سيرة أم المؤمنين عائشة
 

إن الشافعي يقول: إن لمس المرأة الأجنبية يوجب الوضوء، والحنفي يقول بخلافه، ويخالفهما مالك حيث يقول: إن اللمس إذا كان بشهوة أو عن عمد وجب الوضوء وإلا فلا.

أيضا: الشافعي يجيز نكاح البنت من الزنا ويخالفه الثلاثة.

والحنفي يقول بوجوب الوضوء من خروج الدم من البدن ولو كان قليلا. ويخالفه الثلاثة.

أيضا الحنفي يجيز الوضوء بالنبيذ واللبن المشرب بالماء، ويخالفه الثلاثة.

ويقول مالك بجواز أكل لحم الكلاب، ويخالفه الثلاثة.

والشافعي يجيز أكل لحم الضبع والجري والثعلب، وأبو حنيفة يحرم أكلها.

والقنافذ يحلها الشافعي والآخرون يحرمونها.

إلى كثير من هذا الخلاف الواقع بينهم من أول الفقه إلى آخره.

يا سبحان الله..! فهل كانت الشريعة ناقصة لم تتم حتى أتوا بما أتوا به من الخلاف الدائر بينهم، فهذا يحلل وذاك يحرم، والآخر يجيز وذاك بالعكس؟!.

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة).

ودرسنا عن الشافعي (رض) نفسه أنه قد ألف مذهبه القديم ونشره بين المسلمين في العراق والحجاز واليمن والشام.

ثم ارتحل إلى مصر لأمر ما وخالط المغاربة وأخذ عنهم، فعدل عن مذهبه القديم وألف مذهبا آخر أسماه المذهب الجديد، حتى لم يبق من المذهب الأول إلا مسائل.

أقول: فإن كان مذهبه الأول صحيحا فلماذا أتى بالثاني، وبالعكس..

وأيضا نرى أبا حنيفة يأتي بالقول في أحد المسائل مثلا ويأتي (أبو يوسف) أو (محمد) أو (زفر) وهم ممن أخذوا عنه وتتلمذوا عليه يخالفونه، فمرة يكون أحدهم معه والآخران عليه، وبالعكس أي يخالفوه الثلاثة أو يوافقونه.

وهكذا مالك وأحمد - والخلاف دائر بينهم في جميع المسائل، وطبعا هذا مما أوقع في الريب والشك في أحقية اتباع أي من هذه المذاهب.

ورب صدفة ولحسن الحظ وخير الطالع وأثناء دراستي في الجامعة دخلت علينا طالبة جديدة وكانت عراقية وقد تهجرت من بلادها مع ذويها إلى بلدنا طلبا للأمان.

وقد انخرطت في الدراسة بالجامعة واختارت كليتنا لأن طلابه ملتزمون مع أنه كان بإمكانها أن تختار كلية أعلى من كليتنا لأنها كانت من المتفوقين في كلية الطب في بلدها.

وكانت هذه الفتاة واسمها (بتول) تجلس في المقعد الأخير في القاعة، ودائما تلبس العباءة السوداء والخمار يغطي رأسها حتى ذقنها، ويا له من حجاب يدل على التزامها الديني وانتصارها على تقلبات العصر وهفوات التقدم والموضة...

ولكن لما عرفنا - نحن طلاب كلية الشريعة - بأنها عراقية تيقنا بأنها شيعية، وكثيرا ما كنا نتحرش بها قاصدين السخرية والاستهزاء بها لأنها - حسب اعتقادنا ومعلوماتنا الخاطئة طبعا - أنها ومن يتبع هذا المذهب غير مسلمين، فهم يعبدون علي بن أبي طالب، والمعتدلون منهم فقط يعبدون الله ولكنهم لا يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وآله، ويشتمون جبرائيل ويقولون بأنه خان الأمانة، فبدلا من أداء الرسالة إلى علي أداها إلى محمد صلى الله عليه وآله، وأنهم ينزلون أئمتهم منزلة الآلهة وأنهم يقولون بالحلول، وأنهم يسجدون للقرص الحجري من دون الله، وأنهم يأتون إلى قبر الرسول صلى الله عليه وآله ليلقوا فيه القذرات والنجاسات، وأن لهم أذنابا وأنهم كفار، وأنهم أشد على الإسلام من اليهود والنصارى، لأن هؤلاء يعبدون الله ويؤمنون برسالة موسى عليه السلام، بينما نسمع عن الشيعة أنهم يعبدون عليا ويقدسونه، ومع كل هذا التقريع وهذه السخرية والأخت بتول لا ترد علينا وتقول في كل مرة سامحكم الله، هداكم الله، ليتكم تعلمون الحق أستغفر الله لي ولكم، وهكذا إلى أن جاء يوم من الأيام - وهو بالنسبة لي يوم التحول الكبير - جئت في هذا اليوم متأخرة عن موعد المحاضرة فلم أجد مكانا إلا إلى جانب هذه الفتاة بتول، وكنت قبلا لا أجلس إلى جانبها أبدا، تحسبا منها على أنها كافرة، أو أنها جاسوسة تريد أن تعرف تفاصيل مذاهبنا لتنقلها إلى فرقتها.

جلست وأنا مستاءة منها نوعا ما، ثم قلت في نفسي ما لي وما لها؟

كل واحدة منا في حالها. وبالصدفة كانت المحاضرة يومذاك عن المذهب الشيعي، وبدأت المحاضرة وكلنا مصغون إلى ما يقال عن ذلك المذهب، وبتول تندهش وتندهش من كل ما يقال عنهم وتتمتم أثناء المحاضرة بأن لعنة الله على الظالمين... سامحكم الله... أذناب بني أمية... أتباع معاوية... وهكذا إلى أن انتهت المحاضرة وبتول تكاد تنفجر من الغيظ.

فقلت لها: لماذا أنت مغتاظة ومتضايقة، أليس ما قاله الدكتور المحاضر عنكم صحيحا.

فابتسمت بتول عندها وقالت: إذا كان الأستاذ يفكر بهذا الشكل فلا لوم على الطلاب، وإذا كان تفكير الطلاب هكذا فلا لوم على عامة الناس الذين لا ثقافة لهم.

قلت: ماذا تقصدين؟

أجابت: عفوا، ولكن من أين لكم هذا الادعاءات الكاذبة.

قلت: من كتب التاريخ ومما هو مشهور عند الناس كافة.

قالت: هل عندك الوقت للمناقشة. ترددت قليلا ثم أجبت: ربما بعض الوقت. وأخذنا نتمشى إلى الكافتيريا فطلبت القهوة وجلسنا نتحدث.

قالت: لنترك الناس كافة الذين يعتمدون على الصحاح بالدرجة الأولى، ولكن أنت هل قرأت شيئا من الكتب عنا؟

قلت: نعم مثل، ظهر الإسلام، وفجر الإسلام، وضحى الإسلام لأحمد أمين وغيرها كتب كثيرة.

قالت: ومتى كان أحمد أمين حجة على الشيعة؟ أليس عليكم أن تتبينوا الأمر من مصادره الأصلية المعروفة.

قلت: وكيف لنا أن نتبين في أمر كهذا.

قالت: إن أحمد أمين نفسه زار العراق وقد التقى بأساتذة عدة في النجف وعاتبوه على كتاباته عن الشيعة فاعتذر قائلا: إني لا أعلم عنكم شيئا ولم أتصل بالشيعة من قبل وهذه أول مرة ألتقي فيها بالشيعة، فقلنا له إذن لم تكتب عنا القبيح؟

قال: هكذا ورثنا عن الناس نظرتهم إليكم.

وتابعت: أرأيت هذا الافتراء؟ وهكذا خذي كل ما يقال عنا على هذا المنوال فهو أكاذيب مغرضة حاقدة.

قلت: دعينا من أحمد أمين هذا وأخبريني عن حقائق عديدة تقال عنكم:

فقاطعتني قائلة: إذا كنت تريدين تمضية الوقت والكلام لمجرد الكلام فأنا آسفة والأفضل أن أذهب وأما إذا أردت الاستفادة حقا والتأكد من مظلوميتنا فلك ما تريدين ووقتي لك كله.

قلت: لا والله، معاذ الله أن أتكلم معك لمجرد الكلام ولكني أحببتك فعلا وأحسست بأنك مظلومة وعندك حجج كثيرة أردتي قولها أثناء المحاضرة ولكنك لم تجرؤي فلم يا ترى؟

قالت: الكلام مع هؤلاء الناس كعدمه، وربما جرتنا المناقشة أن أضع من شأن مذهبي وديني من جراء مناقشتي مع جهال كهؤلاء فقد قال الإمام علي عليه السلام: ناقشت جاهلهم فغلبني وناقشت عالمهم فغلبته.

قلت: فلنبدأ، فقاطعتني وقالت: إذن صلي على محمد وآل محمد، فتعجبت وقلت في نفسي هؤلاء الذين نتهمهم نحن بالخروج عن الدين يحافظون عليه أكثر منا.

فقلت: اللهم صلى على محمد وآله وصحبه أجمعين، فتبسمت قليلا وقالت تابعي:

فقلت لها: لأي المذاهب ينتمي مذهبكم.

قالت: المذهب الجعفري.

قلت: عجبا ما هذا الاسم الجديد؟ نحن لا نعرف غير المذاهب الأربعة وما عداها فليس من الإسلام في شئ.

وابتسمت قائلة: عفوا، إن المذهب الجعفري هو محض الإسلام المحض، ألا تعرفين أن الإمام أبا حنيفة تتلمذ على يد الإمام جعفر الصادق عليه السلام؟.

وفي ذلك يقول أبو حنيفة: (لولا السنتان لهلك النعمان) فسكت ولم أرد، وقالت: إن المذاهب الأربعة أخذ بعضهم عن بعض فأحمد بن حنبل أخذ عن الشافعي والشافعي أخذ عن مالك وأخذ مالك عن أبي حنيفة وأبو حنيفة أخذ عن جعفر الصادق، وعلى هذا فكلهم تلاميذ لجعفر بن محمد، وهو أول من فتح جامعة إسلامية في مسجد جده رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تتلمذ على يديه أكثر من أربعة آلاف محدث وفقيه.

وسألتني مقاطعة نفسها أي الأئمة تقلدين؟ قلت الإمام أبا حنيفة!

قالت: كيف تقلدين ميتا بينك وبينه قرابة أربعة عشر قرنا، فإذا أردت أن تسأليه الآن عن مسألة مستحدثة فهل يجيبك؟

فقلت لها بسرعة البديهة: وأنت إمامك ميت فكيف تقلدينه؟

قالت: إن إمامي حي غائب، وفي غيبته نقلد أحد المجتهدين الورعين ولا يجوز عندنا تقليد الميت.

وأخبرتني عندها كيف على الإنسان أن يعرف إمام زمانه فقد قال صلى الله عليه وآله: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية وأنا إمام زماني هو صاحب الزمان الإمام المهدي وهذا موضوع طويل يحتاج لشرح.

قلت: حسنا هذه اقتنعت بها.. لننتقل إلى الثانية: إنكم تعبدون عليا وتقدسونه أليس كذلك؟. قالت: ألم تقرأي قول الله سبحانه وتعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) (1).

وقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار) (2)، وقوله: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (3).

قلت: بلى أعرف هذه الآيات، قالت: فأين هو علي؟ فالقرآن نفسه عندنا وعندكم ويقول بأن محمدا هو رسول الله فمن أين جاء هذا الاتهام الباطل؟

قلت هذه أقنعتيني بها فماذا عن خيانة جبرئيل؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفتح: 29.

(2) الأحزاب: 40.

(3) آل عمران: 144.

قالت: حاشاه، هذه أقبح من الأولى، لأن محمدا كان عمره أربعين سنة عندما أرسل الله سبحانه إليه جبرئيل عليه السلام ولم يكن علي إلا صبيا صغيرا عمره ست أو سبع سنوات، فكيف يخطئ جبريل ولا يفرق بين محمد الرجل وعلي الصبي؟

فقلت: هذا منطقي جدا. كيف لم نحلل نحن بهذا المنطق؟

أضافت: إن الشيعة هي الفرقة الوحيدة من بين كل الفرق الإسلامية الأخرى التي تقول بعصمة الأنبياء والأئمة، فإذا كان أئمتنا عليهم سلام الله معصومين عن الخطأ وهم بشر مثلنا، فكيف بجبرائيل وهو ملك مقرب سماه الرب الروح الأمين؟

فاحترت وتلكأت وقلت في نفسي قبل أن نسألهم عن اختلافهم عنا في اعتقاداتهم، لنسأل أنفسنا نحن السنة لماذا تتعدد مذاهبنا وتختلف فيما بينها.

قلت: إذن كل ما يقال عنكم افتراء، قالت: سامحكم الله.

اعتذرت منها لضيق الوقت وودعتها طالبة منها زيارتي في القريب العاجل لأنني تلهفت كثيرا لسماع المزيد من ردود الشيعة على الأقاويل التي يدانون بها.

فشكرتني وتمنت هي بدورها لي الخير والهداية، فقلت في نفسي بعدما مشيت خطوات عدة هل سيأتي يوم وأصبح فيه شيعية؟ ثم استبعدت الفكرة وقلت لا، هكذا كان آباؤنا وأجدادنا، فهل من المعقول أن يكونوا كلهم على ضلال؟ وهل أنا الوحيدة في عائلتي سأكون على نور وبينة؟ لا، لا.. هذا مستحيل أستغفر الله وأتوب إليه.

وبعد أيام عدة جاءت بتول لعيادتي فقد كنت متوعكة قليلا ولم أذهب إلى الكلية لأيام عدة، فأهدتني طاقة من الورد ومعها مصحف، ففتحه ووجدته مثل مصحفنا تماما، فقلت لها: يقولون إن لكم مصحفا خاصا بكم..؟

قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، هؤلاء المفترون أعداء الإسلام يريدون تفريق المسلمين وتمزيقهم وضرب بعضهم ببعض، فنحن نعبد الله وحده لا شريك له، وقرآننا واحد ونبينا واحد وقبلتنا واحدة نشترك معكم في هذه الأمور، وربما نختلف عنكم أنتم السنة في بعض الأمور الفقهية وبعض الأمور العقائدية...

فقلت لها: زيديني زادك الله من علمه...

قالت: عن ماذا تريدين أن تستفسري؟

قلت: حدثيني عن أحقية علي في الخلافة كما تزعمون.. حدثيني عن التربة الحسينية (قرص الطين الذي تسجدون عليه)، عن الحسين، ولماذا يبكي الشيعة ويلطمون؟ حدثيني عن توسلكم وتبرككم بأضرحة أئمتكم، حدثيني كيف تجعلون من أبي بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم وأرضاهم) أشخاصا عاديين، وأحيانا تشتمونهم وتسبون بعض أزواج النبي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا...

أخبريني لماذا وضوؤكم غير وضوئنا.. ولماذا صلاتكم غير صلاتنا، وماذا عن الزواج المؤقت، والتقية، والرجعة، الخمس، وتأويلكم لآيات القرآن في علي وذريته آيات لا نعرفها، وماذا عن مصحف فاطمة...؟

ذكرت كل تساؤلاتي وكانت هي مبتسمة، وبدا أنها مستعدة لكل سؤال يطرح عليها وأنها واثقة من نفسها تماما.

فقالت: هل تريدين الحق؟ لقد أحببتك يا أختي لمياء وأتمنى منك أن تقبلي هديتي المقبلة، كتب عدة، إقرأيها وسوف تجدين ملاذك عن كل سؤال طرحتيه علي...

فأنا إن أجبتك عن كل سؤال لا يكفينا أيام السنة كلها ونحن نتناقش في صحة كلامي وعدمه، أما إذا قرأت عن أشخاص عدة استبصروا عرفوا طريق الحق، كانوا من أهل السنة وأصبحوا من الشيعة، لوجدت برهانا دامغا ساطعا وحجة عليك من كتبكم، ولن أطلعك على كتبنا حتى تطلبيها أنت بعد قراءتك لكتب المتشيعين.

شكرتها وتمنيت منها أن تزورني وترسل لي الكتب بأسرع وقت، فأنا شغفة ومتشوقة لقراءتها عسى ولعل أن أجد فيها شفاء لشكوكي ووساوسي الدفينة حول الاختلاف الدائر بين المذاهب الأربعة المعروفة.

وفعلا، لم تكذب خبرا فبعد ثلاثة أيام جائتني بكثير من الكتب وقالت لي: سآتي في الأسبوع القادم لأخذك معي لحضور عاشوراء، فترددت قليلا في قبول الدعوة، ثم قبلت وأنا حيرانة، وقلت: حسنا كما تريدين...

ثم انكببت على الكتب ليل نهار وأنا أقرؤها من الجلدة إلى الجلدة - كما يقولون - فقد استهواني تحليل كل كاتب منهم القضايا العالقة بين السنة والشيعة وفاجأني الكل بقصة لم أسمع بها من قبل، رزية يوم الخميس، إنها فضيحة فظيعة لا تصدق، ولكن عندما ذيل الكاتب الصفحة بأنها من كتب السنة: صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وتاريخ الطبري وتاريخ ابن الأثير. فكيف بعد هذا الذي قرأته أكذب نفسي وأقول إنه قول جماعة لا يحبون الخلفاء الثلاثة ويكرهونهم، أليس ذلك مذكور في الصحاح؟ فخطر لي أن أبحث عن تلك الصفحات في الصحاح لأتأكد، وتمنيت أني لو لم أجدها، لكن البخاري ذكرها ومسلم ذكرها و... كلهم ذكروها وأمرونا أن نتبع أبا بكر وعمر وأخبرونا بأنهم عدول لا يذنبون.

ومن هنا، ملت إلى الشيعة أكثر فأكثر، لأن تحليلهم لكل الأمور منطقي، أكملت قراءة كل كتب التيجاني والشيخ محمد مرعي أمين الأنطاكي وكتاب و... و... وكلهم سنة تشيعوا ولم أسمع بحياتي عن شيعي قد تسنن.

إن رزية الخميس وحدها كافية لأن تشيعني، ليتك يا عزيزي القارئ تعرفها لتعرف أني على حق، إنها قصة يندى لها الجبين وهي عار على أهل السنة في كتبهم فلا نؤاخذ المستشرقين عندما يكتبون رسولنا ما يكتبون، فهم قد استندوا في دعاويهم على كتبنا المليئة بمثل هذه الروايات عن الرسول...

لقد قرأت الكتب واقتنعت بها، وأنا مندهشة حينا لما أقرأ، ومستاءة حينا آخر على الدهر الذي أمضيته وأنا عمياء البصيرة..

فالشيعة على حق ونحن على باطل، وهم يتمسكون باللب ونحن نتمسك بالقشور، هم الذين يجب أن يسموا أهل السنة، لأنهم لم يغيروا ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله، أما نحن فاتبعنا سنة أبي بكر وعمر ومعاوية.

أقولها وبكل صراحة إن الحق هو اتباع أهل البيت الذين أوصى النبي صلى الله عليه وآله بالتمسك بهم فقال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما)(1).

وقال صلى الله عليه وآله: (مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك) (2).

آه وا أسفاه على ماض كنت فيه مغمضة العينين، أمشي مع أقراني وقومي وهم على طريق الضلالة. ولكن الحمد لله الذي هداني بفضل هذه الفتاة المؤمنة الصادقة النية وليهنأ وليعتز بنفسه كل شيعي فهو الذي يتمسك بالعروة الوثقى وهو من الفرقة الناجية التي حدث عنها رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث له.

انتهيت من قراءة الكتب وقد تشيعت تماما وطويت صفحة الأيام الماضية، وقررت أن أبدأ من يومي هذا حياة جديدة.

وفي اليوم الذي وعدتني به صديقتي بتول جزاها الله خيرا عني كل خير، أتت إلي وقد بدا عليها الحزن قليلا، فقلت: لم يا صديقتي هذا الحزن؟ قالت: إنه يوم عاشوراء وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: أنه علينا أن لا نبتسم في هذا اليوم ففيه قتل الحسين عليه السلام وكانت هذه مصيبة على الأمة الإسلامية كلها.

فقلت: لعن الله أعداء الإسلام، وعجل فرجك أيها الإمام المنتظر لتملأ هذه الدنيا قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا.

فاستغربت صديقتي وقالت: أتهزئين، قلت: حاشى وكلا، وقبلتها بين عينيها وقلت أشكرك - أشكرك يا بتول على هذه الهدية، فلقد أنقذتيني من ظلام وجهل كنت أعيشه ونقلتيني إلى النور والعلم والنبوة والعقائد الصحيحة إلى أحضان أئمة الهدى أحفاد رسول الله صلى الله عليه وآله، فهل من مزيد من هذه الكتب.

فقالت: إذا كنت قد اكتفيت وصار عندك يقين تام فسأعطيك بعض من كتبنا من المؤلفين الشيعة.

فقلت: أتمنى هذا، ودعينا الآن نذهب لحضور عاشوراء، فذهبت ورأيت الناس في بكاء وعويل وكأن الحسين عليه السلام قد استشهد لتوه، فبكيت معهم وعشت لحظاتهم المباركة الحزينة وأحسست بانجلاء الكروب عن نفسي وتنفست الصعداء واعتبرت هذا اليوم أول يوم من مسيرة تشيعي واعتبرت هذا البكاء حزنا على الأيام الماضية وعلى الإسلام وعلى المآخذ التي كنت أشنها ورفاقي على صديقتي الشيعية وكل من اتبع هذا المذهب والذين أصبحوا أحبائي من بعد تشيعي وإخوتي في الدين بارك الله فيهم.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الترمذي: كتاب المناقب، مستدرك الحاكم: 3 / 148، صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب.

(2) مستدرك الحاكم 3 / 151 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

لقيت في البداية بعض المعارضة من أهلي - سامحهم الله - ولكن بصبري وتفوقي عليهم وحفظي لكل المسائل التي ربما أتعرض إليها خلال مناقشاتي ومجادلتي مع كل من يسمع بأني قد تشيعت، تفوقت وتفوقت واستطعت أن أشيع اثنتين من أخواتي وذلك بعد إطلاعي على كل كتب الشيعة تقريبا فقد وجدت في عقائدهم وأدعيتهم كنز لا يفنى.

وهكذا كانت مسيرة حياتي مع التشيع بدأتها بشك بيني وبين نفسي عن اختلاف المذاهب وأنهيتها بإعلان التشيع والتمسك بالمذهب الحق مذهب أهل البيت عليهم السلام.

فسلام عليكم يوم ولدتم ويوم استشهدتم ويوم تبعثون، وخاسر خاسر من لا يعرفكم ولا يعرف قدركم.

وأنا متأسفة جدا، وأعتذر إليكم عني وعن المسلمين الذين كانوا يجهلون صلتكم بالنبي وحديثه عنكم وعن حبكم ومودتكم الواجبة علينا وعن بعض من آذاكم وحمل الآخرين على القول فيكم، وفيمن تمسك بكم أقاويل وأكاذيب مغرضة، لعنهم الله وأحرقهم بناره.

وأنت عزيزي القارئ إذا أردت الاستبصار أكثر عليك بقراءة كتب التيجاني والأنطاكي وخليفات... الخ وكل من تشيع لأنها حجة علينا يوم الحساب...

وستجد فيها جوابا لكل مسائلي التي لم أورد لك أجوبتها كي تتشجع وتبحث بنفسك على طريق النور والحق...

وبعدها إذا بقيت على حالك ولم تغير رأيك في موروثك فعلى الدنيا السلام، وإلا فأنت إنسان راق قد اتبعت قوله تعالى:

(فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) (1).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصواعق المحرقة: 2 / 445، تاريخ الخلفاء: 573.

 

التمهيد

هذه نبذة مما ورد في حق أحد أزواج النبي المصطفى صلى الله عليه وآله عائشة، وقد أخذتها من الصحاح الستة وغيرها من الكتب المعتبرة عندنا، فجمعتها وأودعتها في هذه الأوراق، وأرجو من الله تعالى أن يجعل مثلها كمثل القرآن الكريم فتكون شفاء ورحمة للمؤمنين وللمؤمنات، وخسارا وغيظا ونكالا للظالمين الذين أبوا العقل والذوق السليم وابتعدوا عن الحق الواضح وضوح الشمس في وضح النهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إليك أيها القارئ الكريم بعض روايات عائشة زوج الرسول وبعض ما روي عنها، بشئ من التفصيل لكي تتعرف على شخصية هذه المرأة التي لعبت أكبر الأدوار في إبعاد عليا عن الخلافة وحاربته بكل ما أوتيت من قوة ودهاء، ولكي تعرف أيضا بأن آية إذهاب الرجس والتطهير بعيدة عنها بعد السماء عن الأرض، وأن أهل السنة أكثرهم ضحايا الدس والتزوير، وهم أتباع بني أمية من حيث لا يشعرون.

قال تعالى في كتابه العزيز: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).

إن هذه الآية الكريمة بمفهومها الخاص والعام دال على العصمة، وقد نزلت في خمسة وهم: محمد صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

إلا أن البعض يزعم أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وآله، ويستدلون على ذلك بسياق ما قبلها وما بعدها من الآيات. وعلى حسب زعمهم فإن الله أذهب الرجس عن نساء النبي وطهرهن تطهيرا، على أن أزواج النبي (رضي الله عنهن) عرفن مقصود الآية الكريمة، ولذلك لم تدعي واحدة منهن أنها من أهل البيت، وعلى رأسهن أم سلمة وعائشة.

وقد روت كل واحدة منهن أن الآية خاصة برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

وقد أخرج اعترافهن كل من مسلم والترمذي والحاكم والطبري والسيوطي، والذهبي، وابن الأثير، وغيرهم، على أن العقل وحده يحكم بعدم شمول هذه الآية لزوجات النبي صلى الله عليه وآله، فإذا أخذنا مثالا أم المؤمنين عائشة التي تدعي أنها أحب أزواج النبي صلى الله عليه وآله إليه وأقربهن إليه، حتى أن باقي أزواج النبي صلى الله عليه وآله غرن منها وبعثن للنبي صلى الله عليه وآله ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة، لم يتجرأ أحد من أنصارها ومحبيها، لا من السابقين ولا من اللاحقين، أن يقول بأن عائشة كانت تحت الكساء يوم نزول الآية.

فما أعظم محمد صلى الله عليه وآله في أقواله وأفعاله، وما أعظم حكمته عندما حصر أهل بيته معه تحت الكساء، حتى أن أم سلمة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله أرادت الدخول معهم تحت الكساء وطلبت ذلك من زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكنه منعها من ذلك، وقال: (أنت إلى خير).

وتعني العصمة إذهاب الرجس ويشمل كل الذنوب والمعاصي والرذائل صغيرها وكبيرها، وخصوصا إذا أضيف إليها تطهير من رب العزة والجلالة، وإذا كان المسلمون يتطهرون بالماء والتراب طهارة جسدية لا تتعدى ظاهر الجسم، فأهل البيت طهرهم الله طهارة روحية غسلت العقل والقلب والفؤاد، فلم تترك لوساوس الشيطان ولا لارتكاب المعاصي مكانا. فأصبحت قلوبهم صافية نقية خالصة مخلصة لخالقها وبارئها في كل حركاتها وسكناتها.

ولكل ذلك كان هؤلاء المطهرون مثالا للإنسانية جمعاء في الزهد والتقوى والإخلاص والعلم والحلم والشجاعة والمروءة والعفة والنزاهة والعزوف عن الدنيا والقرب منه جل وعلا.

ولم يسجل التاريخ لواحد منهم معصية أو ذنبا طيلة حياته، فإذا كان الأمر كذلك فلنعد إلى المثال الأول لزوجات النبي صلى الله عليه وآله وهي عائشة، وإذا ما تجردنا للحقيقة بدون تعصب ولا انحياز، فهل من المعقول أن يحكم العقل بأنها مطهرة من الذنوب والمعاصي؟ أم أن الله سبحانه رفع عنها حصانته المنيعة بعد موت زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله؟.

فلننظر معا إلى الواقع، ولنتعرف عليها سيرة وتاريخا، منذ ولادتها حتى وفاتها، راجين من الله العزيز القدير أن يفتح بصائر المؤمنين الموحدين الذين آمنوا برسالة حبيبه محمد على الحق الذي لا شك فيه، تاركين التعصب والنزعة المذهبية جانبا حتى نهتدي وإياهم إلى الصراط المستقيم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 

 

الباب الأول
عائشة في حياة النبي صلى الله عليه وآله

 

 

الفصل الأول
زوجات النبي صلى الله عليه وآله وعائشة

ترتيب أزواجه

تزوج بمكة أولا خديجة بنت خويلد (رض) وكانت عذراء (1)، وتزوج سودة بنت زمعة بعد موت خديجة (ض) بسنة، وكانت عند السكران بن عمرو، من مهاجري الحبشة، فتنصر ومات بها، وتزوج عائشة بنت أبي بكر وهي ابنة سبع، قبل الهجرة بسنتين، ويقال كانت ابنة ست ودخل بها بالمدينة في شوال وهي ابنة تسع، وتوفي النبي صلى الله عليه وآله وهي ابنة ثمان عشرة سنة، وبقيت إلى إمارة معاوية، وقد قاربت السبعين.

وتزوج بالمدينة أم سلمة واسمها هند بنت أمية المخزومية، وهي بنت عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وكانت عند أبي سلمة بن عبد الأسد، بعد وقعة بدر من سنة اثنتين من التاريخ، وفي هذه السنة تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله تحت خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي فبقيت إلى آخر خلافة علي عليه السلام وتوفيت بالمدينة، وزينب بنت جحش الأسدية وهي ابنة عمته أمية بنت عبد المطلب، وكانت عند زيد بن حارثة، وهي أول من ماتت من نسائه بعده في أيام عمر بعد سنتين من التاريخ، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية، ويقال إنه اشتراها فأعتقها فتزوجها، وماتت في سنة خمسين، وكانت عند مالك بن صفوان بن ذي السفرتين، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، وكانت عند عبيد الله بن جحش، في سنة ست، وبقيت إلى إمارة معاوية، وصفية بنت حيي بن أخطب النضري، وكانت عند سلام بن مشكم، ثم عند كنانة بن الربيع، وكان بنى بها في سنة سبع، وميمونة بنت الحارث الهلالية خالة ابن عباس، وكانت عند عمير بن عمرو الثقفي، ثم عند أبي زيد ابن عبد العامري، خطبها للنبي صلى الله عليه وآله جعفر بن أبي طالب وكان تزويجها وزفافها وموتها وقبرها بسرف، وهو على عشرة أميال من مكة، في سنة سبع، وماتت في سنة ست وثلاثين، وقد دخل صلى الله عليه وآله بهؤلاء.

والمطلقات أو من لم يدخل بهن، أو من خطبها ولم يعقد عليها:

فاطمة بنت شريح، وقيل بنت الضحاك، تزوجها بعد وفاة زينب.

 

__ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ__________

(1) روى ذلك أحمد البلاذري وأبو القاسم الكافي في كتابيهما. والمرتضى في الشافي وأبو جعفر في التلخيص.

التي يقال أنها ابنته، وسيأتي بيان أن الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن لديه من البنات سوى فاطمة سلام الله عليها - وخيرها حين أنزلت عليه آية التخيير، فاختارت الدنيا، ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول أنا الشقية اخترت الدنيا. وزينب بنت خديجة بن الحارث أم المساكين، من عبد مناف، وكانت عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسماء بنت النعمان، لما دخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك، فقال صلى الله عليه وآله: أعذتك، إلحقي بأهلك، وكان بعض أزواجه (عائشة) علمتها (1)، وقالت: إنك تحظين عنده.

وقتيلة أخت الأشعث بن قيس الكندي، ماتت قبل أن يدخل بها، ويقال: طلقها فتزوجها عكرمة بن أبي جهل، وهو الصحيح، وأم شريك، واسمها غزية بنت جابر من بني النجار، وسنا بنت أسماء ابن الصلت من بني سليم، ويقال: خولة بنت حكيم السلمي، ماتت قبل أن يدخل بها، وكذلك اشران أخت دحية الكلبي، ولم يدخل بعمدة الكلابية، وأميمة بنت النعمان الجونية، والعالية بنت ظبيان الكلابية، ومليكة الليية، وأما عمرة بنت يزيد رأى بها بياضا فقال دلستم علي فردها، وليلى ابنة الخطيم الأنصارية ضربت ظهره وقالت: أقلني، فأقالها فأكلها الذئب، وعمرة وصفها أبوها حتى قال: إنها لم تمرض قط، فقال صلى الله عليه وآله: ما لهذه عند الله من خير.

والتسع اللاتي قبض عنهن: أم سلمة، زينب بنت جحش، ميمونة، أم حبيبة، صفية، جويرية، سودة، عائشة، حفصة.

ومات قبل النبي صلى الله عليه وآله: خديجة وأم هاني وزينب بنت خزيمة، وأفضلهن خديجة ثم أم سلمة ثم ميمونة (2).

 

هل تزوجت خديجة بأحد قبل النبي صلى الله عليه وآله؟

قيل: إنه صلى الله عليه وآله لم يتزوج بكرا غير عائشة، وأما خديجة، فيقولون:

إنها قد تزوجت قبله صلى الله عليه وآله برجلين، ولها منهما بعض الأولاد. وهما عتيق بن عابد المخزومي وأبو هالة التميمي.

أما نحن فإننا في شك من دعواهم تلك، ونحتمل جدا أن يكون كثيرا مما يقال في هذا الموضوع قد صنعته يد السياسة، إننا لا نريد أن نسهب في الكلام عن اختلاف اسم أبي هالة هل هو النباش بن زرارة أو عكسه، أو هند أو مالك وهل هو صحابي أم لا.

ولا في كون هند الذي ولدته خديجة هو ابن هذا الزوج أو ذاك.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري: ج 3 / ص 1776.

(2) أ مناقب آل أبي طالب: ج 1 / ص 159. هذا الحديث من صحاح السنن المستفيضة فراجعهما في أحوال خديجة الكبرى من الاستيعاب تجدهما بعين اللفظ الذي أوردناه.

وقد أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما بلفظ يقارب ذلك.

فإن كان ابن عتيق هو أنثى وإلا فهو ذكر... وأنه هل قتل مع علي في حرب الجمل، أو مات بالطاعون في البصرة... ولا نريد أن نطيل بذلك وإنما نكتفي بتسجيل الملاحظات التالية:

أولا: قال ابن شهرآشوب: (... وروى أحمد البلاذري، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، المرتضى في الشافي، وأبو جعفر في التلخيص: أن النبي صلى الله عليه وآله تزوج بها، وكانت عذراء.

يؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الأنوار والبدع: أن رقية وزينب كانت ابنتي هالة أخت خديجة.) (1).

وثانيا: قال أبو القاسم الكوفي: (إن الاجماع من الخاص والعام، من أهل الأنال (الأثارظ) ونقلة الأخبار، على أنه لم يبق من أشراف قريش، ومن ساداتهم، وذوي النجدة منهم، إلا من خطب خديجة، ورام تزويجها، فامتنعت على جميعهم من ذلك، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها: خطبك أشراف قريش، وأمراؤهم فلم تتزوجي أحدا منهم وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب فقيرا، لا مال له؟! فكيف يجوز في نظر أهل الفهم أن تكون خديجة، قد تزوجت أعرابي من تميم، وتمتنع عن سادات قريش وأشرافها على ما وصفناه؟! ألا يعلم ذووا التمييز والنظر أنه من أبين المحال، وأفظع المقال؟!..) (2).

واستبعاد ما ذكر على اعتبار أن لا يمكن أن تبقى امرأة شريفة وجميلة هذه المدة الطويلة بلا زواج لا يدفع كلام صاحب الإستغاثة..

فإن ذلك لا يبرر رفضها لعظماء قريش وقبولها بأعرابي من بني تميم وأما كيف يتركها أبوها أو وليها - علما أن أباها قد قتل في حرب الفجار - وأما وليها، فلم يكن له سلطة الأب ليجبرها على الزواج ممن أراد... وبقاء المرأة الشريفة والجميلة مدة بلا زواج ليس بعزيز... إذا كانت تصبر إلى أن تجد الرجل الفاضل الكامل، الذي كان يعز وجوده في تلك الفترة.

وثالثا: لا بد وأن نشير إلى بعض الكلام حول ما نسب لخديجة من أولاد، من غير النبي صلى الله عليه وآله فنشير إلى:

·  ألف: ذكروا إن أول شهيد استشهد في الإسلام هو ابن لخديجة، اسمه الحارث بن أبي هالة، حينما جهر رسول الله صلى الله عليه وآله بالدعوة (3).

ولكن ماذا يصنعون فيما جاء بسند صحيح، عن قتادة: إن أول شهيد في الإسلام هو سمية والدة عمار؟ (4)، وكذا روي عن مجاهد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مناقب آل أبي طالب ج 1 / ص 159، البحار، قاموس الرجال.

(2) الإستغاثة ج 1 / ص 70.

(3) الأوائل ج 1 / ص 311، الإصابة ج 1 / ص 293.

(4) الإصابة ج 4 / ص 335، طبقات ابن سعد ج 8 / ص 193.

باء: لقد روي أنه كانت لخديجة أخت اسمها هالة (1) تزوجها رجل مخزومي، فولدت له بنتا اسمها هالة، ثم خلف عليها رجل تميمي يقال له أبو هند فأولدها ولدا اسمه هند... وكان لهذا التميمي امرأة أخرى قد ولدت له زينب ورقية، فماتت ومات التميمي فلحق ولده هند بقومه وبقيت هالة أخت خديجة والطفلتان اللتان من التميمي وزوجته الأخرى، فضمتهم خديجة إليها وبعد أن تزوجت بالرسول صلى الله عليه وآله، ماتت هالة فبقيت الطفلتان في حجر خديجة والرسول صلى الله عليه وآله.

وكان العرب يزعمون أن الربيبة بنت، ونسبت إليه صلى الله عليه وآله، مع أنهما ابنتا أبي هند زوج أختها وكذلك الحال بالنسبة لهند نفسه (2).

 

من حياته الزوجية صلى الله عليه وآله

قال تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) (3)، فإنه كان سبب نزولها أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحقيق قلن أزواجه: أعطنا ما أصبت، فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وآله: قسمته بين المسلمين على أمر الله فغضبن من ذلك، وقلن: لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجون، فأنف الله لرسوله فأمره أن يعتزلهن فاعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وآله في مشربة أم إبراهيم تسعة وعشرين يوما حتى حضن وطهرن، ثم أنزل الله هذه الآية وهي آية التخيير، فقامت أم سلمة أول ما قامت، فقال: قد اخترت الله ورسوله فقمن كلهن فعانقنه وقلن مثل ذلك فأنزل الله (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) (4).

ومن آوى فقد نكح، ومن أرجى فقد طلق. وقيل: وكان ممن أرجى منهن سودة وصفية وجويرية وأم حبيب، فكان يقسم لهن ما شاء، وكان ممن آوى إليه أم سلمة وزينب وحفصة وعائشة وميمونة وكان يقسم بينهن على السواء (5).

وعن أبي الصباح الكناني قال: ذكر أن زينب بنت جحش ويقال حفصة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: ألا تعدل وأنت رسول الله؟ وقالت حفصة إن طلقنا وجدنا أكفاءنا من قومنا، فاحتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين يوما، فأنف الله عز وجل لرسوله فأنزل:

(يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين) إلى قوله: (أجرا عظيما).

فاخترن الله ورسوله، ولو اخترن أنفسهن لبن، وإن اخترن الله ورسوله فليس بشئ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) نسب قريش ص 157.

 (2) الإستغاثة ج 1 / ص 68. مكارم الأخلاق ص 6.

(3) الأحزاب: آية 29 - 30.

(4) الأحزاب: آية 51.

(5) زوجات النبي وأولاده (الخيامي): / ص 382.

عائشة نسبها، مولدها وكنيتها

هي بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي، وأمها أم رومان بنت عمير بن عامر بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة.

ولدت عائشة بمكة في السنة الثامنة قبل الهجرة (1)، وقيل في السنة التاسعة قبل الهجرة (2).

وكانت تكنى أم عبد الله بن الزبير ابن أختها، فعن عائشة أنها قالت: لما ولد عبد الله بن الزبير أتيت به النبي صلى الله عليه وآله فتفل في فيه، فكان أول شئ دخل جوفه. وقال: هو عبد الله، وأنت أم عبد الله، فما زلت أتكنى بها، وما ولدت قط (3).

وعنها أنها قالت: يا رسول الله ألا تكنني؟ فقال: تكني بابنك يعني عبد الله بن الزبير.

وعنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله كنيت نساءك فكنني، فقال: تكني بابن أختك أم عبد الله.

وكانت تسمى بأم المؤمنين كسائر زوجات النبي صلى الله عليه وآله وعن فاطمة الخزاعية قالت: سمعت عائشة تقول يوما: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ قال: يا حميراء، كنت عند أم سلمة.

زواجها من النبي صلى الله عليه وآله

قال ابن سعد في طبقاته (ج 8 / ص 58): أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس: قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر الصديق عائشة، فقال أبو بكر: يا رسول الله قد كنت وعدت بها، أو ذكرتها لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف لابنه جبير، فدعني حتى أسلها منهم ففعل.

فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم ابنه المذكور، فكلمت أبا بكر بما أوجب ذهاب ما كان في نفسه من وعده لمطعم، فإن المطعم لما قال له أبو بكر: ما تقول في أمر هذه الجارية؟ أقبل المطعم على امرأته وقال لها: ما تقولين يا هذه؟

فأقبلت على أبي بكر وقالت: لعنا إن أنكحنا هذا الفتى ابنتك، تصيبه وتدخله في دينك الذي أنت عليه، فأقبل أبو بكر على المطعم وقال له: ماذا تقول أنت؟ فقال: إنها لتقول ما تسمع (4)، فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وعائشة يومئذ بنت ست سنين وكانت بكرا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح البخاري للعجلوني وفتح الباري لابن حجر.

(2) الأعلام للزركلي: ج 3 / ص 240، طبقات ابن سعد: ج 8 ص 58، قال فيها: وكانت عائشة ولدت السنة 4 من النبوة في أولها وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله في السنة العاشرة في شوال وهي يومئذ بنت ست سنين وتزوجها بعد سودة بشهر.

(3) أخرجه أبو حاتم.

(4) السيرة الحلبية، السمط الثمين / ص 31. وانظر حياة الصحابة: ج 2 / ص 653 - 654.

سنة زواجها وعمرها

تزوج النبي عائشة وهي ابنة ست، وأدخلت عليه وهي ابنة تسع، ومكثت عنده تسعا.

عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قالت: سمعت عائشة تقول: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة لثلاث سنين وأنا ابنة ست سنين، وهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، أعرس بي في شوال على رأس ثمانية أشهر من المهاجر، وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين (1).

ونحن نقول إن ذلك غير صحيح، وإن عمرها كان أزيد من ذلك بكثير، ونستند في ذلك إلى ما يلي:

أولا: إن ابن إسحاق قد عد عائشة في جملة من أسلم أول البعثة، قال: وهي يومئذ صغيرة. وأنها أسلمت بعد ثمانية عشر إنسانا فقط (2)...

فلو جعلنا عمرها حين البعثة سبع سنين مثلا فإن عمرها حين العقد عليها يكون سبع عشر سنة، وحين الهجرة عشرين سنة.

ثانيا: وفي مقام رفع التنافي بين قوله صلى الله عليه وآله لفاطمة: أنها سيدة نساء العالمين وبين ما نسب إليه صلى الله عليه وآله من أنه لم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وأن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام...

يقول الطحاوي:

(وقد يحتمل أن يكون ما في هذا الحديث قبل بلوغ فاطمة، واستحقاقها الرتبة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله لها.. إلى أن قال: إن كل فضل ذكر لغير فاطمة، مما قد يحتمل أن تكون فضلت به فاطمة، محتملا لأن يكون وهي صغيرة (عائشة) ثم بلغت بعد ذلك... الخ (3).

قال الطحاوي هذا، بعد أن جزم قبل ذلك بقليل، بأن فاطمة (صلوات الله عليها وسلامه) كان عمرها حين توفيت خمسا وعشرين سنة (4).

وهذا يعني أنها قد ولدت قبل البعثة بسنتين، والغرض أن فاطمة كانت صغيرة حينما كانت عائشة بالغة مبلغ النساء...

وقد حمل بعض العلماء حديث فضل عائشة كفضل الثريد... الخ على المزاح منه صلوات الله عليه وآله معها لأن جوها لا ينسجم مع جو التفضيل كما في قوله صلى الله عليه وآله: فاطمة سيدة نساء العالمين، لم يكمل من النساء إلا مريم وآسية الخ... ولا سيما بملاحظة: أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن من المهتمين بأمور الأطعمة، واللذيذ منها ليأتي بها كمثال على تفضيل في أمر حساس كهذا...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 40.

(2) راجع سيرة ابن هشام ج 1 / ص 371، تهذيب الأسماء واللغات ج 2، البدء والتاريخ ج 4.

(3) مشكل الآثار ج 1 / ص 52.

(4) مشكل الآثار ج 1 / ص 47.

ثالثا: يذكر ابن قتيبة أن عائشة قد توفيت سنة ثمان وخمسين هجرية، وعند غيره سنة سبع وخمسين هجرية، وقد قاربت السبعين (1) فإذا لاحظنا: أن البعض يقول إن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بثلاث أو بأربع أو بخمس سنين، وروي عن عائشة قولها: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا بنت تسع سنين(2).

نرى أن هذه الرواية هي الأقرب بقرينة ما قدمناه، ولكثرة الخلط بين كلمتي (سبع) و (تسع) بسبب عدم نقط تلك الكلمات في السابق.. وهذا الرقم أيضا مشكوك فيه لما تقدم، ولأن المرأة تميل إلى تقليل مقدار عمرها عادة... وعلى كل حال... فكلام ابن قتيبة والذي بعده يدل على أنها قد ولدت إما سنة البعثة أو قبلها... وهذا الثاني هو الأرجح لما قدمناه...

إذا لاحظنا كل ذلك: فتكون النتيجة هي - أن عمر عائشة كان حين عقد النبي صلى الله عليه وآله عليها سنة عشر من البعثة كانت أكثر من ست سنين بكثير، أي ما بين ثلاثة عشر وسبعة عشر سنة...

وليس لك يا حضرة الدكتور البوطي أن تدافع عن سن عائشة الصغير عند زواجها لأنه بالأصل عمر ملفق ومكذوب.

وأرى أن الحق معه (مايك) وأمثاله لأن يقول هذا وقد قرأه في كتبنا المعتمدة (البخاري وتوابعه...) ولكن الدكتور لم يجرؤ على القول بخطأ البخاري والتشكيك ببعض رواياته.

رد على مايك

ليس غريبا على المستشرقين أو المسيحيين العاديين أمثال مايك من أمريكا - كما تحدث عنه الدكتور البوطي - ليس غريبا أن يستنكروا أن يتزوج رجل عمره ثلاث وخمسين سنة بطفلة عمرها ست سنوات، وجوابنا له بكل بساطة: وإن عمرها ليس ست سنوات وإنما على الأقل سبع عشرة سنة وأن أحاديث البخاري لا يؤخذ بها كلها لأنها مغلوطة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعارف لابن قتيبة ص 59.

(2) راجع حديث الإفك ص 93.

الفصل الثاني: صفات عائشة

أمومة المؤمنين

تجدر الإشارة في أول بحثنا أن يعرف القارئ بأن كل امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله تحمل هذا اللقب، فيقال لها أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين حفصة، وأم المؤمنين مارية.. الخ.

وهي أمومة تشريفية لا غير، أقول هذا لأني فوجئت خلال حديثي مع كثير من الناس بأنهم لم يفهموا معنى الأمومة التي لقبت بها أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وبما أن حديث أهل السنة أكثره عن عائشة إذا تحدثوا عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وأغلب الأحاديث النبوية ينقلونها عن عائشة، ونصف الدين يأخذونه عن الحميراء عائشة، فكأنهم فهموا من كلمة (أم المؤمنين) أنها فضيلة تخصها من بين سائر أزواجه صلى الله عليه وآله، والحال أن الله حرم على المؤمنين الزواج من نساء النبي بعد وفاته بقوله تعالى:

(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم عند الله عظيما) (1).

وقال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم...) (2).

فقد جاء في تفسير ابن كثير وتفسير القرطبي وتفسير الآلوسي وغيرهم: أنه جاءت هذه الآية بحق طلحة بن عبيد الله الذي كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: إن مات رسول الله تزوجت عائشة فهي بنت عمي، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله قوله فتأذى من ذلك.

ولما نزلت آية الحجاب واحتجب نساء النبي صلى الله عليه وآله، قال: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا؟ فإن حدث به حدث لنتزوجن نساءه من بعده. ولما تأذى رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك نزل قول الله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا)، فأراد الله سبحانه أن يقول للمؤمنين بأن نساء النبي حرام عليكم نكاحهن كحرمة أمهاتكم.

مع العلم أن عائشة كانت عقيما فلم تحمل ولم تخلف.

عائشة في حياة النبي صلى الله عليه وآله

إذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله، وجدناها كثيرة الايذاء للنبي صلى الله عليه وآله، فقد جاء في صحيح البخاري (كتاب الطلاق - باب لم تحرم ما أحل الله لك) عن عائشة قالت:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الأحزاب: آية 53.

(2) الأحزاب: آية 6.

كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت، فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وآله منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير؟، فإنه سيقول لك لا، فقولي له ما هذه الريح التي أجد منك، فإنه سيقول سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحلة العرفط، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك.

قالت: تقول سودة فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك (خشية) فلما دنى منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير، قال: لا، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك، قال: سقتني حفصة شربة عسل، فقالت: جرست نحلة العرفط، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله ألا أسقيك منه، قال لا حاجة لي فيه، قالت سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي، فنزل قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم).

وفي رواية: أن عائشة قد تآمرت مع حفصة على النبي صلى الله عليه وآله وأن العسل كان عند سودة، وكانت هاتين

 (عائشة وحفصة) متآخيتين فقالت إحداهما للأخرى: أما ترين إلى هذا قد اعتاد هذه، يأتيها في غير نوبتها، يصيب من ذلك العسل، فإذا دخل عليك فخذي بأنفك فإذا قال لك: ما لك؟ فقولي أجد منك ريحا لا أدري ما هو؟.

وفي رواية أن العسل كان من عند زينب بنت جحش وفيه نزل:

(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك).

أقول: تعددت الروايات والمتهم الأول والمتسبب الرئيسي في آية التحريم واحد هو شخص عائشة.

وفي ذكر المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله وتخييره نساءه (1) أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا معمر بن راشد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وآله اللتين قال الله لهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) حتى حج عمر وحججت معه، فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإدواة (إناء من جلد يوضع فيه الماء) فتبرز ثم أتاني، فسكبت على يده فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وآله اللتان قال الله تعالى فيهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)؟ فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 182.

قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه عنه، قال: هما حفصة وعائشة، قال ثم أخذ يسوق الحديث، فقال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في بني أمية بن زايد في العوالي (ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال) قال: فتغضبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك وابنتك تؤذي النبي صلى الله عليه وآله (1)؟.

قال: فانطلقت فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله؟.

قالت: نعم، قلت وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم،

قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر! أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله؟ فإذا هي قد هلكت! لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك.

قال عمر: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ينزل يوما وأنزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل (تتهيأ للحرب) لتغزونا، فنزل صاحبي يوما ثم أتاني عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: وماذا؟

أجاءت غسان؟.

قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلق الرسول نساءه، فقلت:

فقد خابت حفصة وخسرت! قد كنت أظن هذا كائنا، حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي قائمة تلتدم (تضرب الوجه والصدر) فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وآله؟

فقالت: لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة (الغرفة) فأتيت غلاما له أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت:

استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني.

فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو متكئ على رمل حصير، وقد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: لا، فجلست فرفعت رأسي في البيت فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا آهبة ثلاثة (الآهبة جمع إهاب وهو الجلد)، فقلت: ادع يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا ثم قال:

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الرضاع - باب في الايلاء واعتزال النساء ورواه ابن جرير في تفسيره: ج 28، ورواه أحمد بن حنبل: ج 1 / ص 48 باختلاف في اللفظ.

أفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم أن لا يدخل عليهم شهرا من شدة موجدته (غضبه) عليهن.

فتركهن رسول الله صلى الله عليه وآله تسعا وعشرين ليلة ثم نزل: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا).

وروي غير ذلك: قال ابن سعد في طبقاته (1)، وابن جرير في تفسيره: ج 28 (روى بسنده) عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) إلى قوله (وهو العلي الحكيم)، قال: كانت حفصة وعائشة متحابين وكانتا زوجتي رسول الله صلى الله عليه وآله، فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله إلى جاريته أم إبراهيم مارية القبطية، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة فرجعت حفصة فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيره شديدة فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله مارية ودخلت حفصة، فقالت: رأيت من كانت عندك والله لقد سئتني، فقال النبي صلى الله عليه وآله والله لأرضينك فإني مسر إليك سرا فاحفظيه، قالت: ما هو؟، قال: إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضا لك.

وكانت عائشة وحفصة تظاهرت على نساء النبي صلى الله عليه وآله فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري إن النبي قد حرم فتاته، فلما أخبرت عائشة بسر النبي صلى الله عليه وآله أظهر الله عز وجل ذلك على النبي صلى الله عليه وآله فعرف أن حفصة أفشت سره، فقالت له حفصة: من أنبأك هذا، قال:

أنبأني العليم الخبير.

فأنزل الله (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أنا بداخل عليكن شهرا.

ولما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، قالت عائشة: يا رسول الله، أما كنت أقسمت ألا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين أعدها لك عدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

الشهر تسع وعشرون ليلة. وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين، قالت عائشة: ثم أنزل الله آية التخيير فبدأ بي أول نسائه، فقال: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك.

قالت عائشة: فاعلم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، قال: قال الله: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما)، فقلت له: ففي هذا أستأمر أبوي! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 135 وابن جرير في تفسير: ج 28، أنظر الصحيح المسند من أسباب النزول: / ص 60.

ثم خير نساءه فقبلن جميعا واخترن الله ورسوله غير العامرية اختارت قومها، فكانت بعد تقول: أنا الشقية، وكانت تلقط البعر وتبيعه وتستأذن على أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وتسألهن وتقول: أنا الشقية.

غيرة عائشة

كانت الغيرة تسيطر على قلب عائشة وعقلها فتتصرف بحضرة النبي تصرفا بغير احترام ولا أدب، فمرة قالت للنبي صلى الله عليه وآله عندما ذكر عندها السيدة خديجة (رض): ما لي ولخديجة، إنها عجوز حمراء الشدقين، أبدلك الله خيرا منها، فغضب لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى اهتز شعره (1).

وروي أنه قالت عائشة معترفة: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وآله ما غرت به على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي صلى الله عليه وآله يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعث في صدائق خديجة (صديقاتها) فقلت: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول:

إنها كانت وكان لي منها الولد (2).

وعنها قالت: كان رسول الله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا، قد أبدلك الله خيرا منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني النساء (3).

ومرة أخرى بعثت أم سلمة عليها السلام بطعام في صحفة لها، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه (وكان في بيتها) فجاءت عائشة مستترة بكساء ومعها فهر (حجر) فتلقت به الصحنه فكسرتها، فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (غارت أمكم، غارت أمكم)، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله صحفة عائشة فبعث بها إلى أم سلمة (رضي الله عنها) (4)...

وعنها أنها قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله إناء فيه طعام فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله: وما كفارته؟ قال: إناء كإناء وطعام كطعام.

وقالت للنبي مرة أخرى: أنت الذي تزعم أنك نبي الله؟ (5).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري: ج 4 باب تزويج النبي صلى الله عليه وآله خديجة وكذلك صحيح مسلم.

(2) طبقات ابن سعد - صحيح البخاري.

(3) الإستيعاب لابن عبد البر.

(4) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: ج 2.

(5) السمط الثمين: / ص 81.

وقصة ذلك: أن عائشة خرجت مع رسول الله في حجة الوداع، وخرج معه نساؤه، قالت: وكان متاعي فيه خف، وكان على جمل ناج، وكان متاع صفية بنت حيي فيه ثقل، وكان على جمل تقال بطئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حولوا متاع عائشة على جمل صفية وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب.

قالت عائشة: فلما رأيت ذلك، قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله صلى الله عليه وآله، قالت: فقال صلى الله عليه وآله: يا أم عبد الله، إن متاعك كان في خف، وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالركب، فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها، قالت: فقلت:

أليس تزعم أنك رسول الله؟، قالت: فتبسم (ونحن نقول إنه غضب) وقال: أو في شك أنت يا أم عبد الله؟، قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟. فهلا عدلت، فسمعني أبو بكر وكان فيه عرب أي حدة فأقبل علي ولطم وجهي.

فقال صلى الله عليه وآله: مهلا يا أبا بكر، فقال: يا رسول الله، أو لم تسمع ما قالت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الغيران لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه (1).

ومرة غضبت عنده فقالت له: إعدل وكان أبوها حاضرا فضربها حتى سال دمها (2).

وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لما زفت عروسا للنبي صلى الله عليه وآله: فقالت لها: إن النبي صلى الله عليه وآله ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله منك، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق تلك المرأة البريئة الساذجة، والتي كانت أجمل أهل زمانها وأشبه، وقالت عائشة في ذلك: فلما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله يتزوج العزائب قلت: قد وضع يده في العزائب، وهن يوشكن أن يصرفن وجهه عنا، وكان قد خطبها - حين وفدت كندة عليه - إلى أبيها، فلما رآها نساء النبي صلى الله عليه وآله حسدنها، فقالت لها عائشة: إن أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله منه إذا دخل عليك، فلما دخل وألقى الستر، مد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: أمن عائذ الله، إلحقي بأهلك.

فطلقها الرسول بسبب هذه المقالة (3).

وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسول صلى الله عليه وآله أنه كان يصلي وهي باسطة رجليها في قبلته، فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها، وإذا قام أعادت بسطهما في قبلته (4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي.

(2) كنز العمال: ج 7، إحياء العلوم للغزالي.

(3) طبقات ابن سعد: ج 8، الإصابة لابن حجر: ج 4، تاريخ اليعقوبي: ج 2.

(4) صحيح البخاري: ج 1، باب الصلاة على الفراش.

وفي طبقات ابن سعد (ج 8) (روى بسنده) (1) عن أبي معشر: قال تزوج النبي صلى الله عليه وآله مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، وكانت بكرا، فدخلت عليها عائشة: فقالت لها: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك، فاستعاذت من رسول الله صلى الله عليه وآله فطلقها (وكان هذا مراد عائشة) فجاء قومها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا: يا رسول الله، إنها صغيرة، وإنها لا رأي لها، وإنها خدعت فارتجعها، وكان أبوها قتل يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد.

وعن عائشة أنها قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن من رسول الله صلى الله عليه وآله، وكنت أقول: تهب المرأة نفسها؟ ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، فلما أنزل الله عز وجل: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) (2). ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.

وكانت عائشة إذا غضبت (وكثيرا ما كانت تغضب) تهجر اسم النبي صلى الله عليه وآله فلا تذكر اسم محمد، وإنما تقول ورب إبراهيم (3)، ففي طبقات ابن سعد (ج 8 / ص 89): أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله:

يا عائشة ما يخفى علي حين تغضبين علي وحين ترضين، قلت: بم تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: أما حين ترضين فتقولين لا ورب محمد، وأما حين تغضبين فتقولين لا ورب إبراهيم، قالت: قلت له صدقت يا رسول الله، إنما أهجر اسمك!.

وقد أساءت عائشة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا، وجرعته الغصص، ولكن النبي صلى الله عليه وآله رؤوف رحيم، وأخلاقه عالية وصبره عميق، فكان كثيرا ما يقول لها (ألبسك شيطانك يا عائشة)، وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله لها ولحفصة بنت عمر، وكم من مرة ينزل القرآن بسببها، فقد قال تعالى لها ولحفصة (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)، أي إنها زاغت عن الحق وانحرفت، وقوله: (إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح الملائكة بعد ذلك ظهيرا) وهو تهديد صريح من رب العزة لها ولحفصة التي كانت كثيرا ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها.

وقال الله لهما: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات)، وهذه الآيات (كما ذكرنا) نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطاب كما جاء في البخاري، فدلت هذه الآية لوحدها على وجود نساء مؤمنات في المسلمين خير من عائشة.

ومرة بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد أن يخطب لنفسه شراف أخت دحية الكلبي، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها، ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلت قلبها فسألها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما رأيت يا عائشة؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 105، الإصابة.

(2) السمط الثمين: / ص 81.

(3) صحيح البخاري: ج 6 باب غيرة النساء ووجدهن.

فقالت: ما رأيت طائلا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد رأيت طائلا، لقد رأيت خالا بخدها اقشعرت منه كل شعرة منك، فقالت: يا رسول الله ما دونك سر، ومن يستطيع أن يكتمك (1).

وعن فاطمة الخزاعية قالت: سمعت عائشة تقول يوما: دخل علي رسول الله يوما، فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ فقال: يا حميراء، كنت عند أم سلمة، فقلت: أما تشبع من أم سلمة؟ (2). (أي أدب هذا تواجه به عائشة سيد الكائنات؟!).

وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة على عائشة وحفصة، فخرجتا معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان بالليل سار مع عائشة فيتحدث معها، فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظري وأنظر، قالت:

بلى، فركبت عائشة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بعير عائشة وعليه حفصة، فسلم ثم سار معها حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فغارت غيرة شديدة أكلت قلبها، فلما نزلوا جعلت تجعل رجليها بين الإذخر وتقول:

يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني، رسولك ولا أقول له شيئا (3).

عن عائشة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من عندها ليلا، قالت:

فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: ما لك يا عائشة غرت؟، فقلت:

وما لي، لا يغار مثلي على مثلك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد جاءك شيطانك، قالت: يا رسول الله أمعي شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم، لكن أعانني الله عليه، حتى أسلم (4) وتخبر عائشة عن نفسها، وتعترف أن غيرتها تجعلها تقسم كذبا.

قالت: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله أم سلمة (رضي الله عنها) حزنت حزنا شديدا، ولما ذكروا لنا من جمالها قلت: فتلطفت لها حتى رأيتها، فرأيتها، والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن والجمال، قالت:

فذكرت ذلك لحفصة، وكانتا يدا واحدة (وأقول يدا واحدة في إيذاء النبي)، فقالت: لا والله ما هي كما يقولون، فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت: قد رأيتها، ولا والله ما هي كما تقولين ولا قريب من وصفك، وإنها لجميلة، قالت: فرأيتها بعد، فكانت لعمري كما قالت حفصة، ولكني كنت غيرانة (5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 115.

(2) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 55.

(3) أخرجه مسلم والبخاري في كتاب النكاح باب القرعة بين النساء.

(4) السمط الثمين - المشكاة: / ص 280، حياة الصحابة: ج 2 / ص 639.

(5) طبقات ابن سعد، حياة الصحابة: ج 2 / ص 639.

وجاء في السمط الثمين: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة وهو عروس بصفية جئن نساء الأنصار فأخبرنني عنها، قالت: فتنكرت وتنقبت فذهبت فنظرت، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عيني فعرفني، فالتفت والتفت، فأسرعت المشي، فأدركني وقال: كيف رأيتها يا عائشة؟

قالت: رأيت يهودية، قال صلى الله عليه وآله: لا تقولي هذا يا عائشة فإنها قد أسلمت فحسن إسلامها (1).

(أقول: وصلت بك غيرتك يا عائشة أن تسبي امرأة بنسبها لما لم تجدي شئ في جمالها تعيبيها فيه).

وفي طبقات ابن سعد (ج 8 / ص 128): أخبرنا معن بن عيسى، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن نبي الله صلى الله عليه وآله، في الوجع الذي توفي فيه اجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمزتها أزواج النبي (يقصد عائشة) وأبصرهن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: مضمضن، فقلن: من أي شئ يا نبي الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن، والله إنها لصادقة.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعلم ما في قلبها من زيغ وكأنها كانت تنتظر مفارقة الرسول صلى الله عليه وآله الحياة سريعا لتصل إلى بعض مآربها.

وفي صحيح أبو داوود (ج 31)، باب ما جاء في المزاح (روى بسنده): عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر مرة على النبي صلى الله عليه وآله فسمع صوت عائشة عاليا فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل النبي صلى الله عليه وآله يحجزه. ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده: (ج 4 / ص 271)، وقال فيه: فدخل (يعني أبا بكر) فقال: يا بنت أم رومان وتناولها، أترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فحال النبي صلى الله عليه وآله بينه وبينها.

وفي طبقات ابن سعد (ج 8 / ص 56) روى بسنده عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر: يا أبا بكر ألا تعذرني من عائشة، قال فرفع أبو بكر يده فضرب صدرها ضربة شديدة.

إذن لقد كانت عائشة تتلقى من الأدب لعلها تستقيم. ووصل بها الأمر أن تغار من ابن الرسول صلى الله عليه وآله إبراهيم المولود الرضيع البرئ، ففي مستدرك الحاكم ج 4 / ص 39: (روى بسنده) عن عائشة، قال: أهديت مارية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت جميلة من النساء جعدة، قالت: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وقد أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وآله وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله عامة النهار والليل عندها، حتى فرغنا لها فجزعت، فحولها إلى العالية فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا، ثم رزقه الله منها الولد وحرمناه منه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن ماجة والحافظ الدمشقي في الموافقات - وانظر طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 90.

وكانت مارية أمه قليلة اللبن فابتاعت لولدها إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها، فحسن عليه لحمه، قالت عائشة: فدخل به النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم، فقال لي: كيف ترين؟ فقلت: من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه. قال صلى الله عليه وآله: ولا الشبه؟ قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة إن قلت ما أرى شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ (1).

عائشة وحب الدنيا

عن عائشة قالت: رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أكلت في اليوم مرتين، فقال: يا عائشة أما تحبين أن يكون لله شغل إلا جوفك؟ الأكل في اليوم مرتين من الاسراف، والله لا يحب المسرفين (2).

وفي رواية: فقال يا عائشة اتخذت الدنيا بطنك؟ أكثر من أكلة كل يوم سرف، والله لا يحب المسرفين.

وعنها قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وآله عباة عن عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت بفراش حشوة الصوف، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: فقلت يا رسول الله فلانة أنصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا. قال صلى الله عليه وآله: رديه يا عائشة، قالت فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال رديه يا عائشة، فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة (3).

وعن عائشة قالت: لبست مرة درعا لي جديدا، فجعلت أنظر إليه وأعجبت به، فقال أبو بكر: ما تنظرين؟ إن الله ليس بناظر إليك! قلت:

ومم ذلك؟ قال أما علمت أن العبد إذ دخله العجب بزينة الدنيا مقته ربه عز وجل حتى يفارق تلك الزينة. قالت: فنزعته فتصدقت به، فقال أبو بكر: عسى ذلك يكفر عنك سيئاتك (4).

وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: رأيت على عائشة ثوبا مضرجا، فقلت: وما المضرج؟ فقال: هذا الذي تسمونه المورد (5).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 212. أنساب الأشراف: ج 1 / ص 449.

(2) أخرجه البيهقي، وانظر الترغيب: ج 3، والمشكاة / ص 272.

(3) أخرجه أبو معاوية. راجع السمط الثمين / ص 59.

(4) أخرجه أبو نعيم في الحلية: ج 1 / ص 37 - وأنظر حياة الصحابة: ج 2.

(5) طبقات ابن سعد: ج 8.

الفصل الثالث
عبثية منهج عائشة

إساءات عائشة وسخريتها

عن عائشة أنها قالت: دخلت علي امرأة مسكينة ومعها شئ تهديه إلي، فكرهت أن أقبله منها، فقال لي نبي الله صلى الله عليه وآله: فهلا قبلتيه وكافأتيها، فأرى أنك حقرتيها، فتواضعي يا عائشة فإن الله يحب المتواضعين ويبغض المستكبرين (1).

عن عائشة قالت: عثر أسامة على عتبة الباب أو أسكفة الباب، فشج جبهته: فقال: يا عائشة أميطي عنه الدم، فتقذرته. قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمص شجته ويقول: لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أنفقه (2).

وعن عطاء بن يسار قال: كان أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) قد أصابه الجدري أول ما قدم المدينة، وهو غلام مخاطه يسيل على فيه، فتقذرته عائشة وحاولت إقصاءه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فطفق يغسل وجهه ويقبله (3).

وكان عند عائشة طبق من عنب فجاءها سائل فدفعت إليه حبة واحدة، فضحكت نساء كن عندها، فقالت: إن فيما ترين مثاقيل ذر كثيرة، فنظر المسكين إليها: وهو يتعجب. (أسخرية أم بخل) (4).

وأخرج أبو يعلى عن رزينة (رض) مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله أن سودة اليمانية جاءت عائشة تزورها وعندها حفصة بنت عمر، فجاءت سودة في هيئة وفي حالة حسنة، عليها برد من دروع اليمن وخمار كذلك، وعليها نقطتان مثل الفرستين من صبر وزعفران إلى موقها (أي عينها)، قالت سودة: وأدركت النساء يتزين به، فقالت حفصة لعائشة: يا أم المؤمنين أيجئ رسول الله صلى الله عليه وآله وهذه بيننا تبرق.

فقالت عائشة: لأفسدن عليها زينتها - وكان في أذن سودة ثقل - قالت لها حفصة: يا سودة خرج الأعور، قالت: نعم، ففزعت فزعا شديدا فجعلت تنتفض.

فقالت: أين أختبئ؟ قالت عائشة: عليك بالخيمة - خيمة من سعف يختبئون فيها - فذهب فاختبأت فيها، وفيها قذر ونسيج العنكبوت، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وهما تضحكان لا تستطيعان أن تكلماه من كثرة الضحك، فقال صلى الله عليه وآله: ما ذاك الضحك؟ ثلاث مرات، وهما مستمرتان بالضحك إلى أن أومأتا إلى الخيمة بأيديهما، فذهب فإذا سودة ترتعد، فقال لها: يا سودة ما لك؟ قالت: يا رسول الله أخرج الأعور؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه أبو نعيم في الحلية. أنظر حياة الصحابة: ج 2.

(2) أخرجه ابن سعد: ج 4، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه في المنتخب: ج 5 / ص 135.

(3) كذا في المنتخب: ج 5 / ص 136.

(4) موطأ الإمام مالك بن أنس في كتاب الجامع - في الترغيب في الصدقة.

قال: ما خرج وليخرجن - ما خرج وليخرجن، فأخرجها فجعل ينفض عنها الغبار ونسيج العنكبوت (1).

وعن سوء تعبيرها للرؤيا وسخريتها جاء في أخبارها.

عن الدارمي في سننه (ج 2 / ص 130) (روى) بسنده: عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لها زوج تاجر تختلف إليه، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملا فتأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فتقول: إن زوجي خرج تاجرا فتركني حاملا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت وأني ولدت غلاما أعورا. فقال صلى الله عليه وآله: خير، يرجع زوجك عليك إن شاء الله تعالى صالحا وتلدين غلاما برا. فكانت تراها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها وتلد غلاما.

فجاءت يوما كما كانت تأتيه ورسول الله صلى الله عليه وآله غائب، وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عم تسألين رسول الله صلى الله عليه وآله يا أمة الله، فقالت:

رؤيا كنت أراها، فآتي رسول الله صلى الله عليه وآله فأسأله عنها فيقول خيرا...

فيكون كما قال، فقلت: فاخبريني ما هي، قالت: حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله، فأعرضها عليه كما كنت أعرض.

فوالله ما تركتها حتى أخبرتني فقلت: والله لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك وتلدين غلاما فاجرا، فقعدت تبكي، فقالت: ما لي حين عرضت عليك رؤياي قلت شرا.

فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وهي تبكي، فقال لها: ما لها يا عائشة؟

فأخبرته الخبر وما تأولت لها، فقال صلى الله عليه وآله: ألم أخبرك يا عائشة إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على الخير، فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها. تقول عائشة: فمات والله زوجها ولا أراها إلا ولدت غلاما فاجرا.

عائشة مهملة

عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل عليها بأسير، أوصاها أن لا يغيب عن عينها، فلهت عنه بنسوة عندها حتى غفلها الأسير وخرج فهرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال ودعا عليها، ثم خرج فأمر الناس بطلبه فلم ينشبوا أن جاؤوا به فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وعائشة تقلب يديها، فقال صلى الله عليه وآله: ما لك؟ قالت: دعوت علي يا رسول الله صلى الله عليه وآله فأنا أنتظر متى يكون(2).

وعن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله فرأى كسرة خبز ملقاة فمشى، ثم قال: يا عائشة أحسني جوار نعم الله، فإنها قل ما نفرت من أهل بيت فكادت ترجع إليهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الهيثمي: ج 4 / ص 316.

 (2) أخرجه المخلص الذهبي.

نفهم مما سبق أن عائشة تهمل أوامر الرسول وتتوانى في تنفيذها.

وكل ما فعلته عائشة مع حضرة النبي صلى الله عليه وآله من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجر معها حفصة بنت عمر، والغريب أننا نجد تفاهما وانسجاما تاما بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر، غير أنه في النساء كانت عائشة دائما هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة وهي التي تجر حفصة بنت عمر وراءها في كل شئ، بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفا أمام عمر الذي كان هو الجرئ والقوي وصاحب المبادرة في كل شئ، حتى أنه في خلافة أبي بكر كان عمر بن الخطاب هو الحاكم الفعلي.

وقد حدث بعض المؤرخين أن عائشة لما همت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي عليه السلام فيما سمي بحرب الجمل (على ما سيأتي بيانه) أرسلت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله أمهات المؤمنين تسألهن الخروج معها فلم يستجب لها منهن إلا حفصة بنت عمر التي تجهزت وهمت بالخروج معها لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطت رحلها (1)، ومن أجل ذلك كان الله سبحانه يتهدد عائشة وحفصة معا، في قوله: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا)، وكذلك قوله: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما).

ولقد ضرب الله لهما مثلا خطيرا في سورة التحريم ليعلمهما وبقية المسلمين أن الزوجية للنبي لا تدخل زوجاته الجنة بلا حساب ولا عقاب، فقد أعلم الله عباده ذكورا وإناثا بأن مجرد الزوجية لا تضر ولا تنفع حتى ولو كان الزوج رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما الذي ينفع ويضر عند الله هو أعمال الإنسان فقط، فقال تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (2).

وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت: (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين*ومريم التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) (3).

وبهذا يتبين لكل الناس بأن الزوجية والصحبة وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلا أنهما لا يغنيان من عذاب الله إلا إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة، وإلا فإن العذاب يكون مضاعفا لأن عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذب البعيد الذي لم يسمع الوحي، كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم يعرف الحق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ج 2 / ص 80.

(2) سورة التحريم، آية 10.

(3) التحريم آية 11 - 13.

أم المؤمنين تشهد على نفسها

ولنستمع إلى عائشة تروي عن نفسها وكيف تفقدها الغيرة صوابها، فتتصرف بحضرة النبي صلى الله عليه وآله تصرفا لا أخلاقيا، قالت:

·  بعثت صفية زوج النبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بطعام قد صنعته له، وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتى استقلني فأكل، فضربت القصعة ورميت بها، قالت: فنظر إلي رسول الله صلى الله عليه وآله فعرفت الغضب في وجهه، فقلت: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم، قالت، قال: أولي، قلت: وما كفارته يا رسول الله؟ قال: طعام كطعامها وإناء كإنائها (1).

·  ومرة أخرى تروي عن نفسها، قالت: قلت للنبي حسبك من صفية كذا وكذا، فقال لي النبي صلى الله عليه وآله: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته (2).

أين أم المؤمنين من الأخلاق وأبسط الحقوق التي فرضها الإسلام في تحريم الغيبة والنميمة؟ ولا شك بأن قولها (حسبك من صفية كذا وكذا) وقول الرسول بأنها كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، بأن ما قالته عائشة في ضرتها أم المؤمنين صفية أمر عظيم، وخطب جسيم، وأعتقد بأن رواة الحديث استفظعوها واستعظموها فأبدلوها بعبارة كذا وكذا، كما هي عادتهم في مثل هذه القضايا!!.

وتكلمنا عن غيرتها من مارية (أم إبراهيم) وعن تعدي غيرتها دائرة مارية إلى إبراهيم المولود الرضيع البرئ!.

وحتى أن غيرتها تعدت كل الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظنون والوساوس إلى الشك في رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت كثيرا ما تتظاهر بالنوم عندما يبات عندها رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنها ترقب زوجها وتتحسس مكانه في الظلام وتتعقبه أين ما ذهب وإليك الرواية على لسانها والتي أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم، قالت:

لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وآله فيها عندي انقلبت فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ما لك يا عائشة حشيا رابية؟ قالت: قلت يا رسول الله لا شئ، قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت:

قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 6 / ص 277 - وسنن النسائي: ج 2 / ص 148.

(2) صحيح الترمذي، وقد رواه الزركشي / ص 73.

أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله (1).

·  ومرة أخرى قالت: فقد ت رسول الله صلى الله عليه وآله فظننت أنه أتى بعض جواريه فطلبته فإذا هو ساجد، يقول: رب اغفر لي (2).

·  وأخرى قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج من عندي ليلا، فغرت عليه، قالت فجاء فرأى ما أصنع، فقال: ما لك يا عائشة، أغرت؟ فقلت: وما لي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال صلى الله عليه وآله: أفأخذك شيطانك؟ (3).

وهذه الرواية تدل دلالة واضحة على أنها عندما تغار تخرج عن أطوارها وتفعل أشياء غريبة، كأن تكسر الأواني وتمزق الملابس مثلا.

ولذلك تقول في هذه الرواية فلما جاء ورأى ما أصنع قال: أفأخذك شيطانك؟.

ولا شك أن شيطان عائشة كان كثيرا ما يأخذها أو يلبسها، وقد وجد لقلبها سبيلا من طريق الغيرة، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (الغيرة للرجل إيمان، وللمرأة كفر)، باعتبار أن الرجل يغار على زوجته لأنه لا يجوز شرعا أن يشاركه فيها أحد، أما المرأة فليس من حقها أن تغار على زوجها لأن الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من واحدة.

فالمرأة الصالحة المؤمنة التي أذعنت لأحكام الله سبحانه تتقبل ضرتها بنفس رياضية - كما يقال اليوم - وخصوصا إذا كان زوجها عاملا مستقيما يخاف الله، فما بالك بسيد الإنسانية ورمز الكمال والعدل والخلق العظيم؟. على أننا نجد تناقضا واضحا في خصوص حب النبي صلى الله عليه وآله لعائشة، وما يقوله أهل السنة والجماعة من أنها كانت أحب نسائه إليه وأعزهم لديه، حتى أنهم يروون أن بعض نسائه وهبن نوبتهن لعائشة لما علمن أن النبي صلى الله عليه وآله يحبها ولا يصبر عليها.

ففي صحيح البخاري، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها:

عن عائشة: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة.

فهل يمكن والحال هذه أن نجد مبررا وتفسيرا لغيرة عائشة المفرطة؟

والمفروض أن العكس هو الصحيح، أي أن تغار بقية أزواج النبي صلى الله عليه وآله من عائشة لشدة حبه إياها وميله معها كما يروون ويزعمون، وإذا كانت هي المدللة عند الرسول صلى الله عليه وآله فما هو مبرر الغيرة؟

والتاريخ لم يحدث إلا بأحاديثها، وكتب السيرة طافحة بتمجيدها وأنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله المدللة التي كان لا يطيق فراقها، وأعتقد بأن كل ذلك من الأمويين الذين أحبوا عائشة وفضلوها لما خدمت مصالحهم وروت لهم ما أحبوا وحاربت عدوهم علي بن أبي طالب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم: ج 3 / ص 64 باب ما يقال عند دخول القبور، مسند أحمد بن حنبل: ج 6.

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 6 / ص 147.

(3) مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 6 / ص 115.

جمال عائشة وحظوتها

إن أكثر، إن لم يكن كل ما يقال عن جمال عائشة وحظوتها، وحب النبي صلى الله عليه وآله لها مروي عن نفسها، أو عن ابن أختها عروة... ونحن نقطع بعدم صحة ذلك من الأساس، ونحن نذكر هنا بعض التعليلات فنقول:

أولا: إن ذلك - كما قلنا - لم يأت عموما - إلا من طريق عائشة نفسها، كما يظهر من تتبع الروايات!!... والزيت لا يقول عن نفسه أنه عكر.

ثانيا: إننا نجد ابن عباس يواجهها بعد حرب الجمل بحقيقة: أنها لم تكن أحسن نساء النبي صلى الله عليه وآله وجها، ولا بأكرمهن حسبا (1).

كما أن عمر إنما يصف زينب بنت جحش بالحسن دون عائشة عندما قال لابنته: ليس لك حظوة عائشة، ولا حسن زينب (2)... ونحن نشك في الفقرة الأولى (الحظوة) ونعتقد بأنها من مخيلة الرواة لحاجة في النفس.

ثالثا: قال علي فكري: (... وما رواه ابن بكار: من أن الضحاك بن أبي سفيان الكلابي كان رجلا دميما قبيحا: فلما بايع النبي صلى الله عليه وآله قال:

إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء (يريد عائشة، وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب) أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها؟ - وعائشة جالسة تسمع، فقالت: أهي أحسن أم أنت؟ فقال: بل أنا أحسن وأكرم.

فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله من سؤالها إياه (لأنه كان دميما قبيح الوجه)... (3) رابعا: إن من يتتبع سيرة زوجات النبي صلى الله عليه وآله يجد: أن عائشة هي التي كانت تحسد وتغار من كل زوجة له صلى الله عليه وآله.

ويظهر بما لا يبقى مجال للشك: أن أكثرهن - إن لم يكن كلهن - كن أكثر حظوة لدى النبي صلى الله عليه وآله منها، إن لم نقل أنهن أجمل وأضوء منها أيضا، فإن من الطبيعي أن نجد الدميم هو الذي يحسد على الجمال ويغار، أما الجميل فليس من الطبيعي أن يحسد الدميم، وأن يغار منه...

كما أنه ليس من الطبيعي أن يكون الميل لغير ذات الجمال أكثر منه للجميلة الوضيئة، وقد ذكر في حديث الإفك على لسان أم عائشة قولها:

(فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها).

ولو صدقنا: أنها كانت هي ذات الحظوة لدى الرسول، وأنه كان يحبها أكثر من غيرها، فلماذا هذه الغيرة، وهذا الحسد منها لهن... فإن الحسد لا بد وأن يكون على شئ يفقده الحاسد، ويتمنى زواله عن المحسود وانتقاله إليه...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفتوح لابن أعثم ج 2 / ص 337 طبعة الهند.

(2) طبقات ابن سعد ج 8 / ص 137.

(3) السمير المهذب ج 2 / ص 8.

هل كان النبي صلى الله عليه وآله يحب عائشة؟

وكما أعتقد بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يحبها لما فعلته معه كما قدمنا! وكيف يحب رسول الله من تكذب وتغتاب وتمشي بالنميمة وتشك في الله ورسوله، وتظن منهما، كيف؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تتجسس عليه وتخرج من بيتها بدون إذنه لتعلم أين يذهب؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تشتم زوجاته بحضرته ولو كن أمواتا؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تبغض ابنه إبراهيم وترمي أمه مارية بالإفك (1)؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تتدخل بينه وبين زوجاته بالكذب مرة وبإثارة الأحقاد أخرى وتتسبب في طلاقهن؟، كيف يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من تبغض ابنته الزهراء وتبغض أخاه وابن عمه علي بن أبي طالب إلى درجة أنها لا تذكر اسمه ولا تطيب له نفسا بخير (2).

كل هذا وأكثر في حياته أما بعد وفاته، فحدث ولا حرج.

وكل هذه الأفعال يمقتها الله ورسوله صلى الله عليه وآله ولا يحبان فاعلها، لأن الله هو الحق ورسوله صلى الله عليه وآله يمثل الحق، فلا يمكن له أن يحب من كان على غير الحق، وسوف نعرف خلال الأبحاث القادمة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يحبها، بل إنه حذر الأمة من فتنتها (3).

لقد روت عائشة أن حب النبي المفرط لها بالذات دون سواها لأسباب عديدة، ولكن ستعرف أيها القارئ الكريم الواعي بأنها كلها مزيفة:

قالت: لأنها جميلة وصغيرة وهي البكر الوحيدة التي دخل بها ولم يشاركه فيها أحد سواه.

وقالت: لأنها ابنة أحب الخلق إليه أبي بكر الصديق صاحبه في الغار.

وقالت: لأنها حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله نصف الدين فهي العالمة الفقيهة.

وقالت: لأن جبرئيل جاء بصورتها، وكان لا يدخل على النبي إلا في بيتها.

وأنت كما ترى أيها القارئ بأن كل هذه الادعاءات لا تقوم على دليل ولا يقبلها العقل، وسوف نأتي على نقضها بالأدلة.

نقض قولها بأن الرسول صلى الله عليه وآله يحبها

يقولون بأن الرسول صلى الله عليه وآله يحبها لأنها جميلة وهي البكر الوحيدة التي دخل بها، فما الذي يمنعه من الزواج بالأبكار والجميلات اللاتي كن بارعات في الحسن والجمال وكن مضرب الأمثال في القبائل العربية، وكن رهن إشارته، على أن المؤرخين يذكرون غيرة عائشة من زينب بنت جحش ومن صفية بنت حيي ومن مارية القبطية لأنهن كن أجمل منها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يراجع هذا الموضوع في كتاب الإفك للعلامة جعفر مرتضى العاملي.

(2) صحيح البخاري: ج 3 / ص 135 باب هبة الرجل لامرأته من كتاب الهبة وفضلها.

(3) صحيح البخاري: ج 4 / ص 46 باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - كتاب الجهاد والسير.

وقد أوردت لكم قصة عائشة مع مليكة بنت كعب، التي تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وكانت تعرف بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت لها:

أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك؟ فاستعاذت من رسول الله صلى الله عليه وآله فطلقها، فجاء قومها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله إنها صغيرة، ولا رأي لها، وإنها خدعت فارتجعها، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان أبوها قد قتل في يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد بالخندمة (1).

وهذه الرواية تدلنا بوضوح بأن رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان همه من الزواج الصغر والجمال، وإلا لما طلق مليكة بنت كعب وهي صغيرة وبارعة في الجمال، كما تدلنا هذه الرواية وأمثالها على الأساليب التي اتبعتها عائشة في خداع المؤمنات البريئات وحرمانهن من الزواج برسول الله صلى الله عليه وآله، وقد سبق لها أن طلقت أسماء بنت النعمان لما غارت من جمالها وقالت لها: إن النبي صلى الله عليه وآله ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك، وهذه مليكة تثير فيها حساسية مقتل أبيها وأن قاتله هو رسول الله صلى الله عليه وآله، وتقول لها: أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك، فما كان جواب هذه المسكينة إلا أنها استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وآله! وما عساها أن تقول غير ذلك، والناس لا يزالون حديثي عهد بالجاهلية، يأخذون الثأر ويعيرون من لا يثأر لأبيه؟.

بقي لنا أن نتساءل ويحق لنا أن نتساءل: لماذا يطلق رسول الله صلى الله عليه وآله هاتين المرأتين البريئتين واللتين ذهبتا ضحية مكر وخداع عائشة لهن؟.

وقبل كل شئ لا بد لنا أن نضع في حسابنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله معصوم ولا يظلم أحدا، ولا يفعل إلا الحق، فلا بد أن يكون في تطليقهن حكمة يعلمها الله ورسوله صلى الله عليه وآله كما أن عدم تطليق عائشة بالرغم من أفعالها فيه أيضا حكمة، ولعلنا نقف على شئ منها في الصفحات المقبلة.

أما بالنسبة للمرأة الأولى وهي أسماء بنت النعمان فقد ظهرت سذاجتها عندما انطلت عليها حيلة عائشة فأول كلمة قابلت بها رسول الله صلى الله عليه وآله عندما مد يده إليها هي (أعوذ بالله منك) وبالرغم من جمالها البارع فلم يبقها رسول الله صلى الله عليه وآله لبلاهتها.

يقول ابن سعد في طبقاته (ج 8)، ويقول غيره: عن ابن عباس قال: (تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله أسماء بنت النعمان وكانت من أجمل أهل زمانها وأتمه) ولعله صلى الله عليه وآله أراد أن يعلمنا أن رجاحة العقل أولى من الجمال، فكم من امرأة جميلة جرها غباؤها للفاحشة.

أما بالنسبة للمرأة الثانية وهي مليكة بنت كعب والتي عيرتها عائشة بأن زوجها هو قاتل أبيها، فلم يرد النبي صلى الله عليه وآله أن تعيش هذه المسكينة (والتي هي صغيرة السن، ولا رأي لها كما شهد بذلك قومها) على هواجس ومخاوف قد تسبب مصائب كبرى، خصوصا وأن عائشة سوف لن تتركها ترتاح مع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا شك أن هناك أسبابا أخرى يعلمها رسول الله وغابت عنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) رواه ابن سعد في طبقاته: ج 8 / ص 148 - ابن كثير في تاريخ: ج 5 / ص 299.

والمهم أن نعرف أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يجري وراء الجمال والشهوات الجسدية والجنسية كما يتوهمه بعض الجاهلين وبعض المستشرقين، الذين يقولون كان هم محمد هو النساء والحسناوات.

ورأينا كيف طلق رسول الله صلى الله عليه وآله هاتين المرأتين بالرغم من صغرهما وجمالهما فكانتا أجمل أهل زمانهما وأتمه، كما جاء في كتب التاريخ وكتب الحديث، فقول من يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله يحب عائشة لصغرها وجمالها مردود لا يقبل.

نقض قولها: يحبها لأنها ابنة أبي بكر

أما القائلين بأن حبه إياها لأنها ابنة أبي بكر (وكما قالت هي) فهذا غير صحيح، ولكن يمكننا أن نقول بأنه تزوجها من أجل أبي بكر، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج من قبائل عدة زواجا سياسيا لتأليف القلوب ولتسود المودة والرحمة في تلك القبائل بدلا من التنافر والتباغض، فقد تزوج النبي صلى الله عليه وآله بأم حبيبة أخت معاوية وهي بنت أبي سفيان العدو الأول للنبي صلى الله عليه وآله وذلك لأنه لا يحقد، وهو رحمة للعالمين، وقد تعدى عطفه وحنانه القبائل العربية إلى مصاهرة اليهود والنصارى والأقباط ليقرب أهل الأديان بعضهم من بعض.

وبالخصوص إذا ما عرفنا من خلال ما نقرأه في الصحاح وكتب السيرة بأن أبا بكر هو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله بأن يتزوج ابنته عائشة، كما طلب عمر من النبي صلى الله عليه وآله بأن يتزوج ابنته حفصة، وقبل رسول الله صلى الله عليه وآله لأن قلبه يسع أهل الأرض كلهم.

قال تعالى: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (1).

وإذا رجعنا إلى الرواية التي روتها عائشة وقالت فيها بأن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه، عرفنا كذب الزعم بأنه صلى الله عليه وآله لا يصبر عنها (2).

وهذا الاستنتاج ليس استنتاجا عفويا ألفه الخيال، فإن له أدلة في صحاح السنة، فقد روى مسلم في صحيحه وغيره من صحاح أهل السنة أن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وآله نساءه قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون الحصى ويقولون طلق رسول الله صلى الله عليه وآله نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، فقال عمر: فقلت لأعلمن ذلك اليوم، قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب، عليك بعيبتك! قال: فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وآله، فبكت أشد البكاء... الحديث (3).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) آل عمران آية: 159.

 (2) صحيح مسلم: ج 3 / ص 64. مسند الإمام أحمد: ج 6 / ص 221.

(3) صحيح مسلم: ج 4 / ص 188 في باب الايلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه).

إن هذه الرواية تدلنا بوضوح لا يقبل الشك في أن زواج النبي صلى الله عليه وآله من حفصة بنت عمر لم يكن عن محبة، ولكنه لمصلحة سياسية اقتضتها الظروف، ومما يزيدنا يقينا بصحة ما ذهبنا إليه في هذا الاستنتاج أن عمر بن الخطاب يقسم بالله بأن رسوله لا يحب حفصة ويزيدنا عمر يقينا جديدا بأن ابنته حفصة تعلم هي الأخرى هذه الحقيقة المؤلمة، إذ يقول لها: (والله لقد علمت بأن رسول الله لا يحبك).

ثم لا يبقى لنا أدنى شك في أن الزواج منها كان لمصلحة سياسية عندما قال: (لولا أنا لطلقك رسول الله) صلى الله عليه وآله.

فهذه الرواية تعطينا أيضا فكرة عن زواج النبي صلى الله عليه وآله بعائشة بنت أبي بكر، وأنه صبر وتحمل كل أذاها من أجل أبي بكر أيضا، وإلا فإن حفصة أولى بحب الرسول وتقديره، لأنه لم يصدر منها ما يسئ، للنبي صلى الله عليه وآله عشر معشار ما فعلته عائشة بنت أبي بكر.

 

لم تكن أفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وإنما أفضلهن خديجة

قد يكون لأم المؤمنين عائشة فضلها ومنزلتها، غير أنها ليست بأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وكيف تكون أفضلهن مع ما صح عنها إذ قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة ذات يوم فناولتها، فقلت: عجوز كذا وكذا، قد أبدلك الله خيرا منها، قال: ما أبدلني الله خيرا منها، لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرمني ولد غيرها، الحديث... (1).

وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الأيام، فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا، فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضب منها حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء، الحديث...

فأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله خديجة الكبرى صديقة هذه الأمة وأولها إيمانا بالله وتصديقا بكتابه، ومواساة لنبيه، وقد أوحي إليه صلى الله عليه وآله أن يبشرها ببيت لها في الجنة من قصب، ونص على تفضيلها، فقال:

أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران (2).

وقال صلى الله عليه وآله: خير نساء العالمين أربع ثم ذكرهن، قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون، إلى كثير من أمثال هذه النصوص وهي من أصح الآثار النبوية وأثبتها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الإستيعاب - أحوال خديجة الكبرى، كذلك أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.

(2) كما أخرجه البخاري في باب غيرة النساء ووجدهن - وهو في أواخر كتاب النكاح: جزء 3 / ص 175.

على أنه لا يمكن القول بأن عائشة أفضل ممن عدا خديجة من أمهات المؤمنين. والسنن المأثورة والأخبار المسطورة تأبى تفضيلها عليهن، كما لا يخفى على أولي الألباب، وربما كانت ترى أنها أفضل من غيرها، فلا يقرها رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك، كما اتفق هذه مع أم المؤمنين صفية بنت حيي، إذ دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وهي تبكي فقال لها صلى الله عليه وآله: ما يبكيك؟ قالت: بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني، وتقولان نحن خير من صفية، قال صلى الله عليه وآله: ألا قلت لهن كيف تكن خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد (1).

وروي في تفسير القمي: كانت عائشة وحفصة تؤذيان صفية زوجة النبي صلى الله عليه وآله، وتقولان لها: يا بنت اليهودية، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: ألا تجيبينهما؟ قالت: بماذا يا رسول الله:؟

قال: قولي إن أبي هارون نبي الله، وعمي موسى كليم الله، وزوجي محمد رسول الله، فما تنكران مني؟ فقالت لهما، فقالتا: هذا علمك رسول الله، فأنزل الله في ذلك: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم...) (2).

استسلام عائشة في حديثها عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلى العاطفة

إذا دققنا النظر في سيرة أم المؤمنين وبحثنا عن حالها، من تحب، من تبغض؟ بحث إمعان وروية، فهناك نجد العاطفة محركة لها بأجلى مظاهرها.

إن سيرتها مع عثمان قولا وفعلا، ووقائعها مع علي وفاطمة والحسن والحسين سرا وعلانية، وشؤونها مع أمهات المؤمنين بل مع رسول الله صلى الله عليه وآله، يحركها المزاج وتقديم الغرض على الحق.

وحسبكم مثالا لهذا وتأييدا - النزول إلى حكم العاطفة - من إفك أهل الزور إذ قالوا - بهتانا وعدوانا في السيدة مارية وولدها إبراهيم عليه السلام - ما قالوا، حتى برأهما الله عز وجل من ظلمهم - على يد أمير المؤمنين علي عليه السلام - وهو دليل محسوس وملموس، وفي هذا قال تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) (3)، وتفصيل هذه المصيبة في (ج 3 / ص 39) من مستدرك الحاكم في أحوال السيدة مارية (رض)، أو من تلخيصه للذهبي. وإن أردتم المزيد، فتذكروا نزولها على حكم العاطفة - فيما أوردناه - إذ قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: إني أجد منك ريح مغافير ليمتنع عن أكل العسل من بيت أم المؤمنين زينب (رض)، وإذا كان هذا الغرض التافه يبيح لها أن تحدث رسول الله صلى الله عليه وآله عن نفسه بمثل هذا الحديث فكيف نركن إلى نفيها الوصاية إلى علي عليه السلام - على ما سيأتي تبيانه - ولا تنسوا نزولها على حكم العاطفة يوم زفت أسماء بنت النعمان عروسا إلى النبي صلى الله عليه وآله

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه الترمذي - الإستيعاب - ابن حجر في ترجمتها من الإصابة.

(2) الحجرات: آية 11.

(3) الأحزاب: 25.

فقالت لها: إن النبي ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك، وغرضها من ذلك تنفير النبي صلى الله عليه وآله من عروسه، وإسقاط هذه المؤمنة البائسة من نفسه، وكانت أم المؤمنين تستبيح مثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ترويجا لغرضها، حتى لو كان تافها أو حراما.

وكلفها صلى الله عليه وآله مرة الاطلاع على امرأة مخصوصة لتخبره عن حالها فأخبرته بغير ما رأت.

وخاصمته صلى الله عليه وآله يوما إلى أبيها فقالت له: إقصد - أي اعدل -، فلطمها أبوها حتى سال الدم على ثيابها (1).

وقالت له مرة في كلام غضبت عنده: أنت الذي تزعم أنك نبي إلى كثير من أمثال هذه الشؤون، والاستقصاء يضيق عنه هذا الاملاء، وفيما أوردناه كفاية لما أردناه.

رد دعوى أم المؤمنين عائشة بأن النبي صلى الله عليه وآله قضى وهو على صدرها

عن عائشة أنها قالت: توفي صلى الله عليه وآله بين سحري ونحري.

ودعوى أم المؤمنين هذه بأن النبي صلى الله عليه وآله قضى وهو في صدرها معارضة بصحاح متواترة من طريق العترة الطاهرة، وحسبكم من طريق غيرهم ما أخرجه ابن سعد (ص 51) من القسم الثاني من الجزء الثاني من الطبقات، في باب من قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في حجر علي، وهو ذاته موجود في الكنز (ج 4 / ص 55)، بالإسناد إلى علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه: ادعوا لي أخي، فأتيته، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فاستند إلي فلم يزل مستندا إلي وإنه ليكلمني حتى أن بعض ريقه ليصيبني، ثم نزل برسول الله صلى الله عليه وآله.

وأخرج أبو نعيم في حليته، وأبو أحمد الفرضي في نسخته وغير واحد من أصحاب السنن، عن علي قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله - يعني حينئذ - ألف باب، كل باب يفتح ألف باب (2).

وكان عمر بن الخطاب إذا سئل عن شئ يتعلق ببعض هذه الشؤون، لا يقول غير: سلوا عليا، فكونه هو القائم بها، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري أن كعب الأحبار سأل عمر فقال: ما كان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال عمر: سل عليا، فسأله كعب، فقال علي:

أسندت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى صدري: فوضع رأسه على منكبي فقال:

الصلاة الصلاة، قال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء، وبه أمروا وعليه يبعثون، قال كعب فمن غسله يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: سل عليا، فسأله، فقال: كنت أنا أغسله، الحديث (3).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحديث 1020 من أحاديث الكنز - الغزالي الباب الثالث من كتاب آداب النكاح: ج 2 / ص 35 من إحياء العلوم - الباب 94 من كتاب مكاشفة القلوب: / ص 238.

(2) هذا الحديث 6009 من الكنز: ج 6 / ص 392.

(2) أخرجه ابن سعد: ج 2 من طبقاته: / ص 51 - الكنز: ج 4 / ص 55.

وقيل لابن عباس: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله توفي ورأسه في حجر أحد؟ قال: نعم توفي وإنه لمستند إلى صدر علي، فقيل له: إن عروة يحدث عن عائشة أنها قالت: توفي بين سحري ونحري، فأنكر ابن عباس ذلك قائلا للسائل: أتعقل؟ والله توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وإنه لمستند إلى صدر علي، وهو الذي غسله... الحديث (1).

وأخرج ابن سعد بسنده إلى الإمام أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر علي.

والأخبار في ذلك متواترة، عن سائر أئمة العترة الطاهرة، وإن كثيرا من المنحرفين عنهم ليعترفون بهذا، حتى أن ابن سعد أخرج بسنده إلى الشعبي، قال توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ورأسه في حجر علي وغسله علي.

وكان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بذلك على رؤوس الأشهاد...

وحسبكم قوله من خطبة له عليه السلام (2): (ولقد علم المستحفظون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، أني لم أرد على الله، ولا على رسوله ساعد قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، وتتأخر فيها الأقدام، نجدة أكرمني الله بها، ولقد قبض صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله، والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط، وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هنيهة منهم يصلون عليه، حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا).

ومثله يقول: (في الجزء الثاني نفسه من النهج: / ص 207) من كلام له عند دفنه سيدة النساء فاطمة عليها السلام: (السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنه تجلدي، إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك، موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنا لله وإنا إليه راجعون...).

وصح عن أم سلمة أنها قالت: والذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله، عدناه غداة وهو يقول: جاء علي، جاء علي، مرارا، فقالت فاطمة: كأنك بعثته في حاجة؟ قالت: فجاء بعد، فظننت أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب، قالت أم سلمة: وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكب عليه رسول رسول الله صلى الله عليه وآله، وجعل يساره ويناجيه، ثم قبض صلى الله عليه وآله من يومه ذلك، فكان علي أقرب الناس به عهدا (3).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن سعد في الصفحة المتقدم ذكرها. الكنز: ج 4 / ص 55.

(2) نهج البلاغة: ج 2 / ص 196.

(3) هذا الحديث أخرجه الحاكم: ص 139 من ج 3 من المستدرك. الذهبي أورده في التلخيص.

ابن أبي شيبة في السنن - الكنز: ج 6 / ص 400.

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في مرضه: ادعوا لي أخي، فجاء أبو بكر، فأعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي أخي، فجاء عثمان: فأعرض عنه، ثم دعي له علي، فستره بثوبه وأكب عليه، فلما خرج من عنده قيل له: ما قال لك؟ قال: علمني ألف باب كل باب يفتح له ألف باب (1).

وأنتم تعلمون أنه هو الذي يناسب حال الأنبياء، وذاك إنما يناسب أزيار النساء، ولو أن راعي غنم مات ورأسه بين سحر زوجته ونحرها، أو بين حاقنتها وذاقنتها، أو على فخذها، ولم يعهد برعاية غنمه، لكان مضيعا مسوفا، عفا الله عن أم المؤمنين، ليتها - إذ حاولت صرف هذه الفضيلة عن علي - نسبتها إلى أبيها؟ فإن ذلك أولى بمقام النبي مما ادعت، ولكن أباها كان يومئذ ممن عبأهم رسول الله صلى الله عليه وآله بيده الشريفة في جيش أسامة، وكان حينئذ معسكرا في الجرف، وعلى كل حال فإن القول بوفاته صلى الله عليه وآله وهو في حجرها لم يسند إلا إليها.

والقول بوفاته - بأبي وأمي - وهو في حجر علي، مسند إلى كل من علي، وابن عباس، وأم سلمة، وعبد الله بن عمر والشعبي، وعلي بن الحسين، وسائر أئمة أهل البيت، فهو أرجح سندا وأليق برسول الله صلى الله عليه وآله.

كما أنها حدثت بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لها وهو مريض: ادع لي أباك وأخاك لأكتب لهم كتابا عسى أن يدع مدع، ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر، فهل من سائل يسألها: ما الذي منعها من دعوتهم؟.

ولكن كما أسلفنا كانوا يومئذ ممن عبأهم الرسول في جيش أسامة، وكل ذلك لتنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قد أوصى لعلي.

رد دعوى أم المؤمنين عائشة بأن الملك نزل بصورتها

وأما قولها بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحبها لأن جبرئيل أتاه بصورتها قبل الزواج، وأنه لا يدخل عليه إلا في بيتها (2)، فهذه روايات تضحك المجانين، ولست أدري أكانت الصورة التي جاء بها جبرئيل فوتوغرافية، أم لوحة زيتية، على أن الصحاح المعتمدة تروي بأن أبا بكر بعث بعائشة إلى النبي صلى الله عليه وآله ومعها طبق من التمر لينظر إليها، وهو الذي طلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يتزوج ابنته، فهل هناك داع لينزل جبرئيل بصورتها وهي تسكن على بعد بضعة أمتار من مسكن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعتقد أن مارية القبطية التي كانت تسكن مصر وهي بعيدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وما كان أحد يتصور مجيئها، هي أولى بأن ينزل جبرئيل بصورتها ويبشرها رسول الله صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) فيما أخرجه أبو يعلى عن كامل بن طلحة عن ابن لهيعة عن حي بن عبد المغافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وأخرجه أبو نعيم في حليته، وأبو أحمد الفرضي في نسخته كما في: ص 392 من ج 6، وأخرجه الطبراني في الكبير أنه لما كانت غزوة الطائف قام النبي مع علي (يناجيه) مليا، ثم مر، فقال له أبو بكر: يا رسول الله لقد طالت مناجاتك عليا من اليوم، فقال صلى الله عليه وآله: ما أنا انتجيته، ولكن الله انتجاه، وهذا الحديث من أحاديث الكنز: ج 6 / ص 399 وكان كثيرا ما يخلو بعلي يناجيه وقد دخلت عائشة عليهما وهما يتناجيان فقال: يا علي ليس لي إلا يوم من تسعة أيام، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي؟ فأقبل صلى الله عليه وآله عليها وهو محمر الوجه غضبا. وهذا الحديث يراجع في المجلد الثاني من شرح نهج البلاغة / ص 78.

(2) أخرجه ابن أبي شيبة وهو الحديث رقم 1017 من كنز العمال: ج 7.

عليه وآله بأن الله سيرزقه منها إبراهيم.

ولكن هذه الروايات هي من وضع عائشة التي كانت لا تجد شيئا تفتخر به على ضراتها إلا الأساطير التي يخلقها خيالها، أو أنها من وضع بني أمية على لسانها ليرفعوا من شأنها عند بسطاء العقول.

وأما قولها بأن الوحي أتاه صلى الله عليه وآله وهي وإياه في لحاف واحد، ورأت جبرئيل ولم يره من نسائه أحد غيرها، فهو قول أقبح من الأول،

والمعلوم من القرآن الكريم أن الله هددها عندما تظاهرت على رسوله، هددها بجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا.

فما أقوال شيوخنا وعلمائنا إلا ضرب من الظن والخيال وإن الظن لا يغني من الحق شيئا: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون).

أسباب عدة ترجح تقديم حديث أم سلمة على حديث عائشة

ولو لم يعارض حديث عائشة إلا حديث أم سلمة وحده، لكان حديث أم سلمة هو المقدم، لوجوه كثيرة:

إن السيدة أم سلمة (رض) لم يزغ قلبها بخلاف غيرها (1).

ولم تؤمر بالتوبة في محكم الذكر العظيم (2).

ولا نزل القرآن بتظاهرها على النبي صلى الله عليه وآله ولا تظاهرت بعده على الوصي (3).

ولا تأهب الله لنصرة نبيه عليها وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا.

ولا توعدها الله بالطلاق، ولا هددها بأن يبدله خيرا منها (4).

ولا ضرب امرأة نوح وامرأة لوط لها مثلا (5).

ولا شاركت في لعبة عائشة وحفصة لأجل أن يحرم الرسول صلى الله عليه وآله على نفسه ما أحل الله له (6).

ولا قام النبي صلى الله عليه وآله خطيبا على منبره فأشار نحو مسكنها قائلا: ها هنا الفتنة، ها هنا الفتنة، هاهنا الفتنة، حيث يطلع قرن الشيطان (7).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة التحريم: [ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما.. ].

(2) المصدر نفسه.

(3) تظاهرها على الوصي كان بإنكارها الوصية إليه وبتحاملها عليه مدة حياته بعد النبي صلى الله عليه وآله، أما تظاهرها على النبي وتأهب الله لنصرة نبيه عليها فمدلول عليهما بقوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير).

(4) هذا والذي قبله إشارة إلى قوله تعالى: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات.

(5) إشارة إلى قوله تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط...) إلى آخر السورة.

(6) إشارة إلى قوله تعالى: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك...).

(7) أخرجه البخاري في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي من كتاب الجهاد والسير من صحيحه: ج 2 / ص 125 وصحيح مسلم: ج 2 / ص 502.

ولا بلغت في أدبها أن تمد رجلها في قبلة النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلي - كفعل عائشة -، ولا ترفعها عن محل سجوده حتى يغمزها، فإذا غمزها رفعتها حتى يقوم فتمدها ثانية (1).

- وهكذا كانت، ولا أرجفت بعثمان ولا ألبت عليه ولا نبزته نعثلا، ولا قالت اقتلوا نعثلا فقد كفر (2).

ولا خرجت من بيتها الذي أمرها الله عز وجل أن تقر فيه (3)، ولا ركبت العسكر (4) قعودا من الإبل تهبط واديا وتعلو جبلا، حتى نبحتها كلاب الحوأب، وكان رسول الله أنذرها بذلك (5)، فلم ترعو ولم تلتو عن قيادة جيشها الذي حشدته لمحاربة الإمام.

- وقولها: مات رسول الله بين سحري ونحري معطوف على قولها: إن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى السودان يلعبون في مسجدهم بدرقهم وحرابهم: فقال لها: أتشتهين تنظرين إليهم؟ قالت: نعم، قالت فأقامني وراءه وخدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني ارفدة - إغراء لهم باللعب لتأنس السيدة - قالت: حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت:

نعم، قال: فاذهبي (6).

وإن شئتم فاعطفوه على قولها: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله، قالت: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: دعهما (7).

واعطفوه إن شئتم على قولها: سابقني النبي صلى الله عليه وآله فسبقته، فلبثناه حتى رهقني اللحم، سابقني فسبقني، فقال: هذه بتيك (8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع من صحيح البخاري باب ما يجوز من العمل في الصلاة: ج 1 / ص 143.

(2) إرجافها بعثمان، وإنكارها كثيرا من أفعاله، ونبزها إياه، وقولها: اقتلوا نعثلا فقد كفر، مما لا يخلوا منه كتاب يشتمل على تلك الحوادث والشؤون، وحسبك ما في تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما، وقد أنبها جماعة من معاصريها وعلى ذلك ونددوا به إذ قال أحدهم:

فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت له إنه قد كفر

إلى آخر الأبيات وهي في: ج 3: ص 80 من الكامل لابن الأثير حيث ذكر ابتداء أمر موقعة الجمل.

(3) حديث قال عز من قائل: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى).

(4) كان الجمل الذي ركبته عائشة يوم البصرة يدعى العسكر، جاءها به يعلى بن أمية وكان عظيم الخلق شديدا، فلما رأته أعجبها، فلما عرفت أن اسمه عسكر، استرجعت وقالت:

ردوه لا حاجة لي فيه. وذكرت أن رسول الله p ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه.

فغيروه لها بجلال غير جلاله، وقالوا لها أصبنا لك أعظم منه وأشد قوة، فرضيت به، راجع ج 2 / ص 80 من شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة.

(5) والحديث في ذلك مشهور وهو من أعلام النبوة وآيات الإسلام، وقد اختصره الإمام أحمد بن حنبل إذ أخرجه من أحاديث عائشة في مسنده: ج 6 / ص 52 و ص 97. كذلك فعل الحاكم في: ج 3 / ص 120 من صحيحه المستدرك واعترف به الذهبي إذ أورده في تلخيص المستدرك.

(6) أخرجه الشيخان في صحيحيهما، فراجع من صحيح البخاري أوائل كتاب العيدين: ج 1 / ص 116 - وصحيح مسلم: ج 1 / ص 327 - ومسند أحمد: ج 6 / ص 57.

(7) أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد من حديث عائشة من نفس المصادر السابقة.

(8) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة: ج 6 / ص 39 من مسنده.

 

أو على قولها: كنت ألعب بالبنات ويجئ صواحبي فيلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يدخلهن علي فيلعبن معي (1).

أو على قولها (2): خلال في سبع، لم تكن في أحد من الناس، إلا ما أتى الله مريم بنت عمران، نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله بكرا لم يشركه في أحد من الناس، وأتاه وحي وأنا وإياه في لحاف واحد، وكنت من أحب النساء إليه، ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن، ورأيت جبرئيل ولم يره من نسائه أحد غيري، وقبض في بيتي لم يره أحد غيري أنا والملك (3)... إلى آخره مما كانت تسترسل فيه من خصائصها وكله من هذا القبيل.

أما أم سلمة فحسبها الموالاة لوليها ووصي نبيها، وكانت موصوفة بالرأي الصائب، والعقل البالغ، والدين المتين، وإشارتها على النبي صلى الله عليه وآله يوم الحديبية تدل على وفور عقلها، وصواب رأيها، وسمو مقامها، رحمة الله وبركاته عليها.

عائشة تحدث الرجال بما جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله مما يقبح ذكره

ذكر في صحيح ابن ماجة في أبواب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانات (روى بسنده) عن القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله قالت: إذا التقى الختانات فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله فاغتسلنا.

ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج 6 / ص 141)، والشافعي في مسنده (ص 93) والبيهقي أيضا في سننه (ج 1 / ص 144) باختلاف في اللفظ، قال: عن عائشة أنها سئلت عن الرجل يجامع أهله ولا ينزل الماء فقالت: فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله فاغتسلنا منه جميعا. والدار قطني ثانيا في (ص 41)، ولفظه كالبيهقي غير أنه قال: يجامع المرأة ولا ينزل الماء... الخ.

وفي صحيح أبي داوود (ج 15 / ص 237) روى بسنده عن مصدع ابن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها.

ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج 6 / ص 123 و 234).

والبيهقي أيضا في سننه (ج 4 / ص 234).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الإمام أحمد عن عائشة: ج 6 / ص 75 من مسنده.

(2) أخرجه ابن أبي شيبة وهو الحديث 1017 من أحاديث كنز العمال: ج 7.

(3) وقع الاتفاق على أنه صلى الله عليه وآله مات وعلي حاضر لموته وهو الذي كان يقلبه ويمرضه، وكيف يصح أنه قبض ولم يله أحد غيرها وغير الملك، فأين كان علي والعباس؟ وأين كانت فاطمة وصفية؟ وأين كان أزواج النبي وبنو هاشم كافة؟ وكيف يتركونه كلهم لعائشة وحدها؟! ثم لا يخفى أن مريم عليها السلام، لم يكن فيها شئ من الخلال السبع التي ذكرتها أم المؤمنين، فما الوجه في استثنائها إياه؟.

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج 6 ص 134) روى بطرق عديدة، في بعضها عن طلحة، وفي بعضها عن ابن عبد الله بن عثمان، وفي الكل: عن عائشة قالت أهوى إلي رسول الله صلى الله عليه وآله ليقبلني فقلت إني صائمة، قال: وأنا صائم، قالت: فأهوى إلي فقبلني.

ثم رواه أيضا في (ص 249) عن سعد التميمي عن عائشة، وفي ص (270) عن طلحة بن عبد الله عن عثمان وطلحة بن عبد الله بن عوف، ورواه أبو داوود الطيالسي أيضا في مسنده (ج 7 / ص 214) عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عائشة.

والبيهقي في سننه (ج 4 / ص 233) روى بسنده عن مسروق عن عائشة قالت: إن كان النبي صلى الله عليه وآله ليظل صائما فيقبل أين شاء من وجهي حتى يفطر. ورواه الشيباني أيضا في الآثار في باب قبلة الصائم باختلاف في اللفظ. وأبو حنيفة أيضا في مسنده (ص 198) باختلاف في اللفظ.

والدارقطني في سننه في كتاب الطهارة (ص 49) روى بسنده عن أبي سلمة عن عائشة قالت: لقد كان نبي الله صلى الله عليه وآله يقبلني إذا خرج إلى الصلاة وما يتوضأ. وروى في (ص 50) عن عطاء عن عائشة قالت: ربما قبلني رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يصلي ولا يتوضأ. وروي في (ص 52) عن مسروق عن عائشة قالت: ربما اغتسل رسول الله صلى الله عليه وآله من الجنابة ولم أغتسل بعد، فجاءني فضممته إلي وأدفيته.

وفي صحيح أبي داود (ج 2 / ص 27) روى بسنده عن عمارة بن غراب: أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة: قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله:

دخل فمضى إلى مسجده - تعني مسجد بيته - فلم ينصرف حتى غلبتني عيني وأوجعه البرد، فقال: ادن مني، فقلت: إني حائض، فقال: وإن، اكشفي عن فخذيك، فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفأ ونام.

وفي صحيح البخاري باب الحيض حديث 290 - كما أخرجه مسلم في الحيض 474 - 475 - 479. وكما أخرجه الترمذي في الطهارة - والنسائي في الطهارة 231 - وأخرجه أحمد في باقي مسند الأنصار 22887 وأخرجه الدارمي في الطهارة 741: حدثنا قبيصة قال حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وآله من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض.

وفي صحيح البخاري باب الحيض حديث 288 روى بسنده عن عائشة إن النبي صلى الله عليه وآله كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن.

أقول: والظاهر أن العلة التي دعت عائشة إلى أن تحدث الرجال بما جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله مما يقبح ذكره كالتقبيل ومص اللسان والكشف عن الفخذ ووضع الخد والصدر عليه، والجماع بغير إنزال، ونحو ذلك مما تقدم ذكره، أنها قد زعمت أن كل ذلك فضيلة لها ومنقبة، ولم تدر أن جميع ذلك كله أمور عادية وعادات بشرية تجري بين كل نبي وزوجته من آدم إلى خاتم النبوة، من غير اختصاص له بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وزوجته عائشة، ولم يسمع إلى الآن أن أحدا من أزواج الأنبياء السابقين أو أحدا من أزواج نبينا محمد صلى الله عليه وآله غير عائشة يحدث بمثل ما حدثته عائشة بما يقبح ذكره.

ولو كان قصد عائشة من ذكر تلك الأمور التي جرت بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله: هو بيان فعل المعصوم نظرا إلى أن فعله حجة قاطعة في المسألة الفقهية على الجواز وعلى نفي الحرمة، لأمكنها بيان فعله بدون أن تذكر أنه قد جرى ذلك الفعل بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله، فإذا سئلت مثلا عن التقاء الختانين أو عن المجامعة بغير إنزال أو عن التقبيل في حال الصوم، فكان من الممكن أن تقول: قد فعله النبي صلى الله عليه وآله واغتسل، أو فعله النبي صلى الله عليه وآله وهو صائم، ونحو ذلك من التعبيرات الحسنة من دون لزوم التصريح بالقول: (فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله) وأنه قبلني ومص لساني وأنه قبل أين شاء من وجهي.

إن عائشة كانت تظن أن جميع ما جرى بينها وبين النبي صلى الله عليه وآله مما يجري بين كل رجل وزوجته هو فضيلة لها ومنقبة، ولكن قد أخطأ حدسها وخاب ظنها، فإن المعيار عند الله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وغيرهن هو التقوى.

قال تعالى في سورة الحجرات: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

وقال في سورة الأحزاب: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن).

إلى أن قال: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، وقال مخاطبا أزواج النبي صلى الله عليه وآله: (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله، وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقا كريما).

وقد عرفت أيها القارئ الكريم أن عائشة وحفصة هما المرأتان اللتان قال الله تعالى فيهما في أول سورة التحريم: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين).

وعن الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى في آخر سورة التحريم: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون...) إلى أن قال: (ومريم ابنة عمران) ما هو قوله بلفظه: (وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وآله بما كرهه وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر). إلى أن قال: (وأشار إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال كمثل هاتين المؤمنتين - يعني امرأة فرعون ومريم ابنة عمران - قال: وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين... الخ).

وإذا أردت التحقيق أكثر راجع أيضا تفسير الفخر الرازي، ففيه ما يقرب من ذلك، بل كاد أن يكون عينه تحقيقا.

وماذا عن الأباطيل التي تنسبها عائشة إلى النبي صلى الله عليه وآله؟

ورد في صحيح البخاري في العيدين والتجمل في باب الحراب والدرق يوم العيد، روى بسنده عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وآله.

إلى أن قال: فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدراق والحراب فإما سألت النبي صلى الله عليه وآله ولما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول:

دونكم، حتى إذا مللت قال: حسبك، قلت: نعم، قال: فاذهبي.

ورواه في فضل الجهاد والسير أيضا في باب الدرق، ورواه في باب إذا فاته العيد باب قصة الحبش، وقال فيه: تغنيان وتدففان وتضربان، ورواه مسلم أيضا في صحيحه في كتاب صلاة العيدين باب الرخصة في اللعب، بطرق عديدة وبألفاظ مختلفة، ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج 6 / ص 84)، ورواه الطحاوي أيضا في مشكل الآثار (ج 1 / ص 117)، باختلاف في اللفظ، وقد روي عن الترمذي في صحيحه (ج 2) في باب مناقب عمر حديثا يقرب مضمونه من مضمون هذا الحديث عينا.

وفي صحيح مسلم في كتاب الطهارة باب نسخ الماء من الماء، روى بسنده عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله قالت: إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليها الغسل، وعائشة جالسة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل. ورواه البيهقي أيضا في سننه (ج 1 / ص 164)، والطحاوي أيضا في شرح معاني الآثار في كتاب الطهارة (ص 33)، والدارقطني في سننه في كتاب الطهارة في باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل.

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج 6 / ص 264)، روى بسنده عن عائشة قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس فتقدموا، ثم قال لي تعالى حتى أسابقك فسابقته فسبقته، فسكت عني، حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس تقدموا فتقدموا ثم قال تعالى حتى أسابقك فسبقني فجعل يضحك وهو يقول هذه بتلك.

 

أقول:

وهل يعقل أن جاريتين تغنيان وتدففان وتضربان في بيت النبي صلى الله عليه وآله - ولو كان يوم عيد - والنبي صلى الله عليه وآله ساكت لا ينهى عن ذلك، وهل يعقل أن يحس أبو بكر قبح ذلك حتى انتهر عائشة، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وآله ولا يحس النبي صلى الله عليه وآله قبحه وركاكته؟.

وهل يعقل أن يقيم النبي صلى الله عليه وآله عائشة من ورائه واضعا خده على خدها لتنظر عائشة إلى لعب السودان بالدراق في يوم العيد؟.

أليس إذا وضع خده على خدها وهما ينظران إلى اللعب يراهما السودان ومن اجتمع حوله من الخلق وهما بتلك الحالة؟ فهل يوجد في المسلمين أحد يحب ويرضى أن يراه الناس وهو واضع خده على خد زوجته الشابة؟.

أفهل يعقل أن يسئل رجل عادي من المسلمين أو من غير المسلمين ممن له عقل وغيرة عن حكم الادخال بغير الانزال فيشير إلى زوجته الشابة الحاضرة في المجلس فيقول أنا أفعل ذلك مع هذه؟.

أفهل يعقل أن رجلا من أهل الفضل والشرف إذا كان في السفر يقول لأصحابه تقدموا ليتسابق هو زوجته الشابة في البيداء؟؟.

حاشا وكلا أن يصدر شئ من هذه الأفعال الركيكة المستهجنة عن رجل عادي من المسلمين، فضلا عن نبي هذه الأمة وأعقلهم وأغيرهم وأوقرهم أجمعين.

ولعمري، ليس العجب من عائشة حيث افترت هذه الأكاذيب الباطلة على النبي صلى الله عليه وآله، وهي تحسب أن كل ذلك فضيلة لها ومنقبة كما تقدم، ولكن العجب كل العجب من أئمة الحديث وحملة أخبار كيف يدونون مثل هذه الأحاديث الكاذبة في كتبهم بلا حياء ولا خجل وهم يزعمون أنها من صحاح الأخبار. إن هذه الروايات هي التي دفعت أغلب المستشرقين للقول بأن النبي صلى الله عليه وآله ليس إلا (رجل دنيا) وليس رجلا أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين، إن هذه الروايات هي السبب في ضلالتهم وغوايتهم وعدم رغبتهم في الدخول في الإسلام.

(فهل) ترى جناية أعظم من ذلك ظلما وجريمة أشد منه؟، (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار).

(بقي) حديث واحد ورد في عائشة خاصة وهو مصيبة عظيمة، فاقرؤوا معي ما سأرويه لكم يرحمكم الله...!

عائشة عليها التأويل ونحن علينا التسديد

أو بعنوان آخر (رضاعة الكبير أو خلاف أزواج النبي مع عائشة)، عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله كنا نرى سالما ولدا وكان يدخل علي وأنا فضل وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ارضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير، إنه ذو لحية، فقال ارضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة (1)..

وما رواه الإمام أحمد بن حنبل (ج 6 / ص 27) عن عائشة قالت: أتت سهلة بنت سهيل بن عمر - وكانت تحت أبي حذيفة بن عتبة - رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إن سالما مولى أبي حذيفة يدخل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح مسلم: ج 4 / ص 167 (باب رضاعة الكبير)، موطأ الإمام مالك: ج 2 / ص 116 (باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر).

علينا وأنا فضل، (والفضل بضم الفاء والضاد: الثوب الذي يبتذل في الشغل أو النوم أو يتوشح به الإنسان في بيته، ويقال رجل فضل أي متفضل في ثوبه، وكذلك امرأة فضل) وإن كنا نراه ولدا، وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا، فأنزل الله: (أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله)، - فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك أن ترضع سالما، فأرضعته خمس رضعات وكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فلذلك كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها من الرجال، وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها.

ولكن سائر أزواج النبي صلى الله عليه وآله أمهات المؤمنين أبين ورفضن أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد، وقلن: لا والله ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وآله في رضاعة سالم وحده، لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد.

وعلى هذا كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله في رضاعة الكبير

ورواه الإمام مالك بن أنس أيضا في موطأه في كتاب الرضاع في باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر باختلاف في اللفظ وقال فيه: إن عائشة كانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر وبنات أخيها أن يرضعن من الرجال من أحبت هي أن يدخل عليها.

ورواه ابن ماجة أيضا في صحيحه في أبواب النكاح في باب الارضاع بعد فصال.

ورواه البيهقي أيضا في سننه (ج 7) في باب رضاع الكبير بطريقين، ثم قال: رواه البخاري في الصحيح. انتهى.

ورواه الإمام الشافعي أيضا في مسنده في كتاب الرضاع (ص 877).

التعليق

ولعل هذا الحديث أبطل من جميع ما تقدم ذكره على لسان عائشة مما نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله من الأحاديث الكاذبة.

وهل يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وآله بالرضاع في حال الكبر، كما ادعته عائشة في سالم مولى أبي حذيفة؟.

ولو سلم جواز ذلك بمعنى تأثير الرضاع في هذه الحال في نشر الحرمة وحصول المحرمية، فكيف يأمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يرتضع الرجل الأجنبي من ثدي المرأة الأجنبية، إذ من الواضح المعلوم أن الرضاع مما لا يوجب نشر الحرمة إلا إذا كان من الثدي، وإلا فلا ينشر الحرمة ولا تحصل المحرمية.

وهل ذلك - أي ارتضاع الرجل الأجنبي من ثدي المرأة الأجنبية - إلا مما يضحك به الثكلى، فكيف تدون مثل هذه الأباطيل الكاذبة في الكتب الفقهية وينسب إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.

وهل ذلك وأمثاله إلا مصيبة على الإسلام والمسلمين قد أوردتها عائشة وأناس من حملة الأحاديث ورواة الأخبار؟!. إنا لله وإنا إليه راجعون.

إن الباحث عندما يقرأ مثل هذه الروايات يكذب عينيه لأول وهلة ولا يصدق ما يرى وما يقرأ، ولكنها الحقيقة المؤلمة التي شوهت عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وجعلت منه شخصا مستهترا بالقيم الأخلاقية إلى أبعد الحدود، ويجعل من دين الله أحكاما تضحك المجانين، لا يقرها عقل ولا ذوق ولا مروءة ولا شهامة ولا حياء ولا إيمان، وإلا كيف يقبل المسلم مثل هذه الأحاديث المنكرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله الذي جعل الغيرة والحياء من دعائم الإيمان.

وهل يقبل مؤمن أن يسمح لزوجته أن تخرج ثدييها إلى شاب بلغ مبالغ الرجال ليرضعهما وتصبح بعد ذلك أما له؟.

سبحانك إنه بهتان عظيم، فلست أتصور كيف منع رسول الله صلى الله عليه وآله وحرم على الرجال لمس ومصافحة المرأة الأجنبية، وأباح لهم في موضع آخر مص ثدييها، أنا لم أفهم المقصود من وضع مثل هذا الحديث، ولكن المسألة لم تقف عند حد الحديث بل تعداه وأصبح سنة متبعة، فكانت عائشة تبعث بالرجال الذين تحب أن يدخلوا عليها إلى أم كلثوم أختها فترضعهم، وما عليك أيها القارئ إلا أن تعرف بأنه لا بد من خمس رضعات مشبعات حتى تبيح لهم عائشة الدخول عليها، فقد روت عائشة، قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن فيما يقرأ من القرآن (1).

وعلى هذا لا بد أن يتردد الرجل على أم كلثوم خمس مرات، وترضعه في كل مرة حتى يصبح ابن أخت أم المؤمنين، فتستبيح عائشة مقابلته بعدما كان حرام عليها. ولعل هذا هو الذي رغب الناس فيها.

فتسابقوا إليها وأحبوا الدخول عليها وأطروها وعظموها حتى أنزلوها منزلة يقصر عنها عظماء الصحابة، فقالوا بأن عندها نصف الدين، فمن من الرجال - وخصوصا في ذلك العصر - لا يحب التقرب إلى أم المؤمنين زوجة الرسول وابنة أبي بكر وبنات أخيها؟

إنها روايات مخزية تنسب إلى أعظم شخص عرفه تاريخ البشرية، وانظر أيها القارئ - إلى الرواية - كيف تستنكر سهيلة على رسول الله صلى الله عليه وآله عندما قال لها ارضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل ذو لحية، قالت فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: قد علمت أنه رجل كبير (2).

وانظر أيضا أن الرواي لهذه القصة تهيب أن يحدث بها.

قال ابن رافع بعد رواية الحديث: فمكثت سنة أو قريبا منها لا أحدث به، فهبته ثم لقيت القاسم فقلت له: لقد حدثتني حديثا ما حدثته بعد، قال: فما هو؟ فأخبرته: فقال: فحدثه عني، إن عائشة أخبرتنيه (3).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح مسلم: ج 4 / ص 167 (باب التحريم بخمس رضعات).

 (2) صحيح مسلم: ج 4 / ص 168 (باب رضاعة الكبير).

(3) صحيح مسلم: ج 4 / ص 169 (باب رضاعة الكبير).

ولعل أم المؤمنين عائشة كانت تنفرد بهذا الحديث ولذلك أنكر عليها أزواج النبي سائر أمهات المؤمنين وقلن: لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد من الناس كما تقدم، وأعتقد أن قولهن: ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله سهلة إلا رخصة في رضاعة سالم وحده، هذا القول زيادة من المحدثين لأنهم استفظعوا أن يكذب سائر أزواج النبي عائشة ويستنكرون عليها مثل هذا الحديث.

ويحق لهم استنكار ذلك فهن أعلم برسول الله صلى الله عليه وآله من عائشة، لأنهن ثمانية وفيهن أمثال أم سلمة المرأة الصالحة التي كبر سنها وكمل عقلها، ثم هذا هو الذي يتماشى وغيرة الرسول صلى الله عليه وآله وعدم تساهله في المحارم.

ولعل أم المؤمنين عائشة توافق أمهات المؤمنين من أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يتسامح في مثل هذه الأمور، فلنستمع إليها تروي عن نفسها:

قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، قالت فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، قالت: فقال صلى الله عليه وآله: انظرن إخوتكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة (1).

فلعلها كانت تجتهد هي أيضا في حياة النبي صلى الله عليه وآله فكانت ترى صحة رضاعة الكبير، وبهذه الرواية أثبتت أنها كانت تستبيح ذلك في حياة النبي، ولكن الرسول صلى الله عليه وآله لم يوافقها على ذلك وغضب واشتد ذلك عليه، وقال لها: إنما الرضاعة من المجاعة، يعني لا تكون الرضاعة إلا للصبيان الذين لا يتغذون إلا بالرضاعة، فهذا الحديث يبطل رضاعة الكبير كما لا يخفى.

وأنا أذكر قصة تابعة لهذا الحديث، وتخصه، ضجت بها الجرائد وحار بها المشايخ وأصحاب الفتوى.

قدمت امرأة طلبا في المحكمة تطلب فيه الطلاق من زوجها بحجة أنها أصبحت أما له فهي محرم عليه.

ولما سئلت عن كيفية ذلك أخبرتهم أن زوجها كان يحب أن يرضع منها، لما كانت ترضع أطفالها، وهذا غير محرم طبعا، ولكنها عندما قرأت يوما بالصدفة فتوى عائشة وتأويلها في أن الرجل إذا رضع خمس رضعات من المرأة تصبح محرمة عليه، تذكرت أنه رضع منها، وحتى أكثر من ذلك، إذن هي الآن أمه بحسب فتوى عائشة. ولكن كيف سيفتي القاضي الشرعي في هذه المسألة وكيف سيحكم بها؟

فالصحاح لا تكذب وكل أحاديثها صحيحة على حد زعمهم.

فتخيل معي أيها القارئ الكريم هذه المهزلة، والمأساة في الوقت نفسه، وأتذكر في هذه القضية أنها انتهت إلى القول بأن الحديث الثاني الذي يقول بأن الرضاعة من المجاعة أقوى من الأول، وبهذا حكمت المحكمة بأن يرجع الزوج لزوجته مع عدم الحرمية.

ولكن لو أثبت لها ذلك وحصلت على الطلاق بسبب الحرمية لامتلأت المحاكم بدعاوي نساء تطلب الطلاق من أزواجها بحجة إرضاعهم. فتخيل يرعاك الله!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري: ج 3 / ص 150 كتاب الشهادات، صحيح مسلم: ج 4 / ص 170 باب إنما الرضاعة من المجاعة.

الباب الثاني
عائشة ما بعد حياة النبي صلى الله عليه وآله

 

الفصل الأول
الفتنة على ظهر الجمل

عائشة تبغض عليا عليه السلام وتحسده وقد سرت بقتله عليه السلام

في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج 6 / ص 36)، روى بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عائشة قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وآله في بيت ميمونة فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي فأذن له، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله معتمدا على العباس وعلى رجل آخر، ورجلاه تخطان في الأرض، قال عبيد الله فقال ابن عباس أتدري من ذلك الرجل؟ هو علي بن أبي طالب عليه السلام، ولكن عائشة لا تطيب لها نفسا.

ورواه في (ص 228) أيضا وقال فيه: فحدثت به ابن عباس فقال:

أتدرون من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة هو علي عليه السلام ولكن عائشة لا تطيب له نفسا.

ورواه في (ص 38) باختلاف في اللفظ، وفي (ص 251) وفي (ج 2 / ص 52)، ورواه البخاري أيضا في كتاب الوضوء باب الغسل والوضوء في المخضب وفي كتاب الصلاة في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، وفي كتاب الهبة باب هبة الرجل لامرأته، وفي كتاب بدأ الخلق في باب مرض النبي صلى الله عليه وآله، وفي كتاب الطب في باب حدثنا بشر بن محمد، ورواه مسلم أيضا في صحيحه في كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام بطرق عديدة.

ورواه النسائي أيضا في صحيحه (ج 1 / ص 134).

ورواه ابن سعد أيضا في طبقاته (ج 2 القسم 2 ص 19 و 28 و 29)، وقال فيه: قال ابن عباس هو علي عليه السلام، إن عائشة لا تطيب له نفسا بخير.

وكذلك رواه ابن ماجة، الحاكم، الدارمي، البيهقي.

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج 4 / ص 275) روى بسنده عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وآله فسمع صوت عائشة عاليا وهي تقول: والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ومني، مرتين أو ثلاثا، فاستأذن أبو بكر فدخل فأهوى إليها، فقال:

يا بنت فلانة ألا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله.

ورواه النسائي أيضا صاحب الصحيح المعروف في خصائصه (ص 28) وقال: فأهوى لها ليلطمها وقال لها: يا بنت فلانة أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأمسكه رسول الله صلى الله عليه وآله وخرج أبو بكر مغضبا.

وفي طبقات ابن سعد (ج 3 القسم 1 ص 27)، قال: قالوا وذهب بقتل علي عليه السلام إلى الحجاز سفيان بن أمية بن أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس، فبلغ ذلك عائشة فقالت:

فألقت عصاها واستقرت بها النوى.

كما قر عينا بالإياب المسافر.

وهذا البيت مما يضرب به المثل إذا حصلت الراحة بعد الشدة والفرج بعد الكرب والمشقة، فتمثلت عائشة به مما ينبئ، بل هو صريح في سرورها بقتل علي عليه السلام.

ومن مجموع أخبار هذا الفصل من الكتاب قد تحصل لديك أيها القارئ اللبيب أن عائشة ممن يبغض عليا عليه السلام ويكرهه.

وأما حكم من أبغض عليا عليه السلام وكرهه فيظهر لك تفصيله من الصحاح الستة، قال صلى الله عليه وآله، من أحب عليا فقد أحب الله ومن أبغض عليا عليه السلام فقد أبغضه الله.

وقال صلى الله عليه وآله: إن حب علي عليه السلام إيمان وبغضه نفاق.

وقال صلى الله عليه وآله: إن حب علي حسنة ويأكل الذنب وجواز النار وبراءة منها ويثبت القدم، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة.

وبلغ من أمر عائشة وبغضها لعلي عليه السلام، أنها كانت تحاول دائما إبعاده عن النبي صلى الله عليه وآله ما استطاعت لذلك سبيلا.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج: إن رسول الله صلى الله عليه وآله استدنى عليا فجاء حتى قعد بينه وبينها وهما متلاصقان، فقالت له: أما وجدت مقعدا لاستك إلا فخذي.

وروي أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ساير يوما الإمام علي وأطال مناجاته فجاءت عائشة وهي سائرة خلفهما حتى دخلت بينهما، وقالت لهما: فيم أنتما فقد أطلتما، فغضب لذلك رسول الله صلى الله عليه وآله.

ويروى أيضا أنها دخلت مرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يناجي عليا فصرخت: ما لي وما لك يا بن أبي طالب؟ إن لي نوبة واحدة من رسول الله، فغضب النبي صلى الله عليه وآله، وكم من مرة أغضبت رسول الله صلى الله عليه وآله بتصرفاتها الناتجة عن الغيرة الشديدة وعن حدة طبعها وكلامها اللاذع، وهل يرضى رسول الله صلى الله عليه وآله على مؤمن أو مؤمنة ملأ قلبه كرها وبغضا لابن عمه وسيد عترته، الذي قال فيه: (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله).

وقال فيه: (من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني) (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستدرك للحاكم: ج 3 / ص 130 صححه على شرط الشيخين: بخاري ومسلم - وعشرات المصادر.

عائشة فيما بعد النبي صلى الله عليه وآله

أما إذا درسنا حياة أم المؤمنين عائشة ابنة أبي بكر بعد لحوق زوجها بالرفيق الأعلى (روحي له الفداء)، وبعد ما خلا لها الجو وأصبح أبوها هو الخليفة والرئيس على الأمة الإسلامية، وأصبحت هي حينذاك المرأة الأولى في الدولة الإسلامية لأن زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وأبوها هو خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله.

ولأنها كما تعتقد هي أو توهم نفسها بأنها أفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله، لا لشئ إلا لأنه تزوجها بكرا وما تزوج بكرا غيرها - لكن بعض الأقوال تعارض هذا القول وتقول بأن خديجة الصديقة الكبرى كانت قبلها بكرا.

وعائشة لم تعاشر رسول الله صلى الله عليه وآله سوى ست أو ثمان سنوات على اختلاف الرواة.

قضت السنوات الأولى منها تلعب ألعاب الأطفال وهي زوجة النبي صلى الله عليه وآله وهي كما وصفتها بريرة جارية رسول الله صلى الله عليه وآله عندما قالت في عائشة: (إنها جارية حديثة السن تنام على العجين فتأتي الداجن فتأكله) (1).

لقد بلغت عائشة سن المراهقة كما يقال اليوم وقطعت نصف عمرها مع صاحب الرسالة، بين ضرات يبلغ عددهن عشر أو تسع زوجات، وهناك امرأة أخرى أغفلنا ذكرها في حياة عائشة وكانت أشد عليها من كل ضرة لأن حب الرسول صلى الله عليه وآله لها فاق التصور، وهذه المرأة هي فاطمة الزهراء عليها السلام ربيبة عائشة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله من خديجة، وما أدراك ما خديجة الصديقة الكبرى التي سلم عليها جبرئيل وبشرها ببيت لها في الجنة لا صخب فيه ولا نصب (2).

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يدع مناسبة تفوته إلا ويذكر خديجة، فيتفطر كبد عائشة ويحترق قلبها غيرة وتثور ثائرتها وتخرج عن طورها فتشتم بما يحلو لها، ولا تبال بعواطف زوجها ومشاعره.

ولنستمع إليها تحدث عن نفسها بخصوص خديجة، كما روى البخاري وأحمد والترمذي وابن ماجة، قالت: ما غرت على امرأة لرسول الله كما غرت على خديجة (3) لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله إياها وثنائه عليها، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيرا منها، قالت: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله تغيرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي، وقال: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، فقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري: ج 3 / ص 156 باب تعديل النساء بعضهن بعضا.

(2) صحيح البخاري: ج 4 / ص 231، صحيح مسلم باب فضائل أم المؤمنين خديجة: ج 7 / ص 133.

(3) قد مر سابقا قولها: ما غرت على امرأة كما غرت على صفية، وقولها: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، لك الله يا عائشة فهل سلمت واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وآله من غيرتك.

وليس هناك شك أن رد الرسول صلى الله عليه وآله يبطل دعوى من يقول بأن عائشة هي أحب وأفضل أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وأكيد أيضا أن عائشة ازدادت غيرة وكرها لخديجة عندما قرعها رسول

الله صلى الله عليه وآله بهذا التوبيخ وأعلمها بأن ربه لم يبدله خيرا من خديجة، ومرة أخرى يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه لا يميل مع الهوى ولا يحب الجمال والبكارة، لأن خديجة عليها السلام - ونقول ذلك مسايرة لأقوال القوم - تزوجت قبله مرتين وكانت تكبره بخمسة عشرة عاما، ومع ذلك فهو يحبها ولا ينثني عن ذكرها، وهذا لعمري هو خلق النبي صلى الله عليه وآله الذي يحب في الله ويبغض في الله.

وهناك فرق كبير بين هذه الرواية الحقيقية وتلك المزيفة التي تدعي بأن الرسول يميل إلى عائشة حتى بعثن نساؤه إليه ينشدنه العدل في ابنة أبي قحافة.

وهل لنا أن نسأل أم المؤمنين عائشة التي ما رأت يوما في حياتها السيدة خديجة ولا التقت بها كيف تقول عنها عجوز حمراء الشدقين؟

وهل هذه هي أخلاق المؤمنة التي يحرم عليها أن تغتاب غيرها إذا كان حيا؟ فما بالك بالميت الذي أفضى إلى ربه، فما بالك إذا كانت ضحية الغيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله، والتي ينزل جبرئيل في بيتها وبشرها ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب؟.

وبالتأكيد إن ذلك البغض وتلك الغيرة التي تأججت في قلب عائشة من أجل خديجة لا بد لها من فورة ومتنفس وإلا انفجرت، فلم تجد عائشة أمامها إلا فاطمة ابنة خديجة ربيبتها والتي هي في سنها أو تكبرها قليلا على اختلاف الرواة.

وبالتأكيد أيضا إن ذاك الحب العميق من رسول الله صلى الله عليه وآله لخديجة تجسد وقوي في ابنته ووحيدته فاطمة الزهراء عليها السلام، فهي الوحيدة التي عاشت مع أبيها تحمل في جنباتها أجمل الذكريات التي كان يحبها رسول الله في خديجة فكان يسميها أم أبيها.

وزاد في غيرة عائشة أن ترى رسول الله صلى الله عليه وآله يمجد ابنته فاطمة ويسميها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة (1)، ثم يرزقه الله منها سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهما السلام، فترى رسول الله صلى الله عليه وآله يذهب ويبات عند فاطمة ساهرا على تربية أحفاده، ويقول: ولداي هذان ريحانتي من هذه الأمة، ويحملهما على كتفيه فتزداد بذلك عائشة غيرة لأنها عقيم.

ثم ازدادت الغيرة أكثر عندما شملت زوج فاطمة أبا الحسنين، لا لشئ إلا لحب الرسول صلى الله عليه وآله إياه وتقديمه على أبيها في كل المواقف، فلا شك أنها كانت تعيش الأحداث، وترى ابن أبي طالب يفوز في كل مرة على أبيها ويمضي بحب الرسول صلى الله عليه وآله له وتفضيله وتقديمه على من سواه، فقد عرفت أن أباها رجع مهزوما في غزوة خيبر ومن معه من الجيوش وأن رسول الله صلى الله عليه وآله تألم لذلك وقال: لأعطين غدا الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا ليس فرارا.

وكان ذلك الرجل هو علي بن أبي طالب زوج فاطمة عليها السلام، ثم رجع علي بعدما فتح خيبر بصفية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري: ج 4 / ص 209 و ج 7 / ص 142.

بنت حيي التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله ونزلت على قلب عائشة كالصاعقة.

وقد عرفت أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وآله نصب ابن عمه علي خليفة على المسلمين من بعده، وأمر أصحابه وزوجاته بتهنئته بإمرة المؤمنين، فجاءه أبوها في مقدمة الناس يقول: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (1).

وقد عرفت بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر على أبيها شابا صغيرا لا نبات بعارضيه، عمره سبعة عشر عاما، وأمره بالسير تحت قيادته والصلاة خلفه.

ولا شك بأن أم المؤمنين كانت تتفاعل مع هذه الأحداث فكانت تحمل في جنباتها هم أبيها والمنافسة على الخلافة والمؤامرة التي تدور عند رؤساء القبائل في قريش، فكانت تزداد بغضا وحنقا على علي وفاطمة عليهما السلام، وتحاول بكل جهودها أن تتدخل لتغيير الموقف لصالح أبيها بشتى الوسائل كلفها ذلك ما كلفها.

وقد أرسلت إلى أبيها على لسان زوجها تأمره ليصلي بالناس عندما علمت بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل خلف علي ليكلفه بتلك المهمة، ولما علم رسول الله صلى الله عليه وآله بتلك المؤامرة اضطر للخروج فأزاح أبا بكر عن موضعه وصلى بالناس جالسا، وغضب على عائشة وقال لها: إنكن أنتن صويحبات يوسف (2)، (يقصد أن كيدها عظيم).

والباحث في هذه القضية التي روتها عائشة بروايات مختلفة ومتضاربة يجد التناقض واضحا، وإلا فإن أباها عبأه رسول الله صلى الله عليه وآله في جيش، وأمره بالخروج تحت قيادة أسامة بن زيد قبل تلك الصلاة بثلاثة أيام، ومن المعلوم بالضرورة بأن قائد الجيش هو إمام الصلاة، فأسامة هو إمام أبي بكر في تلك السرية، فلما أحست عائشة بتلك الإهانة فهمت مقصود النبي صلى الله عليه وآله منها، خصوصا وأنها تفطنت بأن علي بن أبي طالب لم يعينه رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك الجيش الذي عبأ فيه وجوه المهاجرين والأنصار والذين لهم في قريش زعامة ومكانة، وقد علمت من رسول الله صلى الله عليه وآله، كما علم أكثر الصحابة، بأن أيامه معدودة، ولعلها كانت على رأي عمر بن الخطاب في أن رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح يهجر ولا يدري ما يفعل (3)، فدفعتها غيرتها القاتلة أن تتصرف بما تراه يرفع من شأن أبيها قدرة مقابل منافسة علي، ولكل ذلك أنكرت أن يكون النبي صلى الله عليه وآله أوصى لعلي، وحاولت إقناع البسطاء من الناس بأن رسول الله صلى الله عليه وآله مات في حجرها بين سحرها ونحرها، وحدثت بأن النبي صلى الله عليه وآله قال لها، وهو مريض: ادع لي أباك وأخاك لأكتب لهما كتابا عسى أن يدع مدع ويأبى ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر، فهل من سائل يسألها: ما الذي منعها من دعوته؟!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أحمد بن حنبل في مسنده: ج 4 / ص 281 - والطبري في تفسيره - والرازي في تفسيره الكبير: ج 3 - وابن حجر في صواعقه - والدارقطني والبيهقي والخطيب البغدادي - والشهرستاني... وغيرهم.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 9 / ص 197 وينقل ذلك عن الإمام علي عليه السلام.

(3) أخرجه البخاري: ج 4 / ص 5 في باب قول المريض قوموا عني من كتاب المرضى - وأخرجه مسلم في آخر الوصايا من صحيحه: ج 2 / ص 14 - رواه أحمد في مسنده: ج 1 / ص 325.

موقف عائشة ضد علي عليه السلام

والباحث في موقفها اتجاه أبي الحسن عليه السلام يجد أمرا غريبا عجيبا، ولا يجد له تفسيرا إلا الغيرة والعداء لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وقد سجل لها التاريخ كرها وبغضا للإمام علي لم يعرف له مثيل وصل بها إلى حد أنها لا تطيق ذكر اسمه (1)، ولا تطيق رؤيته، وعندما تسمع بأن الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان، تقول: وددت لو أن السماء انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب، وتعمل كل جهودها للإطاحة به وتقود ضده عسكرا جرارا لمحاربته، وعندما يأتيها خبر موته تسجد شكرا لله.

عجبا، مع أنه قد روي في الصحاح بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) (2)، ثم يروى في الصحاح والمسانيد والتواريخ بأن عائشة تبغض الإمام علي ولا تطيق ذكر اسمه، أليس ذلك شهادة منهم على ماهية هذه المرأة؟.

كما يروي البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (فاطمة بضعة مني، من أغضبها أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله) (3).

ثم يروي البخاري نفسه بأن فاطمة ماتت وهي غاضبة على أبي بكر فلم تكلمه حتى ماتت (4)، إن الحق لا بد أن يظهر مهما ستره المبطلون ومهما حاول أنصار الباطل التمويه والتلفيق، فإن حجة الله قائمة على عباده من يوم نزول القرآن إلى قيام الساعة.

وقرن في بيوتكن ولا تبرجن

أمر الله سبحانه نساء النبي صلى الله عليه وآله بالاستقرار في بيوتهن وأن لا يخرجن متبرجات، وأمرهن بقراءة القرآن وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وآله.

وعملت نساء النبي صلى الله عليه وآله، فكلهن امتثلن أمر الله وأمر رسوله - الذي نهاهن هو الآخر صلى الله عليه وآله قبل وفاته وحذرهن بقوله: أيتكن تركب الجمل وتنبحها كلاب الحوأب، - ما عدا عائشة، فقد اخترقت كل الأوامر وسخرت من كل التحذيرات.

ويذكر المؤرخون أن حفصة بنت عمر أرادت الخروج معها، ولكن أخاها عبد الله حذرها وقرأ عليها الآية فرجعت عن عزمها، أما عائشة فقد ركبت الجمل ونبحتها كلاب الحوأب.

يقول طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى: مرت عائشة في طريقها بماء فنبحتها كلابه، وسألت عن هذا الماء فقيل لها أنه الحوأب، فجزعت جزعا شديدا، وقالت: ردوني ردوني، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وعنده نساؤه: أيتكن تنبحها كلاب الحوأب؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح بخاري: ج 1 / ص 162، ج 3 / ص 135، ج 5 / ص 140.

(2) مستدرك الحاكم، صحيح الترمذي: ج 5 / ص 306، سنن النسائي: ج 8 / ص 116.

(3) البخاري: ج 4 / ص 210.

(4) صحيح البخاري: ج 5 / ص 82 و ج 8 / ص 3.

فجاء عبد الله بن الزبير فتكلف تهدئتها، وجاءها بخمسين رجلا من بني عامر يحلفون لها كذبا أن هذا الماء ليس بماء الحوأب.

اعتقد بأن هذه الرواية وضعت في زمن بني أمية ليخففوا بها عن أم المؤمنين ثقل معصيتها ظنا منهم بأن أم المؤمنين أصبحت معذورة بعد أن خدعها ابن أختها عبد الله بن الزبير وجاءها بخمسين رجلا يحلفون بالله ويشهدون شهادة زورا بأن الماء ليس هو ماء الحوأب.

إنها سخافة هزيلة يريدون أن يموهوا بمثل هذه الروايات على بسطاء العقول ويقنعوهم بأن عائشة خدعت لأنها عندما مرت بالماء وسمعت نباح الكلاب فسألت عن هذا الماء فقيل لها أنه الحوأب جزعت وقالت: ردوني ردوني.

فهل لهؤلاء الحمقى الذين وضعوا الرواية أن يلتمسوا لعائشة عذرا في معصيتها لأمر الله وما نزل من القرآن بوجوب الاستقرار في بيتها، أو يلتمسوا لها عذرا في معصيتها لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بوجوب لزوم الحصير وعدم ركوب الجمل، قبل الوصول إلى نباح الكلاب في ماء الحوأب، وهل يجدون لأم المؤمنين عذرا بعدما رفضت نصيحة أم المؤمنين أم سلمة التي ذكرها المؤرخون إذ قالت لها: أتذكرين يوم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال فخلا بعلي يناجيه فأطال، فأردت أن تهجمين عليهما فنهيتك فعصيتيني وهجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك، فقلت:

أتيتهما وهما يتناجيان، فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي، فأقبل رسول الله علي وهو محمر الوجه غضبا فقال: ارجعي وراءك والله لا يبغضه أحد من الناس إلا وهو خارج من الإيمان، فرجعت نادمة ساخطة، فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك.

قالت وأذكر أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله، فقال لنا: أيتكن صاحبة الجمل الأدب، تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط؟

فقلنا نعوذ بالله وبرسوله من ذلك، فضرب على ظهرك وقال: إياك أن تكونيها يا حميراء. قالت عائشة: أذكر ذلك، فقالت أم سلمة: أتذكرين يوم جاء أبوك ومعه عمر، وقمنا إلى الحجاب، ودخلا يحدثان فيما أرادا إلى أن قالا: يا رسول الله إنا لا ندري أمد ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا، فقال لهما: (أما أني قد أرى مكانه، ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرق بنو إسرائيل عن هارون).

فسكتا ثم خرجا، فلما خرجا خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت له أنت، وكنت أجرئ عليه منا: يا رسول الله من كنت مستخلفا عليهم؟ فقال:

خاصف النعل، فنزلنا فرأيناه عليا، فقلت: يا رسول الله ما أرى إلا عليا، فقال: هو ذاك.

قالت عائشة: نعم أذكر ذلك، فقالت لها أم سلمة: فأي خروج تخرجين بعد هذا يا عائشة، فقالت: إنما أخرج للإصلاح بين الناس (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 2 / ص 77.

فنهتها أم سلمة عن الخروج بكلام شديد، وقالت لها: إن عمود الإسلام لا يثأب بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن صدع، حماديات النساء غض الأطراف، وخقر الأعراض، ما كنت قائلة لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله عارضك في بعض هذه الفلوات، ناصة قلوصا من منهل إلى آخر؟ والله لو سرت سيرك هذا ثم قيل لي ادخلني الفردوس، لاستحيت أن ألقى محمدا هاتكة حجابا ضربه علي.. (1) كما لم تقبل أم المؤمنين عائشة نصائح كثيرة من الصحابة المخلصين.

روى الطبري في تاريخه أن جارية بن قدامة السعدي قال لها: يا أم المؤمنين والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروج من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك، إنه من يرى قتالك فإنه يرى قتلك، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي إلى منزلك وإن كنت أتيتينا مستكرهة فاستعيني بالناس (2).

الله ورسوله أمرا نساء النبي صلى الله عليه وآله بلزوم البيت

أما أمر الله تبارك وتعالى نساء النبي صلى الله عليه وآله بلزوم البيت فذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن) إلى أن قال: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى).

وأما أمر النبي صلى الله عليه وآله نساءه بلزوم البيت فالأخبار في ذلك كثيرة وهذه جملة مما ظفرت به على العجالة:

ابن سعد في طبقاته (ج 8 / ص 150): عن عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأزواجه أيتكن اتقت الله ولم تأت بفاحشة بينة ولزمت ظهر حصيرها فهي زوجتي في الآخرة.

أيضا ابن سعد في طبقاته (ج 8 / ص 150) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لنسائه في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر، قال:

وكن يحجبن كلهن إلا سودة بنت زمعة وزينب بنت جحش، قالتا: لا تحركنا دابة بعد إذ سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله.

ورواه ابن الأثير أيضا في أسد الغابة: (ج 5 / ص 464) في ترجمة زينب بنت جحش.

- ابن سعد أيضا في طبقاته (ج 8 / ص 150)، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لنسائه في حجة الوداع هذه الحجة ثم ظهور الحصر.

- وروى الخطيب في تاريخ بغداد (ج 7 / ص 110) عن واقد بن أبي واقد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لنسائه في حجته: هذه ثم ظهور الحصر.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قتيبة في كتابه: المصنف في غريب الحديث، كذلك الإمامة والسياسة.

(2) تاريخ الطبري: ج 6 / ص 482.

وقيل في الشرح: أي أنكن لا تعدن تخرجن من بيوتكن، وتلزمن الحصر (جمع حصير الذي يبسط في البيوت).

ثم إن الحديث هذا قد ذكره العسقلاني أيضا في تهذيب التهذيب (ج 11 / ص 107)، وكذلك الهيثمي في مجمعه (ج 3 / ص 214).

في نهي النبي صلى الله عليه وآله عائشة عن قتال علي وقد أخبرها أنها تنبحها كلاب الحوأب:

في مستدرك الصحيحين: (ج 3 / ص 119) روى بسنده عن أم سلمة قالت: ذكر النبي صلى الله عليه وآله خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت.

وفي كنز العمال (ج 6 / ص 84) قال: عن طاووس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لنسائه أيتكن تنبحها كلاب كذا وكذا، إياك يا حميراء.

(قال) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن، (وقال): وسنده صحيح.

وفي تاريخ الطبري لابن جرير (ج 3 / ص 485) روى بسنده عن الزهري قال: بلغني أنه لما بلغ طلحة والزبير منزل علي عليه السلام بذي قار انصرفوا إلى البصرة، فأخذوا على المنكدر فسمعت عائشة نباح الكلاب فقالت أي ماء هذا، فقالوا: الحوأب، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إنها لهي، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وعنده نساءه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب.

فأرادت الرجوع، فأتاها عبد الله بن الزبير فزعم أنه قال: كذب من قال أن هذه الحوأب، ولم يزل حتى مضت فقدموا البصرة.

وفي الإمامة والسياسة لابن قتيبة في توجه عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة (ص 55) قال: فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة نبحتها كلاب الحوأب، فقالت لمحمد بن طلحة: أي ماء هذا؟ قال: هذا ماء الحوأب، فقالت: ما أراني إلا راجعة، قال: ولم؟

قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لنسائه: كأني بإحداكن قد نبحتها كلاب الحوأب وإياك أن تكوني أنت يا حميراء. فقال لها محمد بن طلحة: تقدمي رحمك الله ودعي هذا القول، وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفتيه أول الليل، فأتاها ببينة زور من الأعراب فشهدوا بذلك، فزعموا أنها أول شهادة زور بالإسلام.

وفي نور الأبصار لمؤلفه الشبلنجي (ص 81) في قصة أهل الجمل قال: ونقل غير واحد أنهم مروا بمكان اسمه الحوأب فنبحتهم كلابه، فقالت عائشة: أي ماء هذا؟ قيل لها: هذا ماء الحوأب. فصرخت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول وعنده نساءه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب.

وفي رواية الإستيعاب لابن عبد البر (ج 2 / ص 745) أيتكن صاحبة الجمل الأدب، يقتل حولها قتلى كثير وتنجو ما كادت، قال ابن عبد البر: وهذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وآله، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت: ردوني، فأناخوا يوما وليلة وقال لها عبد الله بن الزبير أنه كذب - يعني ليس هذا ماء الحوأب - ولم يزل بها وهي تمتنع فقال النجا النجا، فقد أدرككم علي بن أبي طالب، فارتحلوا ونزلوا على البصرة.

القائدة هي أم المؤمنين

مع العلم بأن عائشة كانت عقيما فلم تحمل ولم تخلف، وكانت من أكبر الشخصيات التي عرفها تاريخ المسلمين، إذ لعبت أكبر الأدوار في تقريب البعض من الخلافة وإبعاد البعض عنها، وعملت على تزكية قوم وإقصاء آخرين.

وشاركت في الحروب وقادت المعارك والرجال، وكانت تبعث بالرسائل لرؤساء القبائل وتأمر وتنهى وتعزل أمراء الجيوش وتؤمر آخرين، وكانت قطب الرحى في معركة الجمل وعمل طلحة والزبير تحت قيادتها.

ذكر المؤرخون بأنها كانت هي القائدة العامة، وهي التي تولي وتعزل وتصدر الأوامر، حتى أن طلحة والزبير اختلفا في إمامة الصلاة وأراد كل منهما أن يصلي بالناس، فتدخلت عائشة وعزلتهما معا وأمرت عبد الله بن الزبير ابن أختها أن يصلي هو بالناس، وهي التي كانت ترسل الرسل بكتبها التي بعثتها في كثير من البلدان، تستنصرهم. على علي بن أبي طالب وتثير فيهم حمية الجاهلية.

حتى عبأت عشرين ألفا أو أكثر من أوباش العرب وأهل الأطماع لقتال أمير المؤمنين والإطاحة به. وأثارتها فتنة عمياء قتل فيها خلق كثير باسم الدفاع عن أم المؤمنين ونصرتها.

ويقول المؤرخون بأن أصحاب عائشة لما غدروا بعثمان بن حنيف والي البصرة وأسروه هو وسبعين من أصحابه الذين كانوا يحرسون بيت المال جاؤوا بهم إلى عائشة فأمرت بقتلهم، فذبحوهم كما يذبح الغنم. وقيل كانوا أربعمائة رجل، يقال أنهم أول قوم من المسلمين ضربت أعناقهم صبرا (1).

روى الشعبي عن مسلم بن أبي بكر عن أبيه قال: لما قدم طلحة والزبير البصرة، تقلدت سيفي وأنا أريد نصرهما، فدخلت على عائشة فإذا هي تأمر وتنهى وإذا الأمر أمرها، فتذكرت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله كنت سمعته يقول: (لن يفلح قوم تدبر أمرهم امرأة) فانصرفت عنهم واعتزلتهم.

كما أخرج البخاري عن أبي بكرة قوله: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي صلى الله عليه وآله أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) (2).

ومن المواقف المضحكة المبكية في آن واحد أن عائشة أم المؤمنين، تخرج من بيتها عاصية لله ورسوله ثم تأمر الصحابة بالاستقرار في بيوتهم، إنه حقا أمر عجيب!! فكيف يا ترى وقع ذلك؟

روى ابن الحديد المعتزلي في شرح النهج وغيره من المؤرخين أن عائشة كتبت - وهي في البصرة - إلى زيد بن صوحان العبدي رسالة تقول له فيها:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الطبري في تاريخه: ج 5 / ص 178 وشرح النهج: ج 2 / ص 501 وغيرهم كثير.

(2) صحيح البخاري: ج 8 / ص 97 باب الفتن. والنسائي: ج 4 / ص 305. والمستدرك: ج 4 / ص 525.

من أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أما بعد فأقم في بيتك وخذل الناس عن ابن أبي طالب، وليبلغني عنك ما أحب فإنك أوثق أهلي عندي والسلام.

فأجابها هذا الرجل الصالح بما يلي:

من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر، أما بعد.. فإن الله أمرك بأمر وأمرنا بأمر، أمرك أن تقري في بيتك وأمرنا أن نجاهد، وقد أتاني كتابك تأمريني أن أصنع خلاف ما أمرني الله به فأكون قد صنعت ما أمرك الله به، وصنعت أنت ما به أمرني، فأمرك عندي غير مطاع، وكتابك لا جواب له.

وبهذا يتبين لنا بأن عائشة لم تكتف بقيادة جيش الجمل فقط، وإنما طمحت في إمرة المؤمنين كافة في كل بقاع الأرض، ولكل ذلك أباحت لنفسها أن تراسل رؤساء القبائل والولاة وتطمعهم وتستنصرهم.

ولكل ذلك بلغت تلك المرتبة وتلك الشهرة عند بني أمية فأصبحت هي المنظور إليها والمهابة لديهم جميعا والتي يخشى سطوتها ومعارضتها.

فإذا كان الأبطال والمشاهير من الشجعان يتخاذلون ويهربون من الصف إزاء علي بن أبي طالب ولا يقفون أمامه فإنها وقفت وألبست واستصرخت واستفزت.

ومن أجل هذا حيرت العقول وأدهشت المؤرخين اللذين عرفوا مواقفها في حرب الجمل الصغرى قبل قدوم الإمام علي، وفي حرب الجمل الكبرى بعد مجئ الإمام، وقد دعاها عليه السلام لكتاب الله فأبت وأصرت على الحرب في عناد لا يمكن تفسيره إلا إذا عرفنا عمق وشد الغيرة والبغضاء التي تحملها أم المؤمنين لأبنائها المخلصين لله ورسوله صلى الله عليه وآله.

 

الفصل الثاني
أشلاء أخيرة من سيرتها

أم المؤمنين تجتهد وتغير سنة النبي صلى الله عليه وآله

في هذا البحث الذي يهمنا هو اجتهادها وتغييرها لسنة النبي صلى الله عليه وآله، ولا بد من إبراز بعض الأمثلة لكي نفهم من خلالها سلسلة عظماء أهل السنة الذين هم مفخرتهم والذين يقتدون بهم ويقدمونهم على الأئمة الطاهرين من عترة النبي صلى الله عليه وآله.

وليس ذلك في الحقيقة إلا نزعة قبلية عملت على محق السنة النبوية وطمس معالمها وإطفاء نورها، ولولا قيام علي عليه السلام والأئمة من ولده بإحياء السنن لما وجدنا اليوم من سنة النبي شيئا يذكر.

وكما عرفنا بأن عائشة لم تمتثل لسنة الرسول صلى الله عليه وآله، ولم تقم لها وزنا، وقد سمعت من زوجها أحاديث كثيرة في حق علي إلا أنها أنكرتها وعملت بعكسها.

وعصت أمر الله وأمر رسوله لها بالذات، وخرجت فقادت حرب الجمل المشؤومة التي انتهكت فيها المحارم، وقتلت الأبرياء، وخانت العهد في الكتاب الذي كتبته مع عثمان بن حنيف عندما جاؤوها بالرجال مكتفين أمرت بضرب أعناقهم صبرا، وكأنها لم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).

ودعنا من الحروب والفتن التي أشعلت نارها أم المؤمنين وأهلكت بها الحرث والنسل، وهيا بنا إلى تأولها هي الأخرى والقول برأيها في دين الله، وإذا كان مجرد الصحابي له رأي وقوله حجة فكيف بمن يؤخذ نصف الدين عنها؟!.

أخرج البخاري في صحيحه من أبواب التقصير عن الزهري عن عروة عن عائشة (رض) قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتان فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأولت ما تأول عثمان (1).

أفلا تعجب كيف تترك أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وآله سنة رسول الله صلى الله عليه وآله التي روتها بنفسها وصححتها، ثم تتبع بدعة عثمان بن عفان والتي كانت تحرض على قتله بدعوى أنه غير سنة النبي وأبلاها قبل أن يبلى قميصه؟!.

نعم، ذلك ما وقع في عهد عثمان، ولكنها غيرت رأيها في عهد معاوية بن أبي سفيان، وما أسرع أن تغير أم المؤمنين رأيها، لقد حرضت على قتل عثمان ولكنها لما عرفت بأنهم قتلوه وبايعوا عليا غيرت رأيها وبكت على عثمان بكاء شديدا وخرجت للطلب بدمه هي أيضا.

والمفهوم من الرواية أنها أتمت صلاة السفر وجعلتها أربع ركعات بدلا من ركعتين في زمن معاوية الذي كان حريصا على إحياء بدع ابن عمه وولي نعمته عثمان بن عفان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري: ج 8 / ص 91. وصحيح مسلم في كتاب الإيمان.

والناس على دين ملوكهم، وكانت عائشة من أولئك الناس الذين صالحوا معاوية بعد العداء، فهو الذي قتل أخاها محمد بن أبي بكر ومثل به أبشع مثلة.

ومع ذلك فإن المصالح الدنيوية المشتركة تجمع الأعداء وتوحد الأضداد، لذلك تقرب إليها معاوية وتقربت إليه وأصبح يبعث لها بالهدايا والعطايا والأموال الطائلة.

يقول المؤرخون: إن معاوية لما قدم المدينة دخل على عائشة لزيارتها، فلما قعد قالت له: يا معاوية أأمنت أن أخبئ لك من يقتلك بأخي محمد بن أبي بكر؟.

فقال معاوية: إنما دخلت بيت الأمان.

فقالت: أما خشيت الله في قتل حجر بن عدي وأصحابه؟.

فقال: إنما قتلهم من شهد عليهم (1).

وروي أيضا أن معاوية كان يبعث لها بالهدايا والثياب، والأموال وإذا بحثنا عن هذا التقارب بين عائشة ومعاوية قلنا:

متى كان البعد والعداء حتى نقول بالتقارب، فأبو بكر هو الذي شارك معاوية في الحكم وولاه على الشام بعد موت أخيه، ومعاوية يشعر دائما بفضل أبي بكر عليه، فلولاه لم يكن معاوية يحلم يوما بالوصول إلى الخلافة.

ثم إن معاوية يلتقي مع الجماعة في مؤامرتهم الكبرى لمحق السنة والقضاء على العترة، وقد تقاسموا تلك المهمة فأحرقوا السنة وتركوا له القضاء على العترة فأتم معاوية ما أوكل إليه حتى أجبر الناس على لعن العترة، وبمؤامرته خرج الخوارج على الإمام علي عليه السلام، وبمؤامرته قتل علي، وبمؤامرته قتل الحسن بن علي وقد دس له السم، وقضى يزيد ابنه من بعده على بقية العترة.

فليس بين معاوية وعائشة عداء، وحتى قولها أأمنت أن أخبئ لك من يقتلك بأخي محمد بن أبي بكر؟ لم يكن إلا مداعبة وإلا فإنها لا تحب ابن الخثعمية محمد بن أبي بكر والذي كان يحارب ضدها مع علي ويستحل قتلها، ثم هي تلتقي مع معاوية في بغض أبي تراب إلى أبعد الحدود، وبحقد يفوق التصور والخيال.

ولا أدري أيهما المتفوق في ذلك؟ أهو الذي حاربه وسبه ولعنه وعمل على إطفاء نوره؟ أم هي التي عملت على إبعاده عن الخلافة وحاربته وعملت على محو اسمه فكانت لا تذكر اسمه، ولما بلغها خبر قتله سجدت شكرا لله؟.

وقد بقي بغضها لولده من بعده إلى أن منعت أن يدفن الإمام الحسن بجانب جده صلى الله عليه وآله، وخرجت تصيح راكبة على بغلة تستفز بني أمية وتستعين بهم على بني هاشم قائلة: لا تدخلوا بيتي من لا أحب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ ابن كثير وابن عبد البر في الإستيعاب ترجمة حجر بن عدي.

وأرادت أن تشعل حربا أخرى، حتى قال لها بعض أقاربها: (ألا يكفينا يوم الجمل الأحمر حتى يقال يوم البغلة الشهباء).

وهي بلا شك واكبت مسيرة كبيرة من حكم بني أمية وسمعتهم يلعنون عليا وأهل البيت عليهم السلام على المنابر، فما أنكرت ذلك ولا نهت عنه، ولعلها كانت تشجع على ذلك من طرف خفي.

فقد أخرج أحمد بن حنبل في مسنده قال: جاء رجل فوقع في علي وعمار عند عائشة فقالت: أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا، وأما عمار فإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول فيه: لا يخير بين أمرين إلا اختار أشدهما (1)، فلا نستغرب إذن من عائشة إذا أماتت سنة النبي صلى الله عليه وآله وأحيت بدعة عثمان في إتمام الصلاة لإرضاء معاوية وحكام بني أمية، الذين كانوا يتبعونها في حلها وترحالها ويمجدونها ويأخذون الدين عنها.

كما أن عائشة كانت تفتي لهم برضاعة الكبير، وكانت ترى أن الرجال يمكنهم أن يرضعوا من النساء فيصبحوا بذلك من محارمهن، وقد وفينا البحث في هذه المهزلة.

وما أخرجه الإمام مالك في موطأه تقشعر منه جلود المؤمنين والمؤمنات إذ يقول بأنها كانت تبعث بالرجال إلى أختها أم كلثوم وإلى بنات أخيها فيرضعوا منهن وتستبيح أم المؤمنين عائشة بعد تلك الرضاعة مقابلتهم دون حجاب (2)، لأنهم على رأيها أصبحوا من محارمها! وما علينا إلا أن نتصور أحد المسلمين يفاجأ بزوجته مع أحد الرجال وهو يداعب ثدييها بالرضاعة فتقول زوجته: إني أرضعته لكي يصبح ابني ويدخل علينا بدون حرج.

وما على الزوج المسكين إلا أن يتحمل بدعة عائشة ولا يجد في نفسه حرجا مما قضت، ويسلم تسليما.

وهذه الطامة وحدها كافية للكشف عن الحقيقة ولمعرفة الحق من الباطل، وبهذا يتبين لنا بأن أهل السنة والجماعة يعبدون الله بنصوص ما أنزل بها من سلطان، بدون تمحيص ولا تثبيت، ولو تبينوا تلك البدع لنفرت نفوسهم منها وتركوها طائعين.

هذا ما نلمسه عند بعض المؤمنين من أهل السنة المتحررين الذين عندما يطلعون على حديث الرضاعة الكبير يستغربون ويذهلون ويؤكدون بأنهم لم يسمعوا به أبدا، كما جرى معي تماما فاستغربت واستنكرت وعنها ابتعدت وكرهت.

إن كثيرا من الناس يجهلون الأحاديث التي يحتج بها الشيعة عليهم مع أنها موجودة في صحاحهم.

قال تعالى: (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 6 / ص 113.

(2) موطأ مالك: ج 2 / ص 116 باب رضاعة الكبير.

فاطمة عليها السلام وعائشة (رض)

إن فاطمة عليها السلام ابنة النبي صلى الله عليه وآله وزوج الإمام علي عليه السلام وأم الحسنين عليهما السلام أوصت أنها إذا ماتت لا تدخل عليها لا عائشة ولا غيرها.

فقد ورد في سنن البيهقي (ج 4) باب ما ورد في النعش للنساء، روى بسنده عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أن يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا. فقالت فاطمة عليها السلام: ما أحسن هذا وأجمله لا يعرف به الرجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي عليه السلام ولا تدخلي علي أحدا.

فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جعلت لها مثل هودج العروس.

فجاء أبو بكر فوقف على الباب وقال يا أسماء ما حملك أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدخلن على ابنة النبي صلى الله عليه وآله، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني أن لا تدخلي علي أحدا، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها، فقال أبو بكر فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف، وغسلها علي عليه السلام وأسماء.

إن فاطمة عليها السلام وإن أوصت أسماء أن لا تدخل عليها أحدا بنحو العموم لا عائشة وحدها، ولكن الظاهر أن المقصود بالأصالة من المنع هو عائشة بالخصوص، وإنما أوصت بنحو العموم حيث لا يمكن التبعيض بين أزواج النبي فترخص لبعضهن دون بعض، ولعمري إن من الواضح المعلوم أن ما دعى فاطمة عليها السلام إلى الوصية المذكورة أنها كانت تعلم أن عائشة تبغضها وتسر بموتها، كما عرفنا أنها كانت تبغض عليا عليه السلام وتحسده، وقد سرت بقتله ووفاته، فلو كانت عائشة ممن تحب فاطمة عليها السلام وتواليها لما أوصت فاطمة عليها السلام بالوصية المذكورة ولما منعت أسماء عائشة من الدخول على فاطمة عليها السلام أبدا.

تحذير النبي صلى الله عليه وآله من عائشة وفتنتها

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يدرك عمق وخطورة المؤامرة التي تدار حوله من جميع جوانبها، ولا شك بأنه عرف ما للنساء من تأثير وفتنة على الرجال، كما أدرك بأن كيدهن عظيم تكاد تزول منه الجبال، وعرف بالخصوص بأن زوجته عائشة هي المؤهلة لذلك الدور الخطير لما تملكه في نفسها من غيرة وبغض لخليفته علي خاصة، ولأهل بيته عامة، كيف وقد عاش بنفسه أدوارا من مواقفها وعداوتها لهم، فكان يغضب حينا ويتغير وجهه أحيانا، ويحاول إقناعها في كل مرة بأن حبيب علي هو حبيب الله، والذي يبغض عليا هو منافق يبغضه الله، ولكن هيهات لتلك الأحاديث أن تغوص في أعماق تلك النفوس التي ما عرفت الحق حقا إلا لفائدتها وما عرفت الصواب صوابا إلا إذا صدر عنها.

ولذلك وقف رسول الله صلى الله عليه وآله لما عرف بأنها هي الفتنة التي جعلها الله في هذه الأمة ليبتليها بها كما ابتلي سائر الأمم السابقة، قال تعالى:

(ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) (1).

وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وآله أمته منها في مرات متعددة حتى قام في يوم من الأيام واتجه إلى بيتها وقال: ههنا الفتنة، ههنا الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان، وقد أخرج البخاري في صحيحه في باب ما جاء في بيوت أزواج النبي: قال عن نافع عن عبد الله (رض) قال: قام النبي صلى الله عليه وآله خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة فقال: ههنا الفتنة، ثلاثا، من حيث يطلع قرن الشيطان (2).

كما أخرج مسلم في صحيحه أيضا عن عكرمة بن عمار عن سالم عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من بيت عائشة، فقال:

رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان (3).

ولا عبرة بالزيادة التي أضافوها بقولهم: يعني المشرق، فهي واضحة الوضع، ليخففوا عن أم المؤمنين ويبعدوا هذه التهمة عنها.

وقد جاء في صحيح البخاري أيضا: قال لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبر فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وآله في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي (4).

الله أكبر فهذا الخبر يدل أيضا أن في طاعتها معصية لله وفي معصيتها هي والوقوف ضدها طاعة لله.

كما نلاحظ أيضا في هذا الحديث أن الرواة من بني أمية أضافوا عبارة (والآخرة) في (أنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة) ليموهوا على العامة بأن الله غفر لها كل ذنب اقترفته وأدخلها جنته، وزوجها حبيبه الرسول صلى الله عليه وآله وإلا من أين علم عمار بأنها زوجته صلى الله عليه وآله في الآخرة؟.

وهذه هي آخر الحيل التي تفطن لها الوضاعون من الرواة في عهد بني أمية عندما يجدون حديثا جرى على ألسنة الناس فلا يمكن نكرانه ولا تكذيبه، فيعمدون إلى إضافة فقرة إليه أو كلمة أو تغيير بعض ألفاظه ليخففوا من حدته أو يفقدوه المعنى المخصوص له، كما فعلوا ذلك بحديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها) الذي أضافوا إليه: وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها.

ولم يخف ذلك على الباحث المنصف فيبطل تلك الزيادات التي تدل في أغلب الأحيان على سخافة عقول الوضاعين وبعدهم عن حكمة ونور الأحاديث النبوية، فيلاحظون أن القول بأن أبا بكر أساسها معناه أن علم رسول الله صلى الله عليه وآله كله من علم أبي بكر!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العنكبوت: آية 2.

(2) صحيح البخاري: ج 4 / ص 46.

(3) صحيح مسلم: ج 8 / ص 181.

(4) صحيح البخاري: ج 8 / ص 97.

كما أن القول بأن عمر حيطانها فمعناه بأن عمر يمنع الناس من الدخول للمدينة، أي يمنعهم من الوصول للعلم.

والقول بأن عثمان سقفها، فباطل بالضرورة لأنه ليس هناك مدينة مسقوفة وهو مستحيل.

كما يلاحظ هنا بأن عمارا يقسم بالله على أن عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله في الدنيا والآخرة، وهو رجم بالغيب، فمن أين لعمار أن يقسم على شئ يجهله؟ هل عنده آية من كتاب الله، أم هو عهد عهده إليه رسول الله صلى الله عليه وآله؟.

فيبقى الحديث الصحيح وهو (أن عائشة قد سارت إلى البصرة، وإنها لزوجة نبيكم، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم إياه تطيعون أم هي).

والحمد لله رب العالمين الذي جعل لنا عقولا نميز بها الحق من الباطل، وأوضح لنا السبيل ثم ابتلانا بأشياء عديدة لتكون علينا حجة يوم الحساب.

ندم عائشة لمحاربتها علي عليه السلام

عن الهيثمي في مجمعه (ج 9 / ص 112) قال: وعن جميع بن عمير أن أمه وخالته دخلتا على عائشة (قال): فذكر الحديث إلى أن قال: قالتا فأخبرينا عن علي عليه السلام، قالت: عن أي شئ تسألن عن رجل وضع من رسول الله صلى الله عليه وآله موضعا فسالت نفسه في يده فمسح بها وجهه، واختلفوا في دفنه فقال: إن أحب البقاع إلى الله مكان قبض فيه نبيه، قالتا: فلم خرجت عليه؟ قالت: أمر قضي وودت أن أفديه ما على الأرض في شئ. (قال رواه أبو يعلى).

وروى العسقلاني في فتح الباري (ج 16 / 165) قال: وأخرج الطبراني من طريق محمد بن قيس قال: ذكر لعائشة يوم الجمل قالت:

والناس يقولون يوم الجمل، قالوا: نعم، قالت: وددت أني جلست كما جلس غيري، فكان أحب إلي من أن أكون ولدت من رسول الله صلى الله عليه وآله عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

وفي مستدرك الصحيحين (ج 3 / ص 119) روى بسنده عن هشام وقيس عن عائشة قالت: وددت أني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام وأني لم أسر مسيري مع ابن الزبير.

وروى أبو نعيم في حليته: (ج 2 / ص 48) بسنده عن أبي الضحى قال: حدثني من سمع عائشة تقرأ: (وقرن في بيوتكن) فتبكي حتى تبل خمارها.

وابن سعد في طبقاته (ج 8 / ص 56) روى بسنده عن عمارة بن عمير قال: حدثني من سمع عائشة إذا قرأت هذه الآية: (وقرن في بيوتكن) بكت حتى تبل خمارها.

وفي الدر المنثور للسيوطي في ذيل تفسير قوله تعالى: { وقرن في بيوتكن } في سورة الأحزاب (قال) وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن مسروق قال:

كانت عائشة إذا قرأت (وقرن في بيوتكن) بكت حتى تبل خمارها.

وابن جرير الطبري في تاريخه (ج 3 / ص 548) روى بسنده عن أبي يزيد المديني يقول: قال عمار بن ياسر لعائشة حين فرغ القوم: يا أم المؤمنين ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك؟ قالت: أبو اليقظان، قال: نعم: والله إنك ما علمت قوال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى لي لسانك.

والخطيب البغدادي في تاريخه (ج 9 / ص 185) روى بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما ذكرت عائشة في مسيرها في وقعة الجمل قط إلا بكت حتى تبل خمارها وتقول: يا ليتني كنت نسيا منسيا (قال الخطيب: قال سفيان النسي المنسي الحيضة الملقاة).

أقول: قد سمعت من الرواية الأخيرة قول عائشة يا ليتني كنت نسيا منسيا، وسمعت من الخطيب أنه قال سفيان النسي المنسي الحيضة الملقاة. وهنا رواية أخرى ودت فيها عائشة أنها كانت نسيا منسيا قالت ذلك عند موتها وهي ما رواه الإمام أحمد بن حنبل (ج 1 / ص 276) بسنده عن ذكوان صاحب عائشة أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت وعند رأسها ابن أختها عبد الله، فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن وهي تموت، فقالت: دعني من ابن عباس، فقال: يا أمتاه إن ابن عباس من صالحي بنيك ليسلم عليك ويودعك، فقالت:

ائذن له إن شئت، قال فأدخلته، فلما جلس قال: أبشري زوجة رسول الله ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء، فدخل عليها ابن الزبير خلافه فقالت: أثنى علي عبد الله بن عباس ولم أكن أحب أن أسمع أحدا اليوم يثني علي، لوددت أني كنت نسيا منسيا.

ثم إن ههنا حديثين يناسب ذكرهما في هذه المناسبة:

أحدهما رواه البخاري في صحيحه في كتاب بدأ الخلق في باب كتاب النبي صلى الله عليه وآله إلى كسرى وقيصر وفي كتاب الفتن قال: حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عون عن الحسن عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله أيام الجمل بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة.

ورواه الترمذي أيضا في صحيحه في أبواب الفتن مسندا عن أبي بكرة قال: عصمني الله بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله لما هلك كسرى قال: استخلفوا؟ قالوا: ابنته. فقال النبي صلى الله عليه وآله لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة، فلما قدمت عائشة، يعني البصرة، ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله فعصمني الله به.

وثانيهما ما رواه الحاكم في مستدرك الصحيحين (ج 4 / ص 291) بسنده عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله أتاه بشير يبشره بظفر خيل له (إلى أن قال) فقام فخر لله تعالى ساجدا، فلما انصرف أنشأ يسأل الرسول فحدثه، فكان فيما حدثه من أمر العدو: وكانت تليهم امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هلكت الرجال حين أطاعت النساء (قال) الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد.

 

ودّ النبي صلى الله عليه وآله أن تموت عائشة في حياته فيهيأها ويدفنها

ذكر ابن سعد في طبقاته (ج 2 / ص 10) روى بسنده عن ابن شهاب قال: قالت عائشة بدأ رسول الله صلى الله عليه وآله شكواه الذي توفي فيه وهو في بيت ميمونة فخرج في يومه ذلك حتى دخل علي، قالت: فقلت ورأساه، فقال صلى الله عليه وآله وددت أن ذلك يكون وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك.

ورواه أحمد بن حنبل أيضا في مسنده (ج 6 / ص 144) وقال فيه: وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتك ودفنتك.

أقول ولعل السر في أن النبي صلى الله عليه وآله ود أن تموت عائشة في حياته فيهيأها ويدفنها أنه صلى الله عليه وآله كان يعلم أن عاقبة أمر عائشة أنها تخرج عن طاعة الله ورسوله وتخالف قول الله تعالى: (وقرن في بيوتكن) وقول رسول الله صلى الله عليه وآله لنسائه في حجة الوداع: (هي هذه الحجة ثم الجلوس على ظهور الحصر في البيوت)، كما - عرف ذلك في باب مستقل من هذا الكتاب - وتعصي النبي صلى الله عليه وآله في قتال علي عليه السلام ويقتل حولها خلق كثير فتكون هي السبب في قتلهم بل هي السبب لفتح باب الفتنة على المسلمين بل باب الكفر - كما سمعت ذلك في باب مستقل أيضا - فأحب صلى الله عليه وآله أن تموت عائشة في حال حياته لتسلم من هذه الجريمة العظمى، وهي الخروج على إمام زمانها والتسبب بقتل خلق كثير من المسلمين وفتح باب الفتنة والكفر عليهم، كي لا تدخل النار وتستحق العذاب الأليم، ولكنه صدق الله تبارك وتعالى حيث خاطب نبيه صلى الله عليه وآله في كتابه المجيد قال: (أأنت تنقذ من في النار) فراجع سورة الزمر.

من أين لك هذا يا عائشة؟

روي أن معاوية كان يبعث لها بالهدايا والثياب وأشياء توضع في أسطوانها، وبعث لها مرة بمائة ألف دفعة واحدة (1).

كما بعث بها مرة أخرى وهي بمكة طوقا قيمته مائة ألف، كما قضى معاوية كل ديون عائشة التي بلغت ثمانية عشر ألف دينار وكل ما كانت تعطيه للناس (2).

كما أن الولاة والأمراء من بني أمية كانوا يصلونها ويبعثون لها بالهدايا والأموال أيضا (3).

أخرج البخاري في صحيحه من كتاب الأدب بأن الهجرة وقول رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث، أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم! قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله لا أشفع فيه أبدا ولا أتحنث إلى نذري، فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخزمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وهما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ ابن كثير وابن عبد البر في الإستيعاب ترجمة حجر بن عدي.

(2) تاريخ ابن كثير: ج 7 / ص 136 - ومستدرك الحاكم: ج 4 / ص 13.

(3) مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج 6 / ص 77.

من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أخذتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي.

فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير.

فلما دخلوا، دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانهما إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عما قد عملت من الهجرة، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجره أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.

وبالرغم من أن قسم عائشة لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وآله حرم أن يهجر المسلم أخاه أكثر من ثلاثة أيام، ولكنها أبت إلا أن تكفر عن يمينها بتحرير أربعين رقبة، وهذا أيضا دلالة أخرى على أنها كانت دولة بمفردها، وإلا كيف تملك عائشة أربعين رقبة أو ثمنها، فليس ذلك بالشئ اليسير، ولم يسجل التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعتق هذا العدد الهائل طيلة حياته.

وجاء في العقد الفريد (ج 1 / ص 85) باب جائزة عائشة لمن يبشرها بنجاة ابن الزبير، قال أبو بكر بن أبي شيبة أعطت عائشة الذي بشرها بحياة ابن الزبير إذا التقى مع الأشتر عشرة آلاف.

عن محمد بن المنكدر عن أم درة وكانت تغشى عائشة قال: بعث إليها ابن الزبير بمال في غرارتين (الغرارة: الجوالق ما يحمل على ظهر البعير) قالت: أراه ثمانين ومائة ألف. أخرجه في الصفوة وأبو معاوية، والإصابة، والترغيب، والطبقات.

وعن عطاء قال: بعث معاوية إلى عائشة بطبق من ذهب فيه جوهر قيمته مائة ألف.

وعن عروة قال: لقد رأيت عائشة تقسم (تتصدق) سبعين ألفا وهي ترفع درعها، أخرجه صاحب الصفوة، وأخرجه ابن السدي، والطبقات.

قال سعيد بن عبد العزيز الدمشقي: قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار.

وغير هذا الكثير الكثير من الأخبار عن ثروتها، التي اكتسبتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله الذي لم يورث شيئا، حتى أن السيدة فاطمة عليها السلام عندما جاءت أبا بكر تطالبه بحقها بالميراث بفدك ردها وقال لها: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة) ثم كذبته فاطمة الزهراء عليها السلام، وعارضت روايته بنص القرآن الذي يقول: { وورث سليمان داود } فإن فدك لا يشملها هذا الحديث المزعوم لأنها نحلة وليست هي من الإرث في شئ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فغضبت فاطمة على أبي بكر وهجرته فلم تكلمه حتى توفيت.

عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: جاءت عائشة إلى أبي بكر وهو يعالج ما يعالج الميت ونفسه في صدره فتمثلت هذا البيت:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فنظر إليها كالغضبان وقال: ليس كذاك يا أم المؤمنين ولكن قولي:

(وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد) إني قد كنت نحلتك حائطا، وإن في نفسي منه شيئا، فرديه إلى الميراث.

قالت: نعم، فردته، فقال: أما أنا منذ وليت أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فئ المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضج، وجرد هذه القطيعة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وابرئي منهن، ففعلت.

إذن عائشة كونت ثروتها الطائلة تلك بعد وفاة أبيها وزوجها، وإلا فمن أين لها هذا؟.

وفاة عائشة ودفنها بالليل

عن عائشة قالت: وددت أني إذا مت كنت نسيا منسيا، وعن أسامة بن زيد عن بعض أصحابه عن عائشة: أنها قالت حين حضرتها الوفاة: يا ليتني لم أخلق، يا ليتني كنت شجرة أسبح وأقضي ما علي.

وعن عمرو بن مسلمة: أن عائشة قالت: والله لوددت أني كنت شجرة، والله لوددت أني كنت مدرة، والله لوددت أن الله لم يكن خلقني شيئا قط.

وحدث عيسى بن دينار قال: سألت أبا جعفر عن عائشة، فقال:

استغفر الله لها، أما علمت ما كانت تقول؟ يا ليتني كنت شجرة، يا ليتني كنت حجرا، يا ليتني كنت مدرة، قلت: وما ذاك منها؟ قال: توبة.

وعن إبراهيم قال: قالت عائشة: يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة، وعنها قالت: يا ليتني كنت نبتة من نبات الأرض ولم أكن شيئا مذكورا.

وعن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: أوصت عائشة أن لا تتبعوا سريري بنار ولا تجعلوا تحتي قطيفة حمراء (1).

وعن قيس قال: قالت عائشة عند وفاتها: إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فادفنوني مع أزواج النبي صلى الله عليه وآله (2).

وعن عثمان بن أبي عتيق عن أبيه قال: رأيت ليلة ماتت عائشة حمل معها جريد في الخرق فيه النار ليلا، ورأيت النساء بالبقيع كأنه العيد (3).

وعن عبد الله بن أبي بكر قال: رأيت ليلة ماتت عائشة حمل معها جريد ألقوا عليها الخرق وغمسوها في زيت وأشعلوا فيها نارا فحملوها معها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد: ج 1 / ص 51.

(2) طبقات ابن سعد: ج 8 / ص 51 - 53 مستدرك الحاكم.

(3) المصدر السابق.

قال محمد بن عمر: توفيت عائشة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة مضت من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين، ودفنت من ليلتها بعد الوتر، وهي يومئذ بنت ست وستين سنة (1).

خاتمة البحث

والمهم في كل ما مر معنا من الأبحاث أن عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين وزوجة الرسول صلى الله عليه وآله لم تكن معدودة من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين عصمهم الله من كل الذنوب، وطهرهم من كل رجس فأصبحوا بعد ذلك معصومين.

ويكفي عائشة أنها قضت آخر أيام حياتها في بكاء ونحيب وحسرة وندامة، تذكر أعمالها فتفيض عيناها، ولعل الله سبحانه يغفر لها خطاياها، فهو وحده المطلع على أسرار عباده، والذي يعلم صدق نواياهم، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فلا يخفى على الله شئ في الأرض ولا في السماء، وليس لنا ولا لأي أحد من الناس أن يحكم بالجنة أو بالنار على مخلوقاته، فهذا تكلف وتطفل على الله، قال تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير) (2).

وبهذا لا يمكن لنا أن نترضى عليها ولا أن نلعنها، ولكن لنا أن لا نقتدي بها ولا نبارك أعمالها، ونتحدث بكل ذلك لتوضيح الحقيقة إلى الناس، عسى أن يهتدوا لطريق الحق.

قال الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام: لا تكونوا سبابين ولا لعانين ولكن قولوا: كان من فعلهم كذا وكذا، لتكون أبلغ في الحجة.

فلا ينبغي أن تخلط أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا والذين أدخلهم الرسول معه تحت الكساء بنساء النبي صلى الله عليه وآله.

وانظر إلى أئمة المحدثين أمثال مسلم والبخاري والترمذي والإمام أحمد والنسائي وغيرهم عندما يخرجون أحاديث الفضائل في كتبهم وصحاحهم كيف يفصلون فضائل أهل البيت عليهم السلام عمن سواهم من نساء النبي صلى الله عليه وآله.

كما جاء في صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب قوله عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (ألا وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما كتاب الله عز وجل، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة)، ثم قال: (وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) فقلنا من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده (3).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) المصدر السابق.

(2) البقرة آية: 284.

(3) صحيح مسلم: ج 7 / ص 123 باب من فضائل علي بن أبي طالب: 141.

كما جاءت شهادة البخاري ومسلم في أن عائشة هي من آل أبي بكر وليست من آل النبي، في حادثة نزول آية التيمم.

فلماذا هذا الاصرار من بعض المعاندين الذين يحاولون بكل ثمن إحياء الفتنة وتقليب الحقائق التي لا شك فيها.

إذن أم المؤمنين عائشة ليس لأحد منا أن يعترف لها بتلك الفضيلة - كونها من أهل البيت - لأنها ليست منهم، ومن يقل غير ذلك فليراجع الصحاح ليتيقن أن علماء أهل السنة هم الذين أخرجوا نساء النبي جميعهن من أهل البيت عليهم السلام.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).

على كل حال رحم الله أم المؤمنين وغفر لها كرامة لزوجها، ونحن لا نضيق رحمة الله التي وسعت كل شئ، وكان بودنا لو أن الناس يعطون كل ذي حق حقه من التقدير لمن يستحقه، ومن العداء لمن تعدى على الحق.

ولولا هذه الفتن والمآسي التي تسببت في تفريق المذاهب وتشتيت شملهم وذهاب ريحهم، لما أصبحنا اليوم طعمة الآكلين وهدف المستعمرين وضحية الظالمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.