الصوم الكتابي
(متى 6: 16-18/ إشعياء 58:1-7)


يحتلّ الصوم مكانة هامة في المُمارسات الدينية كافة، فهو مُعتقَد في كلِّ دين بدافع التوسُّل إلى الله ومُحاولة التقرُّب إليه. وعقيدة الصوم من العقائد القليلة التي تختلف فيها الطوائف المسيحية من حيث التطبيق، وليس من حيث المبدأ. وممَّا هو شائع بين بعض المسيحيين أنَّ الإنجيليين لا يصومون! وهو قول خاطئ وصحيح في الوقت نفسه. خاطئ لأنَّ مبدأ الصوم مبدأ كتابي وإنجيلي، وصحيح لأنَّ مُعظَم الإنجيليين يُهملون الصوم، مع الأسف، رغم أنَّ الكنيسة الإنجيلية تُعلِّم به، كأحد التعاليم الكتابية الهامة. ولأنَّ بعض الطوائف في هذه الأيام تمارس صوماً طقسياً (مُنظَّماً)، فإنَّ ذلك الكلام المُشاع يطفو على السَّطح، وتكون الفُرصة للتساؤل مِن جديد: هل الإنجيليين يؤمنون بالصوم؟ لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ هذا ما نريد أنْ نتأمَّله ونتعلَّمه هنا.
في موعظته على الجبل (مت6) وضع المسيح ثلاث أمور مُتشابهة مُتوازية، مِن حيث التركيب والكلمات الرئيسية. الصلاة: طريقة مباشرة للتواصل مع الله. الصَّدقة: طريقة غير مباشرة في العلاقة مع الله. الصوم: الربط العملي بين الصلاة والصَّدقة. لكي يعلِّمنا بكلِّ بساطة أنَّ الصوم لا قيمة له بدون اقترانه بالصلاة والصَّدقة.

(1) ما هو الصوم؟
المعنى اللغوي لكلمة (صام) في اللغات العبرية واليونانية والعربية، يفيد الامتناع التَّام عن الطعام والشَّراب والعمل، مع فُقدان الشَّهوة الجسدية والشَّهية للأكل، مُدَّة زمنية مُحدَّدة. هذا هو المعنى الذي يبيِّنه ويشدِّد عليه الكتاب المقدس بعهدَيْه. ففي (مت14:9-17) يبيِّن المسيح أنَّ الصوم مرادف للنَّوح، وعلامة للحُزن على الفُراق. ويقول إنَّ هذه العلامة لا تليق ببني العُرس طالما أنَّ العريس معهم. لكن سيأتي وقت يشعرون فيه بالفراق بسبب الفتور الروحي والابتعاد عن العريس (المسيح). كان المسيح يشدِّد على أنَّه لم يأتِ لإصلاح عقائد بالية، مِمَّا كانت تنادي به الطائفة الفريسية، ولا ليفرِض طقوساً وأصواماً مُعيَّنة على الناس، بل جاء ليُجدِّد الكلّ، المظهر والجوهر، لأنَّ الترقيع يضرّ بالثَّوب العتيق، والخمر الجديدة تمزِّق الزقاق البالية.
ويخبرنا الإنجيل في (مت4) أنَّ المسيح صام مَرَّة واحدة قبل أنْ يبدأ كرازته عَلَناً، عندما قرَّر، وهو في صراع مع إبليس في البرية، اتخاذ طريق الصليب والآلام لإتمام فداء البشرية. ولم يُكرِّر المسيح ذلك الصوم، ولم يطلب مِن أحد أنْ يتشَبَّه به في ذلك العمل الذي يختصّ به هو وحده، لأنه عمل مرتبط بالفداء. مثل ميلاده العذراوي، وعمل معجزات لإثبات لاهوته، وصَلبه، وقيامته، وصعوده. هذه كلّها أمور لا يشاركه أحد فيها، ولم يطلب مِنَّا أنْ نقوم بها، لأنَّها أعماله هو وحده، بصفته صانع الفداء المجَّاني. كما يخبرنا الإنجيل أنَّ تلاميذ يوحنا المعمدان كانوا يصومون كثيراً (مر18:2). وأنَّ الفريسيين كانوا يصومون مرتَيْن في الأسبوع للتظاهُر أمام الناس بحياة التقوى والالتزام (لو12:18). ويخبرنا أنَّ المسيح علَّم بالصوم (مت19:17-21). وأن الرسل صاموا في أوقات مُعيَّنة لأسباب مُحدَّدة، وليس بشكل دوري (أع1:13-3).

(2) كيف نصوم؟
كان المسيح يشرح بعض أفكاره بطريقتَيْن، مُبيِّناً أولاً ما هو مرفوض، ثم ما هو مفروض وواجب. ولكي يبيِّن الطريقة المرفوضة في مسألة الصوم أشار كثيراً إلى ما كان مُشاعاً عند الفريسيين خاصة. لقد نَصَّت الشريعة على صوم لمدَّة يوم واحد في السنة، هو يوم الكفَّارة. لكنَّ بعض اليهود، خاصة الفريسيين، ابتكروا أصواماً أخرى كثيرة، فكانوا يُغيِّرون وجوههم للتظاهُر بالكآبة، ويتأرجحون أثناء السَّير، حتى يُعطوا فِكرة للناس عن كثرة أصوامهم. كانوا يعتقدون أنَّهم يجذبون انتباه الله بأصوامهم تلك، وكذلك انتباه الناس أيضاً. وقد أعلن المسيح تحذيره وعدم رضاه عن تلك الأصوام. فالمسيح لم ينتقِد فِكرتهم عن الصَّوم، ولا كَثرَته، بل انتقَد هدف مِن الصوم. أما عن الطريقة المفروضة، التي علَّم بها، فيمكن إيجازها في أربعة مبادئ هامة:
أ0 مبدأ الحرية:
يقول المسيح "متى صُمت" أي في الوقت الذي تُحدِّده أنت باختيارك الحُرّ، ويناسِبك ويتناسَب مع احتياجاتك ويناسب صحَّتك. لذلك قال بولس: "فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شُرب" (كو16:2). أمَّا الصوم الذي تتَّفِق عليه جماعة مِن المؤمنين في وقت ماً لسببٍ ما، فلا يجب فَرضه على أحد. ولا يوجد تعليم في كلمة الله عن الأصوام الدورية التي نظَّمها فيما بعد بعض المؤمنين القدماء بحسب استحسانهم، لظروف خاصة بهم، بل هناك تحذير واضح منها (كو16:2).
ب0 مبدأ السريَّة:
يُشدِّد المسيح على هذا المبدأ، فعندما تصوم يجب أن لا تُظهِر نفسك صائماً للناس، بل كُن طبيعياً سعيداً نظيفاً بدون تصنُّع. وإذا كان الصوم اختيارياً، وَجَب أنْ يكون سِرِّياً، لأنَّه علاقة شخصية بين الفرد والله.
ج0 مبدأ الانقطاع:
لا وجود لفِكرة الصوم عن بعض الأطعمة دون غيرها في كلمة الله، إنَّها فكرة بشرية مَحضَة ولا أساس كتابي لها. فكيف يكون الصَّوم عن بعض المأكولات، مع الاستمتاع بمأكولات أخرى شهية جداً، وتُتناوَل بكميات كبيرة؟ أيُّ صومٍ هذا؟ يمكننا أنْ نُطلق عليه مشاركة مع المحرومين مِن هذه الأطعمة، لكنه ليس صوماً. والذين يمتنِعون عن أنواع مِن الطعام كاللحوم أو الأسماك، ويتناولون بقوليات، ألا يدركون أنَّ البناء الجسمي للحيوانات والطيور والأسماك مبني على تناولها النباتات والبقوليات والأعشاب؟ أليسَت المزروعات كائنات فيها حياة، لأنها تأكل وتشرب وتتنفَّس، وقد أثبت العِلم أنَّ بعض النباتات تشعُر وتحسّ؟ ألا تبتكِر وتتباهى بعض السيدات بعمل أشهى المأكولات (الصيامية) كنوع مِن التحايُل على مبدأ الانقطاع التام عن الطعام؟
د0 مبدأ الاقتران بالفضائل:
الصوم بدون الصلاة يُصبح جوعاً عادياً بدون أيَّة فائدة. فالصوم هو جوع للجسد، يُقابله الصلاة غذاء الروح. وعندما نقرأ بدقَّة وتمعُّن في الكتاب المقدس، سوف نكتشف أنَّ كلّ الأصوام التي ورد ذكرها في العهدَيْن، كانت لها أسباب مُحدَّدة. لذلك نقول إنَّ كلّ صوم بدون سبب، هو صَوم غير كتابي، ولم يُعلِّم به الكتاب المقدس. فلا بُد أنْ يكون للصَوم سبب حتى يرفع درجة حرارة الصلاة عند المُصلِّي. والمعنى الروحي للصلاة هنا هو إقرار الصائم بأنَّه لا يستحق الطعام ولا الشراب، لكنَّه يصلِّي للرب مُعتمِداً فقط على مراحمه ونعمته زمشيئته الصالحة. وعندما يقترن الصَّوم بالتوبة، يكون الصوم علامة خارجية، بتفريغ المعدة من الطعام، دليلاً على التوبة، العلامة الداخلية بتفريغ القلب مِن والخطايا والآثام.
وفي (إش 7،6:58) نلاحظ الاقتران الواضح بين الصَّوم والصَّدَقة، الأمر الذي أكَّده المسيح. فالصائم الذي يطلب رحمة الله، يجب أنْ يرحم غيره أولاً. لذلك يقول في إشعياء إنَّ الصَّوم الحقيقي هو: حَلّ القيود التي تُقيِّد الضعفاء & فَكّ الدُّيون & إعطاء الحرية للمُستعبَدين & رَفع الأحمال مِن على عاتِق الآخرين & ليس أنْ تحرِم نفسك مِن الخبز، بل أنْ تكسِر خُبزك لجائع& ليس أنْ تلبس ما يدلّ على صومك وحُزنك، بل أنْ تكسو عرياناً برداء& ألا تتجاهل أقربائك في حاجاتهم الزمنية والروحية والنفسية. إنَّ هذا الفصل الكتابي من أروع الفصول الكتابية التي تتناول بوضوح ما يريده الله في مسألة الصوم. حيث لا نرى فيه أيَّة إشارة، لا بالتصريح ولا بالتلميح، تعلِّم ما يجب أنْ يُؤكل وما لا يؤكل في الصوم، ولا متى يبدأ ومتى ينتهي، وما هي مواعيده ومواسمه. إنَّ الأمر الواضح في (إش58) أنَّه لا يتكلم أبداً عن صوم له علاقة بالأكل والمعدة، بل صوم له علاقة بالصَّدقة المادية والمعنوية للآخرين.

(3) لماذا نصوم؟
رفض المسيح أنْ يكون الصوم لهذه الأسباب:
[1] التظاهُر والادِّعاء كما رأينا (مت6).
[2] لأهداف رديئة: حيث يحذِّرنا الكتاب المقدس من الصوم لأهداف رديئة. يقول يعقوب الرسول "تطلبون ولستم تأخذون، لأنكم تطلبون ردياً" (يع3:4). فإذا كنت تصوم وتصلِّي حتى يُنجِّح الرب طرقك الملتوية وغير المستقيمة، فأنت تطلب رديَّاً.
[3] للاقتراب إلى الله: حيث يحذِّرنا أيضاً مِن الالتجاء إلى أيَّة وسيلة غير الإيمان الحقيقي للاقتراب إلى الله. يقول بولس "الطعام لا يقدِّمنا إلى الله، لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" (1كو8:8)، "ليس ملكوت الله أكلاً وشُرباً" (رو17:14). إنَّ الأكل أو عدم الأكل لا يُقدِّمنا إلى الله، بل التقدُّم إليه بالإيمان فقط (عب19:10/أف18:2).
[4] عادة وتقليد توارثناه واعتدنا عليه: يحذِّرنا أيضاً الكتاب المقدس مِن العادات التقليدية (مر6:7-8 ،13،9). فالصوم يجب أنْ ينبع من الإحساس الداخلي، وليس بالمُمارسات التقليدية التي يمكن أن نعتادها فتفقد قيمتها وجوهرها.
[5] لقهر الجسد: هناك من يعتقدون أنَّ الصوم يقهر الجسد فترتقي الروح!! وهي فكرة لا
أساس كتابي لها. فكلمة جسد في الكتاب المقدس تعني أحد أمرَيْن: الجسد المعنوي أي الخطية الساكنة فينا (رو14:7)، أو الجسد المادي أي أعضاء الجسد التي لا تؤثِّر في تلك الطبيعة. إنَّ الجسم المادي، هو عطية الله التي يجب الاعتناء بها (أف29:5).

إنَّ الصوم فضيلة مُهمَلة، رغم ما فيها من بركات وفوائد عديدة، مِثل:
(1) فيه فائدة للصحة الجسدية، خاصة للذين يعيشون حياة رخوة ناعمة. هناك مَن يعيش ليأكل، وهناك من يأكل ليعيش.
(2) يحفظ قُدرتنا على الاستغناء عن الكماليات، وتدريبنا على الاكتفاء، فتنمو الشخصية الاستقلالية (في 12،11:4).
(3) إننا نعرف قيمة الشيء عندما نُحرم مِنه، وعندما نُحرَم مِن الطعام والشَّراب نُدرِك قيمتهما، فنزداد تقديراً وسروراً ببركات الرب وغناه.
(4) فيه تدريب للنَّفس على الانضباط، فلا نُستَعبَد لعادات الطعام. وبذلك تستطيع أنْ نقول (لا) للجسد وللنفس أيضاً. فالتدريب على المَنْع مبدأ هام وضعه الله للإنسان الأول ليتعلَّم كيف ينضبط، في قوله لآدم "لا تأكل" مانِعاً إيَّاه مِن الأكل مِن شجرة واحِدة.
(5) لأجل إنجاح الخدمة، وهذا أسمى سبب للصوم. لقد صامَت الكنيسة قبل انتخاب خدَّامها الذين كانت ستُرسِلهم إلى الكرازة والشهادة للمسيح، ثم صامت بعد انتخابهم قبل أنْ ترسلهم (أع13). وعندما وبَّخ المسيح تلاميذه على إخفاقهم في الخدمة بسبب عدم إيمانهم، قال لهم "هذا الجنس لا يخرج إلا بالصلاة والصوم" (مت21:17). إنَّ الناس تحت سُلطان إبليس، ولن يتحرَّروا إلا بخدمة مُقترنة بصلوات مصحوبة بالصَّوم، الذي يرفَع حرارة الصلاة.

الصَّوم في المفهوم الكتابي والتطبيقي
ما أكثر الذين يصومون، إما للتمسُّك بعقيدة دينية ابتغاء مرضاة الله، أو للشعور بالجوع والعطش تعاطُفاً مع الفقراء والمسـاكين، أو للمحافظة على المظاهر الدينية أمام المجتمع، أو لتحسين حالتهم الصحية على نحوٍ ما.. إلا أنَّ هذه الأغراض كلّها بعيدة تماماً عن قصد الله من الصَّوم. لذلك قال الله لمثل هؤلاء على لسان نبيِّه زكريا: "لما صمتم ونُحتم، هل صُمتم صوماً لي أنا؟ ولما أكلتم ولما شربتم أما كنتم أنتم الآكلين وأنتم الشاربين .... اقضوا قضاء الحق، واعملوا إحساناً ورحمة" (زكريا7: 5-9).

(1) ما هو الصَّوم؟
(1) المعنى اللغوي:
في اللغة العبرية، لغة العهد القديم، الكلمة الًمعِّبرة عن الصَّوم تعني: مُحكَم الإغلاق/ بعيداً عن العالم/ عازم على الانطلاق. أما في اللغة اليونانيـة، لغة العهد الجديد، فالكلمة تعني: بدون طعام/ فقدان الشهية. أما في اللغـة العربيـة فإن الكلمة تعني: الإمساك عن الطعام والشراب/ الامتناع عن الكلام وأي عمل/ مدَّة الامتناع عن أيِّ عمل.
(2) المعنى الكتابي:
الصَّوم بحسب تعليم الكتاب المقدس هو الامتناع عن كافة أنواع الطعام والشراب، والاعتكاف عن الأشغال والأقوال والأفكار، وكلّ ملذَّات الجسد. هذا الامتناع في حدِّ ذاته ليس عبادة، لكنه عندما يقترن بالصلاة والتذلُّل أمام الله، يكون واسطة مُعيَّنة مِن الله للتقرُّب إليه. وذلك بالامتناع مدَّة من الزمن عن كلّ ما يشغل المرء عن قضاء هذه المدَّة في حضرة الرب، لسَكْب القلب أمام الله، والتضرُّع إليه بلجاجة في تلك المدَّة، لسبب مُعيَّن .
والصَّوم مثل الصلاة من حيث أنواعه، فردي وعائلي وجماعي. لكن لابُدَّ أنْ يكون له سـبب. ولا يمكـن أنْ يكون الصَّوم في كلّ حين مثل الصلاة (لوقا1:18)، والتسبيح (عب15:13)، وقراءة كلمة الله (مز2:1). أما مدَّة الصَّوم فهي مِن الشروق إلى الغروب (قضاة26:20/ لاويين32:22/ 2صموئيل12:1). كما نقرأ عن أُناس صاموا أربعين يوماً، نهاراً وليلاً: موسى (خروج28:34)، إيليا (1ملوك8:19)، والمسيح (مت2:4). إنَّ المبدأ العام في مُدَّة الصلاة هو مبدأ الحرية الملتزمة أو الالتزام الحُرّ. فليس المهم كم مِن الوقت استطَعت أنْ تمتنع عن الطعام، بل أنْ تكون هذه الفُرصة تدريباً نفسياً وروحياً على الامتناع عن عادات وأشياء أخرى، أكثر من مجرَّد الامتناع عن الطعام والشراب.

(2) لماذا نصــوم؟
أولاً: سيكولوجية الصَّوم في العهد القديم:
يذكر العهد القديم حالات كثيرة مِن الصَّوم، لكنَّها حالات امتناع عن الطعام لا علاقة لها بالعبادة، ولم يأمر الله بها. وكثيراً ما يُذكر الصَّوم مصحوباً بالعبادة، وعادة يكون مصحوباً بالنَّوح والحُزن، وكأن الشَّخص الصائم يقول للربِّ بصومه: (أنا تائب نادم، ولستُ مُتعالياً مُستكبراً). وما هذا القول إلا التعبير الدقيق عن التذلُّل أما الله، والاعتماد على رحمته ونعمته (اقرأ 2صموئيل12: 16-23).
وأول صوم ورد ذكره في الكتاب المقدس هو صوم موسى أربعين يوماً. أما اليوم الوحيد الذي أمرَت فيه الشريعة بالصَّوم فهو يوم الكفارة، يوم تذليل النفس بالصَّوم (لاويين16: 29-34). وكان الشعب قديماً يصومون في غير هذا اليوم، بدون أمر وترتيب مِن شريعة الرب. وذلك في أوقات الشِّدة وزمن الحرب والمرض والتوبة والنَّوح وذكرى بعض الحوادث (1صموئيل6:7/ مزمور13:35/ نحميا 1:9/ 2صموئيل12:1/ إرميا12:52/ 41: 1-2/ 2ملوك25: 3-4). وكانوا يفتخرون بهذه الأصوام، ممَّا دعى الأنبياء إلى مهاجمة هذا الأسلوب في الصَّوم (إشعياء58: 307/ إرميا12:14/ زكريا5:7/ 8: 18-19).
أما الصَّوم المقبول عِند الله فنقرأ عنه بالتفصيل في (إشعياء 58: 6-7) [حلّ قيود الشرّ، التي يقيِّد بها الأشرار الضُّعفاء والمساكين.. فكّ عُقَد النير، بعدم المطالَبَة بالديون بكافة أنواعها، المادية والمعنوية.. إطلاق المسحوقين أحراراً، بإعطاء الحريَّة للمُتألمين في عبوديتهم.. قطْع كلّ نير، برَفع الأثقال الموضوعة على عاتق الناس.. كسر الخبز للجائع، هذا أفضل مِن منعه عن المحتاج.. إدخال المساكين التائهين إلى بيتك، فالأمر لا يتوقف عند إعطائه الخُبز للطالب على الباب، بل استضافته لكي يشعر بالأمان والحب.. إكساء العريان، وعدم التغاضي عن أقرباء الجسد في احتياجاتهم المادية والنفسية.. مَن يطلب الغفران والرحمة من الله، عليه أنْ يغفـر ويرحـم هو أيضاً رفقاءه، وينكر نفسه في خدمة المحتاجين.. هذا أفضل جداً من تذليل النفس بدون رحمة الآخرين]. وهكذا نرى أنَّ الصَّوم الحقيقي ليس مجرَّد إخلاء المعدة مِن الطعام، بل بالأكثر هو ملء معدة أخرى بالطعام، وملء نفس أخرى بالاطمئنان والسلام، وإشباع نفس جائعة لكلمة طيبة ومحبة وغفران.

(2) سيكولوجية الصَّوم في العهد الجديد:
في فترة ما بين العهدَيْن كان الصَّوم مرتَيْن في الأسبوع، الاثنين والخميس (لوقا12:18).
وكانوا يصومون من أجل الظهور أمام الناس (متى6: 16-18)، الأمور التي انتقدها المسيح كثيراً في تعاليمه عن الصَّوم وغيره. ونستطيع أنْ نفهم فِكر المسـيح عن الصَّوم مِن خلال هذه الفصول الكتابية (متى9: 14-17/ مرقس2: 18-22/ لوقا5: 33-39). في هذه الفصول نلاحظ ما يلي:
أ0 كان تلاميـذ يوحنا المعمدان يصومون أكثر مِن تلاميذ يسـوع، بسبب حزنهم على سَجْن معلِّمهم يوحنا. وتعجَّبوا أنَّ تلاميذ يسوع لم يشاركوهم في حزنهم على معلِّمهم. وسؤالهم للمسيح هو استفهام توبيخي لتلاميذه. أما جواب يسوع فكان جامِعاً مانِعاً، أعلن فيه حقائق ثمينة عن الصَّوم.
ب0 الصَّوم تعبير طبيعي عن شعور قلبي، فمتى كان القلب فَرِحاً بوجود العريس، فلا معنى للصوم هنا إذاً. لأنَّ مُمارسة الصَّوم في وجود العريس تعتبر إهانة لحضوره المُبهِج، لأنَّ الصَّوم تعبير عن الحزن والنَّوح والتذلُّل، بحسب معناه اللغوي والكتابي، ومثل هذه المشاعر لا تتوافق مع وجود العريس.
ج0 لا لوم على تلاميذ يوحنا في صومهم، لأنَّ مُعلِّمهم في السِّجن، أي عريسهم ليس بينهم. ولا لوم على تلاميذ يسوع في عدم صومهم، لأنَّ مُعلِّمهم موجود معهم. لكن عندما يُرفع العريس عنهم تكون الفرصة مُهيَّـأة أمامهم، وموجِبة عليهم الصَّوم.
د0 كان ردّ المسيح على أسئلة الفريسيين وتلاميذ يوحنا المعمدان بثلاثة أمثلة، اختارها من عاداتهم الاجتماعية: من الأعراس، ومن الملابس، ومِن عادات حفظ الخمور.

أولاً: مِن عادات الأعراس:
لقد ردَّ المسيح عليهم باستفهام إنكاري: "هل يستطيع بنو العرس أنْ ينوحوا مادام العريس معهم؟!" إنَّه أمر غير مُتوقَّع منهم. نلاحظ أنَّ كلمة (يصومون) في كلامه جاءت مرادفة لكلمة (ينوحون)، فلا صوم حيث لا مناحة. فلا يليق اتخاذ علامة الحزن للتعبير عن الفرح. لقد أشار المسيح إلى الصليب في قوله "حين يُرفع العريس". وأشار بقوله "حينئذ يصومون" إلى إخبارهم بما سيحدث. فلم يرسم هنا فرضاً بالصَّوم، لأنَّ الصَّوم ليس فَرضاً على الكنيسة أو الأفراد، بل إنه يُصبح مقبولاً عند الله بدافع مِن المؤمنين أنفسهم، وليس بترتيب وسلطان خارجٍ عنهم.
فلا صوم إذاً إلا حين يُرفع العريس، وهذا يتنافى مع حضوره الدائم بحسب قوله: "ها أنا معكم كلَّ الأيام إلى انقضاء الدهر .. حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم". ولا صوم أيضاً إلا إذا كانت هناك حالة حزن، لأنَّ مُمارسة الصَّوم تدلّ على النَّوح والذلّ، وهذا يتنافى مع قوله: "افرحوا في الرب كلّ حين". ولا يمكن أنْ نستنتج من كلام المسيح هذا أنَّه يعارض مُمارسة الصَّوم، لأنَّ هناك فترات خاصة عند كلّ فرد أو جماعة، يشعر فيها أنَّ الرب غير راضٍ عنه بسبب خطاياه التي ارتكبها، ومِن ثمَّ لم تعُد له بهجة الخلاص الأولى، هنا لا بُدّ له أن يمارس وسيلة تعبِّر عن التذلُّل والتوبة، صارخاً: "ردَّ لي بهجة خلاصك". فبنو العرس لا يصومون ولا ينوحون طالما يشعرون بأنَّ العريس معهم ويحيا فيهم. لكنهم حين يضعفون ويبتعدون عن طريق الرب، فإنَّهم يشعرون بفراقه عنهم، حينئذٍ يصومون. فالصَّوم هو الامتناع عن الطعام كعمل ظاهري، يدلّ على عمل آخَر داخلي هو الامتناع عن الخطية بأنواعها وأشكالها. فالعلامة الظاهرية هي تفريغ المعدة من الطعام، ودلالتها الداخلية تفريغ القلب من الآثام. أما الرِّياء، فهو وجود الأمر الظاهري فقط بدون الداخلي، هذا ما انتقده المسيح كثيراً.

ثانياً من عادات الملابس:
يلجأ كثير من الناس إلى عادة ترقيع الملابس القديمة البالية بقطعة جديدة مِن القماش، الأمر الذي يزيد الخروق اتساعاً. لم يأتِ المسيح لإصلاح الطقوس البالية التي كانوا يمارسونها بدون نصٍّ عليها في كلمة الله، تلك التي كانت من عادات وتقاليد الناس. كما أنَّه لم يضع طقساً جديداً زيادةً على هذه الطقوس، كأن يفرض صوماً مُعيناً أو غيره مِن الفرائض التي كانوا يتوقَّعونها. لكنَّه جاء لكي يُجدِّد الكلّ مِن جهة الجوهر والمظهر. فلم يأتِ لأجل ترقيع عادات وطقوس قديمة، من صُنع الناس، بل جاء ليصنع كلّ شيء جديداً في ملكوته.

ثالثاً: من عادات حِفظ الخمور:
كانت الخمر تُحفَظ عادة في زقاق مِن جلد الحيوانات، والخمر الجديدة تُحدِث فيها تفاعُلات كيميائية. لذا، لا توضَع في زقاق قديمة بالية، حتى لا تتمزَّق الزقاق وتنسكب الخمر. والخمر في هذا المثل إشارة إلى الفَرَح الجديد، فلا فَرح في قلوب قديمة بالية ملأها الشَّر والفساد والرياء. أما الحياة المسيحية فهي الفرح الحقيقي الدائم، الذي لا يمكن حصره في عادات وطقوس وقلوب قديمة وبالية. هذا ما قصده المسيح بالمثل، أنَّ تعاليمه لا يمكن أنْ توضَع على قلوب أفسـدتها الخطية والعبادات الشـكلية، وإلا سوف تنسكب هذه التعاليم مِن تلك القلوب، كما تنسكِب الخمر الجديدة مِن الزقاق العتيقة.

أسباب الصَّوم في العهد الجديد:
(1) لطلب القوَّة الروحية اللازمة للانتصار على الخطية (متى17: 19-21/ مرقس29:9).
(2) لطلب نجاح الخدمة والخدَّام في تأدية خدمتهم للرب وللكنيسة (أعمال الرسل13: 1-3/ 2كورنثوس6: 4-8/ 11: 27).

الصَّوم المرفوض في العهد الجديد:
(1) الصَّوم لأغراض مظهرية وطلب مَدح لتمجيد الناس (متى6: 16-18/ 5:23 ).
(2) الصَّوم لأهداف رديئة وتمنِّي السُّوء للآخرين (1ملوك21: 9-10/ يعقوب3:4).
(3) الصَّوم باعتقاد أنَّه وحده وسيلة للتقرُّب إلى الله (1كورنثوس8:8/ رومية17:14). لأنَّ وسيلة الاقتراب الحقيقي إلى الرب هي الإيمان بالمسيح (عبرانيين19:10/ أفسس18:2).
(4) الصَّوم لأن هذه عادات تقليدية يتبعها الناس (مرقس7: 6-8، 9، 13). فالصَّوم المقبول عند الله ينبع من الإحساس الداخلي، وليس بواسطة سلطان خارجي (كولوسي16:2).
(5) الصَّوم بهدف قهر الجسد، لأنَّ كلمة (جسد) التي يستخدمها الكتاب المقدس تعني أحد أمرين:
أ0 "الخطية الساكنة فيَّ " (رومية14:7/ 6:8،7، 13). البعض يعتقدون خطأ أنَّ إذلال الجسد المادي يمكن أنْ يؤثِّر في هذه الطبيعة الخاطئة، الأمر الذي تنقضه تعاليم كلمة الله بوضوح (كولوسي2: 20-22). فالصَّوم لا يأتي بأي حالٍ بالخلاص من الخطية.
ب0 الجسـد المادي نفسه، الذي هو اللحـم والدم والعظام، هذا الجسد هو عطية الله، ويجب الاعتناء به ( أفسس29:5/ 1كورنثوس19:6) فالصَّوم لا يقدِّس الجسد.

علاقة الصَّوم بالغفران:
كثيراً ما يتبادر إلى الأذهان السؤال: أليست هناك علاقة بين الصَّوم وغفران الخطايا؟
وسؤالنا: مُمارسة الصَّوم بالشكل الصحيح، ومِن ثم الحصول على فوائده وبركاته الثمينة، هل هي للمؤمنين أم للخطاة ليصيروا مؤمنين؟ في الحقيقة أنَّ الذي يدرك معنى الصَّوم الحقيقي، ويمارسه كما علَّمه الكتاب المقدس، فيتمتَّع بفوائده وبركاته الروحية، ليس هو الإنسان الخاطيء البعيد عن الله، الذي يحاول أنْ يقدِّم بصومه رشوة إلى الله لينال رضاه، بل الذي له علاقة شركة حقيقية مع الرب، ولا ينتظر جزاءً على صومه، إذْ يكفيه أنْ يتمتَّع بالعلاقة مع الله بواسطة هذا الصَّوم المقترن بالصلاة وفحص النَّفس والتوبة. إذاً فالإنسان الخاطيء لا يستفيد شيئاً مِن صومه مهما كان طويلاً، أو بالطريقة الصحيحة، ولن يحصد إلا الجوع والعطش الجسديَيْن. كذلك الذي يصوم لكي يُضعِف جسده ظَناً مِنه أنَّ إضعاف الجسد يُخلِّصه مِن الخطية، لأنَّ الخطية ليست في جسده المادي ولا في معدته التي يحرمها مِن الطعام، بل في نفسه وفكره. فيدّ اللص لا تختلف عضوياً عن يد الأمين، الفارق بينهما هو النَّفس والفِكر. فالصَّوم وحده لا يُعيد للخطاة حياة الاستقامة والبراءة، وبالتالي لا يؤهِّلهم للتمتُّع بالرب وإقامة العلاقة الصحيحة معه، والتوافق معه في صفاته الأدبية السامية. بل فقط الإيمان بالرب يسوع المسيح، وسُكناه في قلوبنا هو وسيلة التمتُّع بالرب والاقتراب مِنه والتوافق معه في صفاته السامية.

(3) كيف نصــوم؟
أولاً: انقطاعي:
عرفنا المعنى اللغوي للكلمة، الذي يعني بكلّ وضوح الانقطاع التام عن كلّ طعام وشراب. هذا ما أكَّد عليه الكتاب المقدس بعهديه (إستير16:4/ يونان7:3/ متى2:4). وهناك من يعتقدون أن الصَّوم يكون بالانقطاع عن الطعام مُدَّة معيَّنة، تؤكل في نهايتها مأكولات بدون دسم، ويستدلون على ذلك بهذه الآيات: (دانيال1: 8-13/ 10: 2-3 حزقيال4: 9-17)، وللرَّد على هذا الاستنتاج نقول:
(1) في (دانيال1) لم يكن دانيال صائماً هو ورفقاؤه، بل كانوا مُمتنعين عن طعامٍ مُعيَّن لسببَيْن: الأول، أنَّه مذبوح للأوثان. الثاني، أنَّ الوصية الإلهية تمنع بوضوح أكل ما ذُبح للوثن. لذلك طلبوا البقوليات مدَّة ثلاث سنوات. هذا كل ما في الأمر، ولا دليل على صومهم في تلك المدَّة.
(2) أما في (دانيال10) فنجد أنَّ دانيال كان نائحاً ولم يكن صائماً كما قال التقليديون. لأنَّه عندما صام دانيال قال الكتاب بوضوح إنَّه صام (دانيال3:9). كما أنَّ دانيال بقول عن نفسه "لم آكُل طعاماً شهياً" ولم يقُل إنَّه أكل أكلاً صيامياً. لقد امتنع عن الطعام فاقداً شهيته للأكل. وكثيراً ما يكون الأكل الصيامي أكثر شهية!!
(3) في (حزقيال4) هذا النصّ نبوة عن تأديب من الرب، بالجوع والقحط على أورشليم لمدة 390 يوماً، ولا توجد أيَّة إشارة هنا إلى تحريم بعض الأطعمة وتحليل غيرها.

التقليديون يحرِّمون بعض الأطعمة في بعض الأصوام، بينما يحلِّلونها في أصوام أخرى، كأنَّها نجسة في بعض الأيام، وطاهرة في أيام أخرى. مِثل هذا الصَّوم لا أساس كتابي له، بل بالعكس، فإنَّ الكتاب المقدس يُحذِّر منه (اقرأ متى15:10-20/ أعمال الرسل10: 10-16/1تيموثاوس4: 1-7/تيطس1: 13-15/ كولوسي2: 16-17 /20-23).

ثانياً: سِـرِّي:
الصَّوم تذلُّل شخصي أمام الله، وقد انتقد المسيح الصَّوم الظاهري والمُعلَن أمام الناس (متى6: 16-18). فإذا صُمتَ ادهن رأسك واغسل وجهك ولا تظهر للناس صائماً، فالإعلان عن الصَّوم أمر غير كتابي. أما في حالات الصَّوم الجماعي لأسباب واضحة ومعلَنَة، يجب أنْ يُعلَن عنه من باب التنظيم. كما صامت الكنيسة من أجل خدامها وخدمتهم (أع13). الصَّوم علاقة سرية شخصية بين الإنسان وربِّه.

ثالثاً: اختياري:
إنَّ قول المسيح "متى صُمتَ .." (متى17:6) يوضح جلياً أنَّ مسألة الصَّوم مسألة شخصية، ومبدأ الصَّوم هو مبدأ الحرية والاختيار الفردي. وحتى الصَّوم الجماعي لا يُفرَض فَرضاً مِن أحد، بل يكون باتفاق الجماعة كلَّها معاً بكلّ حرية. وعليه تكون الأصوام الدورية لا أساس كتابي لها، لأنَّها ضدَّ مبدأ الحرية في الصَّوم.. فالصَّوم عمل حُرّ (متى9:15/ كولوسي16:2).