يدلّ على شعب أورشليم. في هو 2: 4- 7 يُدعى بنو اسرائيل لكي يشتكوا على أمهم. وهكذا يتميّز الشعب عن المدينة التي هي عروس وأم. إنهم سيخرجون لينظروا الى الملك سليمان (3: 11).
إن ذكر "بنات أورشليم " يعطي النشيد بُعدًا دراماتيكيًا. كانت العروس وحدها، وكانت تكلّم نفسها (مونولوج). وها هي بحضرة مجموعة تتيح لها أن تعبّر عمّا في قلبها.
"قيدار" قبيلة عربية أقامت جنوبي شرقي أدوم. جدّها الذي أخذت منه اسمها هو ثاني أولاد اسماعيل (تك 25: 13). عُرفت بقطعانها العديدة (أش 60: 7؛ حز 27: 21)، وذُكرت خيامها (إر 49: 29) التي كانت سوداء. لأنها صُنعت من شعر الماعز. تشير لفظة "قيدار" الى السواد (ق د ر في العبرية. رج كدر في العربية). ولكن لا ننسى المبالغة في هذا المجال أو غيره. فالعروس وراء بعد أن لفحتها الشمس.
"ستائر". ويتحدّث سفر الخروج (26، 36) عن ستائر المعبد. لماذا تحدّث النصّ عن ستائر سليمان؟ واللفظة تعني أيضاً "خيمة". قد نكون أمام قبيلة عربية قديمة، هي قبيلة "سلمى" التي سبقت الأنباط في منطقة البتراء وقد ذكرها الترجوم وتلمود بابل.
(آ 6) لا تنظرن الى سوادي. لا تتفحّصن سحنتي. لا تنزعجن من لوني، بعد أن لفحت الشمس وجهي. لم تكن العروس سوداء من طبيعتها. قد لوّحتها الشمس. ومع ذلك، فنظرُ حبيبها لم يمل عنها رغم الشقاء الذي استحقّته وقاسته.
"بنو أمي ". الأم، شأنها شأن أورشليم، تدلّ على مجموعة، على أمّة. فإذا كانت إسرائيل أمّة مشخّصة، نقول الشيء عينه عن بنيها، وأمهم هي شعب قديم. يفترض حز 16: 3، 44- 45 أن شعب اسرائيل خرج من الأموريّين والحثيّين الذين أقاموا في أرض كنعان. غير أن أفق نش يتعدّى أفق حزقيال، ولكنه يتوافق مع ما تقوله اسفار موسى عن الجذور الأولى لأمة اسرائيل.
فحسب سفر التكوين، أرض آباء ابراهيم هي أور في كلداي، ومن هناك بدأ أبو الآباء تجوّلاته (تك 11: 28، 31؛ 15: 17). ثم إن تث 26: 5 يسمّي يعقوب "أراميًا تائهًا". وسيذهب، شأنه شأن اسحق، إلى أقاربه في حرّان ليتّخذ له من هناك امرأة (تك 24: 1 ي؛ 25: 20؛ 28: 1 ي؛ 31: 20، 24). رباط القرابة لا شك فيه لأن قموئيل وكاسد جدّي الآراميّين والكلدانيّين يذكران في تك 22: 21- 22 كابني ناحور، أخي ابراهيم (تك 11: 29). والحركة التي قادت ابراهيم إلى آرام ثم إلى كنعان، ترتبط بالهجرة الكلدائية في بداية الألف الثاني ق. م. أما نقطة الانطلاق فكانت أور الكلدانيين. أما المحطّة الكبرى فكانت حرّان في بلاد الأراميين. فالمجموعة الأثنية هي هي: الكلدائيون والاراميون.
لم ينسَ العبرانيون أصولهم بعد المنفى (نح 9: 7). وهكذا لمّح نش الى كلدائي نبوكد نصر الذين دمّروا أورشليم واقتادوا شعب يهوذا إلى السبي. وهكذا يكون "بنو أمي " هم الذين أساؤوا معاملة شعب أورشليم.
"الكرم الذي لي ". هذا ما يقابل كرم الغير الذي أجبرت العروس أن تكون ناطورة فيه.
موضوع الكرم موضوع معروف في الكتاب المقدس (أش 5: 1- 7؛ مز 80). وهو يشير إلى الشقاء الذي سبّبته خطايا اسرائيل، ولاسيّمَا المنفى. غير أن هذا الموضوع انطلق من هو 11: تبدو أمة اسرائيل شخصاً حيًّا. وحسب آ 5، 11، 14، هي تعاقَب بسبب خطاياها. وعقابها اجتياح تام لفلسطين، وهو ليس نهائيًا. قادها الرب الى البرّية كما في أيام ارتدادها التام، فعادت إلى حدود الأرض المقدسة. ويقول الله: حين تعود أعيد إليها كرومها (هو 11: 17). خطيئة الأمّة المختارة هي خيانة، والتوبة في البرية هي بداية أعراس جديدة. وهكذا تكون كرمة العروس فلسطين. وحين تعلن أنها لم تنطر كرمتها، فهي تشير إلى خطاياها التي جعلت الله يطردها بسببها. وإن قابلت كرمتها مع كرومٍ فرضَ بنو أمها عليها أن تنطرها، فهي تلمّح إلى المنفى وإلى بابلونية حيث تحمّلت السخرة من قبل المنتصر، وحيث ظلّ السواد الأكبر من بني اسرائيل.
(آ 7) أين ترعى غنمك؛ لاحظ الشرّاح أن بداية هذه الآية ترتبط بنصّ تك 37: 16 ب: "أخبرني أين يرعون ". اهتم يوسف باخوته ليعرف أين يرعون قطعانهم. وطرحت العروس السؤال عينه بالكلمات عينها. ولكن وضع يوسف لا يشبه وضع الحبيبة. كل هذا يبيّن أن نش مشبع من الكتاب المقدس يورد نصوصه ويتغذّى منها.
"يا من تحبّه نفسي" (قلبي). هكذا تتوجّه العروس إلى العريس (رج 3: 1، 2، 3، 4)0 النفس هي مركز الرغبة والشعور وعاطفة الحبّ. جعلت السريانية البسيطة الفعل في صيغة الجمع: بيّنوا لي، أخبروني.
يشبّه العريس بالراعي ومعه قطيعه. نحن في إطار الخروج من مصر حيث الرب هو راعي شعبه (رج حز 34). إن الملوك في العالم القديم كانوا رعاة شعوبهم وكانوا يمثّلون الآلهة المنظورة (تك 48: 15 ؛ 49: 24). غير أن هذه الصورة ارتبطت في النصوص المميّزة بالأمل، بالعودة من المنفى: إن الرب يعيد قطيعه (شعبه) عبر البرية إلى جبال فلسطين (أش 40: 11 ؛ 49: 9؛ 63: 11؛ مي 7: 14 ؛ زك 9: 16؛ مز 80: 1- 8؛ إر 31: 10؛ حز 34: 7- 16).
"تربض ". في العبرية: ر ب ص. تقال عن القطعان (حيوانات داجنة أو برية) التي ترتاح في مكان آمن (تك 29: 2؛ أش 17: 2 ؛ صف 2: 14). وعن طريق الاستعارة، ينطبق هذا الفعل على الانسان الفرد كما على الشعب الذي يجعله الله يقيم في الطمأنينة والوفرة (مز 23: 2). في إر 33: 12 وحز 34: 14- 15، نحن أمام قبائل يعيدها الرب إلى جبالها، ويُنعم عليها بخيرات الخلاص. هذه الموازاة المضاعفة تقدّم للعروس الجواب على سؤالها: أين يريد الراعي الذي هو الرب، أن يقود قطيعه الذي هو شعبه؟ الجواب: في فلسطين التي هي وحدها موضع المراعي الخضراء والأمان والراحة. ولكن لماذا ذكر النصّ ساعة الظهر؟ هناك من تحدّث عن وقت الراحة والقيلولة. ولكن هناك معنى آخر: الظلمة تدلّ على المحنة والألم (السواد في آ 5- 6). أما النور فيشير إلى الخلاص والسعادة. إن لهاتين الصورتين بعدًا اسكاتولوجيًا (2: 17؛ 3: 1). هناك عا 5: 18، 20 (يوم الرب) ؛ أش 5: 30 ؛ 8: 20- 9: 1 (الخلاص المسيحاني الذي يأتي بعد ضيق الاجتياح الأشوري). والنصوص التي تتحدّث عن الظهيرة تعطيها معنى السعادة (أش 58: 10؛ مز 37: 6؛ أي 11: 7). أما المحنة فتبدو بشكل ظلمة في قلب الظهيرة (تث 28: 29؛ أش 59: 10؛ أي 5: 14). وهكذا، فالوقت الذي فيه يعيد الرب قطيعه إلى فلسطين، يكون في الظهيرة، أي في ملء نور الخلاص والسعادة التي لا غيم فيها. فالعروس التي تتميّز في خدعة أدبية عن القطيع، ما زالت في المنفى: هي تتحسّر إلى ذلك اليوم، وتتوسّل إلى الله أن يريها إياه.
كيف نفسّر "ك ع ط ي ه"؟ كمن يتلظّى؟ كمن يتخفّى؟ إذا قلبنا الحرفين الثاني والثالث نجد جذر "ط ع ه" (في السريانية: طعا) الذي يعني: تاه، ضلّ. فأمّة اسرائيل التي هي خارج فلسطين قد تخلّى عنها الرب، فتاهت وظلت بعيدة عن دفء البيت الوالدي.
إذا كانت اسرائيل قطيع الرب، و"قطعان رفاقك " هي الأم الوثنية، فالرب، راعي إسرائيل، يرافقه ملوك غرباء تسمّيهم التوراة "رعاة" (أش 44: 28؛ إر 6: 3؛ 12: 10؛ 49: 19)0 اهتمّ الملوك بشعوب تجاورت مع اسرائيل. أما شعب الله فالرب هو راعيه وعريسه.
(آ 8) أيتها الجميلة. وتتدخّل الجوقة فتتوجّه الى العروس "الجميلة بين النساء" (رج 5: 9؛ 6: 1)، كما تسمّيها أيضاً "خليلتي " (أو: حبيبتي، رفيقتي) في 1: 9، 15؛ 2:2 ؛ 1:4 ،7 ؛ 5: 1.
سيطر القلق على العروس، فأنشدت الجوقة تهدىء من روعها، وتدعوها الى اتباع آثار الغنم (ع ق ب ي أي عقب، ص ا ن أي الضأن في العربية). "مساكن " تدلّ على الهيكل (مز 43: 3؛ 46: 5؛ 132: 5، 7). كما تدلّ على موضع غير محدّد (أي 18: 21؛ 21: 28؛ 39: 6) أو على فلسطين حيث تتقبّل الأمة المشخّصة أبناءها العائدين من المنفى (أش 54: 2).
يبدو أن الرعاة هنا هم ملوك الحقبة السابقة للمنفى. هذا ما نجده في إر 23: 1- 8 ؛ حز 34: 1؛ زك 10: 3؛ 11: 1؛ 13: 7- 9. حسب هذه الصورة، رذل الرب الملوك السابقين لكي يقود بنفسه قطيعه. إذن، مسكن الرعاة هو صهيون. الى هذا الهدف توجّه آ 8 خطى العروس المضطربة. وحين قيل لها أن عليها أن تتبع آثار القطيع، بدا التلميح واضحًا إلى أول العائدين الذين أقاموا في فلسطين بعد التهجير (قرار كورش، 538 ق. م). ومجمل الأمّة التي هي صورة العروس، ستقتدي بهم وتتّخذ طريقًا معاكسًا للذي أخذته حين سارت إلى بابلونية (رج إر 31: 21). ونجد هنا الخدعة الأدبية التي وجدناها في آ 5 (بنات أورشليم) حيث تتميّز العروس عن قطيع العائدين.

* أنا سوداء وجميلة، يا بنات أورشليم!
"أنا سوداء". هذا هو نتيجة الحزن الذي ينشّف الوجه ويحفره ويجعله معتمًا. الحبيبة سوداء بسواد الليل الذي هو لون المحنة، لون المنفى. نفسها هي في الظلمة وهذا ما يظهر في سحنتها. سيتأوّه ايوب من شقائه بالشكل عينه فيقول: "اسودّ جلدي عليّ " (30: 30).
والضيق الداخلي ليس وحده المسؤول عن اسوداد الجلد. فعروس نش ليست صبيّة ظلّت في البيت الوالدي تهتمّ بسحنتها اهتمامًا خاصاً. أجبرت على ترك بلادها والسير في طريق العبودية، فأحرقت شمس المنفى وجهها. هنا نتذكر مراثي إرميا عن مسبيّي اسرائيل: "كان نذراؤها أنقى من الثلج وأنصع من اللبن وأكثر احمرارًا من اللآلئ واللازورد، فأصبح بهاؤهم أكلح من الظلام. فلم يُعرفوا في الشوارع " (مرا 4: 7- 8).
ومع هذا، فإن كانت إقامة المنفى القاسية قد شوّهت وجه العروس، إلا أنها لم تدمّر جمالها. فلا يجب أن "تصدّقها" بنات أورشليم رفيقاتها، فيظنّن أنها صارت قبيحة شنيعة. ولكنها تراجعت حالاً عما قالت، وأرسلت كلمة التحدّي: "أنا سوداء ولكني جميلة، يا بنات أورشليم ". فالشقاء لم يؤثّر على جمالها الأساسي. والحبيب سيوافقها فلا يجد إلا نعمة. ويكفي لكي تكون جميلة أن ترضي حبيبها.
بما أن اسوداد وجهها لا يبعد عنها ذاك الذي تحبّ أن تشاهده، ولا يمنعها من أن تكون محبوبة، كيف لا تكون جميلة في عين من يحبها ويتأمّل فيها؟ نظرته تحوّلها. وما ينظر إليه الحبيب، يحوّله الى جلالة وبهاء. فما يساعدها على استعادة جمالها هو اقترابها مرة ثانية من الجمال الحقيقيّ الذي ابتعدت عنه.
تتيح بنات أورشليم للحبيبة أن تكشف عمق قلبها. إنهنّ يشاركنها في قلقها وبحثها وتساؤلها. والأمر يختلف مع الحبيب الذي لا تعرف نفسه القلق ولا التردّد. تلعب بنات أورشليم دورًا هامًا، وهنّ موضوع حوار سبع مرات: أربع مرات مع الحبيبة (1: 5؛ 3: 11؛ 5: 1، 14) وثلاث مرات مع الحبيب (2: 7؛ 3: 5؛ 8: 4). وتتدخلن دون أن يُطلب منهن سبع مرات أيضاً في 1 :8؛ 3: 6؛ 5: 9؛ 6: 1، 10؛ 7: 1، 2.
هنّ يمثّلن في الواقع أمم العالم (1: 3)، فيشكّلن مع الحرّاس شخصاً ثالثًا حقيقيًا بجانب العروس والعريس. ولكنهن يختلفن عن الحرّاس الذين يظهرون "على المسرح " مرتين دون أن نسمع صوتهم. موقف الحراس هو موقف لا فهم (3: 3) أو غلاظة (5: 7) تجاه العروس. أما "بنات أورشليم " فيظهرن تعاطفًا تجاه الحبيبة وإن رافق هذا التعاطف بعض السخرية والتشكيك. هن لم يتدخّلن حتى الآن. ومع ذلك، فالعروس قرأت في عيونهن شفقة أمام الشقاء الذي يصيبها. فلا يندبنها، لأنها محبوبة وجميلة رغم سوادها.

* مثل خيام قيدار، مثل ستائر سلمى
نحن هنا على مستوى اللون الأسود مع خيام منسوجة بشعر الماعز. ونفهم هذه المقابلة بين وجه العروس وخيام قيدار فهمًا أعمق حين نعلم أنها تشبه هؤلاء البدو: هي منفيّة ولا منزل لها، تحرقها شمس حارة. قال مز 120: 5: "ويل لسكني في خيام قيدار"! غير أن العروس تعرف أنها تتحلّى بالنعمة والجمال والرشاقة على مثال ستار أبيض في الشمس.
لا شك في أنها سوداء مثل خيام قيدار. ولكنها بيضاء وجميلة مثل ستائر سلمى. وهكذا تجتمع في وجهها ألوان الليل وألوان النهار، ألوان الحزن وألوان الفرح.
ونرى على خطى أوريجانس أنه إن دلّت خيام قيدار على إقامة اسرائيل في المنفى، وعلى وضعه كبدو في صحراء الخروج، فستائر سلمى البيضاء توجّه أنظارنا الى الستائر المشرقة التي زيّنت داخل الهيكل في أيام سليمان، الملك المجيد. وهكذا يلعب نش على الكلمات فيتحدّث عن سلمى ولا ينسى سليمان. إذن، هذا هو مصير اسرائيل، تلك الفتاة البائسة والمنفية، والصبية الحلوة والسعيدة، الشعب الذي عرف المحنة وعرف المجد في الوقت عينه.
ولكن الحبيبة ليست سوداء، كما قالت في البداية. فوجهها المحروق قد لوّحته الشمس. صار لونه الأسود مشربًا بالحمرة. لهذا استعملت كلمة "ش ح ر ح ر" التي تدلّ على الاسوداد كما على البني الغامق.

* لا تنظرن الى سوادي، فالشمس هي التي لوّحتني
تحدّثت العروس إلى "بنات أورشليم ". فقالت لهن لماذا هي سوداء. هي لم تكن كذلك منذ ولادتها. بل كانت حبيبة شريفة وحرّة بوجهها المشرق. وقد عرفت فيما بعد محنة العبوديّة. وأعمال الحقول القاسية في الشمس هي التي أحرقت وجهها. من هنا ارتباط اللفظة العبرّية بكلمة "ح ر" كما في العربية.
نلاحظ هنا أن النصّ يتحدّث عما أصاب الحبيبة من تشويه في جمالها. ولكن لا تحفّظ على جمال العريس. اعتاد الشعراء أن يتحدّثوا عن جمال العروس في الأدب الشعبي. ولن نفهم جمال العريس في نش، إلا إذا كان العريس هو الرب بالذات.
طبّق آباء الكنيسة ما يقال عن العروس على النفس المؤمنة. وطبّقوه أيضاً على الكنيسة التي هي اسرائيل الجديد وعروس المسيح الحقيقية. قال أوريجانس: لقد جاءت الكنيسة من العالم الوثنيّ، جاءت من الأمم، فبدت سوداء. ولكن حين تقبّلت في داخلها الكلمة الذي صار بشرًا، صارت جميلة ومشرقة. "في الحقيقة أنا سوداء، بسب وضاعة ولادتي، ولكنني صرت جميلة بتوبتي وإيماني. فقد تقبّلت في ذاتي ابن الله، تسلّمت الكلمة الذي صار بشرًا، اقتربت ممن هو بهاء المجد وشعاع القداسة. وهكذا صرت جميلة".
أبرز أوريجانس تجلّي بشريتنا بعد أن لبسها الكلمة المتأنس. أما امبروسيوس فراى انتقالنا من حالة الخطيئة الى حالة أبناء الله بنعمة المعمودية. أنا سوداء بسبب ضعف الطبيعة البشرية، وبيضاء بالنعمة. سوداء لأنني مكوّنة من خطأة، وجميلة بسرّ الإيمان. حين ترى بنات أورشليم ثيابها سيقلن ذاهلات: "من هي الصاعدة بكل هذا البياض؟ لقد كانت سوداء، فكيف صارت فجأة بيضاء"؟
أما غريغوريوس النيصي فيجعل عروس النشيد تقول: "لا تندهشن إن أحبَّني عريسي، مع أنني سوداء بسبب خطيئتي، وقريبة من الظلمة بسبب أعمالي. لقد جعلني جميلة بحبّه فبادل بين جماله وقباحتي. نقل الى ذاته نجاسة خطاياي، ونقل إليّ طهارته، فجعلني مشاركة في جماله. كنت قبيحة، فجعلني محبوبة ثم أحبّني ".

* بنو أمّي نقموا (غضبوا) عليّ
هؤلاء هم المسؤولون الأولون، المسؤولون الحقيقيون. بنو أمي. لماذا لم تقل "إخوتي "؟ هذه طريقة تعبيرية نعرفها في الشرق. نقرأ مثلاً في مز 69: 9: "صرت أجنبيًا عند أخوتي، وغريبًا عند بني أمي ". ونزيد: اسرائيل هي من سلالة ابراهيم الآتي من أور في كلداي (تك 11: 28، 31). إذن، هناك دم كلدائي في عروق إسرائيل. وجدّة بني اسرائيل هي جدّة بني كلداي. والمجموعتان إخوة في ابراهيم. غير ان كلدائيّي نبوكد نصر هم الآن الأعداء الذين دمّروا أورشليم وأخذوا أهلها الى السبي. كيف يكون هؤلاء الكلدائيون الأشرار إخوتي؟ إنهم فقط "بنو أمي ". غضبوا عليّ، أخذوني إلى المنفى، وجعلوني في العبودية.

* جعلوني ناطورة للكروم (ولكني أقرّ وأعترف)، والكرم الذي لي لم أنطره
تسمّى اسرائيل مرارًا كرمة الرب. هنا نتذكر أش 5: 1ي: "أنشد لحبيبي نشيد حبّي لكرمه: كان لحبيبي كرم في رابية خصيبة. نقبه ونقّى حجارته ". ومفتاح المثل: "كرم الرب القدير بيت اسرائيل، ورجال يهوذا هم غرسه المفضّل ". أعطيت أرض لهذه الكرمة. فتمتدّ فيها وتتفرعّ (مز 80: 9- 12). ولكنها خسرت خيراتها بخياناتها. أخذت منها الكرمة كما قال أشعيا: "أقول لك ما أفعل بكرمي: أزيل سياجه فيصير مرعى، وأهدم جدرانه فتدوسه الأقدام " (5: 5). وكان هوشع قد قال: "أدمّر كرمي" (2: 14؛ رج مز 80). نحن هنا أمام العريس وعروسه الخائنة. نحن في إطار العهد وأمام كرمة تقلع من الأرض.
وبدل أن تفلح إسرائيل كرمها وتعمل لحسابها، حكم عليها بأن تذهب الى أرض غريبة. عاشت في المنفى فاهتمت بكرم الكلدانيين، كروم نبوكد نصر قامت بأعمال السخرة التي يفرضها عليها مضايقوها بلا رحمة.

* اخبرني يا من يحبّه قلي، أين ترعى غنمك وأين تربض عند الظهيرة؟
حين تذكّرت العروس "بني أمها" الذين نقموا عليها واستعبدوها بقساوة، إندفعت بكل قلبها إلى ملاذها الوحيد، الى حبيبها. هكذا تناديه في أعماق قلبها: "يا من يحبّه قلبي ". هذا هو اسمه الحقيقي بالنسبة إليها. وهو في الحقيقة الاسم الوحيد الذي تستطيع أن تعطيه. قال غريغوريوس النيصي: "هكذا اسمّيك، لأن اسمك فوق كل اسم. هو لا يعبّر عنه. هو لا يُدرك. هذا الاسم الذي يكشف صلاحك لي، يدلّ على حبّ قلبي لك. فكيف لا أحبّك أنت الذي أحببتني ساعة كنت سوداء"؟
وقال أوريجانس: "سمّت العروس العريس باسم جديد. إنها تعرف أنه ابن الحبّ بل هو الحبّ نفسه الذي هو الله. إذن، هي تذكر اسمه حين تقول: يا من يحبّه قلبي. هي لا تقول: ذاك الذي أحبّه. بل: ذاك الذي تحبّه نفسي. نحن لسنا أمام اتجاه من الاتجاهات، بل أمام الحبّ: نحبّ بكل أنفسنا كل قدرتنا وكل قلبنا. بكل كياننا، بكل حياتنا، كما تعني كلمة "نفسه" في العربيّة والعبريّة (ن ف ش).
إذن، الحبيب هو راع. كان العريس والملك. وهو أيضاً الراعي الذي يرعى قطيعه. ألقاب ثلاثة يعطيها الرب لنفسه في الكتاب المقدس. ولاسيّمَا في نصوص ما بعد المنفى. ويطبّقها يسوع على نفسه.
وتتفجّر كلمات الكتاب المقدس في نفس العروس المنفية، النفس التي تعيش انتظارًا عميقًا، وتتوجّه إلى راعيها الحبيب. هذه الكلمات هي التي نقرأها في حزقيال حيث يعد الربّ بان يضع بنفسه حدًا لمنفى العروس، فيعيدها إليه بشكل نهائي ويجعلها في راحة عظيمة. "كما يسهر الراعي على قطيعه حين يكون وسط غنمه المشتّتة، سأسهر على غنمي. وأنقذها من جميع المواضع التي تشتّتت فيها يوم الغيم والضباب. أخرجها من بين الشعوب وأجمعها من بين البلدان وأجيء بها الى أرضها، وأرعاها على جبال اسرائيل وفي الأودية وفي جميع مساكن أرض اسرائيل. في مرعى صالح أرعاها، وفي جبال اسرائيل العالية تكون حظيرتها. هناك تربض في حظيرة صالحة... أنا أرعى غنمي وأنا أعيدها إلى حظيرتها" (حز 34: 12- 15). "أقيم عليها راعيًا واحدًا ليرعاها: عبدي داود هو الذي يرعاها ويكون لها راعيًا صالحًا. وأنا الرب أكون لغنمي إلهًا ويكون الراعي الذي كعبدي داود لها رئيسًا" (آ 23- 24).
بأي فرح ستردّد الحبيبة من جديد، بعد أن تحرّرت من ضيقتها، اللازمة التي تنشد سعادتها وسلامها بقرب راعيها الذي وجدته، بقرب داود الحقيقي وأميرها المحبوب. "الرب راعيّ فلا يعوزني شيء... الى مياه الراحة يوردني... يهيّئ أمامي مائدة" (مز 23). ولكن العروس لم تعد تتحمّل الانتظار. فتوسلت إليه وقالت:

* أين تربض غنمك عند الظهيرة؟
فأنا أتشوّق إلى تلك الساعة التي فيها تشعّ الشمس فلا يظهر فيها ميل إلى الغروب. حينئذٍ ينتهي "يوم الضباب والظلام "، و"الطريق المتعبة لشعب يسير في الظلمة" (أش 9: 1). حينئذٍ "يصبح ظلامي كالظهيرة" (اش 58: 10). فقل لي يا من يحبّه قلبي: أين تربض قطيعك في الظهيرة؛ هذا هو السؤال الأولى، بل يكاد يكون السؤال الوحيد الذي تطرحه العروس على عريسها. وهو أيضاً السؤال الوحيد الذي يمكن أن يطرحه انسان من البشر هل من انتظار حقيقي آخر في هذه الحياة إلا انتظار الملكوت؛ هكذا طرح التلميذان سؤالاً على يسوع: "يا معلّم، أين تقيم"؟ لا: إلى أين أنت ذاهب؟ ولا: ماذا تعلّم؟ ولا: ما هي متطلّباتك؟ بل: اين تقيم لكي نقيم دومًا معك (يو 1: 39)؛ فانتظارنا نار حامية لا يهدئها إلا الاقامة معك.
راحة أبدية في نور لا غروب فيه. تلك هي صلاتنا. ظهيرة الراحة. ظهيرة النور. ظهيرة الجمال. ظهيرة الحب.
إن تشوّق العروس الى اللقاء بالراعي والراحة بقربه وسط قطيعه ساعة الظهيرة، قد حرّك عددًا من التفاسير عند الآباء. سمعوا في نداء العروس تشكيًا طويلاً تطلقه البشرية المنفية والمقسمة التي تتخبّط في ليلها وترفع عينيها الى يسوع راعيها الصالح، والى ملكوت السلام والنور الذي وعد به. يرى أوريجانس أن ساعة الظهيرة هي ساعة يزيل فيها الله ليل الإيمان المظلم ويكشف للنفس كل كنوز الحكمة والمعرفة في راحة هي المشاهدة الأبديّة. هي الساعة التي فيها تتطلعّ كل العيون الى شمس البر، الى الكلمة النور. فالعروس لا تريد شيئًا آخر. إن أوريجانس يجعلها تقوله: "لا أطلب وقتًا آخر فيه ترعى: المساء أو الصباح أو غروب الشمس. بل أطلب فقط ذلك الوقت حيث تكون في نور النهار، في ملء النور، في لمعان بهائك... إن لم تقل لي، فأنا سأتيه في كل مكان، وأطلبك وأن على قطعان رعاة آخرين. ولكني أحمرّ خجلاً أمام الآخرين وأستر وجهي: فأنا عروس جميلة جدًا، ولا أكشف وجهي إلا لك. يا من أحبّه منذ زمن بعيد".
ويرى أوغسطينس أن ساعة الظهر هي الساعة التي فيها يشعّ في المجد الكلمة المتجسّد الذي أخفاه ضعف جسده ويخفيه ضعف كنيسته العاجزة.
"جعل خيمته في عزّ الشمس، وهكذا يراها الجميع. خيمته هي جسده. خيمته هي كنيسته. وقد جعلت في عزّ الشمس ". وساعة الظهر هي الساعة التي فيها صلب يسوع فرآه الجميع. وهي أيضاً الساعة التي فيها يتمجّد ابن الانسان (يو 12: 23). أما القديس برنردس فيرى أن تاريخ العالم كله هو يوم واحد: قبل مجيء المسيح حلّت الظلمة. وكان التجسّد الفجر الذي يعلن النهار. ثم كانت بداية النهار في الطفولة الخفيّة. بعده نهار مضيء هو حقبة الحياة العلنية. ورأت القيامة شمس المجد تشرق وتنير الأرض. ولكن يجب أن ننتظر الملكوت الأبدي لنشاهد الشمس في الظهيرة.

* فلا أتيه شاردة عند قطعان رفاقك
كانت العروس قد أشتكت لأن "بني أمها" نقموا عليها فجعلوها ناطورة كرومهم. وهي الفكرة عينها تعاد هنا مع رمز القطيع. فموضوع الكرم وموضوع القطيع يترافقان مرارًا في الكتاب المقدس. هذا ما نجده في مز 80 الذي هو دعاء من أجل العودة. "يا راعي اسرائيل أصغ، انت يا هادي يوسف كالقطيع... أرجعنا إليك يا الله... كان لك كرمة غرستها... لماذا هدمت سياجها؟ تفقَّد هذه الكرمة التي هي غرس يمينك ".
بما أن اسرائيل لم تنطر كرمتها، وجب عليها أن تعمل في كرمة الأعداء. بما أنها لم تقم وسط قطيع الراعي الصالح، فسيحكم عليها بأن ترعى قطعان الرعاة (أو: الأعداء). والتعارض واضح ومؤلم بين هذين البيتين: "أين ترعى غنمك " (غنم الراعي الصالح)؟ ثم: "فلا أتيه شاردة عند قطعان رفاقك ".
وستظلّ العروس تائهة وشاردة زمنًا طويلاً، حتى تستعيد أرضها ومسكنها على جبل صهيون. يتوجّه إرميا إلى إسرائيل في المنفى، فيقول ما قاله نش: "الى متى أنت تائهة يا فتاة متمرّدة" (إر 31: 22)؟ فاسرائيل التي جرّتها خياناتها إلى المنفى، صارت شبيهة بامرأة شاردة، شبيهة بعروس تاهت بعيدًا عن دفء المنزل. ولكن كل رغبتها تقوم الآن في أن تعود إلى الراعي عريسها، إلى ذاك الذي قيل عنه في إر 31: 10: "من بدّد اسرائيل يجمعها الآن ويحرسها كراعٍ قطيعه ".
من هم هؤلاء الرفاق الذين تودّ العروس أن تتفلّت منهم؟ لقد تحدّثت عن "قطعان رفاقك ". الرفاق هم "بنو أمي " الذين تحدّثت عنهم فيما قبل بشؤم. هم الملوك الذين يضايقونها، ورعاة شعوبهم كما يهوه هو راعي شعبه. إذن، هم (في شكل من الأشكال) رفاق الحبيب وزملاؤه في عمل الرعاية. بما أن العروس (اسرائيل) خانت الراعي الصالح، حكم عليها بأن تخدم قطيع رعاة بابل.
نحن أمام تعارض واضح بين صور السعادة والأمان مع الرب (الراحة، قطيع يرعى، ساعة الظهيرة) وصور المنفى وما فيها من عدم استقرار (تاه، قطعان الغرباء، شرد). كان يهوه الملك والعريس والراعي. له كرم وقطيع هو اسرائيل. ولكن الكرم خيّب أمله فاقتلع وانتزع. والقطيع الخائن تشتّت. ولكن اسرائيل لن تبقى دومًا في المنفى، لن تبقى تائهة. ففي يوم من الأيام ستعود إلى راعيها وتجد من جديد راحة لا نهاية لها في نور الملكوت، نور الظهيرة.

* إن كنت لا تعرفين أيتها الجميلة بين النساء
أسمعت العروس صوت عذابها وصلاتها. ثم سكتت. حينئذٍ أجابت بنات أورشليم اللواتي إليهن توجّهت: اتبعي آثار الغنم...
خافت العروس من هزء بنات أورشليم بسبب سحنتها السوداء (أنا سوداء ولكني جميلة). ولكن هن لم يحتقرنها، بل وجدنها جميلة جدًا، بل أجمل النساء. نجد هنا الاعجاب والاقرار بأن العروس (اسرائيل) تتميّز عن كل أمم الأرض. فمع أن الله عاقبها في المنفى، إلا أنها مختارته الوحيدة. ولهذا، فهي أجمل من كل رفيقاتها. نجد في هذا الكلام الأول تطلقه الجوقة، صدى لما يقول الله عن حبيبته اسرائيل في حز 16: 13- 14: "تناهيت في الجمال إلى أن لاق بك الملك. فذاع صيتك في الأمم لجمالك الذي اكتمل ببهائي الذي ألبستك إياه ".
سؤال غريب تطرحينه أيتها الجميلة بين النساء. تسألين أين يرتاح عريسك في ساعة الظهيرة؟ أما تعلمين؟ وتقول الجوقة للحبيبة ما قالته الحبيبة لنفسها ألف مرة ومرة: موضع راحة الرب معك هو أرض فلسطين، هو أورشليم. "فاتبعي آثار الغنم ". الطريق هو عكس ذلك الذي أخذته حين جئت الى المنفى. وانظري على الأرض آثار خطواتك. أنت هنا في بابل وأورشليم هي في البعيد البعيد. ما قالته الجوقة للعروس قاله إرميا للمهجّرين الذاهبين: "خذي لك الحيطة في الطريق، في السبيل الذي تسيرين فيه. وارجعي يا عذراء اسرائيل، إرجعي الى مدنك هذه " (31: 21).
فلتستعد العروس ولا تنتظر لتقود من جديد الجداء الى المرعى. والجداء هم أبناء شعبها الذين هم كجداء مع أمهم على رابية صهيون. لتعد "عند مساكن الرعاة"، أي قرب موضع أقامه ملوك يهوذا في اورشليم. هناك تستعيد كرامها وحريتها وجمالها الكامل مع عريسها الذي وجدته.
دعوة واضحة وملحة توجّهها الجوقة من أجل العودة والتوبة الكاملة. تابت العروس فسمعت صوت عريسها ينشد جمالاتها.
الفصل الثالث
كفرس أنتِ يا حبيبتي
1: 1-11

تحدّثت العروس ودلّت على أشواق قلبها. تحدّثت فأعطت صورة عن نفسها وهي التي عرفت حياة المنفى واشتقات إلى لقاء العريس. أجل، لقد أضاعت الطريق التي توصلها إلى العريس فدلّتها الجوقة: اتبعي آثار الغنم، ففعلت. وهكذا يبدأ الحوار بين العريس والعروس، يناديها يا حبيبتي، فتصف جمال حبيبها وتنشد فرحها باللقاء.
(آ 9) كفرسٍ أنتِ... تشبّه العروس بفرس. هكذا قابلت النصوص أمّة الله بشخص حيّ. "لقد شبّهتك ". عمل يحصل الآن، يحصل ساعة تُلفَظ الكلمة، وإن انتمى إلى الماضي.
ويأتي المنادى "ر ع ي ت ي "، يا رفيقتي، يا صديقتي، يا حبيبتي. ترد هذه اللفظة ثماني مرّات في نش، ودومًا في شفتَي العريس الذي يوجّه كلامه إلى العروس (1: 15 ؛ 2:2 ،10، 13؛ 1:4، 7؛ 2:5 ؛ 4:6).
إن تشبيه شخص بفرس أمر معروف في الشرق. ثم لا ننسَ أن مصر عرفت الأفراس والمركبات العديدة، وأن سليمان اهتمّ بأن يكون له عدد من المركبات فيدلّ على سلطانه (1 مل 65 ؛ 10: 26)، فذهب يتزوّد منها في مصر (1 مل 10: 28- 29). وهكذا يدلّ النصّ في معنى أول على جمال العروس، على قامتها، على نبلها.
ولكننا في الواقع أمام موازاة بين وضعين متشابهين للأمّة المشخّصة: حالة الذلّ التي تعرفها الآن وهي العائشة في المنفى، وحالة العبوديّة في مصر، في بداية تاريخها مع الربّ. هذا قاله إر 22: 7-9 بلسان الربّ: "أرسل عليك من يدمّرونك، كل واحد بسلاحه، فيقطعون نخبة أرزك ويلقونها في النار. فتمرّ أمم كثيرة بهذه المدينة، فيقول الواحد للآخر: لماذا فعل الرب هكذا بهذه المدينة"؟ فيأتي الجواب: "لأنّ سكّانها تركوا عهد الربّ إلههم وسجدوا لآلهة أخرى وعبدوها".
هذا الموضوع معروف في القسم الثاني من أشعيا (43: 16 ي؛ 48: 21؛ سيّرهم في القفار؛ 51: 9- 10؛ 52: 4). ونحن نقرأه في أدب ما بعد المنفى: "أومئ إليهم وأجمعهم لأني افتديتهم، فيكثرون كما كثروا. أزرعهم بين الشعوب فيذكرونني في الأقاصي ويحيون مع بنيهم ويرجعون. أعيدهم من أرض مصر، وأجمعهم من أشور، وأجيء بهم إلى أرض جلعاد ولبنان، فلا يتّسع لهم مكان. يعبرون بحر مصر، فيضرب الربّ أمواج البحر ويجفّف أعماق النهر. تنخفض لهم كبرياء أشور ويزول صولجان مصر أجعلهم أقوياء بالرب، وباسمه يسلكون " (زك 8:10-12).
أجل يقول النبيّ، سيعود المنفيّون من أيّ مكان تشتّتوا، فلا تكفيهم أرض فلسطين، فيمتدّون إلى جلعاد ولبنان. ويعيد الرب الآن ما فعله من أجل شعبه حين يجفّف حتى أعماق النهر، سواء كان النيل أو الفرات. هذا التذكّر هو تحريض ضمنيّ على الثقة. فالذي حرّر في الماضي شعبه بواسطة عجائب عظيمة، يستطيع الآن أن ينتزعه من أيدي أعدائه ويعيده إلى فلسطين.
(آ 10) ما أجمل خدّيك... يتحدّث العريس إلى العروس ناظرًا إلى خدّيها وقد عرفا تعاسة العبوديّة. لا ننسَ ما قاله في الآية السابقة. هنا نقرأ هو 11: 4: "كنت كمن يرفع النير عن أعناقهم، ويحنو عليهم ويطعمهم ". نجد هنا ذكرًا لمصر (آ 1) وتشبيه اسرائيل مع حيوان تحت النير الذي يعني العبوديّة، وإشارة إلى حبّ الله واهتمامه.
يتحدّث النصّ عن "الحلي ". ولكن زينة العروس ما زالت وضيعة. وسوف يبدّلها العريس بأثمن الجواهر. فالحليّ الموضوعة الآن على عنق العروس تشبه ما يُوضع على الفرس، وتدلّ على العبوديّة.
وترد كلمة "ص و ا ر" التي تشير إلى العنق، أو بالأحرى أسفل ما في العنق حيث يستريح العقد (تك 41: 42). وقد تشير أيضاً إلى النير كما في هو 10: 11. كما تشير إلى قيود الأسرى على ما في أش 52: 2: "حلّي قيود عنقك، يا مسبيّة". ونصل إلى لفظة لا ترد إلاّ مرّة واحدة في التوراة كلها، ولكننا نجدها في الآراميّة والسريانيّة والعربيّة (خرز). نحن أمام زينة بسيطة، لا زينة غنيّة مؤلّفة من الجواهر وحَبّ العقيق.
وما تقوله هذه الآية هو أن العروس حافظت على جمالها في مصر كما في بابل، في قلب العبوديّة وما فيها من ذلّ، وأنها تستطيع الآن أيضاً أن تجتذب قلب العريس. هذا ما سبق وقالته العروس في آ 5، 6. وهي تكرّره الآن جاعلة رجاءها في ربّها. هذا ما قال الرب لعروسه في حز 16: 11- 13: "زيّنتك بالحليّ، ووضعت أساور في يديك وقلادة في عنقك... فتحلّيت بالذهب والفضّة وكان لباسك الكتان والحرير والوشي، وأكلت السميذ المخلوط بالعسل والزيت، وتناهيت في الجمال إلى أن لاق بك الملك ". أجل، جمال العروس يأتي من العريس، جمالها هو عطيّة من الله.
(آ 11) تحدّثت آ 10 عن زينة العروس الوضيعة، وهي رمز إلى حياتها الحاليّة في الأسر وتذكّر بما عاشته في مصر. وتعد آ 11 بأن هذه الزينة سيحلّ محلها زينة من نوع آخر. فالجواهر الجميلة تعلن عودة العروس إلى زمن النعمة كما في البدايات (حز 16: 11 ي). والانجيل يدلّنا على الابن الضالّ والراجع، بعد أن لبس أجمل حلّة، ووضع في رجله حذاء وفي يده الخاتم. كان عبدًا يعمل في رعاية الخنازير، فعادت إليه كل حقوق الأبناء التي يدلّ عليها الخاتم.
"نصوغ حلاك ". يتكلّم العريس في صيغة الجمع (نحن). هل نحن أمام جمع الجلالة والطريقة الاحتفاليّة في الكلام؟ ربّما. فقد يعني العريس: سيُعمل لك بناء على أوامري. نشير هنا إلى أن العروس تتحدّث عن عريسها في آ 12 في صيغة الغائب (هو يكون). وإلى أن العريس لن يستسلم إلى مناجاة القلب إلاّ في آ 15: "جميلة أنتِ يا حبيبتي ".
ونقرأ لفظة "ن ق و د و ت ". هنا نعود إلى العربيّة "نقط ". ولهذا نترجم "نقاط من فضّة". نحن أمام حليتين، واحدة من ذهب والأخرى من فضّة.

* كفرس أنت يا حبيبتي
بعد الجوقة (آ 8) بدأ العريس يتكلّم. من أين جاء؟ كيف ظهر هنا فجأة؟ في الواقع، هذا الظهور المفاجئ يتوافق مع ما يقوله لنا الوحي البيبليّ كله، والخبرة الروحيّة عن ظهور الله. فعلى مدّ نش سوف نرى العريس يظهر فجأة ويختفي فجأة وبشكل سرّيّ على مثال يسوع في الأناجيل، كما في علاقاته معنا اليوم.
نندهش لفجاءه ظهور العريس. ونندهش أكثر حين نسمع أولى كلماته: "أشبّهك يا حبيبتي بفرسٍ مشدودة إلى مركبات فرعون ". ألا يستطيع حنان العريس ولطفه أن يكلّم عروسه بكلمات حبّ غير هذه؟ هي أولى كلماته وهو يوجّهها إلى حبيبته فيشبّهها بالفرس! غريب. بل هو يقول: أشبّهك بفرسي أنا، ولا يقول: أشبّهك بفرس من الأفراس.
نحن هنا في إطار سفر الخروج، وهذا ما لاحظه أوريجانس منذ سنة 240. فمركبات فرعون كل فرسانه قد ابتلعهم البحر الأحمر، بعد أن هاجمتهم "أفراس الله "، فرس الله. "حين كان فرعون في الماضي يطارد شعبي اسرائيل في مصر، وكان يسير مع مركباته، تغلّب فرساني على مركبات فرعون فرموها في البحر. وهذا ما يحدث اليوم أيضاً. فأنتِ يا عروسي تنتصرين على جميع النساء بعد أن جعلتك شبيهة بفرسي التي هي أجمل من فرس فرعون وأقوى بشكل يتجاوز كلّ حدّ".
ويعود أوريجانس مرّة أخرى بوضوح أكثر إلى ذات التفسير للمقطع في العظة الأولى حول نشيد الأناشيد. "لماذا شبّهتك (يا حبيبتي) بفرسي وسط مركبات فرعون؟ أما تعرفين أن العريس هو خيّال كما يقول النبيّ؟ لقد شبّهتك بفرس وسط مركبات فرعون. فكما تنتصر فرسي، أنا الرب، وتُغرق في الأمواج فرعون وقوّاده وأفراسه ومركباته، كذلك تتفوّقين على جميع النساء أنت يا عروسي، يا نفسًا كنسيّة حين تقابَلين مع جميع اللواتي لسن عروسي ".
ولكن يجب أن لا نبق هنا، على ما يبدو، فلا نرى في هذا المقطع من نش إلاّ تعبيرًا عن تفوّق فرس الله على فرس فرعون في الجمال والقوّة. فجمال العروس ما زال حتى الساعة، مشوّهًا وعرضة للتعيير. فوجه العروس المنفيّة في بابل يذكّرنا اليوم بوجه الأمّة التي أقامت سابقًا في مصر: رُبطت بمركبات فرعون، يعني استُعبدت لأعمال السخرة، فقيّدها مضطهدوها المصريون بالسلاسل والقيود خلاله العمل.
نحن نقرأ الجمع "مركبات ". والفرس هي واحدة. هي امرأة خاصة. فكيف نفهم كل هذا؟ كل هذا يصبح مفهومًا إذا كانت الفرس المربوطة بالمركبة هي شعب اسرائيل الذي حُكِم عليه بأن يجرّ المركبات، كما يُفرض عليه الآن أن يحرس كروم الكلدانيّين (آ 6، ناطورة).
ولكن ما هو عجيب في نظر العريس، هو أن حبيبته ظلّت جميلة حتى في سلاسل وقيود عبوديّتها. "ظلّ خدّاك جميلين وسط الحلق، وعنقك بين العقود". زينة غريبة جعل منها العروس زينة تُحرّك قلب الحبيب. هنا نتذكِّر يوسف الذي بيع عبدًا للمصريّين. "حبسوا رجليه بالقيود، وأدخلوا عنقه في الحديد" (مز 105: 17- 18).
غير أن العريس سينزع حليّ الحديد والعقود والاسوارات التي تحتفظ بعروسه سجينة، ويحلّ محلّها الحلق والعقود التي ستكون في أذنَي حبيبته وعنقها تحفًا كاملة من الذهب والفضة. قال: "مثل تلك التي أعطيتك في الماضي. أتذكرين؟ كم كنتِ جميلة حينذاك، يوم غطّاكِ العريس بالجواهر في ليلة عرسك ". هذا ما قاله حز 16: 11- 13: "زيّنتك بالحليّ، ووضعت أساور في يديك، وقلادة في عنقك. وخزامة في أنفك، وحلقًا في أذنيك، وإكليل جمال على رأسك. فتحلّيت بالذهب والفضة". هذا ما يكون لك من جديد، بل سيكون لك أجمل.
في هذا الإطار نتطلعّ إلى عودة الابن الضالّ، الابن الشاطر. رأى الأب ثياب ابنه الممزّقة، فبدّلها حالاً بثياب العيد. قالت: "أسرعوا، هاتوا أجمل حلّة وألبسوه. ضعوا خاتمًا (خاتم العهد) في يده، وحذاء في رجليه " (لو 15: 22- 24). كم يبدو كلام يسوع قريبًا ممّا نقرأه في نشيد الأناشيد.
إن الغنى الشعريّ في هذا المقطع يكمن في أننا ننظر إلى الصورة على ثلاثة مستويات مختلفة: سماتها هي سمات فرس. وسمات سبيّة في المنفى. وسمات عروس في المنفى. فالعقد والخزام والحلق هي سراج الفرس، وحديد يقيّد السبيّة، وجواهر في عنق المرأة وأنفها وأذنيها.
واختار الشاعر لفظة "الفرس " لأنها تشير إلى حيوان نبيل وحرّ وأنوف وذات مشية حلوة، كما تشير بالخزامة والقلادة إلى وضع العبوديّة الذي تعرفه العروس المجبرة على أن تجرّ مركبات فرعون. وضمير المتكلّم (فرسي أنا) يدلّ على الحبّ الذي ما زال يكنّه العريس لعروسه.
وسوف نرى أن علامات العبوديّة سوف تتحوّل إلى جواهر تشير إلى العهد.

* من ذهب نصوغ حلاك
قال الرب في مز 81: "نزعت الحمل عن كتفك، وحرّرت يديك من القفّة. في الضيق دعوتني فخلّصتك " (آ 7- 8). ونقرأ أيضاً في أش 9: 3: "لأن النير الذي أثقلهم، والخشبة التي بين أكتافهم، كسّرتها مع قضيب مسخّريهم كما في يوم مديان ". أما نظرة شاعر نش فتذهب أبعد من ذلك. فالنير والقلادة هنا لا يتحطمان، ولا تحلّ محلّهما في ما بعد الجواهر فقط. بل إن أدوات العبوديّة نفسها تصبح زينة جمال. وتلك التي كانت "فرسًا مكدونة"، قد أعطاها العريس الآن، وللمرّة الأولى، اسمها الحقيقيّ: "حبيبتي، صديقتي ".
وهذا أيضاً هو الاسم الذي يعطيه لكل واحد منا، مهما كانت سقطاتنا مثيرة للشفقة. فليس هناك من عبوديّة نهائيّة. فالعليّ القدير الذي اتخذ عروسًا ضعيفة لا قدر لها، قد جعل من هذه الخادمة ملكة. والتي كانت مرميّة عند قدميه، قد جعلها بجانبه.
مهما سقطنا وانحدرنا في السقوط، فعلامات خطيئتنا، والقيود والسلاسل التي أخذنا بها، تتحوّل بنعمة الحبّ الرحوم إلى حلى وجواهر تدلّ على عهدنا مع الله. بل سيأخذ الله علامات جراحنا ويجعلها فينا جمالاً.
إذن، ليست الخطيئة فقط ما "يُمسح " أو"يُنسى". لقد غُفرت. صارت موضوع احتفال بالحبّ الرحوم. قال يوحنا الصليب: "الجراح التي سبّبتها خطايانا، صارت بعد الآن جراح حبّ ".
من يقوم بهذا التحوّل؟ الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس. لا يقول النص: "أصوغ " (أنا). بل "نصوغ (نحن) حلاك ". هذا ما قاله الحبيب. وصيغة المتكلّم الجمع (نحن) تدلّ على الأقانيم الثلاثة. هم الذين تلفّظوا بهذا الكلام. هم الذين يعملون لكي تتحلّى العروس، كما عملوا في الأيام الأولى للخلق: "لنصنع الانسان ".
لا تحتاج العروس للحصول على هذه العطيّة، وللتعرّف إلى مثل هذه الخبرة، لا تحتاج إلاّ أن يتجاوب تواضعها مع عظمة عريسها. هذا ما فهمته تريزيا الطفل يسوع. عقود الذهب هي الحبّ. والفضة تدلّ على البساطة وروح الطفولة. من يستطيع أن يعرف قدر البساطة في نظر الله؟ إنها وحدها تستطيع أن تجعل المحبة أكثر سطوعًا.
تأوّهت العروس طويلاً. امتدّت أشواقها. طال انتظارها. نادت العريس فأجابها. غير أنه لم يُتمّ هذا المجيء الأوّل في نار مريعة تحرق الجبل كله من الأسفل إلى القمّة. بل كان موقفه مليئًا بالوداعة واللطافة. وهذا ما ملأ قلب العروس فرحًا. تكوّنت كلماته الأولى من عاطفة الحنان والإعجاب. لها عادت الحبيبة الصغيرة المسكينة، وقد أخذ منها الحياء وعرفان الجميل كل مأخذ، ما عادت تعرف جوابًا إلاّ في أن تقدّم له حياتها كلّها، أن تفتح له قلبها على مصراعيه.

خاتمة
ما إن التقى العروسان حتى انتهى حديث كلّ منها مع نفسه وبدأ حوار ينبض بالحياة. وبعد أولى التمتمات التي جاءت بطيئة وعذبة، توالت صرخات الإعجاب في إيقاع مليء بالعاطفة.
بدأ العريس فتكلّم، فكان كلامه جوابًا لعروسه. كان كلامه في صيغة الخاطب. أما هي فستنتظر بعض الوقت لتنتقل من صيغة الغائب إلى صيغة الخاطب فيبدأ حقًا حوار القلوب. أما هذه هي خبرتنا مع الله؟
الفصل الرابع
الملك في مجلسه
1: 13- 14

وجّه العريس كلامه إلى العروس (آ 9- 11) فأجابته في صيغة الغائب: "حين يكون حبيبي في مجلسه ". وسيكون الكلام في صيغة الخاطب في ما بعد. "جميل أنت يا حبيبي " (آ 16).
لم يطرح العريس سؤالاً، ولهذا فنحن لا ننتظر جوابًا دقيقًا. فالاثنان يتبادلان كلام الإعجاب، وها هي العروس تنادي مليكها الذي هو الراعي أيضاً. تنادي حبيبها مرتين في هذه الآيات الثلاث، فتدلّ على أن الحبّ هو الذي رفعها إلى مستوى الحبيب. الحبّ هو الذي جعل العروس قريبة من الله.
(آ 12) وتبدأ العروس جوابها، لا في صيغة الخاطب، بل في صيغة الغائب. ستعود إلى الخاطب في آ 16: "جميل أنتَ يا حبيبي ". تحدّثت آ 7- 8 عن الراعي، وها نحن ننتقل إلى صورة الملك التي رأيناها في آ 4. يهوه هو ملك اسرائيل، وهو يقيم في الهيكل.
أين هو الملك؟ في وسط مدينته، في إطار الهيكل. حينئذ "ينشر ناردينيّ عبيره ". ذهبت الأمّة في طريق المنفى، فانفصلت عن ملكها وإلهها. وها هي تتمنّى في أعماق قلبها أن تراه عائدًا إلى مقامه التقليديّ (آ 4).
يُذكر الناردين (ن ر د في العبريّة) في 4: 13، 14، وهو يدل على نبتة جاءت من الهند. أما الاسم فهو فارسيّ الأصل. يُستخرج منه عطر كثير الثمن (مر 14: 3- 5؛ يو 12: 3- 5). هل يدلّ الناردين على شخص الملك كما في آ 3 (اسمك عطر مراق)؟ بل هو يرمز إلى سحر العروس ومفاتنها كما في 4: 13- 14. بعد أن عاد الربّ إلى هيكله، قدّمت له العروس جواب حبّها.
لا يتحدّث النصّ عن الماضي، عن زمن الملكيّة، والخيانات التي سبّبت المنفى للشعب. بل عن الحاضر فالعروس ترى الآن أن حلمها قد تحقّق. هذا ما قالته في آ 4: نبتهج ونفرح معك.
(آ 13) شبّهت العروس العريس بمجموعة أعواد من المرّ، هذا الصمغ الذي يفرزه نبت البلسم. يرتبط المرّ بالمرارة، ولهذا فطعمه مرّ. غير أن النصّ يجعل من المرّ رمزًا إلى مفاتن الحبيب، كما كان الناردين يدلّ على مفاتن الحبيبة. ترد لفظة المرّ ست مرّات في سفر النشيد (6:3 ؛ 7:4 ،14 ؛ 1:5 ،5، 13).
أجل، سمّت العروسُ العريسَ "حبيبي " (د و د ي في العبرّية). نتذكّر لفظة وداد في العربيّة. لقد صار الملك ذلك الراعي التي تحبّه العروس. استشفّت حبّه في آ 7، فوصلت الآن إلى اليقين المطلق: إنه "حبيبي ". وستكرّر هذه اللفظة 26 مرّة (1: 13، 14، 16؛ 2: 3، 8، 9...)، فتدلّ على عاطفة الحنان التي تربط بين الحبيبين.
"بين ثدييّ موضعه ". صورة جريئة، وهي تدلّ على حضور العريس الدائم مع عروسه، كما على علاقات حميمة تربطه بها. نحن هنا على نقيض مع ما نقرأ في هو 2: 4 (تزيح زناها عن وجهها وفسقها من بين ثدييها) وحز 23: 3 (دغدغوا ثدييهما وداعبوا نهود بكارتهما)، 21 (هكذا يا اهولبة، أي أورشليم، اشتقت إلى فجور صباك، حين داعب المصريون نهديك وثدييك الفتيّين). نتذكّر أن الزنى يدلّ على خيانة الشعب للربّ في تعبّده للأصنام. وهنا يفهمنا النصّ أن زمن الخيانات قد ولّى، وأن الأمّة عزمت على أن تكون أمينة لزوجها الشرعيّ، لربّها.
وقد نجد معنى آخر على مستوى أرض إسرائيل. فالنهدان يدلاّن على مملكة الشمال ومملكة الجنوب، وتقوم أورشليم، مسكن الله، في الوسط. فالعريس الذي يقيم بين النهدين يدلّ على الرب القائم وسط شعبه.
(آ 14) الكافور (ك ف ر) ويسمّى أيضاً "الحنّة"، هو نبات كان ينمو في مصر وقبرص وفلسطين، لاسيّمَا في عسقلان. كما على السهل الساحليّ وفي منطقة أريحا. إنه ينشر رائحة عابقة جدًا.
تقع عين جدي غربيّ البحر الميت وسط صخور وعرة لا يتسلّقها إلاّ المعز، لهذا ارتبطت بلفظة "الجدي " صغير الماعز (آ 8). كانت هذه الواحة مأهولة في ما مضى (يش 15: 26)، وقد زُرع فيها الكافور والنخل والكرم والبلسان.
نحن هنا حقًا في أرض فلسطين. والكرمة تدلّ على الشعب، ووسط هذا الشعب يقيم الرب الذي يغدق عليهم عطره.

* يكون في مجلسه الملك
عريسها هو هنا. وأول اسم تعطيه إياه، ليس كما في السابق: "يا من يحبّه قلبي ". بل: "الملك ". هي لا تتجرّأ بعد أن تناديه يا عريسي. ستدعوه في الآية التالية: "حبيبي ". غير أنها تبدأ نشيدها في الاحترام والإجلال والشعور بوضاعة حالها. فالذي تحبّه هو أولاً ملك الجلال الذي إليه تقدّم سجودها.
وهناك وضع له معناه. كلّ مرّة تنادي العروس حبيبها "الملك "، فهي تعود إلى الهيكل، إلى مقام يملك فيه في وسطها. كانت قد قالت في البداية: "أدخلني الملك أخاديره ". وها هي تقول الآن: "حين يكون الملك في مجلسه ". عبارتان تتجاذبان. فـ "أخادير" الملك، و"مجلسه "، كلاهما يدلاّن على الهيكل.
الملك هو يهوه، وهو يُقيم اليوم في أورشليم، في وسط شعبه، في قلب مدينته التي تحيط بها التلال من كل جهة: "تحيط الجبال بأورشليم " (مز 125: 2). هذا هو معنى لفظة "م س ب " التي ترجمناها بمجلس. إنها تعطي فكرة عما "يحيط " بالملك. فالرب الملك هو في حرم الهيكل، تحيط به الأسوار (نجد كلمة "م س ب " في 2 مل 23: 5 ما يحيط بأورشليم). وتندهش العروس حين تجد نفسها معه، في منزل مشترك وحميم، داخل أسوار تحيط بلقائهما وتحميه.
ولفظة "م س ب " تدلّ أيضاً على حظيرة الخراف. ويسوع يقول في يو 15: 16: "ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة". كما تدلّ أيضاً على قاعة الوليمة، وفيها يجلس المدعوّون حول المائدة. على كل حال، تحسّ العروس أنها ليست وحدها. بل يحيط بها حنان الحبيب وحمايته، بعد أن سلّمت نفسها له.
وتقدّم الحبيبة ناردينها إلى ملكها الذي تشاهده هكذا وقد عاد إلى هيكله، وجلس معها في وليمة أعراسه، وتقبّلها في مجلس راحته من أجل رباط نهائيّ. قالت: "ينشر نارديني عبيره ".
الناردين الذي هو خاصّ بالعروس، والذي نجده مرة أخرى في القصيدة الثالثة (4: 14) هو عطر غالٍ جدًّا. قالت العروس: "نارديني ". إنها تستطيع أن تقول أيضاً "حياتي ". في الحقيقة، كيانها كلها، جوهر كيانها يفوح على قدمَي الملك. فهذا الملك الذي دعاها حبيبته ووعدها بأن يغدق عليها حليًا من الذهب والفضّة، لم تقدّم له فقط كلمات تعبّر فيها عن عرفان جميلها. فليس إلاّ حياتها تستطيع أن تعبّر تعبيرًا كاملاً عن جوابها الأول، جوابها الحقيقيّ: نارديني. أنا بذاتي. حياتي التي تسيل بصمت وحبّ كما يسيل الناردين من وعاء تحطّم. أي جواب غير هذا الجواب تعطيه؟
هنا نتذكر تريزيا التي قدّمت كل عطورها ليسوع، ولم تتراجع. ونتذكّر أوريجانس أيضاً. ولا ننسَ إنجيل يوحنا. مريم، ابنة بيت عنيا، "سكبت على قدمي يسوع قارورة طيب غالي الثمن من الناردين " (يو 12: 3). هي المرّة الوحيدة نجد فيها لفظة "ناردين " في العهد الجديد، وقد يكون عاد إلى نش، ومشهد نش قريب جدًّا من المشهد الذي يرويه الإنجيل الرابع.
سكبت مريم عطرها فدلّت على أنها تسكب حياتها، تبذل حياتها لذاك الذي سيبذل حياته من أجلها. وقال يوحنا: "فامتلأ البيت برائحة الطيب ". البيت كلّه. الكنيسة كلّها. الكون كلّه قد تعطّر بالطيب الذي أفاضته مريم. هكذا امتلأ مجلس الملك، امتلأت أورشليم والهيكل بناردين الحبيبة.
قال غريغوريوس النيصي: "يعلّمنا الرب أن نرى في البيت الذي امتلأ برائحة الطيب، العالم كلّه، والأرض كلّها. فقد قال: حيث يُعلن هذا الإنجيل، أي في العالم كلّه (مت 26: 13). فرائحة الطيب تنتشر مع إعلان الإنجيل.
وتأمّل القديس برنردس في فعلة عروس نش وفعلة أختها الصغرى، مريم التي من بيت عنيا، فرأى في الناردين الذي أفاضته هذه وتلك رمزًا إلى التواضع الذي ينضمّ إلى الحبّ. فكأني بالعروس تقول: إن تواضعي وجد حظوة عندك. ليست حكمتي ولا نبلي ولا جمالي. فهي كلا شيء فيّ. والشيء الوحيد الذي أمتلكه هو التواضع، وقد نشر عبيره، كالعادة. وإذ كان الملك يرتاح كعادته في خدره، في مسكنه العاليّ، شعر بالعطر يرتفع إليه وهو مرتاح في حضن الآب.
ما إن قالت الحبيبة إن "نارديني نشر عبيره "، حتى نسيت نفسها، وما عادت تفكّر ولا تهتمّ إلاّ بالعطر الذي يفيضه الحبيب وهو أقوى من عطرها بما لا يحدّ، كما يلج أعماق كيانها.

* حبيبي قادة مرّ لي
منذ وقت قصير دعت العروس عريسها "الملك ": "حين يكون الملك في مجلسه ". وها هي الآن تدعوه "حبيبي "، دودي في العبرّية. حروف هذه اللفظة نجدها في اسم داود (دود في العبرّية). فاسم الحبيب على شفتي العروس يدلّ في ذاته على أنّ أمير قلبها هو الملك المسيحانيّ الحقيقيّ الذي تنتظره الأمّة كلّها وتشتاق إليه. هي المرّة الأولى تعطيه هذا الاسم، وستسمّيه كذلك 28 مرّة في نش.
كانت قد قالت بكثير من الخفر وبطريقة غير مباشرة: "أنت يا من يحبّه قلبي " (آ 7). وها هي تقول الآن بجرأة وحريّة: "حبيبي ". وهي لن تسمّيه بعد الآن إلاّ بهذا الإسم. ظهرت هذه اللفظة يومًا عند أشعيا في بداية نشيد الكرم: "كان لحبيبي كرم " (5: 1). واستعادت عروس نش هذه التسمية وردّدتها بفرح. وبدا الملك سعيدًا حين رآها تناديه بهذا الاسم المليء بالحنان، والذي هو اسمه. وذلك قبل أن يكشف لنا عن اسمه الكامل كما نقرأه عند يوحنا: اسمه الحبّ.
قالت العروس: الملك في مجلسه. وهي تتجاسر وتقول بطريقة حميمة ومليئة بالجرأة إن حبيبها "يبيت " بين ثدييها. إذن، قلبها هو المسكن الحقيقيّ لعريسها. قال برنردس: "في الماضي كان الملك، والآن هو الحبيب. كان يقيم في قصره الملكيّ. وها هو بين ثَديي العروس. لقد حلّت الصداقة محلّ التسمية المليئة بالاحترام، وذاك الذي كان بعيدًا لم يحتج إلى أكثر من لحظة ليقترب ". وهكذا ننتقل في حركة واحدة، من لغة السجود المتواضع والعميق، إلى لغة الدالة والبساطة بحسب تسلسل طبيعيّ في عالم المشاهدة. أيها الربّ المعبود. ويا أيها العريس المحبوب.
يقرأ أوريجانس هذه الآية فيتداخله إعجاب عميق. "حبيبي قلادة مرّ يرتاح بين ثديي. جعل من صدري البيت الذي فيه يجد راحته... يأخذ الملك راحته في هذه النفس. يسرّ بأن يمتدّ هناك ليرتاح. وكان يقوله لها: نأتي أنا وأبي، نأكل معه ونصنع عنده منزلنا. حيث يرتاح المسيح مع أبيه، حيث يبيت، أما يستطيع أن يريح؟ أي مدى سعادة تتضمّنه هذه النفس! أي خدر سعيد هذا القلب الذي فيه يرتاح الآب والابن، الذي فيه يرتاح بكلّ تأكيد الروح القدس، فيه يأكل ومنه يجعل مسكنًا له ".
"حبيبي قلادة مرّ". المرّ صمغ يطلبونه بسبب عطره الساحر. ويرمز المرّ إلى محاسن العريس، كما رمز الناردين في الآية السابقة إلى جمال العروس. وسيقال عن العريس في مز 45: "عبير المرّ واللّبان في ثيابك " (آ 9). ولكن العطور لا تدخل فقط إلى ثياب العريس. فهو جوهر العطور. لهذا قال أوغسطينس: "أفضت عطرك فتنشّقته، وأنا الآن أتوق إليك ".
حين كتب شاعر نش عن العريس أنه قلادة مرّ بين ثديَي العروس، هل تذكّر كلام اشعيا عن نساء أورشليم اللواتي كنّ يخفين أواني العطور في صدورهنّ؟ في هذا المجال قال غريغوريوس النيصي: "يقولون إن النساء يخفين العطور في ثنايا ثيابهنّ. هذا ما تجرّأت وفعلته عروس نشيد الأناشيد. قالت: لديّ قلادة أعلّقها بعنقي على صدري، وبفضلها أمنح رائحة طيّبة لجسدي كلّه... لا أضع واحدًا من هذه الأطياب التي تفوح منها رائحة طيّبة، بل الرب نفسه الذي صار مرًّا في قلادة وجداني فأقام في قلبي بالذات ".
لقد جعل العريس مسكنه في أعماق قلب عروسه. إنه عطر يقيم فيها. تتنشّقه دومًا، فيرتفع من صدرها ويمتزج بنَفسها، فيصبح اشعاعًا سرّيًا في تلك التي يحبّها.
قال الرب بفم نبيّه هوشع عن زوجته الخائنة: "لتنزع زناها عن وجهها، وفسقها من بين ثدييها" (2: 4). أما عروس نش العائدة إلى عريسها، فهي تردّ بلغة الأمانة على ضلال قلبها السابق حين كانت تقدّم الأضاحي لعشّاقها، لأصنامها. فبين ثدييها وفي قلب حياتها لم يعد من زنى وخيانة لربها. لم يعد هناك إلاّ إلهها، وحبّه الذي تتنشّقها أيامها ولياليها.
حين قالت العروس "بين ثديَيّ " فكّرت بحضور الله بين تلال صهيون، في هذا الهيكل الذي منه تعبق عطور التقادم والذبائح في قلب المدينة المقدّسة. ونستطيع أن نقيم توازيًا بين آ 12 (الملك في موضعه، مجلسه) وآ 13 (حبيبي يرتاح بين ثديَيّ).
الله هو في داخلي بشكل حميم. هو فيّ أكثر ممّا أنا في نفسي. كانت العروس تتساءل: "أين ترعى غنمك عند الظهيرة" (آ 7)؟ وها هي تعطي الجواب لنفسها: راحة عريسي هي فيّ. وبين ثديَيّ هيكله الحقيقيّ ومجلسه الحقيقيّ.
ويرتبط عود المرّ بالمرارة وما يعاكس الحلاوة. لهذا، فالمرّ يمثل بشكل خاصّ يسوع في حياته على الأرض. يسوع الفقير والمحتقر والمتألّم، يسوع العائش ضيق آلامه وما فيها من مرارة. أجل، لا نستطيع أن نتأمّل فقط في مجد يسوع، في راحته الساطعة عند الظهيرة. لا بدّ من العودة إلى بشريّة يسوع. هذا هو الطريق الذي نتّخذه ولو وصلنا إلى قمّة المشاهدة: نتأمّل في يسوع الإنسان، في فقره وألمه وتواضعه. إن المرّ سوف يقوّينا بعطوره المرّة. ومع المرّ كان الكافور.

* حبيبي عنقود من الكافور
في آ 13 تلفّظت باسم الحبيب. تجرّأت وما خافت. وها هي تقول مرّة ثانية: "حبيبي ". ولكن كيف تعبّر عمّا هو الحبيب بالنسبة إليها؟ فالكلمات لا تكفي. إذن، هي تحتاج إلى لطافة العطور. فالعطور التي لا نستطيع أن نمسكها، تدلّ على الحبيب الذي لا يُدرك. أرادت أن تعبّر عن السكر الذي يجتاحها فقالت: "حبيبي عنقود من الكافور في كروم عين جدي ".
نحن هنا أمام موضوعَي الكرم والقطيع. لقد أقام الحبيب في قلب كرمته، كما هو في وسط قطيعه. وكان في قلب عروسه الحبيبة ينبوعًا وعطرًا في الوقت عينه. هو كافور في كروم عين جدي، في ينبوع الجداء. فالتوازي بين آ 13 وآ 14 يبدو دقيقًا. من جهة، حبيبي قلادة مرّ، ثم، حبيبي عنقود كافور. ومن جهة ثانية، يبيت بين ثديَيّ، ثم، في كروم عين جدي.
فعبارة "بين ثديَيّ " وعبارة "في كروم عين جدي " تدلاّن على نفس العروس التي فيها يقيم الحبيب. هذا العريس غمر حبيبته بالجواهر النادرة. وها هو قد صار الآن عطرًا من المرّ والكافور بين ثدييها. لهذا أرادت العروس بدورها أن تكون كلّها عطرًا له، فيكون التبادل تامًا.
ظنّت في بساطتها أن عطرها يأتي منها. ولكنها ستكتشف في دهشتها أن ناردينها الخاصّ هو عطيِّة من حبيبها. كانت قد قالت دون أن تتنبّه إلى كلامها: "حين كان الملك في مجلسه، نشر نارديني عبيره ". إذن، أخذ ناردينُ حبّها كل عطره حين اتّصلت بالحبيب. قال أوريجانس: "الحبيبة هي الآن بجانب العريس وهي تدهنه بعطورها. وكم كانت دهشتها كبيرة حين رأت أن الناردين الذي لم يكن له راحة حين كان فيما مضى بين يديها، أخذ ينشر عبيره حين لامس جسد العريس... فمن عطر العريس أخذ الناردين رائحته وحملها إلى العروس... فكأنها تقول: إن نارديني الذي دهنت به عريسي، عاد إليّ حاملاً رائحة عريسي. لا نعجب من ذلك. فكما أن المسيح هو ينبوع، منه تجري ينابيع مياه حيّة، وكما أنه أيضاً خبز، وهو يعطي الحياة، هكذا هو أيضاً ناردين وهو يمنح العبير. والذين تضمّخوا بهذا الناردين صاروا مسيحًا معه ".
وقال أحد الآباء في هذا المعنى: "لا نستطيع أن نحبّك إلاّ إذا جاء هذا الحبّ منك... أنت أحببتنا أولاً وكنت أول من يحبّ الذين يحبّونك... أما نحن فنحبّك بحبّ حارّ وضعته فينا. وحبّك هو الروح القدس ". فقد كتب بولس إلى أهل رومة: "إن حبّ الله قد أفيض في قلوبنا بالروح الذي أفيض فينا" (5: 5).
الفصل الخامس
جميلة أنتِ يا رفيقتي
1: 15- 17

جلست العروس عند قدمي ملكها الحبيب وتركت نفسها تفوح. تكلّمت عن عريسها منذ هي هنا. ولكنها لم تكلّمه بشكل مباشر ولم تقل له كلمة واحدة. تحدّثت عنه حتى الآن في صيغة الغائب: "يكون (هو) في مجلسه. حبيبي (هو) قلادة". فالعريس هو الذي يبدأ حوار الحبّ مع عروسه، لا هي. بل نحن نتكلّم عن حوار، بل نشيد بين صوتين يرتفعان الآن، ويكون جواب الواحد للآخر استعادة للنشيد عينه.
بدأ العريس "وصفه " فأعلن أن العروس جميلة كما هي الآن. وهي لا تحتاج إلى شيء آخر. وجاء جواب العروس موازيًا مع اختلافات طفيفة. حينذاك دعا العريس حبيبته إلى هذا اللقاء في بيت هو في الواقع مدينة الربّ وهيكله.
(آ 15) اقترح بعضهم إغفال هذه الآية لأنها تكرّر ما في 4: 1 أ. كما تقتدي بكلام الحبيبة في آ 16- 17. ولكن، لماذا ننسى أسلوب التكرار الذي يميّز نش؟
إن لفظة "ي ف ه" (جميلة) ترد عشر مرات في نش، بشكل مديح يتوجّه إلى العروس. في 1: 8؛ 5: 9 ؛ 6: 1، يدلّ على التفضيل: الجميلة في النساء، أي أجمل النساء. وهكذا نكون أمام تشديد على إبراز جمال الحبيبة (آ 5-6). فكأني بالعروس خسرت سوادها الذي يدلّ على العبوديّة، ساعة يوجّه إليها العريس مدائحه. ولكنها ما زالت سوداء. هي الآن في العبوديّة وإن لم تعد في مصر فهي الآن كما لو كانت في مصر وسوف تنتظر المستقبل لتحلّ الجواهر الكريمة محلّ القيود والسلاسل.
إذن، نعود إلى آ 5- 6، 10 حيث نرى أن العروس جميلة رغم العبوديّة التي تعيش فيها. ففي المحنة التي تُعاقب خيانات زمن الملكيّة، ما زال الشعب يلفت انتباه الربّ. فالعهد ثابت مع المواعيد. وحبّ الله المجانيّ الذي اختار أوضع الأمم، ما زال يعلن أنه يفضّلها على الآخرين. هو موضوع معروف لدى الأنبياء (هو 2- 3)، وقد قالت فيه روم 11: 29: "عطايا الله ونداؤه هما بلا ندامة".
"عيناك حمامتان ". زادت السريانيّة والشعبيّة كاف التشبيه: عيناك كحمامتين. نشير هنا إلى أن الشاعر يقابل في 4: 1ي شعر العروس وأسنانها وثديَيها بالحيوانات: "شعرك قطيع ماعز (بلونه الأسود). أسنانك قطيع مجزوز (بلونه الأبيض). ثدياك توأما ظبية صغيران يرعيان بين السوسن ".
ما معنى هذا التشبيه؟ إنه يدلّ على وداعة الحمام وبساطته وبراءته. كما يدلّ على سرعة حركته. وقد يشير الكاتب إلى ريش الحمام اللمّاع. إذا عدنا إلى السياق، نفهم أن التشبيه يعبّر عن جمال العروس. رج 2: 14 ؛ 4: 1؛ 5: 2؛ 6: 9.
(آ 16) وتهتف العروس هنا في صيغة الخاطب: "جميل أنت يا حبيبي ". قال لها: أنت جميلة. فردّت له المديح مديحًا وفي الألفاظ عينها. بل زادت "ن ع ي م "، ناعم، حلو، لذيذ. في 7: 7 سوف يقول العريس للعروس: "ما أجملكِ، ما أنعمكِ "!
السرير الأخضر هو العشب أو أوراق الشجر التي يتمدّد عليها العروسان. هذا ما يدلّ على مستقبل فيه الرغد والفرح كما في معنى كلمة نعيم في العربيّة. هذا السرير الأخضر هو فلسطين يزيتونها وتينها وكرمها وحبوبها، بسبب بركات الله التي تتبع عهده الجديد معها (تث 8: 7- 10). بما أن يهوه وشعبه هما هنا معًا، فهما يرتاحان على سرير من الاخضرار.
هنا يجب أن لا ننسى أن الازدهار الزراعيّ الذي يرافق التوبة والعودة إلى أرض الموعد، هو أحد مواضيع الكرازة النبويّة. مثلاً، هو 2: 17، 23- 24 ؛ 14: 6- 8 ؛ رج أش 4: 2؛ 29: 17؛ 30: 23- 24 ؛ إر 17: 5- 8؛ 31: 12- 14؛ حز 34: 26- 29...
(آ 17) ويردّ العريس على العروس مشدّدًا على متانة البيت الذي يجمعهما. يتذكّر "جسور" البيت، التي تلتقي (ق ر ه في العبرّية)، العوارض، الروافد أو الركائز. ثم الدعائم هي من خشب الأرز والسرو. هل يدلّ هذا "البيت " على معبد البرّية الذي رافق العبرانيّين في ترحالهم والذي صوّر على مثال الهيكل؟
أما يجب بالأحرى أن نتوقّف عند الأرز والسرو؟ شجرتان تردان معًا في التوراة وتميّزان أرض لبنان (2 مل 19: 23= أش 37: 24 ؛ أش 14: 8؛ حز 27: 5...)، كما نجدهما في أبنية سليمان (1 مل 5: 22، 24 ؛ 6: 15، 34؛ 2 أخ 2: 7؛ 3: 5). ويُذكر الأرز بصورة خاصة في الحديث عن البيت الملكيّ، والرواقين، وبيت غابة لبنان، والهيكل (2 مل 5-7). وما يلفت النظر في إر 22: 6، 7، 13 وحز 17؛ 3، 22-23، هو الاستعارة التي تماثل بين لبنان وبين قصر الملك وتلّة صهيون.
إذن حين يذكر الشاعر الأرز والسرو فهو يفكّر في جبل صهيون. وبعد أن تحدّث في آ 16 عن لقاء الله بشعبه في أرض فلسطين، ها هو يعلن أن هذا اللقاء يتمّ على تلّة صهيون، المركز الدينيّ والسياسيّ في الحياة الوطنيّة. وهكذا تدلّ لفظة "ب ت ي ن و" (بيوتنا، في صيغة الجمع) على الهيكل وقصور سليمان. وإذا عدنا إلى آ 4 ب، نقول إن البيت هو الهيكل كما اعتادت النصوص التوراتيّة أن تسمّيه (مثلاً، حز 43: 4: جاء مجد الرب إلى البيت، أي إلى الهيكل).

* جميلة أنتِ يا صديقتي، جميلة أنتِ
الموضوع هو هو، هنا وهناك. فكيف نعجب من ذلك؟ إن كانت هناك كنارتان ذات نغم واحد وصوت واحد، يكفي أن نلمس الأولى لكي تتحرّك الأخرى. فروح الله نفسه هو الذي يملأ هذين الصوتين، فكيف يتنافران؟
كنارتان، عود ان. نلاحظ أن نشيد الأناشيد لا يتضمّن آلة موسيقيّة واحدة. هذا مع أننا نجد في المزامير: الدفّ والكنّارة، العود والمزمار والقيثارة، البوق والصنوج (مز 150). فالموسيقى كلّها هي في الأصوات كما في بعض الليتورجيّات الشرقيّة. الموسيقى كلّها في صوتين يتقابلان، صوت الحبيب وصوت الحبيبة.
إن كل موسيقى العالم دخلت في لحن بصوتين: صوت الكلمة ابن الله ينادي. وصوت الإنسان الذي يجيب على هذا النداء عبر الخليقة. تسمع العروس من يناديها جميلة، وجميلة أيضاً وصديقة. والعريس هو جميل، يسحر الألباب، حبيب.
ما يجتذب العروس والعريس أولاً، هو جمالهما. فأوّل لفظة تتفجّر من شفاهما في هذا الحوار الأولى هي: "جميلة أنتِ "... "جميل أنتَ "
أنشد العريس: "جميلة أنت يا رفيقتي، جميلة أنت. عيناك حمامتان ". وبطريقة حرفيّة: "ها إنك أنتِ! كم أنتِ جميلة يا صديقتي ". نحن أمام صرخة التعجّب. فهذا الهتاف على شفتَي الحبيب هو استعادة لصرخة الحب والاعجاب التي اطلقها الإنسان الأول أمام المرأة الأولى التي وُلدت منه. "ها هذه المرّة عظم من عظمي ولحم من لحمي. تسمّى امرأة". هذا ما قاله آدم الأوّل. وقال الحبيب، آدم الثاني: "ها هي أنت. كم أنتِ جميلة". ويكرّر "كم أنتِ جميلة". فيدلّ على الفرح الذي أمسك به حين رأى عروسه. لسنا هنا أمام تكرار باحث، بل أمام تثبيت لكلمة الحبّ.
نذكّر هنا أن التكرارات في نش هي إحدى جمالاته. فالموضوع الجميل يجب أن يُسمع مرّة ثانية من أجل لذّة الأذن، وتكرارُه يسحرنا. هذا ما نقول عن الموسيقى. وهذا ما نقوله عن الحبّ الذي يستعيد ذات الألحان. خمس عشرة مرّة سيُقال ويكرّر للعروس بأنها جميلة. وتسع مرّات ستكون كلمة العريس صدى لكلمة تلفّظ بها الكاتب الملهم في اليوم السادس من الخلق، وساعة خرج الإنسان جميلاً من يد الله: "ورأى الله أن هذا كان جميلاً جدًا" (تك 1 :31).
التوراة هي الكتاب الذي فيه ترد صفة "جميل " (ي ف هـ) فتدلّ على المظهر البشريّ. والله نفسه هو المعجب الأول بجمال الكائن البشريّ. يأخذ منا الحياء حين نردّد كلمة المرنّم: "من هو الإنسان حتى تفكّر فيه " (مز 8: 5)؟ غير أن الربّ يجيبنا بكلمات نسبها إليه غريغوريوس النيصي: "أنتِ اقتربتِ مني... إذن صرتِ جميلة، تبدّلت مما كنتِ عليه، تحوّلت إلى صورتي كما في مرآة... صرتِ جميلة ساعة اقتربت من نوري، فاجتذبت نفسك بهذا الاقتراب للمشاركة في جمالي ". حين خلق الله الإنسان، نظر إلى نفسه، فأخذ منه الحبّ كل مأخذ لجمال خليقته.
خُلبَ الحبيب بجمالي من يحبّ فسمّاها "صديقتي، رفيقتي ". حين تُوجّه العروس كلامها بشكل مباشر إلى العريس، فهي تناديه دومًا "حبيبي ". ليس له إلاّ اسم واحد، لأنه الوحيد. ليس له إلاّ اسم واحد، لأنه الحبّ. أما العريس فيعطي تلك التي يحبّها 32 اسمًا مختلفًا. وما يلفت النظر هو أننا لا نجد بين هذه الأسماء اسم "الحبيبة". فكلمة "حبيب " (دود في العبرّية) يُحفظ بشكل حصريّ للعريس. ومن قصيدة إلى قصيدة يتخذ اسم "الصديقة" رنّة تزداد فرادة وعمقًا.
حين ينشد العريس جمال العروس، يتوقّف أولاً عند عينيها: هما شعاع نور، حياة النفس وصفاؤها، مرآة الفهم، إشعاع الفهم، إشعاع الكائن كلّه. قال يسوع: "سراج الجسد هو العين. فإن كانت عينك سليمة، كان جسدك كلّه منيرًا" (كان كلّه في النور) (لو 11: 34). فالنور والحركة والحياة في نظر الحبيبة، هذا ما يسحر الحبيب فيقول: "عيناك حمامتان ". في عينيك البساطة والبراءة والنقاوة والنعمة، في عينيك تحرّك الحمام بظّله الخفيف الساحر.
في هو 11: 11، شبّه اسرائيل المنفيّ بالحمامة: "يسرعون كالحمامة من ارض أشور". ولكن هذا لم يكن دومًا لمجد اسرائيل. فالبساطة قد تتّخذ معنى غير مرغوب فيه كما في هو 7: 11: "صار بيت افرائيم (أي مملكة اسرائيل، هي في الشمال) كحمامة طائشة لا لبّ لهم ". ولا ننسَ يونان (يونه= الحمامة) الذي هو صورة عن إسرائيل المتمرّدة ثم الأمينة لرسالتها النبويّة. أما في نش فالحمامة تدلّ دومًا على النقاوة والأمانة.
أخيرًا، الحمامة هي رمز السلام. فبين جميع حيوانات الأرض التي ظلّت حيّة في سفينة نوح بعد الدمار الشامل، اختيرت الحمامة لتلعب دورًا خاصاً: أن تكون أول من يبلغ إلى شاطئ العالم الجديد، وأن تضمّ إليها الآخرين. فهي الرسولة الأولى في الخليقة الجديدة، في عالم تصالح مع الله فسيطر عليه السلام. وهذا ما يدلّ عليه غصن الزيتون في فمها.

* جميل أنتَ يا حبيبي
وترتبط الحمامة بالروح القدس. ففي الخلق الأول، رفرف الروح على مياه البدايات ليُخرج منها الحياة. وفي عماد يسوع، كان الروح بشكل حمامة إيذانًا بعالم جديد. فإذا كانت العروس جميلة، فلأنها "تمتلك " الروح القدس الذي ينير بحبّه عينَي عقلها وقلبها. لهذا تستطيع أن تهتف بدورها، بعد أن صار لها عينان جديدتان، عينان تستطيعان أن تنظرا إلى جمال المسيح: "جميل أنتَ يا حبيبي ".
فجمال الحبيب الذي استشفّته العروس حتى الآن في رائحة العطور، ينبعث من الليل، فتكتشفه العروس بإعجاب بفضل عينين جديدتين. "ما أجملك يا حبيبي "! إذا كان لا يستطيع أحد أن يقول إن يسوع ربّ إلاّ في الروح القدس (1 كور 12: 3)، فمن يستطيع أن يقول لله "جميل أنت يا حبيبي " إلاّ في الروح القدس. إلاّ إذا كانت عيناه مثل عينَي عروس نش، إذا كانت عيناه حمامتين.
هناك أربع سمات تميّز جمال العروس:
- هي لم تعمل نفسها بنفسها. هي خليقة الحبيب. "ها أنتِ هنا، أنتِ جميلة". هي كلمة الخلق، هي كلمة تفعل كما في الأسرار، هي كلمة تخلق الجمال. قالت أوغسطينس: "ما هو هذا الحبّ الذي يجعل النفس المحبّة جميلة؟ الله الذي هو الجمال الدائم، الذي لا يخسر يومًا جماله، الذي لا يتبدّل أبدًا، أحبّنا أولاً هو الجميل دائمًا. وماذا كنّا حين أحبنا؛ قبيحين، مشوّهين. غير أنه لم يحبّنا ليتركنا في قباحتنا، بل ليبدّلنا، ليجعلنا جميلين بعد أن كنا مشوّهين. وكيف نصبح جميلين بعد أن كنا مشوّهين. كيف نصبح جميلين؟ حين نحبّ من هو الجمال الأزليّ. بقدر ما ينمو فيك الحبّ، ينمو فيك الجمال ".
- جمال الحبيبة مصنوع من جمال الحبيب. فبعد أن تتحرّر النفس من أهوائها الجسديّة، فتحيا بالروح وتنقاد الروح، تنال الشهادة بأن في عينيها صورة الحمامة. لقد صار وجه الحبيبة مثل وجه الحبيب. قال لها: "جميلة أنتِ ". قالت له: "جميل أنتَ ". لقد قال الله في أش 60: 19: "إلهك بنفسه يكون جمالك ".
- والحبيبة لا تكتشف حبّها إلاّ في عيني من تحبّ. فهي لا تعرف أنها جميلة إلاّ به. تعرف ذلك في العبارة التي بدأ فقالها لها: "جميلة أنتِ يا رفيقتي ".
- في النهاية، تستطيع بدورها أن تقول له: "جميل أنتَ ". لم تقل هذه العبارة من قبل. وأول مرّة قيلت لفظة "جميل "، فقد قيلت بفم الحبيب، وهذا، لأن الحبيب أعطاها عينين، أعطاها عينيه، عينَي الحمامة، عينَي الروح القدس. فكما أنها لم تستطع أن تنشر عبيرها إلاّ لأنها تسلّمته منه، فهي لا تستطيع الآن أن تُعجب به، إلاّ لأنه منحها عينيه الخاصتين.
"جميل أنتَ يا حبيبي، وفيك سحر". هي لا تكرّر ما قاله لها الحبيب. بل هي تضمّ إلى جمال الحبيب عذوبة عميقة يحرّكها هو دومًا فيها. فيك سحر. أنت حلو. أنت لذيذ. يجمع السحر مع الجمال كما في المزمور الملكيّ: "أنتَ جميل. أنتَ أجمل أبناء البشر والنعمة فاضت على شفتيك " (مز 45: 3). ونقرأ في مز 34: 9: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ ".
ثم إن الحبيبة التي تعوّدت على الخفر والحياء، تستعمل في كلامها ألفاظ الحنان. قالت: "حبيبي ". وفي هذه المرّة لم تلجأ إلى صيغة الغائب (حبيبي هو)، بل إلى صيغة الخاطب. "جميل أنتَ يا حبيبي ". امتلأ برنردس دهشة وسعادة فهتف: "هذا هو الحبيب. اختفى السيّد والملك. تخلّى عن مقامه فزال كلّ خوف، فالحبّ يزيل الأبّهة. وكما كان موسى فيما مضى يكلّم الرب كالصديق مع صديقه، وكان الربّ يجيبه، هكذا هو الأمر هنا. تبدأ محادثة رقيقة بين الكلمة والنفس، كما بين الجار وجاره. هو يدعوها صديقته ويقول لها إنها جميلة ويكرّر كلامه. وهي تجيبه كذلك: أنتَ هنا. ما أجملك! ما أعجبك "!
أخذ الإعجاب والسعادة من الحبيبة كل مأخذ، فلم تعد تعرف حدًّا لرغباتها، ودلّت الحبيب على الأرض كلّها، تلك الأرض التي تمتدّ على مدّ النظر، فدعت حبيبها ليتمدّد معها كما على سرير أعراسهما، وقالت: "سريرنا أخضر".
قالت بجسارة: سريرنا، فراشنا، كل شيء صار مشتركًا بينما. وقبل كل شيء، هذه الأرض في ربيعها، فلسطين الجميلة هذه، بل كل أرض الله التي سترى تمام أعراسهما. كان الله قد قال في الخلق: "لتخضرّ الأرض اخضرارًا، لتخرج كل عشب أخضر" (تك 1: 11). أجل، قد أعطيت لهما كلّ أرض الله، كما في اليوم الأوّل، لكي يتحابّا.
فحبّ العريس لا ينغلق على الكون ليعيش في حياة حميمة تعزله عن العالم. فالاتحاد الوثيق بين الحبيب والحبيبة، يوحّدهما مع الكون والبشريّة كلّها. وهكذا يجمع الشعر في نش الوجهة الشخصيّة والحميمة إلى الوجهة الكونيّة الشاملة.
حين ذكرت العروس اتحادهما على الأرض، صارت الأرض لا تعرف إلاّ فصلاً واحدًا هو فصل الربيع. أجابها العريس فوسّع النظرة وكبّرها إلى ما لا حدّ له. فتجاه السرير الأخضر، قدّم صورة البيت بمواده المعطّرة والخالدة، بمتانته التي تصل إلى الأبديّة. قدّم الهيكل النهائيّ الذي يعلو الزمن وتقلّباته، فيكون موضع اتحادهما وحبهما. قال:

ركائز بيتنا أرز
تحدّثت العروس عن "سريرنا" ببساطة مدهشة لا يفسّرها ولا يعذرها إلاّ حبُّها الكبير. وأجاب هو باللهجة عينها. لقد وافق بكل قلبه أن يجعل من هذه الأرض سريره. وهو سيرتاح عليه. وسيتّحد اتحادًا تامًا مع بشريّتنا فيتّخذ جسدًا من مريم البتول. لقد سمّت العروس "السرير" وحدة الطبيعة البشريّة مع الطبيعة الإلهيّة.
إن فراش هذا العريس هو حشا العذراء. ففي هذا الحشا البتوليّ، اتّحد العروس والعريس، الكلمة العريس والجسد العروس. وحين يحتفل الملك السماويّ في سرّ التجسّد بأعراس ابنه فيعطيه الكنيسة رفيقة، كان حشا مريم السرير الزواجيّ لهذا العريس الملكيّ. غير أن الحبيب سيزيد أن هذه الوحدة تتوخَّى أن تقود تلك التي يحبّها إلى بيته. فهو يسمّيه بحنان: "بيتنا". تحدّث عن ركائز، عواميد بيتنا.
من الواضح أن صاحب نش تطلعّ إلى الهيكل حين يتحدّث عن "بيتنا". كما تطلعّ إلى أرض فلسطين حين تحدّث عن "سريرنا" الأخضر فالجسور من خشب الأرز والروافد التي من خشب السرو، قد طبها سليمان من حيرام ملك صور من أجل بناء أجل وبيته الذي يشبه الغابة (1 مل 5: 22- 24؛ 7: 2- 8). غير أننا نجد في الأفق، وفي خطّ الهيكل، البيت الذي يكون فيه الله مع الإنسان ليرتاحا معًا في ساعة الظهيرة، ليعيشا فيه إلى الأبد في وحدة الحبّ. هو بيت الآب الذي صار بيسوع المسيح "بيتنا". هذا ما استشفَّته العروس بفرح منذ مطلع القصيدة: "أدخلني الملك في خدره ".
تحدّثت العروس عن السرير الأخضر والعريس عن بيت الأرز والسرو. قال داود: "ها أنا أسكن في بيت من أرز" (1 أخ 17: 1 ). وقدّمت الحبيبة أرضها ليستريح عليها الحبيب في بشريّته. والحبيب قدّم لتلك التي يحبّها بيته الأبديّ، "بيت الآب حيث المنازل عديدة" (يو 14: 2). سليمان هو الذي بنى بيت الله، الهيكل، وسليمان الجديد، ابن داود الحقيقيّ، يقدّم للبشريّة عروسه البيت "الذي هيّأه لها منذ أساس العالم " (مت 25: 34). وفي النهاية، هذا البيت هو العريس نفسه وفيه تجتمع البشريّة.
وهكذا نستشفّ في عريس نش، كما سينكشف في يوم من الأيام، حضور الثالوث الأقدس، فنطبّق على الأقانيم الثلاثة ما نقرأه هنا. الأزليّة هي في الآب (ركائز بيتنا من أرز). والجمال هو في الصورة. فالابن هو صورة الله غير المنظور (جميل أنتَ يا حبيبي). والسعادة هي في العطاء، والروح هو عطيّة الآب للابن والابن للآب (جميل أنتَ يا حبيبي وحلو).

خاتمة
هكذا بدأ الحوار بين العريس والعروس، وهو سيمتدّ فيما بعد. بدت العروس بشكل راعية تبحث عن راعيها الذي صار حبيبها. وبدا العريس ملكًا يُقيم في قصر من الأرز والسرو، فيجعل نفسه على مستوى الحبيبة. بل هو الله بالذات يطلب شعبه. والكلمة يتّحد بالبشريّة كلّها ويدخلها إلى بيته الذي هو في النهاية الموضع الذي يعدّ لنا فيه منازل كثيرة.
الفصل السادس
أنا نرجسة السهول
3: 1- 3

تحدّث العريس عن قصره الملوكيّ، فتحدّثت العروس عن حالتها الوضيعة المتواضعة. لست إلاّ نرجسة. وتجد مثلها الكثيرات في أرض فلسطين. غير أن هذه النرجسة تتميّز عن سائر الأزهار. فجمالها يجعل الزهرات الباقية وكأنها أشواك. هكذا تتفوّق العروس على سائر الصبايا.
وتصل العروس إلى منتهى أشواقها ورغباتها. بعد أن مرّت في المحنة، ها هي "تمتلك " حبيبها. ولكن كيف الحديث عن أفراح نفس وصلت إلى مثل هذه السعادة؟ ستلجأ العروس إلى "الصور الشعريّة" التي توحي بالبهجة أكثر ممّا تصوّرها أو تدلّ عليها.
وتأتي صورة الجنّة في خطوطها الأولى. ولا يتفوّق على حميميّتها إلاّ صورة الوليمة. لا شكّ في أننا لم نصل بعد إلى خدر العروس واللقاء التامّ بين الحبيب وحبيبته، بين الله وشعبه. ولكن قد اجتمعت منذ الآن بهجة المائدة وبهجة الحبّ. ولكننا سنرى في نهاية هذه القصيدة (2: 7) أن العروس ما زالت تتعثّر في حبّ لم يصل إلى كماله. لهذا سوف ننتظر نهاية نشيد الأناشيد حيث تقدّم العروس نفسها لعريسها، والشعب ذاته لله الذي يريد أمانة لا غضن فيها ولا عيب.
(آ 1) العروس تتكلّم وهي تمتدح نفسها. جاء من صحّح النصّ فجعل الكلام في فم العريس: أنت نرجسة السهول. ولكن سبق للعروس وامتدحت نفسها مرتين. في 15: 1: "سوداء أنا ولكني جميلة". وفي 1: 12: "ينشر نارديني عبيره ". هي لا تتكلّم على وجه من الزهو والغرور، بل لكي تلاحظ بإعجاب أنها ما زالت محبوبة عريسها. هذه فكرة أساسيّة في نش.
نشير إلى أننا لسنا هنا أمام حوار، بل أمام سلسلة من التعجّبات المتناوبة. قالت العروس: أنا نرجسة السهول. فقال العريس ولم يردّ على العروس: كالسوسنة بين الشوك. فجاء كلامه امتدادًا وترجيعًا لكلامها، جاء يزيد غنى على غنى، ويدلّ على أن الحبيبة وإن كانت صبيّة مثل سائر الصبايا، إلاّ أنها تتميّز عنهن كما يتميّز السوسن عن الشوك.
نقرأ "ح ب ص ل ت " هنا وفي أش 35: 1 (يبتهج القفر ويزهو النرجس) بمناسبة الحديث عن عودة المسبيّين. لسنا فقط أمام زهرة من الزهرات، بل أمام سجّاد من الزهر يشعّ بجماله في الربيع. يتحدّث النصّ عن النرجس البرّي بلونه الأصفر الفاتح ورائحته الطيّبة. هو يزهر في الشتاء ويمتدّ زهره حتى الربيع، بل هو يهيّئ نبات الربيع. مثل هذا الزهر يكثر في السهول ويقلّ على الجبال.
"ش ر و ن ". تعود اللفظة إلى "ي ش ر". كان مسطّحًا، كان قويمًا. لهذا قال المترجمون: السهل (نرجس السهول). وقالت السريانيّة البسيطة: سوسنة الشربين (شرونيا، أو ربما شارون). وتحدّثت السبعينيّة والشعبيّة عن "سهل" يرافق أل التعريف "ش ر و ن " مع عدا في 2 أخ 5: 16، فيعني أفضل السهول بسبب مساحته وخصبه. يعني سهل "شارون" الذي يمتدّ من عتليت إلى يافا، وقد اشتهر بكرومه وغاباته ومروجه. وإذ أراد الكاتب أن يدلّ على الخراب التامّ، تحدّث عن اجتياح الشارون ولبنان والكرمل (أش 33: 9). وحين يصوّر العودة من المنفى مع ما فيها من فرح، يقول إن البرّية تزهر مثل لبنان والشارون (أش 35: 2). ولكن لا يبدو أن الشاعر يتحدّث عن الشارون، بل عن السهل بشكل عام ويقابله بالوادي (ع م ق).
"ش و ش ن هـ ". كلمة أجنبيّة وقد تكون مصريّة. نجدها في عنوان مز 45: 1... وفي رسوم الهيكل (1 مل 7: 19، 22، 26). كما ترد في هوشع. وفي نش ترد ثماني مرّات. صوّر هوشع سعادة العودة بعد الندامة، فأبرز الازدهار والطمأنينة والمحبّة التي تميّز هذه الحقبة. واستعمل لذلك صورًا مأخوذة من عالم النبات (هو 14: 6- 9: يُزهرون كالسوسن ويمدّون جذورهم كلبنان).
"ع م ق ". كلمة تدلّ على وادٍ عميق وضيّق، كما قد تدلّ على السهل (يش 13: 19، 27 ؛ 16:17؛ قض 1 :19 ، 34؛ 1 مل 20: 28).
شدّد بعض الشرّاح على العاطفة التي نجدها في هذه الآية. تحسّ العروس أنها صغيرة تجاه الأرز الشاهق. ولكن عريسها رفعها. يتحدّث النصّ عن جمال الربيع الذي يتماهى مع الحبيبة. إنها هذا الربيع. فهناك علاقة بين الإنسان والإطار الذي يعيش فيه، بسبب مسؤوليّته الأخلاقيّة.
فهناك أخطاء تنجّس البلاد (لا 18: 24- 25، 27-28؛ عد 35: 33- 34؛ تث 21: 1- 9، 23). والعقاب الذي يصيب الخاطئ يصيب البلاد أيضاً (تك 3: 17 ؛ 6: 7، 12- 13؛ 8: 21؛ تث 21: 22- 23؛ 28: 16- 24). أما الاستقامة الخلقيّة فتجد إطارها الطبيعيّ في طبيعة جذّابة وخصبة (تث 28: 1- 14). ونقول الشيء عينه عن الحقبة الاسكاتولوجيّة حيث تزهر فضيلة مثاليّة (أش 65: 17- 25؛ إر 31: 10- 14 ؛ حز 28:36-38 ؛ 48: 1- 2؛ يوء: 2 81 -27).
هذه النظرات نجدها في هوشع بشكل يلقي ضوءًا على نش. فالنبيّ يربط مصير البلاد بمصير الأمّة التي تشبه زوجة خانت زوجها فعوقبت ثم نالت الغفران (2: 1ي). ويماهي بين الزوجة والبلاد. نحسّ بهذا التماهي في 1: 2 ب (أهل الأرض كلها يزنون في الخفية)، ونجده واضحًا في 2: 4- 5: "أجعلها كقفر واقطع عنها المطر كأرض قاحلة، وأميتها بالعطش ". فإن صورة العري كعقاب للزانية تقودنا إلى صورة فلسطين التي دمّرت فصارت مثل الصحراء. وفي صورة الخلاص التي تنهي الكتاب، يصوَّر ازدهار اسرائيل بسمات مأخوذة من عالم النبات (14: 6- 8). وما نجده في هوشع نجده في نش. فتماهي العروس مع نبات الربيع، وبشكل غير مباشر مع البلاد، يدلّ على الخلاص بعد المحنة، مع الازدهار الذي يمنحه هذا الخلاص. وهكذا نكون في إطار اسكاتولوجي. ولكن الكاتب لا يريد القول بأن الحدث الاسكاتولوجيّ قد تمّ. ولكننا نفهم أن هذا الحدث هو موضوع رغبة عميقة لدى العروس التي ما زالت سجينة (رج 2: 11- 15؛ 7: 12- 14).
(آ 2) حين أجابت العروس حبيبها في 1: 16، استعادت كلماته. وها هو يستعيد الآن كلماتها "كالسوسنة بين الشوك ".
"ح و ح ي م ". هو نوع من الشوك ينبت في الأراضي غير المزروعة (أي 31: 40) أو في الخرائب مع نباتات أخرى. نحن هنا أمام "شوك الجمال" الذي يلفت النظر بقامته. وإذ يذكر الكاتب الشوك والسوسن، فهو يقدّم لنا صورتين متناقضتين عن نوعين من النبات ينمو في أراضٍ غير مفلوحة.
والبنات اللواتي يُذكرن هنا، لسن بنات أورشليم، بل الصبايا بشكل عامّ (تك 30: 13؛ أش 32: 9؛ أم 31: 29). قالت العروس ما قالت عن نفسها، فاستعاد العريس كلامها وزاد عليه.
(آ 3) سمّي التفّاح كذلك بسبب رائحة ثمره. رج فعل "ن ف ح " (في العربيّة نفح الطيب: انتشرت رائحته) (رج 7: 9 عبير أنفك كالتفّاح). زُرع التفّاح في فلسطين، وجعل 1: 12 ثمره أفضل الثمار. وحسب يش 12: 7؛ 15: 34، تسمّت مدينتان باسم التفاح (ت ف و ح).
"ي ع ر": الغابة. ما هي مكانة التفاح وسط أشجار الغابة الباسقة والصلبة؟ ولكن ثمار هذه الأشجار لا تؤكل. وهكذا نعود إلى المقابلة بين السوسن والشوك. هكذا هو الحبيب: "تفاح " بين أشجار الغابة.
ويُذكر"البنون "كما ذكرت "البنات " في آ 2. البنون هم الشبّان (أم 7: 7)، كما دلّت البنات على الصبايا. وتأتي صورة الظلّ فتدلّ على حماية قوّة سياسيّة (قض 9: 15؛ حز 17: 23؛ 31: 6، 2 1- 17)، أو على حماية الربّ (ظلّ جناحيك، مز 17: 8؛ 36: 8؛ 57: 2 ؛ 63: 8). غير أن الصورة لا تكفي وظلّ التفاحة ضعيف فلا يقي من حرّ الشمس. ثم إن العروس لا تخاف خطرًا يأتيها من الخارج، فتحاول أن تحتمي (هذا هو رمز الشمس). فحين تطلب ظلّ التفاحة، فهي تعبّر عن رغبتها بأن تكون قرب حبيبها.
إن فعل "ح م د" يعبّر عن الرغبة الجامحة، عن التعلّق بخيرات ثمينة، سواء كانت ماديّة (مز 39: 12) أو روحيّة (19: 11). رج نش 5: 16: كلامه شهيّ كلّه. فما يدفع الأمّة نحو ربّها يعارض ما كان يدفعها في الماضي نحو الأصنام (أش 1: 29؛ 44: 9). والأمّة النادمة تعود إلى ربّها بذات الاندفاع الذي كان يجرّها إلى اقتراف الزنى. في ظلّه، بالقرب منه، اشتهيت الجلوس. هذا ما تاقت إليه منذ 1: 7 (فلا أكون كمن يتلظّى). وها هي تصل إلى الفرح برفقة عريسها. نحن أمام إعجاب متبادل بين العروسين، وسعادة باللقاء.

* أنا نرجسة، أنا سوسنة
بعد أن شاهدت العروس نفسها في حبيبها كما في مرآة، اكتشفت حقيقة جمالها: ليست فقط امرأة من لحم ودم، بل زهرة نعمة وحبّ يتأمّل فيها الحبيب، يشمّها، يقطفها. إنها تجسّد الطبيعة في الربيع.
تكلّمت العروس هنا، وقدّمت نفسها على أنها نرجسة السهول وسوسنة الأودية. وتابعت تصوير الربيع في فلسطين (سريرنا أخضر، سريرنا اخضرارا فجعلتنا نتأمّل أزهار هذا الربيع الذي تقدّمه لنا. إنها الربيع. وعدَها عريسها بأن يأخذها إلى بيته المطعّم بالأرز. مثل هذا البيت أكبر منها، وهي زهرة تنبت في السهول وأعماق الوديان. ولكن هذا التواضع يزيد جمالها جمالاً، يزيدها نعمة على نعمة.
في الواقع، هي تتماهى مع الربيع بكل أزهاره. وتحدّث الشاعر عن النرجس والسوسن وهما زهرتا الربيع بشكل خاص. هكذا تبدو فلسطين في أجمل الفصول، هكذا تبدو الأرض في لباسها كعروس الله. نقرأ في أش 62: 4: "تسمّى أرضك " "زوجة" (ب ع و ل ه).
السوسن في نش أحمر، لا أبيض. وإلاّ كيف نفهم 5: 13: "شفتاه سوسنتان "؟ ونقرأ في 4: 3: "شفتاك سلك من القرمز". نحن بالأحرى أمام شقائق النعمان بلونها الأحمر، وهي تغطّي الوديان في فلسطين. ذاك سرير العروس. لا شكّ في أنه متواضع. فليس لها قصر من الأرز والسرو تقدّمه لحبيبها. وليس لها قمة سيناء ولا جبل حرمون، بل سلاً بسيطًا وواديًا عميقًا. وليس سهلاً مزروعًا بالأشجار الباسقة، بل بالزهور البرّية.
غير أن هذا السرير هو سرير ملكيّ. غطاؤه ذهب وأرجوان. وهو الذي أعطاه لها الملك حبيبها في يوم الخلق. ذاك هو سرير الحبيب، وتلك هي الحبيبة التي يتّحد بها حبيبها. هنا نتذكّر استعمال المؤنّث: نرجسة، سوسنة.
قال برنردس: ما قاله يسوع بإعجاب عن زنبق الحقل (مت 6: 28)، قاله في الواقع عن عروسه. "تأمّلوا في زنابق الحقول. ما أجملها وما أقواها وسط الشوك. إذا كان الله يسهر هكذا على زهرة تعيش اليوم وتُطرح غدًا في النار، فلا بدّ له أن يسهر على تلك التي هي صديقته، تلك التي هي عروسه ". قد يكون يسوع رأى في زنابق الحقل عروسه كما سيرى في السنابل الناضجة الجموع التي تنتظره (يو 4: 35).
ولكن صورة الربيع الفلسطيني لا تتوخّى فقط أن تجلعنا نعجب بجمال العروس، برغبتها المتواضعة والحارّة. ففي نش كما عند الأنبياء، يرمز الربيع أيضاً إلى ارتداد اسرائيل وعودته إلى الرب الذي عفا عنه. يرمز إلى إعادة الخلق بعد محنة الشتاء والمنفى. من هذا القبيل تبدو نهاية سفر هوشع حيث تصوّر إعادة بناء العهد بشكل ربيع مجدّد، تبدو في خلفيّة هذا المقطع من نش (14: 6). وبالنسبة إلينا أيضاً، فالارتداد مهما كان الماضي ومهما كان عمرنا، هو دومًا عودة الربيع. ليس من "شتاء" الخطيئة يستطيع أن يفشّل "ربيع " الحبّ هذا.

* كالسوسنة بين الشوك
استعاد الحبيب موضوع الزهر الذي أشارت إليه الحبيبة فرفعه وعظّمه وقالت: "كالسوسنة بين الشوك رفيقتي بين البنات ". أنت يا عروسي متواضعة وصغيرة مثل شقائق النعمان في الجليل الفلسطيني. ولكنك جميلة أيضاً. فسليمان في كل مجده لم يلبس مثل لباسك (رج مت 6: 28). فبين جميع البنات، بين جميع الأمم، لا أجد ما يقرب من جمالك. كلّهن تجاهك شوك مع الزهر. فيهن القرص واللذع أكثر من النعمة.
ويندهش الله ويفضّل ويختار. قال غريغوريوس النيصي بفم العروس: "حين اقترب العريس (الله) من سريري، صرت، بعد أن خرجت من سهل طبيعتي، زهرة تتفوّق على جميع الزهور بجمال اللون وسحر العطر".

* كالتفاحة في أشجار الغابة
ولكن ماذا سوف تقول الحبيبة عن الحبيب؟ أي مديح تردّ له؟ طابقت كلامها مع الكلام الذي وُجّه إليها، فأطلقت نشيدها وقالت: "كالتفاحة في أشجار الغابة حبيبي بين البنين ".
ظلّت العروس أمينة لموضوعها الأول، موضوع الربيع، ولكنها ترافقت مع "اللحن " الذي قدّمه الحبيب لها. قلت لي يا حبيبي: تتفوّقين على جميع زهور الربيع. ولكنكَ أنت أجمل أشجار هذا الربيع، وعطرك يشعّ في جنّة التفاح. أجل، ليس التفاح شجرًا عاديًّا في فلسطين، بل نادر الوجود. ولكن أترى العريس شخصًا عاديًّا؟ ألا يتميّز عن كل أشجار الغابة؟
جمال التفاح بزهره وثمره. ونفح العطر الذي يفوح منه. اهتمت العروس دومًا بالعطور لدى الذي تحبّه فقابلته بشجرة عطرة. ولكن قد يكون النبات عذبًا للشم لا للذوق. ولكن التفاحة تلذّ للفم وتعبّق الهواء الذي نتنشّقه. فأي تشبيه يتفوّق على هذا التشبيه؟ فالتفاحة تدلّ بجمال زهرها وحلاوة ثمرها على ما قالته العروس في أول فورة من الفرح: "جميل أنت يا حبيبي وعذب ".
إن عطر التفاحة الذي يلج إلى الأعماق، وجمالها المستدير والملوّن، وحلاوة مذاقها، كل هذا جعلها ترتبط بالحبّ. فالتقليد الشعبيّ الذي جاء من الغرب ووصل إلينا، جعل من التفاحة (التي لم تُذكر في تك 2) "ثمرة جميلة المنظر طيّبة المأكل ". وما نلاحظه، هو أن التفاح يذكر أربع مرات في نش، وفي كل مرّة يرتبط بالحبّ. "أعينوني بعصير التفّاح فأنا مريضة من الحبّ " (2: 5). "عبير أنفك كالتفّاح" (7: 9). "تحت التفاحة أغويتك، أوقعتك في حبائل الحبّ " (8: 5).
إذا كان نش يعظّم التفاح إلى هذه الدرجة، فلزهره الجميل وثمره الطيّب. ولأنه يضمّ ربيع الزهر إلى ربيع الثمر. إذن، هو يتفوّق على جميع الأشجار العقيمة في الغابة، على السنديان الأخضر والبطم، وهي أشجار عبدها بنو اسرائيل، جعلوا منها "أصنامًا" (كما في بعض الحضارات الأفريقيّة اليوم).
قال أوريجانس: "كل أشجار الغابة عقيمة تجاه كلمة الله. كل ما نستطيع أن نتخيّله هو شوك وعوسج أمام المسيح. أمامه كل شيء لا ثمر له. وما الذي نستطيع أن نسمّيه خصبًا حين يكون هنا؟ فهذه الأشجار التي تنوء تحت أثمارها تدلت على عقمها حين نقابلها معه. لهذا، كما التفّاح بين شجر الغاب، كذلك حبيبي بين البنين ".
وقال غريغوريوس النيصيّ بأن الحبيب يتفوّق أيضاً وبشكل غير محدود على حبيبته رغم جمالها. "فالسوسن (هي السوسن) له الجمال والعطر، أما التفاحة فتُفرح العين بسحر جمالها، وتجتذب الشمّ بعطرها، وتبهج الفم بحلاوتها... إذن ترى العروس الفرق بينها وبين ربّها. فالرب هو في الوقت عينه نعمة لعيوننا حين يصير نورها، وعطرًا لأنوفنا، وحياة للذين يأكلونه، لأن الذي يأكله يحيا" (يو 6: 57- 58).
أجل، الحبيب هو تفّاحة وسط سائر الأشجار. إنه شجرة الحياة وسط جنّة الفردوس. وسيقول مز 45: 3: "أنت جميل، أنت أجمل أبناء البشر".

* في ظلّه اشتريت فجلست
ولكن العروس لا تكتفي بأن تتأمّل في هذه الشجرة الحلوة، بل هي تتوق إلى أن ترتاح في ظلّها وتتذوّق ثمرها. إن تلك التي تألّمت كثيرًا حين أحرقتها شمس المنفى، إن تلك التي تعبت في تيهانها مع قطيع الغرباء، إن تلك التي طلبت باطلاً ظلّ البطم (إر 2: 20: "تحت كل شجرة خضراء اضطجعت زانية")، ها هي لا تتشوّف إلاّ إلى ظلّ الحبيب، ظلّ التفاح. فقالت: "في ظلّه اشتهيت وجلست ".
لن نتوقّف عند ظلّ التفاح الذي ليس بكافٍ حين نقابله بظل السنديان أو السرو. بل نتحدّث فقط عن "الظلّ " في حدّ ذاته الذي تحته نجد الطرواة. هذا في المعنى الماديّ. أما الكتاب المقدّس فيشدّد على حماية هذا الظلّ وما فيه من عذوبة. نقرأ في مز 17: 8: "في ظلّ جناحيك استرني يا إلهي ". وفي 57: 2: "في ظلّ جناحيك أحتمي ". وفي 91: 1: "استريح في ظلّ القدير".
بعد أن أحرقتها شمس المنفى بسبب خياناتها، وبعد أن تألّمت من الجراح التي سبّبتها سهام مضطهديها المشتعلة، ها هي تجد الطراوة والطمأنينة في ظلّ الرب، حسب وعدٍ نالته منه. "يعودون ويجلسون في ظلّي " (هو 14: 8).
وهذا الظلّ ضروريّ جدًا لعينيها اللتين ما زالتا ضعيفتين. كيف تستطيع أن تحدّق في عريسها (الله) الذي هو نار محرقة؟ فهي لا تستطيع أن تتحمّل سطوع وجهه (كما الرسل في وقت التجلّي).
قال غريغوريوس النيصي: "حين لا يخفّف الغمام (أي الروح) الذي ينشر الرب حماية لنا، حرارته، نحن لا نستطيع أن نتحمّلها. فقد قيل في أش 4: 5- 6: سيكون الرب غطاء يعطي ظلاًّ في أيام الحرّ العظيم ". هو ظلّ بالحقيقة، لأننا لا نستطيع أن نراه على هذه الأرض. ولكن الشمس الساطعة هي تحت هذا الغمام. ويعلمنا بواسطة الحبّ، أن عظمته متّحدة بنا بشكل لا نستطيع أن نعبّر عنه.
هذا الظلّ الحامي والعذب الذي فيه تتذوّق العروس الراحة، هذا الظلّ الذي يخفي عن عينها بعض السطوع المحرق لوجه الرب حبيبها، هذا الظلّ ستعرفه في يوم من الأيام قدرته الخصبة حين يقال لها: "الروح القدس يحلّ عليك وقدرته تظلّلك " (لو 1: 35). إن ظلّ الروح يغطّي ويخصب مريم العذراء التي صارت أكثر من المسكن (شكينة في العبريّة) الذي يحيط به الغمام في البرية. صارت معبد الله الحقيقيّ. كم من الغنى اكتشفته مريم الحبلى بيسوع أمام كلمات عروس نش: "في ظلّه اشتهيت فجلست، وثمره حلو في حلقي ". ربطت ما قاله نش مع "ظلّ الروح يحلّ عليها"، ويسوع ثمره أحشائها المبارك.

* وثمره حلو في حلقي
هذا ما قالته الحبيبة عن حبيبها. فمع موضوع الراحة التامّة في ظل التفاحة، الحامية والعذبة، في ظلّ الحبيب، في موضوع ثمرة الحبّ الذي تتذوّقه في الوقت عينه. قال مز 36: 8- 9: "في ظلّ جناحيك يحتمي البشر ويتذوّقون ولائم بيتك ". فمع طراوة الظلّ التي تريح العروس، تأتي الرغبة في الثمر الذي يشبع الجوع والعطش. قالت العروس في عظة أوريجانس الثانية: "رغبت أن أرتاح في ظلّه. ولكن ما إن حماني بظّله حتى شبعت أيضاً من ثماره. فقلت: ثمره حلو في حلقي ".
ما عاد القلب ينتظر شيئًا. تذوّق ثمر شجرة الحياة، تذوّق التفاحة التي هي الحبيب. وهذه الثمرة لم يكن لها في ما بعد طعم المرارة الذي هو طعم الخطيئة (المقابلة واضحة مع سفر التكوين). بل منحت عذوبة الحبّ النقيّ الأمين، الحبّ الذي يهب السعادة. قالت الحكمة (أي الكلمة، أي الحبيب نفسه): "تعالوا إليّ أيّها المشتاقون واشبعوا من ثماري" (سي 24: 19). لقد دقّت ساعة وليمة الحكمة بالنسبة إلى الحبيبة. هي السعادة المطلقة بجانب ذاك الذي هو لها الجمال، والعطر، والراحة، وثمر الحبّ والحياة.
قالت تريزيا الأفيليّة: "جلست في ظلّ ذلك الذي اشتقت إليه، فكان ثمره حلو في حلقي. يبدو أن النفس تحسّ الظلّ "يتلفها" ويحميها، تحسّ غمام اللاهوت. فتشعر براحة يبدو التنفّس تجاهها متعبًا. فلا تحتاج أن تحرّك يدها أو تنهض. فالرب بنفسه يعطيها ثمر التفاح بعد أن قطعه "وطبخه " وأكله، هذا الثمر الذي تقابله بحبيبها. ولهذا تقول إن ثمره حلو في حلقها. فكل شيء لذيد هنا، تحت ظلّ اللاهوت ". وهكذا صارت المشاهدة طعمًا مسبقًا للملكوت ووليمته، كما يقول أوغسطينس. لأن ما نرغب بتلهّف أن نأكله ونشربه، نتذوّقه منذ الآن ونلمسه، وإن كان ذلك بطرف الشفاه فقط.
مثل هذا التفسير يختلف كل الاختلاف عن تفسير المدرسة "الطبيعانيّة" التي تفهم على مستوى الجسد واللحم والدم كلمات الحبيبة. لا شكّ في أن لغة العروس هي لغة الوله والشغف، وهي تتوسّل كل الحواس، لهذا قد نفهمها فهمًا خاطئًا. لهذا يرى بعض الناس أنه من الأفضل أن لا نسمعها. فالسمّ الذي فيها قد يسمّم علاقتنا مع الله ونظرتنا إلى الحبّ. لماذا لم يستعمل الكاتب لغة غير هذه اللغة، وكلمات غير هذه الكلمات؟ ولكن الله هو حبّ ومحبّة. فكيف يكلّمنا إن لم ينطلق من نفسه. ما العمل إذا كانت عيننا شريرة أو أقله مريضة. يا ليتها كانت سليمة: يا ليتها كانت في النور (لو 11: 34).
هنا يقول أوغسطينس: إذا تقبّلنا هذه الكلمات بحسب الجسد، لن نحصل على ثمر النور والمحبّة، بل ميلاً إلى الرغبات الجنسيّة. أجل، إن المدرسة الطبيعانيّة فسّرت كلمات النشيد "حسب الجسد"، بطريقة فاسقة وشهوانيّة.
إن لغة الحواس في الكتاب المقدّس ولاسيمّا في نش، تستطيع أن تكون في خدمة الحبّ، بل تكون أصفى تعبير عن هذا الحبّ. ولكنها قد تقودنا إلى الضحك والابتسامة الساخرة. في هذا المعنى قال أوريجانس: "ذاك الذي لا يستطيع أن يُدرك ويفهم ما يرتبط بروح الله، سوف يهزأ من شروحنا ويعتبرها فارغة وبدون أساس. لمثل هؤلاء الناس، تصبح رائحة نش رائحة موت للموت. أما الذين ينظرون الى الخيرات الخفيّة والروحيّة على أنها أكثر حقيقة من الأشياء الجسديّة التي تقع تحت ناظرنا، فتفسير من هذا النوع يأخذ كل قيمته في نظرهم ".
إن كان للجسد حواسه، فلنفس أيضاً حواسا. هذا ما وعاه أوريجانس، فتكلّم عن معرفة اختباريّة لدى النفس، معرفة لأمور الله تتنوّع "بتنوّع الحواس ". فللنفس عين تشاهد بها الأمور الفائقة الطبيعة. وإذن تميّز أصواتًا لا تدوّي في الهواء. وفم تتذوّق به الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، وأنف جعل بولس الرسول يتحدّث عن رائحة المسيح الطيّبة. ويد قال يوحنا عنها إنها لمست كلمة الحياة. وفي خطّ أوريجانس قال غريغوريوس النيصي: "نحن نمتلك نوعين من الحواس: بعضها جسديّة وبعضها روحيّ ".
نستغرب حين نسمع أنه يجب أن نتقرّب من الله بحواس النفس، لأن صلاتنا تبقى مجرّدة وعقليّة وبعيدة عن عالم الحسّ والإحساس. ولكن إذا كان المسيح صار بشرًا من لحم ودم، ولم يكن فقط روحًا وعقلاً، فلكي نصل إليه بكل حواس النفس التي تقابل حواس الجسد. ولكن لا لبس ممكنًا في هذا الكلام، لأن هذه الحواس صارت داخليّة ومنقّاة وموحّدة، صارت روحيّة.
إن الكلمة (يسوع المسيح) صار منظورًا، مسموعًا وملموسًا، وبطريق الحواس جاء الوحي إلى البشر، ونُقلت إليهم حياة الله. وبهذه الطريق ينالون هذه الحياة ويتقبّلونها. إن استعمال لغة الحواس للتعبير عن خبرة الاتحاد مع الله في المسيح، هو ما يميّز الروحانيّة اليوحناويّة، ويجعلنا في منطق التجسّد.
هذا ما أوضحه أوريجانس فتبعه التقليد التصوّفي في الكنيسة. قال: "صار المسيح موضوع كل حاسّة من حواس النفسي. سمّي النور الحقيقيّ لكي ينير عين النفس. وسمّي خبز الحياة لكي يُذاق. وسمّي أيضاً زيت المسحة والناردين لكي تلتذّ النفس برائحة اللوغوس. صار الكلمة الذي صار بشرًا. الذي يمكن أن نلمسه، أن ندركه، لكي يستطيع الانسان الداخليّ أن يصل إلى كلمة الحياة".
وقد يكون أوغسطينس عرف كلام أوريجانس فكتب في تفسير إنجيل يوحنا: "إذا كان لحواس الجسد لذّتها، فلماذا لا تعرف النفس اللذة؟ وإن لم يكن للنفس لذات خاصة بها، لماذا كتب في مز 36: 8- 10: في ظلّ جناحيك يحتمي البشر يسكرون من ولائم بيتك. ومن نهر لذائذك تسقيهم، لأن فيك ينبوع الحياة وفي نورك نعاين النور"؟ أجل، كل الحواس تقودنا إلى الله.
قال أوغسطينس: "ماذا أحبّ حين أحبّك؟ لا أحب الجمال الجسديّ ورونقه الزائل، ولا أحبّ النور الساطع الذي تعشقه عينانا، ولا أنغام الأناشيد العذبة المختلفة الأصوات، ولا أريج الزهور الفوّاح ولا العطور ولا الطيوب ولا المنّ ولا العسل ولا الأعضاء المكوّنة لقبلات اللحم. كلا، لا أحبّ شيئًا من ذلك كله حين أحبّ الله. إنما هناك نور وصوت وشذا وقوت وقبلة أحبّها حين أحبّ إلهي. هو نور الانسان الباطنيّ وصوته وشذاه وقبلته الذي فيّ حيث يسطع لنفسي نور لا يحدّه مكان، وتتجاوب أنغام تبقى على الزمن وتفوح عطور لا تبدّدها ريح، ونذوق قوتًا لا يغنيه فهم، وحيث لا تشبع القبلات. ذاك ما أحبّ حين أحبّ إلهي ".
فحين لا "نطبّق " حواس النفس على أمور الله، تكون النتائج خطيرة، فلا بدّ من طبع الإنجيل في أعماق كياننا، في مناخا عواطفنا، في جذور لاوعينا. وإلاّ يبقى حبّنا على مستوى العقل والدماغ ولا يصل إلى القلب. وإلاّ لن تتوحّد شخصيتنا حقًا في المسيح. وهكذا نعيش نوعًا من الطلاق الداخليّ، فيكون الرأس للرب ويذهب القلب إلى أمور أخرى، فتحلّ الكارثة على المستوى السيكولوجي كما على المستوى الروحيّ.
وأخيرًا، إن نموّ الحواس الروحيّة يستطيع وحده أن يحقّق التنقية الحقيقيّة لعالم الحواس فينا. فحين نوحّد مختلف حواسنا مع يسوع، نستطيع أن نصل شيئًا فشيئًا إلى التحرير من سحر الجسد، سحر اللحم والدم. هذا الأسلوب هو أفعل من نهج "الحرمان" الإراديّ (حينئذ يظهر الكبت). فإن توصّلت العين إلى مشاهدة مجد الكلمة، مجد الابن الوحيد الآتي من الآب، فلا تعود تريد أن ترى شيئًا آخر. ولن تريد الأذن أن تسمع شيئًا آخر سوى كلمة الحياة الخلاصيّة. وذاك الذي لمست يدُه كلمة الحياة، لا يريد أن يلمس بعد ما هو زائل وسريع العطب. وذاك الذي تذوّق بفمه كلمة الحياة، تذوّق جسده والخبز النازل من السماء، لن يستطيع أن يتذوّق شيئًا آخر. وهو بالتالي لا يريد طعامًا آخر لأنه وجد في هذا الخبز الذي يتّخذ كل طعم، جميع المذاقات التي يرغب فيها.
الفصل السابع
أنا مريضة من الحب
3: 4- 7

بعد البحث القلق والمشوب بالضياع، ها هو "الامتلاك " الهادئ والمطمئنّ. اشتهيت أن أجلس في ظلّه، أن أكون بقربه، فكان لي ما تمنّيت. وهكذا نعمت العروس بحضور العريس. وإذ ادخل عروسه، لم يتوخَّ فقط أن يدعوها إلى وليمة تشبع فيها حاجات جسدها، بل أراد أن يدعوها إلى وليمة روحيّة هي وليمة الحبّ. حينذاك تترك الحبيبة التشابيه مع النرجس والسوسن، وتنتقل إلى مستوى العواطف الحميمة.
(آ 4) أدخَلَني بيت خمره. قرأت السبعينيّة والشعبيّة والبسيطة صيغة الأمر (أدخلوني) بدل صيغة الماضي. أتراها تتوجّه إلى البنات أو إلى رفاق الحبيب لكي يتوسّطن لها فتدخُل إليه. ولكن هل تحتاج العروس إلى واسطة لتذهب إلى عريسها بعد إعلان الحبّ الذي وجّهته إليه. إذن، حدّثت الحبيبة نفسها فعبّرت عن سعادتها لأنها وجدت حبيبها من جديد وأقامت بقربه.
إن الفعل "ب و ا" (دخل) يرد ثماني مرات في نش، وهو يشير دومًا (ما عدا في 8: 11) إلى لقاء بين العروسين. في 2: 8، جاء العريس يطلب العروس حيث هي الآن. وتتحدّث سائر النصوص عن اتحاد قريب وربّما نهائيّ. إما تتوسّل إليه أن يأتي إليها (3: 4 ؛ 4: 16 ؛ 5: 1 ؛ 8: 2). وإما تتوسّل أن تأتي هي إليه (1: 4 ؛ 2 : 4).
ما معنى "بيت الخمر" (ب ي ت. هـ ي ي ن)؟ كانت افتراضات عديدة: المقهى. خيمة في الكروم يرتاح فيها الساهرون من حرّ الشمس. قاعة الوليمة (جا 7: 2 ؛ أس 5: 6؛ 7: 1، 7- 8)0 الكرار أو الموضع الذي توضع فيه الخمر. كروم (عد 6: 4). اسم قرية قريبة من شونم.
ولكن يبدو أن المعنى الأفضل هو"الكرار" حيث يُحفظ النبيذ ويُشرب. قالت بعضهم: هو خدر العرس. وآخرون: معبد عشتار وموضع البغاء المكرّس. ولكن ماذا تقول النصوص البيبليّة؟ اعتبرت فلسطين دومًا أرض الكروم (رج 1: 6). وحين يعدّدون محاصيل الأرض، كانوا يذكرون الخمر وحده مع الحنطة أو مع الحنطة والزيت. نقرأ في تث 33: 28: "عيونكم إلى أرض حنطة وخمر". وفي أش 62: 8: "لن يأكل أعداؤك قمحك ويشرب الغرباء خمرة تعبك ". رج هو 14:7 ؛ 2:9؛ زك 17:9؛ أم 3: 10.
ونقرأ في تث 13:7: "يبارك ثمرة تربتك من قمح وخمر وزيت ". وفي 11: 14: "تجمعون قمحكم وخمركم وزيتكم ". رج 17:12؛ إر 31: 12؛ يوء 1: 10؛ 19:2، 24؛ مز 8:4.
ثم لا شكّ في أن الخمر التي هي نتاج مسكر (أش 28: 7؛ أم 21: 17؛ 23: 29-35) تُذكر في نش كرمز إلى الحبّ (1: 2، 4؛ 4: 10؛ 5: 1؛ 7: 10؛ 8: 2). وهكذا تعود الأمّة إلى "كرار" يهوه، إلى فلسطين، لتسكر بخمر حبّه. هذا ما يتوافق مع ما نقرأ في 1: 4، 12، 16، 17.
"رايته علّي المحبّة". هنا تختلف القراءات. السبعينيّة والبسيطة: رتّب عليّ المحبّة. أكيلا والشعبيّة: رتّب فيّ المحبّة. سيماك: كرّس المحبّة. هنا نعود إلى "د ج ل " التي تعني "نظر، شاهد" (5: 10، رج في الاشوريّة "دجلو"). وفي نش 6: 4، 10 نجد اسم الفاعل (ن د ج ل و ت) وهو يدلّ على تجمّع مع رايات، يدلّ على الجيوش.
إذن، عنت اللفظة "الراية" أو"الجيش " (رج عد 1: 52؛ 2: 2- 3، 10، 17- 18، 25، 34؛ 10: 14، 18، 22، 25. ولن نجد اللفظة بعد ذلك في النصّ العبريّ). فقال بعضهم: يشبّه حبّ الرب بجيش مع رايات يهاجم الحبيبة فيصيبها الوهن (آ 5). ولكن لماذا الهجوم، والعروس لا تقاوم، بل تدل على طواعية حبّها وحراراته. وإذا كانت قد وهنت، أو صارت مريضة، فليس بفعل قوّة خارجيّة، بل بفعل عاطفة عنيفة تنبع من أعماق كيانها.
لهذا نعود إلى معنى "راية". والأداة "ع ل " تعني كما في العربيّة: على، فوق (لا أثر للعداء كما نقول في هجم عليه). فالراية (رج لفظة مشابهة: ن س) هي علامة تجمّع (أش 5: 26؛ 11: 10)، وهي تُرفع على عيون الأمم لكي تأمرها بتحرير الأسرى (أش 11: 12؛ 49: 22؛ 52: 10). فحبّ الربّ لشعبه هو علامة تجتذبهم، تجمعهم، تعيدهم إلى الأرض المقدّسة. وإذا كان الكاتب ذكر لفظة "د ج ل " (لا: ن س)، فلأنها تدلّ على الخروج من مصر كما في سفر العدد. هنا نقابل مع 1: 9، بين الوضع الحاليّ ووضع البدايات: إن الأسر هو عبوديّة على مثال عبوديّة مصر وعودة الأمة من منفاها تُعتبر خروجًا جديدًا.
(آ 5) أسندوني (س م ك). يُستعمل الفعل مع الطعام (تك 27: 37). تتوجّه العروس إلى "البنات ". فلماذا تستعمل المذكّر، لا المؤنّث. هي بالأحرى لا تتوجّه إلى أية فئة محدّدة، بل تصرخ بفعل عاطفة قويّة تخرج من أعماق صدرها.
"أسندوني بأقراص الزبيب ". هنا نعود إلى هو 3: 1. فأبناء اسرائيل اعتادوا أن يتعبّدوا للآلهة الغريبة (هذا ما يسمّى زنى) ويقدّموا لها أقراص الزبيب. قد يكون الشاعر استعاد هذه الإشارة عن سابق قصد: ما كان رمز الخيانة الزوجيّة، أنعش الآن العروس في فورة الحبّ الشرعيّ.
نقرأ "ر ف د" كما في العربيّة. ساعد، أعان، أسند. في نش 2: 3؛ 7: 9، يحرّك عطرُ التفاح الحبّ ويرمز إليه. أما هنا فالتفاح يسند العروس. قد نكون هنا أمام عادة قديمة تجعل المريض يتنشّق رائحة التفاح ليُشفى.
ما هو سبب مرض الحبيبة؟ الحبّ. هو حبّ عظيم جعلها ضعيفة، جعلها تتلاشى ولا تستطيع حراكًا. لسنا هنا أمام تشوّق طالما تاقت العروس إلى أن تراه يتحقّق. فالعروسان يقفان الواحد تجاه الآخر. يمتلك الواحد الآخر في غمرة من الفرح. وإذ تصبح العاطفة جيّاشة، تكاد العروس تسقط إلى الأرض.
وهنا يستعيد نش ويعاكس ما نقرأ في هو 5: 13: إفرائيم هو مريض. عاقبه الرب لأنه تعبّد للأصنام النجسة. والآن، صارت "الخائنة" مريضة بسبب الحبّ الذي يعيدها إلى إلهها.
(آ 6) "شماله تحت رأسي ". هذا هو الواقع، ولسنا أمام التمنّي. و"يمينه تعانقني ". تحيطني بعلامات العطف والمحبّة (رج تك 29: 13؛ أم 5: 20). نشير إلى أن هذه الآية تتكرّر في 3:8.
إن المدرسة الطبيعانيّة تعطي لهذه الآية معنى جنسيًّا وشهوانيًّا. وهناك شرّاح يرون في العناق حضور الربّ في المعبد. ولكن يبدو أننا نستطيع أن نبقى على مستوى الحبّ بين العروس وعريسها. كانت مريضة. كادت تقع على الأرض من شدّة الحبّ، فأخذها بين يديه.
(آ 7). هنا يتوجّه العريس إلى بنات أورشليم. نجد الفعل "ش ب ع " في 1 صم 20: 17؛ 1 مل 22: 16= 2 أخ 18: 15. ونجده في نش 3: 5؛ 8: 4. يبدو الفعل في الماضي ولكنه يتّخذ معنى الحاضر.
"يا بنات أورشليم ". نحن نعرف منذ 1: 5، أن هذه العبارة لا تعني الصبايا المدعوّات إلى العرس، ولا حرم الملك، ولا الأمم الوثنيّة، ولا قبائل اسرائيل اللواتي يُدعين لأحلال اسم يهوه في الأمّة. قد تعني الراجعين من المنفى تجاه الذين بقوا. وقد نكون أمام إشارة أدبيّة تساعد العريس على توضيح عواطفه.
الغزال نجده في فلسطين. في الجنوب وعلى هضاب جلعاد. وهناك الأيائل. كانت كثيرة حين كانت الغابات، واضمحلّت باضمحلال الغابات. الغزال يرمز إلى الخفّة والسرعة (2 صم: 18؛ أم 6: 5؛ أخ 12: 9). فالعروس تتمنّى أن يأتي العريس ويُسرع. وقد نكون هنا أمام تلاعب على الكلمات: ال ه ي- ص ب ا وت: إله الصباؤوت، أو الإله القدير.
"لا تنبهنّ الحبيبة". هنا نتذكّر أش 51: 17: "أفيقي وانهضي يا أورشليم "، 52: 1: "استفيقي يا صهيون، والبسي عزّتك ". أورشليم المشخّصة هي في المنفى. بعد أن شربت كأس غضب الله، تمدّدت على التراب واستغرقت في النوم. وها نداء يأتيها من الله ويدعوها إلى أن تنهض، أن تنفض عنها الغبار والقيود (علامة الأسر)، أن تلبس ثياب العيد وتستعيد بهاءها الماضي. هذه هي خلفيّة نش.
إذا أردنا أن نفهم التعليم الجوهري في نش، وهو سيتكرّر أيضاً مرّتين (3: 5؛ 8: 4) بشكل ردّة وقرار، يجب أن نجعله في سياق التعليم النبويّ خلال المنفى وما بعد المنفى. إنه لمبدأ أساسيّ في اللاهوت النبويّ أن الله لا يغفر الخطايا من دون توبة سابقة. مثلاً، إر 3: 12- 13؛ 4: 4: ترتبط إعادة البناء بتوبة المنفيّين. رج حز 18: 23-32؛ 33: 11 حيث يُظهر الله رغبته بأن يخلّص الخاطئ شرط أن يبدّل الخاطئ حياته.
ولكن ما يلفت الانتباه هو ندامة "غير كاملة". مثلاً، في هو 2: 8- 9 حيث الزوجة الخائنة التي "سجنها" الربّ لئلا تعود إلى الخطيئة، تأخذ قصدًا بالعودة إلى زوجها الشرعيّ. هذه الحركة التي قامت بها هي غير كافية. فحسب آ 16 ي، سيرى يهوه نفسه مجبرًا على أن يجتذبها إلى الصحراء ويكلّمها في قلبها لتعود إلى حرارة حبّها الأوّل.
وفي هو 5: 15- 6: 5، ترك الرب بني اسرائيل، فدلّوا على نيّتهم بالاهتمام بـ "معرفته ". أما هو فتهرّب، لئلا يكون طلبهم له مثل سحابة الصباح، أو الندى الذي يتبخّر في أول ساعات النهار. لم يفهموا وسع المتطلّبات الأخلاقيّة في الديانة اليهويّة. وفي هو 14: 2، دُعي الشعب إلى العودة، إلى التوبة. ولكن العودة ستكون ناقصة، لأن الله يعد الشعب في آ 5 بأن يشفيهم من خيانتهم.
ويعبّر إر 3: 21- 22 عن الفكرة عينها بشكل مؤثّر. وهذا ما يترجم بوضوح في عبارة شهيرة: "أعدني إليك فأعود" (إر 31: 18): كان إفرائيم في المنفى. أقرّ بخطيئته ووعد أنه يعود (يتوب) حين يعيده (يرجعه) الرب إلى أرض فلسطين. وأخيرًا، يتطلعّ حزقيال إلى ذلك الزمن السعيد لإعادة البناء. حين يقيم بنو اسرائيل في الأرض، سيتحلّون بعواطف صادقة، لأنهم يطهّرون البلاد من نجاساتها الماضية. غير أن استعدادهم لن يكون كاملاً إلاّ حين يعطيهم الرب قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا (حز 11: 17- 20 ؛ 36: 24- 29؛ 31-32؛ رج إر 1 3: 31- 34).
وإذا تطلّعنا إلى وضع الجماعة في المنفى، نجد أنه يتوافق كل التوافق مع التعليم النبويّ عن الارتداد غير الكامل. ففي بإبلونيّة، جمع حزقيال حوله بعض النفوس الحارّة وهيّأها من أجل المستقبل. ولكن مجمل المسبيّين ما زالوا "يدنّسون اسم الرب " (حز 36: 20- 23). وبلاغة أشعيا الثاني وجدت صدى طيّبًا في القلوب السخيّة. ولكن النبيّ يوبّخ مواطنيه بسبب عماهم وعنادهم (أش 43: 8، 22، 26- 28؛ 48: 1- 11).
وفي فلسطين ليس الوضع أفضل من ذلك في أيام نحميا وعزرا. فهناك فرائض تُهمل (أش 58: 13- 14 ؛ ملا 3: 8- 10؛ نح 10: 32- 40؛ 13: 4- 22؛ أم 3: 9-10). ومع ذلك فالاهتمام بالطقوس يسيطر على الاهتمامات الأخلاقيّة (أش 58: 3- 12؛ 66: 1- 4). هناك التراخي والاستسلام لعبادة الأوثان (أش 57: 3- 13؛ 65: 3- 5، 11- 12) والنبوءة الكاذبة (زك 13: 2- 6) والعنف والقتل والضغط على الضعفاء (ملا 3 : 5 ؛ أم 1: 10- 19؛ 2: 12- 15؛ 4: 14- 19؛ أش 58: 1ي). أما الصلاّح فهم ضعفاء ومذلولون (أش 57: 1). والرؤساء الدينيّون قد امتلكهم الشرّ فقتل ردّة الفعل عندهم، بل جعلهم يستفيدون من هذا الوضع (أش 9:56-12؛ زك 2:10).
إذن، يستطيع نش أن يقول في الوقت عينه، إن العروس تحب وتنام. هي تحبّ في شخص المحافظين على الأمانة، العاملين على بناء الجماعة رغم الظروف القاسية، المرتبطين بإيمان الآباء، والمنتظرين مجيء الخلاص. وهي تنام بسبب لامبالاة الشعب وخطيئته. ولكن الخلاص لا يأتي بدون التوبة (أش 63: 15- 64: 11). فإذا أرادت التوبة أن تكون صادقة يجب أن تخرج طوعًا من القلب. "لا تنبّهن الحبيبة، لا توقظنها إلاّ حين تشاء".
وهكذا نتعلّم من هذه الآية الحريّة وصراحة العودة إلى الله. هذه الآية التي تختتم القصيدة الأولى، ستعود في 3: 5 و 8: 4، فتدلّ على موضوع أساسيّ في نشيد الأناشيد.

* أدخلني بيت الخمر
أحسَّت العروس أن العريس تركها مع أنه ما نسيها، أحسّت أنها لم تصل بعد إلى قمّة ارتياحها. فبدت وكأنها تحلم وهي يقظة، فردّدت في قلبها: "أدخلني بيت الخمر".
أدخلني. المبادرة تأتي منه لا منها. ظلّت مدّة طويلة "مستقلّة" رافضة، متمردة. وها هي الآن تستسلم كليًا لحبيبها، فتتركه يقودها كما يشاء.
وأخذها الحبيب إلى بيته، إلى بيت الخمر، بيت السكر بالحبّ، خلال وليمة أبديّة. في المطلع، كانت العروس قد رأت نفسها داخلة إلى خدر الملك، تنشد حبّه أكثر من الخمر (1: 4). وها هي تقول الآن بطريقة واقعيّة: "أدخلني إلى بيت خمره ". أدخلني إلى قاعة الوليمة حيث سيقدّم الخمر بوفرة. لم تعد تجاه الرغبة والحلم. وصلت إلى الحقيقة. إن عطشها القويّ وجد الخمرَة التي طلبتها شفتاها. وبعد أن ذاقت ثمرة الحبّ لدى عريسها، في الجنّة، في ظلّ التفاح، ها هي تتركه يقودها إلى بيته. فجلست إلى المائدة قربه، وشربت من كأسه المسكرة. فقالت مع صاحب المزامير: "الرب قسمة ميراثي وكأسي " (مز 16: 5).
أي طريق سارت فيه العروس بقيادة حبيبها! فبعد زمن أول من الاعجاب أمام التفاحة الحلوة، كانت الراحة في ظلال عذبة تحمل الحماية. ثم كان تذوّق الثمر. والآن، ها هو السكر في "غرفة العرس ". حين نأكل جسد الحبيب (تدلّ عليه الثمرة) ونشرب دمه (ترمز إليه الخمرة) ندخل في شركة زواجيّة. هذا ما قاله تيودوريتس القورشي.

* ورايته عليّ المحبّة
إنْ حبّ الرب يرافق شعبه، يسنده، يحميه، ينصره في حروبه. وهو يجمعه كما الراية في الحروب. وقد نستطيع أن نقول إن الحبّ "جيش " يهاجم المحبوبة وينتصر عليها. فكأس الحبّ هي أقوى منها. قال برنردس: "أشعلتها كلمات العريس ورؤيته، فصارت مثل امرأة سكرى. وإذ سألتها رفيقاتها عن سبب "سكرها"، أجابت أنه من الطبيعيّ أن يسكر الانسان الذي يكون في بيت الخمر".
أجل، لقد ضاعت العروس بعد أن شربت كثيرًا من كأس الحبّ.
قال يوحنا الصليب: "هذا ما يحدث للنفس التي تشرب من إلهها. بعقلها تشرب حكمة الله وعلمه. بإرادتها تشرب حبّه العذب كل العذوبة. بذاكرتها تأخذ من سحره... وشراب حكمة الله الذي شربته ينسيها كل تفاصيل العالم. يبدو لها أن كل علمها السابق كل معارف العالم هي تجاه هذا العلم جهل فادح ".
إذن، في النهاية يتغلّب الحبّ على مقاومتها. والخائنة التي لم تسمع لنداء الانبياء وتهديداتهم، خضعت الآن لحبّ قدير، حبّ عريسها الذي لا جيش له ولا سلاح سوى الحبّ لكي يجعلها تستسلم. "جيشه عليّ هو الحبّ ". فإله الجنود له سلاح واحد. ما هو الصاعقة ولا سيف العدالة والغضب. سلاحه الوحيد هو الحبّ الذي يتغلّب على قلوبنا بحبّ يتزايد ويتزايد إلى ما لا نهاية.
نحن هنا في الواقع أمام "حرب " حقيقيّة، على مثال تلك التي جرت بين ملاك الرب ويعقوب (تك 32: 25- 32). حرب لا هوادة فيها. وسلاحها الحنان والمحبّة. لهذا قالت العروس: أنا مجروحة. وإن هي هوت فلأنها مجروحة بجرح لا يُشفى. قال أحد المتصوّفين: "ذاك الذي جرحه يسوع لا يمكن أن يُشفى".

* أنا مريضة من الحبّ
كل هذا يعني أنها لا تتشكّى حين تقول: "أنا مريضة من الحبّ ". بل هي تتنهّد سعيدة فرحانة. هي لا تتشكّى من الجرح، بل تتشكّى لأن الذي جرحها لم يشف لها جرحها... فجراح الحبّ عذبة ولذيذة...
قال أوريجانس: "إذا اشتعل انسان في يوم من الأيام بحبّ كلمة الله الأمين، إن تقبّل إنسان في يوم من الأيام "سهمًا مختارًا" (كما يقول النبيّ)، تقبّل جرحًا عذبًا. إذا اخترق قلبه الحبّ في يوم من الأيام، فلم يعد يستطيع أن يقول شيئًا آخر، ولا يريد أن يسمع شيئًا آخر، ولا أن يعرف شيئًا آخر، ولا أن يذوق شيئًا آخر أو يرغب فيه... فهذا يستطيع أن يقول بحقّ: أنا مجروح (مريض من) بالحبّ ".
ونكتشف نفس أوريجانس أيضاً حين يقول في العظة الثاني حول نش: "أي شيء جميل، أي شيء عذب أن يتلقّى الإنسان جرحه من الحبّ. هذا يجرحه سهم حبّ جسدانيّ، وذاك يجرحه وله أرضيّ. أما أنت فاكشف عن أعضائك وقدّم نفسك للسهم المختار، لسهم هو جميل لأن القوّاس هو الله. واسمع ما يقوله السهم نفسه في أش 49: 2: جعل مني سهمًا حادًّا، احتفظ بي في جعبته. كم هو سعيد بأن يُجرح بهذا السهم. أما كانا سعيدَين هذا المتحدّثان معه اللذان قالا: أما كان قلبنا يحترق في داخلنا حين كان يحدّثنا في الطريق ويفتح لنا الكتب؟ وإذا كان أحد قد جُرح اليوم بكلامنا، إذا كان قد جُرح بتعليم الكتب المقدّسة، إذا استطاع أن يقول: أنا جريح الحبّ، مثل هذا الكلام ينطبق عليه ".
اعتدنا في قراءتنا للكتب المقدّسة أن نسمع تنهّدات اسرائيل، عروس يهوه، من جراح أخرى. هي جراح سبّبها زناها وخياناتها هي الزوجة المريضة. هذا ما نقرأه في إر 30: 12- 15 بلسان العريس: "كسرُ عظمك لا يُجبر وجرحك لا شفاء منه... لماذا تصرخين من كسر عظمك؟ فجرحك لا يُبرأ فأنا لآثامك الكثيرة وخطاياك التي تفاقمت فعلت ما فعلته بك ". أما الآن، فإن كان جرحها من القوّاس (رامي السهام) ذاته، فقد تبدّلت النبلة. قال غريغوريوس النيصي: "هي تمتدح النبّال لرشاقته، وتُعجب منه لأنه وجّه عليها سمه فاخترق قلبها. وإذ دخل السهم في القلب، أدخل معه النبّال الذي أطلقه. يا لجرح جميل وعذب به تدخل الحياة التي تتفتّح كمدخل بما يمزّقه السهم ".

* شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني
ولكن كيف لا يتمزّق الحبيب بدوره حين يرى حبيبته العزيزة تسقط بفعل ضرباته، تُجرح بحبّه؟ إنه في الحال يقترب منها. يأخذها بين يديه، يسندها، يعزّيها، يضمّها. حينئذ تتنهّد العروس معربة عن سعادتها: "شماله تحت رأسي ويمينه تضمّني، تعانقني ".
إنها تستسلم بين يديه. يده القديرة، يده الحنونة. يدُ ربّها ويد عروسها. اليد التي تحملها واليد التي تضمّها. حركتان يقوم جدا الله المحبّ. هو يفعل كما تفعل الأمّ مع طفلها: يسند رأسها بشماله ويغمرها ويضمّها بيمينه. لهذا، توسّل أوريجانس: "يا ليت العروس فيّ تشعر بهذا العناق الذي به يضمّني العريس إليه، فأقول بدوري: شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني ". هكذا اعتاد الرسّامون أن يصوّروا صراع يعقوب مع الملاك. نظرة الملاك إلى يعقوب هي نظرة محبّ. فهو بيده يسند رأس المصارع بعزم وحنان كحنان الأم. وفي الوقت عينه تدخل ركبته في وركه. قُهر يعقوب. إنه طفل بين يدي أمه. وهو حبيب بين يدي حبيبه.

* أستحلفكنّ يا بنات أورشليم
العروس مرتاحة الآن. وينهي العريس كل هذه القصيدة باستحلاف ملحّ يوجّهه إلى بنات أورشليم بأن لا يعكّرن هذا النوم. فيقول: "أستحلفكنّ يا بنات أورشليم، بالغزلان ووعول البرّية أن لا تنهضن الحبيبة، ولا تنبّهنها حتى تشاء".
تلك التي سكرت سكرًا غريبًا وهوت، ها هي قد نامت. إنها ترتاح الآن بقرب حبيبها. فلا يأتِ أحد يقلق راحتها!
ذُكرت الغزلان والوعول مثل أغنية تدعو العروس إلى النوم كما الطفل في سريره. وذُكرت أيضاً لترمز إلى حيوان فلسطين، كما رمزت السوسنة والنرجسة إلى نبات فلسطين. وذُكرت لتدلّ على رشاقة الحبّ وخفته على ما نقرأ في أم 5: 19: "فتكون (إمرأة شبابك) لك الظبية المحبوبة والوعلة الحنون الصغيرة. يرويك ودادها في كل حين، وبحبّها تهيم على الدوام ".
ونودّ أن نذهب أعمق مع هذه الجملة التي تعبّر عن سحر الحبّ البشريّ. هي تعود مرتين في نهاية القصيدة الثانية (3: 5) والقصيدة الخامسة (8: 5). فالحبيب يستحلف بنات أورشليم. إذن، الأمر خطير. ثم تتكرّر لفظة "ت ع ي ر و"، توقظن، تنبّهن، تنهضن. فالرب يدعو أورشليم "أفيقي ". افيقي من سكر الغضب. أما في نش، فالسكر هو سكر الحبّ.
هنا نفهم معنى هذه الآية. اسرائيل شعب لم يرجع كله إلى الربّ. ما زال مقسّمًا. ما زال يرفض الخطوة الحالة، خطوة العودة والاتّحاد بالرب. كان يهوه قد قال بلغة قاسية: "صاروا رغيفًا لم يُقلب " (على النار). ما دام في إرادتنا نزوات غريبة عن الاتّحاد بالله، ما دام فيها نعم ولا، نبقى على مستوى "الولدنة"، ولا نسير بخطى ثابتة إلى الحبّ. فالنار لم تحرق بعدُ كل مزيج، والذهب ليس بنقيّ. ما زلنا نطلب نفوسنا، ما زلنا أنانيّين. ذاك هو وضع العروس في تلك الساعة. فهي لم تنضج بعد من أجل القرار الحاسم. إنها تحب العريس بوله لا مثيل له، ولكنه حبّ يستصعب أن يتجسّد في الحياة. شربت من كأس حبّه، ولكنها لم تتحمّل "سكره ". فثباتها لا يجاري حرارة حبّها.
غير أننا لا نعجب إن كان الله غمرها بنعمه الخارقة رغم ضعفها. فالله يعطي نعمه للمبتدئين، وإن لم يكونوا على مستوى النعمة التي قبلوها. بهذه الطريقة يحرق النفس ويجعلها جاهزة تجاه إرادته في تجرّد تامّ عن ذاتها. ولكن الله لا يعجّل. فهو يعرف أن ينتظر... ينتظر أن تستيقظ الحبيبة. هي له سواء كانت نائمة أو مستفيقة. هي له وستبقى "حبَّه " الدائم.

خاتمة
وهكذا تنتهي القصيدة الأولى. نقلت إلينا رغبة اسرائيل في إعادة بناء نفسها بناء تامًا. وتقبّل الله هذه الرغبة. فهو يقيم مع شعبه في أرضه المقدسة وسط تعابير حبّ متبادل وقويّ. ونحسّ أن اجتماع العروسين قد تمّ، وأنه لم يبقَ شيء آخر يتوقان إليه.
غير أن خاتمة القصيدة (2: 7) تبقينا في الريبة، لأنها تفهمنا أن العروس ما زالت نائمة، ما زال حبّها ناقصًا. أن العروس لم تستيقظ بعد لتستقبل عريسها الذي ينتظرها حتى تستفيق وتنهض. هل كانت في حلم أو هي عاشت الواقع؟ هنا نفهم وضع الشعب: عاد المنفيّون بابتهاج عظيم ولكنهم واجهوا خيبات الأمل. والذين عادوا كانوا قلّة قليلة، أما أكثرهم فما عاد إلى أرض الآباء. والذين عادوا أخذوا بعوائد الأمم المجاورة.
إذن، نتساءل: إلى أي درجة عادت "الحياة الزوجيّة" إلى عمقها؟ هناك نقص في قلب العروس. لا شكّ في أنها أعلنت حبّها لعريسها، ولكن قلبها ما زال بعيدًا عنه... سيناديها... ولكنها تتأخّر في التعرّف إليه. "هو صوت حبيبي ".
القصيدة الثانية
2: 8 – 3 : 5
الزهور ظهرت في الأرض
وآن أوان الغناء (2: 12)

عنوان القصيدة الثانية: فصل الربيع وزمن الخطوبة. كانت القصيدة الأولى قد انتهت في بداية اتحاد بين العروسين. ولكننا نجد أننا نعود من جديد إلى الرغبة والانتظار والبحث عن الآخر حتى الاتحاد. ذاك هو واقعنا. نحن ما زلنا ننتظر الله، نرغب فيه، نطلبه ونبحث عنه. ولكن هل هو الذي يغيب أم نحن نغيب؟ هل هو الذي يحتاج أن يرجع أم نحن؟ وتسمع الحبيبة صوت الحبيب وتريد أن تكون له وهولها، فتطلبه حتى في الليالي ولن يهدأ روعها إلاّ ساعة تجده. تلك هي طريق النفوس المتعطّشة إلى الله.
الفصل الثامن
ها صوت حبيبي
3 :8- 14

تركنا العروس في قاعة الوليمة وهي مغمورة بالسعادة. هي تمتلك حبيبها في انخطاف من الحبّ بما فيه من فرح. وفي هذه القصيدة الثانية، ها هي تذهب من جديد للبحث عنه فتجوب شوارع المدينة وساحاتها بقلق ووله، إلى أن تجده فتنضمّ إليه وتستسلم مرّة ثانية إلى سعادة كانت قد خسرتها فاستعادتها.
هنا نكتشف أيضاً إشارة تدلّ على الطريقة التي بها ألِّف نش. لسنا أمام خبر أو قصّة، ولا أمام دراما متواصلة. بل أمام مجموعة من قصائد تكوّنت حسب النموذج الواحد، وهي تنشد حبّ الله لشعبه بعد أن أنشدت حبّ العريس لعروسه، وحب العروس لعريسها.
ويعود الموضوع عينه. يستعيده الشاعر بحريّة ورشاقة. لسنا أمام تكرار مرتّب كما في "عمليّة حسابيّة"، بل أمام نشيد غنائيّ. فكما تتنوّع مشية العصافير في أرض فلسطين، كذلك تتنوعّ في نش تعابير الحبّ بين الحبيبين.
حين نصل في هذه القصيدة الثانية إلى قلق البحث، نجد طريقنا بسهولة. فالبداية تحيّرنا. ولكننا نفهم حالاً أنها ترتبط بمشاهدة متبادلة فيها الرغبة والرضى والسعادة. استشفّت العروس مجيء العريس الذي يثب كالغزال. ها هو على النافذة يتطلعّ إلى ما في الداخل. بل هو يتكلّم. يتلفّظ بأعذب كنت تعبّر عن الاعجاب بعد المشاهدة: "قومي يا حبيبتي، يا رفيقتي تعالي ".
مثل هذا المشهد يجب أن ينتهي بدخول العريس. ولكن لا. ففي المشهد التالي يغيب العريس وتذهب العروس في طلبه. وبعد ذلك فقط يتمّ اللقاء المنشود. في القصيدة الأولى كانت المحنة، ثم المشاهدة، ثم الامتلاك. أما في هذه القصيدة فالمشاهدة تسبق المحنة.
تمّ اللقاء والمشاهدة من خلاله الشبابيك. تنادى العروسان، وكلّم الواحد الآخر. ولكن هل رأى الواحد الآخر؟ ليس الأمر بأكيد. وفي أي حالة، لم يلتقيا عن قرب ولم يلامس الواحد الآخر. وبعد لحظة انفصلا من جديد، فسيطر الحزن على قلب العروس التي ذهبت تطلبه بتحرّق. لقد توخّى هذا "اللقاء" أن يشعل الرغبة عند الحبيبة. وهكذا هيّأت المشاهدة الطريق للمحنة فجاءت أليمة جدًا.
(آ 8) صوت حبيبي. ها هو صوته. أنا أسمعه. هنا نتذكّر 5: 2: "سمعت صوتًا: هو حبيبي يقرع ". ما تسمعه العروس ليس صوت الحبيب. فهو لن يتكلّم إلاّ بعد وصوله في آ 15: "قومي يا رفيقتي ". ولكنها تترصّد. وحدْس حبّها يجعلها تدرك من بعيد وقع خطاه.
ها هو الحبيب. ها هو آتٍ . هو يثب، يقفز (ق ف ص في العبرّية) فوق الجبال. هي صورة تدلّ على جريه السريع. إذا كانت العروس مشتاقة إلى لقاء العريس، فشوق العريس ليس بأقلّ من شوقها. الجبال هي جبال فلسطين (آ 17؛ 8: 14) حيث تقيم العروس. وإلى هنا جاء. من أين أتى؟ هذا ما لا يقوله النصّ. في أي حال، ليس المهمّ من أين يأتي، بل إلى مَن يذهب. فالوضع هنا شبيه بما في أش 52: 7- 9: "ما أجمل على الجبال اقدام المبشّرين، المنادين على مسامعنا بالسلام، الحاملين بشارة الخير والخلاص، القائلين لصهيون: قد ملك إلهك ". ونقرأ في 62: 10- 12: "قولوا لابنة صهيون: ها مخلّصك الرب آتٍ ، جزاؤه معه وأجرته تتقدّمه " (رج 4: 3- 5، 9- 11).
(آ 9) "حبيبي كظبي هو". يستعيد الشاعر ما قاله في آ 7 وما في 8: 14 (أهرب يا حبيبي، وكن كالظبي). نحن أمام ردّة وقرار يقابل 2: 7؛ 3: 5؛ 8: 4. ما زالت العروس تعبّر عن رغبتها بعودة الحبيب السريعة. أما هو فيعترض ويقول: ما استيقظت بعد.
ونقرأ كلمة "ع ف ر" في نش (17:2 ؛ 4: 5 ؛ 7: 4 ؛ 8: 14) ولا نقرأها إلاّ في نشيد الأناشيد. هي تقابل في العربيّة "غفر" (ولد الوعل). جاء الحبيب بسرعة وتوقّف (ع م د: أقام، قدّم ذاته). لقد وصل إلى الهدف الذي وضعه نصب عينيه: بيت الحبيبة. وقد يكون بيتهما (16:1-17 ،12:2).
نجد "ش ن هـ " تطلعّ، نظر بانتباه، لاحظ (أش 14: 16، مز 33: 14). نظر الحبيب من النافذة، وقد تكون عالية، فأشرف بنظره على داخل البيت (مز 80: 15؛ 102: 20). لم تكن هناك نوافذ في البيوت الفقيرة لأن جدرانها مبنيّة من الطين. ولكن كان للبيوت المهمّة نوافذ مع شبابيك. قد يكون من الأفضل أن نجعل صيغة المفرد. فنقول: من نافذة من النوافذ.
ومع "ش ن هـ " نقرأ "م ص ي ص " أي نظر بانتباه، راقب. رج في العربيّة "وصوص ": نظر من ثقب في الستر.
إذن، تقيم الحبيبة في بيت فخم. تقيم في المدينة. وهذه المدينة لا يمكن أن تكون إلا أورشليم (3: 1- 4 ؛ 6- 7). إلى هناك ذهب الحبيب يطلبها.
(آ 10) أجابني حبيبي قال. هي المرة الوحيدة نجد هذه العبارة في نش: هي العروس تتحدّث كما في خبر تاريخي. نقرأ صيغة الماضي، ولكن الفعل يدلّ على الحاضر في الواقع، نحن في خارج الزمن، والكلام يدلّ على الأمل بإعادة بناء الأمّة في المستقبل.
"قومي ". العريس يدعو العروس إلى أن ترتفع فوق الاحلام. هو يدعوها كما يدعو النبيّ أورشليم في أش 51: 17: "استيقظي، استيقظي، قومي يا أورشليم ". وفي 52: 2: "انفضي الغبار عنك، قومي يا أورشليم المسبيّة". إذن، لا بدّ من إزالة "النعاس " عن عروس ذليلة مرهقة ومنهارة. "يا رفيقتي تعالي ". هو يدعوها لكي تقترب منه.
ما معنى هذه الآية؟ أترى تروي العروس في حوار داخليّ (مونولوج) حدثًا من علاقاتها مع عريسها؟ بعد مطر الشتاء، ها هو يدعوها لكي تتمتعّ معه بجمال الربيع. هذا الحدث هو ذكرى لأنها الآن في البيت... قد يكون هذا الأساس. ولكن المعنى هو أن الأمّة سجينة في بلادها، نائمة مثل عبدة. أرسل إليها الرب نداء يدلّ مسبقًا على الخلاص الذي ينتظرها.
(آ 11) وتأتي عبارة "ك ي " (لأن، ف) فتبدأ توسّعًا يعطي سبب النداء الذي سمعته العروس. هو توسّع عن الربيع كما في فلسطين. يبدأ هنا وينتهي مع آ 13 ب وتجديد المنادي: "قومي يا رفيقتي، يا جميلتي تعالي ".
الشتاء (س ت ي. لا ترد هذه اللفظة إلاّ مرّة واحدة في الكتاب المقدس). رج السريانيّة (ستوا) والعربيّة. يدلّ على فصل الشتاء كما على المطر. وصار في فم العريس شخصًا حيًّا: لقد "عبر". وكذا يقول عن "المطر" (غ ش م، المطر الغزير) الذي يسير، يمضي، كما يفعل انسان من الناس. لقد انتهى فصل الشتاء حقًا، وأطلّ فصل الربيع. تستطيعين أن تخرجي دون أن تخافي المطر.
(آ 12) وما الذي يدلّ على الربيع؟ الزهور. ويشير الشاعر إلى التين والكرم. هذا يعني أننا في شهر أيار. ولكن لماذا التحديد في نصّ شعريّ كهذا؟ يقول النصّ: "في الأرض ". أي في أرض فلسطين بعد أن دمّرها الشتاء وما يرمز إليه هذا الفصل. إذا كان الدمار يدلّ على العقاب، فزهر الربيع يدلّ على الخلاص (رج هو 14: 6- 8؛ ق 2: 5، 14).
"آن أوان الغناء" (زمر في العبرّية، أنشد). فالربيع علامة الفرح، وهو يرمز إلى حدث الخلاص. ولهذا يصعد نشيد الشكر إلى الربّ: "من أطراف الأرض نسمع أناشيد الإكرام للإله الحق " (أش 24: 16؛ رج 26: 1 ؛ إر 33: 11).
تُذكر اليمامة في إر 8: 7 مع حيوانات رحّل. هي تصل في شهر نيسان إلى فلسطين آتية من الشرق. هي تأتي إلى "أرضنا". أرض العريس وأرض العروس. فلسطين هي ملك الشعب، والربّ هو الذي يُشرف على هذا العطاء.
(آ 13) يُذكر التين بجانب الكرم في الكتاب المقدّس. وهو يدلّ على سعادة هادئة محفوظة للمؤمنين في أرض فلسطين (1 مل 5: 5؛ 2 مل 18: 31؛ أش 17:36؛ مي 4: 4؛ زك 3: 10). ومن علامات غضب الله تدمير الكرم والتين (إر 5: 17؛ 8: 13 ؛ هو 2: 14). إذن، نحن بعيدون كل البعد عن اللعنة. فالبركة حلّت في الأرض (وفي قلب العروسين) بعد أن أنضجت التينة ثمارها والكروم أزهرت وفاح منها الشذا.
نجد فعل "ح ن ط "كما في العربيّة. حان حصاد الزرع أو أدرك ثمر الشجر. إذا كنا في زمن الربيع، في شهر أيار، فالتين المذكور هنا هو التين "القزّي " أي الذي يرافق ظهور دودة القزّ. هو تين باكوريّ.
(آ 14) حمامتي مختبئة في شقوق الصخور. في العبرّية "ح ج و". واسمها في العربيّة هو منعرج الوادي، الملجأ. قال هو 7: 11: "بيت افرائيم حمامة طائشة، لا لبّ لهم ". قد يشير نش إلى هذا النصّ، كما يشير إلى هو 11: 11 وأش 60: 8 اللذين يتكلّمان عن المنفيّين الذين يعودون كالحمائم إلى ديارها.
"في مكامن (مخابئ) السفوح ". هذا يعني أن الحبيبة موجودة في مكان لا يصل إليه أحد. وهكذا لا يستطيع العريس أن يصل إليها. بل هو لا يستطيع أن يراها فيقول لها: "دعيني أرى وجهكِ " (حرفيًا: أريني مرآكِ). بالإضافة إلى ذلك، فهي صامتة، وهو يرغب في سماع صوتها. "دعيني أسمع صوتك ". فصوتك عذب ووجهك ساحر، رائع. لا نجد لفظة "ع ر ب " إلا هنا وفي أم 20: 17. أما الصفة "ن 1 د ه" (رائع) فتقال دومًا في العروس (5:1 ؛ 3:4 ؛ 4:6؛ رج 1 :10).
هي لوحة فلسطينيّة من أرض يهوذا بنخاريب صخورها ومخابئها. هناك تقيم الحبيبة ولا تريد أن تتحرّك. يناديها الحبيب وهولا يراها ولا يسمعها. فلا يبقى لها إلاّ أن تأتي إليه. ذاك هو الوضع في 2: 7 (لا تنهضن الحبيبة، قد لا تحبّ أن تنهض) وفي 5: 2 (أنام وقلبي مستفيق). ذاك هو وضع الأمّة: رغم تعلّقها بالربّ، لم تعد إليه كل العودة. لهذا، فهو يلحّ عليها بأن تأخذ قرارها. أتراها ستسمع صوته؟

* هو صوت حبيبي
في نهاية كل قصيدة، نظنّ أن الوحدة تحقّقت بين الحبيبين. ولكننا نكتشف في القصيدة التالية أننا أمام رغبة (جديدة)، ثم انتظار، ثم بحث وطلب إلى وحدة جديدة. فما دمنا على هذه الأرض، لا نزال ننتظر الله ونشتهيه ونطلبه ونبحث عنه. وإذا كانت الوحدة تتطوّر من قصيدة إلى أخرى، من ارتداد إلى ارتداد، فهي لن تتمّ بشكل نهائيّ إلاّ في الملكوت. نحن نتقدّم في نش كما في طريق جبليّة، فنمرّ دومًا فوق النقطة ذاتها. ندور وندور على السفح وكأننا لا نتقدّم. ولكننا في كل مرّة يزداد صعودُنا نحو القمّة. نحن في الواقع نصعد إلى الكمال في مراحل متعاقبة.
"ها صوت حبيبي. أسمع حبيبي ". هذا ما هتفت به العروس في فرحها. هناك مَن "نبّهها" إلى أنه يقترب. من بعيد ومن بعيد جدًا أحسّت باقترابه. وعرفت قفزات خطواته قبل أن تسمع صوته. قيل عن آدم وحواء في المرة الأولى التي فيها استشفّا اقتراب الله، أنما عرفاه من وقع خطواته. "سمعا صوت خطى الرب في الجنّة" (تك 3: 8)0 الكلمة العبريّة هي هي (ق و ل). الحبيب هو ذاك الذي لا بدّ من أن يأتي. هو دومًا ذاك الآتي.
ولكن خطى الحبيب ليست خطى من "يتمشّى" في نزهة. هو يركض، واثبًا على الجبال، قافزًا على التلال. هذه الجبال وهذه التلال هي تلك التي تحيط بأورشليم كما يقول مز 125: 2: "أورشليم تحيط بها الجبال ". والعروس في قلقها تراقب الجبال منذ شهور وشهور لترى إن كان الحبيب سيأتي إليها. قالت مع المرتل: "أرفع عينيّ إلى الجبال. من أين يأتي عوني " (مز 121: 1)؟ ولكن الحبيب يأتي من مكان أعلى، من جبل بيت الربّ الذي تحدّث عنه أشعيا، والذي هو أعلى من الجبال ويرتفع فوق التلال (أش 2: 2). ترك مقامه الأزليّ، كعريس يخرج من خدره، وكجبّار يبتهج بقطع شوطه. ينطلق من طرف السماء فيصل في جريه إلى الطرف الآخر، ولا شيء يستتر عن حرّه (مز 19: 6- 7).
وهكذا يصل إليها. خطوه السريع هو خطو الرقص، لأنه خطو الحبّ. قال أوريجانس: "هي قفزات لا خطى. هو يركض. هو يقفز. هو يثب. فهو يريد أن يصل إلى الحبيبة بعجلة واندفاع. ليس من حاجز لا يمكن تجاوزه حين يكون هدفه أن يجد العروس. وحين تقرأ العروس اليوم الكتب المقدّسة، وتتصفّح كتابات الأنبياء، تراه يقفز عبر سطور النصّ الموحى، بل هو يترك هذه الكلمات لكي يلتقي بها". حينئذ تتخيّله كما هو الآن، سريعًا كالغزال وخفيفًا كصغير الغزال. له حريّة الغزال ورشاقته واندفاعه ورقّته. وعجلته هي عجلة المرسل الذي يحمل خبرًا طالما ننتظره. ما أجمل أن نرى الرسول الذي يحمل السلام، يحمل البشارة، يركض على الجبال ويعلن الخبر المفرح. هذا ما قاله أشعيا.
هو يركض لأنه لا يقدر بعدُ أن يمتلك نفسه، والحبّ يلجّ عليه. قال يوحنا الصليب: "ظهر الغزال المجروح على قمّة الجبال. فحين رأى أن عروسه قد جرحها الحبّ، وحين سمعها تتنهّد، جُرح هو أيضاً بالحبّ لأجلها. إذن، أسرع حالاً إليها ليعزّيها ويدلّلها، وكأنه يقول لها: إن كنت يا عروسي قد جرحتِ حبًا لأجلي، فأنا أيضاً كالغزال قد جرحت بجرح الحبّ لأجلك ".

* ها هو واقف وراء حائطنا
حين ركض دلّ على جرأته وقوته. وحين وصل الآن إلى بيت العروس، كان خِفرًا متحفظًا. وقف وراء الحائط لكي لا يراه أحد. ثم اقترب بعض الشيء. وراقب من خلال النافذة الوقت الذي فيه يستطيع أن يدخل. ومثل حبيب حقيقيّ، ترصّد من خلال الشباك أصغر حركة تقوم بها تلك التي لا تتركه صورتها. فهناك تعارض لافت بين هذه القدرة التي تتجاوز الجبال بخفّة، وبين انتظار من التواضع والاحترام على باب حياتي، يبديه ذاك الذي يلجني نظره الحميم، فلا يريد أن يدخل عنوة إلى نفسي. كل حرارة الحبّ مع الاحترام العميق العميق. قال إيريناوس: "جرت أجيال وأجيال قبل أن يستطيع الانسان أن يستقبل في بيته الكلمة المتجسّد. ومن جهة ثانية، احتاج الكلمة المتجسّد سنوات عديدة لكي "يتبلّد" شيئًا فشيئًا مع بشريّتنا، لكي يتكيّف مع جسدنا. هذا ما توحي به المحاولات المتعاقبة التي يقوم بها العريس لكي يقترب منّا".
لاحظت العروس كل خطوة من خطوات عريسها، كل حركة من حركاته، فلم يفتها شيء. قال برنردس: "أنظروا بأي دقّة وروعة تميّزت العروس الساهرة اقتراب العريس، ولاحظت أبسط حركاته. جاء، أسرع، اقترب، وقف هنا، نظر، تكلّم. لا شيء يفلت من نظرة العروس الحدقة... ومع أنه اختفى وراء الحائط، فقد عرفت بحضوره، وحزرت أنه ينظر إليها عبر الشبابيك. والآن، ها هو يكلّمها ليجازيها على انتظارها التقيّ ".

* أجابني حبيبي وقال
تكلّم الحبيب بوداعة. ومع ذلك غطّى صوته كل صوت آخر وسيطر على كل ضجيج العالم. فهذا الصوت ينبع من الداخل، وهو قويّ خارق بقوّته. قالت: "قومي يا رفيقتي، يا جميلتي تعالي ".
كل ما يرغبه الله لدى الانسان نجده في هذا النداء الملحّ الذي يطلقه الحبيب الآن، بأعذب الكلمات وأرقّها: "قومي، تعالي ". يا حبيبتي، يا جميلتي. الحبّ والجمال. وهي جميلة إلى درجة صارت محبوبة. قال الحبيب: قومي. يبدو أن "العروس الساهرة" التي اكتشفت اقتراب العريس، لم تتحّرك حتى الآن لأنها ما تزال ذابلة موهنة. هي ترى. هي تسمع. ولكن يصعب عليها أن تفعل. وتوسّل الحبيب: قومي، تعالي. هو ذات الصوت الذي أمر ابنة يائيرس لكي تنهض من رقاد الموت. طليتا قومي، يا صبيّة قومي (مر 41:5).
غير أن الحبيب لا يفرض نفسه. لا يريد أن يقتحم الباب. قال: تعالي طوعًا. لا مدفوعة بالتأسّف أو الضرورة، بل مدفوعة من الداخل. نحن أمام دعوة، لا أمر يفرض.
قال: تعالي. ولم يقل: إذهبي. هي الدعوة نفسها التي سوف يُسمعها يسوع للتلميذين الأولين: "تعاليا وانظرا" (يو 1: 30).
ولكن إلى ماذا يدعو الحبيب عروسه ويلحّ عليها؟ لكي يحتفل معها بالربيع، أجمل فصول السنة، فصل الحبّ، فصل الحبيبة الحلوة، وحقبة الخروج من مصر (خر 13: 4) والدخول إلى أرض الموعد (يش 4: 19)، زمن الفصح وتذكار الولادة الحقيقيّة. فروعة الربيع في فلسطين تقابل روعة العروس التي لا تعرف أن تتخلّص بسهولة من فصل الشتاء الطويل الذي مرّت فيه.

* الشتاء عبر وولّى
الشتاء الذي مضى هو شتاء المحنة والمنفى. وشتاء النفس الغارقة في النعاس وثقل النوم. لقد انتهى زمن المطر، زمن الحزن والدموع. قال رؤ 21: 4: "يمسح الله كل دمعة من عيونهم ". ها هو الربيع. ربيع التجدّد والتوبة، ربيع الحبّ الذي يتفجّر بمجيء المحبوب. ربيع طويل يمتدّ إلى أيار ويتداخل في أشهر الصيف. نراه ساطعًا في كل مكان مع الزهرات الأولى التي تجعل من فلسطين سجّادًا جميلاً.
قدّم التين أول ثماره والكرم زهره ورائحته. شجرتان يحبّهما سكّان فلسطين فتدلاّن على السلام في أيام سليمان. وتذكّراننا أيضاً بالحبّ الأول في البرّية. قال للرب بلسان هوشع (9: 10): "وجدت بني اسرائيل كمن يوجد عنبًا في البرّية. كمن رأى باكورة في التين أول أوانها". وبدأت الطبيعة تسمع زغردات الطيور ولاسيّمَا طيور الحبّ: اليمامة والحمامة. كان الرب قد قال في حز 16: 8: "رأيتك ناضجة للحب ".
وانضمّت الخليقة كلها إلى الحبيبة ساعة استفاقت ونهضت: زهور الجبال والوديان، أناشيد العصافير وأغاني البشر وهكذا تقابل الكون كلّه مع الانسان، فصير الواحد يرتبط بالآخر. بعد الخطيئة الأولى، كان الشوك والعوسج. وبعد عودة الشعب إلى حبّ صبائه الأول، تلوّن كل شيء بلون الربيع. جاء وقت فيه تنفتح كل خليقة على الله وتستقبل الحب.
قال العريس: "في أرضنا". صارت أرضنا أرضه بمجيئه، بسرّ التجسّد. قالت برنردس: "هي المرّة الثانية يتحدّث فيها العريس السماويّ عن الأرض. ويتحدّث بحنان كما يفعل إنسان يعيش على الأرض. كم نلتذّ حين نسمع الله يقول: أرضنا. هو لا يشدّد على أنه السيّد، بل على أنه الرفيق والصديق، لا يريد ان تكون أرضنا "مشاعًا" له يسيطر عليها، بل بلدًا يحبّه. ولمَ لا؟ فمنها أخذ عروسه وجسده... كالربّ يملك عليها. وكالخالق يسوسها. وكالحبيب يشارك فيها".
لا يدعو الحبيب حبيبته فقط (ويكرّر الدعوة، قومي، تعالي في آ 10 وآ 13) لكي تفرح معه بالربيع على أرض فلسطين التي هي أرض حبّهما وعهدهما. ولكنه يتوسّل إليها أيضاً لأن تريه وجهها ولا تتأخّر، لأن تسمعها صوتها. فيقولن لها:

* دعيني أرى وجهك، دعيني أسع صوتك
في الكتاب المقدّس، الشعب هو الذي يرغب كل الرغبة بأن يرى العريس ويسمعه. قال موسى: "أرني مجدك " (خر 33: 18). وصاحب المزامير (27: 8- 9): "قلتَ: التمسوا وجهي. فقلتُ: وجهك يا ربّ التمس، لا تحجب وجهك عنّي ". أما الجديد في نش فهو أن نسمع العريس يتوسّل إلى العروس (يسمّيها حمامتي) أن تريه وجهها وتسمعه صوتها.
فبدلاً من أن تبقى منغلقة على نفسها، منعزلة في برجها العاجيّ، مختبئة في نخاريب الصخر، وهكذا تتفلّت من ندائه ومن قبضته (حمامة خائفة في مخابئ الصخور). بدلاً من ذلك، ها هي تقرّر بملء إرادتها أن تعود إلى عريسها. لن تميل بوجهها عنه، بل توجّه قلبها إليه. لن تسكت بعد اليوم، ولن تبقى صامتة، بل ستجيب إلى ندائه. لن تبقى كسولة داخل بيتها، بل تذهب إلى خارج الدار وتأتي إلى لقائه.
لماذا لا نتجرأ ونخرج من ذواتنا؟ لماذا نعاند فنبقى منطوين، منغلقين على نفوسنا؟ أنحسب أن هذا هو التواضع؟ كلا. بل التكبّر الذي يجعلنا نخاف ولا نخاطر.
قال فرنسيس السالسي في هذا المجال بلسان العريس: "قومي، اخرجي من ذاتك، طيري إليّ يا حمامتي، يا جميلتي... تعالي يا حبيبتي العزيزة، تعالَي إلى هذه النوافذ التي بها أنظر إليك، لكي تريني بوضوح. تعالي وتأمّلي في قلبي داخل جنبي حين تدمّر جسدي على خشب الصليب. تعالي وأريني وجهك".
ما نفهم من هذا النصّ هو أن شقوق الصخور هي موضع العزلة التي فيها تختبئ الحمامة الخائفة والمثقلة بالنوم، وهي أيضاً انفتاح على جنب المسيح الذي به ينكشف لها فتستقبله. وقد رأى التقليد الصوفيّ القديم في نخاريب الصخر موضع العزلة الذي فيه تقيم العروس فتنتقل من ملجأ هو نفسها حيث تختبئ إلى مغارة عميقة جدًا هي جسد المسيح صخرتنا (1 كور 10: 4)، هي جرح قلبه (يو 19: 34).
فكيف لا نرى في هذه الفتحة سرّ قلبه الذي يظهر على حقيقته في جراح جسده؟ ويطلب منا الآباء أن نقيم في هذه الفتحة. هناك تدخل النفس فتسكر وتتحوّل تحوّلاً عميقًا في الحبّ الذي تعطيه معرفة هذه الأسرار. هناك تختبئ على صدر المحبوب.
ويتوسّل الحبيب إلى الحبيبة فيدلّ على حبّه العميق، على ولهه الشديد. ويسمّيها بأحلى الأسماء وأرقّها: حبيبتي، جميلتي، يمامتي، حمامتي، رفيقتي. ويكرّر لها النداء بأن تقوم وتجيء. ويستعجل الوقت الذي فيه يرى وجهها ويسمع صوتها. ويشير إلى السحر الذي يكتشفه في وجهها، والعذوبة التي يحسّ بها لدى سماع صوتها.
كيف نفهم أن يكون كلمة الله وصوت الآب قد وجد عذوبة في صوتنا؟ أن يكون ذاك الذي هو"شعاع مجد" الله (عب 1: 3) قد وجد سحرًا في وجهنا؟ أعلن يوحنا المعمدان أنه ابتهج فرحًا حين سمع صوت العريس (يو 3: 29). وهنا، العريس هو الذي ابتهج حين سمع صوت الحبيبة.
ولكن حبّ العريس مهما كان عظيمًا ومجنونًا، لا يعيش في السراب. فولهه لا يعميه. وهو يعرف أن حبيبته تخاف، تستحي، أنها ما زالت سجينة نفسها. هي مستعدّة كل الاستعداد كالحمامة البسيطة التي لا لبّ لها (كما قال هوشع)، أن تلتفت تارة إلى مصر وطورًا إلى أشورية لتطلب منهما العون، لا إلى عريسها (هو 7: 11). ذاك هو وضع الكنيسة التي تطلب العون البشريّ من سلطة أو مال. ذاك هو وضع النفس المؤمنة التي تستند إلى تعزيات هذا العالم وتعاليمه، وتنسى صوت المعلّم الذي يتوق أن يرى وجهها ويسمع صوتها.
الفصل التاسع
حبيبي لي وأنا له
3: 15- 17

هنا تتدخّل الجوقة فتتحدّث عن الثعالب التي حملت معها الضرر إلى أورشليم. تتدخّل الجوقة فتقطع كلام العروس التي تعود فتنشد: "حبيبي لي وأنا له ". أجل، هي تحبّ العريس وتودّ أن تهب ذاتها له. ولكن حبّها مهدّد، حبّها سريع العطب. فيقلق العريس من الأخطار التي تهدّد العروس، وتقلق هي، لاسيمّا أنها سوف تذهب في الليالي لكي تبحث عمّن يحبّه قلبها.
تبدأ العروس فتنادي عريسها وتعلن له حبّها. "عُدْ يا حبيبي ". إنّما الحبيب ليس هنا. هو بعيد. هو"لا يسمع " ولا يرى المحنة التي تمرّ فيها الحبيبة. ولكن المحنة سوف تزول فيتمّ اللقاء: تمتلك حبيبها وحبيبها يمتلكها. "أجد مَن يحبه قلبي. أمسكه ولا أرخيه ".
(آ 15) خذوا الثعالب. مَن يتكلّم هنا؟ العريس الذي يخاف من الأخطار التي تهدّد العروس، فيرسل أوامره وهي ستُطاع؟ أو العروس تتابع كلامها إلى نفسها (مونولوج) منذ آ 8، فتطلب من العريس أن يزيل الخطر؟ أو هي الجوقة كما قلنا في المقدّمة؟ المهمّ أن نعرف أن هناك خطرًا تشكّله الثعالب أي الأمم الصغيرة المحيطة بأورشليم، وهي تتلف ميراث الرب.
"ا ح ز و. ل ن و": خذوا لنا، خذوا عنا. نحن في صيغة الجمع كما في 1: 16-17 (سريرنا أخضر، بيتنا) وفي 2: 9- 12 (وراء حائطنا). إلى مَن يتوجّه الكلام؟ قد يكونون أشخاصًا غير محدّدين كما في 2: 05 المهمّ أن الخطر هو هنا.
الثعالب (ش و ع ل) هي هنا. حتى الصغار منها. إذا توقّفنا عند الربيع، لا نستطيع أن نتكلّم عن العنب الذي يمكنها أن تأكله. ففي زمان الزهر، تلهو الثعالب هذه وتفتح لها حجرًا في الكروم. وهكذا تقيم، تختبئ وتهدّد الموسم الآتي.
ماذا تعني هذه الآية؟ الآراء متعدّدة. الأول: رأى العريس أن كرومه قد أتلفت فأعطى أوامره بطرد الثعالب التي تعيث فسادًا في أرضه. الثاني: ترمز الثعالب إلى بني اسرائيل الذين يعارضون حبّ العريس لعروسه. العريس ملك عظيم هو سليمان. والعروس هي صبيّة بسيطة، هي الشونميّة. الثالث: هذه الآية قد زيدت على النصّ كعنصر من النشيد العباديّ. الرابع: ترمز الكرمة إلى شعب اسرائيل وما يمارسه من ديانة. والثعالب هم الكنعانيّون.
إذا عدنا إلى 1: 6 (جعلوني ناطورة للكروم)، نفهم أن الكرم هو أرض فلسطين التي تماهت معها العروس (العروس هي فلسطين، والهيكل هو الربّ). هنا نتذكّر هو 2 وإر 12: 7 ي. في هوشع هدّد الربّ بأن يدمّر فلسطين. سيترك وحش البرّ يتلف الكرم والتين (آ 14). ولكن نهاية المقطع هي وعد بإعادة البناء: سيقيم الرب عهدًا (آ 20) مع وحش البرّ وسائر الحيوان الذي يتلف أرضه. بعد هذا ستكون الأعراس الأبديّة التي يرافقها ازدهار على المستوى الزراعيّ. من الواضح أن حيوان البرّ ينطبق على أعداء شعب الله. وما يدلّ على ذلك هو ما نقرأه في آ 20 ب: "أكسر القوس والسيف وأدوات الحرب من الأرض ".
ويحدّد إر 12: 7 ي الفكرة فيعلن أن يهوه قد تخلّى عن ميراثه، تركه دون وسيلة دفاع أمام حيوان البرّ، فجاء من كل جهة وأتلفه. مَن هي هذه الحيوانات؟ في آ 10، حلّت محلّها صورة الراعي. وفي آ 14، تماهى معها جيران اسرائيل الأشرار. إذن، هم ملوك الشعوب الصغيرة التي تحيط بفلسطين. إن إرميا يلمّح إلى أعمال السلب والنهب التي يتحدّث عنها 2 مل 24: 2: في أيام يوياقيم هجمت مجموعات من الأراميّين والموآبيّين والأدوميّين على يهوذا، وقد نالوا مساعدة الكلدانيّين (رج إر 48: 26 ي؛ 49: 1؛ حز 25: 3- 6، صف 2: 8). وبعد دمار أورشليم، احتلّ الجيران "الأشرار" أرضاً فرغت من ساكنيها. وفي أيام نحميا وعزرا، عارضوا عمليّة البناء السياسيّة والروحيّة. وذكر النصّ السامريّين (عز 4: 2؛ نح 3: 34) والعمونيّين والأعارب والفلسطيّين (نح 2: 19؛ 4: 1). وقد ساعدهم مرارًا في عملهم، يهود فاترون أو جاحدون لإيمانهم (نح 6: 17- 19؛ 13: 4- 9). وزادت الزواجات المختلطة تأثير هؤلاء الشعوب (ملا 2: 10- 20؛ عز 9: 2؛ 10: 18 ي ؛ نح 23:13-28). في هذه الظروف، لا نعجب أن يلمّح أدبُ ما بعد المنفى إلى مثل هذا الوضع الصعب والقاسي (أش 11: 14؛ 57: 1- 4 ؛ مز 60: 10- 11؛ 19:74؛ 7:80، 13- 14 ؛ مرا 5: 18).
وقد نجد في هذه الآية من نش ذات الاهتمامات أمام الوضع السياسيّ الذي أشرنا إليه. فالثعالب الصغار (لا أهميّة لهم، ومع ذلك هم مسيئون ومبغَضون) تمثل الأمم الصغيرة المجاورة التي أقامت في الأرض المقدّسة. هي تشكّل حاجزًا مستمرًا أمام بناء الأمّة وهي سبب بلبلة وشكوك. وهكذا نفهم أن يكون زوالهم من أول اهتمامات المؤمنين، وأول عمل في تدخّلات الله ساعة الخلاص (أش 11: 4- 5؛ مز 72: 4، 12- 14) .
حين نفهم هذه الآية بهذا الشكل، لن تعود معزولة عن السياق الذي وردت فيه. فإذا كانت الكرمة المزهرة (آ 13) ترمز إلى الأزمنة الجديدة التي حلّت، يكون من الطبيعيّ أن يرغب الناس في ابتعاد مسبّبي القلاقل. مثل هذه الرغبة تُفهم بلسان العريس، بلسان العروس، وبلسان الجوقة التي تمثّل الشعب كله.
(آ 16) يرى بعضهم أن هذه الآية هي امتداد لما في آ 4- 14. فكأني بالحبيبة تجاوبت مع تحريضات العريس (آ 10- 14). لقد جاء الآن وقت الامتلاك المتبادل، وهذا ما جعل العروس تطلق صيحة السعادة وهي في ملء النشوة والافتتان.
إن عبارة "حبيبي لي وأنا له " تتكرّر في 6: 3 مع قلْب الألفاظ (أنا لحبيبي وحبيبي لي). ونجدها بشكل عام في 7: 11: "أنا لحبيبي أنا، وإليه اشتياقي ". مثل هذه العبارة ترتبط بالقول النبويّ المعروف: اسرائيل هو شعب يهوه. ويهوه هو إله اسرائيل. نقرأ في تث 26: 17- 18: "وفي هذا اليوم أعلن أن يكون الرب إلهًا لكم، فتسلكوا في طرقه... والربّ اختاركم في هذا اليوم لتكونوا من نصيبه "؛ رج 29: 12؛ هو 2: 4 (ما هي امرأتي ولا أنا رجلها) ؛ إر 7: 23 (أكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا)، 11: 4؛ 24: 7؛ 31: 33؛ حز 34: 30- 31؛ 36: 38 ؛ 37: 23، 27.
في هذه النصوص، يدلّ الترتيب على صاحب المبادرة. في تث 26، الله هو الذي يخطو الخطوة الأولى ليعقد العهد. في هو 2، نراه يعيد العلاقات إلى ما كانت عليه في السابق، بعد توبة الزوجة وبالنظر إلى رحمته. أما إر 31: 33 (أجعل شريعتي في ضمائرهم وأكتبها في قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا) فيدلّنا على الله الذي يخلق العهد (الميثاق) الجديد. وفي مقاطع نش، يختلف الترتيب. إن 6: 3 و7: 11 يذكران أولاً الحبيبة. أما هنا، فالحبيب يُذكر أولاً وهو الذي يهتمّ بالحبيبة ويحاول أن يعيدها إليه.
"بين السوسن يرعى". هذا هو اسم العريس. وهو يتكرّر في 6: 3 ب. حبيبي هو الذي يرعى قطيعه. قالت المدرسة الطبيعانيّة بلغتها الشهوانيّة: السوسن هو شفتا العروس. وقال آخرون: السوسن هو بنو اسرائيل حيث يقيم فيهم الرب راعيًا. غير أن "ر ع هـ " يُستعمل كفعل متعدٍّ. هذا ما نجده في 1 :7 (ق تك 37: 16): "أين ترعى غنمك "؟ ونقول الشيء عينه عن 6: 3 في خط 6: 2. ثم إن القطيع الذي نتحدّث عنه هو أمّة اسرائيل. وإن السوسن الذي يميّز أرض فلسطين يدلّ بشكل ضمنيّ على هذه الأرض مع لباسها الربيعيّ (رج 2: 1). وإذا يقول الشاعر إن الحبيب يرعى قطيعه بين السوسن، فهو يريد أن يفهمنا أن الرب قد جمع شعبه في أرض الآباء.
(17) "قبل أن" كما في 7:2 (قبل أن تشاء) لا "حين" كما في 1: 12 (حين يكون الملك في مجلسه، ع د في العبرّية). وعبارة "ي ف و ح. هـ ي و م " تعني "فاح النهار" فتلمّح إلى النسيم الذي يحمل البرودة في بعض ساعات النهار. هناك من يتحدّث عن نسيم المساء كما في تك 3: 8. ولكن في الواقع، نحن هنا أمام نسيم الصباح لا أمام نسيم المساء (رج 6:4).
فعل "ن و س " يعني "هرب ومضى" كما في تث 34: 7؛ أش 35: 10. أي: "تهرب الظلال ". لا ظلال الأشياء عند غياب الشمس، بل ظلال الليل وظلماته. هي تهرب شيئًا فشيئًا أمام أولى أنوار النهار.
إذا كان هذا المعنى هو الحقيقيّ، نصل إلى موضوع معروف لمّح إليه 1: 7 حيث النهار يأتي بعد ظلام الليل. ولفظة "ب ق ر" تعني ساعة يبدأ النور ينفذ عبر الظلمة. وهي تدلّ أفضل دلالة على ساعة الخلاص، ويكون بُعدها الاسكاتولوجيّ واضحًا (2 صم 23: 4؛ مز 49: 51). وذكرُ النهوض من النوم يحيلنا إلى أفكار مشابهة في مز 17: 15 (وأنا في براءتي أعاين وجهك، واشبع في يقظتي من حضورك) ؛ 73: 20 (عند اليقظة تزول صورته) ؛ 108: 3 (أفق يا عود، يا كنارة، لأوقظ السحر).
إن هذه النصوص تعبّر عن انقلاب مفاجئ من حالة إلى حالة، عن عبور من الألم إلى سعادة جماعيّة أو فرديّة. ونقول الشيء عينه عن الآية التي ندرس: فساعة نسيم الصباح، ساعة هرب الظلال، هي الساعة التي فيها تنجو الأمّة من المنفى وتقيم في فلسطين من جديد. وهكذا يلتقي 17:2 مع 1 :7؛ 7:2؛ 5:3؛ 8: 4.
"عد" (س ب). هذا هو نداء العروس. ولكن كيف اكتشفت المدرسة الطبيعانيّة "اللذة الشهوانيّة" في هذا الفعل؟ قالت: دُعي الحبيب إلى أن يجلس إلى المائدة ويتحوّل إلى اللّذة. وقال آخر: دعت العروس الحبيب أن يستسلم إلى اللّذة معها حتى المساء! في الواقع، هذا الفعل يدلّ على تبدّل في الموقف. ابتعد الحبيب وهي تدعوه إلى أن يبدّل رأيه ويعود. أتراه تظاهر بالذهاب ليجعل الحبيبة تذهب في طلبه؟
"عد يا حبيبي وكن كالظبي ". تستعيد هذه العبارة آ 9 بشكل تحريض. وفي 2: 9 كنا أمام ملاحظة: جاء العريس طوعًا يطلب حبيبته. وهنا كما في 8: 14 هي التي تدعوه ليأتي إليها بسرعة، لأنها لا تستطيع بعد أن تنتظر.
"على جبال باتر" (ع ل. هـ ر ي. ب ت ر). يرى بعض الشرّاح في "باتر" اسم علم. والتلمود، جبل موريا حيث كاد ابراهيم يذبح اسحق، وحيث أقيم الهيكل. وبعضهم عاد إلى فعل "بتر" أي قطع، شقّق، قسم. والجبال المذكورة هنا هي جبال مشققة أو هي تقطع الطريق بين العريس والعروس. ولاحظ آخرون في 8: 14 أن "ب س م ي م " (العطور، رج 4: 6) قد حلّت محل "ب ت ر". وقالت البسيطة "بسميا". إذن، نحن أمام الجبال المعطّرة التي تدلّ على العروس.
ولكن يبدو أن العودة إلى فعل "ب ت ر" (قطع الشيء قطعتين) هي الأفضل في تك 15: 15. قسم أبرام الضحايا المذبوحة بمناسبة قطع العهد. والاسم (ب ت ر) يدل على نصف حيوان يقدّم كضحيّة. ويذكر"ب ت ر" أيضاً في إر 34: 8- 9 (قطع الملك صدقيًّا عهدًا).
اشتكى ابراهيم إلى الرب لأن لا ولدَ له. فوعده الرب بنسل كبير كما وعده بأرض له ولنسله. رغب أبو الآباء بعلامة، فطلب منه الرب أن يقطع الأضاحي. ومرّ الرب بينها وقال: سيحلّ الضيق بنسل ابراهيم ولكنهم سيعودون إلى أرضهم. وهكذا استفاد نش لكي يذكّر الرب بعهد قطعه مع ابراهيم، لاسيمّا وأن عدد الراجعين قليل جدًا. وهكذا عاد نش إلى هذه العبارة (جبل باتر) لكي يعزّي القلوب ويشجّعها. وهكذا يكون جبل باتر جبل العهد الذي قطعه الله مع شعبه في شخص ابراهيم. وحين يعود الرب إلى أرضه التي تركها وذهب إلى المنفى مع الذاهبين (حز 11: 22- 23)، فهذا يعني أنه رضي عن عروسه، رضي عن شعبه.

* خذوا الثعالب، الثعالب الصغار
على ماذا تدلت العبارة "الثعالب الصغار"؟ تدل على جيران صغار، جيران أشرار ومكروهين. استفادوا بجبانة من وجود الشعب في المنفى، بعد دمار أورشليم، فسلبوا ما استطاعوا ثم أقاموا في أرض لا تخصهم. وكان سفر التثنية قد أعطى لائحة بهم. "الحثيون، الأموريون، الكنعانيون... ". ونجد صدى لذلك في مرا 5: 18: "جبل صهيون مقفر، والثعالب تتجوّل فيه".
وحين رأى صاحب المزامير الكرمة المخرّبة بكى أيضاً وقال: "أتلفها خنزير الوعر، ورعتها وحوش البرّ" (مز 80: 14). فلكي يكون بناء الشعب كاملاً وتامًا، يجب قبل كل شيء أن تُطرد هذه الثعالب التي تتلف ثمة الربّ.
ولكن كرمة الرب القدير هي أرض فلسطين، هي كل شعبه، هي كل واحد منا. ونحن نقرأ في أش 5: 7: "كرمة ربّ الجنود هي بيت اسرائيل، وغرس بهجته شعب يهوذا". في زمن تزهر فيه الكروم وتثمر، تتكاثر الثعالب فتدوس النصبات وتأكل العنب. هكذا يكون ألف عدوّ وعدوّ فينا وخارجًا عنّا، وهم يحاولون أن يدمّروا عمل الرب، ولاسيّمَا ساعة يكون الحبّ في بدايته، ساعة يكون ضعيفًا ولم يتجذّر بعد. إذن، أمسكوا لنا الثعالب، هذه الثعالب الصغيرة.
وأوضح يوحنا الصليب فكرته عن هذه الثعالب فقال: نحن أمام أفكار متنوّعة وحركات وانجذابات مختلفة تضايق النفس وتقلق العذوبة التي تنعم بها والهدوء الداخليّ. ونحن أيضاً أمام الأبالسة الذين انحسدوا من سلام النفس واستغراقها الداخليّ في التأمّل، فصوّروا أمامها القلاقل والمخاوف والأمور المشينة. كل هذا نسميه الثعالب. فكما أن هذه الحيوانات المشهورة بخفّتها وحيلتها تتلف وتدمّر زهور الكرم، هكذا يفعل الشياطين المملوءون حيلة وشرًا.
هل يعني أن هذه الثعالب تحمل الخطر الكبير؟ هي صغيرة، لا شكّ في ذلك. ولكن الحبيبة (الكرمة) سريعة العطب. يجب أن نمسك الآن هذه الثعالب الصغيرة. فإذا كبرت، لا نستطيع شيئًا ضدّها. ويكون الكرم قد خرب.

* حبيبي لي وأنا له
ولكن الحبيبة تحسّ نفسها في أمان، تحسّ أن حبيبها الذي هو الآن بقربها، يحميها ويدافع عنها. لهذا، فلا تهتمّ كثيرًا لهذه الثعالب الصغيرة، ولا تتوقّف عند تنبيه حكيم يأتيها من حبيبها. فلا تفكّر إلا في الاستسلام له من أجل سعادتها. فتقول: "حبيبي لي وأنا له، وبين السوسن يرعى (قطيعه) ".
قال يوحنا الصليب: "مال وجهي على حبيبي فمكثت هنا ونسيت نفسي. اختفى كل شيء بالنسبة إليّ فاستسلمت له، وتركت كل قلقي يضيع وسط السوسن ". وأخذت العروس تقول وتردّد: أنا لحبيبي وحبيبي لي. في فمها نشيد الفرح والسعادة، وتبادل كامل في الاتحاد. هو تجدّد عهد متواصل بين نفسي وحبي. هذا ما قالته إحدى القديسات. وتابعت: "ما أعظم هذا الاتحاد! إنه مزيج حبّ وحبّ. ونستطيع أن نقول مع الله: حبيبي لي وأنا له ".
وهكذا تكرّر العروس كلمة العهد كما سمعها الشعب مرارًا في كتب الأنبياء. "تكونون شعبي وأكون إلهكم " (حز 36: 8 ؛ إر 31: 33). هي تستعيد هذه العبارة وتنقلها إلى عالم الحبّ الزواجيّ. وإذ أراد يسوع أن ينشد الحبّ بينه وبين أخصّائه، عاد إلى أقوال تشبه ببنيتها هذا الكلام: "أعرف خرافي وخرافي تعرفني " (يو 10: 14).
هذا هو حلم الحبيبة. حلم تسرّعت فيه. مع العلم أن كل المبادرة في هذا الاتحاد تعود إلى العريس. فهو قد أحبّها أولاً (1 يو 4: 19). وبما أنه كان لها صارت هي بدورها له. وهذا ما يكفي سعادتها. قال فرنسيس السالسي: ترضى الحبيبة بأن تعرف أن الحبيب معها، على صدرها، في جنّتها، أو في مكان آخر. المهمّ أن تعرف أين هو. لهذا فهي هادئة، مطمئنّة، مرتاحة. وتمتدّ هذا الراحة بحيث تبدو كل قوى النفس وكأنها نائمة، بحيث لا تحتاج إلى أية حركة أو أي عمل.
حبيبها معها. بل هو لها. وهذا يكفيها. قالت: هو الراعي وسط السوسن. هو من جديد في قلب بلاده. وفلسطين المعيّدة بزهورها تبدو كسجّاد من السوسن (أنا نرجسة الوديان، قالت الحبيبة في 2: 1)، فتكوّن سريرًا يرتاح فيه العريس والعروس، الله وشعبه.
والراعي الصالح في شعبه يمسك عصوين: نعمة، صلة (زك 11: 7). إنه الآن في وسط شعبه. إنه يرعى قطيعه. كانت خرافه مشتّتة في الماضي، وها هي قد اجتمعت معه وسط سوسن أرض فلسطين. وإذ عرفت الحبيبة أنها كلها لحبيبها، عرفت السلام العميق، وأنشدت نشيد الصمت المقدّس وهي في منتهى البهجة والسعادة.

* قبل أن يطلع النهار، عُد يا حبيبي
ولكن ما الذي حدث بعد أن قُطع العهد من جديد، وعاد الرب إلى أرضه مع العائدين من المنفى؟ ما الذي حدث لتبدو العروس حزينة، كئيبة؛ فتصرخ: "قبل أن يطلع النهار، قبل أن تهرب الظلال، عُد يا حبيبي، وكن كالظبي أو كن كوعلٍ صغير على جبال باتر".
تلك التي قالت منذ وقت قصير "حبيبي لي وأنا له "، ها هي تقول: "عد". فإلى أين ذهب؟ ما هذه الفوضى في النص؟! بل نحن بالأحرى أمام مقطع تتمثّل فيه الخبرة الروحيّة بما فيها من فرح ومن تعب. فزمن الراحة الكاملة في امتلاك الحبيب امتلاكًا تامًا لا عودة عنه، لن يكون في هذه الحياة: من جهة، العروس هي ضعيفة، متقلّبة، سريعة العطب، وخاضعة لتقلّبات القلب، تحترق الآن شوقًا، وبعد وقت تصبح باردة كالثلج. ومن جهة ثانية، لا نستطيع أبدًا أن ندرك العريس بشكل نهائيّ. فنحن لا نستطيع أن نضع يدنا عليه. لا نستطيع أن نحتفظ به بالقوة، فيصبح ملكنا.
إن حضور يسوع المتواصل بقربنا، يتحقّق عبر ابتعاد وغياب ظاهرين يومًا بعد يوم. فيسوع هنا حين يظهر ويختفي، حين يعطي ذاته دون أن نستطيع أن نمسكه كما يُمسك "شيء"، أو كما كان الأقدمون يضعون يدهم على صنم. بل يفضّل أن يفلت بعض المرّات منا وبشكل لا نتوقّعه، لكي ينمو فينا التحسّر على الغياب والرغبة في حضوره. تلك هي المفارقة. حين يختفي نكتشفه. حين يختبئ يفتح لنا أسراره. وحين يمتنع يسلّم ذاته إلينا.
ولقد صوّر أحد الصوفيّين "لعبة" الحبّ الإلهي فقال : "يبدو العريس وكأنه يلعب مع العروس لعبة الوله. وفي كل وقت يقتلع نفسه بعنف من يد الحبيبة لكي يستسلم من جديد إلى رغبتها. تارة يخرج ويبتعد وكأنه تراجع بشكل نهائيّ لكي تطلبه بحرارة متزايدة. وطوراً يعود ويدخل إلى بيتها وكأنه يريد أن يقيم عندها على الدوام ويدعوها إلى قبلات الحنان. ومرّة ثالثة يقف وراء الحائط وينظر من خلال الكوّة ليحرّك الغربة لدى الحبيبة. ويجعلها تراه ولكن لا تراه كلّه، تراه بوجه ملاطف. ويُسمعها دعوة ونداء، ولكن من البعيد.
وبعد ذلك، وبعد أن تشتعل النار في قلب الحبيبة، يمضي ويختفي . لا تعود تراه، لا تعود تسمعه، لا تعود تحسّ به. والعروس التي هي أضعف من أن تحتفظ بالهارب، تتوسّل إليه أن يعود من وقت إلى آخر. عُد يا حبيبي ، وكن كالظبي منذ السحر . نفسي عطشى إليك. إليك يشتاق جسدي مثل أرض قاحلة وعطشى ولا ماء فيها".
وكانت عظة القديس برنردس بشكل مسارّة طويلة، فدلّت على ذهاب الحبيب ومجيئه، على وصوله ورواحه الذي لا نتوقّعه. قال: "مّن يفهمني أسرار هذه "التقلّبات"، مّن يفسّر لي رواح ومجيء الكلمة؟ فكلمة الله الذي هو الله بالذات وعروس النفس، يأتي إلى النفس ثم يتركها كما يروق له.... فلا يبقى لها إلاّ أن تبحث عنه حين يكون غائبًا، وأن تدعوه حين يبتعد... ومنذ ذهاب الكلمة إلى عودته، لا يكون للنفس إلاّ صوت واحد، وصرخة متواصلة، ورغبة لا راحة فيها، ونداء متواصل: "عد" ... قد يكون العريس ابتعد عن قصد لكي تطلبه بحرارة أكثر، وبعد عودته تحتفظ به بطريقة أفضل. وقد حصل له في يوم من الأيام أن تظاهر بالذهاب دون أن يقرّر ذلك، لكي يسمعنا نقول له: إبقَ معنا يا رب، فالنهار قد مال... يريد منها أن تمسك به حين يمرّ، وأن تدعوه حين يكون غائبًا... هو يذهب ويعود كما يشاء. يزور النفس منذ السحر ثم يتركها فجأة لكي يمتحنها. وإن ابتعد فابتعاده شكل به يعطي ذاته..."
كم تتمنّى الحبيبة أن يستعيد في هذه الساعة جري الغزال والوعل الصغير ليأتي إليها كما فعل في السابق. كانت قد قالت عنه حين قفز فوق الجبال والتلال: "حبيبي كظبي هو، أو كوعل صغير". وها هي تقول الآن: "كن يا حبيبي كالظبي أو كوعل صغير". أجل، الآن كما في الماضي. هكذا اعتادت معه.
إذن، توسّلت العروس إلى حبيبها أن يعود، وأن يعود "قبل أن يطلع النهار وتهرب الظلال ". أي قبل الضوء في الصباح. فهي تتوق بحرارة إلى عودة ذاك الذي تحبّه من أجل عهد يوحّد بينهما، من أجل ليلة الأعراس.
رمز الليل غنيّ جدًا. تارة هو ليل الغياب، غياب الحبيب وغياب النور. لأن النفس انغلقت على الحبيب (كما سوف نرى في القصيدة الرابعة) أو لأن الحبيب ابتعد عنها (كما في هذه القصيدة الثانية) من أجل نموّ حبّهما. ولكن الليل قد يرتبط بحضور الحبيب الذي يظلّ خفيًا حتى وإن كان هنا في حميميّة الحياة. حينئذ يكون الليل ساعة الاتحاد والأعراس معه. مثل هذا الليل ترغب فيه بكل جوارحها، وهي لا تريد أن تخسر منه لحظة واحدة. وهذا ما تقوله الآن: "قبل أن يطلع نسيم النهار، وقبل أن تهرب ظلال الليل، عد".
من خلال هذه الكلمات، تتذكّر العروس من جديد هذه الليلة الأولى. في بداية تاريخها معه، تلك الليلة التي كانت ليلة عهدها الأول مع عريسها. ليرجع الرب في هذا المساء أيضاً على جبل باتر، على جبل العهد، أي على تلّة صهيون التي تركها. ليرجع إلى قلب حياتها من أجل عهد واتحاد نهائيّ. وليسرع الحبيب من أجل وحدة المحبة هذه، وليكن خطوه مثل خطو الظبي والوعل في جريح. فنفسي ما عادت تستطيع أن تنتظر.
الفصل العاشر
في الليالي طلبت حبيبي
3: 1- 5

ويتتابع النشيد. نادت العروس عريسها لكي يعود. ولكنه ذهب وكأنه لم يسمع صوت ندائها. فذهبت تطلبه، تبحث عنه. راحت في الليل تجوب الشوارع مثل امرأة يائسة، مثل مغرمة مجنونة تبحث عن عريسها ولا تنتظره في بيتها، لا تنتظر ساعة عودته إليها. بحثت عنه فلم تجده.
والتقت بحرّاس الليل. وتركت الحياء خارجًا وسألتهم عن حبيبها. أي جواب أعطوها؟ هذا لا يهمّ. بل ما يهمّ هو السؤال: "أرأيتم مَن يحبّه قلبي"؟ فهي لا تطب إلاّ أن تنضمّ إلى حبيبها وتتمسّك به ولا تتركه من بعد.
وكانت ساعة اللقاء. لم يعتذر الحبيب ولم يقل كلمة عن سبب غيابه. بل ترك الحبيبة تمسك به، تدخله إلى بيتها. إن مبادرة السعادة تعود كلها إلى العروس التي ذهبت تطلب عريسها، فأعادته إلى "البيت". هذا ما فعلت في هذه القصيدة الثانية. أما في القصيدة الأولى (2: 3) فالعريس هو الذي أدخل عروسه إلى قاعة الوليمة.
ويتجاوب الحبيب مع الحبيبة عبر القرار (الردّة) الذي وجّهه إلى بنات أورشليم: "لا تنهضن الحبيبة ولا تنبّهنها حتى تشاء". هي الآمرة والسيّدة في قلبه. هذا ما يفعله الحبّ في قلب العريس، هذا ما يفعله الحبّ في قلب الله.
(آ 1) طلبت العروس عريسها على السرير، فكان طلبُها تكذيبًا لخياناتها السابقة. نقرأ في أش 57: 8 بلسان الرب: "جعلت وراء الأبواب والقوائم رموز آلهتك (ما يذكّرك بهذه الآلهة). ابتعدت عني وتعرّيت وصعدت على سريرك. اشتريت لنفسك محبّين ونظرت عورتهم ". وفي هو 7: 14: "لا يصرخون إليّ من قلوبهم: فحين يولولون على أسرّتهم... يفكّرون عليّ بالسوء".
السرير هو فلسطين (رج 1: 16). نجد هنا صيغة الجمع "ل ي ل وت " الليالي. قد نكون أمام ليالٍ متعدّدة. وبالأحرى أمام ساعات الليل التي لا تنتهي كما في آ 2- 4. ولقد دلّ تفسير 2: 17 أن هرب الظلال والاستيقاظ يرمزان في الكتاب المقدّس إلى حدث الخلاص الذي يأتي بعد المحنة. مقابل هذا، يكون الليل والظلمة صورة عن انتظار طويل تعرفه النفوس التي يضيّق عليها الألم. نقرأ في أش 5: 30: "السواد والضيق في أرضها"، والنور تحجبه الظلمة". وفي 8: 22: "وينظر إلى الأرض فإذا الشدّة والظلمة وسواد الضيق ". رج 9: 1؛ 21: 11؛ 26: 9؛ 49: 9؛ 59: 9؛ 60: 1- 6؛ عا 5: 18-20 (يوم الرب هو لكم ظلام لا نور، سواد لا ضياء له)؛ يوء 2: 2 (يوم ظلمة وغروب، يوم غيم وضباب)؛ صف 1: 15؛ مز 112: 4.
"طلبت... طلبت فما وجدت ". لقد قصد الشاعر هذا التكرار. فـ "طلب ووجد" (أو: ما وجد) الرب عبارة نجدها مرارًا عند الانبياء. في أش 51: 1 (يطلبون برّ الرب) ؛ 65: 1 (وُجدت لمن لا يطلبونني)، زك 8: 21- 22 (لاستعطاف الرب والتماس وجهه)... أما النص الأقرب إلى نش فنجده في إر 29: 13؛ هو 3: 5؛ 5: 6، 15.
في إر 13:29 (تطلبونني فتجدونني إذا طلبتموني بكل قلوبكم) طلب بنو اسرائيل الربّ. وبما أنهم طلبوه بكل قلوبهم فهو سيجعلهم يجدونه كما يعيد أسراهم. إذن، لا ينتظر الله إلا بحثًا صادقًا لكي يُعيد في الحال حضوره كما يعيد الشعب إلى أرضه. وهذا النصّ هو صدى لتعليم هوشع. فنحن نقرأ في هو 5: 3: "وبعد ذلك (أي بعد المحنة التي حلّت بهم) يرجعون (يتوبون) ويطلبون الربّ إلههم من جديد، وداود يكون ملكًا لهم. يعودون بخوف إلى الرب وجودته في آخر الأيام ". وسيشدّد هوشع على التوبة الناقصة التي لا تستطيع أن تصل إلى هدفها. "سيذهبون مع غنمهم وبقرهم ليطلبوا الرب فلا يجدونه، لأنه تخلّص منهم " (انفصل عنهم، تخلّى عنهم) (هو 5 :6). فما ينتظره الله لكي يتحنّن على شعبه، ليس حركات طقسيّة، بل سلوكًا أخلاقيًا يسير بحسب وصاياه. "روح الزنى في داخلهم، وهم لا يعرفون الربّ " (5: 4). ويعلن 5: 15 بصريح العبارة متطّلبات الرب: "أمضي راجعًا إلى موضعي (أي أتركهم وحدهم) إلى أن يعترفوا بخطيئتهم ويلتمسوا وجهي. في ضيقهم يبكّرون في طلبي ".
لقد عزم الرب أن يختفي ما دامت التوبة غير صادقة. وستدلّ الآيات التالية في هوشع على أن المخطئين ما زالوا يعيشون في السراب. فالعاطفة التي تعيدهم هي صادقة، لأنهم يهتمّون بأن "يعرفوا الله "، ولكنهم يتصوّرون أنهم يكتفون بمهلة يومين لكي يعود إليهم رضى الله. إنهم بهذا يتجاهلون المجهود الطويل الذي تطلبه توبة جديّة. لهذا، لا يعدهم الرب بشيء، بل يذكّرهم بخطاياهم السابقة، ويشدّد على وسع المهمّة الأخلاقيّة المطلوبة منهم (هو 6: 1ي).
هذه النصوص التي ذكرناها تتيح لنا أن نفهم ما وراء نش 2: 1ي. ظنّت العروس أنها "امتلكت " العريس. ولكنه اختفى فجأة. هذا يعني أن استعدادات تلك التي طلبته لم تكن كاملة.
(آ 2) وحضّت العروس نفسها على أن تقوم وتطوف في المدينة. أجل، لقد حزمت أمرها. كانت نائمة فقامت. كانت شبه ميتة فعادت إليها الحياة، وأخذت تطوف في المدينة (أش 23: 16؛ جا 12: 5). أية مدينة؟ هنا نجد أل التعريف كما في أم 1: 21 (عند مدخل المدينة)، فيدلّ النصّ على مدينة أورشليم. وإذ تذكر مرارًا بنات أورشليم، وإذ يلمّح النصّ إلى الهيكل في 4: 1، 17؛ 3: 4؛ 5: 10- 16، فهذا يدلّ على أن المدينة المقدّسة هي في قلب نظرة الشاعر.
نقرأ "ش و ق ي م ". في العربيّة: السوق، الأسواق. وفي الأشوريّة "سوقو" ثم "ر ح و ب و ت "، الأمكنة الرحبة والواسعة، الساحات التي هي قريبة من باب المدينة. هنا يجتمع الناس.
"أطلب مَن يحبه قلي " (حرفيًا: نفسي). عبارة قرأناها في 1 :7 وسوف نجدها أربع مرات في هذا المقطع: آ 1، 2، 3، 4. هذا ما يترجم عمق الحبّ الذي كاد يضيع من الجنون حين رأى أن المحبوب قد مضى.
يقول الشرّاح إن هذا المشهد ليس بواقعيّ، والمرأة لا تذهب في تلك الليالي إلاّ إذا كانت مجنونة. لهذا نكون أمام استعارة ورمز. حين عادت الأمّة إلى أرض فلسطين بعد أيام المحنة والمنفى، لم "تشعر" بخيرات ذاك الذي ظنّت أنه جاء معها. هي فلسطين، ولكن الليل ما زال مسيطرًا. والليل هو زمن القلق والألم. أخذت تطلبه في مدينة أورشليم حيث يجب أن يُوجَد، وهو الذي اختار أورشليم مقامًا له. إن هذه المعطيات توافق الحالة النفسيّة التي نجدها في عدد من النصوص التي تذكر حقبة ما بعد المنفى، ولاسيمّا أشعيا الثالث.
(آ 3) نقرأ فعل "م ص ا" الذي عنى في آ 1، 2: وجد. أما هنا فهو"لقي، التقى". يقول الشرّاح إن حراسة المدينة في الليل تعود إلى الحقبة المكدونيّة، أي بعد الاسكندر الكبير. هل هذا يعني أن نش دوّن في زمن متأخّر. ولكن ذُكرت حراسة الليل في نح 4: 3 (أقمنا حراسًا نهارًا وليلاً). ونصّ نش هنا يعود إلى أش 62: 6: "على أسوارك يا أورشليم أقام الرب حرّاسًا لا يبتعدون نهارًا و ليلاً" (رج 52: 8).
يرى أش 62 أن الحرس يقومون على أسوار أورشليم، فيذكّرون الرب بمدينتهم المدمّرة المقفرة. ويتمنّون أن يعيد بناءها، وأن يعود إليها مع المسبيّين (آ 7، 10، 11). حينئذ لن تعود أرض إسرائيل مقفرة، لن تعود "المدينة المهجورة"، بل "المدينة المطلوبة" للزواج. كما افتدى الرب شعبه، ها هو يطلب مدينته (آ 12). ونرى في أش 52: 8 الحرّاس ينظرون إلى عودة الربّ مع الأسرى، وهو يستعدّ لتدشين ملكه في نهاية الأزمنة (آ 7، 9، 12).
استعمل نش بحريّة هذه المراجع، ولكن ظلّ الموضوع التقليديّ هو هو. فحين تسأل العروس الحرّاس، فهي تجعلنا أمام صورة عن الضياع وتمنٍ بتدشين حقبة من السعادة لا غيوم فيها. "امتلكت " عريسها وها هي قد أضاعته. هذا هو وضع الشعب بعد عودته من أرض المنفى. وهو يرجو حدثًا قريبًا يكون نهائيًّا، ها هو ينتظر الخلاص.
الحرّاس "يطوفون في المدينة". في آ 2 أ، كانت العروس "تطوف في المدينة". تكرار تعوّدنا عليه في نش (رج 5: 7). ويأتي سؤال لا تسبقه أيّة مقدّمة (كما في آ 2. أقوم. لا نجد: فقالت في نفسها).
لا تقدّم العروس نفسها للحرّاس. لا تعتذر، هي لا تعرف ماذا تقول. هي تتبع اندفاع عاطفتها، وكأن الناس الذين تحدّثهم يعرفون مَن هو حبيبها. هذا ما يفهمنا مرّة ثانية ارتباط هذا النص بما في أشعيا.
وهؤلاء الحرّاس الذين سوف نراهم في 5: 7، سيأخذون موقفًا معاديًا. إنهم يمثّلون القوة الغريبة التي تسيطر على أورشليم (نح 5: 15؛ ملا 1: 8) والتي في فلكها يدور عدد كبير من أعداء الجماعة العائدة.
(آ 4) "ك م ع ط ": قليل جدًا، ما كدت (أتجاوزهم). كنت عبرت (مبتعدة) عنهم. "ع د. ش ": الى أن يدلّ على الوقت الذي يمتدّ. " (انتظرت) حتى وجدت ".
"لا أرخيه ". هل تروي العروس حدثًا مضى، أو هلِ تلمّح إلى شيء حصل في تاريخ اسرائيل؟ إن السمات الاسكاتولوجيّة التي أشرنا إليها سابقَا، تجعلنا نظنّ أن العروس تتطلعّ إلى المستقبل، إلى شيء تنتظره بحرارة، إلى موضوع أملها وهي قلقة. من هنا العذاب الذي يحزّ في قلبها فتحاول أن تشركنا فيه.
"حتى أدخله ". نجد فعل "ب ي ا" في سياقه العاديّ في 2: 4. ويرى بعض الشرّاح أن نهاية الآية مأخوذة من 8: 2 (أقودك وأدخل بك إلى بيت أمي). بعد أن وجدت العروس حبيبها، لا تستطيع أن تبقى في شوارع المدينة خلال الليل. ونرى في إدخال العريس إلى بيت أم العروس ذروة في آمال الحبيبة ونهاية مبتغاها.
يبقى أن نعرف معنى "بيت أمي " و"خدر مَن حبلت بي ". هناك آراء عديدة نوردها فتدل على تنوعّ التفاسير. (1) جاءت العروس بالعريس إلى خدرها الذي هو خدر أمّها. وقد تكون الأم توفّيت لأنها لا تظهر أبدًا في نش. (2) لم ترضَ الأم عن علاقة ابنتها بالحبيب فلامتها. وفي النهاية امتنعت الأم فأدخلت الحبيبةُ حبيبَها وقدّمته إلى أمّها. (3) هكذا يكون العريس مقبولاً، فتعترف به عائلة العروس. (4) رأى ممثلو الفرضيّة العباديّة شبهًا بين آ 1- 4 (موضوع العريس الذي ضاع ووُجد، مع حدث الحرّاس) وسطرة نزول عشتار إلى الجحيم: تباحثت مع حرس الأبواب السبعة، واستعادت تموز، وانتهى كل شيء بزواج مقدّس. ويرى أصحاب هذه الفرضيّة أن هذه السطرة (حسب تث 23: 18- 19 ؛ 2 مل 23: 7) وُجدت في هيكل أورشليم من خلال رجال ونساء مكرّسين في الهيكل. وقابل آخرون مع سفر القضاة، فرأوا في العريس الذي ضاع ووُجد صورة عن تابوت العهد الذي أخذه الفلسطيّون المسيطرون على شاطئ البحر، ثم عاد على مراحل إلى أورشليم، وأدخل إلى معبد داود ثم إلى هيكل سليمان.
"خدر الأم " هو المعبد أو الهيكل. والأم تدلّ إمّا على مدينة أورشليم وإمّا على الشعب (بشكل تكراركما في 3: 11؛ 8: 5 ب). هذه الملاحظة الأخيرة هي صحيحة، وهذا ما نكتشفه في تفسير 1: 5. أما عبارة "بيت أمي " فهي ترادف "خدر مَن حبلت بي "، كما في 6: 9 و8: 5 (رج هو 2: 7). وقد رأينا في 1: 4 أنّ "أخدار الملك " (ح د ر ي و) تدلّ على الهيكل الذي يرتبط مع مُلك الرب الاسكاتولوجي.
هذا يعني أن "البناء الذي شيّدته أمي " هو "بيت أمي " و"خدر مَن حبلت بي ". وهكذا تكون رغبة اسرائيل الحارّة بعد أن وجدت إلهها الذي هو ملكها أيضاً (1: 4)، أن يجعلها على عرشه باحتفال في معبد شيّدته الأجيال السابقة. هذا هو التمنّي الرفيع التي تعبّر عنه نهاية القصيدة الثانية.
(آ 5) هذه الآية قد قرأناها في 2: 7، وسوف نقرأها في 8: 4. وهكذا تبدو بشكل ردّة أو قرار يتكرّر في نش. وهي تأتي بعد صورة تعبّر عن امتلاك العروس للعريس امتلاكًا تامًا.
إن 2: 7 اختتم القصيدة الأولى. و3: 5 اختتم القصيدة الثانية. وهنا وهناك تفهمنا الردّة أن حبّ العروس لم يصل بعد إلى درجة من الكمال لتستحقّ أن تمتلك العريس حقًا. فالعودة التامة والطوعيّة إلى ما يطلبه الربّ، هما الشرط الذي لا غنى عنه لكي يعود الرب إلى هيكله ووسط شعبه.

* في الليالي على فراشي
لقد غاب العريس وكأنه لن يعود أبدًا. إنه صامت لا يقول كلمة. فهتفت العروس: "في الليالي على فراشي طلبت مَن يحبّه قلبي، طلبته فما وجدته ".
كم حصل من تبدّل لدى تلك التي هتفت في نشوة من الفرح: "سريرنا أخضر" (1: 16)! ها هي بالأحرى مستعدّة لأن تقول مع صاحب المزامير: "دموعي كل ليلة تفيض فأغمر بها فراشي ". لم يعد السرير سرير الأعراس، بل سرير المرض والحمّى دون أن يكون هناك علاج أو دواء. "في الليل، على فراشي، طلبت ".
فالحبيب الذي كان لها في فترة ظنّت أنها ستدوم إلى ما لا نهاية، والحبيب الذي قال لها في ما مضى إنه يجد العذوبة في صوتها، هذا الحبيب ما عاد يسمع صوتها. إنه لا يشعر بأنينها وتشكّيها. اختفى ولم يشفق عليها.
وترد أربع مرّات في هذه الآيات كلمة تصوّر كل نشاط العروس الآن: "طلب (بحث، فتّش). طلبت في الماضي. أطلب الآن. سأطلب في ما بعد. وبعد كل محاولة نجد صدى لهذه العبارات في كلمات تدلّ على اليأس: "ما وجدته ". غاب العريس وغاب معه كل السحر الروحيّ والإلهيّ، سحر الكروم والأزهار. انصرف صاحب العذوبة وتبعته عذوبته مع بهجته: فرح الزهور، رائحة الكروم، غنى الثمار... وخرجت من الحبيبة ثقة الحبّ، ومن الحمامة جمال الوجه وعذوبة الصوت. ومن الجميلة نعمة الشبه بالله. وبقي للحبيبة عزلتها. وللحمامة تنهّدها. وللفاتنة شكلها. وانغلقت نخاريب الصخر، وانغلقت مخابئ السفوح، فلم يعد من ملجأ للحمامة سوى قلبها.
"طلب، وجد". فالحبيب والحبيبة يطلب الواحدُ الآخر، ينادي الواحد الآخر، يضيعّ الواحد الآخر، فيطلبه ويجده ويتمّ العناق. لقد كان يوحنا الصليب في السجن فرأى أن عزلة سجنه أقسى من غياب الحبيب الذي هرب فطلبه بدون توقّف. ولكنه طلبه "في الليل ".
والبحث القلق لدى العروس جعلها تترك كل تحفّظ كل فطنة. ذهبت وحدها في عزّ الليل. لم تهتمّ لنفسها. كانت في الساحات وشوارع المدينة. وهكذا نشرت ولهها بشكل علنيّ. لم يوقفها ما يقوله الآخرون، ولا الخاطر التي تتعرّض لها. تاهت عبر "الأسواق الضيّقة" كما في الأماكن الرحبة، وفتشت في كل زاوية. فلم يكن لطلبها من نتيجة. فذاك الذي لم تجده في صلاتها الحارّة وتوسّلها، لا يستطيع البشر أن يردّوه إليها. ليس هو هنا ولا هناك. ولا يستطيع أحد أن يردّه إليها. وهو لا يُوجد إلاّ في الساعة التي فيها يكشف عن نفسه بكل حريّة وساعة يشاء.
تأوّهت تريزيا الأفيليّة أنه ليس من العدل. أن عليها أشغالاً عديدة، وأن ليس لها كثير من الوقت لتكرّسه للتأمّل. فيجب على الرب ان يكون هنا في ذلك الوقت. ولكنه يختفي ويصمت. هذا ما لا تستطيع أن تحتمله. قالت: "آ 5، يا ربي! أما يكفيك أن تتركني في هذه الحياة التعيسة التي أحتملها حبًا بك، فأقبل أن أعيش على الأرض حيث كل شيء يمنعني من التمتعّ بك. حيث يجب أن آكل وأشرب وأتاجر وأتعامل مع البشر، وأتحمّل كل شيء من أجل محبّتك. أنت تعرف يا رب أيّ عذاب يشكّله لي كل هذا. فهل يجب بعد الآن أن تختبئ في اللحظات القليلة التي بقيت لي لكي أتنعّم بك؟ كيف تتكيّف رحمتك مع هذا الوضع؟ كيف يستطيع حبّك لي أن يحتمل هذا؟ أظن يا رب أنه لو أمكن لي أن أختبئ عنك كما تختبئ عني، فحبّك لا يحبّ هذا. أنت معي وتراني دائمًا. فهذا لا يُحتمل يا رب. أرجوك أن تعتبر أنك تجرح تلك التي تحبّك حبًّا عظيمًا".
والعروس التي تجري كالمجنونة عبر المدينة، عبر أورشليم، عبر العالم، لا تحمل على شفتيها إلاّ اسمًا واحدًا: "ذاك الذي يحبّه قلبي ". فهي لا تسمّيه باسم آخر. ويعود هذا الاسم أربع مرات في هذه الآيات فتدلّ عودته على حنان قلبها وتمزّقه. وقد طبّق آباء الكنيسة هذا المقطع من نش على مريم التي بحثت بقلق واضطراب عن يسوع عبر شوارع أورشليم عينها. وقالت له هي أيضاً، هي حبيبة الله الحقيقيّة: "يا ابني، لماذا فعلت بنا كذلك؟ ها أنا وأبوك نطلبك معذّبين " (لو 2: 48).

* لقيني الحرّاس الطائفون في المدينة
غير أن العروس لا تكتفي بأن تطلب بنفسها حبيبها في كل مكان. بل هي تسأل المارّين. تسأل الحرّاس الذين يطوفون في المدينة: "أرأيتم ذاك الذي يحبّه قلبي "؟
مَن هم هؤلاء الحرّاس؟ هل هم أولئك الذين قال عنهم الله بفم أشعيا: "على أسوارك يا أورشليم أقمت حراسًا لا يسكتون نهارًا ولا ليلاً" (62: 6- 7)؟ هل هم حرس وضعهم الاحتلال يجوبون شوارع المدينة في الليل ليقمعوا كل تحرّر؟ ما هو أكيد هو أن الحبيبة لم تنل منهم جوابًا. لم يظهروا تجاهها شفقة ولا اهتمامًا ولا جوابًا.
يجب أن نقول أيضاً إنها حين سألتهم، أعطتهم إشارة خاصة عن حبيبها لا تساعدهم على التعرّف إليه. "هل رأيتم ذاك الذي يحبّه قلبي "؟ أي سؤال هذا يطرح على "شرطيّ "! فماذا سيجيب؟ أترى هؤلاء الحرّاس يعرفون أفكارها. تسألهم عمّن تحبّه. فكأن لا اسم له. ولكن كيف يمكن أن يكون للحبيب اسم آخر غير الاسم الذي هو لها؟
ونقابل هنا بين جري حبيبة نش عبر شوارع أورشليم، وجري مريم المجدليّة إلى قبر يسوع الفارغ في صباح القيامة. نحن أمام طلب الحبّ عينه. نحن أمام العجلة عينها في المدينة نفسها، وخلال الليل. قلق واحد. دموع واحدة. ذات الاسئلة غير المفهومة تُطرح. لا أعرف أين وضعوه. قل لي أين وضعته (يو (20: 13- 15). لا شكّ في أن يوحنا حين كتب هذا المشهد تذكّر ما قالته العروس: "هل رأيتم ذاك الذي يحبّه قلبي "؟
لا يستطيع الطائفون في المدينة أن يقدّموا جوابًا إلى العروس. فالحبيب لم يلجأ إلى المدينة ولا إلى خدره. فعلى العروس أن تطوف في الشوارع والساحات، أن تتوجّه إلى الذين يهتمّون بمراقبة المدينة. بعد ذلك، سوف تصل إلى ذلك الذي تحبّه. يجب أن تتجاوز كل شيء لكي تجده في النهاية.

* وما إن تجاوزتهم حتى لقيت حبيبي
لا العالم، ولا البشر، ولا حرّاس المدينة يستطيعون أن يعطوني حضور الحبيب. يجب أن أذهب أبعد من كل هذا. هو سرّ حضور لا ينكشف إلاّ في تجاوز متواصل. ولقد عاد غريغوريوس النيصي مرارًا إلى هذا الموضوع الرئيسيّ في كل روحانيّة حقيقيّة. قال: "إن التعليم الذي تقدّمه لنا الكتب المقدّسة هنا هو: من رغب أن يرى الله، فهو يراه حين يتبعه. مشاهدة وجهه مستمرّة. ليس هنا إلاّ طريقة واحدة لكي ندرك ذاك الذي يسمو على عقلنا، هي أن لا نتوقّف من أن نطلبه دائمًا فنتجاوز ما سبق وأدركناه منه ".
ونسمع صوت الحبيبة يعلن الآن: "وجدتُ مَن يحبّه قلبي ". أين وجدته؟ هذا ما لا تقوله. في الواقع ليس هو في مكان آخر إلاّ في قلبها. فالحبيب يقيم دومًا في أعماق ذاتنا لا في الخارج. فالعروس وجدت الحبيب في نفسها، وحين نزلت إلى عمق بحث لا حدود له. هناك وجدته إن كنا نستطيع حقًا أن نجده.
قال يوحنا الصليب: "لكي نجد الحبيب بقدر ما يمكن أن نجده في هذه الحياة، يجب أن نلاحظ أن الكلمة المتّحد مع الآب والروح القدس يسكن جوهريًا في أعماق النفس الحميمة حيث يختفي. ولهذا، فالنفس التي تجده في اتحاد الحبّ، يجب عليها أن تجرّد إرادتها عن كل الأشياء المخلوقة، أن تدخل في اختلاء روحيّ وداخليّ، وهناك تقيم علاقات مليئة بالحبّ والوداد مع الله. لهذا توجّه القديس أوغسطينس إلى الله في الاعترافات فقال: "يا رب، ما وجدتك خارجًا عني. وهذا يعني أني طلبتك بشكل سيّئ. طلبتك في الخارج وأنت فيّ ". إذن، الله هو مخفيّ في النفس، وهناك يطلبه المتأمّل الحقيقيّ فيسال: أين تختبئ يا صديقي"؟
وكما اختفى الحبيب فجأة وبشكل سرّي، ها هو يتركها تكتشفه. بدون سبب ولا علّة. بدون إشارة تجعلنا نتوقّعه. حسب حرّيته المطلقة. ولكن أي سعادة الآن في هذه الصيحة: وجدته. لا تقول العروس: وجدته ثانية بعد أن أضعته، بل وجدته. فاكتشافه هو دومًا جديد وكأنه يحدث للمرّة الأولى. فكأني به لم يأتِ بعد. وصوله هو "حضور" دائم.
وفعل "وجد" هو اللفظة التي يتناقلها التلاميذ الأولون على خمس دفعات في إنجيل يوحنا، والتي سيتناقلها عدد كبير بعدهم حين يخبر الواحد الآخر لقاءه مع يسوع. "وجدت، وجدنا". يا ليتنا نكون من هذه النفوس التي تطلبه، تبحث عنه! قال يسوع: "أطلبوا تجدوا. مَن يطلب يجد" (لو 11: 9- 10).

* أمسكته ولا أرخيه، لا أطلقه
والآن، بعد أن "امتلكت " الحبيبة حبيبها من جديد، فليست مستعدّة لأن تتخلّى عنه. فقالت: "أمسكته ولن أطلقه ". لقد تمسّكت بذلك الذي وجدته. تمسكت به ولا تتركه يذهب أيضاً. هذا ما تعتبر أنها فعلته. وهي أكيدة وفخورة بهذا "الصيد" الذي حصلت عليه! أتظنّ أنها استولت عليه بالقوّة، وأنها تستطيع أن تتصرّف به على هواها؟ وتضع أمامها المشاريع. تريد أن تجتذبه إلى خدر أمها. "لن أطلقه حتى أدخله بيت أمي وخدر مَن حبلت بي ".
هذا ما أفرح فرنسيس السالسي فقال: "لا تفكّر هذه العروس إلاّ في أن تجعل حبيبها يأمرها، كعبد حبّ. وتتخيّل أن عليها أن تقوده على هواها، وتدخله إلى بيت أمها. فالروح الذي يدفعه الحبّ الوله يسمح لنفسه أن "يتفوّق " بعض الشيء على ذلك الذي يحبّ ".
أن ترغب العروس في البقاء الآن وحدها مع مَن تحبّ، هذا ما نفهمه. ولكن هل كان من الضروريّ أن تلحّ على ذلك فيصل بها الإلحاح إلى ترك التحفّظ وإفشاء السرّ، فتطلب منه أن يكون معها في بيت أمها؟ ولكن يجب أدن لا ننسى أن العروس هي شعب اسرائيل. ورغبة هذه العروس المنفيّة بعيدًا عن ارضها وعن هيكل الربّ عريسها، هي أن تجد من جديد أورشليم، المدينة التي وُلدت فيها. هي أن ترى الملك عريسها يعود إلى هيكله، إلى قدس أقداس هيكله، إلى خدر مَن حبلت بها، إلى ينبوع حياتها.
ولكن لا يكفيها أن تراه يعود إليها، إلى وسط شعبه. فهي تطلب أكثر من ذلك. إنها تريد أن تدخل ذاك الذي تحبّه إلى "بيت أمّها وخدر مَن حبلت بها" لتولد به من جديد. يُحبل بها من جديد على يده من أجل "ولادة جديدة". فهي تحسّ أنها إن أرادت أن تكون حقًا له، أن تتّحد به اتحادًا حميمًا، يجب أن تولد منه من جديد. لا تريد فقط أن ترتبط بحياته، بل أن تأخذ منه حياتها لتكون أخيرًا تلك المحبوبة التي تحوّلت إلى المحبوب. قالت إحدى المتصوّفات: "لكي يتمّ في نفسي مثل تجسّد الكلمة: فأصبح له بشريّة "زائدة" فيها يجدّد سرّه كله ".
هذا ما قاله يسوع لنيقوديمس: يجب أدى تُولد من جديد، أن تولد عن علُ، أي منه (يو 3: 3). وهكذا تصبح الحبيبة عروسه وابنته. فهذان هما الزوجان الجديدان في العهد الجديد حيث العروس هي معًا زوجة العريس وابنته، كما كانت حواء بالنسبة إلى آدم، وكما ستكون الكنيسة التي وُلدت من جنب المسيح زوجها على الصليب (يو 19: 34- 37).

* أستحلفكنّ يا بنات أورشليم
هنا كان من المفروض أن تنتهي القصيدة الثانية: مع هذا التمنّي العجيب الذي عبّرت عنه العروس بأن لا تكون هي التي تحيا بعد الآن، بل حبيبها فيها كما قال القديس بولس في غل 2: 20. غير أن رغبات الحبيبة تبدو أسرع من توبة قلبها الكاملة. لهذا قال الحبيب: "أستحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء ووعول البرّ، لا تنبّهن الحبيبة ولا توقظنها حتى تشاء".
هكذا كانت القصيدة الأولى قد انتهت: دعا العريس بنات أورشليم إلى احترام العروس في رقادها. ولكن قد نظنّ هذه المرّة أننا أمام نوم هو نوم الاتحاد. لهذا يقوله بعض الشرّاح: "يتمّ الاتحاد في الإعجاب وملء العطاء". ولكن هذه الردّة (هذا القرار) التي تعود ثلاث مرات على شفتي الحبيبة، تدلّ على أننا لم نصل بعد إلى التماهي الكامل مع الحب.
لا شكّ في أن الحبيبة استسلمت إلى الحبيب بحبّ صادق جدًا، وأنها رغبت أن يجعل منها الاتحاد مع عريسها كائنًا واحدًا. ولكن كم هي بعدُ سريعة العطب! "الروح مستعدّ ولكن الجسد ضعيف ". هذا ما قاله يسوع لبطرس الذي احتجّ فقال: "أنا متسعدّ لأبذل حياتي من أجلك ". قال بطرس هذا الكلام بصدق تام، ولكننا نعرف ما الذي حدث بعد ذلك الوقت بقليل.
سوف ننتظر نهاية نش لكي ينتصر الحبّ في العروس انتصارًا تامًا ونهائيًّا. غير أنه ينمو ويتعمّق من مرحلة إلى مرحلة. والحبيب في هذه المرّة لم يدلّ على دهشته ولا على قلّة صبره.
فهو يعرف أنه يحتاج إلى الحياة كلّها لكي يحقّق عمل الارتداد والتأليه. إنه يعرف أن الربيع، مهما كان جميلاً، ليس الصيف. وصبر العريس هو صبر كل محبّ. "لا تنبهن الحبّ، لا توقظنه حتى يشاء".

خاتمة
في القصيدة السابقة، بدت الخلفيّة التاريخيّة للآيات الأولى (1: 5- 11) وكأنها خلفيّة المنفى. ثم انتقل المشهد إلى فلسطين (1: 12- 2: 6): وصلنا إلى امتلاك متبادل بين العروسين، إلى استعادة أرض الموعد. وهكذا نحسّ أننا في أوّل أيام العودة. في القصيدة الثانية، صار الشعب في فلسطين. لم نعد في بداية البناء. والتلميح إلى الثعالب الصغار يجعلنا بعد بناء الهيكل الثاني، أي بعد سنة 515.
وعلى المستوى اللاهوتيّ، الدرس الذي نستخلصه من القصيدة الثانية هو الذي استخلصناه من القصيدة الأولى، وهذا ما يشير إليه القرار: لا يتمّ البناء بشكل نهائيّ قبل أن تستيقظ العروس، أي أن تتوب توبة كاملة. غير أننا نلاحظ هنا تشديدًا على وضع دراماتيكي. فصورة الربيع في آ 11، 13، 15 ب، لا تدلّ على استيقاظ العروس بقدر ما تدلّ على قرب المجيء (رج المعنى الاسكاتولوجيّ للربيع في مت 24: 29- 33؛ مر 13- 28- 29؛ لو 21: 29- 31).
دُعيت العروس إلى أن تخرج من "سباتها" لكي تتنعّم بالربيع. ليس الربيع الصيف، رغم كل تفتّح الحياة وكل الخصب الذي يحمله. إنه يعلنه بشكل مباشر يدلّ الربيع على خصب عاد إلى أرض فلسطين، إلى بركة الله المستعادة. وفي النهاية، أساس هذه الاعتبارات هو المجازاة على هذه الأرض. ولكن خيرات الأرض هي بركات من الله تكافئ أمانة عباده.
اتخذ العريس المبادرة فجاء إلى العروس التي ظلّت بعيدة عن متناوله. ثم بعد أن تركها تمسكه، مضى واختفى. حينئذ انطلقت العروس تبحث عنه. رغب الواحد بالآخر رغبة جامحة، ولكنهما لم يستطيعا حقًا أن يكونا الواحد للآخر. وهكذا نفهم ضرورة توبة كاملة لنحصل على اتحاد كامل ونهائيّ.
القصيدة الثالثة
3 : 6 – 5 : 1
أغراسك فردوس رمّان
وكل ثمر شهيّ ( 4 : 13 )

بعد الربيع الصيف، وبعد الخطوبة الزواج. ها قد بدأت أعراس الحبيب والحبيبة. تبصر حبيبها في البعيد. هو ملك في قلبها الذي هو عرش له. وهو أيضاً أخذ بجمالها. أجل، جمالا النفس يجتذب الرب مع أن هذا الجمال هو انعكاس لجماله. ويدعو الحبيب الحبيبة ليدخلا معًا إلى أورشليم حيث يقيم الله وسط شعبه. أرض فلسطين لا تجد كمالها إلا بمدينة أورشليم. وأورشليم تصل إلى ذروة سعادتها بالهيكل الذي يدلّ على حضور الله فيها.
الفصل الحادي عشر
ما هذا الطالع من البرية
3: 6 – 8

أنشد الشاعر في القصيدة الأولى بحث العريس عن العروس، وحوارًا فيه يتأمّل الواحد بالآخر، وامتلاك الواحد للآخر في بهجة لا حدود لها. وفي القصيدة الثانية نسمع نداء يوجّهه العريس إلى العروس، ونشهد بحثًا قلقًا تقوم به العروس في إثر من يحبّه قلبها. ويتبع كلّ هذا امتلاك الواحد للآخر في سعادة تكاد تكون تامّة. وهنا نصل إلى الاعراس بعد الربيع الذي شاهدناه في القصيدة الثانية.
في القصيدة الأولى، كانت العروس في المنفى. بحثت عن العريس فاهتمّ بها العريس. في 1: 12 ي، صارا في فلسطين وأعطى الواحد للآخر عربون إعجابه بالآخر. وأعلنت هي حبّها (2: 3- 6) بطريقة كاد يُغمى عليها. نظنّ أن الاتّحاد الكامل والنهائيّ قد تحقّق، ولكننا لم نصل بعدُ إلى ذلك كما نقرأ في 7:2.
أمّا في القصيدة الثانية فالعريس الذي لم يكن قد اتخذ المبادرة، فقد جاء بنفسه إلى المحروس. جاء إلى فلسطين حيث تقيم هي، ودعاها لكي تتمتعّ بالربيع. ولكن العروس لا تظهر، فليست هي في الاستعدادات اللازمة. مشهد يحصل في الليل فيدلّ على الوضع الحاليّ من الألم والضيق.
ودلّت القصيدة الثالثة التي ندرسها الآن على تقدّم وارتقاء. فهي تبدأ بلوحة تشير إلى الخروج من مصر، وتصوّر أول قافلة من العائدين من المنفى. تسير الجماعة بقيادة "الملك سليمان " الذي يتوَّج كالملك المسيح على جبل صهيون. وبعد هذا، يكون العريس وحده، وهو يستعد "لحربٍ" تنتهي بقبول العروس لما يقدّمه لها. فهي تبقى حبيبته الوحيدة.
(آ 6) ما هذا الطابع من البرّية؟ سؤال بلاغيّ يؤكّد واقعًا، أو يبدأ برسم صورة (رج أش 60: 8؛ 63: 1؛ إر 46: 7). إذن، لا حاجة إلى التساؤل عن الشخص الذي يتكلّم. قالوا: رجال أورشليم، بنات أورشليم. نحن في بداية توسيع سوف نرى فيه ذاك الذي هو محطّ آمال العروس.
"م ي. زوت ". ترجم البعض هذه العبارة: "من هي هذه "؟ كذا في السبعينيّة اليونانيّة وفي الشعبيّة اللاتينيّة وفي البسيطة السريانيّة. ولكن النصّ لا يتحدّث عن العروس. لهذا نقل بعضهم آ 6 إلى ما قبل 4: 1 حيث ينشد الشاعر العروس فيقول لها: "ما أجملك، يا خليلتي، ما أجملك "!
نحن بالأحرى أمام "شيء" لا أمام شخص. فالشاعر يستشفّ في البعيد شيئًا لا يميّزه، شيئًا يشبه عمودًا من دخان. بعد ذلك، سوف نعرف أنه سرير سليمان. أما الآن، فلا شيء واضح.
ويرد فعل "ع ل ه" (طلع) الذي يدلّ لا إلى ما يرتفع إلى السماء، بل إلى ما يتقدّم نحو المشاهد. يُستعمل هذه الفعل في معرض الحديث عن الصعود إلى أورشليم. فالمؤمن الذي ينطلق من هذا المكان أو ذاك من فلسطين إلى المدينة المقدّسة يقال عنه أنه "يصعد". وقد يصعد من مصر أو من بلاد الرافدين (عز 1: 3، 11؛ 2: 1، 59؛ 4: 2؛ 7: 6، 7، 28؛ 8: 1؛ نح 5: 6، 61؛ 12: 1). وهكذا يرى الشاعر قافلة العائدين من السبي إلى أورشليم (رج ما قلناه عن 3: 2- 3 وارتباطهن بأشعيا).
"م د ب ر". من البرّية. هي الفيافي التي نبتت فيها بعض الأعشاب التي ترعاها القطعان. وهي تقابل المناطق المزروعة والمأهولة (هو 2: 5، 16- 17 ؛ أي 38: 26- 27). في قض 1: 16؛ مز 63: 1، يتحدّث النصّ عن برية يهوذا. ولكننا في الواقع أمام الصحراء التي تمتدّ إلى الشرق باتجاه دجلة والفرات. وقف "المراقب " على الأعالي المحيطة بأورشليم، وشاهد قافلة العائدين من الشمال الشرقيّ للمدينة المقدّسة.
قيل أنها تشبه "أشجار النخيل ". بل يجب أن نقول بالأحرى: "عمود من دخان "كما في يوء3: 3 (دمًا ونارًا وأعمدة دخان) وقض 20: 40 (يرتفع من المدينة كعمود دخان). متى ينتج عمود الدخان هذا؟ حين يُحرق البخور. وهذا الدخان المعطَّر هو دخان المرّ والبخور.
يُذكر المرّ مرارًا في نش (1: 13). والبخور يرد في كتاب الطقوس الموسويّة (خر 30: 34؛ لو 2: 1- 2) أو بمناسبة الحديث عن شعائر العبادة (1 أخ 9: 26؛ نح 13: 5، 9 ؛ إر 6: 20؛ أش 43: 23). وفي نش 4: 6، يكون للمرّ والبخور مدلول عاديّ. كما يرمزان أيضاً إلى محاسن العريس أو العروس (1: 13؛ 4: 14؛ 5: 1، 5، 13). وقد يكون هذا هو المعنى هنا.
"كلّ طيوب التاجر". إن لفظة "ا ب ق ت " (طيوب) لا ترد إلا في هذا الكتاب من الكتاب المقدّس. ولكننا نجد صيغة المذكّر في خر 9: 9؛ تث 28: 24، وهي تدلّ على "عطر مضمون ". ولفظة "ر و ك ل " تدلّ على التجّار المتجوّلين الذين ينقلون بضائعهم على طرق الشرق البعيدة (حز 17: 4 ؛ 27: 13- 25؛ نا 3: 16). إذن، الطيوب التي يتحدّث عنها الشاعر تأتي من البلدان البعيدة.
ما معنى هذه الآية؟ هناك آراء عديدة. الأول: خرجت العروس من خدرها، فاستقبلتها رفيقاتها بصيحة الإعجاب، وقابلنها بعمي من دخان وبخور. الثاني: جاءت العروس من الجليل، عبر وادي الأردن، وعبرت بريّة يهوذا قبل أن تصعد إلى أورشليم. أحاطت بها العطور فشُبّهت بعمود من دخان. الثالث: انطلق الموكب عبر المروج، وحمل المرافقون أمامه مشاعل النار التي يخرج منها الدخان. عروس مضمّخة بالعطور. الرابع: تصوّر هذه اللوحة انتقال تابوت العهد إلى هيكل سليمان. والدخان هو دخان العطور والذبائح. هكذا يدخل الربّ إلى هيكله.
ولكن يبدو أن آ 6 تقدّم لوحة اسكاتولوجيّة. عادت جماعة المسبيّين واجتازوا الصحراء البعيدة. وقد رآهم المراقب في صحراء يهوذا. يهوه هو في وسطهم. فنحن أمام معطية معروفة تتحدّث عن الرب الذي يعيد بنفسه شعبه إلى فلسطين (إر 31: 107؛ 32: 37 ؛ حز 34: 11- 16...). وحين نقرأ أش 52: 12، نلاحظ إشارة واضحة إلى عمود النار أو الغمام، الذي يقود بني اسرائيل ويحميهم خلال خروجهم من مصر (خر 13: 21- 22 ؛ 14: 19- 20، 24...).
تلك هي وجهة نش. فعمود الدخان يدلّ على حضور الله وحمايته لشعبه، كما يعطي للعودة من المنفى طابع خروج ثانٍ (رج 1: 9). أما العطور فتدلّ على جمال العريس. إذن، لسنا أمام موكب عرس، ولا أمام شيء يعلن حضور العروس.
(آ 7) بعد رؤية غامضة لمجمل الموكب الذي يشرف عليه عمود الدخان، يتميّز الناظر التفاصيل بوضوح متزايد وبقدر ما يقترب منه الآتي. يتحدّث النصّ عن "سرير". هذا لا يعني أن الملك هو في غرفته وعلى سريره. بل على مطيّته يحيط به ستون جبّارًا.
حين يُذكر سليمان في التوراة فهو يُذكر كشخص تاريخيّ (ما عدا مز 72: 1). وماذا نقول عن هذا النصّ؟ لم يعد أحد يقول إن نش ألّف بمناسبة أعراس سليمان مع أميرة مصريّة. فسليمان يرمز إلى المسيح، واسم سليمان يدلّ على السلام والخلاص (قف 6: 24).
أجل، اسم سليمان هو لقب مسيحاني كما نقرأ في مز 72: 1: "لسليمان ". فهناك علاقة وثيقة بين عنوان المزمور (وهذا الاسم) ومضمونه الذي صوّر الملك المسيحانيّ كحقبة من السلام والازدهار. فصاحب نش، شأنه شأن صاحب مز 72، دلّ على المسيح بهذا الاسم، لأن "ش ل م هـ " يرنّ في أذاننا مثل "ش ل و م " أي السلام. وسوف نرى تأكيدًا على ذلك في "ش ل و م ي ت " التي يطبّقها 7: 1 على العروس التي هي بنت السلام (شولميّة، سليمى).
يعبّر"ش ل و م " عن كائن لا ينقصه شيء، ولا يخاف ما يعكّر طمأنينة البشر هو الغبطة مع الأمان. فلا نستطيع أن نرغب بأفضل من ذلك لنا وللآخرين، ولاسيّمَا في حقبات الألم والضيق. لهذا السبب، فالتوق إلى السلام جزء من الانتظار الاسكاتولوجيّ (أش 26: 3، 12؛ 32: 17- 18؛ 47: 18، مز 29: 11؛ 85: 9- 14 ؛ 125: 5). وهو يرتبط برجاء يشير إلى عودة الأسرى (أش 17:52؛ 17:60 ؛ 66: 12؛ إر 33: 6؛ حز 37: 26؛ زك 9: 10- 12). وطابعه هو طابع مسيحانيّ واضح (أش 9: 5- 6؛ حز 34: 25؛ مي 5: 4؛ زك 9: 10؛ مز 72: 7-8).
وهكذا يكون لقب "ش ل م ه" (سليمان) الذي أعطاه الشاعر لشخص سرّي أدخله الآن على المسرح، صدى لرغبة عميقة في السلام يحسّ بها معاصروه. والعلاقة بين مسيح نش ويهوه ستدرس في ما بعد، في 8: 1.
من هم هؤلاء الستّون جبّارًا؛ قالت المدرسة الطبيعانيّة: هم الشبّان الذين يرافقون العريس في حفلة أعراسه. رافق شمشون ثلاثون جبارًا (قض 14: 10- 20). وكان مع داود 30 جبارًا. ورأى آخرون أن هؤلاء الجبابرة هم "كهنة" يحيطون بتابوت العهد. خمسة جبابرة من كل قبيلة.
رأى الشاعر المطيّة التي يركبها الملك وكأنها عرش، ولكنه لم يرَ"سليمان " الذي هو في الداخل. اذا كان شعب اسرائيل هو نخبة، فهؤلاء الجبابرة هم نخبة النخبة.
(آ 8) هذه الآية هي توسيع شعريّ يُبرز دور هؤلاء الجبابرة ووزنهم. كل واحد يمسك (ا ح ز ي. رِج أخذ في العربيّة)، يقبض على مضيفه برشاقة ومهارة. "تحسّبًا من هول الليالي ". "خوفَا من ". يشير النصّ بهذا الكلام إلى شرّ سرّي ومخيف كما في أش 24: 18 ؛ مز 91: 5؛ أم 3: 25.
رأى بعض الشرّاح في آ 7- 8 استعادة لما في آ 4. فاسرائيل يحرس تابوت العهد خوفًا ممّا قد يحصل في الليل. لهذا كان اللاويّون يسهرون كل بدوره في الهيكل خلال الليالي. ولكن نستطيع أن نفكّر بمناخ من الفوضى يسيطر على البلاد (قض 21: 19- 23؛ نح 4: 13- 17؛ 1 مك 9: 37- 42).
حول الملك يقف الحرّاس. إنهم هنا ليكرموه ولكي يحموه.

* ما هذا الطالع كعمود من دخان
مع القصيدة الثالثة، ننطلق انطلاقة جديدة داخل نش. هناك من يقاسم غريغوريوس النيصي حزنه أمام إبطاءات الحبيبة: "كيف نبقى بعيدين عن الحزن، حين نرى أن النفس التي ارتفعت عاليًا ارتفاعات الحبّ، لم تدرك بعد ما تطلب، لم تزل بعيدة عن إدراك الكمال، شأنها شأن الذين خطوا فقط الخطوة الأولى"! الجواب: إن مسيرة العروس لم تكن حتى الآن سرابًا. بل هي تقدّمت من مرحلة إلى مرحلة. وكانت فترة المسيرة السابقة نقطة انطلاق نحو واقع أسمى، نحو تمهيد للصعود.
لهذا نقرأ: "ما هذا الطالع من البرية، كعمود من دخان وعرف مرّ ولبان وكل طيوب التاجر". كانت بداية القصيدة الثانية حارّة حادّة، مثل رقصة خفيفة. أما بداية هذه القصيدة فهي بطيئة واحتفاليّة، كأننا في مسيرة ليتورجيّة.
تبدأ القصيدة الثانية برواية تأخذ بمجامع القلوب: ما هذا؟ لسنا أمام العريس ولا أمام العروس. لسنا أمام المذكّر ولا أمام المؤنّث. بل نحن أمام "شيء". وإن قلنا إن الآية تدل على المذكّر، على "سليمان " الذي يرمز إلى الملك المسيح، فصيغة المؤنث أمر طبيعيّ في الشعر، حيث يستعمل المؤنّث للمذكّر والمذكّر للمؤنّث (هنا نتذكر ما تنادي الأمّ به طفلها).
عمود طويل لا نتميّزه بعد. يطلع من عمق البرّية ويظهر في الأفق. ولكن ما يجعل الجوقة تطرح سؤالاً، ليس المسافة التي تفصلها عن هذا "العمود" ولا البعد. بل طبيعة هذا العمود والسرّ الذي يلفّه. إن جوقة "الأمم " ترى نفسها وجهًا لوجه أمام سرّ الله بالذات.
فكلّ شيء يدلّ عليه. فالسؤال الذي يخرج من قلب الانسان حين يكشف الله عن نفسه، هو سؤال العبرانيين في الصحراء أمام سرّ المنّ. قالوا: ما هذا (م ن هـ و) (خر 16: 15)؟ وهو سؤال موسى أمام سرّ العلّيقة الملتهبة (خز 3: 3). أجل، هو الرب نفسه يسير اليوم، كما في زمن الخروج، على رأس شعبه. هو يصعد معهم من عمق البريّة إلى أرض الموعد. وهو يقودهم في "عمود الغمام " (خر 13: 21)، في عمود الدخان كما يقول نش. إنه كالعمود الذي ارتفع من الجبل قبل أن يُعقد العهد: "وكان جبل سيناء كله دخان، لأن الرب نزل عليه بالنار. فتصاعد دخانه كدخان الاتون " (خر 19: 18).
وأشعيا رأى يوم دعاه الله، الهيكل مملوءًا من الدخان (6: 4). وهو دخان معطّر يخرج الطيوب التي تترافق في الهيكل مع العبادة الليتورجيّة. "المرّ والبخور". ومعهما كل الطيوب الغريبة. وحضور ذاك الذي هو ملك شعبه، وملك على جميع الأمم الغريبة. إنه فوق كل شيء.

* ها سرير سليمان، ها عرش سليمان
وما يلفت النظر هو أن "الله " لا نراه. نعرف أنه على العرش، ونعرف أنه ليس هنا. ما نراه هو السرير الذي يشبه تابوت العهد. وحوله أولئك الذين يحمون الناس من قدرة الله التي لا تُرى.
إذا كان قد ذُكر اسم سليمان ثلاث مرات في هذه الآيات، فالشاعر لا يفكّر بملك اسرائيل العظيم، بل بذاك الذي يبدو كملك وأخ معًا وسط رفاقه، ذاك الذي هو الربّ وهو واحد منا، ابن داود الحقيقيّ وملك السلام بحسب اشتقاق اسمه. ذاك الذي أعطي له في يوم مولده اسم ثان: "حبيب الربّ " (2 صم 12: 25).
قال غريغوريوس النيصيّ: "أتظنّ أنني أريد أن أتكلّم عن سليمان هذا الذي وُلد من بتشابع؟ لا، بل عن سليمان آخر يدلّ عليه هذا. اسمه السلام (عب 7: 2). هو ملك اسرائيل الحقيقيّ (يو 1: 49؛ 12: 13). باني هيكل الله (مت 16: 18؛ 26: 61؛ 27: 40). ذاك الذي لا حدود لحكمته، بل ذاك الذي كيانه هو الحكمة (1 كور 1: 24) والحق " (يو 6:14).
إنه الملك الذي تنبّأ عنه أشعيا أنه سيسير أمام شعبه ليقوده إلى أرضه منتصرًا. "ذلك الذي يعلن السلام، ويحمل السعادة، يبشّر بالسلام ويقول لصهيون: ملك إلهك " (أش 52: 7). إنه سليمان الحقيقيّ، ملك السلام والمجد، وأبواب المدينة هي أصغر من أن تكون كافية ليمرّ فيها في يوم مجيئه. "إرتفعي أيتها المداخل الأبديّة، وليدخل ملك المجد، القويّ الجبّار، الرب الجبّار في القتال " (مز 24: 7- 10).
إنه الملك المسيح بعدد من السمات الإلهيّة والسمات البشريِّة معًا. هو يفترق عنا بشكل مطلق وهو يمتزج بنا امتزاجًا حميمًا. هذا الملك يحيط بعرش حضوره (تابوت العهد) جبابرة شعبه. "حوله ستون جبّارًا من جبابرة إسرائيل".

* قابضون جميعًا على السيوف
هؤلاء الرجال الشجعان لا يمثّلون قوّة تهدّد الناس. إنهم حرس مهيب حول الملك. وهم يدلّون على عظمة الذي يرأسهم. لقد تمرّسوا مدة طويلة في خدمة ابن داود، ورافقوه ولم يتعبوا من رفقته. إنهم الرفاق الذين يقاسون ملكهم مصيره ويحاربون بجانبه. فهم بقيادته صاروا حاذقين، ماهرين، مدرّبين. صاروا رجال تمييز. وكل واحد منهم مسلّح ضدّ قوى الليل، ضدّ قوى الظلمة التي تفاجئ وتهدّد. وضعوا سيوفهم على خواصرهم لكي يواجهوا عالم الظلمة هذا (أف 6: 10- 17).
سمّى نش "جبابرة" سليمان بالاسم الذي دلّ به 2 صم 23: 8- 39 على الجبابرة الثلاثين الذين الّفوا حرس داود الخاصّ. ولكن حرس ابن داود وسليمان الجديد، هم ضعف حرس داود. إنهم ستّون من قدماء الحرب.
ذاك الذي رأيناه في البداية آتيًا من البريّة، مخفيًا في عمود من دخان وطيوب. ذاك الذي عبرت مطيّته أبواب المدينة يحيط به جبابرته. ها هو يدخل الآن إلى قصره ويجلس على عرشه، فيُعطى له لقب ملك. وبعد أن تعب طويلاً مع أخصّائه في الطريق، ها هو يظهر الآن فجأة وسطهم في مجده.
الفصل الثاني عشر
عرش من شجر لبنان
3: 9-11

ها قد وصل سليمان وهو يجلس على عرشه المصنوع من خشب الأرز. هو الحبيب يعود إلى أرضه، إلى حيث تقيم حبيبته. هنا يجب أن تفسّر كل التفاصيل المادّية بطريقة رمزيّة: خشب لبنان، العواميد، التاج، المقعد، المسند، بنات أورشليم، أم سليمان.
(آ 9) ما معنى "ا ف ري و ن "؟ كلمة لا ترد إلاّ هنا في التوراة كلّها. قد تعني "محمل، هودج ". فقالت المشناة: سرير العروس المحمولة إلى موكب العرس. أما السبعينيّة فقالت: سرير أو كرسي يحملون عليه شخصًا وجيهًا. والبسيطة: العرش، الكرسي (كورسيا)
إن هذه الآية تلمّح إلى 1 مل 10: 18- 20. يصوّر هذا المقطعُ العرش الرائع الذي صنعه سليمان فوضعه في رواق العرش أو القضاء. تذكّر نش عظمة سليمان حين أراد أن يتحدّث عن الملك المسيحاني، وتطلعّ إلى آ 11 حيث يتوّج ابن داود ملكًا.
(آ 10) اختلفت الترجمات فتحدّثت عن سرير أو عرش، ولهذا قالوا: قوائم أو أعمدة (ع م و د ي و). وترد لفظة "ر ف ي د ت و" هنا ولا ترد في أي مكان آخر من التوراة. تعني "الروافد" أو "متّكأ" العرش. رج فعل "رفد" في العربيّة أي أسند (الحائط). وقالت السريانيّة: تشويته أي السرير الذي عليه نستلقي. وهكذا تكون العواميد من فضة والمتّكأ من ذهب. هذا لا يعني أنها كلها مصنوعة بالفضة والذهب، بل مغشّاة (عد 17: 3- 4؛ 1 مل 6: 20- 22، 32، 35).
"م ر ك ب و" (مقعد). قد تكون البسيطة قرأت "م ك س ي ه و" (تكسيته) الذي يعني اللباس أو الستار. وعادت الشعبيّة والسبعينيّة إلى الجذر "ركب " فتحدّثت عن المطيّة أو المركبة (1 مل 5: 6؛ لا 15: 9). هنا نفهم أننا أمام عرش ينتصب على منصّة وفوقه قبّة.
والعرش مغطّى بالأرجوان (ا ر ج م ن، كما في راس شمرا والعالم الأشوريّ) الغالي الثمن. وقد صار رمزًا إلى الملك. ولقد تحدّث إر 10: 9 وبا 6: 71 عن ثياب من الأرجوان تُوضع على الأصنام. وتتحدّث النصوص الكهنوتيّة في أسفار موسى عن قماش الأرجوان (قد يكون أحمر أو بنفسجيًّا) الذي يستعمل في زينة المعبد ولباس عظيم الكهنة (خر 26: 21- 36؛ 27: 16؛ 28: 5، 6، 8، 15، 33). ويروي 2 أخ 3: 14 أن حجاب قدس الأقدس في هيكل سليمان صُنع هو أيضاً من الأرجوان.
ينتج عن هذه النصوص أن الأرجوان يرمز إلى السلطة الملكيّة التي تخصّ الألوهة بشكل خاصّ. فإن كان سليمان نش يمتلك الكرامة المسيحانيّة (رج 8: 1)، فيجب أن نذكر الأرجوان حين نتحدّث عنه.
ونتوقّف عند نهاية الآية بما فيها من صعوبات: "ومسنده رصفته بمحبّة بنات أورشليم ". هناك "ت و ك و" التي قرأها بعضهم: الأرجوان البنفسجيّ (ت ك د ت). نطرح السؤال: بماذا يرتبط الضمير "و" (الذي يقابل الهاء في العربية، ت و ك ه)؟ هل يرتبط بالمقعد فيدلّ على داخل السرير أو المقعد؟ هناك من يربطه مع "ا رج م ن " (أرجوان) ويعود إلى خر 39: 3. هذا المقطع الذي يصوّر أفود (لباس) عظيم الكهنة، يتحدّث عن خيوط من الذهب في وسط الارجوان (ب ت و ك. ا رج م ن). وهكذا تدلّ "ت و ك و" على القماش الثمين نفسه الذي فيه يدخل التطريز الذي سوف نتحدّث عنه. وهكذا نقول: وسطه. أي المدى الواقع بين العمودين والقبّة والمقعد.
ويأتي اسم المفعول "ر ص و ف " الذي لا يرد إلاّ هذه المرّة في التوراة. يعني الفعل رتّب العناصر المختلفة. رج فعل "رصف " في العربيّة. ضمّ (الحجارة) بعضها إلى بعض. نحن هنا أمام صورة الحجارة المرصوفة أو الفسيفساء. نحن أمام نسيج خاص في مقعد العرش.
وترد لفظة "ا ه ب ه" (المحبّة). اعتبر بعضهم أن لا معنى لهذه الكلمة هنا. فقال "هـ ب ن ي م " (حز 27: 15): الابنوس. اذن، مرصوفة بالابنوس. ولكن لماذا نلغي لفظة "المحبّة" من نشيد يحدّثنا عن الحبيب والحبيبة. عن الله الذي يختار عروسه، والعروس التي تريد مع ضعفها أن تتعلّق بعريسها، تتعلّق بربّها.
(آ 11) أخرجن يا بنات صهيون. بمعنى تقدّمن إلى هنا. انظرن، شاهدن. "بنات صهيون ". عبارة لا تترجمها السبعينيّة ولا نجدها في مكان آخر من نش الذي يستعمل "بنات أورشليم ". لهذا يُلغي عدد من الشرّاح "بنات صهيون " ويربطون آ 10 مع آ 11 فيقولون: "بالحبّ رصّع وسطه. أخرجن يا بنات أورشليم ". ولكن العبارة تأتي بشكل طبيعي في قلم الشاعر الذي يصوّر لنا المشهد على جبل صهيون، على القمّة المقدّسة في أورشليم. نجد "رآه " (رأى) مع حرف الباء، فنفهم: شاهد بنشوة وباندفاع. ليس هذا المشهد مشهدًا عاديًّا، ولهذا ستكون نظرتنا إليه نظرة فوق العادة.
هناك حديث عن التاج. أي تاج يعني؟ يرى بعض الشرّاح فيه إكليل الزواج الذي يوضع على رأس العريس (والعروس أيضاً). ويرى آخرون تدشين الملك. في الواقع حين نتحدّث عن التاج (أو: الاكليل)، فنحن لا نرى فيه زينة من الزينات، بل رمزًا إلى السلطة العليا (2 صم 1: 10 ؛ 2 مل 11: 12؛ أش 62: 3 (إكليل عزّ في يد الربّ، وتاج ملك في كفّ إلهك)؛ إر 13: 18، حز 16: 12. وهذا هو هدف نش: أرانا المسيح في صورة الملك سليمان، وحدّثنا عن العرش الذي من هناك يراه شعبه. ثم، لا شكّ في أن صورة الزواج سوف تجد مكانها في المشهد، ولكن بطريقة لا نتوقّعها.
"ح ت و ن ه" تقابل "ح ت ن " أي صار صهر شخص من الاشخاص، تزوّج. رج ختنه في العربيّة: تزوّج إليه وصاهره (الختن: زوج الابنة). لا ترد " ت و ن ه" إلاّ في هذا المكان من التوراة وتعني "العرس ". هنا يجب أن نفهم أي عرس يعني الكاتب في عبارة "يوم عرسه ". نحن هنا أمام اتحاد أول على مستوى الواقع أو الاستعارة. فمنذ آ 6، يصوّر الشاعر في بعض اللمسات أعياد هذا الزواج الملكيّ. وإليك بعض النماذج من الشروح المطروحة.
(1) توجّهت بنات أورشليم إلى رفيقاتهنّ ودعوتهنّ إلى رؤية الملك الذي يعتمر تاجًا وضعته أمه على رأسه خلال زواج سابق. هذا ما يلمّح إلى الدور الذي لعبته بتشابع في مجيء ابنها سليمان إلى الملك (1 مل 1). (2) دخل العريس والعروس دخولاً احتفاليًا إلى أورشليم. فكانت آ 6- 10 كلمات الجوقة التي تكوّنت من رجال أورشليم الذين توجّهوا إلى نساء أورشليم المختبئات في بيوتهنَّ. حين تحدّث الشاعر عن أمّ الملك، فكّر في بتشابع التي ظلّت سلطتها كبيرة على ابنها. (3) تكلمت الشولميّة فصوّرت أعياد الزواج، وشدّدت ساخرة على بذخ الملك وميوعته وضعف شخصيّته. (4) العريس والعروس هما ملك وملكة. جاؤوا بهما ووضعوهما على عرش صُنع في المناسبة. والنساء اللواتي تحلّمن هنا هنّ أولئك اللواتي دعين إلى العيد. فكيف يعقل أن يتوّج رجل بيد أمّه في يوم عرسه؟ (5) ذهب سليمان إلى مقرّه في الشمال، على سفح جبال لبنان. هناك كانت العروس. وأرادت نساء "الحريم " أن يؤثّرن عليها فأبرزن بهاء الموكب. اعتمر الملك التاج الذي قدّمته له أمّه في الماضي، وهذه الأم كانت قد لعبت دورًا بارزًا في تنظيم زواجه.
(6) نحن أمام زواج رمزي بين الربّ وشعبه، والموكب يرافق تابوت العهد الصاعد إلى أورشليم. فمع أن الزواج قد احتُفل به في سيناء، فالكاتب يتمثّله مكرّرًا باحتفال في الهيكل الذي يتكيّف مع رونق العيد. فتاج سليمان (أي تاج الله)، زوج اسرائيل، هو جناح العرس أي الهيكل. أما التوسّع حول أمّ سليمان، فهو زينة أدبيّة. فإذا كان هناك من واقع، فنحن أمام المجمع. ونستطيع أن نقول عن طريق الاستعارة أنها توّجت يهوه لأنها بنت الهيكل إكرامًا له.
الصعوبة الوحيدة في هذا التفسير هي تنوّع الرمز. كانت الأمّة "عروسًا" فصارت "والدة". غير أن آ 6- 11 لا تتحدّث عن العروس. وهكذا يتجنّب الكاتب الصورة التي قد تصدمنا. يوم الأعراس هو الاحتفال العظيم بتدشين الهيكل الذي يرويه 1 مل 8 و 2 أخ 5-6.
(7) يتحدّث النصّ عن الرب الذي هو سليمان الحقيقيّ الذي يضع يده على الهيكل فيدلّ على سلطته عليه. ولكن عبر المشهد الذي يحصل في أورشليم، ما زال الكاتب يلمّح إلى الحياة في البرّية، إلى المحرقات وتابوت العهد والقبائل التي هي بنات أورشليم. أما ذكر الأم فخدعة أدبيّة وتلميح إلى بتشابع (1 مل 1) وإلى أش 61: 10 حيث نقرأ: "فرحًا أفرح يا رب، وتبتهج نفسي بإلهي. ألبسني ثياب الخلاص (أو الثياب الموشّاة، ثياب العيد) وكساني رداء البرّ كعريس يتوّج بتاج "
(8) صعد تموز الذي تماهى مع مردوك، إلى أورشليم بعد أن خرج من الجحيم. حُمل في مركبة رائعة تشبه القوارب المقدّسة التي فيها تقيم آلهة مصر الاحتفال هو احتفال بزواج. هو عيد الجلوس على العرش. والالاهة عشتار التي هي أم الاله تموز وزوجته، تضع على رأسه التاج الملكيّ. تلك هي بعض الآراء.
ولكننا لا نستطِيع أن نكتشف فكرة الكاتب إلا إذا عدنا إلى التقليد البيبليّ الذي يستلهمه. هناك أولاً نصّان نجد فيهما معًا صورة التاج (الاكليل) وصورة الزواج. قرأنا أش 61: 10: العريس يعتمر التاج والعروس تتزيّن بالحلي. هي جماعة العائدين من المنفى تتكلّم بفم النبيّ. هي تشكر الله على الخلاص الذي تمّ لها في إعادة بناء فلسطين التي دمّرتها الحرب. لقد تحقّق هذا البناء بشكل تام فشبِّه رونقه بزينة العرس. وهكذا كانت مقابلة بين الاعراس وحلول الأزمنة الجديدة، أي استعادة العلاقات التي كانت بين الله وشعبه.
ويبدو النصّ الثاني أكثر وضوحًا. توجّه النبيّ إلى أورشليم فقال: "تكونين إكليل عزّ في يد الربّ وتاج ملك في كفّ إلهك. لا يقال لك من بعد "مهجورة" (هجرها زوجها. هجرها السكّان). ولا تُدعى أرضك من بعد "خربة" بل تدعين (يقال لك): سروري فيها وأرض "مزوّجة"، لأن الرب يُسرّ بك وأرضك تكون زوجًا. فكما يتزوّج الشابّ بكرًا، يتزوجك بانيك (الذي بناك)، وكسرور العريس بالعروس يفرح بك إلهك " (أش 62: 3-5).
نرى هنا بوضوح أن البناء الاسكاتولوجيّ يشبّه بعودة الزوجة الخائنة إلى نعمة الله. ولكن هذا النصّ يدلّ على أن شقاء الماضي كان وكأنه لم يكن، بفيض لا يُفهم من رحمة الله. لقد استعاد الرب "الخائنة" دون أية خلفيّة، دون تحفّظ بفرح طوعي وغامر، بفرح حبّه الأوّل. إذن، حصل كل شيء وكأننا أمام بداية مطلقة واتّحاد أوّل.
هذان النصّان ليسا وحدهما في التوراة. إنهما منتهى تعليم تقليدي نجد نقطة انطلاقه في هو 2. فالأمّة المختارة زنت مع البعل. فعاقبها الرب عقابًا يتوخّى أن يعيدها إلى ذاتها. وفي النهاية، وبعد أن اقتادها إلى البرّية أعاد إليها كرومها، أي أصعدها من جديد إلى فلسطين. حينئذ (آ 17، 18) استنكرت ضلالها وتجاوبت مع نداء الله. وهتفت في عاطفة حبّ وأمانة لا تحفظ فيها: "زوجي ". قالتها كما كانت تقولها في أيام صباها، أي ساعة الخروج وسيناء. وتحدّثت آ 21- 22 عن أعراس جديدة وأبديّة. هذا لا يعني أن الاتّحاد السابق قد انقطع، بل على أن عودة العروس كلها صدق واندفاع، وأننا أمام حالة نهائيّة تتوّجها بركة هي نتيجة لها.
واستعاد إرميا هنا كعادته فكر هوشع وتوسّع فيه. في 3: 1- 8، لمّح إلى نقطة من الشرع حدّدها تث 24: 1- 4. بحسب هذا النصّ، لا يستعيد الزوج الأوّل زوجته التي طلّقها طلاقًا شرعيًّا بكتاب، إن لم يكن قد تزوّجها في ذلك الوقت شخص آخر. وطرح إرميا السؤال محاولاً أن يعرف إن كان العفو يصل إلى الأمّة التي طلّقها الرب بعد اتحاد زنائي مع البعل. وبدا الجواب سلبيًّا (لا يستطيع أن يعفو ويستعيد زوجته) بالقياس مع تث وما يفهم من إر 3: 1، 8. ولكن لم يحصل شيء من قبل الربّ يدلّ على أنه أعطى كتاب طلاق، على أنه رذل شعبه بشكل نهائيّ. فمن جهة الزوجة، هي لم تتزوّج بآخر فهي قد واصلت علاقات الزنى.
إذن، انحصر كل شيء في مسألة أخلاقيّة: ابتعاد الأمّة هو عمل ضعف تُسأل عنه وحدها، وتجعل الله ينتظر. لا شكّ في أن المنفى هو طلاق حقيقي ورذْل للأمة الخاطئة، ولكننا لسنا أمام شيء نهائيّ. المنفى هو تأديب يصيب الخائنة ويدعوها لكي تعترف بخطأها. وحين تفهم الدرس، لن يقف شيء أمام عودة الزواج إلى سابق عهده. هذا ما حصل في إر 31: 31- 33: كان العهد الجديد امتدادًا لعهد سيناء وتجاوزًا له.
ونجد تعبيرًا عن هذا التعليم عينه في أشعيا الثاني مع تحديد دقيق جدًا. يؤكّد 50: 1 بوضوح أنه لم يكن هناك كتاب طلاق، وأن سبب الانفصال هو خطيئة اسرائيل. وأعلن 54: 1 أن وضع الزوجة الجديد سيكون أفضل من القديم. وتبدو آ 4- 8 واضحة جدًا: أكّد النبيّ أن خطايا الزواج الأول والعقاب الذي كان نتيجتها، قد نُسيت إلى الأبد. وها يهوه يستعدّ لكي يتزوّج باسرائيل مرّة ثانية (آ 5). سيدعو من جديد الزوجة المهجورة والحزينة، سيدعو زوجة صباه التي طلّقها (آ 6). وهذا العمل سيكون نتيجة رحمته، ولن يستطيع شيء أن يدمّره، لأن العهد الجديد سيكون أبديًّا (آ 7- 10).
لقد حزن يهوه ورذل زوجة صباه بحيث صارت شبيهة بامرأة مطلّقة. وها هو يستعدّ أن ينسيها عار ذنوبها وخزي العقاب الذي فُرض عليها، فيدعوها من جديد ويتزوّجها. ولن يستطيع شيء أن يحطّم هذا الزواج.
هذا هو التيّار التعليميّ الذي يرتبط به نش 3: 11 بواسطة هذين النصّين الاساسيّين، أش 61: 10؛ 62: 3- 5. على ضوء هذا الكلام، يتوضّح لنا أن يوم أعراس الملك سليمان، يوم فرح قلبه، هو يوم مجيء المسيح الاسكاتولوجيّ الذي يشبه الزواج، لأنه يجدّد (ويكرّس إلى الأبد) عهد سيناء الذي يبلغ إلى ملء كماله.
والتاج (أو الاكليل) هو رمز السلطة الملكيّة، كما هو في معنى ثانٍ ، زينة العريس التقليديّة. وأم العروس هي الأمّة. هذه الصورة التي لم نكن لنقبل بها في فرضيّة تجعل يهوه "على المسرح "، لا تجد أي اعتراض حين يكون الموضوع المسيح. إنه ابن شعب اسرائيل. ونستطيع أن نسمّيه أيضاً العريس لأنه يمثّل يهوه. وأم الملك، أي الأمّة، تتوّجُهُ في يوم أعراسه.
يبدو أننا نجد هنا تلميحًا إلى ممارسة معروفة في اسرائيل. فالملك، وإن خلف بطريقة شرعيّة سلفه، وإن دلّ عليه الله وكرّسه نبيّ من الأنبياء، لا يبدأ مهمّته الملكيّة بدون موافقة الشعب. وتدخّل الشعب واضح في قض 9: 6- 16، 18 (أبيمالك) ؛ 1 صم 11: 15 (شاول) ؛ 2 صم 5: 1-3؛ 1 أخ 11: 1-3، 10 ؛ 12: 24، 32، 39 (داود) ؛ 29: 22 (سليمان) ؛ 2 أخ 10: 1 (رحبعام) ؛ 1 مل 12: 20؛ 2 أخ 17: 21 (يربعام)، 1 مل 16: 16 (عمري) ؛ 16: 21 (تبني) ؛ 2 أخ 22: 1 (أحزيا) ؛ 2 مل 11: 12 ؛ 2 أخ 23: 11 (يوآش) ؛ 2 مل 23: 30؛ 2 أخ 36: 1 (يوآحاز) ؛ 2 مل 14: 21؛ 2 أخ 26: 1 (عزريا- عزيا) ؛ 2 مل 21: 24؛ 2 أخ 33: 25 (يوشيا).
لهذا، كان من الطبيعيّ أن تتوّج (أي تعلنه ملكًا) الأمّة الملك المسيحانيّ فتدلّ بذلك على كرامته وتخضع لسلطته بحريّة تامة.
في النهاية نقول إن نش 3: 6- 8 ليس فقط صورة عن موكب عرس، بل تعبيرًا عن الآمال الاسكاتولوجيّة والمسيحانيّة. في آ 6، نرى المسبيّين يعودون كما كان الأمر في سفر الخروج. وتصوّر آ 7- 8 الملك في سريره يحيط به حرسه. وهو يصعد إلى صهيون من أجل حفلة التتويج. وتصوّر آ 9- 10 عرش غرفة المقابلات، حيث يقدّم نفسه للشعب. وأجلس الملك (آ 11) بأبّهة وجلال، واعتمر التاج الملكيّ علامة عن سلطته السامية التي يوافق عليها شعبه.
حين رأى الشاعر هذا المشهد، عبّر عن دهشته واعجابه، ودعا بنات صهيون ليأتين ويشاهدن ذاك الذي يدلّ مجيئه على نهاية المحنة التي تصيب الأمّة. فهذه ساعة البناء التامّ والنهائيّ، ساعة العهد الجديد الذي أنبأ به الأنبياء.

* سليمان صنع عرشًا
نحن أمام مقعد من أرجوان، وعواميد من فضة، وقبّة من ذهب. هناك سيجلس "الملك سليمان ". ولكنه عرش من نوع خاصّ، عرش إلهي. عرش أزليّ كما يقوله مز 45: 7 ؛ لأن الملك المذكور هنا ليس ملكًا محدّدًا: إنه الملك المسيحانيّ. وهكذا نكون أمام تعارض مقصود بين سرير يحيط به الجبابرة الستّون، والمعبد المتواضع الذي يدلّ على حضور الله خلال مسيرة البريّة، والمقعد الملكيّ الذي يجلس فيه الآن.
هذا العرش يلفت كل انتباه نش. فلا يصوّر من كل قصر الملك إلا هذا الرمز الذي يدلّ على عظمته غير المحدودة وبهائه مجده. قال أش 6: 1- 4: "رأيت الربّ جالسًا على عرش رفيع ". هذا كل ما تميّزه أشعيا حين "رأى الملك " في هيكل أورشليم حيث الذهب والفضة والخشب الثمين الآتي من لبنان، والأرجوان الذي صُنع منه قدس الأقداس، تؤلّف لعرش ملك نش مديحًا لقدرة عريس اسرائيل ولبهائه الملكيّ. قال 1 مل 10: 18- 20 إن "الملك سليمان صنع عرشًا كبيرًا من العاج وطعّمه بالذهب المصفّى، فلم يُر مثله في مملكة من الممالك ". أما عرش ملك نش فليس له ما يضاهي به عرش سليمان الذي يتحدّث عنه التاريخ. ولكن سيوعد ابن داود الحقيقيّ، في يوم البشارة، بأن "الرب يعطيه عرش داود أبيه " (لو 1: 32). هذا هو التفصيل الوحيد الذي يرتبط بسلطان يسوع في خبر لوقا.
لقد نال سليمان الجديد عرشه من الله نفسه، كما كتب: "قال الربّ لربّي أجلس عن يميني " (مز 110: 1). "عرشك يا ربّ من الأزل إلى الأبد" (مز 45: 7). لهذا يعلن نش أنه صنع لنفسه عرشًا، وليس مديونًا به لأحد آخر. ولكن في الواقع، عمل فيه بفرح وتواضع شعبٌ كامل بل البشريّة كلها، لأن "مقعد الارجوان هو عمل حبّ بنات أورشليم ". أي: عمل كل الأمم التي هي بنات "أورشليم" (الصغيرات، كما يقول حز 16: 46). هكذا أعطي للانسان أن يعمل مع الله من أجل ملكوت الملك المسيح.

* أخرجن يا بنات صهيون
ونسمع أيضاً البشريّة كلها في صوت بنات أورشليم، وهنّ يدعين شعب صهيون "ليخرج " من مدينته فيتعرّف إلى السيادة الشاملة التي ينعم بها الملك الآتي. فيقلن: "أخرجن يا بنات صهيون وانظرن الملك سليمان، يعتمر تاجًا توّجته به أمّه في يوم عرسه، في يوم فرح قلبه ".
انتظر الحبيب القصيدة الثالثة أي قلب نش، ليكشف عن ملء بهائه. ففي المطلع (1: 2- 4) وفي القصيدة الأولى (1: 5- 2: 7)، لم يبدُ ملكًا إلاّ بسلطانه على قلب حبيبته (أدخلني الملك إلى خدره، 1: 4، إذ كان الملك في مجلسه، 1: 12). ولكنه في هذه القصيدة الثالثة ملك تعترف به وتهتف له وتتوّجه مدينة أورشليم المقدّسة، مدينة الله ومدينة البشر، التي تسمّى هنا ولا تسمّى إلا هنا في نش باسم صهيون، وذلك في إطار مجيء ملكيّ يُشبه كل الشبه الإطار الذي رسمه أشعيا: "قولوا لابنة صهيون: ها خلاصك آتٍ " (أش 62: 11). ونقرأ في مز 147: 12: "مجّدي الربّ يا أورشليم، إمدحي إلهك يا صهيون ". ونجد في زك 9:9 نصًا قريبًا جدًا ممّا في نش: "ابتهجي يا ابنة صهيون، وارفعي الهتاف يا بنت أورشليم، فها ملكك يأتي إليك عادلاً ظافرًا".
كيف لا نقابل بين هتافات الشعب حين وصل ملك نش إلى مدينته، وكلمات زكريا النبويّة التي رآها يوحنا بوضوح وقد تمّت في الاستقبال الذي أقيم ليسوع في عيد الشعانين؟ "فالجمع الكبير الذي جاء الى العيد، خرج للقاء يسوع ". فيسوع، بعد مسيرة طويلة، دخل دخولاً احتفاليًا إلى مدينة أورشليم، وكانت المرة الأولى التي أعلن فيها ملكًا. "مبارك الآتي ملك اسرائيل... لا تخافي يا ابنة صهيون، ها هو ملكك يأتي " (يو 12: 13-14).
ولا نجد تفككًا عند كاتب نش حين يكتب أن "الملك سليمان يعتمر التاج الذي توّجته به أمه في يوم عرسه ". فقد يقول الشرّاح إن أم الملك لا تتوّج الملك، وإن الاحتفال بالتتويج لا علاقة له بيوم العرس.
فسليمان الجديد، ابن داود الحقيقيّ، سيكون حقًا ابن جنسنا. قال امبروسيوس: "إن لم يكن هناك إلا أم واحدة للمسيح بحسب الجسد، فكلّهم يلدون المسيح بحسب الايمان. إنه الولد الذي وُلد لنا، الابن الذي أعطي لنا" (أش 9: 5). وفي الوقت عينه سيكون بالعهد الجديد عريس بشريّتنا التي ترى فيه رئيسها ورأس جسدها كله (أف 1: 22)، فتتوّجه كملكها. وإن مز 45 المعروف بطابعه المسيحانيّ ينشد أيضاً تتويج ملك يخرج من نسلنا و"أجمل أبناء البشر"، كما ينشد في الوقت عينه أعراسه (آ 3، 7- 8، 13- 16).
وقد فسّر اكلمنضوس الاسكندرانيّ هذه الآيات من نش كما يلي: "إذن، هكذا توّجته أمّه. وهو يسمي "أمًا" اليهوديّة في ما يتعلّق بناسوته، وهي التي أعطته هذا التاج رغمًا عنها. فقد توّجته بالشوك وهي تتوخّى أن تطبعه بالعار، ولكنه تقبّل بواسطة الشوك اكليل المحبّة. فقد تحمّل العار بإرادته وتقدّم نحو الآلام بحريّته وقبوله. لهذا دعا هذا اليوم "يوم عرسه "، و"يوم فرح قلبه ". ففي ذلك اليوم تحقّق الاتحاد الزواجيّ. "بعد العشاء أخذ خبزًا... ". فالذين يأكلون جسد العريس ويشربون دمه بقانونه اتحاده الزواجيّ. لهذا يحثّ خدّامُ العريس بنات صهيون وأورشليم: "أخرجن وانظرن تاج حبّه الذي به توّجته اليهوديّة، عكس ما كانت تنتظره، وهي التي ولدته وكفلته في يوم عرسه ".
لقد دخل الملك سليمان إلى مدينته، وولج قصره. جُعل على عرشه واعتمر التاج الملكيّ. هذا هو فرح قلبه، فرحه كملك معترف به كعريس محبوب. ونحن لا ننتظر الآن خطبة الجلوس الملكيّ. ننتظر خطبة فيها يؤكّد الملك سلطانه المطلق على شعبه. ولكن دهشتنا ستكون كبيرة، لأن خطبته لن تكون عملاً يدلّ على أنه الحاكم والسلطان، بل ستكون إعلان حبّ واحتفالاً لا نهاية الله بحبيبته العزيزة. ستكون نشيد إعجاب موله لتلك التي هي دومًا حاضرة في قلبه.
الفصل الثالث عشر
جميلة أنت يا رفيقتي
4: 1- 7

وصلنا في القصيدة الثانية إلى عاطفة من الانخطاف والسعادة: استسلمت العروس إلى حبّ الحبيب، وكان هو يراقبها نائمة وينتظر ساعة تستيقظ من رقادها. لا يريد من بنات أورشليم أن يوقظنها. هي تنتبه ساعة هي تشاء.
وها نحن الآن في تأمّل في الحبيبة كما في بداية القصيدتين السابقتين. حُملت العروس إلى قمم لبنان، ومن هناك يدعوها العريس إلى أن تنزلق. فاذا كانت العروس في لبنان والعريس يدعوها لتنضمّ إليه، هذا يعني أنهما ليسا معًا، وإلاّ لكانا نعما بالسعادة على هذه القمم المنعزلة والموافقة. وستكون الحركة في هذه القصيدة مسيرة من أجل اللقاء الذي سيتمّ في جنّة العروس.
هو العريس يتكلّم. اختلف عن العروس التي ما زال حبّها يحتاج إلى محن جديدة. إنه سيّد قلبه وسيّد قلب حبيبته. كل شيء يخضع له، ولا شيء يعارض مقاصده حتى الى "نزوات " الظاهرة و"لعبة" حنانه حين يختفي فجأة. فهو يأتي ويظهر. يدخل ساعة يشاء ويختفي ساعة يشاء. وعلى العروس أن تكون هنا خاضعة ومحبّة، مستعدّة لتنفّذ أوامره. ذاك هو وضع النفس المؤمنة مع ربّها.
(آ 1) "جميلة أنت يا رفيقتي، جميلة أنت، عيناك حمامتان ". نقرأ هذه العبارة حرفيًا في 1: 15. هناك من يقرأ "رفيقتي" بمعنى "راعيتي" كما في العبرية (ر ع ي ت ي) فيشير إلى عشتار. ولكن الخطّ الروحي في نش يبعدنا عن مثل هذه الفرضيّة. واعترض آخرون: كيف يمتدح الشاعر جمال العينين من وراء الحجاب؟ وجعلوا "الشعر" وراء الحجاب. ولكن الصعوبة تراوح مكانها.
إن لفظة "ص م ت " التي تعني حجاب قد قرأتها السبعينيّة والبسيطة (شتقا) على أنها "الصمت" كما في العربيّة. في الواقع، نحن أمام الجذر" ص م م " ربط، شدّ. والحجاب هو ما يشدّ على الرأس (في العربية: صمّة). وهو شفّاف بحيث يجعل العريس يستشفّ جعل وجه العروس.
يشبَّه شعر العروس بقطيع من الماعز. هي صورة من حياة الرعاة كما عُرفت في فلسطين (وفي لبنان). والمعز معروف بشعره الأسود. نقرأ "ج ل ش " الذي قد يقابل العربيّة "جلس ". ولكن المعز جالس وهو سيقوم. وعاد آخرون إلى الأراميّة والسريانيّة فتحدّثوا عن اللمعان... في الواقع، ينزل القطيعِ على سفح جبل جلعاد فيعطي هذا الشعور للرائي فيقابله بشعر العروس.
إن أرض جلعاد بالمعنى الحصريّ هي التي يحدّها اليرموك في الشمالي ووادي حسبان في الجنوب. وعبارة "جبل جلعاد" قد تنطبق على كل هذه المنطقة. أما قلب المنطقة الجبليّة فهو جبل عجلون، شمالي يبّوق، حيث كان اللقاء الأخير بين يعقوب ولابان (تك 31: 48- 49). واشتهرت جبال جلعاد بمراعيها كما نقرأ في عد 32: 1، 4؛ إر 50: 19؛ مي 14:7.
(آ 2) ويتواصل تفسير جمال العروس. فبعد الشَعر تأتي الأسنان. فهي تشبه قطيعًا من الغنم. إن الجذر"ق ص ب " يعني قصّ، قطع. وهنا جزّ. هذا هو المعنى في السبعينيّة والبسيطة والشعبيّة. وتخرج الخراف من الاغتسال فتبدو بيضاء سواء تمّ الجزّ أو لم يتمّ. كل سنّ يجد ما يقابله. هكذا تتقدّم الخراف.
(آ 3) وتشبّه شفتا الحبيبة بخيط (ح و ط في العبرية، قلب الواو إلى ياء في العربيّة) قرمزيّ (تك 38: 28، 30 ؛ يش 2: 18، 21) وهو معروف بنحافته ولونه. إن القرمز (ش ن ا، رج في العربية سن أي لمعان) هو في نظر الأقدمين اللون اللامع. ونجد "م د ب ر ي ك " الذي يرتبط بالجذر"د ب ر" تكلّم. نحن هنا أمام أداة الكلام، أمام الفم، أمام ما يخرج من الفم وهو الحديث أو الكلام. نشير هنا إلى 5: 13 مع مقطع مماثل حيث العروس تمتدح الحبيب: بعد أن تقابل شفتيه بالسوسن تعلن أنهما "تقطران عبير المرّ" أي الكلمات العذبة.
"خدّاك فلقتا رمّانة". فالثمرة المستديرة ولون قشرتها يلهمان التشبيه. نجد "ف ل ح " أي شقّ كما في العربيّة، فلق. و"ر ق ه" من "ر ق ق ". كما في العربيّة "رقّ ". نلاحظ في الآراميّة أن "ر م ن ا" يدلّ على الوجه وعلى الرمّان. وتعود إلى ما في آ 1: "من خلال حجابك ". قالت البسيطة: "عنقك، بسبب صمتك، مثل برج داود". وهكذا ربطت هذه الآية مع الآية التالية، وقرأ سماك: يسترها الحجاب، فجعل "م س ت ر" بدل "م ب ع د".
(آ 4) ويشبّه عنق الحبيبة المرتفع والثابت مع برج داود. قد يكون هذا البرج جزءا من التحصينات في صهيون الداوديّة (2 صم 5: 7، 9؛ نح 3: 25- 27)، أو أحد الأبراج الذي ارتبط حسب التقليد باسم داود.
ونقرأ لفظة "ت ل ف ي وت ". أعادها بعضهم إلى "تلّ " (مرتفع) و"فيوت " أي ممرّ ضيّق. ولكن إذا عدنا إلى السريانيّة (إكا) نفهم أننا أمام قلعة. كان الحصن من أجل الدفاع في وجه الأعداء، يراه العدوّ فيخاف. والعروس هي الأمّة التي عادت من المنفى فاستعادت قوّتها وبهاءها على عيون أعدائها.
"ألف ترس علّق عليه ". إن لفظة "م ج ن " (مجنّ في العربيّة) تقودنا إلى حز 27: 10- 11 ورثاء مدينة صور: "الفرس والليديّون والليبيّون كانوا في جيشك، كانوا رجال حربك. وعلّقوا فيك المجنّ والخوذة فأفادوك بهاء. بنو أرواد مع جيشك كانوا على أسوارك من حولك، والأبطال كانوا في بروجك وعلّقوا تروسهم على أسوارك من حولك، فأكملوا جمالك "
إستلهم نش هذا النصّ، وصار مديح صور في قلمه مديح العروس. فالتروس المعلّقة في الأبراج ليست أسلوب حرب أخذت من العدو، ولا زينة كما في 1 مك 4: 57. ولكن المحاربين تخلّصوا منها بعد أن صارت ثقيلة ومزعجة لأن كل خطر زال عن المدينة. وهذا السلاح المعلّق على الأسوار يجعلنا نشعر براحة البلد القويّ وبجمال يتأسّس على الازدهار والقوّة. تلك ستكون أورشليم الجديدة. نقرأ في مز 122: 7: "ليكن السلام في أسوارك والسعادة في قصورك "
ونقرأ "ش ل ط " الذي هو الترس. نحن أمام شيء مسطّح ومستدير. ففي عنق العروس الذي يشبّه بالبرج، يتعلّق عقد من قطع النقود، فيشبه تروسًا معلّقة على الأسوار. أما الجبابرة المذكورون هنا فقد يرتبطون رمزيًا بداود وهو الذي أخذ أورشليم من اليبوسيّين. ولكنهم في الواقع رجال سلاح يسهرون على أورشليم الجديدة ويدرأون عنها كل خطر.
(آ 5) وتُذكر الثديان. قال بعضهم إنهما يشيران إلى الخصب. ولكن لا نجد هذا المعنى في الكتاب المقدّس ما عدا تك 49: 25 (بركات الثديين والرحم) الذي هو شعر قد يعود إلى أبعد من العالم العبريّ. وقال آخرون: قد يكون هنا تلميح إلى قبائل الجنوب والشمال التي عادت الى الوحدة وعاشت في تفاهم تام. قد نكون هنا أمام تطبيق جغرافي. رج 1: 13 (بين ثدييّ موضعه) ومقام الله في هيكله بين قبائل الشمال وقبائل الجنوب. رج أيضاً 6: 4 مع ذكر ترصة وأورشليم. وهكذا يبرز الشاعر جمال الأمّة المشخّصة. تبدو كشخص حيّ.
وعاد الشاعر إلى التشبيه مع السوسن كما سبق له وفعل في 2: 1، 16؛ 6: 2، 3. فالسوسن يعلن في هو 6:14 كما في نش، مجيء عهد الخلاص.
(آ 6) "قبل أن يطع النهار، قبل أن تهرب الظلال" (أي قبل أن ينتهي الليل). عبارة قرأناها في 2: 17 أ. ثم إن هناك تشابهًا بين القسم الثاني من هذه الآية (أمضِ إلى جبل المرّ وإلى تلّ البخور) ونهاية 2: 17، أي بين "جبل المرّ وتل البخور" من جهة وبين "جبال العهد" (جبال باتر). هذا التكرار له معناه، وسوف نعود إليه، وهو وإن غاب من السبعينيّة، حاضر في سريانيّة الهكسبلة (في العواميد الستّة كما رتّبها أوريجانس).
"إ ل ك " أي أذهبُ أنا. صار في البسيطة (ز ل ي) فعل أمر يوجّه إلى العروس: "إذهبي إلى جبل البخور". أتراه يرسلها؟ وقد رأى آخرون في هذا الفعل تحريضاً وتمنيًا: "يا ليتني أذهب "! لا شكّ في أننا أمام قصد اتخذه العريس ولا يتراجع عنه. والتشابه الذي وجدناه بين آ 6 و 2: 17 يفهمنا أن هذا القصد هو جواب على تمنٍّ عبّرت عنه العروس حين قالت للعريس: "عد يا حبيبي وكن كالظبي ". توسّلت إلى الحبيب لكي يعود إلى جبال العهد. فوعدها بأن يذهب إلى هناك.
جبل المرّ هو تلّة البخور كما في 3: 6 (تعبق بالمرّ والبخور). لا نقول مع المدرسة الطبيعانيّة إن النصّ يشير إلى العروس. ولا مع غيرهم بأن الشونميّة هي التي تتكلّم، فتطلب في ليلة عرسها أن تنعزل في جنّة الملك المزروعة بالاشجار الغريبة، لكي تتذوّق السعادة حتى الليل.
يلمّح الشاعر هنا إلى تلّة الهيكل حيث سيعود الله إلى مقامه. ولفظة "م و ر" (أي يمرّ) قد تشير إلى "موريا" حيث بُني الهيكل (2 أخ 3: 1). وعبارة "ج ب ع ت. هـ ل ب ن ه" تدلّ على موضع تنبت فيه أشجار البخور التي جاءت من عرابية (أش 60: 6؛ إر 6: 20)، من الهند، من أفريقيا. ثم إن التوراة لا تعرف استعمالاً ليتورجيًا إلا استعمال البخور، وقد نظّم كتاب الرتب الموسويّ هذا الاستعمال تنظيمًا دقيقًا. إذن، تلّة البخور هي تلة الهيكل. وهكذا يكون الحديث مرة ثانية عن عودة الربّ إلى صهيون. في 2: 17، كان ذلك موضوع تمنِ حارّ من قبل العروس. في 3: 4، جعلت نصب عينيها أن تعيده "بالقوّة" (أمسكه ولا أَرخيه). أما هنا فالتزم هو بنفسه أن يعود قبل أن يطلع الصباح، أي منذ الآن ودون أن ينتظر نهاية الأزمنة.
(آ 7) "جميلة كلّك يا رفيقتي وما فيك عيب ". بعد أن توقّف الحبيب عند التفاصيل، ألقى نظرة شاملة إلى الحبيبة، فعبّر عن شعوره العميق. سنجد عبارة مماثلة في نهاية الصورة التي تقدّمها العروس في 5: 16: "هذا حبيبي، هذا رفيقي، يا بنات أورشليم ".
لفظة "م و م " تعني اللطخة أو العيب الجسدي (لا 22: 20). وفي 2 صم 14: 25 (ابشالوم: ما كان فيه عيب من أسفل قدمه إلى قمّة رأسه) نجد عبارة مشابهة لما نقرأ هنا. وقد تعني اللفظة أيضاً عيبًا أخلاقيًّا. نقرأ مثلاً في تث 32: 5: "وبنوه الذين جعلهم بلا عيب فسدوا". وفي أي 11: 14- 15: "ولو أبعدت يدك عن الإثم... لرفعت وجهًا لا عيب فيه ". وفي 31: 7: "إن حادت خطاي عن الطريق، أو مشى قلبي وراء عينيّ، أو تلطّخت يداي بعيب ".
في مستوى أول، يتحدّث الشاعر عن جمال العروس على مستوى الجسد كما هو الأمر بالنسبة إلى أبشالوم. وفي مستوى ثانٍ ، يتحدّث عن وضع اسرائيل الذي تنقّى في أيّام المنفى. مثل هذا القول يحيلنا إلى أش 40: 2: "طيّبوا قلب أورشليم، بشّروها بنهاية تأديبها وبالعفو عمّا ارتكبت من إثم وبأنها وفت للرب ضفعين جزاء خطاياها".
وهكذا عاد الشاعر هنا إلى ما قاله في آ 1: جميلة أنت. نشير إلى أن بعض الطقوس تطبّق هذه الآية على مريم العذراء التي كانت ممتلئة نعمة، التي حصلت على ملء نعم الله كما يقول القديس لوقا (28:1).

* جميلة أنت يا رفيقتي
لا يريد الملك في نش أن تكون له سيادة إلاّ سيادة الحبّ. وهو كملك الحبّ لا كلام له إلاّ كلام الحبّ. ولا فكر ولا ألفاظ لدى هذا الملك العجيب إلاّ أن ينشد جمال تلك التي يحبّ.
في البداية، لا يتوجّه إعجابه نحو سمة خاصّة. فكل ما فيها عجيب. لهذا، يتأمّل مطوّلاً في هذا الجمال التامّ مع بساطة وحدته. "ما أجملكِ يا حبيبتي، ما أجملك "! كلام يردّده ويردّده. هكذا يبدأ الحبيب دومًا كلامه. هي أول ردّة فعل عنده حين يرى تلك التي يحبّ. "ما أجملك! جميلة أنت ".
ترد هذه العبارة الإعجابيّة تسع مرّات على شفتيه في نش. في القصيدة الأولى: "جميلة أنت يا رفيقتي، جميلة أنت. عيناك حمامتان " (1: 15). وفي القصيدة الثانية: "قومي يا رفيقتي، يا جميلتي تعالي " (8: 10). "فقومي يا رفيقتي، يا جميلتي تعالي " (آ 13). وفي القصيدة الثالثة كما نقرأ الأن في 4: 1، 7. وفي القصيدة الخامسة: "جميلة أنت يا رفيقتي، جميلة مثل ترصة، حسناء مثل أورشليم " (4:6). "جميلة أنت يا حبيبة! ما أحلى دلالك " (7: 7)
كان الربّ قد قال في أش 62: 5: "كسرور العريس بالعروس، يسرّ بك إلهك ". ونقرأ في مز 45: 12: "يشتهي الملك جمالك ". وهذا الجمال هو من الله. هذا ما يقوله حز 16: 14: "ذاع اسمك في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك " (ألبسها الله جماله). وقال أش 60: 19: "والهك نفسه يكون جمالك ".
لهذا تخطأ العروس إن اهتمت بأن تعرف هل هي حقًا محبوبة أم لا، هل هي جديرة بأن تحبّ أم لا. فكل جمالها قد صُنع على صورة الحبيب ومثاله. فيها انطبع وجهه المقدّس منذ اليوم الأول، ويريد أن ينطبع كل يوم بشكل أعمق. هذا ما فهمته تريزيا الطفل يسوع فقالت: "يا وجه يسوع المعبود، يا جمالاً سحر وحده قلبي، تنازل واطبع فيّ مثالك، بحيث لا تستطيع أن تنظر إلى نفسي دون أن تشاهد ذاتك ".

* عيناك حمامتان من وراء حجابك
بدأ الحبيب بنظرة إجماليّة وفريدة إلى هذا الجمال الكامل، فأحسّ بالانخطاف. ولكن بعد ذلك، سيتوقّف عند التفاصيل ولن يتعب. بدأ بالوجه فوجد فيه كل أرض فلسطين بألوانها المتعدّدة: الحمامة البيضاء والمتحرّكة. المعز الأسود على الجبل. قطيع الغنم بعد الاغتسال. ثمار الرمان الأحمر. أبراج المدينة وقلاعها...
وكانت العينان اللتان لم يستطع الحجاب المحيط بالوجه أن يخفّف من سناهما. هذا ما لفت انتباه الحبيب المعجب كل الاعجاب. عينان فيهما التحرّك والحيويّة والبراءة والنعمة، كما طير الحمام. وشعر أسود سواد الابنوس، لا شيء يسيطر عليه. كالمعز النازل من سفح جبل جلعاد إلى البرّية، هكذا يتدلّى شعر الحبيبة.

* أسنانك قطيع مجزوز
ونصل إلى تعارض آخر: بياض الأسنان الساطع. هذا يعني أن العروس تبدو مبتسمة ابتسامة عريضة، علامة السعادة والفرح، لتنكشف جميع أسنانها. والعريس الذي هو راعي غنم، يعرف هو أيضاً أن يبتسم فيردّ على الابتسامة بالابتسامة. ويشبّه أسنان العروس بقطيع من الغنم يسير بنظام. هذا يعني أن أسنان العروس (وفمها) كاملة لا عيب فيها.
هل نجد في هذا التصوير رقّة مبتذلة؟ كلا. فهناك تقليد قديم نجد صداه في غريغوريوس النيصيّ يرى في المعز الأسود النازل من جبل جلعاد الأمم الغريبة عن شعب الله. فالراعي يعقوب لم يُرجعها بعد من جبل جلعاد إلى أرض كنعان، أرض الموعد (رج تك 31: 21-23). وهكذا ينطلق المفسّر من حدث في تاريخ يعقوب العائد إلى أرض فلسطين، فيعطيه معنى روحيًا: يجب أن تعود جميع الشعوب إلى أورشليم التي هي أمّ المؤمنين جميعًا.
وتجاه المعز الذي ينحدر على جبل جلعاد بلا نظام ولا ترتيب، يطلع الغنم "كل واحد وتوأمه" كجيش مرصوص للقتال. هكذا يبدو شعب الله الذي اجتمع وتوحّد بقيادة الروح الصالح الذي يقوده إلى مياه الراحة (مز 23). نحن هنا أمام موضوع يهيّئنا لسرّ المعموديّة. فالربّ يجمع القريبين والبعيدين في رعيّة واحدة تحت إمرة راعٍ واحد هو يسوع المسيح.
وقد نترجم آ 2 كما يلي: تشبه أسنانُ الحبيبة نعاجًا طالعة من الاغتسال. ليس من واحدة تجهض، بل كلها تضع توأمين. وفي سياق نش حيث يبرز بوضوح موضوع الوحدة، نفهم هذه الآية كما يلي: "دُعيت الحبيبة لتكون دومًا أم النعاج التي انقسمت اليوم إلى مجموعتين منذ سنة 931 ق. م.، فصارت مملكتين، مملكة اسرائيل (في الشمال، عاصمتها السامرة) ومملكة يهوذا (في الجنوب) من أم واحدة. ونستطيع أن نواصل تفكيرنا إلى زمن البشارة الانجيليّة حيث يلتقي في الكنيسة الواحدة المسيحيّون الآتون من العالم اليهوديّ وأولئك الآتون من العالم الوثنيّ.

* شفتاك سلك من القرمز
ومع الشفتين نحن أمام لون جديد في وجه العروس. شفتاك مثل "خيط القرمز". كانت العروس في مطلع نش قد رغبت في قبلة من العريس: "ليقبّلني بقبل فمه". وقد تكون نالت جزاءها الآن، فتلوّنت شفتاها بلون شفتي عريسها، الذي سفك دمه من أجلها. هذا ما قاله غريغوريوس النيصي. وقالت كاترينا السيانيّة: "ضعوا شفاهكم على جنب ابن الله، فجرحه فم يرمي نار المحبّة ويسكب الدم الذي يغسل آثامنا".
ترمم الشفتان "فمًا ساحرًا" أو بالأحرى فمًا يسحرنا بكلامه. ذاك ما كان عليه الكاتب الملهم في مز 45: 2: "قلبي يفيض بكلام طيّب ". والعروس تتمتم نشيدًا متواصلاً تمتدح فيه ملكها. إحمرّ خدّاها بسبب هذه النار، فبديا من تحت القماش الرقيق التي تحتجب فيه في يوم العرس، كقطعتي رمّانة. فإذا كانت التفّاحة ثمرة الحبيب، فالرمّانة هي ثمرة الحبيبة (4: 3، 13؛ 6: 7؛ 8: 2). ثمرتان تدلاّن على الحبّ. ثمرتان مستديرتان، وصورة الدائرة تدلّ على الكلّ والكمّال، وهي صورة تنطبق على الحبيب والحبيبة فيتقابل جماله مع جمالها.

* عنقك كبرج داود
وبعد الوجه العجيب الذي هو كلّه خفّة وحركة (الحمامة، المعز، النعاج)، ها هو العنق المضيء بالقوّة، الثابت القويّ، الذي يرتفع متشامخًا مثل برج في المدينة. برج داود هو برج ملكيّ. فالعروس جميلة. وهي قويّة أيضاً، وعريسها يفتخر بقوّتها. قال أش 26: 1: "في ذلك اليوم يُنشد في أرض يهوذا: لنا مدينة حصينة". والعقد اللّماع الذي يُسمع صوته المفرح حول العنق، يبدو وكأنه محارب من المحاربين. وكل هذه "النقود" تبدو في مخيّلة الحبيب المندفع كتروس محاربين حول أسوار المدينة. وُضعت هنا في زمن السلم، ولكنها تفرض الاحترام.
برج قويّ وجميل يتحدّى هجمات الأعداء كما يتحدّى عمل السنين. قال أحد الأناشيد: "ترتفع في برج قويّ يخرج من "مقابر" الزمن ". لهذا رأى آباء الكنيسة في برج داود مجد أورشليم التي تشبّه بها الحبيبة، مريم العذراء، العنق الحقيقيّ في الجسد السريّ، والرابط الرأس بالأعضاء.
ولكن هذا الوجه السحريّ، لا يمنعنا من أن نسمع النغم الأساسيّ الذي هو نغم السلام. فمع أنها مقاتلة ومحاربة، فهي في الوقت عينه مسالمة. ففي قلب الجيوش والمعارك، تنشد نشيد سلام لا يضاهيه نشيد.
وهكذا انتهى رسمُ وجه الحبيبة في صورة النعمة والسلام أكثر منه بالقوّة. وهذا ما اكتشفناه عندما قالت الحبيب: "ثدياك توأما ظبية صغيران يرعيان بين السوسن ". نرى في البداية تلميحًا إلى خصب العروس. قال أوغسطينس: "أمّك هي الكنيسة. وثدياها هما الكتاب المقدس بعهديه. فأرضع حليب كل الأسرار".
ومع صورة الخصب، نجد صورة الوحدة. فالثديان التوأمان يدلاّن على مملكتي الشمالي والجنوب، اللتين وُلدتا من أم واحدة وانقسمتا. وها هما قد اجتمعتا من جديد في مملكة واحدة هي مملكة الملك المسيح. وعلان أخوان من أم واحدة، من ظبية. وهما يرعيان بعد أن تصالحا في مملكة السوسن، على أرض فلسطين.
هنا نتذكّر مثلاً نقرأه في حزقيال: "وكانت إلي كلمة الرب قائلاً: خذ لك عودًا واحدًا واكتب عليه "يهوذا". وخذ عودًا آخر واكتب عليه "يوسف " (أو: اسرائيل)... أقرن الواحد بالآخر حتى يصيرا لك عودًا واحدًا... وقال: هكذا قال السيّد الربّ: هاءنذا آخذ بني اسرائيل من بين الأمم الذين ذهبوا إليهم، وأجمعهم من كل جهة وآتي بهم إلى أرضهم. وأجعلهم أمّة واحدة... وملك واحد يكون ملكًا لجميعهم ولا يكونون من بعدُ أمّتين، ولا ينقسمون من بعد إلى مملكتين أبدًا... وعبدي داود يكون ملكًا عليهم، وراعٍ واحد يكون لجميعهم " (حز 37: 15- 27).

* قبل أن يطلع النهار
كيف يستطيع الحبيب أن يقاوم سحر مثل هذا الجمال، كيف يقبل أي تأخير تجاه رغبته التي لا تستطيع أن تنتظر؟ سيكون عندها منذ هذا المساء، منذ هذه الليلة. قال: "قبل أن يطلع النهار، قبل أن تهرب الظلال ". وهكذا يكون هو الذي يطلب العجلة والسرعة فيستعيد كلمات قالتها له العروس في القصيدة الثانية: "قبل أن يطلع النهار، قبل أن تهرب الظلال، عد يا حبيبي وكن كالظبي " (2: 17)، عُد سريعًا من أجل تجديد العهد.
ويودّ الحبيب من دون تأخّر أن يقيم في قلب تلك التي يحبّ. أن يتّحد جما على "جبل " صهيون، على "تلّة" الهيكل، مقامهما المشترك. فهناك يرتفع بلا انقطاع في قلب المدينة المحبوبة، سحاب البخور والمرّ المرتبطين دومًا بحضور الحبيب (3: 6). قال: "أمضي إلى جبل المرّ، وإلى تلّ البخور". أي عزم في هذه الكلمات! بأية سرعة سيذهب الحبيب إلى أورشليم (رج لو 9: 51) ليكون على هذا الجبل الذي سمّته الحبيبة: "جبل العهد" (17:2)
جبل المرّ هو جبل الهيكل الذي بُني على جبل موريا حيث ذهب ابراهيم ليذبح ابنه اسحق، وحيث يتصاعد المرّ مع البخور. ورأى بعض آباء الكنيسة مثل أوريجانس وغريغوريوس النيصيّ في هذه الكلمات (أمضي إلى جبل المرّ...) نداء لملاقاة الرب في موته الذي يرمز إليه المرّ في يو 19: 39. وقال فرنسيس السالسي: "جبل الجلجلة هو جبل الحبيبين " لكي نشارك في لاهوته (الذي يرمز إليه البخور). "فمن المستحيل أن أعيش معه دون أن أتحوّل بمرّ الموت إلى لاهوت البخور".
قالت العريس: أمضي... أنا ماضٍ... بدأت... فلتعجّل العروس من جهتها لتكون في "الساعة" المحدّدة للّقاء. لتنتزع نفسها من كل ما يمكن أن يعوقها، ولتنطق هي أيضاً إلى جبل باتر، إلى جبل اللقاء "على الجلجلة".

* جميلة كلّك يا رفيقتي
نحن هنا أمام تضمين مع آ 1 كما في 2: 10 و2: 13 (يا جميلتي تعالي). بعد أن توقّف الحبيب عند تفاصيل جمال العروس، ألقى في النهاية نظرة إجماليّة. في النهاية، هو لا يستطيع أن يقول شيئًا آخر عن تلك التي يحبّ سوى أنها جميلة، كلها جميلة، لا عيب فيها. لا تحفّظ على جمالها. هي بلا عيب في المحبّة وهذا بشكل غير محدود.
هنا نفهم أن الكنيسة انطلقت من التقليد وطبّقت هذه الآية على مريم العذراء، حبيبة الله، لأنها تليق بها بشكل فريد. ويجب أن لا ننسى حين نتكلّم عن حبيبة نش ملاحظة أحد الآباء: "ما يقال بشكل عام عن الكنيسة يقال بشكل فريد، عن مريم العذراء (بشكل مميّز)، وبشكل خاص عن النفس البشريّة (يطبّق على كل واحد منا).
لقد وصل العريس إلى قمّة الغبطة. فانتظر ساعة اللقاء، ساعة الأعراس. لهذا نادى عروسه: "تعالي معي من لبنان ".
الفصل الرابع عشر
تعالي معي من لبنان
4 :8-11

بدأ العريس يتكلّم منذ آ 1: "جميلة أنت يا رفيقتي ". وما زال حتى الآن يشاهد العروس. تأمّل في جمالها، ووصف شعرها الشبيه بقطيع من المعز كما وصف أسنانها وشفتيها ووجهها وعنقها وثدييها. وعاد يعلن في النهاية: "جميلة كلك يا رفيقتي وما فيك عيب ".
وها هو الآن يدعو حبيبته لكي تأتي إليه. كانت قد قالت: عد يا حبيبي كالظبي، عد سريعًا. والآن، هو يطلب منها أن تأتي إليه. هي بعيدة، هي خارج أرض فلسطين. فالحبيب، الذي هو الربّ، ينتظرها في هيكله. هي مشتّتة من خلال أولادها الذين راحوا إلى المنفى. وكم يريدها أن تعود، كم يريدهم أن يعودوا.
ويعود الشاعر إلى تصوير العروس بشكل روحي منطلقًا من إطار مليء بالجمال، هو جبل لبنان بخمره وطيوبه، بعسله ولبنه، بجنّاته بما فيها من أغراس طيّبة الثمار. عروسه جميلة في الخارج. هذا ما قرأناه في المقطع السابق. وعروسه جميلة في الداخل. هذا ما نقرأه في هذا المقطع. لهذا يقول لها: "خلبت قلبي يا عروسي ".
(آ 8) إن قرأنا النص الماسوري (أي العبري كما شكله العلماء في القرن الثامن ب م)، نفهم: معي من لبنان. وإن تبعنا السريانيّة البسيطة واللاتينيّة الشعبيّة نقرأ: "تعالَي من لبنان، يا عروس ". هو العريس يطلب من عروسه أن تأتي إليه حيث هو، أي في أورشليم كما قالت آ 6 (جبل المرّ وتلّ البخور). لقد انقلبت الأدوار بالنسبة إلى 2: 8 ي: "هو صوت حبيبي، ها هو آتٍ ".
نجد "ك ل ه" (عروس، خطّيبة) هنا للمرة الأولى وسيتكرّر وجودها في آ 9، 10، 11، 12 وفي 5: 1، ولن نعود نجد هذه اللفظة في نش. هذه التسمية تنطبق على العروس التي لم تذهب بعد إلى بيت زوجها، فظلّت في بيت والديها. هي ما زالت مخطوبة بمعنى أن الاحتفال بالعرس لم يتمّ بعد. ولكنها عروس العريس في المعنى الشرعيّ بعد أن تمّ الاتفاق ودُفع المهر (رج تث 20: 7؛ 22: 23 ي).
وإذا عدنا إلى "الخدعة الأدبيّة" التي تحدّثنا عما في 3: 11، فالشعب يحمل لقب "ك ل ه" بطريقة شرعيّة. وقد أعطي له في هو 2: 21- 22: "أتزوّجك إلى الأبد. أتزوّجك بالصدق والعدل والرحمة والرأفة. أتزوّجك بكل أمانة فتعرفين أني أنا الرب ". ونقرأ أش 49: 18: "بنوك اجتمعوا كلهم وعادوا... تلبسينهم جميعًا كالحلي وتتقلّدين بهم كالعروس "، رج 61: 10؛ 62: 5.
"ت ب و ا ي ". تجيئين. هو الفعل في صيغة المضارع. يعبّر عن الرغبة ويدلّ على الأمر: يا ليتك تجيئين. هذا يعني أن القراءة للسريانيّة للكلمة "ا ت ي " هي الصحيحة: تعالَيْ. وهكذا نكون أمام توازٍ : تعالي... تجيئين. والتكرار يدلّ على أن الرغبة تلحّ عليه.
نقرأ "ت ش و ر ي ". أما الشعبيّة فقرأت: "ت ع ط ري " أي تتكلّلين. هناك فعل "ش و ر" (رج في العربيّة سار وفي الأشوريّة) الذي يعني مرّ، سافر، سار في قافلة. نجده في أش 58: 9؛ حز 27: 025 احتفظت السبعينيّة والبسيطة (تعبرين) بهذا المعنى (تأتين وتعبرين). ويعني فعل "ش و ر" أيضاً. نظر، شاهد. نجد هذا المعنى في سفر أيوب. وهناك نصّ في عد 23: 9 يفترض وضعًا مشابهًا لوضع هذه الآية: نظر من أعلى الجبل.
"من أعالي أمانة". قالت السبعينيّة: من بداية الايمان. في الواقع، لا يُذكر "أمانة" إلا في هذا الموضع من التوراة كاسم جبل. تحدّث المفسّرون اليهود القدماء عن امانوس الذي هو قمة في طورس، ويقع شماليّ العاصي. أما معظم الشرّاح المعاصرين فيجعلونه في المنطقة التي ينبع فيها نهر بردى الذي يسمّى "أمانة" في 2 مل 5: 12 حسب النصّ المقروء.
أجل، إن جبل نش 4: 8 الذي عرفته الحوليّات الأشوريّة في القرن الثامن بشكل ام- م ا- ن ا، يقابل جبل الزبداني الذي فيه يولد نهر بردى. وجبل الزبداني هو جزء من سلسلة جبال لبنان الشرقيّة (انتيليبان) التي تبدأ عند جبل حرمون.
ويذكر"سنير" هنا ويميّز عن حرمون. والتمييز واضح بينهما في 1 أخ 5: 23. غير أننا نجد حاشية في تث 3: 9 تقول: "وحرمون يسمّيه الصيدونيّون سريون، والاموريون يسمّونه سنير". ولكن العلماء يرون أن اسم سنير ينطبق على القسم الشمالي من جبل حرمون. ويمتدّ بين بعلبك وحمص. وإذا عدنا إلى مدوّنة شلمنصر (842 ق م)، نفهم أننا أمام مرتفعات تشرف على المدخل الشمالي للبقاع (المسمّى سورية الجوفاء)، أي السلسلة الشرقيّة. نفهم أننا أمام ما سمّي جبل سنير عند الكتّاب العرب حتى القرن الرابع عشر.
أما حرمون فيكوّن سلسلة جبليّة تمتد على 30 كلم تقريبًا وهي تتوجّه من الجنوب الغربيّ إلى الشمال الشرقيّ، وتشكّل القسم الجنوبيّ من السلسلة الشرقيّة في لبنان (انتيليبان). أما قممه الثلاث فتشرف الأولى على البقاع، والثانية على سهل دمشق، والثالثة على وادي الاردن. حين يقف الانسان على حرمون، يشاهد وادي الأردن وبحيرة طبرية والجليل والسامرة حتى جبل الكرمل.
والإشارة إلى "مرابض الأسود" تجعلنا نذكر نا 2: 12 الذي أعلن دمار نينوى فصوّر هذه المدينة على أنها مربض يلجأ إليها الأسود و"يخرجون " منها ليبحثوا عن طريدة، كما أنهم هناك يكدّسون الأسلاب. هل نفهم هذا الكلام في المعنى الحرفيّ؟ لقد قدّمت تفاسير مثل هذه: كانت العروس تصطاد في الجبال. هي بتول جموح ولا تريد أن تترك هذه الأماكن الموحشة، فاندفعت تنتقل من أمانة إلى سنير وحرمون. أو قال العريس: حين تكونين معي أنتِ في أمان على أعلى الجبال وفي عرين الأسود والنمور. أينما كنت أحفظكِ وأحميكِ.
وهكذا لا نفهم الآية إذا قرأنا هذه العبارة بالمعنى الحرفيّ. لهذا نلجأ إلى الاستعارة. فالتوراة التي تذكر الأسود الذين يقيمون في غور الأردن (إر 49: 19)، لا تقول إن جبال لبنان اختصت بإقامة الحيوانات المفترسة. ولكن هناك استعارة واستعارة. فالأسود لا تدلّ على المحيط المعاديّ الذي تقيم فيه العروس. ولا تدلّ على جيران شعب اسرائيل، ولا على الخطر الذي تشكّله الأصنام في الحقبة الفارسيّة واليونانيّة.
فماذا تعلّمنا التوراة عن الأسد والأسود؟ قد تدلّ صورة الأسد على شعب اسرائيل (عد 23: 24: هو شعب كلبوة يقوم وكشبل ينهض واقفًا) أو على إحدى قبائله (تك 49: 9: يهوذا شبل أسد... كأسد سريع يركع ويربض، وكلبوة، فمن يقيمه؟)، أو على أحد ملوكه (حز 19: 2، 6: يا لأمّكم لبوة بين الاسود... سار بين الاسود وصار شبلاً). وتدلّ الصورة بشكل خاص على عدوّ رهيب وتقليديّ يأتي من الشمال الشرقيّ. نقرأ في إر 4: 7: "طلع الأسد من عرينه! ها هو قاهر الامم! يزحف خارجًا من مكانه ليجعل الأرض خرابًا"، رج 5: 6؛ 50: 17 ؛ 51: 38؛ نا 2: 12- 14؛ يوء 1: 6.
أما لفظة "ن م ر" فتتخذ معنى استعاريًا (رج أش 11: 6؛ سي 28: 23...). في هو 13: 7- 8، يهدّد الله شعبه الخائن بأن يكون له أسدًا ونمرًا ودبًا. وفي هذا تلميح إلى العدوّ الذي يهدّد أرض فلسطين. إستعاد إر 5: 6 هذا المقطع حين تحدّث عن اجتياح سريّ يأتي من الشمال. وربط حبقوق هذه الصورة مع الكلدانيّين. لهذا نقول إن نش 4: 8 يتحدّث عن هذه الشعوب التي كانت أداة غضب الله تجاه اسرائيل، والتي بقي بينها عدد من الذين راحوا إلى السبي سنة 721 (الأشوريون) وسنة 587 (البابليون).
ولكن لماذا جُعلت هذه الوحوش المفترسة في سلسلة لبنان الشرقيّة؟ هناك سببان. الأول: إن هذه الجبال التي تقفل أفق اسرائيل في الشمال والشمال الشرقيّ، حدّدت طريق الاجتياحات. فالجيوش الاشوريّة والكلدانيّة كانت تصل إلى الشاطئ الفينيقيّ عبر وادي العاصي والليطاني، أي عبر مدخل حماة (رج زك 9: 1ي). الثاني: يشبّه الكتاب المقدس القوى المتكبّرة التي تعادي الربّ بالجبال العالية، بالغابات، بأرز لبنان (أش 2: 12- 14؛ 32: 19 ؛ إر 21: 14 ؛ 46: 22- 32؛ حز 21: 2-3).
ونلاحظ بشكل خاص النصوص التالية التي تتحدّث بوضوح أو بشكل ضمني عن الأشوريين أو الذين جاؤوا بعدهم. نقرأ في أش 10: 33- 34: "لكن السيد الربّ القدير يكسرهم كالأغصان بعنف، يجدع رؤوسهم المتعالية، ويحطّ كل شامخ فيهم. يقطع غاب الوعر بالفأس ولبنان بكل مجده يسقط ". رج، 32: 16- 19 ؛ حز 31: 1ي ؛ زك 11: 1-2؛ مز 29: 5- 6: "صوت الرب يكسّر الأرز، يكسّر الرب أرز لبنان ".
من أجل كل هذا سمّي البلد الذي حكمه الأشوريون في الرمز: أمانة، سنير، حرمون، أو: مرابض الاسود، جبال النمور. وفكّر نش بأبناء إسرائيل، أبناء الذين سباهم سرجون (سبى السامرة سنة 721) أو نبوكد نصر (سبى أورشليم سنة 587) إلى ضفاف دجلة والفرات فشكّلوا جزءًا كبيرًا من الأمّة. هم يُدعون الآن لكي يرجعوا إلى فلسطين حيث عاد الربّ إلى هيكله (لا ننسى أن العروس تمثّل الشعب). وبعد أن يخرجوا من البرّية ويعبروا وادي البقاع، يدعوهم الشاعر إلى الوقوف على جبال لبنان ليتأمّلوا من هناك أرض آبائهم التي يرونها للمرّة الأولى. أن يفعلوا مثل بني اسرائيل في زمن الخروج: خرجوا من صحراء سيناء فتأملوا من على نبو وفسجة في أرض الميعاد التي تمتدّ أمامهم (تث 32: 48-52؛ 34: 1- 4).
(آ 9) نقرأ "ل ب ب ت ن ي ": خلبت قلبي، سبيت قلبي. يعود فعل "ل ب ب " إلى اللبّ أو القلب. أما السريانية فقرأت: شجعتيني. ورأى بعض الشرّاح أن هذا المعنى معقول بعد أن ذُكرت الحيوانات المفترسة. وقالت الشعبيّة: جرحت قلبي.
"ا ح ت ي. ك ل ه": أختي العروس. هي عبارة نجدها في آ 9، 10، 12 وفي 5: 1 . من أين أتت؟ قد تكون أتت من مصر، ونحن نعرف تأثير الأدب المصريّ على الأدب العبري: على أيوب، على سفر الأمثال، على نش. أما معنى هذه العبارة فهو إظهار حنان وحنان: حنان العروس وحنان الأخت.
(آ 10) غاب القسم الأول (ما أشهى حبّك يا أختي العروس) من الآية من السبعينيّة حسب الخطوط الفاتيكاني. أما البسيطة (ومثلها السبعينيّة) فقرأت "ت د ي ك " أي ثدييك بدل "د د ي ك " أي ودّك وحبّك. هذا ما يذكّرنا بما في أم 5: 19: "تكون لك الظبية المحبوبة والوعلة الحنون الصغيرة. يرويك ودادها (لا ثدياها) كل حين، وبحبّها تيه على الدوام ".
تستعمل "ي ف ه" في الحديث عن الجمال الطبيعي أكثر منه على التأثير الذي يسبّبه هذا الجمال (رج 1: 8، 15 ؛ 4: 1، 7؛ 6: 4؛ 7: 2). ولكن يبدو هنا أن المعنى الثاني هو المعقول، ولاسيمّا إذا نظرنا إلى المقابلة مع الخمر والطيوب التي "نتذوّق " طعمها أو رائحتها. نشير إلى أن المقابلة مع الخمر قد وردت في 1: 2، 4. ثم إن 1: 2 ب يشبه تقريبًا ما نقرأه هنا: "حبّك أطيب من الخمر".
قرأت السبعينيّة بحسب الفاتيكاني "ملابس " بدل "الطيوب "، فقالت: "أريج ملابسك ". وقد تكون تأثّرت بما في آ 11 ج (أريج ثيابك أريج لبنان). "ب س م ي م " (رج في السريانيّة: بسما) تعني الطيوب بشكل عام (خر 30: 23 ؛ أش 3: 24). إن آ 10، شأنها شأن آ 9، تعبّر عن الشعور الذي أحدثه في العريس جمالُ العروس. وهو يستعيد لذلك عبارات استعملتها الحبيبة لتصوّر الحبيب. هكذا يبرز الشاعر تبادل الحبّ الذي يوحّد بينها.
(آ 11) يدل "ن ف ت " على العسل السائل الذي يجري من الأقراص. أما السبعينيّة فتحدّثت عن خلايا الشمع. وقالت ترجمة أكيلا: مذاق حلو. ويبرز معنى اللفظة كما في مز 19: 11: "أحلى من العسل وقطر الشهاد". وترد عذوبة "ن ف ت " في أم 24: 13: "يا بنيّ، كُلِ العسل فإنه لذيذ". وفي 27: 7: "النفس الشبعى تدوس الشهد، وللنفس الجائعة كل مرّ حلو". ولكننا نتوقّف بصورة خاصّة عند 5: 3: "شفتا الغريبة تقطران شهدًا، وحنكها ألين من الزيت ".
ما هو المعنى الرمزيّ للعسل؟ نعود إلى أم 5: 3 وإلى استعمال لفظة "ن ط ف ": جعل الكلام يسيل، نطق. يُستعمل هذا الفعل في أي 29: 22 بمعنى: قطر، سال نقطة نقطة (على كلامي لا يزيدون، وأقوالي تقطر عليهم كالندى). رج عا 7: 16 ؛ حز 21: 2، 7 (نقابل "ن ب أ" كما في العربيّة نبع) ؛ مي 6:2، 11.
"د ب ش " يدلّ على عسل النحل الذي كان كثيرًا في فلسطين. في أم 16: 24 (أقوال النعمة شهد عسل) يدلّ على عذوبة الكلام. وفي نش 5: 1 على عذوبة الحبّ. لماذا قال الكاتب "د ب ش " بعد "ن ف ت "؟ لأنه تذكّر عبارة ترد مرارًا في أسفار موسى وتدل على أرض الموعد: أرض تدرّ لبنًا وعسلاً (خر 3: 8، 17؛ لا 20: 24؛ عد 13: 27 ؛ تث 6: 3...). هو اللبن مع العسل. هو قمة العذوبة والطيبة.
"س ل م ه" تقابل "س م ل ه" (في العربية الدارجة: الشملة). هي قطعة قماش بشكل ثوب يوضع فوق الثياب (خر 8:22، 25). وقد تعني الثوب بشكل عام (تث 29: 4). نجد هنا موازاة مع تك 27: 27: بارك اسحق يعقوب فدلّ الأريج الذي يفوح من ثيابه على وفر البركات الإلهيّة. وقد نذكر مز 45: 9: "جميع ثيابك مرّ وعود وسليخة". قالوا: الشولميّة هي بنت المدينة. وقالوا: بل بنت الحقول. المهمّ هو أن الطيوب هي صورة عن مفاتن العريس والعروس.
يشبّه الاريج العذب الذي يفوح من ثوب الحبيبة بأريج لبنان (ر ي ح. ل ب ن و ن). هنا نتذكّر هو 14: 7: "تنتشر فروعه، ويكون بهاؤه كالزيتون، ورائحته كلبنان ". إن هوشع يصوّر الازدهار الذي يتبع إعادة بناء الأمّة، فيلجأ إلى صور مأخوذة من عالم النبات. يزهر الشعب مثل العريس، تنمو جذوره مثل لبنان، مجده يكون مثل مجد الزيتون الذي يعمّر طويلاً، ورائحته تكون مثل رائحة لبنان (ر ي ح. ل و. ك ل ب ن و ن). وهكذا تصوّر مفاتن العروس بأعذب طعام وأشهى أريج.

* من لبنان معي يا عروس
قال العريس: سأمضي إلى جبل المرّ، إلى جبل الهيكل. إلى هناك تلاقيه العروس. لتستعدّ إذن. لتترك كل ما يربطها ويمنعها من اللقاء به. لهذا هتف لها: "من لبنان معي، يا عروسي، من لبنان معي تجيئين. من أعالي أمانة تنحدرين، من رأس شنير وحرمون، من مرابض الأسمود، من جبال النمور".
ولكن كيف نفهم أن يكون لها أن تسرع من لبنان تلك التي جعل جمالُها العريس يندهش، تلك التي كلّمها منذ لحظة أطيب كلمات الحبّ؟ فمع أن صديقته هي حاضرة جدًا أمام نظره وفي قلبه، فهي ما زالت بعيدة عنه. هناك مسافة بينها وبينه. كانت قد قالت: "حبيبي لي وأنا له " (2: 6). ومع ذلك، فهي ليست معه، كما هو معها. هو يلاحقها بقلبه وعينيه وهو دائم حاضر لها. أما هي فما زالت تعرف الصعوبات العديدة لكي تنضمّ إليه. هذا ما يُقال عن أب الابن الضالّ: رأى ابنه حين كان ابنه "لا يزال بعيدًا". وسيكون هنا في ساعة العودة. في الواقع، هو لم يترك ابنه الضالّ ساعة واحدة، مع أن هذا الابن "ذهب إلى بلاد بعيدة" (لو 15). سيعترف أوغسطينس فيقول للربّ: "أنت كنتَ معي، أما أنا فما كنت معك ".
هذه هي عاطفة عريس نش. صبره هو صبر الأب الذي ينتظر ابنه، واهتمامه اهتمام الأب. وهو ينتظر دومًا العودة الحقيقيّة لتلك التي يحبّ. وهو لا يتوقّف عن مناداة تلك التي لا يستطيع شيء أن يفصلها عنه. "من لبنان معي يا عروسي، من لبنان معي تجيئين ". فالعروس "مسجونة" في لبنان. فلبنان الذي يرتبط دومًا بالجمال في الكتاب المقدّس، هو أيضاً أرض غريبة. فالعروس وإن كانت جميلة بجمال أجمل بلدان العالم، إلاّ أنها تعيش في أرض غريبة. وهي بالتالي مهدّدة فلا تستطيع أن تكون في الهيكل، على تلّة الأطياب.
ما زالت العروس بعيدة عن عريسها، تفصلها جبال عالية يقيم فيها الأعداء، أولئك المجتاحون الآتون من الشمال. يقيم فيها "الأسود والنمور" (إر 5: 6) الذين يحملون خطرًا أين منه خطر "الثعالب الصغار" (2: 15)، هذه الممالك الصغيرة والمجاورة لأورشليم. كان المرتّل العائش في المنفى يتأوّه ويقول: "أعيش وسط الأسود، وأضطجع بين الوحوش المفترسة" (مز 57: 5). ونستشفّ في هذا المزمور كما في نش، من خلال قناع الاعداء الهائل، وجه الوحش المخيف كما نجده في سفر الرؤيا. قال يوحنا: "وهذا الوحش الذي رأيته كان يشبه النمر، وله قوائم كقوائم الدب وفم كفم الأسد" (رؤ 13: 2).
فكيف تستطيع العروس وحدها، كيف تستطيع بقواها أن تصل إلى ذلك الذي تحبّ؟ أما زالت تتذكّر نداءها القديم: "اجذبني إليك "؟ ولكن العريس يعرف أكثر مما تعرف هي أنها ضعيفة. يعرف أنها بدونه "لا تستطيع شيئًا" (يو 15: 5). لهذا قال لها: تعالي معي. لا تخافي. تشجّعي. من لبنان، مع جماله وسحره وتعلّقك به، من لبنان معي سوف تجيئين. أنا متأكّد أنك ستأتين.
في مز 45 الذي يبدو قريبًا جدًا من نش، تلتزم العروس أيضاً، بأن تترك مدينة صور، تترك أرضها التي هي أرض لبنان بما فيها من غنى. "إسمعي يا ابنتي... إنسَيْ شعبك وبيت أبيك فيشتهي الملك جمالك، يا بنت صور" (مز 45: 11- 13). ونلاحظ في نش كما في مز 45: هي في الوقت عينه حاضرة قرب الملك (آ 10: قامت الملكة عن يمينك بذهب أوفير) وبعيدة عنه. فالنصّ يقول بعد ذلك: "تُزفّ (يأخذونها) إلى الملك وسط أناشيد العيد فتدخل إلى قصر الملك " (آ 15- 16). هذا هو الوضع في نش. أما في نش، فليس وزير الملك هو الذي يدعو الحبيبة لكي تترك أرضها وتنضمّ إلى عريسها. بل هو الحبيب نفسه يلحّ على صديقته. ولا يكتفي بأن يدعوها إلى اللقاء به، بل هو يذهب إلى لقائها، ومعها ينتصر على كل أعدائها.
ويدعوها أن لا تخاف. أنظري من أعالي أمانة. فعند قدميك تجدين الاسود (أي الأشوريين) والنمور (أي الكلدانيين) الذين ضايقوك. فما الذي يستطيعون أن يفعلوا بك حين أكون معك؟ لا تخافي، "فأنا غلبت العالم " (يو 16: 33). تعالي، تعالي معي. يتكرّر الطلب بشكل توسّل ملحّ. ماذا تنتظرين؟ أما ترين الخطر يداهمك؟
"تعالي معي ". معي هي الكلمة التي يلجأ إليها الرب مرارًا في الكتاب المقدس ليعيد الشجاعة إلى عباده: موسى، يشوع، جدعون، أشعيا، إرميا... وقال يسوع أيضاً: أكون معكم. "ها أنا معكم كل الأيام " (مت 28: 20). ولما كانوا في البحر، قال لهم: "لماذا تخافون؛ أنا هو" (مت 14: 27). عمانوئيل أي الله معنا، هو الاسم الذي أعطاه الله لمسيحه في أش 7: 14. وقال حبيب نش: "معي، معي، تعالي ". تعالي. فكيف أتحمّل أي تردّد من قبلك. وتتجاوز الحبيبة كل العوائق التي تمنعها من المجيء وتترك الخوف من الاعداء، وتعبر جميع المهاوي فتصل إلى حبيبها الكليّ القدرة.

* خلبت قلبي، يا أختي العروس
ويعود نشيد الفرح على شفتي الحبيب الذي ينشد جمال من يحبّ. ولكن لم يعد نشيده كما في السابق نشيد إعجاب فقط، بل صار نشيد شكر وحب موله، حب جنون، بعد أن صارت العروس مع العريس. "خلبتِ قلبي يا أختي العروس، خلبت قلبي! بنظرة من عينيك، بقلادة من عنقك ".
هناك تعارض واضح بين اندفاع النشيد الأول للحبيبة (4: 1- 7) والوله الصامت الذي يعبَّر عنه الآن. لم نعد فقط أمام العينين. بل نظرة واحدة من العينين. ولفتة من العنق، أو حبّة من القلادة. فتلك التي يدعوها الآن "عروسي" كل ما فيها يؤثّر على الحبيب حتى الأعماق.
هي عروس مرتين. مرة أولى، لأنها لم تصبح بعدُ له كما ستكون في الاتحاد التام والزواج، وهذا رغم نشيد الحب والاعجاب الذي سمعته من الحبيب. ومرة ثانية: مهما كان وجهها ساطعًا، فهو ما زال تحت الحجاب مثل كل فتاة مخطوبة (4: 1- 3). وسيفسّر بولس أن هذا الحجاب (البرقع) سيبقى، وأنه لن يُرفع إلا بالمسيح (2 كور 3: 14). وهكذا تتنهّد العروس مع يوحنا الصليب فتقول: انزع هذا البرقع وليتمّ اللقاء السعيد. أما الآن، فما زلنا في زمن الخطوبة.
يجب أن نلاحظ حنان الحبيب حين يدعو عروسه، أخته العروس. ذاك هو حنان الرب حين يدعو شعبه. فقد عقد معه عهدًا وسمّاه بهذا الاسم: العروس والزوجة. قال في أش 62: 5: "كما يسرّ العريس بعروسه، هكذا يسرّ إلهك بك ". وكرّر الربّ مرارًا في هوشع: "أتزوّجك لي إلى الأبد. أتزوّجك في البر والحق. أتزوّجك في الحنان والمحبّة. أتزوجك لي (تكونين لي زوجة وعروسًا) في الأمانة، فتعرفين الربّ" (2: 21- 22). إلى من قال الرب العريس هذا الكلام بلسان هوشع؟ إلى جومر الزانية، العاهرة. ولكن الخطيبة هي الصبية العذراء، لا المرأة التي تزوّجت. وخصوصاً لا المرأة العائشة في الزنى. ولكن ليس من خيانة تثبت أمام حبّ الله الرحيم. فهو عندما يغفر، يخلق من جديد، كما نقول في مز 51: "قلبًا نقيًا أخلق فيّ يا الله "
وهكذا يرينا الرب الطابع الجديد لحبّه الذي لم يُسمع به. هو حبّ لا يرتبط بالماضي وما فيه من خيانات. حبّ لتلك التي ما زال هو خطيبها مع أنه زوجها وعريسها. هذا ما نسمع في نهاية الكتب المقدّسة في سفر الرؤيا (21: 9): "تعال أريك العروس (أو: الخطيبة) زوجة الحمل ". فحبّ يهوه لزوجته هو دومًا حبّ الخطيب لخطيبته. حبّ شاب، حبّ حارّ، حبّ نقيّ. أكون خطيبك، تكونين خطيبتي إلى الأبد.
وهنا نتجرّأ ونزيد: حبّ عجيب، ولكنه حبّ مجنون، يضيعّ العقل. فالحبيب يقول: خلبت قلبي، سبيت قلبي فأضعت الطريق. لم أعد أعرف كيف أسير. أهذا هو الكلمة (يسوع) الحكمة الذي يقول هذا الكلام؟ كان هو 4: 11 قد استعمل هذه العبارة ليدلّ على جنون إسرائيل الذي جعله "الزنى والخمر يضيعّ عقله ". أما هنا فيقال عن الحبيب نفسه إنه ضاع، فقد رشده. ليس فقط "مغرمًا" بتلك التي يحبّ كما يقول مز 45: 12 (يصبو الملك إلى جمالك). إنه يقرّ أنه أضاع رشده بسبب عنف الوله والعشق. ويسوع نفسه سيقول عنه أقاربه إنه "أضاع رشده " (مر 3: 21). وكتبت تريزيا الطفل يسوع: "سماه هيرودس مجنونًا. وأنا أظنّ مثله. حبيبنا مجنون ". إنه حبّ جنونيّ.
ويكفي العروس شيء قليل لكي تخلب قلبَ الحبيب: نظرة واحدة من عينيها، حبّة من العقد الذي على عنقها، إشارة صغيرة. وحين سمّى عروسه صديقته، أتراه دل على أنه غير متعلّق بها؟ كلاّ ثم كلاّ. وكذلك حين سمّاها "أخته ". قال أحد الشرّاح: إن حب الخطوبة والزواج يتأسّس على عاطفة من الأخوة توحّد بين الحبيب والحبيبة. وإن عبارة "الأخت العروس" تجد ملء معناها في سرّ التجسّد. قال برنردس: "تصبح الحبيبة أخته لأن لهما أبًا واحدًا، وتصبح عروسه لأنهما كليهما في روح واحد".

* ما أجمل حبّك يا أختي العروس
وإذ سكر الحبيب حين رأى حبيبته بقربه، قال: "ما أجمل حبّك يا أختي العروس. أطيب من الخمر حبّك ومن كل الطيوب عبيرك ".
كانت الحبيبة قد قالت في بداية نش: "حبّك أطيب من الخمر" (1: 2). لم تقل وحدها هذا الكلام. بل حبيبها الذي سكر من الحبّ، ومن حبّ جنونيّ. فالتعبير عن الحبّ هو مثل خمر "يصعد" إلى الرأس. وكما قالت هي من قبل "عبيرك طيّب الرائحة" (1: 3)، ها هو مسحور الآن بأريج الطيوب العديدة، بعطور الأرض كلها التي يتنشّقها فيها: "أريج عطورك أكثر من كل الطيوب ".
حين تجتمع العطور مع الحبيبة، تعبّر عن طبيعة كيانها كلّه. تدلّ على السحر الذي تمارسه. عطور تشع من ثيابها. "مثل عبير لبنان عبير ثيابك ". هذا ما قال لها العريس فدلّ على أريج عطور لا حدود لها. عطور تصدر عن شخص الحبيبة فتتداخل مع عطور الكون.
ولكن هذه العطور تعني أيضاً الطبيعة الروحيّة "للسحر" الذي تمارسه العروس. فبما أنها وسط بين عالم المادّة وعالم الروح، فهي تجعلنا نستشفّ أن جمال العروس، وإن كان مسكرًا، فهو لا يؤثّر تأثيرًا بشريًّا (لحميًا) على قلب صديقها. وسواء كان الموضوع الحبيبة أم الحبيب، فالعطور في نش قيمة ليتورجيّة وقدسيّة: عطر السنط والمرّ والبخور. والبخور يستعمل بشكل خاصّ في شعائر العبادة، في الهيكل، ويحرق على "مذبح البخور". وقد رأى يوحنا في رؤ 8: 3 "ملاكًا آخر يحمل مبخرة من ذهب. وقف عند المذبح فأعطي بخورًا كثيرًا ليقدّمه مع صلوات القدّيسين على مذبح الذهب أمام العرش الإلهيّ ". من هذا المنطلق تكون عطور العروس عطور نفسٍ احترقت بحبّ العريس فقدّمت له نفسها ذبيحة ذات عطر طيّب، وهي أثمن في عينيه من كل الذبائح التي تقدّم في هيكله. "أريج عطورك أهمّ من كل طيوب " العالم.

* شفتاك تقطران شهدًا
إن الكلمات التي سيقولها الحبيب في ما بعد، تؤكّد أيضاً الطبيعة الروحيّة والليتورجيّة لتأثير العروس على ذلك الذي تحبّ. فيقول: "شفتاك أيتها العروس تقطران شهدًا. تحت لسانك عسل ولبن. ومثل عبير لبنان عبير ثيابك ".
العسل واللبن (أو: الحليب). عذوبة اللبن تُزاد على عذوبة العسل. هذا ما يدلّ حقًا على أن سكر الخمر والعطور الذي سبّبته الحبيبة ليس سكرًا يثير الانسان ويجعله محمومًا. هو سكر عظيم جدًا، ولكنه ينتقل في العذوبة والسلام اللذين يحملهما كلام الحبيبة وشخصها. "فالعسل واللبن تحت لسانك ". إذن، يجب أن تكون كلمة الله قد صارت كلمتها بعد أن "هضمتها" هضمًا كاملاً، ليجد العريس فيها هذا الطعم عينه، طعم العسل الذي أحسّ به حزقيال حين ابتلع الكتب المقدّسة (3: 3: أكلته فصار في فمي كالعسل حلاوة، رج رؤ 10: 9). وهذا ما جعل المرنّم يبتهج وينشد: "ما أعذب أقوالك في حلقي. هي أحلى في فمي من العسل " (مز 119: 103).
والحبيب نفسه يستعيد اليوم هذه الكلمات ويوجّهها إلى "أخته العروس ". قال: الحليب والعسل تحت لسانكِ. فالعسل عمل النحلة النشيطة والصبورة. والحليب حليب الطفولة وحليب النضج. هذا ما رآه الحبيب في كلام الحبيبة. فهي له حتى في صمتها، أرض الميعاد الحقيقيّة "حيث يجري اللبن والعسل " (خر 3: 8).
الفصل الخامس عشر
عروستي جنّة مقفلة
4: 13- 5: 1

شكّلت اللوحة في 3: 6- 11 مجموعة مميّزة ومشهدًا مستقلاً دون أن يكون كاملاً. غير أنها قدّمت سمات معبّرة نستطيع أن نحزر مدلولها. رأى عدد من الشرّاح رباطاً بين هذه المقطوعة والسياق اللاحق فقالوا: هو دخول احتفاليّ إلى أورشليم يسبق اتحاد الزوجين. وهذا ما يفترضه 4: 1ي. وقالوا: هو وصول سليمان إلى قصره من جبال لبنان قبل الكلام الذي فيه سيحاول الملك أن يقنع الشونميّة. وقالوا: هو وصول الربّ إلى الهيكل حيث سيثبت مسكنه في عيد تدشين الهيكل.
ولكن المقطع هو بالأحرى تصوير لعودة المسبيّين من المنفى وبداية المُلك المسيحانيّ. فسليمان الذي هو المسيح، هو هنا في صهيون. والحدث الذي يتمّ هو نهاية رغبات نش، هو الاتحاد النهائيّ بين العريس والعروس في سعادة تامّة. في هذه الظروف، نحن لم نخرج من الموضوع العام في نش، حيث يبدو هذا المقطع التعبير الأخير لهذا البحث المتبادل.
رأت المدرسة الطبيعانيّة في 3: 6- 11 تصوير موكب مع الاحتفال بالأعراس. وفي 4: 1 بدأ وصف العروس كما القاه العريس. ولكن الشاعر يريد أن يبرز الحبّ الولِه الذي ما زال الربّ يحتفظ به لشعبه، والرغبة في أن يعيد بناء هذه الوحدة التي تحطّمت في الماضي. وانتظار الاجتماع المقبل يختتم هذا القسم الأول من القصيدة.
ودلّ القسم الثاني على تدرّج بالنسبة إلى القسم الأول: فالعريس يعلن (آ 9- 15) شعوره أمام سحر الحبيبة. عاد من أجل ذلك إلى صورة العسل واللبن، كما سيعود إلى صورتَي الجنّة المقفلة والينبوع المختوم. نحن أمام جنّة سحريّة تنتج أغرب الصور وأكثرها تنوّعًا وأغلاها ثمنًا. وتنتهي الصورة مع نداء يوجّه إلى العريس لكي يدخل إلى جنّته وينعم بثمارها.
(آ 12) تُذكر الجنّة مرارًا في نش. في آ 15، 16؛ 5: 1؛ 6: 2، 11. وهي تُذكر دومًا في معرض الحديث عن العروس سواء تماهت مع فلسطين أم لا. الجنّة هي موضع مقفل. رج "ج ن ن ": غطّى، أحاط، دافع. والسياج يدلّ على حقّ الملكيّة كما على الحماية. فسّرت المدرسة الطبيعانيّة الصورة في معنى جنسيّ وإباحيّ. ولكن إن أردنا أن نكتشف معنى الصورة، نعود إلى التقليد البيبليّ. فنحن نرى هوشع في لوحته الأخيرة، يماهي الشعب العائد من المنفى مع جنّة مخضوضرة (14: 6- 7). وفي الخطّ عينه تنبّأ حزقيال: "يُقال: هذه الأرض التي كانت خربة صارت مثل جنّة الله " (36: 35). وقال أش 51: 3: "لقد عزّى الرب صهيون، عزّى جميع خرائبها. جعل برّيتها (صحراءها) كعدن، وقفرها كجنّة الرب ". وفي 61: 10 الذي استغلّه صاحب نش، كان حديث عن العروس والعريس. ونحن نقرأ في آ 11: "لأنه كما أن الأرض تخرج نباتها والجنة تنبت مزروعاتها، كذلك السيّد الربّ ينبت البرّ والتسبحة أمام جميع الأمم ". وهكذا، حين يقابل نش العروس بجنّة، فهو يتطلعّ إلى ازدهار مثاليّ ستعرفه الأزمنة الاسكاتولوجيّة.
إن باب الجنّة مغلق مقفل اقفالاً محكمًا. فالفعل "ن ع ل" يدلّ على باب مغلق من الداخل (قض 3: 23- 24؛ 2 صم 13: 17- 18). ثم نقرأ "ج ل " التي لا نجد لها معنى في القراءة الماسوريّة. ولكن عدّة مخطوطات عبريّة، والسبعينيّة والبسيطة والشعبيّة، تقرأ "ج ن " (جنة). فتصير العبارة: "جنّة مقفلة وينبوع مختوم ". لا شك في أننا أمام تكرار، ولكن التكرار أمر معروف في نش.
ولفظة "م ع ي ن " (كما في العربية) تعود بنا إلى أم 5: 16: "فلو فاضت الينابيع في الخارج، كسواقي مياه في الساحات ". أو بحسب السبعينيّة كما في المخطوط الفاتيكانيّ: "لا تَفض ينابيعك ". فالمياه التي "تكسر" العطش هي صورة الرغبة التي "شبعت ". أفهمنا سفر الامثال أن لا يبحث الرجل عن لذة الاتحاد الزواجيّ خارج الزواج الشرعيّ وقرب المرأة الغريبة. ويقدّم نش فكرًا مماثلاً حين يتحدّث عن "الينبوع المقفل " أو المختوم (ح ت م). فللعريس وحده حقّ على العروس. هنا نكون أمام موضوع معروف هو غيرة الله كغيرة الرجل على امرأته. وحبّه قد نسي تعاسات الماضي ودلّ. على متطّلباته كما في بداية حبّه (8: 6): "الحبّ قويّ كالموت، والغيرة قاسية كعالم الموت ".
(آ 13) نقرأ "ش ل ح " (رج "الشلح " في العربيّة العاميّة): أغراس، أغصان، فروع (شليحوت في السريانيّة). هناك من قال: قنوات. "ش ل ح ": أرسل. وقال آخرون. خدّاك، بعد أن صارت الكلمة العبريّة "ل ح ي ي ك ". أما نحن فنعود إلى أش 16: 8: إذ قد ذبلت حقول حشبون وكرم سبمة الذي صرعت جفناته سادة الأمم وفروعه بلغت إلى يعزير وساحت في البرّية وامتدت وجازت البحر". رج إر 17: 8؛ مز 80: 12.
نجد كلمة "ف ر د س " (فردوس) في نح 2: 8؛ جا 2: 5؛ سي (يوناني) 24: 30. جاءت من الفارسيّة ودلت على مكان يحيط به سياج. ودخلت في نظرة المقام الملكيّ في بلاد فارس. هناك من يلغي "ر م و ن ي م " (رمّان) في خط السبعينيّة كما في السينائي والفاتيكاني والاسكندرانيّ وعدد كبير من المخطوطات الجرّارة. ولكن يبدو أن هذه اللفظة هي في الأصل ونحن نحافظ عليها (في السريانيّة: فرديس درومنا). فالرمّان يدلّ على الثمرة والشجرة (4: 3؛ 6: 7؛ 8: 2؛ 6: 11؛ 7: 13). وهو علامة عن الخصب المرتجى (عد 23:13 ؛ تث 8:8 ؛ يوء 1 :12 ؛ حج 19:2).
"كافور مع ناردين ". تحدّث البعض عن الورد. ولكن يبدو أن الورد جاء من جبال القوقاز في أيام السلوقيّين (القرن الثالث)، أي بعد تدوين نش. يُذكر الورد في حك 2: 8 وفي سي (حسب اليونانيّة) 24: 14 ؛ 39: 13. ولكن في هذا النصّ الأخير قرأت السريانيّة البسيطة: الأرز. ولكن يرى عدد من الشرّاح أن العبارة "كافور مع ناردين " قد زيدت فيما بعد. لهذا ألغوها. أما نحن فحافظنا عليها لأنها موجودة في العبريّة والسريانيّة...
(آ 14) تقدّم لنا هذه الآية لائحة بمواد ثمينة، بدأت مع آ 13: كل ثمر شهيّ. كافور وناردين. هناك "ك ر ك س " أي الزعفران. "ق ن ه" هي القصبة وقد تكون القرفة والكون. رائحته معروفة ويُذكر في خر 30: 23 كأحد عناصر العطور المقدّسة. يعتبر عطرًا غالي الثمن (أش 43: 24) وهو يأتي من البلدان البعيدة (إر 6: 20). من عرابية (حز 27: 19) والهند. والكون (ق ن م و ن) يرد في خر 30: 23. وهناك البخور (أو: اللبان). في العبرية: ع ص ي. ل ب و ن ه: شجر اللبان. ويأتي المرّ (م ر) والعود مع أفخر الطيوب.
إن هذا التعداد يقابل ما في خر 30: 23. يكدّس الشاعر أسماء العطور النادرة والثمينة، ليبرز جمال العروس الفريد: لا يزاحمها أحد في نظر الله.
(آ 15) "م ع ي ن. ج ن ي م " معين جنّات. ينبوع جنّات. أي ينبوع يخصب الجنائن ويكوّنها. فلولا الماء لا نجد أثرًا للنبات. قالت السبعينيّة حسب الفاتيكاني: معين جنة وبئر. أما البسيطة فحافظت على النص الأساسي: معين جنات، بئر ماء حيّ.
كانت آ 12 قد تحدّثت عن جنّة مقفلة وينبوع مختوم. وها نحن نجد الجنّة في آ 13- 14. وفي آ 15، نجد الينبوع الذي ذكر في آ 12 ب. نحن في آ 15 مع جملة مستقلّة فيها يعبّر الشاعر عن إعجابه. وهذا الاندفاع الغنائيّ يدلّ على أسلوب نش، ويختتم بطريقة طبيعيّة صورة حماسيّة امتدّت منذ 4: 1.
"ب ا ر" أي بئر، لا معين ولا ينبوع. و"بئر ماء حيّ " يقرأ في تك 26: 19. ونجد نصًا مماثلاً في إر 2: 13؛ 17: 13 (م ق و ر. م ي م. ح ي م): "ينبوع المياه الحيّة". المياه الحيّة هي المياه الجارية، فتكون نقيّة وباردة. ونجد هذه العبارة في لا 14: 5- 6، 50- 52؛ 13:15 ؛ عد 17:19؛ زك 8:14.
"ن ز ل ي م ". أي: نازلة. لا "نابع ". ولا "أنهار". في السريانيّة: ردين. وهي تعني كما في العبريّة. الماء تُطفئ العطش، وتهدئ الرغبة. نجد الصورة عينها في أم 5: 15: "إمرأتك ماء مباركة نازلة في وسط بئرك ". هكذا تنحدر المياه من جبال لبنان إلى أرض فلسطين.
(آ 16) "أفيقي يا ريح الشمال". رج فعل "ع و ر" الذي قد يرتبط بالسريانيّة. وقد يعني: تحرّك، تنشّط، قام (2: 7). ويُقال أيضاً للجماد كما في إر 25: 32 (زوبعة عظيمة تقوم)، حب 2: 19؛ زك 13: 7 ؛ مز 57: 9. "ويا ريح الجنوب تعالي " (ب و ا ي). وقد نكون أمام "باء" في العربية أي عاد. "هبي " (هـ ف ي ح ي) أنفخي، اعصفي. يتوجّه الشاعر إلى هذه الريح أو تلك.
"ليأتِ حبيبي إلى جنّته ". هذا ما نقرأ في النص الماسوريّ. ونجد في بعض المخطوطات ضمير المتكلّم: "إلى جنتي " (أنا) كما من قبل (هبّي على جنتي). من يتكلّم في هذه الآية؟ رأى الشرّاح القدماء أن العريس يواصل كلامه. في الواقع، هي العروس تتكلّم. فالجنّة هي العروس. وهي "ملك " العريس وحده. لا شكّ في أن العروس التي هي شعب اسرائيل، تتماهى في خدعة أدبيّة مع أرض فلسطين كما في 7: 3- 6. ولكن الحبيبة تستعيد حقوقها. والعروس تستطيع أن تقول "جنتي" كما قالت "كرمي (1: 6؛ رج 13:2 ؛ 13:7) وسريرنا (16:1).
وتدعو العروس عريسها لكي يأتي إلى جنّته. ويكون الجواب في 5: 1: "أجيء إلى جنتي ".
(5: 1) أجاب العريس على نداء العروس بنبرة احتفاليّة. هل يأتي العريس لكي يحتفل بأفراحه؟ بل بالأحرى، نحن أمام مجيء الرب القريب. يعطي النصّ واقعًا سوف يتحقّق قريبًا. وتُذكر العطور التي جمعها العريس، والأطعمة الشهيّة التي تغذّى منها: المرّ مع الطيوب. الشهد مع العسل. الخمر مع اللبن. كل هذا يدلّ على سعادة الحبيب مع الحبيبة.
"ي ع ر" هو شهد العسل البريّ (1 صم 14: 25- 26). "د ب ش " هو العسل في المعنى العام (رج دبس في العربيّة). قالت السبعينيّة والشعبيّة: خبزي بدل عسلي، لكي تلغي التكرار. وجُمع النبيذ مع الحليب (خمر ولبن) ليمثّلا الحلاوة الكبيرة (4: 10- 11؛ رج 1: 2، 4؛ 7: 3- 10). لن نتساءل: كيف وجد العريس في جنّته كل هذه الأمور الطيّبة؟ فحنان العروس يوازي في نظر العريس كل العطور معًا، كل كنوز الأرض، وقد يكون الشاعر تذكّر أش 55: 1 الذي يدعو المساكين لكي يشبعوا مجانًا من الخمر واللبن.
ويتوجّه العريس إلى أشخاص يسميهم "ر ع ي م " أي: رفاق، أخلاّء. ويدعوهم لكي يقاسموه سعادته. فلفظة "ر ع " تدلّ على الرفيق، الصديق، الشخص الحميم. في 5: 16 ستكون مع "دود" فتعبّر عن حبّ العروس للعريس. وما نلاحظه، هو أننا نجد اللفظتين هنا. فمن هم هؤلاء "رع ي م "؟ يُظنّ عامّة أنهم أولئك المدعوّون إلى العرش. وبصورة خاصة أولئك الذين يرافقون العريس (قض 14: 11). وقال آخرون: بنو اسرائيل الأمناء للرب. لهذا يشاركون في أعراس الأمّة الروحيّة.
ولكن يرى بعضهم أن "ر ع ي م " لا يختلفون عن الحبيبة. فالعروس هي جماعة (المرأة تدلّ على المجموعة، كما نقول بنت أورشليم، أي شعب أورشليم) وحبّ الله يتوجّه إلى الأفراد الذين يؤلّفون هذه الجماعة. وهكذا نجد الحقيقة من خلال الاستعارة. وهذا ما وجدناه في 1: 4.
دُعي "الأخلاّء" ليشربوا ويسكروا. لسنا أمام السكر الذي نعرفه. ولسنا أمام صورة عن لذّة الحواس كما تقول المدرسة الطبيعانيّة، بل أمام سكر يُحدثه حبّ الله في نهاية الأزمنة وهو يترافق مع البركات الزمنيّة. وهكذا نلتقي مع أش 25: 6 ؛ 55: 1- 2؛ 13:65.
نقرأ لفظة "د و د ي م " (أحبّاء) مرارًا في نش. ترد عادة في صيغة المفرد مع الضمير: حبيبي، حبيبك. وبعض المرّات ترد في الجمع (1: 2، 4؛ 4: 10) فتدلّ على الحبّ. رأت الترجمات القديمة وبعض الكتّاب أن "د و د ي م " هنا يقابل "رع ي م " وأن اللفظتين تعنيان الشيء ذاته. فإذا كانت الأمّة قد سمّيت "حبيبة" فمن الطبيعيّ أن تطلق التسمية ذاتها على أعضائها.
وهكذا نستطيع أن نقول عن هذه الآية ما يلي: ما زال الرب يعتبر الشعب خيره الخاص ويحبّه حبًا خاصًا. وهو يؤكّد له مجيئه القريب والازدهار الخارق الذي يلي هذا المجيء. والدعوة إلى الأحبّاء (د و د ي م) هي صدى لما في أش 55: 1- 2 مع التلميح إلى الوليمة الاسكاتولجيّة التي يُدعى إليها الأبرار (رج أش 25: 6). وقد يكون الشاعر تذكّر أعيادًا يتحدّث عنها عز 6: 19 ي ونح 8: 10- 12.

جنّة مقفلة وينبوع مختوم
يرتبط الينبوع والجنّة دومًا معًا في الكتاب المقدّس. والواحد يرافق الآخر. فالينبوع هو الذي يمنح الجنّة جمالها. وينبوع الماء الحيّ، ينبوع الحبّ في قلب الحبيبة، هو الذي يؤمّن غنى وجمال جنّة حياتها، كما جعلها عريسها تترجّى. قال الرب: "تكون نفوسهم كجنّة ريّا" (إر 31: 12). وقال أش 58 بلسان الرب: "تكون كجنّة ريّا كينبوع فائض لا تنقطع مياهه ".
ويتواصل موضوع الجنّة عبر الكتاب المقدّس كله: جنّة الخليقة في الفصول الأولى من سفر التكوين. جنّة يُدفن فيها أميرُ الحياة، ويظهر للمجدليّة في صباح القيامة. جنّة العالم الجديد في نهاية سفر الرؤيا. جنّة الحبيبة التي هي في قلب القصيدة الثالثة من نش، بل في قلب نش كله. بل في قلب الكتاب المقدّس كله. فعلى خمس مرات تُمتدح الحبيبة على أنها جنّة تنمو فيها الحياة وتتغلّب على الموت (4: 12- 5: 1).
ويرافق كلَّ هذا تحديدٌ جوهريّ: واحد هو سيّد الجنّة وصاحب الينبوع. لا يدخل هنا إلاّ الحبيب، ولا أحد سواه. إذن، لم نعد في زمن كان يشتكي فيه من عروسه التي "تركته هو ينبوع الماء الحيّ واحتفرت لها آبارًا، آبارًا مشقّقة لا تحتفظ بالماء" (إر 2: 13). لقد جاءت الساعة التي فيها لن تُفتح الجنّة إلا للحبيب وحده. مفتاحها بيده، وهو فيها يتمشّى كما يقول حزقيال. "يكون الباب مغلقًا. لا يُفتح ولا يدخل منه أحد، لأن الرب، إله اسرائيل، قد دخل منه. لهذا يكون مغلقًا" (حز 44: 2). وقال أش 22: 22: "وأجعل مفتاح ست داود على كتفه (أي كتف المسيح). يفتح فلا يغلق أحد. ويغلق فلا يفتح أحد". ولا يشرب أحد غيره من الينبوع الذي في وسط الجنّة، لأنه يكون مختومًا. قال الرب: "أحرسه ليلاً ونهارًا خوفًا من أن يأتي عليه أحد" (أش 27: 3).
ترد ثلاث مرات في هذين البيتين من نش لفظتا "مقفل، مختوم "، فتعبّران عن حصر الحبّ في الله، عن حصر الانتماء إلى الله، عن تكريس جذريّ ومطلق يقوم به الحبيب تجاه التي هي مسيّجة، مقفلة، مختومة، مثل وثيقة سريّة وحقيقيّة تحتفظ بكلامها للحبيب وحده. تكريس لتلك التي هي لعريسها وحده على مثال ما قال بولس لمسيحيّي كورنتوس: "خطبتكم لرجل واحد" (2 كور 11: 2).

* أغراسك فردوس رمّان
ولكن كيف نفسّر أن تكون كلمات الحبيب متعارضة كل التعارض مع تلك التي تلفّظ بها منذ لحظة. قال: "أغراسك فردوس رمّان وكل ثمر شهيّ، وكافور مع ناردين. ناردين وزعفران، كمّون وقرفة مع كل أشجار البخور. مرّ وعود مع أفخر الطيوب. معين جنّات وبئر مياه حيّة نازلة من لبنان"!
نحن أمام مفارقة هامّة نجدها في كل قصيدة من قصائد نش: حبيبة مكرّسة حصرًا لعريسها، جنّة مقفلة، ينبوع مختوم. ومع ذلك، فهي في الوقت عينه مفتوحة على جميع سكّان الأرض. هذا هو معنى هذه الأشعار وبُعدها. فـ "البستان المقفل " يرسل الأغصان إلى أبعد من حدوده، فتصل إلى أقاصي العالم. هي تجتاح الأرض كلها كما رآها أشعيا بإلهام إلهيّ: "وفيما بعد يتأصّل يعقوب وينبت، ويُزهر اسرائيل، ويملأ وجه المسكونة ثمارًا" (أش 27: 6). ونقرأ في هو 14: 7: "وتمتد أغصانه ".
هذه الأغصان، هذه الفروع، لا تجعل فقط من أرض فلسطين "فردوس رمّان" مع "أشهى الثمار"، بل إن أفخر الطيوب الآتية من البلدان البعيدة، وعددها سبعة (عدد الكمال)، تملأ جنّة الحبيب السريّة والمدهشة. فالجنّة المقفلة التي تحوي أطيابًا لا تملكها فلسطين، قد صارت الأرض كلها التي تجمع الجنّة منها العطور العديدة وترسلها إلى أقاصي الأرض فتعطّر كل خليقة الله. هذا ما حدث في بيت عنيا مع رائحة الناردين الذي أفاضته مريم على يسوع قبل موته (يو 12: 3). وهكذا تجمع النفس المكرّسة في ذاتها كل أشواق الأرض لكي تحوّلها إلى مديح يتجدّد به الكون ويحيا من جديد.
وسوف نرى أيضاً كيف أن "المعين المختوم" قد صار "معين (ينبوع) الجنّات ". ليس فقط ينبوع جنّة واحدة هي جنّة العروس الداخليّة، بل ينبوع كل جنّات الأمم. صار"بئر مياه حيّة"، ومياهًا "نازلة من (جبل) لبنان ". نحن هنا أمام عمق الآبار، وانحدار المياه النازلة من أعالي الجبال. وكما أن نهر الفردوس في سفر التكوين "كان يخرج من عدن فيسقي الجنّة، ويتشعّب من هناك فيصير أربعة أنهار" (تك 2: 10)، تتوزّع على أقطار الأرض الأربعة، فتذهب لتسقي الأرض كلها، كذلك الينبوع المحفوظ لعطش الحبيب وحده. سيذهب عبر العالم كله ويطفئ عطشه، ويبقى مع ذلك مختومًا. "تكونين مثل جنة مرويّة، مثل ينبوع فائض لا تنقطع مياهه " (أش 58: 11).
بعد أن توقّف الشاعر عند "الجنّة المقفلة" (والمحكمة الإقفال) و"المعين المختوم " (ينبوع مختوم سبعة ختوم، فلا يستطيع أحد أن يفتحه)، امتدّ نظره إلى المياه المنحدرة من الجبال. هنا نتذكّر ما قاله أم 5: 16- 17: "فلو فاضت الينابيع في الخارج، كسواقي مياه في الساحات، فلتكن لك دون سواك، دون أيّ من الآخرين ".
ولكن ليست هذه عاطفة الحبيب في نش. بقدر ما تكون عروسه مكرّسة حصرًا له، بقدر ذلك يكون انفتاحها على العالم شاملاً وخصبها يصل إلى أقاصي الأرض. إذن، يذهب الينبوع المختوم، باندفاع وحريّة، فيسقي الكون كله بمياهه الحيّة. هذا ما وعد به يسوع السامريّة: "فالماء الذي أعطيه يصبح فيه ينبوعًا يفيض بالحياة الأبديّة" (يو 4: 14). وهكذا تختبر النفس الخفيّة التي تحتفظ بذاتها كلها لله، أن "من جوفها تجري أنهار مياه حيّة" (يو 7: 38).
وقد طبّقت إحدى القدّيسات هذه العبارة حول الجنّة والينبوع، على العذراء مريم فقالت: "ينبوع البساتين الروحيّة، بئر المياه الحيّة التي تنحدر أنهارًا من بستان الالهيّ. إنها تجري من جبل صهيون إلى كل الأمم التي تحيط بها أو تمتدّ إلى البعيد، فأنهار سلام وسواقي نعمة تفيض من السماء".
أن تكون زهورًا وعطورًا وأثمارًا، أن تكون ينبوعًا ومجرى مياه حيّة لنموّ الكون كله وجماله، كل هذا من أجل سرور العريس. ولكن من أجل سعادة العروس أيضاً.

* أفيقي يا ريح الشمال
أجل، كل سعادة العروس أن تكون فرح العريس. ولهذا، فهي ترفع الصوت هنا للمرّة الأولى في هذه القصيدة الثالثة التي "تغزّل" بها عريسها تغزّلاً "مجنونَا". هي صاحبة الجمال الفريد، تريد أن تكون بحسب رغبته، مكرّسة له، محترقة له، يحرقها بنار حبّه. لهذا هتفت: "أفيقي يا ريح الشمال، وتعالي يا ريح الجنوب! هبّي على جنّتي فتفيض طيوبها. ليأتِ حبيبي إلى جنته ويأكل ثمرها الشهيّ ".
تستطيع العروس أن تقول في الوقت عينه وفي العبارة ذاتها: جنّتي أنا، وجنّته هو. فالجنّة واحدة. العروس هي الجنّة وهي لعريسها. وهي لا "تخصّ" ذاتها إلا بقدر ما هي كلّها له. وبقدر ما تكون له تكون حقًا لنفسها. إذن، لم تعد رغبتها إلا في أن تفيض نفسها في حضوره، في أن تنسى نفسها ، تضيعّ نفسها. حينئذ تجدها حقا.
ومن أجل هذه الغاية، دعت الرياح جميعًا. تلك الآتية من الشمال، وتلك الآتية من الجنوب. لتأتِ. لتسرع، ولتنفتح على الجنّة فتُخرج منها كل العطور وتحملها إلى قلب الحبيب. هناك الرياح الباردة التي تأتي من الجبال الشماليّة، والرياح الساخنة الآتية من الصحراء العربيّة. رياح "مجلّدة" تدلّ على المحنة والألم. رياح حارّة تدلّ على فرح الحبّ وتعازيه. ولكن روح الله، نفحة الحياة، يجعل كل شيء يؤول لكي تخرج الجنّة الجميلة كل عطر ينتظره حبيبها منها.
قال يوحنا الصليب في هذا المجالس: "تعالي يا ريح الجنوب، أنت يا من توقظين الحبيب. تعالي وانفخي في جنّتي... فالريح هي الروح القدس. وهو يوقظ الحبّ حين يملأ النفس ويحرقها ويعيد خلقها وينعشها. وإذ ينفخ الله مع روحه في جنّته المزهرة، فهو يفتح أزهار الفضائل، ويكشف عن عطور المواهب، وعن كمالات النفس وغناها. وحين يفتح هذا الكنز وهذا العالم الداخليّ يكشف كل جماله ".

* ليأتِ حبيبي إلى جنّته
ولكن لا يكفي أن تقطّر الجنّة عطورها السريّة قطرة قطرة بفعل جميع الرياح، لتترك الطيب يرتفع إلى قلب الحبيب كما سبق للعروس وفعلت. فتمتمت في داخلها: "حين يكون الملك في مجلسه، ينشر نارديني عبيره " (1: 12). يجب على الحبيب أن ينزل بشخصه اليوم إلى جنّته: ليدخل إليها وليضع يده عليها لكي يمتلكها. ولا يكتفِ بأن يتنشّق العطور، بل ليقطف ثمارها الشهيّة وليذقها. لهذا قالت: "ليأتِ حبيبي إلى جنّته ويأكل ثمرها الشهيّ ".
قال غريغوريوس النيصيّ: "هي كلمة جريئة جدًا. لمن تقدّم ثمارها؟ لمن تهيّئ طعامًا من خيراتها؟ لذلك الذي به ومنه وفيه كل الخيرات. قبل ذلك الوقت كانت هي تتنعّم من ثمرة التفاحة فتقول: ثمره حلو في حلقي. وها هي قد صارت بدورها ثمرة جميلة وشهيّة. تقدّم للبستاني لكي تسرّه "
هو الروح القدس يكشف منذ الآن عن حضوره في نفس الحبيبة من خلال نش. فهي حقًا جنّة الروح: حيث تجري مياه الروح الحيّة. حيث تنفخ ريح الروح القويّة والعذبة. هي الجنّة التي تعطّرها طيوب عطايا الروح التي لا تحصى. وحيث تُقطف ثمار الروح التي يتحدّث عنها بولس في غلاطية. وأوّل هذه الثمار، بل هو يجمل هذه الثمار: المحبة (غل 5 :22).

* أجيء إلى جنّتي
قالت الحبيبة: ليأتِ حبيبي. فأجاب الحبيب حالاً: أجيء إلى جنّتي. هو لم ينتظر لحظة واحدة. فهو يستسلم بكلّيته إلى النفس التي تسلّم ذاتها إليه. قالت تريزيا الأفيليّة: "هو لا يستطيع أن يرفض بأن يعطي ذاته لتلك التي تعطي ذاتها بكليّتها له ". وقال يسوع: "إن أحبّني أحد أحبّه أبي. ونأتي عنده ونصنع عنده منزلاً" (يو 14: 23). وهكذا نسمع العريس يقول: "أجيء إلى جنّتي، يا أختي العروس. أقطف مرّي وطيوبي، وآكل شهدي مع عسلي، وأشرب خمري ولبني ".
أجل، لقد أحسّ الحبيب بعظمة التقدمة التي تقدّمها له الحبيبة، بغنى حياة تلك التي يحبّ. وهو يعبّر عن هذا الشعور بالتكرارات الاحتفاليّة الفخمة. فيعلن: أقطف، آكل، أشرب... لقد أعطي له مع حياة عروسه، كل عطر يمكن أن يتنشّقه إنسان في الكون، كل طعام حلو المذاق وعذب. كل شراب يبرّد القلب ويقوّيه ويسكره. إن الحبيبة تشبع جميع رغباته. إنها مرّ وطيب، عسل وخمر ولبن. كلها عطور، كلها عذوبة، كلها سكر.
والفرح هو تام في هذا الامتلاك التام مع ورود ضمير المتكلّم المفرد ثماني مرّات: جنّتي (أنا)، أختي العروس، مرّي، لباني، عسلي، شهدي، خري، لبني أنا. هي ساعة الوليمة في الاعراس، ساعة الحبّ الذي وصل إلى التمام. وقد تصوّر أوريجانس كل هذا من خلال الفضائل الانجيليّة التي تشكّل مختلف الأطعمة: "قل لي، بأي طعام سيتغذّى هؤلاء المدعوّون؟ أولاً السلام. ثم يقدّم لهم في الوقت عينه التواضع والصبر واللطف والوداعة. وتُقدّم لهم فاكهة عذبة وشهيّة هي نقاوة القلب. ولكن الجزء الجوهريّ في الوليمة هو الحبّ ".
هذه الوليمة تختلف عن سائر الولائم التي نعرفها في التوراة حتى الآن. فالعروس هي التي تقدّم "الطعام" للعريس. فقد كنا قرأنا في أش 25: 6: "سيصنع الرب القدير على هذا الجبل وليمة لكل الشعوب، وليمة من اللحوم السمينة الطيّبة ومن الخمر العتيقة المروّقة". وكان المرنّم قد قال: "يرتوون من ولائم بيتك، ومن نهر فردوسك تسقيهم " (مز 36: 9). أما هنا فنحن أمام جديد كله جديد. فالعريس هو الذي يعرف فرح الوليمة التي أعدّت له، فيستطيع أن يقول لحبيبته: "كنت جائعًا فأطعمتني. كنت عطشانًا فسقيتني " (مت 35:25).

* كلوا يا رفاقي واشربوا
ومن لماذا يظهر العريس الآن وقد قام عن المائدة، وفتح على مصراعيها قاعة الأعراس حيث قدّمت له عروسه مثل هذه الوليمة؟ لماذا يرسل في الرياح الأربع وبالصوت العالي هذه الدعوة التي لا تصدّق فيقول: "كلوا يا رفاقي واشربوا، واسكروا يا أحبّائي ".
لقد سمعنا مثل هذه الدعوة ترتفع من أعماق الكتب المقدّسة. صرخت الحكمة في الساحات: "تعالوا، تعالوا. كلوا من خبزي، واشربوا من خري " (أم 9: 5). وقال أش 55: 1- 2: "أيها العطاش، تعالوا إلى المياه حتى الذين لا فضّة لهم. تعالوا اشتروا، بلا فضّة ولا ثمن. اشربوا الخمر واللبن ".
وهو النداء نفسه يستعيده اليوم حبيب نش. ولكن ها إن مائدة حبيبته صارت مائدته. والعيد الذي دعته إليه صديقته، صار العيد الذي إليه يدعو جميع أصدقائه. والطعام الذي قدّمته له، فكانت فيه العسل واللبن والخمر وجميع الثمار، قد تحوّل إلى طعام يقدّمه هو بنفسه للجميع. ففي يوم من الايام، أخذ يسوع خمسة أرغفة شعير وسمكتين صغيرتين قدّمها إليه صبيّ صغير، فجعل منها الخبز الذي يشبع الجموع (يو 6: 9). وفي ليلته الأخيرة، جلس إلى المائدة مع أصحابه وقالت على الخبز والخمر المأخوذين من أرضنا: "خذوا كلوا. خذوا واشربوا منه كلكم ".
فكلّهم مدعوّون إلى مائدة الأعراس. لا يُستبعد أحد، لا يميّز أحد. كل الأصحاب. يعني جميع البشر والتي كانت حبيبته المتحفّظة والمقفلة والمختومة والتي امتلكت جميع الثمار بغيرة قويّة، هي الآن حاضرة في المائدة المشتركة تتقاسم كل شيء مثله، مع جميع المدعوّين. وتقسم ذاته معها على الجميع. وذلك الذي كان يقول دومًا: صديقتي، رفيقتي، حبيبتي، يقول الآن (وستكون الكلمة الأخيرة في القصيدة): أصدقائي، أحبّائي. كلهم صاروا أحبّاءه في حبيبته الفريدة. نحن نرى هنا من البعيد رسمة عن الكنيسة عروس المسيح التي تجمع له البشريّة كلها.
وفي مائدة البشريّة التي اتسعت وسع العالم، لن ينقص الخبز أبدًا. ولا الخمر التي تجري بغزارة. "فهل يستطيع بنو العرس (المدعوون إلى العرس) أن يصوموا والعريس معهم" (مر 2: 19)؟ ورغبة الحبيب ليست فقط في أن نشرب، بل في أن نسكر. هنا نحتاج إلى الجرأة. كم من أناس نراهم في وليمة الحبّ يكتفون بأن يأكلوا أي بأن يتأمّلوا فيعالجون الكلمات والأفكار. ولكن هناك عددًا قليلاً يتجرّأ فيشرب بلذة ووفرة كما في المشاهدة. ولكن قلّة قليلة تصل إلى السكر فتترك الروح يستولي عليها ويختطفها.

خاتمة
وتنتهي القصيدة الثالثة من قصائد نش مع هذه الوليمة الحقيقيّة، وليمة الملكوت، وليمة العريس والعروس التي يُدعى إليها الجميع. منذ الآن قال يسوع: "يشبه ملكوت السماوات ملكًا أقام وليمة في عرس ابنه " (مت 22: 2). وقال أيضاً: "وسيجيء الناس من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب، ويجلسون إلى المائدة في ملكوت الله " (لو 13: 29). هذا ما نجد عنه صورة مسبقة هنا: "كلوا يا رفاقي واشربوا، واسكروا يا أحبّائي ". ويأتي الجواب من البشر بلسان يوحنا في آخر سفر من الأسفار المقدسة: "طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل " (رؤ 9:19).
القصيدة الرابعة
5: 2 – 6 : 3
رأسي امتلأ بالطلّ وجدائلي بندى الليل (5: 2)

كادت الأمور تسير مسارها الطبيعيّ، وينتهي كل شيء. هذا لو كان نشيد الأناشيد خبر حبّ عاديّ. ولكننا أمام حبّ يفوق الطبيعة والحياة اليوميّة. هو حبّ الله لشعبه، وحبّ كل واحد منا لربّه. نصل إلى الربيع بزهوره، والصيف وشمسه التي تهيّئنا للخريف وثماره. ولكننا لا نستطيع أن نصل بسهولة إلى هذا الاتحاد التام الذي تتعرّف إليه النفس. فدونه العواصف التي تهدّد هذا الحبّ. وأوّل عاصفة تخرج من ذاتنا. من تكاسلنا وتقاعسنا. يا ليت العروس فتحت للعريس ساعة دقّ عليها. ولكنا تأخّرت... فمضى العريس وعبر

الفصل السادس عشر
أنام وقلبي مستفيق
5: 3 – 5

مع القصيدة الثالثة، كاد نش ينتهي لو كان فقط مجرّد قصّة حبّ عاديّ. معه أدركنا ذروة لا يمكن أن ننزل منها. فالحبيبة قدّمت حياتها وهي لا تستطيع أن تستعيدها. والحبيب أقرّ بهذا العطاء وهو الذي جعل العالم كلّه شاهدًا لأعراسه. لقد انتهت القصيدة الثالثة كما انتهت الأولى والثانية في كلام يستحلف فيه العريس بنات أورشليم بأن لا يقطعن على العروس راحتها، بأن لا يُيْقظها.
في نهاية القصيدة الثالثة، اجتمع العروسان وعرفا ملء السعادة. أما في بداية القصيدة الرابعة، فنجدهما منفصلين فجأة وبدون أي انتقالة. ويعودان إلى المحاولات نفسها، فتكون توسّعات تصل في النهاية إلى لقاء السعادة: ظهور العريس ولقاؤه الحنون، محنة قاسية تعرفها العروس التي تبحث عن حبيبها، وصورة ترسمها العروس عن عريسها. وفي النهاية يمتلك الواحد الآخر.
كانت القصيدة الثانية حديث العروس مع نفسها (مونولوج). والقصيدة الثالثة حديث العريس. أما القصيدة الرابعة فتجعل الحبيبة على المسرح في مونولوج جديد. ولكن ماذا سوف تقول بعد؟ أما استنفدت كل عبارات الحبّ؟ ولكن الحبّ لا يستنفد موضوعه، لأنه لا ينفد، لأن لا نهاية له. فباستطاعته أن يقول الأمور عينها دون أن يرددها.
هناك مقابلة لافتة بين القصيدة الثانية والقصيدة الرابعة، "نشيد" أول (مونولوج) أطلقته العروس ونشيد آخر. فالمشهد يتمّ في الليل. والعروس هي في بيتها. هي وحدها. هي نائمة دون أن تنام (3: 1). وإن نامت فقلبها مستفيق، قلبها يعيش اليقظة و"السهر" (5: 2). ويأتي العريس من الخارج ويقترب. يتطلعّ من النافذة (2: 9) أو يقرع الباب (5: 2). ويطلق إلى العروس نداءات تحرّك أحشاءها (5: 4). ويدعوها إلى أن تخرج، أن تلاقيه، أن تتبعه (2: 13). أو هو يطلب أن يدخل. وما أن تقفز العروس وتفتح له الباب، حتى يكون قد مضى وراح. لم يعد هنا. لقد اختفى.
في القصيدة الثانية (2: 14؛ 3: 2) لا تفهم العروس ما حدث. أما هنا (5: 5- 6) فتصوّر شعورها بشكل موسّع. وبعد هذا، تبدأ في القصيدتين "ملاحقة" فيها قلق كبير، في شوراع المدينة، خلال الليل. في القصيدة الثانية ينتهي البحث بلقاء سريع. "وجدت من يحبّه قلبي، أمسكته ولا أرخيه. أدخله بيت أمي وخدر من حبلت بي " (3: 4). أما هنا، فنجد حوارًا قصيرًا بين العروس والعريس تتبعه صورة للحبيب كلها حرارة (5: 8- 9، 10- 16). وينتهي كل شيء حين يمتلك الواحد الآخر. لا شك في أن القصيدة الرابعة "تكرّر" بعض ما في القصيدة الثانية، ولكنها تبقى قمّة نشيد الأناشيد وتحفته.
(آ 2) أنام. أو بالأحرى، أنا نائمة، نحن أمام عمل يتمّ في الحاضر ويمتدّ. وقد يدلّ على الماضي أو المستقبل. هذا الواقع الحاضر نقرأه على شفتَي العريس حين يستحلف بنات أورشليم أن لا ينهضن الحبيبة إلا ساعة تشاء (2: 7 ؛ 3: 5). إذن، هي نائمة.
أنام، ولكن قلبي مستفيق. الواو هنا تدلّ على التعارض. يتحدّث الشاعر عن القلب الذي جعل العروس متنبّهة، "مستيقظة". هي تنام وبالها مشغول بالعريس. وأول صوت سوف يوقظها. هذا هو المعنى الأول. أما المعنى الثاني، فالنوم يدلّ على خيانات العروس. وهذا ما يمنع قلبها أن يكون في سلام. هي تتذكّر العريس وتعرف الآن أن ارتدادها ما زال ناقصاً. هي "نائمة" ولن تخرج من هذا النوم إلاّ بقرار حرّ: "متى تشاء" (2: 7؛ 3: 5؛ 4:8).
هي تنام، ولكن قلبها مستفيق، ساهر. يعني أنه ما زال متعلّقًا بالرب رغم الظواهر. هنا نتذكّر أش 26: 9 أ: "في الليل أتوق إليك، وفي داخلي يطلبك روحي ".
ساعة توجّه قلبُ الحبيبة إلى الحبيب، ها هو الحبيب يأتي فجأة. وقبل أن يبدأ كلامه، تستشفّ حضوره، تحسّ أنه هنا. تسمع الصوت، وقبل الصوت وقع الخطى. في صمت الليل، في صمت القلب، عرفت العروس أن العريس آتٍ . كلامه يتدفّق (د ف ق في العبرّية). لا يكتفي بأن يقرع الباب. بل ينشد العروس: "أختي، رفيقتي، حمامتي، كل شي لي ".
نلاحظ هنا ضمير المتكلّم المفرد: أختي أنا. هذا ما يدلّ على أن العروس هي "ملك " عريسها الذي يجمع ألفاظ الحنان والحبّ. يا أختي كما في 4: 9 (يا أختي العروس). يا رفيقتي كما في 1: 9. أنت كحمامة (1: 15). أنت الكاملة التامّة التي لا عيب فيك. أنت كل شيء لي، بعد أن صار حبّك كلّه لي. هناك ولا شكّ الجمال الطبيعيّ كما في 4: 1ي. وهناك أيضاً الجمال الأدبيّ: فالعروس عادت إلى عريسها بعد أن تنقت في محنة المنفى وارتداد القلب (أش 40: 2، إر 31: 18-20).
نعود إلى العربيّة لنفهم كلمتين. "ق و ص و ت " التي ترد أيضاً في آ 11. هي تعود إلى "القُصة" أو شعر الناصية وكل خصلة من الشعر. والكلمة الثانية لا ترد إلاّ هنا في كل الكتاب المقدّس "ر س ي س ي ". ولكن الجذر"ر س س" نقرأه في حز 46: 14 في معنى رشّ. فالرشّ في اللغة العربيّة يدلّ على المطر القليل وهو يقابل الزذاذ أي المطر الضعيف. وهكذا يتحدّث الحبيب عن الطلّ أو الندى، كما عن المطر الخفيف، وكلاهما يحمل بركة الله على ما في هو 14: 6: "أكون لبني اسرائيل كالندى، فيزهرون كالسوسن، ويمدّون جذورهم كلبنان ". إذن، يعود العريس في قلب الليل والعتمة، أي في وقت المحنة والشدّة (3: 1)، فيكون هو عربون البركات التي تعيد بناء شعبه في نهاية الأزمنة.
(آ 3) أتُرى العروس تحلم؟ هل تتذكّر"حوارها" مع العريس؟ أوهي تتخيّل ما قد يحدث لها إن جاءها العريس في الليل؟ هي مرتاحة، ولا شيء يقلقها. هي "بألف خير" بعد أن وجدت "بعض الراحة" في المنفى. فلماذا تعبُ القلب والعودة إلى فلسطين حيث المجهول ينتظرها؟
ناداها العريس "يا أختي، افتحي". ماذا كان جوابها الأول؟ الهرّب والتعلّق بالأعذار الواهية: خلعتُ ثوبي فكيف ألبسه؟ أي لا أستطيع أن ألبسه الآن. فهو عمل يتطلّب مجهودًا. غسلتُ رجليّ. قد تكون جاءت من سفر. وفي أي حال، هي مرتاحة ولا تريد أن تتعب نفسها من أجل حبيبها.
كيف نفسهم مثل هذا الجواب المدهش الذي تطلقه العروس؟ أما تزال نائمة فتدلّ في نومها على عمق عواطفها؟ هل تدلّ على قساوة قلبها فنكون حينئذ أمام تلميح عن الحالة الدينيّة في اسرائيل خلال الملكيّة؟ وهناك معنى استعاريّ: خلعت العروس ثوب العمل وغسلت رجليها، فليست من بعد مستعدّة للعودة إلى العمل! كل هذه فرضيّات.
هنا نعود إلى الحالة النفسيّة التي تعيشها الحبيبة. حين كانت تطلب عريسها، لم تكن بعد وصلت إلى الظروف التي تتيح لها اللقاء به. غير أنها بدأت تقترب من الهدف، بل هي لامسته. وهذه الأعذار الواهية توقف انطلاقتها الأخيرة، ولكن لوقت محدّد. وما إن تلفّظت بهذه الأقوال، حتى سارعت تستنكرها بموقفها العمليّ وبالتعبير الحارّ عن عواطف قلبها الحقيقيّة.
(آ 4) حبيبي مدّ يده. في العبرّية "ش ل ح " كما في العربيّة الدارجة. مدّ يده من الكوّة ليزيح "الساقوطة". هو لم يعد يستطيع أن ينتظر. يودّ أن يصل بسرعة إلى العروس. منذ دقيقة كان عند الباب يقرعه. والآن، ها هو يحاول أن يفتح الباب دون أن يهتمّ لجواب العروس المخيّب الآمال. سمعت العروس حركة اليد، بل رأت يد العريس تدخل إلى البيت فتدلّ على أشواقه.
حينئذ تحرّكت أحشاء العروس. حرفيًا "الامعاء" (م ع ي في العبرّية). هي مركز الشعور والاحساس والقلق والشفقة (إر 4: 19؛ 31: 20). وهكذا انتابت العروس رعشة حبّ جعلتها تستفيق من نومها. لولا وجوده هنا، لظّلت نائمة. ولكن يده تدلّ على حضوره، فهي لأجله وبسببه تحسّ بهذا الشعور العميق.
(آ 5) قُصت أنا. يُذكر ضمير المتكلّم (أنا). هذا يدلّ على أننا أمام لغة متأخّرة في الزمن. نجد مثلها في جا 1: 16 ؛ 2: 1، 11، 15؛ 3: 17، 18. نقرأ في اللغة العبريّة صيغة المثنى "يداي". أما السريانيّة فوضعت صيغة المفرد "يدي". وحذفت السبعينيّة والشعبيّة الواو: أقوم لأفتح لحبيبي، يداي تقطران (ن ط ف في العبرّية، وفي العربيّة. سال قليلاً قليلاً). هذا يعني أنهما مملوءتان مرًّا. وتتلاقى "يداي " مع "أصابعي" (كما في العبرية). رج أش 2: 8؛ 18: 8؛ 59: 3؛ مز 144: 1.
"م و ر. ع ب ر". ترجمت السبعينيّة. مملوء مرًّا. أو مرّ كثير. وجعلت البسيطة "ن ط ف " (سال) بدل "ع ب ر" فكرّرت الفعل. نجد هذه العبارة "م و ر. ع ب ر" أيضاً في آ 13 (تقطران عبير المرّ، تقطران مرًّا مائعًا). يستعمل فعل "ع ب ر" للهواء (أي 37: 21 ؛ أم 10: 25) والماء (أي 6: 15؛ 9: 16)، أي لكل ما لا يُلمس فيغيب سريعًا. قالت الترجمة اليسوعيّة: المرّ السائل. والمشتركة: "مرًا يسيل من أصابعي". فيمكن القول بالعودة إلى العربيّة "ع ب ر" عبير: يداي تقطران مرًا، وأصابعي عبير المرّ (لا وجود لحرف الجرّ "من" هنا في النص العبريّ). أجل، أمسكت العروس قبضة المزلاج، فسال المرّ عليها.
من أفاض المرّ على قبضة المزلاج؟ قالوا العروس، واعتبروا أن العروس تضع المرّ على يديها قبل أن تنام، أو هي وضعت المرّ قبل أن تمضي لتفتح الباب. فرضيّات لا أساس لها. بل هو العريس الذي حمل هذا العبير النفيس. فهذا المرّ المفاض ساعة يختفي العريس يحمل معنى رمزيًّا. لسنا هنا أمام عمل احترام يقوم به العريس تجاه عروسه. ولا يدلّ المرّ فقط على التأسّف والألم والعتاب. فالمرّ حين يُذكر في نش، يدلّ على العطر، وهو يكون عادة مع البخور وسائر العطور الثمينة 30: 6 (المرّ والبخور) ؛ 4: 6، 13، 14 (الناردين، الزعفران...)، 5: 1، 13 ؛ رج مز 45: 9؛ سي 24: 15. فالمرّ يعبّر عن مفاتن العريس وهو يحرّك حبّهما المتبادل (1: 3). أجل، مرَّ العريس مرور الطير فترك وراءه أثرًا لمروره ومحاولته. حينئذ أحسّت العروس أن الحبّ دخل على قلبها وسيطر.

* أنا نائمة وقلبي مستفيق
هكذا تبدو العروس، نصف نائمة ونصف مستيقظة، وقد يكون النوم بعدُ مسيطرًا عليها. هل يعني هذا أن حبّها ليس بصادق؟ كلا. في الحقيقة قد استسلمت إلى أعراسها بكل كيانها. غير أن الحبّ، وإن سما، يبقى حتى نهاية العمر معرّضاً للخطر، مهدّدًا. هذا ما اكتشفناه في القصيدتين الثانية والثالثة، ولو أن العروس قد ارتفعت كثيرًا في الحبّ.
نستطيع القول هنا بأنها لم تتوحّد بعد في الحبّ توحّدًا تامًا، وهذا ما ليست واعية له. فرغبة القلب واندفاعه قويّان، ولكن القرار ما زال سريع العطب. وفي الكمال، كل شيء يقوم على العزم والحزم. الالماسة نقيّة وجميلة، ولكن فيها عيبًا. أو كما قال أشعيا: "أفضل خمرك ممزوج بالماء" (1: 22). لهذا، بعد أن ارتفعت الحبيبة إلى قمة الحبّ، ها هي تسقط بشكل لا نفهمه.
فقالت: أنا نائمة ولكن قلبي سهران. لهذا قال أش 26: 9: "روحي تنتظرك منذ السحر". وقال مز 42: 2: "إليك تشتاق نفسي يا الله ". ولكن قلب الحبيبة في الواقع ليس بعدُ مستيقظًا، ليس كلّه انتباهًا. إنه مقسّم بين السهر والنوم. إنه يشبه إلى حدّ بعيد التلاميذ الثلاثة في مشهدَي التجلّي والنزاع: سيطر النعاس عليهم، فما استطاع يسوع أن يوقظهم إلاّ بصعوبة (لو 9: 32 ؛ 22: 46): "ما بالكم نائمين"! وإذ كانت العروس بين "واعية وغافية"، سمعت باب خدرها يُقرع. فنبّهها قلبُها حالاً.

* صوت حبيبي يدقّ
لم نعد أمام خطواته المتسارعة، ولا أمام قفزاته المرحة على الجبال، بل أمام فعلة فيها الحياء الكثير: قرع الباب بهدوء. هذا يكفي لكي تعرف أنه هو. فهو وحده يعرف أن يأتي هكذا وفجأة. وحده يقرع الباب عندها بهذه الطريقة. قرعَه بشكل خفىِّ وَشخصيّ معًا. وها هو ينادي من الخارج في عتمة الليل. "افتحي لي يا أختي، يا رفيقتي، يا حمامتي، يا كاملتي (أو: كل شيء لي) ".
هذا هو طلبه الأول. هذه هي الضرورة الأولى: أن تسرع العروس، أن تنهض حالاً. فخارجًا مرغوبُ جميع الأمم يقرع الباب. إن تأخّرنا تابع طريقه وفرض علينا أن نبحث من جديد وفي الدموع، عن ذاك الذي يحبّه قلبنا. وإذ ارادت أن تفتح له وتتأخّر، سمّاها بأسماء عديدة، بأحلى الأسماء، بأعذبها على قلبه. مع ضمير المتكلّم المملوء بالعطف والحنان. أنت أختي أنا، وصديقتي... وجاءت كل لفظة تعمّق سابقتها. أنتِ أختي بالطبيعة. وقد جعلتُك أختي بتجسّدي. وبالاختيار صرت صديقتي، خليلتي، رفيقتي. "لأني أحببتك، أعلنت لك حبّي الأبديّ " (إر 31: 3). وسمّيتك أيضاً "حمامتي، يمامتي". فنظرتي هي نظرتك، وقلبي هو قلبك، والروح الذي فيّ هو فيك. وأخيرًا، أنت كاملة ولا عيب فيك بسبب البهاء الذي ألبستك إيّاه (حز 16: 14).
أنت كاملة، كاملة بالنسبة إليّ. كاملتي. هذا ما قاله الحبيب. لا سخرية، ولا تلميح إلى ضعف تلك التي أحبّها. لو تعرف ما هي بالنسبة إليه! هل ستفهم في النهاية، هل ستصدق؟

* امتلأ رأسي من الندى
قرعة صغيرة على الباب لم تكن كافية. ولا رنّة صوته. ولا جميع الأسماء التي سمّاها بها. حينئذ أراد أن يحنّن قلبها على حاله في هذا الليل مع الندى على رأسه وقطرات الماء على خصل شعره. قال: امتلأ رأسي بالندى.
إنه حبيب تعيس، يقف عند بابها، وينتظر في الليل البارد. هو لا يأتي كشخص يفرض نفسه، بل كمن يتوسّل. هو لا يأتي كالسيّد والربّ كما بدا حتى الآن في قدرته ومهابته، فتركع أمامه في حبّها. بل هو يأتي إليها في هذه المرّة في ثياب فقيرة يُرثى له. ومع هذا الوجه، وجه العبد المتّضع. هو يتوسّل، يستعطف، مع أنه الغنيّ بين الأغنياء والسعيد بين السعداء.
في الحقيقة، هو الغنيّ الذي يغدق خيراته بغزارة، ولكنه الفقير أيضاً الذي يحبّ أن نغمره بعطايانا. هو العظيم العظيم والعليّ الرفيع. ولكنه أيضاً صغير جدًّا، لأن ما يميّز الحبّ هو أن ينحدر ودومًا ينحدر لكي يكون على مستوى المحبوب. وهو أيضاً الماء الحيّ والينبوع الذي لا ينضب. فمن اقترب منه وجد أن من "صدره تجري أنهار مياه حيّة" (يو 7: 38). وهو في الوقت نفسه المتسوّل العطش على جانب الطريق الذي يتوسّل إلى السامريّة (وإلى كل واحد منا): "أعطني ماء لأشرب " (يو 4: 7). إنه ينبوع يعرف العطش. يعرف الحاجة كمن يستعدّ أن يأخذ، ويعرف الوفر كمن يحبّ أن يغدق عطاياه. هذه هي مفارقة الحبّ.
وهذه المفارقة يعبّر عنها رمزان نجدهما هنا: الندى وقطرات الماء في الليل. رأسي غطّاه الندى، وخصل شعري قطرات الليل. فالندى في الكتاب المقدّس هو علامة البركة والخصب. نقرأ في مز 3:133: "ندى حرمون ينزل على تلّة صهيون، هناك يرسل الربّ بركته". والمنّ نزل في الصحراء مثل الندى في الصباح (حز 16: 13). وانتظر الشعب المسيح كالندى النازلة من السماء. "أفيضي يا سماء نداك " (أش 45: 8). وقد وعد الله شعبه بأن يكون له كالندى (هو 41: 6). هكذا غطّى الندى رأس الحبيب.
ونجد مع الندى قطرات ماء تُبلّل شعر الحبيب. قطرات المطر، قطرات الليل، قطرات الضيق. وهي تعلن مسبقًا قطرات العرق والدم التي تتصبّب على جبين الحبيب في ليلة جتسيماني ساعة كان أصدقاؤه نائمين. هكذا يقف حبيب نشيد الأناشيد كمتوسّل بائس على الباب. أراد أن يقنعنا أنه يحبّنا حبًّا جنونيًّا. حينئذ اخترع هذا الاتّضاع.

* خلعتُ ثوبي فكيف ألبسه
نظنّ وكأن ما يطلبه منها هو مجهود يتعدّى إمكانيّات البشر، هو شيء مستحيل. أن ألبس ثيابي من جديد! أن أوسّخ رجليّ بعد أن غسلتهما! لا، لا أستطيع. عمل لا معنى له. وهنا نسمع تكرار الأداة: ا ي ك ك هـ، كيف، كيف؟
نحن هنا أمام صورة عميقة عن الخطيئة قد لا نجد مثلها في الكتاب المقدّس كلّه. ولكن يقول قائل: لماذا تضخيم الأمور؟ فخيانة العروس أمر بسيط لا يُحسب له حساب. هذا للوهلة الأولى. بعض الكسل، بعض الانزعاج! ولماذا يأتي دومًا في ساعة متأخّرة، ودون أن يعلن عن مجيئه؟ لا يأتي أبدًا في ساعة أريدها أنا، بل في الساعة التي يريدها هو، في ساعته. فيتوسّل إليّ بعض الشيء، وأنا أتدلّع عليه. في الحقيقة، ليس هذا بالأمر الخطير!
هكذا اعتدنا أن نقدّر الخطيئة بحسب معاييرنا السيكولوجيّة والأخلاقيّة، بحسب مقولاتنا ولوائحنا كما يراها الرأي العام. ولكن ليست هذه نظرة الله. ونحن لا نعتبرها رفض حبّ يقدّم نفسه لنا، لا نعتبرها مهلة يفرضها الحبّ الذي يعطي ذاته بلا حساب. في الحقيقة مهما بدت واهيةً الدوافع التي جعلت العروس لا تنهض لتفتح الباب، بهذا المقدار دلّت على خطورة الخطيئة وطبيعتها: إنها خيانة للحبّ. فإن كان الله محبّة، فلا يوجد ولا يمكن أن يوجد إلا خطيئة واحدة هي أن لا نحبّ، أن نرفض فتح الباب للحبّ الذي ينتظر.
كتب القديس أوغسطينس في اعترافاته ملخّصاً ماضيه الطويل من الخيانات: "أحببتك متأخّرًا أيها الجمال القديم الجديد. أحببتك متأخّرًا. حين ينكشف هذا الجمال قريبًا، حين يكون هذا الوجه مشعًا، حينئذ تبدو الخطورة بأن نميل عنه ولو لحظة". وهكذا نرى ما أراد نش أن يقول لنا من خلال "لعبة" العروس: فبعد الاحتفال الكبير بالأعراس كما في القصيدة الثالثة، وفي امتداد التاريخ البيبليّ كلّه، نجد نفوسنا أمام خيانة الحبّ. فالعروس معرّضة للزنى، لخيانة الله، وهي التي حظيت بأعظم النعم. فمع أنها مستفيقة، فقد فضّلت أن تبقى في الليل.
أشار إليها حبيبها، فما أسرعت إلى أمامه، ما قفزت إلى لقائه. لم تتحرّك. ظلّت في سريرها. وحين ناداها رفضت تلبية النداء. ثم بحثت عن أعذار واهية لكي تبرّر نفسها. "خلعتُ ثوبي فكيف ألبسه ". وهكذا تكون حقًا ابنة أبويها الأوّلين. فقد حاولا هما أيضاً بعد الخطيئة أن يبرّرا نفسيهما، ساعة انفتحت عيونهما وعرفا أنهما عريانان (تك 3: 7).
فضّلت العروس نفسها على ذلك الذي فضّلها على جميع الصبايا، فأغلقت في جهه الباب. وقال يو 1: 11 في هذا المجال: "جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله ". وقال أش 53: 2: "لا صورة له ولا بهاء فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه " (أو نبحث عنه، نطلبه).
رُفض الحبيب ولكنه لم يتراجع. ذاك الذي كان يقرع الباب، وينادي متوسّلاً، ويكثر من كلمات العطف والحبّ ليجعل قلب صديقته يحنّ، ها هولا يقول شيئًا بعد. بل يدفعه حماس حبّه وجرأته لأن يُدخل يده في كوّة الباب. أتراه يريد أن يفرض نفسه على العروس؟ كلا. فهذه ليست عادته.

* من الكوّة مدّ حبيبي يده
ما عاد الحبيب يستطيع أن ينتظر. عيل صبره. فكأني به يريد أن يدخل "غصبًا" عن الحبيبة. ولكنه لا يدخل. فهو يراعي كل المراعاة حريّة عروسه، يراعي قرار تلك التي يحبّها. فمع أنه يستطيع أن يدخل، فهو لا يريد أن يدخل بالقوّة. لا يريد أن يفرض نفسه على الذين يرفضونه. فهنيئًا لذاك الذي يقرع المسيح بابه. ولكن تسمّع إلى ذلك الذي يقرع، تسمّع إلى ذلك الذي يرغب في الدخول. فقد يأتي العريس فيجد الباب مقفلاً فيمضي ويختفي.
أجل، ظلّ الباب مقفلاً، فعبَر المسيح وراح. إن قرعه للباب وصوته العذب، والأسماء الحلوة التي بها نادى الحبيبة، كل هذا لم يُخرج العروس من نومها الثقيل. ولكن حين رأت اليد تدخل و"تحاول " بإلحاح أن تفتح الباب، أحسّت بقلبها يشتعل. فهذه اليد أرادت أن تلج إلى أعماق حياتها. ولكن هذه اليد القديرة والخلاّقة، لماذا لا تعرف أن "تخلع" الباب، بل هي تمتدّ فقط في حبّ وحنان.
مدّ الحبيب يده، فتحرّكت له أحشاء الحبيبة. أصابها في قلبها، أصابها في أحشائها التي هي مركز العاطفة والحبّ. فتألّمت ألم إر 4: 19 أمام خيانة شعبه ومعاملتهم له: "أحشائي، أحشائي (في اللغة الدارجة: يا بطني. حرفيًا: أمعائي). إني أتوجّع".

* قمت لأفتح لحبيبي
لقد ترك الحبيب وراءه أثرًا لا يمّحى. ما أن تُلامس يدا الحبيب حياتنا حتى تمتلئ حياتنا كلّها بالعطر. فالمرّ الذي هو سائل معطّر، يرافق حضوره في النفس، ويدلّ على أن ملامسة الحبيب مهما كانت وضيعة وخفيّة وسريعة، تجتاح عمق أعماق الحياة.
كم كانت تعرف هذا العطر، عطر المرّ! قالت في ما سبق: "حبيبي قلادة مرّ لي، بين ثدييّ موضعه ". هو عطر يتمَاهى مع الحبيب. عطر هو الحبيب. هو عطر الله الذي تحتفظ الخليقة كلها (وكأنها إناء عطور)، بآثاره عبر العجائب التي نراها. فالعروس قد رأت دومًا في هذا العطر علامة عن حضوره. أما الآن، فقد صار على مسكة الباب علامة تدلّ على غيابه فتمزّق قلبها. لقد أدركت فجأة أن الحبيب مضى واختفى. فلم يبق منه إلاّ التذكّر، لم يبق إلاّ الآثار المعطرة التي تدلّ على مروره.
الفصل السابع عشر
انصرف الحبيب وعَبَر
6:5- 9

وبدا الطابع الدراماتيكي لظهور العريس. وهذا ما يجعل المحنة آتية لا محالة وآتية بقوّة. فالعريس الذي بدا قريبًا جدًا، وحدّت العروس لغة الحنان والعطف، بل استعدّ أن ينضمّ إليها... هذا العريس، وفي ساعة اللقاء المنتظرة، اختفى وزال في لمحة بصر ودون أن يعطي سببًا لاختفائه. حينئذ انطلقت العروس كالمجنونة للحاق به، يدفعها حبّ كلّه حرارة ورغبة لا تُقاوم.
(آ 6) فتحتُ. لسنا هنا أمام صيغة الحاضر، والفعل يعبّر، شأنه شأن الأفعال السابقة، عن عمل يتمّ في الماضي. فخبر المشهد عينه يتواصل. ونجد هنا الضمير المنفصل "أنا فتحتُ ". فتحت لحبيبي. إن العروس تردّد بلوعة اسم ذلك الذي تحبُّه. فهو سبب قلقها واضطرابها. اختفى ساعة ظنّت أنها سوف تمسكه.
"فتحت... وحبيبي". كذا نقرأ حرفيًّا، ولكن الواو هنا تدلّ على تبدّل الحال تبدلاً تامًّا. لكن حبيبي لم يَعُد هنا. هنا نجد عبارة مؤلّفة من لفظتين: ح م ق. ع ب ر. نجد فعل "ح م ق " في إر 31: 22 (زاغ، صار). والاسم "ح م و ق ي " في نش 7: 2 (خاصرتاك المستديرتان). إذن، تدلّ "ح م ق " على الحركة المعاكسة التي يقوم بها العريس لكي يعود أدراجه. بعد فعلة سريعة وواضحة قام بها العريس، ها هو يتراجع.
وفعل "ع ب ر" (كما في العربيّة) يعني: مرّ في الطريق وكأنه شقّها وقطعها. مضى، قطع الوادي وجازه. هذا يعني أن موضع العروس صار وراءه. ترك العريس المكان واختفى كما يختفي السحاب، وتوارى. حين فتحت الحبيبة الباب، لم تجد أحدًا. لم يعد للحبيب من أثر إلاّ هذا المرّ الذي بقي على قبضة الباب.
"ن ف ش ي. ي ص ا ه". حرفيًا: نفسي خرجت. يتحدّث الشرّاح عن انخطاف أو ضياع. قالت الشعبيّة اللاتينيّة: "سالت كالماء نفسي". والسريانيّة البسيطة: "خرجت نفسي بكلامه"، أي بسبب كلامه، مدفوعة بكلامه. وترجم بعضهم: صوت كلامه جعلني أضيع. لم تكن الحبيبة مالكة نفسها حين تكلّم الحبيب. ولما عادت إلى رشدها، كان قد فات الأوان. ولكن عبارة "ن ف ش ي. ي ص ا ه" تعني مات، أسلم الروح. لهذا قال بعضهم: إن ذهابه (هربه) جعلني أموت، أسلم الروح. ولكن في العودة إلى العربيّة (أدبره: جعله وراءه)، نقول بكل بساطة: "خرجت نفسي (خرجت أنا) وراءه ".
"ب د ب ر و". تعني في العبرّية: "بكلامه ". تساءل الشرّاح: كيف تستطيع العروس أن تقول إنها أسلمت الروح حين سمعت صوت العريس، مع أنها بدت لا مبالية به في آ 3؟ لهذا ترك الشرّاح "د ب ر" العبرّية، وعادوا إلى "دبر" العربيّة التي تعني أدار ظهره وهرب. المهمّ هو أن العريس لم يعد هنا. قد تكون العروس خرجت وراءه، أو هي كادت تسلم الروح حين رأت أنه هرب.
"طلبته فما وجدته ". هناك المعنى الأوّل على مستوى الحبّ البشريّ. ما إن فتحت الباب ولم تجده، حتى أحسّت بخيبة أمل مرّة. "دعوته فلم يجبني". عبارتان نجدهما في الكتاب المقدس، وهذا ما يدلّ على أننا لسنا فقط أمام الحبّ البشريّ. عبارتان نقرأهما في فم الكلمة الإلهيّة: "حينئذ يدعونني فلا أجيب، ويطلبونني باكرًا فلا يجدوني " (أم 1: 28). إننا نجد "طلب الله، طلب وجد" في مقاطع عديدة لدى الأنبياء. نقرأ في أش 51: 1: "إسمعوا لي يا مَن تقتفون البرّ، وتطلبون الربّ". وفي 65: 1: "مَن لم يسألوا عنّي اعتلنت لهم. ومَن لم يطلبوني وجدوني ". وفي زك 8: 21- 22 نرى جموع الأمم ذاهبة في طلب الربّ واستعطاف وجهه.
أما إر 29: 13 فيقول: "تطلبونني وتجدوني. تطلبونني بكل قلوبكم ". كان الإطار اسكاتولوجيًا مع النصوص السابقة. أمّا إرميا فيعلن العودة من المنفى واستعداد الربّ للرجوع إلى فلسطين وبناء الأمّة شرط أن تطلبه الأمّة بصدق. ونصّ إرميا هذا هو صدى لتعليم هوشع الذي هو أساس نصّ نش الذي ندرس الآن. في 5: 6، صوّر هوشع توبة ينقصها الصدق والإخلاص، فهرّبَ الله. "سينطقون ليطلبوا الرب... فلا يجدونه. لقد انصرف عنهم ". ونقرأ في 5: 15: "أمضي وأرجع إلى موضعي (حيث أقيم بعيدًا عنهم) إلى أن يتبدّلوا (رج أسن في العربية، أو يعودوا عن اثمهم، رج تأثّم في العربية). حينئذ يلتمسون وجهي، وفي ضيقهم يطلبونني باكرًا" (رج هو 9:2 ؛ 3: 4- 5).
في نصّ هوشع الذي ذكرناه (5: 15) نقرأ "ي ش ح ر ن ن ي "، أي يأتون إليّ سحرًا. أي يطلبون باندفاع الربّ الذي تركوه. وإن مجهودهم سيجد مبتغاه. في هذا المقطع يشبّه النبيّ الله بطلوع الفجر (6: 3 ب) والشتاء المتأخّر الذي يروي الأرض (6: 3 ج). هذه الصور هي صور نش 2: 11، 17.
"دعوْته فلم يجبني ". هي عبارة مقولبة ترد في فم الله الذي يوبّخ شعبه لأنه ازدرى بمحاولاته. قالت الرب بلسان نبيّه: "جئت فما وجدت أحدًا، ناديت فلا جواب " (أش 50: 2). وفي 65: 12: "دعوت فلم تجيبوا. تكلّمت ولم تسمعوا". وقال الرب لإرميا وكأنه يكلّم نفسه: "تكلّمهم بهذه الكلمات فلا يسمعون لك، وتدعوهم فلا يجيبونك " (7: 27). ففي هذه النصوص كما في أم 1: 28، نجد تعبيرًا عن صلاة حارّة يتلوها بنو اسرائيل في ضيقهم، وهي صلاة لم تستطع أن تتغلّب على صمت الله، أن تجعله يتكلّم. فصمته يدلّ على أن الموت يتهدّد شعبه.
إذن، الحدث الدراماتيكيّ الذي تورده هذه الآية هو أكثر من حلم، كما قال بعضهم. أو إن العريس قد أراده ليمتحن حبّ عروسه. بل له معنى لاهوتيّ نجد مفتاحه لدى الانبياء، ولاسيمّا هوشع وإرميا: فالعروس لا تستطيع أن "تمتلك " العريس، لأنّ استعدادات قلبها ليست بكاملة. فإن هو اختفى ساعة ظنّت أنها تمسكه، فلكي يدفعها للدخول إلى ذاتها، والإقرار بخطاياها إقرارًا صادقًا، وتبديل حياتها. غير أننا نراه يقترب شيئًا فشيئًا، ويلحّ في طلبه إلى العروس. ونرى العروس تبحث عنه بحرارة متنامية. وهذا ما يدلّ على أننا نتوجّه إلى نهاية الدراما.
(آ 7) رأى بعضهم أن هذه الآية هي تكرار 3: 2- 3 أ، وألغى بعضهم الآخر "الطائفون في المدينة" و"حرّاس الأسوار"، وذلك باسم الشعر. لكن لماذا لا يبقى النصّ كما يرد في التوراة؟ لا شكّ في أننا نقرأ "صادفني الحرّاس الطائفون في المدينة" في 3: 3. ولكننا نفهم معنى التكرار في نش، والخبرة هي هي مع التعمّق في العواطف.
نجد فعل "ن ك هـ ". هو لا يعني جرح، بل ضرب. هنا نستطيع العودة إلى العربيّة: نكأ أو نكع (ضربه بظهر قدمه). رج تث 25: 2-3؛ مي 4: 14. كما نجد فعل "ف ص ع ". في العربيّة: فصع الثمرة أي عصرها بإصبعه حتى تنقشر وقد توسّع المعنى فعنت اللفظة "جرح " (1 مل 20: 37). هذا لا يعني أن الحرّاس استعملوا سلاحهم ضدّ امرأة ضعيفة، بل ضربوها حتى الدم لأنهم ظنّوا بها سوءًا وهي وحدها في هذا الليل.
"نزعوا عني ردائي ". في العبريّة "ر د ي د" هو جزء من لباس النساء (أش 3: 23). لسنا فقط أمام حجاب بسيط كما في نش 4: 1، 3 (ص ع ي ف، أو: ص م هـ). بل أمام رداء طويل يُربط على الرأس وينزل حتى الرجلين. جعلته المرأة فوق قميصها لتحمي نفسها من برد الليل. هل نقول إنها أرادت أن تفلت من يد الحرّاس فتركت رداءها بين أيدي الحرّاس كما فعل يوسف بن يعقوب (تك 39: 12- 13) أو ذاك الشاب العريان في مر 14: 51- 52؟ أو بالأحرى وانطلاقًا من سياق النصّ، أظهر الحرّاس قساوتهم وفظاظتهم فنزعوا الرداء عن كتفيها.
إن المشهد المصوَّر هنا يشبه إلى حدّ بعيد ما نقرأ في 3: 2- 3 مع التشديد على بعض التفاصيل. فالعروس تبدو أكثر اندفاعًا وأكثر حرارة في ملاحقة عريسها (آ 6، 8). ثم إن الحرس الذين اكتفوا في الماضي بأن لا يجيبوها عن سؤالها، تصدّوا لها، ضربوها حتى جرحوها، ونزعوا عنها رداءها. والإطار في كلا المشهدين هو أورشليم التي أعيد بناء أسوارها (أش 52: 8؛ 62: 6). هذا يعني أننا بعد سنة 445 ومهمّة نحميا الأولى التي فيه بنى أسوار أورشليم. وقد تدلّ عداوة الحرّاس (نح 7: 3) على نوايا السلطات السياسيّة تجاه هؤلاء المغامرين الآتين من الجلاء (نح 5: 15؛ ملا 1 :8).
(آ 8) "استحلفكنّ يا بنات أورشليم ". هو قرار (ردّة) يتكرّر حرفيًا في 2: 7؛ 3: 5؛ 8: 4. في هذه المقاطع يستحلف العريس بنات أورشليم لكي يتركن الحبّ يستيقظ بشكل طوعيّ في قلب العروس. أما في 5: 8، فالعروس تستحلف بنات أورشليم وتقول لهنّ بأن يؤكّدن للعريس أن ما طلب قد تم: "الحب أسقمني ". أنا مريضة من الحبّ.
تزيد السبعينيّة هنا ما نقرأ في 2: 7: "بظباء، بأيائل الحقول ". أما السريانيّة البسيطة فتبقى أمينة للنصّ العبريّ. واقترح بعضهم حذف لفظة "أورشليم"، فنستطيع أن نجعل العروس لا في مدينة محدّدة، بل في كل مدينة. وتساءل آخرون: ماذا تعمل بنات أورشليم خلال الليل في شوارع المدينة؟ وافترض آخرون أن العروس ذهبت إلى بنات أورشليم لكي تفرغ ما في قلبها من ألم وتطلب العزاء. ولكن لا ننسَ أننا هنا في خدعة أدبيّة. هو الشاعر يقود "الممثّلين " ليجعلهم يعبّرون عمّا في فكره.
نقرأ هنا أداة الشرط "إم" (أي إن في العربيّة). أما في 2: 7 و3: 5، فقد تكرّرت "إم " وهي تعني: أن لا. أما "م ه" فتبدأ جملة استفهام بلاغيّة، على ما في هو 9: 14 (أعطهم يا رب... ماذا تعطي؟). يتوقّف الشاعر قليلاً ولا يتابع كلامه لكي يحرّك الانتباه ويشدّد على ما سوف يقول. تركت السبعينيّة والشعبيّة والبسيطة هذه الأداة (م ه)، فقالت السريانيّة مثلاً: "أستحلفكنّ يا بنات أورشليم، إن وجدتنّ (حين تجدن) حبيبي، أني عليلة من الحبّ ".
"الحبّ أسقمني ". نسيت العروس جراحها والضربات التي نالتها من الحرّاس، ولم تفكّر إلاّ بالحبّ الذي يُشعل قلبها. هي لا تتحدّث عن نفسها، بل تطلب أخبار حبيبها لدى جميع الذين تلتقي بهم: الحرّاس. والآن، بنات أورشليم.
(آ 9) ما قالته العروس، دفع بنات أورشليم إلى إعلان ما أعلنّ: "ما فضل حبيبك على أي حبيب"! عند ذاك، تقدّم الحبيبة صورة عن حبيبها (آ 10- 16) سنقرأها في فصل لاحق. هنا نترك "المنطق " الذي يضيع بين الحلم والواقع، ونفهم أننا في عالم الرمز والاستعارة.
"ما فضل حبيبك ". تتكرّر هذه العبارة فيدلّ التكرار على اهتمام بنات أورشليم بمعرفة عواطف الحبيبة. وهكذا يبدو سؤال الجوقة مقدّمة مباشرة للوحة التي تلي (آ 10 ي)، وخاتمة لما سبق.
نقرأ حرفيًا: "ما حبيبك من حبيب ". قد نشدّد على شخص ننتزعه من مجموعة، أو قد نقابله مع الآخرين. في الحالة الأولى نقول: "بم" يتميّز حبيبك عن الآخرين "؟ وهذا هو المعنى. فالحبيب لا يُقابل مع أي حبيب آخر، وإن قابلناه فلكي نميّزه. إن بنات أورشليم يعرفن العريس (1: 8؛ 2: 7 ؛ 3: 5). والسؤال يطرحه الشاعر من خلال خدعة أدبيّة ليجعل العروس تنشد جمال عريسها الذي هو الله بالذات. هنا نتذكّر أش 40: 18، 26: "بمن تشبّهون الله، وأي شبه تعادلونه به " (تجعلونه قربه. لا يمكن أن نضع أحدًا جانبه)؟ "إرفعوا عيونكم إلى العلاء وانظروا: من خلق هذه الكائنات " (الكواكب التي تعتبر حيّة)؟ وفي 46: 5: "بمن تشبهونني وتعادلونني (يعني: لا شيء يشبهني أو يساويني)؟ بمن تقابلوني فنتشابه "؟ هذا هو وضع الحبيب في نش 5: 9. إنه فريد وإن قابلناه مع الآخرين. إنه لا يقابَل مع أي حبيب. لهذا وردت لفظة "دود" في صيغة المفرد لا في صيغة الجمع (د و د ي) أي الأحباء.
هنا لا نتوقّف عند فرضيّة غريبة تقول إن لـ ِ"دود" معنيين. من جهة، يدلّ على الحبيب، يصفه. ومن جهة ثانية، هو اسم إلهيّ، اسم الاله تموز وحبيب عشتار، وقد درجت عبادته في سورية ولبنان كما في فلسطين، ولاسيمّا في بيت لحم وأورشليم. هنا يجب أن نبدّل معنى حرف الجرّ "من" فنقول: ما حبيبك إلاّ دود... ولكننا صرنا جدّ بعيدين عن النصّ.
إن عبارة "الجميلة بين النساء" (أو: أجمل النساء) خاصة بلغة بنات أورشليم (1: 8؛ 6: 1). وهي تتوافق مع الفكرة الرئيسيّة في هذه الآية: العريس سامٍ فلا يعادله شخص في سموّه. والعروس جميلة فلا تساويها امرأة في جمالها. وتنهي الجوقة كلامها: "لتستحلفينا كما تستحلفين". هي أفضل من "حتى تستحلفينا كذلك". في هذه الترجمة الأخيرة يضيع الشعر.

* فتحتُ ولكنّ حبيبي ولّى وعبر
نقرأ سفر الرؤيا: "ها أنا واقف على الباب أقرعه. إن سمع أحد صوتي أقرع الباب، دخلت إليه فتعشّيت معه وهو معي " (3: 20). هذا ما قاله الرب لكنيسة اللاذقيّة المتهاملة. لقد جاء. ووقف متواضعًا أمام الباب. قرع وقرع طويلاً. وانتظر وانتظر. سمعت الجميلة صوته، ولكنها لم تفتح. وردت لفظة "فتح" مرتين على شفتي العروس. مرّة أولى في آ 5: قمت لأفتح. ومرّة ثانية في آ 6: فتحت. ولكن فات الأوان. والحبيب لم يدخل، بل مضى وتجاوز بيت عروسه. لم يعد هنا.
هنا نتذكّر شاعرًا صوفيًا من الهند (القرن الرابع عشر) يتحدّث عن ألم الحبيبة التي لم تعرف أن تستقبل حبيبها ساعة جاء إليها. "جاء يطلبني. كان الليل مظلمًا والسحاب الداكن يحيط بالسماء. جاء في هذه الطريق المنعزلة، مبلّلا بالمطر. كنت هنا مع صديقاتي ألعب بلعباتي الصبيانيّة. ما ذهبت إلى لقائه. جاء ولكنه ظلّ تحت الأشجار مبلّلاً بالمطر".
ويقول القديس برنردس في مريم العذراء: كم تكون مختلفة عن هذه العروس، تلك التي يقرع الحبيب بابها في يوم من الأيام، فتفتح له بسرعة، تفتح له أبوابها واسعة. "أيّتها العذراء المغبوطة، افتحي في هذه الساعة الاحتفاليّة: قلبك للإيمان، وشفتيك للقبول، وصدرك للخالق. ففي الخارج مرغوب جميع الأمم يقرع الباب. وقامت مريم حالاً: ها أنا خادمة للرب فليكن لي حسب قولك ".
وابتعد الحبيب. يجب أن نشدّد على هذا الأمر لأنه لا يصدّق. ابتعد دون أن يُسمع أي احتجاج، دون أن يوجّه أية ملامة، دون أن يعبّر عن تشكٍ مهما كان بسيطًا. ابتعد صامتًا. هل نتخيّل مثل هذا الموقف عند حبيب عاديّ؟ أما يجب عليه أن يطلق العنان لبغض "نبيل"، أن يُسمع التهديدات و"اللعنات " بعد أن رفضت الحبيبة أن تستقبله. فكأنها طردته. هذا ما يفعل الحبيب العاديّ، لا عريس نش.
هذا ما فعله يسوع مع السامريّة التي حاولت أن توصد الباب في وجهه المرّة بعد الأخرى. كيف تطب مني ماء؟ اليهود لا يكلّمون السامريّين، فأرجوك أن لا تكلّمني... من أين لك دلوٌ ... وفي النهاية حاولت أن تتهرّب: عندما يأتي المسيح. ولكن يسوع قال لها: أنا المسيح. وهكذا انتصر بعد أن صبر طويلاً.
وهذا ما حدث ليسوع مع الخاطئة في بيت معان، ومع المرأة التي أخذت في زنى، ومع زكّا العشّار. وهذا ما حدث للأب مع ابنه الراجع إليه. فالحبيب لا يُسمع أي لوم ولا توبيخ للذي يحبّه. هو يعرف أن حبيبه ضعيف، سريع العطب. وهو يتألّم من خياناته. ولكنه لا يكون قاسيًا ولا لائمًا ناقدًا. كل ما يقوله عن حبيبته حين يراها نائمة: "لا تيقظوا حبّي إلاّ ساعة يشاء". كلمات مليئة بالوداعة وطول الأناة.
ونتساءل: لماذا انصرف العريس بسرعة بعد أن دلّ على رغبته الملحّة؟ هل أراد أن "يلعب" لعبة تقابل المهزلة التعيسة التي لعبتها العروس؟ في الواقع، وبعد أن كلّم قلب حبيبته لكي يوقظها من تقاعسها وكسلها، ها هو الآن، بغيابه وبالألم الذي يسبّبه لها هذا الغياب، يريد أن يكمّل تنقيتها ويقودها إلى الكمال الحقيقيّ، كمال الحبّ والاتحاد. تلك هي طريقة العريس في "الاختفاء"، وقد عرفناها في القصيدة الثانية.
ضاعت العروس، حزنت، كادت تسلم الروح. وفهمت، بعد أن هرب العريس، أنه كان خيرَها الوحيد وحياة حياتها. لا شيء يشبع جوعها على الأرض، لا شيء يروي رغباتها. وهل لها أن تعيش بدونه؟
لهذا، اندفعت في طلبه ولم تعد تحسب أي حساب للبرد أو للجوع أو لليل أو للتعب. اندفعت تركض حتى اللهاث. وهكذا دلّت في عمق ضعفها، على عظمة حبّها. كما هي تشبه تلميذَيْ عماوس اللذين اختفى عنهما يسوع بعد أن عرفاه عند كسر الخبز. نسيا كل شيء وعادا إلى جماعة التلاميذ. نسيا التعب والليل والجوعِ والخوف. فالشوق إلى يسوع ملأ قلبيهما. ووصلا إلى الجماعة التي قالت لهما: "قام الرب حقَا وظهر لسمعان " (لو 24: 34). لقد وصلا إلى ضالتهما. أما عروس نش فكانت كل مجهوداتها فاشلة. طلبتُ حبيبي فما وجدته.

* طلبته فما وجدته، ناديته فما أجاب
منذ لحظات رفضت العروس أن تردّ على الصوت الذي يناديها. وقد حُكم عليها الآن في الظاهر أن تصرخ في الفراغ والوحشة. هو صمت الله، هو لا ينتقم ولا يعاتب. بل يختفي ويصمت لكي تحفر الرغبة القلب فينفتح في النهاية للربّ بإمكانيّة كبيرة لقبوله.
قال غريغوريوس الكبير: "يختفي العريس حين نطلبه. وهكذا، حين لا تجده العروس، فهي تبحث عنه بحرارة متجدّدة". هو يتأخّر فلا يكشف عن نفسه حالاً. فيزيد هذا التأخّر شوقها إلى الله، وتجد في يوم من الأيام ملء الوجود الذي تطلبه.
وقال أوغسطينس: "لأن الله يوسّع الرغبة حين يجعلنا ننتظر. وإذ يجعلنا ننتظر يوسّع النفس. وإذ يوسّع النفس، يجعلها قادرة على القبول... تلك هي حياتنا: نتمرّس ساعة نرغب". وأعلن برنردس للإخوة: "ما إن يقدّم الكلمة نفسه بعد أن نكون طلبناه بالاسرار والصلوات المتواصلة، بالأشغال الطويلة والدموع الغزيرة، حتى يُفلت منا فجأة وساعة نظنّ أننا نمسك به حقًا. وإن اقترب مرّة أخرى من ذاك الذي يذرف الدموع ويلاحقه باندفاع، فهو يقبل بأن نمتلكه بعض الوقت، لا أن نحتفظ به على الدوام: فبعد وقت قليل يهرب ويفلت من أيدينا".
إن نش هو قصيدة الاتحاد. وهو أيضاً قصيدة عطش الله والبحث عنه. نجد هذا كله في هاتين الكلمتين اللتين وجدناهما في القصيدة الثانية، فبدتا مهمّتين عند الأنبياء وفي الأناجيل: طلب- وجد. ولكن ما هو عدد الذين يطلبون الربّ بمثل هذا الحبّ وهذا الاندفاع؟ يروى عن رابي كان يلعب "الغميضة" مع ولد صغير. اختبأ الولد فرفض الرابي أن يبحث عنه، ومضى. فذهب الولد يشتكي دامعًا إلى جدّه. والله يقول الشيء عينه: "أذهب وأختبئ ولكن أحدًا لا يأتي ليبحث عني ".
الشكوى التي تسمعها الحبيبة الآن، تشبه شكوى صاحب المزامير بعد أن أحسّ نفسه متروكًا. "كما يطلب الأيّل العطشان مياه الحياة، هكذا تطلبك نفسي، أيها الربّ إلهي " (مز 42: 2). وقال يوحنا الصليب في هذا المجال: "أين اختبأت يا صديقًا ترك نفسي في الحداد؟ هربتَ مثل الأيّل بعد أن أحزنتني. خرجتُ في طلبك وصرخت، ولكنك ذهبت ".
وهكذا سارت عروس نش في الليل، سارت في شوارع أورشليم. لم تستسلم إلى أسف عقيم ولا إلى شعور بالذنب. لم تتأوّه قائلة: ماذا فعلت؟ يا لجنوني. فالتحسّر على سقطتها يعني بالنسبة إليها ارتماء ثانيًا أمام ذلك الذي ما زال يحبّها. وفي هذه المرّة أيضاً اصطدمت بحرّاس المدينة.

* صادفني الحرّاس في المدينة
الحرّاس الذين سبق لها فسألتهم في وقت سابق ولم يردّوا عليها، بل لم يلتفتوا إليها (3: 2- 3)، هؤلاء الحرّاس أنفسهم اقتربوا منها الآن بفظاظة وقبل أن تتلفّظ بأيّة كلمة. ما اقتربوا لكي يساعدوها أو ليسألوها عن ألمها الظاهر على وجهها. بل هاجموها بعنف وبدون سبب. ضربوها، جرحوها، عرّوها. هذا هو الوجه الحقيقيّ لمدينة البشر، لمدينة العنف، التي تقابل مدينة السلام، أورشليم التي يملك عليها الحبيب. هذا ما لاحظه المرتّل في حزن عميق، فقال: "أرى في المدينة العنف والخصام يحومان فوق أسوارها ليل نهار، وفي وسطها الاثم والشقاء. الدمار في داخلها، والظلم والمكر لا يبرحان ساحتها" (55: 11-12).
وهكذا تُزاد قساوة البشر واضطهادهم على الألم التي تشعر به النفس لغياب الله. وهي كيفما التفتت الآن، لا تجد عزاء ولا راحة. وحتّى الذين ظنّنا أننا نجد لديهم العون والمشورة والسند والتشجيع، يزيدون ألمنا ألمًا. ونقول أيضاً بأن هذه القصيدة تختلف عن القصيدة الثانية حيث العروس لم تبتعد عِن الحبيب، وحيث لا تستطيع قوّة الأعداء (الحرّاس) شيئًا، ما دام الحبيب يقدم لها عونا غير منظور. أما هنا، وبعد أن رفضت عريسها، فهي لا تستطيع بعد أن تستند إلى عونه. وأعداؤها، شأن كل الأعداء، عرّوها من كل شيء، ضايقوها وعاملوها بعنف. كانت قد أجابت عريسها أنها "خلعت ثيابها (آ 3)، أنها لا تستطيع أن تلبّي نداءه. وشاءت سخرية القدر بأن ينزع عنها الحرس هذه الثياب بالاكراه ومن أجل عقابها. نزعوا عنها ما لم ترد أن تلبسه لتذهب إلى لقاء الحبيب (رج حز 16: 36- 37).
حين نتوقّف عند هذا المشهد مع الحرّاس، نلاحظ أن نش لا يقدّم لنا الحبّ في عالم مثاليّ عجيب وبعيد عن عالمنا. فحبّ الحبيب والحبيبة يتعرّض في كل لحظة للمحن القاسية. فالعروس عرفت المنفى، وهي سجينة الأسود والنمور (4: 8). أرضها تحت الاحتلال، وقد داستها أرجل العدو: "الثعالب الصغار أتلفت كرومها" (2: 15). وهي الآن خاضعة للأشغال الشاقة التي شقّقت وجهها وجعلته أسود بسبب حرّ الشمس (1: 6)0 استُعملت مثل بهيمة تشدّ العجلة. صارت فرسًا مشدودة إلى مركبات فرعون، فعليها أن تجرّ الأحمال الثقيلة (1: 9- 11) في مخيمّات البابليّين، كما كانت في الماضي لدى المصريّين. واصطدمت في يأسها تارة باللامبارة والصمت المليء بالاحتقار لدى سجّانيها (صمّ الحرّاس آذانهم عن ألمها وشكواها، 2: 3)، وطورًا بهزء الوثنيّين وتعييراتهم مع ما فيها من تحدِّ: "ما فضل حبيبك على أي حبيب آخر" (9:5). وتعرّضت أخيرًا لقساوة وسوء معاملة الحرّاس الذين ضربوها ومارسوا العنف معها (5: 6- 8).
غير أننا نكتشف في هذه القصيدة الرابعة وفيها ما فيها من ألم كبير، النموّ العظيم الذي تحقّق في النهاية لدى العروس. فإلى أي درجة ارتفع حبّها بفعل المحنة وبفضل خيانتها التي تراجعت عنها. هي ما عادت تشعر بهزء الهازئين. ما عادت تسمع أية شكوى. ما عادت تفكّر في نفسها، بل في حبيبها فقط. فكأن جميع المعاملات السيّئة التي تحمّلتها قد قوّتها في بحثها المحبّ. فإن هي توجّهت الآن، كما في الماضي، إلى صويحباتها بنات أورشليم، فهي لا تفعل طلبًا لعون أو شفقة، بل لتقول لهن إن الحبّ قد أسقمها.

* استحلفكنّ يا بنات أورشليم
هذه الرفيقات اللواتي أوصاهن الحبيب في ما مضى أن لا ييقظن العروس إلاّ متى تشاء (2: 7؛ 3: 5)، يتسلّمن الآن من العروس نفسها وبلغة الاستحلاف التي استعملها العريس، تأكيدًا بأنها استيقظت وحقًا استيقظت. لقد عادت كل العودة من خيانتها، وهي تطلب حبيبها بكل كيانها، إلى أن صارت مريضة. ذاك الذي كان حياتها قد تركها. فكيف تستطيع بعد أن تحيا وتحافظ على الصحّة؟ لقد حلّ بها الذبول.
وهو ذبول يختلف كل الاختلاف عن ذلك الذي احتفظ بها في غرفتها منذ بضع ساعات. هو ذبول لا يسبّبه الضعف بل كثرة الحبّ. ذبول الحبّ الذي هو في حداد، يدفعها إلى طلب حبيبها. وهكذا نكون هنا أمام الاستسلام الروحيّ الصالح، لا السيّئ بما فيه من تراخٍ. فالاستسلام السيّئ يغلق الانسان على ذاته. والاستسلام الصالح بفتحه على الله والقَريب، ويحرّك فينا الانتباه إلى الآخرين وكل أنواع مبادرات المحبّة.
ونلاحظ أيضاً الأثر المحزن في هذا الحوار البلاغي. "قلن له... ماذا نقول له"؟ هي تريد أن توصل إليه "رسالة". ولكنها لا تريد أن تكلّمه بطريقة غير مباشرة. فهي لا تستطيع أن توصل إليه ما تريد بواسطة الآخرين. هذا لا يعني أن بنات أورشليم لن يوصلن الرسالة إذا حصل لهنّ والتقيْن بالحبيب. ولكن... يكفي أن يتنهدن على حالها: وجهها يدلّ على ضيقها، وضيقها هو حبّ قلبها. قالت مرتا ليسوع: "ذاك الذي تحبّه مريض". أجل، هو مريض بحبّك.

* ما فضل حبيبك على أي حبيب
ولكن جاءت ردّة فعل بنات أورشليم مخيّبة للآمال. لا شكّ في أنهن اختلفن عن الحرّاس فلم يظهرن أي عداء. ولكن كلامهنّ، وإن لم يكن ضربًا وتنكيلاً على مثال ما فعل الحرّاس، كان "شوكًا" في قلب العروس. وهكذا نفهم كلام العريس: "كالسوسنة بين الشوك رفيقتي بين البنات " (2: 2).
إن سؤالهنّ يدلّ على عواطف أولئك الذين لم ينعموا بعد بلقاء الحبيب، فلا يفهمون قيمته في حياة شخص من الأشخاص، ولا يفهمون الألم الذي يسبّبه غيابه. هل يمكن أن يُحبّ هذا العريس بمثل هذا الحبّ، بحيث يجعل الآخر مريضًا إن هو ابتعد عنه؟ هل هو حقًا ذلك المحبوب الذي لا يقابله محبوب على الأرض؟
وردّدت بنات أورشليم مرتين: "ما فضل حبيبك على أي حبيب، يا أجمل النساء"؟ وبدين مدهوشات. سؤال طرحته الأم الوثنيّة على شعب اسرائيل العائش في المنفى، ونحن نجد صداه الحزين في مز 42: 4: "اسمعهم كل يوم يقولون لي: أين إلهك "؟ ولكن هناك آلهة أخرى... وتلميذ المسيح يسمع النداءات العديدة فيجيب: ليس من اسم نخلص به إلاّ اسم يسوع المسيح.
كان باستطاعة بنات أورشليم لدى رؤيتهنّ لطافة الحبيبة، أن يستشففن بعض جمال هذا العريس حين يشاهدن نوره على وجه حبيبته. سموّها: "الجميلة بين النساء". قلن الحقيقة وقلنها مع بعض الحسد. فيجب أن يكون ذاك العريس فريدًا وهو الذي جعل تلك التي يحبّها فريدة في جمالها. يجب أن يكون الوجود بالذات، لا أسطورة وخيالاً، ذاك الذي يجعل حبّه مثل هذا الكائن يُوجد ويتفتّح. العروس تبحث وهي لا شكّ ستجد.

خاتمة
أثارت الجوقة قلب العروس، فكان جوابها مديح الجنون لعريسها. واستسلمت لهذا المديح. وفي ألمها العميق بسبب غيابه، لا تجد راحة ولا تعزية إلاّ أن تترك قلبها يتكلّم عمّن تحبّ. تتكلّم عنه. تنشد مدائحه. تشيد بجماله. تكشف عمّا في أعماقها من إعجاب وحبّ له. تلك هي العذوبة الوحيدة. تلك هي الضرورة المطلقة. فحبّ الحبيب يجب أن يُعلن والباقي فراغ وباطل.
الفصل الثامن عشر
حبيبي أبيض أسمر
5: 10-16

بعد ظهور الحبيب (5: 2- 4)، والمحنة التي مرّت فيها الحبيبة (5: 5: 9)، نصل إلى المشاهدة، إلى التأمل في صورة الحبيب (5: 10- 16). سألت العروس بنات أورشليم، أو بالأحرى طلبت منهن أن يخبرن العريس بحالها. تظاهرت الرفيقات بأنهن يجهلن مَن هو العريس، مع أنهنّ سبقن وقلن إنهن رأينه يرعى غنمه (1: 8). وهو قد التقى بهنّ واستحلفهنّ مرتين (2: 7؛ 3: 5) أن لا يوقظن العروس إلا متى تشاء. تظاهرن بالتجاهل مع بعض الحسد. وتساءلن عن "ذاك" الحبيب الذي تركض حبيبته وراءه في سواد الليل. لم تنتظر العروس إلاّ هذا النداء (ما فضل حبيبك) لكي تفرغ قلبها. وجاءت صورة العريس مقابلة لصورة العروس في 4: 1- 15: "جميلة أنتِ يا خليلتي، جميلة أنتِ ".
(آ 10) تقدّم هذه الآية حكمًا إجماليًا في بداية تعداد مفاتن العريس. الكلمة الأولى هي "ص ح ". قد تعود إلى العربيّة في معنى: السليم من كل عيب. وقد تعود إلى "وضح "، والوضح هو الضوء وبياض الصبح. والوضّاح هو الحسن الوجه، البسّام. ونجد في مرا 4: 7 موازاة بين "ص ح ه" و"ز ك ك ": "كان شبّانها أنقى من الثلج، وأنصع من اللبن الحليب ". وهكذا نكون أمام وجه أبيض متألّق، وجه كله طراوة ونضارة. وجهه يناقض وجه الحبيبة (1: 5). هي سوداء لأن على وجهها آثار ألم المنفى.
الطراوة علامة الصحة والشباب. ولون الوجه أيضاً. ولكن ما تعني كلمة "ادوم "؟ قالوا: أصهب. والأصهب هو من كان فيه حمرة أو شقرة. أما نحن ففضلنا أن نقول: أمر عائدين إلى العربية آدم أي الاسمر. وآدم يرتبط بالتراب الذي نعرف لونه.
حبيبي "علم " (د ج ل). ولكن يبدو أن جذر هذه الكلمة يعني: رأس، شاهد. فالعلم يُرى من بعيد. وهكذا يُعرف الحبيب ولو كان بين عشرة آلاف. ويرى بعضهم أن "الربوات " (ر ب ب ه) هي "الالوهيم " أو الملائكة الذين هم رفاق العريس. تفسير عجيب يربطنا بالأحرى بعالم الشرك حيث "الالهيم" هم الآلهة. المهمّ هو أن تُبرز الحبيبة ميزة العريس وسموّه. وهذا أمر طبيعيّ حين نعرف أن العريس هو الله نفسه.
(آ 11) ترجم آكيلا "ك ت م. ف ز" بـِ حجر ذهب. وكذا فعلت البسيطة فقالت "كافا ددهبا". أما تيودوسيون فتحدّث عن لطخة، بقعة (في السريانيّة كوتما). وجمع سيماك (كما نجده في السريانيّة الهكسبلة) اللطخة إلى الحجر فقال "لطخة حجارة الذهب". واقترح بعضهم "ك ت ر" بدل "ك ت م" فتحدّث عن التاج. ولكننا نجد "ك ت م" مع "ز هـ ب " في أي 31: 24 ؛ أم 25: 12؛ مرا 4: 1. أما "ف ز" فتعني الذهب المنقّى. وهكذا تدلّ عبارة "ك ت م. ف ز" على نوعيّة عالية من الذهب. هكذا اعتاد الكتاب المقدس أن يعود إلى المعادن الثمينة ليدلّ على عظمة ما يريد أن يصوّره.
"ق و ص و ت ي و". عاد المترجمون إلى "القُصة" في العربيّة وهي تعني "شعر الناصية". فقالوا: ضفائر، خصائل، غدائر، وشبّهوها بأغصان النخيل التي تنزل من فوق إلى تحت. ولفظة "ش ح و ر" تدلّ على اللون الأسود. الحبيب هو أسمر كما قلنا، وشعره أسود غامق يشبه ريش الغراب.
ما معنى هذه الصورة؟ كانت فرضيّات عديدة منها أن الأقدمين كانوا يزرعون في شعرهم مسحوق الذهب، وهكذا يدلّون على نبلهم. في الواقع، يدلّ الحبيب على الرب من خلال صورة الهيكل. ففي 1 مل 6 يُذكر الذهب مرارًا وقد غطّى جدران الهيكل ولاسيمّا قدس الأقداس. ويتحدّث هذا النصّ من سفر الملوك عن أوراق النخيل التي نقشها سليمان على أرض البيت والأبواب. والنخيل صورة عن الشعر المسترسل (هنا نتذكر شعر ابشالوم بن داود، 2 صم 14: 25؛ 18: 9). أما اللون الأسود فهو لون قدس الأقداس الذي لم يكن فيه نافذة واحدة عكس الهيكل (1 مل 6: 4).
(آ 12) وإذ أراد الشاعر أن يبرز جمال عينَي العريس، استعاد عبارة استعملها ليصوّر عيني العروس. "جميلة أنتِ وعيناك حمامتان" (1: 15؛ 4: 1). والاختلاف الوحيد هو وجود كاف التشبيه (ع ي ن ي ك. ك- ي و ن ي م).
"ع ل. ا ف ي ق ي. م ي م ". على مجاري المياه. هذا ما قال أكيلا. والبسيطة: ساقية. والشعبيّة تحدّثت عن المياه الجارية. هناك من عاد إلى جذر "ا ف ق " الذي يعني "احتوى". وهكذا نكون أمام حوض من ماء أو مجرى الهر. وتعود المحاولتان إلى المعنى نفسه.
نجد فعل "ر ح ص " غسل، اغتسل. واللبن (أو: الحليب) يرمز إلى البياض الناصع كما في تك 49: 12 ؛ مرا 7:4. لن نتكلّم عن عين بيضاء وإلا صار العريس بشعًا. بل نفهم الاستعارة كما يلي: حين تغتسل الحمامة في الحليب تصبح كلها بيضاء. فالحليب هو أبيض والبياض علامة النور.
كيف نفسّر"م ل ا ت"؟ الملء. هو المعنى الأول كما في العربيّة (ملأ). ولكن بعضاً فكّر بملء العين: الوقت، الحجر. والبعض الآخر فكّر بالحوض والبِركة أو بالمحيط الواسع. المهمّ أن هذه الاستعارة تعبّر عن جمال عينيّ الحبيب في تناسقهما وحيويّتهما. وإذا عدنا إلى ما قلناه عن الآية السابقة، وإلى تشبيه عيني العروس ببركة حشبون (7: 5)، نقول إن الشاعر يجعلنا أمام بحر النحاس الذي كان الكهنة يغتسلون فيه قبل تقديم الذبائح (1 مل 7: 23- 26؛ 2 أخ 4: 2- 5؛ رج خر 30: 18- 21 ؛ 38: 8 ؛ 40: 30- 32).
(آ 13) في 1: 10، أنشد العريس جمال وجه العروس. وها هي تردّ له المديح. "خدّاه روضة أطياب ". كان العالم الشرقيّ القديم يضع العطور على اللحية (في العبرّية: ل ح ي و). مثلاً، نقرأ في مز 133: 2 عن الزيت (العطر) الطيّب على الرأس، والنازل على اللحية، لحية هارون.
لا نجد في البسيطة عبارة "م ج د ل و ت. م ر ق ح ي م " (اتلام رياحين، زهراء رياحين). اللفظة الثانية لا ترد إلاّ في هذا الموضع من التوراة، وهي تعود إلى جذر "ر ق ح " مزج العطور المختلفة (8: 2 ؛ خر 30: 33؛ رج 25: 35 ؛ جا 10: 1؛ 2 أخ 16: 14). إذن، يبدو أننا أمام مجمل النباتات التي تؤلّف كتلة واحدة.
"شفتاه سوسن ". زادت البسيطة "ايك"، كاف التشبيه، لتوازي العبارة السابقة "خدّاه كروضة". يتحدّث الشاعر عن شفتَي العريس كما سبق له وتحدّث عن شفتي العروس، ويمتدح لونهما الأحمر الفاقع. وهاتان الشفتان تقطران (4: 11) عبير المرّ (5: 5). هنا تقرأ البسيطة: المرّ والناردين. قيل عن العروس أن شفتيها تقطران عسلاً. صورتان مختلفتان بعض الاختلاف، ولكنهما تعبّران عن الفكرة عينها. هنا لن نتحدّث كما فعل بعضهم عن القبلات أو عن النفَس المعطَّر، بل عن حلاوة الكلام.
إذ ينشد الشاعر خدَّي الحبيب ولحيته وشفتيه، إذ يتغنّى بسحر كلامه، فهو لا ينسى ما يتعلّق بالهيكل. حسب 1 مل 6: 29، نقش سليمان على جدران البيت من الداخل والخارج الكروبيم والنخل والزهور المفتّحة. وقد رأت مخيّلة الشاعر في جدران البيت خدّي العريس. والنقوش دلّت على لحيته المعطّرة بالزيت. والشفة تدلّ على شفة الكأس، كما تدلّ على حافة الحوض وجانبه وحرفه (كما في العربيّة).
(آ 14) "يداه حلقتان من ذهب". هنا نعود إلى نص 1 مل المتعلّق ببناء الهيكل. ففي 7: 15- 22 يتحدّث الكاتب عن عمودين وُضعا عن يمين المدخل وشماله. ووُضع على رأسهما تاج. ويستلهم نش الصورة ولا ينسى السوسن المذكور في آ 19.
إن كرات الذهب هذه تزيّنها الحجارة الكريمة الآتية من ترشيش (في اسبانيا) كما تقول بعض المخطوطات. هكذا زُيّن هيكل سليمان، وهكذا زيّنت يدا العريس.
لا تدلت "م ع ي و" على الامعاء بل على البطن (دا 2: 32) كما يُرى من الخارج. وقال بعضهم: الصدر أو الجسد كله. ويُذكر العاج والياقوت كعلامة للبياض الناصع، للشفافيّة التي تحمل اللون الأزرق. جاء الياقوت من شواطئ الصومالي بواسطة مصر، أو من الشرق الأقصى عبر ماداي وبلاد الرافدين. قد نتوقّف عند العريس أو عند لباسه، ولكن يجب بالأحرى أن نعود إلى خبر 1 مل المتعلّق ببناء الهيكل. إن 1 مل 6: 3 يتحدّث عن الرواق الذي أمام هيكل البيت، و 7: 19 عن التاجين اللذين على رأس العمودين في الرواق (رج حز 40: 48- 49). نجد هنا لفظة "ا و ل م " أو"ا ي ل م "، التي تدلّ على المدخل الذي يشكّل دائرة فيشير إلى بطن العريس. أما الياقوت فيدلّ على ما يزيّن هذه الحجارة "العاجيّة".
(آ 15) ساقاه. تشبهان العمود في ارتفاعه (سي 26: 18). شكلهما شكل المرمر ولونها أيضاً. إن العمودين اللذين يتخيّلهما الشاعر يرتكزان على أساس من الذهب الخالص. نلاحظ أن "ا د ن " (قاعدة) تدل على القاعدة الفضيّة التي تحمل أرض المعبد (خر 26: 19 ي). كما تدلّ على القاعدة النحاسيّة التي تقف فوقها العواميد حيث تعلَّق الستائر (خر 27: 11 ي). قد يكون صاحب نش قد استلهم هذين النصّين القريبين من 1 مل 6-7. وقد يكون عاد إلى العواميد التي تحيط برواق هيكل سليمان.
"م ر ا ه و" (في العربيّة: مرآه، منظره). صارت في البسيطة "ننديه" أي صدره. ترد اللفظة عينها في 2: 14 على شفتَي العريس المتحدّث إلى حبيبته (مرآك، محيّاك جميل). يدلّ لبنان هنا على الجبل، كما يدلّ على الخضرة التي تغطّيه، خصوصاً حين يذكر الشطر اللاحق "الأرز" الخضَرّ دائمًا.
رأى سيماك في "ب ح و ر" الشاب وكذلك الترجوم الارامي (ع و ل م). هو المختار (في السريانيّة: غبي). تعجّب الشرّاح من هذه العبارة، فبدّلوا الكاف (كالارز) بالباء (بـ أرزي م، بالارز). فلبنان يتميّز بأرزه. وجعل آخرون لفظة "ا د ي ر" (مجيد، عظيم) محلَّ "ب ح و ر" (حز 17: 23). ولكن لماذا ننسى أن هذه اللفظة تدلّ على سموّ على الآخرين. فالكاتب يريد أن يدلّ على جمال الحبيب ومهابته. ونقدّم اقتراحًا: هل نستطيع أن نربط لفظة "ب ح و ر" بالبخور. فالعريس "ممتلئ بالبخور" مثل أرز لبنان. هنا نعود إلى فكرة العطور التي تملأ نش.
هنا نتذكّر أن الارز استعمل كثيرًا في الهيكل: للسقف، للابنية المحاذية، للجدران، بحيث بدا "كل ما فيه ارزًا" (1 مل 6: 9، 10، 15، 16، 18). ومذبح البخور غطّاه الأرز أيضاً (آ 20). وأخيرًا، بنى سليمان "الدار الداخليّة ثلاثة صفوف من الحجارة المنحوتة وصفًا من لاطات الأرز" (1 مل 6: 36؛ 7: 12). فكما كان الأرز يملأ الشعب إعجابًا، هكذا أثَّر الحبيب على الحبيبة بمرآه وطلعته.
(آ 16) هنا نقرأ "ح ك و". هو الحنك وداخل الفم (حز 3: 26) ويرمز إلى العضو الذي به نتكلّم (أي 31: 30؛ 33: 2؛ أم 5: 3 ؛ 8: 7). نتذكّر في هذا المجال أم 16: 21 (عذوبة الشفتين تزيد فائدة) التي تقدّم عذوبة الشفتين فتدلّ على الخطاب المنمَّق والمليء بالحكمة. زادت البسيطة: "مثل شعاع من العسل". ما أوحى للشاعر بالمقابلة هو مز 19: 11 (أحلى من العسل وقطر الشهاد)؛ 119: 103 (ما أعذب قولك في حلقي. هو أحلى من العسل في فمي) اللذان يشيدان بحلاوة الوصايا. إن الكلمات التي تسحر الحبيبة هي كلمات التوراة، كلمات الكتاب المقدّس.
"ك ل و". أي كلّه. كل شخصه. كل ما يصدر عنه. كان الحبيب قد هتف حين رسم صورة عروسه "كلّك جميلة" (ع:7). وها هي العروس تعلن: "كلّه شهيّ". يرغب فيه الناس لعذوبته، لأنه عزيز كريم.
"هذا حبيبي، هذا رفيقي ". تدلّ "رع " على الرفيق (خر 2: 13؛ 22: 9). كما تدلّ على شخص حميم (تث 13: 7 ؛ مي 7: 5)، وعلى علاقات الحبّ بين الرجل والمرأة، بين الحبيب والحبيبة. في 3: 20، تدلّ هذه اللفظة على العريس: "كما أن المرأة تغدر بخليلها". لا تستعمل العروس إلاّ مرّة واحدة "رع"، بينما هي تسمَّى مرارًا "ر ع ي ت ي" (رفيقتي). حين تتذكّر خياناتها السابقة، لا تعود تتجرّأ أن تأخذ لنفسها لقب "الزوجة". والعبارة "هذا حبيبي، هذا خليلي" هي هتاف النصر الذي ختم ردّ العروس على بنات أورشليم: "أردتن أن تعرفنّ بما يتميّز حبيبي عن أي حبيب. هل عرفتنّ الآن"؟

* حبيبي علم بين ألوف
بدأت العروس تتأمّل في شخص العريس بشكل إجماليّ قبل أن تتوقّف عند كل سمة من سماته. هكذا فعل الحبيب بالنسبة إلى حبيبته: جميلة أنتِ يا رفيقتي (4: 1ي). سألتها الجوقة: "ما فضل حبيبك على أي حبيب"؟ في الحقيقة لا يقابل الحبيب مع أيّ إنسان آخر. لو وُجد بين ألوف، بين عشرات الألوف، لعرفته. هو يتميّز عن جميع البشر إذا تذكّرنا أن العريس هو الله، نفهم في هذا المجال كلمة "قدوس". القدوس هو الفريد في العالم. هو الذي يختلف عن الجميع فلا نستطيعِ أن نحصره في صورة أو في شخص. القدّوس لا شيء يقابله. والحبيب هو الفريد اطلاقاً، هو الوحيد الوحيد. والتي سماها بناتُ أورشليم "الجميلة بين النساء"، هي جميلة ولكنها "سوداء". أجل، ما أقرّت به: سحنتها سوداء، معتمة، وقد أحرقت الشمس وجهها. أما وجه حبيبها فهو أبيض متألّق.
هذا الحبيب يشعّ بالصحّة والشباب، بالحياة والجمال. هذا ما قيل عن داود (1 صم 16: 12 ؛ 17: 42). ومثله يكون حبيب نش الذي هو ابن داود. نجد على وجهه جمعًا بين بياض النور كما قيل عن ثياب يسوع في التجلّي (لو 9: 29، صارت ثيابه بيضاء لامعة)، واللون الأحمر الذي هو علامة الحبّ. كل شخصه نور وحبّ. ذاك هو شعاع مجده.
هنا نشير إلى أن تقليدًا فسّر لفظة "ادوم" أحمر. فقال غريغوريوس النيصي إن هذين اللونين هما لونا التجسّد: بياض البدن وحمرة الدم. هذان هما اللونان اللذان يلجأ إليهما يوحنا ليصوّر ابن الانسان في سفر الرؤيا. من جهة، "كان رأس شعره أبيض كالصوف الأبيض أو كالثلج" (رؤ 1: 14) "وكان يركب حصانًا أبيض " (رؤ 19: 11). لا ننسَ أن البياض هو علامة الانتصار، غير أن هذا الانتصار تحقّق في الدم. هو"يلبس ثوبًا مغموسًا بالدم " (رؤ 19: 13). فالمجد والصليب اللذان يشاهدهما يوحنا معًا، يظهران منذ بداية نشيد الحبيبة لحبيبها.
بعد هذه اللحظة الأولى من السحر والانخطاف، تستسلم العروس إلى الإعجاب فترسم حبيبها رسمة مفصلة في اسلوب استعمله العريس ليصوّر عروسه. فهناك مقابلة بين 4: 1- 15 و 5: 10- 16. ما معنى هذه الصور التي تستعملها العروس لكي تتحدّث عن عريسها؟
صُوّرت العروس على مثال أرض فلسطين. انعكست في جسدها كل جمالات الأرض. أما العريس فصُوّر على مثالا هيكل أورشليم. فقد قالت يوحنا عن يسوع إنه الهيكل الحقيقيّ. حين قال ما قال بعد أن طرد الباعة من الهيكل، شرح يو 2: 21: "كان يتكلّم عن هيكل جسده ". وهكذا ترى الحبيبة جمال حبيبها مرسومًا في بهاء الهيكل. فهي تذكر الذهب والعاج والمعادن الثمينة وأفضل الحجر والخشب، ولاسيمّا خشب الأرز الآتي من لبنان. وكل هذا يدخل في بناء الهيكل وزينته. وإن التيار الجلياني سوف يجمع بعد حزقيال رؤية الكائن المجيد مع رؤية هيكل أورشليم. وهكذا كان الهيكل وأرض فلسطين الرمز الأخير في لقاء الحبيب بالحبيبة. أرض فلسطين تحتوي الهيكل الذي يدلّ على حضور الله. والهيكل يكرّس بوجوده أرضاً اختارها الله ليحلّ فيها متجسّدًا.
ونحن نتساءل: أين هي الصورة؟ يُذكر الحبيب ورأسه وشعره وعيناه وخدّه وشفتاه ويداه وساقاه وفمه. وفي كل مرة، نجد تشبيهًا مأخوذًا من العالم الذي يحيط بالشاعر. إذن، لا تحاول العروس حقًا بأن تصوّر العريس، بأن تجعلنا نراه. فكيف تستطيع ذلك؛ فمن يستطيع أن يعبّر عن عظمة جماله؟ حين رأت مملكة سبأ كل حكمة سليمان ومجده، "أصابها الذهول "، كاد يُغمى عليها من الإعجاب (1 مل 10: 5). فكم بالأحرى عروس نش. يكفي أن تذكر جمال مليكها لكي تحسّ أن قواها بدأت تخور. "فهنا أعظم من سليمان" (مت 12: 42). هي لا تقدر إلا أن تنشد أنه كنز لا يثمّن ودرّة حياتها الفريدة. وهي تجمع الذهب والمعادن النفيسة والحجارة الكريمة والخشب الثمين، تجمع أجمل ما في الكون وأندره وأعجبه وأثمنه، لتؤلّف نشيدًا فريدًا لكي تمجّد تمجيدًا فريدًا وتقدّم مديحًا فريدًا لذلك الذي هو فريد في قلبها، فريد في كلّ الأرض. هذا ما فعله يوحنا حين رسم في سفر الرؤيا ذلك الجالس على العرش: عاد، شأنه شأن حبيبة نش، إلى كنز الرموز الذي لا حدود له.

* رأسه ذهب خالص
يعود الذهب أربع مرات في صورة الحبيب. ولا يكفي العروس أن يكون الرأس من ذهب. بل هو من الذهب الخالص، الذهب الذي يتعدّى الذهب. فوجه العريس هو أجمل الوجوه وأحلاها، ولا يُقابل بوجه آخر. لهذا شبّه رأس الحبيب بقدس الأقداس، الموجود في عمق هيكل سليمان، الذي موقعه في رأس الهيكل حيث كان الذهب كثيرًا جدًّا (1 مل 6: 20: الذهب الخالص). لا ننسَ أن الذهب يدلّ على غنى الله الفيّاض. والذهب الخالص يدلّ على جمال كامل لا عيب فيه ولا غضن. أما تُرسم الايقونات بالذهب فتدلّ على عالم القداسة، عالم الكمال، عالم الغنى الذي لا حدود له؟
ويتفتّح شعر الحبيب ويتماوج حول وجهه كأغصان النخيل. ضفائر، جدائل جميلة وسوداء. هكذا كانت جدائل العريس. ويدلّ شعر العريس على رسوم النخل التي تزيّن أبواب قدس الأقداس. ويشير اللون "الأسود" إلى الظلمة العميقة التي تكتنف قدس الاقداس. فإذا كان الذهب يعلن مجد الله الساطع، فاللون الأسود يدلّ على أنه خفيّ لا تنظره عين.

* عيناه يمامتان على مجاري المياه
ويرى الشرّاح في قسمات الوجه تفاصيل تزيّن هيكل سليمان. ومن مواضيع الزينة اليمامة أو الحمامة. وهناك الماء الذي يدلّ على "بحر النحاس " في الهيكل، وقد يشير في مخيّلة الشاعر إلى أنهار الفردوس الأربعة. ولا ننسَ أن الحبيب سمّى حبيبته "يمامة". أنرى تشاهد نفسها في عينيه؟ جمالها هو من جماله.
عينان كعيناه ينيرهما الروح. والمياه واللبن تدلّ على الصفاء والشفافيّة. صور من الطفولة والطراوة والوداعة. بأي سلام وأي حنان يلقي الحبيب عينيه على الحبيبة. قال الربّ في أش 66: 12: "أجري السلام كالأنهار". وحين نتحدّث عمّن هو نور العالم، نفهم شفافيّة نظره وصفاءه.
حين صوّر الحبيب حبيبته، توقّف عند قطيع المعز وقطيع الخراف (4: 1- 2). أما هنا، فلا وجود لهذه الصورة الخاصّة بالعروس. فهي قطيع الراعي الصالح، وهو يقود خرافه إلى المراعي الخصبة.

* خدّاه روضة أطياب
لا نحاول هنا أن "نعصر" الصورة لكي نستشفّ وجه الحبيب ونراه. يجب أن نبقى على مستوى الشعر. فنؤخذ بالشعور والاحساس، لا بالنظر، كما في موسيقى صامتة. هذه الصور لا تتوجّه إلى عيون الجسد بل إلى عيون النفس. لهذا تتكاثر أدوات التشبيه (كسعف النخل، كالغراب، كالحمامتين). هي تثقل النصّ ولكنها تدلّ على مجهود قام به الشاعر ليجعل الحقيقة قريبة منا. إنه يستعمل صورًا من عالم الأرض ليعبّر عن واقع السماء، فكيف نريده أن يفعل إن لم يعد إلى عالم المقاربات والتشابيه.
خدّا العريس مع خدَّي العروس هما خميلتان من الراحة والسعادة. والشفتان ليستا "خيطاً من القرمز" كما قال الحبيب عن الحبيبة (4: 3)، بل سوسن أحمر شبّهت نفسها به. ومن سوسن الشفتين يقطر عبير يترك آثاره على مسكة الباب. "من شفتيه يقطر مرّ خالص ". هذا ما يدلّ على عذوبة الروح القدس الذي تنفحه شفتا الحبيب في عمق النفس لكي يعيد خلقها في كل لحظة. هذا ما قيل عن خلق الإنسان. "نفخ الله في أنفه نسمة حياة" (تك 2: 7). وقيل كذلك عن ولادة الكنيسة. "نفخ على تلاميذه وقال: خذوا الروح القدس" (يو 20: 22). فالعروس قد تمنّت منذ البداية عذوبة هذه القبلة، قبلة الروح التي تنالها من شفتَي الحبيب. "ليقبّلني بقبل فمه "

* يداه سواران من ذهب
حين نتذكّر التشابه بين الحبيب وهيكل أورشليم، نرى في العمودين الموضوعين عن شمال مدخل قدس الأقداس ويمينه، يدَي الحبيب وبطنه. ذهب اليدين، عاج البطن، هما وسيلتان تلجأ إليهما العروس المفتونة لكي تعبّر عمّا لا يعبّر عنه. هذا ما فعله يوحنا في سفر الرؤيا حين صوّر "ذاك الجالس على العرش، ومنظره كاليشب والعقيق الأحمر" (رؤ 4: 3). تحدّثت الحبيبة عن يدين مجلّلتين بالذهب. وقد نكون أمام ذهب ترشيش كما في بداية سفر حزقيال (1: 16).

* ساقاه عمودا رخام
بدأت الحبيبة ترسم حبيبها مع الرأس، وتوقّفت عند ضفائر الشعر والعينين والخدين والشفتين. وامتدّت الصورة إلى اليدين والبطن. وها هي قد وصلت إلى الساقين اللتين تشبهان عمودين من رخام. وهكذا نشعر بجمال العريس كما نشعر بقدرته. فهو لا يشبه أصنام الأمم: "لها أفواه ولا تتكلّم، لها عيون ولا تُبصر، لها آذان ولا تسمع، لها أنوف ولا تشمّ، لها أيدٍ ولا تلمس، لها أرجل ولا تمشي" (مز 115: 5- 7). ودانيال نفسه يهزأ بأرجلها التي لا تحمل صاحبها. أما ساقا العريس فلا شيء يزعزعها. هما كالصخر وقد قال رؤ 1: 15: "رجلاه كنحاس مصقول". إذن، تعرف العروس أنها تستطيع معه أن تكون مطمئنّة. تستطيع أن تستند إليه. فهو لا يلوي ولا يتراخى. هو مثل "عمودي رخام على قاعدة من الذهب ".
نتوقّف هنا عند الألوان التي تدخل في "صورة" العريس. هناك خمسة: الأبيض، الأحمر، الذهبيّ، الأسود، والأزرق. ويسيطر على الصورة لونان: الأبيض. حبيبي أبيض. عيناه حمامتان. هو يستحمّ في اللبن (الحليب). إنه كتلة من العاج. ساقاه عمودا رخام. ثم لون الذهب. يُذكر الذهب خمس مرّات بشكل مباشر مع الزبرجد. نتذكّر هنا أن الأبيض والذهبي هما لون الألوهة، وهذا ما يعرفه راسمو الإيقونات: ثياب بيضاء للمسيح المتجلّي أو القائم من الموت. ذهب الملك المجيد الذي يدلّ على عظمة لاهوته. لا ننسَ أن الذهب يُذكر 22 مرّة في سفر الرؤيا فيدلّ على شخص المسيح أو عطاياه. ثم إن الذهب يرتبط هنا، في نش، بالرأس واليدين والساقين التي ترمز إلى فكر الحبيب (الرأس) وقدرته (يداه) وثباته (ساقاه).
في البداية، حين أنشدت العروس عريسها، قدّمت لنا شعورًا إجماليًا. وها هي الآن تتوقّف أيضاً في نهاية "خطبتها" عند نظرة شاملة إلى جماله مع مديح خاصّ برأسه ويديه... حبيبها هو "مثل لبنان ". ماذا تستطيع أن تقول أكثر من ذلك. كان بنو اسرائيل يعرفون أن لا شيء يضاهي عظمة لبنان وجماله. لا شيء يماثل أرزاته الملوكيّة الباسقة التي تعلو جميع الأشجار.
قالت العروس في البداية إن الحبيب يُرى وسط الألوف. وهي تقول في النهاية: "لا نظير له". وكل هذا بسبب عظمته الفريدة ومهابته الجليلة. قال سي 24: 13 عن الحكمة: "ارتفعت كالأرز في لبنان ".
الأرز والتفّاح هما شجرتا الحبيب. رمزَ التفّاح بجمال زهوره وحلاوة ثماره إلى بشريّة أجمل البشر، يسوع المسيح الإنسان. ورمز الأرز بقامته التي لا تُضاهى إلى تساميه في لاهوته. على مستوى الجمال يكون الحبيب وسط البشر "كالتفّاح بين الأشجار". ولكن على مستوى لاهوته "لا نظير له" بين البشر فهو كالأرز لا تقابله شجرة من الأشجار.

* كلامه أعذب ما يكون
انتهت صورة الحبيب بالنسبة إلى النظر. والآن نعود إلى السماع. فكلمات الحبيب تسحر الحبيبة أكثر ممّا يسحرها جماله. هنا لا نترجم "الفم" أو"الريق " (الحلق، الحنك)، بعد أن وصلنا إلى الساقين، بل نتوقّف عند الفم على أنه أداة الكلام، وهكذا نفهم أن الشاعر يتحدّث عن الكلمات التي يقولها العريس فيخلب قلب عروسه.
منذ اللقاء الأول هتفت العروس: "جميل أنت يا حبيبي وعذب " (1: 16). وقال صاحب المزامير: "ما أعذب كلامك في حلقي. هو أحلى من العسل في فمي" (119: 103). فجمال ذاك الذي تحبّه قد استشفّته، قد حاولت أن تعبر عنه. ولكنه جمال يبقى في جوهره خفيًا. قال أش 45: 15: "انت إله خفيّ " (محتجب). أما الكلمات التي يوجّهها إلى العروس، فهي موضوع اختبار، وهي تفعل فعل العطور. والكلمة (يسوع المسيح) الذي يكلّمها في سرّ قلبها، يكلّمها كلام الوداعة والحنان. كلامه عذب كله ولم يتكلّم إنسان مثل هذا الرجل (يو 7: 46).
أترِدْن أن أقول لكنّ شيئًا بعدُ، يا بنات أورشليم؟ أقول: "هو شهيّ كله ". كانت رفيقات العروس قد سألنها عن العريس، فصوّرته وأنهت كلامها: "كل ما فيه شهيّ ". فماذا تستطيع أن تزيد؟ ليس من برهان يدلّ أفضل من هذا على أن عريسا نش هو الله نفسه. في المرّة الواحدة التي حاولت أن تتصوّره، جاءت الصورة ساطعة ومعتمة معًا. هذه هي اللغة الرمزيّة. لغة هي لغة السر. وعبرها تحاول النفس أن تقول من هو الله بالنسبة إليها. ولكنها لا تصوّره كما يصوَّر إنسان من البشر فبعد هذه "الصورة" المفصّلة عن العريس، نحن لا "نراه " إطلاقًا. هو يفلت منا، لأنه أبعد من نظرنا بحسب الجسد.
"أرادت " أن تصوّره. ولكن، هل تستطع أن تصوّره؟ قد أغرمت بذاك الذي لا يمكن الوصول إليه. لقد اشتهت ذاك الذي لا يمكن إدراكه. لا شيء ممّا نعرفه في عالمنا يكشفه لنا: لا الشكل ولا اللون ولا الوجه ولا المقابلة ولا القياس. هو يتجاوز كل تمثّل، ويفلت كليًا من "قبضة" الذين يطلبونه. تتخيّل العروس سلسلة من الألفاظ تحاول أن تدلت على الخير الذي لا يعبَّر عنه. ولكنه يتجاوز كل إمكانيات التعبير اللغويّ. هذا ما قاله غريغوريوس النيصيّ.
وتحدّث أوغسطينس عن هذه المحاولة اليائسة التي تقوم بها العروس: "إنها رؤية تتجاوز كل جمالات الأرض: الذهب، الفضّة، الخشب، الطبيعة، جمال البحر والهواء، جمال الشمس والقمر، جمال النجوم، جمال الملائكة... هو جمال (إلهي) يتعدّى كل جمال، لأن منه ينال كلُّ شيء جماله... تقول اللغة ما تستطيع أن تقوله، والباقي يفهمه القلب... فهذه الحقيقة التي لا نقدر أن نعطيها اسمًا حقيقيًا، قد نسمّيها "ذهبًا"، قد نسمّيها "خمرًا". هو اسم نعطيه لما لا نستطيع أن نسمّيه. قد نعتبر أننا نعطه اسمًا من الأسماء. أما اسمه الحقيقيّ فهو الله ".
وهكذا، في النهاية، لا تجعلنا العروس نرى شيئًا من العريس، كما لا تقول لنا شيئًا خاصاً عن ذاك الذي تحبّ. بل عندما تتكلّم، يجتاحنا معها شعور عميق بالسجود المفعَم بالحبّ. هذا السجود هو انخطاف الحبّ الذي يسحقه جمال المحبوب وقدرته وعظمته.

* هذا حبيبي، هذا رفيقي
لسنا هنا أمام خاتمة، بل أمام نشيد الانتصار تطلقه العروس في نهاية نشيدها فيمتدّ في صوتها. في الحقيقة، لا نرى كيف تستطيع بنات أورشليم اللواتي حدثتهنّ العروس عن حبيبها، أن يساعدنها على العثور على ذاك الذي أضاعته. ولكنها لم تتكلّم إلى بنات أورشليم بقدر ما تكلّمت إلى نفسها، وهي تتطلعّ إلى الأفق البعيد وغير المنظور. ثم أطلقت صيحة وكأنها رأت مرّة أخرى رفيقاتها، فقالت: "هذا هو حبيبي، هذا هو رفيقي"! هي المرة الوحيدة في نش كله تسمّي فيه الحبيبةُ ذاك الذي تحبّه: "زوجي" (خليلي، رفيق حياتي)، مع أنها سمّته أكثر من 25 مرّة "حبيبي " (دودي).
نجد في هذه الصرخة تشديدًا على غلبة أحرزتها. بل نجد تحديًا لبنات أورشليم اللواتي تحدّينها فقلن: "ما فضل حبيبك على أي حبيب "؟ بعد أن أنشدت الحبيبة نشيدها الجنونيّ، أجابت بعزّة وافتخار: أترِدْن أن تعرفنَ! إنه زوجي. ولا أستطيع أن أقول شيئًا بعد ذلك. هنا نسمع كلام الرب كما ورد في سفر هوشع: "وفي ذلك اليوم تدعينني "زوجي". ولا تدعينني بعد ذلك "بعلي " (هو 2: 18). وقال أش 54: 5: "بانيك هو زوجك " (رج تك 2: 2 حيث بنى الربّ الاله المرأة). لقد أوضحت لنا الحبيبة بأحلى الألفاظ ما يعني هذا العهد الذي يجعل من أعظم حبيب على الأرض، عريسها الفريد. "هذا هو حبيبي، هذا هو زوجي".
نشيد الحبيبة هنا هو "نشيد الغائب ". فنحن لا نستطيع أن نرى الله، ولا نحاوله أن نتمثّله وكأنه صنم من الأصنام (أش 40: 18؛ 46: 5). فالحبيبة قد تمزّق قلبها وتحطّم جسدها، ومع ذلك هي تنشد نشيدها للغائب، لذاك الذي يقيم فيها والذي لا تستطيع أن تدركه، أن تصل إليه. نحن في هذه الآيات أمام تقدمة الحبّ ترخص للأمير الذي لا يمكن البلوغ إليه. فهو غائب. ولكن بدل ليتورجيا جنائزيّة، ها نحن أمام نشيد المجد الذي يرينا معجزة الحبّ الذي أنكر ذاته.
فمع أن الحبيب "غائب "، إلاّ أن الحبيبة هي بكلّيتها له. ومع أنه غائب، فهو فريد، فهو الأجمل. ووجهه الذي رأته وقبّلته، يبقى فيها إلى الأبد تجسيدًا للجمال المطلق... لم نعد أمام إنسان، بل أمام شخص الله الحاضر الغائب الذي تسجد له.
استعملت العروس 22 أداة تشبيه: الألوان، المعادن الثمينة، الحجارة الكريمة، العصافير، عناصر الكون، الأرض، المياه، الأشجار، العطور، الأزهار. انطلقت من كل هذا لكي تصوّر لنا حبيبها. غير أن ذاك الذي تراه يتعدّى بعظمته حدود الكون، وحبّه لا حدود له. وهي العروس المصلوبة بيد الأمير الغائب الذي تنشده، والذي يجعلها غيابُه وكأنه فقدت الخليقة كلها. ولكن الإيمان يصنع المعجزة فيحوّل ألمها إلى نشيد من المديح يتيح لها في انخطافها أن تصوّر لبنات أورشليم، أميرها الغائب.
ما نلاحظه في نش هو أن جمال الحبيب الذي لا يُعبَّر عنه، يُحتفل به هنا كحبّ لا يتغيّر ولا يتبدّل. جمال يختلف عن جمال الحبيبة الذي هو في جوهره متقلّب ومتحرّك. مثل جمال الحمامة والخراف والمعز في أرض فلسطين. جمال تأخذه من جمال الزهر والنبات في فلسطين، جمال عذب ولكنه عابر زائل. أما جمال العريس في هذا المقطع الوحيد الذي فيه تحاول العروس أن تتصوّره، فيبدو جمالاً لا يتحرّك، جمالاً مطلقاً.
وما يلفت النظر في هذا المجال، هو اختيار العروس في هذه القصيدة لحبيبها، الذهب والمعادن الثمينة والحجارة الكريمة، وخشب الأرز، كل هذا لا يتبدّل في نظر العالم. قالت أوغسطينس: "ذاك الذي ترغبين فيه لا يتحرّك. ذاك الذي ندعوه الكائن (الذي هو) لا يتبدّل لأنه الوجود الحقيقيّ. إنه ثابت دائمًا ولا يتحوّل. فلا فساد فيه. هو لا ينمو لأنه كامل. ولا ينقص لأنه أبديّ".

الفصل الثامن عشر
حبيبي أبيض أسمر
5: 10-16

بعد ظهور الحبيب (5: 2- 4)، والمحنة التي مرّت فيها الحبيبة (5: 5: 9)، نصل إلى المشاهدة، إلى التأمل في صورة الحبيب (5: 10- 16). سألت العروس بنات أورشليم، أو بالأحرى طلبت منهن أن يخبرن العريس بحالها. تظاهرت الرفيقات بأنهن يجهلن مَن هو العريس، مع أنهنّ سبقن وقلن إنهن رأينه يرعى غنمه (1: 8). وهو قد التقى بهنّ واستحلفهنّ مرتين (2: 7؛ 3: 5) أن لا يوقظن العروس إلا متى تشاء. تظاهرن بالتجاهل مع بعض الحسد. وتساءلن عن "ذاك" الحبيب الذي تركض حبيبته وراءه في سواد الليل. لم تنتظر العروس إلاّ هذا النداء (ما فضل حبيبك) لكي تفرغ قلبها. وجاءت صورة العريس مقابلة لصورة العروس في 4: 1- 15: "جميلة أنتِ يا خليلتي، جميلة أنتِ ".
(آ 10) تقدّم هذه الآية حكمًا إجماليًا في بداية تعداد مفاتن العريس. الكلمة الأولى هي "ص ح ". قد تعود إلى العربيّة في معنى: السليم من كل عيب. وقد تعود إلى "وضح "، والوضح هو الضوء وبياض الصبح. والوضّاح هو الحسن الوجه، البسّام. ونجد في مرا 4: 7 موازاة بين "ص ح ه" و"ز ك ك ": "كان شبّانها أنقى من الثلج، وأنصع من اللبن الحليب ". وهكذا نكون أمام وجه أبيض متألّق، وجه كله طراوة ونضارة. وجهه يناقض وجه الحبيبة (1: 5). هي سوداء لأن على وجهها آثار ألم المنفى.
الطراوة علامة الصحة والشباب. ولون الوجه أيضاً. ولكن ما تعني كلمة "ادوم "؟ قالوا: أصهب. والأصهب هو من كان فيه حمرة أو شقرة. أما نحن ففضلنا أن نقول: أمر عائدين إلى العربية آدم أي الاسمر. وآدم يرتبط بالتراب الذي نعرف لونه.
حبيبي "علم " (د ج ل). ولكن يبدو أن جذر هذه الكلمة يعني: رأس، شاهد. فالعلم يُرى من بعيد. وهكذا يُعرف الحبيب ولو كان بين عشرة آلاف. ويرى بعضهم أن "الربوات " (ر ب ب ه) هي "الالوهيم " أو الملائكة الذين هم رفاق العريس. تفسير عجيب يربطنا بالأحرى بعالم الشرك حيث "الالهيم" هم الآلهة. المهمّ هو أن تُبرز الحبيبة ميزة العريس وسموّه. وهذا أمر طبيعيّ حين نعرف أن العريس هو الله نفسه.
(آ 11) ترجم آكيلا "ك ت م. ف ز" بـِ حجر ذهب. وكذا فعلت البسيطة فقالت "كافا ددهبا". أما تيودوسيون فتحدّث عن لطخة، بقعة (في السريانيّة كوتما). وجمع سيماك (كما نجده في السريانيّة الهكسبلة) اللطخة إلى الحجر فقال "لطخة حجارة الذهب". واقترح بعضهم "ك ت ر" بدل "ك ت م" فتحدّث عن التاج. ولكننا نجد "ك ت م" مع "ز هـ ب " في أي 31: 24 ؛ أم 25: 12؛ مرا 4: 1. أما "ف ز" فتعني الذهب المنقّى. وهكذا تدلّ عبارة "ك ت م. ف ز" على نوعيّة عالية من الذهب. هكذا اعتاد الكتاب المقدس أن يعود إلى المعادن الثمينة ليدلّ على عظمة ما يريد أن يصوّره.
"ق و ص و ت ي و". عاد المترجمون إلى "القُصة" في العربيّة وهي تعني "شعر الناصية". فقالوا: ضفائر، خصائل، غدائر، وشبّهوها بأغصان النخيل التي تنزل من فوق إلى تحت. ولفظة "ش ح و ر" تدلّ على اللون الأسود. الحبيب هو أسمر كما قلنا، وشعره أسود غامق يشبه ريش الغراب.
ما معنى هذه الصورة؟ كانت فرضيّات عديدة منها أن الأقدمين كانوا يزرعون في شعرهم مسحوق الذهب، وهكذا يدلّون على نبلهم. في الواقع، يدلّ الحبيب على الرب من خلال صورة الهيكل. ففي 1 مل 6 يُذكر الذهب مرارًا وقد غطّى جدران الهيكل ولاسيمّا قدس الأقداس. ويتحدّث هذا النصّ من سفر الملوك عن أوراق النخيل التي نقشها سليمان على أرض البيت والأبواب. والنخيل صورة عن الشعر المسترسل (هنا نتذكر شعر ابشالوم بن داود، 2 صم 14: 25؛ 18: 9). أما اللون الأسود فهو لون قدس الأقداس الذي لم يكن فيه نافذة واحدة عكس الهيكل (1 مل 6: 4).
(آ 12) وإذ أراد الشاعر أن يبرز جمال عينَي العريس، استعاد عبارة استعملها ليصوّر عيني العروس. "جميلة أنتِ وعيناك حمامتان" (1: 15؛ 4: 1). والاختلاف الوحيد هو وجود كاف التشبيه (ع ي ن ي ك. ك- ي و ن ي م).
"ع ل. ا ف ي ق ي. م ي م ". على مجاري المياه. هذا ما قال أكيلا. والبسيطة: ساقية. والشعبيّة تحدّثت عن المياه الجارية. هناك من عاد إلى جذر "ا ف ق " الذي يعني "احتوى". وهكذا نكون أمام حوض من ماء أو مجرى الهر. وتعود المحاولتان إلى المعنى نفسه.
نجد فعل "ر ح ص " غسل، اغتسل. واللبن (أو: الحليب) يرمز إلى البياض الناصع كما في تك 49: 12 ؛ مرا 7:4. لن نتكلّم عن عين بيضاء وإلا صار العريس بشعًا. بل نفهم الاستعارة كما يلي: حين تغتسل الحمامة في الحليب تصبح كلها بيضاء. فالحليب هو أبيض والبياض علامة النور.
كيف نفسّر"م ل ا ت"؟ الملء. هو المعنى الأول كما في العربيّة (ملأ). ولكن بعضاً فكّر بملء العين: الوقت، الحجر. والبعض الآخر فكّر بالحوض والبِركة أو بالمحيط الواسع. المهمّ أن هذه الاستعارة تعبّر عن جمال عينيّ الحبيب في تناسقهما وحيويّتهما. وإذا عدنا إلى ما قلناه عن الآية السابقة، وإلى تشبيه عيني العروس ببركة حشبون (7: 5)، نقول إن الشاعر يجعلنا أمام بحر النحاس الذي كان الكهنة يغتسلون فيه قبل تقديم الذبائح (1 مل 7: 23- 26؛ 2 أخ 4: 2- 5؛ رج خر 30: 18- 21 ؛ 38: 8 ؛ 40: 30- 32).
(آ 13) في 1: 10، أنشد العريس جمال وجه العروس. وها هي تردّ له المديح. "خدّاه روضة أطياب ". كان العالم الشرقيّ القديم يضع العطور على اللحية (في العبرّية: ل ح ي و). مثلاً، نقرأ في مز 133: 2 عن الزيت (العطر) الطيّب على الرأس، والنازل على اللحية، لحية هارون.
لا نجد في البسيطة عبارة "م ج د ل و ت. م ر ق ح ي م " (اتلام رياحين، زهراء رياحين). اللفظة الثانية لا ترد إلاّ في هذا الموضع من التوراة، وهي تعود إلى جذر "ر ق ح " مزج العطور المختلفة (8: 2 ؛ خر 30: 33؛ رج 25: 35 ؛ جا 10: 1؛ 2 أخ 16: 14). إذن، يبدو أننا أمام مجمل النباتات التي تؤلّف كتلة واحدة.
"شفتاه سوسن ". زادت البسيطة "ايك"، كاف التشبيه، لتوازي العبارة السابقة "خدّاه كروضة". يتحدّث الشاعر عن شفتَي العريس كما سبق له وتحدّث عن شفتي العروس، ويمتدح لونهما الأحمر الفاقع. وهاتان الشفتان تقطران (4: 11) عبير المرّ (5: 5). هنا تقرأ البسيطة: المرّ والناردين. قيل عن العروس أن شفتيها تقطران عسلاً. صورتان مختلفتان بعض الاختلاف، ولكنهما تعبّران عن الفكرة عينها. هنا لن نتحدّث كما فعل بعضهم عن القبلات أو عن النفَس المعطَّر، بل عن حلاوة الكلام.
إذ ينشد الشاعر خدَّي الحبيب ولحيته وشفتيه، إذ يتغنّى بسحر كلامه، فهو لا ينسى ما يتعلّق بالهيكل. حسب 1 مل 6: 29، نقش سليمان على جدران البيت من الداخل والخارج الكروبيم والنخل والزهور المفتّحة. وقد رأت مخيّلة الشاعر في جدران البيت خدّي العريس. والنقوش دلّت على لحيته المعطّرة بالزيت. والشفة تدلّ على شفة الكأس، كما تدلّ على حافة الحوض وجانبه وحرفه (كما في العربيّة).
(آ 14) "يداه حلقتان من ذهب". هنا نعود إلى نص 1 مل المتعلّق ببناء الهيكل. ففي 7: 15- 22 يتحدّث الكاتب عن عمودين وُضعا عن يمين المدخل وشماله. ووُضع على رأسهما تاج. ويستلهم نش الصورة ولا ينسى السوسن المذكور في آ 19.
إن كرات الذهب هذه تزيّنها الحجارة الكريمة الآتية من ترشيش (في اسبانيا) كما تقول بعض المخطوطات. هكذا زُيّن هيكل سليمان، وهكذا زيّنت يدا العريس.
لا تدلت "م ع ي و" على الامعاء بل على البطن (دا 2: 32) كما يُرى من الخارج. وقال بعضهم: الصدر أو الجسد كله. ويُذكر العاج والياقوت كعلامة للبياض الناصع، للشفافيّة التي تحمل اللون الأزرق. جاء الياقوت من شواطئ الصومالي بواسطة مصر، أو من الشرق الأقصى عبر ماداي وبلاد الرافدين. قد نتوقّف عند العريس أو عند لباسه، ولكن يجب بالأحرى أن نعود إلى خبر 1 مل المتعلّق ببناء الهيكل. إن 1 مل 6: 3 يتحدّث عن الرواق الذي أمام هيكل البيت، و 7: 19 عن التاجين اللذين على رأس العمودين في الرواق (رج حز 40: 48- 49). نجد هنا لفظة "ا و ل م " أو"ا ي ل م "، التي تدلّ على المدخل الذي يشكّل دائرة فيشير إلى بطن العريس. أما الياقوت فيدلّ على ما يزيّن هذه الحجارة "العاجيّة".
(آ 15) ساقاه. تشبهان العمود في ارتفاعه (سي 26: 18). شكلهما شكل المرمر ولونها أيضاً. إن العمودين اللذين يتخيّلهما الشاعر يرتكزان على أساس من الذهب الخالص. نلاحظ أن "ا د ن " (قاعدة) تدل على القاعدة الفضيّة التي تحمل أرض المعبد (خر 26: 19 ي). كما تدلّ على القاعدة النحاسيّة التي تقف فوقها العواميد حيث تعلَّق الستائر (خر 27: 11 ي). قد يكون صاحب نش قد استلهم هذين النصّين القريبين من 1 مل 6-7. وقد يكون عاد إلى العواميد التي تحيط برواق هيكل سليمان.
"م ر ا ه و" (في العربيّة: مرآه، منظره). صارت في البسيطة "ننديه" أي صدره. ترد اللفظة عينها في 2: 14 على شفتَي العريس المتحدّث إلى حبيبته (مرآك، محيّاك جميل). يدلّ لبنان هنا على الجبل، كما يدلّ على الخضرة التي تغطّيه، خصوصاً حين يذكر الشطر اللاحق "الأرز" الخضَرّ دائمًا.
رأى سيماك في "ب ح و ر" الشاب وكذلك الترجوم الارامي (ع و ل م). هو المختار (في السريانيّة: غبي). تعجّب الشرّاح من هذه العبارة، فبدّلوا الكاف (كالارز) بالباء (بـ أرزي م، بالارز). فلبنان يتميّز بأرزه. وجعل آخرون لفظة "ا د ي ر" (مجيد، عظيم) محلَّ "ب ح و ر" (حز 17: 23). ولكن لماذا ننسى أن هذه اللفظة تدلّ على سموّ على الآخرين. فالكاتب يريد أن يدلّ على جمال الحبيب ومهابته. ونقدّم اقتراحًا: هل نستطيع أن نربط لفظة "ب ح و ر" بالبخور. فالعريس "ممتلئ بالبخور" مثل أرز لبنان. هنا نعود إلى فكرة العطور التي تملأ نش.
هنا نتذكّر أن الارز استعمل كثيرًا في الهيكل: للسقف، للابنية المحاذية، للجدران، بحيث بدا "كل ما فيه ارزًا" (1 مل 6: 9، 10، 15، 16، 18). ومذبح البخور غطّاه الأرز أيضاً (آ 20). وأخيرًا، بنى سليمان "الدار الداخليّة ثلاثة صفوف من الحجارة المنحوتة وصفًا من لاطات الأرز" (1 مل 6: 36؛ 7: 12). فكما كان الأرز يملأ الشعب إعجابًا، هكذا أثَّر الحبيب على الحبيبة بمرآه وطلعته.
(آ 16) هنا نقرأ "ح ك و". هو الحنك وداخل الفم (حز 3: 26) ويرمز إلى العضو الذي به نتكلّم (أي 31: 30؛ 33: 2؛ أم 5: 3 ؛ 8: 7). نتذكّر في هذا المجال أم 16: 21 (عذوبة الشفتين تزيد فائدة) التي تقدّم عذوبة الشفتين فتدلّ على الخطاب المنمَّق والمليء بالحكمة. زادت البسيطة: "مثل شعاع من العسل". ما أوحى للشاعر بالمقابلة هو مز 19: 11 (أحلى من العسل وقطر الشهاد)؛ 119: 103 (ما أعذب قولك في حلقي. هو أحلى من العسل في فمي) اللذان يشيدان بحلاوة الوصايا. إن الكلمات التي تسحر الحبيبة هي كلمات التوراة، كلمات الكتاب المقدّس.
"ك ل و". أي كلّه. كل شخصه. كل ما يصدر عنه. كان الحبيب قد هتف حين رسم صورة عروسه "كلّك جميلة" (ع:7). وها هي العروس تعلن: "كلّه شهيّ". يرغب فيه الناس لعذوبته، لأنه عزيز كريم.
"هذا حبيبي، هذا رفيقي ". تدلّ "رع " على الرفيق (خر 2: 13؛ 22: 9). كما تدلّ على شخص حميم (تث 13: 7 ؛ مي 7: 5)، وعلى علاقات الحبّ بين الرجل والمرأة، بين الحبيب والحبيبة. في 3: 20، تدلّ هذه اللفظة على العريس: "كما أن المرأة تغدر بخليلها". لا تستعمل العروس إلاّ مرّة واحدة "رع"، بينما هي تسمَّى مرارًا "ر ع ي ت ي" (رفيقتي). حين تتذكّر خياناتها السابقة، لا تعود تتجرّأ أن تأخذ لنفسها لقب "الزوجة". والعبارة "هذا حبيبي، هذا خليلي" هي هتاف النصر الذي ختم ردّ العروس على بنات أورشليم: "أردتن أن تعرفنّ بما يتميّز حبيبي عن أي حبيب. هل عرفتنّ الآن"؟

* حبيبي علم بين ألوف
بدأت العروس تتأمّل في شخص العريس بشكل إجماليّ قبل أن تتوقّف عند كل سمة من سماته. هكذا فعل الحبيب بالنسبة إلى حبيبته: جميلة أنتِ يا رفيقتي (4: 1ي). سألتها الجوقة: "ما فضل حبيبك على أي حبيب"؟ في الحقيقة لا يقابل الحبيب مع أيّ إنسان آخر. لو وُجد بين ألوف، بين عشرات الألوف، لعرفته. هو يتميّز عن جميع البشر إذا تذكّرنا أن العريس هو الله، نفهم في هذا المجال كلمة "قدوس". القدوس هو الفريد في العالم. هو الذي يختلف عن الجميع فلا نستطيعِ أن نحصره في صورة أو في شخص. القدّوس لا شيء يقابله. والحبيب هو الفريد اطلاقاً، هو الوحيد الوحيد. والتي سماها بناتُ أورشليم "الجميلة بين النساء"، هي جميلة ولكنها "سوداء". أجل، ما أقرّت به: سحنتها سوداء، معتمة، وقد أحرقت الشمس وجهها. أما وجه حبيبها فهو أبيض متألّق.
هذا الحبيب يشعّ بالصحّة والشباب، بالحياة والجمال. هذا ما قيل عن داود (1 صم 16: 12 ؛ 17: 42). ومثله يكون حبيب نش الذي هو ابن داود. نجد على وجهه جمعًا بين بياض النور كما قيل عن ثياب يسوع في التجلّي (لو 9: 29، صارت ثيابه بيضاء لامعة)، واللون الأحمر الذي هو علامة الحبّ. كل شخصه نور وحبّ. ذاك هو شعاع مجده.
هنا نشير إلى أن تقليدًا فسّر لفظة "ادوم" أحمر. فقال غريغوريوس النيصي إن هذين اللونين هما لونا التجسّد: بياض البدن وحمرة الدم. هذان هما اللونان اللذان يلجأ إليهما يوحنا ليصوّر ابن الانسان في سفر الرؤيا. من جهة، "كان رأس شعره أبيض كالصوف الأبيض أو كالثلج" (رؤ 1: 14) "وكان يركب حصانًا أبيض " (رؤ 19: 11). لا ننسَ أن البياض هو علامة الانتصار، غير أن هذا الانتصار تحقّق في الدم. هو"يلبس ثوبًا مغموسًا بالدم " (رؤ 19: 13). فالمجد والصليب اللذان يشاهدهما يوحنا معًا، يظهران منذ بداية نشيد الحبيبة لحبيبها.
بعد هذه اللحظة الأولى من السحر والانخطاف، تستسلم العروس إلى الإعجاب فترسم حبيبها رسمة مفصلة في اسلوب استعمله العريس ليصوّر عروسه. فهناك مقابلة بين 4: 1- 15 و 5: 10- 16. ما معنى هذه الصور التي تستعملها العروس لكي تتحدّث عن عريسها؟
صُوّرت العروس على مثال أرض فلسطين. انعكست في جسدها كل جمالات الأرض. أما العريس فصُوّر على مثالا هيكل أورشليم. فقد قالت يوحنا عن يسوع إنه الهيكل الحقيقيّ. حين قال ما قال بعد أن طرد الباعة من الهيكل، شرح يو 2: 21: "كان يتكلّم عن هيكل جسده ". وهكذا ترى الحبيبة جمال حبيبها مرسومًا في بهاء الهيكل. فهي تذكر الذهب والعاج والمعادن الثمينة وأفضل الحجر والخشب، ولاسيمّا خشب الأرز الآتي من لبنان. وكل هذا يدخل في بناء الهيكل وزينته. وإن التيار الجلياني سوف يجمع بعد حزقيال رؤية الكائن المجيد مع رؤية هيكل أورشليم. وهكذا كان الهيكل وأرض فلسطين الرمز الأخير في لقاء الحبيب بالحبيبة. أرض فلسطين تحتوي الهيكل الذي يدلّ على حضور الله. والهيكل يكرّس بوجوده أرضاً اختارها الله ليحلّ فيها متجسّدًا.
ونحن نتساءل: أين هي الصورة؟ يُذكر الحبيب ورأسه وشعره وعيناه وخدّه وشفتاه ويداه وساقاه وفمه. وفي كل مرة، نجد تشبيهًا مأخوذًا من العالم الذي يحيط بالشاعر. إذن، لا تحاول العروس حقًا بأن تصوّر العريس، بأن تجعلنا نراه. فكيف تستطيع ذلك؛ فمن يستطيع أن يعبّر عن عظمة جماله؟ حين رأت مملكة سبأ كل حكمة سليمان ومجده، "أصابها الذهول "، كاد يُغمى عليها من الإعجاب (1 مل 10: 5). فكم بالأحرى عروس نش. يكفي أن تذكر جمال مليكها لكي تحسّ أن قواها بدأت تخور. "فهنا أعظم من سليمان" (مت 12: 42). هي لا تقدر إلا أن تنشد أنه كنز لا يثمّن ودرّة حياتها الفريدة. وهي تجمع الذهب والمعادن النفيسة والحجارة الكريمة والخشب الثمين، تجمع أجمل ما في الكون وأندره وأعجبه وأثمنه، لتؤلّف نشيدًا فريدًا لكي تمجّد تمجيدًا فريدًا وتقدّم مديحًا فريدًا لذلك الذي هو فريد في قلبها، فريد في كلّ الأرض. هذا ما فعله يوحنا حين رسم في سفر الرؤيا ذلك الجالس على العرش: عاد، شأنه شأن حبيبة نش، إلى كنز الرموز الذي لا حدود له.

* رأسه ذهب خالص
يعود الذهب أربع مرات في صورة الحبيب. ولا يكفي العروس أن يكون الرأس من ذهب. بل هو من الذهب الخالص، الذهب الذي يتعدّى الذهب. فوجه العريس هو أجمل الوجوه وأحلاها، ولا يُقابل بوجه آخر. لهذا شبّه رأس الحبيب بقدس الأقداس، الموجود في عمق هيكل سليمان، الذي موقعه في رأس الهيكل حيث كان الذهب كثيرًا جدًّا (1 مل 6: 20: الذهب الخالص). لا ننسَ أن الذهب يدلّ على غنى الله الفيّاض. والذهب الخالص يدلّ على جمال كامل لا عيب فيه ولا غضن. أما تُرسم الايقونات بالذهب فتدلّ على عالم القداسة، عالم الكمال، عالم الغنى الذي لا حدود له؟
ويتفتّح شعر الحبيب ويتماوج حول وجهه كأغصان النخيل. ضفائر، جدائل جميلة وسوداء. هكذا كانت جدائل العريس. ويدلّ شعر العريس على رسوم النخل التي تزيّن أبواب قدس الأقداس. ويشير اللون "الأسود" إلى الظلمة العميقة التي تكتنف قدس الاقداس. فإذا كان الذهب يعلن مجد الله الساطع، فاللون الأسود يدلّ على أنه خفيّ لا تنظره عين.

* عيناه يمامتان على مجاري المياه
ويرى الشرّاح في قسمات الوجه تفاصيل تزيّن هيكل سليمان. ومن مواضيع الزينة اليمامة أو الحمامة. وهناك الماء الذي يدلّ على "بحر النحاس " في الهيكل، وقد يشير في مخيّلة الشاعر إلى أنهار الفردوس الأربعة. ولا ننسَ أن الحبيب سمّى حبيبته "يمامة". أنرى تشاهد نفسها في عينيه؟ جمالها هو من جماله.
عينان كعيناه ينيرهما الروح. والمياه واللبن تدلّ على الصفاء والشفافيّة. صور من الطفولة والطراوة والوداعة. بأي سلام وأي حنان يلقي الحبيب عينيه على الحبيبة. قال الربّ في أش 66: 12: "أجري السلام كالأنهار". وحين نتحدّث عمّن هو نور العالم، نفهم شفافيّة نظره وصفاءه.
حين صوّر الحبيب حبيبته، توقّف عند قطيع المعز وقطيع الخراف (4: 1- 2). أما هنا، فلا وجود لهذه الصورة الخاصّة بالعروس. فهي قطيع الراعي الصالح، وهو يقود خرافه إلى المراعي الخصبة.

* خدّاه روضة أطياب
لا نحاول هنا أن "نعصر" الصورة لكي نستشفّ وجه الحبيب ونراه. يجب أن نبقى على مستوى الشعر. فنؤخذ بالشعور والاحساس، لا بالنظر، كما في موسيقى صامتة. هذه الصور لا تتوجّه إلى عيون الجسد بل إلى عيون النفس. لهذا تتكاثر أدوات التشبيه (كسعف النخل، كالغراب، كالحمامتين). هي تثقل النصّ ولكنها تدلّ على مجهود قام به الشاعر ليجعل الحقيقة قريبة منا. إنه يستعمل صورًا من عالم الأرض ليعبّر عن واقع السماء، فكيف نريده أن يفعل إن لم يعد إلى عالم المقاربات والتشابيه.
خدّا العريس مع خدَّي العروس هما خميلتان من الراحة والسعادة. والشفتان ليستا "خيطاً من القرمز" كما قال الحبيب عن الحبيبة (4: 3)، بل سوسن أحمر شبّهت نفسها به. ومن سوسن الشفتين يقطر عبير يترك آثاره على مسكة الباب. "من شفتيه يقطر مرّ خالص ". هذا ما يدلّ على عذوبة الروح القدس الذي تنفحه شفتا الحبيب في عمق النفس لكي يعيد خلقها في كل لحظة. هذا ما قيل عن خلق الإنسان. "نفخ الله في أنفه نسمة حياة" (تك 2: 7). وقيل كذلك عن ولادة الكنيسة. "نفخ على تلاميذه وقال: خذوا الروح القدس" (يو 20: 22). فالعروس قد تمنّت منذ البداية عذوبة هذه القبلة، قبلة الروح التي تنالها من شفتَي الحبيب. "ليقبّلني بقبل فمه "

* يداه سواران من ذهب
حين نتذكّر التشابه بين الحبيب وهيكل أورشليم، نرى في العمودين الموضوعين عن شمال مدخل قدس الأقداس ويمينه، يدَي الحبيب وبطنه. ذهب اليدين، عاج البطن، هما وسيلتان تلجأ إليهما العروس المفتونة لكي تعبّر عمّا لا يعبّر عنه. هذا ما فعله يوحنا في سفر الرؤيا حين صوّر "ذاك الجالس على العرش، ومنظره كاليشب والعقيق الأحمر" (رؤ 4: 3). تحدّثت الحبيبة عن يدين مجلّلتين بالذهب. وقد نكون أمام ذهب ترشيش كما في بداية سفر حزقيال (1: 16).

* ساقاه عمودا رخام
بدأت الحبيبة ترسم حبيبها مع الرأس، وتوقّفت عند ضفائر الشعر والعينين والخدين والشفتين. وامتدّت الصورة إلى اليدين والبطن. وها هي قد وصلت إلى الساقين اللتين تشبهان عمودين من رخام. وهكذا نشعر بجمال العريس كما نشعر بقدرته. فهو لا يشبه أصنام الأمم: "لها أفواه ولا تتكلّم، لها عيون ولا تُبصر، لها آذان ولا تسمع، لها أنوف ولا تشمّ، لها أيدٍ ولا تلمس، لها أرجل ولا تمشي" (مز 115: 5- 7). ودانيال نفسه يهزأ بأرجلها التي لا تحمل صاحبها. أما ساقا العريس فلا شيء يزعزعها. هما كالصخر وقد قال رؤ 1: 15: "رجلاه كنحاس مصقول". إذن، تعرف العروس أنها تستطيع معه أن تكون مطمئنّة. تستطيع أن تستند إليه. فهو لا يلوي ولا يتراخى. هو مثل "عمودي رخام على قاعدة من الذهب ".
نتوقّف هنا عند الألوان التي تدخل في "صورة" العريس. هناك خمسة: الأبيض، الأحمر، الذهبيّ، الأسود، والأزرق. ويسيطر على الصورة لونان: الأبيض. حبيبي أبيض. عيناه حمامتان. هو يستحمّ في اللبن (الحليب). إنه كتلة من العاج. ساقاه عمودا رخام. ثم لون الذهب. يُذكر الذهب خمس مرّات بشكل مباشر مع الزبرجد. نتذكّر هنا أن الأبيض والذهبي هما لون الألوهة، وهذا ما يعرفه راسمو الإيقونات: ثياب بيضاء للمسيح المتجلّي أو القائم من الموت. ذهب الملك المجيد الذي يدلّ على عظمة لاهوته. لا ننسَ أن الذهب يُذكر 22 مرّة في سفر الرؤيا فيدلّ على شخص المسيح أو عطاياه. ثم إن الذهب يرتبط هنا، في نش، بالرأس واليدين والساقين التي ترمز إلى فكر الحبيب (الرأس) وقدرته (يداه) وثباته (ساقاه).
في البداية، حين أنشدت العروس عريسها، قدّمت لنا شعورًا إجماليًا. وها هي الآن تتوقّف أيضاً في نهاية "خطبتها" عند نظرة شاملة إلى جماله مع مديح خاصّ برأسه ويديه... حبيبها هو "مثل لبنان ". ماذا تستطيع أن تقول أكثر من ذلك. كان بنو اسرائيل يعرفون أن لا شيء يضاهي عظمة لبنان وجماله. لا شيء يماثل أرزاته الملوكيّة الباسقة التي تعلو جميع الأشجار.
قالت العروس في البداية إن الحبيب يُرى وسط الألوف. وهي تقول في النهاية: "لا نظير له". وكل هذا بسبب عظمته الفريدة ومهابته الجليلة. قال سي 24: 13 عن الحكمة: "ارتفعت كالأرز في لبنان ".
الأرز والتفّاح هما شجرتا الحبيب. رمزَ التفّاح بجمال زهوره وحلاوة ثماره إلى بشريّة أجمل البشر، يسوع المسيح الإنسان. ورمز الأرز بقامته التي لا تُضاهى إلى تساميه في لاهوته. على مستوى الجمال يكون الحبيب وسط البشر "كالتفّاح بين الأشجار". ولكن على مستوى لاهوته "لا نظير له" بين البشر فهو كالأرز لا تقابله شجرة من الأشجار.

* كلامه أعذب ما يكون
انتهت صورة الحبيب بالنسبة إلى النظر. والآن نعود إلى السماع. فكلمات الحبيب تسحر الحبيبة أكثر ممّا يسحرها جماله. هنا لا نترجم "الفم" أو"الريق " (الحلق، الحنك)، بعد أن وصلنا إلى الساقين، بل نتوقّف عند الفم على أنه أداة الكلام، وهكذا نفهم أن الشاعر يتحدّث عن الكلمات التي يقولها العريس فيخلب قلب عروسه.
منذ اللقاء الأول هتفت العروس: "جميل أنت يا حبيبي وعذب " (1: 16). وقال صاحب المزامير: "ما أعذب كلامك في حلقي. هو أحلى من العسل في فمي" (119: 103). فجمال ذاك الذي تحبّه قد استشفّته، قد حاولت أن تعبر عنه. ولكنه جمال يبقى في جوهره خفيًا. قال أش 45: 15: "انت إله خفيّ " (محتجب). أما الكلمات التي يوجّهها إلى العروس، فهي موضوع اختبار، وهي تفعل فعل العطور. والكلمة (يسوع المسيح) الذي يكلّمها في سرّ قلبها، يكلّمها كلام الوداعة والحنان. كلامه عذب كله ولم يتكلّم إنسان مثل هذا الرجل (يو 7: 46).
أترِدْن أن أقول لكنّ شيئًا بعدُ، يا بنات أورشليم؟ أقول: "هو شهيّ كله ". كانت رفيقات العروس قد سألنها عن العريس، فصوّرته وأنهت كلامها: "كل ما فيه شهيّ ". فماذا تستطيع أن تزيد؟ ليس من برهان يدلّ أفضل من هذا على أن عريسا نش هو الله نفسه. في المرّة الواحدة التي حاولت أن تتصوّره، جاءت الصورة ساطعة ومعتمة معًا. هذه هي اللغة الرمزيّة. لغة هي لغة السر. وعبرها تحاول النفس أن تقول من هو الله بالنسبة إليها. ولكنها لا تصوّره كما يصوَّر إنسان من البشر فبعد هذه "الصورة" المفصّلة عن العريس، نحن لا "نراه " إطلاقًا. هو يفلت منا، لأنه أبعد من نظرنا بحسب الجسد.
"أرادت " أن تصوّره. ولكن، هل تستطع أن تصوّره؟ قد أغرمت بذاك الذي لا يمكن الوصول إليه. لقد اشتهت ذاك الذي لا يمكن إدراكه. لا شيء ممّا نعرفه في عالمنا يكشفه لنا: لا الشكل ولا اللون ولا الوجه ولا المقابلة ولا القياس. هو يتجاوز كل تمثّل، ويفلت كليًا من "قبضة" الذين يطلبونه. تتخيّل العروس سلسلة من الألفاظ تحاول أن تدلت على الخير الذي لا يعبَّر عنه. ولكنه يتجاوز كل إمكانيات التعبير اللغويّ. هذا ما قاله غريغوريوس النيصيّ.
وتحدّث أوغسطينس عن هذه المحاولة اليائسة التي تقوم بها العروس: "إنها رؤية تتجاوز كل جمالات الأرض: الذهب، الفضّة، الخشب، الطبيعة، جمال البحر والهواء، جمال الشمس والقمر، جمال النجوم، جمال الملائكة... هو جمال (إلهي) يتعدّى كل جمال، لأن منه ينال كلُّ شيء جماله... تقول اللغة ما تستطيع أن تقوله، والباقي يفهمه القلب... فهذه الحقيقة التي لا نقدر أن نعطيها اسمًا حقيقيًا، قد نسمّيها "ذهبًا"، قد نسمّيها "خمرًا". هو اسم نعطيه لما لا نستطيع أن نسمّيه. قد نعتبر أننا نعطه اسمًا من الأسماء. أما اسمه الحقيقيّ فهو الله ".
وهكذا، في النهاية، لا تجعلنا العروس نرى شيئًا من العريس، كما لا تقول لنا شيئًا خاصاً عن ذاك الذي تحبّ. بل عندما تتكلّم، يجتاحنا معها شعور عميق بالسجود المفعَم بالحبّ. هذا السجود هو انخطاف الحبّ الذي يسحقه جمال المحبوب وقدرته وعظمته.

* هذا حبيبي، هذا رفيقي
لسنا هنا أمام خاتمة، بل أمام نشيد الانتصار تطلقه العروس في نهاية نشيدها فيمتدّ في صوتها. في الحقيقة، لا نرى كيف تستطيع بنات أورشليم اللواتي حدثتهنّ العروس عن حبيبها، أن يساعدنها على العثور على ذاك الذي أضاعته. ولكنها لم تتكلّم إلى بنات أورشليم بقدر ما تكلّمت إلى نفسها، وهي تتطلعّ إلى الأفق البعيد وغير المنظور. ثم أطلقت صيحة وكأنها رأت مرّة أخرى رفيقاتها، فقالت: "هذا هو حبيبي، هذا هو رفيقي"! هي المرة الوحيدة في نش كله تسمّي فيه الحبيبةُ ذاك الذي تحبّه: "زوجي" (خليلي، رفيق حياتي)، مع أنها سمّته أكثر من 25 مرّة "حبيبي " (دودي).
نجد في هذه الصرخة تشديدًا على غلبة أحرزتها. بل نجد تحديًا لبنات أورشليم اللواتي تحدّينها فقلن: "ما فضل حبيبك على أي حبيب "؟ بعد أن أنشدت الحبيبة نشيدها الجنونيّ، أجابت بعزّة وافتخار: أترِدْن أن تعرفنَ! إنه زوجي. ولا أستطيع أن أقول شيئًا بعد ذلك. هنا نسمع كلام الرب كما ورد في سفر هوشع: "وفي ذلك اليوم تدعينني "زوجي". ولا تدعينني بعد ذلك "بعلي " (هو 2: 18). وقال أش 54: 5: "بانيك هو زوجك " (رج تك 2: 2 حيث بنى الربّ الاله المرأة). لقد أوضحت لنا الحبيبة بأحلى الألفاظ ما يعني هذا العهد الذي يجعل من أعظم حبيب على الأرض، عريسها الفريد. "هذا هو حبيبي، هذا هو زوجي".
نشيد الحبيبة هنا هو "نشيد الغائب ". فنحن لا نستطيع أن نرى الله، ولا نحاوله أن نتمثّله وكأنه صنم من الأصنام (أش 40: 18؛ 46: 5). فالحبيبة قد تمزّق قلبها وتحطّم جسدها، ومع ذلك هي تنشد نشيدها للغائب، لذاك الذي يقيم فيها والذي لا تستطيع أن تدركه، أن تصل إليه. نحن في هذه الآيات أمام تقدمة الحبّ ترخص للأمير الذي لا يمكن البلوغ إليه. فهو غائب. ولكن بدل ليتورجيا جنائزيّة، ها نحن أمام نشيد المجد الذي يرينا معجزة الحبّ الذي أنكر ذاته.
فمع أن الحبيب "غائب "، إلاّ أن الحبيبة هي بكلّيتها له. ومع أنه غائب، فهو فريد، فهو الأجمل. ووجهه الذي رأته وقبّلته، يبقى فيها إلى الأبد تجسيدًا للجمال المطلق... لم نعد أمام إنسان، بل أمام شخص الله الحاضر الغائب الذي تسجد له.
استعملت العروس 22 أداة تشبيه: الألوان، المعادن الثمينة، الحجارة الكريمة، العصافير، عناصر الكون، الأرض، المياه، الأشجار، العطور، الأزهار. انطلقت من كل هذا لكي تصوّر لنا حبيبها. غير أن ذاك الذي تراه يتعدّى بعظمته حدود الكون، وحبّه لا حدود له. وهي العروس المصلوبة بيد الأمير الغائب الذي تنشده، والذي يجعلها غيابُه وكأنه فقدت الخليقة كلها. ولكن الإيمان يصنع المعجزة فيحوّل ألمها إلى نشيد من المديح يتيح لها في انخطافها أن تصوّر لبنات أورشليم، أميرها الغائب.
ما نلاحظه في نش هو أن جمال الحبيب الذي لا يُعبَّر عنه، يُحتفل به هنا كحبّ لا يتغيّر ولا يتبدّل. جمال يختلف عن جمال الحبيبة الذي هو في جوهره متقلّب ومتحرّك. مثل جمال الحمامة والخراف والمعز في أرض فلسطين. جمال تأخذه من جمال الزهر والنبات في فلسطين، جمال عذب ولكنه عابر زائل. أما جمال العريس في هذا المقطع الوحيد الذي فيه تحاول العروس أن تتصوّره، فيبدو جمالاً لا يتحرّك، جمالاً مطلقاً.
وما يلفت النظر في هذا المجال، هو اختيار العروس في هذه القصيدة لحبيبها، الذهب والمعادن الثمينة والحجارة الكريمة، وخشب الأرز، كل هذا لا يتبدّل في نظر العالم. قالت أوغسطينس: "ذاك الذي ترغبين فيه لا يتحرّك. ذاك الذي ندعوه الكائن (الذي هو) لا يتبدّل لأنه الوجود الحقيقيّ. إنه ثابت دائمًا ولا يتحوّل. فلا فساد فيه. هو لا ينمو لأنه كامل. ولا ينقص لأنه أبديّ".
الفصل التاسع عشر
أين مضى حبيبك
6: 1- 3

هنا يمتدّ الحوار بين الجوقة والعروس، قبل أن يعود العريس إلى الحديث في القصيدة الخامسة. تحدّثت العروس عن حبيبها، فملأت عيون بنات أورشليم بجمال من تحبّه، ثم ملأت آذانهن بما يمكن أن يسمعن من كلامه العذب. وأنهت كلامها قائلة: "هذا هو حبيبي، هذا هو زوجي ". فتدخّلت الجوقة من جديد. كانت قد طلبت التعرّف إلى العريس، وها هي تقدّم نفسها لتبحث عنه مع العروس. قرأنا في 9:5: "ما فضل حبيبك على أي حبيب، يا أجمل النساء". وها نحن نقرأ في صيغة مقابلة: "أين ذهب حبيبك، يا أجمل النساء" (آ 1)؟
نتوقّف هنا عند مدى القصيدة واتساعها. اتّفق الشرّاح على تحديد بدايتها: "أنا نائمة وقلبي مستفيق " (5: 2): اجتمع العروسان، ولكنهما افترقا الآن، وعادت حلقة الأحداث المؤلمة. ولكنهم اختلفوا في تحديد نهاية القصيدة. هناك عدد كبير من الشرّاح يعتبر أن القصيدة الرابعة تنتهي في 6: 3: "أنا لحبيبي وحبيبي لي ". هذا ما نجده في ترجمة الآباء اليسوعيين. أما ترجمة كليّة اللاهوت الحبريّة في الكسليك فتجعل القصيدة تنتهي مع 6: 1: "أين مضى حبيبك، يا أجمل النساء"؟ وجاء مَن ينهي القصيدة في 6: 9: "يمامتي كاملة لأمها". إعتبر أن القصيدة تصوّر الوقت الذي يلي الزواج، وتدلّ على روحنة زواج الملك سليمان. بل راح بعضهم حتى 6: 10: "من هذه المشرقة كالصبح، الجميلة كالقمر"؟ بعد أن مرّ حبُّ الشونميّة في المحنة كشف عن أمانته، انتهى كل شيء بمديح لهذه الأمانة.
ولكن هذه القصيدة، شأنها شأن القصائد التي سبقت، لا تُنشد الأمانة، بل جمال الحبيبة. كان لكل شارح فكره. منهم مَن اعتبر القصيدة صورة عن خيانة العروس ثم توبتها: إذن، عاد العريس إليها. وهكذا تنتهي القصيدة بلوحة ترسم عودة العريس (6: 1-12). ومنهم مَن اعتبر أن 5: 2-8: 4 يكوّن مجموعة تروي في الحلم الحياة الزوجيّة لدى العروسين. فرضيّة لا تسند نفسها.
هنا نتذكّر أن كل قصيدة تتضمّن ثلاث مراحل: الطب، المديح، الامتلاك. بدأ الطلب هنا في 5: 2- 8. بحثت العروس عن العريس. ثم استحلفت بنات أورشليم، فجاءها الجواب اللاذع: "ما فضل حبيبك " (آ 9). ولكن الحبيبة اعتبرته سؤالاً يطلب جوابًا، فأخذت تنشد حبيبها وتمتدحه (آ 10- 16). وتدخَّلت الجوقة أيضاً لتفتح الطريق أمام امتلاك العروسين الواحد للآخر (6: 1- 3): "انا لحبيبي وحبيبي لي ".
(آ 1) استعادت بنات أورشليم الكلام، فجاءت العبارة هنا شبيهة بما في 5: 9. ففي الحالتين يتكرّر السؤال وتتبعه جملة غنائيّة (فنطلبه، لكي نطلبه). وفي الحالتين يتوجّه السؤال إلى "الجميلة بين النساء"، إلى "أجمل النساء". هناك مَن قال إن بنات أورشليم تدلّ على الأمم التي نُفيت عندهنّ اسرائيل، فطلبن البحث عن الربّ. ولكن قد نكون أمام طريقة تتوخّى تقديم السرّ الذي يختتم هذه القصيدة.
(آ 2) جنّة الحبيب هي عروسه (4: 12 ؛ 5: 1 ؛ رج 2: 16). هذه الجنّة هي أرض فلسطين التي تتماهى منذ هوشع مع الأمّة المشخّصة. وبما أن العريس تماهى مع الهيكل (5: 11- 15)، ففعل "ي ر د" (في العربيّة: ورد) يفهم في المعنى الحقيقيّ (نزل). فكما أن المؤمن يصعد إلى أورشليم من أي موضع جاء (3: 6)، فهو ينزل من أورشليم إلى أية نقطة يتوجّه إليها على أرض فلسطين (قض 1 :9؛ 1 مل 1 :25؛ 2:22؛ 2 مل 8: 29 ؛ 2 أخ 18: 2؛ 22: 6؛ نح 6: 3).
ولكننا نجد تفاسير مثل: اعتزل سليمان في جنّته، لأن عروسه تأخّرت. أو: عاد الراعي إلى قريته. ومنهم مَن عاد إلى عالم الميتولوجيا فدلّت الجنّة على حدائق أدونيس، والرياض المعطّرة على المرّ الذي يضمّخ الموتى. إذن، نزل الحبيب إلى عالم الموتى...
نحن هنا أمام "روضة الأطياب " أو الرياض المطيّبة. دلّت العبارة على خدّي العروس (5: 13). وهي تدلّ الآن على أرض فلسطين التي يرمز إليها هذا البستان المعطّر (4: 13-14، 16). وهكذا تعيد الحبيبة إلى الحبيب المديح الذي تلقّته منه.
"يرعى (قطيعه) في الجنائن ". فالرب هو الراعي لأنه ملك. وهو يرعى قطيعه وسط السوسن كما قال 2: 16 و3: 6. ويقول لنا النصّ هنا إنه يرعى في الجنّات المعطّرة. هنا نبتعد عن المدرسة الطبيعانيّة التي تتوقّف عند الجمال الطبيعيّ لدى المرأة، أو تظنّ أن الحبيب "يرعى". بمعنى أنه يشبع من اللذات.
إن لفظة "ج ن ي م " في الجمع غير محدّدة، وهي تدلت على فلسطين. وقد "رآها" الشاعر خصبة فشبّهها بالجنّة. وهكذا تصل الصورة إلى صورة حقول السوسن. هذا هو التجدّد والوفر والسعادة التي تدلت على الأيام الأخيرة بعد العودة من المنفى (أش 51: 3؛ 11:6).
قطف العريس السوسن في جنّته. ما معنى هذه الصورة؟ منهم مَن قال إن السوسن يرمز إلى السموّ والنبل والنقاوة في الحبّ الذي يدفع الحبيب إلى الحبيبة. ومنهم مَن قال بشكل باهت: السوسن هو شفتا العروس. ولكن هذا لا يفسّر معنى الفعل "ل ق ط ". فقد كان باستطاعة الحبيب أن يرتاح أو يتمشّى بين السوسن. لماذا "يلتقطه "؟ هو الرب يجمع شعبه المشتّت وسط الأمم (أش 11: 12). ثم إن السوسن يدلّ على أرض فلسطين والعودة المنتظرة (2: 1- 6؛ 4: 5؛ 7: 3). وقد تعني فعلة العريس أن الجنّة، أي العروس، هي له بكليّتها (4: 12). لا يدخلها أحد غيره.
(آ 3) "أنا لحبيبي وحبيبي لي ". هذه الآية تكرّر حرفيًا 2: 16. ولكنها تقلب الكلمات التي كانت: "حبيبي لي وأنا له ". وهو"يرعى بين السوسن". نحن هنا كما في نهاية القصائد السابقة، حيث العريس والعروس يمتلك الواحد الآخر. هو امتلاك حقيقيّ لا في الرجاء، وكأن العروس ما زالت في بحثها. العروسان هما الواحد للآخر، ولكنها في البدء له. قلب الشاعر الألفاظ، فدلّ على أنها صارت منذ الآن لحبيبها. وأنها تستنكر خياناتها السابقة. والرب من جهته عاد إليها: فراعي اسرائيل يرعى من جديد بين السوسن. قد نقول إن هذا اعتراض بسيط. ولكن ما أقلّ الذين يستطيعون أن يقولوا حقًا: "انا لحبيبي وحبيبي لي".

* أين ذهب حبيبك، يا أجمل النساء
سمعت بنات أورشليم في صمت عميق "نشيد الغائب"، ولم يقطعن على الحبيبة كلامها. ولما انتهت، بدأن بالكلام، لا بلهجة مدهوشة أو ساخرة، بلهجة فيها الكثير من الارتياب، كما فعلن في الماضي حين قلن: "ما فضل حبيبك على أيّ حبيب آخر"؟ لقد تأثّرن بكلام العروس، فما عدن يتساءلن عن الحبيب، بل قدَّمن نفوسهنّ واستعدادهنّ ليبحثن عنه معها: "أين اتّجه حبيبك فنطلبه معك"؟
نحن نرى هنا إشعاع حبّ العريس حين يتّصل بالعروس، وانتقاله إلى الآخرين. فهذه النساء اللواتي كنّ لا مباليات، بل ساخرات، قد بلغ منهنّ التأثير كل مبلغ. لقد استشففن عبر جمال وصوت ونشيد تلك التي رأين فيها "أجمل النساء"، أنهن يُدعين أيضاً لأن يُحببن هذا العريس ويتقبّلن الحبّ منه. فتساءلن باندفاع عن ذهاب العريس وعن الاتجاه الذي أخذه حين هرب. أين ذهب حبيبك؟ أين اتجه حبيبك؟ تكرّر اسم الحبيب مرّتين في سؤالهنّ فدلّ هذا التكرار على اهتمامهنّ به.
أين؟ أين ذهب؟ أين توجّه؟ وسمّينه الحبيب بعد أن تعلّمن اسمه من الحبيبة. لم يتولّد حماسهنّ فقط من رغبة بأن يساعدن أختهنّ. فالرغبة في الحبيب تجتذبهنّ أيضاً: "فنطلبه معك ". قالت العروس في البداية (1: 4): "اجذبني وراءك (إجعل خطاي في خطاك) فنجري ". وها هنّ رفيقاتها، وقد اجتذبهن نشيدها، مستعدات للحاق بها، للحاق به.
تنبّأ زك 8: 23 فقال: "في تلك الأيام سيتمسّك عشرة أناس من كل ألسنة الأمم بذيل ثوب يهوديّ قائلين: نريد أن نسير معكم، فقد سمعنا أن الله معكم". حبّ شعب العهد ينتقل كما بعدوى. وحبّ الكنيسة العروس أيضاً. قال غريغوريوس النيصيّ: "حين ترى الصبايا عبر العروس جمال العريس، يستطعن أن يشاهدن ما لا يُرى ولا يفهم في كل كائن. فذاك الذي لم يَره أحد (يو 1: 18) والذي لا يستطيع أن يراه أحد (1 تم 6: 16) قد جعل من كنيسته جسده... كوّن وجه الكنيسة فطبع فيه قسمات وجهه (أف 5: 27). لهذا، حين شاهدت صديقات العروس هذه الكنيسة، رأين فيها ذاك الذي لا يُرى بشكل عميق جدًا. فالذين لا يستطيعون أن يحدّقوا بالشمس، يتأمّلون انعكاسا في الماء. وفي هذه المرآة النقيّة التي هي الكنيسة، يقدرون أن يروا شمس العدل". يا ليت الذين نالوا من الله نعمة التعرّف إليه يكونون للذين لم يكتشفوه، مرايا نقيّة تعكس وجهه!

* حبيبي نزل إلى جنّته
سألت الصبايا بشغف عن الوجهة التي اتخذها العريس حين مضى. فقدّمت العروس جوابًا يدلّ على أنها هدأت بعد "انخطافها الطويل". قدّمت جوابًا لا يُفهم للوهلة الأولى، فقالت: "حبيبي نزل إلى جنّته ".
نستطيع القول إن أسئلة بنات أورشليم (أو: تساؤل الأمم الوثنيّة التي تحيط بأورشليم) جعلت الحبيبة تعي أن ذاك الذي تطلبه هو في أعماق قلبها. كم مرّة يكشف لنا الآخرون حضورًا نعيشه في حياتنا بشكل خفيّ. فالحبيب الذي نادته الحبيبة كل هذا الوقت وركضت تبحث عنه واجفة واجلة، لم يهرب إلى أقاصي الأرض. بل هو قد اعتزل في قلب حبيبته وأقام فيها صامتًا. فالحبيب لا يملك جنّة إلا نفس حبيبته: "أجيء إلى جنّتي، أجيء يا عروسى" (1:5).
هناك يجب أن تطلب الحبيبة حبيبها. تظاهر أنه ولَّى ومضى... إنه الآن في قلبك. يكفي أن تدخلي إلى ذاتك لكي تجديه، وهكذا لا تكونين غائبة عن الموضع الذي يقيم فيه. لماذا تذهبين إلى حيث لا يكون؟
هذا ما تعرفه العروس الآن. نزل. يُستعمل هذا الفعل في التوراة ليدلّ على النزول من أورشليم والهيكل إلى أرض فلسطين. هذا هو المعنى الأول. وهناك معنى أعمق هو انحدار العريس الملكيّ إلى قلب حبيبته المسكينة الصغيرة، التي كانت خائنة له وها هي تعود إليه بكل قلبها. فعبارة "حبيبي نزل إلى جنّته" تدلّ على تنازله إلى تلك التي سمّاها قبل ذلك "جنّته المقفلة".
بعد النشيد الساطع الذي يمجّد تسامي العريس، ها هو نشيد هادئ حول إقامته في داخلنا بشكل يعجز اللسان عن وصفه. فكيف استطاعت أن تتصوّر أن ذاك الذي قيل عنه إنه لا يُدرك، قد احتواه عمق قلبها. ولكن مهما كانت هذه الجنّة صغيرة وحقيرة، فهي "روضة من الأطياب ". هذا لا يعني أنها تُخرج من ذاتها مثلَ هذه العطور القويّة التي تحدّث العريس عن أندرها (4: 12- 15). فالعطور التي فيها، تأتي من الذي يقيم فيها. في أعماقنا هو الله يستقبل الله الآتي إلينا. في أعماقنا، الله يشاهد الله.
وإذ يقيم الحبيب مرتاحًا في أعماق النفس، فهو لا يكون مكتوف اليدين. إنه هنا لكي "يرعى قطيعه في الجنّات"، لكي "يجمع السوسن ". هذا ما تقوله الحبيبة عن حبيبها الذي "نزل " عندها. تتكرّر كلمة "جنّة". وكلمة "سوسن ". في المرّة الأولى ترد الجنّة في صيغة المفرد. وفي المرّة الثانية في صيغة الجمع. هذا يعني أننا ننتقل من خبرة فرديّة وشخصيّة إلى بُعد كونيّ وشامل. فالله لا يلتقي اللقاء الحميم بتلك التي يحبّها، هو لا ينزل في نفسها، دون أن يتمّ فيها وبها وفي جنّته الخفيّة، عمله الجوهريّ الذي هو وحدة البشر فكما "يجمع" الحبيب السوسن "، هكذا يجمع يسوع في الوحدة أبناء الله المشتَّتين (يو 11: 52).
نجد البستاني والراعي في نش، كما نجدهما في إنجيل يوحنا. فمريم المجدليّة ظنّت أن يسوع القائم من الموت هو"البستاني" (20: 15). والعريس المختفي في حميحيّة البستان (أو الجنّة)، بستان حبيبته، ما زال يعمل بواسطتها في بستان العالم الواسع. من هنا الجمع "في الجنّات"، أي لدى جميع البشر، بعد المفرد، أي جنّة الحبيبة. في القصيدة الثالثة، تلك التي سمّاها الحبيب "جنّة مقفلة" صارت "ينبوع الجنّات ". ومريم المجدلّية التي تريد أن تتمسّك بيسوع في حميحيّة جنّتها (بستانها)، ستسمع يسوع القائم من الموت يقول لها: "لا تمسكيني، بل اذهبي إلى الاخوة" (يو 20: 17).
والحبيب يشبه الراعي (يو 15: 11) فيجمع ويوحّد كل افكار وعواطف تلك التي يقيم فيها (يرعى قطيعه بين السوسن). كما يجمع بها وفيها كل سوسن. يريد أن يجعل من الشعوب شعبًا واحدًا. قال يسوع في يو 10: 16: "ولي خراف أخرى ليست من هذا القطيع. فهذه يجب أن آتي بها لتكون الرعيّة واحدة والراعي واحدًا".

* أنا لحبيبي وحبيبي لي
بعد أن وجدت العروسُ عريسَها في عمق قلبها وحميميّته، كما وجدته في الانفتاح على الآخرين واتحادها بهم، ها هي تتمتم في حبّ كبير: "أنا لحبيبي وحبيبي لي". هي ردّة تتكرّر. وهذا الإلحاح لدى الحبيبة بأن تقول وتقول أيضاً إنها كلها لحبيبها (كما في كلمات العهد)، يودّ بشكل خفيّ أن يدمّر ماضيها كعروس خائنة. وهي تتذكّر الآن حزينة سقطتها الأخيرة (تأخرت ولم تفتح له الباب). بل هي تخاف من نفسها ومن ضعفها.
تذكّرت الله وتعبّدها للأوثان من خلال خبرة هوشع مع امرأته جومر التي صارت زانية خائنة. فسمعت زوجها يقول لها: "لم تعد امرأتي، ولم أعد زوجها". (هو 2: 4). وسيقول الله بفم نبيّه: "لستم شعبي ولستُ إلهكم " (هو 1: 9).
غير أن كل هذا بدا بعيدًا. فهي تريد اليوم أن تكون له كما هولها. فعبارة "أنا لحبيبي وحبيبي لي " هي ردّ في إطار العهد المستعاد، على عبارة الطلاق التي تلفّظ بها "الزوج " فيما مضى (لستِ امرأتي، ولستُ زوجك). وهكذا يكون الزوجان في نش صورة معاكسة لزوجين تعيسين هما هوشع وجومر.
في 2: 16 قالت المحروس: "حبيبي لي وأنا له". أما الآن فقد قلبت الجملة لكي تدلّ على التبادل الكامل في حبّهما. فكما هو لها، هكذا هي له. كانت له المبادرة بأن يحبّها أولاً. وها هي تطلب أن تحبّه أولاً. هكذا لا تحبّه أقلّ ممّا يحبّها. ولكن العروس لا تستطيع أبدًا أن تحبّ كما يحبّ العريس. قال القديس برنردس: "لا تفيض المياه بالغزارة عينها من تلك التي تحبّ كما من الحبّ، من النفس كما من الكلمة، من العروس كما من العريس، من الخليقة كما من الخالق. هي المسافة الواقعة بين النفس العطشى والينبوع... ولكن إن أحبّت الخليقة أقلّ (من الخالق) بسبب محدوديّتها، فلا ينقص شيء من حبّها إن هي أحبّت بكل كيانها". في هذا المجال قالت إحدى النفوس: "تبدو النفس على قدم المساواة مع يسوع المسيح، فحبّهما المتبادل يجعل كل شيء مشترك بينهما".
قالت العروس: "أنا لحبيبي وحبيبي لي ". وهكذا انتهت القصيدة الرابعة في جوّ من الراحة والطمأنينة بعد أن بدأت بشكل دراماتيكيّ. ها هي تنسى في النهاية ما قاسته في البداية. وكان تحوّل في قلب العريس وإن كنا لا نستطيع أن نتكلّم عن تطوّر ممكن في كائنه العميق. في بداية القصيدة كان "شحّاذًا" يقف في البرد والليل ويتوسّل إلى الحبيبة من عمق شقائه أن تفتح له. في النهاية هو الأمير الذي لا تستطيع أيّة صورة في العالم أن تحيط به.
هذا ما كنا قد اكتشفناه في القصيدة الثالثة. في البداية، هو قائد يحيط به رفاقه يصل من البرّية بعد مسيرة طويلة. وفي النهاية، يكون الملك متّكئًا في وليمة أعراسه. نحن في كلتا الحالين أمام الوجه الواحد الوحيد، وجه عبد الله المتألّم كما يصوّره أشعيا، ووجه القائم من الموت الذي يشعّ مجدًا يوم القيامة.
الفصل العشرون
جميلة كترصة، حسناء كأورشليم
6: 4 -9

بعد ما قالته العروس فأسرَّت لنا بما في قلبها من قلق وحب وسعادة مستعادة، كان من الطبيعيّ أن يدخل العريس "على المسرح". ولكن بما أنه سبق له وأفصح عن إعجابه بجمال العروس في القصيدة الثالثة، لا ندهش إن رأيناه يستعيد العبارات نفسها. فهي تسرّه أو هو بالاحرى لا يستطيع أن يجد صورًا جديدة يعبّر فيها عمّا في قلبه من حب وفي فمه من مديح. تشبه هذه القصيدة ما في ف 4: تأمل واحد في العروس، وتصوير لها. مجيء العروس من مكان مجهول أو بعيد. امتلاك فيه ملء السعادة.
(آ 4) "ي ف ه " (جميلة). هذا ما قيل عن العروس في 1:8 ؛5: 9؛ 6: 1، 10. وقرأنا "ر ع ي ت ي " (رفيقتي، خليلتي) في 1: 9؛ 2: 2؛ 5: 2. واجتمعت الصفتان في 1 :15؛ 2: 10، 13؛ 4: 1، 7: "جميلة كلّك يا رفيقتي، وما فيك عيب ".
ترصة هي مدينة كنعانيّة قديمة (يش 12: 24). صارت عاصمة مملكة الشمال، مملكة اسرائيل ساعة انقسام مملكة سليمان (1 مل 14: 17؛ 15: 21- 33 ؛ 16: 6، 8، 9، 15، 17، 23). وظلّت كذلك حتى عمري الذي بنى السامرة وأقام فيها (1 مل 16: 24-28). مثّلت ترصة مملكة الشمالي، كما ستمثّل أورشليم مملكة الجنوب. وهكذا تكون الحبيبة تجسيدًا للمملكتين، للأمّة كلها التي اجتمعت من جديد كما في وحدتها الأولى.
مثل هذه النظرة هي تعبير عن رغبة تقليديّة نجدها بشكل خاصّ في نصوص بعد المنفى. نقرأ في هو 2: 2: "ويجتمع بيت يهـوذا وبنو اسرائيل جميعًا ويختارون لهم رئيسًا واحدًا" وفي 3: 5: "وبعد ذلك يرجعون ويطلبون الرب إلههم، وداود يكون ملكًا لهم ". وفي إر 31: 1: "أصير إلهًا لجميع عشائر إسرائيل وهم يكونون شعبًا" (رج آ 27، 28، 31؛ حز 16: 53- 55؛ 37: 15- 28؛ زك 9: 13 ي؛ 10: 6- 10؛ مز 80: 1ي).
ولكن لماذا اختار الكاتب ترصة ليرمز إلى مملكة الشمال، ولم يختر السامرة؟ أولاً، بسبب اسمها: هي تسرّ (الله)، هي ترضيه. هذا ما فهمته الترجمات. فقالت السريانيّة: صبيونا أي المسرّة والمشيئة. ثانيًا، أراد الكاتب أن يتجنّب ذكر السامرة التي صارت مبغوضة في أيامه لما تمثّل من عبادة أوثان. كانت السامرة في أساس الانشقاق، ثم صارت وثنيّة (2 مل 17: 24- 41)، وفي النهاية خاصمت العائدين من المنفى (عز 4: 1- 23؛ نح 4: 1 ي). وإذا أردنا أن نعرف الكره العميق والعنيد للسامرة، نقرأ سي 50: 25- 26: "أمّتان أمقتهما، والثالثة لا تستحقّ أن تدعى أمّة... القوم الأغبياء الساكنون في شكيم " (رج مت 10: 5؛ لو 10: 29- 37؛ 17: 16- 18؛ يو 4: 9؛ 8: 48)
"فاتنة مثل أورشليم ". نجد "ن و ه" التي طبّقها إر 6: 2 (المترفة بنت صهيون، التي يفتخر بها. رج ناوأ في العربية). وكلنا يعرف التعلّق العميق بأورشليم من قبل المؤمنين بالرب. "أنظر إلى صهيون مدينة أعيادنا. تريان عيناك أورشليم مسكنًا مطمئنًا، وخيمة لا ترحل ولا تُقلع أوتادها إلى الأبد ولا يقطع حبل من حبالها" (أش 33: 20). "مدينة إلهنا، جبله المقدّس. جميلة ورفيعة. هي بهجة الأرض كلها" (مز 48: 3). ونقرأ في مرا 2: 15: "أهذه هي المدينة التي يدعونها كاملة الجمال بهجة الأرض كلها"؟
"رهيبة كالجحافل ". هي حاشية مستلهمة من آ 10. "ا ي م ه" هي مؤنث "ا ي م" الذي نقرأه في حب 1: 7 في معرض الحديث عن الكلدانيين ذاك الشعب المعروف باندفاعه وشراسته. تركت البسيطة "ك ن د ج ل وت " (كجحافل، كجيش برايات) وقرأت "ك ن د ب ه و ت " أي "كالمختارة، كالمصطفاة (ايك جبيتا في السريانيّة).
لماذا تقال هذه "الجميلة" إنها مرهوبة كجيش برايات؟ هنا تباينت الآراء. الأول: عبّر الشاعر عن قوة مفاتنها المسيطرة، وهذا ما جعلها ساحرة رهيبة. الثاني: مرآها وحده يولّد الخوف والاحترام ويجعل المتجرّئين لا يجسرون على الاقتراب منها. الثالث: نحن أمام تلميح إلى رقصة السيف والترس. الرابع: ترك اسرائيل منفاه وسار إلى فلسطين.
في الواقع، نقرّب بين هذه الآية وبين 4: 4. فاللفظة هي هي في الآيتين. عادلة الأمّة إلى فلسطين وظلّت جميلة. كما كانت مرهوبة من أعدائها. ضايقها الغرباء مدّة طويلة، واحتقرتها الشعوب المحيطة بها، ومزَّقتها المنازعات الداخليّة. وهي تنتظر يومًا تستعيد فيه مع وفر ورفاه الحقبة الاسكاتولوجيّة، استقلالها والقوّة التي كانت لها في عهد داود وسليمان. ويرتبط هذا الامل بإعادة تكوين الوحدة الوطنيّة. نشير هنا إلى أن بعض الشرّاح يلغي هذه العبارة (مرهوبة كالحجافل) لأنه يقرأها في آ 10.
(آ 5) "حوّلي عينيك عنّي، فهما ترهبانني " (رهـ ب كما في العربيّة). قالت السبعينيّة: "جعلتاني أطير، أهرب " (رج الشعبيّة). والسريانيّة: "جعلتاني أهرب ". ولكن يبدو أن الترجمات تأثّرت بغياب العريس المفاجئ وبنهاية آ 4، فتحدّثت عن الهرب. في الواقع، عيناها تسحرانه، تحيطان به وتحاصرانه بسبب قوّة الحبّ التي تثيرانها فيه.
ونهاية آ 5 (شعرك قطيع معز رابض على جبل جلعاد) هي تكرار حرفيّ لما في 4: 1 ب مع اختلافة بسيطة. "م هـ ر. ج ل ع د" (من جبل جلعاد) صارت "م ن. ج ل ع د" (من جلعاد). وفي بعض المخطوطات اليونانيّة الجرارة وفي الشعبيّة صار النص: "صعد" (سلق في السريانيّة): "صاعدة على جبل جلعاد".
(آ 6) تكرّر هذه الآية 4: 2 (أسنانك قطيع نعاج. ولكن بدل "هـ رح ل ي م " (رج رخلة في العربيّة: الأنثى من أولاد الضأن) أي النعاج، جعل النصّ "هـ ق ص د ب و ت " (أي تلك التي تجزّ).
(آ 7) هنا تتكرّر أيضاً 4: 3 ب. لماذا كرّر النص هنا 4: 1 ب، 2- 3 ب؟ إن الكاتب الذي يصوّر الآن العودة من المنفى، يكرّر كلامه عمدًا ليدلّ على تشابه هذا الحدث مع الخروج من مصر وليفهمنا أن حبّ الله تجاه شعبه هو هو الآن كما في الماضي، رغم الخطايا التي تراكمت خلال الحقبة الملكيّة. وإذا كان الكاتب لم يستعد صورة "برج داود" (4: 4)، فلأن الوضع تبدّل فيما بعد المنفى. على كل حال، فالتكرار يدلّ على أن حبّ العروسين لا يتبدّل (إر 31: 3). وإن تكرّرت الكلمات فالعواطف تتجدّد وتتعمّق.
(آ 8) نجد هنا تعداد ثلاث ألفاظ: "م ل ك وت ": بنات الملوك والأميرات اللواتي يقفن في الصفّ الأوّل. "ف ل ش " هي الجارية التي تعيش مع سيّدها. "ع ل م ه" هي الصبيّة التي لم تتزوّج بعد. والصبايا المذكورات هنا، قد يشكّلن حاشية الملكة، أو ينتظرن أن يدعوهن (أو يدعو واحدة منهن، كما في أس 2: 12- 17) الملك، أو يخدمن في القصر الملكيّ. يعود النصّ هنا إلى 1 مل 11: 3 الذي يتحدّث عن حرم سليمان. في 1 مل 11: 1، 3، الأعداد هي 700 و 300 وهنا هي 60 و 80 (ومع ذلك يبقى العدد كبيرًا). ولا ننسى أن الملوك في القديم كان لهم عدد كبير من النساء. مثلاً رحبعام: 18 زوجة و 60 جارية (2 أخ 11: 81). وكانت الأعداد تتصاعد بتصاعد قوّة الملك وعدد معاهداته. ولكن يبقى أننا في المعنى المجازي. فالملكة فريدة واحدة، وإن كثُرت النسوة.
إذن، نحن أمام فرضيّة تقدّم بطريقة نفهمها حين نضع الجملة إزاء الجملة، ولا نربط الجملتين. لو كانت الملكات ستين والعرائس ثمانين، فأنت يا حبيبتي يمامتي الوحيدة وجميلتي الفريدة. مهما كانت أمم الأرض كثيرة، فهي في شكل من الأشكال عرائس يهوه، ساعة تلتقي الأمم مع شعب اسرائيل في عبادة الإله الحقيقيّ، ليعرف هذا الشعب دوره الفريد في مخطّط الخلاص.
(آ 9) الحبيبة فريدة، لا صبيّة تضاهيها. والمديح الذي يوجَّه إليها يذكّرنا بذلك الذي وجّهته في ما مضى إلى حبيبها (5: 10). يمامتي يعني جميلتي، جميلتي (1: 15؛ 2: 14؛ 4: 1 ). "وحيدة أمها" لا تعني فقط أن لا صبيّة غيرها في البيت، بل أنها تعامل كما لو كانت وحيدة. يستلهم الكاتب أم 4: 3: "كنت ابنًا صغيرًا لأبي وولدًا وحيدًا لأمّي" (رج تك 22: 2). "ب ر ه" رج "ب ر و ر" في 1 أخ 7: 40؛ 22:9؛ 16: 41 وفي نح 5: 8. وهو يعني المختار أو النخبة. هذا ما تقوله الترجمات القديمة.
العروس هي أعظم من الصبايا والملكات والجواري بعد أن ميّزها عريسها. فقد شاهدنها وامتدحنها. نحن هنا قريبون من أم 31: 28- 29: "ينهض أولادها فيباركونها وزوجها يمدحها فيقول: نساء كثيرات أظهرن قدرة وأنت تفوّقت عليهن جميعًا". في كلا الحالين، هي امرأة تُمتدح من أجل صفاتها التي لا تُضاهى.

* جميلة مثل ترصة
في افتتاح القصيدة الخامسة، جاء العريس فجأة وبشكل سريّ. جاء كعادته بدون استعداد ولا "مقدّمات ". وكالعادة أيضاً، هو لا يتكلّم إلا ليعلن دهشته لدى جمال حبيبته. تسع مرات في نش نقرأ وصف العروس على شفتَي العريس. "جميلة أنت يا رفيقتي". (آ: 15 أ). "جميلة أنت " (1: 15 ب). "يا جميلتي تعالي " (2 :10). "يا جميلتي تعالي " (2: 13). "جميلة أنت يا رفيقتي " (4: 1 أ). "جميلة أنت " (4: 1 ب). "جميلة أنت يا رفيقتي " (6: 4). "جميلة أنت يا حبيبة" (7:7).
"جميلة أنت! ما أجملك "! ولقد ترافقت القوّة مع جمال العروس. هي لا تشبّه فقط بأرض فلسطين في الربيع، بل بمدينتين (عاصمتين) قويّتين هما ترصة وأورشليم. وهو وعد للشعب، وعد للعروس، بأن عودتها التامة إلى عريسها، سينتج عنه عودة الإخوة بعضهم إلى بعض. سيجتمعون كما يجتمع الآن في اسمها المدينتان اللتان كانتا تتقاتلان في ما مضى، واللتان تصالحتا الآن. فبعد الانفصال الذي تعيشه الأمّة اليوم، سيأتي زمن الوحدة كما يتمنّاها الشعب بعد المنفى، وكما تتمنّاها كنيسة المسيح في مسيرتها الطويلة إلى الملكوت. فالاتحاد المستعاد مع الله يتبعه تجمّع الاخوة. "فهو سلامنا وقد وحّد ما كان مقسومًا" (أف 13:2-14).
ترصة هي التي ترضي الله باسمها. فالرب كان قد وعد في أش 62: 4: "لا يُقال لك من بعد مهجورة، ولأرضك لا يُقال خربة، بل تدعين "مرضاتي بها"، وأرضك تُدعى "مزوَّجة". ومع ترصة هي أورشليم. أما بالنسبة إلى الحسن والجمال، فلا تُقابل العروس إلا بأورشليم. هي المحبوبة. هي موضع الاعجاب. "ما أحبّ مساكنك، يا ربّ الاكوان " (مز 84: 1)! "الرب يحبّ أبواب صهيون (ويفضّلها) على كل مساكن يعقوب " (مز 87: 2).
هي جميلة. وهي قويّة. لهذا تُقابل مع الجحافل التي تُرهب الاعداء. حين يصف المرنّم أورشليم، فهو يقول إنها تقاوم من يهاجمها: "طوفوا بصهيون ودوروا حولها، عدّوا بروجها، تأمّلوا قصورها" (مز 48: 13- 14). كان نش قد قال في 4: 4: "عنقك كبرج داود مبنيّ للسلاح، ألف ترس معلّق فيه وكل دروع الجبابرة". فمن حاولّ أن يهاجم المدينة المقدّسة كان متهوّرًا. فهذا الجمال الذي هو موضوع اعجاب، هو أيضاً جمال لا يُقهر. هذا ما تأثّر به العريس نفسه فهتف:

* حوّلي عينيك عنّي فهما ترهبانني
ليس الخوف من الحبيبة هو الذي يجعله يطلق هذا الهتاف، بل نار حبّها التي لا تقاوَم. كانت هي قد قالت عن عريسها في القصيدة الأولى: "جيشه عليّ (في هجومه) هو الحبّ " (2: 4). وفي هذه المرّة يحسّ العروس نفسه أنه ضعيف أمام قوّة حبّ تلك التي يحبّ، ففي "لعبة" الحبّ، هو سريع العطب ويجرح بسهولة. العروس تهاجم العريس بعينيها، تحاصره بحبّه، فلا يستطيع بعد أن يفعل شيئًا.
أحسّ الحبيب أنه أعزل بلا سلاح أمام حبيبته التي لم تعد عيناها عيني حمامة هادئة وادعة (كان قد قال: عيناك حمامتان، 1: 15). بل صارتا عيني جمال لا يُقاوم، جمال ينتصر دائمًا. وهكذا تأخذ الحبيبة ثأرها على مستوى الحبّ. قالت إحدى المتصوّفات: "أيها الحبيب، سررت بأن تعذّبني. والآن آخذ بثأري حين أسبّب لك الجرح الذي به عذّبتني. أجل، يجب أن "أنتقم"!
والوصف الذي يلي يدلّ على هذه القوة وما فيها من سيطرة. في الظاهر هي الصورة التي رأيناها في القصيدة الثالثة. ولكن من خلال الحبّ الذي لا يتبدّل، ينشد الحبيب جمالاً خطيرًا يفرض نفسه فلا يقاومه أحد.

* شعرك قطيع معز، أسنانك نعاج
هي صور قرأناها في القصيدة الثالثة، كما قلنا. وهي صور متعارضة: شعر أسود كالابنوس، كمعز البلاد. أسنان بيضاء كالنعاج، ومرتّبة في صفوف. كيف تشبّه أسنان العروس بنعاج بريئة (4: 2)، مع أن التقليد البيبلي حين يتحدّث عن الاسنان يذكر أسنان الوحوش التي تمزّق وتفترس بدون شفقة؟ ولكن الشاعر يقابل أسنان العروس بنعاج الراعي الصالح التي اغتسلت وتنقت كلها في ماء العماد. وتحت الحجاب، يبقى الوجه في لمعانه. وهكذا نكون أمام ألوان الحبيبة: الأسود، الابيض، الأحمر. ونلاحظ أن الذهب غائب. ففي نش، يُحصر الذهب بالحبيب وحده.
وصف فيه الكثير من التكرار. هي الصور عينها، وأقوال الحبّ ذاتها. هو لحن سبق وسمعناه. ولكننا نسمعه الآن مستعادًا في نغمة أخرى. لا شك في أن ذات المواضيع تُعرض من جديد، ولكن الحركة الموسيقيّة تختلف كل الاختلاف. نحن أمام استنباط عجيب، لا أمام تكرار مملّ. وبعد أن وقف الحبيب أمام باب الحبيبة ابتعد عنه وعبر. وبعد ذلك سكت. لم يُسمع في ذلك لومًا ولا تشكيًا.
فترك صديقته تكتشف وحدها لجّة جنونها. فقد بكت بكاء مرًا، وبحثت وأطالت البحث، وسألت حتى حرّاس المدينة بما عندهم من فظاظة. وبما أنها لم تعد تستطيع أن تكلّمه، انطلقت تحتفل به وتنشده. فهي له من جديد. له بكليّتها. وهي مغرمة به كما لم تكن من قبل. وها هي قد وجدته الآن. هو دومًا هنا، في حميميّة جنّته. وكانت قد تمتمت: "أنا لحبيبي، وحبيبي لي". ولكن كلماته في تبادل حبّهما، هل ستكون هي هي كما من قبل؟ لا شك في أنه لا يوجّه إليها لومًا ولا توبيخًا. فهي تعرفه جيّدًا. ولكن هل يستطيع أن يستعيد اللحن الذي كان ينشده لها؟
وإذا بنشيد العريس يرتفع نحوها كما في السابق. نشيد الأعراس. لم يلمّح أبدًا إلى الماضي، ولم يطرح أي سؤال عن سلوك سابق. استعاد اللحن ذاته الذي سبق له وأنشده في سكر حبّه في القصيدة الثالثة. تلك كانت طريقته لكي يُفهمها أن شيئًا لم يتغيّر. بل وجد السبيل لكي يقوله لها حقًا إنه يرى أنها أقوى من المدن الحصينة. أنها جميلة مثل أورشليم وترصة. وهذا ما لم يقله لها في السابق. في الحقيقة، لقد تقوّت كثيرًا بعد أن قامت من سقطتها بحيث بدت "مرهوبة الجيش برايات "، كجيش مصطفٍ للقتال.
عجيب هذا الحبيب! فالمغفرة بالنسبة إليه هي أن ينشد دومًا نشيد الحبّ، أن ينشده بصوت أعلى، بصوت أوضح. هذا ما فعله يسوع مع معان بطرس عند شاطئ البحيرة: لا لوم ولا توبيخ. لا تلميح إلى الإنكار المثلّث إلا داخل الاعلان المثلّث بالحب الذي دفعه إلى أن يتلفّظ به: "يا سمعان ين يوحنا، أتحبني" (يو 21: 15-17)؟
وها هو حبيب نش يقول الآن لصديقته (ولا يقول لها شيئًا آخرا: إنها فريدة، فضّلها على الجميع واختارها. لا كما سبق ودندن في يوم من الايام فشبّهها مازحًا بسائر النساء وقال: "سوسنة بين الأشواك " (2: 2). بل هي فريدة وحيدة بالنسبة إليه، وهذا بمعزل عن تفوّقها على سائر النساء.

* يمامتي، كاملتي وحيدة
أجل، تتجاوز الحبيبة جميع النساء، تتجاوز أجمهلنّ وأكثرهنّ شهرة وأعظمهنّ لقبًا. تتجاوز الملكات وبالحري سائر النساء. هذا ما لا شك فيه. لهذا يقول العريس: "هناك ستون ملكة، وثمانون جارية وصبايا لا عدد لها. ولكن حمامتي كاملتي هي وحيدة. وحيدة لأمّها والمفضّلة لدى التي ولدتها".
سبق قلنا إنه وإن كان لسليمان مثل هذا العدد من الملكات، فالعروس هي وحيدة بالنسبة إلى عريسها. قال غريغوريوس النيصيّ: "تلك التي بدّلت حالة العبدة والجارية إلى حالة الملكة، تلك التي صارت بحرّيتها ونقاوتها، جديرة بأن تتقبّل الروح، هي الحمامة الكاملة التي ينظر إليها العريس حين يقول لها: وحيدة يمامتي، فريدة كاملتي ".
اختلف الحبيب كل الاختلاف عن سليمان الذي ترك مفاتن نساء عديدة تسلب قلبه، فدلّ على أمانته الثابتة وأحبّ عروسه حبًا لا مقاسمة فيه، حبًا محصورًا فيها. أحبّها اليوم أكثر مما أحبّها في البارحة. كانت قد قالت عنه ساعة تخيّلت أنها أضاعته: "يُعرف بين عشرات الألوف... لا نظير له " (5: 10، 15). هذا صدى للفاتحة التي يتلوها المؤمن ثلاث مرات في النهار: "إسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا هو الربّ الواحد. فأحبّ الرب إلهك من كل قلبك، وكل نفسك، وكل قدرتك " (تث 6: 4- 5). وفي نظره هو، فريدة هي وحيدته، كاملته. وهذا ما أسمعها إياه في تث 7: 6- 8: "أنتم شعب مقدّس (مكرّس) للرب إلهك. أنت الذي اختارك لتكون شعبه الخاص وسط جميع أمم الأرض ".
في الحقيقة، كل أمم الأرض هي هنا، أخواتها الصغرى: الملكات، الجواري، الصبايا، ولكن إن نظر العريس إليهنّ كلّهن، لا يني يردّد لعروسه أنها فريدة. إنها كالابنة الوحيدة في البشريّة، كالمفضّلة على جميع النساء. هي فريدة بولادتها، وفريدة باختياره لها. فريدة حين خُلقت، وفريدة حين اختيرت. وإذا كانت تتفوّق على سائر بنات أمها (البشريّة)، على سائر نساء العالم، فليس ذلك بسبب جمالها وحسب (في أي حال، جمالها عطيّة من خالقها)، بل بسبب الحبّ الفريد الذي يكنّه عريسها لها. قال لهاكما في أش 43: 4: "أنت عزيزة في نظري، أنت ثمينة، أنا أحببتك".
هنا نورد ما قاله أوريجانس في سفر عزرا الرابع: "نظرت إلى غابة الأرض كلها وجميع أشجارها، فاخترت كرمة فريدة. ونظرت إلى كل أزهار الكون، فاخترت السوسن وحده. وشاهدت الطيور وسط المخلوقات، فدعوت طيرًا واحدًا ليكون لك: يمامتي".
هذا ما قيل عن شعب العهد القديم الذي اختير من أجل مهمّة روحيّة. وهذا ما يقال اليوم عن الكنيسة وعن البشريّة كلها. كما يقال عن كل واحد منا. وهكذا يرتفع نشيد شكرنا لذلك الذي أحبّنا حبًا تفضيليًا. لهذا يأتينا النداء: "أترك نفسك تُحَب اكثر من هؤلاء".
ولكن نجاوب على هذا الحبّ الفريد بحبّ فريد. ولا نشبه بعض "الصبايا" (كما يراهنّ الآباء في نش) اللواتي يحببن الحبيب من كل قلبهنّ، ويحببن عددًا من الأشياء معه. عرفن اسم العريس الذي لا يهمّه إلاّ الحب والغفران. أحببنه حبًا ما زال في عهد الصبا، واحببن معه الخواتم والترهّات بحيث ينسون من يجب أن يمتلك كل انتباه في قلبهن وفي حياتهن.
في الواقع، لا نرى شيئًا من ذلك عند الصبايا في نش. فكلهنّ يُظهرن سخاء ما بعده سخاء. بدأن فسمعن في صمت عظيم نشيد الاحتفال بالعريس. ولاحظن أنه بعد أن كلّم عروسه بشكل مباشر (عيناك، شعرك، أسنانك أنت) أوقف فجأة مسيرة حديثه وما فيه من حبّ، وتوجّه إليهنّ، إلى جوقتهنّ. جعلهنّ شاهدات لميل قلبه الوحيد. "هناك ستون ملكة، ثمانون جارية، وعدد لا يُحصى من الصبايا، ولكن يمامتي، كاملتي، وحيدة". لم يدبّ الحسد في قلبهنّ. فكل الصبايا، كل أمم العالم. فرحن بسعادة اختهن التي بواسطتها يستشففن تتمّة آمالهن. سعادة الأخت الكبرى هي نفسها سعادة أخيّاتها الأصغر منها. وما أصابها من خير سوف يصيبهنّ، لأن كل أمّة في الأرض تستطيع أن تعتبر نفسها بالنسبة إلى الله: يمامتي، كاملتي، وحيدتي. وهكذا تستطيع كل نفس أيضاً أن تعتبر نفسها وحيدة لدى الله، محبوبة وكأنها وحدها على الأرض.

* رأتها فهنّأتها الصبايا
فرحت الصبايا فأنشدن لاختهن الكبرى التي تحمل رسالة العب&#